تحميل رواية «زوجتي المجنونة» PDF
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم تستطع تمالك نفسها من الضحك عندما أخبرها أبوها أن الأستاذ أحمد تقدم لخطبتها. نظر لها أبوها وقد بلغ الغضب منه مبلغه على تلك التي تضحك أمامه وصاح بها: "خديييييييجة!" كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة عندما وكزتها أمها في كتفها. ابتلعت لعابها بخوف ظهر على وجهها من أبيها وقالت: "نعم يا بابا، أنا سمعتك بس مش قادرة أستوعب كلام حضرتك." أجابها أبوها بحنق: "يعني اللي مش واضح؟ قلت لك مستر أحمد عاوز يخطبك." كادت أن تنفجر مرة أخرى في الضحك لولا نظرة أبيها الصارمة. فتابعت حديثها: "مستر أحمد اللي إحنا عارفينه، مستر...
رواية زوجتي المجنونة الفصل الأول 1 - بقلم هيام شطا
لم تستطع تمالك نفسها من الضحك عندما أخبرها أبوها أن الأستاذ أحمد تقدم لخطبتها.
نظر لها أبوها وقد بلغ الغضب منه مبلغه على تلك التي تضحك أمامه وصاح بها:
"خديييييييجة!"
كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة عندما وكزتها أمها في كتفها.
ابتلعت لعابها بخوف ظهر على وجهها من أبيها وقالت:
"نعم يا بابا، أنا سمعتك بس مش قادرة أستوعب كلام حضرتك."
أجابها أبوها بحنق:
"يعني اللي مش واضح؟ قلت لك مستر أحمد عاوز يخطبك."
كادت أن تنفجر مرة أخرى في الضحك لولا نظرة أبيها الصارمة.
فتابعت حديثها:
"مستر أحمد اللي إحنا عارفينه، مستر أحمد المدرس بتاعي في المدرسة."
أجابها أبوها وهو يزفر منها بحنق:
"أيوه هو، ها إيه رأيك؟"
أجابت أباها بنبرة متعجبة:
"وهو ينفع أتجوز المدرس بتاعي كده عادي؟"
ابتسمت أمها وهي تربت على كتفها:
"وفيه إيه يا بنتي؟ هو المدرسين ما بيتجوزوش؟"
استنكرت ملامحها من حديث أمها وأجابت عليها موضحة:
"لأ يا ماما أنا مش قصدي كده، أنا قصدي إنه كان المدرس بتاعي، هتجوزه إزاي يعني؟ معرفش."
ضحك أبوها من كلام ابنته الخجلة وسألها:
"ما تعرفيش إيه يا خديجة؟"
انفجر وجهها من الخجل وهي تهرب من المواجهة وتقول:
"اله بقى يا بابا."
***
"أيوه يا أمي، أنا كلمت الأستاذ رشدي وطلبت إيد خديجة منه."
كان هذا جواب أحمد على أمه وهي تسأله هل تقدم لخطبة خديجة فعلاً.
تعجبت الحاجة سعاد من ابنها وهي تسأله مجدداً:
"طب اشمعنى خديجة يعني؟ ما إحنا بنتحايل عليك من كام سنة عشان تتجوز، اشمعنى دلوقتي؟"
أجابها أمه بمنتهى الصدق والواقعية:
"علشان كنت مستنيها يا أمي، بحبها من وهي بضفاير وكنت مستنيها."
هنا سكت الكلام، لم تستطع أمه إلا أن تقول له بعد أن أصابها الذهول من صراحة ابنه:
"ربنا يوفقك يا حبيبي ويجعلها من نصيبك."
رد على حديث أمه وجلس شارد البال يفكر.
هل ستوافق مجنونته التي أحبها منذ صغرها أم سترفضه وتتحجج بفارق السن؟
***
جلست في غرفتها تفكر في كلام أمها التي أخبرتها بعد أن انصرف أبوها أن أحمد يحبها.
سألت أمها:
"وإنتي عرفتي منين يا ماما؟"
أجابتها أمها:
"يعني يا بنتي أحمد طول عمره أستاذ وإحنا عارفينه، وأمه كل يوم بتعرض عليه عرايس أشكال وألوان، سابهم كلهم وجه يطلبك إنتي، تفتكري ليه؟"
نظرت إلى أمها ببلاهة وسألتها:
"ليه؟"
ابتسمت أمها بحنان لها وقالت:
"أكيد علشان بيحبك، يعني حد هيضربه على إيده عشان يجي يا بنتي؟"
ابتسامة عابثة ارتسمت على وجهها وهي تتخيل أنها زوجة معلمها وكيف ستتعامل معه.
وظلت تتذكر كيف كان يعاملها وهي تلميذته، وكيف كانت لها معاملة خاصة غير زميلاتها، وكيف كان حنون معها.
أيعقل أنه يحبها كما أخبرتها أمها؟
***
عاصفة هوجاء ضربت غرفتها، أو هي من فعلت بغرفتها هذا.
جلست بين كومة من الملابس تختار منها ما سترتديه وهي تقابله للمرة الأولى بعد أن طلبت من أبيها أنها ستوافق ولكن بعد أن تجلس معه.
دخلت عليها ابنة عمها هالة التي صعقت من ما حل بالغرفة وهي تضحك بمرح:
"يا نهار مش فايت يا خديجة، كل ده عشان تختاري فستان تقابلي بيه المستر؟"
نظرت لها خديجة وهي تقول بحنق:
"والنبي يا هالة بلاش استظراف، وإديكي قلتي المستر. هتجوزه إزاي أنا بقى؟ ولا أكلمه وأقول له إيه؟ أقول له إزاي حضرتك يا مستر؟"
ضحكت هالة عليها وهي تدفعها إلى طاولة الزينة وتقول لها:
"اسكتي يا ديجة، والنبي صفي نيتك وإنتي بتكلميه والكلام هيجيب بعضه. ويلا بقى أما أظبطك كده عشان المستر زمانه جاي."
ثم أكملت حديثها بغمزة من عينيها وهي تقول:
"أبو يا عم، مين قدك؟ مستر أحمد اللي مدوب قلوب العذارى، سابهم كلهم وجه على ملي وشه لخديجة. آه لو يشوف منظر الأوضة هيرجع بيته جري ويقول بلاها الجوازة المنعكشة دي."
***
بعد أن استقبله أبوها وعمها وأخوها مصطفى بالترحيب.
"أبدلت هي إلى الغرفة التي يجلس بها بصحبة أهلها وهي تحمل بين يديها صينية المشروبات التي كانت ترتعش في يدها وكادت أن تسقط على أبيها لولا يد ذلك الجالس يراقب تقدمها منهم ومسك المشروبات من يدها ووضعها على المنضدة بكل هدوء."
هنا تحدث أبوها وقال:
"الحمد لله عدت على خير، إيه يا ديجة مش تاخدي بالك؟"
جلست بجانب أبيها ولم تنطق بكلمة، يكفيها خجل ما كانت ستفعل إذا سقطت المشروبات عليه.
نظر عمها إبراهيم إلى أخيه رشدي ومصطفى ابن أخيه لكى يخرجوا ويتركوا لهم مجالاً للحديث.
ساد الصمت أرجاء الحجرة وهي نظرت في الأرض من شدة خجلها.
شعرت أن هناك نار مشتعلة في وجهها.
أخيراً تحدث هو:
"إزيك يا خديجة، عاملة إيه؟"
يا الله، كم أنها كلمات بسيطة وسؤال أبسط، ولكن كيف ستجيب؟
أخذت تفرك في يدها ولم تستطع الكلام.
سألها مرة أخرى:
"إيه يا ديجة مش هتسمعيني صوتك ولا إيه؟"
زاد الطين بلة كما يقولون بسؤاله الثاني.
قام من على مقعده وجلس على مقعد بجوارها، ولكنها لم تلاحظه إلا وهو يقرب وجهه منها ويقول:
"مالك يا ديجة، إنتي مش هتتكلمي؟"
هنا انتفضت من على مقعدها وقالت بمنتهى البلاهة:
"إيه ده يا مستر؟ إيه اللي جابك هنا؟"
ابتسم لها، وبالرغم أنه يعلم مغزى سؤالها إلا أنه راوغ في الكلام وهو يقول:
"جيت عشان أقعد معاكي يا ديجا عشان أقنعك إنك تتجوزيني."
هنا ابتسمت له وهي تقول:
"لأ مش قصدى، أنا قصدي روح اقعد مكانك."
عاد إلى مكانه بعد أن جذب أطراف الحديث معها وهو يسألها:
"ها بقى يا ستي مش موافقة عليا ليا؟ هوانا وحش؟"
أجابته بمنتهى التسرع والغباء:
"لأ يا مستر، دانت طول عمرك قمر."
وضعت يدها على فمها بعد أن علمت بماذا تفوهت وهي تسب لسانها المتسرع دائماً في الجواب، وهذه إحدى عيوبها.
ابتسم بغرور ولكنه قصد أن يمر قولها حتى لا يخجلها.
ثم تساءل:
"طيب يمكن عشان أنا أكبر منك بكتير؟"
هنا أجابت هي:
"لأ يا مستر، مش كده."
سألها مجدداً:
"طب ليه بقى؟"
أجابته بخجل:
"يعني حضرتك المدرس بتاعي وأنا تلميذتك، هتجوزك إزاي؟"
اقترب منها ودنا بجانب أذنها وهو يسألها:
"يعني حرام لو المدرس حب تلميذته الحلوة وجه عند بيتها عشان يجوزها؟"
هنا لم تستطع السيطرة على لسانها السليط وهي تقول:
"حب؟ حب إيه يا مستر؟"
احت...
قطعت كلمتها عندما شاهدت وجهه الضاحك على انفعالها.
أسدلت جفنها وقالت:
"أنا آسفة، بس الوضع غريب وأول مرة أكلم حضرتك كده."
التمس لها العذر وقال مهدئاً لها:
"يعني مش موافقة عليا عشان أنا المستر بس؟"
نظرت له وهي تقول:
"أيوه بصراحة."
هنا اندفعت هي مرة أخرى وهي تقول:
"طبعاً هوافقت."
تنفس هو الصعداء بعد أن أوقعها في فخه لكي يأخذ موافقتها عليه وقال لها:
"أنا يا ستي مش مستر أحمد، أنا أحمد نور الدين، وإنتي آنسة خديجة حامد، وبقول كفاية كده كلام ونقول مبروك عليا خديجة."
جحظت عيناها من ما تفوه به ذلك الماكر، كيف استطاع أن يستدرجها هكذا في الحديث.
وقبل أن تتفوه بكلمة، علا صوته وهو ينادي على أبيها ويخبره بموافقتها.
رواية زوجتي المجنونة الفصل الثاني 2 - بقلم هيام شطا
بعد شهر يا بابا. الفرح ليه السرعة دي؟ لازم يبقى فيه فترة خطوبة.
كان هذا كلام خديجة المستنكر لقرار الزواج السريع الذي اتخذه والدها بالاتفاق مع أحمد.
زفر والدها بملل من كثرة ثرثرتها في هذا الأمر منذ أن علمت به. نظر لأمها موجهاً لها الحديث:
كلمي بنتك يا صفية وعقليها. إحنا هنأجل الفرح ليه؟ الراجل جاهز وإحنا كمان جاهزين.
أكملت أمها حديث والدها بصوت حنون:
فيه إيه يعني يا ديجا؟ مستر أحمد وعرفينه وطول عمره محدش سمع عنه حاجة وحشة لاسمح الله. وهو كمان عارفك يبقى ليه يا بنتي التأجيل؟
وأردفت تقول:
الخطوبة الطويلة بتبقى مليانة مشاكل يا حبيبتي. والراجل هو اللي طلب كدا.
ثم أكملت أمها بنبرة حنونة مرحة وهي تهمس في أذنها حتى لا يصل صوتها لمسامع زوجها:
وكمان مستعجل.
قالت خديجة بقليل من الغضب:
يوه يا ماما. ما البنات كتير اشمعنى أنا؟
اقتربت منها أمها. ثم همست بجانب أذنها وهي تقول:
بس الأستاذ بقى اختار ديجا حبيبة قلبي. شكله واقع من زمان.
ثم غمزت لها بعينها.
نظرت خديجة لأمها بدهشة من حديثها وصرخت فيها:
ماما الاه بقى!
احمرت وجنتاها من مغزى حديث أمها وهرولت إلى غرفتها تختبئ بها. فهذا هو حالها إن لم تستطع الإجابة أو التفسير تلوذ دائما بالفرار من الموقف. وهذا كان أخطر عيوبها. لا تحب المواجهة دائما تهرب وتخترع الحجج.
فهل ستبقى على طباعها أم أن للزواج رأي آخر؟
***
بصوت مملوء بالحقد والغل انطلقت تلك الصرخة من ريم ابنة خالة أحمد وهي تنهر أمها الجالسة أمامها. ولم يكن حالها أفضل من ابنتها:
آآآآآآآآآآآآه. هموت يا ماما. حاسة إن قلبي هيقف من القهر. أنا أفضل مستنية البيه ابن أختك السنين دي كلها وفي الآخر يروح يخطب خديجة. خديجة يا ماما. لأ. وايه الهانم عاملة نفسها مش عارفة حاجة وبتقولي والله يا ريم الموضوع جه فجأة.
نظرت لها أمها وهي تكاد تجن من ما حدث. فها هو ابن أختها سيتم خطبته وسيتزوج غير ابنتها. وهي من كانت تأمل أن يتزوج ابنتها بعد أن لمحت بهذا الأمر للحاجة سعاد أختها الكبيرة.
وأخيراً تحدثت:
فجأة إيه؟ تلاقيهم راسمين عليه من زمان. أمال إيه؟ وشغلينه أمال إيه اللي هيخليه من غير جواز لدلوقتي؟ هتلاقي خديجة السهنة دي كانت بتشاغله وإحنا هنا نايمين في العسل.
ضحكت ريم ضحكة ساخرة وقالت:
اسكتي يا ماما. تشاغل مين دي هبلة وبتغرق في شبر ميه. انتي ناسيه إنها صحبتي. دي مش فالحة إلا في اللبس والمذاكرة.
نظرت لها أمها وتحدثت باستنكار:
هبلة والله شكلك انتِ اللي هبلة والبت ضحكت عليكي وشقطت الواد منك. بلا خيبة.
صرخت ريم في أمها قائلة:
ماماااااااا! أنا دلوقتي مليش فيه. انتِ تتصرفي وتشوفي لكِ حل مع أختك وفركشي الجوازة دي.
تنهدت أمها وقالت لابنتها بمسايرة:
يعني عاوزاني أروح أقول لها والنبي يا سعاد خلي المحروس ابنك يسيب بنت رشدي ويجي لبنتي؟ ما انتِ قدامه على طول. هو اللي راح خطبها.
ثم أكملت بفحيح:
بقولك إيه يا بت يا ريم. الفركشة دي لازم تيجي من خديجة. هي تسيبه واحنا بقى ساعتها ناخده في حضننا. وساعتها بقى هيجي لنا والعروسة بدل خديجة تبقى ريم.
لمعت نظرة خبيثة في عين ريم وهي تسأل أمها:
طب وده هنعمله إزاي؟
أجابتها بهية أمها بمكر:
ده بقى عليكي انتِ. مش بتقولي إن خديجة هبلة وبتصدق أي حاجة؟
أجابتها ريم بتأكيد:
أيوه يا ماما.
تحدثت بهية بخبث:
يبقى خلاص. كلمتين كدا وحشين على أحمد وأخلاقه وطبعه الصعب وتخوفيها منه. وهي ماهتصدق وتقول حقي برقبتي. ها؟ إيه رأيك؟
نظرت ريم لها بتساؤل:
طب فرضنا قالت لأحمد؟
أجابتها أمها بضحكة ساخرة:
مهو ده بقى دورك أنتِ. تعملي قلبك عليها علشان أنتم صحاب ومايهونش عليكي الجواز. ودي لها وتحلفيها متجبش سيرتك علشان متعملش لك مشاكل مع خالتك.
ضحكت الاثنتان واتفقا على تفرقتهم.
***
لا تعرف كيف مر ثلاث أسابيع من الخطبة. كانت يلتقي بها كل يوم أو يخترع هو الحجج لكي يراها. وحجة اليوم كانت أن تختار معه ستائر البيت.
ارتدت ملابسها وكالعادة. حالة الغرفة يرثى لها. دخلت عليها والدتها تنهرها:
فيه إيه يا خديجة؟ مش هتبطلي طبعك ده يابنتي؟ رتبي حاجتك مش كدا. لسه أسبوع وهتبقي ست بيت. يقول عليك إيه أحمد وانتِ عاملة كدا.
ضحكت خديجة لأمها وقالت:
متخافيش يا ماما مش هيقول حاجة.
نظرت لها أمها وسألتها بمكر:
والله دا إحنا بقينا واثقين بقى وملينا أيدينا من الراجل.
خجلت خديجة من مغزى كلام أمها الذي كان على حق. فمنذ أن خطبها معلمها وتبدل حالها أصبح عاشق لها. في النهار يغدقها بالهدايا والذهاب كل يوم في مكان مختلف بحجة تجهيز الزفاف. وفي الليل تغفو على الهاتف وهو يسمعها قصائد شعر حبه. ولم تخلو تلك الخروجات من كلامه الرومانسي واعترافه لها بحبه الذي سكن قلبه منذ أن كانت صغيرة أمامه.
انتشلتها أمها من شرودها وهي تقول:
خديجة. أحمد جه بره.
أجابتها:
أنا جايه يا ماما.
***
جلست بجواره في سيارته وانطلق بها. نظر بطرف عينيه لها وهو يقول:
إزيك يا ديجا؟
أجابته:
الحمد لله. إزيك انت؟
نظر لها بهيام وهو يقول:
أنا الحمد لله تمام وفرحان وكمان هبقى عريس كمان أسبوع.
هنا شعرت أن خديها ستحترق من شدة السخونة بها من خجلها منه. وعضت على شفتيها وهي تقول له:
لو سمحت يا مستر.
ولم تكد تنهي كلمتها حتى ضحك بصوت رجولي عالٍ وهو يقول لها:
مستر إيه يا قلب المستر؟ فيه واحدة تقول لجوزها مستر.
تلعثمت في الحديث وهي تقول:
مهو...يعني...انت...
نظر لها بحنان وهو يصف السيارة بجانب الطريق حتى يستطيع أن يلهو بتلك المندفعة في الكلمات وهو يسألها بتسلية:
ما قولتيش مهو إيه يا حبيبي؟
يا الله! هل قالها مرة أخرى؟ تلك الكلمة التي لا ينادي عليها إلا بها منذ أن خطبها. وأول مرة استمعتها منه عندما همس في أذنها وهو يلبسها خاتم الخطبة. حين همس لها وهو يميل عليها ويقول: مبروك يا حبيبي.
نظر لها بتسلية على شرودها الذي لاحظه وسألها مرة أخرى:
مالك بقى يا ديجا؟
هنا اندفعت الكلمات من فمها وهي تقول:
أنا كويسة أهو. أنت أنت...
أومأ لها برأسه وهو يقول:
أنا إيه؟
قالت مندفعة:
انت اللي بتقول كلام ميصحش.
ضحك بقهقهة على سذاجة زوجته المستقبلية وهو يسألها:
أنا قولت إيه يا حبيبي؟
وقبل أن ينتهي من حديثه وضعت يدها بعفوية على فمه وهي تقول:
اهو بتقول يا حبيبي تاني أه.
أول يعلم ماذا حدث لجسده حين لمست تلك المشاغبة شفتاه؟ طبع على يدها قبلة قبل أن ترفع يدها كأنها لسعتها عقرب.
ماذا حدث لها؟ وهنا ثبت غباؤها وتسرعها مرة أخرى. لا تستطيع الحديث. فهي من وضعت يدها على فمه لكي تسكته عن قول تلك الكلمة التي تفعل بها الأفاعيل. ولكن كيف ستبرر له؟ ماذا سيظن هو بها الآن؟ علم هو ما يدور في عقلها من كلمات موبخة لنفسها. فهو أعلم الناس بطبعها لأنه كان يحفظ كل تفصيلة من حياتها وهي لا تعلم.
تحدث هو بنبرة حنونة محبة وايضاً مطمئنة لها:
خلاص يا ديجا. انتِ مكبرة الموضوع كدا ليه؟
اعتدل في جلسته ونظر لها وهي تنظر لكف يدها وهي تفرك به. وأكمل حديثه وهو يناديها:
ديجا.
نظرت له بوجه اشتعل من الخجل. أكمل هو وهو يقول:
أنا بحبك يا خديجة وبحبك من زمان قوي. في الأول كنت بقول ده إعجاب بتلميذة شاطرة عندي. بس بعد ما روحتي الجامعة وكنتي بتغيبي في المدينة الجامعية بالأسبوع أو الأسبوعين ألاقي عيني بتدور عليكي في كل البلد وقلبي ده.
التقط يدها ووضعها على قلبه وأكمل حديثه معها:
قلبي ده كان بيبقى فيه نار مبتهداش إلا أما أشوفك. ولما عملتي عملية وانتِ في سنة تالتة واجلتي السنة دي كنت هموت وأطمن عليكي بس مكنش ينفع. كنت عامل زي التايه لحد ما شوفتك بالصدفة مع باباكي ومامتك وانتم نازلين من عند الدكتور. ساعتها بس قدرت أعيش من تاني.
نظر لها وجد هناك غشاء رقيق من الدموع في عينيها. وهنا تحدثت هي وهي تقول بمنتهى الغباء لكي تهرب من هذا الموقف:
إسلام؟ واشمعنا أنا بقى؟
نظر لها بغيظ فهذا ليس ما أراد أن يسمعه منها وقال هو:
ده اللي قدرك عليه ربنا. حرام عليكي يا شيخة. فصلتيني.
ثم أكمل بدعابة لكي لا يزيد خجلها:
اشمعنا انتي؟
قالت:
علشان بختي يوم ما أحب أحبك انتِ.
إنطلق لسانها السليط عليه وهي تقول:
يا سلام وأنا مالي؟
قبل أن تكمل شريط كلامها السليط التي تهرب به من خجلها وضع هو يده على فمها وقال:
أنتِ ست البنات وحبيبة قلب المستر.
ثم اتبع كلامه بغمزة من عينيه وهو يقول:
ولا إيه؟
انطلق بالسيارة. يكفيه اليوم استمتاع بمشاكسة تلك المدبة كما كان يلقبها أصدقاؤها.
***
حمد الله على السلامة يا خديجة.
كان هذا صوت ريم التي أتت لزيارة خديجة قبل الزفاف بيومين. وأصرت على المكوث بانتظارها لكي تنفذ خطة أمها الشريرة.
رحبت خديجة بها ترحاب حافل وهي ترتمي بين ذراعيها. فهي كما يقولون من ريحة الحبايب. هي ابنة خالته وأيضاً صديقة عمرها.
جلست بجوارها وهي تقول:
معلش يا ريم يا حبيبتي. أنا عارفة إنك جيتي قبل كدا بس والله غصب عني. أصل كل يوم يخرج يا إما مع ماما يا إما مع أحمد. انتي عارفة أن الفرح قرب ويا دوب قربنا نخلص.
أكملت ريم وتحدثت بشر:
لا يا حبيبتي براحتك. كان الله في العون. ربنا يتم عليكِ بخير.
ثم أكملت بخبث:
أنا شايفة كلام أحمد طالع من بؤقك كدا ونسينا خلاص مستر.
أجابته خديجة بمرح وطيبة:
اسكتي ياريم. دا أنا فضلت أغلباه علشان أتعود على اسمه كدا من غير مستر.
وهنا كانت الكلمة التي ستبدأ بها مؤامرتها الدنيئة حين سألتها بخبث:
أغلباه؟ وهو كدا طول باله عليكي من غير ما يتعصب ولا يشخط؟
نظرت لها خديجة وأجابتها ببلاهة:
يتعصب عليا ليه؟ دا طيب قوي وبيحبني كمان.
سقطت تلك الكلمات على أذن ريم وكأنها حمم بركانية. قالت بحقد:
بيحبك إيه يا ديجا؟ دا كلام بيلين بيه دماغك علشان يتجوزكِ. مش شايفة إن هو أكبر منك بحداشر سنة؟
وأكملت بنبرة مملوءة بالحقد:
واحد مكانه كان زمان عياله طوله. بس علشان طبعه الوحش وعصبيته اللي محدش يقدر يستحملها متجوزش لحد دلوقتي.
وأخذت تقص عليها ما اتفقت مع أمها عليه.
نظرت إليها خديجة بغضب وقالت لها:
عيب كدا يا ريم. انتِ إزاي تقولي الكلام ده على أحمد؟ لو سمحتي متغلطيش في خطيبي. وقبل ما يكون خطيبي ده ابن خالتك. واتفضلي من غير مطرود.
وأشارت إلى باب البيت.
هنا شعرت ريم أن مخططها فشل. فاستدرجت كلامها بالاستعطاف لخديجة:
والله ما قصدي أغلط يا خديجة. أنا بس بنصحك علشان تعرفي انتِ داخلة على إيه. دانتي صاحبة عمري واتمنالك الخير.
ثم أكملت بفحيح الثعبان:
أنا آسفة يا ديجا إن كان كلامي ضايقك. بس علشان خاطري بلاش تقولي لأحمد. والله أنا كان غرضي مصلحتك.
تركتها تلك الحية وقد انهارت أحلامها الوردية التي رسمتها خلال ذلك الشهر. فهل هو سيئ كما وصفته ابنة خالته أم هو ذلك العاشق الذي يغدقها بحبه؟
رواية زوجتي المجنونة الفصل الثالث 3 - بقلم هيام شطا
وقعت عيناه على حقيبتها التي تركتها في سيارته.
رن هاتفه.
بها التقط الحقيبة وعاد بسيارته مرة أخرى ليعيد لها حقيبتها.
ولكن هاتفها رن مرة أخرى ومرة أخرى.
اضطر لفتح حقيبتها لكي يجيب على هاتفها.
زمن منه أنها هي تريد أن يعيد لها حقيبتها.
وجد اسم أمها يزين شاشة الهاتف.
أجابها بوقار فهو غير متأكد بمن يهاتف.
"لو سلام عليكم."
أجابته أمها بوقار.
"الو ازيك يا أحمد يا ابني هو تليفون خديجة معاك ولا إيه؟"
أجابها.
"أيوه يا طنط هي نسيت شنطتها في العربية وهو فيها."
ثم أكمل كلامه.
"أنا هجيبه حالا."
وقبل أن يقفل أتاه صوت أمها المتردد.
"استنى يا أحمد عايزك في حاجة والحمد لله إنها نسيت التليفون معاك."
استشعر منها القلق ولكنه كذب حدثه وقال لها.
"أؤمرينى يا ست الكل."
"الأمر لله واحدة يا ابني."
ثم أكملت حديثها بتردد وقلق.
"أنا عايزة أقول لك حاجة مكنتش هقولها لك بس ربنا عمل كدا يمكن عشان أقول لك بس اوعدني إنك متبينش للحاجة سعاد ولا لخديجة."
هنا تأكد حدثه أن هناك خطب ما.
أتاها صوته المطمئن لها وهو يقول.
"اطمني يا أمي أنا زي مصطفى وأي حاجة هتقوليها هتفضل بينا."
هنا هدأ قلقها قليلاً وقالت له بنبرة معتذرة.
"والله يا ابني أنا ما كان قصدي أسمع حاجة بس ريم بنت خالتك كانت هنا وأنا راحة أمسك فيها عشان تقعد تتعشى مع خديجة عشان هي صحبتها وكمان بنت خالتك سمعتها بتقول لخديجة: "آسفة يا خديجة أنا مش قصدي أغلط في أحمد أنا بس بنصحك عشان تعرفي انتِ داخلة على إيه…."."
ثم صمتت قليلاً وهي تقول بنبرة معتذرة.
"والله يا ابني أنا ما قصدي أتصنت بس كلامها قلقني وكمان خديجة راح لها لون وجه لها لون ومن ساعتها قافلة على نفسها."
أجابها أحمد مطمئناً لها مرة أخرى.
"لا يا ماما متقوليش كدا. الحمد لله إن خديجة نسيت التليفون معايا أنا هتصرف وهعرف هي كانت بتقول لخديجة إيه بس انتي عرفتي منين إن التليفون معايا؟"
أجابته بمنتهى العفوية.
"لا يا ابني أنا معرفش إن التليفون معاك أنا برن عليها عشان تطلع تسلم على خالها وخالتها عشان هما جم من البلد عشان يحضروا الفرح وهي قافلة على نفسها وأنا محبتش أنادي عليها قدامهم فكنت عايزها تيجي المطبخ الأول عشان تفك كدا وهي بتسلم عليهم."
ابتسم أحمد وقال لها بنبرة صوت حنونة.
"خلاص يا أمي أنا جاي على طول وهعرف فيه إيه."
أجابته صفية بصوت قلق.
"بالله عليك يا أحمد لو خديجة قالت لك حاجة وحشة ولا قلت ذوقها عليك استحملها عشان خاطري."
جاء صوته مطمئناً لها.
"متقلقيش يا أمي."
بعد قليل كان يدلف إلى منزلها وبيده حقيبتها وايضاً حقيبة أخرى.
بعد أن فتحت له صفية باب البيت وصرت عليه أن يدخل ليتناول معهم العشاء.
وكان هو أكثر من مرحب لكي يعلم ماذا حدث من تلك العقربة ابنت خالته لتلك الساذجة.
جلسوا جميعاً على طاولة العشاء بعد أن أخفت خديجة حزنها ودموعها التي ذرفتها على حالها.
"أتكون بتلك السذاجة حتى يستغلها معلمها."
نظرت له نظرة خالية من التعبير وهي تسلم عليها.
أجابها بروحه المرحة أمام أهلها.
"إيه يا ديجة البصة الوحشة دي انتي بخيلة؟"
اندهشت من حديثه المرح الجريء أمام أهلها وأجابته بحسم.
"لا طبعاً."
أجابها بمرح.
"يعني اتعشى بقلب جامد."
نظرت له نظرة بلهاء وهي تضع الطبق أمامه وتقول.
"ألف هنا."
همس هو لها.
"هنا على قلبك."
اشتعل وجهها حرجاً منه ونظرت إلى أمها التي كانت تتحدث مع زوجة خالها غير منتبهة لها.
حمدت الله على ذلك.
انتهى العشاء بعد أن تناول هو أطراف الحديث مع أبيها وأخيها وخالها.
بعد العشاء جلس معها وحدها بعد أن خرج خالها مع أبيها إلى حجرة المعيشة وذهبت أمها مع خالتها وزوجة خالها لإنهاء تجميع الأطباق.
نظر لها وقد عادت إلى وجومها الأول ولكنه تعمد أن يتجاهل نظرتها له وأعطاها حقيبتها وهو يقول.
"نسيتي دي معايا اللي واخد عقلك يتهنى به يا حبيبتي."
نظرت له بأعين مشتعلة بالغضب وهي تقول له.
"لو سمحت يا مستر احترم نفسك وأنا مش حبيت حد."
وأكملت بغضب أكثر حين تذكرت كلمات تلك ريم.
"وأنا مش عايزة أتجوز وانفصل بقى وأنا هقول لبابا الكلام ده."
اشتعل قلبه غضباً منها وعليها ولكنه استطاع أن يكبحه بمهارة لكي يعلم منها ما حدث.
وهو يقول.
"وإيه بقى يا خديجة اللي حصل عشان نفركش كدا وهتقولي لأبوك إيه والفرح مبقاش فاضل عليه إلا أسبوع."
هنا تاه عقلها في التفكير وهي لا تستطيع أن تجيبه.
شعرت أن الكلمات تقف في فمها ثم اندفعت كالعادة وقالت له بمنتهى الغباء.
"أنا حرة مش عايزة أتجوزك يا أخي هو بالعافية."
نظر لها ببلاهة وقال.
"لا يا ديجة مش بالعافية ولا حاجة بس لكل شيء سبب وأنا بقى عايز أعرف السبب قوليلى إيه السبب وأنا أوعدك إني هسيبك."
هنا حشرت في خانة الـ "ليك" كما يقولون.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تقول.
"من غير سبب أنا اكتشفت إننا مش هننفع نعيش مع بعض."
ضحك أحمد وقال لها ساخراً.
"واكتشفتي ده امتى إن شاء الله ما أنا سايبك من ساعة وكنتي كويسة ولا حد زارك بعد ما وصلتك ولا حد لعب في دماغك."
زاغت عيناها بتوتر ظهر عليها جلياً وهي تفرك يدها وتقول.
"حد... حد... مين أنا أنا محدش قال... حاجة."
ضغط هو عليها قليلاً فقد علم الآن أن ابنة خالته هي السبب في تلك الحالة التي أصابتها.
وهو يقول.
"يبقى مفيش داعي لكل الكلام ده. فرحنا في معاده بس فيه حاجة واحدة هتتغير."
نظرت له بغضب وقبل أن تلقي عليه كلماتها اللاذعة.
فجر هو قنبلته في وجهها.
"كتب كتابنا بكرة يا ديجة بعد المغرب مش قبل الفرح بيوم زي ما احنا متفقين."
هل انهارت حصونها بعد كلماته ولكن لا ستتمسك بعنادها وصاحت فيه بغضب.
"هو إيه هو بالعافية."
جز على أسنانه وهو يقول من بينها.
"أولا وطّي صوتك فيه ناس في البيت. ثانياً أيوه بالعافية طالما مقولتيش ليا سبب مقنع يبقى عافية عشان أنا بحبك."
أجابته هي بصوت حزين يصل إلى الهمس.
"كذاب."
نظر هو لها بحنان بعد أن قام بحركته المحببة إليه وإليها والتقت يدها ووضعها موضع ذلك النابض بحبها.
"طب اسألي ده وهو مش هيكذب عليكي."
ارتعش كف يدها بين يديه الحنونة وهنا عصفت بها الظنون مرة أخرى.
قلبها يحثها أن توافق كلامه وعقلها يتحداها ويؤكد لها كذبه.
عندما طال صمتها انتشلها هو من بئر ظنونها وهو يسألها.
"ها يا ديجة صدقتيني."
نظرت له وهي لا تعلم بمن تثق هل تثق به وبقلبها أم بصديقة عمرها وعقلها.
أجابته.
"مش عارفة."
هنا شعر هو بضياعها بين أمرين لا يعلم عنهم شيئاً وهذا ما يذبحه ويدمي قلبه.
سألها بصوت محب حنون.
"مالك يا حبيبت قلبي."
أجابته بتيه.
"مش عارفة."
سألها.
"بتثقي فيا."
أجابته بصوت حزين.
"كنت."
افتطر قلبه عليها مرة أخرى وود أن يقتلع لسان ابنة خالته.
ماذا قالت لها حتى أصبح هذا حالها لقد تبدل حالها مئة وثمانون درجة في ساعة.
سألها بنفس الصوت الحنون.
"كنتي وليه دلوقتي مش بتثقي فيا أنا عملت حاجة حد قال لك حاجة عليا قوليلى فيك إيه يا حبيبي."
هل نطقها مرة أخرى تلك الكلمة.
هل تقول له ما حدث أم لا تفتعل المشاكل مع عائلته.
نظرت له واللجم لسانها عن الحديث.
أخذ كفها لينهي هذا الصراع بداخلها وخرج ينادي بصوته الأجش على والدها.
"يا أستاذ رشدي بعد إذن حضرتك عايزك في حاجة."
التفت جميع الموجودين لحديثه.
أجابه رشدي.
"اتفضل يا ابني."
"أنا عايز بعد إذن حضرتك وطبعاً كلكم كتب الكتاب يبقى بكرة مش الأربع الجاي."
اندهش رشدي من طلب أحمد الجاد وسأله.
"ليه يا ابني السرعة دي ما احنا متفقين إن كتب الكتاب يوم حنة عروستنا وخلاص."
أجابه أحمد بصوت مترجٍ.
"معلش يا عمي وافق ومفيهاش حاجة لو قدمناه أيامه."
هنا جاءه العون من صفية وهي تؤيد كلام أحمد.
"خير البر عاجله يا أبو مصطفى ومفرقتش كام يوم."
وافق الجميع واتفقوا على الموعد الجديد.
حتى أمه أصابتها الدهشة حين أخبرها أحمد بتقديم موعد كتب الكتاب وايضاً والده وأخواته ولكنه استطاع إقناعهم فكل ما يريده أن تصبح تلك الصغيرة زوجته ثم يعيد تأهيلها من جديد.
استشاطت ريم غضباً عندما هاتفتها خالتها صباحاً لكي تدعوهم إلى عقد قران أحمد.
وصرخت في أمها بحقد.
"أدي آخرت خططك أهو بدل ما يسبها قدم كتب الكتاب آآآآآآآآآآه."
جلست أمها تعيد ترتيب خطتها مرة أخرى وهي تحدثها.
"يعني انتِ عملتي كل اللي قولت لك عليه."
جابتها.
"أيوه قولت لك ألف مرة أيوه."
تحدثت بقلق.
"داهية لتكون البت دي قالت له على حاجة."
هنا أطلقت ريم ضحكة ساخرة وهي تقول.
"لا خديجة جبانة ومش بتحب المشاكل وكتومة وأهم حاجة هتخاف."
سألتها أمها بتشكيك.
"متأكدة."
أيو.
"دي هبلة وخوافة."
"خلاص إحنا مش هنروح كتب الكتاب لو هي قالت له هيبان من أحمد أحمد جريء ومبيخفش لو قالت له هيجي هنا ويبقى آخرتنا على إيده. ولو بقى مقلتش يبقى حظها الأسود لو الجوازة دي تمت هخليه يطلقها ونخلص منها."
"يعني يا ماما هنسيبه يكتب كتابه عادي."
أجابتها أمها.
"أمال هنفضح نفسنا أنتِ اللي لك تتجوزي أحمد سيبيني بقى أتكتم للبت دي."
كما توقع تحججت خالته أن ريم مريضة ولن تستطيع حضور عقد القران وهي تحدثه بصوت خبيث علها تستشف منه هل علم بشئ من خطتها.
ولكنه كان أذكى منها بهدوء رده عليها.
"ألف سلامة عليها يا طنط إن شاء الله تخف بسرعة قبل الفرح."
ثم أكمل هو بخبث.
"الفرح ميبقاش فرح من غير صاحبة العروسة أمال مين اللي هيوصيها عليا."
انتابها القلق من حديثه المبهم ثم إجابته.
"إن شاء الله يا حبيبي ربنا يفرحك ودي تيجي حتى لو ريم لسه تعبانة أن هجرها وأجي فرحك إحنا عندنا كام أحمد."
جلست في منزلها أمام هالة ابنة عمها الحنونة حزينة تقص عليها ما حدث بالأمس.
شعرت هالة أن ريم تريد أن تخرب تلك الزيجة على ابنت عمها البريئة وسألتها بصوت حنون.
"طيب يا خديجة انتِ حاسة بأيه أن أحمد زي ما ريم بتقول ولا أنه حد كويس وبيحبك."
أجابتها بصدق.
"معتش عارفة حاجة يا هالة أنا ضايعة بين قلبي وعقلي."
أشفقت هالة على ضياع تلك البريئة وسألتها.
"وانتِ عايزة تصدقي مين."
أجابتها بصدق.
"قلبي قلبي يا هالة قلبي اللي حبه وتعلق بيه في شهر."
ثم انهمرت في البكاء.
ربتت هالة على كتفها ثم أخذتها في حضنها وهي تطمأنها.
"يبقى تمشي ورا قلبك وسبيه يحبه وان شاء الله مش هتندمي مش يمكن ريم دي كانت عايزة تتجوزه وعشان كدا بتقول لك عليه كلام مش كويس."
أجابته تلك البريئة.
"لا لا يا هالة ريم عايزة مصلحتي."
ولكن دب الشك في قلب خديجة وصمتت لبرهة وسألت هالة بتشكيك.
"تفتكري."
أجابتها هالة.
"وليه لأ كل شيء ممكن."
ثم أضافت بصوت مرح.
"المهم دلوقتي عايزين عروستنا تلبس الفستان الجميل ده وتتمكيج كدا وتبقى قمر ونغيظ العدا."
ضحكت خديجة على كلمات ابنة عمها ولا تنكر أن الحديث معها هدأ قلبها قليلاً.
بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في الخير.
كلمات المأذون التي أعلن بها انتهاء عقد القران وبعدها علت الزغاريد من حوله.
لم يصدق أذنيه حينها سمعها.
شعر أن قلبه سيقف من الفرحة أو أنه في أحد أحلامه الوردية التي طالما حلم بها.
عينيه مسلطة على من خطفت قلبه يريد أن يرى وجهها الخجول.
وأخيراً نظرت له حين اقترب منها وهو يسلم على أبيها وأبيه وأهله وهي أيضاً كانت تقبع بين أحضان والدته تهنئها بعقد القران بكل فرحة أتت من فرحة ابنها البكر الذي شعرت أنه حين كتبت على اسمه امتلك العالم كله.
أخذتها أمها بعيون باكية من الفرحة أيضاً في أحضانها وهي تبكي وتبارك لها.
"مبروك يا حبيبتي."
"مبروك يا ديجة عشت وشوفتك عروسة."
هنا تنحنح يجلي صوته المتحشرج من شدة الفرحة وهو يجذبها بكل جرأة من أحضان أمها إليه وهو يقول بمرحه المعتاد.
"لا لا يا جماعة كل دي أحضان لخديجة كدا هتخلص في إيديكو قبل ما أبارك لها أنا."
ضحك الجميع على ذلك العاشق.
وهنا تحدث أخيه الأصغر منه.
"خلاص بقى يا أخونا سيبو ديجة مع أحمد يبارك لها إحنا مصدقناش إنه يقول أنا عايز اتجوز خديجة."
نزلت كلمات على أخيه على قلبها برداً وسلاماً.
أي أنه لم يتقدم لأحد قبلها وأنه يرفض بسبب طبعه القاسي.
هنا زاد الشك بقلبها بعد غياب تلك العقربة من عقد قرانها.
انتبهت من شرودها على صوت علي وهو يقول.
"يلا قوليلى يا ديجة المستر متيم من امتى."
اشتعل وجهها نار من الخجل حين أجاب هو عنها بصدق وهو ينظر في عينيها.
"من زمان قوي من أيام الضفاير."
تركهم الجميع وانصرفوا خارج الحجرة.
لم تشعر به إلا وهي ترتطم بصدره العريض حين جذبها إليه وأخذها بين ذراعيه وهو يقول.
"مبروك يا ديجة. مبروك عليا أنا أنا حاسس إني طاير من الفرحة."
ثم طبع قبلة حنونة طويلة على جبينها وهو يشم رائحة الياسمين التي تفوح منها.
هل شرب الخمر يوماً لا.
إذن لماذا شعر أنه مسكر من رائحتها.
أجابته هي بصدق وهي تنظر في عينيها.
"الله يبارك فيك يا أحمد."
هل كان هذا اسمه الذي نطقته.
لماذا هو جميل اليوم.
هل إذا أخذ شفتيها الشهية في قبلة عاصفة هل سيلومه أحد.
هكذا حدثه عقله.
ولكن قلبه حثه على عدم التهور والتريث حتى لا تخشاه.
مال على خدها وقطف وردة بقبلة سريعة.
لم يستطع منع نفسه منها.
كانت هي في عالم آخر وهي بين يديه.
هل ذهب عقلها عنها أم أصابها التصنم.
فاقت على قبلته ابتعدت عنه كلملسوعة من لدغت عقربة.
ضحك هو برجولة مقهقها عليها.
"مالك يا ديجة."
نظرت له بتلعثم وهي تقول.
"انت... انت... انت عملت إيه انت قليل الأدب."
ضحك وقال لها.
"هو أنا عملت إيه أنا بس بوست خد مراتى."
"مراتك إيه يا أستاذ أنا في بيت أبويا."
سألها بتسلية.
"طب والمأذون والشهود وكتب الكتاب."
ثم غمز لها بعينه بوقاحة.
"وقال. مين اللي كانت في حضني دلوقتي."
شعر أنها ستموت خجلاً وهو سيموت حباً بها فأكتفى من تسليته بها.
نظر لها ببلاهة وهو يقول.
"أنا بحبك قوي يا ديجة. أنا مش مصدق إنك بقيتي مراتي خلاص."
نظرت له بخجل زادها جمالاً وهي تسأله ببلاهة.
"بجد يا أحمد انت فرحان."
وهل تسأل تلك الغبية بعد كل ما قاله لها.
أجابها مؤكداً.
"أنا هموت من الفرحة يا قلب أحمد."
وضعت يدها على فمه وهي تقول بعفوية.
"بعيد الشر عنك يا حب."
قطعت كلمتها ولكنها أطلقت معها آخر سهام صبره وهو يقبل يدها الموضوعة على فمه ويضعها على فمها وهو يقول.
"دي مني لك لحد ما نروح بيتنا."
رواية زوجتي المجنونة الفصل الرابع 4 - بقلم هيام شطا
قامت هالة بالصياح في أرجاء منزل عمها لتوقيظ خديجة.
"ديجاااااااااااقومى يلا يا كسلانة النهاردة فرحك."
تمطأت خديجة بتكاسل في الفراش وهي تحدث هالة.
"ايه يا هالة هو فيه كدا."
أجابتها هالة بضيق مصطنع.
"ايو يا أختى فيه اكتر من كدا فوقى يلا البيت مقلوب بره والعروسة نايمه ولا على بالها."
"عروسة؟" عند هذه الكلمة انتفضت خديجة كلسعة من عقرب.
"نعم أنا العروسة؟ فرحى النهارده؟"
أخذت تجري وتتحرك في أرجاء الغرفة وهي تبحث عن شيء وهمي، وملامح الخوف والقلق رسمت على وجهها.
اقتربت منها هالة ورتبت على كتفها ثم جذبتها إلى حضنها وأخذت تحدثها بكلمات مطمئنة.
"خديجة يا حبية قلبي أهدى شويه فيه ايه مالك أنا بهزر على فكرة لسه بدرى وأحمد لسه مجاش اصلا علشان يودينا البيوتى سنتر."
"خايفة يا هالة." كلمتان نطقت بهما خديجة اختصرتا كل قلقها وخوفها.
شددت هالة من احتضانها وهي تطمئنها.
"خايفه من ايه يا عبيطه دا مستر أحمد بيحبك وكل أهله ناس طيبين يبقى ليه الخوف."
"طب وريم يا هاله…"
"ريم مين يا هبله ريم دى ولا اكنها قالت لك حاجه سبيها كدا بنارها اكيد البت دى غيرانة منك."
تنهدت خديجة وهي تقول.
"تفتكرى كدا."
أجابتها هالة بمرحها المعتاد.
"وابو كدا كمان."
"انتي قولتي لاحمد يا ديجا."
أجابتها مسرعة.
"لا طبعا اوعى يا هاله تقولي له حاجة انا مش عاوزة ابقى سبب مشكلة بين الاهل."
"مشكلة؟" قالتها هالة مستنكرة.
"مشكلة ايه يابنتي انتِ معملتيش حاجة دى ريم."
وقبل أن تنهي هالة كلماتها، أوقفتها خديجة وهي تقول.
"خلاص يا هالة علشان خاطري ويلا بقى علشان البس يادوب كدا."
أومأت هالة لها وتركت لها الغرفة وخرجت تنتظرها.
…
"اهمش تحاسب يا اعمى انت."
كانت هذه كلمات هالة حين صدمت بشخص وهي تخرج من غرفة خديجة غير منتبهة.
"اعمى أنا اللي اعمى ولا انتِه."
تعرف هذا الصوت وتحفظه أيضاً. هل هو عمر ابن خال خديجة؟ هل أتى؟
نظرت له بضيق. تقابلت عيناه بعينيها. يا الله هل غرق الآن في بحر عين تلك الفاتنة التي تنظر له بحدة. وأخيراً نطق متلعثماً.
"اسف والله يا آنسة مأخدتش بالي وانتِ خارجه من الباب."
تراجعت خطوة للخلف عندما تأكدت أنه هو. وهي تقول.
"أنا… أنا… أنا اسفة مقصدتش."
سألها مجدداً كي يجذبها للحديث معه.
"أنا بشبه عليكِ."
تحدثت هالة مسرعة ببلاهة.
"أنا هالة بنت عم ديجا قصدي خديجة."
خبط عمر على جبهته وهو يتذكرها.
"هالة ازيك يا هالة عاملة ايه معلش معرفتكش اتغيرتي كتير عن الأول."
تحدثت هالة وهي تجيبه.
"وانت كمان اتغيرت ازيك يا عمر."
"انتِ فاكراني صح."
"ايوه طبعا فاكراك وفاكرة…." سكتت هالة وقد تذكرت كل مواقف ذلك المراهق حين كان يأتي لزيارة عمته وكان دائم المشاغبة معها ومعها هي فقط إلى أن انقطع عن زيارة عمته حين أنهى جامعته وعلمت من خديجة أنه سافر إلى الخارج في منحة تعليمية. هل عاد؟ ولماذا عاد الآن؟
مد يده يصافحها بوقار وهو يقول لها.
"اتغيرتي كتير يا هالة بقيتي حد تاني وأنا معرفتكيش."
اغتاظت من حديثه وأجابته متهكمة.
"بس انت زي ما انت متغيرش فيك حاجة لسه…."
كادت أن تسبه لولا إنها سمعت تلك الزغاريد التي تعلن عن وصول أحمد لاصطحابهم إلى بيوتي سنتر. تركته وهرولت من أمامه حتى تستدعي خديجة التي كان حالها لا يفرق كثيراً عن حال ابنة عمها التي رأت منذ قليل فارس أحلامها الذي تركها خلفه ثم عاد مجدداً.
……………………
وقف ينتظرها وينظر إلى ذلك الدرج التي سوف تهبط عليه وهي تزفه له أخيراً.
"لماذا لا يمر الوقت." حدث نفسه. "صبراً أحمد لقد صبرت كثيراً."
وأخيراً هبطت أميرته بفستانها الأبيض وقد زاد جمالها جمالاً فوق جمالها بهيئتها البهية تتأبط ذراع أبيها. وأخيراً سلمها أبوها له وهو يوصيه عليها.
"خلي بالك من خديجة يا أحمد أنا عطيتك فرحة عمري وحتة من قلبي حافظ عليها واتقي الله فيها."
أجابه بوقار وهو يخفي بركان المشاعر الذي في قلبه.
"خديجة في عيني يا عمي وجوه قلبي."
أخذ يدها من يد أبيها ووقف أمامها أحاط وجهها بيديه ثم طبع قبلة طويلة فوق جبهتها وهو يقول لها.
"مبروك يا ديجا أخيراً يا حبيبي."
ابتعد عنها ونظر إلى وجهها وجدها تعض على شفتيها ووجهها يكاد يشتعل من الخجل.
حرر بأصابعه أثر شفتيها وهو يضحك بخفة.
"حرام عليكي يا ديجة حرام شفايفك الجميلة دي."
ستموت من خجلها ومن حديثه وقلبها المسكين سيقف من شدة فرحتها.
أخذ كفها الصغير وتقدم إلى مكان جلوسهم وبدأ الحضور بتهنئتهم ثم افتتحوا حفل الزفاف برقصة هادئة. أخذها بين ذراعيه ورقص معها. هل ملك النعيم الآن وهي داخل أحضانه؟
مال عليها وهمس في أذنها بتسلية.
"مش هتقوليلي الله يبارك فيك يا أحمد."
نظرت له وهي تكاد تموت من الخجل وهي تبتسم له بسمتها الحلوة.
"مبروك يا أحمد."
هل امتلك العالم؟ أنما أنهت كلمتها وانتهت معها رقصتهم. حملها بذراعيه القويتين ودار بها وسط فرحة ودهشة الحضور وحقد من امتلأ قلبهم بالحقد.
………………….
"مبروك يا صفية والله بنتك صبرت ونالت."
كانت تلك كلمات بهية والدة ريم المملوءة بالحقد.
ابتسمت صفية بسماحة وود وقالت لها.
"الله يبارك فيك يا بهية عقبال ريم وربنا يكرمها بواحد طيب وابن حلال زي أحمد."
ردت عليها بتهكم.
"وهي ريم ناقصة زي بنتك علشان توقع حد زي أحمد كدا."
نزلت كلمات تلك الحقودة على مسامع صفية كنيران متأججة وهمت أن ترد لها إهانتها لها ولابنتها البريئة ولكن أتى صوت الحاجة سعاد التي انتبهت لكلمات أختها المسمومة وهي تعرف أن نوايا أختها خبيثة تريد أن تفسد زيجة ابنها البكري. فابتسمت بسماحة لصفية التي تحترق من كلمات تلك الشمطاء وأجابت أختها بمكر وهدوء لكي تحفظ كرامة زوجة ابنها وأيضاً كرامة أمها.
"هو فيه حد زي خديجة في الدنيا دي قمر البلد كلها علشان كده أحمد ساب القريب والغريب وحبها هي."
نزلت كلمات سعاد على أذن أختها كأنها حمم بركانية فهي بكلامها المبطن تقول لها أنه ترك ابنتها من أجل خديجة. وأيضاً نزل كلامها على قلب صفية براحة وفرحة لقد علمت أن والدة أحمد سيدة تخاف الله وستحافظ على بيت ابنتها وعليها وأيضاً ستدافع عنها وتحميها وأنها أم بلقب حماة لابنتها.
أومأت صفية لسعاد بنظرة ممتنة لها لما أبدته معها من رد فعل ضد كلام أختها المقصود.
……………………
"واقفة لوحدك ليه يا يا هالة."
كان ذلك صوت الوسيم الذي عاد ليشغل بالها مرة أخرى. أجابته هالة بهدوء تماشى مع جمال وجهها وهدوئه.
"عادي خلاص رقصنا مع خديجة وهيصنا لها والفرح قرب يخلص فبرتاح شوية."
"ترقصي انتي؟ رقصتي مع خديجة والهبل اللي كان من شوية ده انتِ كنتِ فيه." سألها عمر مستنكراً.
إجابته هالة ببساطة.
"هبل هبل ايه يا أستاذ إحنا فرحانين بعروستنا."
"وعادة الكل كان بيرقص معاها وأنا منهم وبعدين انت مالك."
تلعثم في إجابته عليها.
"مليش أنا بس بقول ميصحش التنطيط ده قدام الناس."
"ده فرح والكل بيرقص وأنا حرة وملكيش فيه. أتنطط ولا أرقص؟" أنهت هالة كلماتها لذلك المدهوش أمامها من هجومها عليه وأيضاً من جرأتها في الرد عليه وتركته وانصرفت بغضب شديد.
ابتسم هو بتسلية وحدث نفسه.
"ياه والله ورجعت لك تاني يا قطة هنشوف أنا مالي ولا مين ماله…….."
…………………..
أنزلها ببطء وهدوء تحت نظرات أهلها المطمئنين لها وأيضاً نظراته المطمئنة لها. كيف حدث كل هذا؟ كان معلمها وبين ليلة وضحاها أصبح زوجها. كيف ستتأقلم مع هذا الوضع؟ انصرف الأهل وبقيت هي وحدها معه في ذلك البيت الذي أصبح كما يقولون عش الزوجية.
فركت يدها بتوتر وهي تشجع نفسها وبدون أي مقدمات ركضت تهرب كعادتها حين تخاف المواجهة بتلك الغيمة البيضاء إلى الحمام.
وقف هو مذهولاً من تصرفها الطفولي. طرق باب الحمام.
"خديجة انتي كويسة عاوزة حاجة."
أجابته بكل هدوء.
"لا مش عاوزة حاجة هعوز ايه يعني وأنا هنا."
بعد فترة ليست بالقليلة غفت هي في بانيو الحمام. أتاها صوته.
"خديجة انتي هتباتي عندك."
أجابته بلهجة منفعلة تحمل في طياتها القلق وعدم الثبات.
"وانت مالك أبات مطرح ما أبات أنا حرة يا أخي."
كتم ضحكته العابثة معها وأجابها.
"طب اطلعى علشان أنا كمان عاوز اروح الحمام."
أجابته وهي تظفر بحنق منه.
"أنا مش هطلع دلوقتي روح حمام تاني عندك واحد تاني."
ابتسم بتسلية عليها وأتاها صوته العابث.
"خديجة بطلي لعب عيال واطلعي يله."
لم تجبه وانتظرت وانتظرت هي حتى غفا هو على مقعد بجوار الحمام وغفت هي في البانيو لتسجل أول مواقفها الكوميدية معه. أنه معلمها وأصبح زوجها.
………………….
رواية زوجتي المجنونة الفصل الخامس 5 - بقلم هيام شطا
قشعريرة سارت بجسدها أرغمتها على الاستيقاظ وهي غافية في حوض الاستحمام. فتحت عينيها وهي تحاول استيعاب أين هي، أين فراشها الوثير؟ ما هذا الشيء الصلب الذي كسر لها عظامها؟ أخيرًا، ضربت حقيقة ما هي فيه ومشاهد ليلة أمس تمر أمامها بسرعة.
شهقة عالية خرجت من فمها، وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها. قامت من حوض الاستحمام ببطء وصعوبة بسبب فستان زفافها. ابتسمت وهي تتذكر كيف سيكون وجه أستاذها وزوجها بعد أن أضاعت له ليلة العمر كما يقولون.
فتحت باب الحمام بهدوء وهي تحمل غيمتها البيضاء وتتقدم بخطى بطيئة حتى لا يشعر أحمد بها. ما هي إلا عدت خطوات خطتها خارج الحمام ووقفت تنظر إلى ذلك المنزل التي لم تراه إلا مرة واحدة عندما حضرت مع والدتها لكي تراه بعد الخطبة.
طلب منها أحمد وقتها رأيها فيه وأي تعديلات ممكن إضافتها إليه حسب رغبتها. عليه لم تطلب منه أي تعديلات وقتها، كل ما قالته وقتها: "جميل مش محتاج حاجة". إلا أنه وكالعادة ومن خلال فترة خطبتها، أبهرها بجمال ذوقه ورقة اختياره لكل ما يتعلق بعشهم الجميل.
هل سيظل يبهرها هكذا؟
وقبل أن تسترسل في تفكيرها، وجدت قدماها تغادر وهي تعلو في الهواء بين ذراعين قويين. صرخة عالية دوت في أركان المنزل الهادئ، وأيضًا سمع بها من كان مستيقظًا في منزل أبيه لأنه يسكن في بيت أصر أن يكون له منزله الخاص، فقد بناه بجوار منزل أبيه.
ضحك بصوت عالٍ بعد تلك الصرخة التي صدرت عنها. هي حبيبته، مجنونته. بعد أن هدأت ضحكته وأيضًا اختفت صرخة تلك المجنونة، قال لها ممازحًا حتى يخرجها من خوفها الذي ظهر جليًا من تلك الصرخة: "بس بس يا مجنونة الناس تقول إيه". ثم أكمل وهو بنفس المرح الذي يملأ روحه: "كذا الناس هتفكرني عملت العمايل وسويت الهوايل وأنا يا حرام عروستي نامت في الحمام". واتبع كلماته بغمزة وقحة من عينيه التي تتفرس ملامحها الجميلة. لا يصدق أنها وأخيرًا بين ذراعيه.
نزلت عيناه إلى تلك الكريزتين التي حلم بها طويلًا. هل إن مال وقطفها ماذا ستفعل به تلك المجنونة؟ لم يفكر طويلًا، مال ناحيتها وهي ساكنة بين يديه. هبط على شفتيها يقبلها بتمهل حتى لا تخشاه. وجدها هادئة مستكينة بين يديه وهو يقبلها، أخذ يتذوق شهد شفتيها بتمهل. هل يحلم؟ لا. طالما حلم بتلك القبلة ولكن الواقع أروع.
عدي فيها حتى شعر بها وبحركتها بين يديه. ابتعد عنها حتى تلتقط أنفاسها التي سلبها منها ذلك المحتال بتلك القبلة التي فاقت كل تخيلاتها. هل هو وقح؟ نعم وقح.
خضبت وجنتاها بالاحمر القاني. أنزلها ببطء ومازال يحتجز خصرها النحيف بين يديه وهي مغمضة العينين. همس بصوته العذب: "ديجا". لم تجبه وزاد انقباض يدها على فستانها. وضع يده تحت ذقنها ورفع وجهها له وهو يهمس باسمها: "ديجا يا قلبي بوصيلي".
همهمات صدرت عنها، لم يسمع منها إلا كلمة: "مستر". كأنها سحرته بكلمتها. أجابها بوله: "قلب وروح وعمر المستر".
هبطت تلك المرة متناولًا شفتيها في قبلة شغوفة. لم يشعر بنفسه وهو ينهل من شهدها. خافت منه وتململت بين يديه. ابتعد عنها، نظر في عينيها وجد بها خوفًا. خذها بين يديه محتضنها وهو يقول لها: "أنا آسف يا حبيبتي سمحيني مقدرتش أبعد. أنا ياما حلمت باليوم ده. ديجا يا قلبي أنتِ خايفة مني؟"
لم تجبه. "خلاص يا حبيبي أنا هسيبك تغيري هنا وأنا هخرج الأوضة التانية أغير". قبلة جانبية على وجنتيها وانصرف.
جلست هي على طرف الفراش تتحسس أثر قبلته على شفتيها وهي تهمس: "مستر قليل الأدب…".
***
"علي يا علي". كان هذا صوت وفاء زوجة علي أخو أحمد. وقفت أمامه بأعين ناعسة وهي تقول لها: "إيه يا علي اللي مصحيك بدري كدا ومالك بتضحك كدا ليه؟"
أجابها وهو مازال يضحك بصوته الرجولي: "بضحك على أحمد". نظرت له باستفهام: "ماله أحمد؟ هو أحمد مش في بيته ولا إيه؟"
"أيوة في بيته بس كنت عطشان وقمت أشرب سمعت صرخة من بيته. شكله غشيم وهيفضحنا". قالت له وقد فهمت مغزى كلماته.
"طب وأنت مالك وماله؟ هو حر مع مراته".
"علي احترم نفسك وبعدين خديجة استحالة تصوت". ازدادت ضحكات علي وهو يقول: "طب إيه رأيك صرخت شكل الواد أحمد جامدة".
"تفت به وفاء على: "احترم نفسك بقى ويلا ننام ساعتان قبل أهل خديجة ما يجوا".
قبض هو على يدها حين همت بالمرور من جانبه وقال: "استنى هنا راحة فين؟"
أجابته ببلاهة: "راحة أنام ساعتين يا علي".
"يوه بقى". قال لها بوله: "وعلى نفسه يعمل زي المستر".
اغضب وجهها بالخجل وأجابته بدلال: "علي بطل هو أنت معملتش زي المستر".
ضحك بقهقهة وهو يحملها ويتجه نحو الفراش. "لأ يا قلب علي". ثم غمز لها وهو يقول: "أنا خدتك على الهادي". انتهت كلماته بين شفتيها تلك الفاتنة التي أحبها وهو مازال يدرس وتزوجها بعد أن أنهى دراسته بعد أعوام قليلة. يحبها ويرى فيها كل نساء العالم بفتنتهم.
***
جلست بأعين منتفخة من البكاء والحسرة على ذالك الذي لم يحبها يومًا كما أوهمتها أمها وصور لها عقلها المريض. إن كان يحبها كان طرق بابها بدلًا من باب أخرى خطفت لب عقله وفقد معها وقاره وهو يحملها ويدور بها ليضرب بكل كلمات العقل والوقار عرض الحائط. نعم هو يعشقها وظهر هذا جليًا في زفافهم الأسطوري.
دلت عليها أمها وهي تنظر لها بقهر على حال ابنتها. حاولت أن تخفف عنها ما هي فيه وقالت: "خلاص بقى ياريم وحياتك عندي لبكرة أجيب لك راكع قدامك وهو مطلق الحر".
"بإيه دي؟" هنا لم تتحمل ريم المزيد من الوعود الكاذبة من أمها وانفجرت فيها صارخة: "خلاص بقى حرام عليكي سبيني في حالي. أنتِ إيه مش شايفة هو كان فرحان بها إزاي؟ أنا معتش عاوزاه ولا عاوزة غيره. سبيني في حالي".
زاد كره ومقت بهية على خديجة بعد أن رأت انهيار ابنتها بتلك الطريق. والتي وكالعادة حملت خديجة كل الذنب في حالة ابنتها وتوعدتها وأقسمت بأن تخرب لها عشها وتجعل من هام بحبها وفعل من أجلها كل شيء ينفر منها ويتركها ولا يجد صدرًا حنونًا إلا خالته وابنتها.
***
"ماما أنا هسبق أنا على بيت عمي رشدي". كانت هذه كلمات هالة التي غادرت منزلها إلى منزل عمها حتى تعد مع زوجة عمها تجهيزات الصباحية كما اعتاد أهل البلد.
طَرقت على الباب عدة طرقات. فتح لها ذلك المشاغب الذي باتت تهرب من كل مكان هو به، ولكن للقدر رأي آخر فباتت تجتمع به أكثر. وقف أمامها مأخوذًا برقتها وجمال ثوبها الأنيق الذي يصل إلى كاحلها وجمال شعرها. واه منه، أنه مثلها دائمًا ثائر يصل إلى خصرها يزيدها جمال فوق جمالها.
فاق على حاله حين أشارت بيدها أمامه وقالت: "انت انت يا أخويا. الو يا عم". تحشرج صوته وهو يجيب: "نعم فيه إيه خير".
ابتسمت وهي تعلم أن ما كان به ما هو إلا تأثيرها عليه، فهي ذكية فطنة هادئة تحسب كل خطواتها إلا تلك الخطوة التي فقدت فيها قلبها بسن السادسة عشر لذلك الواقف أمامها بتيه. ولكنها أقسمت أن تجعله يأتي إليها بقلبه وها هي تنجح في أولى خطواتها. قالت له: "فيه إنك سادد الباب وأنا عاوزة أدخل لـ طنط صفية".
انتبه على وقفته وعاد خطوة للخلف حتى يتسنى لها المرور. حين مرت بجواره همس لها وقال: "إيه الجمال ده يا لولو أموت أنا". غمز لها بوقاحة. حين نظرت له غير مستوعبة كلماته التي بها انهارت كل حصونها. وخطف هو دقة جديدة من دقات قلبها وهو يتركها ويغادر إلى خارج منزل عمته لكي يهدئ من نبض ذلك الثائر في شماله منذ أن رآها بجمالها الصبوح وأقسم أن لن تكون تلك القاهرة الماكرة إلا له وله هو وعن قريب.
***
طرق على باب الغرفة حتى تسمح له بالدخول. حين سمع صوتها الجميل أذن له بالدخول. دلف إلى الغرفة وجدها ترتدي بيجامة نوم محتشمة عكس كل تخيلاته وتوقعاته التي انهارت ما أن رآها هكذا. كتم ضحكته وهو يتقدم إليها وهي تنظر إلى الأرض وتفرك يدها دليل على توترها.
وقف أمامها وهو يحيط كتفها بحنان ويقول بمرحه الذي اعتادت عليه: "إيه الحلاوة دي يا ديجا. أمال فين الحاجات التانية بتاعة المتجوزين؟"
هل ستنفجر من الخجل أم سيقف قلبها من رهبة الموقف؟ أجابته بتهتهة وكأن الكلمات ضاعت من قاموسها: "هو… يعني…. أنا…".
رحمها هو حين أكمل عنها: "هو إيه يا ديجا؟ أنتِ مكسوفة مني؟" أومأت هي برأسها دون أن تنطق بكلمة.
قال هو: "خلاص يا ستي براحتك دي حتى البيجامة جميلة". لم تستطع منع بسمتها التي ظهرت له جليًا. ضمها هو إلى قلبه وهو يهمس في أذنها: "وايه كمان يا خديجة؟"
نظرت له وهي مازالت بين يديه وقالت: "وايه إيه؟"
قال لها: "مكسوفة مني وايه كمان؟" هل شعر بخوفها من ذلك اليوم؟ أجابته بصدق: "مكسوفة وخايفة".
ضمها إليه مرة أخرى وهو يعتصرها ويهمس في أذنها: "وأنا عمري ما هاذيك يا قلبي". ضمها أكثر إليه وهو يميل على شفتيها يرتوي بعد سنوات عجاف من بحرها العذب ويبدأ معها أولى ليالي عشقه له. فهو متيم بتلك الصغيرة المجنونة التي أصبحت بين يديه ملكته وغاليته وساكنة أحضانه.
رواية زوجتي المجنونة الفصل السادس 6 - بقلم هيام شطا
استيقظت الحاجة سعاد ومن معها بالمنزل منذ الصباح الباكر، فما زالت الفرحة مستمرة، فاليوم هو صباحية أحمد ويتم التجهيزات على قدم وساق لاستقبال أهل خديجة، عروس ابنها البكرى. كم اختلج قلبها بالسعادة الغامرة كلما تذكرت فرحة ابنها بعروسه وحبه وعشقه الذي ظهر إلى الجميع.
تنهدت بإنتشاء وهي تدعو الله أن يديم سعادته ببكريها وفرحته.
قطع شرودها صوت زوجها الحاج محمد نور الدين وهو يقول:
"اللي واخد عقلك يا أم العريس؟"
ابتسمت له ابتسامة من يراها يرى أنها ملكة الدنيا وما فيها، وأجابته بمحبة:
"سلامتك يا حاج، مفيش حاجة، أنا بس افتكرت فرحة أحمد امبارح وكنت بدعي له."
أجابها الحاج محمد بضحكة مشاكسة:
"والله الواد أحمد طلع وحش زي أبوه."
قهقه بعدها بضحكة أنارت وجهه، الذي رغم كبر عمره إلا أنه ما زال ابن عمها، ذلك الوسيم الذي أسر قلبها منذ صغرها ليكون زوجها وأبيها وأبو أبنائها.
"أنت هتقولي لازم يطلع لابوه."
أنهت كلماتها وهي تشاكس زوجها وعشرة عمرها وحبيبه.
دلف عليهم من الباب علي ليجد آثار البسمة على وجه أبيه وأمه ليقول لهم بمرحه المعتاد:
"هو أنا جيت في وقت غير مناسب ولا إيه؟"
اتبع كلامه بغمزة لأمه من عينه.
ضحك أبيه مرة أخرى وهو يضربه بخفة على رأسه:
"لأ يا خفيف، أنت جيت في وقتك عشان عاوزك تروح تجيب شوية حاجات."
انصرف علي مع أبيه لتنهض الحاجة سعاد لكي تنهي استعداداتها قبل مجيء أهل خديجة.
"وفاء يا وفاء!"
"نعم يا ماما، ها يا حبيبتي خلصتوا الغدا؟ الضيوف على وصول."
أجابت وفاء الحاجة سعاد بوجه بشوش:
"متقلقيش يا ماما، كله تمام."
حين أنهت وفاء كلماتها، وجدت بهية تدخل عليهم بوجه حاولت أن ترسم عليه ملامح السعادة وهي تقول:
"مبروك يا سعاد، صباحية مباركة لعريسنا."
ثم أكملت حديثها بفحيح، حيا تبث سمها في ضحيتها:
"ولو إني زعلانة من أحمد يا سعاد..."
انقبض قلب سعاد من حديث أختها الذي لم يكن بالودي، وتعلم أنها حاقدة على ابنها لأنه لم يرض بابنتها زوجة له.
انصرفت وفاء وتركت حماتها مع أختها وذهبت لكي تشرف على آخر تجهيزات تلك الوليمة.
سألت سعاد بنبرة صوت قلقة:
"بهية زعلانة من أحمد ليه يا حبيبتي؟ هو حد يزعل من العريس برضه؟"
أجابتها بقليل من التوتر الذي بدا على صوتها:
"لأ يا سعاد، أنا زعلانة منه عشان حاجة تانية خالص، ملهاش دعوة بينا."
نظرت لها سعاد بتساؤل، وفي حين أكملت تلك الحية حديثها:
"عقلي ابنك يا سعاد وبلاش فضايح."
انتفضت سعاد من مكانها بعد كلمات أختها وهي تقول:
"كفلنا الشر يا بهية، فضايح إيه اللي أحمد عملها؟"
أجابتها الأخرى بشماتة:
"صريخ عروسته كان جايب آخر البلد، الفجرية الناس تقول عليه إيه؟ ما صدق مسك حاجة، ولا أهل البت هيقولوا إيه لما يشوفوا بنتهم؟ روحي يا أختي، عقلي وشوفي عمل إيه في الغلبانة مراته."
متعض وجه الحاجة سعاد وبدأ عليها القلق من ما أخبرته به أختها. أيعقل أن يكون ابنها بهذا التهور وعدم المراعاة لزوجته البكر؟ أيعقل أن يكون من الرجال الذين ينساق في رغباته دون مراعاة شريكته؟ أيعقل أن يكون آذاها؟ أسئلة ملأت عقل أمه وهي تهم وتذهب إلى بيته لتتأكد بنفسها من حديث أختها.
نائمة براحة ودفء غريب تشعر به يملأ أحلامها. شعرت بلمسات حانية فوق وجهها وصوته هو يأتيها من بعيد. ابتسمت وهي ما زالت مغمضة العين وهي ما زالت تظن أنها في حلمها الوردي الذي هو بطله.
إلا أن اللمسات ازدادت فوق وجهها لتفتح عيونها وتراه في وجهها وهو قريب منها حد الهلال.
انتفضت في نومتها وهي تقول بتلعثم:
"أنت... أنت بتعمل إيه يا مس..."
وقبل أن تنهي كلمتها أجابها:
"أوعي تقولي يا مستر، مهو مش بعد اللي حصل وأكون لسه المستر."
ثم غمز لها بوقاحة.
اشتعل وجهها نار من الخجل ومن جرأته وتخليه عن أي وقار معها وأصبح لها عاشق متيم. فاها هي ملامح الليلة السابقة تتذكرها، كيف كان مراعي حنون معها حين امتلكها. كم كانت خائفة من تلك الليلة التي حولها هو لها ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة التي تسمع عنها في أساطير العشاق. وبفضله عاشت ليلة من ليالي الأساطير. كم أنت ملك يا أحمد.
وازداد بطمئنتها ومباركتة حين جذبها إلى صدره العاري.
يضمها إليه بحنان وهو يسألها بصوت حنون:
"مبروك يا حبيبة عمري، ديجا. أنتِ كويسة؟"
لم تستطع أن تجيبه من شدة خجلها لتومئ برأسها له دون النظر إليها.
احتضنها وذهب معها في ثبات عميق إلى أن استيقظت على قبلاته الرقيقة على وجهها وهو يحاول معها أن تستيقظ.
ضحك بتسلية عليها حين شردت منه، فعلم من احمرار وجهها أنها تعيد أحداث ليلة أمس إلى ذهنها. هو تبتسم ببلاهة.
فقال لها وقد أراد اللهو معها قليلاً:
"إيه يا ديجا، مفيش صباح الخير يا حبيبي؟"
نظرت له بدهشة. هل أخبرته أنها تحبه؟ لا، لم تخبره. تلعثمت في الكلام وهي تقول:
"صصباح الخير."
مال هو عليها وهو يقول:
"لأ يا ديجا، صباح الخير مش كده."
نظرت له باستفسار وقبل أن تتفوه بكلمة أطبق على شفتها في قبلة عاشقة. لم يستطع من نفسه منها، أخذ يتذوق شهد شفتيها بتمهل وهو يعمق قبلته. تجرأت يداه عليها وهي ذائبة معه في تلك اللحظة الجميلة التي لم تكن تحلم أنها ستعيش تلك المشاعر معه. هو فاقت من مشاعرها على صوت جرس بيتها يتعالى. حاولت أن توقفه عما يفعله، ولكنه كان وبالفعل غارق في شهد حبه.
دفعته برفق وهي تهمس بخجل:
"أحمد، الباب..."
رفع رأسه من تجويف عنقها وهو يلهث من فرط مشاعره ويقول:
"سبيهم، هيخبطوا شوية وهيمشوا."
عاد لما كان عليه. دفعته هي مرة أخرى وهي تقول:
"يمكن حاجة مهمة أو ماما جت، والنبي قوم افتح."
استقام وهو يظفر بحنق ويبرطم بسباب لم يصل لسمعها، ولكنها انفجرت ضاحكة على هيأته الغاضبة وكأن أحدهم حرمه من لذة حياته.
فتح الباب ليجد أمه أمامه بوجهها البشوش وهي تقول:
"إيه يا أحمد، كل ده نوم؟ صباحية مباركة يا حبيبي."
ابتسم لها وافسح الطريق لها لكي تدخل وهو يقول بمرحه المعتاد:
"إيه يا حاجة، حرام أما أنام يوم الصباحية ولا إيه؟"
ابتسمت له بحب وخجلت أن تسأله عن ما قالته لها أختها، واكتفت بأن تقول له:
"لأ يا حبيبي، نوم الهنا. أنا جيت أطمن عليك وعلى خديجة بس."
أجابها بمزاج:
"اطمني يا حاجة، ابنك أسد."
"
رواية زوجتي المجنونة الفصل السابع 7 - بقلم هيام شطا
انهى أحمد أسبوع العسل كما يقولون، فقد أغدقها بالحب والاهتمام. اكتشفت فيه جانبًا وقحًا يتخلى فيه عن كل شيء وهو معها. أصبح حنونًا، مشاكسًا، غيورًا، ووقحًا. أحبته بكل تلك الشخصيات.
قضت أسبوعين في أجمل فنادق شرم. لم يكتفِ بأسبوع العسل، بل أضاف أسبوعًا آخر. تخيل ورسم أحلامه معها، ولكن الحقيقة أروع. أسبوعان لا يفعل فيهما سوى الحب والدلال لها هي فقط. تخلى عن كل قيود حياته، عن هدوئه، عن عقله، وعن رزقته معها هي.
هل للحب نكهات؟ نعم، له نكهات. وجدها جميعها في صغيرته المدللة. وجد منها الهدوء والخجل، وأيضًا التسرع في الجواب حين تريد الهروب من الموقف. ووجد بها شقاوتها ومرحها ودلالها عليه في لحظاتهم الجميلة. واه منها، في تلك اللحظة تصبح أجمل نكهة من نكهات العشق.
أفاق من تخيلاته على صوت همهمتها وهي تغفو بجواره في آخر أيامهم في أسبوع العسل. انحنى عليها، يقبل وجنتها بقبلات رقيقة وهو يهمس باسمها.
"خديجة. ديجا... قومي يلا يا كسلانة. كل ده نوم. بقينا العصر."
همهمت وهي نائمة: "سبني أنام شوية يا أحمد. مش قادرة أقوم."
ابتسم وهو يقبلها مرة أخرى، يريد أن يرى زيتونتها التي يغرق في عشقها.
"ديجا يا قلبي. قومي بقى. عاوز أصبح عليكي."
فتحت عيناها بكسل وهي تقول له بصوت ناعس: "صباح الخير يا حبيبي."
هل انهار العالم وأقيم مرة أخرى من حوله؟ أم أنه استمع خطأ؟ ابتسم ابتسامة بلهاء غير مستوعب ما نطقت به تلك الصغيرة، وهو يسألها بلهفة ظهرت جليًا في صوته:
"ديجا يا قلبي. قولتي إيه؟"
فتحت زيتونتها وهي تقول بصوت ناعس: "صباح الخير."
مال على شفتيها وقبلها قبلة سريعة.
"بعد صباح الخير قولتي حاجة تانية. إيه هي يا قمر؟" اتبع كلماته بغمزة من عيناه الجميلتين التي تعشقها.
"قولت..."
"قولتها. قولتي إيه يا قلبي؟"
"قولت صباح الخير يا حبيبي."
دفعت كلماتها مرة واحدة من فمها حتى لا تهرب كعادتها. ولماذا تهرب؟ ولماذا تخشاه؟ وهو يغرقها في بحر حبه ويموت في هوا عينيها. اعترفت له بحبها، وما أجمل ما قاله لها بعد اعترافها:
"أنا حبيبك يا ديجا."
أومأت برأسها وهي تكاد تموت من الخجل. ولما الخجل؟ وهو زوجها، حبيبها. وضع يده أسفل ذقنها يحثها على النظر إليه. واه من عيناه الجميلتين حين ينظر لها تلك النظرة الجميلة الشغوفة بها.
"قوليها تاني يا قلبي. أنا مش مصدق إنك أخيرًا قولتيها."
أحاطت عنقه بيدها بجرأة لم تعتدها على نفسها، وهي تهمس أمام شفتيه:
"حبيبي. وقلبي. وحياتي كلها يا مستر."
سيصاب بسكتة قلبية من حلاوة كلماتها ودلالها عليه. لم يستوعب ما نطقت به تلك الجميلة بهذه الجرأة اليوم. وكانت هذه نكهة جديدة تضاف إلى نكهاتها الجميلة، وهي تقبله قبله رقيقة بجانب شفتيه. لم يتحمل منها كل هذا الدلال والحب. هنا، انهارت كل مقاومته. قبلها قبله رقيقة شغوفة، أخذها بها بحر عشقه. ولكن تلك المرة كانت جريئة معه، تبادله عشقه لها بعشقها الذي أحيا قلبه وملكت به كل جوارحه.
***
"حمد الله على السلامة يا حبيبتي."
كلمات قالتها الحاجة سعاد وهي تغمر وحيدتها علا، التي عادت اليوم من سفرها من إحدى الدول العربية مع زوجها وابن خالتها فاطمة، الذي فقدته وهو طفل صغير. احتضنته خالتة سعاد، أو بمعني آخر أمه، بكل معاني الكلمة كأحد أبنائها، وليس ابن أختها. لم تفرق بينه وبين أبنائها، بل أعطته كل شيء: الحب، الحنان، المال. لم تبخل عليه بأي شيء. حتى عندما طلب الزواج من علا وحيدتها، لم تبخل عليه بها، رغم أنها كانت تعلم أن ابنتها لا تميل لذلك. إلا أنها رضخت لأمرها بعد إلحاح من فارس على خالته ليتزوج.
وكانت بهية بجوارها، ولكن على عكس سعاد، كانت تبث له السموم وتهدم في شخصيته الرضا والقناعة، وتعينه على أولاد أختها بالباطل.
أخرجتها أمها من حضنها وهي تنظر لها نظرة عتاب:
"كده يا علا؟ يعني أقول لك تعالي قبل فرح أخوك، تيجي بعده بأسبوعين؟"
همهمت علا بجواب على أمها، قاطعها صوت فارس:
"ناس تقول حمد الله على السلامة يا أمي. مش تبدأها بعتاب يا حاجة سعاد؟ وبعدين ما أنتِ عارفة ظروف شغلنا في الكويت وكمان ظروف الإجازات."
ثم أحاط كتف علا يقربها له. شعرت كأنها تحترق تحت لمسات ذلك القذر الذي لم يتق الله فيها أو يعاملها معاملة حسنة طوال ثلاثة أعوام، وهو يتفنن في تعذيبها سواء بالضرب أو سوء المعاملة أو معايرتها بأنها ليست الجميلة، وأنه تزوجها نوع من أنواع رد الجميل لخالته. حتى فاض بها الكيل عندما أهانها وأهان أخاها بالكلمات الجارحة عندما تطاول عليها بالضرب وهو يعايرها به:
"احمدي ربنا إني اتجوزتك. كان زمانك عانس جنب أخوك."
ولكن سبحان مغير الأحوال. تزوج أخوها، وفي ثلاثين يومًا أصبح له عرس يحكى عنه القاصي والداني، وعن معلم الأجيال الذي تزوج بالحسناء الفاتنة التي سرقت قلبه.
ستشاط غضبًا عندما شاهد صورة أحمد وهو يحتضن تلك الحسناء. لم يستطع كبح كلماته المسمومة وهو يهتف بغل وحقد من أحمد:
"شوفتي أخوكي الواعي؟ كان مستني الصاروخ وبلف عقلها بكلمتين علشان يتجوزها."
ثم أكمل بحقد:
"مش أنا اللي كان بختي أسود."
نظرت له بعين منكسرة حزينة:
"خلاص يا سيدي. سيب نصيبك الأسود وروح شوف غيره."
عادت من ذكرياتها الحزينة مع ذلك الحقود على صوت أمها وهي تسألها عن حالها، بعد مدة مكثتها مع أمها لتطمأن على حالها.
صعدت إلى غرفتها التي أعدتها لها أمها مسبقًا حتى تكون معها في المنزل.
***
عادوا إلى البيت في مساء ذلك اليوم. بعد أن دلفوا إلى المنزل، ارتمى أحمد على المقعد بإنهاك بعد رحلة العودة. دخلت خديجة وهي تراه بكل هذا الإجهاد، قالت له بصوت حنون:
"قوم يا حبيبي خد شور وارتاح."
كم أطربه قولها له. كم استكان قلبه بعد أن صارحته بمشاعرها له. جذبها إليه وأجلسها فوق ساقه وأحتضن خصرها النحيل وهو يطبع قبله على وجنتيها. اشتعل وجهها بالخجل من تدليله لها الذي لا يمل منه. قال لها:
"أنا هروح أشوف أمي وأطمن عليها هي والحاج وأجيلك يا قمر. بس آوعي تنامي ها. مش هتأخر عليك."
طبع قبله على خدها المشتعل بحمرة الخجل من تلميحاته لها وهو يكمل:
"إيه يا ديجا؟ هنتكسف تاني ولا إيه؟"
هرولت من أمامه وهي تختفي، أو لتهرب كما كانت تفعل حين ينفذ من أمامها الحلول.
***
"هالة يا هالة."
نادت ضحى، زوجة إبراهيم، عم خديجة، إلى هالة، التي أغلقت على نفسها منذ أن سافر عمر بعد لقائهما الذي أخبرها فيه أنه يريد أن يتزوجها. عصفت بها أسئلة كثيرة، وبتفكيرها، خاصة أنه سافر دون أن يراها أو يؤكد طلبه عليها. هل كان يلهو معها أم يسخر منها؟
دلفت أمها إليها، ووجدتها على نفس حالها، مستكينة في فراشها، وأيضًا عيناها حزينة. جلست أمها بجوارها وهي تربت على كتفها بحنان:
"إيه يا قلب ماما؟ مالك يا هالة؟ كل ده علشان خديجة مش في البلد؟ خلاص يا ستي خديجة رجعت بكرة. روحي شوفيها."
انفرجت أسارير هالة ما أن علمت بعودة خديجة، صديقتها الصدوقة.
"بجد يا ماما؟ خديجة رجعت؟ ولا هتفضل زي الأسبوع اللي فات؟"
"لأ يا حبيبتي. هي في البلد. روحي بكرة شوفيها. وكمان علشان تاخدي رأيها في ابن خالك عمر."
هل ذكرت أمها اسمه؟ تلعثمت هالة في الحديث وهي تسأل أمها:
"عمر... ماله عمر؟"
ابتسمت أمها بخبث وهي تخبرها:
"عمر يا ستي كلم بابا وطلب إيديك من باباكي. وعمته صفية كلمتني وعاوز يعرف رأيك."
هل سيقف قلبها من شدة فرحته؟ لقد طلبها للزواج كما أخبرها. ولكن ماذا عليها أن تفعل؟ أجابت أمها بحرج:
"طيب وبابا قال إيه؟"
"بابا قال والله هما ناس كويسين وهو شاب زي الفل. بس أهم حاجة رأي هالة. وإنتي إيه رأيك يا لولو؟"
"طنط صفية مبسوطة جدًا إن عمر عاوز يتجوزك. ها، إيه رأيك؟"
لن تريح قلبه وتوافق بتلك السهولة.
"هفكر يا ماما. ده جواز مش حاجة سهلة."
إحتضنتها أمها وهي تطبع قبله جانبية على وجنتها، ودعت لها بصلاح الحال، وتركتها وانصرفت. هل سيقف قلبها من الفرحة؟ نعم، لقد أخبرها أنه سيتزوجها، وها هو يوفي بوعده.
أفاقت على صوت هاتفها. نظرت إلى شاشته، وجدت رقمًا لا تعلمه، ولكن قلبها أخبرها أنه هو. أجابت عليه بصوتها الناعم:
"ألو..."
"مساء الخير يا قمر."
اشتعل وجهها بالخجل من غزله لها. صمتت حتى تحدث هو مرة أخرى:
"بقولك مساء الخير يا قمر. إيه القطة أكلت لسانك يا لولو؟"
استفزها هو بطريقته. أجابته بحدة قليلة:
"لأ مأكلتش. عاوز إيه؟"
"عاوز أعرف رأيك يا لولو."
"رأيي في إيه؟"
ضحك على طفولتها وهي تتهرب منه.
"رأيك في العريس يا لولو؟"
"وأنا العريس؟ إيه رأيك فيا؟"
"أنا عريس قمر وحليوه وابن ناس والف مين يتمنى."
استفز فيها مرة أخرى غرور الأنثى. أجابته غاضبة:
"خلاص يا دنجوان. روح للـ ألف وأنا طلعني منهم."
"بس أنا مش عاوز من بنات حوا كلهم إلا أنتِ يا قمر."
قفز قلبها من شدة الفرح على كلمات ذلك المغرور الذي يرضى بها. غرور الأنثى داخلها.
"ها، قولتي إيه يا قمر؟"
ابتسمت وأجابته بهدوء لا ينافس تلك المشاعر بداخلها:
"هفكر..."
صمت قليلاً. ثم قال:
"براحتك يا قمر. المهم عندي تقولي موافقة في الآخر."
أنهى تلك المحادثة بينهم، وهي تقفز على تختها مثل الطفلة الصغيرة من شدة فرحتها. أما هو، فابتسم بمكر وهو يتوعد تلك العيون ذات بحور العسل الصافي التي اختطفت دقات قلبه ولم تعدها له.
***
أشرقت الشمس عليهم، وكل له مشاعر مختلفة عن الآخر. خديجة تنعم بالأمن والحب والإحتواء في أحضان هذا الأحمد، معلم الحب والعطاء. هالة تنتظر فارسها يأتي لها يغدقها بحبه. علا تنتظر من الله الخلاص من ذلك اللعين. وفاء وعلى ينتظرون أن يمن الله عليهم بالذرية الصالحة. ريم وبهية تشرق عليهم شمس حقدهم. وانضم إليهم فارس ليكتمل ثلاثي الشر. والكل تشرق كل يوم شمسه بأمل جديد له يتمسك به ويحيي من أجله.
***
فتحت بابها لتجد أمامها ريم.
"ريمة..."
تنفست خديجة باسمها متوجسة منها بعد آخر لقاء بينهم. فلم تجد من حديثها أي شر. رسمت ريم على وجهها ابتسامة ملتوية وهي تقول لها:
"إيه يا ديجة؟ مفيش اتفضلي يا ريم."
تذكرت خديجة حديث ريم عن أحمد، وكم افترت عليه بالكذب ليحترق قلبها عليه. أجابتها بحدة:
"إيه يا ريم؟ انتي جايلك عين تيجي ليا هنا بعد الكلام اللي قولتي على أحمد؟"
ضحكت ريم لاستفزاز خديجة، فهي تعلم إنها سريعة الغضب. وهذا ما نجحت فيه حين قالت لها:
"قلبك أبيض يا ديجة. يعني غلطتي في البخاري؟"
احتلت نبرة خديجة معها، وقالت لريم بصوت عالٍ:
"ريم! احترمي نفسك واحترمي ابن خالتك اللي أنا لغاية دلوقتي مقلتش له حاجة. ولا تقدري تقولي له حاجة. انتي جبانة يا ديجة، وساعتها هقول محصلش. وإثبتي."
وصلت خديجة لأقصى درجة تحملها من تلك الوقحة. صاحت بها بصوت عالٍ:
"ريم! احترمي نفسك واطلعي بره بيتي."
"خديجة..."
كان هذا صوت أحمد، الذي حضر مع آخر كلمات خديجة مع تلك الشمطاء.
رواية زوجتي المجنونة الفصل الثامن 8 - بقلم هيام شطا
خديجة.
كان هذا صوت أحمد الذى حضر مع آخر كلمات خديجة لريما:
"اطلعي بره بيتي."
لم يسمع إلا تلك الكلمات.
عصفت بها الظنون. ماذا سيظن بها أو بماذا ستخبره إن سألها عن سبب طردها لإبنة خالته؟
لم تخبره قبل سابق عن كلام تلك الـ... معها. كيف لها أن تنجو من هذا الموقف؟ ليتها أخبرته وقتها بما قالته عنه.
جذبها أحمد بشيء من العنف وهو يحدثها:
"خديجة فيه إيه؟"
"إيه اللي حصل من ريم؟ بتطرديها ليه؟"
يعلم أن بينها وبين ابنة خالته شيئًا، لأن كل شيء بينهم اختلف بعد زيارة ابنة خالته لها قبل شهر وقت خطبتهم، تلك الزيارة التي لم تخبره بها ولكن أمها أخبرت بها.
يتذكر جيدًا إنها بعد تلك الزيارة كادت أن تنهي الخطبة لولا ذكاءه الذي دفعه أن يعقد قرانه عليها في اليوم التالي.
ترى ماذا تخفي عنه خديجة وبماذا أخبرتها ريم؟
"يا خديجة هتقولي بتطردي ريم ليه، ولا هي اللي هتقول؟"
"فيه إيه يا ريم؟ مضايقة خديجة في إيه؟"
تصنعت تلك الشمطاء البراءة وهي تتحدث:
"أنا أنا يا أحمد والله ما عملت حاجة ومش عارفة ديجا متغيرة معايا ليه من وقت خطوبتكم. اسألها قدامك أهي، كل ما تشوفني تصدر ليا الوش الخشب، وآخرتها أول ما شفتني جايه أبارك لكم طردتني، والحمد لله إنك سمعتها بودانك."
أغمضت خديجة عيناها تريد أن تهرب من ذلك الموقف التي وضعت نفسها به. واستغلته تلك الـ...
ماذا تفعل؟ ليتها استمعت لنصيحة هالة وأخبرته كل شيء. ماذا إن أخبرته الآن؟ هل سيصدق؟
أخذت نفسًا عميقًا وأخيرًا تحدثت:
"مفيش يا أحمد، مفيش حاجة بينا. بس ده بيتي وأنا حرة أستقبل فيه اللي أنا عاازاه."
تلك الغـ... لقد هربت مرة أخرى.
كان يضغط عليها، يعلم أن ابنة خالته قالت لها شيئًا سيئًا أو افترت على أحد، وهذه كانت الفرصة المناسبة التي سيعرف منها وينصرها عليها.
ولكن مهلًا، لن يخذلها أيضًا. وكيف له أن يكسر قلبها؟ وفي أول موقف لهم سيتركها حتى تتغلب على هروبها وتخبره ماذا قالت تلك الـ...
وقف بجانبها، مال على قلبها، جذبها إلى جواره، احتضن خصرها النحيل وهو ينظر داخل عيناها كي يطمأنها.
ونظر أخيرًا إلى ريم وهو يقول:
"والله يا ريم أنا أعرف إن خديجة من بيت طيب ومش هتطردك كدا منها لنفسها. ضروري فيه سبب، بس طالما أنتِ مقولتيش وهي كمان مقلتش، يبقى..."
"أنا آسف. ده بيت خديجة تستقبل اللي تستقبله براحتها، واللي مش عاازاه يبقى مع السلامة."
قال آخر كلماته وهو يشير لريم على باب البيت بيده وعيناه.
شعرت ريم وكأنها غرقت في دلو ماء حين خرجت.
صفع أحمد الباب خلفها بشدة.
أما تلك التي تخشبت في مكانها في ذهول من موقف زوجها، تحاول استيعاب ما حدث للتو. لقد وقف بجانبها دون أن تطلب أو تشرح أو تفسر. أهكذا يكون الحب؟ أم هذا شيء تعدى الحب؟
نعم، وثق بها دون دفاعها عن نفسها.
هنا رأت خديجة صورة جديدة من صور عشقها له.
إنها الثقة.
وجه جديد من أوجه الحب الذي ظهر اليوم في أول موقف تتعرض له في بيته.
نظرت له وهمت أن تتحدث.
وضع إصبعه فوق شفتيها ثم أردف يقول:
"ديجا يا قلبي، أنا مش هسألك عملتي كدا ليه مع ريم، لأن ده بيتك وأنتِ حرة. بس أكيد فيه حاجة حصلت بينك وبينها ومش هضغط عليكي علشان أعرفها. بس كمان لازم يبقى عندك ثقة فيا."
"أنا يا أحمد والله بثق فيك."
أجابت عليه خديجة بلهفة حتى يعلم أن ما منعها من إخباره شيء آخر لا علاقة له بالثقة.
قبل طرف شفتيها وهو يبتسم لها وهو يقول:
"أمال إيه يا ديجة؟ خايفة؟"
أحنت رأسها وتوترت ملامحها وهي تجيب:
"هو... اصل... يعني أنا مبحبش المشاكل ولا عاوزة حد ياخد فكرة وحشة عني."
"مين ده يا قلبي اللي ياخد فكرة وحشة؟ على العموم يا ديجا، هو موقف وعدى. وأول ما تحبي تحكي أنا تحت أمرك يا حبيبتي. ويلا بقى جهزي، اتأخرنا على الحاجة سعاد وأنا هموت من الجوع."
"خمس دقائق يا حبيبي ونخرج."
"ماما، هو أحمد وخديجة وصلوا ولا إيه يا وفاء؟"
"لسه موصلوش. يلا خلصي انتي وعلا الأكل، عاوزين نخلص قبل ما يجوا."
كان هذا حوار وفاء والحاجة سعاد التي أعدت وليمة كبيرة لاستقبال ابنها وأيضا ابنتها التي عادت بعد سفر دام ثلاث سنوات.
بعد قليل وصل أحمد وهو يحتضن خصر خديجة بتملك. ما أن دلفوا إلى بيت أبيه وكزته بكتفها حتى يبعد يده عنها، إلا أنه شدد من حصار خصرها. اشتعل وجهها بحمرة الخجل حين جذبتها الحاجة سعاد منه وهي تمزح معها:
"إيه يا أحمد ماسك مراتك كدا ليه؟ متخافش، إحنا هنسلم وهنرجعها لك تاني، مش هناكل منها حتة."
جذبتها من يدها واحتضنتها بحنان أم وهي ترفع وجهها الذي كاد أن ينفجر من الحمرة التي كسته:
"ما شاء الله يا خديجة، إيه الحلاوة دي يا قمر."
"لأ يا ماما، خديجة طول عمرها حلوة."
كان هذا صوت علا التي أتت من الممر المؤدي إلى المطبخ وهي تحمل أطباق وتضعها على طاولة الطعام. ثم أكملت وفاء عنها بصوت مرح:
"أنتِ مش شفتيها من زمان يا علا؟ دي بقت قمرين مش قمر واحدة."
هل سينفجر وجهها من الخجل؟ نعم، تحول إلى الأحمر القاني.
ضحك الجميع على خجلها المفرط. وأخيرًا جاءتها النجدة حين ضرب جرس الباب يعلن عن وصول أحدهم.
"هم أحمد يفتح الباب."
"دا أكيد علي وفارس، أنا هفتح لهم على ما تحضروا السفرة."
دخل علي بمرحه المعتاد وهو يمزح:
"أخيرًا العريس ظهر. إيه يا عريس، هو العسل مش بيخلص ولا إيه؟"
"همست وفاء وهي تحضر باقي الطعام لعلي."
"اسكت يا علي، الله يرضى عليك. مرات أخوك كانت هتموت من الكسوف، كفاية عليها كدا."
"ليه هي الحفلة بدأت بدري عليهم ولا إيه؟"
أومأت له برأسها.
"خلاص، اخف أنا عليه."
حين انصرفت وفاء، سلم أحمد على علي وهو يمازحه:
"ما تتلم بقى يا خفيف، ولا أنتم هتحفلوا عليا؟"
اجتمعت العائلة حول طاولة الغداء حين قالت الحاجة سعاد:
"استنوا يا ولاد، فارس راح يسلم على بهية وريم ويجيبهم يتغدوا معانا."
ما أن أنهت كلماتها حتى شحب وجه خديجة. ونظرت إلى أحمد الذي مال عليها وهمس لها مطمئنًا وأنه مجرد غداء.
بعد قليل، وصل فارس بصحبة بهية وريم. وما أن وقعت عين فارس على خديجة إلا وظهر في عينيه نظرة خبيثة ظهرت جليًا في عينيه وهو يسلم عليها ويتفحصها من أخمص قدمها حتى منبت شعرها. توترت ملامح خديجة حين ضغط على كف يدها وهو يسلم عليها. حاولت سحب يدها منه ولكنه ضغط عليه أكثر وهو ينظر إليها وكأنه جردها من ملابسها.
تقدمت علا من زوجها الـ... وهي تسحب يد خديجة منه حين انشغل عنها أحمد بحديثه مع أبيه، وهي تنظر له نظرة ذات معنى:
"إيه رأيك في مرات أحمد يا فارس؟ قمر مش كدا؟ أصل أحمد كان مستنيها تكبر علشان يتجوزها."
عض على طرف شفته وهو ينظر إلى خديجة ويقول:
"له حق يستناها."
لم تطمئن خديجة لذلك الـ... وهو من أول ظهور له في حياتها وهو يخيفها.
مر الغداء وكأنها محنة عليها. وما زاد الطين بلة ما فعله فارس لينضم إلى ريم، وهذا ما كان ينقصه.
لاحظت علا شرود خديجة، علمت أن زوجها قـ... يمكن أن يخيفها.
أخذتها من يدها وهي تمزح معها:
"تعالي يا ديجا، أما أوريكي أنا جبت لك إنتي ووفاء إيه."
أخذتها هي ووفاء وقضوا بعض الوقت معهم. لن تنكر كم كان وقت جميل لطيف مليئ بالحب والألفة من وفاء وعلا. ولم يخلو من همساتهم وهم يتسلون عليها بأسألتهم كيف أوقعت معلم الأجيال في عشقها وتخلى عن رزانته من أجلها هي.
مر شهر على زواجها، واليوم هو موعد عقد قران هالة بعد أن أصر عمر أن يكون خطبة وعقد قران على أن يكون الزفاف بعد ثلاثة أشهر.
تزينت هالة وارتدت ثوبها الأرجواني، كانت فيه كاميرا. احتبست أنفاس عمر حين رآها. كانت جميلة وكأنه يراها لأول مرة. جميلة هادئة.
همست خديجة في أذنها:
"الواد عمر هياكلك بعينه يا لولو. الواد شكله طب ولا إيه يا قمر؟"
ابتسمت هالة وهي تقول بثقة:
"لازم يطب يا ديجا."
ضحكت خديجة بصوت عالٍ. انتبه لها ذلك العاشق الذي دب حـ... في صدره وهو يستمع قهقهاتها ويتوعدها أنه سيعاقبها ما أن يصبحوا سويا.
ضربت خديجة هالة بخفة على رأسها وهي تمزح:
"يا بت، اتكسفي ولا اعملي أي حاجة من بتاعة البنات. مش تقولي لازم يطب."
"واتكسف ليه يا خديجة؟ يحمد ربنا إني وافقت عليه."
"يخربيت غرورك يا هالة. يعني مكنتيش هتـ... موتّي عليه ولا حاجة."
"الله بقى يا ديجا، خلاص الواد جه لعندي. أقول لأ يعني؟"
قاطع حديثهم دلوف رشدي، أبو خديجة، وهو يأخذ هالة وخديجة لإتمام عقد القران.
"بارك لكما وجمع بينكم في الخير."
ما أن أنهى المأذون عقد القران، تعالت الزغاريد وعمت الفرحة أرجاء المنزل.
"مبروك يا لولو."
احتضنتها خديجة بحب.
"هنأها الجميع وبارك لهم."
"مبروك يا عمر."
"الله يبارك فيك يا ديجا."
هل سيحترق من غيرته البلهاء عليها وهي تفرق ضحكاتها عليهم؟ ولكنه يغار بدرجة التملك. لا، لن يتركها. أكثر، يكفي.
انتفض من مكانه واستأذن بأدب وأخذها وانصرف بوجه متجهم.
انصرف الحضور وتركوا عمر وهالة.
"مبروك يا لولو."
"مبروك يا قلبي."
"الله يبارك فيك يا عمر."
اقترب منها وهو ينظر لها بخبث:
"قاعدة بعيد ليه يا قلبي؟ مش هتسلمي عليا ولا إيه؟"
"ها؟"
فرقت شفتيها ببلاهة وهي تقول:
"ما أنا سلمت."
أجابها بوقـ... وهو يطبق على شفتيها:
"لأ يا قلبي، مش ده السلام ده السلام اللي أنا عاوزه."
قبلها، سرق أول قبلاتها. ابتعد قليلا ثم أطبق مرة أخرى عليها وهو يعتصر خصرها ويقربها من صدره. عل قربها يطفئ نـ...ار شوقه لها. وكيف يطفئوها؟ وكلما تعمق في قبلتها أراد المزيد. شعر بحاجتها للهواء. ابتعد عنها وما زال يحتجزها بين يديه. سند جبهته على جبهتها وهو ينظر إلى شفتيها. أخيرًا خرج صوته متحشرجًا من أثر المشاعر التي عصفت به:
"بحبك يا هالة، وقد إيه حلمت بيك بين إيديا، بس الحقيقة أجمل بكتير."
ما أن أنهى كلماته حتى عاود الهجوم مرة أخرى، ولكنها استعادت نفسها حين دفعته عنها ليفيق من مشاعره على صوتها وهي تدفعه:
"إيه يا قليل الأدب... طلقني..."
بهجوم أعنف وأشد ضراوة كان أحمد يقبل شفتي خديجة وهو يطفئ نـ...ار غيرته. صورتها وهي تضحك وتلهو مع عمر لا تبارح خياله. يعلم إنها فعلتها ببراءة، ولكن ماذا يفعل بتلك الـ...نـ...يران؟ هي من أشـ...علتها. وهو يغار. اشتد عنفه عليها. أفاق من نـ...ار غيرته ورغبته على صوت تألمها. خف من وطأة هجومه عليها. عاد له تعقله، لكنه لم يكتف من النهل من بحور عشقها التي أخذها إليها، وهي لم تمنعه بل كانت محبة مطمئنة له، أنها له هو فقط.
استجمعت قواها وهي تدفعه عنها بمنتهى التقزز منه وهي تتذكر نظراته القذـ...رة على زوجة أخيها:
"ابعد عني يا أخي، هو بالعافية إيه؟"
أزاحته عنها وهو يلهث. كم يرغب بها ولكنها دائمًا تصده وتكره لمسه لها.
أخيرًا طلع صوته:
"أنا جوزك يا هانم، وده واجبك إني وقت ما أعوزك ألاقيك."
نظرت له بإشمئزاز وهي تقول:
"حقك وأخدته. حل عني بقى."
"عاوزك تاني يا علالاء؟"
"وابعد عني، أنا بأرف منك. روح للهوانم اللي تعرفهم."
"وهو أنا عرفتهم ليه يا هانم؟ مش عشان أنتِ مش مديني حقّي."
سخرت من كلماته وهي تقول:
"لأ، متدورش على حجة تبرر بيها عمايلك. طول عمرك خـ...اين."
"اخرسي..."
صفعها صفعة أدمت قلبها قبل شفتيها ثم تركها وانصرف بدناءته. فلقد خانها أمام أعينها بعد زفافها ببضعة أشهر. هو خـ...ائن حـ...قود.
خرجت من بوابة منزلهم الضخمة، علها تستنشق الهواء الذي يطفئ نار حسرتها على شبابها الذي يذبل يومًا بعد يوم مع ذالك الفارس الذي لا يتمتع بأي صفة من اسمه.
صوت بوق سيارة اندفع إلى أذنها لكي تتنحى عن الطريق. أفاقت من شرودها على صوته. هل تحلم أم أنه هو؟
"جواد؟"
"علا؟"
"إنتي علا؟ إزيك؟ ماشية ليه لوحدك في الوقت ده؟"
هل عاد سارق قلبها وحبيب طفولتها جواد؟
نطقت اسمه وهي لا تستوعب أنه أمامها.
رواية زوجتي المجنونة الفصل التاسع 9 - بقلم هيام شطا
أخذت طرف الفراش ملاذًا لها بعد أن فك أسرها. لقد أنهكها وقسى عليها وهي بين يديه. لم يكن حبيبها الحنون المراعى لها، كان متملكًا يريد أن يطفئ نار رغبته فقط.
هل غرست نصل سكين حاد في قلبه عندما رأى عيونها المتألمة الدامعة منه ومن معاملته القاسية لها؟ حين أخذها إلى بحر عشقه، والذي لم يكن بحرًا هادئًا ككل مرة، كان بحرًا موجه هائج عميق مخيف. لم تتحمل موجة الهادر عليها، ولم تستطع الاعتراض عليه. كل ما فعلته هو أنات الألم التي سمعها منها، ولم تكبح رغبته فيها إلا قليلًا.
أبعدت يديه التي تجذبها إلى أحضانه بوهن، ولملمت ذلك الشرشف تخفي به جسدها عنه، وأولته ظهرها دون أن تنطق ببنت شفة.
"خديجة…"
خرج صوته متألمًا، وكأنه كان مسحورًا وانتهت تعويذة سحره الآن.
لم تجبه، وأغمضت عينيها.
اقترب منها حتى شعرت بجسده الذي التصق بها، ووضع يده على كتفها وهو يربت عليه بحنو. ناداها بصوت حنون:
"خديجة، بصي لي علشان خاطري."
خديجة.
لم تجبه، كل ما سمعه منها شهقة بكاء خرجت رغم كتمها لها، خرجت عنوة عنها، لكي تكون أشد السهام النافذة إلى قلبه الذي أفرغ نار غيرته فيها، وهي لا تعلم عن أي ذنب تحاسب أو أي ذنب اقترفت.
خرج من المنزل كله، يستنشق الهواء البارد لعله يطفئ نار ندمه. لقد أبكى عيناها الجميلتين، وأول من أبكاها هو بتلك الغيرة التي لم يكبحها، بل حاسبها عليها دون أن تعلم.
رأى خيالًا يقترب عليه وهو بالحديقة التي تفرق منزله عن منزل أبيه. دقق النظر حتى تيقن أنها هي. أخته.
انهم إليها بخطى سريعة بعد أن نهش القلق قلبه، لما هي خارج المنزل في ذلك الوقت. أنها الثالثة فجرًا.
"ألا، يا حبيبة قلبي، فيه إيه؟ حصل حاجة؟"
لم ينتبه لمن أتى خلفها يطمئن عليها إلا عندما هتف باسمه:
"متخافش يا أحمد، علا بخير."
هل خانه سمعه أم أنه يتوهم؟ صوت صديقه الصدوق. نظر لمن خلف أخته، الذي شق عتمة الليل وظهر بوجهه الهادئ كسكون الليل، ببسمته السمحة التي تنير وجهه.
بلسان ثقيل نطق أحمد اسمه:
"جوااااد."
تقدم جواد حتى أصبح لا يفصله عن أحمد إلا أنشات قليلة، وهو يمد يده إليه ليصافحه وهو يقول بمرح:
"إيه يا ابن خالتي، مفيش حمدالله على السلامة؟"
"فيه أحلى حمدالله على السلامة، بس مش بسلام الإيد يا جود."
جذبه أحمد داخل أحضانه وهو يضمه بوحشة وشوق لذلك الغائب الهارب العائد من غربة دامت أربع سنوات. ترك بلده، أهله، أمه، أخته. ترك كل شيء وسافر إلى إحدى دول أوروبا للعمل بها مهندس إلكترونيات. ترك كل شيء وراءه. لم يتحمل أن تكون لغيره، يحبها ويعشقها، ولم يتحمل أن يمتلكها غيره. عاد بعد أن اشتاق، اشتاق لها حتى وإن لم تكن له.
خرج من أحضان أحمد الذي لم يستوعب إلى الآن أنه عاد. نظر إلى عينيها التي اشتاقها، احتضنها بعينيه. ضاع كل غضبه منها. حين خمدت نار شوقه لها.
أخرجه أحمد من شروده وهو يحدثه:
"حمد على سلامتك يا جود، تعالى ارتاح، تعالى. ادخل، الفجر هيأذّن."
"سلم يا أحمد، أنا هروح أشوف أمي وريم، وحشوني قوي."
رتب أحمد على كتفه وهو يقول له:
"خلاص، هوصلك."
"لأ، يا أحمد، أنا هروح لوحدي. أنا كنت جاي أوصل علا."
ونظر لها وهي ما زالت شاردة في حبيب طفولتها. هل عاد؟
"سلام عليكم، أنا بقى أشوفكم على خير."
تركها وانصرف. لم يعد لها قلبها الذي سرقه من سنوات، بل أشعل نار شوقه من جديد.
عاد إليها أخاها وهو يسألها:
"إيه مخرجك دلوقتي يا علا؟ فيه إيه؟"
"مفيش يا أحمد، كنت مخنوقة وطلعت أشم شوية هوا. تصبح على خير."
لم ينم، ولم يجرؤ النوم على لمس جفنيه. كلما تذكر كلمات تلك المجنونة عندما كان يقبلها: "طلقني يا عمر."
اقترب منها، وأنفاسه تحرق وجهها، وهو يلاطفها:
"أطلقك ليه يا قلب عمر؟ هو أنا عملت حاجة غلط؟"
"انت بوستني وقلت أدبك."
ضحك بصوته الرجولي وهو يقهقه:
"أنا لسه مقلتش أدبي يا قلبي، أنا لسه بسخن."
احترق وجهها من الخجل من تلميحاته الوقحة. ابتعدت عنه، إلا أنه حاصر خصرها وانقض على شفتيها مرة أخرى، لعله يرتوي أو يطفئ نار رغبته فيها. من أقل كلمة أو فعل منها يريدها، يريدها ملك له. يريد أن يرتوي منها. هل هذا عشق أم نار رغبة لا تشتعل إلا لها؟ لها هي فقط.
هالة.
استيقظت خديجة من نومها على صوته العذب وهو يناديها:
"ديجا، يا حبيب قلبي، اصحى بقى. ديجا، انتي لسه زعلانه؟"
ضربت كلماته رأسها، وتذكرت كل ما حدث منه أمس. فتحت عينيها بثقل، ووجه متجهم لا يظهر عليه أي تعبير، وهي تقول:
"صباح الخير."
كلمتان لم تزد عليهم شيئًا، إلا أنهم قالوا كل شيء. قالوا له أنها ما زالت حزينة منه ومن ما فعله بها. آثار هجومه على كل إنش بجسدها عندما انحرف ذلك الشرشف عن صدرها وعنقها، وظهرت علامات جموحه معها. حزن عليها، وحزن من نفسه.
"غبي، غبي يا أحمد."
سب نفسه بكل السباب حين وجد نظرة الألم والعتاب في عينيها. جذبت ذلك الشرشف وهمت بالانصراف إلى الحمام بخطى بطيئة. جذبها إلى حضنه، احتضنها بأسف، وأخذ يقبل كل إنش بوجهها وهو يعتذر بكل كلمات الأسف، وبطلب منها السماح على تلك الليلة.
رق قلبها له بعد أن رأت مقدار ندمه وشعرت بحنانه عليها. لقد عاد حبيبها. ولكن ماذا حدث له؟ هل تلبسه شيطان بالأمس؟ ابتعدت قليلًا عنه وهي ما زالت بين يديه، وهي تقول له بصوت مسامح حنون:
"خلاص يا أحمد، أنا مش زعلانه منك، انت جوزي. بس عاوزة أعرف مالك يا حبيبي."
يا الله! هل سامحت هكذا دون أدنى مجهود منه؟ ألن تهجره، تعذبه، تفعل أي شيء؟
ضم وجهها بين يديه وهو يطبع عليه قبلات متفرقة، وهو يقول كلمة واحدة:
"سامحيني يا ديجا، كنت غيران. الغيرة حرقت قلبي وانتي بتضحكي لغيري، بتتدلعي على حد غيري، بتنادي على غيري."
"أحمد، انت بتغير من أهلي؟ انت كنت بضحك معاهم، دول أهلي يا حبيبى، مش حد غريب."
"من أي حد يا قلب أحمد، أنا بغير حتى من الهدوم اللي بتلبسها وبتحضن جسمك مكاني."
دفن وجهه في عنقها وضمه إليه بتملك، وهو يقبلها ويعتصرها داخل ذراعيه. هنا اكتشفت خديجة وجهًا جديدًا جميلًا رغم قبح مظهره. أنها الغيرة، حب التملك والسيطرة. عيب حبيبها الذي ظهر جليًا الليلة الماضية.
"لسه زعلانه؟"
"لأ يا حبيبي، أنا معرفش أزعل منك."
طبعت قبلة على وجنته. وجدت قدماها تغادر الأرض. حملها ودخل بها إلى حوض الاستحمام الذي أعده لها بمياه دافئة حتى تريح جسدها فيه. جلس وأجلسها في أحضانه حتى يرتاح قلبه.
دلف من باب المنزل على صوت كارثي يأتي من المطبخ. هرع إليه بقلب يملأه الخوف عليها، فلقد اليوم أصبح هذا حالها حين تعد طعام الغداء. ولكن اليوم الصوت أعلى وأعنف.
"خديجة، خديجة."
كان هذا صوت أحمد وهو يبحث عنها في أنقاض المطبخ الذي تحول إلى كارثة بفضل طهوها للطعام. ظهرت أمامه بشكل أشبه بمن خرجت لتوها من حريق. جحظت عيناه من شكلها وصرخ صرخة رعب أرعبتها وأرعبته:
"انتي مين؟"
أجابته بصوت باكي:
"جرى إيه يا مستر أحمد؟ أنا خديجة مراتك."
اقترب منها ورفع يده يتلمس وجهها الذي ضاعت ملامحه خلف هذا اللون الأسود الذي يكسوه، وهو يقول:
"إيه اللي عمل فيكِ كدا يا خديجة؟"
أجابته وهي تبكي:
"الفرن هب في وشي وأنا بحط صنية المكرونة فيه."
سألها بلهفة:
"طب حصلك حاجة؟"
أجابته وهي تبكي:
"لأ الحمد لله، بس شعري شاط يا مستر."
ابتسم لها بحب واحتضنها بين ذراعيه وهو يربت على كتفها ويبتسم على تلك القابعة في أحضانه وهو يطمأنها:
"خلاص يا ديجة، متزعليش. الحمد لله إنها جت على قد كده."
نظرت له بأعين دامعة وقالت:
"يعني مش زعلان مني يا مستر؟"
أجابها بابتسامة حانية:
"أنا زعلان منك علشان حاجة واحدة."
سألته بلهفة:
"علشان إيه؟ المطبخ هنضفه والله."
هز رأسه لينفي ما تقوله، وضحك عليه وعلى برائتها، وأجابه:
"لأ يا ستي، مش علشان المطبخ اللي تقريبا اتدمر."
"امال علشان إيه؟"
ابتسم وهو يقول:
"علشان يا ديجة، أنا جوزك ولسه بتقولي لي يا مستر."
احمر وجهها من الخجل من كلمات معلمها الذي أصبح زوجها بين يوم وليلة. وتلعثمت في الحديث وهي تقول:
"مهو…يعني…أنا…انت…"
ضحك ضحكة رنانة أذابت قلبها الذي أصابه سهم كيوبيد لتقع في حب معلمها وتصبح هي بلوة حياته بأفعالها المجنونة.
"هو إيه يا ديجة؟"
أشاحت بعينيها بعيدًا عنه وأكملت بحدّة اصطنعتها لتهرب من أحضان معلمه:
"هو انت مستر أحمد صح ولا لأ."
نطقت آخر جملة لها وهي تجري مختفية في ذلك الحمام الذي أصبح مهربها من معلمها كلما حشرها في أي زاوية. ضحك أحمد على هروب تلك المشاغبة وهو يقول:
"ديجا افتحي الباب، أنا هكسر الحمام ده. هو معتش في البيت إلا الحمام، متجري في حتة تانية."
أتاه صوتها من خلف الباب:
"لأ مش هفتح إلا أما تبعد وتروح في حتة تانية."
حدثها بخبث:
"طيب يا ديجة، أنا هخرج شوية أجيب أكل، وانتي نظفي المطبخ."
ابتسمت ببراءة وقالت:
"ماشي يا مستر."
بعد فترة، أخذت حمامًا دافئًا وخرجت على أطراف أصابعها لتطمئن أنه ليس بالمنزل. ما أن خرجت إلا ووجدته يجذبها من خصرها لترتطم بصدره. شهقة بخوف وتلعثمت في الكلام وهي تقول له:
"انت…انت بتعمل إيه هنا؟"
ابتسم لها ابتسامة عابثة وهو يقول:
"أنا هنا في بيتي وحاضن مراتي."
انفجر وجهها من الخجل وهي تدفعه وتهرب من معلمها مرة أخرى، ولكن هذه المرة في غرفة النوم. قهقه بضحكة رجولية وهو يحدثها:
"خديجة يا جبانة."
أجابته:
"أنا اللي جبانة ولا انت اللي مستر مش مؤدب."
عاد صفاء الحياة مرة أخرى بين خديجة ومعلمها. هل سيدوم أم هناك من يتفق من خلف ظهورهم على خراب حياتهم؟ إنها بهية وريم، وانضم إليهم فارس الذي استمع بالصدفة إلى تلك المشاجرة بين خديجة وريم، التي انتهت بطرد أحمد لريم والوقوف بجانب زوجته. ذهب إلى خالته يومها واتفقوا ثلاثتهم على التفريق بين أحمد وخديجة والتخطيط الجيد لذلك.
"وهتستفاد إيه يا فارس؟" كان هذا صوت ريم وهي تسأله لماذا يريد أن يفرق بين خديجة وأحمد.
قال لها بغل ورغبة مقززة ظهرت في صوته:
"أنا هاخد الحلوة، وانتي حلال عليك ابن خالتك."
فهمت أنه طمع في خديجة وأنها راقت له. ابتسمت بهية بخبث وهي تربت على كتفه:
"حلال عليك خديجة وإحنا؟"
"حلال علينا أحمد، بس هنعمل إيه؟"
"هقول لكم."
انتهى البارت.
دمتم بخير.
إيه رأيكم في المستر النهارده؟
في عمر رجوع جواد هياثر على خطة فارس وريم ولا لاء؟
رواية زوجتي المجنونة الفصل العاشر 10 - بقلم هيام شطا
جلس في شرفة منزله يتأمل السماء وهو يتذكر معذبة روحه حب حياته غاليته التي طعنته بسكين الغدر. نعم، لم يصارحها بحقيقة مشاعره، ولكنه فهم من خجلها وهو يتحدث معها أنها تبادله نفس المشاعر.
فلاش باك ………..
قبل خمس سنوات
جواد
نادته باسمه وكم يعشق اسمه حين يخرج من شفتيه.
تعجبت علا حين رأته أمامها في الجامعة. بخطى سريعة، هم هو لها وهو يبتسم لها.
علا
الحمد لله إني لقيتك.
تعجبت من حديثه. أيعقل أنه جاء إلى جامعتها ليراها؟ تحمم ليجلي صوته وهو يسألها:
جواد
خلصتي محاضرات ولا لسه؟
أجابته بهدوء وخجل:
علا
أيوه خلصت. ليه في حاجة؟
ابتسم لها بسمته التي تذيب قلبها المتيم بحبه.
جواد
أيوه عاوز أعزمك على حاجة وأتكلم معاكِ شوية.
تسارعت دقات قلبها وتزاحمت الأسئلة تضرب رأسها ولا تعرف الإجابة. وكثرت التوقعات والتخمينات. فحبيبها أمامها ويدعوها للحديث معه. هل علم شيء؟ ولكن كيف؟ فهي لم تفض لأحد بما يجوب في قلبها ناحية هذا الحبيب. هو حبيبها الخفي، فهل ظهر هذا ويدعوها للبوح به؟ أم يبادلها شعورها ويفتح لها أبواب جنته التي طالما حلمت بها معه؟ لحظات تاهت ما بين سؤال وعدم إجابة.
أومأت له وانصرفت معه.
جلست معه ولأول مرة تجلس معه وحدها. رغم أنه ابن خالتها التي تربت معه، إلا أنها تخجل منه ومن نظراته التي تذيب قلبها.
جواد
إزيك يا علا عاملة إيه؟
علا
الحمد لله أنا تمام.
جواد
والدراسة عاملة فيها إيه؟
أجابته بخجل:
علا
الحمد لله تمام.
جواد
يعني إن شاء الله هتتخرجي السنة دي بتقدير؟
أجابته بصوت حماسي:
علا
أكيد إن شاء الله.
ثم استرسلت في الحديث وهي تقول بحماس:
علا
عارف يا جواد لو جبت تقدير حلو السنة دي كمان هيبقى قدامي فرصة كويسة أبقى معيدة في الجامعة.
ابتسم لها بعشق وهو يقول:
جواد
يعني نفسك تبقي معيدة يا علا؟
أجابته دون تردد:
علا
أيوه ومين يجيله فرصة زي دي ويرفضها.
جواد
حتى لو جالك عريس يكون بيحبك وعاوز يخطفك معاه على أوروبا؟
هل يقصدها بكلامه؟ لماذا هذا الغباء الذي ضرب رأسها؟ نعم، يقصدها. هو مهندس وسيسافر قريبًا إلى أوروبا. إذن يقصدها هي. احمر وجهها من الخجل حين وصل إليها مغزى حديثه وتوترة ملامحها، ولكن السعادة بدت واضحة عليها. سرت قشعريرة لذيذة في جسدها حين أطبق بكفه الكبير على كفها الصغير وهو يقول:
جواد
يا علا مقولتيش رأيك. المهندس يسافر لوحده ولا يستنى وأول ما تتخرجي يطلب إيدك وتسافري معاه؟
أومأت له برأسها حين ضاع صوتها من شدة سعادتها وخجلها. ضحك هو وهو ما زال يأسر يدها بين يديه وهو يسألها مرة أخرى بتسلية:
جواد
يعني أفهم من كدا يا علا إنك موافقة؟
أومأت مرة أخرى وهي تكاد تذوب خجلًا منه ومن جرأته التي لم تعهدها منه. فهو دائمًا هادئ، كتوم، لا يفصح عن أي شيء يخصه إلا لأخيها أحمد، صديقه الصدوق. ولكن اليوم معها تخلى عن رصانته وكاد أن يعترف لها بحبه. ولكن مهلًا، إنها البداية وسوف يعترف. هكذا حدثت نفسها تمنيها. غاب هو في سمار ليل شعرها المسدل على كتفيها. كم يعشقه ويعشق ملمسه. لن ينسى نعومة ملمسه حين كان يلهو معها وهي صغيرة يتحجج بلعبه معها. ولكنها حين كبرت وظهرت عليها معالم الأنوثة الطاغية ابتعدت عنه بسبب خجلها.
كسرت هي لحظة تأمله بها حين سحبت يدها من يده وهي تقول:
علا
أنا همشي بقى علشان أنا اتأخرت.
حين همت بالنهوض، مسك هو يدها مرة أخرى وحدثها وهو ينظر لها:
جواد
خلاص يا علا كلها شهرين وهاخلص شغلي في الشركة اللي بشتغل فيها وهاجي البلد أكلم عمي الحاج محمد وأحمد.
لم تتمالك نفسها من السعادة التي طغت عليها حين تركته وانصرفت بتعثر في خطواتها. أما هو، فقد ملك الدنيا حين علم من خجلها أنها تريده كما يريدها. هل تحبه كما يعشقه؟ نادى عليها مرة أخرى وهو يؤكد عليها:
جواد
شهرين يا علا.
ابتسمت له بحب وانصرفت.
نهاية فلاش باك……..
أخرج تنهيدة حارقة من صدره علها تهدئ من روع أفكاره.
دلفت عليه أمه وهي تراه شارد البال منذ أن أتى من سفره وهو لا يفعل شيء سوى الجلوس في منزله أو عند خالته. ومعظم أوقاته يقضيها عند أحمد.
الأم
يا جواد هتفضل كدا كتير؟
أجابها بتسويف حتى لا تخوض معه نفس الحديث الذي مل منه عن ماذا فعل في تلك السنوات، ماذا حدث، لماذا لم يتزوج. أسئلة كثيرة لم يرد أن يدخلها.
جواد
هيهون يا أمي. أنا داخل أنام.
لم يكن حالها بأفضل منه وهي تجلس في شرفة حجرتها تتذكره وتتذكر ذلك اللقاء الذي جمعهم منذ أكثر من أربعة أعوام. بعد أن أكد لها أنه سيتقدم لخطبتها بعد عودته من مهمته في الشركة التي كان يعمل بها مبرمج. وبطبيعة عمله لم يكن يعيش معهم في قريتهم إلا أوقات إجازاته فقط. لقد وعدها وأكد لها وعده. لماذا إذا تخلى عنها وتركها لذلك الفارس الذي لا يملك من اسمه أي شيء؟ يملك فقط كل ما هو عكسه، الحقارة والخسة.
أفاقت من شرودها على صوته الدميم وهو يحدثها:
فارس
هتفضلي على الحال ده كتير يا علا؟
نظرت له بشك من نبرة صوته الهادئ، متوجسة منه.
علا
حال إيه يا فارس؟ إحنا كويسين. أهو.
بدأ صوته يحتد عليها وهو يجذبها من ذراعها لتدخل إلى الغرفة.
فارس
لأ يا هانم إحنا مش حلوين ولا حاجة. أنا عاوز أخلف منك. عاوز عيال.
نفضت يدها من يده بقوة واستشرست ملامحها وهي تصيح به:
علا
عاوز عيال ليه؟ علشان يشوفوك وانت بتضربني وبتهيني كل شوية؟ ولا عاوز عيال يكبروا ويشوفوا قرفك ويعرفوا حياتك معايا شكلها إيه؟
دفعته من صدره وهي تزجره بقوة. لم تعدها بنفسها ولكنها اكتفت من إهانته لها وهي تصيح به:
علا
سيبني في حالي بقى. أنا قرفانة منك.
سيطر الغضب منه واشتعل من جرأتها التي تحدثت بها وصوتها الذي علا في أرجاء الغرفة، غير مهتمة من أن يسمعها أحد. نعم، لقد تجرأت عليه وقوي قلبها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يصفعها على وجهها ويجذبها من شعرها وهو يكيل لها الضربات. وكلمات أفلتت منه رغم حرصه إلا أن غضبه أعماه. فصرخ بها:
فارس
أوعى تكوني فاكرة حبيب القلب جه. هسيبك له؟ ده بعينك يا بنت محمد بعينك.
ضربت كلماته سمعها وكادت أن تصمه. هل يعلم بحبها لجواد؟ لم تخبر أحد بسرها الصغير. هل أخبره جواد؟ لا، لم يخبره. إذن من أخبره؟ هنا فارس لم تربطه بجواد ولا أحمد علاقة صداقة. كل ما كان بينهم صلة القرابة وأنه تربى وسطهم. ناهيك عن طبع جواد الكتوم. إذن من أخبره؟ شهقة خرجت منها عندما ضربت الحقيقة رأسها وأنها لم تخبر عن حبها لجواد إلا شخص واحد، صديقتها وابنة خالتها. ريييييييييييم.
استيقظ من نومه مفزوعًا على شهقات بكاء عالية آتية من غرفة المعيشة. بحث بعينيه عنها لم يجدها. هتف بصوت عالٍ:
أحمد
خديجة.
وجدها تجلس أمام التلفاز وهي تحمل طبق الفشار وتأكله بنهم وتبكي. اقترب منها بقلب لهيف وصوت يملؤه الخوف يسألها:
أحمد
خديجة مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟ في حاجة بتوجعك؟ أنتِ تعبانة؟
أخذ يتحسس وجهها بلهفة منه. نظرت له بأعين باكية وهي تقول:
خديجة
أنا كويسة يا مستر بس البطل طلق البطلة وهي مظلومة.
وما كادت أن تنهي كلماتها إلا وانهارت في البكاء مرة أخرى. جذبها إلى صدره وضمها بحنان وهو يمرر يده على ظهرها ويكتم ضحكاته على تلك المجنونة. يعلم أنها فوضوية وأيضًا تخاف المواجهات ودائمًا تهرب. أما آخر ما اكتشفه بها حسها المرهف وبكائها من أقل شيء يحمل مشاعر حتى لو أحداث تحدث داخل فيلم مع أنها ممكن أن لا تكون حقيقية. خرجت من حضنه بعد أن هدأت موجة بكائها ونظرت في عينيه وهي تسأله:
خديجة
هو انت ممكن تطلقني يا أحمد لو حد قالك عني حاجة؟
أجابها بلهفة:
أحمد
عمري يا قلبي أنتِ عمري وروحي. ولا أقدر حتى أفكر فيها. أنا أموت لو بعدت عنك يا خديجة.
ثم أضاف بصوته المرح حتى تخرج من حالة الحزن التي سيطرت عليها وهو يقول:
أحمد
وبعدين يا هبلة حد يعيط على فيلم كدا؟ دول بيشتغلوك يا مجنونة.
خديجة
لأ يا أحمد ده بيحصل بجد وأنا عارفة.
ضمها مرة أخرى لصدره وهو يضيف بنبرة حنونة:
أحمد
يحصل بعيد عننا يا قلبي. العيون الحلوة دي متعيطش أبداً.
ثم أطبق على شفتيها يقبلها بحب وشغف يزيد كل يوم. لها، لها هي فقط. تلميذته، حبيبته، زوجته المجنونة.
علي
علا، يا علي.
همهمات صدرت منه وهو نائم. مرت يدها على وجهه تعبث بلحيته الكثيفة حتى يستيقظ. جذب يدها وقضمها بفمه. صرخت وفاء بهلع حين شعرت بأسنانة وهي تجذب يدها من فمه.
وفاء
إخص عليك يا علي. حد يعمل كدا؟
جذبها إليه يحاوط خصرها وهو يقول:
علي
فيه أجمد من كدا يا حبيبي؟ بس صحيني انتي وصبحي عليا مش تلعبي في دقني.
خرجت من حضنه وهي تقول بجدية:
وفاء
استنى بس يا علي عاوزة أقولك حاجة مهمة.
استشعر الجد في حديثها. سألها:
علي
فيه إيه يا وفاء؟ حصل حاجة؟ حد جاله حاجة؟
أجابته هي بتأكيد:
وفاء
أيوه يا علي عاوزه أحكيلك حاجة مهمة.
علي
إيه هي؟
وفاء
هقولك بس اوعدني إنك تفهم من علا أختك الأول وبعد كدا اتصرف.
سألها بلهفة:
علي
مالها علا؟
أجابته:
وفاء
امبارح وأنا في الجنينة بستناك شوفتها في البلكونة بتاعت أوضتها سهرانه. قولت أروح أقعد معاها شوية نتسلى مع بعض. اتأخرت عليها شوية كنت بدي الدوا لماما سعاد وقولت أروح أسهر معاها. لسه راحة لها يا علي سمعت صوت خناقها مع فارس.
وقصت وفاء جزء من المشاجرة التي كانت بين علا وفارس. بعد أن أنهت حديثها، سألته:
وفاء
هتعمل إيه يا علي؟
أجابه بصوت بدا عليه الغضب:
علي
فارس مد إيده عليها يا وفاء؟
أجابته بتلعثم فهي غير متأكدة:
وفاء
معرفش والله يا علي وأنا لسه مشفتهاش. أنا كنت هطلع لها بس مردتش أضايقها وأحسسها بحاجة علشان محرجهاش.
علي
أنت أخوها تعرف منها بطريقتك بقى. لأني مبحبش جوزها ده.
وفاء
هتعمل إيه يا علي؟
انتشل سؤال وفاء من أفكاره التي تتوالى عليه. ماذا فعل فارس بأخته؟ أجابها:
علي
هنشوف الأول يا وفاء. ومتبينيش لحد علشان أمي تعبانة. ويا ويله لو مد إيده عليها.
أشرقت شمس الصباح عليهم جميعًا. على أحمد وخديجة بعشق لم تخمد ناره طوال الليل. وعلى علا بقلب مكلوم من زوج خائن يستقوي عليها بنقصه الذي يعوضه بضربها وإهانتها. وأيضًا أفكار تعصف بها، كيف علم بسرها وأنها تحب جواد. أشرقت أيضًا على أخ يشتعل من خوفه على أخته من زوج ناكر للخير والمعروف.
أشرقت أيضًا على ذلك العاشق الذي قطع مسافة السفر من القاهرة حتى بلد معشوقته ليشبع قلبه من صفاء عسل عيناها. وأيضًا يأخذ جولة معه. لجل فستان الزفاف. نعم، لم يبق إلا أسبوع عن موعد زواجه، وأخيرًا سيتزوج تلك التي وقع صريع حبها.
الأم
هالة يلا يا بنتي عمر مستني من بدري.
كان هذا صوت أمها تحثها على الخروج من غرفتها. خرجت له بطلتها البهية.
هالة
أنا جاهزة اهو يا ماما.
تقدم منها وهو يسلم عليها، يحتضن كفها الصغير بين راحت يده الكبيرة بشوق فاض به، وهو يهمس لها:
عمر
إزيك يا حرمي المصون؟ وحشتيني يا قلبي.
اشتعل وجهها من الخجل وهي تبعد عنه وتهتف بشراسة:
هالة
عمر احترم نفسك وابعد. ماما جايه معانا.
هدّمت كل أحلامه التي حلم بها قبل أن يأتي بأنه وهي فقط في هذه الجولة، وأخيرًا سيختلي بها بعد أن حرمته قربها بعد ما فعله يوم عقد قرانهم. تخشاه نعم، تخشاه بعد أن رأت نار الرغبة تحترق في عينيه ذلك اليوم. ابتعدت عنه بأعين مناصرة بعد أن لاحت نظرة خيبة الأمل في عينيه. ابتسمت له وهي تقول بصوت ساخر:
هالة
لأ يا مورى هنتأخر. عاوزين نلحق النهار من أوله.
جذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض وهو يهمس في أذنها:
عمر
يا قلب مورى اللي هيقف على إيدك.
ثم اقتنص قبلة منها بذكاء منه. ها هي انقلب السحر على الساحر حين طلب من أمها بذكاء منه أن تبقى هي في المنزل وهو سيأخذ هالة لكي تشتري ثوب الزفاف.