تحميل رواية «زوجة رجل استثنائي» PDF
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت قاعدة بتسمع مسلسل في شقتها، لحد ما وصلها رسالة من رقم غريب. كان ده محتواها: "على كده بقى تعرفي إن جوزك رجل مافيا؟" كشرت باستغراب من مضمون الرسالة اللي مكنش طبيعي بالنسبالها. "أنتَ مين؟" "مش مهم مين. المهم إن أنتِ مغفلة. سلام." الرسايل بالنسبالها كانت مستفزة لأقصى درجة. جربت ترد عليه تاني ولكنها اكتشفت إنه عملها بلوك. أخدت الرقم كوبي وقررت تتصل تشوف مين اللي بيعمل فيها مقلب زي ده، ولكنها لقت الرقم خارج نطاق الخدمة. فتحت الشات تاني بتعيد قراءة الرسالة المريبة اللي فيه. مبقتش فاهمة يعني إيه ال...
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة ممدوح
عمي! عمي إزاي؟
قالتها وهي واقفة في الصالة باستغراب.
ابتسم بسخرية وبعدين دفع الباب قاصد يدخل.
ولكنها منعته وهي بتقول بخوف:
لو سمحت اطلع برا. اللي بتعمله ده غلط.
تصنع العبوس وقال بحزن:
بتطردي عمك عيسى يا عائشة؟
ضيقت عينيها وهي بتفتكر الاسم اللي كان مألوف ليها جدًا، لحد ما برقت بصدمة وقالت:
عمي عيسى! عيسى ابن عم بابا؟
الله ينور عليك.
قالها بتريقة ولكنها مخدتش بالها، فقالت بعدم استيعاب:
بس إزاي! أنتَ… أنتَ المفروض…
كمل كلامها وقال:
ميت بقالي ١٥ سنة تحديدًا قبل حادثة أبوك وأمك بسنتين. مش كده؟
بلعت الكلام اللي كان في جوفها، وبصتله وهي بترمش بصدمة.
فقال:
هنفضل نتكلم على الباب ولا إيه؟
خدت جنب وهي بتشاور بإيديها لجوا وقالت بنفس ملامح الصدمة اللي مقلتش:
لا طبعًا. اتفضل.
دخل وهو بيتأمل الشقة من حواليه، لحد ما لفت نظر صورة متعلقة على الحيطة ليها هي وقُصي من كتب كتابهم. وقف يتأمل في الصورة، واتشكلت ابتسامة سخرية على وشه.
أما هي كانت واقفة وراه بتحاول تستوعب الوضع. بالفعل، هي كانت تفتكر إن أبوها زمان كان عنده ابن عم، ولكنه اختفى مرة واحدة لحد ما قالوا إنه مات وهو مسافر لهجرة غير شرعية في إيطاليا. وبعدها بسنتين حصلت الحادثة اللي فقدت فيها أبوها وأمها، وفضلت لوحدها طول الفترة دي.
اتلفت ليها يتأملها من فوق لتحت، وبعدين قعدت على الكنبة وريح ضهره. فكانت عائشة واقفة مكانها مش عارفة تتصرف إزاي. كانت بتفرك إيديها بتوتر.
وبعدين قالت لما طالت نظراته ليها:
تحب أعملك حاجة تشربها؟
هز راسه بـلا.
فقعدت هي على الكرسي اللي قصاده بتوتر.
اتعدل عيسى وقال:
دورت عليكي كتير. ويوم ما لقيتك اكتشفت إنك متجوزة قُصي.
بصتله باستغراب وقالت:
أنتَ تعرف قُصي؟
ابتسم وقال:
ومين ميعرفش قُصي؟
ولكنه سكت وبعدين كمل بغموض:
غيرك... أنتِ الوحيدة اللي متعرفيش مين قُصي يا عائشة.
ارتبكت شوية لما معرفتش تفهم مغزى كلامه، فقالت:
الحقيقة أنا مكنتش أعرف فعلًا عن شغله. بس عرفت دلوقتي.
ضحك بسخرية وقال:
تؤدي. نقطة متجيش في بحر قُصي الراوي.
بصتله بتعجب من مقصد كلامه، فكمل:
قُصي يعرف عنك اللي أنتِ نفسك متعرفيهوش عن نفسك!
يعني إيه؟
قالتها باستغراب.
فريح ضهره على الكنبة وحط رجل على رجل وقال:
عمرك سألتي نفسك ليه قُصي اتجوزك أنتِ؟
حست إنها زهقت من كل الألغاز اللي هو بيقولها، فاتكلمت بحدة طفيفة:
أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلم عن إيه، ومش فاهمة كنت مختفي فين السنين دي كلها وعرفت توصل لي إزاي. ولكن أنا مدركة كويس إنه بتحاول توصلني لنقطة معينة من ناحية قُصي. بس أسفة يا عمي، أنا وجوزي بنحب بعض. فكل الكلام ده ملوش لازمة بالنسبالي.
أول ما خلصت كلامها انفجر في الضحك بقوة، لدرجة إنها حست بارتياب حقيقي منه. حست إنه مش متزن.
سكت وقال:
مضحوك عليكي أنتِ يا عائشة. حتى متعرفيش إن أبوك كان شغال نفس شغلانة قُصي. ولما فكر يبعد ويستقيل عشانك، قتلوه.
شهقت بصدمة وهي مش مستوعبة. اتسعت عيونها وزعقت:
إيه اللي بتقوله ده؟!
ابتسم وقال:
مش قولتلك متعرفيش أي حاجة. واللي متعرفيهوش إن جوزك عارف عنك كل حاجة من يوم ما شافك. وسبب جوازه منك إن اللي كان شغال معاهم أبوك، قدروا يعرفوا مكانك. فاتجوزك وخفاكي عنهم عشان يحميكي.
نفضت ووقفت وهي بتصرخ بجنون:
استحالة أصدق اللي بتقوله ده! أنتَ سامع بتتهم بابا بإيه؟ لو كان عايش مكنش سمحلك تقول عليه نص كلمة من اللي قولتها دي!
وقف هو كمان وقرب منها ببرود:
بقى علشان بنورك بقيت وحش؟ جربي كده تروحي تسألي جوزك اتجوزك ليه؟ خفاكي ليه؟ وسيبك من حتة إنهم هينتقموا منه فيكي دي. أنتِ كنتي مطلوبة عندهم. ومعظم المشاكل اللي وقع فيها جوزك كانت بسببك أنتِ! ومع ذلك جدعنته دي متشفعلوش إنه ضحك عليكي ومعرفكيش الحقيقة وعيشك مغيبة طول الفترة دي.
تتت ملامحها وهي بتحاول تربط الخطوط ببعض. بالفعل، معرفتها بـ قُصي وجوازها منه بالسرعة دي كانت حاجة غريبة. معقولة أبوها بالفعل كان رجل مافيا؟ معقولة قُصي اتجوزها بس عشان يحميها؟ يعني هي اتحرمت السنين دي كلها من أبوها وأمها عشان شغله الغير قانوني؟!
هزت راسها بالرفض كذا مرة وهي رافضة تصدق اللي هو بيقوله. كان كلامه غير منطقي تمامًا. هي عاشت مع أبوها ١٠ سنين، كانت عارفة فيهم إنه بيشتغل عامل في مصنع. إنما شغل المافيا ده عمرها ما سمعت عنه ولا هتصدقهم. مهما كان، ده أبوها اللي فاكراه بطيبته وحنيته لحد ما سابها هو وأمها في حادثة عربية.
مش ممكن. استحالة أصدق الجنان اللي بتقوله ده. بابا لا يمكن يكون كده. حرام عليك أنتَ بتتبلى عليه ليه!
قالتها بدموع وبشفايف بترتجف من عنف وقساوة الكلام اللي اتضرب في وشها. ورغم بوادر الانهيار اللي كانت ظاهرة عليها، إلا إنه مأثرش فيه نهائي. بل ابتسم بعبث وبص في ساعة إيده وبعدين قال ببرود:
على العموم لو مش مصدقة عندك جوزك، اتأكدي منه. وأنا ليا زيارة كمان ليكي هنتكلم فيها عن حاجات كتيرة أوي. ولكن حاليًا مستعجل ولازم أمشي.
خلص كلامه واتجه للباب. أما هي فضلت واقفة مكانها باصة قدامها بصدمة.
فتح الباب وقال بسخرية:
سلام يا حبيبة عمو.
سابها وخرج وقفل الباب وراه. أما هي انهارت على الكرسي وفضلت قاعدة متجمدة تمامًا بتفكر في الكلام اللي هو قاله، واللي خلى الشك يتزرع جواها، وابتدت تفكر في الحقايق اللي هتقلب موازين طفولتها تمامًا.
***
كان بيسابق الزمن مع معاذ بعد ما قاله إن الشخص اللي كان عند نصار في المستشفى واللي كان مكلف رجالة بمراقبته، بلغوه إنه راح لشقة قُصي اللي فيها مراته. كان مرعوب ليقدروا يأذوها، وهي يدوب امبارح نجت من الموت بمعجزة. خايف من إن المرة دي ميقدرش يلحقها. مش هيقدر يتحمل خسارتها، وهي بقت جزء لا يتجزأ من حياته.
وصل أخيرًا ووقف العربية بعنف بعد ما كان ماشي على سرعة مهولة. نزل هو ومعاذ، ولكن القلق اتملك منهم أكتر لما ملقوش أثر للرجالة اللي كان حاطتهم على باب العمارة.
طلعوا على فوق جري، واتملك منه الرعب أكتر. اكتشف إن برضه الحارسين اللي كانوا على باب الشقة مش موجودين. طلع مفاتيحه من جيبه وفتح وهو بيصرخ باسمها:
عائشة!
دخل بسرعة ووراه معاذ، ولكنه اتنفس براحة لما لقاها قاعدة على الكرسي ومدياه ضهرها. حس إن الحياة رجعتله بعد ما كانت فكرة رحيلها بتقتله.
بص لمعاذ اللي ابتسم ليه يطمنه. ولكنه نظراتهم كانت فيها تعجب من إن مفيش حد هنا، والغريبة إن الحراس ملهمش أثر بعد ما عرفوا بإنه جه هنا. ولكن اللي أثار تعجب قُصي أكتر السكون اللي كانت عليه عائشة. فبص عليها واتجه ناحيتها وقال بتعجب:
عائشة! أنتِ كويسة؟
قلق أكتر لما شافها باصة قدامها ومتجمدة كأنها مفصولة عن العالم، وشها شاحب وعينيها حمرا من الانفعالات اللي جواها.
نزل على ركبته قدامها وسند على رجليها بإيده وهو بيقول:
عائشة... فيه إيه يا حبيبي، مالك؟
أخيرًا استوعبت وجوده. بصت لوشه شوية بتتأمله وهي شايفة لهفته وخوفه عليها. مقدرتش تمنع نفسها واترمت في حضنه بتضمه بقوة. اتعجب هو من حالتها فضمها وهو بيملس على شعرها.
حس معاذ إن وجوده ملوش داعي في الوقت ده، فخرج لبرا عشان يتفحص المكان ويشوف أثار الدم دي مصدرها إيه، وبالمرة يسيبلهم مساحة.
اللي كان قلقه أكتر إنها كانت صامتة، متكلمتش ولا بكت. فبعدها عنه وهو بيتأمل حالتها. احتوى وشها بين إيديه بحنية وقال:
مالك يا عائشة؟ فيكي إيه؟!
مكانتش قادرة تواجهه. إزاي والكلام اللي بيقوله عيسى هيخليها هي سبب كل المشاكل اللي اتعرض لها قُصي المرة اللي فاتت؟ اتقالها كذا مرة إنه كان بيحميها. قال إنه لو عليه يفديها بروحه. ولكنها مستوعبتش إن ده اللي كان مقصود من كلامه. كان بيحميها فعلًا. إزاي هتقدر تواجهه وهي كام مرة قالتله في وشه إنه مجرم وقاتل؟ كام مرة قالتله إنها عايزة تسيبه؟ وفي الآخر هربت منه. ولما اتخطفت مترددش إنه ييجي يلحقها. حتى رغم كلامها القاسي اللي كانت بتضربه بيه، إلا إنه مفكرش يقولها الحقيقة. كان دايمًا يقولها إنها الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتهم. قالهاش كل ده عشان تفضل نقية زي ما هو.
مش مستوعبة إن أهلها بالفعل كده.
سكوتها اللي طول وهي بصاله من غير كلام قلقه أكتر، فقال:
عائشة!
ابتسمت في اللحظة دي ابتسامة جاهدت في صنعها وقالت:
مفيش يا حبيبي أنا كويسة. كنت واحشني بس. وكنت خايفة عليك ليحصلك حاجة.
حس إنها بتكدب أو مخبية حاجة، خصوصًا الكلام الكتير اللي كان في عينيها، فقال بحزم:
متكدبيش يا عائشة. أنتِ مش في حالتك الطبيعية خالص. أنا أكتر واحد حافظك ويقدر يميز إذا كنتي بتكدبي ولا لأ.
زادت ابتسامتها أكتر قصاد حنيته اللي بتهون عليها كل مر. فمدت إيديها وبسطت كفها على خده وهي بتقول:
متقلقش. ده عشان لسة معرفتش أتخطى صدمة اللي حصل امبارح. أنا كويسة طول ما أنتَ جنبي يا قُصي. كويسة عشان أنت بس جمبي!
خلصت كلامها وضمته تاني وهي بتدفن راسها في كتفه. طبطب عليها وهو حاسس إن فيه حاجة مش عايزة تقولها، ولكنه فضل الصمت. فضلت في حضنه بتحاول تستمد منه قوتها اللي خارت تمامًا قصاد الحقايق العنيفة اللي اتضربت بيها. كانت صامته وشاردة في الفراغ.
ولكنه بعدها عنه مرة تانية وهو بيقول:
لا يا عائشة. أنتِ مش كويسة خالص. مالك يا حبيبتي؟!
هزت راسها وكانت عينيها زادت احمرار. فسأل بنبرة حاول تكون عادية:
حد جالك هنا؟ حسيتي بأي حاجة مش طبيعية برا؟
ابتسمت وقالت:
أنا كويسة يا قُصي. قدامك أهو يا حبيبي متقلقش. أنا بس حاسة بوحدة. محتاجة لبابا وماما معايا، وحشوني أوي يا قُصي.
لقت حجة تقدر تطلع فيها الحزن اللي جواها، فبكت بقوة وهي بتفتكر كلام عيسى اللي صابها في مقتل. فضل قُصي يطبطب عليها بحنان ورفع أنامله ومسح دموعها وهو بيقول:
ادعيلهم بالرحمة. هما في مكان أحسن. وبعدين أنا جمبك أهو، عمري ما أتخلى عنك.
رفعت إيديها وحطتها على دراعه اللي كان ممدود، وقالت:
عارفة. من غيرك هفضل تايهة يا قُصي. أنا من غيرك مليش هوية.
جذبها ليه وضمها وهو ساند دقنه على راسها، ومن جواه حاسس إن الموضوع أكبر من كده، ولكن حب ميضغطش عليها أكتر.
خرج بعد ما اتطمن عليها شوية عشان يشوف معاذ راح فين، وبالفعل لقاه نازل من الدور اللي فوق. قرب منه.
معاذ وقال:
الكاميرات كانت متعطلة في وقت وصوله. الراجل ده مش سهل وحويط جدًا. مفيش ولا كاميرا جايبة أي تفاصيل. حتى الرجالة ملهمش أثر.
حس قُصي بالحيرة الشديدة، وأدرك إن الشخصية اللي ظهرت دي مش سهلة تمامًا. فقال:
عائشة مش في حالتها الطبيعية. حاسس إن وراها حاجة ولكن مش عايزة تقول.
فتكلم معاذ بتردد:
تفتكر جالها هنا؟
رفع إيده وعدل من خصلات شعره وقال:
مش عارف. ومش قادر أفهم. مفيش أثر للرجالة، ولا فيه أثر ليه. الظاهر إنه كان بيوصلنا تهديد إنه أقوى مننا.
بس سابلنا أثر.
قالها معاذ وهو بيمدله إيده بتيكت صغير يرجع لمكان معين. خدها قُصي منه وهو بيتفحصها بدقة، وبعدين قال:
دي دعوة صريحة منه. سايبها قصد عشان عايزنا نوصله. استحالة واحد بالدقة والذكاء ده وحاجة بسيطة زي دي تكشفه.
هز معاذ راسه ليه بيأيد كلامه وقال:
وأنتَ ناوي على إيه؟
رد بغموض وهو باصص قدامه:
هنلبي دعوته طبعًا...
***
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، ولكنها مقدرتش تتمالك نفسها وانهارت على الأرض وهي بتبكي. عاشت ١٣ سنة تقريبًا وحيدة. اتنقلت من ملجأ للتاني ومن بيت للتاني لحد ما تمت السن القانوني. ابتدت تشق طريقها لوحدها عشان تقدر تكفي نفسها. حست بوحدة طول حياتها وهي عارفة إن ملهاش حد. وفي الآخر تكتشف إن أبوها كان رجل مافيا واتحرمت منه هو وأمها بسبب شغله.
اتجاهت ناحية دولابها فتحته وطلعت منه صندوق صغير. كانت محتفظة بيه من وقت وفاتهم. كان الصندوق ده هو الحاجة الوحيدة اللي فاضلالها منهم. فتحته وطلعت صورة تجمعهم هما التلاتة. كانت في سن صغير يدوب ١٠ سنين.
تأملت في ملامحهم وهي بتبكي. مدت إيديها وملست على وشوشهم اللي في الصورة. جواها مشاعر متناقضة. حست للمرة الأولى إنها ظلمت قُصي فعلًا، وإن هي اللي طلعت وحشة مش هو.
فضلت على الحال ده شوية، لحد ما وصلها رسالة على تليفونها. مسحت دموعها بإيديها، وحطت الصندوق مكانه تاني واتجهت لمكان الموبايل. فتحته فلقت رسالة من رقم غريب مبعوت فيه لوكيشن لمكان ما ومضمون الرسالة:
لو عايزة تعرفي بقيت الحقايق واثبات لكل كلامي مستنيكي بكره. بعتلك حد ياخدك.
"عيسى"
تأملت الرسالة. لوهلة حست إنها عايزة تقول لـ قُصي. آخر مرة خبت عليه حاجة كانت هتقع في كارثة بسببها. ولكنها طمنت نفسها إن في الأول والآخر ده عمها. يعني لا يمكن يأذيها لإنها من دمه. بالفعل كانت محتاجة لإثباتات عشان تتأكد قبل ما تواجه قُصي بكل ده. عشان ميحاولش يداري عنها الحقيقة لمجرد إنها متتوجعش. كانت محتاجة تعرف هي مين الأول.
***
تاني يوم.
اتحرك هو ومعاذ للمكان ومعاه عدد موثوق من رجالته. كان متأكد إن ده من الكبار اللي ممشيين نصار وغيره كتير. وبالذات بعد تجرؤه ووصوله لبيته من غير خوف. كان مدرك إنه بيتعامل مع رجل مافيا واعي وذكي. لإن التصرفات اللي طلعت منه امبارح متظهرش غير من واحد متدرب كويس وفاهم هو بيعمل إيه.
بالفعل ساب عدد كبير جدًا من رجالته قدام العمارة لحماية عائشة احتياطي. قفل الباب عليها من برا، وأكد عليها إنها متردش على حد لو خبطت عليها. كانت مدركة وقتها إيه سبب كل التحذيرات اللي هو قالهالها دي، فمحبتش تعلق كتير.
وصلوا أخيرًا وكانوا واقفين على قمة تلة، في حين شايف من تحت مكان عامل زي مستودع ضخم جدًا. جزء منه مصفح والجزء التاني مكتب أو مكان للاجتماعات متشاف للي برا لإن حيطانه إزاز.
بص هو ومعاذ لبعض، وبعدين نزلوا من العربية، فشاور معاذ للرجالة إنهم يتوزعوا حوالين المستودع ويبدؤوا يقتحموه بهدوء. في حين هو ومعاذ هيتجهوا للمكتب الرئيسي. بالفعل ابتدوا يتحركوا وكان اللي يقابلهم يخلصوا عليه بكاتم صوت عشان ميلفتوش النظر.
وصلوا أخيرًا للمكان اللي فيه أوضة المكتب، وقف هو ومعاذ على الباب من الجنبين وهما رافعين مسدساتهم في استعداد. لحد ما شاور ليه قُصي براسه واقتحموا المكان وهما رافعين السلاح.
ولكن قُصي اتجمد مكانه لما شافها قدامه منفوضة وهي بتبصله برعب. نزل سلاحه بسرعة وقال بصدمة:
عائشة!!
كانت نظراتها مليانة حزن وأسف، كأنها بتعتذره مقدمًا. نكست راسها في الأرض ومردتش. في اللحظة دي لف الكرسي الجلد اللي كان ضهره ليهم، وظهر ليهم عيسى وهو مبتسم وضامم كفوف إيده وقال:
يا أهلًا وسهلًا. توقعي طلع في محله، وأهو أنتَ مشرفني دلوقتي يا قُصي!
ولكنه مهتمتش لأي حاجة من اللي قالها، وقرب من عائشة اللي كانت عيونها مليانة دموع وقال:
إيه اللي جابك هنا؟!
وقف عيسى في الوقت ده، ولف حول المكتب لحد ما وقف جنب عائشة. حاوطها وقربها ليه وهو بيقول:
عائشة مكانها هنا. هتفضل معايا بعد كده. هنا...
يتبع...
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منة ممدوح
كانت قاعدة في الشقة بتحاول تفكر إزاي هتقدر تخرج بعد ما قصي أمن عليها بالشكل ده. خايفة وقلقانة، وفي نفس الوقت لازم تتأكد من الكلام اللي عيسى قاله. لسة عندها شك في كلامهم، مش قادرة تستوعب إن أبوها اتغرز في المجال ده.
فزعت لما سمعت صوت دوشة برا، قربت من الباب وحطت راسها عليه تحاول تسمع إيه اللي بيحصل برا. فسمعت صوت رجالة من برا بيقولوا:
"تعالوا طلعوا على فوق."
ولحظات سمعت صوتهم فعلاً بيطلعوا. حاولت تفتح الباب عشان تشوف، ولكن لقته مقفول زي ما قصي سايبه. فضلت مكانها راحة جاية بتحاول تفكر. ثواني عدت ولقت زي ما يكون حد بيحاول يفتح الباب بحاجة. وبالفعل لقت الباب بيتفتح وبيدخل عليها شخص غريب لابس كاب ومداري وشه بكمامة. برقت برعب وقبل ما تصرخ جري عليها وكتم بوقها بإيده وقال:
"ششششش، عيسى مستنيكي. يلا مفيش وقت."
هزت راسها كذا مرة وهي مبرقة برعب ومش مستوعبة إزاي قدروا يوصلولها من خلال الرجالة دي كلها. بعد إيده عنها وهو بيحذرها بعينه إنها متعملش صوت، وبعدين شاورلها تمشي وراه. خرجوا من الشقة وهو بيتأكد إن مفيش حد موجود، وشاورلها تيجي. فمشيت بتوتر. قفل الباب وراه تاني عشان ميلفتش النظر، وبعدين اتجه ناحية شقة من الشقق الموجودة في الدور. فتحه وهي وراه مستغربة إيه جايبهم هنا، لحد ما لقته متجه للمطبخ ناحية باب صغير موجود هناك. كان من بين لحظة والتانية بيبصلها عشان يتأكد إنها وراه. خرجت معاه من الباب ولقتهم بينزلوا من على سلم ضيق لحد ما لقت إنهم بيخرجوا من باب خارجي من الشارع. وقبل ما تخطي لبرا شاورلها تقف وهو بيراقب بعينه المكان لما لقى إن رجالة قصي موجودين في الشارع.
طلع موبايله من جيب الچاكيت بتاعه وطلب رقم وقال بجمود:
"تقاطع الشارع اللي ورا."
وقفل الموبايل ووقف مكانه بيراقب من ورا الحيطة لحد ما لقاهم بيجروا ناحية مكان. وقتها شاورلها تيجي وراه وجريوا لحد مكان واقف فيه عربية سودا متفيمة.
وقفت مترددة وحست لوهلة إن الوضع اللي هي فيه غلط. شاورلها الشخص تركب ولكنها فضلت تنقل نظراتها بينه وبين العربية بتردد، لحد ما زفر بنفاذ صبر وقال:
"يلا. أحسنلك وأحسن لجوزك."
وعند ذكر قصي ضيقت عينيها بشك، ولكنه مداهاش فرصة وجذبها، فشهقت بخضة وقبل مل تستوعب ركبها العربية وسط صدمتها، ولحقها هو كمان وابتدى يتحرك بيها في جو صامت تمامًا. خافت هي من إنها تعترض أو تفتح مجال للكلام معاه لأن شكله كان إجرامي، بالذات بعد ما شال الكاب من على راسه وخلع كمامته.
كانت ملامحه غير مريحة تمامًا. شعره المجعد القصير واللي كان صابغة بالاصفر، عينه الحادة البنية، ده غير الندوب اللي مالية وشه. فنزوت في العربية وهي موجهة نظرها للطريق وقلبها بينتفض برعب. خد باله هو من خوفها فابتسم بزاوية فمه بسخرية، وكمل تركيز في السواقة.
وصلوا بعد مدة مش قليلة، لإن المكان كان معزول شوية. بصت حواليها ولوهلة حست بخوف بيتملك منها وهي شايفة كمية الرجالة المسلحين اللي واقفين حوالين المستودع. مشاهد عمرها ما فكرت إنها ممكن تشوفها غير في الأفلام الأكشن.
وقفت العربية ونزل منها اللي كان معاها، فتحلها الباب فبصتله بتوتر ونقلت بنظرها للرجالة المسلحين اللي اتعدلوا أول ما شافوها. انكمشت على نفسها بخوف، فضحك الشخص اللي كان معاها وقال:
"صدقيني، جوا أحسنلك من برة. تحبي تفضلي هنا وسط دول؟"
قالها وهو بيشاور وراه بعبث، فنزلت بسرعة برعب لما شافت توحش ملامح الرجالة، ومشيت وراه وهي محاوطة نفسها وبتتلفت حواليها برعب. فتح باب المكتب فدخلت بتوتر. أول ما شافها عيسى قام وفتح إيده وهو بيقول:
"الغالية بنت الغالي."
قالها وهو بيجز على أسنانه، قربت بتوتر فقال:
"اتفضلي."
شاورلها تقعد فقعدت بتردد وهي بتتأمل في المكتب حواليها. كان لونه رمادي، متعلق أسلحة متنوعة على الحيطة، ده غير راس الغزال المحنط اللي متعلق كزينة واللي خلاها تتنفض برعب.
فضل مبتسم بانتشاء وهو بيراقب انفعالاتها. سند ضهره على الكرسي فوجهت نظرها ليه لما ابتدى يتكلم ويقول:
"زمان كنا أنا وأبوكِ شغالين مع بعض. كنا عاملين فريق هايل. أما كسبنا صفقات كتير، صدرنا لكل الدول اللي قايمة حروب فيها. كنا بنكسب دهب."
ركزت معاه وجواها بينتفض من الصدمة. فتح الدرج وطلع شوية أوراق وصور ورماهم قدامها، بصتله باستغراب واخدتهم وابتدت تقلب فيهم، فشافت قدامها بالفعل أوراق لصفقات أسلحة قديمة موقعة باسم أبوها، ده غير شوية صور ليهم في الميناء وفي المخازن بتاعتهم. كانت كل ما تتعمق في اللي موجود فيها تتسع عينيها لما اتأكد من صدق كلامه، ولكنها وجهت نظرها ليه وهو بيكمل:
"لحد ما بقينا أصل المهنة في البلد. مفيش حد ميعرفناش. عملنا نفوذ وسلطة وفلوس. ولكن كل ده كان من ورا أمك، ولما اكتشفت الموضوع ثارت. كنتِ أنتِ بقيتِ ٨ سنين تقريبًا. لما حس أبوكي بإن أعداؤه كتروا، وفكر في إنه يستقيل وياخدك ويهرب خوفًا عليكِ، ولكني رفضت واتخانقنا حتى إننا انفصلنا وابتديت اهدده. وقتها أبوكي باعني للحكومة."
ابتدت ملامحه توحش. اتولد الغضب في عينيه والكره والحقد ظهر.
"لحد ما في مرة وهمني إنه رجع في كلامه وكان عايزنا نرجع نشتغل مع بعض تاني. ويوم تسليم الشحنة في الميناء البوليس طب علينا، وقتها هربت على إيطاليا، وكملت شغلي من هناك مع الناس اللي كنا شغالين معاهم."
حست عائشة إن الحب اللي كان عيسى بيمثله مش حقيقي. فضيقت عينها وبخوف مسكت في الصور اللي معاها أما هو ابتسم ابتسامة مرعبة وقال:
"أكيد مكنتش هبقى ساذج زي أبوكِ واسلم اللي معايا ليه للحكومة، مكانش هيبقى انتقام يليق بيا برضه."
بصتله بتركيز مستنياه يكمل وهي بتتمنى إن اللي في بالها ميكونش حقيقي. زادت ابتسامة عيسى ومد إيده للدرج طلع سلاحه وحطه قدامه على المكتب ولكن فوهته متوجهة على عائشة وقال:
"أنا اللي دبرت حادثة أبوكِ وأمك."
شهقت وانتفضت وهي بتبرق برعب. هزت راسها بـ لأ كذه مرة وجسمها كله ابتدى يرتجف. هز راسه هو بـ آه بيأكدلها كلامه. ابتدت عينيها تتملي بالدموع ووقفت قاصدة إنها تهرب من المكان بعد ما عرفت نيته، ولكنه حط إيده على مسدسه وقال بتهديد:
"متفكريش. أنتِ جيتِ برجلك."
قام وقف وقرب منها وقف وراها وسند على الكرسي. أما هي ابتدت عينيها تتملي بالدموع وهو بيقول:
"خططت إنها تبان حادثة عادية، وبالفعل محدش شك في الموضوع، بس للأسف مكنتيش معاهم. كانت غايتي أنهي نسل أبوكِ من جدوره. ولكنك اختفيتِ، دورنا عليكي كتير معرفناش نوصلك، فكرنا إنك موتي ولا حصلك حاجة، وقولنا في الأول والآخر أنتِ مجرد عيلة ملهاش لازمة يعني. مسيرك تدوسي لوحدك. ولما لقيناكي بالصدفة، جه جوزك وحماكِ مننا لما شاف الراجل اللي بعتناه يخلص عليكِ موجه سلاحه عليكِ وأنتِ مش واخدة بالك."
كان جسمها بيتنفض، بالذات لما حط إيده على كتفها بيعصره بين إيديه. أما دموعها بتنزل بعنف من صدمة الحقايق اللي بيضربها في وشها، فكمل:
"وقتها حقق معاه وعرف إيه اللي وراكي، وفيما بعد عرفنا إنه اتجوزك وخفاكِ، ولكن قدرنا نوصلك برضه عن طريق تسنيم اللي جوزك قتلها."
غمضت عينيها تضغط على جفونها، عروق وشها برزت وفكها من ضغطها عليهم. سابها وراح قعد على الكرسي مرة تانية وهو بيتأملها بابتسامة واسعة، فقدرت هي تتكلم وتقول:
"عايز إيه مني؟"
ضم كفوفه وقال:
"الحقيقة كنتِ أنتِ المطلوبة. قصي كان ليه خطة تانية عندنا، ولكن بعد تحديه لينا واللي عمله فقدامك اختيارين. يا تفضلي معانا هنا، يا جوزك يتقتل قدامك."
شهقت بصدمة وازدادت دموعها في الهطول، فكمل:
"قصي. الرواية. زاد في جبروته، مش هيتكسر إلا بيكِ. أنتِ نقطة ضعفه الوحيدة. كلنا مدركين تعلقه بيكِ. سهل عليا اقتلك واقتله دلوقتي، بس هنلعب معاه بنفس طريقته لحد ما هو ينهي نفسه بنفسه. جوزك في طريقه لهنا. لو عايزاه يخرج سليم، تنفذي اللي هقوله."
هزت راسها وهي مرعوبة من فكرة إنه يأذي قصي، مش قادرة تفهم أي حاجة. طب هي المطلوبة؟ ليه عايزها هنا؟ ليه مجننهم حبه ليها وخوف قصي عليها؟ وقتها شاور ناحية مكان معين برا، وهو بيقول:
"بصي وراكي كده."
اتلفتت بالفعل ناحية ما شاور، كان شباك مفتوح من المكتب فقال:
"فيه قناص وراكي. مراقب قصي من ساعة ما رجله خطت هنا. بإشارة واحدة مني هتلاقي راس جوزك بتتفرفت قدامك. حياته دلوقتي بين إيديكي أنتِ."
ارتجف جسمها وزادت دموعها. ومعاها زادت ابتسامته لما اتأكد إنها استحالة تغامر بيه. الاتنين عاشقين لبعض. واضحة لأي حدود. حاجة عاجباه لأبعد حد. لف بالكرسي مرة تانية وهو عارف إنه زمانه وصل. وبالفعل لقاه بيهجم على الباب وهو موجه سلاحه عليهم. انتفضت عائشة برعب وهي شايفاه قدامها. كانت خضة من السلاح اللي متوجه عليها وخوف من إنه يتأذي. وقتها حست بيه اتجمد مكانه وهو بينطق باسمها، عقله وقف ومبقاش فاهم. سايبها في البيت ومأمن عليها؟ إزاي وصلت لهنا؟ اتجمد أكتر لما قاله عيسى إنها هتفضل هنا. فوجه السلاح ناحيته عينه أظلمت لما شافه حاطت إيده عليها فصرخ بغيرة:
"شيل إيدك من عليها بدل ما أفضي الخزنة في دماغك."
وقتها وجهت نظرها لمكان القناص، مع إنها مكانتش شايفاه، بس كانت عارفة بوجوده بالفعل وإنه مش هيقول أي كلام. رفعت عينيها ليه واتصنعت القوة وهي بتقول:
"أيوه فعلًا هفضل هنا. الأحسن تتقبل ده من دلوقتي يا قصي بدل ما نتعب مع بعض."
حس بإنه على مشارف الجنون فقرب منها وهو بيصرخ وجذبها بعيد عنه:
"أنتِ اتجننتِ يا عائشة! إيه اللي جابك هنا؟! أنتِ تعرفي مين ده أصلًا؟!"
وقتها وجه نظره ليه، ولكنه حس بإن ملامحه مش غريبة عليه. ضيق عيونه وهو بيتأكد من هويته، ولوهلة اتسعت عيونه وهو بيقول:
"عيسى..."
ابتسم وقال:
"ده أنتَ طلعت عارفني أهوه."
فضلت عيونه ثابتة عليه، وقال بجمود:
"معاذ، خد عائشة وأمن عليها."
ولكن اعترض عيسى وهو بيقول:
"ما قالتلك هتفضل هنا."
"مع عمها. قاتل أبوها."
كمل قصي على كلامه وهو بيبصله بتحدي. وبعدين وجه أنظاره لعائشة ولكنه استغرب لما ملقاش أي تعبير على وشها وقال:
"عائشة. أنا مدرك إنك ما صدقتي تلاقي حد من عيلتك ظهر. ولكن اللي قدامك ده حية متلونة يا عائشة. أنا معرفش أنتِ وصلتِ هنا إزاي، وليه خبيتِ عليا، بس وجودك هنا خطر عليكِ. عيسى هو اللي دبر حادثة أهلك واللي..."
ولكنها قاطعته وهي بتقول:
"مش مهم أي حاجة هتقولها يا قصي. أنا هفضل هنا. بسببك اتعرضت لمواقف مكنتش اتخيل إني هتعرضلها."
"بسببي!"
قالها بصدمة وهو حاسس إن اللي قدامه دي مش عائشة. كانت بتتألم من نظرته وصدمته فيها ولكنها كانت بتخبي جواها. قرب منها وحاوط وشها بين إيديه:
"عائشة. أنا عارف إنك لا يمكن تقولي الكلام ده من قلبك. عرفيني يا حبيبتي هددوكي بإيه؟ صدقيني أنا قادر عليهم كلهم."
حاولت تقاوم الغصة اللي في قلبها على قد ما تقدر. دارت بعينها على عيسى اللي كان مبتسم بخبث. وبعدين وجهت أنظارها عليه، بعدت وشها عنه فاتجمدت إيده بصدمة فقالت:
"أنتَ عمرك ما عرفت تحميني يا قصي. دايمًا متأخر خطوة عنهم. عشان كده أنا هفضل هنا مع عمي. وهو اللي يقدر يحافظ عليا."
"ده أول واحد هيقتلك من غير تردد، أنتِ متعرفيش أي حاجة."
صرخ بيها بعصبية وهو مش مستوعب قسوة الكلام اللي بتقوله ليه. عمره ما اتخيل إنها ترميله كلام زي ده وتتهمه بالضعف. ولكنها كتفت إيديها وراحت وقفت جنب عيسى وهي بتقول:
"ملوش لازمة الكلام الكتير، أنا أخدت قراري خلاص. كان بإيدك تحكيلي كل حاجة من زمان، من بداية شغلك. ولكنك فضلت تعيشني مغفلة. كفاية لحد كده يا قصي خلينا ننفصل. أنتَ يدوب قادر تحمي نفسك بالعافية."
اتصدم معاذ ووجه أنظاره لقُصي اللي جمد تمامًا وبهتت ملامحه. اتبادلوا النظرات للحظات. كانت بتتأمله لآخر مرة، حاسة بسكاكين بتغرز في قلبها من شكله وصدمته فيها، ولكنها لازم تحميه.
"أنتِ طالق."
قالها بجمود، وكإنه انتزع من قلبه أي شعور ناحيتها. كان موجهلها نظرات كلها حقد. بعدين بص ناحية عيسى ولف نوى يمشي. فقال عيسى باستفزاز:
"متنساش تاخد الباب في إيدك وأنتَ ماشي."
تحرك هو ومعاذ بالفعل وخرجوا، وسابها واقفة مكانها بملامح مصدومة. هي كانت عارفة إن كلامها قاسي، ولكن متخيلتش إنه هيطلقها بالسرعة دي.
انهارت مكانها على الأرض وهي باصة على اثره مكان ما خرج. أما عيسى ضحك وراح قعد على الكرسي تاني وهو بيصفر بتسلية، وقال:
"عرض مسرحي تحفة. بس عجبني. وأنتِ عجبتيني يا عائشة. ماشية بنفس مبدأ أبوكِ، ممكن تعملي أي حاجة عشان اللي بتحبيهم، حتى لو هتضحي بنفسك."
استمعت للي بيقوله وهي لسة مكانها، مفكرتش تتلفتله أو ترد عليه. مكانتش متخيلة إن اللي بينها وبين قصي ينتهي بالطريقة دي. بعد كل اللي بينهم تكون في نظره خاينة. لوهلة حست دموعها اتجمدت، وارتجف جسمها وهي بتفتكر نظراته الأخيرة، واللي كانت مليانة خيبة أمل من ناحيتها.
خرج بيمشي بخطوات أشبه بالجري. ملامحه كانت متوحشة، عيونه مظلمة، هدوؤه كان غريب. أما معاذ كان بيحاول يلحقه وهو بيقول:
"قصي، اللي بيحصل ده مش طبيعي. فيه حاجة ورا الموضوع ده. متصدقش إن عائشة ممكن تختار عيسى عليك."
وقف مرة واحدة وقال بعصبية:
"وأنتَ شايفني عبيط قدامك! الحقير مهددها بحاجة. ولكن خليه فاكر إنه قدر يعلم عليا."
"طب ومراتك؟"
قالها معاذ بقلق، فزفر وهو عاجز إنه يتصرف وقال:
"مش عارف. لازم أنهي عيسى. ولكن قبلها يظهر اللي معاه. المشكلة في وجود عائشة معاه. ولكن مش هيقدر يأذيها حاليًا، لإنه الظاهر بيلعب على حاجة كبيرة وكان عايزني انشغل فالتفكير في الانتقام من عائشة على ما يتم اللي هو عايزه."
فكر معاذ شوية وقال:
"تفتكر صفقة الهيروين اللي كان نصار هيعملها؟"
حط إيديه الاتنين على وسطه وضم شفايفه وبعدين قال:
"في الغالب الصفقة دي أكبر مما نتخيل ووراها حاجات كتير. مش بعيد تكون مجموعة صفقات مع بعض وبكميات مهولة. لازم نعرف نوصل لطرف الموضوع."
قالها وهو بيتحرك لبرا، ولكن كانت عينه على المكان اللي موجودة فيه عائشة وهو حاسس إنه متأيد، مش قادر يسيبها. ولكن رغم كده الكلام اللي ضربته في وشه وجعه جدًا. حس لوهلة إنه حقيقي. ولكن هو كان عارفها، عارف عائشة كويس. كان شايف نظرة الرعب اللي في عينيها. كان شايف ندمها على كل كلمة قالتها. كان شايفها بتعتذر ليه بين حروفها. هو واثق فيها، ده لسة كانت قايلاله إنها من غيره ضايعة. من غيره ملهاش هوية. وهو مدرك قد إيه عائشة بتحبه وبتنتمي ليه. وزي ما قالها إنه روحه فداها، فمتأكد إن عائشة عمرها ما تتردد إنها تضحي بنفسها علشانه. ولكن مسيره يرجعها لحضنه. أكيد.
اتحرك هو ومعاذ بالعربية. رغم الهدوء اللي كان ظاهر عليه إلا إن كان فيه نيران متقدة جواه. كان عارف إنه لو فكر ياخد عائشة بالإكراه عيسى كان ممكن يأذيها أول واحدة. عائشة عارفة حاجة وإلا غير كده مكانتش اترددت إنها تترمي في حضنه. كان ضامم إيده بقوة على عجلة القيادة. ومعاذ حاسس بارتباك من الوضع اللي اتحطوا فيه. لحد ما لقى قصي وقف قصاد بيت العيلة. بصله معاذ باستغراب ولكنه نزل من غير ما يتكلم. واتجه لمكتب جلال. فتح الباب ودخل كعادته، فرفع جلال اللي كان ماسك ورق بين إيديه باستغراب. وبعدين رفع نضارته النظر وهو عاقد حواجبه من سر زيارته. وقف قدامه قصي وقال:
"لمرة واحدة بطلب منك إنك تكون أبويا. نوحد قوتنا مع بعض. وبعدها هيحصل اللي أنت عايزه."
فضل جلال باصصله بتعجب. ولكن قصي مده إيده ليه. وبعد تفكير طويل مد جلال إيده ليه وصافحه وهو مبتسم. فبادله قصي الابتسامة بامتنان.
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة ممدوح
أخذها رجال عيسى وودوها للڤيلا اللي هو قاعد فيها، واللي كانت مجهولة بالنسبة للمعظم.
دخلوها أوضة معينة وحبسوها فيها.
جريت على الباب وهي بتحاول تفتحه ولكنها لقتهم قفلوه بالمفتاح من برا.
فضلت تخبط وهي بتصرخ لحد ما لقت الباب بيتفتح بعنف وبيدخل منه واحد ملامحه إجرامية وضخم البنية.
اتراجعت لورا وهي بصاله بخوف.
فزعق بصوت جهوري: "لو سمعتلك صوت تاني هفضي سلاحي في نفوخك، سامعة ولا لا!"
اتنفضت على صرخته الأخيرة وهزت راسها وهي مغمضة عينيها برعب.
رمقها بنظرة غضبانة وبعدين سابها وخرج وقفل الباب تاني من برا.
وقفت تتأمل في الأوضة حواليها، لقيتها خالية من أي مظاهر حياة.
حتى مفيهاش شباك تقدر تهرب منه.
عيسى كان حويط وكان عارف إنها هتحاول تهرب، لذلك نقّى الأوضة دي واللي كان الهروب منها شبه مستحيل.
اتحركت برجلين متخدلة وقعدت على السرير.
سندت راسها بين كفوف إيديها وهي بتبكي.
مكانتش متخيلة إن هي اللي اتسببت في الكوارث اللي حصلت لـ قُصي، وإنه حتى من غير ما يعرف هي مين حماها.
كانت الأول بتتعجب من ظهوره الكتير قدامها، وهو كان بيحميها!
لحد ما وقعت في حبه وعرض عليها الجواز، وقتها وافقت بلا تردد.
عابت عليه كتير وقالتله إنه مجرم وقتال قتلة، وهي في الأساس ملوثة من نفس المهنة.
هو ابن رجل مافيا، وهي طلعت بنت رجل مافيا.
وكمان كانت مستهدفة منهم.
آه والدها تاب في آخر أيامه، ولكن سبب موته هو الشغل اللي اتوغل فيها.
تذكرت نظرته ليها، وافتكرت كلامها اللي قالته.
بعد كل اللي عمله مكانش يستاهل منها القسوة دي.
شدت على شعرها وهي بتبكي وخبطت بإيديها على راسها كذا مرة وهي بتقول: "سامحني يا قُصي، كان ممكن أعمل أي حاجة عشان أحميك، حتى لو هكرهك فيا."
اتحركت واتمددت على السرير وهي محاوطة نفسها في وضع الجنين ودموعها مش مبطلة هطول.
مكانتش تتصور إن قصتهم هتنتهي بالنهاية الشنيعة دي.
مكانش يستاهل الكلام اللي هي قالته، ولكنها مضطرة.
مش عارفة إزاي هتقدر تبص في عينه بعد ما كسرته قدام صاحبه وعدوّه.
تذكرت وهو بيرمي عليها يمين الطلاق.
حست وقتها إن قلبها انشق نصين.
ضغطت على جفونها بتحاول تمحي الذكريات دي من دماغها ولكن من غير فايدة.
فضل جسمها ينتفض وتمتمت: "محتاجاك يا قُصي، محتاجاك جمبي، أنتَ فين..."
***
اتحرك عيسى ورجالته من المكان وهو بيتفرج على رجالاته المرميين على الأرض مقتولين بطرق متنوعة.
كان عارف إن قُصي جاي، ومع ذلك قبل يضحي بأرواح رجالاته عادي.
كان بيحصي الأعداد وماشي وراه دراعه اليمين اللي اتكلم وقال: "مطلعش سهل قُصي الراوي، لما يبقوا اتنين بس وخلصوا على 17 واحد من رجالتنا المسلحين!"
ابتسم عيسى وهو ماشي وحاطط إيده الاتنين ورا ضهره، وقال: "قُصي الراوي بنى نفسه بنفسه، محدش قدر يوقعه، ولكن يكفيك شر الراجل لما يخيب عشان سمع."
علق الراجل بتاعه، واتحركوا وخرجوا من المستودع.
كانت قدامه عربية ضخمة متفيمة مستنياه.
فتحله الباب فركب عيسى ولحقه اللي معاه واتحركت العربية بيهم.
كان باصص من الشباك وهو مبتسم، الخطة اللي راسمها ماشية صح، وقُصي وقع في الفخ.
بعد مدة وصلوا لعمارة تشبه ناطحات السحاب.
نزل من العربية وعدّل چاكيت البدلة بتاعته وبعدين اتجه هو ورجالته لجوا.
أخذوا الأسانسير لسطح ناطحة السحاب، وبالفعل وصلوا.
كان سطح خالي من أي شيء، حتى من العلو كان شايف السحاب حواليه لدرجة إن البيوت من تحت شبه مش متشافة.
ولكن على السطح كان شايف مكان هبوط طيارات.
دقايق قليلة عدت وهو واقف حاطط إيده الاتنين في جيوبه، لحد ما سمعوا صوت قوي لطيارة هليكوبتر.
ومن كتر ما ابتدت تقرب منهم كانت شدة الهوا عنيفة لدرجة إن شعرهم وهدومهم كانوا بيتطايروا بعنف.
فضل مكانه وهو حاطت نضارته الشمس وبيراقب الطيارة الضخمة اللي بتستقر خلاص على الأرض.
لحد ما اتفتح الباب وخرج منها شخص لابس بدلة سودة.
شعره ودقنه شديدة البياض ولكن حواجبه الكثيفة ما زارهمش الشيب لسة من شدة سوادهم.
نزل ووراه أربعة رجالة ضخام البنية وكلهم لابسين بدل سودة ونضارات شمس خافية عيونهم.
اتعدل عيسى في وقفته فقرب منه الشخص المجهول وسلم عليه وعيسى بيقول: "حمدالله بالسلامة، نورت مصر."
ابتسمله من غير ما يعلق وابتدوا يتحركوا.
أخيرًا نطق الراجل وقال: "الخطة ماشية لحد فيه؟"
رد عليه عيسى بسرعة: "قدرنا نشغل قُصي الراوي بمراتبه، دلوقتي هتكون دماغه مشغولة بازاي ينتقم منها، في حين مش هيكون داري بحاجة عن موضوع الشحنة."
هز راسه بتفهم ورجع سأل: "وبالنسبة لجلال الراوي وياسين الوكيل؟"
"العلاقة بين جلال الراوي وابنه متوترة الفترة دي لدرجة إن قُصي وقع صفقة من صفقات أبوه فبقوا شبه أعداء دلوقتي."
"وعشان نشغل جلال وياسين نظمنا حفلة هتقام بعد بكرا بمناسبة تأسيس فرع جديد من الشركة في مصر وهندعوا كل رجال الأعمال بما فيهم جلال الراوي وياسين الألفي، وقتها مش هيقدروا يشكوا في حاجة."
كانوا وصلوا في الوقت ده لبرا ناطحة السحاب، وكانت مستنية الشخص عربية شبيهة لعربية عيسى.
وقفوا في الوقت ده وسلم الشخص على عيسى بحرارة وقال: "عفارم عليك يا عيسى، كنت عارف إني هقدر أعتمد عليك."
حرك عيسى راسه بامتنان، فرجع قال الشخص: "هروب نصار من المستشفى لازم يتم النهاردة عشان نقدر نشغل قُصي أكتر، أما مراته فلازم تحضر الحفلة وأكد على ده، وقتها هيكون محتار بين نصار ومراته ونكون قدرنا نتوهه على قدر ما نقدر."
هز عيسى راسه وقال: "زي ما تؤمر."
سلم عليه الشخص وفتحله أحد رجالاته الباب وركب واتحركوا من المكان، أما عيسى هو كمان مشي.
وعلى الناحية التانية من قدام العمارة كان واقف شخص بيتابع اللي بيحصل من غير ما يقدروا ياخدوا بالهم.
وقتها طلع تليفونه لما شافهم اتحركوا وطلب رقم معين وانتظر الرد.....
***
كان قُصي مجتمع هو وجلال وياسين ومعاهم معاذ.
فاتكلم ياسين في اللحظة دي وهو بيحاول يستفز قُصي: "طب ما يمكن مراتك فعلًا اختارت عيسى عليك."
بصله قُصي برفعة حاجب وهو مدرك كويس محاولاتهم في التوقيع بينهم وبين عائشة، فقال بقوة: "وتفسروا بإيه الراجل اللي ظهر معاهم؟ واللي باين جدًا إنه رئيس المجموعة دي. عيسى بيلعب على واسع، بيحاولوا يشغلونا على قد ما يقدروا عشان يقدروا يتمموا الشحنة اللي من الواضح جدًا إنها أكبر من اللي ممكن نتخيله."
حس جلال بالفعل بصدق كلام قُصي، خصوصًا وهو عارف قد إيه هو ذكي ولماح، فكان واثق جدًا في كلامه.
سند بضهره على الكرسي وقال: "طب وإيه يضمنلك إنه مش هيؤذي مراتك؟"
زفر بضيق وقال: "حاليًا مش هيؤذوها، لما يتمموا اللي هما عايزينه، وقتها هتكون في خطر فعلًا."
وجه كلامه لمعاذ المرة دي وقال: "خلي رجالتنا تراقب المستشفى اللي فيها نصار، أنا متأكد إنهم هيهربوه."
بص لجلال وقال: "وابعت جزء من رجالتك يراقبوا تحركات عيسى."
فاتكلم ياسين في الوقت ده وقال: "كان فيه جزء بالفعل مشي ورا الشخص اللي كان مع عيسى، بس قدر يهرب منهم، الواضح فعلًا إنه مش سهل."
فرد قُصي بتريقة: "مش سهل ولا أنتَ اللي معاك رجالة خايبة؟"
كان قاصد يستفزه، فبصله ياسين بحنق.
فضلوا شوية يتبادلوا النظرات اللي مليانة حقد، ولكن رغم كده ياسين ميقدرش يتحدى قُصي في العلن، فزفر بضيق ولف وشه الناحية التانية.
أما قُصي فريح ضهره على الكرسي وهو بيفكر إزاي هيقدروا يوصلوا لمكان ووقت الشحنة...
***
كان رجالة قُصي واقفين مراقبين المستشفى.
الوقت اتأخر والحركة قلت، ولكنهم لاحظوا إنه فيه وشوش جديدة موجودة.
انزوى واحد من الرجالة في جنب وطلب رقم معين لحد ما جاله الرد فقال: "قُصي بيه، في الغالب هيبدأ التهريب دلوقتي."
كان قُصي لسة متجمع مع جلال وياسين مستنيين يعرفوا هل تفكير قُصي فعلًا صحيح ولا لا.
فابتسم قُصي باتساع في حين إنهم كانوا بيراقبوه بفضول وقال: "تابعوا اللي بيحصل ومتمنعوش أي حاجة بيعملوها، بس اتأكدوا إنكم هتفضلوا وراهم لحد ما تعرفوا ودوه فين."
"حاضر يا باشا." قالها الراجل وقفل معاه، وابتدى يشاور للرجالة إنهم ينتبهوا أكتر للي بيحصل ويكونوا متيقظين.
حالة نصار كان فيها تقدم بطيء، ولكنه كان محطوط على جهاز التنفس، ومن وقت للتاني بيعود لوعيه لوقت قليل، نظرًا لإن الرصاصة اللي في صدره كان مكانها حساس شوية.
اتنكر رجالة عيسى في زي طاقم طبي، في حين إنهم جهزوا عربية إسعاف من الباب الجانبي للمستشفى بحيث إن نصار ميتأذيش.
اتصنع واحد فيهم بإنه مصاب بطعن، وبالفعل هو كان مطعون، ولكن بخبرتهم طعنوه في مكان بسيط ميتسببش بأي خطورة عليه، ودخل يصرخ من الألم: "الحقوني، الحقوني أنا مطعون."
اتجمعت المستشفى كلها حواليه تقريبًا وهما بيحاولوا يشوفوا حالته بالذات بعد الجلبة اللي اتسبب فيها.
في الوقت ده راقبوا الباقي المكان لحد ما اتأكدوا من خلو الدور بسبب انشغالهم مع التاني، وجريوا فكوا الأجهزة وابتدوا يتحركوا بيه بالترولي، لحد ما بالفعل قدروا يخرجوه بصمت وحطوه في عربية الإسعاف ومشيوا، ووراهم رجالة قُصي اللي كانوا مراقبين كل اللي بيحصل من غير ما ياخدوا بالهم.
***
كانت ليلة صعبة بالنسبالها، مقدرتش تنام فيها.
فضلت مكانها من وقت امبارح على السرير في نفس الوضعية الغريبة، كانت مفصولة عن الدنيا ومش حاسة بالوقت.
سمعت صوت تكات الباب وكإنه بيتفتح، فاتعدلت بسرعة وتابعت بعينيها الحمرا الباب لحد ما اتفتح ودخل منه واحد من رجالة عيسى اللي قال: "الباشا مستنيكي تحته."
زت راسها من غير ما ترد، فسابها وخرج.
أما هي اتحركت بتثاقل ونزلت لتحت، مكانش عندها طاقة حتى تدخل تغسل وشها، كانت عايزة الموضوع ده يخلص بأقصى سرعة وخلاص.
كانت بتتأمل المكان اللي كان مسببيلها رهبة من حواليها، رغم إنها ڤيلا كلاسيكية إلا إنها كانت مرعبة وفاقدة للحياة.
نزلت واتجهت مكان الصوت اللي واصلها، ولكنها وقفت مكانها لما سمعته بيتكلم في التليفون وبيقول: "بالظبط، جهز القاعة، بكرا ميعاد الحفلة وفنفس الوقت ميعاد تسليم الشحنة. كل رجال الأعمال هيكونوا موجودين، لازم نشغلهم على قد ما نقدر عشان ميعرفوش اللي بنجهزله."
وقفت واتدارت في الحيطة وهي ساندة بتحاول تسمع المضمون، فكمل: "على الساعة ٨ وقت ميعاد الحفلة أكد على مهران يأمن المينا كويس قبل وصول الشحنة، مش عايزين أي غلطة، صدقوني الغلطة فيها تطيير رقاب."
حست إن فيه صوت رجل جاية ناحيتها، فاتسحب وجريت على فوق بسرعة وبعدين اتصنعت إنها بتنزل تاني.
وقف رجل عيسى أول ما شافها وبعدين اتلفت لعيسى اللي فهم اللي يقصده، فقال وهو بينهي الكلام: "تمام تمام، زي ما اتفقنا، سلام."
دخلت عائشة في الوقت ده وهي بتتصنع العبوس.
قربت ووقفت بتقول وهي بتتحاشى تبصله: "خير، عايز مني إيه؟"
ابتسمله بسماجة وقال: "هعوز منك إيه، بنادي على بنت ابن عمي عشان نفطر مع بعض في أجواء عائلية."
اتحولت ملامحها للغضب، وبان عليها الحقد وهي بتقول من بين سنانها: "تولع السفرة اللي تجمعني بقاتل أبويا وأمي."
بصلها بابتسامة باردة وكإنه متهزش باللي قالته، لحد ما بص للطبق قدامه وابتدى ياكل وهو بيقول ببرود: "لو مش عايزة جوزك هو كمان يحصلهم يبقى تترزعي وتنفذي اللي هقوله."
حسِّت بقلبها بيتنفض، ارتجف جسمها وهي واقفة بتتأمله بنظرات كارهة.
في حين رفع هو بنظره عن الطبق ليها وبعدين بص ناحية الكرسي، فشدته بعنف وقعدت وهي بتهز رجليها بغيظ وقهر.
فضل بياكل بمنتهي البرود والاستفزاز وهو بيتلذذ قدامها بطعم الأكل.
فزفرت بنفاذ صبر وقالت: "وبعدين!"
"مش هتاكلي برضه؟"
بصتله بعيون بتلمع بشرارة غضب راقت ليه جدًا وحس باستمتاع رهيب.
فساب الشوكة من إيده ومسك المنديل ومسح بوقه ببرود وبعدين سند ضهره وهو بيقول: "هتيجي معايا الحفلة بكرة."
عرفت بإنه كان يقصد الحفلة اللي في نفس ميعاد الشحنة، فاتصنعت العبوس وقالت: "مروحش حفلات أنا."
صححه وهو بيقول من بين سنانه: "ده أمر مش طلب."
بصتله بغيظ، فكمل بقسوة: "هتتشيكي وتبقي على سنجة عشرة وعايز نبان أسرة دافية مع بعض. مش عايز جوزك ياخد باله من أي حاجة احسنلك، ولو أخد باله وطالب بيكي..."
شاور في اللحظة دي على رقبته بتهديد بيوصلها إنه هيقتله بلا تردد، فبلعت ريقها وهي بتحرك عينها بتشوش.
في حين ابتدى العرق يتناثر على جبهتها من التوتر.
فابتسم في اللحظة دي وقال: "أسرة مع بعضينا... ولا تطيير رقاب؟"
بصتله بارتباك وهزت راسها كذا مرة بتوتر، فزادت ابتسامته وهو بيرجع ياكل من الطبق بتاعه تاني وسط نظراتها اللي مليانة حقد.
***
اتجهزت واتحركت للحفلة.
كان عيسى دبر كل حاجة، فجابيلها فستان سواريه باللون النبيتي طويل ولكنه متجسم على مقاسها.
ولإنها طلبت إنه يكون محتشم فكان بكم ولكن مفتوح جزء من الأكمام، كان سادة وخالي من أي تفاصيل فيه، فكان مديها مظهر يشبه الأميرات.
زينت الفستان بطقم سلسلة وحلق من الألماس الحر، واللي كانت رافضة تمامًا إنها تاخده ولكن في النهاية تحت تهديده لبسته مضطرة.
ده غير خبيرة الميكب اللي جابها عشان تعملها ميكب رقيق.
كان مدبر لكل حاجة وهي مدركة إنه كان عايز كل حاجة تبان طبيعية.
ولكنها كانت محتارة هتقدر تعرف قُصي اللي هيحصل إزاي.
كانت متأكدة إنها مش هتعرف بسبب عيسى ورجالته.
ده غير كره قُصي ليها بعد اللي هي عملته في حقه، بالذات بعد ما يشوفها مع عيسى النهاردة بكل أناقتها دي.
اتحركوا أخيرًا للمكان، وهي بتتجنب تمامًا تبص لعيسى اللي كان مبتسم بانتشاء.
لحد ما وصلوا.
كانت قاعة ضخمة مزينة وخارج منها أنوار كتيرة، ده غير السجادة الحمرا اللي من أول باب العربية لحد جوا.
فتح ليها واحد من اللي واقفين الباب، وأول ما نزلت غمضت عيونها بضيق من الأنوار اللي ضربت في وشها بسبب كاميرات المصورين اللي انهالوا عليها بالأسئلة: "إيه طبيعة علاقتك بـ قُصي الراوي خصوصًا بعد ظهورك مع عيسى مش معاه؟"
اتجمعت للسؤال اللي فاجئها من أحد الصحفيين، حست إن الموضوع انكشف، وقدرت تكسر كبرياء قُصي أكتر.
بصت لعيسى برجاء فشاور لرجالته بعينه وقدروا بالفعل يبعدوا الصحفيين عنها.
دخلوا لجوا وهو جابرها تحط إيدها في إيده.
وأول ما وصلت لقت انظار الكل اتجهتلها فده سبببلها توتر وخوف أكتر خصوصًا إنها عارفة إن معظم الموجودين رجال مافيا متداريين ورا أعمال شركاتهم الوهمية.
دارت بعينها في المكان لحد ما استقرت عليه، كان واقف وجمبه معاذ، وعلى ترابيزة مقابلة كان جلال وياسين.
ولكن اللي سبببلها تجمد جسمها لما شافته واقف مع فرح ومندمجين في الكلام وبيضحكوا.
حست إنها على وشك الانهيار، خصوصًا لما شافت نظراته ثبتت عليها لما لمحها، واتجمدت إيده اللي كانت شايلة الكاس وهو بيقربه عشان يشرب منه.
حست بدراع عيسى بيلف على وسطها وبيقربها منه عشان يعرفها عن الموجودين، فبصتله وبصت لإيده وبعدين اتلفتت ناحية قُصي، ولوهلة سرت رجفة جوا جسمها لما شافت نظراته اللي اتحولت لغضب رهيب، وقبضة إيده اللي زادت من ضغطها على الكاس اللي بين إيديه.
خدت بالها فرح من النظرات المتبادلة، ورغم علمها باللي بيدور حواليها ولكنها فضلت تعيش انتصار ولو لمرة واحدة على عائشة، فمالت ناحية قُصي وهمستله بحاجة، وبعدين لقته واخدها وبيرقصوا مع الموجودين.
حست بنيران بتقيد جواها.
وعرفت إنها في الوقت ده خسرت قُصي وغريمتها انتصرت عليها.
كانت بتقاوم على قد ما تقدر الغصة اللي في قلبها، وهي شايفها حبيبها محاوط واحدة تانية غيرها.
ولكنها حست بضغط عيسى على وسطها اتلفتت ليه فشافت نظرات التهديد اللي كانت على وشه.
ابتسمت بتوتر وهي بتسلم على الموجودين وبتتنقل بينهم، لحد ما شاف قُصي انتهى من رقصته مع فرح، وزاد خوفها أكتر لما لقت عيسى واخدها ومتجه ناحية المكان اللي فيه قُصي وعرفت إنه ناوي يستفزه لأقصى درجة ولكن اللي مش ضامناه هو رد فعل قُصي.
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة ممدوح
"أنت واخدنا على فين؟"
قالتها بارتباك وهي بتحاول متبينش توترها، بتنقل نظراتها بينه وبين قصي اللي اتعدل ورفع حاجبه بتهديد وهو شايفهم بيقربوا منه، فابتسم عيسى وقال:
"هنسلم على جوزك السابق."
حس بيها بتحاول تتراجع وبتبطيء في سيرها، فشدها أكتر بعند، أما هي قالت:
"إحنا متفقناش على كده!"
بصلها برفعة حاجب وقال:
"وإحنا اتفقنا على حاجة؟ اللي أقوله يتنفذ وبس من غير أي اعتراض."
حست بقلبها بيتنفض بهلع، هي مش قد مواجهة قصي دلوقتي بعد آخر لقاء بينهم واللي كان كارثي ونهى علاقتهم، أما عيسى فكان مستمتع جدًا بارتجاف جسمها بين إيديه، حاسس بانتشاء وهو شايف خوفها، كإن السنين بتتعاد قدامه وشايف والدها بدالها، انتقامه اللي المفروض خلصه بقتل اهلها منتهاش بالنسباله، الشر والكره ناحيتهم مازال موجود وحتى بعد موتهم.
وقفوا الأول عن الترابيزة اللي واقف عليها جلال وياسين، ابتسملهم وصافحهم وهو بيقول:
"الراوي والوكيل مرة واحدة! ده الحفلة نورت والله."
ابتسمله جلال بمجاملة وهو بينقل نظره بينه وبين عائشة اللي كانت بتبصله ببغض، هي مش ناسيه لحد دلوقتي الفخ اللي وقعها فيه لما خدها وخلاها تشوف قصي وهو بيقتل، استغل حبها ليه واستغل سذاجتها بس لأغراض مريضة في دماغه.
أما جلال فابتسم بتسلية وهو شايف نظراتها ليه الواضحة جدًا، ومد إيده وقال باستفزاز:
"أهلًا يا مدام عائشة."
بصت لإيده وبعدين نقلت نظرها ليه، وفي الآخر زفرت بضيق وسلمت عليه ببرود وبعدين جذبت إيديها وبصت الناحية التانية وحتى محاولتش تجامله بابتسامة وفضلت عدم الرد.
أما جلال فكان مستمتع بالوضع جدًا، فاتكلم عيسى:
"أتمنى تكون الحفلة عجبتكم."
فرد ياسين وهو حاطت إيديه في جيوب چاكيت بدلته:
"لازم تعجبنا. كفاية ظهورك بعد السنين دي كلها يا عيسى."
حس إنهم بيلمحوا لاختفاؤه اللي طال من وهما كانوا صغيرين لسة في المجال، فابتسم وقال:
"كان لازم أأسس لنفسي امبراطورية متتهدش، بدأت في إيطاليا، وأدينا بنحضر افتتاح الفرع الجديد في مصر."
ابتسم جلال وهو فاهم إيه اللي ورا مضمون كلامه دا وقال:
"وعلى كده فين شريكك؟"
رد بمراوغة:
"هناك في إيطاليا، كان لازم حد فينا ياخد باله من الشغل اللي هناك."
هز ياسين وجلال راسهم بمهاودة ليه وهما بينقلوا نظراتهم لبعض، كانوا عارفين إن الشخص اللي كان معاه عايز يفضل متخفي ومجهول بالنسبالهم عشان يعرف يلعب براحته بعيد عن الأنظار، فسأل جلال:
"على كده برضه إحنا نعرفه؟"
ابتسم عيسى وقال بغموض:
"هتعرفوه قريب، مفيش حاجة بتتدارى."
أيده ياسين وهو بيقول بنفس نبرته اللي تحت طياتها مغزى تاني:
"على رأيك، مفيش حاجة بتتدارى فعلًا."
أما عائشة فمكانتش مركزة على أي حاجة غيره، كانت بتتأمله بشوق، وفنفس الوقت اتبدلت نظراتها لغيرة شديدة، شايفاه بيقرب لغيرها، ومش أي واحدة دي غريمتها اللي بتتحداها عليه واللي متأكدة إنها بتحبه، الوضع بالنسبالهم كان صعب، قريب منها وبعيد.
مش عارفة تروح تترمي في حضنه وتقوله على اللي بتعانيه، مش عارفة تروح تعتذرله وتقوله إن كل اللي بيحصل ده غصب عنها.
إنها بتحبه.
لا بل بتعشقه.
وإنها زيها زيه ممكن تضحي بنفسها علشانه، ولكن حياته قصاد علاقتهم.
فحياته بالنسبالها اهم، ومش مشكلة عندها إنها تعيش بتتألم ولكن كفاية بالنسبالها إنها شايفاه كويس قدامها.
كان حاسس بنظراتها، بيتألم هو كمان، بيحاول يداري الغصة اللي جواه عشان متتئذيش، عيسى لو شك للحظة إنه فاهم اللي بيدور بينه وبين عائشة مش هيتردد في إنهاء حياتها.
مهما حاولت تمثل قدامه نظراتها فاضحاها، عينيها اللي بتلمع في وجوده هو بس كاشفاها.
كان شايفها مهلكة قدامه.
بالفستان اللي خلاها زي الأميرات.
لأول مرة يشوفها بالطلة الملكية دي.
حس بالغيرة الشديدة لما شافها ملفتة للدرجة دي.
وإن فيه كتير غيره واخدين بالهم منها.
واللي حسسه بالغضب إيد عيسى اللي ملفوفة حوالين خصرها بتملك.
اتحرك عيسى بيها بعد ما نهى كلامه مع ياسين وجلال، واتجه ناحية قصي ومعاذ وفرح اللي لازقة فيهم ومستغلة الوضع.
كانت بتقدم رجل وتأخر التانية.
وهمست بتوتر:
"طب... طب روح أنت وأنا هفضل هنا."
شدد على خصرها وقال:
"ودي تيجي برضه! لازم نرحب بطليقك."
حست بألم رهيب من قسوة الكلمة، هي لحد دلوقتي معتبرة قصي جوزها، اللي حصل بينهم مش قادرة تتقبله.
وصلوا لعندهم فوقفت وهي بتتحاشى النظر لعينيه، قربه المهلك منها وريحته اللي حافظاها اتسللت جواها خلتها مبقتش متوازنه.
ابتسم عيسى ومد إيده وسلم على قصي وهو بيقول:
"قصي الراوي."
بادله قصي ابتسامة باردة وقال من بين اسنانه:
"عيسى زهران."
زادت ضحكة عيسى لما شاف لمعة البغض اللي في عيون قصي فقال بلؤم:
"بدايتنا مع بعض مكانتش لطيفة، بس ممكن نبدأ من تاني دلوقتي."
علق وهو بيهاوده:
"أوي أوي."
كانت عائشة واقفة مرتبكة وهي شايفاه بيحاول يتحاشى النظر ليها، ولكنها ارتجفت لما عيسى قال:
"طبعًا مش محتاج اعرفك على عائشة، بما إنها كانت مراتك."
ثبتت نظراتها عليه وهي بتحاول تستشف رد فعله، فلقت ابتسامته فضلت ثابتة، وقال ببرود:
"أديك قولت، كانت."
"وأنا الحقيقة مبعترفش بحاجة بقت ماضي بالنسبالي."
غمضت عينها وهي بتبلع ريقها بتستقبل كلماته القاسية واللي كان تأثيرها وحش عليها جدًا، متخيلتش إنه هيأذيها بالشكل ده.
حس عيسى إن بالفعل قصي كره عائشة، فعرف إن الخطة بتاعته ماشية زي ما هو عايز وقال:
"طب كويس، حيث كده أقدر أقدمها على إنها عائشة زهران."
حرك قصي راسه ومط شفتيه وهو بيقول ببرود:
"زي ما تحب، ميخصنيش."
حست بدوار رهيب بيلفح راسها، لدرجة إنها مالت للحظة ولكن مسكها عيسى على آخر لحظة.
أما قصي فحس بالهلع عليها وحاول يقاوم على قد ما يقدر إنه يفضل ثابت زي ما هو، فمال ناحيتها عيسى وهو بيقول:
"مالك يا عائشة؟ أنتِ كويسة؟"
هزت راسها وهي بتحاول تفتح عينها وتقاوم دموعها اللي بتهدد بالهطول، وقالت:
"أنا تمام، محتاجة أروح الحمام بس."
فرد عيسى بسرعة:
"أوي اوي، تحبي اسندك لهناك؟"
رفع قصي حاجبه في اللحظة دي وهو بيجز على أسنانه بغيظ، أما هي فقالت بسرعة:
"لا لا، أنا كويسة متقلقش."
"ماشي يا حبيبتي، زي ما تحبي."
كور قصي قبضته وتبادل هو ومعاذ النظرات وهو بيقاوم إنه يفتك بـ عيسى، فحاول معاذ يهديه بعيونه وهو بيفكره بخطتهم، أما فرح اتدخلت ومسكت في دراع قصي وهي بتقول بلؤم:
"سلامتك يا عائشة، أعصابك شكلها تعبانة خالص."
بصتلها عائشة بغيظ وهي بتقاوم تجيبها من شعرها، فرد عيسى بسرعة:
"هي بس مش متعودة على جو الحفلات ده، مش كده يا شوشو؟"
بصلها بتهديد فردت بسرعة بابتسامة جاهدت في رسمها:
"آه، آه بالظبط، عن اذنكم."
شاورلها عيسى، فاتحركت عائشة عشان تروح الحمام، ولكنها بصت لمعاذ بقوة اللي اخد باله وبصلها باستغراب، فلما لقته شافها هزت راسها ليه إنه ييجي وراها من غير ما حد ياخد باله، واتحركت بالفعل للحمام، أما معاذ فعرف وقتها إن فيه حاجة عائشة عايزاها منه، فقرر يستنى شوية وبعدين يروح وراها عشان ميلفتش النظر.
أما قصي فحط إيده في جيوبه ووجه انظاره على عيسى وهو بيقول:
"سمعت إن نصار ضيف الله هربوه من المستشفى."
فهم عيسى اللي قصي بيرمي ليه، فابتسم وهو بيقول:
"عرفت، الظاهر إن اللي وراه قادرين لدرجة إنهم قدروا يهربوه من المستشفى."
هز راسه بلا مبالاة وهو قاصد يستفزه وقال:
"دي حلاوة روح بس، مسيرهم يقعوا."
فضل عيسى باصصله بنظرات كانت جواها كلام كتير كان بينهم تهديد خفي بيتبادلوه، وبعدين قال بخبث:
"بما إن الأخبار بتوصلك أول بأول، عرفت مين اللي اتسبب في اصابته؟"
ابتسم قصي وهو عارف إنه بيلعب معاه وقال:
"علمي علمك، بس عمومًا كل حاجة مسيرها تنكشف."
فعلق بعبث:
"بالظبط، على قولك."
هنا اتصنع معاذ إنه بيبص على التليفون وقال:
"طيب عن اذنكم أنا عندي مكالمة مهمة لازم أرد عليها."
بصله قصي باستفهام فغمزله بهدوء، اما عيسى حس بالفضول وقال:
"خير ان شاء الله؟"
رد معاذ من بين اسنانه:
"هنشوف خير ولا لا."
قالها فهز عيسى راسه بتفهم، وفضل مراقب الاتجاه اللي ماشي منه معاذ، اللي بالفعل كان ذكي وقدر يخرج من المكان، لحد ما عيسى ركز مع قصي تاني، وبعدين اتجه ناحية المكان اللي عائشة مشيت منه، فلقاها واقفة مستنياه وهي بتتحرك بتوتر، قرب منها بقلق وقال وهو بيتلفت حواليه:
"خير يا مدام عائشة؟"
قربت منه بسرعة وهي بتقول:
"عيسى يا معاذ، فيه حاجة ناوي عليها من ورا الحفلة دي."
ضيق عينه وقال باستفهام:
"يعني إيه؟"
بصت للمكان من حواليها واتأكدت من خلوه وهي بتقول:
"سمعته بيقول إنهم يأمنوا الميناء في وقت الحفلة عشان شحنة هتوصل."
حس معاذ إنهم قدروا يوصلوا للطرف اللي بيدوروا عليه، فقال:
"متعرفيش أنهي ميناء بالظبط؟"
هزت راسها وهي بتحاول تفتكر وقال:
"مش عارفة، محددش، بس سمعته بيذكر اسم واحد، كان اسمه..."
راقبها بترقب وهي بتحاول تعصر دماغها، لحد ما افتكرت وقالت:
"مهران."
"كان اسمه مهران."
اتوسعت عين معاذ بسعادة، لما عرف موقف الميناء من الاسم، فقال بفرحة:
"أنتِ عظيمة، مش عارف اشكرك ازاي يا مرات أخويا، من غيرك مكناش عرفنا نوصل لحاجة."
قالها وهو بيتجه للخارج بسرعة، ولكنه وقف على صوتها وهي بتقول:
"معاذ.."
اتلفت بتعجب، فقال بعيون اتملت بالدموع:
"متعرفش قصي إني قولتلك حاجة، مش عايزاه يحس إني مجبرة على الوضع ده، حياته قصاد وجودي هنا."
نزلت دموعها قدامه وهي بتبصله بضعف ورجاء، فحس معاذ بالألم على الوضع اللي هي محطوطة فيه، كان احساسه صح من ناحيتها، استحالة عائشة تبيع قصي، فابتسم بيطمنها وهو بيقول:
"متقلقيش."
ردتله الابتسامة بامتنان، واتجه لبرا بسرعة وهو بيكلم رجالته وبيبلغهم بالمطلوب.
شافه قصي وهو جاي من بعيد وبيشاورله، فحس بإن بالفعل فيه حاجة واتجه لبرا، جري معاذ ناحيته وهو بيقول:
"الشحنة هتوصل النهاردة في ميناء مهران."
اتحرك قصي بفرحة كبيرة، وقال وهو بيقرب على معاذ وحاوط كتفه وهو بيهزه:
"عفارم عليك!"
ابتسم معاذ وقال:
_ متشكرنيش، أنا.
بصله بتعجب فكمل معاذ:
_ اشكر مراتك.
اتجمد قصي وهو بيبصله ومش مصدق، فابتسم وهو بيقاوم على قد ما يقدر إنه يروح ويخطفها من وسطهم ويضمها ليه لدرجة إنه يخبيها جواه بين ضلوعه. قد إيه بعدها عنه مهلك بالنسبة ليه وقد إيه اشتاق لريحتها وهي بين إيديه!
مش قادر يتقبل إنها بعيد عنه بالشكل ده.
حاول يقاوم كل المشاعر دي، ولكنه مقدرش يداري احساس الفخر اللي متملكه ناحيتها. عائشة اثبتت قوتها فعلًا. أثبتت إنها مرات قصي.
الراوي:
_ طالما وصلنا للطرف الأساسي، نفذ الخطة.
رد معاذ:
_ تم يا ريس.
خبط قصي على كتفه كذا مرة بتشجيع وقال:
_ يلا نرجع لجوا عشان ميحسوش بحاجة.
في مكان تاني.
كانت فيلا في منطقة معزولة، ولكنها كانت محاطة بكمية رجال مسلحين ومتأهبين لأي شيء.
جوا الفيلا كان نصار موجود في أحد الغرف نايم على السرير ومتوصل بيه أجهزة لمراقبة حالته.
كان نصار قدر يرجع لوعيه ولكنه كان تحت المراقبة وجهاز التنفس محطوط على وشه لحد ما تتحسن حالته.
وكانت معاه ممرضة حاطتها عيسى ليه عشان تقوم بكل المطلوب.
على تلة من بعيد واقفة عربية تخص رجالة قصي اللي كانوا بيراقبوا الوضع حواليهم وبيدرسوا المكان، لحد ما جالهم الإذن. فشاور واحد من اللي موجود في العربية للتاني بعد ما جاله اتصال من معاذ يبلغه فيها بالتنفيذ.
وبالفعل نزل واحد من اللي موجودين وخرج قناصة من شنطة العربية، جهزها ونام على بطنه وهو بيبص عليهم من منظار الرؤية الليلية اللي متوصل في القناصة.
في حين شاور القائد للتاني اللي نزل بسرعة وهو بيتسحب وفي إيده حقيبة فيها حاجة مش معروفة هويتها.
فضل القناص يراقبه وهو بيتحرك لحد جانب البيت من غير ما حد من الرجالة يحسوا بحاجة. نزل على ركبته وخرج الشيء اللي موجود في الشنطة واللي كانت..
قنبلة!
وابتدى يركبها في الحيطة اللي في السور بتاع الڤيلا.
لاحظ القناص إن فيه واحد بيقرب من اللي بيركب القنبلة. فبلا تردد صوب طلقة خلته وقع مكانه. شاورله اللي بيركب القنبلة بإن الوضع تمام، وابتدى يتسلل للطرف التاني وهو بيركب القنبلة التانية في مكان تاني من السور. وبعد ما اتحرك ابتدى يتسلل ويجري على مكانهم تاني. ولكن لسوء حظه قابله واحد كمان من الرجالة الخاصة بعيسى واللي شاف إن صاحبه مرمي في الأرض وقبل ما يرفع سلاحه على التاني اتصوبت طلقة كمان من القناص خلصت عليه.
واتحرك رجل قصي وجري لحد ما وصل على فوق.
حس رجالة عيسى إن فيه حاجة مش مظبوطة. فاتجهوا لنفس المكان ولما لقوا زمايلهم مرميين ابتدوا يصرخوا ويتأهبوا ويضربوا نار بعشوائية كتهديد وهما بينتشروا عشان يدوروا على الفاعل.
في الوقت ده كان القناص لسة متابعهم. اللي انتظر لبعض الوقت وبعدين ضم عينه وهو بيقول:
_ نفذ.
وفي ثانية ضغط واحد من الرجالة على زرار في إيديه وانفجر المكان بقوة محدثًا ضجة قوية لدرجة إن شظايا الڤيلا ابتدت تتناثر حواليهم. ووقفوا يراقبوا النار اللي مسكت في المكان كله وهما حاسين بفخر من الانجاز اللي عملوه.
ميناء مهران...
كانوا بيشتغلوا في هدوء تام. الجو ضلمة ومش مشغلين أي مصابيح عشان ميلفتوش النظر ليهم. خصوصًا إن الشحنة دي كميتها كبيرة جدًا. يمكن دي أكبر شحنة في تاريخهم كله. أما الشخص اللي كان مع عيسى فكان واقف من على بعد بيراقب المكان هو ورجالته. كان متأكد إن محدش هيعرف بالوضع ده. خصوصًا إن ميناء مهران متوقف بقاله فترة كبيرة ولكنهم شغلوه لصالحهم لإنه مش هيكون معروف.
فعشان كده كانوا هاديين جدًا واتجنبوا الانوار واشتغلوا في الضلمة تحت ضوء القمر بس.
اتأهب طارق وهو بيتعدل وماسك منظار في إيده وبيبص من خلاله على المكان لما شاف عربيات الشحنات وصلت.
شافهم وهما بيفتحوا العربيات وبينزلوا الصناديق. فتحها أحد الرجال فلقاها أسلحة. واتجه للتانية فلقاها مليانة هروين. وبالفعل كانوا حوالي ٥ شاحنات كلهم مليانين بكميات مهولة من الأسلحة والهروين.
حس بانتصار وهو شايفهم بيشيلوا الصناديق وبيحطوها في الحاويات اللي في السفينة اللي هتتحرك بيهم.
ولكنه اتجمد تمامًا وهو شايف عربيات الشرطة ملت المكان. فصرخ برعب:
_ إيه ده؟
إيه ده!!!
ارتفع صوت صافرات عربيات الشرطة لدرجة ملفتة ونزلوا كمية ضباط وهما مشهرين أسلحتهم في العمال اللي اتجمدوا تمامًا ومبقوش عارفين يتصرفوا.
شاور أحد رجال الشرطة للباقي وهو بيقول:
_ امسحوا المكان بسرعة.
وبالفعل ابتدى ينتشر رجالة الشرطة في الميناء. فقرب واحد من العمال وهو بيقول:
_ في إيه يا باشا؟
ابتسم ليه وقال:
_ جايين نشوف إيه اللي ورا الشغل في السكرتة ده.
ارتبك الرجل وحس بارتجاف جسمه وهو بيقول بنبرة متقطعة:
_ هيكون إيه يا باشا؟ شحنات عادية.
ضم الضابط شفايفه وهو بيقول:
_ يا سلام!
شحنة عادية في الضلمة والهدوء ده.
والأدهي في الميناء اللي موقوف بقاله سنين.
على العموم هشوف بنفسي الشحنات العادية دي.
قالها وهو بيتحرك ناحية أحد الشاحنات اللي واقفة. اتجمد العامل مكانه ومبقاش عارف يتصرف. فشاور الضابط ناحية أحد الرجال وهو بيقول:
_ افتحلي الصندوق ده.
بالفعل فتح الصندوق فلقى فيه كمية كبيرة من الهيروين. مسك كيس وقربه منه شمه وبعدين اتجه صندوق في شاحنة تانية وفتحها لقاها اسلحة متنوعة فابتسم وقال:
_ هيروين واسلحة مرة واحدة!
ده انتوا لقطة!
اتلفت وشاور لرجالته وهو بيقول:
_ شمعلي يا ابني المكان ده وكلبشلي كل اللي موجودين.
وبالفعل ابتدى رجال الشرطة ياخدوا كل العمال على البوكس.
أما طارق فضغط على المنظار اللي في إيده بعنف. وبعدين حدفه بقوة بعيد وهو بيصرخ ويزمجر بقهر على الكميات المهولة اللي كلفته ملايين الدولارات. وفي الآخر كل حاجة باظت.
اتحرك ناحية عربيته ففتحله رجله الباب على طول. ركب وهو باين على وشه الغضب والعصبية.
والانتقام...
كان قصي لسة في الحفلة. وقف حاطت إيده في جيوبه وهو بيراقب كل الموجودين بتسلية. وصله أول خبر وهو تفجير الڤيلا اللي فيها نصار.
اتبادل هو معاذ نظرات الانتصار. في حين كانت فرح بتنقل الأخبار لجلال وياسين اللي كانوا حاسين بفخر.
فنصار واللي معاه كانوا بيمثلوا تهديد ليهم برضه في المجال.
دقايق ووصل لمعاذ الخبر الأهم. وهو القبض على شحنة فيها أطنان من الهيروين والأسلحة. وبدون تردد راح بلغ قصي اللي لمعت عيونه بفرحة وهو بيحاول يتمالك نفسه لحد ما يشوف رد فعل عيسى اللي كان فاكر إنه اتذاكى عليه.
كان بالفعل عنده حق. الشحنة اللي كان بيدبرلها عيسى كانت كمية مهولة. عشان كده كان لازم يشتت انتباه كل اللي شغالين في المجال بما فيهم هما.
فضل واقف مكانه وهو حاطت إيده في جيبه. وبعدين سابهم واتجه لبرا القاعة وهو بيكلم رجالته يستفسر منهم على اللي حصل والتفاصيل.
أما عن عيسى. فكان حاسس إن فيه شيء مش طبيعي من ورا نظرات قصي. كان شايف الانتصار والشماتة في عينيه من بعيد ولكنه مكانش فاهم. لحد ما جه أحد رجالته ومال ناحيته وسط نظرات عائشة اللي مكانتش فاهمة فيه إيه ولكن قدرت تلاحظ التردد اللي في الأجواء.
في دقايق حست بجمود عيسى ونظراته اللي قادت شرر والغضب اللي اتملك منه. وبدون تردد مد إيده وخد سلاحه من جيبه ورفع صمام الأمان. شهقت عائشة برعب وهي شايفاه متجه ناحية المكان اللي راحه قصي.
في حين في ثانية اتقلب المكان برجال عيسى اللي اتجهوا كلهم وحاصروا معاذ وجلال وياسين وفرح. ولكن في الوقت ده هاجموا رجالة قصي المكان اللي كان بعتلهم اشارة يراقبوا عشان متأكد إنه هيحصل حاجة. واتقلبت القاعة لتوتر وجلبة وكلهم رافعين الأسلحة على بعض.
قفل قصي الموبايل واتلفت ولكنه اتجمد لما لقى عيسى وراه مبتسم بكره وعينيه قايدة بنيران غضب وقال من بين سنانه:
_ حسابك تقل معايا أوي.
وشكلك مستعجل على نهايتك يا ابن الراوي.
ابتسمله قصي ومحسش بأي رهبة نهائي. بل بالعكس كان بيبصله بقوة وهو بيقول:
_ بالعكس يا عيسى.
نهايتك هي اللي بدأت.
بأمارة ملايين الدولارات اللي بقت بين إيدين الحكومة.
ضغط بقوة على السلاح اللي بين إيديه في حين زمجر بغضب:
_ هقتلك يا قصي!
وقبل ما يضغط على الزناد ارتفع صوت اطلاق ناري من وراهم. وفلحظة وقع عيسى على الأرض. ولكن قصي اتجمد مكانه لما شافها واقفة وراه ماسكة السلاح بين إيديها وبترتجف برعب. فصرخ بهلع:
_ عائشة!....
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة ممدوح
اتجمَد لما شافها واقفة ورا عيسى، ماسكة السلاح بين إيديها الاتنين اللي كانت بترتعش بقوة. في حين إن جسمها كان بيرتجف بعنف وبشكل ملحوظ. دموعها نازلة من غير توقف، وعينيها ثابتة على عيسى اللي مرمي على الأرض سايح في دمه قدامها. مكانتش متخيلة إنها اتجرأت وقتلت شخص.
"عائشة!"
صرخ فيها قصي برعب، وجري ناحيتها واحتوى كتفها.
"عائشة، اهدي."
ولكن عينيها كانت ثابتة على عيسى. رفعت عيونها ليه في الآخر، كانت عيونها بتتهز بهلع، وقالت بشفايف مرتجفة:
"كان... كان عايز ياخدك مني زي ما خد بابا وماما. كان عايز يحرمني منك أنت كمان."
قالتها وهي بتسمح لنفسها تبكي بانهيار. فضغط قصي على كتفها وهزها برفق، بعد ما أخد منها المسدس ورماه على الأرض. وقال وهو بيبص في عينيها مباشرة:
"متخافيش، كله هيعدي. متخافيش يا حبيبتي."
"أنا بقيت قاتلة."
رددت الكلمة بشرود وهي باصة قدامها في الفراغ. مقدرش يتحمل شكل انهيارها بالذات بعد ما انغمست في المجال اللي مسها. فجذبها ليه وضمها بقوة وبحماية وهو بيدفن راسها في صدره، وكأنها كانت مستنية الإحساس ده من زمان. فلفت ايديها حوالين خصره وبكت بقوة. أما هو فضل ضاممها ليه بحماية. كان حزين من جواه. عائشة كانت أنقى من إنها تدخل المجال ده. قدر يلوثها ويفقدها برائتها. كان بيملس على شعرها وهو شارد، مش عارف يتصرف وهيطلعها من الورطة دي إزاي. بعدها عنه رغم تشبثها فيه بإنه ميسبهاش، ولكنه طمنها بنظراته. واتجه ناحية عيسى المرمي على الأرض وهي واقفة مكانها بترتجف. مال ناحية وحط صوابعه على رقبته عشان يشوف نبضه. اتنفس براحة لما عرف إنه مماتش، ولكن نبضه ضعيف إلى حد ما. على قد ما كان نفسه يموت، ولكن مكانش عايز موته يبقى على إيد عائشة واللي كانت هتبقى تروما عايشة بيها على طول.
بعد ما سيطر رجالة قصي على المكان برا، اتجه معاذ ناحيتهم لما سمع صوت إطلاق النار. ولكنه اتجمد لما شاف عيسى مرمي وشاف حالة عائشة. افتكر إن قصي هو اللي ضربه قدامها عشان كده هي في حالة صدمة. ولكن قصي وجه ليه نظرة بمعنى إنه مش هو.
طلع قصي منديل من جيبه ومال للمسدس، مسح بصمات عائشة اللي عليه. وبعدين وجه كلامه لمعاذ وهو بيقول:
"أنت عارف هتعمل إيه؟"
وبالفعل هز معاذ راسه ومال أخد المسدس وهو ماسكه بقماشة بحيث إن بصماته متتحطش عليها. وخدهم وجري لبرا.
في حين قرب قصي من عائشة مرة تانية وضمها ليه، ولكنها كانت متجمدة ومخدتش أي رد فعل.
رجع معاذ بعد مدة قليلة رغم حالة الهرج اللي في القاعة من برا. وبعدين طلع سلاح تاني من جيبه. فأخده قصي ومسكه بين إيديه وهو بيتأكد من اللي عايزه، وبعدين حطه على الأرض تاني.
في ثواني اتملى المكان بصوت صافرات عربيات الشرطة.
اتجمدت عائشة تمامًا وبصت لقصي اللي كان حاسس إنه مش عارف يتصرف. ومعرفش إيه سر وصول الشرطة بالسرعة دي. فشاور لرجالته إنهم ينزلوا أسلحتهم بسرعة وبالفعل اتراجعوا لورا. دخل رجالة الشرطة القاعة، ولما لقى المكان مليان بالأسلحة بالشكل ده اتكلم ضابط وقال:
"لموا كل الرجالة والأسلحة دي."
وبالفعل ابتدوا إنهم يكلبشوا الرجالة وياخدوهم. لحد ما واحد من العساكر وصل عند المكان اللي وقف فيه قصي. وبعدين صرخ وقال:
"فيه مصاب هنا يا فندم."
اتحرك الضابط بسرعة ناحيتهم. وبالفعل لقى عيسى مرمي على الأرض. وقف وهو باصص لقصي اللي ضامم عائشة ليه بحماية، ومعاذ اللي جنبه وقال:
"اطلب عربية إسعاف بسرعة، وخد السلاح اللي مرمي ده."
وجه نظره المرادي لـ قصي وقال:
"أما أنت، فاتفضل معايا."
متكلمش قصي خالص. فاتجه رجال الشرطة ناحيته وبعدوه عن عائشة اللي صرخت برعب:
"قصي!"
"لا!!"
احتوى وشها بين إيديه وقال وهو بيطمنها:
"متقلقيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى تمام. خليكي قوية."
هزت راسها بالرفض ودموعها نازلة على خدها. ولكنه ابتسملها والرجالة بيكلبشوه وبياخدوه معاهم هو ومعاذ. فصرخت عائشة وهي شايفاه ماشي:
"متسبنيش يا قصي!"
انهارت على الأرض وهي شايفاه بيبعد عنها معاهم. ما صدقت إنها قدرت تنقذه. كان عندها أمل إنهم يبقوا مع بعض، ولكن متخيلتش إن كل ده هيحصل.
رفع قصي راسه بهيبة وهو ماشي معاهم. مكانش خايف، بالعكس هو متعود على كل اللي بيحصل ده. كان كل قلقه وخوفه على عائشة. مش عارف هتقدر تتصرف إزاي لو مخرجش منها. مين هيحميها.
أهله! أهله من ضمن الناس اللي بيكروها واستحالة يخلوا بالهم منها. كانت كل أزمته في عائشة اللي بقت مستهدفة دلوقتي منهم. خصوصًا إن الشخص اللي كان مع عيسى لسه طليق وميعرفوش عنه حاجة. فدي نقطة مش في صالحه تمامًا.
وقبل ما يركب عربية الشرطة، وجه نظره أخيرة للمكان اللي اتقلب بالكامل. ولكنه ملقاهاش بين الموجودين. فوجه نظره لمعاذ اللي حاول يطمنه بنظراته على قد ما يقدر. ولكن مسكه واحد من رجاله الشرطة وحناه ودخله العربية. واتحركوا بيهم على القسم.
كانت عارفة إنه ضحى بنفسه علشانها. رغم إن هي اللي قتلته. ولكنه مكانش هيتردد إنه يحميها. قصي هو قصي حتى لو عملت فيه إيه. حتى لو بينلها إنه كرهها. حتى لو قال كلام قاسي في وشها. ولكنه برضه مش هيتردد في إنه يحميها.
وصلت عربية الإسعاف واتحركوا عشان يشيلوا جسم عيسى على الترولي وهما منيميينه على بطنه عشان الرصاصة كانت في ضهره. اتحاملت على نفسها ووقفت تشاهدهم وهي بتبصله بنظرات كره وبغض. كان السبب اللي خلاها يتيمة وحرمها من أبوها وأمها. وكمان هيبقى السبب في إنه يحرمها من الشخص الوحيد اللي باقيلها في الحياة.
مسحت دموعها وخرجت على برا قاصدة القسم اللي راحوه. فقابلت فرح في طريقها. اتجهت ناحيتها لما شافتها بتركب عربيتها عشان تروح وراهم. وبدون تردد دخلت جوا العربية هي كمان. بصتلها فرح برفعة حاجب ولكن عائشة مهتمتش تمامًا. كانت عايزة تشوفه بس وتتطمن عليه. كانت عايزة تتأكد إنه هيبقى بخير. فزفرت فرح بنفاذ صبر واتحركت بالعربية لوحدهم.
لإنهم خدوا كل الرجال اللي كانوا موجودين في المكان، بما فيهم جلال وياسين.
في قسم الشرطة
تحديدًا غرفة التحقيق
كان أحد الضباط واقف مع رئيسه قصاد غرفة التحقيق بيبصوا على واحد من المتهمين اللي كانوا موجودين وقت تسليم الشحنة، واللي كان من رجالة طارق وعيسى. اخدوا بالهم من إن المتهم قاعد بمنتهى البرود، رافع راسه بشموخ ولا كإنه ممكن يروح في داهية من التهمة اللي ماسكاه.
وجه الضابط، واللي اسمه عمر، كلامه لرئيسه وهو بيقول:
"تفتكر الشحنة ليها علاقة بعيسى زهران؟"
كان رئيسه، اللي كان كبير في السن، واقف حاطت إيديه الاتنين ورا ضهره في حين عينه ثابتة على المتهم اللي جوا:
"مش بعيد. توقيت الحفلة اللي عملها فيه شك. ولكن منقدرش نثبت حاجة من غير دليل. خصوصًا إن وصلنا إنه مصاب دلوقتي وحالته حرجة."
هز الضابط عمر راسه بتفهم وقال:
"فعلًا توقيت الحفلة كإنه تشويش على اللي بيحصل. خصوصًا إن عيسى بقاله سنين مش موجود. واليوم اللي ظهر فيه هو نفس اليوم اللي اتمسك فيها شحنة بالكمية دي كلها. واللي يشكك أكتر هو اللي حصل في الحفلة بعد كده. والأحداث اللي دارت هناك كان بعد ما انتشر إن الشحنة اتمسكت."
مط الرئيس شفايفه وقال ببرود وعملية:
"أدينا هنحقق مع المتهم. منقدرش نتهم حد بلا دليل."
هز عمر راسه بتفهم، وقال وهو بيحني راسه بأدب:
"استأذنك ادخل أحقق مع المتهم."
شاورله الرئيس بإيده، فأدى تحيته العسكرية واتجه لجوا. أما الرئيس ففضل مكانه بيتابع من ورا الازاز الشفاف اللي كاشف كل حاجة بتحصل جوا صوت وصورة.
فتح الضابط عمر الباب ودخل. ولكن المتهم فضل زي ما هو ما اتهزش. بل اتلفتله براسه ببرود وبعدين عدل من نفسه فكان قاعد بشموخ أكتر. أثار استفزاز عمر، اللي اتجه ناحيته وقعد على الكرسي قصاده وهو بيقول:
"راضي عبد الفتاح."
ابتسمله بخفة وتابعه بعيونه من فوق لتحت. فاتكأ عمر على الترابيزة بإيده وشبك إيده في بعضها وهو بيقول:
"طبعًا أنت عارف إن تهمة زي دي توديك ورا الشمس. خصوصًا بأطنان المخدرات والسلاح اللي ممسوك بيها وأنت بتحاول تهربها. بس ممكن الحكم يتخفف لو قولتلنا مين اللي وراك."
ريح ضهره وهو بيكمل:
"بس ممكن الحكم يتخفف لو قولتلنا مين اللي وراك."
اتسعت ابتسامته بسخرية. كان مدرك اللي بيحصل. وعارف كويس إنه لو فكر يعترف على عيسى وطارق مش هيخلوه عايش ولو لدقيقة زيادة. ده غير اهله وعياله اللي مش هيترددوا في انهم يقضوا على سلالته كلها. فبالنسباله إنه يعترف على نفسه في سبيل حمايته وحماية اهله احسنله بكتير من إن عقله يوزه إنه يعترف عليهم.
فقال ببرود بعد صمت طويل أثار حفيظة الضابط عمر:
"مفيش حد ورايا. أنا ممسوك متلبس بالشحنة. فيه إيه تاني أكتر من كده؟"
قالها وهو بيهز كتفه بلا مبالاة. حاول عمر إنه يفضل هادي على قد ما يقدر وقال:
"محاولتك لحمايتهم هتئذيك. اعترف واوعدك هقدر احميك منهم."
كانت ابتسامته الساخرة مقلتش وهو بيتأمل الضابط بلا رهبة. وكإنه متعود وفقد شعوره بالخوف. فقال:
"الحكومة نفسها مش هتعرف تحميني. فبكل بساطة. أنا معترف بإن الشحنة دي تخصني ومفيش حد ورايا."
خبط الضابط عمر بإيديه على الترابيزة بعنف وابتدت ملامحه تتوحش وهو بيقول:
"أنت عايز تقنعني إن واحد حثالة زيك قدر يوفر شحنة بالكميات المهولة دي؟!"
هز كتفه ورد ببرود:
"ياما تحت السواهي دواهي يا باشا. متستهونش بيا."
فضل عمر مايل ناحيته وهو بيبص لعينه مباشرة. ولكن راضي متهزش ولو للحظة. كان رجل مدرب بشكل رهيب. انفعالاته الداخلية مش ظاهرة عليه تمامًا. فانتفض عمر مرة واحدة لدرجة إن الكرسي الحديدي وقع على الأرض. واتجه لبرا ولكنه وقف كانه لما سمع راضي بيقول بسخرية:
"شرفتني يا باشا."
وقف ضامم قبضته بيحاول يتمالك أعصابه. وفتح الباب وقفل وراه بعنف. خرج فلقى الرئيس واقف زي ما هو ومفيش على وشه أي رد فعل. وقف الضابط عمر وأدى تحيته العسكرية. أما الرئيس اتكلم من غير ما يتلفتله:
"نفس كلام باقي العمال اللي كانوا موجودين."
زفر عمر بضيق وقال:
"الظاهر إن مشغلين لحسابهم رجالة مخلصين لدرجة إنهم ممكن يضحوا بحياتهم عشانهم."
فعلق الرئيس ببرود:
"ده مش اخلاص. ده خوف."
وقف الضابط عمر بيحاول يستشف حاجة من ملامح وش رئيسه. ولكن كالعادة كان غامض ومش مفهوم. فوقف يتأمل في المتهم اللي كان لسة على وضعه من ورا الازاز. وهو حاسس بيأس من إنه يقدر يوصل للي وراهم ولكن مش بإيده حاجة غير إنه يكمل التحقيقات.
***
وصلت عائشة وفرح لمكان قسم الشرطة. نزلت عائشة من العربية. وقبل ما تدخل اتفاجئت بفرح بتشدها من دراعها وهي بتقول:
"اعرفي إن كل اللي بيحصل ده بسببك أنتِ يا عائشة. بوجودك قدروا يوقعوا قصي!"
جذبت عائشة دراعها من إيد فرح وقالت بحدة:
"ياريت تخليكي في نفسك. وأظن ده مش وقت تطلعي فيه الغل اللي فيكي من ناحيتي. كفاية إني عديتلك استغلالك لعدم وجودي جنب قصي وما صدقتي ترمي نفسك عليه."
رفعت فرح حاجبها واتكلمت بتريقة:
"ليه؟ وأنا اللي جيت اترجاكي تهربيني من البيت وقولت مش عايزة أبقى مع قصي؟ عارفة الفرق بيني وبينك إيه يا عائشة؟"
بصتلها بتعجب فكملت:
"إن أنا كنت قابلة قصي بكل عيوبه. أما أنتِ أول ما اتكسرت الصورة المثالية اللي أنتِ راسماهاله في دماغك نفرتي منه."
على قد ما الكلام وجع عائشة وحسسها بالذنب إنها اتخلت عن قصي بالشكل ده، إلا إنها ربعت إيديها واتكلمت بتريقة:
"اعذريني يا فرح. أصل أنا برضه متربتش في بيت مليان إجرام وقتالين قتلة. فهتبقى غريبة بالنسبالك لو شوفتي حد متعجب من الوضع بتاعكوا."
فاتكلمت فرح بتريقة:
"وده قبل ما تكتشفي حقيقة أبوكِ. ولا بعد؟"
للحظة بهتت عائشة. ولكنها اتصنعت القوة وهي مش عايزة تديها أي فرصة عشان تنتصر عليها:
"في كل الحالات قصي بيحبني أنا. عايزني أنا. ومستعد يضحي بحياته عشاني أنا. شوفي كده قصي ممكن يعمل إيه علشانك وبعدين ابقي تعالي قارني نفسك بيا. أنا وقصي بنكمل بعض. وكل واحد فينا محتاج التاني. أما أنتِ ملكيش دور في حياتنا أصلًا."
خلصت كلامها اللي خلى وش فرح جاب ألوان ودخلت على جوا على طول وهي بتجري. رغم ارتعاش جسمها إلا إنها بتحاول تمثل القوة عشان محدش يقدر يستغل ضعفها. كان لازم تكون بالقوة اللي تخلي قصي يبقى مطمن عليها وهو بعيد عنها. رغم إنها لحد دلوقتي مش مستوعبة إنها اتسببت في قتل واحد. لكن بالنسبالها هو يستاهل. للحظة حست بارتياح إنها قدرت تنتقم منه على الأذى اللي اتسببه ليها. غير أبوها وأمها فهو اتسبب في إن قصي يطلقها. واتسبب في بعدها عن حضنه. ورغم كده قصي برضه متخلاش عنها.
وصلت لجوا وسألت عليه فعرفت إنهم خدوه عشان يحققوا معاه. كانت الوقت بيمر عليها ببطء. حتى ما اهتمتش بوجود إلهام ودليلة اللي جم بعد ما عرفوا الخبر. وطبعًا مسلمتش من نظراتهم الكارهة ليها إلا إنها مهتمتش. لحظات عدت وحست بحد بيطبطب على كتفها. اتلفتت فلقتها مريم بتدعمها. ابتسمتلها بارتعاش ورفعت إيديها وربتت على إيديها بامتنان. ورجعت تاني تبص على الممر.
أما جوا في غرفة التحقيقات
كان قاعد بيهز رجله وهو مستني الضابط اللي هيحقق معاه. كان كل قلقه على عائشة بس. من ساعة ما شاف انهيارها لما ضربت على عيسى وهو خايف عليها منهم.
اتفتح الباب فاتعدل واستكان أكتر في جلسته. دخل عليه الضابط عمر وقعد قصاده وهو بيقول بسخرية:
"بقالك كتير مشرفتناش."
فابتسم قصي وقال ببرود:
"اديني جيت أهو. حسيت إني وحشتك فقولت أعمل زيارة."
بصله عمر برفعة حاجب وقال:
"وجودك في أي مكان بيحصل فيه كارثة مش عاجبني يا قصي يا راوي. رغم إنك كل مرة بتقدر تطلع منها."
سند عمر ضهره على الكرسي وقال:
"يلا اتحفني وقولي هتطلع نفسك ازاي المرادي."
كان قصي عارف إن عمر شاكك فيه. ومع ذلك معرفش يمسك عليه أي حاجة. فاتعدل في قعدته وقال بتلاعب:
"مش لما أعرف سبب وجودي هنا الأول؟"
مال ناحيته عمر وهو بيبصله بتهديد وقال:
"مش عايز استعباط يا ابن الراوي. رجالتك المسلحين اللي كانوا ماليين القاعة دول إيه مبررك ليهم؟ ولا وجودك في نفس المكان اللي اتعرض فيه عيسى زهران للاغتيال. مش واخد بالك إنك متهم بقضية قتل؟"
متهزش قصي نهائي. بل فضل قاعد بيتابع كلامه بتسلية. كان واثق من نفسه وعارف هو هيعمل إيه كويس. اتعود إنه كل فترة بياخدوه يحققوا معاه ومع ذلك مقدروش يوقعوه. فقال ببرود:
"حفلة زي دي كانت مليانة رجال اعمال بما فيهم اعداء ليا في نفس المجال. كان طبيعي يبقى فيه حراسة عليا. ده غير إن كل الاسلحة اللي معاهم مترخصة وأنت بنفسك هتشوف ده. أما بالنسبة لوجودهم في القاعة فلما اتعرض عيسى زهران للاغتيال من شخص مش معروف هجموا رجالتي ورجالته على المكان عشان يأمنوا بعد ما سمعوا صوت ضرب النار."
ضحك الضابط عمر باستهزاء وقال:
"يعني عايز تقنعني إن مش أنت اللي قتلت عيسى؟ وبالنسبة لسلاح الجريمة اللي كان مرمي جنبك وأكيد عليه بصماتك؟"
فرد قصي بنفس البرود:
"عيسى اتعرض للاغتيال من ضهره وهو واقف بيتكلم معايا. أما بالنسبة للسلاح اللي بتتكلم عليه فهو فستك."
ضيق عينه وقال بعدم استيعاب:
"يعني إيه؟"
ريح قصي ضهره على الكرسي وقال بثقة:
"يعني سلاح مش شغال أصلًا. أنتيك يعني. وهتكتشف ده بنفسك لما يجيلك التقرير. السلاح يخص جدي. كان موجود معايا بالصدفة. وكنت بوريه لعيسى لإنه يعتبر سلاح عتيق. أنا وعيسى مفيش بينا أي عداوة. ولو فيه مكانش عزمني على حفلته ولا إيه؟"
قالها وهو بيرفع كتفه بمراوغة. الوضع ده كان مستفز عمر لأقصى درجة. كان متضايق من ذكاء قصي اللي بيطلعه من كل كارثة بيقع فيها. فسأل برفعة حاجب:
"على كده ليك علم بالشحنة اللي اتمسكت في ميناء مهران ولا لأ؟"
ابتسم ورد:
"عرفت من الأخبار وأنا جاي في الطريق."
ضيق عمر عينه وقال:
"يعني متعرفش مين اللي وراها؟"
رفع كتفه واتصنع البراءة وهو بيرد:
"علمي علمك. زي ما أنت عارف كنت موجود في الحفلة في الوقت ده."
فضل عمر باصلله بغيظ أما قصي كان بيستفزه اكتر بابتسامته الباردة. فضغط على زرار وهو لسة موجه نظره عليه. دخل عسكري في الوقت فوجهله كلامه من غير ما يحيد عن قصي:
"خده يبني على الحجز لحد ما يطلع تقرير البصمات والسلاح."
وبالفعل قام قصي بمنتهي البرود. وقال قبل ما يخرج:
"مبسوط إنك شوفتك يا عمر بيه. كان ليك واحشة والله."
واتجه مع العسكري لبرا. فخبط عمر على الترابيزة بغضب شديد وفضل قاعد مكانه على الترابيزة بيفكر.
كانت عائشة في مكانها مستنية وهي بتهز رجليها بتوتر وبتحاول تقاوم دموعها لحد ما شافته جاي من آخر الممر.
في حين اتنين عساكر ماشيين معاه. اتنفضت وقامت جريت عليه وهي بتقول:
قُصي..
قُصي!
في حين قامت الهام هي كمان وفرح متابعينه وهو جاي. أما دليلة ففضلت قاعدة مكانها. حاولت عائشة توصله ولكن العساكر منعوها وهما بيقولوا:
ممنوع.
ولكنها قالت بدموع مقدرتش تداريها:
5 دقايق بس، بالله عليكوا 5 دقايق اتطمن عليه.
اتعاطفوا معاها العساكر بالذات لشكلها اللي كان منهار. فركنوا على جنب شوية يدوهم مساحة. أما هي جريت عليه وضمته لحضنها وهي بتبكي بقوة. دفن راسه في رقبتها وهو بيستنشق ريحتها وبيحاول يرجع قوته بيها. أما هي قالت وهي في حضنه:
خليهم ياخدوني أنا يا قُصي.
أنا اللي قتلته.
خليهم يطلعوك وياخدوني أنا.
بعدها عنها واحتوى وشها بين إيديه وهو بيمسح دموعها بحنان وبيتأمل ملامحها المحببة ليه:
شششش.
متخافيش. مش هطول.
هتعدي متقلقيش. المهم أنت متتكلميش ولا تجيبي سيرة لحد.
بكت واتمسكت بإيديه اللي على وشها وقالت:
خايفة يحرموني منك.
أنا تعبت من البُعد يا قُصي.
عمري ما اتخليت عنك. أنا بحبك وهفضل أحبك لحد آخر نفس فيا.
ضمهت لحضنه تاني بقوة وهو بيقول بمشاعر متأججة جواه حاول يكبتها على قد ما يقدر فخرجت نبرة صوته مصاحبة لتنهيدة:
عارف.
عارف يا أغلى من عمري.
عمري ما أشك فيكي ولو للحظة.
زادت من ضمه بقوة وهي بتحاول تاخد أكبر قدر منه جواها. أما هو فشدد من ضمها وهو بيقبل مقدمة راسها بحنان. ولكن عينه ثبتت في مكان ما قدامه. وهو شايف واحد لابس بدلة وبيراقبهم من بعيد. واللي رفع نضارته وابتسمله.
وكان هو.
طارق....
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة ممدوح
حس قصي بشك ناحية الغريب اللي كان بيتابعهم من بعيد. ضيق عينه وهو بيحاول يتعرف على ملامحه ولكنه مقدرش يحدد هو مين بالضبط. كان شكله غير مألوف ليه تمامًا. ولكن كان متأكد من هيئته إنه تبع عيسى.
عرف طارق وقتها إن قصي بالفعل خد باله منه. فابتسم بتريقة وحط نضارته على عينيه واتحرك ومشي من القسم.
فاق قصي في اللحظة دي على صوت أحد العساكر وهو بيقول:
_ كفاية كده.
جذبوه من دراعه تحت اعتراض عائشة اللي اتمسكت بيه اكتر وهي بتقول بدموع:
_ متخليهمش ياخدوك يا قصي. عشان خاطري خليك جنبي.
احتوى وشها بين إيديه وقال بحنان:
_ مش هغيب عنك متقلقيش.
هزت راسها بالرفض ولكنه وجه انظاره لعدي اللي كان بيتكلم في التليفون وقال:
_ عائشة في امانتك يا عدي.
_ في امانتك أنت ومريم. حافظوا عليها لحد ما ارجع.
ربت عدي على كتفه وقال:
_ متقلقش. في عيني.
ابتسمله قصي بامتنان. أما فرح اتكلمت بتريقة وقالت:
_ متخافش يا قصي مش هناكلها!
بصلها بطرف عينه بضيق وبعدين حاد بنظراته عنها لما عدي اتكلم وقال:
_ أنا كلمت المحامي وكان جوا مع بابا وياسين الوكيل. وقالوا مجرد اجراءات روتينية وهيخرجوا.
اتحرك العساكر في الوقت ده وجذبوا قصي رغم عنه قبل ما يرد عليه تحت نظرات عائشة اللي كانت بتتوسلهم بعيونها المليانة دموع. ولكن اتلفت قصي في اللحظة الأخيرة وقال:
_ عائشة يا عدي.
هزله عدي راسه وهو بيحاول يطمنه. لحد ما اختفى عن الأنظار وخدوه لجوا الزنزانة لحد ما يصدر قرار ببرائته وصحة كلامه.
أما فرح راحت قعدت هي والهام تاني وتمتمت بامتعاض:
_ عائشة عائشة. كإن مفيش غيرها!
زفرت دليلة بضيق وقالت:
_ بالله عليكي اسكتي يا فرح. أنا على أخري لوحدي.
أما الهام ففضلت مثبتة أنظارها على عائشة بضيق اللي كانت مرمية في حضن مريم وبتبكي. وكانت مريم بتربت على كتفها بحنان. أما عدي فكان بيعمل مكالمات عشان يقدر يخرج ابوه واخوه.
دخل قصي الزنزانة اللي أخدوه العساكر ليها. فبالصدفة اكتشف وجود معاذ فيها اللي اتعدل أول ما شافه وراح ضمه. فربت قصي على كتفه وراحوا قعدوا هما الاتنين في الأرض وسندوا بضهرهم على الحيطة.
اتنهد معاذ وقال:
_ تفتكر عيسى ورجالته هيعترفوا على مراتك؟
ركز قصي قدامه في الفراغ وقال:
_ معتقدش. لو اعترفوا هيعترفوا عليا أنا عشان ينتقموا مني بعد اللي حصل في الشحنة. ووقتها يقدروا يئذوا عائشة وأنا متقيد جوا. أما لو اللي في بالي صح...
سكت شوية وضيق عينه:
_ يبقى اللعب هيبقى من تحت لتحت بعيد عن الحكومة.
اتعدل معاذ وبصله باهتمام وهو بيقول:
_ إيه اللي في بالك؟
رد قصي واظلمت نظراته:
_ متهيألي شريك عيسى المجهول كان موجود النهاردة في القسم. ولو هو فعلًا فأكيد قرر رجالته انهم يقولوا نفس الكلام. وفي الغالب هيطلعنا منها.
هز معاذ راسه وقال:
_ عشان وقتها يعرفوا ينتقموا صح.
سند قصي راسه على الحيطة وقال:
_ أول حاجة هيعملوها هينصبولنا فخ. خسارتهم مكانتش هينة برضه وضربتنا كانت قاضية. شحنة زي دي أكيد كلفتهم ملايين ده غير الوعود والتعاملات الخارجية اللي كانت هتتصدر ليهم.
فضحك معاذ في الوقت ده وقال بتريقة:
_ على كده قتلنا بقى مطلب جماهيري.
كان قصي هيرد عليه ولكنه لاحظ إن فيه حركة غريبة في الزنزانة. وجه أنظاره على الموجودين وبالفعل كان فيه عدد من المساجين باصين عليهم وكإنهم مترقبين ليهم.
حس معاذ بسكون قصي. فمال ناحيته وهو بيتأمل في الموجودين:
_ هيحصل عوق ولا إيه؟
ابتسم قصي وقال بعبث:
_ جاهز؟
شمر معاذ أكمامه وقال باستعداد:
_ جدًا.
وفلحظة هما الاتنين اتنفضوا من مكانهم. فوقف حوالي ٦ رجالة موجودين في السجن كانت ملامحهم اجرامية وباين عليهم الغضب. زادت ابتسامة قصي وهو واخد وضع الاستعداد بالذات لما لقى واحد من الرجالة طلع سكينة من جيبه. فبص هو معاذ لبعض وقالوا في صوت واحد:
_ استعنا على الشقا بالله.
وفلحظة اتقلب المكان لساحة معركة. في حين باقي المساجين خدوا جنب وهما بيتفرجوا على اللي بيحصل من بعيد خوفًا ليتعرضوا لأي إصابة خصوصًا وهما عارفين إن دي تصفية حسابات ملهمش علاقة بيها.
قرب الشخص اللي ماسك سكينة من قصي. وباغته بضربة ولكنه اتفاداها ومسك دراعه لواه بعنف لحد ما سمع صوت تكسير عظامه فصرخ الراجل بألم فضربه قصي بركبته بعنف في بطنه لدرجة إنه طلع دم من فمه ووقع على الأرض بيصرخ.
في حين سدد معاذ كذه لكمة لواحد من الموجودين. وبعدين ضربه في راسه فوقع على الأرض.
ابتسم قصي بفخر ولكنه باغته واحد بلكمة في وشه. وقبل ما يسدد التانية اتفاداها ومسكه من دماغه وخبطها في الحيطة بعنف كذه مرة وسابه فارتد على الأرض ومتحركش.
هجموا عليهم بقيت الرجال. قدروا يتفادوا عدد كبير من الضربات الموجهة ليهم وهما بيتعاملوا بخبرة وكإنهم ملاكمين. لحد ما قدروا يخلصوا على كل الرجالة الموجودين.
في اللحظة دي دخل العساكر بعد حالة الهرج اللي اتملت في العنبر. خدوا قصي ومعاذ اللي ماشيين وهما مبتسمين بشموخ رغم إنهم كانوا بينهجوا من عنف المجهود اللي عملوه. ونفض معاذ إيده وهو بيتأملهم بانتشاء. أما عن المصابين فخدوهم للمستشفى.
خرج جلال وياسين أخيرًا بعد ما أكدوا إنهم من ضمن الحضور وملهمش علاقة بأي حاجة. كانوا كلهم مستنيينهم برا، في حين كانت عائشة قاعدة على الكرسي وساندة راسها على الحيطة بتوهان.
قاموا كلهم بسرعة عداها، وجرت فرح وضمت أبوها وهي بتقول:
"حمدلله على سلامتك يا بابا."
ضمها ياسين في حين احتوى كتف زوجته دليلة بإيده التانية وهو بيقول:
"الحمدلله عدت على خير."
وقفت إلهام واتجهت ناحية جلال اللي قال وهو بيدور على الموجودين لحد ما عينه ثبتت على عائشة اللي مش مدركة لأي حاجة بتحصل حواليها:
"فين قصي؟"
"مخرجش ليه؟!"
رد عدي بضيق:
"لسة بيحققوا في موضوع قتل عيسى."
هز راسه بتفهم، فاتكلم ياسين:
"وهو حالته إيه دلوقتي؟"
فقال عدي:
"خرج من العمليات ومحجوز في العناية المركزة دلوقتي، لكن إصابته مش خطيرة أوي."
ابتسم جلال ووجه نظره لعائشة وهو بيراقب تعابير وشها:
"عرفتوا مين اللي ضربه بالنار؟"
هنا اتعدلت عائشة وظهر الارتباك والقلق على وشها، مدركة إن لو جلال عرف تدخلها في الموضوع ده مش هيتردد في إنه يأذيها. ففضلت تتنقل بعنيها على الكل بارتباك لحد ما قال عدي:
"لسة معرفناش. قصي مقالش حاجة عن الموضوع."
"اتكلم في التحقيق وقال حد اغتاله من ضهره."
فزادت ابتسامة جلال وهو مثبت عينه على عائشة واتكلم:
"جايز، ليه لأ!"
حس عدي إن أبوه مركز زيادة مع عائشة، فقال:
"طب يلا نروح أحسن. قعدتنا هنا ملهاش لازمة، كده كده قصي لسة قدامه وقت."
وجه ياسين نظره لجلال وقال:
"من رأيي برضه، ولازم نكثف الحراسة علينا بالذات بعد الشحنة اللي مسكوها. العين بقت علينا دلوقتي ومش هيترددوا في إنهم ينتقموا."
هز جلال راسه وقال:
"بالظبط، عشان كده المفروض نقعد كلنا في مكان واحد لحد ما الموضوع يهدى. إحنا في خطر دلوقتي."
اتدخل عدي وقال:
"أنا كلمت شركة أمن روسية تبعتلنا طقم حراسة كويس على الڤيلا، لحد ما قصي يخرج ونشوف هنعمل إيه."
اتكلم ياسين وقال بفخر:
"بس براڤو على قصي والله، لعبها صح طول عمري بقول عليه داهية."
بصتله عائشة بطرف عينها بضيق، كانت متضايقة من إن كل واحد فيهم باصص على مصلحته بس ومحدش شايف الوضع اللي قصي اتحط فيه. فقالت فرح في الوقت ده:
"طب يلا نكمل كلامنا في البيت، جو القسم بدأ يخنقني."
أيدوا كلهم رأيها وابتدوا يتحركوا بالفعل، ولكن عائشة فضلت مكانها. فاتلفت ليها عدي وقال:
"يلا يا عائشة."
ولكنها ردت برفض قاطع:
"مش همشي من هنا من غير قصي."
قلبت فرح عينيها بضيق، في حين اتجه ليها وقال بمسايسة:
"مش هينفع تفضلي هنا لوحدك، لسة منعرفش قدامه قد إيه، ووجودك لوحدك خطر عليكي."
هزت راسها بالرفض وقالت:
"مش هروح مكان قصي مش فيه."
"حتى لو فضلت مستنياه طول عمري."
زفرت فرح وقالت بضيق:
"ما كفاية دراما بقى ويلا."
بصتلها عائشة بطرف عينها، ووجهت كلامها لعدي برجاء:
"خليني هنا يا عدي، عشان خاطر قصي."
"مقدرش أسيبه وأمشي!"
فاتنهد وربت على كتفها وقال:
"قصي موصيني عليكي، أنتِ في أمانتي لحد ما هو يخرج. مقدرش أسيبك هنا."
اتجهت مريم ناحيتها وقالت وهي بتشجعها تقوم:
"يلا يا عائشة، عشان متقلقيش قصي عليكي أكتر."
فضلت تبص لهم بتفكير، وبعدين اتنهدت وقامت اتحركت معاهم، ولكن رغم عنها عينيها ثابتة على المكان اللي قصي مشي منه، على أمل إنها تشوفه وتلقي عليه نظرة أخيرة تطمن قلبها عليه. ولكن من غير فايدة، فنكست راسها بحزن ومشيت وهي مش قادرة تتخيل إنها هتبقى من غيره.
---
"مشاكلك كترت يا قصي!"
قالها الضابط عمر وهو باصصله بترقب، في حين قصي كان قاعد قصاده على كرسي المكتب بعد ما استدعاه. فابتسم قصي وقال ببرود:
"ولاد الحرام كتير يا عمر باشا، طبيعي تلاقي كتير ما صدقوا إني وقعت."
شبك كفوف إيديه في بعض وقال:
"يعني من أول نص ساعة في الزنزانة أرجع ألاقيك قالبها ساحة معركة؟!"
كانت ملامح قصي هادية ومستفزة لأقصى درجة، وقال بثقة:
"أكيد أنا مش هفتعل مشاكل من مفيش وعندك شهود تأكد لك إن هما اللي تربصولنا وحاولوا يقتلونا ولكن بفضل ربنا عدت على خير."
هز عمر راسه وهو بيمط شفايفه، وبعدين سند ضهره على الكرسي وقال:
"مش شايف إن غريبة شوية لما تخرج سليم من عركة مع ٦ رجالة بأجسامهم الضخمة دي، وتقدر تخلص عليهم كلهم من غير إصابة ولا اللي متدرب؟"
ابتسم قصي ورفع إيده على وشه وهو بيملس مكان اللكمة اللي خدها من واحد من الرجالة، واللي كانت ازرقت بوضوح وقال بتريقة:
"فين اللي سليم ده؟"
"مش شايف وشي اللي اتشوه."
رفع عمر حاجبه وقال بسخرية:
"لا الف سلامة على وشك يا قصي."
"تسلم يا باشا."
رغم علمه بإنه بيتريق عليه إلا إنه رد عليه باستفزاز. حس عمر إنه مش هيعرف ياخد لا حق ولا باطل من قصي كالعادة. فضغط على زرار لحد ما دخل العسكري وأدى تحيته باحترام. فقاله عمر:
"خده على الزنزانة، واتأكد تفصل بينه وبين اللي كان معاه."
"حاضر يا فندم."
قالها بسرعة واتجه ناحية قصي اللي قام وقف وهو مبتسم ببرود، ومشي مع العسكري لحد ما لقاه واخده على مكان غير الزنزانة اللي كان فيها. فلقاه حاطه في زنزانة لوحده والفاصل بينه وبين معاذ هو قضبان حديدية. دخله وقفل وراه فاتجه قصي وقعد على الكرسي الخشب اللي موجود فيها وقال بسخرية:
"إيه رأيك في المعاملة الاسبيشيال دي."
ضحك معاذ وقال:
"مكنتش اتخيل إن اللي مع عيسى سخنين بالشكل ده."
"يدوب لسة واصلين نلاقي رجالتهم بيرحبوا بينا!"
رد قصي بثقة:
"مكنوش هيقتلونا، كانت هتبقى قرصة ودن بس."
فقال معاذ بتريقة:
"وأديهم قرصوا بس على وشك، مرات أخويا هتخاف منك بعد كده."
ضحك قصي ومعاذ بقوة. دقايق ولقوا عسكري داخله وهو بيقول:
"فيه زيارة جايلك."
عقد قصي حواجبه بتعجب وقال:
"مش المفروض الزيارات ممنوعة؟"
فزعق العسكري بحدة:
"أنتِ لسة هتحكي!"
"اتحرك."
قالها بعد ما فتح الباب، فاتحرك قصي وهو بيبص باستغراب لمعاذ اللي كان بيتساءل جواه عن سر الزيارة دي. خدوا العسكري لأحد المكاتب، ولما دخل اتجمد وهو شايف نفس الشخص اللي كان واقف بيراقبهم قاعد على المكتب وهو حاطت رجل على رجل، في حين بيطالعهم من فوق لتحت بنظرات مليانة سخرية.
فضل قصي واقف مكانه وهو عاجز عن معرفة هويته. فشاور له طارق بإنه يقعد، فاتحرك بتردد وقعد قدامه وهو بيحاول يدرسه.
سكت طارق شوية بيتأمله بفضول شديد. بالنسباله قصي فيه علامات استفهام كتير عليه. مستغرب إزاي هو بالذكاء ده، وإزاي قدر يعلم عليهم بالشكل ده. وفنفس الوقت كان متضايق من إن ليه واحد زيه مش شغال عنده!
فضل قصي قاعد وهو فارد ضهره وباصصله بقوة، لحد ما اتكلم طارق وقال:
"مطلعتش سهل يا قصي."
"كنت أذكى من توقعاتنا، لدرجة إن دس مراتك وسطنا وعملت مسرحية قصاد عيسى عشان تعرف تدور ورانا براحتك."
توحشت نظرات قصي وقال من بين أسنانه بتهديد:
"مراتي ملهاش دعوة بحاجة، قسمًا بالله اللي هيهوب فيكوا ناحيتها هنهيه."
"طلعوا عائشة من مؤامراتكم أحسن لكم، مش هسمح لحد يأذيها."
ضحك طارق بقوة لدرجة استفزت قصي، ولكنه فضل يتابعه بنظرات بتدق شرر وهو بيحاول يقاوم إنه يقوم يفتك بيه. لحد ما سكت طارق وقال:
"عاجباني نظرة الخوف اللي في عينك عليها دي."
جز قصي على أسنانه. فمال طارق ناحيته وقال:
"عندي ليك عرض، وأنتِ وذكائك بقى."
بصله بترقب فكمل وهو بيسند ضهره وبيرجع يحط رجل على رجل تاني:
"يا ننسى كل اللي فات وتعلن خضوعك ليا وتبقى واحد من رجالاتي."
"يا هخلي حياتك جحيم وأدفعك تمن الملايين اللي خسرتهالي."
قالها ونظراته اتوحشت وبان الغضب والغل اللي كان موجود فيهم. فابتسم قصي بتريقة وقال:
"اللي عندك اعمله."
ضم طارق قبضته بعنف وقال وهو بيحاول يتحكم في انفعالاته:
"استناني يا قصي، صدقني هتندم على كل حاجة عملتها، وافتكر عندك."
"طارق الهلالي ما بيسيبش حقه."
قام قصي وقف واتجه ناحية الباب ببرود تحت أنظار طارق. ولكن اتلفت في النهاية وقال بوعيد:
"مستنيك."
"بس حاول توصل لي قبل ما أوصلك أنا أحسن لك."
نهى كلامه وخبط على الباب ففتح له العسكري وخده تاني على محبسه، وسط نظرات طارق اللي كانت مليانة وعيد بإنه مش هيرحمه.
---
عدى يومين تقريبًا، وبعد التحقيقات اكتشفوا بالفعل إن السلاح طلع مش شغال زي ما قال قصي. رغم شك عمر فيه إلا إنه اكتفى بإنه يخلي سبيله بعد ما ياخد أقوال عيسى.
بالفعل اتجه للمستشفى اللي موجود فيها عيسى بعد ما عرف إنه رجع لوعيه. ودخل عليه فلقاه تحت الأجهزة اللي بتراقب حالته، ولكنه كان واعي وصاحي. فمشي ناحيته ووقف جنبه وهو بيقول بعملية:
"حمدلله على سلامتك يا عيسى."
رد بابتسامة مصطنعة:
"الله يسلمك يا عمر باشا."
شد عمر الكرسي اللي كان جنبه وقعد عليه وهو بيقول:
"أنا جاي النهارده آخد إفادتك، بتتهم حد معين بإنه هو اللي ضرب عليك نار؟"
قالها بترقب فرد عيسى ببرود:
"الحقيقة لأ، مشوفتش مين اللي أصابني، وأنتِ عارف بقى إن أعدائي كتير."
حس عمر إنه مخبي حاجة ورا ابتسامته دي، فقال برفعة حاجب:
"وبالنسبة عن وجود قصي الراوي وقت الحادثة؟"
رد عيسى بلباقة:
"قصي الراوي رجل أعمال زميل، كنا واقفين بندردش مع بعض عادي، وفلحظة لقيتني اتصبت برصاصة في ضهري ومن الدوشة اللي حصلت معرفناش مين اللي عملها."
جز عمر على أسنانه وقال:
"طب مش غريبة لما جينا نفرغ الكاميرات لقيناها مش شغالة؟"
"إزاي حفلة كبيرة زي دي وضامة ناس مهمة الكاميرات اللي فيها متبقاش شغالة يا عيسى؟"
هز كتفه وقال ببساطة:
"حفاظًا على خصوصية ضيوفنا، مش هنحسسهم بإنهم مراقبين، دول كلهم ناس محترمين، معملناش حسابنا إن ممكن حد يتسلل من وسطهم."
"يعني عايز تقول إن قصي الراوي ملوش علاقة بالحادثة اللي حصلت لك."
قالها وهو بيضيق عينيه فقال:
"بالظبط كده."
فضل عمر باصصله شوية وهو مضيق عينه بيحاول يستشف أي حاجة ولكن مقدرش يوصل لحاجة. فوقف واتنهد وهو بيقول:
"تمام، على العموم هنكمل تحقيقاتنا في الموضوع ده، ولو افتكرت حاجة ابقي بلغنا."
"أكيد."
قالها بابتسامة باردة، فاتحرك عمر وخرج من الأوضة وهو حاسس بالعجز بسبب إنه مش قادر يوصل لحاجة. هو متأكد إن فيه حاجات دايرة بينهم ولكن مش قادر يتهمهم من غير دليل.
بالفعل تم اخلاء سبيل قصي اللي اتبادل هو ومعاذ الابتسامة الخبيثة لما عرفوا إن عيسى براهم ومتهمهمش بحاجة.
كان متأكد إنهم مش هيدخلوا الحكومة بينهم.
حسابهم بينهم وبين بعض.
كان لازم ينتقموا بطريقتهم الخاصة عشان يقدروا يستمتعوا.
خرج هو ومعاذ من القسم فلقوا عدي مستنيهم برا.
سلم عليه وبعدين اتجهوا للبيت.
وفي طريقهم قال عدي:
زي ما طلبت، معرفتش حد إنك خرجت.
ابتسم وبص للطريق وهو بيقول:
كويس.
أما في البيت.
فضلت طول اليومين دول مبتخرجش من أوضتها تمامًا عشان محدش يحتك بيها.
وبالفعل محدش قدر يوصلها لإن عدي كان مهتم بيها كويس تنفيذًا لوصية قصي.
في حين إن مريم هي اللي كانت بتجيبلها الأكل.
كانت مطفية وبتقضي يومها في إنها تفضل قاعدة في البلكونة بتتأمل الحراس اللي انتشروا بكمية كبيرة.
فعرفت إن الوضع بالفعل بقى خطر.
أو تفضل نايمة على سريرها وهي واخدة مخدته في حضنها لعلها تونسها عن غيابه.
كانت رايحة في النوم بعد ما حست بإرهاق شديد من كتر التفكير في الأحداث اللي حصلت المرة اللي فاتت.
مقلتش لحد إنها هي اللي صوبت على عيسى وقررت تنفذ كلام قصي المرادي لإنها بالفعل اتعلمت من اخطاءها.
وفي اثناء نومها حست بنفس على وشها.
وإيده بتملس على شعرها.
فتحت عينها وقبل ما تصرخ لقت إيده بتكمم فمها وصوته بيقولها بحنية:
متخافيش.
ده أنا.
اتوسعت عينيها وهي شايفاه قدامها بالفعل في الضلمة.
كانت عيونه بتلمع بشده وهو شايفها قدامه.
اشتقلها بقوة واشتاق لريحتها.
شال إيده من على فمها ببطيء فاتكلمت هي بعدم تصديق:
قصي..
قصي ده أنت!
ملس على وشها بحنان وهو بيهز راسه بتأكيد.
في حين بيتأمل في ملامحها بعشق.
فانتفضت من على السرير واترمت في حضنه وهي بتضمه بقوة باشتياق.
في حين ضمها هو بشدة واتنهد بعذاب وهو بيقول:
تعبتيني يا عائشة.
تعبتيني والله!
كانت لفة إيديها حوالين رقبته.
ودموعها نازلة على كتفه.
في حين بتقول ببكاء:
أنا آسفة.
والله آسفة.
سامحني يا قصي.
متبعدنيش عنك.
ملس على شعرها بحنية وهو بيقول:
ششش.
مقدرش أعيش من غيرك يا عائشة.
أنتِ أغلى حاجة عندي.
أنا بصارع للحياة عشانك أنتِ.
عشان مسيبكيش لوحدك.
قبلك مكانش هاممني وكنت بجازف.
إنما دلوقتي بقيت أحسب كل خطوة وأنا حاطك قدامي.
حست بانتفاضة مشاعرها قصاد كلامه.
رغم اللي عملته إلا إنه لا زال متمسك بيها.
فقالت:
كنت بدور عليك في كل مكان.
دنيتي ضاقت عليا من غيرك يا قصي.
بعدها عنه واحتوي وشها بين إيديه.
في حين بيطالعها بحنان وهو بيقول:
أنا جمبك أهو.
عمري ما هسيبك.
ابتسمت بفرحة وهي بتملس على ملامحه بعشق.
كإنها بترسمها جواها.
مال ناحيتها ومشاعره هي اللي بتقوده ليها.
اشتياقه ليها كان اقوى منه ومنها.
ولكنه اتجمد وعائشة انتفضت مكانها لما سمعوا صوت ضرب نار عنيف من تحت البيت.
وادرك قصي وقتها إنه بيتم الهجوم عليهم.
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل السابع عشر 17 - بقلم منة ممدوح
وصلت عربية ضخمة عند المستشفى اللي محجوز فيها عيسى. وراها عربية سودة نزل منها حارسين ضخام البنية بيراقبوا المكان من حواليهم لحد ما اتأكدوا إنه أمان. وبعدين اتجهوا ناحية العربية الضخمة وفتحوا الباب.
خرج طارق منها وهو لابس نضارته الشمس رغم إن الجو بالليل. ولكنها متفارقهوش. وطلع على الدور اللي محجوز فيه عيسى. فتح الباب من غير استئذان.
فاتعدل عيسى وهو بيراقبه بتوتر. أخد الكرسي اللي جنبه وقعد عليه وهو باصصله بصمت.
فبلع عيسى ريقه وقال:
"قولت الكلام اللي أمرت بيه للظابط."
ابتسم باستهزاء وهو حاطت رجل على رجل وقال:
"وده هيكفر عن اللي عملته؟"
حاول يبرر لنفسه. فاتحامل على جسمه وهو بيتعدل وبعدين قال:
"على يدك يا طارق. أنا عملت كل اللي قولت عليه. ونفذت الخطة زي ما اتفقنا. إحنا اللي اتهاوننا مع قصي وافتكرناه عيل نافش ريشه علينا وخلاص."
فبصله طارق بقوة وقال:
"مراته اللي أنت كنت حاطتها معاك على أساس تكون نقطة ضعف ليه هي اللي وقعتنا يا عيسى."
"واحد من رجالتك شافها وهي واقفة مع دراع قصي اليمين اللي اسمه معاذ."
"شوفت أنت مغفل قد إيه؟"
بلع عيسى اهانته على مضض وحاول يتحاشى النظر عنه. فكمل طارق:
"نفذنا اللي عايزه قصي وظهرت ليه بسذاجتك. دي نقطة ضعف لينا ومش كده وبس وأنا ظهرت بسببك. اضطريت أظهر وأتعرف عشان الكارثة اللي اتسببت فيها والملايين اللي خسرتها على إيدك."
سكت عيسى شوية وهو بينفخ بضيق. وبعدين رجع سأل بتردد تاني:
"طب ونصار؟"
"لسة عايش؟"
ضحك طارق بقوة وبعدين قال:
"قصدك راجلك العبيط اللي معرفناش نلم اشلاؤه من تحت البيت اللي قصي زرع فيه قنابل؟"
اتصدم عيسى. فكمل طارق:
"لا مش عايش."
"واحمد ربنا إنك مش مكانه."
ريح طارق ضهره على الكرسي. فقال عيسى:
"طب وهنردله اللي عمله ده ازاي؟"
رد بابتسامة خبيثة اترسمت على شفايفه:
"رجالتنا في طريقهم لـ ڤيلا الراوي. قصي زمانه وصل لحضن مراته دلوقتي بعد ما أخلوا سبيله. هنخلص عليهم كلهم واحد واحد."
اتوسعت عين عيسى بصدمة وهو مش متخيل منتهى الجراءة والشر اللي وصلهم طارق. ولكنه تمالك نفسه وهو بيمنع ابتسامته السعيدة وقال:
"ولو طلع من بين ايديهم حي؟"
"خصوصا إن زمانهم شددوا الحراسة عليهم؟"
ابتسم طارق وقال:
"عندي بدل الحل عشرة."
"شد حيلك أنت وقوم وبلاش الدلع اللي أنت فيه. الظاهر هنودعك قريب لو فضلت مرمي زي الوالدة كده."
ارتبك عيسى من كلامه وبلع ريقه بتوتر. فقام طارق وهو بيقفل چاكيت بدلته. واتحرك لبرا بغرور بعد ما رماه بنظرة مستهزئة على حالته.
صوت ضرب النار زاد بشكل ملحوظ. فاتشبثت فيه عائشة وهي بتتنفض برعب. في حين صرخت:
"إيه اللي بيحصل يا قصي!"
اتلفت وهو بيضمها ليه بحماية. في حين بيحاول يلقي نظرة على اللي بيحصل تحت وقال:
"متخافيش."
بعدها عنه واتجه لدرج التسريحة بتاعه. طلع سلاحه وفتح صمام الامان وحذرها وهو بيتجه عشان يقفل باب البلكونة كويس:
"خليكي هنا متتحركيش من مكانك مهما حصل."
"واوعي تقربي من البلكونة."
كانت حاطة إيديها على ودنها ومغمضة عينها من عنف صوت ضرب النار. ولكنها جريت ناحيته وهي بتتشبث فيه وبتقول برجاء ممزوج بدموع:
"لأ يا قصي."
"عشان خاطري متنزلش."
"بالله عليك مش عايزاك تروح مني!"
كان صوتها خارج بارتعاش من قوة الرعب اللي جواها. فابتسملها واحتوي وشها بين إيديه ومال طبع قبلة عميقة وبعد عنها وهو بيقول:
"هرجعلك تاني متقلقيش."
سابها وخرج وقفل الاوضة بالمفتاح من وراه لإنه كان كان متأكد إنها مش هتسمع كلامه وهتخرج من خوفها عليه. وبالفعل أول ما خرجت جريت واحساس الخوف عليه بيتفاقم جواها. نزلت دموعها وقلبها ارتجف وهي بتحاول تفتح الباب ولكن من غير فايدة. فسندت عليه وقعدت على الأرض وهي بتكتم الصوت العنيف بودانها وقفلت جفونها بتضغط عليهم بقوة وهي بتقول:
"يارب."
"يارب احفظهولي."
"يارب احميه ليا يارب."
أما برا. كان كل قلق قصي على أهل بيته. متوقعش إنهم عندهم جرأة لدرجة إنهم يهجموا على البيت ووسط الناس. فأدرك إن طارق شخصية غير اللي اتوقعها تماما. وقبل ما ينزل لقى معاذ وعَدي طالعين ليه بسرعة. في حين عدي كان واخد مريم وأولاده الاتنين للأوضة عشان يحميهم. أما معاذ اتجه ناحيته وقال وهو بينهج:
"عدد كبير من رجالة عيسى برا."
فقال قصي بغضب شديد:
"جايين ينتقموا."
جهز معاذ سلاحه. في حين رفع قصي إيده اللي فيها السلاح ونزلوا الاتنين على تحت. فشافوا الهام ودليلة اللي كانت ضامة فرح قاعدين وبيرتجفوا من الرعب. فضرخت الهام وقالت:
"الحقنا يا قصي هيموتونا!"
دور قصي بعينه على الموجودين وقال:
"جلال وياسين فين؟"
فردت دليلة من وسط دموعها:
"خرجوا يشتبكوا معاهم. الحقهم بالله عليك هيقتلوهم."
هز قصي راسه بقلق. في حين نزل عدي في الوقت ده وهو مجهز سلاحه هو كمان. فأشار ليه قصي وهو بيقول بأمر:
"اطلع على الروف اصطادهم من فوق على قد ما تقدر."
هز راسه بتفهم وطلع على فوق من غير تردد. أما قصي فجهز هو ومعاذ اسلحتهم وشاوروا لبعض براسهم وخرجوا على برا.
شافوا جلال وياسين وهما متدرايين ورا كراسي وبيصوبوا عليهم. أما كان فيه عدد مش قليل سواء من المهاجمين ومن الحراسة اتصابو بالفعل ومرميين على الأرض. كانت البوابة بتاعة الڤيلا لسة متفتحتش ومدخلوش. ولكن كانوا بيصوبوا من فوق السور اللي كانوا بيتسلقوا عليه. وعشان ميتعرفوش كانوا مجموعة ملثمين باين عليهم إنهم متدربين بمهارة.
جري قصي ومعاذ كل واحد فيهم استخبى ورا عامود من الأعمدة الضخمة اللي في مدخل الڤيلا. وابتدوا يصوبوا بمهارة على كل اللي يقدروا عليه. وده بمشاركة جلال وياسين اللي التعب والاجهاد ظهر عليهم. في حين كان بالفعل عدي من فوق بيصوب عليهم.
ابتدوا المهاجمين ينطوا من فوق السور. فاتحرك معاذ باشارة من قصي للجانب التاني. فين حين جري قصي لحد ما استخبى ورا الترابيزة بعد ما قلبها. ولكن كانت المشكلة في إن ضهره مش محمي من ناحية الحديقة الخلفية. فخرج ملثم من ورا وقبل ما يصوب على ضهر قصي كان عدي شافه وصرخ باسمه وضرب الملثم رصاصة في راسه.
اتلفت قصي على صوت عدي فشاف الملثم وهو بيقع على الأرض. فقام وهو بينقل نظره بين الوضع قدام اللي ابتدى يهدى. واتحرك بيجري وهو حاني ضهره ناحية ورا. اتسلل من جنب الحيطة وهو رافع مسدسه في تأهب واستعداد. وبص بطرف عينه لورا فشاف ملثم مقرب منه. وبدون تردد هجم عليه وخبطه بالسلاح على دماغه ومسكه من رقبته بدراعه. وعمله درع ليه. وبالفعل ابتدوا الباقي يصوبوا عليه ولكن كل الطلق كان بييجي في الملثم اللي كان ماسكه. فبمهارة اطلق عليهم ورمى الراجل اللي في إيده واستخبى ورا الحيطة. وابتدى يطلع يضرب عليهم لحد ما خلص على كل اللي كانوا في الحديقة الخلفية. وقتها سمع إن الصوت هدي فلف من الناحية التانية عشان يتأكد إن الحديقة مفيهاش حد. ولما اتجهلهم قابل معاذ اللي اتنهد وقال:
"نضيف."
بص لعدي من فوق اللي صرخ هو كمان:
"نضيف هنا كمان."
اتنهد قصي وكان حاسس بالاجهاد الشديد. رفع إيده وهو بيتنفس بعنف وبيمسح العرق اللي اتكون على جبينه وهو بيتأمل في الجثث اللي في مدخل بيته. اتأكد ياسين وجلال إن الدنيا أمان فخرجوا من ورا الكراسي اللي متحامين فيها وهما بيتنفسوا بعنف.
ولكن للحظة خرج ملثم من فوق السور وصوب سلاحة مباشرة على هدفه اللي كان عارفة كويس ألا وهو قصي. وقبل ما يضرب عليه لمحوا قصي ورفع سلاحه عشان يضربه ولكن كانت بالفعل الطلقة خرجت من سلاح الملثم واللي استقرت في قلب جلال اللي كان بالصدفة وقف قدام قصي. وفلحظة ضرب قصي رصاصة استقرب في راس الملثم اللي وقع على الارض من الناحية التانية وجري على جلال وهو بيصرخ برعب:
"بابااااا!"
جريوا كلهم عليه. مكانوش مستوعبين اللي حصل. كان مرمي على الأرض وهو مصدوم وبياخد نفسه بالعافية. قلع قصي التيشرت اللي كان لابسة وابتدى يضغط على مكان الجرح وهو بيصرخ برعب:
"اطلبوا الاسعاف بسرعة."
فلحظة خرجت الهام ودليلة وفرح من جوا. اللي صرخوا بهلع أول ما شافوا المنظر وارتفع صوت صراخهم بقوة لدرجة وصلت لعائشة فوق. اللي اتنفضت بذعر وهي بتقول:
"قصي!"
للحظة اتملكها الهلع وهي بتحاول تفتح الباب. وكل اللي في بالها إن قصي حصله حاجة او اتصاب. مكانتش قد فكرة إنها تخسره. أو إنها تشوفه غرقان في دمه بين إيديها. فبقت تحاول تفتح الباب وتخبط بعنف وهي بتبكي وبتقول:
"افتحوا الباب."
"ايه اللي حصل."
"يا قصـي!"
وبعد خبط عنيف لدرجة إن قوتها خارت ومبقتش قادرة تقف على رجليها وكانت بتشد على شعرها بهلع لقت الباب بيتفتح واللي كانت بتفتحه هي مريم اللي كانت مرعوبة هي كمان. فبدون ما تبصلها حتى جريت على تحت وهي بتدور عليه وسط الموجودين. لحد ما شافته.
كان بيشيل ابوه مع معاذ وبيدخله العربية بتاعة عدي. فبكت بانهيار وهي بتجري ناحيته ومش مصدقة إنه سليم قدامها:
"قصي."
اتلفت على صوتها واتألم على حالتها. كان جسمها كله بيرتجف عيونها منفوخة ووشها شديد الاحمرار. جريت عليه واترمت في حضنه بقوة وهي بتبكي بصوت عالي. فضمها بحنان وقبل مقدمة راسها وهو بيقول:
"متخافيش أنا كويس."
اتحركت العربية اللي فيها جلال وركبت فيها الهام. أما فرح ودليلة وياسين اخدوا عربيتهم واتحركوا هما كمان.
فضلت عائشة متشبثة بقصي وهي بتبكي وبتقول:
"خوفت لأخسرك."
"كنت بحسبهم اذوك يا قصي!"
طبطب عليها وبعدها عنه وهو بيقول:
"متخافيش يا حبيبتي."
"أنا قدامك أهو سليم."
"يلا بس نتحرك على المستشفى عشان جلال اتصاب."
هزت راسها من وسط دموعها اللي بتنزل بعنف. وبالفعل اتحركوا وركبوا العربية مع معاذ وسط ما عائشة كانت ضامة قصي وهي مخبية في صدره وشها من المقبرة اللي كانت قدامها. فكانت حديقة الڤيلا مليانة جثث ودم بطريقة مرعبة.
وصلوا المستشفى في وقت قياسي. ولإن عدي كان سابقهم، فكانوا وصلوا بالفعل، وهما بينقلوا جلال على الترولي. جري قصي ووراه عائشة وهما متحركين مع الباقي ورا الترولي اللي ناقل جلال. المشهد كان مرعب بالنسبة ليها، فجلال كان شبه مطلع في الروح ومش واعي تمامًا. على قد ما كانت بتكرهه، ولكن في النهاية هو أبو قصي، وبرضه متتمناش لأي حد الأذى بالشكل ده.
دخلوا بيه أوضة العمليات. وكانت إلهام في حالة انهيار ومصممة تدخل لجوا. في وقفها أحد الممرضين وهو بيقول:
"آسف، ممنوع الدخول."
بالفعل انهارت أكتر. فضمها عدي وهو بيحاول يهديها على قد ما يقدر. وبينقل نظراته على معاذ وقصي اللي كان مرتبك هو كمان.
فاتكلم عدي وقال:
"معقولة عيسى يبعت متدربين زي دول؟"
شرد قصي قدامه وهو بيحاول يقاوم الغضب اللي جواه وقال:
"لأ. اللي فوق عيسى هو اللي بعتهم."
بصله معاذ اللي فهمه بسهولة وقال:
"طارق الهلالي مش كده؟"
هز قصي راسه من غير ما يرد. فزفر ياسين بتوتر وهو قلقان على حياته بعد اللي شافه وقال:
"طب وهنعمل إيه؟ الظاهر إننا غلطنا لما لعبنا معاهم. طلعوا أكبر مننا كلنا."
بصله بطرف عينه وقال:
"يخرج جلال بالسلامة بس، ووقتها أنا عارف هعمل إيه. ومتنساش إن إحنا مخلصين على كل رجالة اللي بتقول عليه أكبر مننا ده!"
فبكت إلهام وهي بتقول:
"بس أبوك اللي وقع ضحية كل اللي بيحصل ده!"
اتنهد قصي واتجه ناحية إلهام، وربت على كتفها وهو بيقول:
"متقلقيش، إن شاء الله هيقوم بالسلامة. جلال مش هيسيبنا بسهولة كده."
بكت أكتر. فجذبتها عدي لحضنه تاني وهو بيحاول يواسيها على قد ما يقدر.
عدى شوية وقت كانوا كلهم واقفين فيه على أعصابهم. ولإن المدة طالت جوا، فكان قصي متأكد إن الوضع خطر، خصوصًا إنه شاف مكان الرصاصة واللي كان متأكد إنها صعبة. وبعد مدة خرج الدكتور من أوضة العمليات. فكلهم جريوا عليه. أما إلهام فبكت وهي بتقول:
"طمني على جوزي يا دكتور بالله عليك!"
رفع الدكتور الكمامة من على وشه وقال بارهاق ظاهر عليه:
"مخبيش عليكوا، الحالة وضعها مش مستقر. مكان الرصاصة كان حساس جدًا وقدرنا نخرجها بصعوبة. الحقيقة منضمنش حالة المريض هتبقى إيه. ولكن ادعوا إن الـ 48 ساعة الجايين يعدوا على خير."
خلص كلامه ومشي. فانهارت إلهام على الكرسي وهي بتقول:
"جلال بيروح مني. أبوكوا بيروح!"
سند قصي راسه على الحيطة بهم. على قد ما هو وابوه عمرهم ما اتفقوا مع بعض، حتى جاتلهم فترة كانوا أعداء، إلا إن في الآخر صلة الدم اللي بتحكم!
حس بلمسة على إيده. فوجه نظره لقى عائشة بتملس على إيده بحنان، في حين بتبسمله بتشجيع. كانت عارفة قد إيه هو في صراع مع أفكاره، بالذات مع حالة الصمت اللي هو فيها دي. فبادلها الابتسام على قد ما يقدر. ورجع سند على الحيطة تاني.
***
كان قاعد حاطت رجل على رجل على الكرسي الجلد وهو باصص على البيوت من تحت ناطحة السحاب اللي هو قاعد فيها. لحد ما اتجه ليه واحد من رجالته فحس بيه طارق وقال من غير ما يتلفتله:
"وصلوا لإيه؟"
شبك رجله إيديه قدامه وقال وهو حاني راسه:
"قدروا يخلصوا على كل الرجالة اللي بعتناهم. ولكن جلال الراوي اتصاب وحالته خطيرة."
ابتسم وهو لسة موجه نظره على الحيطة اللي كانت زجاجية بالكامل وقال:
"كويس. قصي هيبدأ ينتقم، وأنا مستنيه."
اتكلم رجله من وراه وقال:
"تحب تؤمر بحاجة نعملها ليه؟"
اتلفتله نص لفتة من غير ما يشوفه حتى وقال:
"تابعوا أخبار جلال الراوي. وعرفوني بتحركات ابنه أول بأول."
هز الرجل راسه وقال وهو بينسحب:
"أوامرك يا باشا."
أما طارق فاتعدل وحط رجل على رجل. واتسعت ابتسامته اللي على شفايفه. كان مدرك إن قصي مش سهل. رغم عدم توقعه إنه هيقدر على كل عدد الرجالة اللي بعتهمله دول وكان فاكر إنه على الأقل هيخرج بإصابة لو حتى بسيطة. لكن كل مرة كان بيقدر يفاجئه. ولكن كان جواه شعور بالسعادة إن قدر يأذي حد من حبايبه.
***
كان عدى وقت من بعد ما خرجوا جلال على أوضة العناية المركزة. كان قصي شايف الحالة اللي الكل فيها. مدرك إنهم حاسين بالإرهاق بعد اليوم الصعب اللي اتعرضوله. فوجه كلامه لياسين اللي كان قاعد ضامم مراته وبنته وقال:
"ياسين. خد مراتك وبنتك وروحوا على الڤيلا. متقلقوش الشرطة كانوا هناك واخدوا كل الجثث. والرجالة نضفوا المكان."
هز ياسين راسه بتفهم. وابتدى يشجع مراته وبنته اللي بالفعل كانوا مرهقين بشكل كبير. فوجه قصي كلامه المرادي لـ عدي وقال:
"وأنت يا عدي. ولادك مش حمل مرمطة مستشفيات. خدهم وخد ماما معاك ترتاح شوية. قاعدتها في المستشفى ملهاش لازمة. كفاية الإرهاق اللي أنتوا فيه."
ولكن هنا إلهام اللي كانت شاردة رفعت راسها وقالت بحدة:
"مش هتحرك من هنا. هفضل مع جلال لحد ما يفوق."
زفر قصي وقال بمسايسة:
"وأنت يرضيك جلال لما يفوق يلاقيكي بالشكل ده؟ هتتعبيه فوق تعبه. روحي بس خديلك دش كده وغيري هدومك وناميلك ساعتين وأنا بنفسي هاجي أخدك وأجيبك ليه. أنت مش قادرة تصلبي طولك يا أمي متضغطيش على نفسك. ومتقلقيش أنا هفضل هنا."
ورغم الرفض اللي كان باين على وشها، إلا إنها قامت بتشجيع من عدي. بصت بصة أخيرة على جلال اللي كان نايم على السرير ومتوصل بيه أجهزة كتيرة وبعدين اتنهدت بحزن واتحركت معاهم. وجه قصي نظره لعائشة اللي رفعت حاجبها وقالت بحدة:
"متحاولش. رجلي على رجلك. مش هتحرك من غيرك."
غصب عنه ضحك وجذبها ليه وهو بيطبع قبلة عميقة على خدها وهو بيقول:
"مش ملاحظة إنك بقيتي عصبية شوية يا روحي؟"
ضيقت عينيها وقالت بملاعبة:
"اتعلمت منك يا روحي."
ضحك وضمها ليه فسندت هي على صدره واتنهدت بعمق.
اتنحنح هنا معاذ وقال:
"هروح اجيبلكوا حاجة تشربوها."
هزله قصي راسه وبالفعل مشي. أما عائشة فأخدت راحتها أكتر ورفعت إيديها سندتها على صدر قصي وهي بتقول:
"هنفضل كده لحد امتى؟"
بصلها قصي باستفهام. فرفعت وشها ليه وهي لسة مثبتة راسها على صدره وقالت بحزن:
"نفسي نعيش حياة طبيعية يا قصي. ليه بيحصلنا كل ده!"
على قد الحزن اللي جواه، لكنه قال بمرح:
"دي ضريبة إنك تتجوزي رجل مافيا."
فاتعدلت وهي بتقوله بتهديد:
"خد بالك. اللي بتكلمها قدامك دي بنت رجل مافيا برضه!"
ضحك وقال:
"أنا ملاحظ إنك بقيتي تفتخري بالموضوع ده. اتغيرتي ها!"
رفعت إيديها ولاعبت مناخيره وهي بتقول:
"ومين متتغيرش وهي مراتك."
حطت إيديها على وسطها قدام نظراته اللي كانت بتتأملها بحب واضح وقالت:
"وبعدين عاجبك ولا مش عاجبك يا استاذ رجل المافيا؟"
اتوترت لما لقته مبيردش وفضل بيتأمل ملامحها بعمق. وبعدين جذبها تاني وهو بيطبع قبلة على خدها. فابتسمت وهي بتريح رأسها على صدره وهي بتقول بضيق مصطنع:
"أهو قدرت تاكل بعقلي حلاوة وتغير الموضوع اللي كنت بتكلم فيه!"
ملس على شعرها وهو ساند دقنه على راسها وقال:
"محصلش."
"كذاب يا قصي!"
قالتها وهي بتغزه بخفة. فضحك بقوة وهو حاسس إن اللي قدامه ما هي إلا طفلة. فابتسمت عائشة وفرحت من نفسها إنها إلى حد ما قدرت تخرجه من الهم اللي هو فيه. مكانش عاجبها احساسه بالذنب اللي كانت شايفاه على عينيه واللي قدرت تقرؤه بسهولة رغم إنه حاول يداري على قد ما يقدر. لكن في النهاية وبعد الحب الكبير اللي بيجمعهم، فاحساسهم ببعض مخليهم زي المراية قصاد بعض.
دقايق ولقوا الشرطة جايين عليهم وعلى راسهم عمر. فاتعدل قصي بسرعة واستعجبت عائشة اللي مكانتش لسة شافتهم. فاتلفتت مكان ما قصي باصص. وللحظة حست بالارتباك. فوجهلها قصي نظرة تطمنها.
وصل عمر مكان قصي اللي كان قاعد زي ما هو متحركش. وبعدين قام بتثاقل وهو بيبصله ببرود. فقال عمر:
"حمدلله على سلامة والدك."
هز قصي راسه ببرود. فقال عمر:
"متهيألي المرادي الحادثة مكانتش طبيعية. بالذات الهجوم اللي حصل على ڤيلتكوا. ولا إيه؟"
ربع قصي إيده وقال ببرود:
"أنت شايف إيه؟"
استفز بروده عمر. اللي قال:
"أنا شايف إن المفروض بعد اللي حصل ده على الأقل تكون شاكك في مين عمل كده!"
ولكن قصي فضل محافظ على نظراته وقال:
"وعلى حسب علمي المفروض التحقيقات هي اللي توصلنا للي عمل كده مش شكي!"
وقبل ما يتكلم عمر سمعوا صوت جلبة من جوا أوضة جلال. اتحرك قصي ووراه عائشة فشافوا من ورا الازاز تحرك الدكتور والممرضين حواليه وكان باين عليهم التوتر. شوية وشافهم بيبدأ يعملوا ليه انعاش. حس بقلبه بينتفض من مكانه وسند بإيده على الازاز وهو بيراقب اللي بيحصل بعيون متسعة بصدمة. ووراه عائشة اللي رفعت إيديها على شفايفها وهي مش مصدقة اللي بيحصل. دقايق عدت وخرج الدكتور ليهم وهو حاني راسه وبيقول:
"للأسف مقدرناش ننقذه. البقاء لله..."
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منة ممدوح
شهقت عائشة بصدمة من هول المفاجأة اللي مكانتش في الحسبان نهائي.
ووجهت أنظارها لقصي اللي اتجمد تمامًا مكانه.
خلص الدكتور كلامه وسابهم ومشي.
أما قصي فضل واقف مكانه بيتابع أبوه بعيونه من ورا الازاز وهما بيشيلوا الأجهزة عنه وبيغطوا وشه.
كل المشاهد اللي جمعتهم مرت قدام عينه في شريط زمني في الوقت ده.
بداية من ما كان طفل وبيأخده يعلمه الصيد.
أول مرة أخده معاه الشغل.
المرة الأولى في تجربة السلاح.
نزاعهم مع بعض.
انفصال قصي عنه.
وانتهى بالعداء اللي بقى بينهم.
كان في حالة صدمة.
متخيلش إنه هيمشي بدري بالشكل ده.
كان متوقع إنه هيقوم منها ويكملوا خناق وجر شكل في بعض.
رغم جفاف العلاقة بينهم إلا إنه لسة أبوه.
للحظة اتحولت نظراته للغضب.
لهيب مرعب ومضى بيه عيونه.
ملامحه اتبدلت لتانية إجرامية.
كان الجحيم بيخرج من وشه.
كور قبضة إيده وهو بيشد عليها بقوة لدرجة برزت عروقه وابيضت من عنف ضغطه.
جز على أسنانه وفكه.
لوهلة خافت عائشة من شكله.
مكانش في حالته الطبيعية.
أدركت إن قصي مش هيدي لنفسه فرصة إنه يحزن.
ولكن اللي شايفاه قدامها إنه هينتقم.
وانتقامه هيكون دموي.
مسكت دراعه عشان تحاول تهديه.
تدعمه.
تديله فرصة يخرج حزنه في حاجة غير الغضب اللي ممكن يحرقهم كلهم.
ولكنه مكانش شايفها.
مكانش حاسس بيها نهائي.
كان غاضب لدرجة فتاكة.
حاقد وناقم.
ملست على دراعه وهي بتهمس باسمه.
ولكن من غير فايدة برضه.
فهنا اتكلم الضابط عمر بأسف:
البقاء لله يا قصي.
أتمنى تساعدنا عشان نقدر ناخد حق والدك من اللي عمل كده.
ولكنه اتلفت له بنفس الملامح المرعبة وقال بلهجة مليانة حقد:
اطلع منها أنت يا سيادة الرائد.
تاري هاخده بإيدي.
كان مقدر حالته اللي هو فيها.
ولكن كان خايف للموضوع يتفاقم.
فقال بحدة:
تار إيه اللي تاخده بإيدك يا قصي؟
أومال إحنا دورنا إيه؟
البلد فيها قانون!
شدد على قبضته أكتر وقال:
قولتلك اطلع منها أنت.
ولو على القانون.
فأنا خالق قانون لمملكتي.
قانون خاص بيا أنا.
اتحرك الضابط عمر ناحيته وهو بيحاول يهديه:
قصي.
أنا متأكد إنك عارف اللي عمل كده.
صدقني هننتقملك منه.
متوديش أنت نفسك في داهية وتعمل مشاكل مع الحكومة.
ولكنه قال بحزم:
أنا قولت اللي عندي.
قالها وهو بيتجه لبرا من غير ما يسمع نداءاتهم.
فوجه الضابط عمر انظاره لعائشة وقال برجاء:
ياريت تهديه يا مدام.
جوزك غضبه عاميه دلوقتي.
صدقيني أول واحد هيتأذي بغضبه ده هو.
حست بالقلق بيتفاقم جواها.
الوجه الإجرامي اللي شافته من قصي ده أدركت إنه مش في حالته الطبيعية وهيحرق الكل بالفعل.
فجريت وراه وهي بتحاول تلحقه وبتنادي باسمه ولكنه مكانش بيرد.
فـ قبل ما يخرج من المستشفى سبقته ووقفت قدامه وضمته بقوة وهي بتقول:
بالله عليك يا قصي.
متخليش غضبك يعميك.
ازعل الأول.
بالله عليك خد حقك في الزعل الأول.
حاول يبعدها عنه من غير ما يبصلها وهو بيقول:
اوعي من قدامي يا عائشة.
ولكنها رفضت تبعد عنه وفضلت متمسكة بيه.
وبعدها ضمت وشه بين كفوف إيديها.
وبصت لعينيه وهي بتقول:
بصلي يا قصي.
بصلي عشان خاطري.
أنا عائشة حبيبتك!
رافض تبصلي ليه؟
حاول يتحاشى بالنظر عنها وهو بيقول:
اوعي يا عائشة!
ولكنها حركت راسه بالاجبار ناحيته وهي بتقول:
بصلي يا حبيبي.
بصلي يا قصي.
وغصب عنه لقى نفسه بيبص لعيونها وهو بيتأمل ملامحها.
اتهزت عيونه بضياع وهو بيحاول يقاوم المشاعر اللي جواه.
حست عائشة بإنه ابتدى يستجيب.
فقالت بحنان:
خرج حزنك يا قصي.
احزن.
بس متغضبش.
متغضبش بدل ما تزعل يا قصي عشان خاطري.
لوهلة ارتخت ملامحه وارتخت قبضة إيده.
ارتخى وشه واتبدلت نظرته للألم.
كان لعائشة تأثيرها عليه تأثير السحر.
مشاعره اللي كان بيداريها ورا غضبه وعصبيته.
لمعت عيونه بدموع محبوسة.
وخرج صوته بحشرجة ضعيفة:
بابا يا عائشة.
بكت عائشة من حالته.
وضمته وهي بتحتويه.
فـلف دراعه حواليها بقوة وهو بيدفن وشه في تجويف رقبتها.
ضمها بقوة لدرجة وجعتها ولكن مفرقش معاها.
المهم إنه يخرج من الحالة اللي هو فيها دي.
فضل ضاممها وهي بتملس على شعره.
ضهره.
حتى ذراعه.
كانت بتحاول تواسيه على قد ما تقدر.
رغم إنه مبكاش.
ولكن يكفي إنه ظهر ألمه.
حاولت تخفف عنه وهي بتقول:
راح عند اللي أحسن من الكل يا حبيبي.
كلنا مسيرنا نموت.
حتى أنا.
انتفض وبعد عنها وهو قابض على كتافها وبيقول بجنون:
لأ.
مش هتموتي.
مش هسيبك تموتي يا عائشة.
مقدرش أعيش من غيرك.
اتأثرت من نبرة صوته ونظراته الضايعة.
فجذبته ليها مرة تانية وهي بتحاول تهديه.
وبالفعل قدرت على الأقل حاليًا إنها تهدي غضبه اللي كان ممكن يفتك بالكل.
على الأقل حاليًا.
كان الكل في حالة صدمة وانهيار.
متوقعوش إن جلال بجبروته قدر ينتهي ويودعهم بالسهولة دي.
مكانوش مستوعبين الوضع اللي هما بقوا فيه.
وأكترهم قصي اللي كان حاسس إنه فوت حاجات كتير يعيشها مع أبوه بسبب الشغل والصراع على السلطة.
كانت ملامحه جامدة وهو شايل نعش أبوه وماشي بيه وسط الناس.
وراه إلهام اللي مبطلتش صريخ.
وعائشة اللي كانت عينها عليه كإنها بتراقب طفلها الحزين.
لو بإيديها كانت تشيل كل الزعل اللي جواه وتاخده هي.
مكانتش عايزة تشوف الكسرة في عينيه بالشكل ده.
دفنوا جلال وودعوه لمثواه الأخير وسط انهيار إلهام.
ولأول مرة اتجه ناحيتها بنفس الملامح الجامدة وضمها ليه.
اتشبثت فيه وهي بتصرخ بألم:
أبوك يا قصي.
أبوك راح يا قصي.
خلاص مش هتتناقر معاه تاني.
ضمها ليه وهو شارد قدامها بدموع محبوسة.
وبعد وقت قدر أخيرًا يقول:
هجيب راس اللي اتسبب في قتله تحت رجليكي.
أوعدك.
الجملة من كتر دمويتها خلت عائشة ترتجف.
اتمنت انهم يسيبوا كل ده ويهربوا.
يسافروا مش هتقدر على خسارته بسبب الدم والشغل والمافيا والتار.
نفسها تعيش حياة سعيدة مستقرة.
ولكن كانت عارفة ومتأكدة إن قصي بشخصيته دي استحالة يعدي موضوع زي ده من غير ما ينتقم.
وانتقامه هيبقى عظيم.
اتجهوا للبيت عشان يبدأوا في مراسم العزا.
ولكن عقل قصي كان مشغول في حاجة.
فـ أول ما لقى فرصة اتجه ناحية معاذ وقال:
قدرت توصل لحاجة؟
كان شايف معاذ الغضب اللي في عينيه.
فـ حاول يهديه وهو بيقول:
طب ناخد العزا الا...
ولكنه قاطعه من بين أسنانه:
قولتلك قدرت توصل لحاجة.
متختبرش أعصابي يا معاذ.
اتنهد بقلة حيلة وقال:
غالبًا آه.
ولكن قصي ابتسم باجرامية وقال:
عايز غالبًا دي بقا تبقى أكيد.
اتأمله معاذ وهو حاسس بإن قصي اتبدل تمامًا.
على الرغم من إنه كان شخصية قادرة من زمان.
ولكن اللي واقف قدامه ده كان شخصية مرعبة.
فهز راسه من سكات وهو مش قادر يتصرف في وضع زي ده.
واتحرك عشان يتابع هو ورجالته آخر التطورات.
كان بيراقبه وهو بيشيل سلاحه وبيحطه في ضهره.
كان نايم على الكنبة بعد ما أجبره طارق يخرج من المستشفى.
حاسس بتوجس من دماغه المريبة اللي مش مفهوم إيه اللي بيدور فيها.
ولكنه اتخلى عن توتره وقال:
أنت رايح على فين دلوقتي؟
ابتسمله وهو بيعدل چاكيت بدلته السودة وهو بيقول:
رايح أعزي قصي.
حاول يتعدل فـ إتألم فـ بصله طارق بسخرية من فوق لتحت.
أما عيسى قال:
أنت كده بتضرب على الحديد وهو سخن.
قصي أكيد مش في حالته الطبيعية.
منضمنش ردة فعله هتبقى إيه!
وقف طارق وقال بتريقة:
مش ملاحظ إنك من بعد رقدتك دي وبقيت جبان؟
ما تنشف يا عيسى الظاهر نسيت أصل المهنة.
ولو نسيتها مش هفكرك بيها.
هسيبك لمصيرك.
ولكن عيسى اتبدلت ملامحه للضيق وقال:
مش ملاحظ إنك بتهددني كتير اليومين دول يا طارق؟
قرب منه بحدة وقال برفعة حاجب:
ولو لاحظت هتعمل إيه يا عيسى يا زهران؟
كل اللي احنا فيه بسبب سذاجتك وغباءك برضه.
خسرنا ملايين بعد ما مشيت وراك ودسينا حية في وسطنا على أساس إنها عبيطة مش فاهمة حاجة ونسينا إنها تربية إيد قصي الراوي وجينات أحمد زهران في دمها!
سكت عيسى ودور وشه الناحية التانية وهو شايف إنه معاه حق فعلًا.
ولكن تكراره بإن يفكره بفشله الذريع كان بيضايقه.
فرجع طارق ابتسم ولا كإنه كان بيزعق من شوية وقال:
وبعدين برضه مينفعش مروحش أعزي الغالي وآخد بإيده واواسيه.
ده غالي علينا برضه.
خلص كلامه واتجه لبرا ووراه رجالته اللي كانوا كلهم مسلحين.
كان قُصي عامل عزا كبير يليق بعيلة زي عيلة الراوي. كان قاعد بشموخ وهو بيراقب وجوه الموجودين وبيفكر. دقايق وشاف عربية ضخمة وراها عدة عربيات تانية. نزل منها رجالة طارق وبعدين اتجهوا وفتحوله الباب. كان قُصي مدرك هوية الشخص اللي جاي. ومع ذلك فضل قاعد مكانه وملامحه ما زالت جامدة وكإنه كان عارف إنه جاي.
وقف ياسين وعَدي ومعاذ وراحوا وقفوا جنب قُصي. نزل طارق من العربية. قفل زرار جاكيت بدلته واتحرك ناحيتهم. فتابعه ياسين اللي قال بتعجب:
"وده إيه اللي جابه؟"
معلقش قُصي وفضل موجه انظاره عليه، لحد ما وقف قصادهم طارق ونظراته كلها خبث وسخرية قال:
"البقاء لله. أتمنى تبقى آخر الاحزان يا قُصي."
"البركة فيك بقى ده لو كملت."
رفع قُصي عينيه ليه وقال:
"جايلي برجلك يا طارق؟ أكبر غلطة عملتها."
ابتسم طارق وقال باستفزاز:
"تؤ تؤ. المفروض تحرم يا قُصي وتجيلي راكع. آخر مرة وقفت قصادي ابوك راح فيها. مين عالم الجاي مين؟ يمكن أنت. يمكن أخوك. يمكن مراتك، جايز ليه لأ؟"
وعن ذكره لعائشة اللي اتعمد يخليها آخر اسم كتهديد، حس قُصي بالنار بتشتعل في أوردته وبدون تردد سحب السلاح من جيب معاذ ووجهه على دماغ طارق. اللي ابتسم بسخرية وهو بيتابع الملامح الاجرامية اللي على وش قُصي. كان مبسوط إنه قدر يستفزه.
انتفض الحضور علي الواقعة دي. أما معاذ مال ناحية قُصي وهو بيحاول يهديه:
"قُصي. مش في وسط الناس اهدى. هو قاصد يفقدك اعصابك."
فضل قُصي إيده على الزناد وهو باصص ليه وعروقه نافرة من شدة استفزازه ليه. فاتدخل عَدّي وقال:
"اهدأ يا قُصي متوديش نفسك في داهية."
وقبل ما يضغط على الزناد اتفاجئوا بتدخل الشرطة في المكان. مر الضابط عمر وسط الناس لحد ما وقف مكانه وهو شايف المشهد ده. وقال:
"نزل سلاحك يا قُصي."
فضل قُصي إيده متجمدة على السلاح اللي في إيده. فرجع الضابط عمر يقول بتحذير:
"نزل سلاحك يا قُصي احسنلك."
قدر يتمالك نفسه بالفعل ونزل سلاحه. فزادت ابتسامة طارق اللي اتلفتت للضابط عمر وقال:
"مفيش حاجة يا حضرة الرائد. أنا وقُصي بنهزر مع بعض عادي."
ولكن الضابط عمر كان عارف إن فيه وضع مش طبيعي بينهم. فشك بإن طارق ليه يد في اللي حصل. فقال:
"هنتناقش في الموضوع ده في القسم."
ولكن طارق قال بتعجب:
"بس أنا مقدمتش شكوة عليه."
فرفع عمر حاجبه وقال:
"مش مبرر. أنا شايف قدامي دلوقتي سلاح كان متوجه على دماغ واحد. فياريت تتفضلوا معايا على القسم من غير شوشرة."
اتجه عَدّي ليه وهو بيقول:
"بس يا سيادة الرائد زي ما أنت شايف إن إحنا بناخد عزا ابونا دلوقتي."
فقال ببرود:
"الكلام ده كنت تقوله لأخوك الكبير قبل ما يوجه سلاحه ناحية حد."
ورغم النقاش اللي كان داير ده إلا إن قُصي مكانش مكترث نهائي وكان مركز على طارق بحقد وغل وهو بيقسم جواه إنه هينتقم. فرجع عمر قال:
"ياريت تتفضلوا معايا."
بالفعل اتجه قُصي وطارق مع الضابط عمر. خرجت عائشة والباقي في الوقت ده بعد ما حسوا بوضع مش طبيعي. ولكنها شعرت بالرعب لما لقت قُصي متجه ناحية عربية الشرطة ومعاه شخص غريب. فجريت وهي بتقول بجنون:
"قُصي! فيه إيه؟"
منعها عَدّي إنها توصل وقال وهو بيهديها:
"متقلقيش. حاجة بسيطة وهتعدي."
فاللحظة دي مر طارق اللي اتلفت ليها وبصلها من فوق لتحت بنظرات كانت مليانة سخرية. فوجهت ليه عائشة نظرات استنكار ومتهزتش من نظرته تمامًا. لحد ما ركبوا عربية الشرطة ومشيوا. أما معاذ فقال وهو رايح لعربيته:
"أنا هكلم المحامي يسبقني على هناك وخليك أنت في العزا يا عَدّي."
هز عَدّي راسه ليه بتفهم. وبالفعل اتحركوا وابتدت الجلبة تخف ويرجع المكان للوضع الطبيعي. ولكن عائشة فضلت مكانها وهي حاسة بتوجس على اللي ممكن يصيب جوزها هناك.
***
"تقدروا تقولولي إيه اللي بينكوا؟"
قالها الضابظ عمر لـ طارق وقُصي اللي كانوا قاعدين قصاده على كراسي المكتب. فسند طارق بدراعه على سطح المكتب وهو بيقول:
"سبق وقولتلك مفيش حاجة يا سيادة الرائد. قُصي أعصابه مشدودة بقى ما أنت عارف أبوه لسة مقتول برضه."
رفع قُصي أنظاره ليه بحدة. فكمل طارق باستفزاز اكتر:
"ولكن أنا مش زعلان منه. بالعكس قُصي زي ابني برضه."
جز قُصي على أسنانه بعنف. ولكن الضابط عمر مكانش مقتنع بالكلام اللي هو بيقولهوله. كان حاسس إن فيه حاجة بينهم مش طبيعية. عداء خفي مش معروف سببه. فرجع قال وهو بيشبك إيديه الاتنين في بعض:
"وعلى كده تعرفوا بعض منين؟ حسب علمي إن أنت طول عمرك برا مصر. وقُصي مكانش بيسافر كتير."
هنا رفع قُصي راسه لعمر وقال بضيق:
"ما قالك مفيش حاجة بينا قبل كده. لازمتها إيه قاعدتنا يا سيادة الرائد؟ ياريت توفر المجهود الجبار ده في إنك تشوف مين ضرب عيسى زهران في ضهره ومين اتسبب في الهجوم علينا بدل ما تحقق معانا في حاجات تافهة!"
ابتسم عمر وقال بسخرية:
"أنا مدرك إن أنتو مخبيين حاجات كتير. والحوادث دي ليها علاقة بيكوا. ولكن للأسف مش قادر ألاقي دليل ضدكوا."
اتنفض قُصي وقال بحدة:
"أديك قولت. مفيش دليل. يعني قعدتنا هنا ملهاش لازمة ومعطلني عن استقبال عزا ابويا. ياريت لما تلاقي دليل ابقى ناديني. غير كده مليش قعاد هنا بدون سبب."
قالها وهو بيتجه لبرا. حركته دي استفزت عمر بشدة بسبب عجرفته. ولكن طارق حاول يهديه بنبرته الناعمة الثعبانية:
"متاخدش على خاطرك منه يا سيادة الرائد. على يدك والده مقتول برضه."
ولكن الضابط عمر قال وهو بيضيق عينه وبيجز على أسنانه:
"مسيري أوصل للي وراكوا يا طارق."
قام طارق وقف وعدل من هدومه وهو بيقول ببرود:
"مبسوط إني قعدت معاك الشوية دول يا عمر بيه. استأذنك بقى."
قالها بأدب مصطنع. ففضل عمر موجه نظراته ليه بحدة. وبعدين شاورله بإنه يخرج. فابتسم باستفزاز وسابه وخرج. أما عمر فضرب على المكتب بغيظ وهو بيحاول يتمالك أعصابه على قدر ما يقدر.
***
عدى اليوم وخلص العزا من غير أي أحداث تانية.
كان قُصي نايم وفي حضنه عائشة اللي كانت صاحية وساندة راسها على صدره. أما هو فكان شارد تمامًا وبيفكر. حست بإن دماغه شغالة بطريقة زيادة. فملست على وشه بحنان وهي بتقول:
"حبيبي ممكن تنام شوية؟ الارهاق باين عليك. متئذيش نفسك بالشكل ده أنت صاحي بقالك اكتر يومين!"
رغم إنه مكانش قادر يجاريها. إلا إنه رفع كف إيديها وطبع قبلة عليه وهو بيبصلها بحب وبيقول:
"حاضر. هنام أهو بس متزعليش نفسك أنتِ."
ابتسمت ليه وملست على شعره برقة وإيديها بتتغلغل في أعماق شعره الاسود. فغمض عينه بارتياح من احساسه بحنيتها عليه. يمكن الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليه كل ده هو وجود عائشة اللي قادرة إنها تروض الوحش اللي جواه.
مر شوية وقت حس بيها إنها راحت في النوم. اتعدل شوية وهو بيتحرك بحذر عشان ميصحيهاش. وبعدين قعد مكانه يتأمل في ملامحه المحببة ليه. ملس على وشها بيرسم ملامحها وبيحفرها جواه. وبعدين مال وطبع قبلة عميقة على خدها. وقام اتحرك ولبس هدومه وأخد مسدسه وخرج وهو بيلقي نظرة قد تكون الآخيرة عليها.
نزل تحت فلقى معاذ مستنيه وهو باين عليه التردد. فاتوجه ناحيته وهو بيقول:
"ما بلاش يا قُصي."
"يا إما رجلي على رجلك."
ولكنه قال وهو بيلبس الكاب الاسود بتاعه وبيتجه ناحية عربيته:
"اسمع الكلام. كل حاجة هتمشي زي ما أنا عايز."
وقدام اصراره اللي كان عارف إنه عمره ما هيرجع فيه. سكت ونكس راسه للأرض.
فربت قُصي على كتفه وابتسمله عشان يطمنه. وبعدين اتجه لعربيته وخرج بيها لبرا.
دقايق عدت وهو ماشي على الطريق. ابتسم وهو بيبص للمراية لما شاف إن فيه عربيتين ماشيين وراه.
وفلحظات لما وصلوا لحتة مقطوعة ابتدى يضربوا بالنار عليه. سرع قُصي حركته بالعربية. وفنفس الوقت بقا يخرج بجسمه من الشبك وهو بيضرب نار عليهم. لحد ما جت رصاصة في صدره وهو طالع من الشباك. وفي ثانية فقد اتزانه بالعربية اللي كانت سرعتها عالية جدًا. وابتدت تتقلب كذه مرة. وقفت العربيتين اللي كانوا وراه وهما بيراقبوا انقلاب العربية بيه لحد ما وقعت من فوق تلة وفلحظات ارتفع فيها النار وانفجرت.
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة ممدوح
رواية زوجة رجل استثنائي الفصل العشرون 20 - بقلم منة ممدوح
كان قاعد على مكتبه في الشقة اللي واخدها في ناطحة السحاب اللي مكانها مش معروف حتى ليعسى.
بيقلب بين ملفات الصفقات الجديدة واللي هتعوض الخساير اللي خسرها في الشحنة اللي البوليس مسكها.
كان على وشه علامات راحة رهيبة، الأزمة اللي كانت مانعاهم راحت خلاص.
سند ضهره وهو ماسك الورق بين إيديه، لحد ما لقى حد من رجالته بيقتحم المكان وهو بيقول:
"طارق بيه!"
اتنفض وبصله وكانت نظراته اتبدلت للعصبية وزعق:
"إيه يا زفت أنتَ! أنتَ فاكر نفسك داخل زريبة!"
وقف الراجل مكانه وشبك إيديه ببعض وحنا راسه وهو بيقول بخوف ورهبة:
"متأسف يا طارق بيه بس فيه حاجة مهمة حصلت."
ولكنه افتكر انه خبر عادي، فرجع يقلب في الورق وهو بيقول بانتشاء:
"مفيش حاجة أهم من اللي حصل."
فأصر رجله وهو بيقول:
"بس يا طارق بيه..."
قاطعه وهو بيزفر بضيق وبيحدف الملف على المكتب وقال:
"اخلص يا زفت. فيه إيه؟"
اتلجلج الرجل شوية لحد ما اتكلم وقال:
"حصل هجوم على ڤيلا عيسى بيه و....."
سكت وهو بيبلع ريقه، فاتعدل طارق بسرعة وقال بحذر وهو مش عايز يسمع اللي هيتقال:
"و إيه؟"
"صفوه هو وكل الرجالة اللي كانوا في الڤيلا."
قالها وهو لسة حاني راسه.
فاتنفض طارق بسرعة وهو بيصرخ:
"إيه! مين اللي عمل كده؟!!"
تراجع رجله شوية لورا بقلق وهو خايف لطارق يتهور ويقتله، فقال بسرعة:
"الكاميرات مش مسجلة حاجة، متصوب عليها من بعيد، والكاميرات اللي جوا مش موضحة حاجة برضه."
شد طارق على شعره وهو حاسس إنه على وشك الجنون، متخيلش صدمة زي دي تحصل، خصوصًا إنهم ملهمش أعداء ظاهرين حاليا، فقال بعصبية:
"يعني إيه! يدخلوا يصفوه هو وكل رجالته ومتعرفوش مين!"
نزل الرجل راسه للأرض أكتر وهو مش عارف يرد. فضل طارق يلف حوالين نفسه في الأوضة وهو مش مستوعب، ومش متخيل مين اللي هتجيله الجرأة يعملها. فوقف مرة واحدة وقال:
"حد من بيت الراوي خرج النهاردة؟"
هز راسه بالرفض بسرعة وهو بيقول:
"لا يا باشا، مفيش حد خطى برا الڤيلا حتى الحراسة."
هنا فقد اعصابه وصرخ وهو بيطوح بإيده كل الحاجات اللي على المكتب:
"أومال إيه!! مين اللي عمل كده!"
تراجع رجله لورا اكتر وهو شايف رئيسه فقد اعصابه لدرجة كل حاجة على المكتب وكل الأساس اللي موجود في الغرفة كسره وهو بيصرخ من الغضب وقلة الحيلة في نفس الوقت. لحد ما وقف وهو بيحاول يتمالك نفسه وبيتنفس بعنف واضح. كان بيحاول يفكر، حاجة زي دي وهجوم متكامل زي دا محتاج واحد خبرة وعارف يتحرك ويتسلل كويس وكمان متدرب. وقف مرة واحدة وتمتم بصدمة:
"ليكون...."
ولكنه سكت وهز راسه كذا مرة وهو رافض إنه يصدق اللي جه في باله وهو بيقول:
"لا لا لامش معقولة. مستحيل. مش ممكن. لا."
كان بيحاول يقنع نفسه بالكلام ده. وبعدين رفع انظاره مرة واحدة للحارس اللي اتنفض برعب وهو خايف لياخد من بطشه. ولكن طارق قال:
"كثفوا المراقبة على ڤيلا الراوي، وڤيلا الوكيل برضه، حتى لو مفيش حد هناك راقبوها برضه، عايز اعرف النفس اللي بيتنفسوه، عايز اعرف مين بيخرج أو بيدخله."
هز الحارس راسه بسرعة وهو بيقول:
"أوامرك يا باشا."
فأشار ليه طارق بإنه يخرج. وبالفعل ما صدق الحارس إنه هرب من قدامه، مكانش ضامن إيه اللي ممكن يعمله طارق فيه لو بس عصبيته زادت شوية، مكانش هيتردد إنه يفضي خزنة سلاحه في دماغه حتى لو ملهوش ذنب.
أما طارق فـ فضل رايح جاي حوالين نفسه في الأوضة وهو بيفكر. عيسى كان صاحبه ورفيق المهنة، يمكن مكانش بيحبه ولكن كان شايل عنه حاجات كتيرة. عارف ومتأكد إن طالما عيسى راح فالدور عليه هو. ولكن سر اللي عمل كده لازال مش عارفه، رغم إنه شاكك في حاجة معينة رافض إنه يصدقها.
اتحرك وخد سلاحه من على الأرض حطه في ضهره، وشال مفاتيحه وحاجته المهمة ولبس نضارته الشمس وخرج من الشقة ووراه رجالته اللي كانوا مكثفين الحماية عليه.
على ما نزل كانوا جهزوا عربيته الضخمة المتفيمة، أمنوا المداخل والمخارج لحد ما اتأكدوا إن الوضع أمان. وبعدين اتحرك هو وركب العربية ومشيوا.
وعلى بُعد كان واقف قُصي بيتابعهم بابتسامة مليانة سخرية، وهو مازال لابس الكاب الاسود بتاعه، وحاطت إيديه الاتنين في جيب الچاكيت الجلد الاسود، لحد ما شافهم بيتحركوا، فنزل الكاب شوية على وشه عشان يداري ملامحه أكتر، وبعدين اتجه لفوق.
كان عارف رقم الشقة اللي قاعد فيها وفي انهي دور. قدر يستغلهم وعرف يوصل لحاجات كتير عنهم، أكتر ما بيتخيلوا. وقف قصاد الشقة ورن الجرس، لحد ما فتح أحد الحراس الباب وهو حاطت إيده على سلاحه من غير ما يبينه احتياطًا، وبيراقب بعينه الشخص اللي قدامه بتعجب وهو بيقول:
"عايز إيه؟"
ابتسم قُصي بخبث وقال:
"آسف شكلي غلطت في الشقة."
قالها وهو بيتلفت ويمشي، فبصله الحارس باستغراب ولكنه هز كتفه ورجع يقفل الباب. وفلحظة اتفاجيء بالباب بيتزق عليه، وقبل ما يحط إيده ياخد سلاحه كان قُصي لكمه بالبوكس في وشه فوقع الحارس على الأرض وهو مش مدرك اللي بيحصل.
اتمالك نفسه ورجع قام ولكن قُصي ضربه مرة تانية، وشال سلاحه من جيبه وضربه رصاصتين في صدره فوقع الحارس مكانه ميت.
دخل لجوا وهو عارف إن طارق واخد كل حراسه معاه ومش سايب غير ده لإنه عارف إن محدش وصل للشقة دي، ولكنه برضه استهان بقُصي.
فضل يقلب بين الأوض لحد ما وصل لأوضة المكتب، ابتسم بسخرية وهو شايفها مقلوبة قدامه وكان عارف إن ده من غضب طارق لما عرف بمقتل عيسى الغريب. فضل يقلب بين الورق اللي قدامه لحد ما ابتسم وهو شايف ان قدامه اللي عايزه، ولكنه مكتفاش. فتح الادراج واخد منها كل الاوراق اللي موجودة سواء للصفقات القديمة والجديدة، وبعدين خرج من الشقة وهو بيصفر باستمتاع رهيب.
وأخيرًا هو المتحكم في اللعبة.
---
كان رايح في النوم بعد يوم شغل طويل ومرهق ما صدق إنه خلص. الأمور بتزداد تعقيد ولحد دلوقتي مش عارف يوصل لحاجة، ففضل إنه يرتاح شوية لعل دماغه تصفى شوية.
اتقلب من نومه وهو مكشر بضيق من صوت التلفون اللي ارتفع رنينه. حاول يتغاضى عنه ولكن الرنين كان باصرار. اتعدل ومد إيده يرد من غير ما يبص على هوية المتصل وبعيون مغمضة قال:
"أيوه؟"
"تجيلي دلوقتي حالًا."
اول ما سمع صوت رئيسه وقدر يميزه كويس اتنفض بسرعة وقال:
"أوامرك يا فندم."
قفل رئيسه من غير ما يزود أي كلام، فاتمطع عمر بتكاسل وقام بتعب وهو بيقول:
"شغلانة مفيهاش راحة."
خد دش سريع وغير هدومه لملابس رسمية واتجه لمكان القسم بسرعة عشان ميتعصبش عليه رئيسه. كان عارف إنه عصبي رغم البرود اللي ظاهر عليه ومبيتهاونش تمامًا.
وصل أخيرًا لمكان مكتبه، خبط فسمعه بيأذنله بالدخول. بالفعل دخل وأدى تحيته العسكرية وهو بيقول:
"صباح الخير يا فندم."
أشارله يقعد من غير ما يرد، كان وقتها ماسك مجموعة اوراق في إيده. اتجه عمر وقعد على كرسي المكتب قدامه وكله استغراب. فرمى رئيسه الملف قدامه وهو بيشاورله ياخده، فالتقطه عمر بتعجب وكله فضول عشان يعرف إيه مضمونه. واثناء قراءته قال رئيسه:
"الملف ده وصلنا من شوية."
كل ما كان يتعمق عمر في القراءة، كانت تزداد دهشته. قدامه ملفات صفقات وشحنات مشبوهة وغير قانونية مشترك فيها عدة رجال اعمال كبيرة جدًا في البلد واللي على راسهم طارق الهلالي!
بصله عمر بصدمة فقال رئيسه:
"الظاهر إن فيه حد غدر عليهم واستولى على كل الأوراق اللي توديهم في داهية."
ابتسم عمر بفرحة وقال:
"أنا مش مصدق! كنت متأكد إن وراهم حاجة."
فعلق رئيسه وهو بيقول:
"كلنا كنا متأكدين مش أنتَ بس، ولكن مكنش عندنا دليل، ودلوقتي الدليل بين إيدينا أهو."
وقف عمر بسرعة وهو بيقول:
"لو تسمحلي يا فندم اروح اقبض على كل الأسماء اللي موجودة هنا."
بالفعل شاورله رئيسه وهو بيقول:
"بالتوفيق."
أدى عمر تحيته العسكرية وبعدين خرج من المكتب. جهز عدد رجال شرطة معقولين معاه، واتجهوا للقبض على كل الاسماء اللي موجودة في الملفات بما فيهم طارق.
---
"طب عشان خاطري كلي لقمة واحدة حتى!"
كانت مريم قاعدة قصاد عائشة على السرير وهي حاطة على رجلها صينية فيها أكل. أما عائشة فكانت بالفعل صاحية ولكنها كانت شاردة في ملكوت تاني، من وقت للتاني بتنزل دموعها في صمت، مبتردش على حد ولا بتتجاوب.
"بالله عليكي ما ترديني."
قالتها مريم وهي كلها حزن على الحالة اللي عائشة وصلتلها. فاتنهدت بضيق وشالت الصينية حطتها على الكومود جمبها على أمل إنها تحس بجوع فتاكل لوحدها من غير اصرار حد.
اتحركت مريم عشان تمشي ولكنها وقفت لما عائشة اخيرًا خرج صوتها الضعيف:
"مريم.."
اتلفتتلها وقالت بلهفة:
"أؤمري يا حبيبتي."
بصتلها عائشة بوجه شاحب وقالت بصوت مبحوح:
"ابعتيلي حد من الخدم."
"محتاجة حاجة وأنا اجيبهالك، قولي وأنا عيوني ليكي."
هزت راسها بضعف ومقدرتش حتى تبتسم عشان تجاملها، وردت:
"لا شكرًا. ابعتيلي حد منهم بس."
ضمت مريم شفايفها وبعدين خرجت لبرا عشان تشوفلها حد بالفعل. كانت عائشة بتتألم لدرجة مش قادرة تعبر عنها، مش عارفة تبكي، مش قادرة تصرخ حتى، يمكن بدون المهدئات كانت اتجننت. مش هتقدر تئذي نفسها غير بعد ما تتأكد الأول من اللي في بالها.
بالفعل جت واحدة من اللي شغالين في البيت، قالتلها عائشة على طلبها، وأكدت عليها متعرفش حد، وبالفعل خرجت الخادمة ورجعت بعد مدة بالمطلوب.
خدته منها عائشة وهي بتتأمله بتردد، بتبلع ريقها الناشف وهي خايفة. اتحاملت على نفسها، وقامت بضعف وهي بتتسند على الأثاث اللي في الأوضة. بالفعل مكانش عندها أي طاقة ولا قوة تخليها تتحامل على نفسها، كانت في اشد لحظات ضعفها.
خرجت بعد مدة من الحمام وهي ماسكة اختبار الحمل بين إيديها بتتأمله بصدمة وهي شايفة الخطين واضحين قدامها. شهقت بألم وحطت إيديها على شفايفها وهي بتبكي بقهر. كانت حاسة إن الحلم مش صدفة، كانت حاسة إنه اشارة ليها وبالفعل هي دلوقتي جواها حتة منه!
سابها ولكن ساب ذكرى منه جواها.
انهارت على الأرض وهي بتبكي بعنف، مش قادرة تتحمل الألم اللي هي حاسة بيه. كانت نفسها بالفعل تحمل بطفل منه، بس يكون هو جنبها، كان نفسها تشوف رد فعله وهي بتقوله ان ابنه جواه. تشوف فرحته ولمعة عيونه. تشوف لهفته وخوفه عليه. تجهيزاتهم لأوضتهم. مش متخيلة إنها هتعيش تعب الحمل وألم الولادة وهو مش جنبها عشان يدعمها.
مش قادرة تتصور إنه مش هيشيل ابنه اول ما يتولد! اتكتب عليه يتولد يتيم!
بكت بقوة وهي محتوية بطنها، في حين بتكلم جنينها كإنه سامعها:
"مشي وسابك لي. ساب حتة منه تعوضني عنه."
ملست على بطنها من وسط دموعها اللي مغرقة وشها وقالت:
"شوفت بابي عمل فينا إيه يا حبيبي؟ سابنا لوحدنا من غيره."
"بس أنا عارفة إنك هتطلع قوي زيه ومبتخافش من حاجة، عارفة إنك هتظهر فيك چينات قُصي الراوي."
على ذكر اسمه شهقت بقوة وهي بتقول:
"ليه مش قادرة اصدق إني مش هشوفه تاني؟ حاسة إنه عايش. حاسة إن نفسه لسة في الدنيا."
"ولا يمكن ده عشان وجودك أنتَ بس يا حبيبي؟"
قالتها بضعف وهي بتملس على بطنها بحنية.
"أنا هكون قوية عشانك أنتَ بس. تحامل على نفسي عشان خاطرك يا عيون ماما."
سندت نفسها وقامت اتحركت وقعدت على السرير، شالت صينية الأكل اللي على الكومود وبدأت تاكل منها، رغم إن شهيتها معدومة، حتى ملهاش نفس للحياة، ولكنها هتكافح عشان اللي في بطنها، مش هتقدر تتخلى عن عوض ربنا ليها عنه. وبعد ما خلصت اكل، اتحركت لدولابه، وأخدت الچاكيت بتاعه اللي ما زالت ريحته فيه، واتجهت للسرير اتمددت عليه وهي واخدة الچاكيت في حضنها وبتستنشقه بقوة، متشبثة فيه وضماه كإن هو اللي جمبها، في حين مازالت بتبكي بقوة ولكن بدون صوت، بس صوت شهقاتها اللي بتطلع من وقت للتاني، لحد ما راحت في النوم وهي على حالتها دي.
---
بعد مرور اسبوع.
قدروا قوات الشرطة بالفعل إنهم يمسكوا معظم اللي موجود اساميهم في الأوراق اللي اتبعتتلهم وتم التحقيق معاهم.
دخل عمر على مكتب رئيسه وأدي تحيته العسكرية وهو بيقول:
"لحد دلوقتي طارق الهلالي هو وعيسى زهران مختفيين يا فندم."
زفر رئيسه بضيق واضح وقال:
"راقبتوا كل الأماكن المشكوك فيها؟"
هز راسه وقال:
"ايوه يا فندم، وبعتنا قوات تراقب كل الاماكن اللي اتقالتلنا من المتهمين."
سند رئيسه ضهره على الكرسي وشاورله وهو بيقول:
"اتفضل شوف شغلك يا حضرة الرائد، ياريت الموضوع ده ميطولش أكتر من كده. طارق الهلالي يجيلي في خلال ٢٤ ساعة حي أو ميت."
أدى عمر تحيته العسكرية وبعدين خرج من الأوضة من غير ما يرد. وبمجرد ما خرج اتقلبت ملامح وشه للضيق الشديد. وصل لبرا وركب عربية الشرطة واتحرك هو وعدد من القوات معاه على أمل إنهم يوصلوا لحاجة.
أما في مكان تاني، دخل معاذ المخزن القديم اللي بيتقابل فيه هو وقُصي من وقت للتاني، وده لإنه مدرك إنهم متراقبين سواء من الحكومة أو من رجالة طارق. لقى قُصي جوا مديله ضهره وهو بيرسم على سبورة خطة معينة وواقف ساند دقنه على إيده.
اتلفت أول ما حس بيه فضمه معاذ وهو بيقول:
"الحمدلله إنك بخير يا صاحبي."
ربت قُصي على كتفه، فرجع قال معاذ:
"طلعت داهية يا قُصي. متوقعتش اللي عملته ده! تسلم كل البلاوي دي للحكومة!"
ابتسم قُصي وقال:
"كان لازم أشيل الكل من طريقي، عشان اعرف افضى لطارق. أظلمت نظراته وهو بيكمل: أصل مكانته عزيزة عليا شويتين."
حس معاذ بالقلق خصوصًا إن الدنيا لبش الفترة دي بسبب الحكومة، فقال:
"طب ما تسيبه يتسجن وخلاص، مفيهاش أقل من مؤبد تهمته دي، لو مخدش اعدام!"
اداله قُصي ضهره وهو مركز على السبورة اللي قدامه وقال:
"وأنتَ فكرك إنه هيفضل في السجن لحد ما يتحاكم؟ بمجرد ما يغفو عنه هيهرب ويطلع برا البلد."
فسأل معاذ بتردد:
"ومين قالك إنه بالفعل مهربش طول الاسبوع اللي فات؟"
ابتسم قُصي وقال بثقة وهو بيتلفت ليه تاني:
"ميقدرش، لو سافر من غير الحاجة اللي في المستودع المخفي بتاعه، هياكلوه هناك، هيروح فقير ومجرد تابع للمافيا اللي هناك ده لو مخلصوش عليه. هو مستني الدنيا تهدى شوية وبعدين ياخد كل حاجة هنا ويمشي."
ضيق معاذ عينه وقال:
"أنتَ مديتش ملف المستودع ده للحكومة؟"
رفع زراعه وضغط على كتفه وهو بيقول بخبث:
"تؤ.. سايبه للآخره."
هنا حس معاذ إن قُصي في حاجة معينة في دماغه، فقال بضحك:
"ناوي على إيه؟"
فزادت ابتسامة قُصي وهو بيقول:
"كل خير... اسمعني كويس...."
---
كان مستخبي في أحد الأماكن المشبوهة، في حالة صدمة ومش مستوعب الوضع اللي هو فيه، من وقت ما جاله الخبر إنه مطلوب من الحكومة وعرف إن كل حاجة انكشفت وهو هربان، لا منه عارف ياخد حاجته، ولا منه عارف يهرب على برا ويضحي بكل اللي موجود هنا.
كان واقف قصاد البلكونة بيبص على اللي برا من بعيد، لحد ما دخل واحد من رجالته وقال:
"طارق بيه."
اتلفتتله بلهفة وهو بيتمنى يسمع خبر يطمنه شوية، فقال التاني:
"عرفنا إن المستودع الأخير الحكومة متعرفش عنه حاجة وموصلهمش أي ورق عنه."
لمعت عيونه بفرحة، فاتجه لبرا بسرعة وهو بيقول:
"طب يلا على هناك مستنيين إيه!"
بالفعل خرج ومعاه رجالته اللي أمنوا مكان خروجه الأول، وبعدين ركب العربية واتجهوا لمكان المستودع.
وصلوا ووقفت العربية بعيد عن المكان بشوية، كانوا الأول بيراقبوا المكان وبيشوفوا هل حد موجود ولا لا، لحد ما لقوا المكان نضيف بالفعل، فأمرهم طارق وقال:
"كلموا الرجالة بالشاحنات وابدؤوا فرغوا المستودع من كل حاجة."
هز رجله راسه باحترام، وجري يعرف الموجودين، وبالفعل اتحرك كل رجالته على المخزن ما عدا واحد بس فضل معاه وواقف قدام العربية بحيث يأمن المكان من حوالين طارق اللي فضل مكانه وقرر مينزلش عشان لو حصل أي حاجة.
ثواني عدت وسمع الحارس اللي كان موجود صوت خرفشة في المكان، طلع سلاحه من ضهره ورفع صمام الأمان، واتحرك بحذر وهو بيبص حواليه. حس بحركة من ورا شجرة معينة، فاتحرك بسرعة ورا الشجرة وهو مصوب سلاحه ولكنه ملقاش حاجة، ولكنه سمع صوت نداء خفيف من وراه، اتلفت وقبل ما يستوعب كان قُصي ضربه برصاصة في دماغه وقع ميت.
اتجه ناحية العربية اللي فيها طارق، كان مبتسم بشر، ملامحه بتلمع باجرامية، نظراته حالكة الظلام مرعبة، كان باين عليه إنه مش ناوي على خير تمامًا. فتح باب العربية بعنف، فاتنفض طارق بخضة. ولما شاف قُصي قدامه برق بصدمة.
أما قُصي فقال:
"واحشني يا غالي."
وقبل ما يطلع طارق سلاحه، كان مسكه قُصي وسحبه من هدومه ورماه بعنف برا العربية، وقبل ما يتعدل وقف برجله على صدره وضغط بعنف وهو مصوب سلاحه على دماغه، فرفع طارق إيده الاتنين وهو مرمي على الأرض في حالة استسلام. ميّل قُصي وخد سلاحه من جيبه وحطه في ضهره، وابتسم وهو بيقول:
"أنا قولت أكيد وحشك صاحبك، فجيت بنفسي عشان أوديك ليه."
كانت ملامح طارق مرعوبة، مخضوض، مش مستوعب وجوده قدامه، شكه طلع صح ورجالته فشلوا في إنهم يخلصوا منه فعلًا. استهان بقُصي جامد، ورغم إنه اتأذى كتير من ورا استهانته إلا إنه متوقعش يقوم من الموت. فردد بصدمة:
"ااا ازاي!"
ابتسم قُصي بتريقة، وقال:
"بدل ما توقعني في الفخ وقعتك أنا فيه. عارف مشكلتك إيه يا طارق؟ غرورك. شايف مفيش حد اذكى منك، شايف إنك المتحكم في كل حاجة. بس المرادي أنا صاحب اللعبة."
عرف طارق إن قُصي مش هيسيبه، فحاول يقوم عشان يهرب، ولكن قُصي لكمه كذه مرة على وشه وهو بيقول:
"فاكرني هخرج من البيت وأنا مش عارف إن كلابك ورايا وهينتهزوا الفرصة؟ الرصاصة اللي خدتها كنت لابس واقي وقتها، العربية اللي اتقلبت نطيت منها وهي بتتقلب عادي، وبرصاصة بسيطة أنا اللي فجرتها برضه."
زادت ابتسامته وهو بيفتكر الخطة اللي ظبطها مع معاذ، كان عارف إن لو ماقنعهمش إنهم خلصوا عليه هيبتدوا يئذوا أهل بيته واحد ورا التاني، فقرر يعمل الخطة المجنونة دي رغم إنه عارف مخاطرها. بعد ما ودع معاذ ركب عربيته، ولبس واقي الرصاص، وبعدها اتجه قصدًا لطريق فاضي عشان يعرفوا ينفذوا اللي عايزينه فيه. وبالفعل ثواني ولقاهم وراه. بعد ما دار الاشتباك بينهم خرج بجسمه عن قصد عشان يوهمهم إنهم قدروا يضربوه بالرصاص، وبعدين زود سرعة العربية وضغط فرامل فجأة لحد ما اتقلبت، وبحركة مجنونة منه قدر يفتح الباب وينط منها قبل ما تقع من على التلة، استخبى ورا صخرة ضخمة وضرب رصاصة في تانك البنزين انفجرت العربية على أثرها، وبعد ما راقبهم وهما ماشيين خرج من مكانه وهو مبتسم بانتشاء، رغم الآلام والكدمات اللي ملت جسمه من الجنان اللي عمله، وطبعا قصد يسيب هدومه وكل حاجات في العربية عشان يوهمهم إنه كان موجود فيها.
حط إيده على جرح دراعه اللي بينزف، وبعدين اتحرك وهو بيعرج من المكان، وكانت أول خطوات خطته اكتملت بنجاح.
حس طارق بإنهيار قوته قدام اللكمات اللي أخدها من قُصي، اللي سابه وبعدين رفع سلاحه في وشه تاني، فاتكلم طارق وهو بيلهث بتوسل:
"استنى. بلاش يا قُصي. نقدر نتفاهم."
ابتسم وقال باجرامية:
"مبتفاهمش مع امثالك. جيبت اخرك معايا يا طارق. ومجهزلك موتة تليق بيك."
ضربه بالرجل بقوة في بطنه فتأوه طارق بألم، واتجه لورا الشجرة وطلع منها حبل، ربطه في جذع شجرة قوي، وبعدين اتجه ناحيته وقعد على ركبته وهو بيربط الطرف التاني حوالين رقبته فصرخ طارق وهو بيقاوم:
"أنتَ بتعمل إيه! لا يا قُصي!"
ولكن قُصي مستجابش ليه، وقام وقف بعد ما احكم ربط الحبل، وابتدى يشده لحد ما وقف طارق وهو بيحاول يفكه وبيصرخ طلبًا للرحمة. ولكن قُصي كانت ملامحه اجرامية، فاقدة للرحمة تمامًا، جواها قسوة وغضب رهيب، ابتدى يشد في الحبل وسط مقاومته، عروقه بزت، ونظراته كانت كارهة حقودة، شايف قدامه كل الأذى اللي اتعرضله بسببه، توجيهه لعيسى واستغلاله لمراته، نصار اللي كان من رجالته، تسببه في الهجوم على الڤيلا وقتل ابوه، كل دي اسباب خلته ميرأفش بيه.
بالفعل كان اترفع عن الأرض، مكانش قادر ياخد نفسه لدرجة إن وشه ازرق بقوة وهو بيتحرك في الهوا بيحاول يلاقي مهرب من النهاية البشعة دي. طارق بقوته وجبروته شاب زي قُصي بينهيه بأقسى الطرق وأذلها، ولكنه لما زاد اختناقه، مات.
لان جسمه، وقلت مقاومته، وغمض عينه وهو بيودع الحياة بشره وجبروته، وأخيرًا طارق هو كمان مبقاش موجود.
ورغم ده فضل قُصي قابض بقوة على الحبل، مكانش كفاية ليه، كان عايز يعذبه أكتر على كل يوم اتوجع احباؤه فيه بسببه، على حالة مراته اللي شافها فيها، وعلى كل فخ وقعوه فيه مستغلين عيلته. ولكن في الآخر ساب الحبل مرة واحدة، ووقف يتفرج عليه وهو واقع في الأرض مطلع في الروح.
في اللحظة دي حس بإيد بتربت على كتفه، اتلفت فلقاه معاذ كان مبتسمله وبيقوله بنظراته، إنهم أخيرًا خلصوا منهم.
دقايق ولقوا رجال الشرطة ماليين المكان ومحاصرين المستودع، وابتدوا ياخدوا كل الموجودين فيه بالكلابشات، فاتحرك قُصي ومعاذ من المكان قبل ما يشوفوهم.
فقال معاذ:
"هنقول للحكومة ازاي إنك عايش؟"
ابتسم قُصي وحاوط كتف معاذ وقال:
"بسيطة دي متقلقش."
فضحك معاذ وهو بيرد:
"كنت مخبوط على دماغك وفاقد الذاكرة وكده؟"
لكزه قُصي وقال بتريقة:
"لا ده هناك عند الافلام الهندي اللي أنتَ قاعدلي عليها ليل نهار."
اتباادلوا الضحك وهما ماشيين أخيرًا ولأول مرة بدون هم، فخفتت ضحكة قُصي وفي عيونه هي بس عائشة اللي مش قادر يصبر وعايز يجري عليها يقولها إنه موجود ومسابهاش. عايز يضمها لحضنه ويقولها إن أخيرًا كل حاجة خلصت.
بعد ما الشرطة لقوا جثة طارق مرمية، اتوقعوا إنه تصفية حسابات بينهم وبين بعض، خصوصًا بالأوراق اللي خرجت دي وبدأوا يحققوا في الموضوع مع باقي المتهمين.
---
صحيت من النوم مرة واحدة، اتقلبت وهي بتحاول ترجع تنام تاني عشان متحسش بإرهاق ولكن مقدرتش، النوم مجافيها بقالها أيام ومفيش غير صورته قدام عينيها.
اتعدلت وهي بتبص على الساعة فلقتها لسة يدوب ٦ الصبح، اتنهدت وقررت تقوم تتمشى شوية وتستغل إن الكل نايم. بقالها أيام حابسة نفسها في الأوضة، كان لازم تفك شوية عنها عشان صحتها وصحة جنينها اللي لسة لحد دلوقتي مقالتش لحد عنه، خايفة ليستغلوا إنها لوحدها ويئذوها عشان يتخلصوا منه.
قامت من على السرير بتثاقل، وخدت الجاكيت بتاع قُصي ولبسته، وخرجت لبرا فلقت بالفعل الجو هادي والكل نايمين.
نزلت لتحت وطلعت على الجنينة وهي محتوية دراعها من نسمات الهوا الباردة اللي في الجو، ومن وقت للتاني وهي بتتمشى، بتميل تستنشق ريحة قُصي اللي في الجاكيت كإنها بتديلها القوة.
اتوغلت جوا جنينة الڤيلا، وسط الورود والأشجار المتنوعة، مكانتش وصلت للجزء ده قبل كده، مفكرتش إنها تنزل تتمشى هنا أساسًا لكرهها البيت بأجواؤه.
مالت وقطفت وردة بيضا واستنشقت ريحتها وبعدتها عنها وهي بتملس على ورقها برقة وبتتأمل فيها بتوهان. ثواني وسمعت صوت صفير من وراها، اتلفتت بسرعة وهي بتتنفض بخضة ولكن ملقتش حد، ضيقت عينيها بتعجب ورجعت تاني بعد ما قالت لنفسها إنه متهيألها، ولكن رجع صوت الصفير يرتفع مرة تانية.
كشرت باستغراب وابتدت تقرب من مصدر الصوت، شوية الصفير يسكت فتقف مكانها وهي بتتلفت حواليها، وبعدين يرجع تاني. وقفت مكانها وهي بتعدل شعرها بضيق، لحد ما حست بحد وراها.
اتلفتت بسرعة بفزع، سرعان ما اتوسعت عينها بدهشة وهي شايفاه قدامها، واقف مبتسملها وبيتأملها بعشق. حست بجسمها بيتخدل من الصدمة، وفضلت مكانها بصاله من غير ما ترمش. أما هو غمز وقال:
"يا بخت الچاكيته ي اكل منك حتة!"
"قُصي!"
رددت اسمه بشفايف بترتجف، مش قادرة تستوعب إنه قدامها.
فقرب منها ووقف قدامها وهو بيبصلها بحنان، عينيه دافية ومليانة مشاعر مكانتش تصدق إنها هتشوفهم تاني. رفعت إيديها اللي بترتجف وهي بتملس على وشه فغمض عينه بلذه من لمستها اللي اشتاقلها. أما هي فاتكلمت بعدم استيعاب ومن بين دموعها اللي ابتدت عيونها تتملي بيهم:
"أنتَ... أنتَ حقيقي ولا أنا بحلم؟!"
فتح عينه ومال بوشه ناحيتها، ورفع إيديه احتوى وشها وهو بيقول:
"لا حقيقي يا عيون قُصي. أنا قدامك أهوه. معقولة موفيش بوعدي ليكي؟ عمري ما أسيبك لوحدك يا عائشة."
نزلت دموعها وهي بتضحك بصدمة وفرحة في نفس الوقت، وفلحظة اترمت في حضنه وهي بتتشبث بيه بقوة وكإنه هيهرب منها. شدد من ضمها هو كمان ودفن وشه في رقبتها، كإنه كان ضايع ولقى أمهم. مغترب ورجع لوطنه. هي وطنه فعلاً. عائشة هي كل حاجة لقُصي.
كانت دموعها سابقاها، بتضحك وتبكي في نفس الوقت من فرط المشاعر اللي هي فيها. ضربته على ضهره بقبضتها وهي في حضنه وعاتبته عتاب رقيق يشبهها:
"ليه عملت فيا كده! ليه تخليني اتكوي بنار إني مش هشوفك تاني؟! أنا كنت بموت من غيرك يا قُصي!"
بعدها عنه واحتوى وشها بين إيديه وهو بيقول بلهفة وأسف:
"بعد الشر عنك يا روح قُصي. كان لازم أعمل كده عشان نام. مش أنتِ كنتِ عايزانا نبعد عن كل حاجة؟ هنفذ طلبك أهو يا عائشة. هسيب كل الشغل المشبوه، وهتوب وهاخدك ونعيش بعيد عن الكل، لوحدنا، من غير مشاكل ولا قلق ولا خوف، أنا وأنتِ بس."
ضحكت بفرحة من كلامه، ولكنها صححت وهي بتقول:
"مش هنبقى أنا وأنتَ بس."
مال بوشه وضيق عينه وهو مش فاهم مقصد كلامه، فاحتوت بطنها بين إيديها، وكلمت جنينها وكإنه سامعها:
"بابا أهو يا حبيبي. رجع، ومش هيسيبنا لوحدنا تاني أبدًا."
اتجمدت قُصي تمامًا مكانه وهو بينقل نظراته بينها وبين بطنها بصدمة، بيحاول يترجم كلامها، لحد ما برق بدهشة فهزت راسها بـ آه من وسط دموعها بتأكدله إن شكوكه سح. وبدون تردد ضمها بقوة وعيونه اتملت بدموع محبوسة، فشددت هي من ضمه بفرحة وهي مش مصدقة إن أخيرًا الحياة قدرت تنصفها، وهتعيش في دفا مع حبيبها وابنهم اللي جاي.
"ودي كانت نهاية حدوتة الجميلة والوحش."
قالتها وهي قاعدة قصاد ابنها تميم وبنتها نغم اللي كانوا قاعدين منتبهين ليها باهتمام شديد، واللي كانوا فيهم شبه كبير من قُصي وكإنهم نسخة مصغرة عنه ولكن نغم كانت نسخة أنثوية.
"قصدك حدوتة عائشة والوحش."
قامت وقفت بسرعة لما لقته داخل عليهم بعد ما رجع من شغله، فصرخوا الولاد باسمه وجريوا عليه، شالهم هما الاتنين وضمهم وطبع قبله على خد كل واحد فيهم، وبعدين اتجه ليها فقالت ببراءة مصطنعة:
"فشر يا حبيبي يبقى أنتَ وحش برضه؟!"
قرب منها واحتوى خصرها وهو بيطبع قبلة عميقة على خدها وبيقول برفعة حاجب:
"مش واخدة بالك من الاسم برضه؟"
"أيوه يا بابي قاصداك أنتَ بالوحش على فكرة."
قالها تميم اللي كان عمره يدوب ٥ سنين، وهزت نغم اللي اصغر منه بـ٣ سنين راسها كتأييد لكلامه، فكشرت عائشة بضيق مصطنع وقالت:
"يعني مش كفاية چيناتك طافحة عليهم، لا وكمان بيفضلوك عني!"
مال بوشه وداعب خدها بأنفه وهو بيقول بصوت أجش:
"ما امهم هي اللي بتموت فيا وكانت قاعدة بتتأمل فيا طول فترة حملها، أعمل إيه يعني!"
ضحكت بدلال وقالت:
"طب ولما امهم بتموت فيه، بالنسبة لابوهم؟"
ابتسملها وهو بيبصلها بحب مخمدش رغم السنين دي كلها:
"أبوهم روحه وعمره وحياته فداه."
بادلته الابتسامة وعيونها بتلمع بسعادة كانت مدركة إن كل كلمة هي حقيقة فعلًا مش مجرد كلام عاطفي، قُصي فداها بروحه بدل المرة ألف، اثبت حبه وعشقه ليها بأفعاله مش بكلامه. راقبته وهو بيطلع الشوكولاتات اللي جابها لولاده وهو جاي، اتأملتهم وهما منسجمين مع بعض بسعادة، افتكرت من أكتر من ٥ سنين لما خدها وسكنوا في بيت لوحدهم، وأخيرًا بعد عن كل الشغل رغم اعتراض ياسين ولكن مكانش قدامه أي حل، قدر يقف قدام فرح ويهددها، اللي حضروا فرحها من كذا سنة على ابن رجل اعمال مشهور بعد ما أدركت إن حب قُصي أقوى من محاولاتها، وبالفعل قدروا يكونوا اسرة صغيرة بعيد عن كل حاجة، كانت عارفة ومتأكدة إن قُصي ما هو إلا رجل استثنائي. وهي زوجة رجل استثنائي.
رفع عيونه ليها لما لاحظ سكونها، فقرب منها وهو رافع إيده بنوع الشوكولاتة اللي بتحبه وقال:
"جيبتها أهو عشان متقوليش بقيت أفضل الولاد عليكي وتعمليلي مناحة."
ضحكت بقوة وضمته ليها، فزود من ضمها بحنان وهو بيلمس على شعرها وكإنه لحد دلوقتي مش مصدق إن دي حياتهم، ارتاح لدرجة رهيبة لما بعد عن كل حاجة ممكن تئذي عيلته، وأدرك إن كان قدامه نعيم كان رافضه ومجربهوش غير على إيديها لما قدرت تغيره وتروض الوحش اللي جواه.
وأخيرًا حبهم انتصر.