تحميل رواية «زوجتي المجنونة» PDF
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم تستطع تمالك نفسها من الضحك عندما أخبرها أبوها أن الأستاذ أحمد تقدم لخطبتها. نظر لها أبوها وقد بلغ الغضب منه مبلغه على تلك التي تضحك أمامه وصاح بها: "خديييييييجة!" كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة عندما وكزتها أمها في كتفها. ابتلعت لعابها بخوف ظهر على وجهها من أبيها وقالت: "نعم يا بابا، أنا سمعتك بس مش قادرة أستوعب كلام حضرتك." أجابها أبوها بحنق: "يعني اللي مش واضح؟ قلت لك مستر أحمد عاوز يخطبك." كادت أن تنفجر مرة أخرى في الضحك لولا نظرة أبيها الصارمة. فتابعت حديثها: "مستر أحمد اللي إحنا عارفينه، مستر...
رواية زوجتي المجنونة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هيام شطا
جلست في غرفتها ببيت أبيها لا تصدق أنه مر شهر.
شهر لم تراه، شهر لم تنعم بدفء أحضانه، شهر لم يدللها، شهر لم تسمع صوته.
كل ما بقى بينهم هي تلك الرسائل الغبية التي يطمأن بها عليها، أو كما تعتقد هي يفعل واجبه تجاهها.
كيف قسى قلبه عليها؟ تعلم أنها أخطأت، ولكنها لم تقصد خطأها.
كل ما فعلته هو سوء تصرف منها، لا سوء ظن به.
لما لا يفهمها تلك المرة؟ لما يقسو عليها؟
انتشلتها أمها من شرودها وهى تهتف:
"ديجا يا قلبي، مالك يا حبيبتي؟ سرحانة في إيه؟"
أجابتها بوجوم:
"ما فيش يا ماما."
"سلامتك يا حبيبي. طيب يا قلبي تعالي الغداء جاهز، وبابا ومصطفى أخوك مستنينك."
"ماليش نفس يا ماما."
سألتها أمها بقلق:
"إيه يا حبيبتي حاسة بحاجة؟"
"لأ يا ماما، أنا كويسة."
"طيب يا حبيبتي، يلا بقى علشان صحتك يا حبيبتي، انتي والنونو. ولا عاوزة لما تروحي تبقي خاسّة ويقولوا علينا إيه مش بناكلك."
ابتسمت خديجة بسماحة وهي تقول لأمها:
"مش بأكل إيه يا ماما؟ أنا قربت أبقى فيل."
"فيل إيه يا حبيبتي؟ انتي بتاكلي لك وللنونو. يلا بقى."
انضمت إلى أبيها وأمها وأخيها إلى طاولة الغداء.
وما هي إلا لقيمات قليلة إلا وتركتهم وهمت بالانصراف.
سألها أبوها:
"إيه يا خديجة، رايحة فين يا حبيبتي؟"
ابتسمت لأبيها:
"والله شبعت يا بابا."
"استني يا حبيبتي، عاوزك في حاجة."
توجهت خيفة من أبيها أن يسألها إن كان هناك مشكلة بينها وبين زوجها.
وما حسبته وجدته حين جلست مع أبيها وهو يسألها:
"خديجة يا حبيبتي، انتي وأحمد فيه حاجة بينكم؟"
أجابته بتأكيد:
"لأ يا بابا، إحنا كويسين، مفيش حاجة."
"امال يا بنتي ليه سايبة بيتك وقاعدة هنا؟ وكمان ليه هو مش بيجي لك هنا؟ كل اللي بعمله أنه بيتصل عليكي."
أجابته بنفي:
"مفيش يا بابا، أنا اللي طلبت منه أقعد معاكم شهر، الوحم اللي لسه ده عشان أنا تعبانة، ويومين كدا وهروح أول ما أبدأ في الرابع."
ثم أكملت بمرح حتى تطمئن قلب أبيها:
"انت زهقت مني ولا إيه يا سي بابا؟"
احتضنها وأجابها بصدق:
"عمري يا حبيبتي ما أزهق منك، دا إنتي وأخوكي نور عيني."
دلفت إليهم صفية تحمل القهوة لزوجها وهي تهتف بمرح:
"سيدي يا سيدي، إيه ده يا رشدي؟ أنت لسه بتدلّع خديجة؟ ديجا خلاص هتبقى أم!"
أجابها بحب وهو يشدد من احتضانها:
"حتى ولو بقت جدة هتفضل ديجا حبيبة قلبي الدلوعة."
انقضى اليوم وهي تضحك وتلهو مع أبيها وأخيها.
وها هو الليل أتى بثقل ساعاته.
عزمت أمرها على أن تذهب غداً إلى بيتها ولن تحدثه إلا إذا جاء هو وحدثها.
وأيضاً سوف تعلمه كيف له أن يقسو عليها.
صبراً أيها الأحمد.
أحمد.
"هتفت الحاجة سعاد بغضب في ابنها."
"بقولك إيه يا أحمد؟ أنا مش عيلة صغيرة علشان أصدق إن مراتك عاوزة تقعد الفترة دي كلها عند أهلها. انتم أكيد متخانقين."
أجابها أحمد بمراوغة:
"ولا متخانقين ولا حاجة يا ماما، هي بس مامتها هي اللي قالت لي سيب خديجة يومين معانا."
"وهما اليومين دول مش هيخلصوا؟ اعمل حسابك الصبح هروح أجيبها أنا ووفاء وعلا ونطمن عليها."
لم يعترض على اقتراح أمه بل تراقص قلبه من الفرحة.
هل ستأتي حبيبته غداً له؟
ولكنه توجس خيفة من أن ترفض خديجة الحضور مع أمه أو تقص عليها ما حدث.
لا، لا لن تفعل، فلابد أنها وعَت وعرفت الدرس وتعلمته.
هكذا حدث نفسه.
وكم كان الليل طويل على خديجة.
كان طويل على أحمد.
وكلا منهم ينتظر الصباح بفارغ الصبر.
"ماما أنا خلاص لميت حاجاتي، بابا هيوصلني دلوقتي ولا بعد الغداء؟"
سألت خديجة أمها بعد أن حزمت كل شيء لها.
أجابتها أمها بمرح:
"اصبري يا ديجا لبعد الغداء يكون بابا جه من الشغل وأجي أنا كمان معاكي أنضف لك البيت. زمان أحمد قلبه."
"خلاص يا ماما بعد الغداء نمشي."
لم تنهِ كلمتها إلا وسمعت جرس الباب يعلن عن قادم.
وكم كان هذا القادم غالي وعزيز على قلب خديجة.
أنها أمها الثانية الحاجة سعاد وأخواتها التي لم تلدهم أمها.
أنهم علا ووفاء.
وكم كان استقبالها لهم بشوق وترحاب.
رغم أنهم يحدثوها كل يوم وأكثر من مرة إلا أنها اشتاقت لهم.
"بترحاب شديد رحبت بهم صفية أم خديجة."
"يا مرحب يا أهلاً، والله البيت نور."
أجابتها سعاد بحب:
"البيت منور بأهله يا أم مصطفى."
وأكملت ممازحة حتى تخبرهم بسبب زيارتها دون أن تعرض خديجة للحرج إذا كان هناك مشكلة بينها وبين ابنها ولم تخبر أهلها بها.
"إحنا قولنا نيجي نتغدى معاكم وناخد خديجة عندنا بقى شوية. كفاية كدا. تيجي بقى هي والغالية ابن الغالي تنور بيتنا، ولا إيه رأيك يا ديجا؟"
ابتسمت خديجة بحب لها، وقبل أن تجيب على حماتها أجابت أمها ببسمة وسماحة نية:
"والله أنتم ولاد حلال. لسه بقول لخديجة خلينا نروحك بعد الغداء وسبحان الله أنتم جيتوا تاخدوها. نتغدى كلنا بقى ونروح نوصل لها البيت."
هتفت الحاجة سعاد بفرحة لما سمعته:
"إذن خديجة كانت تنوي اليوم العودة. كم هي فتاة جميلة محبة لابنها."
"لأ، بيت إيه اللي ننضفه؟ البيت زي الفل من امبارح وأنا خليت أحمد جاب اتنين نظفوه."
هل هكذا يدبر الله الأمور؟ بينما هي أرادت أن يدخلها أحد إلى بيتها مرفوعة الرأس، وأيضاً لم يعلم أحد بما حدث.
وكيف يكون تدبير الله لأمرك؟ أن نويت الخير وتركتها لتدابير الله.
وها هي تدلف إلى بيت حماتها بصحبة حماتها وهالة وعلا.
ولم تكن فرحتها أقل من فرحته التي ظهرت جلياً في عينيه حين أبصرها.
وبقلب لهيف خطى إليها وهو يحتضن يديها بين يديه ويقول بحب:
"نورتي الدنيا يا حبيبتي."
كسى وجهها حمرة الخجل، بينما هو لم يخجل من البوح بمكنون قلبه أمام الجميع.
اقتربت منه أمه وهي تمازحه:
"لأ لأ يا مستر، أنت تاخد مراتك بيتك وتقول لها اللي أنت عاوزه، إنما كدا قدامنا عيب يا ولا اتحشم."
انفجر الجميع ضحكاً على كلمات سعاد.
وبعد فترة قليلة اصطحب أحمد خديجة وذهبوا إلى منزلهم.
وما أن دخلا من البيت حتى جذبها إلى صدره يحتضنها بشوق بالغ وهو ينثر قبلاته على وجهها ويقول ما بين القبلة والأخرى بلهفة عاشق أضناه البعاد:
"وحشتيني يا ديجا، سامحيني يا قلبي، عمري ما هبعد عنك تاني يا روح قلبي."
بعد فترة طويلة أخرجها أخيراً من أسر أحضانه.
حملها لكي يدلف بها إلى غرفتهم.
ابتسمت هي بدهاء، بينما انتوت أن تنفذ مخططها، فهي لم تسامحه ولكنها أوهمته بالسماح.
وما أن وضعها على الفراش حتى تحججت وهي تقول له بمكر:
"معلش يا أحمد، ممكن تجيب شنطتي من بره."
أجابها بنفاذ صبر:
"وده وقته يا روحي؟ خليكي معايا."
همست له بدلال:
"وحياتي."
وكيف يرفض لها طلب؟ خرج من الغرفة لكي ينفذ طلبها.
وها هو وقع في فخها.
فإن هي عادت، فقد عادت له لأنها تحبه، ولكنها ستعلمه أن لا يتركها خارج بيتها بعد الآن.
إن كان غاضب حانق عليها، فلا يبعدها عن بيتها، يتركها فيه إلا أن تهدأ ويهدأ هو، ثم يأتي دور العتاب.
أغلقت الباب خلفه وهي تضحك بمكر وتهتف من خلفه:
"أحمد يا روح قلبي، نام بقى في أوضة الأطفال علشان أنا أخدت إني أنام لوحدي على السرير. تصبح على خير يا روحي."
هل تمزح معه؟ عن أي نوم وأي غرفة تتحدث؟
اشتعل من الغضب بينما وقع بكل غباء في فخ صغيرته التي عادت، ولكنها عادت لتنتقم.
"خديجة بطلي هزار تقيل وافتحي يا روحي، إنتي وحشاني."
"أنا مش بهزر يا مستر، وسبيني بقى عاوزة أنام."
ناداها بصوت عاشق:
"خديجة وحشاني، أيهون عليكِ؟"
"ما هونت عليك وسبتني شهر ونص عند بابا؟ استحمل شهر ونص زيهم."
صعق من ردها عليه.
ولكن مهلاً، هل هي خديجة زوجته الحنونة ذات القلب الطيب؟ أين هي؟
هتف بلوعة علها ترفق بحاله:
"ديجا يا قلبي، أنا كنت بموت كل يوم من غيرك."
"لأ، مش هفتح وأنا حرة."
هنا علم أنها تتدلل عليه وتعذبه كما تظن هي أنه فعل بها.
ولكن مهلاً، فلتتدلل كما تشاء، المهم إنها في بيته.
وما لم يتم اليوم، فأن غداً لناظره قريب.
وكما كان أحمد يُنكوى بنار العشق وهو يتقلب على ذلك الفراش البارد بدونها، كان عمر الذي مازال يسدد فاتورة خطأه الوحيد مع هالة.
فقد مر على عودتهم إلى منزلهم شهر ونصف وهو ملتزم بما اشترطته عليه هالة.
أنها ستتركه إلى أن يعتاد عليه.
ومن قال إنها لم تعتد عليه؟ من طريقته المرحة، حبه الذي أغدقها به طوال تلك الأيام.
تعلم أنه يحترق شوقاً لها، ولكنه ملتزم بوعده لها.
ولكنها اليوم ستكون أكرم منه، فقد أعدت له مفاجأة يتمناها ولم يتمنى سواها.
دلف إلى المنزل الغارق في الظلام بعد أن عاد من العمل.
يتمنى أن يراها مستيقظة تنتظره، ولكن هيهات.
هكذا كان يتمنى نفسه.
دلف بهدوء إلى غرفة النوم، ولكنه تصنم في مكانه من روعة المفاجأة.
هل هي أميرته تبهره بتلك الهيئة التي بدت عليها؟
لقد أعدت له عشاءً رومانسي على ضوء تلك الشموع، وأيضاً ارتدت له.
ما هذا يا إلهي؟ إنها فاتنة.
اقترب منها كالمسحور، وهي تقول بصوت ناعم خجول:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
هل يحلم أم أنه دخل الجنة الآن؟
جذبها إليه يتلمس وجهها وهو يقول:
"هالة، إنتي بجد ولا أنا بحلم؟"
ضحكت بصوت أنثوي وهي تهمس أمام شفتيه:
"لأ يا حبيبي، بجد."
"طيب اقرصيني علشان أصدق."
ضغطت بيدها على وجنته بخفة وهي تقول:
"ها، صدقت؟"
جذبها إلى صدره يعصرها بين أحضانه وهو يقول:
"كذا، أنا صدقت."
أنهى كلماته بين شفتيها، يقبلها برقة مراعياً أنها مازالت تخشاه.
وجدها تبادله قبلاته بجهل منها.
وما هي إلا ثوانٍ وحملها واتجه بها إلى الفراش.
هتفت له بدلال:
"لا لا، عمر العشاء."
غمز لها وهو يضعها برفق على الفراش:
"لأ، أنا هحلى الأول."
ثم التقط شفتيها وهو يذهب معها إلى عالم كم تمناه معه فيه.
يروي عطش حبه لها، ولكنه كان مراعياً لها، حنوناً عليها، يزيل أي ذكرى مريرة لها معه ويضع أخرى جميلة لهم.
ما أن رآها تنزل من سيارة علي، حتى جرى عليها بلهفة وشوق:
"علا، استني، عاوز أكلمك."
أجابته بقليل من الغضب:
"جواد، لو سمحت افهم بقى، أنا مش هتجوز تاني. ولو سمحت سبني في حالي."
اقترب منها وهو يقول بحب:
"حالك هو حالي يا علا، ولو عشت عمري كله مش هبعد عنك ولا هسيبك تاني. اديني فرصة يا علا، أنا بحبك والله بحبك."
كم أثلجت قلبه كلماته ونبرة صوته الحنونة وهو يترجاها.
لكنها هتفت فيه بغضب مصطنع:
"لو سمحت يا جواد، أنا لسه في شهور العدة وكدا حرام وغلط."
"طيب ما أنا هستنى لبعد العدة واستناكي عمري كله بس وافقي."
أجابته بدلال:
"هفكر."
هل لأن قلبها له أم أنه يتصور من شدة شوقه لها؟
هتف غير مصدق:
"بجد يا علا هتفكري؟"
"أيوه، بس مش دلوقتي. بعد جلوس فارس وعاوزة أحضرها."
هل استدعت شياطينه الآن؟ بعد ذكر اسم فارس.
صاح فيها بغضب:
"على جثتي."
أجابته بتحدي:
"وده شرطي."
خضع لها بعد تفكير وهو يقول لها بأمر:
"معنديش مانع بس تبقي معايا."
"خلاص اتفقنا يا جواد."
أسبوع مر وها هي تقف بجواره أمام قفص فارس وهي تنظر له بتشفٍّ.
فقد رأت بأعينها أن الله لم يذهب حقها بل عوضها بالمقر.
وها هو فارس ينال عقابه بعد التخطيط المتقن الذي أوقعه فيه جواد، وأيضاً سوء عمله انقلب عليه.
فكل إنسان يجني حصاد عمله، من عمل خير يجني الخير، ومن غرس الشر لا يجني إلا شوك الشر.
فاقت من شرودها على صوت القاضي:
"حكمت المحكمة على فارس حسن الصياد بخمسة عشر عاماً مع الشغل والنفاذ."
تنفست الصعداء ورقصت الفرحة في عينيها.
هتف ذلك العاشق بجوارها:
"مبروك، مبروك، خلاص حقك رجع يا علا."
أجابته بفرحة مثلها:
"الله يبارك فيك يا جواد. لولا اللي انت عملته مكنتش أخدت حقي."
"أنا معملتش حاجة، ده كرم ربنا علينا."
خرج فارس مع الحراسة المشددة عليه.
اقتربت منه علا قبل أن يصعد إلى سيارة الترحيلات وهي تقول له:
"شوفت يا فارس، ربنا جاب ليا حقي منك، بس عاوزة أقول لك حاجة، أنا عمري ما هسامحك."
نظر لها بشر وهو يقول لها بفحيح:
"ومين قال لك أنا عاوز سماحك؟ ولا هسيبك تتهني مع حبيب القلب."
وقبل أن تفهم مغزى كلماته، جذب السلاح من خصر أحد أفراد الحراسة وصوبه إلى صدر علا، وهو ينوي قتلها.
فهو بكل الحالات خسر كل شيء ولن يخسر وحده.
أراد أن يحرق قلب جواد وأحمد معاً، وليس أمامه إلا علا، هي من سينتقم منهم فيها.
وعى له جواد حين جذب السلاح.
وقبل أن تخرج تلك الطلقة منه، دفع جواد علا أرضاً، بينما استقرت تلك الرصاصة في صدر جواد.
حدث كل شيء بسرعة وكأنه كابوس.
وقع جسد جواد على الأرض، بينما هرولت علا عليه وهي تصرخ بقلب يحترق من الخوف:
"جوددد."
حملت رأسه على قدميها وهي تبكي بحرقة:
"جود رد عليا، جوووووود."
فتح عينيه وهو يقول بصوت متألم:
"قلب جود ودنيته."
رواية زوجتي المجنونة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هيام شطا
احتضنت جسده القابع بسكون بين يديها، تكاد تقتلها خفقات قلبها التي اشتعلت من الخوف أن تخسره.
لا تعلم كيف وصلت إلى المشفى، كل ما تعلمه أنها في كابوس وحب عمرها يحتضر بين يديها.
ليتها أخبرته أنها تعشقه كما يعشقها، ليتها أخبرته أنها منحته سماحها وغفرانها.
ليتها، وليتها، ولكن ليت لا نشعر بها إلا مع أول طريق الخسارة.
أخذه الأطباء منها على تلك العربة التي دلفوا بها إلى غرفت العمليات.
بقلب لهيف تحدثت إلى الطبيب:
"طمني يا دكتور، أرجوك."
أجابها الطبيب بعملية:
"الحالة خطيرة يا مدام، الرصاصة في مكان حساس وصعب، قريبة من القلب. ادعيله."
جلست على الأرض، فلم تعد تقوى على الوقوف. خارت كل قواها وهي تناجي ربها أن ينجيه لها ولأمه ولأخته.
"مش هخرج يا ديجا."
هتف بتلك الكلمات أحمد وهو يقترب من خديجة بمكر، بعد أن انتوى أن ينهي ذلك البعد الأحمق بينهم. يحبها ولم يعد يقوى على بعدها عن أحضانه. وكيف سيرق قلبها له وهي تنام بعادًا عنه؟ مر أسبوع منذ عودتها وهي على عندها، ولكن نفذ صبره بعد أن فاض شوقه لها.
هتفت بغضب مصطنع، فقد اشتاقت له كما يشتاق هو، ولكنها تتدلل وتنتظره أن يخطو الخطوة الأولى، وهي لن تمانع أن خطت خلفه لتطفئ له وبه تلك النار.
"لأ يا أحمد، هتخرج من الأوضة، أنا تعبانه وعاوزة أريح."
اقترب منها بمكر، احتضن خصرها وهو يقربها إليه ويهمس لها:
"طيب، ما أنا كمان تعبان وعاوز آخدك في حضني وأريح شوية بعد الغدا الحلو ده يا ديجا."
ضحكت له بصوت أنثوي وهي تهتف بدلال:
"ومن امته يا مستر بتحب تريح بعد الغدا؟"
قطع تلك الأناشات القليلة بينهم وهو يقول:
"من النهاردة يا قلب وروح المستر."
لم تكمل كلماتها، انقض على شفتيها يقبلها بحب ولوعة عاشق محروم من نعيم جنته التي أصبح الآن على أبوابها، وتدعوه سيدته ليخطو بها من جديد بعد أن حرمته من الاقتراب منها.
بأصابع مرتعشة، استجمعت علا قواها وهي تجري اتصالها بإخواتها. لم يجيب أحمد لأن هاتفه مغلق. أعادت الاتصال بعلي، فأجابها على الفور. لم تنتظر سماع صوت أخيها، ما أن أجاب عليها حتى صرخت فيه:
"إلحقني يا علي، جواد بيموت."
لم يفهم من كلماتها أي شيء بسبب بكائها وشهقاتها. وأخيرًا استطاع أن يعرف منها أين هم وعنوان المشفى. دلف إلى غرفته ليستبدل ملابسه. دلفت وفاء خلفه بعد أن رأت ملامحه القلقة وهي تسأله:
"فيه إيه يا علي؟ مالها علا؟"
جذبها إلى الداخل وقص عليها ما فهمه من علا بسرعة، وأوصاها أن لا تخبر أمها أو خالتها ولا حتى ريم.
"أوعى يا وفاء حد يعرف، أنا هروح آخد أحمد ونروح المستشفى، احنا لسه مش عارفين فيه إيه."
أجابته بتأكيد:
"حاضر."
"حاضر يا حبيبي، بس أول ما تعرف حاجة طمني."
تركها وانصرف.
كان أحمد في عالم آخر، وعلى أعتاب جنته ومرحب به لدخول فيها، حين تعالى جرس باب بيته وصوت خديجة الذي أخرجه من مشاعره وهي تهتف به وتزيحه:
"أحمد، الباب."
"سبيه يخبط شوية، واللي بيخبط هيزهق."
عاد يدفن وجهه في عنقها ويقبلها، ولكن صوت الطرقات تعالت على الباب. أصرت عليه تلك المرة:
"أحمد، شكلها حاجة مهمة. علشان خاطري شوف مين."
ابتعد عنها وهو يجلب قميصه يرتديه، وهو يسب من بين أسنانه ذلك القادم. ما أن فتح الباب حتى صرخ به علي:
"الحقنا يا أحمد، جواد انضرب بالنار."
لا يعلمون كيف وصلوا إلى المشفى، وألف سيناريو وسيناريو يدور برؤوسهم. نعم، كلاهما يعلم أن أختهم مع جواد لحضور محاكمة فارس، بعد أن استأذنت علا أباها وأخويها في حضور تلك الجلسة برفقة جواد. ولكن ماذا حدث؟ ومن الذي ضرب الرصاص؟
هدأت أسئلتهم حين ارتمت علا بين أحضان أخويها وسندها في الحياة. ضمها علي إلى صدره وهو يهدئ من روعها ويجلس بها على أقرب مقعد، ويجلس أحمد بجوارهم.
"أهدي، أهدي يا قلبي، أهدي يا حبيبة قلبي، احنا خلاص معاكي، متخافيش."
أخذ يربت على ظهرها وأحمد يملس على شعرها.
بعد فترة قليلة، خرجت من أحضان أخيها وبدأت تقص عليهم ما حدث.
هتف أحمد بغضب:
"يا نهار أبوه أسود، يعني ابن الـ..."
"كان عاوز يموتك."
بصوت باكي منتحب أجابته:
"أيوه يا أبيه، لولا جواد زقني والرصاصة جت فيه هو. يا ريتني موت أنا وهو."
احتضنها أحمد بقلب لهيف:
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي."
ثم أكمل بصوت مطمئن:
"إن شاء الله جواد هيبقى زي الفل."
هل يطمئنها أم يطمئن نفسه؟ وها هي تمضي الساعات كأنها دهر، وثلاثتهم أعينهم معلقة على ذلك الباب الذي يقبع خلفه جواد بين يدي الأطباء. جلست بقلب يحترق عليه من القلق. نظر إلى ملابسها التي ترتديها والتي تحمل دماء عزيز قلبها.
بعد عدة ساعات، خرج الطبيب من الغرفة. جرى عليه أحمد وعلي وعلا. هتف أحمد بصوت قلق:
"ها يا دكتور، جواد عامل إيه؟"
أجابهم الطبيب:
"الحمد لله، العملية نجحت وخرجنا الرصاصة. وحفاظًا على القلب لازم يفضل في العناية المركزة كذا يوم وربنا يسهل إن شاء الله، وبعدها يخرج لأوضة عادية."
سألته علا بلهفة:
"يعني هيعيش يا دكتور؟"
أجابها الطبيب وهو مشفق عليها:
"إن شاء الله يا مدام. وبعدين إحنا كلنا تحت رحمة ربنا. ادعيله."
تركهم الطبيب وانصرف. بعد برهة، خرج جواد محمولاً على ذلك السرير يدفعه بعض الممرضين. هرولت خلفه علا وأحمد وعلي. وأخيرًا دلف إلى غرفته العناية المركزة. وبقيت هي وأخواتها ينظرون إليه من خلف ذلك الزجاج. هي تحترق من الخوف عليه، وأحمد وعلي شارفا على الموت رعبًا على أخ وصديق ظلمته الحياة، وها هو يكافح ليحيا ما تبقى منها.
كادتا أن تحترق قلوبهم من الخوف والقلق عليهم، فالأخوة الثلاثة في المشفى، لا أحد منهم يجيب على هاتفه. همست خديجة لوفاء بقلق:
"خلاص يا وفاء، مش قادرة أستحمل أكتر من كده. محدش بيرد منهم. أنا هموت من القلق."
همست لها وفاء بنفس الخوف والقلق الذي ظهر جليًا في صوتها:
"ولا أنا يا خديجة. إحنا هنا مش عارفين حاجة. الله أعلم جواد حصله إيه. أنا خايفة يكون حالته خطيرة."
وضعت خديجة يدها على فمها وهي تكتم شهقتها، ثم قالت لكي تطمئن حالها ووفاء:
"لأ، لأ يا وفاء. لو حصل حاجة، بعيد الشر، كان زمانا عارفين."
صاحت فيهم وهم يتهامسون الحاجة سعاد بقلق نهش قلبها على أبنائها:
"وفاء، إنتي وخديجة، حد فيكم يعرفني فيه إيه؟ وعلا فين؟ ومبتردش على التليفون ليه؟ ومحدش يكذب عليا تاني ويقولي راحت عند ريم بعد جلسة فارس، علشان لسه قافلة مع ريم وهي مش هناك."
ثم أكملت بصياح:
"أنا قلبي مش مطمن، أكيد حصل حاجة لأولادي. وأحمد وعلي اختفوا، راحوا فين؟ انطقي إنتي وهي."
وأثناء صراخها، دلف إليهم الحاج محمد وهو يسألها بقلق:
"فيه إيه يا سعاد؟ بتزعقي للبنات ليه؟"
أجابته بغضب:
"اسألهم مخبيين عني إيه؟ وأولادك فين؟ خرجوا من بعد الغدا ومحدش رجع منهم، والساعة داخلة على 11. لعلا رجعت من الصبح ولا حد من ولادك."
نظر محمد إلى خديجة ووفاء، ثم سألهم بهدوء عكس القلق الذي اشتعل في صدره:
"فيه إيه يا وفاء؟ علي وأحمد وعلا فين؟"
وقبل أن تقولي مش عارفة، أنا متأكد إنك عارفة."
قبل أن تجيب وفاء، اندفعت خديجة كعادتها، فهي لم تعد تتحمل أكثر من ذلك. قالت لمحمد:
"لأ، فيه يا بابا. وبصراحة كده، أنا هقولك، علشان إحنا مش عارفين نتصرف."
ثم بدأت تقص على أبو زوجها كل ما حدث، ثم أنهت كلامها:
"والله يا بابا، ده اللي حصل، ومن ساعتها إحنا مش عارفين حاجة عنهم."
قفز القلق من عين محمد، بينما صرخت سعاد باسم جواد، ونهش الخوف قلبها، فهو لم يكن فقط ابن أختها، إنه ابنها أيضًا وتربى مع أولادها.
أخرج محمد الهاتف وقام بالاتصال بأحمد، الذي ما أن أبصر اسم أبيه على الهاتف فأجابه بسرعة:
"أيوه يا حاج."
"أيوه يا أحمد، اسم المستشفى إيه اللي أنتم فيها؟"
أجابه مطمئنًا:
"اطمن يا حاج، جواد كويس، وأنا روحت علا مع علي، وهفضل أنا معاه."
قاطعه أبيه بحزم:
"أنا قلت لك، أنتم في مستشفى إيه؟ ترد عليا باسم المستشفى."
أجابه أحمد بقلة حيلة:
"إحنا في مستشفى..."
"يا بابا."
هتف الحاج محمد في سعاد:
"أجهزي يا حاجة علشان هنروح على المستشفى. وإنتي يا خديجة، خليكي هنا مع وفاء، وأنا هروح أجيب بهية تاخدوا بالكم منها، علشان هناخد ريم معانا تطمن على أخوها."
أجابته خديجة ووفاء بطاعة:
"حاضر يا بابا الحاج."
وما هي إلا دقائق وفعل ما قاله، وها هي بهية تجلس مع وفاء وخديجة يعتنون ببهية، ولم يخبروها بالحقيقة كاملة. أخفوا عنها ما أصاب جواد، كل ما قالوه لها أن علا مرضت بعد جلسة فارس واضطر جواد أن يأخذها إلى المشفى.
ذهبت ريم مع سعاد ومحمد إلى المشفى. ما أن دلفوا حتى هرولت ريم وهي تنتحب على أخيها. جرت على علا التي احتضنتها، وهي يقتلها الشعور بالذنب، فهي من أصرت على الذهاب مع جواد، وهي أيضًا من كانت هدف فارس، لولا يد جواد التي أبعدتها ليتلقى هو مكانها الرصاصة.
سألتها ريم بصوت باكي:
"جواد ماله يا علا؟ حصله إيه؟"
أجابته مهدئة لها:
"أهدي، أهدي يا حبيبتي، جواد كويس، إن شاء الله هيبقى كويس."
هل تطمئنها أم تطمئن روحها؟
يا إلهي، ماذا تفعل؟ جلست ريم وهي تبكي بحرقة على أخيها المغدور من ذلك الخائن الذي دمر كل شيء بحقده وغله، وأيضًا استغلها في تدمير أخيها، فهي أيضًا غرست سكين أشد فتكًا من تلك الرصاصة في صدر أخيها.
جلس أحمد وعلي بجوار أبيهم يقصون عليه ما حدث. وأخيرًا تحدث الحاج محمد:
"إنتوا الاتنين غلطانين، إن محدش فيكم عرفني فيه إيه."
أجابه أحمد مدافعًا عن أخيه، معللاً:
"بابا، كل حاجة حصلت بسرعة، وحضرتك كنت بره البلد، فأنا وعلي اتصرفنا."
"ماشي يا أحمد، المهم دلوقتي، واحد فيكم هيفضل هنا مع ريم، وواحد ياخد أمه وأخته ويروح على البيت. وأنا هروح المركز للزفت."
أطاعه الجميع، بينما أصرت علا على المبيت مع ريم وأحمد. هتفت بها أمها بقليل من الحدة:
"هتباتي فين يا علا؟ تعالي يا حبيبتي معايا، وبكرة الصبح هنيجي كلنا، وخلاص الفجر قرب يأذن."
أجابتها بترجى:
"علشان خاطري يا ماما، مش قادرة أسيبه وهو في الحالة دي."
تمزق قلبها على صغيرتها وعلى حالها. ربتت ريم على كتفها بحنان وهي تقول لها:
"مش هينفع يا علا، تفضلي كده هنا وهدومك دي اللي كلها دم. روحي غيريها وارتاحي وتعالي الصبح. واللي هيفضل هنا، يعني هيعمل إيه؟ إحنا كلنا بره، وجواد بين أيادي رحمة ربنا، وإحنا كلنا بندعيله."
امتثلت علا لحديث ريم وذهبت مع علي وأمها على أن تعود في الصباح. جلس أحمد بجوارها وهو يطمئنها على جواد، الذي خرج الطبيب من عنده وقد أخبرهم أن ضربات قلبه بدأت تستقر. جلست تنتحب بصوت خافت وتحمد ربها أنه نجى لها أخاها، وتدعوه أن يتم شفاها على خير.
استأذن منها أحمد وخرج إلى حديقة المشفى يدخن سيجارة ويتصل بخديجة يطمئن عليها ويطمئنها على جواد.
"أيوه يا خديجة."
بصوت لهيف أجابت عليه:
"أيوه يا أحمد. أيوه يا حبيبي، عامل إيه؟"
أجابها بحب:
"أنا الحمد لله كويس، وكمان جواد الحمد لله حالته استقرت. أمي وصلت."
"أيوه يا حبيبي، وصلت من ساعة هي وعلا، بس علا صعبانة عليا قوي يا أحمد."
سألها بخوف:
"جرالها حاجة؟"
أجابته لتطمئنه:
"لأ يا حبيبي، اطمن. هي كانت منهارة من اللي حصل لها، بس أنا ووفاء فضلنا معاها، وأخدت شور ودخلناها تنام، ونامت."
"وإنتِ فين يا خديجة؟ أوعي تكوني روحتِ."
"لأ، لأ يا حبيبي، أروح فين؟ أنا هنا مع وفاء وماما سعاد، متقلقش."
"أنا هنام في أوضتك يا حبيبي."
"خدي بالك من نفسك يا روحي."
"حاضر يا حبيبي. ابقى طمني لو حصل حاجة."
أنهى معها المكالمة وهو يجلس على مقعد في حديقة المشفى. بينما ريم ظلت جالسة أمام الغرفة التي ينام بها جواد. غلب عليها النوم مع ساعات الصباح الأولى، حين أتى ذلك الطبيب الذي يباشر حالة جواد. لفت نظره تلك التي تغفو بملامح جميلة هادئة، وأيضًا حزينة أمام غرفة المريض. تذكرها وهي تصرخ باسمه حين جاءت إلى المشفى، وهي تسأله: "جواد، أخويا، جراله إيه؟" إذن هو أخوها.
استفاق الطبيب من تخيلاته حين لمحها تتململ في نومتها غير المريحة. استقام في وقفته وهو يجلي صوته حين رآها استفاقت:
"حضرتك نايمة كده ليه؟"
سألها بلهفة، بينما لم تسمع أي كلمة مما نطق بها.
"جواد كويس يا دكتور؟ حصله حاجة؟"
أجابها مطمئنًا:
"جواد الحمد لله، حالته بقت زي الفل، ربنا كتبله عمر جديد."
ثم أكمل لها أمرًا وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد:
"أنا بسألك نايمة كده ليه؟"
أجابته ببلاهة:
"كده اللي هو إزاي حضرتك؟"
تدارك موقفه الحرج وهو يشير إلى إحدى الغرف:
"لو عاوزة تريحي شوية، اتفضلي نامي هنا، دي أوضة فاضية لحد ما جواد يفوق."
شكرته بتهذيب وسألته:
"هو هيفوق إمتى يا دكتور؟"
أجابها بصدق:
"إن شاء الله كلها كام ساعة ويفوق، وبكرة إن شاء الله لو حالته فضلت مستقرة هننقله أوضة عادية."
سألته بلهفة:
"هو ممكن يحصل له حاجة يا دكتور؟"
ابتسم لها ليطمئنها وهو يقترب منها ويقول:
"لأ، اطمني، إن شاء الله مش هيحصل حاجة."
ابتسمت له، ولكن الحزن غلب على ملامح وجهها وهي تشكره:
"شكرًا لحضرتك يا دكتور."
تركها وانصرف، ولا يعلم لماذا وقف أمامها، لماذا جذبت انتباهه؟ هل لأن عيناها حزينة أم لأنها تشبهها إلى حد كبير؟
وصل الحاج محمد إلى مكان حجز فارس، ولكنه صعق مما سمعه من ضابط المركز:
"مات فارس؟ مات إزاي يا فندم؟"
أجابه الضابط:
"أيوه يا فندم، هو لما أخد المسدس وضرب نار على المدنيين، القوات اللي كانت واقفة قدام المحكمة ضربت عليه. ضربت عليه نار وهو اشتبك معاها علشان كان هيهرب، وأثناء الاشتباك هو اتصاب إصابة خطيرة، وقبل ما نوصله بالمستشفى كان مات."
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
تلك الكلمات التي نطق بها الحاج محمد، وبعدها هاتف علي الذي كان على وشك النوم بعد تلك الليلة المريرة. أجابه علي وقص عليه أبيه كل شيء.
عليه فعله ليدفنوا جثمان فارس. عاد الحاج محمد إلى منزله مع ساعات الصباح الأولى، وقد أخبر بهية وسعاد بما حدث لفارس. رغم ما فعله فارس في بهية وسعاد، إلا أنهم حزنوا لما أصاب ابن أختهم.
كما مر الليل ببطء وحزن شديد، كان النهار مثله. في الصباح، استلم علي جثمان فارس من المشفى، وقاموا بإجراءات الدفن والعزاء. انتهى شر فارس، والعجب هو أيضًا من أنهى حياته، بينما أراد أن ينهي حياة غيره، لينهي هو حياته بيديه.
بينما انشغل الجميع في عزاء فارس، هي لم تنشغل أو حتى تحزن عليه، وإنما ذهبت مبكرًا إلى المشفى لكي تطمئن على غاليها وأسر قلبها الذي ضحى بحياته لأجلها. هي دلفت تبحث عن ريم التي كانت ما تزال تجلس أمام غرفة أخيها. هرولت إليها وهي تسألها بلهفة:
"ها يا ريم، مفيش جديد؟"
أجابتها ريم:
"لأ يا علا، الدكتور بيقول إن شاء الله هيفوق كمان ساعات."
جلست بجوارها. وبعد بضع ساعات، جاء الطبيب يوسف المشرف على حالة جواد. أقبل عليهم مبتسمًا. هرولت إليه ريم وهي تسأله:
"جواد عامل إيه يا دكتور؟"
أجابها ممازحًا، بينما هي خطفت دقة من قلبه حين لمحها:
"والله جواد، أنا سايبه من أربع ساعات ومؤشراته الحيوية كلها تمام. أنا اللي شكلي تعبت."
سألته باهتمام:
"سلامتك حضرتك."
وسألته علا بقلق:
"ممكن حضرتك تسمح لنا ندخله؟"
أجابها بهدوء:
"كل واحدة لوحدها خمس دقايق بس."
دلفت علا أولاً، بعد أن أصرت عليها ريم لتدخل قبلها، بعد أن طمأنها يوسف على حالة جواد وأخبرها أنه ممكن أن يفيق في أي وقت، وبعدها ينقلونه إلى غرفة عادية. دلفت إليه وقلبها يتمزق عليه من الخوف، بعد أن رأت شحوب وجهه وتلك الأجهزة الموصلة به. جلست بجواره وهي تحتضن كفه الكبير بين يديها وتهمس له:
"جواد حبيبي، فوق، عاوزاك تسامحني، أنا آسفة يا جواد، ياريتني كنت أنا وأنت لأ، يا حبيبي."
زاد انتحابها وهي تكتم شهقات بكائها. شعرت بيديه تتحرك بين يديها. نظرت له وهي لا تكاد تصدق أنه بدأ في استعادة وعيه، وهو يهتف باسمها الذي خرج متقطعًا من بين شفتيه:
"عل... علا."
أجابته بلهفة عمره كله:
"علا."
"هرولت إلى الباب لتهتف بالطبيب الذي ما زال يقف مع ريم:
"دكتور يوسف، جواد فاق."
انتهى البارت.
رواية زوجتي المجنونة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هيام شطا
هتفت بقلب يكاد يقف من القلق والفرحة بعودة ذلك الراقد للحياة.
"دكتور يوسف جواد فاق."
دلف الطبيب مسرعًا إليه وبدأ في الكشف عليه وقياس معدلاته الحيوية. بعد برهة من الزمن سأله:
"أستاذ جواد، حضرتك سامعني؟"
ابتسم جواد بوهن وهز رأسه يومئ له. أجابه الطبيب بوجه مبتسم:
"حمد الله على سلامتك، انت اتكتب لك عمر جديد. خلاص انت كدا عديت مرحلة الخطر."
تهلل وجه علا وريم من الفرحة بنجاة جواد. هتفت ريم تحادث الطبيب بلهفة:
"بجد يا دكتور، جواد خلاص عدى مرحلة الخطر؟"
أجابها بوجه بشوش مطمئن:
"أيو بجد، وكلها ساعة وهننقله أوضة عادية تقدروا تزوروه فيها في أي وقت. بس دلوقتي بعد إذنكم يلا بره عشان صحة المريض."
أجابته ريم بطاعة:
"طبعًا حاضر، هنخرج بس أسلم على جواد."
"مفيش مانع، خمس دقايق وتخرجوا."
اقتربت ريم من جواد، أخيها سندها في الحياة. احتضنت كف يده بين يديها وانحنت لتقبله بقلب يرتجف من السعادة لعودته إلى الحياة مرة أخرى. همست له وهو يجاهد ليبقى مستيقظًا بعد أن حقنه الطبيب بتلك الأدوية التي تساعده على النوم حتى لا يشعر بالألم الذي أحبه:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
ابتسم لها بوهن. اقتربت علا منه ووقفت بجوار ريم، ودموع فرحتها بنجاته تجري على وجنتيها. نظرت له بإمتنان:
"حمد الله على سلامتك يا جود."
ابتسم لها بوهن وذهب في ثبات عميق أثر ذلك الدواء.
خرجوا من الغرفة بفرحة كبيرة وقلب مطمئن. وما هي إلا دقائق وتناولت علا هاتفها لكي تخبر أحمد وعلي.
وما هي إلا سويعات قليلة إلا وكان المشفى يعج بكل أهل جواد، وعلى رأسهم الحاج محمد نور الدين وخالته الحاجة سعاد وأمه التي أصرت على المجيء لتطمئن على ابنها، وحتى خديجة ووفاء وبالطبع أحمد وعلي.
كم كان مجهدًا شاحب اللون، ولكن عينه لم تبارح النظر إلى تلك التي سلبت قلبه ولم يتردد لحظة في أن يهديها حياته وبكل طيب خاطر حتى لا يتأذى منها. شعر بانتباه خديجة ووفاء على ذلك العاشق الذي ينظر إلى علا ولم يهتم بمن يراه. همست وفاء بمرح إلى خديجة:
"وخدة بالك من اللي أنا شيفاه؟"
أومأت لها خديجة بنفس المرح:
"أيو واخدة بالي، شكلنا كدا داخلين على قصة حب شبه روميو وجوليت."
ضحكت وفاء بصوت منخفض وأكملت:
"لأ وانت الصادقة قصة حب زي ديجا والمستر…"
اشتعل وجهها خجلًا من حديث وفاء. نظرت لها بغضب مصطنع وهي تهتف بغضب:
"وفاااء الله!"
صمتت وفاء وهي تبتسم على حال تلك الخجلة. تحدث الحاج محمد إلى جواد بإمتنان:
"حمد الله على سلامتك يا جواد يا ابني. أنا مش عارف أشكرك إزاي، أنا مديون لك بحياتي يا ابني."
قاطعه جواد بتهذيب:
"متقولش كدا يا عمي، ده واجبي وأنا معملتش حاجة."
قال له محمد بإمتنان لهذا الجواد:
"ربنا يبارك في عمرك يا ابني وتقوم بالسلامة."
ثم أضاف علي بمرحه المعتاد حتى يغير حالة الحزن التي انتابت الجميع:
"يلا يا بطل، شد حيلك كدا عاوزين نفرح بيك. عندي لك عروسة إنما إيه يا جود صاروخ."
ضحك الجميع على كلمات علي، بينما أضاف جواد بمغزى:
"أنا عارف عروستي فين، وخلي الصاروخ دي لحد تاني."
أنهى كلماته وهو ينظر إلى علا التي تحولت إلى شعلة حمراء ملتهبة من الخجل. همست وفاء لعلا بمشاكسة:
"إيه يا لولو، هو أبو الجود متيم وأنا مش عارفة ولا إيه؟"
نظرت علا لتلك التي تتسلى بخجلها وهتفت بها:
"لأ لأ يا فوفا، أنا مش قدك. الله يخليك طلعينى من دماغي."
"مش قبل ما أعرف."
ضحكت علا بخجل وهي تقول:
"أما أعرف أنا هقولك."
جلست بهية بجانب ابنها بعد أن انصرف الجميع إلا أحمد وعلي وريم الذين أصروا على البقاء مع جواد طوال فترة مكثه في المشفى. وبالطبع بقيت علا مع ريم حتى تقنعها بالعودة معها بعد أن يطمئنوا على صحة جواد. احتضنت بهية كف جواد وهي تبكي شكرًا لله الذي نجى لها وحيدها من شر ذلك الفارس. قالت له بأعين باكية:
"الحمد لله إن ربنا نجاك لنا يا جواد، ربنا كريم يا ابني."
ربت جواد على رأس أمه التي تنتحب وهي ممسكة بيده وهو يقول:
"ربنا عادل يا أمي والحمد لله ربنا نجاني بدعواتك."
"لأ يا حبيبي، نجاك عشان قلبك طيب ومسامح. إنما أنا…" قالتها وأطرقت رأسها بخجل من أفعالها التي أوصلتهم إلى ما هم فيه.
جذب جواد يدها وقبلها وهو يقول لأمه بحنان وسماح:
"إنتِ ست الكل وأمي وحبيبت قلبي، ربنا يخليكِ لنا يا ست الكل."
مازالت تسأل نفسها أي خير فعلته في حياتها حتى يهب الله لها ابنًا بارًا بها مثل جواد. عاهدت نفسها أنها ستحيا ما تبقى من عمرها لتسعده هو وريم فقط.
دلف أحمد إلى الغرفة وهو يحدث بهية:
"مش يلا بقى يا خالتي، الوقت اتأخر وانتِ تعبتي وكمان جواد تعب. يلا أروحكوا، وعلي هيفضل مع جواد النهاردة وأنا بكرة."
نظرت له بهية وهي تشكره:
"ربنا يبارك فيكم يا ابني."
"متقوليش كدا يا خالتي، دي أقل حاجة نعملها لجواد."
ساعدها في دفع كرسيها المتحرك وهو يخرج بها خارج الغرفة. بينما دلفت علا وريم ليسلموا على جواد. قبلت ريم جبهة أخيها وخرجت من الغرفة وتركت علا مع جواد.
اقتربت منه وهي تنظر له بإمتنان وتقول:
"شكرًا يا جواد."
نظر لها بعيون عاشقة حين اقتربت منه وتحدث بحب:
"أنا حياتي كلها فداك يا علا."
تبعثرت دقات قلبها، وعلت دقاته من حديثه. همت بالانصراف وهي تقول له بخجل:
"أنا أنا هروح بقى، أصلهم مستنيني بره."
ابتسم لها بحب وانصرفت. سألها بإهتمام:
"هتيجي بكرة؟"
أجابته بتأكيد:
"هاجي كل يوم يا جود."
دلف إلى منزله الغارق في الظلام، يشعر أن قدماه لم تعد تحمله من التعب والإرهاق في حادث جواد وبعده مراسم دفن فارس، وها هو اليوم الثالث يقضوه بالمشفى بعد أن استفاق جواد.
دلف بهدوء إلى الغرفة وجدها غافية على تلك الأريكة. أمامها طعام العشاء، يبدو أنها غفت وهي تنتظره. جلس بجوارها وطبع قبلة حانية على وجنتها وهو يهمس باسمها بحنان:
"خديجة.. خديجة يا روحي."
همهمت باسمه بحنان:
"أحمد."
"قلب أحمد، قومي يا حبيبتي."
استيقظت من نومها وهي تحدثه بنعاس:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
جلس وضمها إليه بشوق وقبل رأسها:
"حبيبك هلكان ونفسه ياخدك في حضنه وينام."
اعتدلت في جلستها وضمته بحنان وهي تقول:
"طيب ناكل الأول وبعد كدا نام."
أومأ لها بطاعة وقام معها ليتناول الطعام. ما أن انتهى من طعامه حتى استبدل ملابسه بطقم بيتي مريح وجلس على الفراش ينتظرها تخرج من الحمام.
وقفت أمامه حين خرجت بعد وقت قليل. وجدته غافيًا وهو متكئ على الفراش. ابتسمت بحب له وقد ظهر كم هو مرهق. عدلت نومته وانضمت إليه في الفراش لتضم نفسها إليه بحب وشوق أرهق قلبها. غفت بين يديه وذهبت في ثبات عميق مريح.
شعرت بأنفاسه على صفحة وجهها وقبلات رقيقة تنثر على وجهها وصوت حبيبها يهمس لها:
"ديجاا يا حياتي، قومي يا كسلانة."
تمطت بكسل وهي تهتف بنعاس:
"أحمد، سبني كمان شوية، لسه بدري."
زاد هو من جرعة حنانه وتقبيله لها، علها تشعر بشوقه لها وهو يهمس بجوار أذنها:
"لأ وحياتك يا ديجا، اصحي. انتِ وحشاني."
ثم أضاف بتذمر لطيف:
"بصراحة وحشاني قوى قوى."
وبين كل كلمة وأخرى قبلة، وهو يزيد من همسه:
"صحصحي معايا يا روحي، انتِ وحشاني. ولا هو الحمل هيجي على دماغي؟"
ابتسمت له وهي تحيط رأسه بدلال وهو:
"الحمل عمل إيه معاك؟"
"حرمني من حبيبي."
وقبل أن تجيب عليه انقض على شفتيها ينهل منها يريد أن يرتوي ويروي صحراء قلبه التي اشتاقت لمطر حبها عليها كي تتحول إلى جنان من جديد. أبعدته عنه وهي تهتف بدلال:
"أحمد، هتتأخر على جواد."
وعلي جذبها إليه مرة أخرى وهو يهتف غير عابئ بما يحدث وهو يقول بغضب مصطنع:
"يستنوا شوية، مش هيحصل لهم حاجة. ركزي معايا انتِ يا ديجا."
ضحكت ضحكتها الرنانة وهي تهتف بدلال:
"حاضر يا مستر."
نفذ صبره ليجذبها إليه ومعه إلى بحر عشقه ليسبح بها ومعها ويرتوي منها.
جلس في حديقة المشفى يتذكر تلك الرقيقة الناعمة، يتذكر بكائها، نحيبها، خوفها على أخيها، لهفتها عليه حين آفاق. ولكن ما سر تلك النظرة الحزينة التي تسكن عيناها؟ لقد تذكر بها زوجته وحبه الأول التي رحلت دون سابق إنذار وتركته هو وطفله في بحر الحياة دون مرسى لهم.
عندما رآها أول مرة وفي نفس الموقف حين أتت بأبيها إلى تلك المشفى، ولكن الاختلاف أن زوجته الأولى فقدت أباها هنا في المشفى، ولكن جواد نجا بفضل الله. إذن لماذا تلك النظرة لم تفارق عيناها؟ وكأن الحزن وجد دارًا له جديدة واستقر بها.
هم ليدخل إلى المشفى ولكنه وجدها تنزل من السيارة بصحبة ابن خالتها علي. اقترب منهم بوجه بشوش، هو يرحب بهم:
"أهلًا أهلًا باشمهندس علي، نورتوا المستشفى."
هتف علي بمرح مشابه:
"نورنا إيه يا دكتور، دا إحنا لسه شوية وننقل محل إقامتنا هنا. هو أنتم عاجبكم قعدتنا معاكم هنا ولا جواد مش عاوز يخف بقى؟"
أجابه يوسف بمغزى وهو ينظر إلى ريم الواقفة بجوار علي:
"بصراحة كدا يا باشمهندس، إن كان علينا مش عاوزين جواد يخرج من هنا، بس هو الحمد لله اتحسن كتير وكلها كام يوم ويخرج من هنا."
ظفر علي وهو يهتف بمرح:
"يا أخيرًا، دا أنا قربت أفقد الأمل إنه يخرج."
ضحك يوسف بصوت عالٍ من مزحة علي. انتبهت ريم إلى وسامة ذلك الطبيب الإنسان. لقد مر على جواد بالمشفى أكثر من أسبوعين لم يتوانى فيهم عن الاهتمام بأخيها وأيضًا أمها حين تحضر لزيارة أخيها معها أيضًا. كون صداقة جميلة مع أحمد وجواد، أنه فعلاً نعم الطبيب. فاقت من شرودها على صوته وهو يهتف لها:
"آنسة ريم، أنا رايح عند جواد. هتيجي معايا ولا هتستني علي؟"
انتبهت أن علي يتحدث في الهاتف، تركته وقالت ليوسف:
"لأ، أنا هاجي معاك عند جواد، زمانه زهق من القعدة لوحده."
ابتسم لها ثم أجاب:
"لأ متقلقيش، مدام علا عنده يعني مش هيزهق خالص. ولو بتحبيه اتأخري شوية وسيبى الراجل مع مراته براحته، واضح أنه بيحبها."
ابتسمت ريم بسماح وأجابته بود:
"خلاص خلينا نتأخر شوية وبلاش أغلس على أخويا."
سألها برجاء مخفى ولكنها فهمته:
"طيب إيه رأيك أعزمك على فنجان قهوة في مكتبي؟"
أجابته بحرج:
"مش عاوزة أعطلك."
"تعطليني عن إيه؟ ياريت كل العطلة حلوة كدا."
نظرت له بزهول، هل يغازلها؟ تدارك هو موقفه حين أكمل بمرح:
"على الأقل العطلة بتاعتك مفيش فيها عيانين."
ثم أشار لها على غرفة مكتبه. جلست مقابله له وهى ترتشف قهوتها. نظر لها بتأمل ثم سألها كى يجذب معها أطراف الحديث:
"واضح إنك متعلقة بجواد جدا."
أجابته بمحبة:
"جواد هو أخويا وأبويا وكل اللي ليا بعد وفاة بابا."
سألها مجدداً:
"وواضح إن جواد بيحب مدام علا وكمان ولاد خالتك بيحبوه جدا."
ابتسمت وأجابته:
"فعلاً هما بيحبوه وبيعتبروه أخوهم، إحنا متربيين مع بعض."
سألها بمغزى:
"طيب واخت جواد بقى بتحب مين؟"
صُدمت من سؤاله وجرأته معها التي تمادى فيها اليوم، ولكنها أجابته بلا مبالاة:
"أنا مش بحب حد ولا عاوزة حد يحبني. وبعد إذنك القهوة خلاص خلصت."
تركته وانصرفت حتى لا يتمادى معها في الحديث. تشعر به منذ أسبوع وهو يحاول التودد لها، التقرب لها، ولكنها تهرب منه. فهو لا يعرف عنها شيئاً ولا تريد أن تعلقه بها أو تتعلق به، لأنها إن عرف حقيقتها سيكرهها ولن تستطيع وقتها تحمل نظرة الاحتقار في عينه. يكفيها ما عاشت، واست، ستدفن ماضيها بين ثناياها، تناجي نفسها وتواسيها، ولن تفتح باباً لقلبها مرة أخرى. يكفي ويكفي. كل هذا حديثها نفسها.
"جواد اعقل ويلا خد الدوا، أنادي لدكتور يوسف وهو يتصرف معاك."
هتفت علا بتذمر محبب من حبيبها المجنون الذي يتصيد الفرص التي تكون فيها معه وحدها حتى يغدق عليها حبه ودلاله. أجابها بوله:
"مش قبل ما تقولي كنت ماسكة في إيدي قبل ما أفوق وبتعيطي وتقولي إيه؟"
هتفت فيه بدلال:
"جواد الله! مكنتش بقول حاجة."
"طب وحياة جواد؟"
نظرت له بخجل وهي تقول:
"مش هقول حاجة، إنت عارفها ومتأكد منها."
سألها بحب:
"أنا هكلم عمي محمد أول ما أخرج من هنا يا علا، مش قادر على بعدك أكتر من كده."
أجابته بخجل:
"جواد استنى، لسه أسبوع في العدة."
أجابها بعشق:
"حاضر يا قلب وعقل جواد."
ومع آخر كلماته، دلفت ريم وهي تهتف بمرح لأخيها بعد أن استمعت لآخر كلماته:
"سيدي يا سيدي على الحب ده، إحنا بقينا متيمين يا هندسة."
أجابها جواد بمرح مشابه، فقد عادت الحياة بينهم كسابق عهدها بعد أن سامحها. بعد أن تدخلت علا بينهم وأصلحت علاقتهما لتعود الحياة تزهر بزهور الحب والمودة بين تلك العائلة بعد أن روتها علا بمياه السماح والغفران.
"وإنت مالك يا حشرية؟ وبعدين إيه اللي جابك؟"
"الحق عليا، لقيت علي جاي ياخد علا قولت أجى أنا النهاردة أفضل معاك بدل أحمد ابن خالتك."
أجابها بسماحة:
"ولا أنت ولا أحمد، أنا إن شاء الله هخرج بكرة أو بعده بالكتير وبقيت زي الفل. هما بس الدكاترة اللي مكبرين الموضوع. أنا مش عاوز حد، انتي خدي علا أول ما علي يجي وتروحوا، والصبح تعالوا."
سألته علا بقلق:
"لأ يا جواد، مينفعش نسيبك لوحدك، يمكن تتعب بالليل."
أجابها بمرح حتى لا تقلق عليه:
"أتعب إزاااي والدكتور يوسف مش بيسيبني لوحدي، ده هاين عليه ميروحش بيته. والله ما أنا عارف قادر يسيب ابنه إزاي وبيطمن عليه بالتليفون."
سألته ريم باهتمام:
"ما هو مع مامته."
أجابها جواد وهو يلاحظ تغير ملامح أخته حين أتت سيرة يوسف:
"لأ يا علا، يوسف أرمل وابنه سايبه مع أخته بتربيه مع ولادها. الولد متعلق بعمته، بس جواد بيروح له كل يوم يشوفه. بس من يوم العملية وهو متعطل معايا. والله أنا مش عارف أعمل له إيه."
سألته ريم بقليل من الشرود:
"أرمل؟"
وكأنها تحدث نفسها.
دلف إلى غرفته وهو يدندن إحدى الأغاني الرومانسية. وجدته أمامها بوسامته التي تذيب قلبها. اقتربت منه بدلال وخطوات متمهلة وهي تقول:
"إيه الروقان ده يا علوه؟"
جذبها إليه وهو يقبل وجنتها بحب:
"يا قلب وروح علوه، مش عارفة أنا رايق ليه."
أحاطت عنقه بذراعيها وهي تهتف:
"لأ يا حبيبي، مش عارفة."
غمز لها بوقاحة وهو يحملها ويتجه إلى الفراش الوثير ويهمس بجوار أذنها:
"أصلي مش هنام مع جواد النهاردة، أنا هنام في حضن حبيبي. وبصراحة كدا حبيبي وحشني قوي."
أجابته بدلال:
"لاقيتك كتير، وأنت كمان وحشت حبيبك."
انقض على شفتيها ينهل منها ومن حبها الذي لا ينضب أو يقل أبداً.
"خلاص يا باشمهندس هتخرج النهاردة؟"
أجابه يوسف وهو يقيس مؤشراته الحيوية ويكشف عليه الكشف الدوري.
هتف جواد بفرحة:
"ياه أخيراً هروح. ياه يا يوسف!"
بمزاح:
"إنت زهقت مننا ولا إيه يا هندسة؟"
ضحك جواد وهو يهتف:
"أيوا بجد زهقت وعاوز أروح بقى."
سأله يوسف بجدية:
"أنا ممكن أطلب منك طلب قبل ما تخرج؟"
أجابه جواد بتأكيد:
"اتفضل يا دكتور."
أخذ يوسف نفساً عميقاً وظفره بتوتر، ثم استجمع شجاعته وهو يقول:
"بصراحة كده يا باشمهندس، أنا عاوز أتقدم للآنسة ريم وكنت متردد عشان ظروفي وهي طبعاً آنسة وأنا أرمل. وطبعاً الكلام ده أنا عارف إن المكان مش مناسب له، بس أنا حبيت أقولك قبل ما تخرج من هنا ويبقى عندك فكرة. ولو أنت يعني مفيش عندك مانع يعني."
هنا هربت شجاعته التي كان يتحلى بها منذ قليل وتاه الكلام منه، فقد كل شجاعته. اقترب جواد منه وربت على كتفه وهو يقول له بنبرة مطمئنة:
"والله يا دكتور، أنا معنديش أي مانع ولا أي اعتراض عليك، بس عندي كلمتين هقولهم لك قبل حتى ما أفتح ريم. ولو مفيش عندك مانع، أنا هكلمها."
هتف يوسف بفرحة:
"بجد يا جواد؟"
أجابه جواد بجدية:
"بجد يا يوسف. بس أول حاجة عاوز أقولها لك إن ريم كمان أرملة، يعني كانت متجوزة قبلك. ولحد هنا أنا مقدرش أقول أكتر من كده، لو لسه عاوز تتجوزها يبقى تسمع منها."
"وأنا مصمم إني أتجوزها. متأكد؟"
"أيوه يا جواد، أنا بحبها."
"يبقى تسمعها الأول."