تحميل رواية «زواج في الظل» PDF
بقلم ياسمين عطيه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست ليلى في زاوية الغرفة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، وعقلها يدور بأقصى سرعة. عينيها شردت في الحائط، لكن في الحقيقة، لم تكن ترى شيئًا. كانت ترى ماضيها، ترى أمها المنهكة بعد يوم شاق في المصنع، يديها المتشققة وهي تمسح عرقها بحافة طرحتها البالية، وترى أختها التي تزوجت منذ عام وما زالت غارقة في الديون. "إيه يا ليلى، هتفضلي طول عمرك كده؟ بتبيعي مناديل وبتستخبي في بطانية مهلهلة؟" حست بقلبها يدق بسرعة وهي تبلع ريقها بصعوبة، إدراكها بدأ يتغير. المهمة دي خطر، مش مجرد كلام مرعب من عدلي. سنة كاملة وسط أخطر عص...
رواية زواج في الظل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ياسمين عطيه
اخترقت طلقة نارية الهواء بسرعة جنونية، تشق طريقها وسط الصمت المتوتر. لمع بريقها الفضي في ضوء الشمس للحظة خاطفة، تدور حول نفسها بقوة قبل أن تتجه مباشرة نحو أركان وليلى. الهواء من حولها اهتز بصوت صفير حاد، وكأنها تمزق الفراغ بسرعة قاتلة. في تلك الثانية، كان كل شيء يتحرك ببطء، وكأن الزمن توقف للحظات، بينما الطلقة تشق طريقها نحو هدفها بلا رحمة.
اخترقت الطلقة الهواء بقوة، متجهة مباشرة نحو كتف أركان، لتستقر فيه بقوة، ممزقة قماش سترته، ودافعة جسده خطوة للخلف. الألم اشتعل في مكان الإصابة، لكن عقله لم يستوعبه، أو ربما رفض الاعتراف به. أول ما خطر بباله كان ليلى.
بسرعة، استدار نحوها، خوفه عليها يتجاوز أي ألم يشعر به. صوته خرج قلقًا وهو يمد ذراعيه ليحيطها بالكامل، يحجبها عن أي خطر آخر.
"انتي كويسة؟"
نظرته كانت كأن الرصاصة أصابتها هي، وكأن كل الألم الذي شعر به لا يساوي شيئًا أمام احتمال أن تكون تأذت. لم يكن يهمه نفسه، لم يكن يهمه الدم الذي بدأ يتسلل من جرحه، كل ما كان يشغل باله أنها بخير، أنها ما زالت أمامه، سالمة.
ليلى وقفت متجمدة للحظات، عقلها مش مستوعب اللي حصل. كل اللي شافته هو الطلقة وهي بتخترق كتف أركان، الدم اللي بدأ يلون هدومه، والطريقة اللي لف بيها ناحيتها كأنه نسي نفسه تمامًا، كأنه ما حسش بالألم، كأنه كل اللي يهمه إنها تكون بخير.
عينيها اتسعت بخوف وهي بتمسك وشه بإيديها المرتعشة، صوتها طلع متهدج، مليان هلع حقيقي:
"أركان… دم! إنت بتنزف!"
حست برعشة في جسمها، قلبها بيدق بسرعة مؤلمة، وكأنها هي اللي اتصابت مش هو. دموعها بدأت تتجمع في عينيها وهي تحاول تضغط على الجرح بيدها المرتجفة، كأنها بتتمنى توقف النزيف بإيدها بس.
"ليه؟ ليه ما خفتش على نفسك؟ أنا مش أهم منك… إنت أهم! إنت حياتي!"
كانت بتحاول تتمالك نفسها، بس صوتها كان بيخونها، ورعشة إيديها فضحت كل الرعب اللي حسته. لأول مرة، اعترفت لنفسها قد إيه بتحبه، بس ما كانش وقت اعترافات، كان وقت إنها تحاول تنقذه.
في اللحظة دي، العربيات وقفت مرة واحدة، وكل الرجالة نزلوا بسرعة، الأسلحة في إيديهم وهم بيتلفتوا حوالين المكان بحذر.
نزل عبد الحق من العربية، سلاحه في إيده، وعينه بتلف حوالين المكان بحذر، بيحاول يحدد مصدر التهديد، لكنه ما لمحش أي حركة مريبة. عينه لمحت الدم اللي بينزف من كتفه، فرفع سلاحه بحذر وهو بيبص حواليه.
بخطوات سريعة، راح باتجاه أركان اللي كان واقف ثابت، رغم الدم اللي بينزل من كتفه.
"انت كويس؟"
أركان كان ضاغط بإيده على الجرح، لكن صوته طلع ثابت كعادته، ما بانش عليه أي وجع.
"آه، أنا كويس… أكيد اللي عمل كده كان عايزني أنا مش حد تاني، وعشان كده خلاص… الموضوع انتهى."
رفع عينه لعبد الحق، وهو بيقول بجدية:
"مش هقدر أودي البضاعة معاكم المخزن… هروح المستشفى الأول."
عبد الحق قرب أكتر، وحط إيده على كتف أركان، كأن لمسته بتأكد على كلامه.
"إنت عملت اللي عليك… ملكش دعوة بالباقي."
لكن قبل ما يكمّل كلامه، عينه راحت ناحية ليلى، اللي كانت منهارة من العياط، واقفة جنب أركان ودموعها نازلة بدون توقف.
لفّ لها عبد الحق، وقال بهدوء لكنه واضح:
"تحبوا أبعت معاكم حد من الرجالة يسوق؟ وانتي يا هنيه، تعالي نروّحك الفيلا."
لكن قبل ما حتى ليلى ترد، كانت إيدها مسكت هدوم أركان، وعيونها كانت كلها إصرار رغم الدموع.
"أنا مش هسيب جوزي غير لما أطمن عليه!"
في اللحظة دي، مروان كان جاي ناحيتهم بسرعة، وهو بيبص بخبث لليلى، ثم قال بصوت جدي:
"أنتي حامل… تعالي نروّحك الفيلا."
لكن أركان بسرعة وقف بينها وبين مروان، كأنه بيحميها حتى من الكلام، صوته كان حاسم وهو بيرد:
"لا… أنا هاخدها معايا المستشفى، لازم تكشف على الحمل."
عبد الحق كان متابع المشهد بصمت، لكنه بعد لحظات رفع عينه على أركان، وركز على الجرح اللي لسه بينزف.
"طب خد حد يسوق العربية، إنت هتقدر تسوق بحالتك دي؟"
لكن أركان، رفع راسه ورد بصوت ثابت كالعادة.
"آه… متقلقش."
عبد الحق ما حاولش يجادله أكتر، لكنه بص ليلى نظرة أخيرة قبل ما يقول بهدوء.
"لو احتاجتوا حاجة، كلموني."
أركان أومأ براسه، وبعدها فتح باب العربية وساعد ليلى إنها تركب.
***
في مكان مجهول، الإضاءة خافتة، والجو متوتر، صوت التلفون بيرن بصوت واطي وسط الصمت.
شخص مجهول رفع السماعة بسرعة، صوته كان مليان غضب وهو بيقول بصوت منخفض لكنه حاد.
"وقف يا غبي! الخطة باظت!"
وقف لحظة، بياخد نفس، وهو بيحاول يسيطر على أعصابه، لكنه كمل بغضب مكبوت.
"لما نشوف مين اللي اتجرأ وعمل كده… أكيد جدي هيعرف، ومش هيسكت!"
صوته كان مليان توتر، كأنه عارف إن العواقب هتكون كارثية… المكان فضل ساكت، لكن التهديد في كلامه كان واضح، اللي حصل مش هيمر بالساهل.
***
داخل عربية اركان
المسيطر على الجو صوت أنفاس ليلى المتقطعة ودموعها اللي مش راضية تقف.
ليلى كانت قاعدة جنب أركان، عنيها مليانة خوف، ودموعها بتنزل بدون توقف.
أركان وهو بيبص لها بنبرة هادية لكن حازمة:
"كفاية عياط عشان اللي في بطنك… أنا كويس."
ليلى بصوت مرتجف وهي بتحاول تمسك دموعها.
"بسببي… الطلقة كانت هتيجي فيا!"
أركان وهو بيحاول يخفي أي مشاعر في صوته.
"أنا قولت لك هحميكي… وكان لازم أحميكي، حتى لو هتصاب مكانك."
كلامه هزها من جواها، كان نفسها تاخده في حضنها، تواسيه، تحسسه قد إيه هي خايفة عليه بتحبوا. مدت إيديها المرتعشة، ولمست إيده، وقالت بانهيار ودموع.
"وجعاك…؟"
صوته كان ثابت، لكن عيونه قالت حاجة تانية وهو بيرد عليها بهدوء.
"مهمنيش الوجع… المهم إنك بخير."
ليلى قعدت تبص له، قلبها بيدق بسرعة، المشاعر كانت كتير، أكبر من إنها تتحط في كلام…
***
وصلت العربية قدام المستشفى، الفرامل وقفت بحركة مفاجئة، وأركان حاول يخبي تعبير الوجع اللي ظهر على وشه للحظة.
ليلى نزلت بسرعة، وهي بتحاول تفتح باب أركان بيدين مرتعشين.
"انزل بسرعة، لازم حد يكشف عليك!"
أركان وهو بيضغط على جرحه بإيده، نزل بهدوء، مش عايز يبين مدى تعبه.
أول ما دخلوا من باب الطوارئ، الممرضين جريوا ناحيتهم. واحد فيهم قال بسرعة.
"إصابة بطلق ناري؟ جهزوا غرفة الطوارئ فورًا!"
ليلى كانت ماشية جنبه، ماسكة دراعه كأنها بتحاول تحميه، أو يمكن تحمي نفسها من إحساس العجز اللي مسيطر عليها.
الدكتور قرب بسرعة.
"لازم ندخله فورًا غرفة العمليات، الطلقة استقرت في الكتف، بس محتاج تدخل سريع."
أركان بص لليلى قبل ما يسيب إيدها لأول مرة من وقت الحادث، صوته كان هادي لكنه آمر.
"استنيني هنا، متتحركيش."
ليلى مسكت إيده بقوة، عنيها مليانة خوف ودموع.
"هستناك… بس متتأخرش عليا."
أركان بص لها نظرة سريعة قبل ما يسيب إيدها، ويمشي مع الطاقم الطبي، بينما ليلى وقفت مكانها، قلبها بيدق بسرعة، ودموعها بتنزل بصمت وهي بتراقب الباب اللي اختفى وراه…
ليلى كانت واقفة قدام غرفة العمليات، عاملة زي الطفلة اللي أبوها تعبان ومش قادرة تعمل حاجة عشان تنقذه. كانت بتشد طرف طرحتها بين صوابعها، وبتضغط عليه بقوة كأنها بتحاول تسيطر على رعشة إيديها، لكن دموعها كانت بتخونها وبتنزل واحدة ورا التانية.
كل شوية تبص للباب المقفول، قلبها بيخبط في صدرها مع كل ثانية بتعدي.
حست بإيد بتتشد على كتفها، التفتت بسرعة، لقيت عدلي واقف جنبها، صوته كان هادي بس فيه قوة.
"اطمني، أركان مش سهل يقع، هيتحمل وهيخرج زي ما دخل."
بس كلامه ما هدهاش، بالعكس، دموعها زادت وهي بتقول بصوت متقطع.
"عارف لما تحس إنك السبب في وجع حد؟ الطلقة كانت هتيجي فيا، وهو اللي اتصاب بدالي!"
عدلي أخد نفس عميق، وحط إيده على راسها بحنية أب.
"أركان ابني يموت قبل ما يسمح لأي حاجة تأذيكي، مش عشان المهمة، ولا عشان أي حاجة… عشان هو كده، لما بيحمي حد، بيحميه بروحه."
ليلى غمضت عنيها للحظة، كأنها بتحاول توقف دموعها، لكنها فشلت.
بصت للباب تاني، وقالت بصوت كله وجع.
"اركان جميل كل حاجه فيه جميله قلبوا جميل "
بعد مدة، الباب اتفتح أخيرًا، وخرج الدكتور، كل العيون اتعلقت بيه، وليلى كانت أول واحدة بتجري ناحيته، قلبها متعلق بين الخوف والأمل.
"طمني، هو بخير؟" صوتها كان مرتعش، وعنيها متعلقة بوش الدكتور، مستنية أي كلمة تريحها.
الدكتور بص لها بهدوء وقال.
"اطمني، الرصاصة عدت من الكتف بدون ما تلمس أي مكان خطر، لكنه فقد شوية دم وعايز راحة تامة."
عدلي حمد ربنا واستريح و مشي مع الدكتور اللى عمل العمليه يطمن على ابنوا ويتاكد ان مافيش اي ضرر على دراع اركان وبعد قد اي ممكن يقدر يخرج.
ليلى أول ما سمعت الكلام ده، رجعت خطوة لورا، وإيديها غصبت عنها سابت طرحتها اللي كانت بتشدها، كأن روحها رجعت لجسمها تاني بعد ما كانت معلقة في المجهول.
"أقدر أشوفه؟" قالتها بصوت ضعيف، كأنها خايفة يقول لا. كان قلبها أول ما تشوفه هيستريح.
الدكتور هز راسه.
"هو لسه تحت تأثير البنج، لكن تقدري تدخلي تقعدي جنبه."
ليلى ما استنتش كلمة زيادة، خطفت خطواتها ناحية الباب، وقلبها بيدق بسرعة، أول ما دخلت الغرفة، لقيته نايم، ملامحه هادية لكنها شاحبة شوية، وكتفه مربوط، الأجهزة حوالينه بتصدر صوت ثابت، لكنها بالنسبالها كانت أصوات طمأنينة، بتأكدلها إنه لسه موجود، لسه بيتنفس.
قربت ببطء، سحبت كرسي وقعدت جنبه، مدت إيديها بحذر ولمست صوابعه بهدوء، كانت إيديه دافية، حسست عليها بخوف، وبهمس كأنها بتتكلم مع نفسها قالت.
"أنت وعدتني إنك هتحميني… وكونت راجل قد الوعد ونفذته ."
مسكت إيده بحنان، بإحساس طاغي من الحب والأمان، ورفعتها بهدوء لحد ما لمست بطنها، مكان الحلم اللي بيتكوّن جواها. صوتها كان مليان مشاعر مختلطة ما بين الحب، الامتنان، والخوف من المستقبل، لكنها كانت واثقة من حاجة واحدة بس، وهو الشخص اللي قدامها.
"ابنك مبسوط… عشان انت حميته."
عيونها كانت بتمسح ملامحه، بتحاول تحفظ كل تفصيلة فيه، كل تفصيلة في الراجل اللي رغم كل شيء، كان الدرع اللي اتحامى وراه قلبها بدون ما تحس.
"يبخته… يبخته إنه عنده أب زيك."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، حزينة شوية، بس مليانة يقين… عارفة إنها رغم كل حاجة، وقعت في حب الشخص الصح، حتى لو لسه هو مش مدرك ده.
لمست كفّه برقة، وكأنها بتطمنه، أو يمكن بتطمن نفسها… قبل ما تبعد بهدوء، تسيب أثر لمشاعرها في اللحظة اللي ممكن تفضل محفورة بينهم للأبد.
لحظات من الصمت كانت مليّة الغرفة، مفيش غير صوت نفسها المتلاحق وهو بيكشف عن اضطراب مشاعرها. بصّت له، ملامحه الهادية وهو نايم كانت عكس العاصفة اللي جواها.
قربت أكتر، وكأنها بتاخد جرعة شجاعة قبل ما تنطق، همست بصوت منخفض، لكن مليان إحساس حقيقي.
"عايزة أقولك حاجة… يمكن معرفش أقولها بعد كده ، يمكن عمري ما هقدر أعترف بيها لو كنت صاحي، بس…"
سكتت لحظة، حست بقلبها بيدق بسرعة، قبل ما تكمل بصوت متحشرج من كتر المشاعر اللي متكدسة جواها.
"أنا بحبك… معرفش ليه، ولا إمتى، ولا إزاي، بس حبيتك."
نزلت دمعة عنيدة من عينيها، مسحتها بسرعة قبل ما تكمل.
"يمكن من أول مرة شفتك فيها، يمكن يوم الفرح، يمكن لما بقينا تحت سقف واحد، يمكن لما حميتني حتى من نفسي، يمكن لما خلاص بقيت جوزي، يمكن يوم ما عرفت إني حامل في حتة منك… ودي أسعد حاجة حصلت لي من يوم ما اتولدت."
حست إن كل كلمة بتقولها بتعري مشاعرها أكتر، لكنها استرسلت، خلاص مفيش رجوع.
"مش عارفة إمتى ولا ليه، بس أنا بحبك، وهفضل أحبك… ومستحيل أحب غيرك، رغم كل حاجة، رغم إنك مش بتحبني…"
بصّت له بنظرة طويلة، ملامحه ما اتحركتش، بس إحساسها قال لها إنه سامعها، حتى لو في اللاوعي.
قربت ببطء، ولمست خدّه بلمسة خفيفة، قبل ما تسيب بصمة من مشاعرها على عينه ببوسة سريعة، مترددة، لكنها صادقة.
وقفت، خدت نفس عميق، ومسحت أي أثر للدموع قبل ما تخرج من الأوضة… وسابت وراها اعتراف كبير، يمكن يغيّر كل حاجة لما يصحى.
بعد ما خرجت ليلى من الأوضة، ساد الصمت للحظات. أركان فتح عينه اللى كانت مثبتة على الباب اللي قفلته وراها.
ما تحركش، ما نطقش، حتى ملامحه ما تغيرتش. بس جوه صدره كان فيه حاجة غريبة، حاجة مش مفهومة.
الكلام اللي قالته ليلى لسه بيرن في ودنه، كأنه تسجيل بيتعاد مرة ورا مرة.
"أنا بحبك.. معرفش ليه، معرفش إمتى، معرفش إزاي، بس أنا حبيتك.."
شد كفه اللي كان لسه على جرحه، وكأن الألم اللي في كتفه فجأة بقى أخف من اللي جواه. زفر نفس بطيء، حط إيده على عينه، كأنه بيحاول يمسح أي أثر لكلامها من دماغه.
"بحبك وهفضل أحبك، ومستحيل أحب غيرك.."
حرك لسانه جوه فمه، وكأن طعم كلامها لسه متعلق فيه. قلبه ثابت، بارد، زي ما دايمًا كان.. بس ليه فجأة حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة؟
فتح عينه، بص للسقف بجمود. لا.. الكلام ده مش مهم. ما يفرقش. مش هيغير حاجة.
بس رغم كل اللي حاول يقنع نفسه بيه.. هو عارف إن اللي سمعه النهاردة مش هيتنسي بسهولة.
بعد دقائق
ليلى فتحت الباب بهدوء، وهي شايلة الأكل اللي كان في العربية، بس أول ما دخلت وشافته، وقفت مكانها للحظة.
عينيه كانت مثبتة عليها، نظرة غريبة، مختلفة.. حاجة فيها خلت قلبها يدق بسرعة، حسّت إنها مكشوفة، كأنه شاف حاجة جوه قلبها هي نفسها مش مستوعباها.
اتلخبطت، حاولت تتهرب من عيونه، بصت للأكل اللي في إيديها وقالت بسرعة وبكسوف وهي بتحاول تغطي ارتباكها.
"أنا جعت.. فنزلت جبتهم."
بس أركان ما ردش. ما حركش حتى ملامحه. كان بس قاعد هناك، ساكت، عينه عليها، كأنه بيحاول يفهم حاجة، كأنه بيشوفها لأول مرة بشكل مختلف.
التوتر زاد، ليلى عضت شفايفها بخجل، وحاولت تغيّر الجو وهي بتقرب من الترابيزة تحط الأكل.
"إنت عايز تاكل؟"
أركان فضل ساكت للحظة، بعدين قال بصوت هادي بس فيه حاجة مش مفهومة.
"لا، كلي إنتِ."
بس كان واضح إن تفكيره في حتة تانية، ودي أكتر حاجة خلت ليلى متوترة. هل سمعها؟ هل عرف إنها بتحبه؟ ولا ده مجرد وهم؟
الأسئلة دي فضلت تلف في دماغها، بس الشيء الوحيد اللي كانت متأكدة منه.. إن نظراته النهاردة مش زي أي مرة قبل كده.
الباب اتفتح بهدوء، ودخل عدلي،وخرجت ليلى، عينه مليانة قلق بس ملامحه كانت ثابتة زي ما هو دايمًا.
أركان رفع عينه ناحيته وقال بصوت هادي، لكنه كان عارف إن وجوده هنا غلط.
"مش المفروض حضرتك متظهرش في أي مكان أنا فيه أثناء المهمة؟"
عدلي قرب منه وخده في حضنه رغم اعتراضه، كان حضن أبوي خايف على ابنه، مش رئيس أمن الدولة اللي بيتعامل بالعقل بس. قال بصوت دافئ وهو بيطبطب عليه.
"هو أنا عندي كام ابن؟ خوفت عليك، مقدرتش أتحكم في نفسي.. أنت ابني الوحيد."
أركان تنهد، وحاول يخفف التوتر وهو بيقول بهزار خفيف.
"مش المفروض رئيس أمن الدولة والمخابرات السرية ميتصرفش بعواطفه؟"
عدلي ضحك بهدوء وهو بيبعد عنه شوية.
"أنا كده اتأكدت إنك بخير."
أركان حرك كتفه بتعب وقال بجديه.
"بابا.. أوعى ماما تعرف حاجة."
عدلي تنهد وهو يهز راسه.
"مقدرش أقولها، أصلاً لو عرفت هتهد الدنيا وهتيجي تخدك من وسطهم."
أركان بابتسامة جانبية وهو بيعدل قعدته.
"عشان كده بلاش.. دا احنا لسه في البداية."
عدلي اتكأ على الكرسي اللي جنبه وقال بصوت فيه فخر.
"بس عدّينا شوت كبير بسببك."
أركان بصله بعينه الثابتة، لكنه كان حاسس بكلامه.. المهمة لسه ما خلصتش، والمخاطر اللي جايه أكبر بكتير.
عدلي وقف جنب السرير، بص ناحية الزجاج اللي كانت ليلى واقفة وراه، مش قادرة تبعد عينيها، كانت باصة لأركان بنظرة واضحة.. حب، خوف، قلق، كل حاجة كانت باينة في عينيها.
عدلي بص لأركان وقال بهدوء وهو عارف الجواب قبل ما يسمعه.
"بتحبك."
أركان ما ردش في الأول، فضل ساكت ، بعدين قال بصوت منخفض، لكنه كان حاسم.
"دا مكنش المفروض يحصل.. هي هترجع حياتها، وأنا هرجع حياتي."
عدلي لف ناحيته وسأله بجملة واحدة خلت أركان يسكت لحظة.
"واللي في بطنها؟"
أركان شد عضلات فكه، عينه كانت مليانة أفكار متشابكة، اتكأ بظهره على المخدة وهو بيتكلم بصوت أهدى لكنه مش متأكد.
"مش عارف.. بس مقدرش أخده منها."
عدلي فضل ساكت لحظة، بعدها ابتسم بخفة، كأنه شايف حاجة أركان مش قادر يعترف بيها، وسابه بدون ما يرد.
أركان قام من مكانه، حركته كانت بطيئة شوية بسبب إصابته، لكنه كان مصمم يمشي.
ليلى دخلت بسرعة، قلبها وقع لما شافته بيحاول يتحرك، قربت منه وخدت خطوة لقدامه كأنها بتحاول تمنعه.
"انت رايح فين؟"
أركان بص لها بثبات وهو بيعدل هدومه.
"هنروح الفيلا."
"لا، انت تعبان، مش هنمشي غير لما تبقى كويس!"
أركان وقف لحظة، نظرته فضلت معلقة عليها، شايف فيها خوف حقيقي عليه، مش مجرد قلق عادي. حس إنه لأول مرة في حياته، في حد بيتكلم عنه قبل ما يتكلم عن نفسه.
قرب منها خطوة، صوته كان هادي لكنه حاسم.
"أنا كويس، ومش هفضل قاعد هنا أكتر من كده."
ليلى رفعت عيونها له، الدموع كانت باينة فيها، كأنها مش مستعدة تخليه يروح في أي مكان وهو في الحالة دي. لكنها عارفة أركان، عارفة إنه عنيد، وإنه لو قرر حاجة هينفذها.
لكنها رغم كده، كان لازم تحاول.
"طب على الأقل خليك النهارده بس، علشان خاطري."
أركان فضل ساكت، عنيه مثبتة عليها، كانت باصة له برجاء، خوفها عليه واضح في كل حركة، وكل نفس بتاخده.
هو مش متعود حد يقلق عليه بالشكل ده، مش متعود حد يحاول يمنعه من حاجة عشان خايف عليه هو، مش عشان مصلحته أو مصلحة حد تاني.
"ليلى.."
هي رفعت عيونها له بسرعة، كأنها مستنية يسمع كلامها.
"يوم واحد."
ابتسامة صغيرة ظهرت وسط دموعها، قربت منه خطوة، عينيها بتلمع من التأثر.
"بجد؟"
أركان هز راسه، بص بعيد عنها وهو بيعدل الجرح بإيده، مش عايز يبان إنه متأثر برد فعلها.
"بجد.. بس مش هطول."
ليلى قربت منه أكتر، بإيدين مرتعشة مسكت كمه كأنها خايفة يغير رأيه.
"مش مهم.. المهم إنك ترتاح."
أركان حس بحاجة غريبة في اللحظة دي، دفء اهتمامها كان غريب عليه، لكنه مريح في نفس الوقت. رفع عينه وبص لها، لأول مرة يحس إنه مش لوحده.
لكنه بسرعة قطع اللحظة دي، سحب كمه من بين إيديها بلطف، وبص بعيد.
"طيب.. خليني أرتاح بقى، بدل ما أغير رأيي."
ليلى ضحكت بخفة، وسابت له مساحة، لكنها فضلت واقفة جنبه، مش ناوية تسيبه لحظة واحدة..
***
في الفيلا، كانت الأجواء مشحونة، لكن في وسط كل ده، كان في عين واحدة بتدور على حاجة واحدة بس…
أسماء كانت واقفة وسط الناس، قلبها مقبوض، عنيها بتلف على كل الوجوه، لكنها مش شايفة اللي هي عايزة تشوفه. بصت ناحيه عبد الحق بقلق، وخدت خطوة لقدام، لكنها تراجعت خطوة لورا، كأنها خايفة من الجواب. وأخيرًا، جمعت شجاعتها وقالت بصوت مهزوز.
"سعيد وهنية فين؟"
عبد الحق بص لها ببرود، لكنه حس بقلقها الحقيقي، فقرر يجاوبها بدون لف ودوران.
"في المستشفى."
أسماء حسّت بكهرباء ضربت جسمها، صوتها طلع بسرعة وهي بتقول بلهفة.
"يللهوي! ليه؟"
عبد الحق رد بهدوء عكس اللي جوه عنيها.
"سعيد خد طلقة في دراعه."
أسماء فتحت بُقها بصدمة، لكن قبل ما تهوِّش بسيل الأسئلة اللي في دماغها، كان سؤال واحد هو اللي سبق لسانها.
"وهنيّة؟"
عبد الحق لمح الخوف في صوتها، فابتسم بخفة وهو بيطمنها.
"كويسة، بس قالت عايزة تبقى مع جوزها."
أسماء خدت نفس عميق، لمست قلبها بيدها كأنها بتهديه، وبعد لحظة صمت، فجأة وشها اتغير، وابتسمت بخفة، وقالت بضحك.
"أبو نسب! وفي بوعده! وضحى بنفسه وحماها… لازم أجيب له موز مقشر وأزوره في المستشفى!"
عبد الحق رفع حواجبه باستغراب، وهو بيشوف التحول الغريب في حالتها، قال بسخرية.
"انتي تمام؟ كنتي هتعملي مناحة من دقيقة!"
أسماء رفعت راسها بفخر، وعينيها بيلمعوا بضحكة خفيفة.
"أنا بس كنت خايفة على هنية، لكن طالما كويسه ومع سعيد… خلاص، الدنيا بخير!"
عبد الحق هز راسه وهو بيتمتم بينه وبين نفسه.
"دي مجانين رسمي!"
***
في المستشفى، كانت أسماء ماشية بسرعة، قلبها مقبوض، لكن على وشها ابتسامة خفيفة…
بمجرد ما وصلت قدام أوضة سعيد، وقفت عند الباب، بصّت جوه، وبعدها دخلت برأسها وهي بتقول بصوت عالي مليان حماس.
"ليلي هنا؟"
ليلي، اللي كانت قاعدة جنب سرير أركان، رفعت راسها بسرعة، وبمجرد ما شافتها، ابتسمت بفرحة وقالت بحماس.
"تعالي يا مجنونة! أنا هنا… وحشتيني في الشوية الصغيرين دول!"
أسماء دخلت بخطوات واسعة، لكنها وقفت فجأة، رفعت إيدها بحركة درامية وهي بتقول بمزاح.
"استني بس… نُسلّم الأول على المصاب!"
بصّت لسعيد اللي كان نايم على السرير ووشه فيه علامات الإرهاق، لكنها قررت ما تخليش الجو كئيب، فرفعت كيس الموز اللي في إيدها وقالت بمرح وهي بتغمز له.
"ألف سلامة عليك يا رجولة! مش خسارة فيك الموز بقشره… كنت هجيب لك القشرة بس، يلا، مش خسارة فيك عشان انقذت الكتكوت الصغير بتاعي!"
سعيد رفع حاجبه وهو بيبصلها باندهاش ممزوج بضيق مصطنع، وقال بسخرية.
"لا والله؟ طيب يا ست أسماء، المرة الجاية هتجيبي لي إيه؟ البذر بس؟"
ليلي كانت بتضحك وهي شايفة تفاعلهم، الجو بقى أخف وأريح، وحست إن وجود أسماء دايما بيقدر يخفف أي توتر.
أما أركان، فكان قاعد على السرير بيتابع الكلام بصمت، ملامحه ما تغيرتش، لكنه كان مستمتع بطريقة غير مباشرة… لانه شايف ليلي مبسوطه وفرحانه.
بعد مرورها مده طويله ممكن ساعه، ساعتين
في أوضة المستشفى، الجو كان مليان حياة وضحك بوجود أسماء وليلي ، واللي كانوا بيتكلموا من غير توقف…
"يا بنتي، إنتي قلتي الموز ده لجوزك!"
ليلي حست بإحراج وهي بتبص لأركان بسرعة، وبعدها قالت بتلعثم وهي بتحاول تبرر.
"أنا وهو واحد… وبعدين هو مش هيكله، فخسارة يتساب!"
أسماء وهي بتبص لأركان بضحكة.
"مين قالك إنه مش هيكله؟"
ليلي رفعت حاجبها وقالت بثقة.
"أنا قلت!"
أسماء لفت للأركان وسألته.
"صح الكلام ده، ولا ليها راي تاني؟"
أركان كان متابعهم بملل ظاهري، لكنه في الحقيقة كان مأخوذ بطريقة تفاعلهم، رغم إنهم حرفيًا ما سكتوش لحظة… من ساعة ما أسماء دخلت، وهي بتحكي عن كل حاجة حصلت من أول ما ليلي خرجت من الفيلا، واتريقَت على صباح ونوال، وحكت عن الولد اللي كان واقف مع حبيبته ووقع واتزحلق، وكأن كل التفاصيل الصغيرة دي كانت تستاهل تتحكي وتضحكوا عليها!
زمان كان ممكن يزعق لهم ويطردهم برا الأوضة عشان دوشتهم، لكن دلوقتي… مش عارف ليه مكنش قادر يعمل كده. يمكن عشان ليلي قدامه، مبسوطة، مرتاحة، وبتضحك… كانت بسيطة وعادية، لكنها جميلة.
أسماء، اللي خدَت بالها من نظراته لليلي، راحت غمزت له وقالت بصوت منخفض لكنه مليان استظراف.
"يا عم العاشق الولهان،كلت البت بعينك مش هتطير!"
أركان بص لها بحدة وهو بيحاول يخفي أي تعبير ممكن يفضحه، وقال ببرود واضح.
"أنا بس بدوّر على طريقة أطردكم بيها بالذوق، عشان كلتوا دماغي! هو إنتوا متعرفوش خالص حاجة عن أدب زيارة المريض؟"
ليلي استغربت، عقلها رفض مجرد الفكرة إنه يكون مركز معاها بالشكل ده… مستحيل أركان يبص لها بالطريقة دي. فبصت لأسماء بسرعة وقالت بحرج وهي بتحاول تهرب من أي موقف ممكن يكشف مشاعرها أكتر.
"خلاص… إحنا هنطلع وانت نام شوية!"
لكن قبل ما تتحرك، سمعت صوته وهو بيقول بجملة سريعة لكنها كانت كفيلة تخلي قلبها ينبض.
"متبعديش من قدام الأوضة."
أسماء رفعت حاجبها بمكر وقالت بغمزة.
"خايف عليها صح؟"
ليلي اتلخبطت، وبسرعة ضربتها في كتفها وهي بتشدها من إيدها.
"يلااااا!"
خرجوا من الأوضة، لكن ليلي كانت لسه حاسة بدقات قلبها السريعة، في حين إن أركان فضل قاعد في مكانه، عينُه بتبص على الباب اللي قفل وراهم… وما كانش قادر يمنع نفسه من التفكير إنها فعلًا بقيت جزء من حياته، غصب عنه.
***
في فيلا
الجو كان مشحون والتوتر مالي المكان.
صلاح واقف عينيه بتلف على أولاده وأحفاده، والغضب باين في كل حركة من حركاته. فجأة ضرب بكف إيده على الطرابيزة بخشونة، صوته العالي هزّ المكان وهو بيزعق فيهم بحدة.
"مين اللي اتجرّأ يعمل كده؟!"
الكل كان ساكت، محدش قادر يفتح بُقه… لكن نظرات متبادلة بين بعضهم، كأنهم بيحاولوا يعرفوا مين اللي غلط.
صلاح لفّ حواليهم، صوته كان مليان تهديد وهو بيكمل.
"اللي عمل الحركة دي واحد فيكم غيران… واحد فيكم مش عاجبه إني اخترت سعيد يمسك الشغل! عارفين ليه اخترته؟ عشان حتة واد لسه صغير، بس دماغه توزنكم كلكم!"
وقف فجأة عند أقرب شخص ليه، وبصّ في عينه بنظرة تخلي أي حد يحس بالخوف الحقيقي.
"وأنا هسمح إنه يموت؟ طالما أنا عايز كده، محدش يقدر يلمسه!"
اتحرك تاني، ومشي وسط الرجالة بنظرات مسمومة، وهو بيزود الضغط على أعصابهم.
"اللي أنا بقوله هو اللي بيتنفّذ، وأي حد يخالفني… نهايته محسومة! بس فيه واحد فيكم غبي أوي، فاكر إنه يقدر يلعب معايا اللعبة دي… فاكر إنه هيخلص منه وبعدها الموضوع هينتهي وأنا هسكت؟!"
لف وشه بحدة، وصوته علي أكتر وهو بيختم كلامه بتهديد مباشر.
"اللي عمل كده هيتحاسب، حساب تقيل… لأنه مش بس خالف كلامي، لا… ده لعب بالنار!"
صلاح لفّ حواليهم بنظرات حادة، عيونه كانت نار مشتعلة، والغضب في صوته كان واضح وهو بيبص لهم بجمود، كل واحد فيهم حاسس إن نهايته ممكن تكون أقرب مما يتخيل.
وقف في نص القاعة، وصوته كان واطي لكن وقع كلماته كان تقيل على الكل.
"اللي عمل كده… بدل ما تبقى نهايته الموت، واقسم بالله هقت*لوا حتى لو كان ابني… أو حفيدي!"
عيونه لفت عليهم، محدش قادر يتحرك، محدش قادر حتى يتنفس بصوت عالي. الكل فاهم إن صلاح مش بيهدد… صلاح لما يقول حاجة لازم تتحقق في الوقت والحال.
اتقدم خطوة للأمام، ورفع صوته وهو بيكمل.
"نهاية الخيانة… الموت!"
اتوتروا أكتر، كل واحد فيهم بيبص للتاني، خايف يكون هو المشتبه فيه الجاي.
صلاح ضرب بكعب جزمته على الأرض، الصوت كان كأنه رصاصة عدّت في المكان وهو بيقول.
"لو فعلاً مش عايز تموت، وعايز عقابك يكون أقل… تفتح بقك دلوقتي وتقولي مين اللي عمل كده؟ عملها ليه؟ وإزاي؟!"
وقف منتظر… والعيون كلها على بعضها، اللي بيتوتر، واللي قلبه بيدق بسرعة، واللي بيحاول يداري خوفه… بس صلاح شايف كل حاجة، ومستني اللى عمل كده ينهار!
وووووصلوا على النبي
مين اللي ممكن يبقي ضرب نار على اركان
انتظروا البارت ال ٢٢ نعرف كلنا
رواية زواج في الظل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ياسمين عطيه
مرت ثواني معدودة، المكان كان متجمد، مفيش صوت غير أنفاس متقطعة، محدش تحرك من مكانه، كأنهم تماثيل خايفة تتكسر لو نطقت.
الجد بصوت مليان غضب وكلماته تقيلة زي الرصاص:
"أفهم من كده إيه؟!"
محدش رد، حتى اللي كان بيتكلم كتير دايمًا، دلوقتي لسانه مربوط، الخوف كان ماسك فيهم كلهم.
الجد رفع صوته أكتر، وضرب بكفه على الترابيزة بقوة:
"مفيش رجالة هنا تنطق؟ ولا كلكم فارين؟!"
الصمت بقى أعمق، الجو مشحون، وكل واحد بيبص للتاني، خايف يتحرك أو حتى يتنفس بصوت عالي.
صلاح كان بيبص لهم، عيونه بتمسح وجوههم واحد واحد، مستني اللي عنيه تزوغ أو يتلخبط في حركته، مستني اللي عمل كده يفضح نفسه. عيونه بتتنقل بينهم، بيدقق في كل حركة، كل نفس، بس لأول مرة، مش قادر يقرأ أي حاجة غير الخوف. مافيش كذب.
فؤاد بصوت محترم لكنه مهزوز من التوتر:
"يا بابا، محدش يقدر يخالف كلامك، ولو حد فكر يعملها، كان هيقف دلوقتي قدامك ويقول "أنا عملت كده". احنا عارفين إن تحذيرك مرة واحدة، واللي بتقوله بيتنفذ بالحرف، مستحيل حد فينا يخاطر بحياته كده."
خليل بهدوء لكنه حاسم:
"ومن إمتى حد قدر يعترض على قرار ليك؟ ده مش مجرد عصيان، ده تحدي ليك ولقرارك، واللي فكر فيه لازم يبقى مجنون! مفيش حد فينا يقدر يعمل حاجة زي دي من وراك."
طاهر وهو بيبص مباشرة في عين الجد:
"واللي أنت شايفه، واللي هتقرره، إحنا من إيدك دي لإيدك دي، بس لازم تصدق إننا ما خططناش لحاجة زي دي. أنا، عادل، سليم، ومروان، كنا مع بعض طول الوقت، ولا واحد فينا عمل أي حركة مريبة."
الجد سكت لحظة، عيونه لسه بتراقبهم بغموض، قبل ما يقول بصوت هادي لكنه قاتل:
"هصدقكم، عشان أنا عارف إن اللي عمل الحركة دي مش منكم. بس ده ميمنعش إن ثقتي فيكم مش هتبقى زي الأول. واللي عمل كده، لازم يعرف إن الحساب جاي، مش هرتاح غير لما يتحاسب."
وقف لحظة، وكأن كلامه بيغرس جواه قبل ما يوجه لهم أمر نهائي:
"امشوا من قدامي."
محدش اتكلم، نظرات صامتة تبادلوها قبل ما يبدأوا في الخروج واحد وراء التاني. الجو كان تقيل، التوتر ماسك في كل زاوية.
ـــــــــــــــ
في إحدى الغرف
فؤاد بعصبية وهو بيتمشى في القاعة:
"بابا زودها أوي! إزاي يوقفنا كلنا زي العيال الصغيرة ويحاسبنا عشان حتة بواب؟"
خليل بسخرية ممتزجة بالوجع:
"بيقولك البواب ده يوزن دماغكم كلكم!"
سليم بتهكم وهو بيحط إيده في جيبه:
"طلع لينا من انهي علبة عفريت ده بجد؟"
عادل بنبرة فيها غضب مكبوت:
"أنا مكنتش عايز أخلص عليه، بس دلوقتي طلبت معايا بجد!"
طاهر بيهز راسه بضيق:
"يا عم اسكت، إحنا ناقصين؟ ده محدش قرب منه وعمل فينا كده، أمال لو حد فينا فكر يقرب فعلًا؟!"
مروان بضحكة استهزاء وهو بيقلب في تليفونه:
"خد الحصانة خلاص، ممنوع حد يقرب له!"
فؤاد بيركز عليه بنظرة غامضة قبل ما يسأله بصوت منخفض لكن فيه تهديد مستتر:
"واد، أوعى يكون ليك يد في الموضوع ده."
مروان بيرفع إيده ببراءة مصطنعة:
"لا والله يا بابا، سعيد ده مش فارق معايا،" وكمل بشهوة "اللي فارق معايا المهلبية مراته!"
فؤاد بحزم وهو بيشاور له بإيده بتحذير:
"وحتى مراته! أوعى تقرب لها، إحنا مش ناقصين مصايب!"
خليل:
"وبعدين، إيه القرف بتاعك ده، البت حامل!"
مروان وهو بيضحك ببرود:
"مش مهم، تلزمني ليلة واحدة بس."
سليم بيهز راسه بأسف:
"مافيش فايدة في دماغك!"
عادل وهو بيحاول يهديه بصوت منخفض لكن فيه تحذير واضح:
"يا ابني، بلاش تودي نفسك في داهية، جدك لما بيقول "لا"، تبقى "لا"، وميتكررش الكلام بعدها، ولا يتحرف."
فؤاد بتحذير:
"أنا قولت لك لو مش عايز تموت ملكش دعوة بالواد أو مراته."
الجو اتوتر، الصمت نزل عليهم للحظات. الكل فاهم إن الجد لما يحط حد، مافيش نقاش. بس مروان؟ دماغه دايمًا في حتة تانية، وده اللي هيولّع الدنيا قريب.
ـــــــــــــ
المستشفى - غرفة أركان
بعد ما أسماء مشيت، الليلة بقت هادية في الغرفة، بس مش على ليلى. كانت قاعدة على الركنة قدام أركان، بتحاول تنام بس مش عارفة تلاقي وضع مريح. كل شوية تلف، ترفع رجل، تنزل رجل، تفرد ضهرها، وبعد دقيقتين ترجع تتكور على نفسها تاني.
أركان كان متابعها من غير ما تتوقع. عينه بتتحرك معاها في صمت، وكل حركة منها كانت بتأكد له إنها مش مرتاحة، بس مش راضية تتكلم. فضل ساكت لحد ما زهق من المنظر.
أركان بصوت هادي لكن ثابت:
"لو هتفضلي تتشقلبي كده، مش هتعرفي تنامي ولا هتسيبيني أنام."
ليلى وهي بتفتح عينيها عليه بتردد:
"أنا مش قادرة أنام هنا، الركنة مش مريحة."
أركان وهو بيبصلها بملل:
"فـ؟"
ليلى بخجل وهي بتشاور على السرير:
"ممكن أنام هنا؟ على الطرف بس؟"
أركان فضل ساكت لثواني، كان واضح إنه مش متضايق، بس كعادته مش سهل يبين موافقته على طول. بعدها زفر بضيق مصطنع، وبص للسقف.
أركان بجفاف:
"اعملي اللي انتي عايزاه، بس لو كنتي ناوية تتشقلبي هنا كمان، هرجعك الركنة."
ليلى ضحكت بهدوء، وحاولت تكتم فرحتها، قامت ببطء واتحركت ناحية السرير، اتحركت بحرص، قعدت على الطرف، وبعدها تمددت على جنبها بعيد عنه، بس برضه قريبة كفاية تحس بالأمان.
أركان كان عارف إنها مش هتاخد وقت كتير قبل ما تنام، وكان متأكد أكتر إنها في لحظة ما، هتتحرك ناحيته من غير ما تحس، وتيجي لحضنه زي كل مرة.
وبالفعل، معداش وقت طويل قبل ما يبدأ يحس بحركتها. في البداية كانت مجرد حركة صغيرة، محاولة غريزية للبحث عن الراحة، لكن مع مرور الثواني، بدأت تقترب أكتر، لحد ما في لحظة، وهي بين النوم والصحيان، حست بالدفء جنبه، فمدت إيديها تلقائيًا وسندت رأسها على صدره.
أركان حس بتنفسها الهادي، بحركتها البريئة اللي كانت شبه طفل بيدور على أمانه. بس المشكلة، إن الأمان ده كانت بتدور عليه عنده هو.
لف دماغه ناحية السقف، خد نفس عميق وهو بيحاول يتجاهل إحساسه بيها قريبة كده، وكل مرة نفس السيناريو بيتكرر. المفروض يبعدها، المفروض يصحيها، المفروض...
بس الحقيقة؟
هو ولا حتى حرك إيده.
وهو مغمض عينه، بصوت واطي وكأنه بيتكلم مع نفسه:
"أنا اللي وقعتك في ده، وأنا اللي لازم أتحمل."
وأغمض عيونه على إحساس، عارف إنه المفروض ما يحسوش.
أشعة الشمس تسللت من الشباك، خلت أركان يفتح عينه ببطء. أول حاجة حس بيها كانت ثقل خفيف على صدره، التفت بنظره لتحت، فلاقى ليلى لسه نايمة، وشها مدفون في صدره، وملامحها هادية تمامًا.
تنهد بهدوء.
كان المفروض يصحيها، بس إيده مكانتش بتتحرك. قعد يراقبها للحظات، لقى خصلات من شعرها نازلة على وشها، فرفع إيده غصب عنه وزحها بلمسة خفيفة.
بس فجأة...
ليلى اتحركت، غمغمت وهي لسه بين النوم والصحيان:
"خمس دقايق كمان..."
أركان بكتم ضحكة:
"خمس دقايق إيه؟ قومي يا ست، انتي في المستشفى مش في بيتك!"
ليلى فتحت عينيها ببطء، أول حاجة شافتها كانت عيونه القريبة منها جدًا، وساعتها، استوعبت!
قفزت بسرعة، عدلت قعدتها، ووشها احمر بشكل واضح:
"أنا... أنا... كنت نايمة؟!"
أركان بابتسامة جانبية وهو بيعدل وضعه:
"نايمة؟ لااا، كنتي في غيبوبة، شكل السرير ما عجبكيش فجيتِ هنا برضه!"
ليلى بحرج وهي بتقعد بعيد:
"أنا مكنتش قاصدة، بس معرفش إزاي كل مرة..."
أركان وهو بيراقب ارتباكها، وبصوته الهادي المعتاد:
"عارف، متقلقيش."
ليلى بصت له باستغراب:
"عارف؟!"
أركان بتنهيدة وهو بيبص بعيد:
"ولا حاجة، قومي."
ليلى بقلق وهي بتبص لأركان:
"أنت كويس؟! أنا كنت نايمة على صدرك وأنت متصاب، إيه الغباء ده؟! طب دراعك؟!"
أركان بابتسامة خفيفة وهو بيبص ليها:
"انتي كنتي نايمة على كتفي اليمين، وأنا متصاب في الشمال، فـ أنا تمام، كويس."
ليلى وهي بتتنهد براحة:
"الحمد لله، خوفت أكون زودت عليك الوجع."
أركان:
"يلا عشان هنمشي دلوقتي."
ليلى وهي بتبص له بخوف واضح:
"أنت كويس يعني؟ مافيش حاجة وجعاك؟ هتقدر ترجع وتشتغل عادي؟"
أركان وهو بيزفر بهدوء، عارف إنها مش هتبطل قلق عليه:
"آه، الحمد لله، وبعدين المهمة مش هتستنى، أي يوم بضيعه معناه إني ضيعت فرصة أخلص على الناس دي."
ليلى بقلق:
"بس أنت محتاج ترتاح شوية."
أركان وهو بيبصلها بنظرة ثابتة:
"مافيش راحة في الشغل ده، لو ارتخيت يوم واحد، هما اللي هيخلصوا عليّا."
ليلى وهي بتحاول تسيطر على خوفها:
"طب خد بالك من نفسك وأوعى تقسي على نفسك في حاجة، ولا تشيل حاجة تقيلة عشان تخف بسرعة، وبالراحة وأنت بتفتح وبتقفل البوابة، وما تتخانقش مع حد."
أركان وهو بيضحك بخفوت، نبرته فيها سخرية خفيفة بس عنيه فيها حاجة مختلفة:
"مش شايفاني عيل صغير عشان تفضلي توصيني كده؟"
ليلى وهي بتشيح بوجهها وتحاول تداري ارتباكها:
"يعني لو حصل لك حاجة مش هتبقى مشكلة للمهمة، صح؟"
أركان عارف إنها بتحبه فمحبش يحرجها أكتر من كده وسكت.
وبعد لحظات، ليلى كانت ماشية جنب أركان، مستغربة جدًا هو بيودّيها فين.
المفروض يخرجوا من المستشفى، لكنها لقت نفسها فجأة قدام قسم النساء والتوليد.
وقفت مكانها وهي بتبص له باستغراب:
أركان... إحنا جايين هنا ليه؟
أركان وهو بيبص قدامه بثبات:
انتي كشفتي من يوم ما عرفتي إنك حامل؟
ليلى:
لا...
أركان بحزم:
خلاص، جايين نطمن على البيبي اللي في بطنك، ومن هنا ورايح يبقى عندك دكتور تتابعي معاه على طول.
كملت كلامه عادي جدًا، بس ليلى كانت قلبها بيدق بسرعة...
المفروض تفرح؟ المفروض تتأثر؟ ولا المفروض تحس بالوجع؟
هو مش مهتم بيها... هو مهتم باللي جواها... بابنه...
ومع ذلك، ابتسمت...
لأنه حتى لو مش بيهتم بيها كـ "ليلى"، فهو بيهتم بيها كـ "أم لابنه"... وأي أم، اللي يحب ابنها تحبه.
بس الفرق إنها أصلًا بتحبه، لمليون سبب... وده... كان سبب جديد يتضاف لقلبها.
ليلى كانت قاعدة في صمت، عينيها بتلف في المكان، كل زوج وزوجته كانوا قاعدين جنب بعض... بيتشاركوا الفرحة... بيتكلموا ويضحكوا... الحب باين في نظراتهم... في لمساتهم العفوية... في الخوف اللي مغلفه اهتمام.
لمحت راجل ماسك إيد مراته وهي بتتكلم معاه بحماس، وهو مبتسم ليها، نظراته فيها حب واضح، مش بس فرحة بالبيبي اللي جاي، لكن فرحة بيها هي... بحياته معاها.
ليلى حسّت بغصة في قلبها.
هو ده الطبيعي... ده المفروض يحصل بين أي اتنين في اللحظة دي... بس هي؟
بصت بطرف عينها لأركان... كان قاعد جنبها، بس بعيد... مش في المسافة، في المشاعر.
ملامحه هادية، عينيه متعلقة قدام، مش متوتر، مش قلقان، مش مبسوط، ولا حتى زعلان... بس مفيش فيها نفس الشغف اللي في عيون الرجالة التانية.
رجعت تبص للناس تاني... كان نفسها تكون زيهم... كانت نفسها تكون هي وأركان زيهم.
ليلى حاولت تسرق نظرة تانية على أركان، يمكن تلاقي في ملامحه حاجة تطمنها... أي إحساس يشبه اللي شايفاه في وشوش الرجالة اللي قاعدين مع زوجاتهم.
لكن ملامحه كانت جامدة... هادية بشكل غريب... لا فيها قلق ولا لهفة، ولا حتى اهتمام ظاهر.
حست بضيق في قلبها... هو جابها عشان البيبي، عشان يطمن إنه بخير، مش عشانها هي... مش عشان هو مهتم بيها أو عايز يكون جنبها في اللحظة دي.
زودت على أسباب حبها ليه سبب جديد... بس في نفس الوقت، الألم زاد جواها.
فجأة، حسّت بإيده بتتمدد ناحيتها...
بصت له بسرعة، قلبها دق... يمكن؟ يمكن يكون حاسس بيها؟
بس كل اللي عمله إنه مسك ملف الكشف من جنبها، فتحه وبدأ يتصفح الورق ببرود.
رجعت تبص لقدام، كتمت تنهيدة جوة صدرها، في نفسها...
انتي عبيطة، يا ليلى؟ هو قالك من الأول، هو مش هيحبك... وانتي قبلتي بكده.
بس مهما حاولت تضحك على نفسها، الحقيقة كانت أوضح من إنها تتجاهلها... هي عايزاه، مش بس كأب للطفل اللي في بطنها... لا، هي عايزاه ليها... كزوج، كحبيب، كشريك حياة.
بس هو؟ هو عمره ما بص لها بالشكل ده.
هو كان شايف كل حاجة... كل نظرة سرقتها، كل تنهيدة حاولت تخبيها، وكل مرة بصت لغيره بحسرة.
بس مقدرش يعمل حاجة.
هو مش غبي... ولا عديم إحساس. بالعكس، ده ظابط مخابرات، متدرب إنه يلاحظ كل تفصيلة، وكل حركة، وكل تعبير صغير حتى لو كان صاحبه بيحاول يخفيه.
كان حاسس بيها، وقلبه وجعه عليها، بس فضل ساكت.
كان ممكن يطمنها... كان ممكن يمسك إيديها، يديها لمحة من الأمان اللي كانت بتدور عليه.
بس لو عمل كده، هيبقى ظلمها أكتر... هو عارف إنه مش ليها.
هو عارف إن كل ده هينتهي... وإن كل واحد هيرجع لحياته في الآخر.
مش عايزها تتعلق بيه أكتر... كفاية لحد كده.
بس المشكلة، إنه هو نفسه مش عارف لحد إمتى هيقدر يفضل عامل نفسه مش واخد باله.
الممرضة نادت اسمها، قلبها دق بسرعة... مش عارفة ليه.
بصت لأركان، لقته واقف جنبها، عينه ثابتة، لكن إيده اتحركت تلقائيًا على ظهرها وكأنها بيوصل لها طاقة طمأنينة من غير كلام.
دخلوا مع بعض، والدكتور ابتسم لهم:
الدكتور:
أهلاً، أول متابعة ليكِ؟
ليلى:
أه... أول مرة.
أركان قعد على الكرسي جنبها، متكلمش، لكنه كان متابع كل كلمة بتتقال، وكل حركة بتعملها.
الدكتور بدأ الفحص، وليلى كانت متوترة، مش عارفة ليه قلبها مقبوض... يمكن لأنها مش مستوعبة لسه...
لكن لما صوت نبضات قلب الجنين ملأ الأوضة، فجأة كل حاجة حوالينها اختفت.
بقت بس سامعة النبض... سريعة... قوية... حقيقية.
حطت إيدها تلقائيًا على بطنها، وعينيها دمعت.
ليلى بصوت متهدج:
ده... ده ابني؟
الدكتور ابتسم:
أيوه، وبيكبر كويس جدًا، كل حاجة تمام.
بصت لأركان، لاقته مركز على الشاشة... ملامحه متغيرة، نظرته مش مفهومة. كان باين عليه إنه مصدوم... أو يمكن مأخوذ.
هو نفسه مش مستوعب اللي سامعه... ده جزء منه، كائن صغير بيتحرك، قلبه بيدق، وعايش جواها.
وفجأة... وسط كل ده... لمح الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على وشها.
ابتسامة مخلية كل حاجة تستاهل.
فضل أركان ساكت، لكنه مقدرش يشيل عينه عن الشاشة... عن النبض اللي بيدق بانتظام، وكأنه بيناديه، بيقوله: "أنا هنا... أنا ابنك."
الدكتور بابتسامة مطمئنة:
كل حاجة طبيعية جدًا، بس لازم تلتزمي بالأكل الصحي والراحة قدر الإمكان.
ليلى بحماس وهي لسه ماسكة بطنها:
إن شاء الله... هعمل كده.
بصت لأركان مستنية منه أي تعليق، أي حاجة توضح هو حاسس بإيه، لكنه كان متحفظ كعادته. بس في حاجة مختلفة، حاجة في نظرته... كأنه مش قادر ينكر إن اللحظة دي غيرته.
الدكتور وهو بيكتب في الملف:
هَنحدّدلك معاد للزيارة الجاية، بس لازم تتابعي مع طبيب ثابت.
أركان بحزم:
هتبقى متابعة هنا باستمرار.
ليلى بصت له باستغراب، مش متوقعة قراره المفاجئ، لكنه كان واضح... مش ناوي يسيب حاجة للصدفة.
خرجوا من المستشفى، وهي كانت لسه عايشة في اللحظة... في صوت النبض اللي لسه بيرن في ودانها.
وأركان؟ كان ساكت، لكنه حس بحاجة أول مرة يحسها... مسؤولية حقيقية، إحساس إن في روح معلقة بيه، مش مجرد زوجة على الورق... بل جزء منه، حاجة مالهاش علاقة بالمهمة، ولا بالتمثيل... حاجة حقيقية جدًا.
أثناء ما هما ماشيين في الطريق، أركان فجأة هدى السرعة وركن على جنب، فتح الباب ونزل بسرعة، وقبل ما ليلى تسأل، بص لها بحزم وقال:
أركان بجدية:
استني هنا... متتحركيش من العربية.
نزل وأقفل الباب وراه، وسابها مستغربة وهي بتراقبُه من الشباك، بتحاول تفهم هو رايح فين وليه بالأسلوب ده.
بعد مدة، ليلى كانت قاعدة مستنية في العربية، رجليها بتتهز من التوتر والملل. أول ما شافته داخل ومعاه شنط كتير، رفعت حاجبها باستغراب.
ليلى بفضول:
إيه ده كله؟ جبت إيه؟
أركان ماردش، حط الحاجات في الخلف، وبعدها سحب شنطتين واداهم ليها من غير كلام.
ليلى وهي بتفتح الشنطة الأولى بابتسامة وكسوف:
جبتلي فطار؟ أنا كنت جعانة أوي بجد!
وبسرعة فتحت الشنطة التانية، وعينها لمعت من الفرحة... المانجا! نقطة ضعفها واللي كل يوم بتحلم بيها في الوحم.
ليلى بفرحة طفولية وهي بتاخد نفس عميق من ريحتها:
يااااااه... مانجا!
من غير ما تحس، اتجهت ناحية أركان تلقائيًا، وطبعت قبلة خفيفة على خدوده كتعبير عن امتنانها... حركة عفوية، نابعة من قلبها ومن فرحتها.
أركان اتجمد لحظة... حس بكهرباء ماشية في جسمه، إيديه شدت على الدركسيون، وقلبه ضرب بقوة.
ليلى فجأة استوعبت اللي عملته، ووشها احمر وهي تبعد بسرعة، مكسوفة وبتضحك بارتباك.
ليلى بخجل وهي بتحاول تبرر:
أنا آسفة... بس بجد فرحانة... لما بشوف المانجا عيني بتطلع قلوب.
أركان من جواه كان عايز يضحك، بس فضل مسيطر على ملامحه، وإن كان صوته طلع أهدى من العادي.
أركان في نفسه:
لا يا ليلى... إنتي اللي هتطلعي قلبي من مكانه وهتموتيني.
بص قدامه، ركز في الطريق، لكن إحساسها، لمستها، نظرتها، كانت لسه موجودة... واللي هو حاسه دلوقتي، أكتر حاجة كان بيهرب منها.
أركان كتم ضحكته بصعوبة على شكلها الطفولي وهي بتاكل المانجا وهو بيركز في السواقة، لكن تأثير لمستها كان لسه سايب أثره عليه... حاجة سخنة ماشية في دمه، إحساس جديد وغريب عليه.
ليلى وهي بتاكل قطعة مانجا باندماج:
بجد مكنتش متخيلة إنك ممكن تجيب لي المانجا فعلًا... إنت دايمًا باين عليك مش مهتم، بس الحقيقة غير كده.
أركان بص قدامه، مديها إحساس إنه مش متأثر، بس الحقيقة إنه كان بيحاول يتحكم في مشاعره اللي بدأت تلخبطه.
أركان ببرود مصطنع:
لما تبقي مسؤولة مني، طبيعي أخد بالي منك.
ليلى بابتسامة هادية وهي بتاكل:
انت حنين بس بتحاول تبان غير كده.
كلامها خلاه يضغط على الدركسيون شوية أكتر، هو نفسه مش عارف يهرب من اللي بيحصل جواه... كان متعود يكون مسيطر على كل حاجة، بس ليلى كانت تهد كل سيطرته بنظرة، بلمسة عفوية، بضحكة بريئة.
فضلوا ساكتين شوية، بس الصمت بينهم مكنش تقيل... كان مليان مشاعر مش مفهومة، أسئلة كتير بدون إجابات، وحقيقة واحدة بتكبر بينهم... حاجة مختلفة بدأت تتولد، حتى لو هو مش عايز يعترف بيها.
وبعد مدة وأول ما وصلوا البيت، وقبل ما ليلى حتى تلحق تنزل من العربية، أسماء كانت طالعة تجري عليها، لكن أول ما شافتها وقفت فجأة وضحكت بصوت عالي وهي بتبص على إيديها وهدومها اللي كانت مليانة مانجا زي الأطفال.
أسماء بضحك:
إيه دااا!
هاتي واحدة بسرعة!"
ليلى بعفوية وهي بتستخبى وبتشد الكيس ناحية صدرها: "لااا مش هديكي، دي جوزي جابهالي!"
أسماء وهي بتجري وراها: "طب حتة صغيرة بس، دا حتى مش موسمها وصعب ألاقى!"
ليلى وهي بتخبّي الكيس أكتر: "عشان كده مش هديكي حتى حتة صغيرة!"
أسماء بحركة ذكية: "طب خلاص، أنا كنت عاملة لكِ مفاجأة، بس بقى مش هوريهالك!"
ليلى بفضول وهي بتحاول تبص على حاجة في إيد أسماء: "إيه! أنا عايزة أشوف!"
أسماء بضحكة انتصار: "هوريها للنونو الصغير، وانتي لا."
ليلى بمرح وضحك: "خلاص خديه وريهاله!"
أسماء وهي بتشدها من إيديها وتسحبها ناحية أوضتها وأوضة أركان اللي في الجنينه: "تعالي بقى، هتشوفي المفاجأة بنفسك!"
كل ده كان تحت عين أركان، اللي كان واقف بعيد بيتابعهم وهو شايل الحاجات اللي جابها من العربية، بص لهم بتركيز، ابتسامة خفيفة سحبت طرف شفايفه وهو بيهز راسه بضيق متصنع… مش عارف ازاي الاتنين دول مبيبطلوش شقاوة!
أول ما ليلى دخلت الأوضة، وقفت في مكانها مصدومة، عنيها وسعت وهي بتبص حواليها… السرير، الكرسي، الأرض… كل حاجة كانت مليانة هدوم أطفال صغيرة جدًّا، حاجات لسه مولودين، ألوانها هادية وجميلة، ومعاها ألعاب صغيرة موزعة في كل مكان.
حطت إيديها على بُقها وهي بتحاول تمسك فرحتها، بس الضحكة خرجت منها غصب عنها، بصت لأسماء باندهاش وهي بتضحك: "خلاصييييي…!!"
فضلت تلف في المكان، تمسك قطعة لبس صغيرة وتبصلها بذهول، تعدي على لعبة وتلمسها كأنها مش مصدقة. كانت شبه هتطير من الفرحة، وكل اللي في عقلها في اللحظة دي إن المفاجأة دي أحلى حاجة حصلت لها.
ولما لفت بجسمها… اتجمدت في مكانها.
أركان كان واقف عند باب الأوضة، متابعها في صمت، عنيه كانت سابحة فيها، مكنش بيتكلم، بس هي حسّت بنظرته، حسّت إنها كانت مختلفة.
هو نفسه حس إن قلبه اتخطف في اللحظة دي. منظرها وهي واقفة وسط هدوم الأطفال، عيونها اللامعة، ضحكتها العفوية، الإحساس اللي كان طالع منها… كل ده كان كفيل إنه يخلّيه يحس بحاجة جواه مكانش مستعد يعترف بيها.
شكل اللبس الصغير في إيديها وهي بتبص له بفرحة، كان مشهد عمره ما هينساه.
فضلت ليلى ماسكة قطعة اللبس الصغيرة في إيديها، تقلبها بين صوابعها، كأنها بتستوعب إنها بجد تخص طفلها. بصت لأركان بطرف عينها، حسّت إن نظرته تقيلة عليها، مختلفة… فيها حاجة جديدة مش متعودة عليها.
أركان كان لسه واقف في مكانه، ساكت، بس عنيه كانت متعلقة بيها.
هي كانت فرحانة، هو كان متلخبط… مش قادر يبعد عينيه عنها، ولا عن الطريقة اللي بتبص بيها على الحاجات دي. قلبه دق أسرع شوية، إحساس غريب خبط فيه، حاجة شبه الضعف، بس كانت أقوى.
ليلى بضحكة هادية وهي بتمسك فستان صغير جدًّا وبتكلم أركان:
"بص … ده صغير أوي، معقول النونو هيبقى بالحجم ده؟"
أركان بابتسامة خفيفة، نادرة، خرجت منه قبل ما يقدر يمنعها:
"أصغر كمان."
ليلى اتحركت نحوه بدون تفكير، وهي رافعة اللبس قدامها، زي اللي بتخطط تلبسه للبيبي من دلوقتي. قربت منه، ومن غير ما تحس، المسافة بينهم بقت أقل بكتير من المعتاد.
هو كان شايف كل حاجة بوضوح… ملامحها، حماسها، اللمعة اللي في عنيها.
حسّ إنه عايز يمد إيده وياخدها في حضنه، يحس بيها… بس وقف نفسه، شد نفسه لورا خطوة وهو بيقول بصوت هادي، شبه مهموس:
"فرحانة أوي، مش كده؟"
ليلى ابتسمت، ابتسامة صادقة خلت قلبه يدق ببطء، لكن بقوة:
"أكتر مما تتخيل."
سكتت لحظة، وبعدين بصت له بعيونها البريئة وسألته فجأة:
"هو أنت فرحان؟"
أركان اتفاجئ بالسؤال، حسّ إن الإجابة مش سهلة زي ما كان متوقع… بس الحقيقة كانت واضحة في نظره، حتى لو مش عايز يعترف بيها.
وفضل ساكت لحظة، كأنه بيحاول يهرب من السؤال، أو يمكن من الإجابة نفسها. بس عنيه فضلت ثابتة عليها… كانت مستنية تسمع منه حاجة، أي حاجة.
تنفس ببطء وقال بصوت هادي لكنه واضح:
"لو انتِ فرحانة… يبقى أنا كمان فرحان."
كلامه كان بسيط، لكن أثره عليها كان كبير. قلبها دق بسرعة، مش عارفة ليه كلماته حسستها بدفء غريب… دفء كانت بتدور عليه من زمان.
أركان شاف في عيونها لمحة خوف، كأنها خايفة من ردة فعله، خايفة يكون كلامه مجرد تهدئة ليها. فكر لحظة قبل ما يرد، وبعدين مد إيده بخفة ولمس طرف الفستان الصغير اللي في إيديها.
ليلى حسّت إنها لأول مرة بتسمع منه حاجة شبه الاعتراف، لأول مرة بيشاركها حاجة حقيقية من اللي جواه. ابتسامتها وسعت أكتر، وعنيها لمعت بحب فطري، بسيط، لكنها عرفت تسيطر على مشاعرها وقالت بخفة دم وهي بتمسك قطعة صغيرة من الملابس وتوريها لأسماء بحماس:
"بصي دي… صغيرة أوي! إزاي في بني آدم ممكن يلبس حاجة كده؟"
أسماء بضحكة:
"ياختي عليكي، أصله بيبي، مش واحد كبير زي سعيد!"
أركان رفع حاجبه وهو بيبصلها بنظرة جانبية، لكن فضل ساكت، مستمتع بتفاعلها الطفولي.
ليلى فجأة بصت له بحماس، ناسية أي حدود بينهم، وقالت بعفوية:
"بجد، انت شايف؟ تخيل البيبي بتاعنا لابس الحاجات دي!"
كلامها وقع على أركان كأنه صدمة، لمحة المستقبل اللي كانت بعيدة، فجأة بقت قدامه… طفل، ليه ملامحه، لكنه جزء منها. عض على شفايفه لحظة، قبل ما ياخد نفس عميق ويرد بصوته العميق:
"هنعرف قريب."
أسماء وهي بتضحك بخفة:
"إحنا هنا عايزين ينولنا من الحب جانب!"
ليلى بابتسامة دافئة وهي بتحضنها بحب:
"أنا بحبك أوي، فرحتيني يا أسماء وخدي المانجا اللي انتي عايزاها… !"
أسماء وهي بتشدها لحضنها بحنية:
"ده أنا اللي من غيرك هنا مكنتش عارفة هعيش إزاي، قلبك طيب وروحك حلوة وجميلة."
ليلى وهي بتضحك وبتبص لها بعفوية:
"ونِبي إنتي اللي جميلة! بس قوليلي… إيه حكاية هدوم الولاد والبنات؟ جايبة الاتنين ليه؟"
أسماء بابتسامة واسعة وهي بتلمس قطعة صغيرة من الهدوم:
"بصراحة كنت محتارة ولسه مش عارفين إنتي حامل في إيه، فقولت أجيب كله لحد ما نتأكد، وبعدين شكل لبس الاتنين عجبني أوي وخطف قلبي."
ليلى بصت للملابس الصغيرة بإعجاب، ضحكت بحماس وهي بتلمس قطعة تانية، كانت حاسة بسعادة مالهاش وصف، وكأن المستقبل بقى أقرب من أي وقت فات.
أركان كان واقف عند البوابة، ملامحه جامدة، لكنه متقمص الدور كويس.
صلاح وهو داخل بابتسامة جانبية: "إيه يا بطل، بدأت الشغل على طول كده؟ استريح لك يومين، خد نفسك."
أركان بهدوء: "مافيش وقت للراحة، الشغل أهم يا حاج."
صلاح ضحك وهو يبص لعبد الحق: "هي دي الرجالة ولا بلاش! مش زي فؤاد، اللي أول ما جاله برد استخبى أسبوع في البيت! حمد الله على سلامتك، واحدة واحدة لحد ما تخف، وعلى مهلك، ما تضغطش على نفسك. خلاص، بقيت من رجالتنا."
أركان وهو بيمثل دور البواب الفرحان، ابتسم بانكسار، وانحنى بخضوع، وهو بيقول بصوت مليان ولاء: "إيدك أبوسها يا حج، كلك بركة!"
صلاح ضحك بخبث، راضي عن ولاءه الظاهري، بينما أركان كان جوه عقله بيراقب كل حاجة بتحصل، وبيحسب كل خطوة جاية.
ليلى فضلت قاعدة وسط الهدوم والألعاب، فرحتها كانت كبيرة لدرجة إنها مكنتش عايزة تقوم. فضلت تقلب في اللبس الصغير، تلمسه بحنية، تحلم باليوم اللي هتشوف فيه طفلها لابس الحاجات دي. ومع الوقت، التعب غلبها… نامت وسطهم على السرير، ملامحها هادية، وابتسامة صغيرة مرسومة على وشها.
لما أركان دخل الأوضة بليل، المنظر خطف قلبه. وقف عند الباب لثواني، عينه مش قادرة تسيبها. كانت شبه طفلة، نايمة وسط الألعاب والهدوم الصغيرة، ماسكة فستان في إيدها كأنها بتحلم بيها. حس بحاجة غريبة في قلبه… دفء، راحة، وإحساس عمره ما حسه قبل كده.
قرب منها بهدوء، غطّاها كويس، وعينيه فضلت معلقة بيها. لأول مرة، حس إنه مش عايز يفكر في بكرة، مش عايز يحسبها بعقله زي كل مرة… بس عايز يعيش اللحظة دي، وهي هنا، قدامه، نايمة بأمان.
في صباح يوم جديد، مليان بأحداث مختلفة، الشمس كانت لسه بتشق طريقها في السماء، والجو فيه هدوء غريب، هدوء يسبق العاصفة.
ليلى صحيت على صوت زقزقة العصافير، لكنها ما فتحتش عينيها على طول، كانت حاسة بدفء غريب حواليها، حاجات صغيرة وناعمة ملمسها كان مختلف. فتحت عينيها ببطء، وابتسامة صغيرة رسمت على وشها وهي بتشوف نفسها وسط هدوم البيبيهات والألعاب اللي أسماء جابتها، لسه مش مصدقة إنها هتكون أم.
في الناحية التانية، أركان كان واقف قدام المراية، بيظبط هدومه المناسبة لدوره، البواب اللي محدش هيشك لحظة في إنه مش مجرد بواب. نظرته كانت مليانة تركيز، حاسس إن النهارده مش هيكون يوم عادي.
اليوم بدأ، وكل واحد فيهم عنده مشوار مختلف... ليلى بتخطط لحياة جديدة وهي لسه مش عارفة إن حياتها هتتقلب، وأركان داخل عالم مليان مخاطر، وكل خطوة محسوبة فيها تمنها.
أركان دخل مكتب صلاح اللي بعت ليه. صلاح بيبص لأركان بتركيز: "يلا يا بطل، جه وقت الجد... النهارده هتبدأ تشوف بعينك شغلنا الحقيقي."
أركان بابتسامة جانبية وهو بيحط طاقية البواب على راسه: "أنا جاهز يا حاج."
صلاح وهو بيبص لأركان بتركيز: "انت في المدة اللي قعدتها معانا شُفت عشرة في المية بس من شُغلنا… ودا الشُغل مع الناس الصغيرة. أما شُغلنا مع الكبار، فله أماكن تانية، وطرق تانية. هخدك وحدة وحدة، مش بس عشان دراعك، لكن كمان عشان تتأكد إنك جاهز تقعد معانا على الترابيزة."
أركان كان سامع كل كلمة بانتباه، ملامحه ثابتة، لكن جواه كان فيه نار بتشتعل، نار الطموح والرغبة إنه يكون في المكان الصح وسط الكبار.
كان ده الطريق اللي عايزه من البداية، وها هو أخيرًا بيحط رجله على أول خطوة فيه.
ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف شفايفه وهو بيرد بثقة: "أنا جاهز."
صلاح ضحك ضحكة قصيرة وهو بيطبطب على كتفه: "نشوف بقى، الجاهزية مش بالكلام، بالأفعال."
أركان حس إن الامتحان الحقيقي لسه ما بدأش… وإن اللي جاي أصعب، لكن ده اللي كان مستنيه طول عمره.
أركان كان قاعد مع عبد الحق بالساعات، بيحاول يجمع منه أي معلومة تفيده. كان بيتكلم معاه بطريقته، بيخليه يحس إنه واحد منهم، بيظهر اهتمامه بالشغل وبالمكاسب الكبيرة اللي ممكن يحققها.
مع الوقت، عبد الحق بدأ يفتح قلبه، وأركان بدأ يربط الخيوط ببعضها. عرف إن العصابة دي مش مجرد تجار مخدرات وسلاح، دول عندهم مصانع هنا في مصر، وبيشتغلوا مع أجانب مدربين على أعلى مستوى في تصنيع السموم وتعديل الأسلحة.
لكن أهم معلومة اكتشفها، إن المكان اللي بيتم فيه كل ده سري جدًا، ومحدش بيروحه غير صلاح بنفسه. حتى عبد الحق نفسه ما يعرفش مكانه بالظبط، وده معناه إن الوصول ليه شبه مستحيل… إلا لو لعبها صح.
أركان كان بيخزن كل التفاصيل الصغيرة في دماغه، كل اسم، كل رقم، كل حركة. عارف إن الحاجات اللي ممكن تبان تافهة دلوقتي، هتبقى مفتاحه بعدين للقضاء عليهم كلهم. كان صبور، مستني اللحظة المناسبة، لأنه مش ناوي بس يوقعهم، هو ناوي يسحقهم تمامًا.
ـــــــــــ&ـــــــــــ
في المساء
ليلى كانت واقفة في المطبخ، بتحاول تجهز العشاء، لكن صوت أم سعاد نداها من بره بصوت تعب:
أم سعاد: "هنيه يا بنتي، تعالي ساعديني، حاسة بتعب شوية."
ليلى بسرعة راحت عليها، وهي بتشيل المريلة عن وسطها: "خير يا أم سعاد، مالك؟"
أم سعاد وهي بتحط إيدها على ضهرها: "مش عارفة، بس حاسة بدوخة، وقفت كتير النهارده، وركبي واجعاني."
ليلى بحنية: "اقعدي إنتي وأنا هخلص كل حاجة، إنتي بتعملي إيه أصلاً؟"
أم سعاد بابتسامة: "كنت داخلة على أوضة البيه صلاح."
ليلى بابتسامة حنونة: "سيبيه عليا، ريحي إنتي، وأنا هظبط كل حاجة."
أم سعاد بقلق: "بس يا بنتي إنتي حامل، خايفة عليكي، متتعبيش نفسك."
ليلى بتطمنها: "ما تقلقيش، شوية ترتيب مش هيتعبوني، وبعدين أنا زهقانة وعايزة أعمل حاجة."
أم سعاد بترد بتقدير: "ربنا يكرمك يا بنتي، قلبك طيب، بس خلي بالك، متأخديش وقت طويل، البيه صلاح مبيحبش حد يقعد في أوضته كتير."
ليلى وهي ماشية: "حاضر، بس بقولك إيه، متتحركيش كتير، أنا هنا هعمل كل حاجة."
دخلت ليلى الأوضة وبدأت تمسك في ترتيب الحاجات، مسحت التراب اللي كان على المكتب، رتبت الأوراق اللي كانت مبعثرة. أثناء ما كانت ليلى بتنضف الأوضة، فجأة سمعت صوت الباب بيتفتح، وقلبها وقع في رجلها أول ما شافته… آخر شخص تتمنى تشوفه ويكونوا لوحدهم في مكان واحد… مروان.
عينيه كانت مليانة بنظرة غريبة، نظرة رغبة وافتراس وهو بيقفل الباب وراه ببطء.
ليلى بسرعة حاولت تخفي خوفها، وافتكرت دورها… هي هنا مجرد خدامة، ولازم تتصرف على الأساس ده.
ليلى بابتسامة مصطنعة وهي بتخفض راسها: "أقدر أساعدك في حاجة يا بيه؟"
مروان بصوت واطي وهو بيقرب منها، عينه بتتملى بجسمها من فوق لتحت: "حاجات كتير…"
ليلى حست بجسمها بيتجمد للحظة، لكن بسرعة تمالكت نفسها، ورجعت خطوة لورا وهي بتحاول تحافظ على هدوئها.
ليلى بحزم، رغم رعشة صوتها: "أنا مستعجلة، البيه زمانه جاي، لو حضرتك مش عايز حاجة معينة، ممكن تتفضل دلوقتي."
مروان ابتسم بسخرية، وهو بيحط إيده في جيبه، كأنه مش مستعجل خالص، وكأنه مستمتع بخوفها.
مروان وهو بيتمهل في كلامه: "إيه، خايفة؟ ما تخافيش… أنا بس بحب أتعرف على الناس الجديدة اللي بتشتغل عندنا… خصوصًا الحلوين منهم."
ليلى شدت نفسها أكتر، وحاولت تكون ثابتة، لكن عقلها كان بيفكر بسرعة… لازم تخرج من هنا بأي طريقة قبل ما يحصل اللي هي خايفة منه!
مروان كان بيقرب منها ببطء، ونظرة عينيه كانت مليانة شر…
ليلى بخوف، وهي بتحاول ترجع لورا أكتر، لكن ضهرها خبط في الحيطة: "إنت… إنت عايز إيه؟"
مروان بصوت واطي، لكنه واضح: "عايزك."
ليلى حست بالرعب بيسري في عروقها، لكن حاولت تفضل متماسكة، رفعت صوتها بتهديد وهي بتبص له بحدة: "هصوت ولم عليك البيت كله! وجوزي تحت، لو عرف إنك حاولت تقرب مني، هيقتلك."
مروان ضحك بسخرية، ضحكة مليانة خبث وهو بيقرب أكتر، صوته كان هادي لكنه مليان تهديد: "صوتي… بس فكري، لو عملتي كده، إنتي وجوزك هتتطردوا من هنا في لحظة، وهقول إنك كنتي بتسرقي من أوضة جدي… وساعتها مش بس هتتطردوا، دي هتبقى نهايتكم هنا."
الخوف لف ليلى، على نفسها… على أركان، على المهمة، على كل حاجة تعبوا عشانها. لكنها في نفس الوقت كانت مش هتسمح لنفسها تنهار قدامه. خدت نفس عميق، حاولت تسيطر على رعشة صوتها، وردت عليه بشجاعة وهي بتبص في عينه بثبات:
"ابعد عني… بالذوق."
ليلى كانت متسمرة في مكانها، مش بيفصلها عن مروان غير خطوات بسيطة. قلبها كان بيدق بسرعة، وهي بتحاول تسيطر على رعشة جسمها.
مروان كان بيقرب أكتر، تقريبًا حشرها في الحيطة اللي وراها، حاصرها بين دراعاته وميل جسمه عليها، عينه فيها شهوة واضحة، وصوته طلع واطي لكنه مليان تهديد: "مالك؟ خايفة؟"
ليلى ابتلعت ريقها بصعوبة، لكن ملامحها كانت مصممة إنها متبينش ضعفها، رفعت عينها ليه بحدة، ورغم الخوف اللي جواها، حاولت تخلي صوتها ثابت: "ابعد عني، أنا محبش القرف ده!"
مروان ضحك ضحكة قصيرة، صوته كان كله استهزاء: "القرف؟ طب ما هو جوزك أكيد مش بيقرب منك وإنتي كده، هو شايفك خدامة برضه؟"
الغضب لف ليلى، بس كانت عارفة إن أي تصرف غلط ممكن يضيع كل حاجة، فقررت تلعب على وتر تاني، استجمعت قوتها وبصت له باشمئزاز وعينيها مليانة تحدي رغم الخوف اللي حاسة بيه: "إنت عارف الفرق بينك وبين جوزي؟ إنه راجل… وإنت إنت مجرد واحد تافه.. فاكر إن الفلوس تقدر تخلي أي حد تحت رجلك!"
مروان ضيق عينه، واتنرفز من ردها، قرب أكتر وهمس بصوت مليان تهديد:
"هتشوفي أنا ممكن أعمل إيه، وهعرفك مقامك كويس أوي!"
حدفها ليلى على السرير بعنف، وقبل ما تقدر تتحرك، كان هاجم عليها بكل وحشية.
و
رواية زواج في الظل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ياسمين عطيه
مروان كان بيقرب أكتر، تقريبًا حشرها في الحيطة اللي وراها، حاصرها بين دراعاته وميل جسمه عليها، عينه فيها شهوة واضحة، وصوته طلع واطي لكنه مليان تهديد:
"مالك؟ خايفة؟"
ليلى ابتلعت ريقها بصعوبة، لكن ملامحها كانت مصممة إنها متبينش ضعفها، رفعت عينها ليه بحدة، ورغم الخوف اللي جوها، حاولت تخلي صوتها ثابت:
"ابعد عني، أنا محبش القرف ده!"
مروان ضحك ضحكة قصيرة، صوته كان كله استهزاء:
"القرف؟ طب ما هو جوزك أكيد مش بيقرب منك وإنتي كده، هو شايفك خدامة برضه؟"
الغضب لف ليلى، بس كانت عارفة إن أي تصرف غلط ممكن يضيع كل حاجة، فقررت تلعب على وتر تاني، استجمعت قوتها وبصت له باشمئزاز وعينيها مليانة تحدي رغم الخوف اللى حاسه بيه:
"أنت عارف الفرق بينك وبين جوزي؟ إنه راجل… وأنت أنت مجرد واحد تافه.. فاكر إن الفلوس تقدر تخلي أي حد تحت رجلك!"
مروان ضيق عينه، واتنرفز من ردها، قرب أكتر وهمس بصوت مليان تهديد:
"هتشوفي أنا ممكن أعمل إيه، وهعرفك مقامك كويس أوي!"
حدفها ليلى على السرير بعنف، وقبل ما تقدر تتحرك، كان هاجم عليها بكل وحشية.
ليلى بعزم اللي تقدر عليه رفعت إيدها وخربشته في وشه بكل قوتها، سابت علامة واضحة نزفت فورًا.
مروان اتجنن، عيونه ولعت بالغضب، ورفع إيده ونزل على وشها بالقلم بكل قوته، وبعده واحد تاني، لحد ما وشها التوى من الألم.
قرب منها وهمس جنب ودنها بصوت مليان خبث وتهديد:
"إديكي شوفتي أنا ممكن أعمل إيه… بس متقلقيش، أنا هسيبك دلوقتي، بس ده معناه إني مش هاخد اللي عايزه قريب جداً."
فتح الباب وخرج، سايبها مرمية على السرير، ووشها كله وجع، بس اللي كان بيوجعها أكتر هو إحساسها بالقهر والضعف...
ليلى كانت حاسه إن جسمها كله بيرتعش، بس كان لازم تسكت، كان لازم تلم نفسها عشان ما تبوزش كل حاجة أركان بيعملها.
بسرعة خرجت من الفيلا، قلبها بيدق بجنون، ودموعها بتحرق عينيها، لكنها كانت بتقاوم. كل اللي كانت عايزاه توصل أوضتها وتقفل على نفسها.
أول ما فتحت الباب، لقت أركان واقف قدامها، عيونه سريعة الالتقاط، لاحظ الارتباك في ملامحها، النفس المتلاحق، وإيدها اللي كانت بتترعش وهي بتشد طرحتها.
بس قبل ما ينطق أو يسأل، ليلى طلعت تجري ناحية الحمام وقفلت الباب وراها بسرعة.
سندت على الحيط، حطت إيدها على بؤها عشان تكتم شهقاتها، مش عايزة تنهار، مش عايزة تبين ضعفها، بس الدموع خانتها ونزلت غصب عنها.
وأركان كان واقف بره، حاسس إن في حاجة غلط… حاجة كبيرة جداً.
ليلى حطت إيدها على بؤها عشان تكتم شهقتها، قلبها كان بيدق بسرعة، مش عايزة تنهار قدامه، مش عايزة تبين ضعفها.
لكن صوت أركان جالها من بره، كان واضح إنه حاسس إن في حاجة غلط:
"افتحي الباب، اطلعي… إيه اللي حصل؟"
حاولت تظبط صوتها، تخليه طبيعي، بس كان باين فيه الارتباك والتعب:
"مافيش…"
بس صوتها خانها، نبرتها المرتعشة فضحتها، وده كان كفاية يخلي أركان يتجنن. زاد خبطه على الباب بعصبية:
"افتحي الزفت بدل ما أكسره!"
ليلى عرفت إنه مش هيسيبها، إنه مش هيقتنع بسكوتها، وإنه لو فضل بره أكتر من كده ممكن يشك، والمهمة كلها تضيع.
سحبت نفس عميق، حاولت تثبت نفسها، ومسحت دموعها بسرعة قبل ما تمد إيدها وتفتح الباب…
أول ما خرجت، أركان كان واقف مستنيها، عينه بتفحص كل تفصيلة فيها. نظراته كانت حادة، مش بيفوت حاجة.
أول ما عينُه وقعت على خدودها، وشه اتغير، ملامحه شدّت، ونبرته كانت مليانة غضب وهو بيقرب منها بخطوات سريعة:
"مين ضربك بالقلم؟"
ليلى حاولت تداري توترها، رفعت إيدها بسرعة ولمست خدها كأنها مستغربة، وابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتتكلم بمرح مزيف:
"دي خدودي احمرت من الوقفة قدام البوتاجاز."
أركان بغضب جحيمي، صوته كان وهو بيقرب أكتر، عيونه كانت بتقدح شرار:
"إنتي شايفاني عيل صغير؟ هتضحكي عليَّ بالكلمتين دول وأصدقك؟ صح؟"
ليلى بتوتر، حاولت تبعد عنه خطوتين، عيونها بتزوغ وهي بترد بسرعة:
"لا... أنا بقول الحقيقة!"
أركان، بعصبية وهو بيشد نفسه عشان ما ينفجرش أكتر، صوته كان أخشن وهو بيرد:
"إنتي لو مقولتيش الحقيقة دلوقتي، أنا هروح أسألهم وهعرف بنفسي... وساعتها محدش هيوقفني!"
ليلى اتسمرت مكانها، عارفة إن لو أركان تحرك، كل حاجة هتبوظ… بس في نفس الوقت، مكنتش قادرة تنطق بالحقيقة!
ليلى مقدرتش تمسك نفسها، وترامت في حضنه وهي بتترجف، دموعها كانت بتنزل بدون توقف، كأنها بتفضي كل الرعب اللي عاشته في اللحظات اللي فاتت.
بصوت متكسر وسط شهقاتها، قالت:
"وحياة اللي في بطني، متعملش حاجة… أنا خدت حقي وسكت، عشان مضيعش كل اللي إحنا عملناه… والصبر اللي استحملناه… مخلتوش يلمسني، هو كان عايز يقرب مني بس أنا قط*عت وشه بضوافري… عشان كده هو اتجنن وضربني بالقلم…"
أركان كان واقف جامد، كل كلمة بتقولها كانت زي نار بتغلي في دمه، إيديه كانت مقبوضة لدرجة إن عروقه بقت بارزة، وعيونه كانت مليانة ظلام مخيف. حس إن كل كلمة بتقولها كانت زي سكينة بتتغرس في قلبه، عيونه كانت حمراء من الغضب، عضلاته مشدودة، وإيده بتتحرك لا إرادياً، كأنه مستعد يهد الدنيا على دماغ اللي لمسها حس إنه مش قادر يسيب الموضوع يعدي، مش قادر يبلع الغضب اللي بيحرقه من جوه.
صوته كان هادي، بس تحته كان فيه زلزال مستني ينفجر:
"إنتي فاكرة إنك لما سكتي كنتِ بتحميني؟ لا يا ليلى… إنتي بس أديتيه فرصة يفتكر إنه يقدر يفلت بعملته… وأنا عمري ما بسيب حقي، ولا حقك."
ليلى رفعت وشها ليه، عيونها كلها خوف وتوسل، وهي تهز رأسها بضعف:
"أركان… أرجوك… بلاش تتهور، إحنا قربنا نخلص… لو عملت حاجه دلوقتي هضيع كل حاجه "
أركان حس إن الدنيا اسودت قدامه، الدم في عروقه بقى نار، والوحش اللي جواه صحى وبيصرخ عشان يخرج…
أركان خرج بسرعة، عيونه كانت مشتعلة بنار الغضب، كل خطوة كان بيخدها كانت تقربه أكتر من الانفجار.
ليلى شهقت وهي تشوفه بيبعد، قلبها كان هينخلع، كانت هتجري وراه من غير تفكير، بس قبل حتى ما تخطو خطوة، لفّ ليها بحدة، وصوته خرج زي الزئير:
"أقسم بالله… لو رجلك طلعت برا الأوضة دي، لتشوفي أسوأ وش مني… أسوأ حتى من اللي هوريه للحيوان ده!"
نبرة صوته كانت قاطعة، مخيفة، خليتها تتجمد في مكانها، ماقدرتش حتى تنطق. عيونه كانت سودا، مليانة بعاصفة غضب مشافتش زيها قبل كده. كان واضح إنه خلاص فقد السيطرة، وإن مروان هيشوف جحيم أركان على وش الأرض.
فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك، قلبها كان بيدق بجنون، وهي مش عارفة اللي جاي ممكن يكون عامل إزاي… بس اللي كانت متأكدة منه إن الليلة دي مش هتعدي على خير!
أركان كان عاصفة غضب ماشية على رجلين، النار كانت مشتعلة في عروقه، ووشه كان ملامحه متحجرة من الغيظ. دخل وسطهم زي الإعصار، عيونه مثبتة على مروان، مفيش حد في القعدة كان يقدر يوقفه.
بإيد قوية، سحب مروان من كتفه فجأة، شده من وسط ولاد عمه وأخوه، وكأن وزنه ولا حاجة. مروان حتى ملحقش يستوعب اللي بيحصل، وأول ما لفّ ليه، لقى قبضة أركان نازلة على وشه بكل القوة اللي في الدنيا.
أركان بصوت مليان غضب وجحيم:
"إزاي تفكر تلمسها؟! إزاي عينك تيجي عليها؟! إزاي إيدك تتجرأ تلمسها؟! وكمان تمد إيدك وتضربها؟!"
كل كلمة كان بيقولها كانت مصحوبة بضربة، كل لكمة كانت بتنزل على مروان كانت كأنها بتفرغ البركان اللي جواه.
مروان حاول يرفع إيده يدافع عن نفسه، بس مفيش فرصة، أركان كان فاقد السيطرة، نازل فيه ضرب من غير رحمة، وهو بيصرخ بغضب:
"كنت فكراني مين يا ابن الكلب؟ كنت فاكر إنك هتلمسها واسكت"
الدم بدأ يظهر على وش مروان، أنفاسه كانت متقطعة، وقع على الأرض، لكن أركان مكنش ناوي يسيبه. رفعه تاني، وكأنه مجرد دُمية في إيده، عينيه كانت سودة من الغضب، وإيده مش بتتوقف عن الضرب. المكان كله كان متجمد، محدش كان عارف يتدخل.
مروان كان بيحاول يتكلم، يتوسل، بس أركان سابه يقع على الأرض وهو بيتنفس بصعوبة، صوته كان قاطع زي السكين:
"دي كانت آخر مرة تمد إيدك على مراتي… وآخر مرة تفكر حتى تبص لها!"
وفجأة، صوت حد صرخ في المكان، الكل لفّ بسرعة، وأركان لف برضه، صدره بيطلع وينزل من الغضب، عيونه لسه مشعة بالنار…
كان المكان مليان بالدم، مروان مرمي على الأرض، بيحاول يرفع نفسه بالعافية، ووشه متبهدل بالكدمات والدم بينزل من مناخيره وشفته المتورمة. الناس واقفين في حالة صدمة، محدش قادر يتدخل،
كل حاجه حصلت بسرعه وكانوا شايفين وحش قدامهم اقوي منهم ميت مره سريع سرعه غير طبيعية كل اللى حصل دا مكملش ثواني.
صباح صرخت بصوت عالي وهي بتقرب من ابنها:
"إنتوا سايبين البواب يضربه قدامكم كلكم وانتوا واقفين؟!"
أركان رفع عينه ليها، والغضب لسه ماليه، وقال ببرود قاتل:
"ابنك مترباش… وأنا بربيه ليكي!"
صباح بصوت مليان غضب ووعيد:
"إنت مش هيطلع عليك نهار… لا إنت ولا مراتك!"
لكن فجأة، سمعوا صوت جه من بعيد… صوت تقيل وقوي سكت الكل في لحظة.
كأن اللحظة دي هي اللي هتحدد المصير
بصلاح بيتكلم بصوت حازم قطع أي فرصة للكلام:
"ابنك غلط… وحاول يتهجم على مراته… وهو راجل عنده نخوة، مقدرش يستحمل، وابنك يستاهل اللي حصل له، هو اللي جابه لنفسه."
صباح لفت تبص لصلاح، كأنها مش مصدقة إنه مش واقف في صف ابنها، لكن نظراته كانت قاطعة، مفيش أي فرصة للمناقشة.
صباح كانت واقفة مصدومة، ملامحها ما بين الغضب والخوف، عينيها راحت على مروان اللي كان مرمي على الأرض، ووشه متبهدل بالدم والكدمات. حاولت تتكلم، لكن صوت صلاح قاطع أي محاولة منها.
صلاح بنبرة حازمة وهو بيبص لمروان باشمئزاز:
"ابنك غلط… واللي عمله لو كان مع حد تاني، مكانش هيطلع منها عايش، هو اللي جاب ده لنفسه."
صباح بصت لأركان بكره، كانت عايزة تتكلم، تعترض، بس شافت نظرة صلاح ليها، نظرة معناها إن مفيش كلام هيغير اللي حصل. سكتت، بس نظرتها لأركان كانت مليانة تهديد.
أركان مسح إيده من الدم اللي عليها، وقرب من مروان اللي كان بيحاول يرفع نفسه بالعافية، قرب منه وهمس بصوت منخفض، بس كل اللي حوالين سمعوه:
"أنا سبتك عايش النهارده عشان جدك … بس أقسم بالله لو قربت منها تاني، هتشوف مني وش مشفتهوش قبل كده."
بص لمروان نظرة احتقار أخيرة، اللي كان مرمي على الأرض زي الكلب،.
وبعدها لف ومشي وهو بيتمالك نفسه بالعافية. كان كل عضلة في جسمه مشدودة، غضبه كان لسه مشتعِل، لكن الحاجة الوحيدة اللي كانت في دماغه دلوقتي… إنه لازم يرجع لليلى.
الرجالة تبادلوا نظرات متوترة، محدش قدر ينطق بكلمة، الكل كان فاهم إن صلاح كلمته هنا فوق كلمة الكل.
شالوا مروان بصعوبة وطلعوه لفوق، كان تعبان ووشه مليان جروح، لكنه رغم الألم، الغل كان واضح في عيونه.
سليم بحرج وهو بيبص لمروان:
"هو إنت عملت إيه لمراته بالظبط؟"
مروان بصعوبة وهو بيتنفس بتعب:
"معملتش حاجة!"
عادل بصدمه وهو بيهز رأسه بعدم تصديق:
"كل ده ومعملتش حاجة؟! أمال لو كنت اختص*بتها كان عمل إيه؟!"
طاهر بحدة وهو بيتكلم بعقلانية:
"إنتوا عبط؟! يا جماعة مروان غلط، إحنا كلنا لينا علاقات بستات… آه، ماشي! لكن تقرب لواحدة متجوزة… وحامل؟! وده غير إن جوزها واضح إنه بيحبها وهي كمان بتحبه!"
مروان بغل وكره، عيونه مليانة حقد:
"أنا…هقت*له"
طاهر قطعه وهو بيهز رأسه باستنكار:
"يبقى إنت الى هت*موت يا غبي! ، إنت مشوفتش نفسك، دا إحنا التلاتة معرفناش نرفعه من عليك وهو بدراع واحد!"
سليم وهو بيحاول يخفف الجو لكن صوته فيه تحذير:
"طاهر عنده حق… بلاش البت دي، مروان."
مروان بعناد وابتسامة شريرة:
"عجبتني… ولما بعوز حاجة، باخدها!"
عادل وهو بيبصله ببرود:
"يبقى إنت اللي هتجيبوا لنفسك، ومحدش هيقدر ينقذك ساعتها."
المشهد ينتهي على نظرات مروان المليانة حقد وانتقام، بينما الباقيين عارفين إن الموضوع لسه مخلصش… وإن اللي جاي هيكون أسوأ.
***
في مكتب الحاج صلاح
عبد الحق باستغراب:
"أنا عندي سؤال يا حاج، مقدرش أدخل في قرارك، بس انت طول عمرك ما بتخليش الهوى يلمس حد من أحفادك… إزاي سبت سعيد يضرب مروان؟"
الحاج صلاح ببرود وهو بيحط سبحته على الطاولة:
"الواد مروان دماغه ناشفة وعايزها تتفشفش… وغير كده، غبي! يوم ما يقرر يعمل كده، يعمله في الأوضة بتاعتي أنا؟ وعلى سريري؟!"
اتنهد وهو بيبص لعبد الحق بنظرة كلها معنى:
"فدا كان عقاب ليه!"
الحاج صلاح وهو بيعدل جلسته:
"وبعدين الواد سعيد لقَطها… وأنا عايز دماغه في الفترة الجاية، فمش هضيّعه من إيدي. لو كانت الخبطتين دول هما اللي هيطفوا ناره، فأنا سبته بمزاجي!"
سكت لحظة وهو بيبص لعبد الحق بحدة:
"بس هقرص ودنه بردك الصبح… عشان ما يفكرش يعمل كده تاني!"
***
أركان دخل الأوضة وهو بيشد أنفاسه، لسه غضبه مولّع، ووشه كله شرار.
ليلى كانت قاعدة على طرف السرير، أول ما شافته بصت لدراعه اللي بينزف، دموعها نزلت غصب عنها وهي تهمس بصوت مختنق:
"اركان دراعك بينزف ؟! بردك عملت اللي في دماغك…"
أركان رفع عينه عليها، شاف الدموع في نظرتها، حس إن قلبه اتقبض، لكنه ما بيّنهاش، كأنه مش حاسس بأي وجع.
بص لدراعه اللي بينزف، كأنه لسه أول مرة ياخد باله، ومسح الدم بظهر كفه بلا مبالاة وهو يقول بحدة:
"أومال كنتي عايزاني أسيبه؟!"
ليلى قامت بسرعة واتجهت نحوه، مسكت دراعه بإيدين مرتعشين وهي بتحاول توقف النزيف، صوتها كان مليان قلق ودموعها لسه في عيونها:
"كنت عايزاك تفكر في نفسك… في المهمه ما تخاطرش بكل حاجه انت عملتها عشاني !"
أركان بصّ لها للحظة، حس بالوجع اللي في كلامها، لكنه قال ببرود وهو بيشد دراعه منها بلطف:
"أنا كويس، المهم إنتي… متخافيش، محدش هيقربلك تاني."
ليلى عضّت شفايفها وهي بتحاول تكتم شهقتها، حست لأول مرة قد إيه هو فعلاً بيحميها، وقد إيه كانت مرعوبة إنه يتأذى بسببها.
لكن أركان، حتى لو موجوع، حتى لو بيموت… مستحيل يبين ضعفه.
ليلى مسكت إيده السليمة وسحبته للسرير، قاسته بنظرة مليانة حنان وحزم في نفس الوقت وهي تهمس:
"استنى… هغيرلك على الجرح."
قعد قدامها وهو ساكت، لكن عيونه كانت مثبتة على خدها، مكان بصمة الإهانة اللي لسه محفورة، والنار جواه بتزيد. كان نفسه يقوم يضربه تاني، يخلص عليه، بس مسك نفسه بالعافية.
مدّ إيده السليمة، حطها على خدها بحذر، كأنها حاجة هتتكسر تحت لمسته، وسأل بصوت خافت، لكن مليان غضب مكبوت:
"وجعك؟"
ليلى بلعت ريقها، بصّت له بثبات، رغم إن عيونها كان فيها بقايا دموع، وهزّت رأسها وهي تهمس:
"صدقني… لا."
لكن أركان ما كانش مصدقها، كان شايف الحقيقة في عيونها، الحزن، القهر، الغضب اللي بتحاول تدفنه.
شد نفسه بعيد عنها شوية، صوته كان مليان تحذير وهو بيقول بعصبية جانبية:
"بعد كده، ابقي صوتي ميهمكيش أنا… ولا المهمة… ولا أي حاجة. متسكتيش لحيوان زي دا وتسمحي يتهجم عليكي!"
ليلى رفعت عيونها له بثقة، كانت حقيقية المرة دي، وهي تهمس بكل يقين:
"محدش يقدر يقرب لي."
أركان بصّ لها لحظة، حس إنها بتتكلم عن أكتر من مجرد اللي حصل… كانت بتتكلم عنه هو كمان، عن حمايته، عن الثقة اللي بينها وبينه… واللي من غير ما يحس، بقت أهم من أي حاجة تانية في حياته.
ليلى خرجت من الحمام بعد ما أخدت شور، آثار الضربة لسه واضحة على خدها، خمسة صوابع معلمين عليه كأنهم محفورين. أركان كان كل ما يبص لها يحس بالغضب بيغلي في دمه، كان عايز يولع في الدنيا تاني، بس كتم غضبه بالعافية. المهم دلوقتي إن الموضوع عدى.
مشيت ناحية السرير، ولأول مرة، من غير تفكير، رمت نفسها في حضنه. ماكانتش بتدور على حاجة غير الأمان، مجرد إحساس واحد بس يطمنها إنها مش لوحدها.
ليلى (بهمس):
"ممكن تخليني هنا؟"
أركان سكت. كان المفروض يرفض، يحط حدود بينهم زي ما قال هيعمل دايماً، بس دلوقتي... ماقدرش.
كانت بتتمسح في حضنه زي قطة صغيرة، وده جننه. بس فجأة، حس بجسمها بيرتعش... دموعها نزلت وسابت علامتها على هدومه.
أركان قرب وشه منها، صوته كان أهدى بس فيه قلق واضح:
"مالك؟ في حاجة وجعاكي؟"
ليلى شهقت بين دموعها، صوتها كان ضعيف بس مليان وجع:
"تعبت... تعبت من الحياة دي، أمي وحشتني أوي. كنت عايشة عادي، بضحك وبلعب وباتخانق. عارف... لو كنت في أي مكان غير هنا، كنت كلت مروان دا حي، ماكنتش هسيبه حتى يفكر يقرب مني!"
اتنهدت بصوت عالي، كأنها بتحاول تخرج كل اللي جواها دفعة واحدة:
"أنا خوفت... خوفت مش عشاني، خوفت عشان اللي في بطني، خوفت يلمسني، ينتهك حرمتي!"
أركان حس الدنيا بتسود قدامه، فكرة إن حد قرب منها بس جننته. بسرعة حط إيده على بُقها، مش عشان يسكتها، لكن عشان الفكرة دي ماتخرجش بره عقلها تاني.
"محدش هيقدر يقربلك، فاهمة؟"
مسح دموعها بإيده، عنيه كانت مليانة غضب مش ليها... غضب على نفسه، على العالم اللي خلاها تحس بالخوف ده. ليلى بصت له، ابتسامة ضعيفة وسط الدموع. كانت شايفة فيه حاجة مختلفة...
مكانش مجرد ظابط، ولا هي كانت مجرد مهمة. لما قال لمامتها "ليلى في أمان"، كان فعلاً الأمان بتاعها. حماها وحمى كرامتها،وحميها وهيفضل يحميها طول الوقت.
مش بيحبها... بس إيتقي ربنا فيها، يكون معاها بشكل مختلف. كان حنين بطريقة مكنتش مستوعباها، وكانت محتاجة الحنية دي أكتر من أي وقت فات.
ابتسامتها الصغيرة مالت وشها، كانت بتبص له بطريقة غريبة... فيها حاجة جديدة. كانت تتمنى يكون جوزها بجد، تنتمي لعالمه اللي هي غريبة عنه... بس حضنه؟ حضنه مكانش غريب عنها أبدًا.
أركان كان بيتأملها، مركز في كل تفصيلة... في سرحانها، في الابتسامة اللي ماقدرتش تخبيها. قلبه كان بيدق بسرعة، مش عارف ده خوف ولا حاجة تانية...
وفجأة، لقيها بتقرب.
من غير أي مقدمات، من غير ما تفكر، لمست شفايفها شفايفه في قبلة طويلة، خطفتها... وخطفته من الدنيا كلها.
بعدت عنه بسرعة، قلبها بيدق بعنف، مش مصدقة اللي عملته.
لكن هو؟
مكانش عايز يبعد، ولا حتى قادر. اللحظات اللي قربته منها جننته... حاجة جواه اتكسرت، وحاجة تانية اتبنت مكانها، حاجة أقوى وأخطر.
بص لها بعينين مش مفهومة، عينين مليانة مشاعر مكبوتة، حاجات كتير كان بيحاول يقنع نفسه إنها مش موجودة... لكنها كانت، وبقوة.
أول ما بعدت، نامت... كأنها ما عملتش حاجة، كأنها ما ولّعتش النار اللي سايباه مولّعه لوحدها.
أركان فضل، ماسك نفسه بصعوبة، كل اللي اتعلمه في الثبات الانفعالي كان بيطبقه دلوقتي، بس الحقيقة؟ دي أصعب لحظة عدّت عليه في حياته.
شايفها قدامه، قريبة، ملمسها لسه محفور في جلده، ريحتها حوالينه، بس... مينفعش.
مينفعش يقرب. مينفعش يستسلم. دا الصح. دا اللي لازم يعمله.
لكن ليه أول مرة في حياته يحس إن الصح... عكس اللي هو عايزه؟
في الصباح، أركان قام من جنب ليلى بهدوء، عينه كانت مثبتة عليها، ملامحها الهادية وهي نايمة، تنفسها المنتظم... كل تفصيلة فيها بقت نقطة ضعف بالنسباله.
غمض عينيه للحظة وكأنه بيحاول يطرد الإحساس اللي مسيطر عليه، بس الحقيقة كانت واضحة قدامه.
"بقيتي خطر يا ليلى... بقيتِ خطر عليا أنا شخصيًا."
اتنهد بعمق وهو بيبعد نظره عنها، كأنه بيهرب من حقيقة مش عايز يواجهها.
"بقى أنا أبقى ضعيف للدرجة دي قدامك؟! بقى أنا مقدرش أتحكم في نفسي معاكي؟!"
شد كفوفه بعصبية وهو بيتمتم بصوت واطي:
"لازم أبعد... لازم أرجّع كل حاجة زي الأول، لازم كل حاجة تمشي زي ما مخطط ليها."
بص ليها للمرة الأخيرة قبل ما يخرج، وهو حاسس إن الخط الفاصل بينه وبينها بدأ يختفي... وده أكتر شيء كان مرعب بالنسباله
***
ليلى قامت على صوت التليفون، بصّت في الشاشة، قلبها دق بسرعة...
"أميرة"
الابتسامة شقت وشها تلقائي، ردّت بسرعة وهي بتحاول تداري اشتياقها:
"صباح الخير يا أميرة، وحشتيني قوي!"
بس أول ما سمعت صوت أميرة، ابتسامتها اتهزت...
صوت مليان دموع، مليان وجع:
"ورحمة أبوكي يا ليلى لو بعتي نفسك للراجل اللي جيه اتجوزك دا، لتقوليلي... انتي مخبّية حاجة، وأنا لازم أعرف!"
الدموع شقت عينيها...
حاولت تتحكم في نفسها، تتكلم بثبات، لكنها حسّت صوتها بيرتعش:
"بعت إيه يا أميرة؟ ما الراجل جيه واتجوزني قدامكم!"
لكن أميرة كان صوتها مليان غضب، وشك، ووجع:
"أمال الـ100 ألف مين دفعهم؟ مش انتي؟ دفعتيهم إزاي وليه؟ وإيجار الخمس شهور المتأخر بتاع أمك... مين سدده؟"
ليلى بلعت ريقها، ما ردّتش، بس أميرة كملت بصوت بيعلي وحدة وحدة:
"الفلوس اللي بتيجي لي ولي ماما كل أول شهر دي... فلوس تكفينا ٣ أو ٥ شهور قدام، مش شهر واحد! والأرض بتاعتي وبتاعة ماما، اللي فجأة خلاص إتسدد ثمنها، وبتتبني كمان! منين الفلوس دي كلها يا ليلى؟!"
أميرة سكتت لحظة، لكن صوتها كان مليان قهر:
"انطقي! أنا مش راضية ألعب في دماغ ماما وهي أصلاً لوحدها، باين عليها إنها تعبانة ومبتفكرش في حاجة غير فيكي!"
ليلى كانت بتحاول تتماسك، لكنها فشلت...
الدموع نزلت، صوتها خرج مكسور، ضعيف، بس حقيقي:
"أنا مبعتش نفسي يا أميرة..."
أميرة بدموع، بصوت مليان وجع وقلق:
"أمال اللي بيحصل ده إيه يا ليلى؟! أمال إحنا مش عارفين نشوفك ليه من يوم ما اتجوزتي؟ حتى لما بقيتي حامل... مينفعش برده نشوفك؟"
ليلى حسّت بقلبها بيتقبض، دموعها كانت على حافة عينيها، لكنها حاولت تحافظ على صوتها ثابت:
"عشان خطر عليا... وعلى جوزي... وعليكم. لما يجي الوقت المناسب، هحكي لك كل حاجة، بس اللي عايزاكي تعرفيه وتقوليه لماما..."
سكتت لحظة، خدت نفس عميق، ثم بصوت متهدج:
"أركان آخر حد ممكن يئذيني، بالعكس... ده طول الوقت بيحميني. وأنا بحبه، بجد بحبه!"
أميرة حسّت قلبها بيطمن، دموعها هدأت شوية، وقالت بحنية دافية:
"فاكرة ماما سَمَّتك ليلى ليه؟"
ليلى ابتسمت وسط دموعها، صوتها طالع مليان مشاعر:
"عشان انتي اسمك أميرة..."
أميرة بابتسامة حزينة:
"عشان نبقى الأميرة ليلى... انتي أميرة يا ليلى! أميرة أمك، وأميرة أميرة... بنت أمك، وبنتي أنا الأولى والصغيرة."
سكتت لحظة، ثم كملت بصوت هادي، لكنه مليان حب وخوف:
"اوعي تشيلي شيلة تقيلة لوحدك، وتقسّمي ضهرك بالحمل... لما يشيله اتنين، يخف! يا روح الروح، يا بنت دمي..."
ليلى بدموع واشتياق، قلبها كان بيصرخ من جوه:
"أنا بحبكم أوي، وبحب حبكم ليا..."
دموعها زادت، وهي تبكمل بصوت متقطع:
"وحشتوني... وحشني لمتنا، وضحكنا... وحشني الواد أسر، ابنك."
أميرة بضحك بين دموعها، صوتها مليان حنين:
"بيطنط زي الفولة من يوم ما عرف إنك حامل! وبيقول: "ليلى هتجوزني بنتها"، زي ما كنتِ وعدتِه... اوعي تخيّبي ظنه وتكسري قلبه!"
ليلى ضحكت من بين دموعها، لمعة حزن وفرح في نفس الوقت:
"أنا أقدر؟ ليلى، وبنت ليلى، تحت أمر القمر اللي وحشني أوي..."
أميرة بابتسامة دافئة، بصوت كله شوق:
"وانتي وحشتيه أوي... ووحشتينا كلنا!"
ليلى وهي بتبص بعيد، حزنها مالي عينيها، صوتها طالع هادي بس مليان وجع:
"خلاص هانت يا أميرة... قريب كل حاجة هترجع زي ما كانت."
أميرة بحنية ودعاء من قلبها:
"يارب يا بنتي... احكي لي، عاملة إيه في الحمل؟"
ليلى زفرت نفس طويل، عينها نزلت للأرض وهي بتقول بتعب واضح:
"تعبني أوي يا أميرة... مش ببطل أكل، ونوم، وترجيع... وغير بقى إني شوية فرحانة، وشوية زعلانة، لحد ما هتجنن!"
أميرة ضحكت وسط دموعها، تحاول تخفف عنها:
"محدش بياكلها بالساهل! ربنا يكمل لك على خير يا حبيبتي، ويقومك لينا بالسلامة. خلي بالك من نفسك، وطمنيني عليكي دايماً."
ليلى حاولت ترسم ابتسامة رغم الغصة اللي في قلبها، ردت بصوت هادي:
"إن شاء الله... وسلميلي على ماما وأسر."
أول ما قفلت التليفون، دموعها خانتها... فضلت تعيط بصمت، تحاول تكتم شهقاتها، بس وجع الغربة والوحده كان تقيل أوي على قلبها.
كانت ماسكة نفسها بالعافية قدام أميرة، بس أول ما الخط اتقفل، كل اللي جواها انفجر.
وحشتهم... وحشتها أمها، وحشتها لمتهم، وحشتها حياتها البسيطة اللي فجأة قلبت ١٨٠ درجة.
حطت إيدها على بطنها وهي بتهمس لنفسها:
"هانت يا ليلى... كلها شوية وهترجعي لحضنهم تاني."
بس... هل فعلاً تقدر ترجع؟
بتبص لنفسها، بس مش شايفة غير روحها التايهة. فكرة الفراق كانت بتخنقها، بتحس إنها بتكتم أنفاسها. هل تقدر تبعد؟ هل تقدر تنسى أركان؟
حتى لو مشي بعيد، حتى لو سابها، هو خد حاجة منها مش هتعرف ترجعها... خد قلبها. وإزاي الواحد يعيش من غير قلبه؟
حطت إيديها على صدرها، كأنها بتحاول تطمن نفسها، بس مفيش حاجة كانت بتهدي الرعب اللي جوها. أركان مش مجرد حد عدى في حياتها... ده بقى جزء منها، جزء مش هتعرف تتخلى عنه حتى لو حاولت.
مسحت دموعها بسرعة، لازم تبقى قوية، مش عشانها بس، عشان البني آدم اللي قرر يحميها، وعشان الطفل اللي جواها مستنيها تبقى أم صلبة قد الدنيا. عشان البني آدم اللي ضحى بنفسه عشانها. مش هتضيع تعبه، ولا كل اللي عمله، ولا كل اللي استحمله. هتكمل الطريق للآخر.
وقفت قدام المراية، خدت نفس عميق، وبعدته ببطء. لازم تواجه اللي جاي، مش هينفع تهرب. قامت تلبس، وقررت ترجع الشغل، رغم إن قلبها كان مقبوض، مش عارفة رد فعل أركان هيكون إيه. خايفة من المواجهة، خايفة من أي كلمة ممكن تهزها، بس الأغرب إن رد فعله كان… الصمت.
قرر يتجنبها، كان مش عايز يدخل في أي حاجة تخصها، مش عايز حتى يخوض في أي جدال معاها، لأنه عارف إن حتى لو كسب الجدال… هيخسر قلبه ليها أكتر.
ليلى استغربت هدوءه، بس في نفس الوقت استريحت إنه متكلمش. كانت عارفة إن لو فتحوا الكلام، مكنش هينتهي بسهولة وخصوصا وهو… شايفها داخلة الفيلا بعد اللي حصل، ومكنش عندها طاقة لجدال جديد.
***
أم سعاد بكسوف وحزن وذنب:
" يقطعني يا بنتي، ياريتني ما كنت طلبت منك حاجة في الساعة دي..."
ليلى بابتسامة هادية تحاول تطمّنها:
"إنتي ذنبك إيه يا أم سعاد؟ دا نصيب..."
أم سعاد وهي بتبص على خدود ليلى اللي كان لسه باين عليها آثار الاحمرار:
"طب انتي كويسة يا بنتي؟ واللي في بطنك؟"
ليلى بابتسامة خفيفة، تحاول تبعد أي قلق عنها:
"الحمدلله، ربنا ستر، مفيش حاجة."
محروس وهو بيبص لليلى بقلق، صوته فيه حنية:
"والنونو كويس؟"
ليلى بابتسامة أوسع، بتحاول تديهم إحساس بالأمان:
"آه، كويس."
أسماء بعياط وهي داخله تجري على ليلي وبتخدها في حضنها:
"يعني اليوم اللي مكنتش موجودة فيه يحصل كل ده؟! لو كنت أعرف، مكنتش رحت عند ماما وبابا."
ليلى بابتسامة:
"والله يا بنتي محصلش حاجة."
أسماء وهي بتمسح دموعها بغضب:
"بس أنا مبسوطة باللي عمله سعيد! في وشه.. أنا شوفته لما جيت، افتكرته عفريت!"
ليلى وهي تضحك:
"يالهوي عليكي!"
أسماء بجدية:
"والله لو شفتي وشه، تقولي عربية داست عليه!"
كملت بغضب:
"متشوفيش وحش بعيد عنك! عارفة لو كنت هنا كنت..."
ليلى مقاطعة بابتسامة:
"أنا عارفة، كنتي قطعتيه!"
أسماء بحزم:
"آه والله! يفكر بس يقربلك تاني، كده بس...!"
***
في الصالون
صباح بعصبية وغيظ، صوتها عالي ومليان غضب:
"البجحة! دخلت الفيلا بعد اللي جوزها عمله؟! عايزة أدخل آكلها بسناني!"
رغد بهدوء، لكن كلامها كان واضح:
"ابنك يستاهل، وجوزها راجل."
صباح بعصبية أكتر، صوتها بيعلى:
"إنتي بتوقفي مع اللي ضرب أخوكي؟!"
رغد بنبرة حادة، مش خايفة من غضب أمها:
"ابنك غلطان! وانتي بتسندي ليه؟! دا عمل مصيبة! مش عارفة إمتى هتعترفي إنك ما عرفتيش تربي عيالك؟!"
صباح عنيها ولعت، رفعت إيدها تهدد:
"كلمة كمان وهضربك! انتي اللي عايزة تربية! في عيالي كلهم!"
نسرين كانت واقفة وسطهم، النار بتاكلها من جوه، من امبارح وهي مش عارفة تنام.
مش زعلانة على أخوها، زعلانة إنه عمل كل ده، وإنه كان مستعد يهد الدنيا عشان "حتة الخدامة" دي!
بس هي... يقول لها:"إنتي خسارة فيكي البصة."
نسرين عينيها لمعت بغضب، الشر كان بيجري في دمها وهي بتفكر...
"مش هسيبها ليها... طالما أنا مش موجودة، يبقى الخدامة دي كمان مش موجودة!
مش هسيبه يفرح بيها ولا باللي في بطنها… لو افتكر إنه كسب، يبقى مايعرفش نسرين كويس!"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت أخطر من أي تهديد واضح...
***
في مكتب الحاج صلاح
الحاج صلاح كان قاعد في مكتبه، وركان واقف قدامه بثبات، عنيه مفيهاش خوف ولا تردد. صلاح بص له بنظرة طويلة قبل ما يتكلم بصوته التقيل:
"أحب الراجل الحمش، بس محبّش الغبي… وأظن إنك مش غبي. أنا سبتك امبارح تعمل اللي انت عايزه، مش أنت صح، عشان أنا كنت عايز كده. الواد عندي، وكنت محتاج أقرص ودنه… غير كده، مستحيل حد يلمس شعرة من رأس أحفادي، واللي يفكر… بطير راسه."
سكت لحظة، وبص لركان بحدة أكتر:
"دي أول وآخر مرة ترفع عينك في أحفادي! وحاجة تانية، أنا مبحبّش الراجل اللي عنده نقطة ضعف، نقطة ضعفك دي… هتخرجك من اللعبة قبل ما تبدأ، أو توقفك في النص، لأن دايماً هيبقى في حد ماسك منها."
ركان شد جسمه أكتر، وقال بنبرة واثقة، عنيه مفيهاش أي تردد:
"أنا ماليش نقطة ضعف… أنا زيك بالضبط، مبحبّش حد يقرب من اللي يخصني."
صلاح ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها رضا واضح:
"عجبني ردّك وثقتك في نفسك… شايف فيك نفسي وأنا صغير، كنت زيّك كده… نفس الدماغ، نفس العِناد."
ركان رفع حاجبه بخفة وقال:
"ياه… بجد؟! ياريت ييجي اليوم وأبقى زيّك."
صلاح ضحك ضحكة قصيرة، فيها قوة:
"صعب شوية… بس انت الوحيد اللي أقدر أقول له مش مستحيل! عارف ليه؟ عشان عندك كنز… وكنزك هو دماغك اللي عجباني."
صلاح سحب نفس عميق وقال بنبرة جدية:
"ندخل على المهم قدامك أول اختبار حقيقي… عندي صفقة سلاح كبيرة داخلة البلد، وعايزها توصل من غير ما الحكومة تشم ريحتها. الناس اللي بيشيلوا الشحنة دي مالهمش أمان، ولازم تتنفذ العملية بأقل خسائر."
أركان حافظ على ثباته، عينه مافارقتش عين صلاح، وسأله بصوت هادي لكن وراه تفكير سريع:
"مين اللي ماسك التوصيل؟ وأي نقطة ضعف عندهم ممكن نستغلها؟"
صلاح ابتسم بخفة، كأنه متوقع السؤال ده، واتكأ بظهره على الكرسي:
"اللي ماسك التوصيل مجموعة مرتزقة، بيشتغلوا بأعلى سعر، يعني النهارده معانا، بكرة علينا. نقطة ضعفهم؟ الفلوس… بس أنا مش ناوي أدفع مليم زيادة، ولازم الشحنة توصل من غير مشاكل."
أركان فكر لثواني، ملامحه ما تغيّرتش وهو بيرد بثقة:
"يبقى الحل إننا نأمن الطريق بخط بديل، ونبقى متحكمين فيهم مش العكس. هعرف مين أقرب ناس ليهم، ولو في حد يقدر يخونهم عشان مصلحته، وساعتها مش بس هنأمن الشحنة… هنضمن كمان إن محدش فيهم يفتح بقه بعد العملية."
صلاح ابتسم ابتسامة رضا، وهو بيهز رأسه ببطء:
"عجبني تفكيرك… شوف هتعمل إيه، بس خلي بالك، دي مش لعبة، أي غلط صغير ممكن يكلّفنا كتير."
أركان ثبت نظره عليه وقال بثقة:
"وأنا عمري ما بغلط… الشحنة هتوصل، والكل هيفضل فاكر إنها اختفت في الهوا."
وصلوا على النبي
انتظروا البارت ٢٤
رواية زواج في الظل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ياسمين عطيه
في صباح اليوم التالي، مكتب الحاج صلاح.
كان أركان واقف قدام المكتب، ملامحه هادية، بس عينيه فيها لمعة تحدي. الحاج صلاح كان قاعد على كرسيه الفخم، بيبص له بنظرة اختبار، مستني يسمع التفاصيل.
صلاح بابتسامة جانبية: "هاه، هتحكيلي ولا هفضل مستني؟"
أركان بص له بثقة وقال بهدوء: "الشحنة في المخزن… والمرتزقة بيقولوا إن الأرض اتشقت وبلعتها."
الحاج صلاح انفجر ضاحكًا، وضرب على المكتب بكفه: "يا ابن الإيه! عرفت تخلّيها تختفي من غير ما الحكومة تشم ريحتها، ومن غير ما نضرب طلقة واحدة ولوحدك! احكيلي بقى، عملت إيه بالظبط؟"
أركان ابتسم بخفة، وهو يقرب من المكتب، وحط إيده في جيبه: "الشحنة كانت هتعدي من نقطة تفتيش متحركة، وكنت عارف إن الرجالة اللي بيشيلوها مالهمش أمان. نقطة ضعفهم كانت الفلوس والخوف، وأنا استخدمت الاتنين."
صلاح بحماس: "كمل!"
أركان: "اتفقت مع واحد من السواقين، حطيت في حسابه مبلغ محترم، وكل اللي طلبته منه إنه يغير خط السير قبل نقطة التفتيش بخمسة كيلو، وياخد طريق صحراوي، هناك الرجاله كانوا مستنيين."
صلاح وهو بيهز رأسه بإعجاب: "برافو، بس إزاي سيطرت على الموقف؟ ممكن كان حد فيهم يشك أو يعمل حركة غدر."
أركان بعينين باردة: "مشيت على مبدأ بسيط… خليتهم يحسوا إن كل حاجة ماشية طبيعية، لحد ما دخلوا الطريق البديل. هناك، مصائد حديدية فرشت الطريق، الإطارات الخلفية انفجرت، السواق نط واختفى، قبل ما الرجالة يلحقوا يفهموا إيه اللي بيحصل، كنا مطوقينهم من كل اتجاه."
صلاح بانبهار: "من غير ولا رصاصة؟!"
أركان بابتسامة خفيفة: "كانوا مرعوبين، والأرض حوالينهم كانت بتتكلم… دخان الإطارات، الظلام، والمسلحين اللي خرجوا عليهم من العدم. سابوا الشحنة وهربوا زي الفيران."
الحاج صلاح بص له بتمعن، صمته كان معناه إنه مبهور. بعد لحظات، ابتسم وقال: "عجبني ذكائك، برافو يا واد… لكن متنساش، دي كانت البداية بس."
أركان وهو بيعدل ياقة قميصه بابتسامة واثقة: "وأنا مستعد لكل اللي جاي."
خرج أركان من المكتب بخطوات واثقة. أول ما الباب اتقفل وراه، فؤاد بص لوالده بذهول، كأنه مش مصدق اللي حصل.
فؤاد وهو بيهز رأسه بعدم تصديق: "إيه الدماغ دي يا بابا؟ بقي سعيد البواب يطلع منه دا… إحنا كنا فاكرينه مجرد ولد صغير بس طلع عقلية مخيفة!"
خليل وهو بيحك دقنه بتفكير عميق: "لا، ده طلع مش سهل خالص… إحنا اللي كنا مستقلين بيه، بس النهارده أثبت إنه أكبر بكتير من كل توقعاتنا."
الحاج صلاح كان ساكت للحظة، عيونه فيها لمعة فخر، بس في نفس الوقت فيها حسابات كتير بتدور في دماغه. أخيرًا، ابتسم ابتسامة جانبية، وضرب على المكتب بكفه.
صلاح بصوت واثق: "قولت لكم قبل كده… دماغه تعملكم كلكم على بعض. الولد ده لو لعب صح، هكسبنا كتير قوي، وده اللي أنا عايزه."
فؤاد بقلق: "بس يا حاج، مش ممكن ذكاؤه ده يقلب علينا في يوم من الأيام؟"
صلاح بابتسامة غامضة: "الذكي الحقيقي هو اللي يعرف يخلّي أذكى واحد في رجاله دايمًا في صفه، بدل ما يسيبه يبقى عدو ليه."
خليل وفؤاد بصوا لبعض بتوتر، فاهمين إن سعيد مش مجرد لاعب جديد في الساحة، ده بقى قوة لازم يتحسب لها ألف حساب.
***
دخل أركان الأوضة وهو بينفخ بضيق، عينيه مشتعلة بالغضب المكتوم. مسك الموبايل بسرعة واتصل بعدلي، أول ما سمع صوته، قال من غير مقدمات:
أركان بعصبية: "عملت اللي هم عايزينه."
عدلي بهدوء مترقب: "كويس، كده إحنا بقينا وسطهم."
أركان وهو بيشد شعره من بغضب: "أنا بجد مش قادر أستحمل بقى، إحنا بنمشي وراهم زي العمي، وأنا شايفهم وهم بيدخلوا بضاعة البلد وواقفين بنتفرج!"
عدلي بصوت ثابت، كأنه متوقع رد فعل أركان: "الصبر يا أركان… لازم يفرحوا يومين قبل الضربة اللي هتكون في مقتل. مش لصلاح وبس، لكل واحد زيه في البلد. سقوطه مش هيكون سقوطه لوحده، ده هيوقع الكل معاه، ونخلص منهم مرة واحدة."
أركان وهو بيشد أنفاسه عشان يسيطر على غضبه: "يعني نمشي وراهم لحد ما نوصل للي إحنا عايزينه؟"
عدلي بحزم: "بالضبط… لازم نستحمل شوية عشان نكسب كل حاجة في الآخر. إنت مش داخل معركة صغيرة، إنت داخل حرب، ولازم الحرب دي تخلص لصالحنا."
أركان سكت لحظة، عارف إن عدلي عنده حق، بس النار اللي جواه مش سهلة تهدا. أخيرًا، مسح وشه بإيده، وزفر بقوة.
أركان بصوت أخفض، لكنه مليان تصميم: "ماشي… هعمل اللي هما عايزينه. بس أول ما نضرب، هنضرب ضربة مفيهاش رجوع."
عدلي بابتسامة هادية: "بالضبط… ده المطلوب."
أركان قفل الموبايل، وعينيه تلمع بنظرة مختلفة… نظرة حد قرر إنه مش بس هيلعب اللعبة، ده ناوي يكون صاحبها.
***
بعد مرور ثلاث شهور، كل شيء اتغير. أركان مش بس قعد على الترابيزة، ده بقى على رأسها. مش مجرد دراع لصلاح، لكنه تحول لعقله المدبر، الشخص اللي الكل بيسمع كلامه من غير نقاش.
بذكائه، عرف كل حاجة… كل تفصيلة عن الشغل، كل الناس اللي بيتعاملوا معاهم، كل المدخلات والمخرجات. كان ناقصه حاجة واحدة بس… المكان اللي بيصنعوا فيه القرف بتاعهم في مصر. أول ما يعرفه، هيخلص عليهم ضربة واحدة، والمعلومات اللي معاه كفاية تخليهم يتجابوا من سرايرهم قبل ما يفتحوا عينيهم.
أما الباقيين… فالنار كانت بتاكلهم من جوه. فؤاد، خليل، طاهر، سليم، مروان، وعادل… كلهم بقوا على الهامش، ملهومش قيمة، ولا حتى كلمة تُسمع. وجودهم بقى زي عدمه، وأركان كان السبب. في كل اجتماع، كان هو اللي بيتكلم، والكل بيسمع، حتى صلاح نفسه بقى يعتمد عليه أكتر منهم.
نار الغيرة كانت بتولع في قلبهم، الغضب مكتوم بس بيزيد كل يوم، وكل واحد فيهم بيستنى اللحظة اللي يوقعوا فيها أركان… بس هو كان سابقهم بخطوات، ومش ناوي يديهم الفرصة.
في الصالون.
صباح كانت قاعدة في الصالون، بتعوج بُقها بغضب، عينها بتلف على اللي قاعدين حواليها، غليانها واضح في نبرتها:
صباح (بتهكم): "بقي حتة واد يقعدكم كده جنب بعض زي الستات؟!"
فؤاد رفع عينه ليها بضيق، نبرته كانت حادة وهو بيرد: "لمي نفسك يا صباح… حتة واد بيعيش ليه يومين!"
صباح (بضحك ساخر): "انت مصدق نفسك؟! الواد خلاص، مبقاش حد قده ولا حد يقدر عليه."
مروان كان مقهور، غضبه مكتوم بس صوته طلع بخشونة: "نخلص عليه ونخلص!"
لكن خليل قطع الكلام بحسم: "ممنوع حد يقرب له."
طاهر ضرب ضحكة خفيفة بس كان فيها مرارة: "واحنا لو قربنا له، جدي هيخلص علينا إحنا قبل ما نشم نفسنا."
سليم هز رأسه بغيظ، نبرته كانت مليانة قهر: "احنا في نظره دلوقتي ما نسويش ظفره."
عادل زفر بضيق، لكنه قال الحقيقة اللي كلهم عارفينها: "دلوقتي هو الفرخة اللي بتبيض له دهب، فلو قربنا منه، هيذبحنا كلنا من غير ما يفكر."
صباح كانت نارها بتزيد، قامت من مكانها وهي بتزعق: "أومال هتسكتوه على اللي بيحصل ده؟! انتوا بقيتوا شبه الولايا جنبه، مش رجالة!"
فؤاد فقد أعصابه، قام واقف قدامها وعينيه بتلمع بالغضب: "مش قولت اخرسي بقى؟!"
الصمت سيطر على المكان، الكل كان عارف إنهم في موقف أضعف من إنهم يتحركوا دلوقتي… لكن السؤال الحقيقي كان: لحد إمتى؟
***
في أوضة أركان وليلى.
ليلي طلعت من الحمام وهي بتاخد نفسها بصعوبة، بطنها كانت متر قدامها، اللى يشوفها يقول إنها قربت تولد، لكن الحقيقة إنها لسه شوية. الفترة اللي فاتت كانت أصعب مما تتخيل، الحمل هدّ حيلها، جسمها نفخ بطريقة غريبة، وده غير شهيتها المفتوحة اللي خلتها تاكل كتير جدًا، ومع الأكل كان النوم اللي مش بتشبع منه.
أغلب الوقت كانت مش قادرة تتحرك من مكانها، ودايمًا أسماء كانت حواليها تساعدها، لكن أركان؟! رجع تاني للشخص اللي قابلته أول مرة… كان بعيد جدًا، لدرجة إنه حتى مبقاش ينام جنبها. الحاجة الوحيدة اللي كانت بتديها الإحساس بالأمان هنا، راحت… بقيت عايشة لوحدها جوه البيت ده.
كانت دايمًا بتعيط، مش عارفة هل السبب هو تغير أركان، ولا هرمونات الحمل هي اللي لعبت بعقلها؟
مدت إيدها بالمشط وهي بالكاد قادرة تاخد نفسها: "خد، سرّح لي شعري، مش قادرة."
أركان بصّ لها بطرف عينه، وبنبرة فيها استهزاء خفيف: "اللي يشوفك كده يقول قربتي تولدي!"
ليلي (وهي بتحاول تقعد على السرير بخوف): "أنا رايحة أكشف، خايفة يكون حصل حاجة للعيل… ما هو نفخ جسمي ده مش طبيعي."
أركان (ببرود): "نفخ جسمك ده من الأكل اللي مش بتبطليه."
ليلي (بتعب): "ببقى جعانة، هعمل إيه يعني؟! وبعدين يلا، سرّح لي شعري عشان أسماء هتيجي تاخدني نروح للدكتور."
أركان كان بيحاول يبان إنه مش مهتم، بس كلامه كشف إنه متابع كل حاجة: "في عربية هتمشي وراكم تحميكم، دي التعليمات الجديدة."
ليلي (بزعل وعيون مليانة عتاب): "مش هتيجي معايا؟"
أركان (بجفاف وهو بيمسك المشط): "مش فاضي."
أركان مسك المشط بهدوء، عيونه كانت ثابتة على شعرها الطويل اللي واصل لآخر ظهرها. عدّى المشط في خصلاتها الناعمة، ببطء، من غير ما يتكلم. ليلي قفلت عنيها، مش عارفة التعب هو اللي غلبها ولا إحساسها بالأمان اللي افتقدته بقالها فترة.
ليلي (بصوت واطي وهي بتحاول تخبي رعشة صوتها): "كنت فاكراك هتقول لا."
أركان ماردش، كمل تسريح شعرها بحركة هادية وثابتة، كأنه مش سامعها، لكن طريقة لمسه لشعرها كانت كفيلة ترد عليها.
ليلي (بهمس وهي بتبتسم بخفة): "أظن إني طولت عليك…"
أركان (بنبرة هادية وهو بيكمل تسريح شعرها): "اسكتي وخليكي هادية."
سكتت… دموعها نزلت قبل ما حتى تحاول تمنعها… بس خلاص، بقت عارفة إنها في الحرب دي لوحدها.
أركان: "بتعيّطي ليه دلوقتي؟"
ليلي رفعت إيديها بسرعة تمسح دموعها زي الأطفال، مش عارفة ترد، كانت حاسة إن مشاعرها مش مستقرة، وكل حاجة جواها ملخبطة، فقالت بصوت متكسر: "مش عارفة… تقريبًا هرمونات الحمل."
الباب كان مفتوح، وده بقى شيء طبيعي الفترة الأخيرة عشان اسماء تدخل ليها في أي وقت، خصوصًا إن ليلي أوقات كانت مش قادرة تقوم حتى تفتح الباب.
اسماء دخلت أول ما شافتها، خدت المشط من إيد أركان بعصبية، وبصّت له بحدة: "انت عملت لها إيه؟ خلتها تعيط ليه؟"
ليلي (بحرج وهي تحاول تهدي الجو): "مش هو السبب، ما انتِ عارفة… هرمونات الحمل."
اسماء (بتهكم وهي بتبص لأركان): "لا، هو السبب… من ساعة ما دخل في الشغل بتاع العقارب اللي في الفيلا، وهو بقى شخص تاني… مكنتش متخيلة انك تطلع ذيهم؟!"
أركان ما ردش، عيونه كانت متجمدة للحظة، قبل ما يسيب المشط في إيد اسماء ويطلع من الأوضة من غير كلمة.
اسماء (بتهز راسها وهي بتبص لليلي): "شوفتي؟ هرب إزاي من الحقيقيه؟"
ليلي وهي بتبص في أثره: "سيبك منوا دلوقتي يلا عشان نروح للدكتور مش عايزين نتأخر على معدنا."
اسماء لمّت شعر ليلي وساعدتها تلف الطرحة، وبعدها خرجوا سوا رايحين للدكتور. ليلي كانت حاسة بتوتر غريب، واسماء حاسة بيها لكنها مكنتش عايزة تضغط عليها.
وصلوا العيادة، ولما دخلت ليلي، ابتسم الدكتور وهو شايفها:
الدكتور (بابتسامة خفيفة): "إزيك يا هنيه؟ فكراني؟"
ليلي (بتحاول تبتسم): "آه طبعا ، فاكراك يا دكتور… بس انت فاكري؟"
الدكتور (بيهز رأسه وهو بيقلب في الملف): "طبعًا، بس قوليلي، مجتيش ليه من آخر مرة؟ ولا رحتي لحد تاني؟"
ليلي (بتنهيدة تعبانة): "والله مروحتش، مكنتش فاضية، والتعب مش مخليني قادرة أتحرك من مكاني… وكمان باكل بكميات كبيرة أوي، جسمي اتنفخ جدًا، أنا خايفة يكون حصل حاجة للبيبي."
الدكتور ابتسم بطريقته الهادية، وبدأ يكشف عليها، وبعد لحظات من الفحص، ملامحه اتغيرت لحاجة أقرب للدهشة، رفع عيونه يبص لليلي اللي كانت بتراقبه بقلق شديد.
الدكتور (بصوت هادي لكن فيه حماس): "مبروك يا ليلي… أنتِ مش حامل في بيبي واحد."
ليلي (بتوتر): "يعني إيه؟"
الدكتور (بضحكة خفيفة): "حامل في توأم!"
ليلي كانت هتطير من الفرحة، وشها نور، ودموعها نزلت بدون ما تحس.
اسماء (بحماس وهي بتضحك): "يا خبر أبيض! توأم يا هنيه! سمعتي؟ توأم!"
ليلي (بدموع فرحة وهي بتحط إيدها على بطنها): "بجد؟! والله يا دكتور؟"
الدكتور (بابتسامة مطمئنة): "طبعًا بجد، وكمان تحبي تعرفي نوعهم؟"
ليلي (بتهز رأسها بسرعة ودموعها بتنزل أكتر من الفرحة): "آه، عايزة أعرف!"
الدكتور: "مبروك يا ليلي… ولد وبنت!"
اسماء (بتصرخ بسعادة وهي تحضن ليلي): "يا لهوي! ولد وبنت! أحسن حاجة في الدنيا، كأنك جيبتي عيلة كاملة مرة واحدة!"
ليلي (بضحكة باكية وهي مش مصدقة): "يا رب لك الحمد، الحمد لله… ولد وبنت!"
كانت الفرحة مالية قلبها، رغم كل حاجة عدت بيها، رغم بعد أركان عنها، رغم التعب، لكن الخبر دا حسسها إنها مش لوحدها، وإنها معاها هدية من ربنا تعوضها عن كل اللي فات.
الدكتور (بنبرة جدية): "بس اسمعي يا هنيه، لازم تهتمي بنفسك أكتر، التوأم بيحتاجوا تغذية كويسة، وكمان تعبهم بيكون مضاعف، فأي إرهاق لازم ترتاحي فورًا."
ليلي (بإيجابية لأول مرة من فترة): "هعمل كده إن شاء الله، أهم حاجة يكونوا كويسين."
اسماء مسكت إيدها وهي خارجة من العيادة، ووشها كان مليان سعادة.
اسماء (بنبرة حازمة وهي بتحط إيدها في وسطها): "اسمعي بقى، مافيش شغل في المطبخ تاني!"
ليلي (بتضحك بتعب وهي تحط إيدها على بطنها): "ما أنا بقالي كام يوم مش قادرة أروح أصلاً."
اسماء (برفع حاجبها وكأنها بتهدد): "دلوقتي بقى مافيش حركة من مكانك أصلًا!"
ليلي (بتضحك وتهز راسها بموافقة): "حاضر يا أفندم، أمرك."
اسماء (بحماس): "يلا عشان هنروح نشتري لبس للبيبي تاني!"
ليلي (بتضحك وهي تبص لها باندهاش): "يا مجنونة، ما أنتي جايبة لبس كفاية بنات وأولاد، هو إنتي كنتي عارفة قبلي يا سيد يا بدوي؟"
اسماء (بتضحك وهي تهزر): "الحسّة السادسة هي اللي قالتلي! وبعدين هنجيب لبس زيادة، وهنجيب لبس السبوع."
ليلي ( بتعب): "ما أنتي عارفة يا أسماء أنا تعبانة."
اسماء (بإصرار): "مش هنلف كتير، إنتي يدوبك هتنزلي من العربية وتقعدي قدامي، وأنا هنقي كل حاجة… وبعدين، أول ما توصلي هناك، هتنسي نفسك وتفضلي تختاري معايا!"
ليلي (بابتسامة خفيفة وهي تهز راسها باستسلام): "ماشي ، بس لو تعبت، هترجعيني فورًا!"
اسماء (بضحكة منتصرة): "اتفقنا!"
وخرجوا مع بعض، وأسماء فرحانة أكتر من ليلي.
***
داخل مول لملابس الأطفال.
وصلت ليلي وأسماء للمول، وأسماء كانت متحمسة كأنها اللي حامل مش ليلي. أول ما دخلوا، بدأت أسماء تلف بعينيها على المحلات، وهي تمسك إيد ليلي وتسحبها وراها.
أسماء (بحماس وهي تشاور على محل كبير): "أهو ده! هنا هنلاقي كل حاجة نحتاجها!"
ليلي (بتعب وهي تحاول تبطئ خطواتها): "أسماء، أنا تعبانة، مش قولنا مش هنلف كتير؟"
أسماء (بضحكة وهي تسحبها لجوا المحل): "إحنا مش بنلف، إحنا بنحدد اختياراتنا بس، وبعدين شوفي اللبس الحلو ده، مش هتقدري تقاومي!"
أسماء بدأت تاخد هدوم من على الرفوف وتعرضها على ليلي.
أسماء (بصوت مبتهج وهي ترفع بدلة صغيرة لونها أزرق): "شوفي ده! يجنن، ده هيبقى لابنك زي الأمير الصغير."
ليلي (بتبتسم وهي تلمس القماش): "حلو أوي، بس أحس إنه كبير عليه."
أسماء (بثقة): "هيكبر بسرعة، متقلقيش، وبعدين شوفتي الفستان ده؟ لبنتك بقى، ده ينطق عليها!"
ليلي (بعينين لامعين وهي تمسك بفستان وردي صغير): "ده بجد كأنه معمول ليها مخصوص!"
أسماء (بضحكة): "طب مش قلتي مش هنجيب حاجات كتير؟ إنتي اللي دلوقتي متحمسة أكتر مني!"
ليلي (بكسوف وهي تحاول تخبي فرحتها): "ماهو صعب مقاومة الحاجات دي، كل قطعة أحلى من التانية!"
وفضلوا يختاروا لبس التوأم، وكل ما أسماء تلاقي حاجة تقول "لازم نجيبها"، وليلي مش قادرة ترفض، لأنها حست لأول مرة بمتعة تجهيز حاجات أطفالها. بعد ساعة، كانت العربية مليانة شُنط، وليلي تعبانة لكن فرحانة جدًا.
ليلي (بتضحك وهي تهز رأسها بأستسلام): "أنا ماشيه وراكي زي العبيطة، جبنا نص المحل!"
أسماء (بضحكة): "نص إيه؟ ده لسه في حاجات تانية هنجيبها، مستعدة للجولة التانية؟"
ليلي (بصدمة وهي تحط إيدها على بطنها): "جولة تانية!؟ أسماء، إنتي ناوية تجهزيهم لحد الجامعة!"
أسماء (بضحكة): "وليه لا!؟ خليهم يبقوا ملوك من أول يوم!"
ليلي (بتضحك): "يا شيخة، انتي متحمسة أكتر مني، دا أنا حتى لسه مستوعبتش إني حامل في توأم!"
أسماء (بحماس وهي ترفع كيس فيه ملابس الأطفال وتدور حول نفسها): "دا أنا هطير من الفرحه! حبايب قلب خالتهم، دول هيطلعوا مدلّعين على الآخر!"
ليلي (بتضحك وهي تحاول تمسك يد أسماء عشان توقفها): "أسماء، اهدى شوية، الناس بتبص علينا!"
أسماء (بضحكة وهي تضع يدها على قلبها): "ومالوا، خليهم يشوفوا خالتهم المجنونة، أنا فرحانة بيهم كأنهم عيالي!"
ليلي (بابتسامة حنونة وهي تلمس بطنها): "ربنا يخليكي ليهم يا أسماء، أنا بجد مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك!"
أسماء (بصوت عاطفي وهي تمسك يد ليلي): "إنتي أختي قبل ما تكوني صاحبتي، وأنا مش بس هكون خالتهم، هكون أمهم التانية!"
ليلي (بضحكة وهي تمسح دموعها الخفيفة): "يا سلام على الدراما، يلا يا أمهم التانية."
وخرجوا من المول، وسط ضحكهم وحماس أسماء، ليلي كانت مرهقة لكن قلبها مليان فرحة كأنها أخيرًا بدأت تستوعب فكرة أنها هتكون أم لطفلين، والأهم إنها مش لوحدها، وأسماء كانت مبسوطة إنها قدرت تسعدها وتخرجها من الجو الكئيب اللي كانت فيه.
في أوضة ليلي بعد الرجوع من المول.
أسماء (وهي بتدخل الأوضة محملة بأكياس كثيرة وبتنزلها على السرير): "بسم الله الرحمن الرحيم، هو إحنا اشترينا محل لبس أطفال ولا إيه؟"
ليلي (بتضحك وهي بتجلس بتعب على طرف السرير): "أنا مش عارفة إنتي جايبة كل ده لمين، دول عيال ولا فريق كورة؟"
أسماء (بضحكة وهي تفرغ الأكياس): "فريق كورة إيه، دا لسه ما جبناش كل حاجة، أنا ناسية حاجات مهمة للسبوع، هنروح بكرة نكمل!"
ليلي (بتوسع عينيها بصدمة): "بكرة؟ أسماء، أنا حرفياً بموت من التعب!"
أسماء (بضحكة وهي ترمي ليلي مخدة): "خلاص، ارتاحي النهارده، بكرة هنروح نجيب الحاجات اللي ناقصة وهنحضر كل حاجة من بدري عشان السبوع يبقى أسطوري!"
ليلي (بضحكة وهي بتشاور لنفسها): "أنا بجد مش قادرة، كأني جريت ماراثون، بطني تقيلة جداً!"
أسماء (بتقعد جنبها وتمسك بطنها بحنان): "ما هو عشان فيها أحلى ولد وبنت في الدنيا، خلاص يا حبيبتي ارتاحي، أنا هرتب كل الحاجات وأشيلها، وأنتي نامي شوية قبل ما جوزك يدخل علينا ويشوفنا قلبنا الأوضة!"
ليلي (بتضحك وهي بتتكئ على السرير): "إنتي أحلى حاجة حصلتلي يا أسماء!"
أسماء (بابتسامة وهي تغطيها بالبطانية): "وأنتي كمان يا هنيه، بس دلوقتي نامي، وأنا هظبط كل حاجة، قبل ما "سي السيد" يرجع!"
ليلي (بنعاس): "ماشي يا خالت العيال، صحييني لو لقيتي حاجة ناقصة في الفريق الكروي بتاعنا!"
أسماء (بضحكة وهي تطفئ الإضاءة جزئيًا): "نامي يا مجنونة، تصبحين على خير!"
ليلي غمضت عينيها، وأخيرًا حسّت ببعض الراحة وسط دوامة حياتها الجديدة، وهي متطمنة إن أسماء جنبها، زي ما كانت دايماً.
***
في المساء.
دخل أركان الأوضة بخطوات هادية، عيونه لفت بسرعة على المكان، كانت الإضاءة خافتة، وهدوء غريب مالي الجو. بص ناحية السرير، لقى ليلي نايمة، ملامحها هادية لكنها باينة عليها علامات التعب. جنبها كانت أكياس اللبس مبعثرة.
أركان قرب من ليلي بهدوء، وقف جنبها للحظات وهو بيبص على وشها. كانت بتتنفس ببطء، وبطنها المنتفخة باينة أكتر مع كل نفس بتاخده.
أركان (بصوت واطي لنفسه): "شكلها تعبانة بجد..."
قعد على طرف السرير، قرب إيده بهدوء من وشها، ومسح خصلة شعر وقعت على جبينها. كانت حركته لا إرادية، لكنه سرح للحظة وهو بيبص عليها.
ليلي (بنعاس ومن غير ما تفتح عينيها): "أسماء... هاتيلي شوية مية..."
أركان بص لها للحظة، بعدين قام بهدوء، جاب كباية مية من الطاولة، ورجع قعد جنبها.
أركان (بصوت هادي وهو يقرب الكوباية منها): "اشربي."
ليلي فتحت عينيها ببطء، كانت لسه مش مستوعبة، بس لما شافت أركان، عيونها رمشته كذا مرة كأنها مش مصدقة. مدت إيدها وخدت الكوباية، شربت شوية صغيرين، وبعدها بصت له.
ليلي (بصوت مبحوح من النعاس): "مش مصدقة إنك لسه بتعرف تشوفني."
أركان ضيق عيونه، فهم قصدها بس ما ردش، فضل ساكت وهو بيبص لها، وبعدها قام من غير ما يقول أي حاجة.
واقف قدام المراية في الأوضة، بيفك أزرار قميصه بعد يوم طويل، ملامحه كانت جامدة كالعادة، ولا كأن فيه حاجة بتأثر فيه. ليلي كانت قاعدة على السرير، ماسكة الغطاء بين إيديها وهي بتبص له، قلبها بيدق بسرعة، مترددة تقول له ولا لأ.
ليلي (بصوت هادي لكنه متوتر): "أركان..."
أركان ما بصش لها، كمل فك أزرار قميصه وقال وهو مركز في المراية: "ها؟"
بلعت ريقها، شدّت الغطا أكتر وهي بتحاول تتحكم في رعشة إيديها، وبعدها قالت بصوت شبه هامس: "أنا حامل في توأم..."
أركان فجأة وقف، إيده تجمدت في مكانها، وبعد ثواني استدار وبصلها، عيونه كانت مليانة حاجات كتير، صدمة، استغراب، وكأنه مش عارف يستوعب الكلام.
أركان (بصوت منخفض لكن حاد): "بتقولي إيه؟"
ليلي (بحماس وهي بتحط إيدها على بطنها): "حامل في ولد وبنت، الدكتور أكدلي النهاردة... إحنا هنكون عندنا توأم!"
أركان فضل ساكت، ملامحه اتصلبت أكتر، عيونه اتحركت من وشها لبطنها، كأنه بيحاول يستوعب الحقيقة. ثواني مرت كأنها ساعات، وبعدين التفت ناحية المراية تاني، كأنه بيهرب من المواجهة.
أركان (ببرود مصطنع وهو بيرجع يلبس قميصه): "كويس."
ليلي (بصدمة وزعل): "كويس؟!"
أركان ما ردش، كمل يزرّر قميصه بهدوء قاتل.
ليلي (بدموع محبوسة): "يعني ده اللي عندك؟ حامل في توأم وده اللي هتقوله؟!"
أركان لف لها، بص في عيونها مباشرة، وبعدها قال بصوت جامد: "إنتي عايزة مني إيه؟ أرقص من الفرحة؟"
ليلي (بحزن وخيبة أمل): "كنت بس عايزة أحس إنك فرحان..."
أركان كان واقف قدامها، ملامحه حجر، نظرته جامدة وكأن مفيش حاجة ممكن تحركه. قرب منها خطوة، نبرته كانت حادة، مش بتدي أي مجال للجدال.
أركان: "إحنا مش جايين هنا نفرح بحملك وبعيالك… إحنا جايين عشان مهمة، هننهيها، وكل واحد هيرجع لحياته."
دموع ليلي نزلت غصب عنها، حاولت تتحكم فيها، لكنها فشلت، صوتها كان مكسور وهي بتقول: "حياتي؟! أنا معنديش حياة تانية!"
أركان شد نَفَسه ببطء، كأنه بيحاول يسيطر على نفسه، وبعدها قال بحدة: "المهمة دي هتخلص، وساعتها كل حاجة هترجع زي الأول… أنا هكون في مكاني، وإنتي في مكانك."
ليلي (بدموع وهي تهز راسها بعدم تصديق): "وانت فاكر إنك تقدر ترجعني؟ فاكر إن بعد كل اللي حصل، بعد كل اللي بينا، أنا هقدر أرجع وأعيش وكأن حاجة ما حصلتش؟"
أركان قاطعها ببرود: "هتقدري… وهترجعي."
لف ظهره ليها، واتجه ناحية الباب، لكن قبل ما يخرج، وقف لحظة، كأنه متردد، وبعدها قال بصوت أقل حدة: "خلي بالك من نفسك… ومنهم."
وخرج، وساب ليلي واقفة مكانها، حاسة إن الدنيا بتلف بيها، وإن الكلام اللي سمعته كان أشد من أي وجع حسّت بيه قبل كده.
كانت قاعدة على السرير، الدموع بتنزل من عيونها بدون صوت، كأنها مش قادرة حتى تعبر عن الوجع اللي جواها. مش قادرة تصدق إن أركان قاسي للدرجة دي، مش قادرة تفهم إزاي ماحسّش بيها ولا حتى بذرّة مشاعر ناحيتها. يمكن لأنه بيحب بنت عمه بجد، يمكن عشان كده مقدرش ينسى ولا يديها حتى فرصة!
مسحت دموعها بسرعة، وقامت تتوضا، كانت حاسة إنها محتاجة تشتكي، محتاجة تحكي، ومفيش غير ربنا تقدر تحكيله وجعها. وقفت تصلي الفجر، ولأول مرة، كانت بتدعي مش عشان أركان يحبها، ولا عشان الأمور تتغير، لكن عشان قلبها يكون قوي، عشان تعرف تكمل، عشان تبقى قدّ الحياة اللي اتفرضت عليها.
ليلي (بتتمتم لنفسها بعد ما خلصت الصلاة وهي بتحط إيدها على بطنها): "هي دي النهاية اللي كنتِ بتهربي منها يا ليلي… كنتِ متعلقة بأمل مالوش وجود، كان واضح من الأول، هو عمره ما وعدك بحاجة، انتي اللي عشمتي نفسك. كل واحد بياخد نصيبه، ونصيبي خلاص اتحدد… حتة منه، ولادي، دول اللي هعيش ليهم، وهكمل عشانه وعشان أهلي، زي ما بدأت الطريق ده عشانهم."
حست بثقل رهيب نزل من على قلبها، كأنها أخيرًا استوعبت الحقيقة، الحقيقة اللي وجعت بس حررتها في نفس الوقت. قامت تمسح وشها، وخدت نفس عميق، وبصت لنفسها في المراية، لأول مرة مش شايفة انعكاس البنت الضعيفة اللي بتستنى رحمة حد… المرة دي، شايفة أم، ست، خلاص قررت تواجه الدنيا وتعيش لأولادها، مش لأي حد تاني.
***
أركان خرج من الأوضة، الباب وراه اتقفل بهدوء، لكن جوه صدره كان في صوت دوشة عالية، نار بتشتعل، حرب بين اللي عقله شايفه صح، واللي قلبه بيصرخ فيه إنه غلط.
وقف في الجنينه، أخد نفس عميق وهو بيمرر إيده في شعره بقوة، كأنه بيحاول يهدي العاصفة اللي جواه. صوته الداخلي بدأ يصرخ عليه:
عقله: "إيه مالك؟ مش دا الصح؟ مش دا اللي لازم يحصل؟ يا حضرة الظابط، اللي من يوم ما عرفت نفسك وإنت عقلك سابق قلبك، اللي محدش في يوم أثر عليك، إيه الجديد؟ ليه فجأة حتة بت من الشارع تهزك؟"
قلبه، اللي عمره ما اتكلم قبل كده، النهاردة قال كلمته: "طب لو دا الصح، ليه قلبك واجعك بالشكل ده؟ ليه بتحس إنك مش قادر تاخد نفس عميق؟ ليه صوتها وهي بتقول لك إنها حامل في توأم لسه بيرن في ودانك؟"
أركان ضحك بسخرية، ضحكة مالهاش أي فرحة، ضحكة حد فاكر إنه كان مسيطر، وفجأة لقى نفسه واقع في حرب معاه نفسه.
أركان (بصوت واطي لنفسه وهو بيشد نفس عميق): "دي الحقيقة… مهما هربت منها، لازم أكمل للنهاية."
لف وساب المكان، مش عايز يواجه أكتر، مش عايز يفكر أكتر… بس كان حاسس إن دي أول مرة في حياته، يبقى الشغل مش شاغل دماغه… اللي شاغلها كان حاجة تانية تمامًا.
كان الليل ساكن، والجو مليان برودة مش بس في الهوا، لكن كمان في قلب أركان، اللي كالعادة رمى نفسه جنب البوابة، بعيد عن كل حاجة، بعيد حتى عن الأوضة اللي ليلى فيها.
لكن مروان مكنش ناوي يسيبه في حاله، قرب بخطوات تقيلة، ووقف فوق راسه بابتسامة كلها استهزاء.
مروان (بغلاسة): "شوف مهما وصلت، هتفضل في الآخر حتة بواب…"
أركان فتح عينه ببرود، مرفعش راسه، بس صوته طلع هادي بطريقة تخوف: "شكلك وحشك الضرب اللي خدته قبل كده، امشي من قدامي في الساعة دي عشان مطلعش العفريت اللي بتتنطط قدام وشي عليك."
مروان ضحك ضحكة سخيفة، قرب أكتر وهو متشجع بكلامه: "هو انت مش فرحان إن مراتك حامل في توأم ولا إيه؟ وكمل بخبث صح قولي هو انت اللى جامد ولا هي اللي جامدة عشان حامل في توأم؟"
في ثانية، أركان كان واقف، عينه كانت نار، والهدوء اللي كان فيه اختفى تمامًا.
أركان (وهو بيهجم عليه): "أمك الجامدة!"
قبل ما مروان يستوعب، أركان كان مكمكمه بإيده، دفعه لورا بكل قوته لحد ما خبط في الحيطة.
أركان (بصوت واطي بس مرعب): "لو جبت سيرتها تاني، هخليك تندم إنك اتولدت، فاهم؟"
مروان حرك راسه بإيجاب، وأركان سابه بخشونة ورجع لمكانه، عيونه لسه مشتعلة، بس قرر إنه مش هيديله فرصة تانية يستفزه… لأنه عنده حاجات أهم تشغله، وهو إنه يقضي عليهم ويخلص المهمة دي في أسرع وقت.
***
في مساء اليوم التالي، وفي غرفة الاجتماعات.
كان أركان قاعد، والكل حواليه، لكن العين كلها كانت على الوجه الجديد—جيسي، بنت أكبر شريك أمريكي ليهم بره مصر. من أول ما دخلت، وهي عينها مثبتة علي اركان، نظراتها مش بس إعجاب، كان فيها حاجة تانية، حاجة فهمها الرجالة اللي قاعدين كويس.
جيسي بإعجاب: "بابا مبسوط منك أوي يا سعيد، ولا غلطة، دماغك حلوة جدًا..." سكتت لحظة، وابتسمت ابتسامة لها معنى وهي بتكمل: "ولما شوفتك، اتأكدت إن مش بس دماغك الحلوة."
أركان بنبرة هادية: "شكرًا ليكي."
الكل بص بذهول، صلاح كان أولهم، هو كان فاكر إن "سعيد" مجرد دراع قوي، مش واحد بيتكلم إنجليزي بطلاقة.
جيسي بدهشة ممتزجة بالإعجاب: "وكمان بتتكلم إنجليزي! احنا كده هنعرف نتفاهم مع بعض كويس أوي."
صلاح بابتسامة جانبية وهو بيحاول يخفف الجو: "هو سعيد هياخد الجوا مننا خالص ولا إيه؟"
جيسي وهي لسه مش شايلة عينيها من على أركان: "جيه وقت الشغل، واللي لو بطلنا بعده، فإحنا ضمنّا فلوس لاحفدنا."
صلاح بحماس: "أنا أحب الشغل ده أوي!"
جيسي بجدية: "الكمية كبيرة جدًا، تكفي سنين جاية. ضربة واحدة تكسبكم فلوس تكفي حياتكم كلها."
صلاح وهو بيداري حماسه: "الخبر الحلو ده هيتعمل له حفلة كبيرة عندي في الفيلا!"
جيسي بغمزة خفيفة: "هكون مبسوطة لو بعتلي دعوة."
صلاح وهو بيحاول يبقى طبيعي: "انتي محتاجة عزومة؟ الحفلة معمولة ليكم من الأساس!"
جيسي وهي بتقلب عينها لأركان: "اتفقنا، والتفاصيل هنتكلم فيها بعدين. انت عارف نظام شغلنا، خطوة خطوة عشان التمويه."
صلاح موافقًا: "طبعًا، براحتكم. وأنا هعمل الحفلة قبل يوم التسليم، برضه عشان التمويه."
جيسي بابتسامة: "أوكيه... وطبعًا، يوم العملية، سعيد يكون موجود، عشان يحمي العملية. باين عليه قوي أوي."
صلاح بكسوف وهو فاهم المغزى اللي ورا كلامها: "ده جامد جدًا، يعجبك... مش كده يا سعيد؟"
أركان وهو بيبص لها ببرود: "لما تجرّبي، هتعرفي."
صلاح بإحراج: "طب انتوا تقعدوا شوية في الجنينة، ولو حابين تقعدوا لوحدكم، الأوض كتير!"
جيسي وهي بتمسك شنطتها بابتسامة كلها نوايا: "الصراحة فعلًا عايزة أتكلم معاه على انفراد..."
عادل وهو بيبص لجيسي اللي كانت لسه خارجة مع أركان، وبصوته مليان غل: "هي دي اللي مكنتش بتبصلنا بطرف عينها؟ شوفت دلدلت بوقها زي الكلبة عشانه؟!"
طاهر بعقلانية: "الصراحة الواد قمر، مش هنكدب على بعض."
سليم بسخرية: "يعني إحنا اللي وحشين؟ تقصد كده؟"
طاهر وهو بيرفع كتافه بلا مبالاة: "يا عم مقصدش... يمكن ذوقها سعيد!"
مروان بعصبية وغيظ واضح: "الواد ده لازم نخلص منه!"
قبل ما حد يرد، صوت صلاح جه بغضب، قطع عليهم الكلام تمامًا.
صلاح وهو بيحدّق في مروان بنظرة تحذير: "إياك أسمعك بتقول كده تاني! أنا اللي هخلص عليك، ومتفتكرش إني مش عارف إنك روحت تستفزه امبارح، بس هو سابك عشان أنا منعته عنك... فمتخلنيش أسيبه عليك."
وقف صلاح من مكانه واتقدم ناحيته، صوته بقى أخطر وهو بيكمل: "الظاهر إنك نسيت آخر مرة! أنا سبته بمزاجي كقرصة ودن ليك، بس إنت شكلك عايز تتقطع خالص!"
فؤاد بتوتر وهو بيحاول يهدي الجو: "أكيد مروان ميقصدش يا بابا..."
صلاح وهو بيبص له بحدة: "شيل ابنك عن سعيد يا فؤاد! أنا شفت كل حاجة بالليل، وكل حاجة بتحصل بعرفها... مافيش حاجة بتغيب عني!"
فؤاد بسرعة وهو بيشد مروان من دراعه: "حاضر يا بابا!"
مروان عضّ على أسنانه بغيظ، لكنه سكت، عارف إن لو اتكلم أكتر، ممكن يكون ده آخر يوم له هنا.
***
في غرفة ليلي.
أسماء وهي بتهزها بلطف: "يا هنيه، لازم تمشي! المشي حلو وبيسهّل الولادة."
ليلي وهي بتتكلم بصعوبة: "هو أنا قادرة أقوم من مكاني عشان أتمشى؟"
أسماء بإصرار وهي بتقعد جنبها: "أنا هسندك، وبعدين ماينفعش تفضلي راقدة طول اليوم على السرير! وبعدين... شكلك مطفي، إنتي عيطتي تاني؟"
ليلي وهي بتحاول تخبي حزنها وبتبتسم ابتسامة باهتة: "مفيش حاجة... هاتي إيدك!"
أسماء مدت لها إيدها وساعدتها تقوم، وفعلاً خرجوا سوا للجنينة. الجو كان هادي، نسمة لطيفة بتلفح وشهم، ورغم التعب، ليلي كانت حاسة إنها محتاجة المشي ده أكتر من أي وقت فات.
في الجنينة.
أسماء بضحك وهي بتبص لليلي بمكر: "مش ناوية تديني واحد من العيال يبقى بتاعي؟"
ليلي بضحك وهي بتحط إيدها على بطنها: "حد قالك إني بوزعهم؟"
أسماء بتعمل نفسها جادة وهي بتغمز: "يبقى اللي ميجيش بالذوق يجي بالعافية! هخطف منك واحد... ولا أقولك، هخطف الاتنين!"
ليلي بضحك وهي بتشدها من دراعها: "وأنا هسيبك بقى؟ دا أنا هجيبك من أي حتة هتهربي ليها!"
أسماء وهي بتعمل حركة درامية: "هلبس طقية الإخفاء!"
ليلي بتغمز لها بمزاح: "طب والعيال؟"
أسماء بحماس: "هلبسهم هما كمان!"
ليلي وهي بتضحك بحرارة: "مجنونة والله!"
لكن الضحك فجأة اتجمد على وشها، وهي بترفع راسها لفوق، وبتشوف آخر حاجة تتمنى تشوفها... عنيها توسعت من الصدمة، وجسمها كله تجمد، رجليها مقدرتش تشيلها، وفجأة، وقعت على الأرض!
رواية زواج في الظل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ياسمين عطيه
على التراس
جيسي بدلع وهي بتقرب منه بنظرة ذات مغزى: "تعالى نقعد في الأوضة بدل البرد ده."
أركان وهو حاطط إيده في جيبه، بنبرة هادية: "أنا بحب البرد."
جيسي بابتسامة إعجاب وهي بتقرب أكتر: "وأنا بحبك!"
أركان رفع حاجبه بسخرية وهو بيبصلها: "بالسرعة دي؟ الدنيا عندكم سهلة أوي!"
جيسي بضحكة ناعمة: "طبعًا! إحنا في عصر السرعة."
أركان وهو بيهز رأسه كأنه بيفكر: "أممم... وياترى بعد كلمة 'بحبك'، المفروض يحصل إيه؟"
جيسي بجرأة وهي بتحط إيدها على صدره: "نقضي ليلة حلوة مع بعض."
أركان بابتسامة جانبية وهو بيبعد إيدها بهدوء: "بس أنا متجوز... وبحب مراتي."
جيسي بضحكة خفيفة وهي متمسكة بدلعها: "أفهم من كده إنك بترفضني؟"
أركان وهو بيبصلها بثبات: "سيبي الوقت يحدد... يمكن يحصل بعدين، أصل إحنا مش زيكم، مافيش حاجة بتيجي مرة واحدة كده."
جيسي بصوت ناعم بغمزة: "بتلعب دور التقيلة وأنا أحب النوع ده أوي!"
أركان بابتسامة خفيفة وهو بيجريها بنفس الأسلوب: "وأحنا نحب النوع الجميل زيّك."
جيسي قربت أكتر، وعينيها مليانة رغبة، وفجأة هجمت على شفايفه تحاول تبوسه...
عينه جات في عينيها... شافها وهي بتقع في الأرض، في نفس اللحظة اللي جيسي بتحاول تبوسه فيها!
بسرعة وبدون تفكير، زاح جيسي بخشونة بعيد عنه، متجاهل اعتراضها أو نظرتها المصدومة، ونزل جري على تحت!
في ثواني، كان قدام ليلي... مرميه على الأرض، ووشها شاحب، وعيونها مليانة دموع وصدمه!
أسماء بخوف وهي بتحاول تسندها: "هنيه! مالك؟ قومي يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟"
أركان برعب وهو بيركع جنبها، مسك وشها بين إيديه وصوته كان متوتر لأول مرة: "ليل هنيه! ردي عليا... في إيه؟"
ليلي كانت بتبصله بعيون مليانة وجع، تحاول تتكلم لكن صوتها مش طالع... دموعها نزلت غصب عنها، وكأن كل حاجة انهارت جواها في لحظة.
أركان حس بقلبه بينقبض... إحساس بالخوف لأول مرة يسيطر عليه، معرفش هو خايف عليها ولا من نظرة عينيها اللي وجعته أكتر من أي حاجة تانية!
أسماء بصوت مرعوب وهي بتحاول تفوق ليلي: "سعيد، شيلها بسرعة! شكلها تعبانة أوي!"
أركان بدون تفكير، لف إيده حواليها وشالها بسهولة، قلبه كان بيدق بجنون، ملامحها الباهتة كانت بتخوفه بطريقة مش مفهومة.
ليلي بصوت واهن، بالكاد مسموع وهي بتحاول تبعد عنه: "سيبني… مش عايزة منك حاجة…"
أركان بصوت حاسم وهو بيشدها أكتر في حضنه: "هتهري كتير ولا أخدك المستشفى؟!"
أسماء وهي بتجري جنبه: "هنوديها أوضتها الأول، ونشوفها مالها، يمكن مجرد دوخة!"
أركان من غير ما يرد، كمل طريقه بسرعة، دخل بيها أوضتها وحطها على السرير، قرب وشه منها، عيونه بتدور على أي علامة تطمنه عليها.
ليلي دموعها كانت بتنزل في صمت، بصت له بنظرة وجع مش محتاجة كلام، لكن رغم كده، قالت بصوت مخنوق: "شفتك… كنت واقف معاها… كنت بتسيبها تقرب منك…"
أركان اتجمد مكانه، حس كأن الكلام جاي من جواه هو، كأنه بيواجه نفسه مش هي اللي بتواجهه.
أسماء بسرعة وهي بتحاول تهدي الجو: "هنيه، مش وقته الكلام ده، انتي تعبانة، خليكي هادية، البيبيز محتاجينك."
لكن ليلي فضلت تبص لأركان، وكأنها بتستناه يقول حاجة، أي حاجة تهدّي النار اللي جواها.
أركان بعد لحظة صمت، قال بصوت هادي لكن عيونه فيها عاصفة: "أنتِ فاهمة غلط."
ليلي بضحكة باهتة: "طب اقنعني إني غلط… شيل الشك اللي زرعته جوايا دلوقتي."
سكت… مجبش أي رد. مش عشان مش عارف يبرر، لكن لأنه لأول مرة حاسس إنه ميقدرش يلاقي الكلام اللي يطمنها، مش وهو نفسه مش فاهم إحساسه ناحيتها!
ليلي بصت له، دموعها بتنزل بهدوء، بس جواها كان في عاصفة، إحساس الخذلان كان كفيل يهدّ جبل، وخصوصًا لما يكون من الشخص اللي حبيته حتى وهي مش المفروض تحبه.
أركان قرب منها، لكن قبل ما يتكلم، ليلي استجمعت آخر نقطة قوة عندها، ولفت وشها الناحية التانية، كأنها مش قادرة حتى تبص له.
ليلي بصوت مهزوز لكنه واضح: "مش هسألك تاني… مش هستناك تشرح… مش عايزة مبررات، أنا فهمت كل حاجة خلاص."
أسماء بحركة عصبية: "هنيه، انتي تعبانة، بلاش الكلام ده دلوقتي، أهم حاجة صحتك وصحة العيال!"
ليلي بابتسامة مكسورة وهي بتلمس بطنها: "أنا عايشة ليهم… خلاص، عرفت مكاني في حياتك … وعرفت مكاني في حياتي الجديدة."
أركان حس بقلبه بيتخبط، ليلي مش بتصرخ، مش بتتهمه، مش بتعترض… لكنها بتبعد، وده كان أقوى من أي كلام.
قرب منها أكتر، بصوت أوطى بس فيه قلق حقيقي لأول مرة: " متتعبيش نفسك بالكلام ده دلوقتي، ارتاحي، وبعدها… نتكلم."
ليلي بهمس وهي بتغمض عنيها، كأنها خلاص استسلمت: "مفيش حاجة نتكلم فيها… كل حاجة وضحت."
أسماء بصت لأركان بحنق، واضح إنها كانت ماسكة نفسها بالعافية: "اخرج، سيبها ترتاح، مش عايزين منها حاجة غير إنها تبقى كويسة دلوقتي!"
أركان فضل باصص لها لحظة، بعدها لف وخرج من الأوضة، قلبه مكنش مرتاح، لكنه برضه مش قادر يعترف لنفسه باللي بيحصل. مشي في الطرقه بخطوات سريعة، كأنه بيهرب من إحساس تقيل مش قادر يشيله.
في نفس اللحظة، أسماء قربت من ليلي، قعدت جنبها على السرير ومسكت إيديها بحنية: "هنيه، بصيلي… انتي كويسة؟"
ليلي بصوت ضعيف وهي بتحاول تبتسم، لكن عينيها كانت فضحاها: "أنا كويسة يا أسماء… بس تعبانة شوية."
أسماء بحزم وهي بتحاول تديها شوية قوة: "التعب ده مش من الحمل بس، التعب ده من اللي في قلبك… بس اسمعي كلامي، انتي أقوى من كده، والعيال دول محتاجينك واقفة مش مكسورة!"
ليلي خدت نفس عميق، وحطت إيديها على بطنها، كأنها بتحاول تاخد القوة منهم. دموعها كانت على وشك النزول، لكنها مسحتها بسرعة: "انتي عندك حق… خلاص، اللي حصل حصل، وأنا مش هسمح لنفسي أضعف أكتر من كده."
أسماء بابتسامة صغيرة وهي بتحاول تخرجها من المود: "خلاص، يبقى تسمعي كلامي وتتحركي وبتضحكي وتفرحي احنا عايزين ولادة سهلة مش بوجع، ماشي؟"
ليلي بضحك بسيط، لكنه كان مليان وجع: "ماشي يا أسماء، هسمع كلامك."
وفي نفس الوقت، أركان كان واقف عينه كانت ثابتة على نقطة في الأرض، بس عقله كان مشوش. الصوت جواه كان بيحاول يبرر له، يقوله إنه كان الصح، لكن قلبه كان ليه رأي تاني…
قفل عينه وشهق نفس طويل… كان عارف إن الحرب الحقيقية لسه ما انتهتش، وإن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
صلاح قرب من أركان
صلاح، بصوت فيه ضيق واضح: "سعيد، جيسي مشيت زعلانة، ودا مش في صالحنا… الناس دي مش عايزينها تزعل، وإلا ممكن نقع في مشاكل احنا في غنى عنها."
أركان كان ماسك نفسه بالعافية، لو كان الأمر بإيده كان ممكن يولع فيها هي واللي وراها، بس عارف إن كل حاجة ليها وقتها. أخد نفس عميق وقال بنبرة هادية، لكن فيها ثقة واضحة: "متقلقش يا حاج، أنا ماشي معاها بمبدأ شوق ولا تذوق."
صلاح ضحك ضحكة خفيفة، هز راسه وهو بيبص له بنظرة فاهماه: "بلاش تقرص أوي، الأجانب دول خلقهم ضيق، ودي كمان بت دلوعه، مش هتقدر تستحمل حتى قرصة واحدة."
أركان بابتسامة جانبية وهو بيهز راسه باحترام: "حاضر يا حاج، متقلقش."
صلاح حط إيده على كتف أركان، ضغط عليها بخفة كأنه بيأكد على كلامه، وبص له بعمق قبل ما يقول بجملة حملت معاني كتير: "طالما انت في حاجة، أنا مبقتش قلقان."
أركان اكتفى بهزة صغيرة من رأسه، لكن عقله كان شغال بألف سرعة… المهمة دي لازم تخلص، وبأسرع وقت، قبل ما الأمور تفلت منه أكتر.
في أوضة ليلي، الجو كان كئيب، الأوضة كلها ضلمة إلا من نور خفيف داخل من الشباك، عاكس ظلالها على الحيطان. كانت قاعدة على السرير، ضامة نفسها كأنها بتحاول تحمي روحها المكسورة.
اللي حصل برا كان كفيل إنه يهزها من جوا، شافت أركان وهو واقف مع جيسي، شافته وهي بتبوسه، وهو… ما بعدش عنها على طول! قلبها اتخدش، اتقطع، وفي نفس الوقت، عقلها صرخ فيها: "كنتي مستنية إيه؟ مش قالك قبل كده إن كل واحد هيرجع لحياته؟"
ليلي مسحت دموعها بعنف، وقامت وقفت قدام المراية، بصت لنفسها، لعيونها المتورمة من العياط، لصورتها اللي بقت غريبة عنها.
أنا هفضل كده لحد إمتى؟ هستنى إيه؟ حب من واحد عمره ما حبني؟ أنا عندي أغلى حاجة في الدنيا… عندي ولادي.
بلمعة تصميم في عينيها، قالت بصوت هادي لكنه كان مليان قوة: "أنا مش هعيش مكسورة… أنا هقف على رجلي، هربي عيالي، وهخرج من الحكاية دي وأنا قوية. مش هستنى حب من حد مش شايفني، مش هستنى اهتمام من حد عمره ما اهتم. كفاية!"
فجأة، حسّت بحاجة غريبة… حركة خفيفة في بطنها، الأول افتكرت إنها بتتوهم، لكن الحركة زادت وبقت واضحة أكتر. قلبها دق بسرعة، والإحساس كان جديد عليها تمامًا، خلى دموعها تلمع بفرحة حقيقية، وبدون ما تحس، صرخت بحماس:
ليلي بصوت مليان سعادة: "أسماء! قومي يا أسماء! بيتحركوا!"
أسماء بفزع وهي بتقوم من النوم مفزوعة: "إيه؟ بتولدي؟!"
ليلي بضحك وهي بتحط إيدها على بطنها: "يا بنتي هولد إزاي وأنا في الشهر الخامس؟ قومي، هوريكي أحلى حاجة ممكن تشوفيها في حياتك!"
أسماء وهي لسه مش مستوعبة: "إيه؟!"
ليلي وهي بتشاور على بطنها بحماس: "فريق الكورة بيلعب ماتش، بس جامد أوي… آااه!"
أسماء بفرحة وضحك وهي بتحط إيدها على بطن ليلي بحماس: "حبايب قلب خالتهم، خليهم يلعبوا براحتهم، دول لسه في أولها."
ليلي وهي بتحاول تخفي وجعها بابتسامة: "ماهو الكلام سهل، أنا اللي هيطلع عيني معاهم في كل حاجة."
أسماء بضحك وهي بتربّت على كتفها: "متخافيش، طالما بدأوا يتحركوا كده، يبقى بيقولولك إحنا معاكي، ومش لوحدك أبداً."
ليلي وهي بتاخد نفس عميق وتحط إيدها على بطنها بحنان: "سبحان الله… إحساس غريب قوي، وكأنهم بيكلموني، بيقولولي إحنا هنا يا ماما."
أسماء بابتسامة دافية: "طبعًا هنا، وعاملين دوشة كمان، شكلك هتتعبي معاهم أوي."
ليلي بضحك خفيف رغم الوجع: "لو دلوقتي كده، أومال لما يكبروا هيعملوا فيا إيه؟ شكلهم هيطلعوا زي أبوهم."
أسماء بحزن: " ناوية على إيه بعد كل اللي حصل؟"
ليلي سرحت شوية، عينيها لمعت بحيرة، وخوف، لكن كان فيها قوة غريبة: "مش عارفة يا أسماء… بس اللي متأكدة منه إني مش هضعف، ولا هسمح لحد يكسرني، لا عشاني ولا عشانهم."
أسماء بحماس وهي ماسكة إيدها: "بس كده! أنا معاكي، ومهما كان اللي جاي، إحنا هنواجهه سوا."
ليلي بابتسامة ممتنة: "عارفة يا أسماء، رغم كل حاجة، أنا حاسة إنهم سبب وجودي في الدنيا دي، هم القوة اللي عمري ما كنت متخيلة إنها ممكن تكون جوايا."
أسماء بحنان: "وأنا متأكدة إنك هتكوني أم عظيمة ليهم، وهم نفسهم هيكونوا سندك في يوم من الأيام."
ليلي بصتلها بحب، وحست لأول مرة من وقت طويل إن الأمل لسه موجود، وإنها مش لوحدها. مدت إيدها على بطنها تاني، وحست بحركتهم، الابتسامة ما فارقتهاش وهي بتهمس: "أنا مستنياكم يا حبايبي… وهفضل قوية عشانكم."
مرت الأيام وجيه يوم الحفلة الكبيرة، اليوم اللي بيتحضر ليه من شهرين. شهرين من التجهيزات والتخطيط عشان أكبر صفقة مخدرات وسلاح في تاريخ مصر. مفيش مجال للغلط، الغلطة معناها نهايتهم كلهم.
أركان كان بيتجنب ليلي، حسم أمره وقرر يوقف عقله وقلبه عنها تمامًا. ركز في المهمة اللي واخدة كل وقته، كل تفكيره، كل خطوة بيخطيها كانت هدفها توصل للمكان اللي بيصنعوا فيه المخدرات والسلاح. كان بيهرب من جيسي بكل الطرق كان بيهرب منها بحجة شكل، مرة إنه مشغول، مرة إنه تعبان، ومرة إنه لازم يركز في تفاصيل العمليه، كل مرة بحجة جديدة، وهي كانت مجنونة بيه.
أما ليلي… فكانت مقررة تبعد، تحاول تنساه، متحبوش… لكن تعمل إيه في قلبها اللي غبي ، مش قادر ينساه ولا حتى يبعد. كانت عينها عليه في كل لحظة، بتراقبه في كل حركة، كل نظرة، كل نفس بيخده قدامها، وحتى بليل، وهي شايفاه بينام عند البوابة، كانت بتتمنى تروح ليه، تكلمه، تفهمه… لكنه كان متجنبها، مقدرتش تقرب، هو متجنبها، واضح إنه مش عايزها، مش بيحبها، لكن هي وقلبها الغبي عايزينه!
أسماء قطعت شرودها وهي بتشدها من دراعها: "إيه يا بنتي! يلا بقى، ورانا ميعاد عند الدكتور! مش قولتلك متبصيش عليه؟"
ليلي وهي بتزفر بضيق: "يوه يا أسماء… هرمونات يا أسماء، مش بإيدي!"
أسماء بضحك وسخرية: "هرمونات حملك دي ما عندهاش كرامة خالص! لو تسمعي كلامي، نطلق أنا وانتي ونشتري شقة، نربي العيال ونعيش ملوك بدل الهبل ده!"
الفكرة دي، والكلام ده، كان بيدايق ليلي، بس غصب عنها ضحكت، مجارية هزار أسماء، وقالت بخفة: "يلا يا أسماء، نمشي قبل ما يجيلي جنان رسمي!"
مشيت معاها، لكن قلبها كان لسه متعلق بمكانه… متعلق بشخص مش عايزها، ومش قادره تسيبه.
اركان كان واقف في مكانه، عينه مش بتتشال من عليها وهي خارجة قدامه، لكنه كان متماسك، عامل نفسه مش شايفها أصلاً. أي حد يشوفه يقول إنه حتى ملاحظهاش، لكن الحقيقة إنه حافظ كل حركة، كل نفس وهي بتمشي بعيد عنه.
بهدوء شديد، من غير ما يحرك ملامحه، بص لواحد من رجاله اللي كان واقف قصاده، صوته كان منخفض لكن حاسم: "عينك عليهم… لو حصل لهم حاجة، هغزّك عيونك."
الرجل وقف على طول بانتباه وهو بيرد بسرعة: "حاضر."
أركان فضل ثابت مكانه، عينه رجعت تراقب ليلي وهي ماشية بعيد.
صلاح كان واقف في وسط المكان، نظرته حادة وهو بيتأكد من عبد الحق وأركان إن كل حاجة ماشية زي ما هو عايز بالظبط.
بص لعبد الحق وسأله بصرامة: "التجهيزات كلها تمام؟ التأمين، الدخول، الخروج، كل تفصيلة تحت السيطرة؟"
عبد الحق بإيجابية وثقة: "تمام يا حاج، كل حاجة تحت السيطرة، الرجالة في أماكنهم، والمداخل والمخارج مؤمنة."
صلاح حول نظره لأركان، عارف إنه مش هيقول كلام وخلاص، مستني يسمع تأكيده. أركان رفع عينه ليه، بصوته الهادئ لكن الحاسم: "كل حاجة زي ما خططنا، مفيش أي ثغرة."
صلاح حرك راسه بتأكيد، لكنه شدد عليهم بحزم: "مش عايز ولا غلطة… فاهمين؟ كل تفصيلة تمشي زي ما أنا عايز، الحفلة دي مش مجرد حفلة، دي أكبر خطوة لينا، ولو حد غلط، الغلط هيكون على رقبته."
الهدوء سيطر على المكان للحظة، قبل ما عبد الحق يهز راسه باحترام: "متقلقش يا حاج، كله تحت السيطرة."
أركان فضل ثابت، عينه فيها يقظة غريبة، عارف إن الليلة دي مش ليلة عادية… واللي جاي ممكن يغير كل حاجة.
ليلي وأسماء كانوا راجعين من عند الدكتور، الجو كان هادي، بس جوا ليلي كان فيه عاصفة من المشاعر.
بصت للصورة اللي في إيدها، بأطراف صوابعها لمست ملامح الأطفال اللي لسه في بطنها، ودموعها نزلت بهدوء، بس الابتسامة كانت منورة وشها، وهي بتهمس بانبهار: "مقول… دول عيالي؟"
أسماء بضحكة دافية وهي تبص للصورة بحماس: "أيوه يا ست الكل، دول فريق الكورة اللي مجننك، وبيعملوا ماتش يومي في بطنك."
وأسماء ماسكة صورة الأشعة في إيدها وهي بتبص عليها باندهاش.
أسماء وهي بتقرب الصورة من وشها: "يا بنتي ده شبهك، نفس شكل دماغك بالظبط، باين عليه دماغه ناشفة زيك."
ليلي وهي بتضحك وبتاخد منها الصورة: "هرِّي، دماغي ناشفة إزاي يعني؟"
أسماء بغلاسة: "ناشفة يا حبيبتي، بس بصراحة العيل ده قمر، بسم الله ما شاء الله، خدوده مليانة حتى وهو لسه في بطنك، واضح إنه عايش حياته على الآخر."
ليلي ضحكت وسط دموعها، وهي تحس بحركة خفيفة تانية، كأنهم بيردوا عليها، إحساس غريب… مزيج بين رهبة وفرحة، خوف وحب، كل حاجة متلخبطة جواها، حست إنها مش لوحدها، وإنهم معاها…
بدأت الحفلة، الأجواء فخمة، الأنوار متوزعة بعناية، والموسيقى الهادية شغالة في الخلفية. رجال الأعمال، الشخصيات المهمة، ووجوه معروفة في عالم المال والسياسة كلهم موجودين، وكل واحد لابس وشه المناسب للعبة الليلة.
صلاح واقف في زاوية بعيدة، عينه بتراقب كل تفصيلة، وأدامه عبد الحق وأركان، اللي ملامحه كانت جامدة، عينه بتلف في المكان، بيراقب كل حركة، كل شخص داخل أو خارج.
صلاح بصوت واطي لكن حاسم: "أنا مش عايز ولا غلطة، الصفقة دي لازم تتم بهدوء، أي مشكلة ممكن تضيع كل اللي اشتغلنا عليه الشهور اللي فاتت."
عبد الحق بثقة: "كل حاجة تحت السيطرة، الحراس في أماكنهم، والكاميرات شغالة، لو في فار واحد اتحرك غلط، هنعرف."
أركان من غير ما يحوّل نظره عن القاعة: "أنا مش خايف من الفيران، أنا خايف من التعبان اللي ممكن يكون واقف وسطنا، بيتحرك بهدوء ومستني اللحظة المناسبة."
صلاح وهو بيبص له بنظرة طويلة: "إنت حاسس إن في حد ناوي يلعب ضدنا؟"
أركان بهدوء بس بصوت واطي مليان تحذير: "مش إحساس… يقين. بس لسه مستني أشوف وشه الحقيقي."
في نفس اللحظة، الباب الرئيسي اتفتح، وكل العيون اتوجهت للشخص اللي داخل…
كاميرا بطيئة على دخول جيسي، لابسة فستان أسود أنيق، شعرها مرفوع بطريقة كلاسيكية، خطواتها واثقة، وعينيها بتدور في المكان كأنها بتحسب كل خطوة.
جيسي وهي بتوقف قدام أركان، وبابتسامة واثقة: "إنت عارف إنك هتبقى أخطر بكتير لو بطلت تتجاهلني؟"
أركان وهو بيميل ناحيتها بس صوته جامد: "وأنا عارف كمان إنك هتبقي أضعف بكتير لو بطلتِ تحاولي تستفزيني."
ضحكت بخفة، بس في عينيها حاجة تانية… حاجة بتقول إنها مش جاية الليلة دي عشان تهزر.
الحفلة مستمرة، الجو مشحون، الاتفاقات السرية شغالة وسط الضحك والموسيقى، وأركان رغم إنه كان واقف وسط كل ده، عقله كان في حتة تانية… حاجة جوه قلبه مش مريحاه، إحساس إنه في حاجة هتحصل، وإحساسه عمره ما خذله قبل كده
لكن اللحظة دي… كل حاجة وقفت.
أسماء دخلت الحفله وهي بتعيط، ملامحها مرعوبة، مشية بخطوات سريعة باتجاه أركان، واللي أول ما شافها قلبه اتقبض، جري عليها من غير تفكير.
أركان وهو ماسك دراعها بقلق: "أسماء! في إيه؟ مالك؟"
أسماء وسط دموعها وارتجاف صوتها: "أنا… أنا كنت فوق، روحت أغيّر عشان لازم أظهر في الحفلة، غبت عنها نص ساعة بس… جيت ملقتهاش… هنيه اختفت!"
الكلمة نزلت زي السهم في قلبه، إحساس بالخطر انتشر في جسمه، عينه اتجمدت للحظة قبل ما تتنقل على الحفله، على الأبواب، على أي حد ممكن يكون خرج أو دخل، عقله شغال بأقصى سرعة…
صوت صلاح جه من بعيد، قلقان هو كمان: "في إيه يا سعيد؟ حاجه حصلت؟"
أركان بصوت حاد مليان غضب مكبوت: "هنيه اختفيت."
صلاح شد نفس عميق، نادى على رجاله فورًا، التعليمات واضحة، لازم يعرفوا هي راحت فين، لازم يتحركوا بأسرع وقت.
بس أركان مكنش مستني حد… كان قلبه هيموته، هو الوحيد اللي عارف إن ليلى عمرها ما كانت هتسيب المكان كده، عمرها ما كانت هتختفي فجأة، ده مش منها… حد أخدها.
وفكرة إن في حد لمسها أو قرب منها… ولّعت جواه نار مش هتطفي غير لما يلاقيها.
في اللحظة دي، واحد من رجالة الأمن دخل بسرعة، وشه متوتر، صوته بيترعش وهو بيقول: "يا فندم… لقينا حاجة ممكن تساعدنا… كاميرات المراقبة شافت كل حاجة."
أركان اتحرك على طول… كان عارف إنه مش هيهدى غير لما يلاقيها… ومش بس يلاقيها، ده هيدمر اللي فكر حتى يلمسها.
رواية زواج في الظل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ياسمين عطيه
في غرفة المراقبة
أركان دخل بسرعة، نظراته حادة، مشاعره متفجرة بس ملامحه متماسكة… في اللحظات اللي زي دي، الغضب ميأثرش عليه، بالعكس… بيخليه أشرس.
صلاح كان وراه، رجالة الأمن واقفين في حالة استعداد، الجو مشحون، والشاشة قدامهم كانت هي المفتاح.
رجل الأمن وهو بيشاور على الشاشة: "دي آخر لحظة ظهرت فيها هنيه."
أركان ركّز في الشاشة، عينه مثبتة على ليلى وهي خارجة من الأوضة، حركتها كانت بطيئة، ملامحها مش واضحة، لكنها كانت ماشية قدام شخص، شكله مريب… واضح إنه ماسك حاجة في إيده وبيهددها.
أسماء وهي تمسك دراع أركان بقلق: "مين ده؟ هي رايحة فين؟!"
أركان لف بسرعة ناحية أسماء، عقله بيجمع التفاصيل بسرعة.
أركان بنبرة حادة: "إنتِ كنتِ معاها، لما جيتوا من عند الدكتور… دخلتي معاها الأوضة؟"
أسماء بدموع وهي تهز رأسها: "لا… أنا طلعت عشان أغير هدومي للحفلة!"
أركان بعيون مشتعلة: "يبقى هو كان مستنيها جوه الأوضة."
في اللحظة دي، الغضب في عينه كان أخطر من أي سلاح.
أركان بصوت جامد مليان أمر: "زوّد السرعة، شوف بعدها حصل إيه."
الشاشة عرضت المشهد بوضوح… ليلى كانت ماشية قدامه وهي متوترة وخيفه، بتبعد عن الضوضاء، كأنها عارفة إنها مش في أمان… بعدها اختفت.
أسماء صرخت بفزع: "يا نهار أسود! حد خطفها!"
أركان كان ثابت في مكانه، ملامحه بقت حجر، بس عينه… كانت بركان، غضب صامت بيغلي، قلبه بيتحرك أسرع من عقله، بس عقله كان هو اللي بيوجهه دلوقتي.
لكنه متكلمش… بس لما تكلم، صوته كان زي حد بيصدر حكم بالإعدام.
أركان بصوت مخيف وبارد: "وقف الصورة هنا… زوّوم على وشه."
الرجل نفذ بسرعة، الصورة اتوضحت، لكنه كان لابس كاب، الظلمة كانت مخبية ملامحه…
في اللحظة دي، مستناش أكتر. خرج بسرعة، جري في اتجاه المكان اللي اختفت فيه، عينه بتدور على أي حاجة، أي أثر، أي دليل يوصله ليها قبل ما تكون فات الأوان.
كل خطوة كانت بتغلي غضبه أكتر… ولو حصل لها أي حاجة، اللي عمل كده هيدفع التمن غالي جدًا.
***
دخلت ليلى الأوضة، وقبل ما تلحق تاخد نفسها، حسّت بإيد قوية بتتثبت على بقها، وجسم تقيل بيشدها للخلف، وسكينة بتضغط على جنبها.
صوت خشن قرب ودنها: "لو اتكلمتي… هفتحلك بطنك."
رجفت، جسدها تصلب، عينيها دموعها غرقت فيها، بس غريزتها كانت بتحركها… رفعت إيديها بهدوء على بطنها، ماسكة صورة الأشعة كأنها بتحمي أطفالها.
بخطوات بطيئة، خرجت قدامه، عيونها بتلمع بالرعب، أنفاسها مخنوقة، وكل خطوة بتاخدها كانت بتحسسها إنها ماشية ناحيه الموت.
لحد ما وصلت قدام باب البدروم… زحها لجوه، الباب اتقفل وراها بصوت مكتوم، ووقفت وسط الضلمة وهي بتحاول تستوعب اللي بيحصل.
ليلى بعيون مذعورة وهي تلف حولين نفسها: "في حد هنا؟!"
اترد عليها صوت ناعم… لكنه كان مليان شر.
نسرين بابتسامة باردة: "أهلًا يا هانم… هنية، تصدقي… لقيّة أوي."
ليلى بصوت مرتجف وهي تحاول تسيطر على خوفها: "إنتِ عايزة مني إيه؟!"
نسرين بعيون مليانة حقد: "عايزة حظك… نصيبك… تتجوزي واحد زي القمر، وتحملي في توأم؟! لا، مش هسيبك تعيشي السعادة اللي أنا اتحرمت منها… هحرمك من عيالك، وهخد جوزك!"
ليلى وهي بتحط إيديها على بطنها بحماية: "إنتِ… إنتِ الشيطان عَمى قلبك… فكري! جدك لو عرف، هيعمل إيه فيك؟!"
نسرين بضحكة مجنونة: "جدي؟! هيحبسني هنا؟ هيقتلني؟! أنا أصلا عايزة أموت، بس مش قبل ما أتأكد إنك مش هتخدي حاجة من اللي أنا نفسي فيه!"
ليلى وهي بترجع بظهرها لورا، تحاول تلاقي طريق للهروب: "إنتِ مش طبيعية… مفيش إنسان كده!"
نسرين بصوت مليان جنون: "وأنا عمرى ما كنت إنسانه، أنا كنت ضحية… بس دلوقتي، جاية أكون الجلاد!"
نسرين بصت لليلى بعيون مليانة حقد، قبل ما ترفع إيديها وتضربها بقوة…
"آه!"
صوت ليلى طلع مكتوم وهي بتقع على الأرض، جسمها ارتطم بالارضيه البارده، ووجع عنيف انتشر في ضهرها.
حاولت تتحرك، بس الألم شدها، نفسها كان متقطع، ودموعها غرقت عينيها وهي بتسحب نفسها للخلف بإيديها المرتعشة.
ليلى بصوت مكسور، وهي بتحط إيديها على بطنها بحماية: "حرام عليكي! خدي حقك مني… من جوزي… بس بلاش اللي في بطني، ذنبهم إيه؟ الأطفال دي ملهاش ذنب!"
نسرين ابتسمت… ابتسامة خلت القشعريرة تسرى في جسم ليلى.
نسرين بصوت بارد، وهي ترفع اديها : "ما هي دي البداية، هقتلهم … وبعد كده، هقتلك معرفتش اموتك المره اللى فاتت والطلقة جت في دراع سعيد بس المره دي مش هتفلتي مني… !"
ليلى شهقت بصدمه وخوف قلبها كان بيدق بجنون، حاولت تتحرك، تقوم، تهرب… بس قبل ما تلحق، نسرين هجمت عليها تانينسرين كانت زي المجنونة، عيونها مليانة كره، وكل مرة رجلها كانت بتنزل على بطن ليلى، كانت بتصرخ وهي بتحاول تحمي أطفالها بإيديها المرتعشة.
"آه… بلاش… حرام عليكي…!"
كانت بتقاوم بكل ضعفها، بتمسك في رجل نسرين، بتحاول تبعدها… بس جسمها كان بيضعف مع كل ضربة، ومع كل شهقة ألم.
الدموع نزلت من عينيها ، مش على نفسها… على أطفالها، على الروح اللي جواها، اللي كانت عارفة إنها ممكن تضيع في أي لحظة.
نسرين بصوت متوحش: "هخلص عليكي! لا إنتي ولا العيال دول هيعيشوا!"
ليلى كانت بتحاول تصوت، تستنجد، يمكن حد يسمعها… بس صوت الأغاني العالي كان حابس صوتها، وكأن الدنيا كلها تخلّت عنها.
حست بجسمها بيرتخي… الوجع كان بيزيد… نفسها بيتقطع… بس رغم ده، فضلت ماسكة بطنها، بتحاول تدافع عنها لحد آخر نفس فيها.
ليلى حست بحاجة سخنة بتنزل منها، إحساس غريب، مرعب… رفعت راسها بضعف، عينيها مليانة دموع، وشافت الدم… دمها، وكانه حنفية اتفتحت، بينتشر بسرعة تحتها.
جسمها بقى تقيل، رعشة برد سرت في أوصالها، كانت بتحاول تستوعب، لكن الألم كان مسيطر، مخليها حتى مش قادرة تفكر.
"لا… مش كده… مش عيالي…"
همست بصوت ضعيف، مش سامعة حتى نفسها، كل اللي حاسة بيه هو الدموع اللي بتغرق وشها، والبرد اللي بدأ يتسلل لعظامها.
نسرين وقفت تتفرج عليها ببرود، كأن المشهد عاجبها، كأنها مستمتعة باللي شايفاه.
لكن قبل ما تكمل، الباب اتفتح:
"مدام نسرين .. سعيد جاي ناحيه هنا شكلهم عرفوا إن هنية هنا!!!"
نسرين بجنون وهي بتلف حوالين نفسها: "إزاي؟! مش المفروض أسماء وسعيد في الحفلة؟!"
الراجل اللي معاها بقلق وهو بيبص للباب: "معرفش، بس لازم نهرب بسرعة قبل ما يوصلوا!"
نسرين كانت واقفة مكانها، عينيها مليانة حقد وهي بتبص لليلى اللي كانت شبه فاقدة الوعي على الأرض، الدم حواليها بقى بحر، نفسَها بقى ضعيف، إيديها لسه مغطية بطنها كأنها بتحاول تحمي أطفالها حتى بعد ما راحت أرواحهم.
"مش قبل ما أخلص عليها… زي ما قتلت عيالها!" نسرين بصوتها المليان شر، وهي بتتحرك ناحية ليلى.
لكن الراجل شدها من إيدها بعنف: "مفيش وقت للجنان ده! لازم نمشي حالًا!"
سحبها بسرعة برا المكان، ونسرين وهي بتتبعه، كانت بتبص وراها بكره، عايزة تشوف آخر نفس في ليلى…
نسرين والراجل كانوا بيجروا بأقصى سرعتهم، خطواتهم بتخبط في الأرض بخوف، بيحاولوا يهربوا قبل ما أركان يدخل عليهم.
أما ليلى، فكانت بتحاول تتشبث بأي شيء… الألم كان قاتل، دمها بينزف، وكل نفس بتحاول تاخده كان بيحرقها. بس رغم ده، رفضت تستسلم… كانت عارفة إن أركان قريب، ولازم توصل له.
بصعوبة، سحبت نفسها على الأرض، كل حركة كانت بتقطع فيها، لحد ما وصلت عند الباب، حطت إيدها المرتعشة عليه وسندت نفسها، كأنها بتقاوم الموت.
خرجت برا البدروم وهي بتترنح، عينيها معتمة، الدنيا بقت ضباب قدامها، لكنها قدرت تشوف ضبابيًا صورة شخص بيجري ناحيتها…
أركان كان بيجري بجنون، عيناه بتدور على أي خيط، أي حاجة توصله ليها… فجأة، لمح حاجة على الأرض، حاجة شدت انتباهه بقوة…
صورة!
انحنى بسرعة وخدها في إيده، كانت صورة أشعة أطفالها، بس مش مجرد صورة… كانت متغرقة بدموعها، متوسخة بآثار صوابعها اللي كانت ماسكاها جامد، كأنها كانت بتتمسك بيها كآخر أمل لها.
عيناه اتحجرت على الصورة، عقله وقف للحظة… دي أول مرة يشوف عياله… أول مرة يعرف إنهم كانوا فعلاً حقيقة، مش مجرد فكرة في دماغه.
بس الفرحة دي، أو الإحساس ده، ما طولش ثانية… لأنه رفع عينه من على الصورة وشاف أسوأ حاجة ممكن يتخيلها.
ليلى…
كانت خارجة من البدروم، مدمرّة، هدومها مبلولة بدمها، خطواتها متلخبطة، كل نفس بتاخده واضح إنه غصب عنها… ورغم كل ده، كانت إيديها لسه على بطنها!
كأنها بتحمي الفراغ اللي جواتها… كأنها لسه بتتمسك بالأمل…
أركان حس بنار ولعت في قلبه، نار مش قادر يطفيها،
بمجرد ما شافها، عينيه اتسعت بصدمة، لأول مرة في حياته يحس بالخوف بالشكل ده، جرى عليها بكل سرعته، ومد إيديه قبل ما تقع على الأرض…
"ليلى!!"
أركان كان واقف قدامها، مش قادر يصدق اللي شايفه… ليلى، اللي كانت دايمًا مليانة حياة، واقفة قدامه مدمرّة، الدم مغرق هدومها، جسمها بيرتعش، وعينيها—العين اللي كانت دايمًا بتلمع—بقت مطفية، مليانة وجع وخوف.
رفعت كف إيدها المرتعشة وحطّتها على وشه، لمسته كأنها بتتأكد إنه حقيقي، إنه واقف قدامها… شفايفها تحركت بصعوبة، صوتها كان ضعيف، أقرب للهمس منه للكلام…
"نسرين… أنقذ عيالنا…"
وبعدها، اختفى صوتها… جسمها ارتخى، وعينيها تقفلت ببطء وهي بتنهار في حضنه.
أركان حس بقلبه بيوقع من مكانه، مسكها قبل ما تقع، حضنها وهو بيهزها، صوته خارج بغضب وخوف: "ليلى! ليلى اصحي! متقفليش عيونك!"
بس ليلى ماردتش… جسمها كان بارد، أنفاسها ضعيفة… والدم، كان بينزل أكتر وأكتر.
الحفلة، الصفقات، نسرين، كل حاجة اختفت من دماغه في اللحظة دي… مفيش غير ليلى، ودمها اللي بيضيع بين إيديه.
كانت العربية بتجري بجنون في الشوارع، الكلاكسات بتدوي، والناس بتبعد بسرعة عن الطريق، بس أركان كان فاقد السيطرة على أي حاجة غير أنه يوصل المستشفى في أسرع وقت. ليلى بين إيديه، نفسَها بيضعف، ووجهها بيزيد شحوب.
أسماء كانت حاضناها وبتبكي بحرقة، مش قادرة تستوعب اللي بيحصل، مش سامعة حاجة غير دقات قلبها اللي بتخبط في صدرها بخوف.
بإيده المرتعشة، طلع تليفونه واتصل على أبوه، صوته كان حاد، مشحون بالغضب:
"تعالى المستشفى حالًا، وهات معاك أم ليلى وأختها!"
عدلي، على الطرف التاني، حس بالخطر في صوت ابنه، سأله بخوف: "إيه اللي حصل؟"
أركان بعصبية، وهو بيضغط على دواسة البنزين أكتر: "كل حاجة انتهت، يا بابا!"
عدلي بصوت هادي، لكنه مليان توتر: "أركان، اهدا… متخليش الغضب يتحكم فيك!"
أركان صرخ بانفعال: "هما اللي استعجلوا نهايتهم! اللي عملوه مش هيفلتوا بيه!"
عدلي بحزم: "كل اللي عملته هيضيع لو سيبت غضبك يتحكم فيك!"
أركان، وعينيه مغرقة بالدموع اللي رفضت تنزل، رد بصوت ثابت، لكنه قاتل:
"بابا… اعمل اللي بقولك عليه."
وقف المكالمة، وعينيه كانت على ليلى… مش هيسيب حقها، وحق عياله، حتى لو كان التمن حياته.
أركان نزل من العربية وهو شايل ليلى بين إيديه، جري بيها جوه المستشفى وهو مش شايف أي حاجة غيرها، صوت أنفاسها الضعيفة كان بيموّت فيه جزء جزء.
أول ما الدكتور شافها،عرفها عنيه اتسعت بدهشة وقلق، وقبل حتى ما يسأل، قال بصوت عالي مليان استعجال:
الدكتور: "ترول بسرعة! دي حالة ولادة مستعجلة، ولسه في الشهر السابع، ممكن يكون في سقوط!"
الممرضين اتحركوا بسرعة، أخدوها من بين إيدين أركان، وهو حس إن روحه بتتسحب منه، وقف مكانه مش قادر يستوعب إن ليلي اللي كان المفروض يحميها فيها، انتهت بالشكل ده.
أسماء كانت وراه، عنيها مليانة دموع وخوف، وهي ماسكة دراعه بقوة، بتحاول تهديه:
أسماء بصوت مهزوز: "لازم نثق إنهم هيقدروا ينقذوها… هي والعيال."
بس هو كان واقف زي الصنم، عينيه مش بتتحرك عن باب غرفة العمليات، والوحيد اللي كان سامعه هو صوتها وهي بتنادي عليه قبل ما تفقد الوعي:
"أنقذ عيالنا، أركان..."
بعد لحظات أركان حس كأن الزمن وقف، عينيه اتجمدت على الورقة اللي في إيد الممرضة، وصوتها كان بيتردد في دماغه زي الصاعقة.
الممرضة: "حالة المريضة خطيرة جدًا، لازم تقرر هننقذ مين… الأم ولا الأولاد؟"
إحساس غريب ضرب صدره، كأن قلبه بيتسحب من مكانه، نظر للممرضة بعينين متجمدة، صوته طلع منه هادي، بس كان وراه بركان غضب وخوف:
أركان: "بتتكلمي عن إيه؟! أنا مش هختار… أنقذوا اللي اتنين!"
الممرضة بارتباك: "إحنا هنحاول، بس لو الأمور خرجت عن السيطرة، لازم ناخد قرار سريع…"
مدي إيده وخطف الورقة منها، بس بدل ما يبص عليها، بص للباب اللي وراها… الباب اللي جوه كان فيه ليلي مراته اللى ضحت كتير اللى بتحبوا وأولاده اللى لسه ما شافهمش.
أركان بصوت متحشرج، وكأنه بيحلف: "لو حصل لها حاجة… كلكم هتدفعوا التمن."
اتلفت بسرعة ناحية الممرضة، وعينيه كانت كلها تهديد:
أركان: "أخرجوا ليهم كل اللي عندكم… هتشوفوا يوم أسود لو خرجت من هنا من غيرهم."
الممرضة بلعت ريقها ورجعت خطوتين لورا، قبل ما تجري تدي التعليمات جوه العمليات.
أسماء وقفت جنبه، مسكت دراعه وهي بتحاول تسيطر على رعشة إيدها:
أسماء بصوت متقطع: "… هتبقى كويسة، صح؟ أنت مصدق إنها هتبقى كويسة، صح؟"
بس هو كان واقف في مكانه، مش بيرمش، مش بيتنفس… كل اللي كان قادر يعمله هو إنه يستنى، ويستعد لأي حاجة ممكن تحصل.
أركان كان واقف في مكانه، ملامحه حجر، لكن عينيه كانت بتفضح العاصفة اللي جواه.
فوزية دخلت وهي بتجري، ووراها أمير، الاتنين ملامحهم كانت كلها خوف ودموع.
فوزية بصوت مخنوق وهي بتقرب منه: "إيه اللي حصل يا ابني؟ ليلى كانت مكلماني الصبح وكانت كويسة!"
اميره وهي بتحاول تستوعب الصدمة: "إزاي بتولد؟ دي لسه في الشهر السابع! إيه اللي حصل؟"
أركان كان حاسس إنه مش قادر حتى يشرح، صدره كان مقبوض. بس أول ما لمح عدلي داخل وراهم، رفع عينه عليه وقال بصوت هادي لكنه كان مليان تعب:
أركان: "بابا… هيحكي لكم كل حاجة، أنا مش قادر."
لف على فوزية وأمير، نظر لهم للحظة وكأنه :
أركان: "أنا عايزكم تبقوا جنبها لما تفوق… خليها تحس إنها مش لوحدها."
عينه كانت بتلمع بلمعة غريبة، بين الغضب، الخوف، والتعب اللي كان بينهش روحه. بعد ما قال كده، لف وراح ناحية الباب، وقف قدامه، حط إيده على الحيطة وحاول يتمالك نفسه… بس قلبه كان متعلق جوا، مع ليلى، مع ولاده، مع كل حاجة ممكن تتسحب منه في لحظة.
الممرضة خرجت تاني، ملامحها كانت متوترة، وعينيها مليانة أسف وهي بتقول بصوت مرتبك:
"أنا آسفة… لازم نخلي مسؤوليتنا،خصوصا الامل ضعيف وحضرتك لازم تختار… الأم ولا الأولاد؟"
الوقت وقف…كل العيون كانت متعلقة بأركان، حتى أنفاسهم كانت محبوسة، الكل مستني يسمع هو هيقول إيه.
فوزية حطت إيديها على صدرها وهي بتحاول تستوعب المصيبة: "يا رب استر!"
أمير بصوت متحشرج: "إزاي يعني يختار؟ إزاي؟"
أركان كان واقف في نص الممر، عينه على الممرضة، بس عقله كان في حتة تانية… كان سامع صوت ليلى وهي بتقوله "أنقذ عيالنا"، كان شايف دموعها، وإيديها وهي بتتحايل عليه.
لحظة…إيده تشدت، عضلاته تصلبت، قلبه كان بيدق بجنون… مفيش اختيار.رفع عينه ناحية الممرضة وقال بصوت ثابت لكنه كان مليان ألم:
"أنقذوا …"
رواية زواج في الظل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ياسمين عطيه
رفع عينه ناحية الممرضة وقال بصوت ثابت لكنه كان مليان ألم:
"أنقذوا الولاد…"
سكت لحظة، وبص بعيد كأنه بيهرب من الحقيقة اللي لسه ناطقة على لسانه.
الممرضة هزت رأسها بسرعة واندفعت جوه العمليات… وأركان وقف مكانه، صدره بيعلى وينزل بسرعة، بس قلبه كان بيتقطع… كان عارف إن مهما كان اختياره، الألم مش هيرحمه.
أميرة هجمت عليه وهي بتصرخ بصوت مليان غضب ودموع:
"آه يا حيوان! أنا كنت عارفة… كنت عارفة إنك مش بتحبها! ازاي تعمل كده؟ ازاي تختارهم عليها؟"
أركان واقف مكانه، ملامحه جامدة، عينيه سابحة في ظلام عميق، لكنه ساكت، ما اتحركش ولا دافع عن نفسه.
فوزية بصوت مكسور وحسرة مالية قلبها:
"ليه يا بني؟ دي بتحبك… كانت هتموت عشانك، وانت اختارت تسيبها تموت؟"
أسماء واقفة في النص، دموعها بتنزل وهي مش مستوعبة… ازاي؟ ازاي هو اللي من شوية كان بيجري بيها وهو مرعوب، فجأة اختار غيرها؟ عينيها بتدور في وشه، بتحاول تفهم، بس هو ساكت، وده بيخوفها أكتر.
الوحيد اللي كان واقف ساند ضهره للحائط وعارف الحقيقة هو عدلي… شايف أركان واقف وسط كل ده، شايف عناده وصمته، بس فاهمه أكتر من أي حد.
عدلي تنهد وهو بيبص لابنه بعيون الأب اللي عارف دماغ ابنه العنيدة:
"عملت كده مش عشانها، بل عشانها…"
بس هو… هو كان فاهم.
أركان ما اختارهش لأنه ما بيحبهاش، بالعكس… اختار كده علشان تكرهه.
علشان تقوم وتعرف إنه ما حبهاش، إنه اختار اللي بينهم مش هي. علشان تطلع من حياته من غير ما تبص وراها.
هو عايز يثبت لنفسه إنه مش بيحبها، بيكاند قلبه، بيكسر روحه بنفسه. بس الحقيقة؟ الحقيقة إنه قتل جزء منه لما اختار العيال. الحقيقة إنه أول ما شاف الدم بيغرقها، حس إنه هو اللي بينزف معاها.
عدلي بص لابنه بحسرة، عارف إن دماغه القاسية هي اللي حكمت، مش قلبه. وعارف إن أركان حكم على نفسه بالعذاب حتى لو محدش فاهمه دلوقتي. زفر نفس تقيل وقال بصوت واطي بس قاطع الهدوء اللي غرق المكان:
"آه منك… ومن دماغك يا أركان لسه مش عارف إنك خسرت نفسك قبل ما تخسرها."
أركان ما ردش… كان واقف زي التمثال، عينه متسمرة على باب غرفة العمليات، أنفاسه تقيلة كأنه هو اللي بينزف مش هي.
أسماء قربت من أركان، كانت دموعها بتنزل بس صوتها كان هادي، مش فاهمة بس حاسة بحاجة:
– "انت ليه عملت كده؟ مش انت كنت هتموت علشان تلحقها؟ مش كنت شايلها في حضنك وجري بيها؟ ازاي تختار العيال وهي اللي كانت بتصرخ تحت رجليها؟"
أركان بص لها أخيرًا، عينه كانت فاضية، بس جواه نار مولعة، بصوت هادي لدرجة مخيفة قال:
– "أنا اخترت اللي كان المفروض أختاره."
أميرة كانت بتصرخ، بتحاول تهجم عليه تاني، بس فوزية مسكتها بإحكام، صوتها كان مليان وجع وهي بتحاول تهديها:
– "اهدي يا أميرة! اهدي بقى!"
أميرة وهي بتقاومها بدموع:
– "سامعاه يا ماما؟ سامعاه؟ بيقولك اختار اللي المفروض يختاره! بيضحي بليلى! ازاي؟ ازاي يعمل فيها كده؟"
فوزية وهي بتحاول تسيطر على رجفة صوتها:
– "مش وقته يا بنتي، مش وقت الكلام ده دلوقتي!"
فجأة، صوت الباب وهو بيتفتح خلاهم كلهم يلفوا بسرعة.
الدكتور خرج، عينه كانت مرهقة، ماسك الماسك بيده وكأنه بيحاول يجمع أنفاسه قبل ما يتكلم.
أمير بخوف:
"طمني يا دكتور… هي عاملة إيه؟"
الدكتور خد نفس عميق قبل ما يقول بصوت هادي:
"الولاد وصلوا الحضّانة، بس…"
سكت لحظة، كل العيون عليه مستنية الكلمة اللي جاية، وبعدين كمل:
"الأم… حالتها حرجة جداً."
أما أركان… متحركش. متكلمش. بس عنيه قالت كل حاجة.
الدكتور كمل بعد لحظة صمت:
– " فإحنا عملنا اللي علينا، بس هي بين الحياة والموت دلوقتي. النزيف كان شديد جدًا، وهنعرف خلال الساعات الجاية إذا كانت هتقدر تقوم منه ولا…"
سكت للحظة، ثم كمل بصوت أهدى:
"ادعوا لها."
الكلمات نزلت كالصاعقة، قلب أركان كان بيتفرم، بس وجهه كان حجر. لف ببطء وبص للباب اللي ورا الدكتور… ليلى جواه، بين الحياة والموت.
"اختارت الأطفال يا أركان؟ طب لو راحت… هتعيش بإيه بعدها مش هعرف اسامح نفسي لو حصل ليها حاجه ؟"
عدلي كان الوحيد اللي لسه مركز عليه، شايف اللي محدش شايفه… شايف رجفة صوابعه اللي بيحاول يخبيها في جيوبه، شايف النفس اللي بيحاول يسحبه بالعافية عشان ما ينهارش.
أركان اتحرك أخيرًا، قرب من الدكتور، وصوته خرج خافت لكنه حاسم:
"ممكن أشوفها؟"
الدكتور خد نفس عميق وقال بهدوء:
"ممكن بس لدقايق… هي لسه ما فاقتش."
فجأة، أميرة هاجمت عليه وهي بتصرخ:
"إنت عايز تدخل تقتلها؟!"
ضربته على صدره بكل قوتها، لكنه ما اتحركش، بس عينيه ارتجت للحظة…
أميرة بصوت مليان كره ودموع:
"إنت مش هتدخل! ولو فكرت تقرب منها تاني، أنا هقتلك!"
فوزية مسكت أميرة وحاولت تهديها، بس أميرة كانت بتترجف من الغضب، عينيها مليانة دموع ووجع:
"ليه عملت كده؟ ليه اخترت العيال وسِبتها تموت؟! هي كانت بتموت وإنت واقف تتفرج!"
أركان كان واقف مكانه، مش بيرد… مش قادر يبرر، ولا حتى عنده الشجاعة يقول الحقيقة.
أميرة بصوت متكسر:
"هي كانت مستعدة تموت عشان عيالها وعشانك، وإنت كنت مستعد تسيبها تموت!"
فجأة، صوت عدلي جه قوي وهو بيدخل عليهم:
"تعالي يا بنتي… عايز أتكلم معاكي إنتِ ومامتك."
نظرته كانت تقيلة، مش لأي حد، لكن لابنه… وكأنها بتقوله: "أنا الوحيد اللي فاهمك، بس ده مش معناه إني موافق على اللي عملته."
عدلي بص لفوزية وقال بهدوء:
"تعالي معايا… لازم تعرفي الحقيقة."
فوزية نظرت له بعيون مليانة خوف ودموع، لكنها فهمت إن ورا كلامه حاجة كبيرة… حاجة لازم تتعرف.
أما أركان، ففضل واقف في مكانه، عينه لسه مثبتة على باب الأوضة… وكأنه مستني معجزة تحصل، وكأن قلبه لسه عندها… حتى لو هو نفسه مش عايز يعترف.
دخل بخطوات تقيلة، وكأنه داخل يشوف مصيره بإيده… قلبه كان بيدق بعنف، لكن ملامحه متجمدة، ما بتوحيش بأي حاجة.
أول ما عينه وقعت عليها… حس إن روحه اتسحبت.
ليلى كانت نايمة على السرير، وشيها شاحب بشكل يخوف، جهاز التنفس الصناعي موصل بيها، دراعها متوصل بمحاليل وأجهزة، وبطنها ملفوفة بشاش أبيض كله دم.
حس بحاجة تخنقه… رجله مكانتش شايلة وزنه، قرب منها ببطء، إيده كانت عايزة تلمسها، بس وقف نفسه.
ليه؟ مش ده اللي عايزه؟ مش كنت بتقول إنك مش بتحبها؟
طب لو ما بتحبهاش، ليه قلبك بيوجعك كده؟
قعد جنب السرير، عينه مثبتة عليها، صوت الأجهزة الطبية حواليه، لكنه مش سامع حاجة… كل اللي شايفه هو ليلى، وهي ما بين الحياة والموت، بيحاول يخبّي ارتجاف إيده، لكنه فشل… إيده بردت وهو بيحطها على كفها البارد، حس إن الروح بتفلت من بين إيده، وكأنها بتنسحب بعيد عنه، بعيد أوي…
بص لوشها الشاحب وهمس بصوت متكسر:
– "مش هسامح نفسي لو حصلك حاجة… قومي عشان عيالك، متسبيهمش… مش لازم تبقي نهايتك كده، إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة، متبقيش ضحية لكل اللي هيحصل فيهم…"
كأن الكلام خرج من قلبه قبل عقله، كأن اللي جواه انفجر غصب عنه… لأول مرة مش قادر يتحكم في نفسه، لأول مرة مش قادر يخبي اللي جواه.
أخد نفس عميق، وحاول يثبت صوته، لكنه خرج أضعف، مليان رجاء خفي:
– "أنا اخترت الأولاد… عشان متتعلقيش بيا… لو قومتي وعرفتي إني اخترتك، كنتِ هتحبيني أكتر، وأنا… أنا مقدرش أذيكي… بس أنا عارف إنك قوية وهتقومي عشان ولادك…"
في اللحظة دي، دمعة نزلت من عينه… أول مرة من سنين، أول مرة ينهار قدام حد… بس الحد ده كان بين الحياة والموت، والحد ده كان ليلى.
قعد جنبها، مسك إيدها اللي كانت باردة بشكل مرعب، قرب وشه منها وهو بيحارب دموعه… مش أركان اللي ينهار، مش أركان اللي يسيب ضعفه يظهر، لكنه في اللحظة دي كان مجرد راجل خسر أكتر شخص قدر يلمس روحه.
مسح دمعته بسرعة، رفع راسه، وعينيه اتحولت لنار:
– "هجيب حقك… وحق ولادنا… حق الأيام اللي راحت، حق حياتنا اللي دفعناها لكل ده…"
عينه كانت بتوعد، صوته كان قرار… والقرار ده كان معناه إن اللي آذاها هيشوفوا جحيم عمرهم ما تخيلوه.
في كافتيريا المستشفى
في جو مليان توتر، عدلي قعد قدام فوزية وأميرة وأسماء، عارف إن الكلام اللي هيقوله هيقلب حياتهم، بس كان لازم يعرفوا الحقيقة… الحقيقة اللي ليلى شايلها لوحدها طول الوقت.
عدلي بص لفوزية وقال بصوت هادي لكنه حاسم:
"أنا مش عارف أبدأ منين ولا إزاي، بس عايزك تفهميني وتفهمي بنتك… ليلى بنت قوية، جميلة، وبتحبكم أوي. ضحت بنفسها واختارت طريق معين عشان تبقوا كويسين."
الكل كان بيسمعه في صدمة، لكنه كمل بدون تردد:
"أركان ابني ظابط مخابرات سرية، وأنا رئيس أمن دولة."
الصمت خيم على المكان… العيون اتسعت، والنَفَس اتقطع… كأن حد شال الأرض من تحتهم.
عدلي كمل وهو شايف ملامح الصدمة في وشوشهم:
"عارف إنكم مصدومين، سبوني أكمل للآخر… ليلى كانت عارفة كل حاجة، واتجوزت أركان بالاتفاق."
فوزية شهقت وبصت له بعين مليانة غضب ووجع:
"اتفاق؟! فلوس؟! بنتي باعت نفسها ليك ولا لابنك؟!"
عدلي حرك رأسه بالنفي، حاسس بالذنب من نظرة الألم في عينها:
"لا… متفهميش غلط، هي مكنتش مخيرة، كانت مجبرة. كان لازم تعمل كده، ولو فيه تمن خادته، فده كان مكافأة على اللي عملته ومجهودها… الاتفاق كان إنهم يقعدوا سنة كاملة متنكرين، يدخلوا وسط عصابة سلاح ومخدرات عشان نكشفهم ونقبض عليهم. بس اللي حصل دا مكانش في الحسبان، ومش عارفين الموضوع هينتهي على إيه بس ليلي دورها انتهي لحد كده وصدقيني بنت قويه وهتقوم بالسلامه إن شاء الله …"
أخد نفس عميق ومد إيده بالمفاتيح:
"دول مفتاح بيتين… دي هدية ليلى ليكم."
فوزية فضلت تبص للمفاتيح بعين مليانة دموع قبل ما تنهار وتحط إيدها على قلبها، صوتها مليان وجع:
"آه يا ليلى… آه بنتي… كل دا مخبية علينا؟! كل دا عملتيه ليه؟! ما احنا كنا عايشين مستورين!"
أميرة كانت بتعيط بصمت، كانت حسه إن فيه حاجة غلط طول الوقت، لكن مش مستوعبة إن الحقيقة تكون بالشكل ده.
أما أسماء، فكانت التوهة هي اللي مسيطرة عليها، دماغها مش قادرة تستوعب، صوتها طلع ضعيف وهي بتسأل:
"يعني… هنية مش هنية؟! وسعيد مش سعيد؟! مفيش بواب وخدامة؟! طب وهي مين؟!"
عدلي بص لها وعينه تقرأ الحيرة والضياع اللي جواها، قرر يوضح قبل ما عقلها يتوه أكتر:
"أركان قالي إنك أمان، وإنك مش ممكن تخوني … ليلى قالتله إنك مش شبههم أصلاً، وخالي بالك، صحبتك بتحبك أوي، وأظن إنك كمان كده."
اسماء فضلت تعيط
نظر لكل الموجودين، صوته كان حازم:
"اللي سمعتوه ده، محدش يعرفه… لحد ما أركان ينهي كل حاجة. ابني مش هينام غير لما يجيب حق ليلى… مش علشان ينفذ المهمة، لا… علشانها هي."
سكت لحظة، وبعدها بص لهم كلهم نظرة طويلة قبل ما يقول بهدوء:
"عارف إنكم صعب تصدقوا، بس أركان بيحب ليلى… بس ابني عنيد، وصعب يعترف بسهولة… ادوله شوية وقت، وسيبوا ليلى براحتها… محدش يضغط عليهم، سيبوهم يختاروا حياتهم."
الصمت رجع يسيطر تاني… كل واحد كان بيحاول يهضم الحقيقة، لكن الحقيقة كانت أكبر من قدرتهم على التصديق.
أركان خرج من المستشفى وعينيه مش شايفة قدامه، كل اللي جواه غضب مشتعل، غضب كان بيزيد مع كل خطوة بيخطوها ناحية العربية. رجع الفيلا… لكن المرة دي مش عشان يكمّل المهمة، بل عشان ينهيها على طريقته.
دخل الأوضة اللي عاش فيها مع ليلى… بص حواليه، كل حاجة فيها ريحتها، ذكرياتها، ضحكتها اللي كانت بتملأ المكان… بس دلوقتي كل حاجة بقت باردة، ساكتة، كأنها شهادة على اللي حصل.
بدأ يجمع كل حاجة تخصها… هدومها، حاجات الأطفال، وحتى حاجته هو… حط كل حاجة في العربية، وهو بيحس كأنه بيشيل جزء من قلبه معاها، لكنه كان مصر إنه ينهي اللي بدأه.
كان طالع بالعربية، مستعد ينطلق، لكن فجأة صلاح ظهر قدامه، وقف قدام العربية ومد إيده عشان يمنعه.
صلاح بص له بريبة وسأله:
"رايح فين كده يا سعيد؟ إحنا محتاجينك معانا بكرة!"
أركان ابتسم ابتسامة مصطنعة، تخفي ورائها كل اللي جواه، وقال بصوت هادي لكنه ثابت:
"طبعًا معاكم بكرة… بس هنية ولدت، وكنت هودي ليها لبس للعيال."
صلاح ارتاح شوية وهز رأسه وهو بيقول:
"كويس إنها بخير والعيال بخير… بعد ما نخلص العملية دي، ابقى روح ليها، وصدقني… أنا هجيب لك حقها من نسرين، أنا مكنتش متخيل إنها تعمل كل ده!"
كلمة "نسرين" لوحدها كانت كافية تخلي إيد أركان تتحرك لا إراديًا ناحية المسدس، لكن لسه وقتها مجاش. أخد نفس عميق وكتم غيظه، لكن قبل ما يتحرك، صلاح بص له بحدة وقال:
"خلاص… انزل من العربية وتعالِ كمل شغل مع الرجالة… بكرة يوم طويل."
أركان وقف لحظة، عقله بيحسب كل حاجة… هو عارف إنهم مترقبينه، عارف إن أي حركة غلط هتفضحه، لازم يلعب لعبتهم لحد ما يجي وقته.
نزل من العربية بهدوء، رمى نظرة سريعة على شنط ليلى والأطفال، وبعدين مشي مع صلاح، عارف إن الليلة دي هتكون طويلة، لكن اللي بعد الليلة دي… هتكون دم.
في المستشفي
الليل عدى ببطء وكأنه بيتحداهم، وكل دقيقة كانت بتعدي بتزود القلق جوه المستشفى.
مع أول خيط نور للصباح، كان المستشفى كله في حالة ترقب.
كل العيون اتوجهت ناحية باب الغرفة أول ما الممرضة خرجت وقالت بصوت واضح:
"المريضة فاقت…"
فوزية، أميرة، أسماء وحتى عدلي، كلهم طلعوا يجروا ناحية الغرفة، قلبهم متعلق بخوف مش مفهوم، مزيج بين الفرح إنها فاقت، والرعب من اللي جاي.
أول ما فتحوا الباب، صوت ليلي كان بيصرخ وهي بتحاول تقوم، لكن جسمها كان ضعيف، عينيها واسعة بخوف، ودموعها بتغرق وشها:
"عيالي فين؟!"
كانت بتنهج، بتحاول تستوعب اللي حواليها، تحط إيديها على بطنها كأنها بتدور عليهم، كأنها مش مصدقة إنهم مش جواها.
فوزية وقعت على ركبتها جنب السرير، مسكت إيد بنتها ودموعها نازلة:
"حبيبتي، هدي، عيالك بخير…"
بس ليلي كانت بتبص حواليها بذعر، مش قادرة تستوعب أي حاجة غير غريزة الأمومة اللي بتصرخ جواها، عنيها دورت على شخص معين، وعرفت إنه مش موجود.
بصت في وش عدلي، دموعها نازلة، صوتها متكسر:
"هو فين؟ هو مشي وسابني؟"
عدلي خد نفس عميق، قرب منها وحط إيده على رأسها بحنية أبوية حقيقية، لكن صوته كان تقيل بالحقيقة:
"هو خرج، بس هيجيبلك حقك يا ليلي، صدقيني…"
ليلى وهي بتدمع، صوتها كان ضعيف لكنه مليان إصرار:
"عايزة أشوف عيالي… لو فعلًا مش بتكدبوا عليا، هاتوهم قدامي!"
عدلي قرب منها بهدوء، كان فاهم قد إيه اللحظة دي صعبة عليها، ومد إيده على كتفها بلطف:
"هما في الحضانة يا بنتي، بس هجيبهم ليكي، بس اهدي شوية، صحتك لسه ما تسمحش بأي انفعال."
ليلى رفعت عينيها ليه، ملامحها كانت خليط ما بين الألم والخوف، كأنها مش قادرة تصدق غير لما تشوفهم بنفسها. كانت كل مشاعرها معلقة بلحظة واحدة… لحظة تشوف فيها ولادها بعينيها، وتحس إنهم لسه في الدنيا.
عدلي خرج من الحضانة وهو شايل الطفلين، وكل واحد فيهم كان متشال على دراعه بحنية غريبة عليه. أول ما حس بدفئهم بين إيديه، قلبه انقبض وانشرح في نفس اللحظة. دلوقتي بس، فهم معنى الجملة اللي كان بيسمعها دايمًا: "أعز الولد ولد الولد."
بص عليهم… كانوا نسخة طبق الأصل من أركان، نفس الملامح القوية، نفس تقاطيع الوش اللي بتقول إنهم من دمه. عنيه دمعت بفرحة حقيقية، فرحة إنه شايل حفيده بين إيديه، وإن ليلى نجت وعاشت عشان تشوف ولادها. خد نفس عميق ومسح دموعه بسرعة قبل ما يدخل ليها.
أول ما دخل عليها، ليلى كانت نايمة بس ملامحها شاحبة، لكن أول ما سمعت صوت البيبيهات، دموعها نزلت بغزارة، بس المرة دي دموع فرحة، مش وجع. كانت بتبتسم وهي بتعيط، إيديها بتترعش وهي بتمدها عشان تاخدهم في حضنها.
قبل ما تخدهم ليهم، ليلي لمحت عدلي بنظرة حزينة لكن فيها رجاء، وقالت بصوت مبحوح:
"كبر في ودنهم، وسميهم مكان اركان…"
عدلي وقف للحظة، حس بقلبه بيدق أسرع، كأنه رجع سنين لورا، كأنه بيعيد ذكرى قديمة بطريقة جديدة
وقف وسط الغرفة، عيونه كانت معلقة بالطفلين الصغيرين اللي نايمين في حضنه، قلوبهم الصغيرة بتدق بسرعة، وملامحهم البريئة نسخة من أركان. لأول مرة من سنين، حس إنه ماسك نعمة عظيمة بين إيديه، نعمة كان فاكر إنه مستحيل يعيشها تاني
قرب الطفل الأول من شفايفه، وبدأ يهمس بصوت مليان رهبة وتأثر:
"الله أكبر، الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن محمدًا رسول الله..."
كلماته كانت بتخرج مع كل نفس، كأنه بيحط أمانة غالية في رقبة الزمن، كأنه بيوصي الدنيا تحفظهم ليلي، كأنه بيرجع روحه اللي كانت ضايعة فيهم.
شد الطفل التاني على صدره وهمس بخشوع، دموعه نزلت على خد الرضيع الصغير:
"أسميك ريان… الاسم اللي كان أركان بيحلم يديه لابنه."
ثم قرب الطفلة الصغيرة وهمس بصوت مختنق:
"وأنتِ… تاليا، اسمك نور، زي ما أركان كان شايف بنته في أحلامه."
رفع عيونه لليلي، والابتسامة بتشق وشه رغم الدموع:
"أركان حتى لو مش هنا، أولاده شايلين اسمه، ودمه في عروقهم… وأنتِ يا ليلي، اللي هتحميهم وتربيهم زي الأسد اللي كنتِ عليه دايمًا."
ليلي مدت إيديها المرتعشة، شالت أطفالها لأول مرة، حضنتهم بقلب أم اتقطّع على عيالها. كانت بتبكي، لكن دي كانت دموع أم شافت نور الدنيا لأول مرة بعد ظلام طويل،
أخيرًا شالتهم بين دراعها، حضنتهم بكل القوة اللي كانت فاكرة إنها فقدتها، وقلبها كان بيدق بجنون… دول ولادها، دمها وروحها، ومهما حصل، مش هتسمح لحد ياخدهم منها أبدا او يذيهم ً.
اقتربت أسماء من ليلي، ودموعها تلمع في عينيها، مدت يدها ببطء ولمست وجوه الأطفال الصغار بحنان كأنها تحاول تصديق أنهم حقيقيون، بصوت مختنق قالت:
"جمال أوي يا هنية… يا ليلي…"
ابتسمت ليلي وسط دموعها، نظرتها مليانة حب وندم، بصوت هادي ومكسور همست:
"متزعليش مني… غصب عني… معرفتش أقولك السر دا… حتى ماما وأمير مكنوش يعرفوا…"
حاولت فوزية السيطرة على مشاعرها، دموعها كانت بتلمع لكنها تماسكت، بصوت حازم لكنه دافيء قالت:
"إحنا هنتكلم في الموضوع دا بعد ما تقومي لينا بالسلامة، إنتي وأولادك… أهم حاجة دلوقتي صحتك."
نظرت ليلي لمامتها، دموعها نزلت أكتر، قلبها كان بيوجعها من الإحساس بالذنب، همست بندم:
"حقك عليا يا ماما… غصب عني…"
لم تستطع فوزية تمالك نفسها، مدت إيديها ولمست وش بنتها بحنان ومسحت دموعها، أميرها قربت منها، حست بضعف أختها رغم قوتها اللي كانت دايمًا شايفاها، بصوت دافيء مليان حب، قالت:
"استريحي دلوقتي يا ليلي… ونتكلم بعدين، كل حاجة ملهاش لازمة غير إنك تبقي بخير."
في اللحظة دي، ليلي بصت لأولادها… حسّت لأول مرة إنهم بقوا بين إيديها فعلاً، قلبها دق بحب وخوف، حضنتهم بضعف وهي تهمس بصوت مهزوز:
"إنتو حياتي… مش هسيبكم أبدًا…"
في مكان تحت الأرض، حيث يظنون أنهم في مأمن، وقف أركان بهدوء، يده مدسوسة في جيبه، وعيناه تراقب المشهد أمامه. كان كل من صلاح وأولاده وأحفاده والتجار الكبار في مصر، ومعهم الأمريكان وجيسي، يركضون كالفئران المذعورة، غير مدركين أن النهاية قد كُتبت بالفعل.
كان كل شيء تحت السيطرة، كل زاوية محكمة، كل خطوة محسوبة. لم يكن مجرد انتقام، بل كان تطفئة لنار ظلت مشتعلة داخله، نار لم تهدأ منذ أن رأى ليلى بين الحياة والموت، منذ أن رأى دموعها وضعفها لأول مرة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرج مسدسه ببطء، وكأن الزمن توقف. ضغط على الزناد مرة واحدة… ثم انطلقت الفوضى.
رواية زواج في الظل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ياسمين عطيه
في اللحظة اللي افتكروا فيها إنهم في أمان، المكان اتقلب جحيم.
أصوات عربيات الشرطة والمصفحات قطعت سكون الليل، أضواء الكشافات ضربت المكان، وحاصر العساكر المسلحين كل المخارج.
وقف أركان وسط المكان، عيونه مليانة غضب بارد، ملامحه جامدة كأنه صخر.
الكل كان مرعوب، الفوضى حوالين المكان، ناس بتجري، ناس بتصرخ، وناس بتحاول تهرب بأي طريقة، لكن أبواب الجحيم كانت اتقفلت عليهم.
مفيش هروب.
الطلقات التحذيرية اتضربت في الهوى، وصوت مكبرات الصوت كان واضح وحاسم:
"كله يرمي سلاحه ويسلم نفسه! المكان كله محاصر!"
صلاح كان واقف متجمد في مكانه، مش قادر يصدق إن أركان هو اللي بيدير المشهد دا كله. حاول يتكلم، بس صوته طلع ضعيف:
"سعيد... أنت..."
أركان رفع إيده بإشارة صغيرة. في لحظة، رجاله كانوا محاصرين المكان، أسلحتهم موجهة لكل اللي موجودين. خطا ناحيته ببطء، كل خطوة كانت تقيلة، كأنها بتسحب أرواح اللي حواليه. وقف قدامه، عيونه غامقة مليانة غضب. سحَب إيده من جيبه، رفع البطاقة العسكرية وبص له ببرود:
"أنا المقدم أركان عدلي… والمكان ده من النهارده تحت سيطرة الحكومة المصرية وانت تم القبض عليك."
صلاح وقع على ركبته، دموع القهر في عيونه وقال بصدمه:
"إنت واحد منا، ليه بتعمل كده؟!"
أركان انحنى ناحيته، همس بصوت منخفض بس كان فيه وعيد:
"عمرك ما كنتوا مني، أنا كنت بينكم بس كنت بلعب لعبتي... واللعبة انتهت."
الصدمة خلت وش صلاح يصفَر، عينه جابت آخرها وهو بيبص حواليه، كأنه مش مصدق إن النهاية جات كده.
رجال الشرطة هجموا، الكلاب البوليسية بتنهش في الأرض، العساكر بيكبلوا المجرمين واحد ورا التاني، وجيسي كانت بتصرخ وهي بتتحاول تفلت من قبضة الضباط:
"مش معقول! مستحيل!"
أركان بص لها ببرود:
"المستحيل كان إنك تفكري إنك فوق القانون!"
صلاح اتشد من دراعه وهو بيقاوم، عينه في أركان والشر اللي فيها بيولع:
"انت دمرتني يا يا سعي أركان! دمرتني!"
أركان قرب منه وهمس بصوت بارد وهو يبص في عينه مباشرة:
"دي اقل حاجه … كان لازم أجيب حقها."
وهو بيقول كده، المكان كله كان بيتنضف، رجالته بيتسحبوا واحد ورا التاني في عربيات الترحيلات، وصفارات الشرطة كانت موسيقى النهاية اللي أركان مستني يسمعها من زمان.
في عربية الترحيلات، الصمت كان يملأ المكان كأن الزمن توقف. الأجواء مشحونة بالدهشة، ولا أحد قادر على استيعاب ما يحدث.
مروان، الذي كان في حالة من الجنون، وقف على أطراف أصابعه وهو يهتف:
"إيه اللى بيحصل ده؟!"
لكن الرد جاء سريعًا من طاهر بصوت منخفض لكنه مملوء بالصدمه:
"سعيد طلع ظابط؟!"
سليم، الذي كان يحاول فهم الموقف، سأل بصوت متهدج:
"طب يعني، كل حاجة حصلت وكل اللى فات كان كذب؟!"
عادل، الذي كان يشعر بمرارة النهاية، قال بصوت خافت لكن مليء بالحسرة:
"احنا كده وصلنا للنهاية خلاص، كده."
أما خليل، الذي كان دائمًا مشككًا في المواقف، همس متألمًا:
"كنت حاسس إن في حاجة غلط... مش قولتلك يا فؤاد؟ وانت تقولي... حتة واد بيعيش ليه يومين؟ شفت اليومين كانوا نتجتهم عاملين ازاى؟ هندفع تمنهم عمرنا كله في السجن."
فؤاد كان جالسًا، عيونه مفتوحة على آخرها، مش قادر يصدق اللى بيحصل. كان واضح إنه ما فيش حاجة تقدر ترده عن الواقع المرير. وفي تلك اللحظة، الستارة الوحيدة التي تغطيهم كانت بداية النهاية، التي لا مفر منها.
في عربية أركان
عدلي بابتسامة فخر وهو ينظر إلى أركان:
"رفعت راسي وراس جهاز الأمن الوطني كله النهارده."
أركان وهو يسند رأسه على الكرسي وينظر للطريق قدامه:
"احنا تعبنا ونستاهل الفرحة دي."
عدلي بتساؤل:
"عرفت إزاي مكان اللي بيصنعوا فيه؟ أنا كنت فاكر إن كل حاجة انتهت ومش هنعرف نوصل للمكان ده."
أركان بابتسامة جانبية وهو بيحرك عجلة القيادة:
"أومال أنا بعمل إيه بقالى شهرين يا بابا؟ عرفت من صلاح ذات نفسه، في مرة كان سكران وبدأ يهلفط بالكلام، فهمت الشفرة واتأكدت بنفسي."
أركان ببرود:
"جايب روس وأمريكان حبسهم في فيلا تحت الأرض، المدخل من الأوضة بتاعته في أسانسير بينزل تحت، غير الباب اللي بيتفتح من جهة الشارع العمومي… من بعيد تحلف إنه حيطه، وهو في الحقيقة باب سري."
عدلي وهو بيهز رأسه بدهشة:
"جايب الدماغ دي منين بجد؟"
أركان بستهزاء:
"مش دماغوا… حد بيخطط ليه."
عدلي وهو بياخد نفس عميق:
"على العموم، القوة سبقتك على الفيلا عشان المصنع، وعمر مستنيك عشان اللي إنت عايزه."
أركان بنظرة غامضة وعينه بتلمع:
"تمام يا بابا."
أركان (بصوت ثابت):
"إيه اللي حصل عندك يا بابا؟ طمني."
صوت عدلي جه من الناحية التانية، هادي بس فيه نبرة ارتياح.
عدلي:
"كله تمام، الحمد لله… ليلى كويسة، والعيال بخير."
أركان حس بصدره بيتحرك نفس أعمق من العادي.
أركان (بصوت حاول يكون عادي):
"كويس… الدكتور قال إيه؟"
عدلي:
"قال إنها عديت مرحلة الخطر خلاص، والعيال بخير، صحتهم كويسة."
أركان بص للأرض للحظة، الحروف كانت بتلعب في دماغه… ليلى كويسة… والعيال بخير.
جواه حاجة كانت عايزة تخليه يقوم يجري، يروح يشوفها، يسمع صوتها، يتأكد بنفسه، بس العقل كان أقوى… أو يمكن عناده.
أركان (بنفس النبرة المحايدة):
"تمام… خليك جنبها، لو احتاجت أي حاجة بلغني."
عدلي (بضحكة خفيفة):
"بلغك؟! ده أنت اللي المفروض تكون جنبها دلوقتي."
أركان سكت لحظة، عينه جات على صورة كان ناسيها … صورة ليلى، بس قبل ما يوصل لها بإيده، زقها، كأنه بيخبيها حتى عن نفسه.
أركان (بنبرة أخف شوية، بس لسه متحكم في نفسه):
"هبقى أشوف الموضوع، مع السلامة."
قفل الخط ورمى الموبايل على المكتب، حاسس بحاجة غريبة في قلبه، حاجة مش قادر يسميها… أو يمكن مش عايز يسميها.
كانت الشقة غارقة في الظلام، صوت أنفاسها المتوترة يملأ المكان. حاولت تهرب، لكنها سمعت صوت خطوات سريعة وثقيلة تقترب. الباب اندفع بقوة، وفي لحظة، وجدت نفسها وجهًا لوجه مع أركان.
وقف عند المدخل، نظراته باردة، حادة، مليانة غضب مكتوم. كان لابس بدلته الرسمية، شارة المخابرات بتمسك على كتفه، وعيناه مثبتة عليها كأنها فريسته الأخيرة.
نسرين بصوت مرتعش:
"إنت... إنت جاي ليه؟ أنا معملتش حاجة!"
أركان قرب منها بخطوات تقيلة، مسك إيديها بعنف وقيدها قبل ما تقدر تتحرك. قرب وشه منها وهمس بصوت خافت لكنه مليان قوة:
"تم القبض عليكِ بتهمة الشروع في قتل ليلي وطفليها… وأنا هقبض عليكِ بصفتي المقدم أركان الجارحي."
نسرين بصوت مبحوح:
"ظابط؟ إنت ظابط؟!"
الصدمة كانت كأنها صاعقة نزلت عليها. دماغها بدأت تربط الأحداث ببعض.
هنيّة … أو بالأصح "ليلي"، مش مجرد خادمة، مش مجرد واحدة هتروح لحالها…
نسرين بصرخة هستيرية وهي تتراجع للخلف:
"لااا! إنت بتكدب! هنيه مستحيل تكون عايشة! وعيالها… مستحيل!"
أركان قرب منها بخطوات تقيلة، سحبها من دراعها بكل برود وهو بيكلبشها، في اللحظة اللي كانت فيها صراخها بيملأ المكان.
نسرين وهي بتخبط في الأرض وتصرخ:
"إنتو بتكدبوا! أنا كنت ضامنة إنهم هيموتوا! مستحيييل!"
أركان شدها بقوة وهو بيقرب من وشها بهدوء قاتل:
"الغلط الوحيد اللي عملتيه إنك افتكرتِ نفسك أذكى مني… والنهارده جاي أخد حق مراتي وولادي، وكل واحد لازم هيدفع التمن غالي!"
نسرين فضلت تصرخ، تتوسل، لكنها كانت عارفة… النهاية وصلت، ومافيش هروب!
بإشارة واحدة من إيده، جرّوها رجال الشرطة، وصوت صراخها اختفى وسط هدير السيارات اللي بدأت تتحرك. أما هو، فوقف في مكانه، خد نفس عميق، ثم رفع رأسه للسماء… وأخيرًا، شعر لأول مرة إن نار جواه بدأت تهدى.
فيلا صلاح
صوت دوّي باب الفيلا وهو بيتفتح بعنف، رجال الشرطة بيقتحموا المكان بسرعة، أسلحتهم مرفوعة، والعساكر منتشرين في كل زاوية.
صفيّة وقفت مكانها متجمدة، عنيها بتتنقل بينهم بصدمة، مش مستوعبة اللي بيحصل.
صفيّة (بذهول):
"إيه… إيه اللي بيحصل؟"
رغدة (بابتسامة ساخرة وهي بتبص حوالينها):
"الظاهر إن نهايتهم جت… وطبعًا نهيتنا إحنا كمان جت معاهم."
صفيّة (بتشد شعرها بغضب):
"ياما قلت ليكم بلاش القرف اللي بتشتغلوا فيه! مالُه القرش الحلال؟ أهو إحنا اتاخدنا في الرجلين بسببكم!"
صباح (بجنون وهي بتصرخ):
"اخرسي! اخرسي يا بنت منك ليها! مافيش نهاية ولا حاجة، إحنا هنطلع من هنا سلام!"
لكن صوت الضباط كان أقوى من أي إنكار… في اللحظة دي، عساكر الشرطة بدأوا يطلعوا كميات كبيرة من السلاح والمخدرات، يحطوها قدام الظباط اللي بيكتبوا التقارير، ملامحهم كانت باردة، حاسمة.
عمر (وهو بيقرب من صباح بالكبشات):
"تم القبض عليكم بتهمة حيازة مخدرات وسلاح… انتهى اللعب."
نظرات الذهول والخوف كانت واضحة على وشوشهم، حتى صباح اللي كانت بتكابر، بقت عيونها متوسعة، مصدومة، وهي بتشوف ستار النهاية بينزل عليهم كلهم… بلا رجعة.
في الفيلا، وأركان داخل…
فريدة كانت واقفة في الصالة، قلبها بيدق بسرعة من التوتر والاشتياق. أول ما سمعت صوت الباب بيتفتح، دموعها نزلت من غير ما تحس. بقالها شهور ما شافتهوش، ابنها الوحيد،اللي رماه شغله في نار الخطر، واللي حتى جوازه كان مجرد جزء من مهمة.
أول ما دخل وشافها، وقف لحظة، ملامحه كانت جامدة زي العادة، بس عيونه فيها حاجة غريبة، حاجة مختلفة.
فريدة بصوت مختنق:
"أركان…"
قبل ما تكمل، كانت بتجري عليه، حضنته بقوة وكأنها خايفة يختفي من بين إيديها. دموعها غطت وشها وهي بتقول بصوت متكسر:
"يا حبيبي… كنت هتجنن عليك… كنت بموت كل يوم وأنت بعيد…"
أركان حس بقلبه بيدق، حضنها بحنية نادرة منه، وهو بيهمس بصوت دافي:
"أنا رجعت يا أمي… سامحيني عالغُربة اللي فرضتها عليكي."
فريدة وهي تبعد عنه شوية، تمسك وشه بين إيديها بحب:
"أنت بخير يا ابني؟ متعور؟ جرالك حاجة؟"
أركان بابتسامة خفيفة :
"أنا كويس يا أمي، وكل حاجة خلصت خلاص."
عيونها لمعت بفرحة غامرة، وقفت لحظة تبص له بحنان:
"أركان… أنا فخورة بيك، يا حبيبي."
أركان وهو بيبوس راسها برفق، ضمها لحضنه بحنية نادرة وقال بصوت دافئ:
"حبيبتي يا ماما."
(عمر داخل الفيلا بابتسامة ماكرة، وهو بيرفع إيده قدام فريدة ويهتف بمزاح)
عمر:
"اقفش عندك! فعل فاضح في فيلا للواء عدلي!"
(فريدة ضربته على كتفه وهي بتضحك)
فريدة:
"لم نفسك يا حيوان، أنت فاضيلي ولا إيه؟"
(عمر ضحك وهو بيبص لأركان اللي كان واقف بيتفرج عليهم بابتسامة خفيفة)
عمر:
"عايز حضن زيك يا فوفو!"
(أركان مد إيده بضحك، سحب عمر في حضن سريع وهو يربّت على كتفه)
أركان:
"تعالى يا اللي وحشتني"
(عمر رفع حواجبه بمرح وهو بيقف جنبه)
عمر:
"حبيب قلب أخوك من جوا… مستعد للأخبار اللي هتطفي نارك؟"
(أركان اتكئ على الكنبة، وملامحه شدت وهو بيبصله)
أركان:
"عملت إيه؟"
(عمر ابتسم ابتسامة نصر، وقعد جنبه وهو بيحرك إيده بحماس)
عمر:
"كل اللي هناك اتمسكوا، حيازة مخدرات وسلاح والتستر عليهم، وكمان لقينا ملفات تودي في داهية، من ضمنهم فيديو لصلاح وهو بيقتل أم وأبو واحد مجنون اسمه محروس!"
(أركان شد حواجبه، وعمر كمل بحماس)
عمر:
"الفيديو ده لوحده كفيل يخليه ينعدم… مش عارف هيتعدم كام مرة على كل البلاوي اللي عملها!"
(أركان سحب نفس عميق، لمعت عينه بنار الانتقام اللي أخيرًا اكتملت، بَصّ لعمر بابتسامة باردة وهو بيتمتم)
أركان:
" جت نهايته… واللي جاي هيكون أسوأ ليه!"
عماد دخل بخطوات ثابتة، قرب من أركان وفتح دراعاته بحب وهو بيقول بصوت كله فخر:
"مبروك يا بطل… انت عملت المستحيل يا أركان، اللي معرفناش نعمله أنا وأبوك في سنين، انت عملته في شهور… برافو يا حبيبي."
أركان شدد قبضته في جيبه للحظة، وبعدين خرجها وحضن عمادل بقوة، وهو بيهمس بصوت واطي:
"انت مش زعلان مني على اللي حصل؟"
عماد بعد عنه شوية، بص في عيونه، ولمح الشرخ الصغير اللي مستخبي تحت نبرة صوته الجامدة، فقال بهدوء وهو يحط إيده على كتفه:
"أنا عارف إن ده كان غصب عنك، وبعدين كل حاجة نصيب… متفكرش في أي حاجة دلوقتي غير إنك تفرح، بكرة في تكريم كبير ليك في الجهاز."
أركان حاول يبتسم وهو بيقول بنبرة هاديه:
"مافيش داعي."
عادل شدد قبضته على كتفه وهو بيرد بجدية:
"لا، إزاي؟ دي أقل حاجة تتعمل لبطل زيك… ضحى بكل حاجة عشان شغله، عشان البلد، عشان المهمة تنجح."
في المستشفى
عدلي وهو واقف جنبها، عينيه مليانة حنية واطمئنان:
"كل حاجة خلصت يا ليلي…"
ليلي ابتسمت لا إرادياً، فرحة مش مصدقة إن الكابوس اللي عاشته أخيراً انتهى. بس الفرحة ما كملتش، ابتسامتها اضمحلت، وضحكتها اللي كانت بتشق وشها اختفت ببطء. كل حاجة انتهت، بس معنى كده إن علاقتها بأركان كمان انتهت؟ مشفهاش، مشافش عياله حتى… هو فعلاً قرر يمحيها من حياته؟
عدلي وهو ملاحظ الحزن اللي سكن ملامحها:
"الله أعلم بكرة مخبي ليكي إيه، بس متقلقيش يا بنتي… انتي وعيالك مسؤولين مني، متشليش هم أي حاجة. مصاريف عيالك علينا، مش هخليكي لا انتي ولا هما محتاجين أي حاجة."
بص لها بعمق، صوته بقى أهدى لكن أوضح:
"أما علاقتك بأركان… دي هو اللي هيقررها."
كلماته سابت أثر في قلبها، مش عارفة تفرح إن كل حاجة انتهت، ولا تخاف من اللي جاي؟
عدلي وهو بيقرب منها بنبرة هادية لكن مليانة قرار:
"انكتب لك خروج انتي والولاد خلاص… روحي عيشي في البيت الجديد، المنطقة هناك أمان وعشان يبقى مناسب للأولاد."
ليلي كانت بتسمعه، لكن عقلها كان في حتة تانية… قلبها بيوجعها بس مش عايزة تبينه، خبت مشاعرها وابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت ضعيف:
"حاضر."
عدلي لاحظ الوجع اللي بتحاول تخفيه، لكنه قرر ما يضغطش عليها، ساب لها مساحة تفكر براحتها. فوزية قربت منها ولمست إيدها بحنية:
"هتكوني كويسة يا بنتي، وهما هيكبروا في أمان."
ليلي بصتلها بامتنان، وبعد لحظة طويلة، بصت لأولادها اللي نايمين ببراءة، وخدت نفس عميق وهي بتحاول تهيئ نفسها للمرحلة الجديدة… حتى لو قلبها لسه متعلق بالماضي.
في البيت الجدبد
ليلي كانت حاسة إنها مستنزفة… مش بس جسديًا، لكن روحيًا كمان. تعبها، خوفها، صدمتها، كل حاجة كانت متجمعة جواها وبتخنقها. لما دخلت الأوضة، ما قدرتش حتى تبص حواليها أو تتأمل البيت الجديد، الحاجة الوحيدة اللي كانت عايزاها إنها ترتاح… ترتاح من التفكير، من الألم، من كل حاجة.
أسماء كانت شيلة تاليا، وأميرة كانت شايلة ريان، وفوزية كانت سنداها عشان تمشي. أول ما دخلت الأوضة، أول حاجة عملتها إنها شالت أولادها، حضنتهم وكأنها بتحاول تستمد منهم قوة تخليها تكمل. كانت تعبت، بجد تعبت، ومش قادرة تستحمل أكتر من كده.
بصت عليهم وهي بتحطهم جنبها، عينها مليانة دموع بس بتحاول تبتسم. بس جوها كان فاضي… كأنها فجأة فقدت حاجة كبيرة، كأنها فقدت نفسها.
رمت رأسها على المخدة، سحبت الغطاء عليها، وسابت دموعها تنزل في هدوء. محدش كان سامعها، بس الألم كان بيصرخ جواها.
كده خلاص؟…مش هشوفه تاني؟ مش هشوف نظرة عيونه الباردة اللي كنت بعافر عشان أكسرها؟ مش هيجي يطمن على العيال؟
للدرجه دي أنا مش فارقة معاه؟!
كانت بتسأل نفسها بس الإجابة كانت واضحة… آه، مش فارقة معاه!
اختار ولاده… بس ما اختارهاش هي.
ودي كانت حاجة شايفاها صح، على قد ما كان قلبها وجعها إنه سبها للموت بس فرحانه انوا انقذ ولادهم
غمضت عيونها وهي بتحاول تبعد أي تفكير عنه، بس صورته ما سبتهاش. أول مرة تحس إنه غريب عنها بالشكل ده، وإنها مهما حاولت، مستحيل ترجع زي ما كانت.
أركان دخل أوضته، وقف في النص وهو حاسس بفراغ غريب. الأوضة اللي كانت دايمًا بتكون مصدر راحته، اللي كان بيحس فيها إنه نفسه، بقت دلوقتي مجرد أربع حيطان مخنوقين عليه. مفيش ليلى، مفيش صوتها، مفيش ضحكتها اللي كانت بتطلع حتى وهي زعلانة.
قعد على طرف السرير، سند كوعه على ركبته وحط راسه في إيده، خد نفس طويل وهو بيحاول يبعد عن دماغه أي أفكار، بس كل حاجة كانت راجعة له غصب عنه. كان ممكن يروح يشوفهم، بس منع نفسه… خايف لو قرب منهم مش يعرف يبعد تاني، خايف لو بص في عيونها يلاقي فيها الحقيقة اللي بيهرب منها، الحقيقة اللي بتقول إنه متعلق بيها وبعياله من أول لحظة.
مسح وشه بإيده، قام وفتح الدولاب، عيناه وقعت على حاجة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش ناعمة، مد إيده وسحبها… كانت لعبة أطفال، حاجة بسيطة كان جايبها وهو مش حتى عارف ليه. بص لها لحظة، وبعدين شد نفسه ورماها على الكومودينو، وقف شوية قدام المراية، نظرته لنفسه كانت مختلفة… ده مش أركان اللي كان فاكره، ده واحد تاني، واحد قلبه بدأ يبقى مش ملكه، وده أكتر شيء كان بيخوفه.
أركان مقدرش يفضل واقف في مكانه، كأن رجليه بتجروه جري ناحية ليلى. غير هدومه بسرعة، وطلع على المستشفى وهو مش قادر يتحكم في دقات قلبه.
وصل عند أوضتها، وقف برا الإزاز، عينه ما سابتش ملامحها.. كانت مرهقة، لكن عايشة.. قدامه.. بخير. كان عايز يدخل، يشيلها في حضنه، يطمنها، لكنه وقف مكانه، صارع نفسه.. هو مينفعش يبقى بالشكل ده، هو المفروض يكون أركان اللي محدش بيظهر عليه أي حاجة.
فضل يبص عليها لحظات طويلة، كل حاجة حواليه اختفت، مابقاش شايف غيرها.. حس لأول مرة إنه كان ممكن يخسرها للأبد، وإنه مش مستعد لده، أبدًا. شد نفسه واختفى بسرعة قبل ما حواسه تخونه.
راح على الحضانة، وقف قدام الزجاج، عينه وقعت على التوأم.. طفلين صغيرين بيناموا بهدوء كأنهم ملايكة. قلبه دق بقوة، حس بثقل غريب في صدره، نوع من المشاعر اللي هو مش متعود عليها.
"تاليا.. ريان.."
الأسماء اللي كان بيحبها وهو طفل.. بقت أسامي ولاده في الحقيقة. مش مصدق إنه بقى أب، مش مصدق إن الكائنات الصغيرة دي قطعة منه. مد إيده وحطها على الزجاج، كأنها لمسة خفيفة من بعيد، ابتسامة صغيرة قوي ظهرت على وشه، ابتسامة محدش شافها.. ولا حتى هو نفسه كان واعي بيها.
في الصالون
فريدة وهي متوترة، وقفت قدام عدلي وعينيها مليانة تساؤلات.
عدلي وهو بيحط إيده في جيبه وبيبص لها بهدوء:
"ريحي نفسك، لو عايزة تروحي تشوفي عياله روحي. البنت محترمة وكويسة وهتفرح لما تشوفك، يمكن مروحك يخفف البواخة اللي ابنك عمالها مع البنت دي."
فريدة بحدة:
"ابني ماعملش حاجة! هو ذنبه إيه؟ هو مش بيحبها، مش غصب عنه يبقى معاها!"
عدلي بابتسامة هادئة لكن نظرته حاسمة:
"طفّيت عين ابنك دي معناها عندك إنه مش بيحبها؟"
فريدة بعصبية:
"مش يمكن لأنه بعيد عن يارا؟ مش يمكن حياته كلها باظت بسبب الجوازة دي؟"
عدلي وهو بيهز راسه:
"الأيام قدامنا، هتثبت مين الصح."
فريدة بصوت واطي مليان شوق وحب جده:
"مش مصدقة يا عدلي إنه بقى أب! اركان كبر للدرجه دي نفسي اشوف عياله ؟"
عدلي بابتسامة ، وهو بيطلع الموبايل وبيوريها صورة الأطفال:
"بصي بنفسك… نسخة من أركان وهو صغير."
فريدة وهي بتبص للصورة وعينيها بتلمع:
"ما شاء الله… اللهم بارك! جمال أوي زيه … عيونهم زي عيون أركان بالظبط…"
عدلي وهو بيتأملها:
"لما تشوفيهم وتحسي اللي أنا حسيته، هتفهمي ليه أركان عمل كده … قلبك هيحن يا فريدة."
فريدة فضلت ساكتة، لكن الصورة فضلت ثابتة في عينيها… لأول مرة، حسّت بحاجة تتحرك جواها، إحساس غريب… يمكن حنين… يمكن خوف من الحقيقة اللي بدأت تظهر قدامها.
في المساء
كانت ليلي قاعدة على الكنبة في أوضتها، لابسة إسدال ، عيونها متعلقة بالشاشة، وإيديها بتضغط على مخدة في حضنها.
صوت المذيع كان بيملأ المكان بحماس:
"وفي مهمة وصفت بالمستحيلة، نجح المقدم أركان عدلي في اختراق واحدة من أخطر العصابات المحلية، وتمكن من إسقاط شبكة تهريب السلاح والمخدرات التي كانت تهدد أمن البلاد. واليوم، يتم تكريمه بوسام الشجاعة من السيد رئيس الجمهورية تقديرًا لمجهوداته العظيمة في حماية الوطن."
الكاميرا جابت أركان وهو واقف على المنصة، وقف قدامها بهيبته المعتادة، البدلة السوداء مفصلة عليه بإتقان كأنها مصنوعة خصيصًا ليه، بتبرز عرض كتافه وقوامه الممشوق. القميص الأبيض تحت الجاكيت زاد ملامحه صرامة، وكرافاته السوداء مربوطة بإحكام، كأنها ختم رسمي لشخصيته اللي صعب اختراقها. عيونه الثابتة كانت بتراقبها بحدة، بينما إيده مستريحة في جيب البنطلون، لكن في أي لحظة ممكن تتحرك بثبات محسوب، زي ما تعود في شغله، بملامحه القوية اللي كانت واثقة لكن عيونه مخبية حاجة أعمق بكتير من الفرح… حاجة محدش حاسسها غير ليلي.
حست بدموعها بتتجمع، مش عارفة هو وجع ولا فخر، هو كسرة قلب ولا إحساس بالخذلان. أركان كان هناك، بيتكرم قدام الدنيا كلها، بيلمع زي نجم في السماء، وهي هنا… قاعدة لوحدها، بعيدة عنه وعن كل حاجة تخصه.
شدت المخدة أكتر على صدرها، ابتلعت غصتها وهي تراقب اللحظة اللي كانت جزء منها لكنها مكنتش فيها. كان نفسها تبقي معاه في اللحظة اللي الكاميرا قربت على وشه وهو بيستلم الوسام، لحظة صمتت فيها الدنيا، وكأن اللي بينهم كان أكبر من المكان والزمان.
همست لنفسها بصوت مليان فرحه:
"مبروك يا أركان… كنت دايمًا تستاهل المجد."
"بينهم السما والأرض، هو فوق وهي تحت، هو الشرق وهي الغرب،… عالمين ضد بعض، بس يا ترى العكس ده هيفرقهم ولا هيقربهم أكتر؟"
رواية زواج في الظل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ياسمين عطيه
قاعة الاحتفال كانت مليانة ناس، كل العيون عليه، تصفيق حار، نظرات إعجاب وفخر، الأضواء كلها مسلطة على البطل اللي حقق المستحيل.
أركان واقف وسطهم، وشه جامد كالعادة، لكنه كان حاسس بحاجة ناقصة، بحاجة مش مكملة الصورة.
أخد الوسام، ابتسم ابتسامة رسمية، سمع كلمات التقدير، لكن ولا لحظة حس إنه مبسوط بجد.
الناس كلها موجودة… أبوه، أمه، غادة، عماد، جده، عمر، أصحابه، قادة البلد، حتى رئيس الجمهورية كان هناك… لكن قلبه كان فاضي.
في اللحظة دي، رفع عينه لا إراديًا، ولقاها داخلة.
يارا.
خطواتها كانت عادية، كأنها حد غريب عدى قدامه بالصدفة. مفيش حاجة جواه اتحركت، لا نبض أسرع، لا شعور بالحماس زي زمان. مفيش حاجة.
حاول يقنع نفسه إنه مش مركز، يمكن عشان عقله مشغول بليلى والعيال، يمكن لأنه مشاعره اتبدلت بسبب اللي حصل بينهم قبل كده. بس لا… مكنش ده السبب.
معقول؟
معقول يكون عمره ما حبها بجد؟ يكون كان متمسك بيها بس عشان العِشرة، عشان الصورة اللي رسمها ليها في خياله؟
قعدت جنبه، بصت له بابتسامة هادية وقالت:
"مبروك."
رد بهدوء:
"الله يبارك فيكي."
سكتت لحظة، عيونها لفت حوالين المكان، وبعدها سألته بصوت هادي لكنه تقيل عليه:
"مراتك وأولادك فين؟"
ما ردش فورًا، كان عارف إن السؤال ده جاي، وعارف إن جوابه مش سهل، لكنها كملت قبل ما يقدر يقول حاجة:
"كنا دايمًا بنتخانق وإحنا صغيرين وأقولك مش هسمي عيالي تاليا وريان، بس أنت سميتهم فعلاً… من واحدة تانية."
جملة صغيرة، لكن وقعها عليه كان عنيف. قلبه اتهز، إحساسه كله اترج، بس ملامحه فضلت جامدة وهو يرد ببرود مصطنع:
"هي مبقتش في حياتي خلاص يا يارا."
سكتت، لكنه شاف في عيونها إنها مش مصدقة، كأنها شايفة اللي هو مش عايز يعترف بيه. بصت له بغموض وسألته:
"هتعمل إيه في اللي جاي؟"
زفر نفس تقيل وقال وهو يبص بعيد عنها:
"عايز أسافر يومين أرتب أفكاري وهرجع."
يارا ضيقت عيونها، كأنها بتفكر في حاجة، وبعدها قالت بهدوء مش مفهوم:
"بتحاول تهرب؟ من نفسك… منها… ولا مني؟"
أركان بص لها بحدة، لكن صوته فضل ثابت وهو يقول:
"أنا لا بهرب منك ولا منها، أنا لأول مرة حاسس إني عايز أرتاح… والفرصة جت وقتها دلوقتي."
يارا اتنهدت:
"لو حابب تتكلم، أنا موجودة… ومستنياك."
مشيت، سابته مع أفكاره، مع قلبه اللي مش عارف يلاقي له مخرج… ومع إحساسه اللي لأول مرة، بقى عاجز عن تحديد طريقه.
***
في الحفلة، الصحاب كانوا مبهورين بأركان، الكل كان بيهزر ويتكلم بحماس، وهو قاعد وسطهم، بس عقله كان في حتة تانية خالص.
أدهم وهو بيقرب منه بابتسامة:
"تصدق يا أركان، المهمة دي لو كان سعادة اللواء أبوك قال لأي حد غيرك يعملها، مستحيل كان حد يوافق! فحظه إنه أبوك، فغصب عليك، أهالينا دول."
ضحكوا كلهم، لكن نظرة أركان مكنتش بتضحك، كانت عينه ثابتة، فيها حاجة مش مفهومة.
عمر وهو بيرمي كلمة بضحكة:
"الصراحة، آه يعني، أنا لو جم قالولي اتجوز عشان شغل، هسيب الشغل!"
ضحكوا بصوت عالي، بس أركان كان ساكت، ماسك كوبايه في إيده وبيضغط عليها كأنه بيحاول يفرغ الغضب اللي جواه. كان في وسطهم، بس في الحقيقة كان بعيد، بعيد أوي…
أركان واقف بهدوء، ملامحه جامدة بطريقة غير معتادة، حتى على شخصيته الجادة. فريده وقفت تراقبه من بعيد، قلبها كان حاسس إن في حاجة غلط. دا ابنها، وعمره ما بان عليه الضعف، بس النهارده… ملامحه مش مجرد برود، دي كأنها انكسار، كأن في حاجة من جواه ماتت.
عدلي كان واقف جنبها، حس بنظراتها، فهم من غير ما تسأل، بص ناحيته بحذر، وكأن عنده نفس التساؤل: "هو مالُه؟"
فريده همست لنفسها وهي تبص ناحية الباب لما شافت يارا داخلة، لابسة فستانها الفاخر، متألقة زي العادة…
"طب ما هي يارا أهي، جت عشانه، يبقى إيه اللي ناقص؟ ليه لسه مكسور؟"
عينها رجعت تاني على ابنها، بس لقيته مابصش ليارا حتى، كأنها مجرد شخص عادي مر قدامه. المرة دي قلبها اتقبض أكتر… يمكن بسبب ولاده؟ يمكن بسبب المهمة؟ ولا يمكن… بسبب ليلى؟
عدلي قرب منها شوية وهمس بصوت واطي:
"ابننا موجوع، ومش قادر يعترف."
فريده بصت له بحيرة، حسّت إنها خلاص فهمت… بس السؤال الحقيقي: "هيعترف إمتى؟"
***
أوضة ليلى
دخلت أسماء وهي شايلة ابن أميرة على كتفها، بصت لليلي بضحكة وقالت:
"يا ليلي، الواد ابن أختك دا هاري تاليا بوس رايح جاي، وبيقولها يا تاليتي! صدق فعلاً إنه هيتجوزها بجد… ده لو هيزنها دهب مش هنجوزهالوا، معندناش بنات للجواز كده بالساهل!"
ليلي، اللي كانت عينيها لسه مبلولة بالدموع، مسحتها بسرعة عشان محدش ياخد باله.
أسماء لمحت نظرتها المشتتة وهي باصة للشاشة اللي قدامها، قامت على طول وطفت التلفزيون، وقعدت جنبها بحنية، محاولة تخفف التوتر اللي في الجو. قالت بمرح وهي بتقرصها في دراعها:
"لا بقولك إيه، إحنا هنعمل سبوع يكسر الدنيا عشان العيال، فرح رسمي بقى!"
ليلي حاولت تسايرها في الكلام، عايزة تهرب من دوامة التفكير، فردت بابتسامة خفيفة:
"طب جهزي كل حاجة بقى، وأنا هاجي على الجاهز… مش قادرة أعمل حاجة خالص."
أسماء ضربت كفها في كفها بتهريج وقالت بمرح:
"عنيا! الجوز وشفتري اللوز ، وإنتِ بس ريحي دماغك."
ليلي فضلت تضحك، وأخيرًا حسّت للحظة إنها بعيدة عن كل الوجع اللي عيشته.
في وسط ضحكهم ،أسر شد ليلي من كتفها وقال بزعل طفولي:
"يا خالتو، أسماء مش راضية تخليني أشيل تاليا، وبتقولي مش هتجوزها!"
ليلي ضحكت بحنية، وخدته في حضنها وهي تمسح على شعره:
"يا أول فرحتي، محدش يقدر ياخدها منك… متغلاش عليك، بس هي لسه صغيرة، استناها لما تكبر."
أسر وهو رافع تلات صوابع قدامها بعيون مليانة إصرار:
"استناها دول!"
ليلي ضحكت أكتر، وباست خدوده بحب:
"اللى انت شايفه."
أسماء وقفت جنبهم، وهي عاملة فيها جدية بس ضحكتها فضحاها:
"آه، استناها 30 سنة!"
أسر بص لها بعيون مستغربة وهو مفكرها بتتكلم بجد:
"هما تلات أيام بس، خالتو قالت!"
ضحكة ليلي علت وهي تبص له بحب، وأسماء زغدته على دراعه وهي بتضحك:
"اه يا شقي، ربنا يستر علينا منك بقى!"
***
في فيلا الجارحي، وبعد انتهاء الحفلة، الكل كان متجمع بأمر الجد. الجو كان رسمي، لكن مشحون بتوتر غريب.
الجارحي بص لكل الحاضرين، صوته كان مليان حزم وثقة:
"أنا مجمعكم عشان الفرح يبقى فرحتين… بعد ما كل حاجة خلصت، واللي كنا مستنيينه يحصل من زمان، هيحصل أخيرًا. مفيش داعي نأجل فرح أركان ويارا."
الصدمة خيمت على الجميع.
أركان نفسه كان واقف بدون أي مشاعر واضحة، مش عارف يفرح ولا يزعل… عنيه مكنتش بتعبر عن حاجة، كأنه مش موجود أصلًا.
عدلي كان شايف إن الجوازة دي مستحيلة، وإن القرار ده متسرع جدًا.
أما فريدة، أول ما بصت لابنها وشافت الضياع اللي فيه، حسّت إنه مش جاهز، وإنه محتاج وقت عشان يعرف هو عايز إيه فعلًا، مش حد يفرض عليه قرارات تانية زي كل مرة.
على الناحية التانية، عماد كان مرحب بالفكرة، شايف إنها خطوة طبيعية بعد كل اللي حصل.
لكن غادة كان وضعها مختلف تمامًا… اتكلمت بصوت هادي لكنه مليان احترام وحزم في نفس الوقت:
"إحنا كلنا بنحترمك يا بابا، لكن الجوازة دي مستحيلة. أركان متجوز دلوقتي، وبقى أب… ولو حضرتك شايف إنه مش بيحبها، فهو لسه مطلقهاش. لما حياته معاها تنتهي وتستقر، ساعتها نفكر في حياته مع يارا. دا طبعًا لو يارا لسه عايزة تتجوزه بعد كل اللي حصل…"
الكل بص ليارا، مستني رد فعلها…
الجد بص ليها وسألها مباشرة:
"إنتِ موافقة يا حبيبتي؟"
يارا، بدون أي تردد، بصت له وردت بثبات:
"أيوه يا جدو… موافقة."
صمت قاتل نزل على المكان.
إزاي؟!
يارا اللي كانت قافلة موضوعها مع أركان نهائي، دلوقتي بتقول إنها موافقة تتجوزه؟!
نظرات الاستغراب والخضة كانت واضحة على وشوش الكل، لكن الجد كان واثق وهو بيكمل قراره:
"يبقى خلاص… هنعمل خطوبة مبدئية، لحد ما إجراءات الطلاق تخلص بسرعة."
الصدمة التانية كانت أقوى من الأولى…
الموضوع مش مجرد إعلان، دي خطة محكمة عشان يتم كل حاجة بسرعة… وكأن حد بيحاول يدفن كل اللي حصل، وينهي القصة قبل ما تبدأ من جديد.
***
في جنينة فيلا الجارحي – ليلًا
(هدوء يخيّم على المكان، أصوات النسيم تتخلل الأشجار، وأضواء الفيلا تنعكس على العشب الأخضر.. يارا واقفة قدام أركان، عنيها بتدور في ملامحه كأنها بتحاول تقرأ اللي مش قادر يقوله، وهو واقف قدامها، إيده في جيب بنطلونه، وملامحه جامدة أكتر من اللازم.)
يارا وهي بتراقب تعابير وشه:
"حاساك مش فرحان إننا هنتجوز."
(عين أركان تلمع للحظة قبل ما يشيح بنظره بعيد كأنه بيهرب، بياخد نفس بطيء، وبيتكلم بصوت هادي لكن جاف.)
أركان وهو بيعدل ياقة القميص:
"لا.. خالص.. أنا بس تعبان من المهمة ودماغي مشغولة بأكتر من حاجة.. أهم حاجة، إنتِ فرحانة؟"
يارا بابتسامة خفيفة:
"آه.. جدًا."
(أركان بيلاقي نفسه بيتفرج عليها وهي بتتكلم، حاجبه بيترفع بخفة وهو بيفكر في كلامها، بيفكر في آخر مرة اتكلموا مع بعض وإزاي كان كلامها مختلف تمامًا.)
أركان بصوت هادي لكنه محمل بشيء مش مفهوم:
"غريبة.. آخر مرة اتكلمت معاكي، قلتيلي كلام غير ده."
(يارا بتتنفس ببطء، بتحرك شعرها الوردي ورا ودنها ، وبعدين بتقرب منه خطوة، عنيها بتلمع تحت ضوء الحديقة الخافت.)
يارا بصوت واثق:
"صدقتك.. عشان إنتَ ما بتكذبش.. طالما قولت اللي حصل بينك وبين ليلى غلطة، فهو فعلًا غلطة.. وإن كان على حملها، فهو غصب عن الكل.. ونصيب.. مش أنا فاهمة صح؟"
(أركان بيتجمد لثواني، بيشيح بنظره بعيد عنها بسرعة، كأنه بيهرب من مواجهة عينيها اللي بتحاول تفهم أكتر مما هو مستعد يقوله.. إيده بتتشابك مع بعضها بعصبية خفيفة، وبياخد نفس بطيء قبل ما يرد بصوت خافت.)
أركان وهو بيبلع ريقه وبيخفي حاجة في قلبه:
"آه.."
(يارا بتلاحظ تردده، عنيها بتتضيق بخفة وهي بتميل بوجهها ناحيته تحاول تمسك نظراته...)
يارا بصوت أهدى لكنه حاد:
"ليه حاسة عينك بتقول حاجة غير كده؟"
(الصمت بيستمر.. أركان مش قادر يرفع عينه ليها، كأنه لو بص فيها هتعرف كل اللي مش قادر يعترف بيه.. في اللحظة دي، يارا بتاخد خطوة صغيرة ناحيته، بتقرب كفاية لدرجة تقدر تلاحظ التوتر اللي ظهر في عينيه رغم كل محاولاته إنه يخفيه.)
أركان بصوت منخفض لكنه حاد:
"إنتِ عايزة تسمعي مني إيه بالظبط، يارا؟"
يارا بابتسامة هادية:
"مش عايزة أسمع حاجة .. عايزاك تكون مبسوط بس وإحنا مع بعض."
(أركان بيلف وشه لها ببطء، عنيه بتتأمل ملامحها.. كلامها كان المفروض يريّحه، يفرّحه.. يارا، حبيبته اللي كان بيحبها من سنين، لسه متماسكة بيه، بتحبه، وعايزة تكمل حياتها معاه، كل حاجة رجعت زي ما كانت.. المفروض يحس إنه مرتاح.. المفروض..)
(لكن هو مش مبسوط.. ليه؟ ليه كل حاجة في الحياة دي بقت تقيلة عليه؟ ليه كل حاجة كان بيتمناها زمان، بقت دلوقتي كأنها سجن عايز يهرب منه؟)
(بياخد نفس بطيء، إحساس الاختناق بيزيد، كأن الدنيا بتضيق عليه.. فجأة بيحس إنه عايز يهرب.. لكن يهرب على فين؟ أكيد مش عند ليلى.... مش عند الفوضى اللي جوه قلبه.. بس برضه، مش قادر يفضل هنا.)
(نظره بيتحرك بعيد، بعيد عنها، بعيد عن كل حاجة)
***
كانت فريدة واقفة قدام المرآة بتعدل طرحتها، وهي شايفة عدلي بيلبس. قربت منه وسألته بنبرة فضولية:
"رايح فين يا عدلي كده؟"
رد عليها وهو بيلبس ساعته:
"هروح سبوع ريان وتاليا."
رفعت حاجبها بدهشة:
"هو النهاردة؟"
عدلي بابتسامة خفيفة:
"آه، جدتهم اتصلت وعزمتني."
تقدمت خطوتين ناحيته وقالت بهدوء:
"طب هو أنا ينفع أجي؟"
بص لها عدلي للحظة، وبعدها هز رأسه بموافقة:
"آه ينفع، البسي وتعالي."
خرجوا سوا وركبوا العربية، وأثناء ما كانوا بيجهزوا للانطلاق، يارا كانت واقفة في الجنينة مع أركان، لمحتهم فسألت بنبرة مستغربة:
"رايحين على فين كده؟"
عدلي وهو بيركب العربية:
"سبوع ريان وتاليا."
اتسعت عيون يارا وخدت خطوة لقدام:
"أنا عايزة أجي معاكم."
قبل ما عدلي يرد، فريدة التفتت لها بحرج وقالت:
"لو الموضوع مش هيضايقك، تعالي."
هزت يارا رأسها بسرعة:
"لا خالص، أنا حابة أجي معاكم."
ثم التفتت لأركان وقالت:
"ما تيجي انت كمان يا أركان؟"
أركان كان واقف ببرود، عيونه فيها لمعة غريبة، هز رأسه بمعنى "لا"، وقال بصوت هادي لكنه قاطع:
"روحوا انتوا."
فريده حست بحاجة غريبة في نبرته، كأنه بيهرب من حاجة جواه، لكنه قرر يدفنها بدل ما يواجهها...
***
جنينة البيت الصغير عند ليلى.. الزينة البسيطة معلقة على الأشجار، أنوار ملونة خافتة بتدي المكان دفء، والترابيزات الصغيرة مليانة حلويات وأكياس السبوع التقليدية.. صوت زغاريد أم ليلى "فوزية" مالي الجو، والضحك منتشر في المكان.. الترابيزة في النص، وعليها سريرين صغيرين، واحد فيهم نايم فيه "ريان"، والتاني فيه "تاليا"، اللي بتحرك إيديها الصغيرين في الهواء.
(ليلى واقفة جنب السريرين، لابسة جلابية بيت واسعة لكن شكلها أنيق،ووشها فيه إرهاق، لكن ملامحها مليانة رضا وفرحة.. عنيها بتتنقل بين التوأم وكأنها لسه مش مستوعبة إن دول ولادها.. قلبها بيدق بسرعة كل ما تبص عليهم.)
أسماء وهي بتضحك وتمد إيدها تداعب خد تاليا:
"يا ناس على الجمال.. تاليا شعرها شبهك بالظبط يا ليلى!"
أميرة وهي تبص لريان:
"بس الولد واخد من أبوه.. نفس النظرة اللي تخوف!"
(ليلى بتضحك بخفة، بس عنيها بتهرب بعيد للحظة، كأنها بتتجنب تفكر في كلام أميرة.. بتاخد نفس عميق، وترجع تبص لعيالها.)
فوزية وهي توزع الشربات بحماس:
"صلوا على النبي، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد!"
(أصوات التهليل والتكبير بتملأ المكان، والكل بيتبسم، وفجأة "أسر"، ابن أخت ليلى، بيجري ناحيتها، ماسك شخشيخة، وعينيه بتلمع وهو يبص على تاليا.)
أسر بحماس وهو يشاور على الطفلة الصغيرة:
"خالتو ليلى.. كده تاليا كبرت.. ينفع أتجوزها؟"
(ضحكة عالية بتنفجر من اللي حواليهم، وفوزية تمسك بطنها من الضحك، اميره تمسح دموع عينيها من كتر الضحك.. ليلى تنفجر في ضحكة هي كمان، تمسك خدوده وتقرصها بحنية.)
أميره وهي تضحك:
"يا واد بقى، دي لسه مولودة!"
أسر بعناد وبراءة:
"ما هو لما أكبر هتكون كبرت برضه!"
(الضحك يستمر، والمزيكا التقليدية تشتغل، وفوزية تبدأ ترقص بخفة وسط تصفيق وضحك الحاضرين.. ليلى تبص لولادها تاني، عنيها تمتلئ بمشاعر متلخبطة، بس بسرعة تهز رأسها كأنها بتطرد أي أفكار.. النهاردة يوم فرح، ولازم تفرح.)
وأثناء ما الجو مليان فرحة وضحك، فجأة الحركة بتهدى شوية لما الباب يفتح ويدخل عدلي ومعاه فريدة ويارا.. الحضور بيتلفتوا ناحيتهم، والهدوء بيسيطر للحظة، قبل ما فوزية تكسر الصمت.
فوزية وهي تفرش ابتسامتها:
"نورتوا.. اتفضلوا!"
(عدلي بيهز رأسه بابتسامة هادية وهو يبص على ليلى، عنيه بتمسح المكان بسرعة، كأنه بيتأكد إن كل حاجة تمام.. فريدة بتدخل ووقفتها فيها رهبة، ست عظيمة، شكلها بيفرض احترامها، لكن عنيها فيها لمعة مختلفة وهي تبص على السريرين الصغيرين.. بتاخد نفس عميق، وقلبها يدق بسرعة وهي تقرّب، كأنها بتحاول تخفي تأثرها.)
فريدة بصوت هادي لكنه مشدود:
"دول.. تاليا وريان؟"
(ليلى بتبلع ريقها وهي تهز رأسها، عنيها بتتحرك بسرعة بين فريدة والتوأم.. كانت متوقعة نظرة استنكار أو برود، لكنها لقت حاجة تانية.. حاجة شبه الحنان.. فريدة بتمد إيديها بهدوء، تلمس خد تاليا بخفة، والأمومة اللي جواها بتطغى غصب عنها.)
فريدة وهي تهمس لنفسها:
"سبحان الله.. نسخه من أركان .."
(ليلى بتراقبها في صمت، ملامح فريدة بتتغير، القسوة اختفت.. الحاجة الوحيدة اللي باينة في وشها هي الفرحه .. جواها صراع، بس الحب أقوى، وده ظاهر في طريقتها وهي تبص لريان اللي نايم بملامحه الهادية، نسخة من أبوه.)
(وسط المشهد ده، ليلى بتحس بحركة، فبتلف وشها، وعنيها بتقع على يارا.. لأول مرة تشوفها قدامها، مش مجرد اسم سمعته.. جميلة، مهندمة، كل حاجة فيها لايقة على أركان.. ليلى بتاخد نفس عميق، وتحس بحاجة غريبة.. إحساس بالخسارة.)
ليلى (في سرها):
"عنده حق يحبها.."
(يارا بتاخد خطوة ناحيه ليلي، تبتسم بسمة ناعمة، وتقول بصوت ناعم بس قاطع.)
يارا:
"على فكرة.. خطوبتي على أركان الخميس الجاي."
(الجملة بتقع على ودن ليلى تقيلة.. صوت الضحك اللي كان مالي المكان فجأة بيختفي بالنسبالها، وكأن كل الأصوات تلاشت.. بتحس بقلبها بينزل لتحت، حاجة بتوجعها جواها، حتى لو مش عايزة تعترف بده.. بتحاول تبتسم، تبان عادية، بس عنيها بتفضح كل حاجة.)
(بتاخد نفس، تهز رأسها، وتحاول ترد بهدوء، لكن صوتها بيطلع أوطى بكتير مما توقعت.)
ليلى:
"مبروك.."
(يارا بتبتسم ، وعنيها بتفضل ثابتة على ليلى، كأنها مستنية تشوف رد فعلها.. لكن ليلى مش بتديها الفرصة، بتلف وشها ناحية التوأم، وتحاول تركز فيهم، كأنهم المنقذ الوحيد لها دلوقتي من المواجهة دي.)
(عدلي بيحس بالتوتر، فيحاول يغير الجو)
(فوزية، أم ليلى، واقفة في النص، ماسكة الغربال اللي هيتعمل فيه طقس التخطي.. عنيها بتلمع بفرحة وهي تنادي بأعلى صوتها.)
فوزية:
"يلا يا جماعة، لازم تخطي فوق عيالك سبع مرات!" عدي يا ليلى عشان عيالك يبقوا رزقهم واسع وعمرهم طويل!"
(ليلى، بجلابيتها البيت المريحة، تضحك بخجل، لكنها ترفع راسها بحماس وتمسك فستانها بخفة، قبل ما تبدأ تخطي فوق الغربال اللي فيه التوأم، ووشها مشع بالسعادة. الحاضرين يصفقون، والزغاريد تملأ المكان.)
(بعد التخطي، صوت "دقوا الطبل.. دقوا الطار.. سبوع ابننا زين الأنوار!" بيشتغل، ويبدأوا طقس "دق التوم"، حيث تمسك فوزية فصين توم وتدقهم جنب ريان وتاليا وهي تقول بصوت عالي مليان بركة ودعوات.)
فوزية:
"اللهم احفظهم من العين والحسد، واجعلهم من الصالحين يا رب!"
(بعدها تقول: "اسمع كلام أمك وكلام أبوك!")
(أسماء، صاحبة ليلى، تخطف الهون منها بضحكة وتقول بحماس وهي تهزها فوق رأس ريان.)
أسماء:
"اسمع كلام أمك وما تسمعش كلام أبوك! خدها قاعدة يا واد!"
الناس ينفجرون في الضحك
(فوزية تضحك وهي تحط إيديها على كتف ليلى بحنان، بينما أميرة، أخت ليلى، تمد إيديها تاخد ريان وتهمس بحب.)
أميرة:
"ربنا يحفظكم يا حبايبي، ويجعلكم قرة عين لأمكم."
(وسط الجو العائلي الدافئ، عدلي بيقف من بعيد، عينه بتتنقل بين ليلى والتوأم ،مش مصدق إن دي نتيجه المهمه انوا بقى جد، وفريدة واقفة جنبه، ملامحها متغيرة.. كانت رافضة الجوازة، لكن قدام المشهد ده، وقلبها اللي دق لما بصت لأحفادها، بتلاقي نفسها بتبتسم غصب عنها، وفي عيونها لمعة حنان ما كانتش متوقعة تحسها.)
(وسط الجو الفرِح، الأطفال الصغيرين يجرون حوالين الترابيزة، يلمّون أكياس السبوع المليانة حمص ومغات وفول سوداني(وسط كل الفرح، ليلى بتاخد لحظة لوحدها، بتبص على ابنها وبنتها، عنيها بتتلين وهي تحس بمشاعر غريبة.. فرحة، خوف، مسؤولية.. وسؤال بيتكرر جواها، تهمس بيه لنفسها وهي توطي تحضنه بخفة.)
ليلى (بصوت خافت وهي تلمس خد ابنتها):
"أبوكم لو كان هنا.. كان هيبقى فرحان ولا..؟"
(لكنها بسرعة بتمسح الفكرة من دماغها، بترجع تبص حواليها، بتقرر تستمتع باللحظة، بالناس اللي حواليها، وبالفرحة اللي أخيرًا داقت طعمها.. حتى لو كان ناقصها حاجة، أو حد..)
لكن وسط ده كله، هو كان واقف بعيد.. بعيد قوي، بس شايف كل حاجة.
(عينيه كانت مثبتة عليها، على ليلى.. على التوأم اللي ملفوفين في بطانيات صغيرة، شكلهم بريء كانوا عياله، دمه، لحمه، لكنه لحد دلوقتي ما لمسهمش، ما شالهمش، ما بصش في عينيهم وهو عارف إنهم ليه..
(صدره كان بيوجعه، مش عارف ده فرح ولا وجع، ولا اتنين مع بعض.. كان عايز يروح، يشيلهم في حضنه، يحس بيهم، يلمس إيديهم الصغيرة، يسمع صوتهم.. لكن رجليه مشلولة قلبه متلخبط، عقله بيحاول يقنعه بحاجة، لكن عقله بيقول حاجة تانية.
(ابتسامتها وهي بتبص لهم.. الطريقة اللي لمست خد بنتهم.. الهمسة اللي قالتهالو الهوى ووصلت له قبل ما يسمعها بأذنه، كانت كافية تهز كيانه.)
أركان (بهمس وهو عينه عليهم):
"أنا هنا.. كنت هنا طول الوقت."
(يبلع ريقه بصعوبة، يحاول يسيطر على مشاعره، لكن فكرة واحدة بتزن في دماغه.. اللي كانت من شهور ماشية قدامه ببطنها الكبيرة، كانت شايلة حياته جوه، والنهاردة.. النهاردة بقت أم، هي كويسه قدامه ودي اكتر حاجه مفراحه .
(عينه تنزل على رايان وتاليا.. بيقولوا شبهوا ، شايف نفسه فيهم رغم إنه ما لمسهمش، ما حضنهمش، ما نطقش باسمهم.. قلبه يتقبض، إيده تتحرك لا إراديًا كأنه هيقدم خطوة.. لكنه يتراجع، يعض شفايفه بحسرة)
بيحس بوجود حد جنبه، يلتفت يلاقي عدلي واقف، نظراته هادية بس مليانة فهم لكل حاجة بتحصل جواه.
عدلي (بهدوء وهو بيبص ليه):
"مش عايز تشوف ولادك؟"
أركان (يزيح نظره بسرعة ويرجع يبص قدامه):
"مالوش لازمة.. هي كويسة، العيال كويسين، وأنا.. أنا مكاني مش هنا."
عدلي (ساخرًا وهو يهز رأسه):
"آه طبعًا.. مكانك مش هنا، بس واقف مرابط بقالك ساعة بتبص عليها وعلى عيالك!"
(أركان يضغط شفايفه بغضب مكبوت، ينقل نظره بعيد كأنه بيهرب، لكنه ما يقدرش ينكر الحقيقة اللي عدلي شايفها بوضوح.)
أركان (بصوت هادي لكنه مش ثابت):
"أنا مش عايز أعلقها بيا.. ليلى دلوقتي عندها حياتها، وأنا عندي حياتي، مش عايز ألعب بمشاعرها، مش عايز أوهمها بحاجة مش موجودة."
عدلي (يبتسم بهدوء، نبرته مليانة يقين):
"وأنت متأكد إن مشاعرك مش موجودة؟"
أركان (بعصبية وهو يعدل ياقة قميصه):
"مش موضوعي دلوقتي يا بابا! هي تستحق حد يحبها بجد، حد يبقى واثق من مشاعره، مش حد زيي مش عارف هو عايز إيه.."
عدلي (يحط إيده على كتفه، صوته مليان جدية):
"وهو أنت مش عارف فعلًا؟ ولا بتكابر؟"
(أركان ما يردش، يفضل ساكت، لكن تعابيره كلها صراع، كأنه بيحارب فكرة مش عايز يعترف بيها.. عدلي يتنهد، يشاور بعينه ناحية ليلى اللي بتضحك وهي بتلاعب تاليا، الفرحة واضحة في وشها، لكنه يقدر يلمح الحزن الخفيف اللي مستخبي في عيونها.)
عدلي (بهدوء):
"بص عليها.. بص على الضحكة اللي لسه فيها غصة.. على الفرحة اللي ناقصها حاجة.. ناقصها حد."
(أركان ياخد نفس عميق، يحاول ما يركزش في كلامه، لكنه غصب عنه بيبص.. وبيحس، وكل حاجة جواه بتتهز.)
عدلي (بصوت هادي لكنه حاسم):
"أنت بتحبها.. متعندش مع نفسك، كفاية اللي فات.. كفاية تضيع كل اللحظات الحلوة دي، اللي مش هترجع تاني."
(أركان يحس بكلماته تضرب جواه.. يعرف إنه مش سهل يعترف، مش سهل يواجه نفسه، بس الأكيد إنه مش قادر ياخد خطوة للوراء.. ومش متأكد لو كان عنده الشجاعة ياخد خطوة لقدام.)
(أركان يسيب أنفاسه ببطء، عيونه متعلقة بليلى والتوأم، كلام عدلي مش سهل، بيهزه، بيفتح جواه حاجات كان بيحاول يقفلها.. يحاول يهرب من الحوار، لكنه يحس بإيد عدلي بتضغط على كتفه، تجبره يفضل واقف في المواجهة.)
أركان (بصوت هادي لكنه مش ثابت):
"أنا مش عايز أظلمها.. مش عايز أخليها تعيش على أمل مش موجود."
عدلي (يبتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز راسه):
"وأنت فاكر إنك مش ظالمها كده؟ أنت محسسها إنك مش موجود، بتكسر قلبها وهي بتحبك وانت كمان بتحبها بس بتكبر نفسك عشان مقتنع بفكره انه مستحيل يحصل بس حصل كان نصيبك تحبها وتعيش كل اللي عيشته معاها
(أركان يشد حواجبه، يحس بجملة عدلي بتخبط فيه بقوة.. هو فعلًا واقف في النص، لا قادر يبعد، ولا قادر يقرب، حابسها معاه في نفس الدائرة اللي مش عايز يعترف بوجودها.)
عدلي (بهدوء وهو بيحط إيده في جيبه):
"بس خليني أقولك حاجة.. مش كل مرة هتلاقيها مستنياك، مش كل مرة هتبص في عيونها وتلاقيك أنت فيها.. في وقت، لو فضلت زي ما أنت، هتلف تلاقيها مشيت، وتأكد ساعتها إن الندم مش هينفع."
(أركان يحس بحرارة الكلام، يحاول يتمسك بجدار البرود اللي عامله لنفسه، لكنه ينهار شوية.. عيونه ترجع لليلى، تراقبها وهي بتهزر مع أسماء وأميره، تاليا في حضنها، ورايان مع فوزية.. شكلها بقى مختلف، أمومتها زادت في ملامحها، في نظرتها، بس حاجة واحدة لسه زي ما هي.. قلبها، اللي كان دايمًا مليان بيه.)
أركان (بصوت خافت، كأنه بيكلم نفسه):
"وأنا.. وأنا هعرف أحبها بالشكل اللي تستحقه؟"
عدلي (بابتسامة صغيرة):
"إنت أصلاً بتحبها، بس مش راضي تعترف.. والحب عمره ما كان له شكل ثابت، المهم إنك تكون عايزها، وإنك تحاول."
(أركان يبلع ريقه، أول مرة حد يواجهه بالحقيقة اللي كان بيهرب منها، يسيب نظره على ليلي للحظات، قبل ما يبعده بسرعة، كأنه خايف يتورط أكتر، خايف يعترف، خايف يقرب..)
أركان (يحرك راسه بإصرار):
"لسه مش قادر يا بابا.. مش قادر."
(عدلي يبتسم بحكمة، كأنه متوقع الرد، لكنه مش مستعجل، يربت على كتف أركان بخفة، ويهمس له بكلمة أخيرة قبل ما يسيبه للدوامة اللي بيدور فيها لوحده.)
عدلي:
"لما تبقى قادر، يا ترى هتلاقيها لسه مستنياك؟"
(أركان يحس بقلبه بيضرب أسرع، ما يعرفش الرد، لكن اللي يعرفه إنه لأول مرة، الفكرة دي تخوفه.. لأول مرة، يحس إنه لو سابها تروح، مش هيقدر يرجّعها تاني.)
***
بعد مرور يومين
أركان واقف قدام البحر، الموج بيضرب في الصخور بصوت هادي لكنه مستمر، الهوا بيلعب في شعره، والبرد بيقرص في ملامحه، لكنه مش حاسس بحاجة.. غير اللي جواه.
(يحط إيده في جيوبه، يبص للأفق البعيد، كأنه بيدور على إجابة وسط المية، بس البحر زي عقله.. مفيش حاجة واضحة، كله متشابك، كله غامض.)
أركان (بصوت داخلي، وهو بيشد نفس عميق):
"البحر واسع، زي المسافة اللي كنت فاكر إني خلقتها بيني وبينها.. بس الحقيقة إن المسافة دي ما كانتش موجودة غير في خيالي، في قلبي.. أنا عمري ما بعدت فعليًا."
(يمسك حجر صغير، يرميه في المية، يتابع التموجات اللي انتشرت، بالظبط زي اللي حصل جواه.. ليلى كانت الحجر اللي اترمى في حياته، هز كل حاجة، وماسابش حاجة مكانها.)
أركان (بصوت خافت، وهو يغمض عينيه):
"أنا بحبها؟ طب حصل إمتى؟ إزاي؟"
(يفتح عينيه بسرعة، كأنه بيرفض الاعتراف، يحرك راسه بضيق، ويتمتم لنفسه.)
أركان:
"الحب ما بيجيش كده.. الحب لازم يكون ليه مقدمات، مشاعر بتكبر واحدة واحدة، حاجات متخططة، مش مجرد لحظة تغير كل حاجة."
(لكن عقله يرد عليه بصورة ليلى وهي بتضحك في السبوع، وهي شايلة تاليا ورايان، نظرتها لما كانت بتبص لولاده، نبرة صوتها لما قالت اسمه بحنية.. قلبه يضرب بسرعة، وكأنه بيكذّب كل محاولاته للإنكار.)
أركان (يهمس، وكأنه بيسأل البحر):
"طب لو ما كانش حب.. كان إيه؟"
حس بنفس الشعور اللي غلبه لما شاف ليلى نايمة في أوضتها، ضعيفة بس عايشة، أمانه لسه موجودة في الدنيا.
وقتها بس فهم… الحب مش فكرة، الحب مش اسم بنت كبر وهو فاكر إنه بيحبها. الحب كان جوه قلبه طول الوقت، بس مش مع يارا.
(الهوا يشتد شوية، الموج يعلى كأنه بيرد، لكن أركان يفضل واقف، يحس بقبضة غريبة في قلبه، إحساس إنه كان بيحارب حاجة، لكنه خلاص بقى عارف.. هو عايزها، بجد.. مش مجرد رغبة، مش مجرد تعلق.. هو محتاجها تكون في حياته.)
(ياخد نفس طويل، يبص حواليه، يحس إن الدنيا فاضية من غيرها.. لو كانت هنا، كانت هتقعد ترمي رمل عليه وتضحك، كانت هتقول حاجة تهزر بيها، كانت هتبص له بالبصة اللي كانت بتلخبطه.. بس هي مش هنا.)
**أركان (يتمتم لنفسه بابتسامة حزينة):**
"وحشتيني.."
صوت البحر لسه في الخلفية، لكن صوته بدأ يختفي لما صوت الرنة العالية قطع تفكير أركان. بسرعة طلع الموبايل من جيبه، ولما شاف اسم جده " الجارحي" أخد نفس ورد بصوت ثابت، لكنه اتغير لما سمع الجملة الجاية.
الجارحي (بصوت حازم وجاد):
"يلا يا أركان، المأذون هنا، هتطلق ليلى وتكتب كتابك على يارا، مفيهاش نقاش."
رواية زواج في الظل الفصل الثلاثون 30 - بقلم ياسمين عطيه
الجارحي: "يلا يا أركان، المأذون هنا، هتطلق ليلى وتكتب كتابك على يارا، مفيهاش نقاش."
الدنيا لفّت بيه، للحظة حس إنه مش سامع غير صدى الكلام في دماغه، كأن جده بينهي كل حاجة بكلمة.. يطلق ليلى؟
لحظة صمت قاتلة، البحر اللي كان بيجاوبه على أسئلته بقى ساكت، الهوا اللي كان بيخبط في وشه بقى مالوش تأثير.. أركان واقف متجمد، الموبايل في إيده، والجملة الوحيدة اللي بتلف في دماغه: "هتطلق ليلى".
الحاجة اللي كان هربان منها، اللي كان بيقنع نفسه بيها، اتحولت لحقيقة، مش مجرد فكرة بتيجي وتروح.. دلوقتي القرار في إيده، والوقت مش في صالحه.
قفل المكالمة بسرعة من غير ما يرد، مفيش وقت للكلام، أول حاجة عملها إنه جري نحية عربيته، فتح الباب بقوة، ركب وداس بنزين بكل سرعته، مش شايف الطريق، مش حاسس بالدنيا، هو بس عارف إنه لازم يوصل، لازم يلحق.. قبل ما كل حاجة تضيع منه.
بص لنفسه، للملامح اللي حافظها كويس، بس النهاردة حاسس إنه مش عارفها. كأنه شخص تاني... شخص تايه.
همس بصوت واطي كأنه بيكلم نفسه: "انا لو حبيت يارا بجد، مكنتش مشاعري اتحركت لليلى..."
الحروف طلعت من بُقه ببطء، كأنها اعتراف بيهزم كل اللي كان فاكر إنه عارفه. قلبه دق بسرعة، أسرع من الطبيعي، كأنه أول مرة يسمع الحقيقة بصوت عالي.
كمل كلامه، عينه بتلمع بشيء بين الخوف واليقين: "مكنتش ازعل لفكرة إنها هتبعد عني..."
كتم أنفاسه لحظة، كأنه بيستوعب، كأنه كل تفصيلة صغيرة كان بيتجاهلها بتضرب في وشه دلوقتي. جسده كان متوتر، إيده شدت على حرف، صوابعه بيضغطوا بقوة كأنه بيتشبث بحاجة تمنعه من الانهيار.
"اللي عاشته مع ليلى مش هقدر أتخطاه بسهولة..."
كأنه قالها لأول مرة، كأنه دلوقتي بس فهم، حرك رأسه ببطء، عينيه كانت شاردة، بس عقله كان مليان بيها... ضحكتها، كلامها، لمستها، نظرتها لما كانت بتتألم بسببه.
بلع ريقه، صدره ارتفع ونزل بنفس بطيء، لكنه حس إن حاجة تقيلة كانت قاعدة على قلبه، وبدأت تتفكك.
"مش هقدر أكمل حياتي عادي من غيرها..."
عقله كان بيرجع لكل لحظة عاشها معاها. رفع إيده وحطها على صدره، كأنه بيحاول يحس بالفراغ اللي سابته، كأنه بيقيس المسافة اللي ما بينه وبينها، واللي رغم بعدها، كانت أقرب حاجة ليه.
بص لنفسه تاني في مراية العربيه، بعيون مليانة يقين. سأل نفسه، بس المرة دي كان عارف الجواب: "تحب تكمل مع مين؟"
ولأول مرة، من غير أي تردد، عقله وقلبه جاوبوا بصوت واحد: "ليلى."
وأخيرًا... مكنش محتاج يقنع نفسه أكتر، مفيش جدال ولا صراع جواه، الحقيقة كانت واضحة زي الشمس... هو محبش غير ليلى من البداية، حتى لو أنكر، حتى لو حاول يهرب، قلبه وعقله أخيرًا اتفقوا — هي وحدها اللي ملكت روحه من الأول للآخر.
إيده كانت مشدودة على الدريكسيون، صوابعه بيضغطوا عليه بقوة كأنه لو سابه لحظة، الدنيا هتفلت منه، زي ما ليلى بتفلت من حياته دلوقتي.
العربية كانت بتجري في الشارع بسرعة جنونية، الكاوتشات بتصرخ مع كل لفة حادة بياخدها، بس مكنش فارق... أي حاجة تهون إلا إنها تضيع منه.
عينه كانت مسلطة على الطريق، بس عقله كان هناك... عندها. عند نظرتها الأخيرة ليه، عند الحزن اللي كان بيغرق عنيها، مش هيقدر يستحمل بعدها. قلبه كان بيدق بسرعة، أسرع حتى من سرعة العربية اللي بتشق الطريق.
"اطلقها؟" الكلمة لسه بتدوي في دماغه كأنها صفعة. كأنها سكين مغروس في صدره. جده ممكن يطلب اللي هو عايزه، الدنيا كلها ممكن تضغط عليه، بس مستحيل... مستحيل يسيبها.
نفسه كان تقيل، عينه بتلمع بالغضب والتصميم، داس على البنزين أكتر، كأن السرعة هي اللي هتوصله ليها قبل ما يفوت الأوان.
"استنيني يا ليلى... أنا جايلك."
الكباري، الشوارع، الإشارات، كل حاجة كانت بتعدي جنبه بسرعة، عقله مش شايف غير صورة واحدة... هي، وهي بتمشي بعيد عنه، وهي بتعد، وهي بتختفي.
حس بحرارة في عينه، بغصة في حلقه، بألم في صدره مش عارف حتى يترجمه... كل اللي كان حاسه إنه لازم يوصل، لازم يلحقها، قبل ما تضيع منه للأبد.
عينيه كانت تعبانة، حمرا من قلة النوم والتفكير. نفس تقيل خرج منه، إيده رفعتها ومسحت وشه بعنف كأنه بيحاول يصحى من دوامة المشاعر اللي ساحباه لتحت. بس مهما حاول، الحقيقة كانت بتفرض نفسها عليه.
على الجانب الآخر، في بيت ليلى، كل الناس متجمعة، الجو مش جو فرح، بالعكس.. هدوء غريب، نظرات حزينه متبادلة بين الكل، ليلى واقفة في النص، ماسكة نفسها بالعافية، عنيها بتلمع بس مش بتتكلم.. المأذون قاعد، الورق قدامه، الجارحي قاعد بملامح صارمة، جنبه عدلي وعماد، وفريده. يارا واقفة جنب أمها غادة.
أميرة، أخت ليلى، كانت واقفة جنبها، حاسة بارتباك أختها، قربت منها ووشوشتها بخوف.
أميرة (بهمس): "ليه ساكتة؟ قولي أي حاجة، رافضة، معترضة.. متسكتش كده."
ليلى تبص لها نظرة قصيرة، وبعدين تنزل عينيها، إيديها مشدودة على بعضها، قلبها بيخبط في صدرها، لكن صوتها لما خرج، كان هادي بطريقة غريبة.
ليلى (بهدوء حزين): "أنا ماليش رأي.. مش دي النهاية اللي كانت معروفة من الأول؟"
فوزية، أم ليلى، كانت قاعدة على كرسي بعيد، ماسكة تاليا ورايان في حضنها، بتبص للي بيحصل بحزن، قلبها مقبوض، عايزة تقول حاجة، تعترض بس مافيش حاجه في ايديها.
في اللحظة دي، صوت فرامل عربية جامد برا قطع الصمت، كل العيون اتوجهت ناحية الباب، وبعد لحظات.. الباب اتفتح بعنف، وظهر أركان.
واقف، صدره بيطلع وينزل بسرعة من الجري، عينيه بتلمع بشيء غريب، لكنه ما بصش لحد.. غير ليلى.
بينهم مسافة، لكن عنيهم قالت كل حاجة.. ليلى حست إنها أول مرة تتنفس من ساعة ما بدأ الموضوع، وأركان لأول مرة يلاقي إجابة لكل الأسئلة اللي كانت شغلاه.. الإجابة كانت قدامه، في عنيها، في رعشة شفايفها، في إحساسه لما لقاها على وشك إنها تخرج من حياته للأبد.
الجارحي (بحدة وهو يرفع حاجبه): "اتأخرت، المأذون مستنيك، اقعد خلص الورق."
لكن أركان، لأول مرة، ما سمعش كلام جده.. لأول مرة، ما فكرش في أي حاجة غير حاجة واحدة.. إنه مش هيمشي في الطريق ده، إنه مش هيسيبها، وإنه حتى لو مش مستعد يعترف لنفسه، فهو عارف إن القرار ده لازم يكون هو اللي ياخده.. مش حد غيره.
بخطوات واثقة، رغم التوتر اللي في قلبه، أركان اتحرك.. لكن مش نحية المأذون، اتحرك نحية ليلى.
أركان (بصوت واضح، قوي رغم كل اللي حاسس بيه): "أنا مش هطلق."
لكن صوته يختفي، إيده تتحرك لا إراديًا، وفجأة يقوم.. يقرب منها بخطوات سريعة قبل ما تفهم أي حاجة، يشدها في حضنه بقوة، يحضنها كأنه بيحميها من العالم كله، يبوس راسها وهو صوته بيهتز.
أركان: "أنا مش هطلقها.. مش هسيبها.. مش هبعد عنها أبداً!"
ليلى تتجمد، تحس بضربات قلبه السريعة على خدها، تشد نفسها من حضنه وهي مش مصدقة، تبص له بعينين واسعة، تحاول تقرأ اللي جوه عينيه.
ليلى ( بصدمه): "بس ازاى إنت مش بتحبني."
أركان يتشنج، كأنه اتضرب في مقتل، يقرب منها خطوة، صوته يكون هادي لكنه مليان غليان جواه.
أركان: "ومين قال لك إني ما بحبكيش؟"
ليلى تتجمد، تتنفس بصعوبة، تضحك بسخرية حزينة، تلف تبص له عن قرب.
ليلى (بمرارة): "بجد؟ طب قولها تاني.. قولها وأنت باصص في عيني، وقولها وإنت مصدقها، وإنت مش بتقولها عشان اي سبب غير انك. بتحبني بجد."
أركان يفضل ساكت للحظة، لكنه يقرر إنه ميهربش، يقرب أكتر، يحط إيديه على وشها، يجبرها تبص له، وعينه تكون مليانة بكل اللي كان حابسه طول الوقت.
أركان (بصوت متحشرج ومليان إحساس): "بحبك.. بحبك من قبل حتى ما أفهم إني بحبك، بحبك رغم إني ما كنتش عايز، رغم إني كنت بهرب، رغم كل حاجة، بس الحقيقة الوحيدة إني ما أقدرش أتخيل حياتي من غيرك."
أركان (ينظر لها بعيون مليانة إحساس لأول مرة من غير هروب): "بحبك.. بحبك يا ليلى، ومش مستعد أفقدك عشان أي حد في الدنيا!"
المأذون يرفع حاجبه، وعدلي يبتسم بهدوء، كأنه كان مستني اللحظة دي تحصل من بدري، بينما ليلى تحس إن الأرض بتلف بيها.. أخيرًا سمعتها، أخيرًا اللي كانت مستنياه جه.
ليلى مش قادرة تستوعب، مش مصدقة اللي بيحصل. إمتى؟ إزاي؟ عمره ما قال، ولا حتى تصرفاته كانت بتوحي بكده. خوفها مسيطر عليها، خايفة تفرح، خايفة تصدق وتطلع مجرد وهم... لكنه مش وهم.
أركان سحب إيدها بحنان، باسها قدام الكل، بصوت مليان ندم ولهفة: "حقك عليا لو كنت اتأخرت إني أقولها ليكي... بس أنا مكنتش أعرف يعني إيه حب، غير لما حسيت بيه معاكي. كان صعب عليا أميز، أفهم إن كان دا حب ولا لا، بس دلوقتي هقولك اللي عرفته عن الحب، وانتي احكمي... هتديني فرصة أعوض اللي فات ولا لا؟"
"الحب مالوش سبب، سألت نفسي مليون مرة بحبك ليه؟ ملقتش إجابة... وبيقولوا إن هو دا الحب، اللي ملوش سبب ولا تفسير، عشان لو كان له سبب، ممكن السبب يختفي، لكن أنا... عمر حبي ليكي ما كان له بداية عشان يكون له نهاية.
الحب مش عشان شكل، وانتي في عيني أحلى من القمر... مش عشان مظاهر وفلوس، رغم إني أغنى واحد في الدنيا، بس أنا فقير من غيرك. الحب عشان قلب... وأنا قلبي اختار قلبك، يا ست البنات، يا ملكة قلبي.
الحب هو إني مقدرش على بعدك، إني أتجنن لما تبعدي... الحب هو إن حياتي مش هتكمل غير بيكي ومعاكي. الحب هو انتي يا ليلى، يا عشقي الوحيد. بحبك، وعشقي ليكي عدى كل حدود الحب."
عينه كانت مليانة دموع، كانت رجفته واضحة، واقف قدامها زي مسجون مستني حكم البراءة منها، زي طفل مستني أمه تسمح له يعمل أكتر حاجة بيحبها، زي عاشق متقدم لحب عمره وخايف يترفض.
الدموع كانت مالية عنيها، وعين كل اللي واقفين... قبل ما تفكر، جريت عليه، رمت نفسها في حضنه، مش مصدقة، دا حلم، حلم أجمل من كل الأحلام، لكنه حقيقي، اللحظة دي حقيقية أكتر من أي حاجة عاشت فيها قبل كده.
أركان شالها قدام الكل، ضمها وكأنها أغلى حاجة عنده في الدنيا.
ليلى بكسوف، بصوت مخنوق: "يا أركان... بس بيبصوا علينا!"
أركان، وهو عيونه بتلمع بحب وعشق: "أحلى أركان سمعتها في حياتي كلها... وبعدين ما يبصوا! من النهاردة، مفيش كسوف... أنا لما بحب، مبكسفش أعبر عن حبي قدام حد. أنا مكنتش كده، بس معاكي انتي غير... مش عارف عملتي فيا إيه يا ليلتي."
ليلى احمرت خدودها أكتر، دفنت وشها في صدره، الأمان الوحيد اللي حست بيه في الدنيا كلها.
ضحك أركان على كسوف ليلى، لكن وهو بيضحك، عينه جت في عين يارا... والغريب إنها كانت بتضحك، عيونها مليانة فرحة وسعادة.
بص حواليه، لقى جده واقف فرحان، والمأذون كان مشي... إيه اللي بيحصل؟
ليلى خرجت من حضنه وهي بتستوعب وجود يارا، فجأة قلبها اتقبض، لأنها عارفة الإحساس ده كويس... شبه جربت الوجع ده قبل كده. الدنيا كانت بتنسحب من تحت رجليها يوم ما شافت حب عمرها مع حد تاني، فإزاي تسيب يارا تعيش نفس الألم؟!
بعدت وسابت مساحة لاركان... اللي كان بينه وبين يارا كبيرة، وهو كان سيبها وهي خطيبته، واللى بينهم عشرة عمر، قرايب وصحاب من الطفولة، وقصة حب كانوا فاكرينها حقيقية.
كان في وعد بينهم، وعد بالرجوع، لكنه بقى مجرد ذكرى قديمة.
دلوقتي، هو ملزوم باعتذار، لازم يعتذر لها، سواء سامحته أو لأ. مينفعش يسبها تعيش الوجع ده كله لوحدها، وتفتكر العيب فيها.
أركان قرب منها، وعينه مليانة أسف ووجع: "حقك عليا... أنا آسف، إنتِ كنتِ قايلة إن هيجي يوم أعتذرلك فيه، هو ده اليوم انا آسف.. بترجاكي، يا يارا، تسامحيني. قلوبنا مش بإيدينا، وأنا مقدرش أشوفك موجوعة بسببي وأنا عايش حياتي مبسوط."
بص لها بصدق، وحاول يلاقي أي أثر للحزن في عيونها: "شوفي عايزة إيه، وأنا هعمله. لو تحبي أخد مراتي ونبعد عن الفيلا، أنا موافق. لو عايزة أسيب المحافظة كلها، البلد كلها، أنا موافق.
المهم... متكونيش تعيسة بسببي."
عمر ضحك بصوت عالي: "كفاية كده يا يارا، حرام عليكي الواد!"
يارا رمقته بنظرة جانبية وهي بتغمزله بمكر: "إنت شايف كده يا حبيبي؟"
أركان وقف مصدوم... إيه؟! بتضحك؟! مش زعلانة؟! مش موجوعة؟!
بص لها بذهول، بس الصدمة الأكبر لما سمعها بتنطقه بالكلمة اللي علقت في دماغه... "حبيبي"؟!
عقله ما استوعبش على طول، بس لما بص على عمر، شافه ماسك إيدها...
عمر ابتسم بمرح وقال كانوا بيردوها ليك: "سامحني بقى يا صاحبي، قلوبنا مش في إيدينا."
يارا ابتسمت بحنان: "الفتره اللي غبتها يا أركان كانت كبيرة جدًا... حاجات كتير بانِت واستوعبتها. إحنا ما حبناش بعض، إحنا أجبرنا بعض على بعض عشان فتحنا عينينا على بعض من وإحنا صغيرين. فاتوهنا، ومشاعرنا تاهت معانا... مشاعر الإخوات اللي اتربوا مع بعض، مشاعر الصحاب، مشاعر إن كل واحد فينا ملوش غير التاني، كل دا دخل في بعض ومكناش عارفين إحنا إيه بالنسبة لبعض، الحب الحقيقي كان أبعد ما يكون عن اللي عشناه."
سكتت لحظة، وبصت لعمر بحب واضح: "أنا الحب الحقيقي عرفتُه على إيد عمر، وأنت كمان عِشت المشاعر دي مع ليلى. يمكن كل ده حصل عشان كل واحد يلاقي نصه الحقيقي... الحب اللي يكمله بجد."
أركان أخيرًا ابتسم بصدق، وقلبه كان مرتاح لأول مرة: "صحاب وإخوات لآخر العمر؟"
يارا مدت إيدها وهي بتضحك: "صحاب وإخوات لآخر العمر!"
أركان مد إيده بفرحة وراحة: "صحاب وإخوات لآخر العمر." بص لعمر بجدية مصطنعه: " الولد الواطي ده لو زعلك، تعالي ليا على طول... هطلع عينه."
عمر رفع إيده بمرح: "هو أنا كده الصاحب الخاين اللي حب حبيبة صاحبه ولا أنا بريء؟!"
أركان حاول يبقى جدي وهو بيكتم ضحكته: "حسابك معايا كبير، قوي! كل يوم بتكلمني، ومافيش مرة تحكيلي أي حاجة؟!"
عمر رفع كتفه بمرح: "كنت حابب اقرطسك!"
أركان كان هيجري وراه بس لقى عمر مستخبي ورا جده... وقف، وبص له بنظرة امتنان: "إنت عملت كل ده عشان تجمعني بيها؟"
جده ابتسم بحنان: "البركة في أبوك! قعد يقولي إنت بتحبها قد إيه، وإن روحك فيها، بس لاول مره في عمرك بتكابر للدرجة دي... فاتفقنا نعمل كده عشان "الجبل يتحرك"."
وكمل بضحك، ضحكة خلت أركان يحس إن الموضوع أكبر منه، بص له بجدية، لكن نبرة صوته كان فيها لمحة خفة دم نادرة.
الجارحي: " عملنا خطة يا بني.. أنا وباباك اللي خططنا لكل ده، عشان تعترف وتعيش مبسوط مع مراتك اللي بتحبها، ومع أولادك اللي محتاجينك."
أركان حس قلبه بيضرب بقوة، ضحك وهو بيحضن جده بحب: "شكرًا يا حبيبي..."
وبعدها راح ناحية عدلي، مسك إيده وباسها: "إنت أحسن أب في الدنيا... يا بختي بيك، يا حبيبي."
عدلي بص له بفرحة، وعينه لمعت بدموع الفرح: "ربنا ما يحرمني منك..."
فريده بصت عليهم بضحك: "وأنا مليش نصيب من الأحضان والبوس ده؟!"
أركان وعدلي شدوه لحضنهم هما الاتنين، وباسوا إيديه ورأسه.
فريدة بصت لليلى، وكانت الدموع في عينيها: "على قد ما كنت رافضة الجوازة دي... على قد ما شايفاك مبسوط للدرجة دي."
بصت لأركان اللي السعادة كانت بتنط من عينيه، رجعت تبص لليلى، وابتسمت: "طالما سعادتك في وجودها... يبقى مليون أهلاً وسهلاً بيها وسطنا."
ليلى بصت عليهم وهي فرحانة لدرجة إنها مش مصدقة... العالم كله صغير على فرحتها، اللحظة دي... هي أسعد واحدة في الدنيا.
لحظة بعد اعتراف أركان، الكل ابتسم، الملامح اللي كانت متوترة اتحولت لراحة، واسماء كانت أول واحدة كسرت الصمت بزغروطة مدوية، وقالت بفرحه ومرح "ياه الجبل أخيراً نطق".
كلهم ضحكوا.
أركان قرب من ليلى وسحبها في حضنه، وبعدها اتحرك ناحية فوزية، عينه مليانة أسف وصدق وهو بيقول:
– أول حاجة، أنا آسف على كل اللي عملته في ليلى، وعلى الوجع اللي سببته لها... ممكن تسامحيني؟
فوزية عنيها كانت مليانة فرحة، لكن الدموع غلبتها وهي بترد بحنية:
– مسامحاك يا حبيبي... انت يوم فرحك قولت لي إن ليلى في أمان، وكنت قد الوعد، حميتها بروحك وقلبت الدنيا لما تأذّت، وأنقذتها هي وأولادك... مش هلاقي لبنتي حد يحبها زيك.
وقفت قدامه، نظرتها كلها رجاء:
– أوعدني بس إنها تفضل فرحانة وكويسة، وخدها معاك وانت ماشي، وربنا يبارك لك فيها وتعمر بيتك بالخير والسعادة عليك وعلى أسرتك.
أركان مسك إيديها بحنية وقال:
– أنا متأكد من ده... ليلى بنت أصول، وتربية ست عظيمة زيك، فطبيعي إنها تكون زوجة وأم عظيمة... ليلى في أماني، في حضني، في قلبي، وفي عيني... لو الأرض مش هتشيلها، هشيلها أنا العمر كله.
فوزية ابتسمت بسعادة:
– ربنا يسعدكم يا بني ويبعد عنكم العين.
أميرة كانت واقفة بتراقب المشهد، لكن نظرتها الحادة خفت شوية وهي بتقول بتهديد مرِح:
– عارف لو زعلتها، هسيبك لخيالك تعرف أنا ممكن أعمل فيك إيه! ولو منعتها تيجي تشوفنا، أو احنا نشوفها... انت حر، بس هتشوف جناني، أنا مجنونة، خلي بالك!
أركان ضحك وقال بمزاح:
– واضح، واضح... على العموم، مفيش مهمات تاني، وليلى في بيتي، وقت ما تحبوا تشوفوها رنّوا عليا، وهبعت عربية تجيبكم لحد عندها، وهي كمان وقت ما تحب تيجي لكم، عربية هتجيبها لحد هنا.
أميرة رفعت حاجبها بتهكم:
– أهو كده! كان فين الشخص الجميل ده من زمان؟ كان لازم يعني نقولك طلقها؟
ليلى شدت أميرة من إيدها بإحراج:
– خلاص بقى، يا أميرة!
أسماء دخلت على الخط بابتسامة جانبية:
– سيبيها تطلع عليه القديم والجديد... الواد ده جنني، يعمل حاجة أقول بيكرهها، ملحقش ألف ألاقيه بيعمل حاجة تانية أقول بيعشقها!
نظرت لأركان بمكر:
– عارف ساعة ما سابك في المستشفى وقال "أنقذوا الأطفال"، فضل مستخبي على جنب لحد ما الدكتور قال إنكم إنتِ والأولاد بخير، ممشيش غير لما سمع الجملة دي، وبعدها جيه وقف بالساعات قدام أوضتك وحضانة الأولاد... فمنين مش عايزك وابعدي عني، وهو بيعمل كده؟ اعترف بقى!
أركان ضحك:
– عارفة لولا ليلى، كنت عملت فيكي إيه؟
أسماء تحدته بمكر:
– عملت إيه، يا سعيد؟ فاكرني هخاف؟
ليلى قربت من اسماء وهمست بمزاح:
– ده أركان، مش سعيد يعني... ظابط، ممكن يحبسك يومين كده في أمن الدولة، ومش هنقدر نوصل لكِ، عملها معايا قبل كده!
أسماء شهقت بدهشة وهي تهمس لليلى بمرح:
– بجااااااد؟!
ليلى بمرج هزت رأسها بتأكيد:
– بجــاااااااد.
أسماء ضحكت بخجل وهي تؤدي التحية العسكرية لأركان بسخرية:
– إحنا آسفين يا حضرة الظابط!
أركان عدل ياقة قميصه بتفاخر مصطنع وقال بجدية ساخرة:
– أهو كده، اتظبطي!
فوزية ضحكت وقالت:
– كفاية بقى، يا أسماء انتي وأميرة! خد ليلى وعيالك، وابدوا حياتكم، وربنا يبارك لكم ويسعدكم.
أركان مال على فوزية وخد منها "ريان"، وأميرة قربت وادّته "تاليا"، كان واقف مصدوم، قلبه بيدق بسرعة، حاسس إنهم شايلين أغلى حاجة في الدنيا... كل فرحة في حياته كانت في اللحظة دي.
كان واقف مصدوم، قلبه بيدق بسرعة. قال: "ليلى تيجي تشيلهم." وزنهم خفيف، أخف من الريشة، لكن بالنسباله كانوا شايل أغلى حاجة في الدنيا... كل فرحة فيها، كل لحظة سعادة عاشها.
قوم وفرحته، وهو شايل حتة منها. قوم تاني، كان نفسه ياكلهم من حلوتهم. كل حاجة فيهم حلوة... كفاية إنهم من "ليليته."
ليلى دخلت مع أسماء وأميرة وفوزية تلم هدومها وهدوم الأطفال، اللي أركان كان جابها من المهمة على بيت أهلها... دلوقتي هيروحوا لمكانهم الأصلي والدائم.
وهي بتلم حاجتها، بصت لأسماء بحب وقالت:
– أنا مديونة لكِ بألف شكر واعتذار واحد... حقك عليا إني خبيت عليكِ اسمي، بس كل حاجة كانت حقيقية. أنا بجد حبيتك، وحبي كان حقيقي، اعتبرتك أختي، وونسي، وأماني... عوضتيني عن غياب ماما. وأميرة، أنتِ نعمة ربنا رزقني بيها عشان تطبطب على قلبي.
أسماء دموعها نزلت وهي ترد بحب:
– وأنا مش عارفة هعمل إيه في حياتي من غيرك، مقدرش على بعدك يا ليلى... اعتبرتك أختي، وكل اللي ليا. اللي عدينا بيه مع بعض خلانا واحد مش اتنين.
ليلى بدموع:
– هنفضل مع بعض العمر كله، حتى لو مش جنب بعض. هتيجي لي دايمًا، وأنا هجيلك، ولو يوم معرفناش، فـهنتكلم "فيديو كول".
أسماء حضنتها بقوة:
– اتفقنا!
ليلى باسَتها من خدودها وهمست:
– اتفقنا.
ومع خروج ليلى، صوت عياط الأطفال ملأ المكان، أركان مسكهم وفضل يبوس فيهم ،ومش راضي يسبهم لحد يهديهم ابدا.
ضحكت ليلى وهي بتاخدهم منه وقالت بمزاح:
– فضلت تبوس فيهم لحد ما زهقتهم منك، ليه يا أركان كده؟
أركان همس بجانب أذنها بمكر:
– مسكرين قوي يا ليلى، وريحتهم حلوة... أنا عايز آكلهم!
الكل انفجر ضحك، وليلى وشها احمر واتكسفت، فوزية ضحكت وقالت:
– خد مراتك وامشي بقى، يا بني!
أميرة بمزاح:
– آه والنبي، يلا، مش ناقصين جفاف عاطفي! أنا جوزي مسافر دبي، ومعانا واحدة "سنجل" هنا، وواحدة لسه هتتجوز!
أسماء ضحكت وقالت:
– يلا بقى، بدل ما نرزعكم عين، تفضلوا تدبّوا في بعض دلوقتي!
الكل ضحك، وليلى ودعتهم، وخرجت مع أركان، يبدأوا حياتهم الجديدة مع بعض.
في الفيلا، وتحديدًا في غرفة أركان، اللي لسه داخلها مع ليلي...
ليلي وهي بتبص حوالين الأوضة، حسّت بمشاعر متضاربة: "مكنتش متخيلة إنها هتيجي هنا تاني".
أركان بابتسامة دافئة: "إنتي مش بس جيتي؟ إنتي هتعيشي هنا طول العمر معايا وفي حضني."
ثم أكمل بجدية: "إحنا هنعيش هنا مؤقتًا، بس لو حابة نجيب شقة لينا لوحدنا، بكرة تكون جاهزة. كنت بجهّز فيلا أنا ويارا، بس أكيد مش هخليكي تعيشي في مكان حد تاني اختار كل حاجة فيه. فهنجهّز واحدة جديدة مع بعض."
ليلي حطت إيديها على خده بكسوف، صوتها كان ناعم وهي بتقول: "حبيبي، أنا مش فارق معايا أوضة، أو شقة، أو حتى قصر... طالما معاك، الدنيا كلها جنة بالنسبالي. وأنا هستريح وهفرح لو عشت هنا وسط عيلتك، اللي بيحبوك وبيحبوا ولادنا، وهيحبوني ويكرموني عشانك. وبعدين، إنت ابنهم الوحيد، عايز تسيبهم وتحسسهم بالوحدة؟ أنا عن نفسي مش عايزة كده، وعايزة عيالي يكبروا وسط عيلة تحبهم وتحضنهم."
أركان وهو بيحضنها بحب: "إنتي كنتي مستخبية فين مني؟ إيه الجمال والقلب الطيب ده؟"
ثم ابتسم بمكر: "بس وبس على شفايفك، ولا شفايفك اللي بتقول كلام زي السكر؟"
ليلي ضحكت، وخرجت من حضنه بسرعة...
أركان ضحك: "اهربي اهربي... بس هتروحي مني فين؟ مش هسيبك، هتلفي تلفي وترجعي لحضني مكانك."
غمز ليها، ودخل الحمام يغيّر هدومه. ليلي حطت إيديها على خدودها، حسّت بسخونة بتنتشر في جسمها، وتمتمت لنفسها بخجل: "هو اتعلم قلة الأدب دي فين؟! لا لا، أنا عايزة التقيل البارد اللي بيتكسف... المحترم ده."
لكن افتكرت نسخته القديمة، وابتسمت بمرح: "لأ، خلاص، مش عايزة... بس والله بحبه في كل حالاته."
ضحكت بهدوء على نفسها.
خرج أركان من الحمام، لقاها غيّرت للأولاد وبتُرضّعهم، فاقترب منها وقال بلطف: "تحبي أجيب سرير للأطفال ونحطه هنا في الأوضة؟"
ليلي بحزم: "لا، ماليش في الجو ده. عيالي يناموا جنبي في حضني، أنا أم مصرية تقليدية أصيلة."
ليلي ضحك: "طيب، اتخيلي كده في عز الشتا، واحد فيهم صحي بيعيط... مين اللي هيقوم من تحت البطانية في التلج يجيبه؟"
اركان بابتسامة واثقة: "أنا طبعًا."
ليلى بحب: "لا، برده ولادي يناموا في حضني."
أركان بضحك وزعل مصطنع: "وأنا أنام في حضن مين بقى؟"
ليلي بكسوف، وبصوت بالكاد مسموع: "في حضني برضه..."
أركان قرب منها، صوته بقى أهدى وأعمق: "عايز أسمعها تاني..."
خدود ليلي احمرّت، وشاورت على حضنها بخجل: "ده مكانك... إنت وريان وتاليا، دول حتة منك وأغلى حاجة عندي... وإنت حبيبي وكل اللي ليا."
أركان بص لها بحب: "أنا مش قادر أستحمل، ونبي نجيب سرير للأطفال! مش هينفع يناموا بينا، زي خط بارليف كده! يعني بعدين هيبقى في أحضان، وبوس، وحاجات كده مش هينفع يشوفوها."
ضحكت ليلي بصوت ملأ الأوضة، وضربته على صدره بخفة: "بطل قلة الأدب!"
أركان ضحك: "بضحكتك دي لازم أجيب سرير أطفال، وانسي موضوع إني أبطل قلة الأدب، ده احنا لسه هنبدأ!"
خد الأطفال منها، نيمهم في عرباتهم، وقرب منها، باس إيدها بحب وقال بصوت دافئ: "لسه زعلانة مني؟ أو بسببي؟"
ليلي هزت راسها بمعنى "لأ"، فقال أركان بألم: "يوم ما اخترت الأولاد، صدقيني كل خلية فيا كانت مختاراك إنتِ..."
ليلي حطت إيديها على بوقه بلطف: "أنا قلتلك أنقذهم، يا عيني أنا اللي طلبت منك... عارف لو كنت اخترتني أنا، عمري ما كنت هسامحك، وكنت هزعل منك بجد. أنا استحملت كل حاجة عشانهم، وكان حلم عمري أشوفهم منورين الدنيا... فالحمد لله إنك اخترتهم، والحمد لله إن ربنا كتبلي عمر جديد."
أركان بص لها بحب، وباس راسها بحنان: "ربنا ما يحرمنيش منك، ويباركلي في عمرك وعمرهم، يا حبيبتي."
كلمة "حبيبتي" هزّت ليلي من جواها، خلتها تحس بحاجة غريبة. رفعت عينيها له بكسوف، وقالت بمرح: "هو انت نزّلك تحديث جديد وأنا مش واخدة بالي؟! إيه الكلام الرومانسي ده؟ مش لايق عليك خالص!"
أركان وهو بيخلع التشيرت وبيدّعي الصدمة: "مش لايق؟! يالهوي، إزاي؟! لا، ده موضوع كبير، تعالي نتأكد منه."
ليلي اتكسفت، وقالت بتحذير: "أركان! بجد، أنا بتكسف..."
أركان بص لها بابتسامة ماكرة: "حلو أوي الكلام ده! يعني إحنا لسه عرسان جداد، والعرسان الجدّاد بيتعودوا على بعض، صح؟"
قرب منها أكتر، همس عند ودنها: "وأنا بقى ناوي أتعوّد عليكِ النهارده..."
أركان، صوته كان مليان شوق وهو بيهمس: "أنا مش هقدر أمنع نفسي أكتر من كده... رصيد المنع خلص عندي، منعت نفسي كتير عنك ومش قادر أستحمل. بس لو عايزاني أبعد، هعمل اللي أنتي عايزاه."
ليلى قلبها كان هينفجر، ومع كل بوسة كان يسيبها على وشها، كانت بتحس إن كل مقاومتها بتنهار. دابت من لمسته وشفايفه، لكنها ما قدرتش تبعد، بالعكس، قربت أكتر، عايزة أكتر...
كانت آخر حاجة ممكن تخليها تنطق بكلمة "لا"... دي روحها فيه، عايزاه، ومحتاجة قربه أكتر.
أركان بص في عينيها، سألها بهدوء لكنه مليان رغبة: "أبعد؟"
ليلى، بكسوف، هزّت راسها بمعنى "لا"...
سعادة الدنيا كلها مَلت قلبه، وضحكته كانت مليانة حب وهو بياخدها لعالمهم.