تحميل رواية «زواج بالاكراه» PDF
بقلم ملك مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالصعيد.. كان يجلس بهيبة في بهو منزله الضخم و يقف أمامه ثلاث شباب مخفضين رأسهم بإحترام، وجميع العاملين بالمنزل يختبئون وهم يشعرون بالرهبة والخوف الشديد مما هو قادم. قاطع هذا الصمت بسؤاله بصوته الرخيم: عبد التواب بخشونة: – اتفضلوا اتكلموا، ساكت ليه يا ولدي ما كان صوتك واصل لآخر بلاد المسلمين عاد، دلوجيت جفلت خشمك؟؟ ولده بأدب وهو يرفع رأسه: – يا بابا فيها ايه بس، هو احنا بنقولك عملنا حاجة حرام، احنا حبينا و جايين نقولك اننا عايزين نتجوز عشان حضرتك كبيرنا. عبد التواب بصرامة وهو يقف: – و بنت عمك الل...
رواية زواج بالاكراه الفصل الأول 1 - بقلم ملك مصطفي
بالصعيد..
كان يجلس بهيبة في بهو منزله الضخم و يقف أمامه ثلاث شباب مخفضين رأسهم بإحترام، وجميع العاملين بالمنزل يختبئون وهم يشعرون بالرهبة والخوف الشديد مما هو قادم.
قاطع هذا الصمت بسؤاله بصوته الرخيم:
عبد التواب بخشونة:
– اتفضلوا اتكلموا، ساكت ليه يا ولدي ما كان صوتك واصل لآخر بلاد المسلمين عاد، دلوجيت جفلت خشمك؟؟
ولده بأدب وهو يرفع رأسه:
– يا بابا فيها ايه بس، هو احنا بنقولك عملنا حاجة حرام، احنا حبينا و جايين نقولك اننا عايزين نتجوز عشان حضرتك كبيرنا.
عبد التواب بصرامة وهو يقف:
– و بنت عمك اللي مجعدها چارك دي ايه، هجولها ايه انا!! على آخر الزمن الحاج عبد التواب كلامه بينزل الأرض، وعلى يد مين!!! ولاده.
ولده الآخر بتحدي و ملل من ذلك النقاش:
– يا بابا لو سمحت كفاية، حضرتك موقفنا هنا بقالنا ساعة زي الأطفال، كل ده عشان عايزين نتجوز اللي بنحبهم؟؟
عبد التواب بغضب:
– صوتك بيعلى على أبوك يا محمود!! وانت يا عبد العال ساكت إياك من اول الكلام، ايه ممسكهم زمام الأمور ليه ولا ملكش شخصية كالعادة؟
عبد العال بغضب:
– كفاياك يا أبوي، بقولهالك بلهجتك يمكنك تفهمها، كفاية يا بابا، محدش فينا أجرم ولا ارتكب ذنب، بنقولك بنحب، ومش هنقدر نتجوز بنات عمنا دول.
عبد التواب بحسرة يغلفها الصرامة وهو يدير لهم ظهره:
– يا خسارة تربيتي فيكم يا ولاد عبد التواب، على آخر الزمن تيجوا و ترفعوا حسكوا عليا، بتخالفوا عاداتنا و تقاليدنا، مين دول اللي هيتجوزوكم؟ من عيلة مين ولا كيف شكلهم دول؟؟ ما انا عارف بنات مصر كويس، وانت يا محمد خيبتك تجيلة جوي، بقا سايب بنت عمك عشان تتجوز خواجاية؟؟ تعالي يا فاطنة شوفي خيبة عيالك، كل ده بسببك عشان قولتيلي سيبهم يا حاج يتعلموا في بلاد برة سيبهم يبقا ليهم مستقبلهم، تعالي شوفيهم وهما بيكسروا كلام ابوهم.
محمد بهدوء وهو يحمل حقيبته:
– خليك فاكر يا حاج احنا جينا نكلمك بالحسنى زي ما ربنا أمرنا لكن حضرتك اللي مصمم تجرح فينا، احنا هنمشي.
عبد التواب بإنفعال وهو يقترب منهم و يدفع ثلاثتهم للخارج:
– اطلعوا برة بيتي يا كلاب، انا معاوزش اشوف وشكم اهنه تاني، انا متبري منكم يا خلفة الندامة.
غادر ثلاثتهم بحزن و ودعوا دارهم و القهر يكسوا ملامحهم و الحزن يملئ قلوبهم فهم يودعون طفولتهم و مراهقتهم و جميع عائلتهم مغادرين بلا رجعة.
عبد التواب بجمود وهو يراقب خروجهم من القصر:
– على الله اسمع اسمهم في الدار اهنِه تاني، محمود و محمد و عبد العال ماتوا خلاص.
لم يستطع ان يتحدث احد فصمتوا و الحزن يملئ قلبهم و الدموع تغزوا أعينهم مراقبين لثلاثتهم وهم يغادروا بحزن.
بعد مرور ثلاثون عام..
بإحدى المطاعم الشهيرة بخارج البلاد..
كانت تحمل الطعام و تسير بهدوء بإتجاه تلك الطاولة لتضع عليها الطعام و تغادر وهي تزفر بضيق، فهي تعبت كثيراً من عمل النادلة تلك ولكن من أين ستدفع إيجار منزلها هي و صديقتها.
دلت الي المطبخ و استندت بظهرها على الحائط فشعرت بمن يلكزها بكتفها.
صديقتها بتساؤل:
– what happen?
آسيا بضيق:
– I’m so tired of working as a waitress, I want to live in peace and rest without hardship.
صديقتها بهدوء:
– Go to your grandfather in Egypt, He’s so rich and old, he’s definitely going to die soon And you get all his money.
آسيا بغيظ وهي تقرص ذراعها:
– Are you stupid? He’s got a lot of kids, and of course he has adult grandchildren like me.and Have you forgotten what happened with my father and grandfather in the past?
صديقتها بلامبالاة و حماس:
– It’s okay, the past is in the past. Did you forget when your father died and was buried in Egypt and your grandfather came and was covering his features with sadness and regret, And how much you beg you to forgive him and come with him to live with him.
قاطع حديثهم صرخات رب عملهم عليهم بحدة فذهبت كل منهم إلى عملها ولكن ظل بالها مشغول بما قالته صديقتها.
هي تعبت كثيرا من العمل كنادلة و لكن كبريائها يمنعها من طلب المساعدة من جدها رغم أنها تعلم انه ندم كثيراً ولكن بعد ماذا؟ فقد رحل والدها وهو مكسور القلب من مقاطعة والده له و منعه من محادثة والدته او اشقائه و شقيقاته، هي كانت تستمع لبكائه كل ليلة وهو يتحدث مع والدته التي كانت تحادثه مرة كل عام خلسة ولا تتعدى المحادثة دقيقتين خشية من أن يلاحظ والده، وتسمعه وهو يخبرها انه يتمنى ان يراها ولكن يخشى والده، وها قد ذهب وهو قلبه مولع بشوق لأسرته.
شعرت بدموعها تتجمع بأعينها فزفرت بغضب و هي تمسحها بعنف و تكمل عملها بقلب غاضب مشتعل من فعلة جدها المشينة.
في مصر..
بإحدى الجامعات الخاصة..
كانت تجلس بكافيتريا الجامعة و معها اصدقائها يمرحون و يلعبون حتى اقتربت منهم فتاة بوجه واجم محتقن وهي تلقي بكُتبها فوق المنضدة.
ريتال بضحكة مكتومة:
– اتكرشتي صح ما انا قولتلك بلاش المحاضرة دي الدكتور بتاعها مقرف.
الفتاة بحنق وهي تستند بوجهها على كفها:
– ما انا اتخنقت بجد يا جماعة مش كل سنة هشيل ام المادة دي و أسقط بسبب الدكتور المريض ده، هو مستقصدنا ليه، تحديداً شلتنا بجدا.
احد الشباب الجالسين بسخرية و مرح وهو ينفث دخان سيجارته:
– يمكن عشان احنا شلة ضايعة مثلا و بنقرفه في عيشته و بنحفل عليه.
الفتاة بضيق:
– انا اتخنقت والله، يعني حتى وانتو مزوغين وانا قاعدة في حالي مبعملش حاجة وقفني اجاوب معرفتش راح طاردني.
ريتال بضحك:
– لا ازاي معندوش حق كان لازم يسقفلك على خيبتك.
الفتاة بحنق وهي تلكزها:
– ما انتي في الطراوة يختي كل سنة تسقطي و ابوكي يدفعلك، لكن انا ابويا قالي دي اخر سنة لو منجحتش هيقعدني من الجامعة، قالي جهاز اختك اولى بالفلوس يا ساقطة.
ريتال بشهقة مازحة وهي ترفع كفها بوجه صديقتها:
– يختي الله اكبر في عينك، اتلمي يا بت انتي بتحسديني قدامي و بعدين قولتلك جوز خالتي اللي بيدفع مش بابا، انا بابا متوفى.
حركت الفتاة يدها بلامبالاة وهي تزفر بضيق حتى لمحت تجمع كبير أمام باب الجامعة فعقدت حاجبيها بإستغراب و لكزت ريتال التي كانت تلعب بهاتفها.
الفتاة وهي تنظر بعدم فهم للحشد الذي على بُعد عدة أمتار منها:
– بت هو في حد مهم جاي الكلية ولا ايه.
ريتال بلامبالاة وهي تنظر لهاتفها:
– تلاقيه ممثل ولا مغني انا ايش عرفني.
الفتاة بحماس وهي تقف و تذهب:
– الله، هروح اشوف.
الشاب بضحك وهو ينظر لأثر الفتاة:
– البت دي هبلة بجد.
ريتال بغمزة:
– مش ناوي تاخد خطوة ولا ايه.
الشاب بتنهيدة و مرح:
– نفسي والله بس خايف اخسرها كصاحبة، انتي عرفاني يومين و بقلب.
ريتال بجدية وهي تعتدل بجلستها:
– بس انا حساك بتحب اسماء بجد، يعني غير اي واحدة، جرب و خليك قد الخطوة دي بس لو مش واثق من قلبك و نفسك بلاش، بلاش دي تجرحها يا محمد.
محمد وهو يومئ لها:
– طيب يختي.
ثم اكمل حديثه بأبتسامة وهو يرى اسماء تعود لهم ركضاً و وجهها مبتسم بشدة:
– اهي جات اللي هتعرفنا كل حاجة.
اسماء بحماس وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
– جماعة مش هتصدقوا انا شوفت مين.
محمد بتعجب:
– مين؟؟
اسماء وهي تصفق بحماس كبير:
– الدكتور الجديد، دكتور أسامة هيغور في داهية و جه بداله دكتوووور مز اوي يا عيال يا خبر ابيض كاريزما ماشية على الأرض يقول للقمر قوم وانا أقع.
محمد بحنق وهو يدس بعض الطعام في فمها ليجعلها تصمت:
– خلاص عرفنا انه جامد و بيطير اهدي على نفسك شوية.
اسماء بحنق طفولي و فمها ممتلئ بالطعام:
– حيوان صحيح..!
كانت ريتال تحاول رؤية ذلك الوسيم التي تحدثت عنه صديقتها لكن التجمهر الذي حوله يُعيق مشاهدتها له استطاعت فقط رؤية انه يرتدي حلّة رسمية رمادية اللون و أيضاً رأت شعره لطول قامته.
ريتال بتساؤل:
– هو العيال ملمومين عليه كدة ليه، هما يعرفوه مني.
اسماء وهي تمضغ الطعام:
– العيال الدحيحة بس اللي يعرفوه عشان هو بينزل شرح على صفحته و تقريبا معروف يعني لكن البنات ملمومة عليه عشان مز.
ضحكت ريتال على تعبيرات محمد وهو ينظر لأسماء بأعين تطق شرار، و يخبرها انه ليس متأكد من مشاعره!!! تبا لمشاعر الرجال، عادت لهاتفها متناسية العالم لا تعلم الي اين ستأخذها الأحداث في القريب العاجل…؟
بإحدى العيادات..
دلت ام وهي حاملة لفتاة بعمر السادسة عشر هزيلة للغاية، وضعتها فوق المقعد و ظلت تلهث بعنف حتى رأتها الممرضة و جلبت لها كوب ماء حتى تهدأ.
الممرضة وهى تربت على ظهرها:
– اتفضلي اقعدي خدي نفسك على مهلك كدة كدة دكتورة مليكة معاها حالة قربت تخلص خلاص.
وهي تتحدث خرج شاب و القى السلام ثم غادر.
الممرضة بأبتسامة:
– اهي خلصت اتفضلي حضرتك على مكتب السكرتارية تدفعي فلوس الكشف.
الام بإحراج و وجنتيها مشتعلة:
– انا كنت قريت على النت ان هنا فيه كشف ببلاش.
الممرضة بأبتسامة جميلة وهي تمسك يدها و تربت عليها:
– ايوة متقلقيش و متتوتريش كدة كلنا هنا غلابة يعني حالنا من بعض، ثواني هبلغ الدكتورة و ادخلك على طول.
اومأت لها الام بأبتسامة واسعة مرتاحة و بالفعل ذهبت الممرضة و عادت بعد دقائق وهي تخبرها بالدلوف، اخذت نفساً عميقاً ثم حملت الفتاة و دلفت بها وهي تدعوا الله أن يضع سر شفاء ابنتها بتلك الطبيبة.
مليكة بأبتسامة و هدوء:
– اهلا نورتوني اتفضلوا، ازيك يا قمراية؟
كانت توجه حديثها للفتاة ولكن لم تجد اي استجابة فقط نظرات خاوية في الفراغ.
مليكة بحمحمة وهي تنظر للأم:
– اهلا يا مدام انا مليكة دكتورة علاج طبيعي و نفسيال.
الام بأبتسامة وهي تجلس بعد أن وضعت ابنتها فوق الاريكة الناعمة:
– عرفاكي طبعا بشوفك دايما على النت و هدى بتحب ڨيديوهات العلاج بتاعتك اوي على طول كانت بتسهر عليها.
مليكة بمرح وهي تنظر للفتاة بعد أن فهمت ان تلك الفتاة تدعى هدى:
– بقا كدة يا ست هدى تبقي من معجبيني و مترديش عليا لالا زعلت.
الام بحزن وهي تنظر لفتاتها:
– مش هترد عليكي يا دكتورة هي اتخرست مبقتش تتكلم.
مليكة بلطف:
– اسمها فقدت النطق، عشان بس أثر الكلمة على نفسيتها لما تسمعها، اتفضلي احكي انا سمعاكي.
الام وهي تسرد:
– والله ما حصل حاجة هو انا سيبتها يوم في البيت و نزلت السوق و روحت اشقّر على البت منى اختي الوقت سرقني ببص في الساعة لقيتها 10 بليل رجعت البيت لقيتها راقدة في السرير اناديها متردش عليا، بصراحة في الأول افتكرتها بتدلع و بتتمايع عليا روحت كلتها علقة محترمة الاقي البت مبتنطقش ولا بتصوت ولا حتى بتدافع عن نفسها كأني ماسكة جثة بس سيبتها و دخلت نمت تاني يوم بصحيها للمدرسة فتحت عينها مردتش عليا ولا اتحركت روحت مناديالها ابوها قعد يشخط فيها و بردو مفيش فايدة بس هي قعدت تصوت مرة واحدة كدة لحد ما طبت ساكتة ابوها شالها و جرينا بيها على المستوصف قالولنا عندها حالة نفسية و مش هنتكلم تاني ولا تمشي، طب من ايه حصل ايه مفيش إجابة، و طبعا معناش فلوس لكرسي بعجل فبقينا انا و ابوها نشيلها و نحركها لحد ما ضهرنا اتقطم والله.
مليكة بحزن:
– طب و والدها فين دلوقتي، مجاش معاكو ليه.
الام بهمس وهي تميل على المكتب:
– اصل هي مبتحبوش عشان شديد معاها شوية، اول ما لقته بيلبس قعدت تبرق كدة و جسمها اتشنج فقولتله خليك انت يا حاج و جيت بيها لوحدي.
مليكة بتفهم:
– طب ممكن تسيبيني معاها لوحدنا.
الام:
– هي مش هترضي مبتحبش تقعد في مكان من غيري بتخاف و بيجيلها حالة كدة تقعد تصوت.
مليكة بهدوء وهي تقف و تقترب من الاريكة:
– هدى ينفع ماما تسيبنا لوحدنا ولا انتي عايزها.
نظرت هدى لوالدتها بتردد ثم نظرت للطبيبة بطمأنينة، اومأت بأعينها بخفة فأبتسمت الام ببلاهة وهي تخرج و تدعي الله بصوت عالي ان يتم شفاء ابنتها على يد تلك البشوشة، انتظرت حتى خرجت الام ثم اخذت مقعداً و وضعته بجانب الاريكة.
مليكة بأبتسامة:
– شكلك حلو اوي و عينيكي جميلة، عينك بتفكرني بالبحر. ثم اكملت بود وهي تملس فوق شعرها: و شعرك كمان جميل على فكرة انا كمان شعري حلو زيك ميغركيش الكحكة المعفنة اللي عملاها دي لا انا مزة اهانه.
تكلمت بمرح فأستطاعت ان ترى تلك اللمعة السعيدة بأعينها فعلمت انها تسير بالطريق الصحيح.
مليكة بتساؤل:
– عندك 14 سنة؟
اكملت بتفكير بعد أن رأت نفي الفتاة برأسها:
– مممم 16 طيب؟
اومأت الفتاة برأسها و بدأ الحماس يتغلغل بداخلها وهي ترى طبيبتها المفضلة أمامها.
مليكة بتساؤل:
– حصل ايه ينفع تحكيلي؟، انا هقدر اساعدك، هتقدرى تمشي تاني و تتكلمي و تعملي كل اللي انتي عيزاه بس ساعديني عشان اساعدك، ممكن تقوليلي انتي رافضة الكلام ليه؟
رأت الخوف بأعينها و الرهبة فوقفت لتغلق النور كي تهدأ اعصابها ظناً منها ان هذا سيجعلها تسرد ما بداخلها ولكن تفاجئت بصرخة مدوية جعلتها تشعل النور بسرعة و تعود لها ركضاً محاولة تهدئتها بعد أن رأت تشنج جسدها، كانت الفتاة تصرخ بقوة و تحرك جسدها بإنتفاضة و نفور فأحتضنتها مليكة عنوة مما جعل الفتاة تغرز اظافرها بمعصمها و ذلك جعلها تتألم كثيراً فعضت شفتيها بقوة وهي تشد على احتضانها و تدفن وجهها بشعر الفتاة الصغيرة، و بعد مرور عشر دقائق هدئت الصغيرة و بدأت ترخي يدها عن معصم مليكة فنظرت بأعينها و بدأت بالبكاء وهي تدفع بجسدها داخل احضانها.
مليكة بحب وهي تربت على ظهرها غير آبهة بآلام معصمها و جروحه الخفيفة أثر اظافر الفتاة:
– عيطي عيطي، هترتاحي و هتبقى زي الفل، هترجعي بإذن الله احسن من الاول، هتحكيلي صح؟
دلفت الممرضة بسرعة و رأت الدماء تقطر من يد مليكة و كادت ان تدخل لكن منعتها هي و أشارت لها أن تخرج فأمتثلت لأوامرها و خرجت مغلقة الباب خلفها.
مليكة بأبتسامة وهي تربت فوق شعر الفتاة:
– انتي احسن دلوقتي صح؟
الفتاة بصوت مبحوح:
– شوية.
ابتسمت هي بإتساع وهي تشعر بالنجاح فحمحمت لتحاول السيطرة على انفعالتها و طلبت منها بصوت حنون و رخيم ان تخبرها بما في بعجتها لتستطع فهم حالتها على أكمل وجه.
الفتاة بنبرة متقطعة باكية وهي تتشبث بأحضان مليكة:
– انا كنت بنت زي اي بنت آخرها تاكل و تروح مدرستها و دروسها لحد ما ابويا مات.
مليكة بعدم فهم وهي تقاطعها:
– مات ازاي ده مامتك قالت آآ.
الفتاة مقاطعة اياها بحقد وهي تجز على أسنانها و تنظر بالفراغ:
– ده مش ابويا ده اللي هي اتجوزته على ابويا، خاينة!!
مليكة بأبتسامة حنونة:
– حبيبتي مينفعش تقولي كدة على والدتك هي مأجرمتش دي اتجوزت، مش معنى أن زوجها الحالي مش عاجبك يبقا تقولي عليها كلمة زي دي.
الفتاة بحدة وهي تمسكها من معصميها بعنف:
– انتي ليه مش فاهمة، ده زبالة، ده خد مني آآ خد منيي…..
لم تستطع تكملة كلامها و ظلت تبكي بقوة و هي تضم ركبتيها الي صدرها و تحتضنهم بقوة، شهقت مليكة بعنف و وقفت بذهول وهي تفهم معنى كلمات الصغيرة، حاولت السيطرة على نفسها ولكن مشاعرها الفياضة كان لها رأي آخر فبكت بحرقة وهي تضع يدها فوق جبهتها غير مصدقة لما تسمعه، ما هذا الجحود و انعدام الأخلاق، ماذا أغراه بفتاة صغيرة جسدها صغير؟ هل هذا جزاء من ائتمنته على نفسها وعلى ابنتها؟؟ مسحت دموعها و جلست بجانبها صامتة فقط ضمتها لأحضانها.
مليكة بنبرة طفولية مبحوحة أثر البكاء:
– انتي عارفة لو دكاترة الجامعة عرفوا اني بعيط مع مريض عندي هيسحبوا مني الشهادة اللي ادوهالي.
هدى بنبرة باكية هي الأخرى:
– خلاص متعيطيش عشان متترفديش و تعالجيني.
مليكة وهي تمسح دموعها و تحاول إكمال تلك الجلسة:
– مقولتيش لمامتك ليه؟ ازاي تسكتي على حاجة زي دي؟
هدى بنبرة مرتعبة و صوت زوج والدتها يتردد بأذانها:
– هددني انه هيفضحني و انه صور كل اللي حصل و لو قولت لأي حد هينشر صوري في كل حتة، و قالي كمان ان كل ما ماما تنزل هنعمل كدة. ثم اكملت بنبرة باكية خائفة: انا مكنتش عايزة ده مكنتش هستحمل كدة فكرت اموت نفسي بس قولت لا، فأضطريت اني اعمل نفسي مبمشيش ولا بتكلم عشان امي متسبنيش لحظة و يعمل فيا حاجة.
مليكة بثبات مصتنع وهي تشعر بشمئزاز و احتقار:
– انا فهمتك، تحبي اساعدك؟
هدى بسرعة وهي تنظر لها بأمل:
– اومال انا جيالك ليه؟
مليكة بإحراج وهي تضم كفيها أمامها بتوتر:
– احم هو آآ هو عمل كدة بقالو كتير؟
هدى بضيق:
– ايوة من مدة كبيرة.
مليكة وهي تدلك جبهتها بإبهامها و سبابتها بحركة منتظمة تدل على التفكير:
– يعني الطبيب الشرعي مش هيقدر يثبت انه كان اغتصاب، انا عندي فكرة.
نظرت لها هدى بعدم فهم و لكن بأعينها يلتمع الأمل.
مليكة مسترسلة:
– بصي يا ستي انتي هتروحي البيت على رجلك عادي وهو هيتفاجئ و يفهم انك اتعالجتي او بدأتي تتعالجي و يبدأ خياله المريض يصورله انه خلاص هيقدر يقربلك كل اللي عليكي انك تسجليلو وانا و البوليس هنبقا معاكي خطوة بخطوة اول ما نثبت التهمة عليه هيطلعوا ياخدوه و مش هيقربلك، متخافيش!
قالت كلمتها الأخيرة بحنو و ابتسامة دافئة فبادلتها هدى الابتسام بحماس شديد و هي تستطعم لذة الانتصار و ان حقها سيسترد قريباً ولكن فجأة اهتزت تلك اللمعة الحالمة بأعينها فتابعت مليكة تلك التعبيرات المتغيرة منتظرة ان تُفسر لها الفتاة ماذا يحدث.
هدى بتفكير وهي تبتلع غصتها:
– طب و ماما؟؟ هنعيش ازاي من غيره؟ ده هو اللي بيصرف على البيت وعلى علاجها و على اكلنا و لبسنا و شربنا.. لالالا انا مش هقدر اخرب البيت انا مش هقدر انفذ الخطة دي.
مليكة بتروي محاولة تشجيع الفتاة:
– حبيبتي هو ممكن يعمل كدة مع كذا حد زي ما عمل معاكي، هتقدرى تشيلي ذنب كل بنت يعمل معاها كدة؟ انتي اللي هتتحملي كل ده لأنك سيبتي حيوان زي ده طليق في الشارع، لو على المصاريف انا هجيبك تشتغلي معايا في العيادة هنا و هشوف لوالدتك شغل، ها قولتي ايه هنفذ الخطة؟
هدى بسعادة بالغة وهي ترتمي بأحضانها:
– انا كنت صح لما اخترتك، انا بحبك اوي، بس ممكن نعمل الخطة دي النهاردة او بكرة بالكتير انا خايفة يقربلي تاني فعايزة اخلص منه بسرعة.
مليكة بهدوء:
– حاضر اول ما تنزلي من هنا هتواصل مع ظابط اعرفه و اديكي رقمه عشان وانتي بتسجلي يبقا هو سامع كل حاجة، عيزاكي تهاوديه على قد ما تقدري و تتكلمي معاه عشان يعترف بكل حاجة من غير ما يحس و احنا هنبقا معاكي و الظباط هيبقوا تحت بيتك.
اومأت هدى بتردد فأبتسمت مليكة بإتساع وهي تضمها إليها و تربت فوق ظهرها متنهدة بحرقة على ما يحدث في مجتمعنا العربي الإسلامي.
هل أصبح الاغتصاب بتلك السهولة؟ بل و المتاجرة بصور الفتاة البريئة التي لا تدرك شئ؟ هل هدم مستقبل فتاة في مقتبل عمرها بتلك السهولة؟؟ ليخرجنا منها على خير رب العالمين.
بإحدى القصور الضخمة..
في الصعيد المصري تحديداً..
كان يجلس بشرفته الواسعة الذي يغلب عليها التراث القديم الاثري و تطل علي حديقة كبيرة مليئة بالزهور الملونة الزاهية و بعض الحقول المليئة بالمزروعات المختلفة، كانت علامات الشيب و الكِبر تظهر عليه بوضوح، و من تعمق بالنظر في أعينه سيرى خلف النظرات الحادة الصارمة تلك نظرات ندم و انكسار و شوق لأولاده الذي لم يعانقهم و يشتم رائحتهم منذ ثلاثون عام، ثلاثون عام لم ينطق لسانه بأسمائهم و قد منع زوجته و الخدم بأن يأتوا بسيرتهم أمامه أو حتى من خلفه، لكن هذا لم يمنع حنينه و شوقه الدائم لهم؛ هو كان يراقبهم من بعيد و حين يقتله الشوق يذهب ليراهم خلسة دون أن يروه او يعلموا بوجوده ولكن ما قسم ظهره هو مهاجرة ولده محمد إلى الخارج فكيف سيراه إذا اشتاق إليه؟ حاول كثيراً تعطيل تلك الهجرة ولكن لم ينجح رغم علاقاته و نفوذه كانت إرادة الله اقوى بكثير و ها هو قد فاق على وجعة وفاته ألا يكفي خسارته لولده الآخر عبد العال منذ ثمانِ أعوام، لم يتبقى سوا ولدٍ واحد! يجب عليه أن يلم شمل أسرته من جديد ولكن كيف؟ فبالطبع أحفاده يكرهونه فهو في كل نهاية العام يرسل لهم تلغرافات يطلب منهم المجئ إليه ولكن ما من مجيب حتى ولده أصبح لا يلبي النداء و بالأخير يقع اللوم عليه فهو من طردهم و حرمهم من والدتهم و اشقائهم و موطنهم، تنهد بحرارة وهو يمسك برأس عكازه بكفيه و يستند بجبينه عليهم و تكاد رأسه تنفجر من كثرة تفكيره و يكاد قلبه ان يخرج من ضلوعه من كثرة تأنيبه لضميره، قاطع سيل الأفكار و الذكريات تلك دلوف زوجته إلى الشرفة وهي تحمل كوب من القهوة.
فاطمة بأبتسامة حنونة وهي تربت على كتفه:
– قهوتك يا حبيبي.
عبد التواب بصلابة مصتنعة وهو يحمحم ليداري خجله:
– احم ايه حبيبي دي، احنا كبرنا على الكلام ده يا فاطمة.
فاطمة بمشاكسة وهي تربت على وجنته:
– اتكلم عن نفسك انا لسة شباب، اتفضل خد القهوة انا عايزة اقعد.
اخذ منها الكوب بأبتسامة خفيفة و ظل ينظر لها وهي تسحب المقعد لتصبح قبالته، جلست بأبتسامة واسعة ثم عدلت من طرحتها الملقاة بإهمال فوق شعرها.
فاطمة بأبتسامة رائعة وهي تنظر للزهور بالحديقة:
– شايف يا عبده الورد حلو ازاي.
عبد التواب بسخرية وهو يتأملها:
– بقيتي تتكلمي زيهم يا فاطمة؟ ثم اكمل بصرامة مصتنعة: ما طبعا مفيش سمعان كلام.
فاطمة بتنهيدة حزينة وهي مازلت تنظر الزهور:
– عيالي يا عبد التواب، حرام عليك كفاية تلاتين سنة راحوا من عمرهم و عمرنا مش عارفين عن بعض حاجة، و احنا خسرنا اتنين مناقصش غير واحد. ثم اكملت بترجي و هي تنظر له و دموعها تنهمر: رجعلي ابني اللي فاضل يا عبده، خليه يجي وسطنا وسط اخواته البنات و أهله و ناسه و خلي بنت محمد تيجي بدل ما هي متغربة في بلد غريبة لوحدها لا نعرف هي بتصرف منين ولا بترضى ترد علينا حتى تطمنا عليها و بنات عبد العال و امهم و محمود و بنته و مراته، خليهم كلهم يجوا بدل ما البيت وحش كدة.
عبد التواب بنبرة خشنة يوجد بها بحة:
– ما انتي عندك احفادك الرجالة و بناتك ولا انتي بطنك مشالتش غير التلاتة اللي عصوا ابوهم.
فاطمة بنفاذ صبر وهي تقف و تأمره بتحدي و صرامة:
– بقولك ايه معاك يومين تجيبلي فيهم ابني و احفادي يعيشوا هنا في حضني، انت سامع انا خلاص فاض بيا يا اما والله انا اللي هروحلهم بنفسي و ابقا قابلني لو شوفت مني شعرة بعد كدة.
غادرت بخطى غاضبة مصتنعة وهي ترسم ملامح التجهم عليها ما أن خرجت و اغلقت الباب خلفها بقوة و رأت حفيدتها التي كانت تضع اذنها على باب الغرفة حتى انفجرت ضاحكة و شاركتها الحفيدة الضحك.
بدور بخوف وهي تمسك ضحكاتها:
– بس يا جدتي بالله عليكي لأحسن جدي يطلع و يطربق الدنيا على نفوخنا. ثم اكملت وهي تسحبها من يدها: تعالي جوا في الأوضة لاحسن حد يسمعني.
دلفوا الي غرفة الحفيدة و اغلقوها بإحكام ثم جلسوا سوياً فوق الفراش.
بدور بحماس وهي تثني قدمها و تجلس عليها:
– ها احكي، عملتي ايه؟
فاطمة بهمس و علامات الضحك مرتسمة على وجهها:
– قعدت ازعق فيه و اقوله عايزة ابني و احفادي و مشيت و سيبته.
بدور مطمئنة وهي تضع يدها فوق صدرها:
– يعني الخطة مشيت تمام الحمدلله.
فاطمة بتوجس وهي تنظر لها:
– تفتكري هيسمع كلامي.
بدور بمشاكسة:
– طبعا يا جميل محدش في البيت ده كله له كلمة على عبد التواب غيرك يا حلو يا مسيطر انت.
ضحكت فاطمة بغنج و ثقة وهي تهندم جلبابها بخجل من مشاكسة الصغيرة، تنهدت داعية الله أن يلتم شملهم في أقل من أسبوع.
عند عبد التواب..
كان يحتسي قهوته بضيق فزوجته تستغل حبه لها و عدم مقدرته على معاقبتها او محاسبتها لأن قلبه يضعف دائما أمامها، زفر بضيق و غضب وهو يستغفر الله لكن قاطع خلوته دلوف حفيده المشاكس.
يامن بمرح وهو يختطف القهوة من يده و يحتسيها بتلذذ:
– الله عليكي يا بطة و على قهوتك الحلوة، تسلم ايدها والله.
عبد التواب بتجهم:
– عايز ايه يا زفت انتي.
يامن بمراوغة:
– ابدا سمعت جدتي صوتها عالي قولت اجي اطمن اشوف في إصابات ولا ايه.
الجد بزمجرة وهو يضربه بخفه بعكازه:
– لا مفيش يا خفيف يلا اتكل على الله روح اتسلى على حد غيري.
يامن وهو يقف و يذهب اليه ليحتضنه عنوة:
– ما تقولي يا جدو يا حبيبي ايه مزعلك بس يمكن احللك مشكلتك.
عبد التواب وهو يدفعه بعنف:
– وسع يا واد كدة هتخنق.
ابتعد يامن و سحب مقعده ليجلس بجانب جده بحماس و ظل ينظر له، نظر له عبد التواب بنفاذ صبر ولكن هو بالفعل يحتاج للمساعدة فنظر ليامن بطرف أعينه فهو الوحيد الذي يستطيع حل مشكلته ليس لأنه ذكي او شئ من هذا القبيل لكنه الوحيد الذي يمتلك تلك الروح المرحة العطوفة.
عبد التواب على مضدد:
– اسمع لو حرف طلع برة هزعلك.
يامن بجدية:
– عيب عليك يا حجوج، سرك في بير.
عبد التواب بهدوء وهو ينظر لحقوله المثمرة:
– عايز اجيب احفادي و خالك هنا.
يامن بصدمة:
– ازاي؟؟؟
عبد التواب بضيق و نفاذ صبر:
– ما انا اكيد لو اعرف مكنتش اتحوجت لواحد شبهكي.
يامن بتفكير:
– عندك حق والله، طب انت جربت تبعتلهم رسايل مثلا.
عبد التواب بحزن تغلفه الجدية:
– ايوة بس محدش بييجي. ثم اكمل بحنق طفولي: حتى احفادي اللي هما المفروض بنات و حنينين قلبهم جامد عليا و مش بيسمعولي.
يامن بجدية:
– ما انت بردو اللي عملتوا مش قليل يا حاج، انا لو مكانهم ولا هعبرك.
عبد التواب بحدة وهو يدفعه بعنف:
– طب قوم يا عاطل يا صايع من هنا، بقا انت اللي هتقولي انا اتصرفت صح ولا غلط، غور من وشي.
يامن بلامبالاة وهو يقف و يعدل هندامه بغرور:
– براحتك يا عبد التواب بس لعلمك العاطل الصايع ده كان عنده فكرة جهنمية عشان اجيبلك عيلتك كلها بس يلا نصيب.
عبد التواب بسرعة و صرامة وهو يراه يعطيه ظهره:
– اثبت يا ولد هنا، تعالي قولي ايه الفكرة.
يامن بحماس وهو يعود ليجلس بسرعة:
– ايدك على 2000 جنيه.
عبد التواب بغضب:
– 2000 جنيه!!!! اطلع برة يا حيوان.
عبد التواب بغيظ وهو يعبث بجيوب جلبابه:
– اللهم طولك يا روح، اتفضل الفلوس اهي انطق.
أخذهم يامن بحماس ثم قبل رأس جده و جلس يسرد له الخطة فكان يستمع له عبد التواب بآذان صاغية و أعين ملتمعة حتى انتهى يامن من شرحه و صمت ليستمع الي تعقيب جده.
عبد التواب بأبتسامة إعجاب:
– تستاهل الـ2000 جنيه يا ولد، طالع لأمك أفكارك داهية.
يامن بثقة و غرور وهو يضع قدم فوق الأخري و يفر الأموال بين يديه:
– والله مبحبش اتكلم عن نفسي كتير يعني الحسد مذكور في القرآن برد.
عبد التواب وهو يضربه فوق ساقه:
– نزل رجلك يا قليل الادب ويلا غور من هنا.
غادر يامن بسرعة و جلس عبد التواب يعيد تفكيره فيما قاله حفيده الأبله فأبتسم وهو يستشعر لذة النصر قبل أن ينفذ الخطة.
عبد التواب بأبتسامة جانبية واثقة وهو يتأمل الغروب:
– هتيجوا يا عيلة عبد التواب، و في أقل من اليومين اللي فاطمة قالت عليهم كمان.
رواية زواج بالاكراه الفصل الثاني 2 - بقلم ملك مصطفي
في مصر..بمحافظة الإسكندرية..
دلفت إلى المنزل بإنهاك وهي تشعر بأن رأسها تكاد أن تنفجر. فذهبت إلى المطبخ وأخرجت تلك الحباية من حقيبتها وارتشفت بعض الماء. ثم استندت بكفيها فوق الطاولة المتوسطة بمنتصف المطبخ حتى أفزعتها شقيقتها بصراخها.
مليكة بفزع وهي تنتفض من مكانها:
– يخربيتك يا ريتال! إيه الصوت ده؟
ريتال بضحك وهي تفتح الثلاجة بلا اهتمام:
– أنا قولت أفوقك كدة. افتكرتك نمتي وإنتي واقفة.
مليكة بإرهاق وهي تسحب مقعد وتجلس عليه:
– لا يختي منمتش. تعبانة شوية بس، الصداع هيموتني.
ريتال بتهكم وهي تضع الصحون فوق الطاولة أمام شقيقتها:
– ما طبعًا يا دكتورة. واحدة دكتورة نفسية بتسمع بلاوي الناس، مستنية راسك يحصلها إيه؟
مليكة وهي تقف لتغسل يدها ثم تعود للطاولة مرة أخرى:
– سيبك مني. عملتي إيه في الكلية النهاردة؟ وماما فين؟ مش سامعة صوتها.
ريتال وهي تسحب مقعد هي الأخرى وتجلس قبالتها:
– ماما نايمة أهي. قالتلي أول ما مليكة تيجي حطلها تاكل وراحت دخلت تنام. أما أنا بقا يا ستي روحت الجامعة مدخلتش ولا محاضرة خالص.
مليكة بضيق وهي تأكل:
– ليه كدة؟
ريتال:
– مبحبش الدكاترة بيستقصدوني.
مليكة بهدوء:
– مش عشان إنتي بتاعت مشاكل يعني؟
ريتال بضحك:
– أنا يا بنتي؟
ضحكت مليكة وهي تهز رأسها بيأس من تلك المشاغبة الصغيرة، فهي دائمًا ما تفتعل المشاكل التي تدخلهم جميعًا في مأزق.
ريتال بتساؤل وهي تلعب بأصابعها:
– عاملة إيه مع محمد؟
مليكة بابتسامة من اهتمام شقيقتها:
– كويسين الحمد لله. لسة متكلمين في تفاصيل الفرح أهو.
ريتال بضيق:
– بردو مصممة يا مليكة؟ أنا وماما مش مرتاحين وإنتي عارفة كدة كويس.
مليكة بهدوء وهي تحمل صحنها وتذهب به للحوض:
– بس أنا مرتاحة وبحبه. وهو شخص مفهوش عيوب. والأهم من ده كله بيحبني.
ريتال بغيظ:
– طب ما بابا الله يرحمه مكنش موافق عليه بردو. إنتي اللي صممتي وعاندتي عشان كدة أبوكي اشترط عليه بحاجات تقطم وسطه وتطفشه، لكن هو لازق.
مليكة بضيق وهي تلتف لها:
– إنتي عايزة إيه يا ريتال؟ قولتلك بحبه وعايزاه وشيفاه مناسب ليا. وبعدين إنتي جاية تقولي الكلام ده بعد خطوبتنا بـ 8 سنين؟
ريتال وهي تقف وتذهب إليها لتقف أمامها:
– أنا بقولك الكلام ده من سنة. وماما قالتهولك. وبابا الله يرحمه قالهولك من 8 سنين قبل ما يموت. وبعدين ده أكبر منك بكتير أوي. ده عنده 33 سنة يعني أكبر منك بـ 7 سنين بحالهم. وحاجة كمان ده خاطبك من وانتي 17 سنة يا مفترية. بقاله 8 سنين بيجهز الشقة إزاي يعني؟
مليكة بلامبالاة وهي تغادر المطبخ:
– أنا مش مستعجلة. وكمان يمكن ظروفه مكانتش سامحة يعني. مش كفاية إنه بيجهزها لوحده وطلبش مني أي حاجة.
ريتال بضيق وهي تتبعها:
– هتفضلي غبية كدة لحد إمتى؟ ده منظر واحد بيحب! يا بنتي ده بيكلمك في المناسبات. ده مبيجيش عندنا غير لو فيه مصيبة.
نظرت لها مليكة بضيق ثم دلفت إلى غرفة والدتها لتطمئن عليها، فوجدتها جالسة فوق الفراش وتتصفح هاتفها.
مليكة بابتسامة وهي تقترب من الفراش وتحاوط كتفيها:
– يعني صاحية يا ست الكل أهو وسايباني مع القردة دي لوحدي.
والدتها بتوجس وهي تشير لريتال لتقترب:
– اسكتي يا مليكة مش وقت هزار. جدك شكله تعبان وفي أيامه الأخيرة.
مليكة بجمود وهي تبعد يدها عن والدتها:
– جدي مين؟
والدتها بقلق وهي تنظر لهاتفها مرة أخرى:
– جدك عبد التواب يا بنتي. لقيت رسالة من رقمه. بفتحها طلع حد من أحفاده اللي هناك هو اللي كاتبها بيقول إن حالته خطيرة وفي أيامه الأخيرة وطالب يشوفنا.
ريتال بتفكير:
– طب ما يمكن كذب عشان نيجي. ما هو كل سنة بيطلب يشوفنا وإحنا مبنروحش عشان كدة تلاقيه اخترع حجة.
والدتها بتفكير وهي تعطيها الهاتف:
– بس ده باعت صورة من الأشاعات والتحاليل.
أخذت ريتال الهاتف ونظرت لتلك الصورة المرسلة بتمعن، فبالفعل هذه أوراق طبية لكنها لا تفهم ما الحالة. فأعطت الهاتف لمليكة التي التقطته بضيق.
مليكة بجمود ظاهري وهي تنظر في الهاتف:
– فعلاً حالته خطيرة. ربنا يشفيه. يلا أنا هدخل أنام. عايزين حاجة؟ تصبحوا على خير.
والدتها بقوة:
– استني يا بنت. إيه الجحود ده بقا؟ جدك بين الحياة والموت وتتعاملي مع الموقف باستهتار كدة؟
مليكة بهدوء:
– ما أنا قولت ربنا يشفيه أهو. عايزة إيه تاني؟
والدتها بحزم وهي تقف:
– روحي لمي هدومك إنتي وأختك. إحنا هنروح عنده.
مليكة بعدم تصديق وقد سقط فكها السفلي من هول الصدمة:
– نعم!! نروح فين؟ أنا مش رايحة في حتة. أنا ورايا شغل مهم جدًا بكرة.
ريتال بحجة واهية وهي تقف بجانب مليكة:
– وأنا ورايا كلية وامتحانات قربت تدخل. وفيه دكتور جديد لازم أحضرله.
والدتهم بغضب:
– أنا مشوفتش قلة أدب كدة. ده جدكم يا جبابرة.
ريتال بحدة:
– بس متقوليش جدنا. إحنا نعرفه أساسًا؟ إحنا كل اللي نعرفه عنه حكايات أبونا الله يرحمه لينا. مش ده اللي طرده زمان عشان كان عايز يتجوزك؟ إنتي إزاي أصلًا بتفكري فيهم وهما رفضوكي زمان ومشافوكيش تشرفي عيلتهم.
صُدمت والدتها من حدة وهمجية ابنتها وكم آلمتها جملتها الأخيرة، فلم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع كفها وتهبط به على وجنتها.
مليكة بصدمة وهي تحتضن شقيقتها:
– ماما!
ريتال بانهيار وهي تدفع شقيقتها وتركض للخارج:
– بابا لو كان عايش مكنتيش قدرتي تعملي كدة.
والدتها بصوت عالٍ وغضب كي تسمعها:
– أبوكي لو كان عايش كان قطم رقبتك بعد كلامك ده يا قليلة الأدب. واعملي حسابك بكرة بعد ما تيجي من المخروبة بتاعتك هنسافر لجدك.
لم تبالِ ريتال وأغلقت باب غرفتها بقوة، فزفرت والدتها وهي تستغفر الله كثيرًا ثم ذهبت لخزانتها وبدأت تخرج بعض الملابس.
والدتها بهدوء:
– هتخلصي شغلك إمتى؟
مليكة بفتور:
– بليل.
والدتها:
– كدة مينفعش. خدي إجازة كام يوم نروح نشوف حالة جدك و أبقى ارجعي كملي شغل.
مليكة بسرعة:
– لا يا ماما مينفعش. ده أنا بكرة رايحة المدرسة بتاعت الأطفال اللي حكيتلك عليهم. وإنتي عارفة أنا أخدت الموافقة من الإدارة بصعوبة إزاي. مش هعرف أعوض اليوم ده تاني. سافري إنتي وريتال وأنا هبقى أحصلكم.
والدتها بتنهيدة يائسة:
– ماشي يا مليكة. لما نشوف آخرتها.
حمدت الله كثيرًا على تفهم والدتها، فهي بفضل عملها وكثرة تنقلها وسفرها بين المحافظات اعتادت والدتها وقل قلقها كثيرًا وأصبح أمرًا عاديًا أن تسافر وتتنقل وحدها.
مليكة بهدوء وهي تجلس فوق المقعد الخشبي بجوار الفراش وهي تراقب والدتها التي تعد حقيبتها:
– مش هتصالحي ريتال؟
والدتها بوجوم:
– دي عايزة تتربى من أول وجديد. مفكرة نفسها كبرت على الضرب. لا وبتعلي صوتها على مامتها كمان.
مليكة بتوتر:
– أنا عارفة إنها غلطانة بس هي بردو عندها حق يا ماما! إنتي إزاي أصلًا يهمك أمر الناس دي بعد اللي عملوه في بابا زمان. دول قطعوا صلتهم بيه عشان كان عايز يتجوزك وطردوه. إنتي ناسيه عياط بابا كل يوم لما كان بيحاول بس يكلم مامته وإخواته البنات؟
والدتها بهدوء وهي تجلس على الفراش:
– أولًا اسمهم جدتي وعماتي مش مامته وإخواته البنات. ثانيًا لا مش ناسيه بس باباكي كان كل يوم يحلفني إن لو حصلوا حاجة أهله دول يبقوا في عيني. وعايزة أفهمك حاجة. أهل باباكي مش وحشين وجدتك وعماتك زي السكر. مش هنسى إنهم كانوا دائمًا لما باباكي يتكلم معاهم في التليفون هما يطلبوا يكلموني ويسلموا عليا. هناك في الصعيد الأغلبية بيتجوزوا ناس من دمهم وبقى ده العرف هناك واللي مكنش بيعمل كدة كانت القيامة تقوم عليه. باباكي وعمامك حبونا وإحنا مش من دمهم فطبعًا جدك موافقش بحاجة زي دي خصوصًا إنه كان واعد عم باباكي بس فعشان كدة كل ده حصل. وكمان إنتي عمرك سمعتي حاجة وحشة عن جدك؟ ده دائمًا باباكي كان بيحكي عن قد إيه هما ناس كويسة.
مليكة بقهر:
– عشان دول أهله. أكيد مش هيتكلم عنهم وحش.
والدتها:
– مش دائمًا. بابا كان بيقولنا إنه بيحبهم وعايزهم مبسوطين وموصينا عليهم؟ إنتي كدة بتعملي وصية بابا يا مليكة؟ كفاية أوي بسببك إنتي وأختك كل سنة نرفض دعوته لينا ومنروحش لما يطلبنا. لكن دي زيارة مريض ومش أي مريض ده جدك.
اقشعر بدنها وهي تحاول تبرير موقفها ولكنها فشلت. لا تنكر أنها تحب عائلة والدها لأن والدها كان دائمًا يزرع بهم حب تلك العائلة، ولكنها أيضًا لا تنسى دموعه التي لم تجف يومًا. زفرت كثيرًا ثم نهضت لتغادر.
مليكة بهدوء وهي تغادر:
– خلاص يا ماما هدخل أقنع ريتال وهحصلكم بليل.
والدتها باطمئنان:
– ماشي يا حبيبتي.
أغلقت مليكة الباب خلفها بهدوء ثم حمدت الله كثيرًا أن والدتها وثقت بها، فهي بالطبع لن تسافر هي فقط ستكتفي بالاطمئنان عليه عن طريق والدتها. ابتسمت بذكاء وذهبت لغرفة شقيقتها وحاولت فتحها عدة مرات لكن كان الباب موصدًا من الداخل، فزفرت بحنق وذهبت إلى غرفتها بيأس بعد أن استمعت لصياح شقيقتها التي أمرتها بصرامة أن تغادر.
***
في منزل ما بأنحاء المدينة..
استيقظت فجرًا على صوت والدها العالي، فزفرت بحنق وهي تقف ببطء وتتثاءب. رتبت شعرها بفوضوية وسارت للخارج فوجدت والدها يجلس بالصالون وبجانبه والدتها تربت فوق ذراعه بقلة حيلة. تعجبت من حالهم واقتربت منهم أكثر.
سيليا بقلق وهي تجلس بجانب والدها:
– في إيه يا بابي؟ مالك؟
والدتها بحزن:
– جدك يا حبيبتي تعبان أوي وعايزنا معاه.
سيليا بعدم فهم:
– جدي مين؟
والدتها وهي تلكزها وتنظر لها بشزر:
– جدك يا سيليا يا حبيبتي. إنتي عندك كام جد؟
سيليا بضيق وهي تفرك كتفها:
– آه آه جدو. لا ألف سلامة عليه. طب تصبحوا على خير بقا هروح أكمل نوم.
والدها بحزم وهو يقف:
– مفيش نوم. إحنا هنلم هدومنا دلوقتي ونروحله.
سيليا بصدمة وهي تبتسم بتوتر:
– بابي حبيبي إنت بتهزر أكيد. نروح فين؟ أنا معرفش الناس دي ولا هعرف أتعامل معاهم. أنا مش هقدر أستحمل إنهم يعاملوني على إني حفيدة غير مرغوب فيها خصوصًا بعد اللي جدو عملوا فيك زمان لما كنت عايز تتجوز مامي.
والدها بحنان وهو يحاوط وجهها:
– الناس اللي بتتكلمي عنهم دول أهلك يا سيليا. أنا أساسًا كنت عايز أعرفك عليهم من زمان بس كنت مستني وقت مناسب. وأنا مش هستنى يجرى لأبويا حاجة وأنا بعيد عنه. كفاية عمامك اللي راحوا وملحقتش أشبع منهم وكفاياني عند ومكابرة مع أبويا اللي بيطلب يشوفني كل سنة ومبروحش عشان خاطرك. لكن المرة دي لأ.
سيليا بترجي محاولة إقناع والدها:
– بس يا بابا آآآ.
والدها بحزم:
– مفيش بس. اتفضلي ادخلي لمي هدومك.
زفرت بحنق وغادرت وهي تدبدب في الأرض بقدمها. أغلقت الباب خلفها بقوة ثم أمسكت هاتفها وراسلت أصدقائها برسالة صوتية.
سيليا بغضب وهي تدور في الغرفة:
– معلش يا بنات أنا out من خروجة بكرة عشان مسافرة.
ألقت الهاتف جانبًا وبدأت في تجهيز حقيبتها وهي تشعر بالغضب الشديد، فهي لا تريد أن تغادر مدينتها ولكنها تعرف مهما ترجت والدها أن يتركها هنا وحدها فهو لن يوافق لأنها عديمة المسؤولية كما تلقبها والدتها.
***
بالخارج..
كانت نائمة بهدوء وفجأة شعرت بمن يقفز فوقها ويصرخ في أذنها. فنهضت بفزع وعندما رأت صديقتها البلهاء شعرت بالغضب الشديد وبدأت بضربها.
آسيا بحدة:
– are you crazy, girl?
صديقتها بحماس وهي تعطيها الهاتف بسرعة:
– wait a minute girl, your grandpa is going to die.
آسيا بصدمة وعدم فهم:
– What are you saying?
صديقتها بحماس مفرط وهي تشير للهاتف الذي أعطته لها:
– Yes, girl, he’s going to die. Look at your phone with your hand and read that letter.
آسيا بحدة وهي تلتقط أنفاسها وتجلس فوق الفراش مرة أخرى:
– Shut your mouth.
بدأت تقرأ الرسالة ومحتواها وهي لا تشعر بأي شيء سوا فقط بعض الألم والحزن لأن والدها أكسبها بعض المحبة لتلك العائلة برغم أنها لم تعش معهم ولم تعاشرهم، ولكن من محبة والدها لهم أحبتهم. ولكنها لا تنكر أن الكراهية هي المسيطرة عليها بشكل أكبر.
آسيا بهدوء وهي تضع الهاتف جانبًا:
– Well, I read it, but I didn’t understand that happiness you were in.
صديقتها بنفس الحماس وهي تلكزها:
– Girl, show me your attention. Say for you he will die. It means you’re going to make a lot of money, especially since your grandfather is a man with a lot of money.
آسيا بلامبالاة وهي تستلقي أسفل الغطاء وتغلق عينيها استعدادًا للنوم:
– I don’t care about his money. Let him keep it to himself.
صديقتها بغضب وهي ترفع عنها الغطاء:
– Asia, are you crazy? Look at us a little bit. We’re on the brink of poverty, and we’re also going to be kicked out of that little tuna-like room. This opportunity won’t happen again. You have to go to him to guarantee yourself your right and not let your relatives eat your inheritance.
صمتت آسيا ولم تستطع الرد، فبالفعل حالتهم متضررة للغاية وفي القريب العاجل سيبيتون في الشارع خاصة أنهم معاقبون من رب عملهم ولن يأخذوا راتبهم لمدة ثلاثة أشهر. ابتلعت غصتها بألم وهي تنظر لصورة والدها المعلقة أمام الفراش، ثم تذكرت وصيته وكلامه لها بأن تهتم بعائلته بعد مماته وتذهب لتعيش معهم وتصبح بينهم، فهي هنا سوف تخسر كل شيء. كان محقًا! فهو بعد مماته تم طردها من المنزل الخاص بهم وأصبحت مشردة ورفضت تمامًا مساعدة ما يدعى بجدها بل ورمته بكلام جارح عنيف وأصبحت تنام بالشارع لفترة وجيزة حتى رآها صاحب المطعم وطلب منها أن تعمل عنده، كان يطمع بها ولكنها استطاعت أن تحمي نفسها منه جيدًا وما إن رفضته حتى أصبح يعاملها بقسوة وجحود ويتعمد أن يخصم من راتبها. أخذت نفسًا عميقًا لتكتم به دموعها التي تجمعت بأعينها تريد أن تهبط.
آسيا بعد تفكير:
– I’m leaving.
احتضنتها صديقتها بقوة، فأبعدتها آسيا وأمسكت الهاتف تراسل ذلك الرقم الذي بعث لها أخبار جدها.
آسيا في الرسالة:
– ماشي أنا جاية، بس احجزولي تذكرة عشان أنا معيش فلوس.
كادت أن تترك الهاتف ولكن تفاجأت من سرعة الرد، ففتحت الرسالة ورأت محتواها.
– جهزي شنطتك وابدأي اتحركي على المطار. كل حاجة جاهزة. هتلاقي واحدة هناك معاها تذكرتك.
آسيا بسخرية وهي تكتب:
– ده إنتو مجهزين كل حاجة بسم الله ما شاء الله. لما أجي مين هياخدني أنا مش هعرف أروح لوحدي لأني معرفش مصر أوي.
– أنا هاجي أخ
دك.
– إنت مين؟
– أنا يامن ابن عمتك.
– وهنعرف بعض إزاي؟
رأت أنه قد رأى الرسالة ولم يرد، فردت بوقاحة ولكنها تفاجأت به يحادثها مكالمة فيديو. فوقفت بخضة ودارت حول نفسها ثم رتبت شعرها ومسحت وجهها بكفها بسرعة ثم أجابت وهي ترسم تعابير اللامبالاة فوق وجهها.
آسيا بتعجب وهي ترى شاشة سوداء:
– are you here?
يامن بصوت ناعس:
– أيوه أيوه هنا بس مكسل أقوم أفتح نور الأوضة. ثم أكمل بمشاكسة وهو يتأملها: بس إيه الجمال والحلاوة دي. عيونك دي ولا لينسيز؟
آسيا بحدة:
– Are you harassing me?
يامن بفزع:
– إيه يا حجة الكلام ده؟ تحرش إيه بس؟ هتركبنا الغلط. وبعدين إنتي بتتكلمي أجنبي ليه؟ ما إنتي كنتي بتكلميني عربي في الرسايل.
آسيا بهدوء:
– مكنش قصدي تعود مني بس. المهم يعني هعرفك إزاي بردو وإنت قافل النور كدة ومش شايفة منك حاجة. ثم سخرت منه وهي ترفع حاجبها بخبث: إنت شكلك وحش ومكسوف ولا إيه؟
يامن:
– لالا حاسبي على كلامك ده. أنا قمر. استني هنا.
ذهب وأشعل إضاءة الغرفة فظهر لها وجهه الأسمر المحدد بطريقة جذابة وأعينه الزيتونية الناعسة. لا تنكر أنها أُذهلت من جماله وهذا ضايقها كثيرًا فهي كانت تظن نفسها الأجمل.
يامن بخبث وهو يعود ليتمدد على الفراش مرة أخرى:
– أنا بتكسف من النظرات دي خلي بالك.
آسيا بحدة لتداري إحراجها وتوترها:
– خلاص شوفتك وعرفت
ك. يلا باي عشان ألحق أروح أحضر شنطتي.
لم تنتظر رده وأغلقت الهاتف بوجهه وهي تشعر بالخجل الشديد، فألقت الهاتف على الفراش ونظرت لصديقتها التي تلقفته بسرعة وبدأت تعبث به.
آسيا بتساؤل:
– what are you doing?
صديقتها:
– I’m trying to find that guy’s Facebook page. He’s very attractive and has a purely oriental beauty.
آسيا بضحك:
– I swear you’re crazy. But wait a moment how are you reading the message And it’s written in Arabic.
صديقتها:
– I translated it from Google.
حركت حدقتيها بيأس من فضول صديقتها وذهبت لتجمع جميع ملابسها. وعندما انتهت من تجهيز نفسها ودعت صديقتها بحميمية. وعندما هبطت من المنزل اتجهت إلى المطعم التي تعمل به فهو كان بالقرب من البناية التي تقطن بها. وعندما وصلت رأت مديرها يقف أمام المطعم ويتحدث بالهاتف، فوقفت أمامه مباشرة وتلفظت بألفاظ شديدة السوء أنهتها ببصقة قوية في وجهه. وقبل أن يرفع يده ويصفعها كانت قد قفزت داخل سيارة أجرة في طريقها إلى المطار وهي تشعر بالتشفي.
***
في صباح اليوم التالي..
في الصعيد..بالقصر..بغرفة الحاج عبد التواب تحديدًا..
كان يجلس فوق الفراش ويقرأ الصحيفة بتروي حتى دلفت عليه يامن بطريقته الفجة المعتادة.
يامن بنبرة عالية وهو يسير باتجاه الفراش:
– صباح الخير يا حج.
عبد التواب باشمئزاز وهو يعيد نظره للصحيفة:
– صباحك شبه وشك. عايز إيه على الصبح؟
يامن:
– إنت نسيت خطتنا ولا إيه؟ العيلة كلها زمانها جاية. لازم تنادي جدتي وأمي وعماتي تفهمهم الليلة لأحسن نتكشف وساعتها ولا حد هيبص في وشك بعد كدة.
عبد التواب بزمجرة:
– اتحشم يا قليل الرباية. إنت بتكلم جدك مش واحد من الصيع اللي تعرفهم. وفين صقر وأيان ويونس وآسر عشان أقولهم عشان ميغلطوش قدام حد.
يامن بلامبالاة:
– أنا حطيتهم ضمن الخطة. محدش يعرف غيري أنا وإنت حاليًا.
عبد التواب بعدم فهم:
– يعني إيه حطيتهم ضمن الخطة؟
يامن:
– يعني بعتلهم رسالة مرضك زيهم زي الباقي. هما مش عاجبيني. مبيجوش الصعيد غير كل فين وفين ومش عاطيينك أي اهتمام كدة.
عبد التواب بسخرية:
– عشان وراهم أشغالهم اللي هناك يا عاطلي.
يامن بضيق:
– يوووه بقا يا عبد التواب السيرة دي تاني. قبل ما أمشي خالي محمود رد عليا وقالي إنه في السكة ومعاه بنته ومراته ومرات خالي عبد العال الله يرحمه قالتلي إنها مستنية بنتها الصغيرة تيجي من الجامعة وهييجوا على طول. والرجالة زمانهم على وصول بردو. وبنت خالي محمد في الطيارة زمانها على وصول.
عبد التواب بقلق:
– هتيجي إزاي دي؟ ممكن تتوه هنا.
يامن بهدوء وهو ينظر بالمرآة ويهندم شعره:
– أنا رايح آخدها وهجيبها على هنا.
عبد التواب بابتسامة مطمئنة:
– راجل من ضهر راجل. يلا روح لها بسرعة وأوعاك تضايقها ها دي بنت الغالي.
يامن بابتسامة وهو يغادر:
– دي هي اللي هتضايقني يا حجوج. مع السلامة.
غادر يامن بسرعة وفي طريقه قابل ابنة خالته بدور التي كانت جالسة فوق الدرج.
يامن بتعجب وهو يبطئ خطواته:
– قاعدة كدة ليه يا بدور؟
بدور بنظرة حالمة وشرود:
– مستنياك.
يامن بتعجب وهو يحرك كفه أمام وجهها:
– إنتي يا بتي؟
يامن مقلدًا إياها بسخرية:
– مستنظرااااك.
بدور بغضب وخجل:
– اتحشم عاد! جليل الرباية.
صُحك. ركضت للأعلى فضحك بقوة على طفولتها البريئة، فهو يعلم أنها تعشق ابن خالته ولكنه لا ينتبه لها بسبب تنقله الدائم واهتمامه الكبير بعمله.
يامن بضحك وهو يغادر القصر ويصعد بسيارته:
– ده إيه العيلة اللي كل ما تتوتر تتكلم صعيدي دي.
رواية زواج بالاكراه الفصل الثالث 3 - بقلم ملك مصطفي
في الجامعة..
كانت تجلس مع أصدقائها في المدرج وملامح وجهها منزعجة للغاية. وما زاد الطين بلة تلك الضوضاء حولها. فزفرت بعنف وهي تتخيل حياتها القادمة بذلك المكان الذي ستذهب إليه. فهي تعلم أنها ليست مرغوب بها عند عائلة والدها. ودائماً ما تسمع أن عائلة الوالد شديدة السوء. هي لم تتعامل معهم. وأيضاً والدها كان يخبرها عن مدى طيبتهم. ولكنها تمتلك عقدة منهم وتخشى أن يتم نبذها مثل والدها.
"محمد بصوت عالي: انتي يا بنتي."
"أسماء وهي تلكزها: يا ريتا ركزي معانا."
"ريتال بحدة مبالغ فيها: قولتلك مليون مرة مبحبش اسم ريتا ده."
"محمد بتعجب: في ايه يا ريتال محصلش حاجة لده كله. اهدي احنا بنهزر."
"ريتال وهي تجمع أشياءها وتقف لتغادر: أنا آسفة يا أسماء. انتوا عارفين اللي فيا معلش. أنا همشي مش هقدر أحضر المحاضرة."
"أسماء وهي تقف لتمنعها من العبور: استني يا بنتي. الدكتور زمانه على وصول. وبعدين ده واحد جديد منعرفش نظامه إيه. ممكن يغلس."
"ريتال بلامبالاة وهي تدفعها بخفة لتعبر: كده كده خربانة."
هبطت الدرج وهي تعبث بحقيبتها لتتأكد من أن جميع أشياءها موجودة. فأرتطمت بصدر صلب مما جعل رأسها تؤلمها بشدة وأشياءها تسقط أرضاً. رفعت عينيها بغضب لترى ذلك المختل. وكادت أن تتفوه بما يجعله ينكس رأسه خجلاً. لكنها تفاجئت به يسير فوق أشياءها بلا مبالاة. ويذهب لمكتبه ليضع عليه أشياءه.
"الشخص بهدوء: صباح الخير يا شباب. أنا الدكتور الجديد بدل دكتور سمير."
"ريتال بذهول وغضب شديد وهي تنحني لتجلب أشياءها: قليل الذوق ومش متربي. راح جحش جه حمار."
شهقت بعنف وهي تستمع لصوتها يدوي بالمدرج أجمع. فقد سقطت تلك السماعات التي يتحدث فيها منه على أشياءها أرضاً.
"ريتال برهبة شديدة وهي تعتدل في وقفتها وتنظر له: أنا آآ أنا.."
"هو مقاطعاً لها بحدة: استنيني في مكتبي. حالاً!!"
انتفضت من نبرته الأخيرة فسقطت أشياءها مرة أخرى. ولكن تلك المرة لم تبالي وركضت للخارج. فكرت أن تهرب ولكن لا مفر. فذهبت لغرفة العميد بخطوات مرتجفة وهي تتمنى أن تبتلعها الأرض. طرقت الباب بهدوء واستمعت لشخص ما يأمرها بالدخول. وعندما دلفت ابتسم العميد بسخرية.
"العميد بهدوء: ضربتي مين النهاردة؟ هو انتي مفيش غيرك في أم الكلية دي وانتي الشلة الفاقدة بتاعتك. بس تتحسدي جاية لوحدك النهاردة."
"ريتال وهي تتصنع البكاء: أنا معملتش حاجة أنا آآ."
"العميد مقاطعاً إياها بسخرية وهو يرفع يده لتصمت: بس بس بس. انتي كل مرة تعملي الشويتين دول وأنا أسامحك زي المغفل. بس الحمدلله أنا مشيت. دلوقتي بقا فيه واحد غيري. هو ده اللي هيعلمكوا الأدب."
"ريتال بعدم فهم وهي تمسح دموعها الوهمية: أومال انت بتعمل إيه هنا وفين العميد الجديد؟"
"العميد بهدوء وهو يلملم أشياءه: بلم حاجتي. هو سايبني أودع المكتب."
جلست ريتال وقد احتل الخوف قلبها بالفعل. فهي كانت دائماً تتصنع البكاء كي يرأف بها. وبالفعل كان يسامحها. ولكن العميد الجديد لا تعلم ماذا ستقول له وهل سيرأف بها. ودعها ذلك العميد وغادر تاركاً إياها بالغرفة وحدها. فشعرت بملل شديد وقامت لتسير بالغرفة قليلاً. مر ما يقارب الساعة. فوضعت يدها بحقيبتها لتخرج هاتفها. فلم تجده. شعرت بالرعب وبدأت ضربات قلبها تنبض بقوة. ظلت تبحث بحقيبتها وبدأت بالبكاء بالفعل. حتى فُتِح عليها الباب. تعجب مما يراه. فهي كانت جالسة فوق ركبتيها أرضاً وأمامها حقيبتها المفرغة وتعبث بالأشياء.
"العميد بزمجرة: إيه اللي انتي عملاه ده؟"
"ريتال ببكاء شديد: بس بقا هي مش ناقصاك انت كمان."
"العميد بحدة وهو يغلق الباب بقوة يسير لمكتبه بخطوات واسعة: قومي اقفي يا طالبة."
وقفت وجسدها ينتفض أثر بكائها. فمسحت وجهها عدة مرات فتوقف نحيبها. وهي ترى هاتفها بين يديه.
"ريتال بشهقة: ده موبايلي."
"العميد بهدوء: أيوه انتي نسيتي حاجتك جوة."
"ريتال بأبتسامة واسعة وهي تمسح دموعها: شكراً أوي يا دكتور. انت طيب أوي."
"العميد: كارنيهك فين؟"
أخرجته من جيبها وأعطته إياه. رأته ينظر فيه بتمعن. ثم نظر إليها وأعاد نظره له مرة أخرى.
"العميد بتساؤل: انتي ريتال عبد العال عبد التواب سمير محمد الجندي؟؟؟؟"
"ريتال بتعجب: أيوه."
رأته يتأملها وبداخل أعينه نظرة مشدوهة. نظر لها مطولاً. ثم جلس وأخرج ورقة ما وظل يكتب بها. لم تفهم ما يحدث ولكنها تساءلت ببلاهة.
"ريتال بتساؤل وهي تستند على المكتب بكفيها: انت إزاي عميد ودكتور وانت صغير في السن كده؟"
"العميد بهدوء: مليكيش دعوة."
"ريتال بلامبالاة وعفوية: غريبة أوي بجد. وكمان يمشوا العميد القديم. يعني حركة آخر ندالة. مش عيب عليك ده قد جدك."
رفع نظره يرمقها بنظرة متعجبة. ثم عاد ينظر للورقة التي أمامه. انتهى من كتابتها. ثم لملم أشياءها جيداً وأعطاها لها.
"المعيد بأبتسامة صفراء: اتفضلي. دي ورقة فصلك يا دكتورة. وأحمدي ربنا إنها جات على قد أسبوع. أنا مرضتش أفصلك خالص."
"ريتال وهي تضرب وجنتيها: يا نهارك أسود!!!"
"المعيد بحدة: إيه الأسلوب ده. احترمي نفسك."
"ريتال بغيظ وهي تلملم أشياءها للمرة الألف: انت لسه شوفت حاجة. ترفدني أنا؟؟ أقول لأمي إيه. أحيه عليا وعلى اللي هيجرالي. أنا ناقصة."
غادرت بعد أن أسمعته سباباً لاذعاً وهي تلعن جميع من حولها. فيبدوا أن اليوم ليس يومها إطلاقاً.
***
عند مليكة..
هبطت من سيارة الأجرة ووقفت أمام تلك البوابة الضخمة. لتقرأ اليافطة العريضة "مدرسة الرياض الداخلية". كيف لأطفال أن يقطنوا بها. فهي تبدو كبيت أشباح من الخارج. فكيف الداخل. ابتلعت غصتها ودلفت بعد أن شاهد رجل الأمن بطاقتها الطبية. رأت بعض الأطفال يلعبون بالحديقة التي نصف أعشابها متآكل. والبعض الآخر يجلسون على الدرج الخارجي للمبنى ويتحدثون.
"مليكة بأبتسامة وهي تخرج بعض الحلوى من حقيبتها: عاملين إيه يا حبايبي؟"
"الأطفال: الحمدلله يا ميس."
"مليكة بضحك: لا أنا مش ميس. أنا مليكة."
"طفلة ما ببراءة: يعني انتي معندكيش شغل؟"
"مليكة وهي تجلس بينهم: لا عندي. أنا دكتورة."
"طفل من الجالسين: بس احنا مش عيانين."
"مليكة بحنان ومشاكسة وهي تعبث بشعره: أيوه ما أنا عارفة. بس آآ."
صمتت وهي تراقب تلك الفتاة التي تسير وحدها بعيداً بكرسيها المتحرك.
"مليكة بتساؤل: مين البنت دي؟"
"طفلة بضحكة شيطانية: دي أم رجل مسلوخة اللي بتاكل الأطفال بليل."
ضحك جميع الأطفال. ولم تعجبها مليكة تلك المزحة. ونظرت لهم بعتاب. ثم وقفت وذهبت لتلك الفتاة.
"مليكة بأبتسامة وهي تقف أمامها: انتي جميلة أوي."
"الفتاة بسخرية: وانتي كدابة ووحشة أوي."
ثم حركت كرسيها المتحرك بعيداً. ذُهلت مليكة من فظاظتها. ولكنها أصرت على التحدث معها. فركضت خلفها مرة أخرى. ولكن تلك المرة أمسكت بالمقعد وانحنت لتسحب المكابح السفلية. كي تقيد حركتها ولا تستطيع الفرار منها.
"الفتاة بزمجرة خشنة وهي تحاول تحريك المقعد: انتي عملتي إيه في الكرسي؟"
"مليكة بتحدي وهي تقف أمامها وتعقد ساعديها: عايزة أتكلم معاكي يا إما هسيبك كده ومحدش هيعرف يفتحلك عجل الكرسي غيري."
"الفتاة بغضب: أنا مش عايزة أتكلم مع حد."
تأملتها مليكة بأبتسامة. فهي تكتسب جمالاً رائعاً بعينيها الرمادية الواسعة وبشرتها الحليبية وشعرها ذا السواد الحالك الذي يتميز بغزارته. كانت تعقده على هيئة ذيل حصان مرفوع. فأظهر وجهها شديد البياض.
"مليكة بأبتسامة واسعة: انتي إزاي حلوة كده. طالعة لماما ولا لبابا؟"
"انتظرت ردها ولكن لم يحدث ذلك. فكانت الفتاة تنظر لها فقط. فأكملت التحدث."
"عندك كام سنة؟"
"الفتاة بهدوء: لو قولتلك هتسبيني أمشي."
"مليكة وهي تخلع سترتها وتضعها أرضاً لتجلس عليها أمامها: انتي ليه مش عايزة نبقى صحاب؟"
"الفتاة بضيق: كده. مبحبش يبقى عندي صحاب."
"مليكة بهدوء: ليه ده الصحاب دول أحلى حاجة في الدنيا. هما والأخوات والعيلة. انتي عيلتك فين؟"
"الفتاة وهي تجز على أسنانها كي تكبح غضبها: ماما ميتة بقالها 3 شهور. وبابا قاعد لشغله."
"مليكة بأسف: أنا آسفة. ربنا يرحمها يا رب. هي أكيد في مكان أحسن. يعني انتي هنا من 3 شهور؟"
"الفتاة بضيق من تدخلها: لا أنا من زمان في مدرسة داخلية. أنا بس في المدرسة دي من 3 شهور."
"مليكة بتفهم: أيوه فهمت. طب غيرتي مدرستك ليه؟"
"الفتاة بزفير قوي: النصيب."
"مليكة بأبتسامة وهي تربت فوق ركبتيها: ده أحلى نصيب عشان أشوفك هنا. أنا مليكة دكتورة نفسية ودكتورة علاج طبيعي."
"الفتاة بسخرية: بتعالجي المجانين يعني؟"
"مليكة بلوم: عيب كده. مينفعش نقول على ناس عيانة كده."
"الفتاة بحزن يغلفه القسوة: ما هما بيقولولي أم رجل مسلوخة عشان قاعدة على كرسي."
"مليكة بحزن يفطر قلبها: معلش يا حبيبتي. إحنا مينفعش نرد الإساءة بالإساءة كده. كلنا هنبقى وحشين."
صمتت الفتاة ونظرت بعيداً. فبادرت مليكة بالحديث.
"مليكة بتساؤل: إيه اللي حصل عشان تقعدي على كرسي؟"
"الفتاة بقسوة وهي تضغط على مرفق المقعد: حادثة. ماما ماتت وأنا اتشليت."
"مليكة وهي تبتلع غصتها: طب وآآ عملتي أي عمليات في رجلك؟"
"الفتاة: لا. وممكن كفاية أسئلة. أنا تعبت وعايزة أقعد لوحدي."
أومأت مليكة ووقفت. ثم حررت المقعد كي تستطيع الحراك. وانحنت لتجلب سترتها وحقيبتها لتغادر.
"الفتاة بتوتر وخجل: أنا كمان اسمي مليكة."
"مليكة بأبتسامة واسعة: وعندك كام سنة بقا يا مليكة؟"
"مليكة الصغيرة بضيق مصطنع: عندي 14 سنة."
"مليكة بأبتسامة: انتي عارفة إنك شبهي أوي؟ نفس لون عيني وشعري ولون بشرتي كمان. تكونيش بنتي وأنا نسيتك."
ضحكت اثنتيهم بمرح. فأحتضنتها مليكة وقبلت رأسها. ثم أخرجت بعض الحلوى وأعطتها لها.
"مليكة الصغيرة بنبرة خجلة: ممكن تبقي تيجي تاني. أنا مفيش حد هنا بيحبني ولا بيتكلم معايا. انتي أول حد يكلمني وميخافش مني."
"شخص ما من الخلف: متصدقيهاش يا دكتورة. دي كدابة."
التفت مليكة لترى شاب طويل القامة يقف خلفها. يمتلك ملامح شرقية بحتة. فسماره رائع وأعينه بنية ضيقة وجسده معضل بعض الشيء. يبدو أنه يتمرن حديثاً.
"مليكة: مصدقهاش ليه؟"
"الشاب بغيظ وهو يقترب منهم: عشان هي كدابة. أنا بحبها وبكلمها. بس هي مش عايزة تكلمني."
"مليكة الصغيرة بضيق: يوووه يا عبدالله. هو مش بالعافية. وبعدين ما تروح لسارة حبيبتك اللي باستك في خدك اليمين."
"عبد الله بحنق وهو يجلس فوق ركبتيه ليصبح في مستواها: يا بنتي مباستنيش. هي كانت بتقولي حاجة في ودني بس."
"مليكة الصغيرة بحدة وهي تلكزه في كتفه: كداب. أنا شوفتها بعيني."
كانت تتابع الحديث وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة. فحمحمت متدخلة بالحوار.
"مليكة بجدية مصطنعة: إزاي يا عبد الله تسيب سارة تبوسك من خدك. لا ومن خدك اليمين كمان. هي مليكة مش مالية عينك ولا إيه؟"
"عبد الله بغيظ: لا مالية عيني. ممكن متدخليش انتي؟"
شهقت بعنف وفي آنٍ واحد كان تلقى صفعتين من الاثنتين.
"مليكة الصغيرة بخشونة: تدخل براحتها. دي صاحبتي."
"عبد الله بحدة وهو يقف ويغادر: بقا كده. ماشي يا مليكة."
"مليكة الصغيرة بصوت عالي وهي تنحني للأمام لتراه بوضوح: ماشي يا عبدالله. أنا هخلي ياسين يبوسني وهتشوف."
توقف عبد الله لبرهة.
"مليكة بخوف وهي تقف أمام مليكة الصغيرة لتحميها من بطشه: هو هيعمل إيه؟"
"مليكة الصغيرة بلامبالاة: طظ فيه."
"عبد الله بهدوء ثلجي وهو يعود لها: لو قولتي كده تاني أنا هقطعلك لسانك ده اللي بيقول حاجات غبية شبهك."
"مليكة الصغيرة بزمجرة وهي تدفع مليكة: أنا غبية؟؟ ده انت نهارك أزرق."
"مليكة بصراخ: خلاااااااص اهدوا!!! اتفضل يا عبد الله اعتذرلها. وانت يا مليكة مينفعش تقولي أن ولد هيبوسك. عيب."
"عبد الله بضيق: أنا آسف يا مليكة."
"مليكة بضيق وهي تعقد ساعديها: أنا آسفة يا عبد الله."
"مليكة بإرتياح: كده أقدر أسيبكوا وأنا مطمئنة. عبد الله ممكن توصلني لحد بوابة المدرسة؟"
"عبد الله: حاضر. مليكة متتحركيش من هنا عشان لما أرجع هنتكلم."
هزت رأسها بيأس من ذلك العشق الممنوع وسارت أمامه ليلحقها بسرعة.
"مليكة بتساؤل: انت عندك كام سنة؟"
"عبد الله بفخر: هكمل 19 سنة كمان أسبوعين."
"مليكة وهي تتأمله: أنا قولت بردو لا يمكن الجسم ده يكون طفل. انت مع مليكة في المدرسة إزاي؟"
"عبد الله: أنا كنت في المدرسة القديمة بتاعت مليكة. قعدت سنة فيها عشان ماما وبابا سافروا. ولما رجعوا اتنقلت مدرسة عادية. وفي السنة دي اتعرفت على مليكة. كان عندها 7 سنين."
"مليكة بعدم فهم: أومال انت بتعمل إيه في المدرسة هنا؟"
"عبد الله: أنا كل يوم باجي أقعد مع مليكة عشان أطمن عليها."
"مليكة بتعجب: والأمن بيدخلك عادي كده؟"
"عبد الله: أوقات وأوقات. لما مبيرضاش يدخلني بنط من السور اللي ورا. أنا بس بحب مليكة أوي وعايز أتجوزها. عشان كده باجي أحميها عشان بيغلسوا عليها."
"مليكة بفخر: براڨو عليك يا عبد الله. بس ماينفعش تنط من على السور. افرض وقعت واتعورت."
"عبد الله بثقة: لا متقلقيش. أنا بروح الچيم."
"مليكة بضحك: ماشي يا كابتن عبدالله. متعرفش باباها فين؟"
"عبد الله بضيق: هو السبب في اللي هي فيه ده. لا وبعد ده كله مش هاين عليه ياخدها تعيش معاه."
"مليكة وهي تخرج البطاقة التي مدون عليها أرقامها وعنوان عيادتها: إحنا محتاجين نتكلم عشان نعالج مليكة. أنا حاسة إن عندها مشاكل نفسية كتير وده مأثر على شخصيتها بالسلب ومخليها حادة وعصبية دايماً. وكمان رجليها الحمدلله مفيهاش إصابة. كل ده نفسية ومحتاجة علاج طبيعي. واحدة واحدة هترجع أحسن إن شاء الله."
"عبد الله بسعادة: يعني مليكة ممكن تمشي تاني؟"
"مليكة بأبتسامة: أيوه إن شاء الله. خليك انت بس معاها وطمنها. هي يعتبر ملهاش غيرك دلوقتي. وأنا هحاول أتواصل مع والدها بعد ما آخد بياناته من المدرسة. يلا مع السلامة."
ودعته وهي تبتسم بداخلها. أولئك المراهقين!! تنهدت بضيق وهي تنظر لذلك الخاتم بيدها. فهي لا تعلم إلى متى سيظل بيدها اليمنى. لقد انتظرت ثمانِ أعوام. ألم يحن الوقت لتتزوج. هي لا تحبه. لكنها تراه مناسباً لها كثيراً. وذلك ما يجعلها تنتظر. ولكن إلى متى سيطول انتظارها..
***
في المطار..
كانت تحمل حقائبها وهي تخرج من بوابة المطار. لا تعلم لما انقبض قلبها بتلك الصورة. فهي لم تأتي إلى مصر إلا عندما تم دفن والدها هنا. تنفست بعمق ونظرت حولها تبحث عن ذلك المختل الذي لا يرد على مكالماتها.
"آسيا بضيق: أنا غلطانة إني مشيت ورا كلام عيل."
"سمعتك على فكرة."
شهقت بخضة وهي تشعر بأنفاسه في رقبتها. فألتفت له بخجل وهي تنظر له بصدمة.
"آسيا بتوتر: أنا مكنش قصدي."
"يامن وهو يشير للسيارة أمامهم: اتفضلي يا هانم على العربية."
عضت شفتيها بإحراج وانحنت لتحمل حقائبها. ولكنها تفاجئت به يحملهم جميعاً.
"آسيا بذهول: انت بتعمل إيه؟"
"يامن بعدم فهم: بشيل الشنط."
"آسيا وهي تشير لذراعيها: ليه ما أنا عندي إيدين زيي زيك. ليه انت تشيلها؟"
"يامن وهو يكشر عن أنيابه: وتشيليها ليه وأنا موجود. امشي يا ماما قدامي. إحنا لسه هنرغي."
دفعها للأمام ولحق بها وهو يشير لسيارته كي تصعد بها. وعندما صعدوا حمحمت وهي تسأله.
"آسيا: جدك أخباره إيه؟"
"يامن وهو ينظر أمامه ويقود السيارة: تعبان أوي يا آسيا."
"آسيا بخفوت: ربنا يشفيه."
"يامن بتأثر مبالغ فيه وهو يرفع كفه ويمسح دمعته الوهمية: يا ربي."
عقدت حاجبيها وهي تراه يمسح دموعه الوهمية. ثم استندت برأسها على زجاج السيارة حتى غفت دون إرادة منها. فنظر لها وجد شفتيها منفرجتين. ضحك بقوة. فهو أيضاً ينام وهو فاتح فاهه. فوضع سبابته وابهامه عند ذقنها وأغلقه لها. وهو يدندن بحماس لنجاح خطته.
***
في منتصف اليوم..
في القصر..
كان يجلس الجميع ببهو القصر يتأملون بعضهم البعض. منهم من ينظر بإستغراب. ومنهم من ينظر بتلهف. ومنهم من ينظر بلامبالاة. كان الجو هادئ عدا من نحيب السيدات وهم يحتضنون شقيقهم الغائب منذ ثلاثون عام.
"محمود وهو يحاوط شقيقاته: خلاص بقا كفاية عياط. ما أنا هنا اهو."
"شقيقته ببكاء قوي: بعد إيه يا محمود؟ تلاتين سنة منعرفش عنك حاجة. انت ومراتك وبنتك. ده لولا المكالمة اللي بتكلمها لأمك كل شهر مكناش عرفنا انت عايش ولا كيف أحوالك."
تنهدت بحزن. فهي محقة. ولكنه كان يخشى عليهم من بطش والده إذا علم بتلك المكالمة. هبطت الدرج بإرتجاف. فمنذ مدة كبيرة لم تستمع لكل تلك الأصوات بمنزلها. اقتربت منهم وهي ترى عدد كبير يجلس بالبهو. فأرتجف قلبها من فرط السعادة. وكاد أن يختل توازنها لولا حفيدتها بدور التي كانت تسير بجانبها.
"فاطمة بعدم تصديق وهي تقترب منهم ودموعها تملئ عينيها: محمود!!"
وقف بسرعة وهرول إليها كالأطفال يحتضنها بقوة. فبكت وهي تقبل كل شبر من وجهه وتحمد الله أنه مد في عمرها حتى رأته مرة أخرى. مرت تلك اللحظات الحميمية وجلس الجميع مرة أخرى بإنتظار عبد التواب.
"والدة مليكة بهمس: رني على الزفتة اختك. شوفيها هي فين. إحنا بقينا الساعة 8."
"ريتال بضيق: ريحي نفسك. هي مش جاية. هي عملت الشويتين دول عشان بس نسافر إحنا ونسيبها."
"والدتها بحدة وخفوت: نهارها شبه وشها إن شاء الله. قوليها ماما بتقولك لو مبقيتيش هنا في خلال ساعتين هقطع رقبتك."
زفرت بعنف وأخرجت هاتفها كي تكتب لها رسالة. وما أن انتهت ووضعت الهاتف جانباً. حتى وقفت شاهقة وهي تراه يصافح والدتها.
"هو بحدة: انتي لسه قليلة الأدب من الصبح!"
"فاطمة بتوتر وهي تقف بينهم: في إيه يا ولاد؟"
"ريتال بحدة: فيه إن البيه جاي ورايا. إيه مش كفاية رفدتني من الكلية جاي تفصلني هنا كمان."
"والدتها بشهقة وهي تضرب صدرها: انتي اترفدتي من الكلية!!"
"فاطمة بقلق: في إيه يا يونس مزعل بنت خالك ليه. وانتوا اتقابلتوا إزاي؟"
"ريتال بصدمة: بنت خاله؟؟ يعني الكائن ده يبقى ابن عمتي. لالا أكيد بتهزروا!!"
رواية زواج بالاكراه الفصل الرابع 4 - بقلم ملك مصطفي
فاطمة بقلق:
– في إيه يا يونس مزعل بنت خالتك ليه، وإنتوا اتقابلتوا إزاي؟
ريتال بصدمة:
– بنت خالة؟ يعني الكائن ده يبقى ابن عمتي، لالا أكيد بتهزروا!
يونس بغضب:
– إيه كائن دي، ما تتكلمي عدل يا بت.
ريتال بغضب شديد وهي تنقض عليه وتمسكه من تلابيب قميصه:
– بت في عينك قليل الأدب.
والدة ريتال وهي تجذبها:
– ريتال!
والدة يونس بتوتر من تلك المشاحنة وهي تسحبه بعيداً:
– إيه يا جماعة، أكيد سوء تفاهم.
والدة ريتال بغضب شديد:
– إنتي اتفدتي من الكلية.
ريتال بغيظ وغضب وهي تعقد ساعديها:
– آه يا ماما، والحيوان ده اللي رفدني.
والدة ريتال بحدة:
– ده إنتي ليلتك زرقا، لينا مكان يلمنا وتفهمني كل حاجة، اتصلي بالحيوانة أختك.
ريتال بضيق:
– بعتتلي إنها هتبات في العيادة وقفلت موبايلها.
والدة ريتال بغيظ:
– المجرمة، والله لما أرجع لها لأخليها تشوف أيام، إنتوا الاتنين محتاجين تتربوا من أول جديد.
عند محمود.
سيليا بهمس وهي تميل على أذن أبيها:
– بابي مين دول؟
محمود بهمس هو الآخر:
– الولد ده اسمه يونس ابن عمتك، والبنت دي اسمها ريتال وعندها أخت اسمها مليكة، بنات عمك عبد العال الله يرحمه.
سيليا بتساؤل:
– أيوه أنا فاكرة البنتين دول من ساعة ما رحنا العزا بتاع عمو محمد، بس فين مليكة؟
محمود:
– مش عارف، شكلها ما جتش.
سيليا بغيظ:
– ما هو فيه ناس ما جتش أهي، إشمعنى جبتني أنا؟
نظر لها بحدة فصمتت بغيظ وابتلعت كلامها وعقدت ساعديها تراقب الجميع. كانوا مشغولين بالحديث سويًا، ومنهم من يمسك الهاتف، ومنهم من يراقب الأجواء بضيق. عدا شخص واحد كان يمسك بعض الأوراق ويرتدي بنطال رمادي وفوقه قميص ناصع البياض، ويحرر أول ثلاث أزرار منه ليظهر صدره العضلي. كان واضح أنه مشغول للغاية، فهو يقرأ الورق بتمعن، وعلى فخذيه يضع حاسوبه. لا تعلم لما أعجبتها تلك الحركة التي يقوم بها من وقت لآخر، فهو كل فترة يمرر يده بين خصلات شعره الغزيرة. باغتها وهو يرفع نظره لها فجأة، فتوسعت حدقتاها بخوف وخجل، وكادت أن تدير وجهها، إلا أنه سارعها بالابتسام لها، فظهرت أسنانه اللؤلؤية مع ذلك الجوف الصغير بوجنته اليسرى لتزيد من جاذبية ابتسامته. كانت تود أن تبتسم له هي الأخرى، ولكنه باعد عينيه بسرعة ليعيد نظره للأوراق بيده.
سيليا بضيق:
– قليل الذوق.
محمود بعدم فهم:
– بتقولي حاجة يا حبيبتي؟
سيليا بتوتر:
– لا يا بابا، هو باباك هينزل إمتى؟
محمود وهو يشعر بارتجاف قلبه:
– مش عارف والله، هو مستنينا نكمل كلنا، بس مليكة ما جتش.
إحدى المساعدات بالمنزل وهي تقترب منهم:
– الحج عايز صقر بيه فوق.
نظر الجميع حولهم يبحثون عن ذاك المدعو صقر، فتفاجأوا برجل طويل القامة له هيبة يقف ويسير بخطوات واثقة هادئة نحو الدرج.
ريتال بهمس:
– مين المرعب ده؟
والدة ريتال وهي تقرصها في فخذها:
– اتلمي.
فاطمة بضحك:
– ده يبقى ولد عمتك يا حبيبتي، هو يبان غامض أكده لكن جلبه زي البفتة البيضا، اسم الله عليه، حبيب جدته.
ريتال ببلاهة:
– عمتي جابت كل ده لوحدها؟
انفجر الجميع ضاحكاً وهم ينظرون لها، عدا يونس الذي كتم ضحكاته بصعوبة ورمقها بنظرة حانقة.
عمتها بضحك:
– يخرب عقلك يا ريتال، فيكي من خفة دم أبوكي الله يرحمه، جبته لوحدي آه.
ريتال بضحك:
– لا الله يقويكي بصراحة.
في الأعلى.
دلف صقر بشموخه وهيبته واقترب من الفراش الجالس عليه جده متصنع المرض.
صقر بصوت رخيم:
– ألف سلامة عليك يا جدي.
عبد التواب بنبرة لاهثة مصطنعة:
– توك افتكرت إن ليك جد، إنت عارف ما جتش الدار بقالك قد إيه إنت والاندال اللي تحت، ما فيش غير بدور أختك الأصيلة اللي ما قعدتش من جمبي ويامن ولد خالتك.
صقر بلامبالاة:
– إنت عارف الشغل بتاعي نظامه ماشي إزاي.
عبد التواب:
– لينا كلام بعدين، كلهم تحت.
صقر بنبرة عملية:
– كلهم تحت آه.
عبد التواب بإستغراب:
– أومال بيقولوا مليكة ما جتش ليه؟
صقر:
– من عيال عمي عبد العال ما جاش غير بنت واحدة اسمها ريتال.
عبد التواب بحزن:
– أنا عارفها، دماغها جزما زي أبوها الله يرحمه، بقولك إيه.
صقر بهدوء:
– قول؟
عبد التواب بإصرار:
– روح هاتها، حتى لو هتجيبها على كتفك كده في خلال ساعتين البنت دي تبقى هنا وسط أهلها.
لم يعطه ردًا سوى إيماءة بسيطة، ثم خرج ليهبط الدرج ويتجه إلى ريتال التي ارتعبت من وقفته أمامها، فهو فجأة حجب عنها الرؤية.
صقر بهدوء:
– مليكة فين؟
ريتال بإستغراب وهي تقف قبالته:
– في عيادتها.
صقر:
– وريني صورة ليها كده.
والدة ريتال وهي تقف بتوجس:
– فيه حاجة يا ابني ولا إيه؟
صقر:
– هروح أجيبها عشان ما تجيش لوحدها في نص الليل.
ريتال بتحدي:
– بس هي مش عايزة تيجي.
والدة ريتال بسرعة وهي تدفعها بجسدها لتسقط على الأريكة:
– أيوه روح هاتها، بص خد ده موبايلي، الصورة اللي برة دي صورتها وهتلاقي رقمها متسجل عندي.
أومأ لها وهو يتمعن بصورتها التي على خلفية الهاتف، كانت تضحك كالاطفال وهي مرتدية ملابسها الطبية وتحتضن شقيقتها. كان يتأمل تفاصيلها كمن يحفظ فريسته.
والدة ريتال:
– يلا يا ابني قبل ما الوقت يتأخر أكتر من كده وتقفل العيادة، وساعتها مش هتعرف توصله.
تحرك صقر للخارج تحت أنظار الجميع، فزفرت هي بارتياح وعادت لتجلس بجانب ابنتها.
ريتال بضيق:
– يعني تبعتيلها ده ياخدها؟ ده مش بعيد يموتها من الرعب، ده ما بيبتسمش يا ماما.
عمتها بحزن:
– معلش يا حبيبتي، هو والله طيب أوي، ده ابني وأنا عرفاه، بس هو حصلت له شوية مشاكل كده خلته صعب شوية.
ريتال بفضول وهي تلتصق بعمتها:
– حصله إيه؟ ها؟ حصل إيه؟ قوليلي.
يونس بحدة وهو يقف:
– خالتي! مينفعش تحكي أسرار صقر لحد.
ريتال وهي تقف وتضع كفيها في خاصرتها:
– أنا مش حد يا حبيبي، أنا بنت خالة.
فاطمة بيأس وهي تقف وتسحب ريتال للمطبخ:
– تعالي يا ريتال يا حبيبتي نعمل شاي، وإنتي كمان يا سيليا تعالوا يا حبايبي.
بدور بضيق طفولي:
– طب وأنا؟
فاطمة بضحك وهي تسحبها:
– تعالي يا غلبي تعالي.
كان يامن يراقب آسيا التي نظرت للموقف بحزن لعدم مناداتها، فذهب ليجلس بجانبها.
يامن بغضب مصطنع:
– قومي اعمليلي شاي.
آسيا بعدم فهم:
– ها؟
يامن بضحك لبلاهتها:
– عايز شاي بقولك.
آسيا بغيظ:
– ما تروح تقولهم، هو أنا الخدامة بتاعتك؟
يامن بنظرات حزينة بريئة:
– أنا عايز أجرب الشاي الغربي عشان شكله طعم أوي وحلو أوي وسكر أوي أوي أوي.
آسيا وهي ترفع حاجبها باستنكار:
– هو إيه ده؟
يامن بابتسامة مشاكسة:
– الشاي طبعًا، دماغك راحت فين.
آسيا بضحك:
– لا والله.
يامن:
– آه والله، تعالي أوصلك للمطبخ تعملي لنا كوبايتين شاي من إيدك الحلوة دي، وهوديكي مكاني السري.
آسيا بحماس طفولي لم تستطع أن تخفيه:
– إنت عندك مكان سري؟
يامن وهو يحرك كفه:
– يووه كتير، بس فيه مكان بحبه أوي وبيريحني كده.
آسيا بحماس:
– طب ما توديني دلوقتي.
يامن وهو يقف ويسحبها من كفها لتقف:
– لما تعملي لنا شاي الأول، تعالي أوديكي المطبخ.
آسيا وهي تحاول التوقف وسحب كفها:
– استنى يا آآ استنى هقع.
***
عند والدة يامن.
والدة يامن بهمس وسعادة:
– شفت بنت خالتك حبت يامن إزاي واتأقلموا على بعض بسرعة، عقبال ما نبقا كلنا كده مع بعض ونرجع عيلة واحدة.
يونس بسخرية:
– ابنك بيشقط البت يا ماما، إنتِ بتقولي إيه؟
والدته بتحذير وهي تضربه على كتفه:
– اتلم يا ولد، يامن ده ما فيش في أخلاقه وخفة دمه وطيبة قلبه.
يونس مكملاً:
– وما فيش في فشله وقعدته في البيت بردو.
والدته بغيظ:
– ما إنت لو أخ عدل تشغله معاك.
يونس بسخرية:
– وإيه أخده يشتغل معايا إيه في الجامعة إن شاء الله، يمسح حمامات؟
والدته بغيظ:
– اصبر عليا أنا هربيك، وكمان بترفض بنت خالتك يا أهطل.
يونس بابتسامة تشفي:
– أيوه، ده أنا هربيها من أول وجديد.
والدته:
– والله ما حد عايز يتربى غيرك يا قليل الأدب، ده جدك لما يعرف هينفخك.
***
في العيادة.
كانت تتحدث في الهاتف مع مريضتها.
مليكة بسعادة:
– مش قولتلك يا حبيبتي إن ربنا هيجيب لك حقك، أهو اتقبض عليه زي الكلب أهو، وأنا مش هسكت غير لما ياخد الحكم اللي يستحقه، أنا حولت لك إنتي وماما مبلغ وكل أسبوع إن شاء الله هحول لك زيه.
مهدي ببكاء مختلط بالفرح:
– أنا مش عارفة أقولك إيه يا دكتورة، ربنا يخليكي ليا، أحسن حاجة إن الموضوع خلص بسرعة.
مليكة بابتسامة:
– ويخليكي ليا يا حبيبتي، أي حاجة تعوزيها أنا موجودة، متتردديش أبدًا إنك تكلميني، وعايزاكي تركزي في دراستك كده عشان مستنياكي تشتغلي معايا في العيادة.
انتهت المكالمة ببعض الدعوات الحميمية، فتنهدت مليكة وهي تنظر لحقيبتها لترى عملة معدنية واحدة فقط، ضحكت بقوة ثم وضعتها فوق المكتب.
مليكة بابتسامة:
– فداكي يا ست هدى كل فلوسي، ربنا يرزقني ويرزقكم يا رب.
وقفت وذهبت للخزانة الصغيرة في مكتبها لتخرج منامة مريحة لترتديها، فهي دائمًا ما تضع ملابس في تلك الخزانة تحسبًا لأي ظرف، ولكن قبل أن تبدل ملابسها خرجت لترى مساعدتها تجلس فوق مكتبها وتعمل.
مليكة بيأس:
– هو أنا مش قولتلك روحي؟ الساعة بقت 11، هتروحي إزاي دلوقتي وإنتي ساكنة في حتة مقطوعة؟
المساعدة بخجل:
– ما حسن تحت مستنيني عشان يوصلني.
مليكة بمشاكسة وهي تغمز لها:
– الله يسهلوا يا عم، اطلع من الحمام ملقيكيش هنا، كفاية شغل.
المساعدة وهي تقف بتوتر وتفرك كفيها:
– دكتورة أنا كان عندي طلب.
مليكة بتساؤل وهي تقترب منها:
– اطلبي طبعًا.
المساعدة بخجل شديد وهي تخفض بصرها:
– أنا كنت محتاجة سلفة عشان أكمل جهازي.
مليكة بهدوء:
– هو فيه كام في الخزنة؟
المساعدة:
– 20 ألف جنيه.
مليكة بابتسامة:
– طب خدي 10 وسيبي الباقي عشان أقبض زمايلك، وأنا وعد مني هجيب لك 10 كمان آخر الشهر.
المساعدة بحماس وسعادة وهي تحتضنها بقوة:
– ربنا يجازيكي خير ويخليكي لينا، وآآ بس إنتي كده مش هتقبضي؟
مليكة بابتسامة كاذبة:
– لالا هقبض.
المساعدة وهي تحسبها:
– كده نورهان هتاخد الألفين جنيه بتوعها وسميرة اتنين بردو وآآ.
مليكة مقاطعة لها:
– ما تحسبيهاش ويلا قفلي شغلك عشان تمشي.
دلفت المرحاض لتغسل يديها ووجهها، ثم عادت لمكتبها وخلعت بنطالها ومعطفها وبقيت بنصفها العلوي فقط. بدأت تحل أزرار قميصها وهي تنظر لصورة والدها المعلقة.
مليكة بابتسامة:
– الله يرحمك يا حبيبي، مش هنسى أبدًا إنك وقفت جنبي وكنت مصدق إني هبقى دكتورة، وجبت لي العيادة دي من وأنا في ثانوي ساعة ما كنت واخد القرض، يا رب كل خير بعمله يتحسب لك في ميزان حسناتك يا حبيبي، وحشتني أوي.
تنهدت تنهيدة حارة لتكتم دموعها، ثم خلعت القميص وألقته أرضًا لتلتقط بنطالها القطني لتبدأ في ارتدائه، ولكن تفاجأت بمن يقتحم الغرفة عليها.
المساعدة وهي تلحق به:
– يا أستاذ مينفعش كده!
توسعت حدقتاها لبرهة، ثم صرخت بقوة وهي تختبئ خلف المكتب لتجلس على ركبتيها كي يظهر لهم رأسها فقط.
مليكة بحدة:
– إنت مين أذن لك تدخل كده بالهمجية بتاعتك دي؟
صقر ببرود:
– أنا ما كانش قصدي.
المساعدة وقد تجمعت دموعها بعينيها من كثرة الإحراج لربة عملها:
– أنا آسفة يا دكتورة مليكة، حاولت أمنعه والله بس هو زقني ودخل.
مليكة وقد تورّد جميع وجهها:
– اطلع بره.
اكتفى بإدارة ظهره لها، فتحركت زحفًا على كفيها وركبتيها لتجلب ملابسها وترتديها بسرعة.
مليكة بحدة وهي تهندم شعرها:
– إنت مين يا همجي إنت، إزاي تدخل كده على بنت في نص الليل؟
صقر بصوت قاتم:
– أنا ابن عمتك صقر.
مليكة بذهول وهي تقترب منه:
– ابن عمتي أنا؟
المساعدة بشجاعة مصطنعة:
– وإحنا إيش ضمنا، ما ممكن جاي يخطفنا.
مليكة بشجاعة مصطنعة أيضًا وهي تقف بجانب مساعدتها:
– أيوه صح، إيه اللي يعرفنا إن إنت ابن عمتي؟
المساعدة بذكاء:
– ورينا بطاقتك، لو طلع اسم عيلتك زي اسم عيلتها يبقى كده اتأكدنا.
مليكة بهمس وهي تلكزها:
– إنتي غبية، بيقول ابن عمتي يعني باباه مش قريبنا أساسًا عشان أشوف اسمه زي اسمي، اسكتي إنتي.
صقر ببرود وهو يخرج هاتفًا من جيبه:
– مش ده موبايل مامتك؟
مليكة بذهول وهي تلتقطه:
– أيوه! إنت خطفتها وسرقت موبايلها؟
صقر بنفاد صبر:
– هو إنتي غبية ليه؟
مليكة بغضب:
– احترم نفسك.
نظر لها بحدة وكاد أن يرد عليها، ولكن قاطعهم صوت رنين هاتف المساعدة لتجيب.
المساعدة:
– طيب طيب نازلة أهو، معلش يا دكتورة أنا هنزل بقى لأحسن حسن واقف تحت بقاله ساعتين ونشف من الساقعة.
مليكة بتفهم:
– ماشي، أخدتي الحاجة اللي قولتلك عليها؟
المساعدة:
– أيوه.
مليكة:
– ماشي، يلا اتكلي على الله.
المساعدة وهي تنظر لصقر بخوف:
– أسيبك يعني؟ أمان؟
مليكة بشجاعة زائفة:
– متقلقيش، محدش يقدر يعملي حاجة.
ودعتها الفتاة وغادرت، فتجاهلته مليكة وتصنعت اللامبالاة وهي تجلس على طاولة المكتب وتتأمله بخوف يغلفه البرود.
صقر:
– يلا عشان هنروح لهم.
مليكة بتحدي:
– وأنا قولت مش عايزة أروح في حتة، هو بالعافية؟ أكيد هو اللي بعتك.
صقر:
– هو مين؟
مليكة بسخرية:
– عبد التواب، أنا مش فاهمة هو ليه مش عايز يفهم إني مش عايزة أروح له، مش بالإجبار هو.
صقر بهدوء:
– أنا كل اللي اتقالي إني أجيبك، اتفضلي يلا قدامي.
مليكة وهي تثني قدميها أمامها وتحتضن ركبتيها:
– وأنا قولت لا، مش متحركة من هنا.
رأته يتنهد بهدوء ويخرج، فزفرت بارتياح، ولكن تفاجأت به يعود وهو يحمل مفاتيح العيادة، وقبل أن تسأله عن شيء كان قد حملها على كتفه كالشوال المقلوب.
مليكة بصراخ وهي تحرك قدميها في الهواء:
– نزلني يا حيوان، الحقوني بتخطف الحقوني!
لم يبال بصراخها أو ركلاتها، واكتفى بإغلاق باب العيادة بإحكام، ثم هبط بها الدرج وسط صراخها.
مليكة وهي ترى حارس البناية يقف ويؤدي تحية عسكرية:
– الحقني يا عم إبراهيم ده بيخطفني.
إبراهيم باحترام:
– تحت أمرك يا معالي الباشا.
مليكة بغيظ وهي تبصق عليه:
– آه يا واطي.
ألقاها بالسيارة، فتأوهت بألم وظلت تسبه بسباب لاذع، وما إن حاولت أن تفتح باب السيارة وتهرب حتى رأته ينطلق بها.
صقر بهدوء وهو يلقي بحجرها الهاتف الخاص بها:
– خدي كلمي مامتك اطمني.
مليكة وهي تخرج رقم شقيقتها من الهاتف:
– أنا هوريك إزاي تعمل كده فيا، وكمان بتشيل موبايلي معاك بأي وجه حق.
صقر بلامبالاة وهو ينظر للطريق أمامه:
– أنا غلطان، كان زماني سيبته هناك هو وشنطتك.
نظرت بالأريكة الخلفية وجدت حقيبتها، فزفرت بوجوم وهاتفت شقيقتها لتسمع صوت والدتها وهي تجيب.
مليكة بحدة:
– بقا كده يا ماما تبعتيلي واحد يخطفني؟
والدتها بضحك:
– واحد يخطفك إيه يا بت الهبلة، ده ابن عمتك.
مليكة بضيق وهي ترمقه بنظرة حادة:
– مش مبرر بردو، هو أنا مش قولت للزفتة ريتال إني مش جاية، هي ما قالت لكش؟
والدتها:
– هو جدك عايزك، أعمل إيه أنا؟
مليكة بسخرية:
– وده من إمتى إن شاء الله افتكر إن له أحفاد، اقفلي يا ماما، هي مش ناقصة.
أغلقت مع والدتها ونظرت للطريق أمامها، فاستمعت لرنين هاتفها وتفاجأت بخطيبها.
مليكة بذعر وهي تنظر للوقت:
– الو يا محمد، فيه مصيبة ولا إيه؟
رمقها بنظرة جانبية وحرك رأسه على كلا الجانبين لتصدر فرقعة بسيطة جعلتها ترمقه بانزعاج.
محمد بصوت رخيم:
– لا، أنا قولت أطمن بس، أصل المساعدة بتاعتك كلمتني، حكتلي اللي حصل وأنا جيت لقيت العيادة مقفولة.
مليكة بضيق:
– أيوه ما أنا مسافرة دلوقتي معاه، رايحين عند جدك.
محمد بحنق:
– وإيه ما قولتيليش ليه يا هانم؟
مليكة:
– جات فجأة.
محمد بغضب:
– لا والله، السفر بييجي فجأة من إمتى؟
مليكة بإنفعال:
– إنت بتعلي صوتك ليه إن شاء الله؟ قولت جات فجأة، أكيد لو عارفة إني مسافرة كنت بلغتُك قبلها، وبعدين تعالي هنا، ما إنت معاك فلوس أهو.
محمد بعدم فهم:
– تقصدي إيه؟
مليكة بسخرية:
– أنا شفت مامتك وهي منزلة بوست على المحل الجديد اللي جبتهولها، بقا قادر تفتح محل وتجيب بضاعة ومش قادر تجهز شقة نتجوز فيها، أنا شكلي هعيد حساباتي في علاقتي.
محمد بتوتر:
– مليكة إنتي عارفة إني بحبك وعايز أتوزجك النهاردة قبل بكرة، بس أمي كان نفسها في المحل ده من زمان وأنا خلاص قربت أجمع فلوس الشقة والعفش وكل حاجة، وبعدين ما إنتي اللي مش عايزة تتجوزي في شقة إيجار مفروش زي كل الناس.
مليكة بغضب:
– لا مش هتجوز في شقة إيجار، يا محمد أنا من حقي أضمن مستقبلي.
محمد:
– خلاص يبقى تصبر عليا.
مليكة بضيق:
– ماشي يا محمد، سلام.
لم تنتظر رده وأغلقت بوجهه وهي تزفر بعنف من قلة الاهتمام هذه. هي تنتظره منذ ثماني سنوات، لقد تحدت أهلها من أجله. هي لا تحبه وتعترف بهذا، ولكنها ترى به الشخص الهادئ بارد الأعصاب الذي لا يحاسبها باستمرار. تحب علاقتهم الهادئة التي ليست مشحونة بعاصفة الحب. ابتسمت بسخرية على ذكر الحب، فهو لا يهاتفها إلا في الضرورة القصوى ولا يأتي لزيارتها حتى. هي دائمًا تظن أنها لا تعرف أن تحب، لذلك اختارت الشريك الهادئ غير المبالي أيضًا بالحب. تنهدت وهي تنظر لذلك الخاتم بيدها، خلعته ببطء تنظر له عن قرب، وكادت أن تضعه فوق مقدمة السيارة، ولكن قلبها انتفض فأرتدته بسرعة مرة أخرى.
مليكة بهدوء وهي تستدير له بكامل جسدها لتثني إحدى قدميها أسفلها وتجلس عليها:
– هو ماله؟ في إيه؟
لم يرد عليها واكتفى بالنظر أمامه لينتبه للطريق.
– يعني تعبان ماله؟ إنت يا أخينا أنا مش بكلمك.
صقر بهدوء قاتم:
– اسكتي.
رمقته بنظرة محتقنة وكورت قبضتها وكادت أن تضربه بقوة في وجهه، ولكنها استمعت لزمجرته الخشنة فأعتدلت في جلستها بسرعة ونظرت أمامها.
***
في القصر.
بالمطبخ.
كانت تقف بدور أمام الموقد وتضحك على نكات جدتها وتبادلها الحديث عكس باقي الفتيات الذين كانوا يقفون بصمت.
آسيا بتوتر وهي تحمل كوبين من الشاي:
– هستأذن أنا.
فاطمة بحزن:
– ليه بس، إنتي لسه زعلانة عشان ما ندهتش عليكي؟
آسيا بابتسامة عادية:
– لا عادي، بس يامن مستنيني بره.
وما أن أنهت جملتها حتى دلف يامن.
يامن بتساؤل:
– خلصتي؟
نظر الفتيات لبعضهن البعض ثم انفجروا ضاحكات وسط نظراته البلهاء لهم، فكانت تلك المرة الأولى التي يتشاركون فيها الضحك أخيرًا.
فاطمة بصوت لاهث أثر ضحكاتها:
– ماشي روحي يا آسيا يلا.
يامن بهمس وهو يسير معها للخارج:
– بتضحكوا على إيه؟
آسيا بابتسامة جميلة:
– لا ولا حاجة، اتفضل.
يامن بابتسامة وهو يحتضن الكوب:
– ده أحلى شاي دوقته في حياتي.
آسيا بضحك:
– هو إنت دوقته لسه؟
يامن بضحك:
– لا، بس أكيد هيبقا تحفة، ده سوسو اللي عملته يعني.
آسيا وهي تجحظ بعينيها وتتوقف بمكانها:
– سوسو!!! أنا سوسو!!!
يامن بتعجب وهو يرتشف الشاي بتلذذ:
– آه.
آسيا بحنق:
– ييععع، متقولش كده تاني، ده اسم وحش أوي.
يامن بسخرية:
– ده اسم وحش؟ امشي يا ماما قدامي.
آسيا بحماس حاولت إخفاءه:
– احم، مش هتوديني عند your secret place صحيح؟
يامن بثقة:
– لالا، إحنا رايحين أهو، بصي هتتفاجئي.
ابتسمت بخفة وهي تشعر بسعادة عارمة لأن شخص من عائلة والدها يثق بها لتلك الدرجة، وأنها لم تشعر بالثقل عليه كما توقعت. كانت تسير خلفه فتفاجأت أنهم بحديقة خلفية أقل ما يقال عنها أنها رائعة، ساروا بممر رخامي وعلى جانبيه العشب والأزهار.
آسيا بتساؤل وهي تنظر بتعجب حولها:
– هو إحنا رايحين فين؟
يامن وهو يقف أمام البوابة الخلفية من القصر:
– وصلنا خلاص.
آسيا بسخرية:
– بجد والله؟ إنت جايبني من الباب اللي قدام للباب اللي ورا وتقولي مكانك السري؟
يامن وهو ينظر حوله:
– لو نصبر شوية وندخل لسانا جوه بوقنا، الدنيا هتبقى حلوة.
زفرت بضيق وارتشفت بعضًا من الشاي وهي تتأمل المناظر الطبيعية حولها. راقبته وهو يحمل الدرج الخشبي الضخم ويضعه بالقرب من الحائط الخاص بالقصر.
يامن بابتسامة وهو يستند على الدرج الخشبي:
– يلا اطلع.
نظرت لطول الدرج وجحظت بعينيها، ثم ظلت تسعل بحدة، فأقترب منها بفزع وظل يربت على ظهرها بخفة حتى هدأ سعالها.
آسيا بذهول وهي تدفعه بعيدًا:
– إنت عايزني أطلع فوق كل ده؟ ده أنا عندي أموت ولا أعمل كده.
ظلت تحدث نفسها بذهول وهي تعطيه ظهرها كي تغادر، ولكنها التفت له بحدة نصف التفاتة.
آسيا بزمجرة:
– اتفضل رجعني عشان ما توهنيش.
يامن بضحك وهو يسبقها:
– على فكرة إنتي الخسرانة.
لم ترد عليه واكتفت بالسير خلفه بصمت وهي تسبه في داخلها.
***
في القصر.
كان يجلس الجميع بهدوء حتى استمعوا لصوت أقدام تقترب، فنظروا جميعهم لمصدر الصوت، فرأوا صقر وخلفه فتاة بمنامتها المنزلية القطنية ويبدو على وجهها الضيق.
ريتال بسرعة وهي تقف وتقترب من شقيقتها:
– مليكة! بالبيجامة!!! هو عمل فيكي إيه الحيوان ده؟
تذكرت مليكة عندما دلف عليها وهي عارية فقط ترتدي ملابسها الداخلية، فتعرق جبينها وتورد كامل وجهها، وكادت أن تسقط مغشيًا عليها، ولكنها أمسكت بذراع شقيقتها واقتربت من والدتها.
والدتها بهمس متسائل:
– فين هدومك يا بنتي؟
مليكة بخفوت وتوتر:
– هفهمك بعدين.
بدور بسعادة مفرطة وهي تركض من الخارج:
– مليكة أهه؟
تفاجأت مليكة بفتاة أقصر منها نسبيًا توقفها وتحتضنها بقوة، فشعرت أن ضلوعها تكاد أن تتفتت بين يدي تلك الفتاة.
مليكة بتوتر وهي تدفعها بخفة:
– إنتي مين؟
بدور بابتسامة وهي تعدل من طرحتها الملقاة بإهمال على شعرها:
– أنا بدور بنت عمتك، متابعاكي من على الفيس بوك وبحب كل كلامك عن المرض النفسي والمجانين والحاجات دي.
مليكة بابتسامة صفراء وهي تجز على أسنانها:
– أولاً شكراً، ثانيًا اسمهم مرضى نفسيين مش مجانين!
بدور بلامبالاة وحماس مفرط وهي تجلس عنوة بينها وبين أختها:
– اتفرجت على اللقاء بتاعك اللي كان من شوية لما فضحتِ اللي ما يتسمى ده اللي اغتصب البت الصغيرة، كنت مستنياكي تيجي عندنا بفارغ الصبر عشان أفرجك كيف فخورة بيكي.
ابتسمت مليكة ابتسامة مجاملة وهي تحك جبهتها بضيق، فالتقطت عيناها بأعين جدها الذي كان يهبط الدرج مستندًا على يدي حفيديه صقر ويونس. أبعدت نظرها سريعًا ونظرت حولها، فرأت عمها يحييها بأعينها. ابتسمت له ابتسامة صغيرة، فهي تعرفه هو وابنته وامرأته بسبب والدها الذي كان يأخذهم لزيارته في بعض الأحيان. رأت ابنة عمها آسيا تدلف مسرعة وخلفها شاب يبتسم بتسلية، لكنها لم تحدد هويته تحديدًا، ولكن بالطبع هو حفيد ذلك الجد. اقتربت منها آسيا لتصافحها، فوقفت مليكة وصافحتها أيضًا.
مليكة بابتسامة:
– عاملة إيه يا حبيبتي؟
آسيا بابتسامة ممتنة:
– الحمد لله، إنتي أخبارك إيه؟ أنا مبسوطة أوي إني لقيت أخيرًا حد أعرفه هنا.
مليكة بابتسامة:
– وأنا كمان.
ودعتها آسيا وذهبت لتجلس وهي تتذكر في جنازة والدها عندما أتت مليكة وعرفت نفسها بها وأصبحت على تواصل بها كي تعالجها من صدمة فقدانها لوالديها، حتى عندما سافرت كانوا يتواصلان، ولكن قلت أحاديثهم والتهى كل منهم في عمله وحياته.
اقترب الجد منهم وهو يتأملهم جميعًا بشوق دفين كتمه لسنوات عديدة. ابتلع غصته وهو يرى ابنه محمود الذي غزى الشعر الرمادي رأسه. وقع عكازه ودمعت عيناه، فركض إليه ابنه يحتضنه بقوة ويقبل يديه ورأسه.
عبد التواب بدموع:
– اتوحشتك يا بلجم!
محمود ببكاء وهو يحتضنه بقوة.
بكت فاطمة وهي تقترب منهم ليضمها ابنها وسط نظرات الأحفاد وبكاء بدور المتأثرة بقوة، ليرمقها أيان بنظرة يملؤها التعجب من حساسيتها تلك، فهي دائمًا ما تتأثر وتبكي من أقل شيء.
الجد بهدوء وهو يمسح دموعه ويستند على ابنه ليجلس فوق الأريكة الخاصة به ويتأملهم جميعًا عن قرب.
عبد التواب بحزن:
– أكده يا مليكة، ما كنتيش عايزة تاجي تشوفي جدك في آخر أيامه؟
رمقته بنظرة جانبية كادت أن تكون ساخرة، ولكنها تفاجأت من شدة الشبه بينه وبين والدها، فتجمعت دموعها بعينيها وظلت تقضم في أظافرها محاولة التحكم في نفسها ومداراة وجهها عن أنظار الجميع.
والدة مليكة بحرج من عدم إجابة ابنتها:
– معلش يا حج، هي بس لسه مش واخدة على الجو وكده.
عبد التواب بهدوء:
– مسيرها تاخد عليه، احم، معظمكم ما يعرفش بعض، أنا هتكلم بلغة المدينة عشان تفهموا كويس، أنا جدكم عبد التواب ودي مراتي جدتكم فاطمة، ودول بناتي حكيمة وزهراء وعديلة، وده ابني محمود، أما بالنسبة ليكوا يا أحفادي فالأحسن إنكم تعرفوا نفسكم كل واحد بالدور.
مليكة بسخرية وهي تعقد ساعديها وتنظره بتهكم:
– إيه مش عارفنا ولا إيه يا.. يا جدو؟
عبد التواب متحكمًا بغضبه:
– لا عارفكم يا مليكة وعارف كل حاجة عنكم، بس قولت أديكوا مساحة.
ونظرت له بحدة وغضب وبادلها نظرات التحدي، فتوترت فاطمة كثيرًا ولكزت بدور كي تتصرف سريعًا قبل أن تقوم حربًا لن يستطيع أحد توقيفها!
رواية زواج بالاكراه الفصل الخامس 5 - بقلم ملك مصطفي
عبد التواب متحكماً بغضبه:
– لا عارفكم يا مليكة و عارف كل حاجة عنكم بس قولت اديكوا مساحة.
نظرت له بحدة و غضب و بادلها نظرات التحدي. فتوترت فاطمة كثيراً و لكزت بدور كي تتصرف سريعاً قبل أن تقوم حرباً لن يستطيع أحد توقيفها.
بدور سريعا وهي تقف:
– أنا بدور بنت حكيمة و أخت أبيه صقر. تعرفوا أني من زمان كان نفسي نتجمع كده و البيت يتملي ناس بدل ما أنا كنت عايشة هنا لوحدي.
ثم أكملت بأبتسامة حب وهي تنظر للفتيات:
– أنا معنديش أخوات بنات بس حاسة أن ربنا هيعوضني بيكم عشان كده بعتكم ليا.
أطلق يامن صفير عالي ممتلئ بالحماس و بدأ بالتصفيق الحار ليتبعه الجميع عدا الفتيات و الشباب. تبدلت الأنظار لآسيا التي شعرت بتوتر كبير فوقفت بإرتجافة و بدأت تتحدث بصوت خافت قليلا.
آسيا بتوتر:
– أنا آسيا بنت محمد. عشت حياتي كلها بره مصر بس بابا كان بيكلمني مصري كل يوم عشان كده بقيت بتكلم مصري كويس.
يامن بحماس و صوت عالي كي يشجعها:
– عظمة على عظمة يا ست.
ضحك الجميع ليصفقوا بحرارة. لكز محمود ابنته التي كانت تراقب الأوضاع بصمت.
سيليا بكسل:
– أنا سيليا بنت محمود و كفاية عليكم كده.
فاطمة بضحك:
– كسولة زيك يا محمود.
ضحك محمود وهو يضرب فتاته على رأسها بخفة ثم نظر لريتال كي تتحدث. وقفت ريتال بحماس لا تعلم مصدره و وقفت بمنتصف الردهة و حمحمت.
ريتال بأبتسامة واسعة:
– أنا ريتال بنت عبد العال لسه طالبة جامعية. بصراحة يا جماعة مكنتش طيقاكم لما جيت بس مش عارفة حسيت إحساس غريب كده.
ثم أكملت بزمجرة:
– طبعاً كلامي ده موجه للبنات بس و عماتي عشان شكلهم طيبين.
فاطمة و قد تورد وجهها من كثرة الضحك:
– طب و جدتك طيب؟
ريتال بطفولة وهي تقترب منها و تطبع قبلة على وجنتها:
– حاسة أني هقع في حبك يا بطة.
ضحك الفتيات و عادت ريتال لمكانها. فأنتقلت جميع الأنظار لمليكة التي حمحمت بتوتر و وقفت بضيق.
مليكة بضيق:
– أنا مش هعمل العبط ده.
رمت كلماتها ثم سارت للخارج. فكادت أن تلحقها والدتها لتوبخها ولكن منعها عبد التواب و أخبرها أن تعطيها مساحتها. وقف الشباب و بدأ كل منهم يعرف نفسه بملل و روتينية عدا يامن الذي كان يشع حيوية و شغف و أخبرهم بمدى سعادته بأن القصر امتلئ بهم و استطاع أن يستحوذ على حب من جميع أقاربه حتى الفتيات بخفة دمه و تلقائيته و حيويته.
عبد التواب بهدوء:
– يلا اطلعوا شوفوا أوضكم و ريحوا عشان السفر كان صعب عليكم كلكوا و بكرة نكمل كلامنا.
آسر بهدوء:
– معلش يا جدي أنا لازم أرجع القاهرة عشان بقيت شغلي في الشركة.
عبد التواب بصرامة:
– أنا قولت يومين هتفضلوا هنا.
أومأ على مضض و بدأ يتثائب الجميع بالفعل و تحرك كل منهم إلى غرفته لكي يرتاحوا قليلا.
بالخارج..
كانت مليكة تجلس فوق العشب و تتأمل الظلام الدامس من حولها بقليل من الرعب. فمن القليل كان يوجد بعض الإضاءات الخافتة ولكن الآن تم إطفاء تلك العمدان التي تنير المنطقة. وقفت بحذر و حاولت السير لكي تعود للقصر ولكن استمعت لصوت الهواء يحرك أوراق الشجر فأرتعبت كثيراً و بدأت بالركض لترتطم برشاش الماء المعدني الموضوع بين العشب و تنفجر المياه عليها لتبدأ بالصراخ و البكاء وهي تضع يدها فوق وجهها و تقرفص أرضاً لتتفاجئ بمن يجذبها بعيداً و ينحني ليغلق صنبور الماء ولكن بعد فوات الأوان فقد ابتلت جميع ملابسها و أصبحت تلتصق بجسدها.
مليكة ببكاء وهي تبعد شعرها المبتل عن وجهها:
– يوووه بقا أنا اتخنقت.
ثم شهقت بعنف وهي تضع يدها فوق صدرها كي تداري أي شيء فقد أصبحت ملابسها تشف كثيراً من الأشياء.
– دور وشك بسرعة.
صقر بسخرية وهو يحل أزرار قميصه المبتل:
– بتداري إيه ما أنا شوفت كل حاجة.
مليكة بخجل شديد و غضب وهي ترفع سبابتها أمام وجهه:
– أنت آآ أنت قليل الأدب و أهلك معرفوش يربوك.
ثم استغلت أن الأنوار قد انارت من جديد و ركضت للقصر وهي تتمنى أن تنشق الأرض و تبتلعها بعد هذا الموقف المخجل.
***
في صباح اليوم التالي..
بغرفة عبد التواب..
كان يجلس بالشرفة و أمامه حفيده الذي كان يرتشف قهوته بهدوء و يضع ساق فوق الأخرى بغرور و عجرفة كالمعتاد. نظر عبد التواب بالحديقة فرأي زوجته و ولده يجلسان بأحضان بعضهم البعض كم آلمه ذلك فهو المتسبب في تلك التفرقة التي دامت لسنوات عديدة ضاع فيها الكثير و الكثير. تنهد تنهيدة حارة تدل على مدى طول المسار الذي سيسلكه ليجعل أحفاده يحبونه و يبقون هنا في القصر لأجله.
عبد التواب بهدوء وهو يعود بنظره لحفيده:
– إيه الأخبار يا صقر.
صقر بهدوء وهو يعتدل بجلسته و يضع الكوب فوق الطاولة الصغيرة التي تفصلهم:
– كله تمام الحمد لله.
عبد التواب بتساؤل:
– متابع مع آسر الشركة؟
صقر:
– لا مش دايماً لما بيحتاج حاجة بس بروحله. في الأول و في الآخر دي شركته مش هفرض نفسي عليه هناك.
عبد التواب:
– ما هو قال لكوا زمان تروحوا تعملوا معاه الشركة دي عشان كان خايف يفشل.
صقر بأبتسامة جانبية:
– و أهو نجح و أثبت نفسه و بقى عنده أكبر شركة في الشرق الأوسط و كل ده وهو لوحده. و بعدين يا حج أنت عارف أنا بتخنق من الحسابات و الشركات و الجو ده و أيان برضو بيحب يكتب و أثبت نفسه في مجاله و يونس معيد في الجامعة. يعني كلنا حققنا إنجازات في مجالنا.
عبد التواب بضيق وهو ينظر بالحديقة مرة أخرى:
– ما عدا الفاشل اللي تحت ده.
لم يفهم صقر الجملة فنظر لما ينظر له جده فرأي يامن يجلس بين جدته و خاله و يمازحهم بمرحه المعتاد فأبتسم نصف ابتسامة و اكتفى بهز رأسه بيأس.
عبد التواب مكملاً بحسرة:
– لا يمكن يكون من عيلتنا. دماغه كلها هلس و لعب و سهر و بنات و خروج مع صحابه. مطلعش زي أخوه ولا زيكوا ليه مش عارف.
صقر بهدوء:
– أنت عارف دلع آخر العنقود بقى و خالتي متتوصاش دلعته و زيادة. يونس اللي طلع ناشف و كمل و بقى معيد في الجامعة. بس خلي بالك يامن جدع هو بس معندوش هدف ميعرفش هو عايز إيه و واخد على الكسل بمعنى أصح.
ضرب عبد التواب كفيه وهو يرى حفيده المخبول يدغدغ زوجته و يمرح معها لا يراعي فرق العمر بينهم. فضحك صقر ضحكة رجولية رنانة ثم ودع جده و غادر الغرفة وهو يزر سترته الكلاسيكية.
عبد التواب بيأس:
– أعمل إيه دلوقتي. كلهم هيمشوا و أنا معنديش حاجة تخليهم يقعدوا. أعمل إيه بس يا رب.
ثم خطر بباله ذلك الحفيد الأبله ليخرج هاتفه و يهاتفه بسرعة و يأمره بأن يصعد إليه في الحال.
يامن بمرح وهو يدلف الشرفة:
– صباح الخير يا حجوج. شوفت صاحيلك بدري أهو.
عبد التواب بسخرية:
– أكيد صاحي عشان وراك حاجة. من امتى و أنت بتصحى الساعة 10 الصبح.
يامن بضحك:
– الله ينور ده أنت حفظتني خلاص يا راجل.
عبد التواب بزمجرة وهو يلكزه بعكازه بخفة:
– اتحشم يا ولد.
يامن بحمحمة متوترة مصتنعة وهو يعتدل بجلسته:
– ااه اتكلمنا صعيدي يبقا الحوار شكله كبير. خير يا حج.
عبد التواب بتنهيدة:
– أعمل إيه عشان عيلة عبد التواب متتحركش من حضني أهنه. مش عايزهم يفوتوني لوحدي تاني. مش عايز أقعد في القصر لوحدي. الوحدة مرّ علقم. حسّهم بالدنيا ولاد المركوبي.
يامن بتنهيدة:
– اطلب منهم ده يا جدو. قولهم متسبونيش أنا محتاجكم جمبي. قول أنا عايز أصلح اللي فات. أكيد مش عاجبك علاقتك أنت و مليكة أو علاقتك بيهم عموماً بس مليكة نارها حامية لسة و شايلة كتير. رخي أنت الحبل المرة دي. قولهم كل اللي قولته من شوية ده مش لازم تبان قاسي و قوي في كل مرة. نحمد ربنا أن موضوع تعبك ده دخل عليهم و جم عشان يطمنوا عليك. نمسك فيهم بقى بإيدينا و سنانا عشان لو مشيوا المرة دي مش هنعرف نرجعهم تاني.
عبد التواب بزمجرة خشنة و خجل مخفي:
– إزاي أقولهم كده. ده من رابع المستحيلات. أنا عبد التواب أقول كده لالا. خلاص خليهم يمشوا.
رمق يامن بنظرة يائسة وهو يضرب كفيه ثم غادر دون أن ينبث بكلمة واحدة. فزفر عبد التواب بضيق كبير و ركل الطاولة الصغيرة.
في الأسفل..
كانت ريتال تقف بالمطبخ مع المساعدات و تستمع لحكاويهم بحماس و شغف طفولي. ظهر عليها عندما قفزت فوق الرخام لتجلس عليه وهي تثني قدميها أسفلها و تستند بكوعها عليهم و تنظر للجميع بحماس.
ريتال بتساؤل وهي تسحب ذلك الكيس المغلف الذي بجانبها الذي يوجد به بعض التسالي:
– يا مصيبتي. ضربها علقة بجد يعني.
المساعدة وهي تطهو و تقف أمام الموقد بجانبها:
– أيوه يا ست هانم و كانت البلد كلها بتتفرج على صقر بيه وهو بيمد يده على أخته.
ريتال بضيق وهي تلتقط بعض التسالي بفمها:
– أنا أول ما شوفته قولت ده مفتري مش بني آدم زينا. كل ده عشان خرجت من غير إذنه.
المساعدة بنبرة متحسرة:
– متظلموش هو يا عيني من ساعة اللي حصله وهو اتبدل حاله. و مبقاش يأمن لحد واصل. و من ساعتها بقى وهو حالف عليها ما تطلع من القصر عاد ولا تكمل تعليمه.
ريتال بحزن شديد:
– يا حبيبتي.
ثم أكملت بشراسة:
– هو كده الطيبين ربنا بيبتليهم بناس مقرفة في حياتهم. بس إيه اللي حصله صحيح بدل حاله.
المساعدة بهمس و هي تنظر حولها لتتأكد من عدم استماع أحد لها:
– أصل زمان آآآآ.
بدور بأبتسامة وهي تقترب منهم:
– صباح الخير يا حلوين. إيه ديه ريتال أهنه. بتعملي إيه عندك يا مصيبة من مصايب الزمن.
ريتال بأبتسامة:
– قاعدة معاهم ملقتش حد صاحي غيري قولت أدخل أصبح عليهم و أسليهم وهما بيعملوا الفطار.
بدور بمشاكسة وهي تقرص أرنبة أنفها:
– مصحتنيش ليه.
ريتال:
– خوفت أزعجك. هو أنتِ مكملتيش تعليمك بجد؟
كانت تستعد لتقفز لتجلس بجانبها فوق الرخام حتى تسمرت أقدامها و نظرت للخادمة التي أبعدت نظرها بتوتر و خوف. نظرت لها بدور بهدوء ثم اعتدلت بجلستها بجانبها.
بدور بنبرة عادية مصطنعة:
– أيوه.
ريتال بتساؤل و تلقائية:
– بسبب صقر؟
بدور و قد بدأت قلبها يؤلمها بسبب تذكرها لذلك اليوم:
– أيوه.
ريتال بغيظ وهي تستدير لها بكامل جسدها:
– و إزاي مامتك متعترضش و تمسكه تهزقه على العبط ده. ده أهم حاجة التعليم على الأقل يبقى معاكي شهادة أحسن ما تبقي جاهلة. الشهادة دي أهم حاجة في الدنيا هي اللي هتسندك في الحياة و في سوق العمل و لما عريس يجيلك تعرفي تتشرطي عليه لأنك هيبقا في إيدك العلم اللي بيخلي كل الرجالة تخاف و آآآآ.
آلم تكمل كلماتها بسبب نزول أختها التي رمقتها بنظرة حادة متوعدة. أصتنعت بدور اعتدال طرحتها لتستغل فرصة أختفاء وجهها و تمسح دموعها التي أنهمرت دون إرادة منها.
مليكة بأبتسامة وهي تقف أمامهم:
– لا يا ريتال مش صح مش كله بيشتغل بشهادته و مش كل اللي ناجحين معاهم شهادات و الشهادات دي مجرد طريقة من طرق النجاح لكنها مش الطريقة الوحيدة. صح؟
ريتال بإقتناع ولا مبالاة:
– صح يا فيلسوفة. يلا يا أم سعيد خلصي الفطار بسرعة لأحسن عصافير بطني بتجعر جوا.
ضحك الجميع و شاركتهم بدور الضحك أيضاً ثم نظرت لمليكة بإمتنان و تقدير و غادر ثلاثتهم ليتركوا الخدم يجهزون الفطور.
مليكة:
– اطلعي صحي ماما يا ريتال.
ريتال:
– حاضر.
انتظرت مليكة حتى اختفت ريتال عن أنظارهم ثم جذبت بدور من معصمها لتثبتها أمامها.
مليكة بهدوء:
– متزعليش من ريتال. هي أصلاً تلقائية شوية قليلة الذوق شويتين تلاتة لكن طيبة والله و عمرها ما كانت تقصد تحرجك أو تضايقك و تبقي عبيطة لو زعلتي منها عشان انتي لو دخلتي جوا نيتها حتفهمي قصدي.
بدور بأبتسامة واسعة بلهاء:
– أنا مش مصدقة أنك بتكلميني. هو أنتِ حبيبتيني صح. قولي آه.
نظرت لها مليكة نظرة يائسة ثم دفعتها بخفة لتصعد إلى غرفتها لتتبعها بدور التي لم تكف عن الأسئلة و الثرثرة.
في الحديقة الخلفية..
كانت تجلس آسيا فوق العشب و تلهث بشدة أثر تمارين الصباح. فرأت ذلك الشاب الذي كان يجلس معهم بالأمس ولكنها لا تتذكر اسمه فتجاهلته.
آسر بهدوء و ابتسامة راقية:
– صباح الخير يا آسيا.
آسيا بأبتسامة:
– صباح النور.
ابتسم لها ثم ذهب ليجلس فوق المقعد و يضع حاسوبه و أوراقه على الطاولة الصغيرة أمامه ليبدأ عمله. راقبته آسيا بإعجاب فهي تحب الأشخاص العمليين كثيراً. رأته يفتح الكاميرا و يتحدث الإنجليزية بطلاقة فجذب انتباهها ذلك كثيراً و جعلها تقف لتذهب اليه و تجلس أمامه.
كانت بالقرب منهم سيليا التي تتحدث بالهاتف و تسير بلا وعي.
سيليا بضيق:
– اوف يا بنتي بجد زهقت أوي. مش عارفة بابي مصمم يفضل هنا. ما صدق بقى خلاص جدو و تيتة صالحوه. طب أنا ذنبي إيه أقعد هنا و حياتي اللي في القاهرة و صحابي و دنيتي كلها هناك.
الفتاة:
– هو بيتكم اللي هناك وحش ولا إيه.
سيليا بسخرية:
– وحش جدا. استنى أوريكي.
فتحت سيليا الكاميرا و بدأت تحرك الهاتف في جميع الأنحاء لترى صديقتها ذلك القصر الضخم و تلك الحديقة الكبيرة فتشهق بقوة.
الفتاة بحماس:
– إيه ده!!!! و عايزة تمشي من هناك يا فقر. ده أنا احتمال أجي أعيش معاكي أنتِ و المز اللي هناك ده.
سيليا بعدم فهم:
– مين ده؟
الفتاة بغمزة:
– بصي جمبك كده.
نظرت سيليا بجانبها لترى أنها تجلس فوق يد المقعد الذي تجلس عليه آسيا و يجلس قبالتها آسر الذي يكتم ضحكاته بصعوبة و هو ينظر بحاسوبه و مازال يتحدث. وقفت بفزع كمن لدغتها حية ثم بدأت تعتذر كثيراً و ركضت للداخل.
آسيا بأبتسامة وهي تراقب ركض قريبتها:
– اتحرجت أوي يا عيني.
حرك آسر رأسه بيأس مبتسماً ثم أكمل ذلك الاجتماع الإلكتروني. تابعته آسيا بإهتمام و أعجبها كثيراً طلاقته في التحدث باللغة الإنجليزية و سرعة بديهته مع أولئك الأشخاص الذي يتحدث معهم عن العمل. حمحمت بتوتر وهي ترى نظراته ترتفع من الحاسوب إليها.
آسيا بإحراج وهي تقف لتغادر:
– أنا آسفة معطلاك. همشي على طول أهو.
آسر بسرعة وهو يقف:
– لالا اقعدي أنا خلصت أساساً.
آسيا بخجل وهي تجلس مرة أخرى قبالته:
– أصل أنا عجبني طريقة شغلك فسرحت معاك و كده.
آسر بأبتسامة:
– ولا يهمك. أنا أصلاً مبحبش أشتغل لوحدي دايما السكرتيرة بتاعتي بتبقى معايا بس هي مع والدتها عشان تعبانة شوية.
آسيا بتساؤل:
– هو أنت شغلك هنا؟ أصلاً بتشتغل إيه؟
آسر بهدوء وهو يحتسي قهوته:
– أنا يا ستي صاحب شركات S&S للتصميم الداخلي و الديكورات و كده. عندي كذا فرع بس لا شركتي مش هنا ولا حاجة هي السكرتيرة بتاعتي بتيجي في أي حتة أنا فيها حتى لو هنا في بيت العيلة.
آسيا بمرح:
– دي وجودها مهم أوي بقى.
آسر بضحك:
– جدا. و أنتِ بقا خلصتي كليتك؟
آسيا بأبتسامة:
– أه و كنت شغالة في مطعم قبل ما أجي هنا.
آسر:
– ممممم طب و ليه مشتغلتش بشهادتك؟
آسيا:
– مش عارفة والله ملقتش شغل. المرة الوحيدة اللي كنت هشتغل فيها في شركة بابي الله يرحمه موافقش شاف أن صاحب الشركة مش كويس.
آسر:
– أنتِ خريجة إيه؟
آسيا:
– بيزنس.
آسر بأبتسامة:
– طب جميل جدا. أنتِ كده تقدري تشتغلي معايا.
آسيا بحماس حاولت أخفائه:
– ده بجد؟؟
قاطعهم اقتراب يامن منهم ليجلس فوق يد المقعد الخاص بها لتتورد وجنتيها بخجل و هي تراه يحجب عنها إضاءة الشمس بجسده العريض.
يامن بتساؤل و النعاس يظهر بقوة على وجهه و شعره الغير مهندم بطريقة جذابة:
– بترغوا في إيه على الصبح.
آسر بأبتسامة هادئة وهو يرتشف من قهوته:
– بنتعرف. خير إيه اللي صحاك بدري.
يامن بلامبالاة وهو يسحب زجاجة المياه الخاصة بها من بين يديها و يرتشف منها:
– كنت بغلس على بطة و خالي و بعدين روحت لجدك و شكلي هطلع أكمل نوم.
خفق قلبها لتلك الحركة التي خرجت منه بطريقة عفوية بحتة و شعرت بأنفاسها تعلوا فوقفت تستأذن منهم لتغادر ولكن أوقفها قول يامن.
– مش هتاخدي أزازتك؟؟
آسيا بتوتر و خجل وهي تعطيه ظهرها:
– لا أنا بقرف أشرب مكان حد.
جحظت عيناها من قولتها تلك و ضربت ثغرها بخفة ثم ركضت للداخل وهي تشعر بالحرج الشديد لإحراجها له ولكنه لم يكترث كثيرا و أكمل شربه من الزجاجة وكأن شيئاً لم يكن.
***
بعد مرور ساعة..
كان يجلس الجميع فوق طاولة الطعام التي لأول مرة منذ سنوات كانت مكتملة المقاعد. خفق قلب عبد التواب وهو يرى عائلته أمامه يتشاورون و يتحدثون كم تمنى أن تدوم تلك العزوة ولا تغادر أبداً.
فاطمة بأبتسامة وهي تنظر لهم جميعاً و أعينها مدمعة:
– مش مصدقة أني عِشت و شوفت اللمة دي قبل ما أموت.
بدور بغضب طفولي وهي تحتضنها بعنف:
– متقوليش الكلام ده يا بطة لأحسن أعضك.
فاطمة بضحك وهي تبعدها:
– حاضر. ربنا يخليكوا كلكوا ليا.
مليكة بهمس وهي تميل على والدتها:
– أنا هطلع ألبس من عند ريتال أي حاجة عشان نرجع بيها بدل العباية بتاعت بدور دي. خلصوا فطار و حصلوني أنا هلبس و أستناكم في الجنينة.
والدتها بحنق:
– احترمي نفسك و احترمي جدك اللي قاعد ده يعني إيه تسيبي السفرة و تقومي.
آقاطعتها مليكة وهي تقف فجأة و تغادر بين نظرات الجميع المتعجبة. نظر عبد التواب في أثرها بتفكير وهو يكاد يعتصر خلايا مخه كي يجد حل ليجعلها تسامحه حتى أتت تلك الفكرة الشيطانية بعقله.
عبد التواب بنبرة منهكة كثيراً:
– مليكة!!
توقفت بمكانها وهي تزفر بحنق ثم استدارت تنظر له بفتور و تساؤل ولكن فجأة جحظت عيناها وهي تراه يترنح من على مقعده و يسقط أرضاً مغشياً عليه. ركض الجميع إليه و حاولوا إفاقته وسط نحيب جدتهم و بناتها.
مليكة بتوتر و خوف وهي تجثو على ركبتيها و تضع أصبعيها على رقبته:
– النبض تمام متقلقوش. شيلوه بسرعة عشان نروح المستشفى.
بالفعل امتثل الشباب لطلبها و حملوه ثم خرجوا به من القصر ليضعوه بسيارة صقر و ينقسم الجميع على السيارات الموجودة و يلحقوا به.
***
بالمشفى..
خرج الطبيب من غرفة عبد التواب و نظر للحشد الذي أمامه برهبة.
الطبيب بهدوء:
– متقلقوش يا جماعة دي بوادر جلطة و الحمد لله أننا لسة في الأول و شبه لحقنا الموضوع. الحج عبد التواب صحته كويسة الحمد لله بس مع تكرار الزعل و الضغط عليه الله أعلم إيه هيحصل تاني.
مليكة بتوتر وهي ترى نظرات اللوم من الجميع:
– احم إيه اللي ممكن يحصل بعد كده لو زعل مثلاً أو أي حاجة؟
الطبيب بأسف:
– ممكن يحصله جلطة على المخ و يدخل في غيبوبة و قلبه مش هيستحمل حاجة تاني. ألف سلامة عليه عن إذنكم.
فاطمة ببكاء:
– محدش يزعله ولا يجي جمبه. أنا مليش غيره محدش يزعله.
يامن يهدوء:
– أنا هدخل أطمن عليه.
دلف يامن ليرى جده نائم و يضع قناع الأوكسجين. اقترب من الفراش و ربت على كفه ثم قبل رأسه. ولكن هو ينحني ليقبل رأسه رأى جفنه يرتجف بقوة فأبتسم بطمأنينة ثم لمعت عيناه بمشاكسة وهو يسحب مقعد خشبي ليضعه بجانب الفراش و يجلس عليه.
يامن بحزن مصطنع:
– لا حول ولا قوة إلا بالله. معقول يا جدو يحصل فيك كده و تتجر للطريق ده. أنت في السن ده و يتضحك عليك. شكلك إيه لما تفوق و تعرف أننا عرفنا أنك بتشرب مخدرات.
آقاطعه عبد التواب وهو ينهض بفزع:
– هو الدكتور قال كده بره؟؟؟؟
يامن بضحك شديد:
– ياه عليك يا جدو يا ممثل أنت. عامل فيها تعبان. احمد ربنا أن أنا اللي دخلت عليك مش حد تاني.
عبد التواب براحة وهو يعتدل بجلسته ليعود كما كان:
– خضتني يا حيوان. إيه الأخبار برة عند مليكة.
يامن:
– مليكة ندمت شوية حسيتها مهزوزة.
و عندما لاحظ ابتسامة الجد قال بجدية:
– بس ده مش معناه أنها سامحتك. هي ممكن تكون حست بالذنب بس و ضميرها وجعها.
عبد التواب بلامبالاة:
– كده كده مش دي الخطة بس. لسة فيه بقية.
عقد يامن حاجبيه ولكن قاطعهم نزول حشد كبير إلى الداخل. ركضت فاطمة ترمي بحضنه و جلس محمود بجانبهم يحتضن كف والده و يقبله. تراص الأحفاد بجانب بعضهم البعض أمام الفراش لينظر لهم الجد نظرة خبيثة.
عبد التواب بإنهاك:
– يلا يا فاطمة سنديني أنتِ و محمود عشان نروح بيتنا. أنا لازم أتكلم معاكم في حاجة مهمة عشان شكلي بودع خلاص.
فاطمة ببكاء و غضب:
– متقولش كده بعد الشر عليك يا حبيبي. ربنا يجعل يومي قبل يومك.
قبل رأسها ثم نظر للأحفاد الذين بدأوا ينظرون لبعضهم البعض بتساؤل.
***
في القصر..
كان يجلس الجميع في الحديقة في انتظار نزول الجد من غرفته بعد أن تحمم بعد عودته من المشفى. وقفت آسيا و ابتعدت عن ذلك التجمع بعد أن رن هاتفها.
آسيا بهمس و حذر:
– Why do you call me? I told you all the details in the message.
صديقتها بحماس:
– I couldn’t stand it from my overhappiness, is your grandfather really dying?
آسيا بخوف وهي تلتفت خلفها بإستمرار:
– I think so, I don’t want stupid moves or any meaningless messages, I don’t want to raise doubts.
أغلقت معها ثم عادت لمكانها وهي تزفر بضيق و تتمنى الخلاص من كل تلك الضجة التي أصابت حياتها. هي فقط تريد العودة لبلدتها مع الكثير من المال لكي تشتري المنزل الذي تربت فيه مع والديها رحمهم الله لكي تعيش بين ذكريات طفولتها و مراهقتها و شبابها الذي اختفى ما أن طردها صاحب المنزل بعد وفاة والدها مباشرة. فقط حياة هادئة هذا ما تريده. اقترب منهم الجد و فاطمة بجانبه تسنده بحب و على جانبه الآخر محمود.
عبد التواب بهدوء وهو يجلس:
– أنا جمعتكم النهاردة عشان أقولكم كام حاجة كده. أنا عمري ما كنت أتخيل أني هشوف القصر ده مليان بيكم بعد ما كان فاضي و مظلم. أنتوا قعدتوا يوم بس ده كان أحسن يوم عدى علينا. أينعم إحنا متكلمناش ولا انتوا اتعرفتوا على بعض بس كفاية الزحمة اللي كنتوا عاملينها. الواحد كان حاسس بدفى.
ثم أكمل بحب و حنين وهو ينظر لأبنه:
– مش مصدق أني شايفك قدامي يا محمود.
محمود بدموع و ابتسامة وهو يقبل يده:
– ربنا يخليك ليا يا حج. أخيراً رجعت لحضنك تاني و رضيت عليا.
عبد التواب بأبتسامة:
– طول عمري راضي عنك أنت و أخواتك. بس أنا سعادتي ناقصة.
فاطمة بتساؤل:
– و إيه اللي يكملها يا حبيبي.
عبد التواب بعد صمت دام لثواني:
– أن أحفادي يتجوزوا. بعض!!!
رواية زواج بالاكراه الفصل السادس 6 - بقلم ملك مصطفي
في القصر..
في غرفة نوم عائلة عبد العال..
كانت مليكة تدور حول نفسها بعصبية، ويجلس أمامها على الأريكة والدتها التي تراقب فتاتيها بتوتر. كانت ريتال تجلس أرضًا، وتحتضن ركبتيها، وأعينها مازالت جاحظة من صدمتها.
مليكة بغضب شديد وصوت عالٍ:
- أكيد ده كابوس، أنا مش هوافق على العبط ده على جثتي. إحنا فين إن شاء الله؟ في غابة؟ قال يجوزنا غصب قال. مين ده اللي جاي يعمل علينا جد وخايف على مصلحتنا؟ أنا معرفش عنه حاجة ولا عايزة أعرف، كل اللي عرفاه إني مش هسيبه يتحكم في حياتي.
ريتال بحدة وهي تقف بجانب شقيقتها:
- وإنتِ إزاي يا ماما توافقي على التخلف ده؟ يعني إيه تقوليله ماشي؟ وإحنا فين رأينا؟
والدتهم بحزم:
- ممكن تسكتوا وتهدوا شوية. وبعدين إنتوا شوفتوا هتتجوزوا مين؟ دول ولاد عمتكم شباب زي الورد وناجحين و..
مليكة بضحكة ساخرة وصدمة جلية:
- هو إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ مستوعبة بجد؟ أنا واحدة مخطوبة وريتال لسة في الكلية مبتفكرش في حاجة زي دي، ومن حقها تختار اللي عايزاه، لكن ميتفرضش عليها حد!
والدتها بضيق:
- إنتِ مخطوبة اسمًا بس، تقدري تفهميني فين خطيبك ده اللي موقف حالك 8 سنين؟ جدك اختارلكوا عرسان زي الورد، خلاص اقفلوا الموضوع ده.
ريتال بغضب:
- أنا مش مصدقاكي بجد. إنتي ماشية ورا العيلة دي ليه؟ مش دول اللي كانوا شايفينك متشرفهمش زمان وقاطعوا بابا بسببك؟ إنتي ليه مسلمة كده وماشية وراهم مغمضة؟ فيه إيه؟ ما تفوقي.
والدتها بغضب شديد وهي تصفعها:
- أنا فعلا معرفتش أربيكي يا قليلة الأدب.
ريتال وقد احمرت عيناها من الغضب وهي تضع كفها على وجنتها:
- دي تاني مرة تمدي إيدك عليا.
ثم ركضت للخارج ودموعها تنهمر فوق وجنتيها، لتلحقها مليكة لكن توقفها والدتها.
والدتها:
- اقعدي عشان نتكلم.
مليكة بضيق:
- نعم يا ماما.
والدتها بتنهيدة:
- أنا عمري آذيتكوا يا مليكة؟ ولا خدت قرار غلط ضركوا؟
مليكة بصدق:
- لا عمرك ما عملتي كده.
والدتها وهي تمسك كفيها:
- أنا بجد بحب عيلة باباكي برغم كل اللي حصل زمان. عبد العال كان دايما يحكيلي عنهم وعن قد إيه هما ناس كويسين، أنا حبيتهم من قبل ما أشوفهم. جدتك كانت دايما لما تكلم باباكي كانت تكلمني وتطمن عليا وتقعد تتأسفلي بالساعات، وعماتك كمان نفس الكلام. هما بجد كويسين وولاد عماتك كمان كويسين ومحترمين. وجدك فعلا ندم على اللي عمله زمان وبيحاول يعوض ده دلوقتي.
مليكة بدموع:
- بيحاول يعوض ده بعد إيه؟ أنا عمري ما هنسى دموع بابا كل يوم وهو مقهور عشان نفسه يرجع لهم. وبعدين عبد التواب لو فعلا ندمان يحاول يصلح ده مش يجوزنا؟ إيه علاقة الجواز بالندم؟ ده كده بيكرر نفس الغلط.
والدتها وهي تمسح دموعها بلطف:
- يا حبيبتي هو خايف العيلة تتفكك تاني عشان هو شايف إنه في آخر أيامه. وبعدين إنتِ عارفة لو رفضتي ممكن يروح فيها، إنتِ مسمعتيش الدكتور قال إيه؟ وتخيلي باباكِ وهو بيبصلك بعد ما كنتي سبب في موت باباه!
لا تعرف لماذا تخيلت والدها يقف أمامها وينظر لها بحسرة وخيبة أمل كبيرة، مما جعل قلبها يعتصره الألم. فدفنت وجهها بين كفيها وظلت تبكي بقوة. كانت تعلم الأم أن نقطة ضعف بناتها هو والدهم رحمه الله، لذلك تضغط عليهم به وتستغل ضعفهم تجاهه.
..
في غرفة محمود..
كان يجلس ويضع رأسه بين كفيه، ويكاد قلبه أن ينفجر من شدة توتره وهو يستمع لنواح ابنته من الداخل. لا يعلم ماذا يفعل، فهو لا يصدق أخيرًا أنه عاد لعائلته، لا يريد أن يخسرهم مرة أخرى، ولكن أيضًا لا يريد أن يخسر ابنته. قاطع تفكيره صوت أقدام غاضبة تقترب منه.
سيليا بحدة وهي ترفع سبابتها في وجهه:
- أنا مش هتجوز يا بابا، إنت سامعني؟ حتى لو قتلوني هنا مش هتجوز، يعني مش هتجوز. مش عشان تصلح علاقتك بأهلك تقدمني قربان ليهم، إن شاء الله عنكو ما اتصلحتوا، أولعوا كلكم.
ذهل من وقاحتها ولم يدري بنفسه إلا وهو يرفع يده لتهبط على وجنتها بقوة.
محمود بحدة وهو يمسك معصمها ويهزها بعنف:
- هتتجوزي ابن عمتك وتسمعي كلام جدك ورجلك فوق رقبتك. على آخر الزمن ترفعي صوتك عليا وتقلّي أدبك كمان.
سيليا ببكاء هستيري وهي تركض للخارج:
- أنا بكرهك.
تحطم قلبه وهو يراقبها تخرج هكذا، ونظر لكفه ثم لزوجته التي كانت تضع يدها فوق شفتيها بصدمة.
محمود بحزن وتأنيب ضمير:
- إيه اللي أنا عملته ده!! أنا خليت بنتي تكرهني!! هو أنا مينفعش أعيش من غير حرب، لازم يبقى فيه حد كارهني.
زوجته بمواساة:
- معلش يا حبيبي، بس إنت قسيت عليها أوي. إنت عمرك ما مديت إيدك عليها، والبنت مش مستوعبة إنها هتتجوز، تقوم إنت بدل ما تفهمها تضربها.
حرك رأسه بيأس من نفسه وفرك وجهه بعنف وهو يفكر مرة أخرى في تلك الأحداث المتتالية.
..
في غرفة بدور..
كانت تنام فوق الفراش وتسترجع كلام جدها، وابتسامتها تكاد تصل لأذنيها.
فلاش باك..
عبد التواب بابتسامة:
- طول عمري راضي عنك إنت وإخواتك. بس أنا سعادتي ناقصة.
فاطمة بتساؤل:
- وإيه اللي يكملها يا حبيبي؟
عبد التواب بعد صمت دام لثواني:
- إن أحفادي يتجوزوا..بعض!!!
الجميع بصدمة:
- نعم!!!!!!!!!
عبد التواب مكملاً:
- أنا مش عايز العيلة تبعد عن بعض تاني، وأنا عارف إن أول ما أموت كله هيبعد عشان خلاص مفيش حاجة هتربطكوا ببعض، لأنكم طول عمركم متربيين بعاد عن بعض. الكلام للبنات مش للولاد. وأنا مش عايز ده يحصل، عايزكم تفضلوا دم واحد. عشان كده أنا قررت إن صقر يتجوز مليكة، وريتال تتجوز يونس، وبدور تتجوز أيان، وسيليا تتجوز آسر، وآسيا تتجوز يامن. واللي هيعترض أنا غضبان عليه ليوم الدين ومالوش ورث عندي.
أنهى كلامه بضربة خفيفة على الأرض بعكازه، لينهض بعدها بهدوء ويجذب فاطمة من معصمها ليغادروا الجلسة وينصرف كل منهم إلى غرفته وسط اعتراضات وصيحات، ومنهم من تحلى بالصمت.
انتهاء الفلاش باك..
بدور بسعادة مفرطة وهي تقف أمام المرآة لتخلع حجابها، ليسقط شعرها الطويل خلف ظهرها بحرية:
- أخيرًا هبقى ليا يا حبيبي. أنا هبقى مرات أحسن كاتب في الدنيا.
ظلت تدور حول نفسها بسعادة ويتطاير حولها شعرها الناعم، حتى قاطعها طرقات الباب، لتضع حجابها بسرعة وتذهب لتفتح، لتجد أمامها جدتها. ما أن رأتها حتى ارتمت بأحضانها.
فاطمة بضحك وهي تحاول التملص من بين يدي تلك الصغيرة:
- يا بت سيبيني أدخل الأول.
بدور بسعادة مفرطة وهي تسحبها للداخل وتغلق الباب:
- أنا هبقى مرات أيان يا تيتة. يا مرييي، هو أنا بحلم ولا إيه؟ أنا أكيد في حلم جميل. اقرصيني كده.
مدت ذراعها لجدتها لتقرصها الجدة بالفعل، لتصرخ الأخرى بألم.
فاطمة بضحك:
- صدقتي إنك مش بتحلمي ولا لسه؟
بدور بضحك وهي تفرك معصمها:
- صدقت صدقت. يا رب الموضوع يتم فعلاً.
فاطمة بتنهيدة:
- مش عايزة أخيب أملك، بس محدش موافق غيرك، يعتبر كله معترض.
بدور بلامبالاة:
- هيوافقوا. إنتي فاكرة عبد التواب هيسيبهم؟
فاطمة بحزن:
- مش عايزهم يكرهونا زيادة، كفاية الجفا اللي هما فيه من ناحيتنا. ثم أكملت بهمس: وبعدين أنا سمعت إن مليكة مخطوبة.
بدور بغباء:
- أيوه فعلاً مخطوبة، إنتي مش شايفة الدبلة اللي في إيدها؟
فاطمة:
- يبقى كده مش هينفع تتجوز.
بدور:
- بقولك مخطوبة مش متجوزة، يعني عادي تفركش وتتجوز.
فاطمة:
- مش عارفة، حاسة إننا بنعيد القصة إياها تاني وهخسر أحفادي، بس العمر مفيهوش بقية إني أستنى 30 سنة كمان.
بدور بحزن وهي تحتضنها:
- ربنا يديكي طولة العمر يا بطة، متقوليش كده. إن شاء الله بنات عمامي يحبونا ويساامحوا جدي وتبقى حياتنا كلنا حلوة ومنقدرش نستغنى عن بعض.
فاطمة وهي تمسح دموعها:
- يا رب يا حبيبتي.
..
في المطبخ..
كانت آسيا تشرب بعض من المياه، ويكاد رأسها أن ينفجر. فبدون وعي منها ظلت تضغط على الكوب الزجاجي بيدها حتى تهشم وجرحها.
المساعدة بفزع وهي تركض لها:
- يا مرييي، كفك بينزف يا هانم.
آسيا بلا مبالاة وهي مازالت شاردة:
- ليه عشان آخد ورثي أتذل الذل ده كله؟ ده حقي ورث أبويا يعني من حقي!!!
دلف يامن إلى الداخل ليرى يدها التي تنزف بغزارة، فركض إليها وجذبها من معصمها، ثم سار بها إلى الصنبور ليفتحه ويضع كفها أسفل المياه المنهمرة.
يامن بتساؤل:
- بتنتحري ولا إيه؟ كان ممكن تقولي لأ مش هتجوز وخلاص.
آسيا بضيق وهي تراقب الدماء التي تنهمر من يدها مع الماء:
- مش وقت هزارك بجد.
يامن وهو يغلق الصنبور ويسحب مناديل ورقية ليضعها فوق جرحها:
- مش بهزر، بس شكلك إنتِ اللي بتهزري. خلي بالك على نفسك بعد كده.
آسيا بذهول:
- هو إنت إزاي أعصابك باردة كده؟
ولا انت مكنتش قاعد و سامع اللي اتقال؟
يامن بهدوء ومرح:
– لا سمعت عادي، بس انا موافق، حد يطول ياخد الجنسية.
آسيا بغضب وهي تضربه في صدره بكفها:
– بطل هزارك ده قولت!!! فوق و شوف المصيبة اللي احنا فيها، ولا تكون فاكر اني هوافق اتجوزك بجد!
يامن بتساؤل جاد:
– و متوافقيش ليه؟
آسيا بضحكة مصدومة:
– يبني انا لسة شيفاك أول امبارح، هو انا اعرفك عشان اصاحبك حتى مش اتجوزك؟ مش عشان ضحكنا ضحكتين سوا يبقى عادي نتجوز، و بعدين انت ولا وراك شغلة ولا مشغلة، هتفتح بيت ازاي؟ هتخلي مامتك تصرف علينا ولا جدك؟
يامن بلا مبالاة وهو يسحب تفاحة من طبق الفاكهة الموضوع أمامه:
– ما انتي شاطرة اهو، اكيد جدي اللي هيصرف علينا.
تركتها و غادر تغلي بمكانها، فجزت على أسنانها بحنق و أخرجت هاتفها تهاتف صديقتها بحرية مستغلة أن كل العمال لن يفهموا لغتها.
آسيا بغضب:
– Everything has been destroyed.
“كل شئ قد تم تخريبه.”
صديقتها بقلق:
– Why? What happened?
“لماذا؟ ماذا حدث؟”
آسيا بحنق:
– The despicable wants me to get married to give me my money.
“يريدني الحقير ان اتزوج ليعطيني نقودي.”
صديقتها بصدمة:
– from Who wants you to get married?
“ممن يريدك ان تتزوجي؟”
آسيا:
– From my cousin, and he told us that if we objected we were deprived of inheritance.
“من ابن عمتي، و لقد أخبرنا أنه إذ اعترضنا نحرم من الميراث.”
صديقتها بسرعة:
– And of course you agreed?
“و بالطبع انتي وافقتي؟”
آسيا بغضب وعدم تصديق:
– Of course I didn’t agree, did you go crazy?
“بالطبع لم أوافق، هل جننتي؟”
صديقتها بحدة:
“But you are the one who went crazy, did you forget the reason for your travel? You went for money, you went for us, if you don’t bring the money, we’ll be put in front of the door and become food for street dogs.”
“بل انتي من جننت، هل نسيتي سبب سفرك؟ انتي ذهبتي للمال، ذهبتي من أجلنا، ان لم تأتي بالمال سيتم وضعنا أمام الباب و نصبح طعام لكلاب الشوارع.”
آسيا بتشتت:
– Yes, I came for money, not for marriage.
“نعم لقد أتيت للمال، ليس للزواج.”
صديقتها:
– So consider it a marriage for money and nothing more, so you will gain the satisfaction of your grandfather and his money as well, and when he dies you divorce it so easily.
“اذن اعتبريه زواج للمال ليس اكثر، فبهذا ستكسبي رضا جدك و أمواله أيضا، و عندما يموت تتطلقين، انها بهذه السهولة.”
آسيا بحنق:
– Do you think the title of divorced woman is easy here?
يظنون أن المطلقة ما هي إلا امرأة سيئة ويطلقون عليها أشياء سيئة.
صديقتها بغضب:
آسيا، لا تقلقي من فضلك، أنتِ لن تعيشي هناك. لا يهم ما سيقولونه، فأنتِ ستعودين إلى هنا بعد أن تحصلي على المال.
آسيا بتنهيدة:
لا أعلم يا فتاة، رأسي يكاد أن ينفجر من كثرة التفكير.
صديقتها:
لا تضيعي تعبنا هباءً، فقط ركزي على المال، لا يهم الطريقة التي ستحصلين عليه بها، المهم هو المال.
زفرت آسيا بضيق وأغلقت معها وهي تشعر بالحيرة، فخرجت من المطبخ لتعود لغرفتها لتستطيع التفكير جيدًا.
في الحديقة..
كانت تجلس ريتال فوق الأعشاب وتبكي بعنف وهي تحتضن ركبتيها وتدفن رأسها بهما. فلم تشعر بمن يجلس بجانبها ويشاركها ذلك البكاء.
سيليا ببكاء وتقطع وهي تمد يدها لريتال:
امسكي، امسحي دموعك.
ريتال ببكاء وهي تحاول التقاط أنفاسها:
شكرًا، معي مناديل. أنتِ تبكينِ لأجل...
سيليا مقاطعة بإنفجار وهي ترمي بنفسها بأحضانها:
سأتزوج غصبًا عني!
وعلى ذكر تلك السيرة، انفجرت الأخرى أيضًا. وظلوا يبكون بأحضان بعضهم البعض لفترة، لا يدرون عن تلك الأعين التي تراقبهم من الأعلى.
عبد التواب بضحك:
أحفادي مجانين، باين كده.
قاطعه دخول صقر الذي سحب مقعدًا وجلس بدون أن ينطق بكلمة.
عبد التواب بتنهيدة وهو مازال يقف ويراقب الفتيات بالأسفل:
لو معترض، خلي اعتراضك جواك يا صقر. أنا مش عايز أسمع حاجة. خلاص المأذون جاي بعد بكرة.
آسر بصدمة وهو يقترب منهم:
بعد بكرة؟ إيه يا جدي التهريج اللي بيحصل ده؟
عبد التواب بهدوء وهو يجلس قبالتهم:
خير البر عاجله. هتلاقوا فين بنات حسب ونسب وجمال وأخلاق زي بنات خالتكم؟ وبعدين أنا عايز أحافظ عليكم عشان تفضلوا إيد واحدة.
أيان بغضب وهو يسحب مقعدًا ويجلس عليه:
تخلينا إيد واحدة بأننا نتجوز بعض؟ أنت كده بتزود الكره بينا وبتخلي العيشة بينا مستحيلة.
يونس وهو يستند بظهره على الجدار:
والله أنا رأيي من رأي أيان. أكيد فيه حلول تانية عشان نفضل سوا.
عبد التواب بغضب وهو يراقب أربعتهم:
هو أنا أوضتي بقت سبيل؟ أي حد يدخل كده. ثم أكمل بتصميم وهو يقف: اللي عندي قولته. بكرة كتب الكتاب وهنعمل فرح يسمع في البلد كلها وكل الناس تحلف بيه.
شعروا بالغضب فغادروا جميعًا، عدا صقر الذي ظل جالسًا بثبات ينظر لجده بنظرة ثاقبة. بداخله نيران تتأجج وجده يعلم ذلك، فاكتفى بإبعاد نظره عنه وإعطائه ظهره لينظر للفتيات بالأسفل.
عبد التواب وهو يراقب الفتيات:
حاول تقلل عصبيتك دي شوية. خليك بني آدم طبيعي عشان أنا مش هسمح إن بنت خالتك تتأذى منك!
ابتسم صقر ابتسامة جانبية سوداء واكتفى برمي ظهره بنظرة سوداوية تحمل الكثير والكثير، ثم وقف وغادر بهدوء كما أتى.
عبد التواب وهو يلتف لينظر بأثر حفيده:
أنت أكتر حد هيستفاد من الجوازة دي يا صقر. لازم تفوق من اللي أنت فيه ده. أوعدك مش هكرر غلطتي زمان معاك!
في صباح اليوم التالي..
كان يجلس الجميع على طاولة الطعام، لا يأكل منهم أحد، فقط ينظرون لصحونهم والصمت يخيم عليهم. نظر عبد التواب للجميع وتنهد بهدوء حتى قرر أن يقطع ذلك الصمت.
عبد التواب بتساؤل:
مش بتاكلوا ليه؟ ده جدتكم اللي طابخة النهاردة حتى.
لم يرد أحد عليه، فزفر بحنق ووضع ملعقته جانبًا. ثم ضم كفيه وأسندهما على الطاولة أمامه.
عبد التواب بهدوء:
المأذون هييجي بكرة بدري، عن الفرح. دلوقتي فيه ناس جاية عشان تختاروا الفساتين والبدل بتاعتكم.
مليكة بصدمة وهي تقف:
لا، ده كده جنان رسمي. أنت بردو هتنفذ اللي في دماغك؟
عبد التواب بهدوء مزيف وهو يحاول تمالك أعصابه:
آه يا مليكة.
مليكة بقلة حيلة وهي تجز على أسنانها لتحاول منع دموعها:
أنا هوافق بس عشان خاطر أبويا اللي أنت موته بحسرته، عشان أنا مش هقبل أبدًا إنه يزعل مني بسببك. بس عايزك تعرف إني بكرهك أوي وهفضل أكرهك ومش هسامحك أبدًا.
ألقت كلامها في وجهه ثم غادرت، متمنية موتها في الحال كي لا تحضر مراسم زواجها تلك. كادت أن تذهب والدتها خلفها ولكن منعها عبد التواب وأمرها أن تتركها وحدها قليلًا كي تهدأ.
عبد التواب بهدوء:
جهزوا كلكم عشان زمان المأذون على وصول. حليمة، خلي خبر جواز أحفاد عبد التواب ينتشر في البلد كلها. عايز الصغير قبل الكبير يكون عارف.
المساعدة بأدب وهي تنحني لتغادر:
أمرك يا حج.
وبالفعل في أقل من نصف ساعة كانت البلدة جميعها تهنئ وتبارك مهللين سعداء بتلك الأخبار السعيدة، ولكنهم لا يعلمون أن تلك الأخبار سعيدة بالنسبة إليهم فقط.
في غرفة عبد التواب..
فاطمة بتساؤل وهي تضع كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة في منتصف الغرفة:
أنت متأكد يا عبده من القرار ده؟ مش حاسس إننا كده بنظلمهم؟
عبد التواب بضيق:
لو بنظلمهم كانوا اعترضوا يا فاطمة.
فاطمة بتهكم:
أنت عارف كويس إنهم مش موافقين. كل واحد وافق لأسبابه، والعامل المشترك بينهم إنهم خايفين منك، خايفين تحرمهم من ورثهم.
عبد التواب بابتسامة جانبية وهو ينظر باتجاه الشرفة:
أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، متقلقيش.
فاطمة بحيرة:
مش عارفة يا عبده، قلبي مش مطاوعني. أنت عارف إن مليكة مخطوبة؟
عبد التواب بزمجرة وهو يقف:
مخطوبة لجلنف مش حاسس بقيمتها. ميعرفش إنه واخد مليكة عبد العال الجندي اللي البلد كلها تتمنى تطول ضافرها. هو ميستاهلهاش.
فاطمة وهي تضرب كفيها بحيرة:
يا رب ما يكرهونا أكتر ما هما كارهنا.
عبد التواب بهدوء:
روحي شوفي هما خلصوا ولا لأ. الغدا ناقص عليه نص ساعة، مش عايز حد يتأخر.
فاطمة وهي تقف استعدادًا للمغادرة:
حاضر، بس فكر كويس يا عبده. دي تالت مرة تعملها وكل مرة النتيجة بتبقى من سيء لأسوأ. أول مرة خسرنا 3 عيال والحمد لله ربنا عاقبنا، اتنين و أخذهم مننا. والمرة التانية...
عبد التواب مقاطعًا بغضب وهو يرفع كفه:
قلت خلاص يا فاطمة. هو أنا كلامي مش بيتسمع؟
تنهدت بيأس ثم غادرت الغرفة، تاركة تلك الشحنة المفعمة بالغضب خلفها تنظر في أثرها بضيق.
في ردهة القصر..
كان يعم الضجيج من كثرة الأناس التي تعمل به، فكانت الفتيات يجلسن بملل يراقبن أولئك المصممات وهن يبذلن قصارى جهدهن كي يخرجوا لكل واحدة منهن فستانها المميز.
المصممة وهي تخرج فستانًا لؤلؤيًا ضخمًا:
إيه رأيك في ده يا مليكة هانم؟
ريتال بحماس وهي تصفق:
هيبقى تحفة عليكي يا مليكة.
مليكة بضيق وهي ترمق شقيقتها بنظرة حانقة:
أنا قلت أنا هلبس بنطلون وبلوزة، مش قصة هي.
فاطمة بصدمة وهي تقترب منهم:
بنطلون وبلوزة إيه يا مليكة؟ ده بتبقى ليلة في العمر يا حبيبتي.
مليكة بهمس وهي تجز على أسنانها:
ليلة سواد على دماغكم.
فاطمة بقلة حيلة وهي ترمقها بحدة:
استغفر الله العظيم يا رب، حد يقول كده على ليلة فرحه.
المصممة الأخرى وهي ترفع فستانًا بسيطًا ولكنه رائع:
طب وده يا آسيا هانم؟
آسيا بضيق:
لا.
المصممة بإنهاك:
فاطمة هانم، إحنا بقالنا 3 ساعات بنحاول نقنعهم بفساتين، لكن مفيش أي حاجة عاجباهم. إحنا طلعنا كل الفساتين اللي عندنا، محدش متعاون معانا غير بدور هانم.
ألقت فاطمة نظرة على بدور التي كانت ترتدي الفستان وتقف أمام المرآة وتدور بحماس شديد. هزت رأسها بيأس من تلك الفتاة المجنونة، ثم نظرت بحنق على الأربع فتيات الذين يجلسون فوق الأريكة يعقدون ساعديهم بملل وضيق واضح.
فاطمة بابتسامة:
طب سيبونا لوحدنا خمس دقايق.
في ثوانٍ معدودة كان قد اختفى الحشد الموجود ولم يبق سوى الجدة والأحفاد.
فاطمة بحدة وهي ترفع سبابتها في وجههم:
إيه المناظر دي؟ ده منظر عرايس فرحهم بكرة، وبعدين انتوا قالبين وشكم ليه كأنكم مغصوبين على الجوازة و...
قاطعها قهقهاتهم الساخرة ووقوف سيليا أمامها.
سيليا بقهر وقد تجمعت دموعها في عينيها:
ده على أساس إننا بنتجوز برضانا؟ إنتوا إيه اللي رجعكم حياتنا؟ إحنا كنا مرتاحين من غيركم. أنا أبويا لأول مرة في حياته يمد إيده عليا بسببكم.
فاطمة بصدمة:
محمود ضربك؟
سيليا بضحك مقهور وهي تضع كفيها بين شعرها:
أنا بقولك إيه وأنتي بتقولي إيه...
"في إيه بيحصل هنا؟"
انتفض الجميع على الصوت الجهوري الذي أتى فجأة من الخلف لينظروا له جميعًا برهبة ويعم الصمت بالمكان. اقترب عبد التواب منهم وهو يرمقهم بنظرة غاضبة.
عبد التواب بحدة:
صوتكم جايب آخر بلاد المسلمين. في إيه؟ تاعبين الناس اللي جايبينهم عشان يريحوكوا ليه؟ هو ده الأدب اللي اتعلمتوه؟
وقفوا بجانب بعضهم البعض محنيين رؤوسهم برهبة ويستمعون لكلامه بقلب يكاد ينخلع.
عبد التواب بحزم ونظراته تدور بينهم:
قدامكم نص ساعة وتكون كل واحدة فيكم اختارت فستانها وقعدت على كرسيها على السفرة. اعملوا حسابكم الناس جاية بالليل عشان الحنة، مش عايز أشوف أي تكشيرة. على آخر الزمن هتجيبوا لعيلتكم الكلام ويقولوا غاصبينهم على بعض. عرفيهم يا بدور نظامنا إيه لأني مبحبش أكرر كلامي.
بدور بتوتر وهي تحني رأسها باحترام:
حاضر يا جدي.
هز رأسه بفهم ثم غادر لتتبعه فاطمة وقد دمعت عيناها على أحفادها. ما لبثت ثوانٍ حتى عادت المصممات من جديد، ولكن تلك المرة كانت أسهل بكثير فالفتيات اختاروا فساتينهم أخيرًا وليس آخرًا.
على الجانب الآخر..
عند الشباب تحديدًا، في غرفة يامن.
كان كل منهم يرتدي بدلته الكلاسيكية ويجلسون في انتظار جدهم، فقد أخبرتهم الخادمة أنه آتٍ ويريد رؤيتهم بملابس العرس. كان صقر يقف في الشرفة ويشعل سيجارته حتى استمع لطرقات الباب. حمحم يامن ليلفت انتباهه، ولكنه استدار لينظر لهم، وما أن رأى جده ينظر لسيجارته المشتعلة في يده حتى ألقاها بإهمال ولا مبالاة وداس عليها وهو يدلف الغرفة.
عبد التواب وهو ينظر لهم ليتأملهم:
ما شاء الله عليكم يا ولاد الجندي. رجالة زي الورد. اقعدوا عايز أتكلم معاكم. أكمل حديثه وهو يجلس على الأريكة بعد أن رآهم يجلسون: دلوقتي معظمكم أشغاله في القاهرة، وطبعًا زي ما أنتوا عارفين بنات خلانكم متربيين هناك وكبروا هناك، وانتوا بردو معشتوش هنا كتير، أغلب حياتكم كانت هناك في المدينة.
يامن بحماس وعدم تصديق:
متجولش إننا هننقل القاهرة!
عبد التواب بضحك على حماسه:
أيوه، بعد الفرح على طول هنروح القصر بتاعنا اللي هناك. كده كده انتوا عارفين إن هناك أكبر وإحنا شغلنا معظمه هناك. إيه رأيكم؟
يامن بسعادة مفرطة وهو يحتضنه بقوة:
الله عليك يا جدي يا جامد، هو ده الكلام ولا بلاش.
عبد التواب بتحذير مبطن وهو يربت على وجهه:
هناك الصحافة أكتر والعين هتبقى علينا أكتر يا يامن، ها؟ وأنت هتبقى راجل متجوز يعني الهبل بتاع زمان ده أنا مش هسمح بيه.
يامن بلامبالاة وهو مستمر في عناقه:
يا حبيبي يا عبده. بقولك إيه، أنا اللي هاخد الدور الأخير، أنت عارف إني بحبه ودائمًا لما كنا بنروح هناك كنت بقعد فيه.
عبد التواب بضحك:
ماشي يا لمض أفندي. مسمعناش آرائكم يعني.
آسر بهدوء:
كده كده أنا بيتي هناك، فاللي يريحكم طبعًا.
عبد التواب بلهجة حازمة:
لا، مفيش بيتي وبيتيكم. كلنا هنقعد في القصر سوا. كده كده القصر جنب الشركة، ملكش حجة.
أومأ بمضض وهو يحل ربطة عنقه الذي يشعر أنها تخنقه بشدة. نظر عبد التواب للبقية فلم يجد ردًا سوى نظرات غير مفهومة.
عبد التواب مكملًا حديثه:
وأنت يا أيان كده كده شغلك هناك، أنت وآسر وصقر ويونس. عايزين نبدأ حياة جديدة وننسى كل اللي حصل هنا.
أنهى كلامه وهو ينظر لصقر الذي لمعت عيناه. انتقلت جميع الأنظار له، فزفر بضيق ثم أشاح نظره عنهم، وصوت ما بداخله يحدثه بأن يخبر مليكة بكل شيء لتخرب تلك الزيجة التعيسة. فلمعت عيناه عند هذه الفكرة وابتسم ابتسامة جانبية وهو يعود بنظره لينظر لجده.
صقر بهدوء ثلجي وهو يقف ويزر سترته:
عن إذنكم لحظة.
نظر الجميع له بتعجب وهو يغادر الغرفة، ولكن كان جده يعلم ما في داخله، لذلك جز على أسنانه وهو يضرب بعكازه الأرض.
في الأسفل..
كانت مليكة تقف أمام المرآة وتنظر لهيئتها الجميلة بحسرة. كانت تتحسس فستانها الرائع الذي كان يضيق حتى خصرها ويهبط باتساع، لنجد طبقات عديدة من الدانتيل الأبيض لتنتهي الطبقات بطبقة خارجية مرصعة باللؤلؤ وأكمامه المنفوشة الشفافة. دارت حول نفسها ببطء ولم تلحظ دموعها التي كانت تهبط بهدوء.
"مليكة.."
تسمرت بمكانها وهي تستمع لذلك الصوت الذي حفظت صاحبه عن ظهر قلب، ثم استدارت لتجده يقف بعيدًا عنها بأمتار قليلة.
مليكة بارتجاف وهي تبتلع غصتها:
ن.نعم.
صقر وهو يقترب بخطوات ثابتة وأعينه تفترسها:
صقر!
انتفضت مليكة ونظرت خلف صقر لتجد جدها يقف شامخًا وينظر لحفيده بغضب واضح. استدار له صقر ثم رمقه بنظرة جافة والتف مرة أخرى لمليكة التي كانت تنقل نظرها بينهم بعدم فهم وحيرة تملكتها.
صقر بهدوء ثلجي وهو ينظر داخل عينيها:
أنا زمان كنت...
"الحق يا جدو بطة وقعت من طولها"
رواية زواج بالاكراه الفصل السابع 7 - بقلم ملك مصطفي
في غرفة عبد التواب..
كانت الطبيبة تقيس نبضاتها. بعدما انتهت، وضعت كفها فوق جسدها بهدوء وهى تبتسم بداخلها على تلك المشاكسة الكبيرة.
الطبيبة بجدية مصطنعة:
– مفيش حاجة تقلق، هى بس ضغطها وطي فجأة نتيجة الإرهاق اللي اتعرضتله.
عبد التواب براحة:
– شكراً يا دكتورة، تعبناكي معانا. وصل الدكتورة يا يامن.
يامن بحماس وهو يتأملها:
– عينيا، اتفضلي.
راقبته آسيا وهو يغادر مع الطبيبة. استمعت لضحكاتهم سوياً مما جعلها تعقد حاجبيها، ولكنها لم تبالي كثيراً وعادت بنظرها للجدة النائمة بالفراش.
عبد التواب بهدوء:
– يلا يا ولاد روحوا استريحوا شوية قبل ما الناس تيجي بليل.
بدور بدموع وهي تجلس على الفراش بجانب جدتها:
– أنا عايزة أقعد مع بطة شوية، أنا ملحقتش أطمن عليها.
فاطمة بنبرة مرهقة:
– خليكي يا حبيبتي.
غادر الجميع، فلم يبقى في الغرفة سوى فاطمة وبدور. عبد التواب، الذي ما أن غادر الجميع، أغلق الباب خلفهم بهدوء ليعود لزوجته التي اعتدلت بالفراش وهي تتنفس الصعداء.
فاطمة بزفير قوي:
– كنت خايفة حد يكشفني.
عبد التواب بابتسامة:
– جدعة يا بطة، لحقتي الدنيا قبل ما البيه يبوظها.
بدور بتردد:
– بس آآ، أنا شايفة إن مليكة آآ مليكة من حقها تعرف كل حاجة.
عبد التواب بحزم:
– هتعرف بس وهي على ذمته.
فاطمة بتفكير:
– افرض طلبت الطلاق يا عبده.
عبد التواب بابتسامة جانبية وهو يعطيهم ظهره:
– مش هتطلب، ولو طلبت صقر مش هيطلقها. انتوا مشوفتوش بصلها إزاي وهي بالفستان.
بدور بتساؤل:
– إبيه صقر؟ مستحيل يا جدو، متحاولش.
هز رأسه بيأس وأطلق ضحكة تهكمية وهو يغادر الغرفة ليدلف إلى التراث ويجلس فوق المقعد الخاص به ليتأمل الخضرة أمامه مع غروب الشمس.
عبد التواب بتنهيدة:
– هتخلوني أسيب بلدي اللي كبرت فيها وناسي وأهلي يا عيلة الجندي عشان خاطر أريحكم، لأني عارف إنكم مش هتقدروا تعيشوا هنا وأنا مش عايز أضغط عليكم أكتر من كدة.
في إحدى الغرف..
دلفت والدتهم وهم خلفها، كل منهم شارد في عالم آخر، فقاطعتهم والدتهم بمدحها في فساتينهم التي كانت ملقاه أرضاً. فهم بعد أن سمعوا صرخات بدور لفقدان جدتهم الوعي، حتى هرولوا لغرفهم ليخلعوا ما كانوا يرتدون ويعودوا للجدة.
ريتال بتساؤل متجاهلة حماس والدتها التي كانت تحتضن ملابس العرس خاصتهم:
– مش غريبة يعني إن بدور تتصل بدكتورة تيجي تشوف جدتك وإنتي موجودة؟
مليكة بلامبالاة:
– يتصلوا باللي يتصلوا بيه، مش فارقة معايا في حاجة. خلينا نخلص من الهم ده.
ريتال بحنق وهي تمرر أناملها بفروة رأسها وتدور حول نفسها:
– يعني هو جدك ملقاش غير الحقير ده اللي يجوزهولي؟ هو ميعرفش حصل بينا إيه في الكلية؟ ده البيه فصلني من الكلية، إنتي متخيلة؟
مليكة بصدمة وهي تقف قبالتها وتجذبها من معصمها:
– إنتي اتفصلتي من الكلية؟
والدتهم بضيق:
– أيوه يا مليكة، يونس ابن عمتها فصلها، بس متقلقيش أنا اتكلمت معاه وهو قالي إنه فصلها أسبوع بس عشان طولة لسانها وقلة أدبها.
مليكة بعدم فهم وهي تبدل نظراتها بينهم:
– لحظة بس، هو إيه اللي جاب يونس الكلية عندك؟
ريتال بغيظ:
– حظي الأسود. البيه جاي يدينا مادة أساساً زفت وهو أزفت منها، لا و مكتفاش بمنصب دكتور، لا ده كمان عميد الكلية، يعني اتنين في واحد.
مليكة بذهول وهي تضحك وتضع يدها على ثغرها:
– إيه ده، حظك الأسود فعلاً. ادي أخرت فشلك في الكلية جالك اللي هيربيك.
ريتال بحنق وهي تدفعها بعيداً:
– حتى إنتي يا مليكة، بدل ما تقفي في صفي وتنزيلي تاخديلي حقي منه.
والدتها متدخلة:
– حقك إيه؟ ده إنتي شتمتيه وقلتي أدبك عليه وزمايلك كلهم سمعوا الشتيمة في المايك.
لم تستطع مليكة السيطرة على نفسها لتسقط فوق الأريكة مقهقهة بشدة وهي تمسك ببطنها وصوت ضحكاتها يعلو، لتشاركها والدتها الضحك بينما تتذمر ريتال وهي تشعر بالاضطهاد.
والدتها محاولة التقاط أنفاسها:
– إنتي يا بت يا قليلة الأدب إنتي مش هتعتذريلي؟
ريتال بضيق:
– أعتذرلك على إيه؟ إنتي اللي ضربتيني.
والدتها بحزم وهي تقف قبالتها وتقرص أذنها:
– لو مكنتيش قليتي أدبك عليا مكنتش ضربتك وإنتي بغلة كدة.
ريتال بحنق طفولي وقد توردت وجنتيها وتجمعت دموعها في عينيها:
– أنا آسفة يا ماما، إنتي عارفة إني مقصدش.
والدتها بحنان وهي تضمها وتقبل رأسها:
– حبيبتي، أم قلب أبيض مفيش زيه. ربنا يحفظك. إنتي عارفة إني عمري ما أضرك، لا إنتي ولا أختك، إنتو أمانة في رقبتي، وقبل كل ده إنتو حتة مني.
ريتال ببكاء وهي تدفن رأسها في أحضان والدتها:
– أنا خايفة أوي يا ماما، حاسة إني كنت في سابع سما وفجأة بقيت في سابع أرض. إحنا كنا جايين عشان نطمن على جدو، فجأة بقى فرحي بكرة وبختار فستان. لا وكمان هتجوز واحد أنا مبحبوش، واحد معرفش عنه حاجة، بيحب إيه، بيكره إيه، إيه أكلته المفضلة، واحد مليش أحلام معاه. رفعت رأسها لتنظر في عيني والدتها التي كانت تبكي بصمت. مش إنتي دايماً إنتي وبابا كنتو بتكلمونا عن قصة حبكم وإزاي اتعرفتم على بعض وإزاي بنيتوا أحلامكم وحاربتم الدنيا عشان تحققوها؟ ليه أتزوج واحد بيعاملني كدة وأنا مش مراته، اومال لما أبقى مراته هيعاملني إزاي؟ ليه فرحي ميحضروش صحابي؟ ليه حنتي تبقى مع ناس أول مرة أشوفها في حياتي؟ عايزاني إزاي أقبل بكل ده بس يا ماما.
كانت مليكة تتابع الحديث وقلبها ينبض بشدة، ولكنها فضلت الصمت رغم دموعها التي تهبط بغزارة كأنها تواسيها في محنتها.
والدتها بابتسامة رغم دموعها التي تهبط:
– أنا عايزة أثقي فيا يا حبيبتي. اسمعي كلامي المرة دي بس. إنتي طول عمرك مطلعة عيني وماشية بدماغك، بس المرة دي جربي اسمعي كلامي، عشان خاطري يا توتة.
ابتسمت ريتال وسط حزنها على ذلك الاسم الذي كان يلقبها به والدها رحمة الله عليه. أخذت بضع ثوانٍ ثم أومأت وهي تمسح وجهها بكفيها كالأطفال لتبتسم والدتها وهي تقبل وجهها.
والدتهم وهي تمسح دموعها:
– ثواني وجيالكم.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت بخطى ثابتة نحو غرفة كبير العائلة الحج عبد التواب لتطرق الباب بخفة. فتحت لها بدور وابتسمت عندما رأتها.
بدور بابتسامة جميلة:
– كيفك يا مرت خالي؟
سميرة بابتسامة:
– الحمد لله يا حبيبتي، إنتي عاملة إيه؟
بدور:
– بخير الحمد لله. اتفضلي، جدي وجدتي جوه.
سميرة بامتنان:
– شكراً حبيبتي.
بدور وهي تخرج من الغرفة:
– عن إذنكم.
أومأت لها سميرة ثم دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها. حمحمت بهدوء وهي تقترب منهم لينظروا لها.
عبد التواب بابتسامة:
– اتفضلي يا مرات الغالي.
فاطمة:
– تعالي يا حبيبتي اقعدي.
سميرة بهدوء وهي تنظر لعبد التواب:
– شكراً يا حجة. أنا مش جاية أزعجكم، أنا بس جاية أطلب من الحج عبد التواب حاجة وأتمنى ميحرجنيش.
عبد التواب وهو يعقد حاجبيه باستغراب:
– اطلبي طبعاً، إحنا أهل.
سميرة:
– ينفع يا حج بلاش موضوع الحنة ده؟ البنات مستصعبين الدنيا جداً ومن كتر الضغط عليهم، الاتنين قاعدين بيعيطوا في الأوضة. حضرتك عارف كويس إنهم ميعرفوش حد هنا، حتى أهلهم ميعرفوهمش. والحنة دي بتبقى عشان نحتفل مع ناس نعرفها، معتقدش إنهم هيحبوا ده، مش بناتي بس لا كلهم أكيد. الفرح ده شئ مفروغ منه رغم إنهم بردو هيبقوا وسط ناس ميعرفوهاش، بس عشان ميتكلموش نص كلمة على الأولاد أو يقولوا حاجة. لكن الحنة ملهاش لازمة. ولا حضرتك رأيك إيه؟
نظرت لها فاطمة بإعجاب شديد على حزمها في الحديث ولباقتها، ثم انتقلت بنظرها لعبد التواب الذي كان يفكر بكلام كنتها.
عبد التواب:
– طب والناس اللي جاية بليل نقولهم إيه؟ والمأذون؟
سميرة بذكاء:
– نقولهم إن العرايس تعبانين، جم من السفر على طول وبدأوا يجهزوا حاجات الفرح وم مشغولين بس كده.
فاطمة متدخلة:
– أيوه خلاص هنقول كده. روحي إنتي طمني بناتك وقوليلهم يبطلوا عياط بدل ما أقوملهم أنا.
ابتسمت لها سميرة ثم استأذنت منهم وغادرت الغرفة. ما أن خرجت حتى تنفست الصعداء وأطلقت تنهيدة قوية، فهي كانت تحمل هماً أن يرفض طلبها ولكن خيب ظنها وأظهر حسن نيته.
في غرفة بدور..
دلفت وهي تتدندن بسعادة وتتمايل بجسدها حتى رأت شقيقها يجلس فوق فراشها ويعقد ساعديه مراقباً لها.
بدور برهبة وهي تبتلع غصتها:
– إبيه صقر آآ، ازيك؟
صقر بنبرة رخيمة:
– تعالي اقعدي هنا.
بدور بخوف وهي تقترب بتردد:
– ح. حاضر.
صقر بضيق وهو يراقب تقربها ببطء:
– يلا يا بدور.
بدور بسرعة وهي تجلس بجانبه:
– آسفة.
صقر بتساؤل:
– إنتي موافقة على الجوازة دي؟ ولا بتعملي كدة عشان متزعليش جدك منك؟
بدور بتوتر وعلامات الرهبة تظهر عليها:
– أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟
صقر بحدة وهو يجز على أسنانه:
– كلامي ملوش معنيين يا بدور. إنتي موافقة ولا لا، لو مش موافقة قوللي وأنا أروح أتكلم مع جدك.
لا تعرف بماذا تجيب، فقد تجمعت دموعها في عينيها وظلت تفرك كفيها بعبائتها. فهي تعلم جيداً أن جدها يهاب صقر ولا يرفض له كلمة، وهكذا هي ستخسر حلم طفولتها الذي هو عبارة زواجها من ابن خالتها. وبالطبع هي لن تخبر صقر على حبها بل عشقها المجنون له. فهي إذ أخبرته ستلقى حتفها حتماً وتجاور والدها المرحوم.
قاطعهم دلوف والدتهم التي كانت تستمع لهم من الخارج، ولكن ما أن رأت ابنتها قد حُسرت فقررت التدخل فوراً.
والدتهم بهدوء وهي تقترب منهم:
– في إيه يا صقر؟ مقعد اختك جمبك كده ليه؟ هو فيه حاجة؟
صقر وهو مازال مسلط نظره على شقيقته:
– بسألها سؤال ومستني إجابته. ها يا بدور؟
قال جملته الأخيرة بصوت جهوري جعلها تنتفض بخوف وتبكي بصمت خشية من أن يوبخها على صوت بكائها.
والدتها بغضب وهي تقف أمامها لتحميها من بطش ابنها:
– في إيه يا صقر؟ مالك ومال اختك؟ أكيد هتتجوز عشان جدها، اومال هتتجوز ليه يعني؟ ما إنت كمان بتتجوز عشان جدك.
صقر بحدة:
– أنا قولتلك مليون مرة متدخليش بينا، هي عندها لسان ترد. طلعتيها شبهك، معندهاش شخصية وضعيفة وجبانة.
ألقى كلامه في وجهها ثم غادر وأغلق الباب خلفه بقوة جعلتهم ينتفضون بمكانهم. تجمعت الدموع في عيني الأم وهي تشرد بحديث ابنها، ولكن استفاقت على نحيب صغيرتها فأستدارت لتعانقها بقوة وتربط على ظهرها.
والدتها بحنان وهي تقبل رأسها:
– أهدي يا حبيبتي، إنتي عارفة إن أخوكي مش هيمد إيده عليكي.
بدور بغضب:
– ليه؟ عمره ما عملها مثلاً؟
والدتها بابتسامة وهي تبعد خصلات الصغيرة عن وجهها:
– إنتي عارفة كويس صقر بيحبك قد إيه وأنا عارفة إنتي بتموتي فيه إزاي، بس هو متعصب. إنتي أكيد مقدرة هو بيمر بإيه، صح؟
أومأت بدور بقلة حيلة ثم مسحت وجهها بهدوء واستأذنت والدتها لتذهب للفتيات بغرفهم.
في غرفة محمود..
استمع لطرقات الباب فذهب ليفتح ليتفاجئ بأبنة شقيقته تقف أمامه.
محمود بابتسامة:
– تعالي يا حبيبتي، نورتي.
بدور بابتسامة وهى تدلف:
– منورة بيك يا خالي.
محمود وهو يغلق الباب:
– لولا إن جدتك تعبانة ولغوا الغدا وكل واحد الأكل راحله أوضته كان زماني متعرف عليكي تحت. اقعدي يا بدور.
بدور بمرح وهي تجلس:
– واديني جيت برجليا أهو.
محمود بضحك:
– بتفكريني بمامتك واحنا صغيرين، كانت عسل زيك كده.
بدور بابتسامة ممتنة:
– ربنا يخليك يا خالو. اومال فين سيليا؟
محمود بحزن وهو ينظر لباب حجرة ابنته المغلق:
– جوه في أوضتها، رافضة تاكل وحتى مش عايزة تسمعني. تعبت معاها أوي يا بدور.
بدور بابتسامة وهي تقف:
– سيبلي أنا الطلعة دي. حضرتك خلصت أكل إنت ومرات خالي صح؟ عشان هاخد الصينية وأدخل جوه.
محمود بسرعة وهو يقف ويحمل الصينية ويضعها بين يدي بدور:
– خلصنا أه. حاولي معاها يا بدور بالله عليكي، متسيبهاش غير وهي مخلصة طبقه.
بدور وهي تغادر ردهة الغرفة:
– عينيا، عن إذنك.
اقتربت من باب غرفة سيليا وكادت أن تطرق الباب، ولكنها استمعت لها وهي تتحدث على الهاتف، فلم ترد مقاطعتها وإزعاجها. فوقفت أمام الباب منتظرة أن تنهي مكالمتها.
في الداخل..
سيليا بحنق:
– يا بنتي إنتي غبية. دي آخر مرة هشرح فيها عشان مش فاهمة بجد إيه الصعب في اللي أنا بقوله. دلوقتي القصر ده كبير جداً وكذا دور، الأوضة بقى بتبقى زي جناح كده اللي يعتبر شقة كبيرة. الشقة دي فيها أوض نوم عادي، فهمتي كده؟
صديقتها:
– طب ما تقولي كده من بدري، ما الدنيا طلعت سهلة أهي. بقا عايزة تسيبي كل ده وتيجي هنا؟
سيليا بتنهيدة:
– عمرك ما هتفهمني. يلا غوري دلوقتي عشان أشوف ماما فين.
صديقتها:
– سلام يا بومة.
أغلقت الهاتف ووضعته جانبها، فأستمعت لطرقات الباب. عقدت حاجبيها باستغراب ثم وقفت وذهبت لتفتح الباب لتتفاجئ بأبنة عمتها تقف أمامها.
سيليا باقتضاب:
– أهلاً.
بدور بابتسامة وهى تدلف:
– ينفع أدخل؟
سيليا بضحك وهي تغلق الباب:
– طب ما إنتي دخلتي أهوه.
بدور بضحك وهي تضع الصحون فوق المنضدة الصغيرة بجانب الفراش:
– دي أوضة بنت خالي زي أوضتي يعني.
سيليا بابتسامة مجاملة:
– طبعاً. خير فيه حاجة؟ ثم تحدثت بحماس: الفرح اتلغى؟
بدور بلامبالاة وهي تصعد على الفراش:
– لا أبداً، جاية أطمن عليكي وأشوفك بتعملي إيه. أصل إنتي وحيدة زيي، قولت أجي أونسك.
سيليا بضيق وهي تجلس بجانبها:
– أنا مش وحيدة، بابايا ومامتي موجودين.
بدور بابتسامة وهي تربت على فخذها:
– ربنا يخليهملك يا قلبي. المهم مغلبة خالي ليه ومش بتاكلي؟
سيليا بضيق وهي تنهض وتتجه لحقيبتها الصغيرة الملقاه بإهمال بجانب المقعد:
– هو لحق يشتكيلي؟
بدور بذهول وصدمة وهي ترى ابنة خالها تخرج علبة صغيرة من حقيبتها:
– إنتي بتعملي إيه؟
سيليا بلامبالاة وهي تضع السيجار بين شفتيها وتقترب من الشرفة:
– هولع سيجارة. إيه في إيه؟
بدور بغضب وسرعة وهي تركض للشرفة وتغلقها:
– ده على أساس إني عامية. ابعدي بسرعة لأحسن حد من العمال بتوع الجنينة يشوفك.
ضحكت سيليا بتهكم ثم جلست على المقعد وأشعلت سيجارتها وبدأت تنفث دخانها بهدوء.
بدور بخوف وهي تركض لباب الغرفة وتستند بظهرها عليه خشية من أن يُفتح فجأة:
– كفياكي عاد يا بت خالي! طفي المخربوة دي.
سيليا بضحك:
– رجعنا للصعيدي تاني، ما إنتي كنتي حلوة.
بدور بتوتر كبير وهي تكاد تجزم أن قدماها ترتجفان أسفل عبائتها:
– طفي يا سيليا البتاعة دي، خالي لو عرف آآ.
سيليا مقاطعة:
– خالك لو عرف؟ إنتي مش هتقولي حاجة لحد!
بدور:
– مش هقول والله، بس طفّيها.
سيليا وهي تلقيها أرضاً وتدعس عليها:
– خلاص طفيتها. ده إنتي جبانة جداً.
بدور وهي تتنفس بعمق:
– الحمد لله. لازم تفهمي يا سيليا إن هنا غير هناك خالص. هنا بيطخّوا على طول، ويلا شيلي البتاعة دي من على السجادة وارميها في صندوق الزبالة اللي جمب السرير.
سيليا بشمئزاز:
– صندوق الزبالة؟ اسمه باسكت.
بدور بنفاذ صبر:
– ارميها في الباسكت، حلو كده؟
انحنت وأخذت عقب السيجارة وألقته بصندوق القمامة الصغير، ثم فتحت الباب الجرار الزجاجي للشرفة ليدخل الهواء لهم.
بدور بتحذير وهي تقترب منها:
– أوعي تشربي قدام آسر، ده ممكن يموتك. أنا بقول كده عشان خايفة عليكي. أنا اللي عاصرت الناس دي وعارفة طباعهم.
سيليا بلامبالاة:
– يولع هو وطباعه، مناقصش غير ده كمان اللي هيتحكم في تصرفاتي.
بدور:
– اللي إنتي بتتكلمي عليه ده هيبقا جوزك.
سيليا بغضب:
– متعصبنيش إنتي كمان.
بدور متنفسة بعمق:
– طب خلاص تعالي يلا كلي.
سيليا وهي تركض للطاولة وتأكل بشراهة وهي تجلس أرضاً:
– تقولي لهم إني رميت الأكل في الباسكت، ماشي؟
ضحكت بدور بقلة حيلة وهي تهز رأسها بيأس، ثم جلست فوق الفراش وظلت تراقبها بهدوء وعقلها شارد.
خرجت بدور من الغرفة الخاصة بخالها وهي تحمل الصينية فارغة، فتنهدت بهدوء وسارت خطوات قليلة لتقف عند مقدمة الدرج. جلست عند الدرج وخلعت حجابها بعد أن تأكدت جيداً من خلو الأطراف، ثم بدأت بتوضيب شعرها الذي كان يتمرد داخل عبائتها، ولم تستمع لتلك الخطوات التي اقتربت منها بهدوء.
"بدور؟"
انتفضت من مجلسها ووقفت بسرعة لتلتف فجأة وترى ابن عمتها يقف أمامها وينظر لها بتعجب. كانت دقات قلبها تصم آذانها، فهي تجزم أنه يستمع لصرخات قلبها المجنون تلك الذي حاولت إسكاته ولكنه يتمرد عليها كالعادة. فكيف سيصمت أمام تلك الأعين التي أبدع الخالق في رسمها، التي تنظر لها داخل عينيها دون رحمة بقلبها الصغير؟ هبطت بأعينها على أنفه المستقيم، ثم إلى شفتيه الرفيعة وفكه المحدد وذقنه التي بدأت تنبت حديثاً. لم تستطع منع عينيها التي هبطت أكثر فأكثر لتستقر على رقبته لتتابع تفاحة آدم خاصته لتبتلع غصتها بتوتر.
أيان وهو يمرر كفه أمام وجهها:
– بدور؟
بدور وهي تستفيق من صدمتها:
– أيوه.
أيان بنبرة رخيمة:
– إيه اللي مقعدك على السلم كده؟
بدور بعدم فهم:
– كده إزاي يعني؟
أشار بأعينه على رأسها، فرفعت كفها تتحسس مقصده لتتفاجئ بكشف رأسها، فتصرخ في وجهه وهي تنحني لتجلب حجابها وتضعه على رأسها بإهمال وتركض للأسفل.
أيان باستغراب وهو يضرب كفيه:
– لا حول ولا قوة إلا بالله.
في صباح اليوم التالي..
على السفرة..
كان يتواجد الجميع فوق مقعده، ويحل الصمت عدا من أصوات الصحون التي توضع فوق الطاولة.
فاطمة بابتسامة:
– كمان شوية الناس هتبدأ تيجي يا بنات، كل واحدة تبقى في أوضتها والناس هييجوا لحد عندكم يعملوا كل اللي انتو عايزينه، متتعبوش نفسكم.
يامن بمرح:
– يا سيدي يا سيدي يا الدلع، وإحنا إيه إن شاء الله؟
فاطمة بحب وهي تقرص وجنته:
– هو أنا عندي أعز منكم؟ ده كان يوم المنى أشوف حد واحد بس فيكم بيتجوز. ثم أكملت بمرح: واديني بشوفكم كلكم في يوم واحد أهو.
عبد التواب بصوت رخيم وهو يمرر أعينه عليهم جميعاً:
– بعد الفرح هنطلع على القاهرة، هنعيش كلنا هناك مع بعض.
محمود بتساؤل:
– هنعيش مع بعض إزاي؟ هو مش كل واحد هيروح بيته؟
عبد التواب بهدوء:
– لا يا محمود، مبقاش فيه بيتنا وبيتكم، كلنا هنقعد سوا. فاكر القصر اللي عملناه أنا وإنت وعبد العال ومحمد زمان؟
محمود بانتباه:
– أيوه فاكر، بس برضو فاكر إننا سيبناه ساعة المشكلة ومكنش جاهز.
فاطمة متدخلة:
– عبده خلصه قوام أول ما سافرتوا، وكنا بنروح هناك دايمًا بس كنا بنقعد كام يوم ونرجع تاني. ثم أكملت بهمس وكأن لا يستمع لها أحد: كنا بنروح عشان باباك يعرف يراقبكم براحته.
عبد التواب بغضب وقد احمرت رقبته خجلاً:
– فاطمة!
ضحكت وعادت لتتناول طعامها.
عبد التواب مكملاً:
– أعتقد كده مفيش مشكلة. كده مليكة هتقدر تروح عيادتها، وريتال هتقدر تروح الجامعة، وإنتي يا سيليا مش هتضطري تتعودي على هنا، إنتي راجعة لبلدك تاني أهو.
مليكة بسخرية:
– إحنا من إسكندرية مش القاهرة.
ابتسمت له سيليا باصفرار ثم دست ملعقتها في فمها وهي تتمنى أن ينتهي ذلك الكابوس. فوقعت أعينها على ذلك المدعو آسر لتراه ينظر بهاتفه بتركيز شديد. فلم تبالي وعادت لتنظر لصحنها. كانت ريتال تنظر أمامها بحقد شديد، فكان يجلس قبالتها يونس الذي كان يأكل بلا مبالاة وبنهم شديد. فودت لو تصفعه بشدة. فجاء ببالها فكرة شيطانية جعلتها تبتسم. أمسكت ملعقتها وأوقعتها عمداً ثم انحنت لتجلبها وحددت هدفها جيداً، فهي كانت تريد أن تعرف أين يضع قدمه تحديداً. ابتسمت بشر وهي تجلس باعتدال ثم بدأت بتحريك ساقها وضغط على قدم الذي أمامها. ولكن مازالت ملامحه ساكنة، ينصب جام اهتمامه على صحنه. ظلت تضغط بقوة وهي تجز على أسنانها ولكن بلا فائدة، فهو ثابت كالصنم. فقلبت عينيها بحنق لتسقط فوق صقر الذي كان ينظر لها نظرة ثلجية. ابتلعت غصتها وهي تشعر به يكاد يخترقها بنظراته. لا تعلم أهذا مجنون أم ماذا؟ ولكنها شعرت بتلك القدم التي تتحرك أسفل قدمها لتخفض رأسها قليلاً لترى ماذا يحدث فتتفاجئ بنفسها تضغط على قدم صقر بدلاً من يونس لتسحب قدمها فوراً وتدمع عينيها من كثرة إحراجها.
مليكة بتساؤل هامس وهي تنظر لشقيقتها:
– مالك في إيه؟
ريتال بصوت رفيع أثر اختناقها بإحراجها:
– متأكدة؟
أومأت ريتال برأسها ثم لعنت ذلك الأبله الذي لا يبالي بمن حوله، فبسببه وقعت في إحراج كبير. نظرت بطرف أعينها لصقر لتراه يأكل بهدوء، لا تعلم لما تشعر أن حوله هالة من الظلام والغموض. فبدلت نظراتها لشقيقتها بجانبها لتراها تسند وجنتها على كفها وتلعب بصحنها فتحسرت داخلها على تلك المسكينة.
ريتال بتفكير حزين:
– يا عيني عليكي يا مليكة، ده أنا خطيبك عندي أهون من اللي هتتجوزيه ده. يا حظك الأسود يا حبيبتي.
مليكة بعدم فهم وهى تلتفت لها:
– بتقولي حاجة؟
ريتال وهي تنظر لصحنها بسرعة:
– لالا مفيش حاجة.
أنهت آسيا طعامها ثم استأذنت منهم لتصعد غرفتها قبل بدأ تجهيزات الفرح. فراقبها يامن وهي تغادر ثم هز رأسه بيأس من عدم انسجامها في تلك الأجواء العائلية النادرة.
رواية زواج بالاكراه الفصل الثامن 8 - بقلم ملك مصطفي
في غرفة آسيا..
دلفت وأغلقت الباب خلفها بهدوء وظلت تسير بالغرفة وهي شاردة.
هل ما تفعله صحيح؟ أهذه هي الطريقة الوحيدة لتأخذ حقها؟
زفرت بقوة وهي تضع كفيها بفروة شعرها، تكاد تشعر أن مياه ثلجية تسكب عليها.
فأخرجت هاتفها من جيبها لتهاتف صديقتها.
آسيا بحزن:
بقى ساعات على زواجي المشؤوم.
صديقتها ببكاء قوي:
ساعديني يا آسيا لقد طردني ذلك الحقير من المنزل الخاص بنا، لقد بقيت في الشارع.
آسيا بصدمة:
لماذا لم تخبريني بهذا؟
صديقتها بشهقات متتالية:
لا أمتلك رصيد لمهاتفتك، ارجوكي ساعديني لقد طردني أيضا صاحب المطعم، أنا ليس لدي أحد سواكي.
آسيا ببكاء وهي تجلس على الفراش وتضع أصابعها فوق شفتيها:
لا تقلقي يا عزيزتي، سأرسل لكي جميع المال الذي جلبته معي من أوروبا. هو ليس بمبلغ كبير ولكنه سيكفي لأسبوعين.
صديقتها وقد هدأ بكائها:
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
آسيا:
سأعود لكي بالعديد من الأموال.
ضحكت صديقتها بسعادة ثم طلبت منها أن ترسل المال في الحال كي تستطيع أن تجلس في فندق أو تستأجر منزل صغير حتى تعود آسيا، فوافقت آسيا وبالفعل أرسلت جميع المال الذي لديها ولم تفكر في عواقب ذلك.
في الأسفل..
كان يجلس آسر وبدور وسيليا ويونس بالصالون، كل منهم يمسك هاتفه بملل حتى استمعوا لجرس الباب، فهرولت الخادمة لتفتح للطارق، ففجأة استمعوا لصوت ضربات كعب حذاء أنثوي يضرب الأرض بقوة ليرفعوا رؤوسهم جميعاً في نفس ذات الوقت ليتفاجئوا بفتاة تقترب منهم وترتدي تنورة قصيرة ضيقة ويعلوها قميص ناصع البياض وفوقه سترة من نفس لون التنورة.
شهقت بدور بخجل وتوردت وجنتيها، أما سيليا ففتحت فاهها بقوة وهي تراقب مفاتن الفتاة البارزة، وما زاد الطين بلة هو صوتها الأنثوي الفج وهي تتحدث.
الفتاة بأبتسامة جانبية وهي تقف بثقة وتنظُر لآسر:
صباح الخير مستر آسر.
ثم نظرت لساعة يدها لتكمل بمرح:
في ميعادنا بالثانية أهو زي ما حضرتك بتحب.
آسر بأبتسامة وهو يقف ليصافحها:
دايماً مواعيدك مظبوطة يا لي لي، اعرفك يونس ابن خالتي.
لي لي بأبتسامة:
طبعاً دكتور يونس أشهر من النار على العلم، مفيش جامعة في مصر مش قالبة الدنيا عليه.
وقف يونس ليصافحها بروتينية ولكن سحب يده بسرعة وهو يرى ريتال تقترب منهم وترفع حاجبها له بحدة.
ريتال بأبتسامة وهي تقترب:
إيه ده انتو جايبين رقاصة في الفرح؟
ثم أكملت وهي تقف أمامها:
لسة معاد الفرح بليل، جاية بدري ليه؟
آسر بجدية وإحراج:
دي السكرتيرة بتاعتي يا ريتال.
ريتال بصدمة مصطنعة وهي تشهق وتضع يدها فوق صدرها:
إيه ده بجد، أنا آسفة جداً والله.
لي لي برسمية:
ولا يهمك.
آسر وهو يشير للفتيات:
ودي بدور انتي عرفاها كدة كدة ودي سيليا بنت عمي.
سيليا بذهول وهي تقف وتقترب منهم لتقف بجانب ريتال:
بنت عمك بس؟
آسر وهو يعقد حاجبيه بإستغراب من ذلك التغير الذي طرأ عليهم فجأة:
بس؟
سيليا بأبتسامة مصفرة وهي تنظر للفتاة:
انت خايف من الحسد ولا إيه يا أسورة؟ مش هتقول إن هبقى مراتك.
آسر بابتسامة جانبية:
سيليا مراتي المستقبلية، ودي ريتال بنت عمي الله يرحمه.
لي لي بأبتسامة:
أهلاً وسهلاً، اتشرفت بيكم. والله لولا إن فيه ورق واقف على إمضة مستر آسر مكنتش جيت وخدته منكم في ليلة مهمة زي دي.
آسر:
إزاي بس انتي معزومة على الفرح أساساً، يلا بينا نخلص شغلنا قبل ما الدنيا تتزحم؟
لي لي بأبتسامة:
يلا، عن إذنكم فرصة سعيدة.
ساروا سوياً أمامهم لتراهم سيليا وهم يصعدون الدرج وضحكاتهم تصل إليهم فتشعر بالغضب الشديد وتسير خلفهم، لكن جذبتها ريتال.
ريتال بعدم فهم:
رايحة فين كدة؟
سيليا بغضب:
لما أشوف البيه طالع بيها فين إن شاء الله، فوق مفيش غير أوضة نوم.
ريتال:
وإنتي مالك؟ ما قالك السكرتيرة بتاعته.
سيليا بسخرية:
وإنتي كان مالك لما سلمت على يونس؟
ضحك يونس ولكنه كتم ضحكته بسرعة وأمسك هاتفه ليتصنع انشغاله به، فزفرت ريتال بغضب ثم أبعدت يدها عن معصم ابنة عمها.
ريتال بثقة وصوت عالٍ كي يسمع جيداً:
أنا خوفت على البنت أصل الرجالة دي ذئاب بشرية وأنا شفت نظرة شهوانية حقيرة في عيون اللي ما يتسمى.
يونس بغضب وهو يقف:
احترمي نفسك.
ريتال بغضب شديد وهي ترفع سبابتها له:
أنا محترمة غصب عنك أنت.
بدور بتوتر وهي تقف حاجز بينهم:
اهدوا بالله يا جماعة، ده شيطان ودخل بينكم.
أيان بضحك وهو يقترب منهم:
شفت ياض يا يونس السكرتيرة بتاعت آسر، كل مرة تحلو عن اللي قبلها.
جحظت بدور بعينيها وأسود وجهها فقد تملكها الغضب الشديد وأعمتها غيرتها لتلتف برأسها لأيان الذي يضحك وهو ينظر ليونس.
بدور بصوت مخيف:
إنت قولت إيه؟
سيليا بتوتر وهي تقف أمام بدور:
إنتي بتتحولي ولا إيه؟
نظر لها أيان بتعجب ثم سحب ابن خالته وغادروا الردهة، تاركين الثلاث فتيات ينظرن في أثرهم بغضب شديد.
سيليا بغضب وهي تلتف لهم:
هو إنتو مش المفروض بلد محافظة وبتاع؟ إزاي سايبين واحدة تمشي بالمنظر ده في بيتكم اللي مليان شباب ده؟ جدك فين من المهزلة دي؟ وإزاي أصلاً يطلع معاها أوضة نومه كده؟
بدور بهدوء مصطنع وهي تأخذ نفس عميق:
سيليا ممكن تهدي؟ إنتو لسه فيه حاجات كتير متعرفوهاش عننا ولا عن حياتنا، وجدي مش هيقعد يحاسب كل واحد على لبسه وبعدين آسر بيقعد معاها في المكتب اللي في أوضته مش في أوضة النوم، إنتي بتغيري ولا إيه؟
سيليا بغضب وتوتر:
غيرة إيه وكلام فارغ، إيه العبط اللي بتقوليه ده؟ البيه خلى منظري زبالة المفروض إني هبقى مراته وليا احترامي، ومينفعش يطلع مع واحدة لابسة كده في أوضة النوم.
زفرت بدور بحنق ثم غادرت لغرفتها تاركة الفتاتان وحدهم.
ريتال بتساؤل وبلاهة:
تفتكري بيعملوا إيه في الأوضة دلوقتي؟
سيليا بغضب وهي تصرخ في وجهها قبل أن تغادر:
أوووف.
انتفضت ريتال ثم راقبت مغادرة سيليا بعدم فهم، ولكنها لم تأبه بشيء وجلست بأريحية فوق الأريكة لتلقط إحدى ثمرات الفاكهة من الصحن المعدني الكبير الموضوع على الطاولة الصغيرة في منتصف الردهة.
ريتال بسخرية وهي تقضم من التفاحة:
والله العظيم يا جدع، شوف البت مش على بعضها إزاي، وقال إيه مش غيرانة، أومال لو غيرانة هتطلع نار من بوقها ولا إيه.
في الحديقة..
كان يجلس صقر وهو يحتسي قهوته الداكنة كلون عينيه القاسية التي تراقب الزهور حولها بلامبالاة.
رآها تقترب منه بخطوات واسعة، استطاع أن يرى خوفها المغلف بقسوة وجدية مصطنعة.
مليكة بحزم وهي تقف أمامه مباشرة:
ممكن أتكلم معاك؟
لم يرد عليها واكتفى بإبعاد أنظاره عنها ليكمل ارتشاف قهوته بهدوء، فزفرت بحنق وجذبت المقعد البلاستيكي الفارغ لتضعه أمامه وتجلس عليه.
مليكة بارتياب يغلفه الجدية:
اسمع يا ابن الناس، أنا مش مستريحالك وحاسة إن انت وراك حكاية، حاسة إنك مش مريح وعينك مش مريحة بالنسبالي، هو انت إيه بالظبط؟ وراك إيه مخبيه؟ ليه كله هنا عامل حسابك أوي كده وخايفين منك؟ إنت ليه جيت عندي وناديت عليا؟ كنت هتقولي إيه؟ أنا شفت حاجة في عينك هتقولها بس سكت.
صقر بهدوء وهو ينظر لذراعها المكشوف:
إيه اللي انتي لبساه ده؟
مليكة بذهول وهي تقف وتنظر له بصدمة:
إنت أكيد مش طبيعي، أنا أكيد بكلم بني آدم مختل، لا يمكن تكون طبيعي.
صقر ببرود وهو يضع فنجاله فوق المنضدة ويقف قبالتها ليظهر فرق البنية والطول بينهم:
أولاً تدخلي تغيري هدومك ومتتحركيش بالمنظر ده تاني، ثانياً صوتك لو علي وانتي بتكلميني أنا هبقى ليا تصرف تاني.
لم تستطع تحمل ما تسمعه، فهي تشعر أنها أمام شخص مختل عقلياً، فقررت إعطائه ظهرها كي تغادر، ولكن تفاجأت به يسحبها من معصمها ويديرها له بقسوة، فأرتطمت ذقنها بصدره لتتأوه بألم.
مليكة بتألم وهي تحاول جذب معصمها:
إنت اتجننت، سيب دراعي.
صقر بسوداوية وهو ينحني عليها ويتحدث من بين أسنانه:
ثالثاً أوغي يا مليكة، أوغي وأنا بكلمك تديني ضهرك وتمشي.
مليكة بدموع محبوسة وقد بدأت تشعر بذراعها يتخدر:
إنت بتوجعني!
خفف ضغط يده ببطء، ولكن لم يترك ذراعها، فنظر خلفها ليرى عمال الحديقة بدأوا بالتجمع، فخبأها خلفه.
صقر بحدة:
كله عينه في الأرض.
في لحظة كان الجميع محني رأسه، فسحبها خلفه ودلف بها إلى القصر، ثم صعد الدرج وهو يشعر بالضيق من استماعه لنواحها المكتوم وصوت شهقاتها المتقطعة.
صقر بحدة وهو يقف فجأة ويستدير لها:
بس!
انتفضت بذعر وهي تضع كفيها فوق شفتيها بسرعة لتكتم صوتها قبل أن يسمعه.
أكمل صعوده بها حتى وصل أمام غرفتها فطرق الباب بقوة لتفتح والدتها وتنظُر لهم بتعجب من مظهرهم.
والدة مليكة بتعجب وهي تبدل نظراتها بينهم:
خير يا ابني في إيه؟ إنت ماسكها كده ليه؟ مالك يا مليكة وشك أحمر كده ليه؟ إيه الدموع دي؟
مليكة بصوت رفيع للغاية وهي تحاول التماسك:
مفيش يا ماما.
صقر بهدوء وهو يدفع مليكة برفق داخل الغرفة:
يا ريت مليكة متنزلش بالمنظر ده تاني.
ألقى جملته ثم ذهب فجأة كما أتى، فغغلقت والدة مليكة الباب وهي تعقد حاجبيها بتعجب لتلتف لإبنتها التي انهارت في البكاء ما أن أُغلق الباب لتحتضنها بسرعة وتربت على ظهرها.
مليكة ببكاء:
لا يا ماما مش هقدر، مش هقدر أبداً أتجاوز البني آدم ده، ده همجي ومتوحش ومتعجرف، عمري ما هحس بالأمان وأنا وهو لوحدنا.
والدتها بضحك:
متعجرف؟ يا حبيبتي بيغير على مراته، وإنتي يا مليكة نازلة لبكات؟ وبعدين راعي إننا في بيئة مختلفـ..
مليكة مقاطعة بصدمة وهي تبتعد عن أحضان والدتها:
إنتي بتقولي إيه يا ماما، بقولك همجي ومتوحش وغير متحضر، ده عنده الصراخ هو أسلوب حياة، إزاي بتطلبي مني أبني بيت وأسرة مع ده؟
والدتها بضيق:
تاني يا مليكة، هو إحنا اللي هنعيده هنزيده.
لم تستطع الرد واكتفت بتمرير أناملها في شعرها بعنف ثم مسحت وجهها ودلفت إلى غرفتها، فتنهدت والدتها وهي تستغفر كثيراً.
في المساء..
كان يجلسن العروسات بغرفة بدور وكل منهن ترتدي فستانها ولكن لا تظهر البهجة عليهم عدا بدور التي كانت تتراقص على ألحان الموسيقى الآتية من الأسفل.
بدور وهي تلهث:
ما تقوموا يا بنات.
سيليا بحنق وهي تقضم أظافرها:
ونبي إنتي فاية ورايقة.
كانت مليكة تمسك هاتفها لا تعلم ماذا تكتب له، هل تخبره أنها ستتزوج وليلتها الليلة أم تخبره أنه السبب؟ فهو من تهاون بمشروع خطبتهم حتى أتموا السبع أعوام.
زفرت بضيق ودموع الحسرة تتجمع بأعينها، فهي تشعر بالعجز الشديد.
"أنا فرحي النهاردة على ابن عمي، كان نفسي يكون انت بس النصيب، أنا آسفة ومتحاولش تكلمني."
أغلقت هاتفها سريعاً بعد أن أرسلت له تلك الرسالة القصيرة ومسحت دموعها التي انهمرت دون إرادة منها.
بدور بحنان وهي تجلس على ركبتيها أمامها وتضع كفها على فخذها لتربت بحنو:
متعيطيش ممكن، صدقيني أبيه صقر ده أطيب قلب ممكن تشوفيه في حياتك، على قد عصبيته على قد ما هو طيب، هو بس بسبب اللي حصله والمسئولية اللي بقت عليه هو اتغير.
ثم التفت برأسها لريتال:
وإنتي يا ريتا متخافيش، يونس قلبه زي البفتة البيضا، هو بس بيحب يشاكس كده اللي حواليه، لكن طيب والله.
والتفت برأسها لآسيا:
وإنتي يا سوسو، على فكرة يامن راجل وجدع وهيشيلك في عينه، هو بس هلاس حبّتين تلاتة، لكن مش هتشوفي أجدع وأرجل منه والله وافتكري كلامي ده كويس.
وإنتي يا سيليا، أنا مقدرة إنك فجأة لقيتي نفسك هتتجوزي وحياتك اتشقلبت، بس آسر أكتر حد بيدعم المرأة هنا.
أكملت بعدما انتهوا من ضحكهم على جملتها:
والله بتكلم جد، آسر ده طموح حرفياً، دايماً بيفكر في المستقبل، كان دايماً بيتعارك مع صقر عشان خاطر يدخلني الكلية ومرة قدملي ورقي فعلاً، بس أنا من كتر خوفي من صقر مروحتش المقابلة بتاعت الكلية.
متخافوش يا بنات ومتكشروش كده، افرحوا، هو إنتو هيبقالكم فرح كام مرة؟ وحطوا في بالكم إنكم مع ولاد عمتكم، يعني عيلة واحدة كلنا.
أنا مقدرة إن محدش فيكم يعرفهم بسبب البُعد اللي كان بينا، بس أنا بضمنهم ليكم برقبتي، أنا عاصرتهم كلهم وعرفتهم كلهم وعارفة معدنهم الطيب الأصيل.
ريتال بحيرة وهي تقف:
بصراحة كده أنا مش فارق معايا غير إن فرحي النهاردة وأنا عايزة أرقص.
وقفت بدور قبالتها وهي تبتسم بسعادة ثم أمسكت يدها وظلوا يمرحون ويرقصون حتى جذبت ريتال آسيا التي كانت ترى تلك الرقصات لأول مرة، فظلت تحاول التمايل معهن وهي تضحك بشدة، فجذبت بدور سيليا التي رقصت على مضض، أما مليكة فظلت تراقبهم بابتسامة وهي تصفق لهم وعقلها شارد في مستقبلها غير المعلوم، حتى قاطعهم دخول جدتهم المبتسمة التي راقبتهم بحب.
فاطمة بسعادة:
يلا يا عرايس، المأذون تحت.
هبطوا معها فتفاجئوا بحشد ضخم في بهو القصر، الذي ما أن رأوهم حتى أطلقوا الزغاريد العالية وهجموا عليهم بالقبلات والتهنئة، فأبعدتهم فاطمة بمرح وهي تدفع الفتيات إلى غرفة المعيشة الذي يجلس بها المأذون والشباب وعبد التواب ومحمود.
جلس الفتيات وبدأت مراسم الزواج التقليدية حتى انتهى المأذون منهم جميعاً فقال جملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
فأطلقت والدة سيليا ووالدة مليكة الزغاريد العالية وهنأوا الأولاد.
عبد التواب بابتسامة:
يلا كل واحد ياخد عروسته في إيده ويطلع للناس.
اقترب يامن سريعاً من آسيا وأمسك معصمها ليضعه في معصمه، فضحكت فاطمة عليه وهي تضربه بخفة على كتفه، فوقف آسر أيضاً ومد يده لسيليا التي نظرت له بسخرية، ولكن ما أن رأت تلك السكرتيرة تقف على باب الغرفة فتآبطت بذراعه سريعاً وهي تسير معه للخارج.
يونس بهمس وهو يقترب من ريتال:
دي هتبقى جوازة سودة على دماغك.
ريتال بابتسامة مصطنعة وهي تتآبط بذراعه:
هتبقى سودة على دماغك إنت، متقلقش يا حبيبي.
لا يعلم لما ابتسم على تلك الكلمة العفوية، ولكنه أشار لها بتهديد، فأخرجت له لسانها.
ذهبت بدور لأيان الذي كان يقف ثم أمسكت كفه بقوة وهي تبتسم بسعادة ظاهرة.
بدور بابتسامة واسعة:
مبروك علينا.
أيان بهدوء:
الله يبارك فيكي يا بدور.
بدور وهي تتآبط بذراعه:
يلا بينا.
وقفت مليكة تتابع ما يحدث بين بدور وأيان بأعين حزينة، فالآن فهمت لما تمتلك بدور تلك السعادة الكبيرة، فهي عاشقة ولكن يبدو أن أيان لا يبادلها الشعور، فهزت رأسها بيأس، ولكن فجأة حُجبت الرؤية عنها فقد وقف أمامها صقر ومد معصمه لها، فتآبطت بذراعه بتوتر، ما أن لمسته حتى شعرت بمعصمه يشتد أسفل كفها فأقشعر بدنها.
صقر بهمس مخيف وهو يسير بها:
إيه اللي انتي لبساه ده.
مليكة بحنق:
بقولك إيه الفستان محترم أهو.
صقر وهو يضغط على كفها:
أنا قصدي ده.
نظرت مليكة في كفها لترى دبلة خطبتها، فأبتلعت غصتها بتوتر وهي تكور قبضتها، فزفر صقر بقوة ثم سار بها للخارج.
هنأهم الجميع وظلوا يحتفلون بهم بقوة حتى مرت تلك الساعات بصعوبة عليهم حتى غادر الجميع.
عبد التواب بابتسامة وهو يقف أمام الجميع:
مبروك عليكم بعض يا حبايبي، النهاردة أنا سعادتي اكتملت بيكم، كده أقدر أموت وأنا مستريح، كل اللي طالبه منكم مهلة شهر بس وأوعدكم إن كل حياتكم هتتغير، شهر بس تستحملوا بعض من غير ما حد فيكم يطلب الطلاق، الجواز ياما بيحصل فيه خناق ومشاكل، لكن أهم حاجة تتمسكوا ببعض.
أنا هعتبركم وعدتوني إنكم هتسمعوا كلامي وهتصبروا الشهر ده، كل ميراثكم هتاخدوه بعد الشهر ده أوعدكم، يلا اطلعوا غيروا هدومكم عشان رايحين مصر.
فاطمة بابتسامة:
كل عروسة هدومها اللي جات بيها اتحطت في أوضة عريسها، يعني كل واحد ياخد مراته في إيده ويطلعوا غيروا وانزلوا تاني.
نفض التجمع وتبقى عبد التواب ومحمود فقط ليجلسا على الأريكة بالصالة ليعم الصمت، فيكسره محمود بقوله.
محمود بنبرة خافتة وهو يراقب صعود فتاته:
أنا خايف أوي يا بابا.
عبد التواب بابتسامة وهو يربت على ظهره:
متخافش، أنا مش هكرر غلطتي بتاعت زمان.
محمود بحزن:
خايف سيليا تكرهني، إنت عارف هي قالتلي إيه؟ قالتلي مش عشان ترجع علاقتك بيهم تقدمني قربان ليهم.
أنا خايف أوي يكون كلامها صح ويكون خوفي من إني أخسركم تاني هو اللي خلاني أوافق على جوازها بالطريقة دي، أنا مديت إيدي عليها لأول مرة في حياتي بسببكم.
عبد التواب بهدوء ومازال محافظاً على ابتسامته:
طول عمرك حنين يا محمود، زمان وانت صغير كنت بقعد أقول لفاطمة متدلعيهوش كده هيطلع طري مش ناشف زي أبوه، كانت تقعد تقولي ملكش دعوة أنا عارفة بربيه إزاي، ولما كبرت وروحت درست بره هي بردو اللي قعدت تقنعني عشان تسافر إنت وإخواتك تتعلموا بره وكنت بقعد أقول هي مدلعاكم وهتبوظكم، بس اكتشفت إنها طلعت رجالة حنينة.
متقلقش يا محمود، أنا مش هخسركم تاني، أنا بجد عارف المرادي بعمل إيه.
محمود بابتسامة وهو يقبل يده:
ربنا يخليك ليا يا حاج ويطمنك زي ما طمنتني.
ابتسم له واكتفى بهز رأسه.
بعد قليل هبط الجميع خلف بعضهم البعض وكل منهم يحمل حقيبة، فطلب منهم الجد التوجه للخارج وأن تصعد كل واحدة منهم لسيارة زوجها.
ريتال بتساؤل:
طب و ماما؟
عبد التواب:
إحنا هنركب العربية الكبيرة، السواق هيوصلنا، متقلقيش.
أومأت ريتال ثم احتضنت والدتها بقوة وذهبت خلف يونس، ثم بدأ الجميع بالتحرك للخارج ليصعد كل منهم سيارته الخاصة.
مليكة بتساؤل وهي تنظر للسيارات حولها بعد أن صعدت مع صقر:
هو انتوا خلاص هتسيبوا هنا خالص؟
اكتفى صقر بالانطلاق بالسيارة ليذهب خلفه الجميع.
في سيارة يامن..
آسيا وهي تفتح النافذة لتخرج رأسها وتغمض عينيها:
يااااه وحشني أوي إني أعمل الحركة دي.
يامن بضحك:
طفلة والله.
ابتسمت على جملته وهي مازالت مغمضة عينيها تاركة الهواء يداعب وجهها.
دلت بعد مدة ثم اعتدلت بجلستها ونظرت ليامن.
آسيا بتساؤل:
إنت تعرف القاهرة كويس ولا متعود على هنا أكتر؟
يامن بضحك:
أعرف القاهرة؟ ده أنا عشت فيها أكتر ما عيشت هنا أساساً، دراستي كلها كانت هنا وأصحابي وحياتي كلهم هناك.
آسيا وهي تنظر للسيارة الفارهة بتأمل:
إنت اللي جبت العربية دي؟
يامن بابتسامة:
لا طبعاً، جدي جبهالي لما نجحت في ثانوية عامة، مع إن مجموعي مكنش كبير أوي يعني، بس هو مصدقش إني عديت السنة فجابلي عربية أحلامي.
آسيا بحزم:
وإيه لازمة أحلامك طالما حد تاني هو اللي بيحققها لك؟
يامن:
أفندم؟
آسيا بجدية:
إنت دلوقتي حلمت حلم، إيه لازمة إنه يتحقق طالما مش إنت اللي تعبت فيه، عارف العربية دي لو كنت إنت اللي حوشتلها كنت آـ.
يامن مقاطع بسخرية:
كنت مجبتهاش طبعاً، واضح إنك بتحبي تتفلسفي كتير يا سوسو يا حبيبتي، خدي نصيحة من جوزك العزيز، طالما قدامك فرصة تحققي حلم من غير مجهود حققيه من غير جهد وعرق وقرف وكلام الناس العبيطة ده.
نظرت له بيأس وهي تهز رأسها بسخرية لتعقد ساعديها وتنظر أمامها وهي تفكر في الشخص الذي أصبح زوجها، فعلاً الجمال ليس كل شيء.
في سيارة يونس..
كانت ريتال تجلس بالخلف وهي ممسكة بهاتفها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي حتى قاطعها رنين هاتفها لتجيب وابتسامتها تكاد تصل لأذنها.
ريتال بسعادة:
وحشتينيييييي.
صديقتها بحماس:
افتحي الكاميرا.
ريتال بسعادة وابتسامة وهي ترى صديقيها:
يا ولاد اللذينة انتو مع بعض، وحشتوني يا جزم.
محمد بضحك:
لسة لسانك طويل يا بت.
انتبه يونس للصوت الذكوري الذي يصدر بالسيارة فنظر بالمرآة ليراها تضع الهاتف أمام وجهها وابتسامتها تكاد تصل لأذنها، فأستغفر ربه كثيراً بسره وهو يتابع ذلك الحديث الذي سينتهي بكارثة حتماً.
ريتال بضحك:
آه ملكش دعوة إنت، بتعملوا إيه في الوقت ده مع بعض الساعة 1 بليل يا مجانين.
أسماء بسعادة وهي تحاوط خصر محمد:
النهاردة اتقرا فتحتنا يا ريتا.
ريتال بشهقة وهي تضع يدها فوق ثغرها:
إيه؟ إنتو بتهزروا صح؟
محمد بضحك:
مش قولتلك مش هتصدق المجنونة دي، والله النهاردة قرينا الفاتحة ودلوقتي خارجين مع أهلي وأهلها سهرانين برة بنحتفل، أهالينا طلعوا صحاب من زمان أصلاً.
ريتال بحماس وسعادة مفرطة ظهرت على وجهها وهي تقرفص على الأريكة:
لا لا احكولي من الأول.
جحظت عيناه وهو يراها ترفع حذائها المتسخ لتضعه على الأريكة، فزمجر بعنف لترفع عينيها له في المرآة فتراه يحذرها بعينيه أن تخفض قدمها.
ابتسمت باستفزاز وهي تجلس بأريحية وتتعمد الضغط على قدمها لتترك أثر الحذاء على الأريكة، فعض شفتيه بغضب ولكنها تجاهلته مكملة حديثها مع أصدقائها.
أسماء:
يا بنتي لقيت فيه عريس متقدملي وبابا موافق من قبل ما أشوفه وأقعد معاه، قعدت أعيط واتضربت عن الأكل وحبست نفسي في الأوضة، وكل ده هيجرالي حاجة ومحمد اختفى مرة واحدة، لا بقى يبعتلي ولا يكلمني وميردش عليا لحد ما جه النهاردة طالعة بالإكراه أقدم الشاي لقيت محمد في وشي.
محمد مكملاً بضحك:
قامت مصوتة ورامية الصينية على الأرض.
ريتال بضحك:
يخرب عقلك يا سوما.
أسماء بضحك:
بس يا ستي، وأونكل بابا محمد قال بما إن الولاد عارفين بعض، فأحنا نخلي النهاردة قراية فاتحة بدل تعارف، وبابا عشان أونكل صاحبه أوي معترضش، وأدينا خارجين بنحتفل كلنا وسهرانين للفجر.
ريتال بسعادة:
أنا مبسوطة أوي بيكم، ربنا يخليكم لبعض وليا يا رب.
محمد بابتسامة:
ويخليكي لينا يا أحلى ريتا.
محم يونس بنفاذ صبر وهو يحرر ربطة عنقه ونظر لها بالمرآة، رآها تعبس بوجهها فجأة فعقد حاجبيه بتعجب حتى تحدثت.
ريتال بضيق:
معاك شاحن يا أخويا؟
يونس بابتسامة مستفزة:
معايا.. بس مش هديهولك.
كادت أن تبتسم ولكنها عبست مع إكماله لجملته، فزفرت بحنق وهي تلقي هاتفها بجانبها وتتوعده بداخلها لتنظر للخارج وتشرد في حياتها القادمة.
في سيارة صقر..
كانت مليكة تعقد ساعديها وتراقب الطريق المظلم أمامها، فجأة وضعت كفها على فخذها لتتأمل خاتم خطبتها بشرود.
لم تستطع تحمل النظر له، فكورت قبضتها وهي تغمض عينيها بقوة.
مليكة بداخلها:
في إيه يا مليكة؟ أومال لو كنتي بتحبيه بجد كنتي عملتي إيه؟ زعلانة على العشرة؟ عشرة إيه؟ إنتوا كنتوا بتتكلموا في المناسبات، ولا إنتي بتمثلي إنك زعلانة؟
هنا فتحت عينيها فجأة، يليها كفها الذي خلعت منه الخاتم ووضعته بجيبها، كل هذا تحت أنظار صقر الذي كان يتابع بهدوء دون أن ينطق بكلمة.
مليكة بتساؤل:
هو إنت وبدور ليه علاقتكم وحشة كده؟ البنت بتترعب منك كده ليه؟
صقر ببرود:
عشان هي المفروض تترعب مني.
مليكة بذهول وسخرية:
لا والله؟ على فكرة كده غلط.
صقر بحزم:
متدخليش في اللي ملكيش فيه يا دكتورة، إحنا اللي بينا ورقة وملهاش أي تلاتين لازمة.
ثم أكمل بقسوة وهو يجذبها من ذقنها:
ويا ريت إنتي كمان تترعبي مني زيها.
أزاحت يده وظلت تفرك ذقنها وعلامات التألم تظهر بقوة على وجهها، فزفرت بحنق واستندت برأسها على النافذة وهي تتمنى أن تصل إلى المنزل سريعاً كي تختبئ في الغرفة وتبكي بشدة على ذلك البلاء الذي وقعت فيه.
بعد مرور عدة ساعات..
وصل الجميع لضالتهم وبدأوا بالهبوط تدريجياً، منهم من كان يتأمل الحديقة الواسعة ومنهم من كان ينظر للقصر الضخم بتأمل وذهول.
الجد بابتسامة وهو يتأمل الحشد حوله:
نورتوا بيتكم يا حبايبي، يلا سيبوا الشنط وادخلوا، عادل (مساعد الجد) هيدخل الشنط.
يلا يا عرسان كل واحد عارف الدور بتاعه فين، خد عروستك واطلع وريها شقتكم.
ريتال بهمس وهي تلكز بدور:
شقتنا؟ يعني إيه؟
بدور بهمس وهي تميل عليها:
أصل كل واحد في الولاد ليه دور والدور عبارة عن شقة.
ريتال بغيظ:
والبنات إيه؟ أما مجتمع ذكوري بصحيح.
ضحكت بدور وهي تهز رأسها بيأس، ثم استمعوا لجرس الباب فألتفوا جميعاً ليروا من الطارق ليتفاجئوا بفتاة تجلس فوق مقعد متحرك ويحركها شاب صغير خلفها.
مليكة بذهول وهي تقترب منها بسرعة وتجثو على ركبتيها:
مليكة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟
مليكة بسخرية وهي تنظر لصقر بنظرة باردة:
إزيك يا دكتورة، ولا أقولك يا مرات بابا أحسن.
رواية زواج بالاكراه الفصل التاسع 9 - بقلم ملك مصطفي
استمعوا لجرس الباب فألتفتوا جميعاً ليروا من الطارق.
ليتفاجئوا بفتاة تجلس فوق مقعد متحرك ويحركها شاب صغير خلفها.
مليكة بذهول وهي تقترب منها بسرعة وتجثي على ركبتها:
– مليكة؟؟؟؟ انتي بتعملي ايه هنا؟
مليكة الصغيرة بسخرية وهي تنظر لصقر بنظرة باردة:
– ازيك يا دكتورة، ولا أقولك يا مرات بابا أحسن.
مليكة بعدم فهم وهي تقف ببطء وتلتفت لصقر:
– مرات بابا؟ يعني إيه الكلام ده؟
مليكة الصغيرة بحدة:
– انتي هتستعبطي؟
صقر بغلاظة:
– مليكة خلي بالك من كلامك مع مرات باباكي.
مليكة بصدمة:
– مرات باباها؟؟؟؟؟ انت متجوز يا صقر؟
مليكة الصغيرة بضحك:
– هو مقالكيش كمان، ده متجوز ومخلف اتنين كمان.
والدة مليكة متدخلة وقد شحب وجهها تماماً:
– يعني إيه الكلام ده يا حج، هو صقر متجوز؟
عبد التواب بهدوء وهو ينظر للطفلة:
– كان متجوز.
مليكة بصدمة وضحكة ساخرة وقد بدأ يعلو صوتها:
– كان؟؟؟ أنا إزاي معرفش حاجة زي دي وكمان مخلف اتنين؟
عبد التواب:
– وطّي صوتك يا بنتي.
مليكة بغضب وهي تمسك حقيبتها:
– أوطي صوتي؟؟ أنتو لسة شوفتوا حاجة؟؟ ده أنا هخرب بيتكم، ورقة طلاقي تجيلي في بيت أبويا سامعني يا صقر.
أعطتهم ظهرها كي تغادر، ولكن أمسكها صقر من معصمها وجذبها نحوه. فحاولت جذب معصمها من بين يديه لكنه كان محكم قبضته عليها، فوجدت نفسها تنحني نصف انحناءة وتغرز أسنانها بيده. فلم يتأثر وأغمض عينيه للحظات، ثم حملها على ظهره وسط شهقات الفتيات وصعد بها الدرج.
مليكة وهي تضرب ظهره:
– الحقونييييييي، والله ما هسيبكم، انتو تلاقيكو مطبخنها سوا، يا ماماااااااا.
لم يستطع أحد الحراك سوا ريتال التي فاقت من صدمتها وصعدت خلفهم تركض ركضاً. فلحقها يونس خوفاً من بطش ابن خالته.
يونس بصوت عالٍ وهو يركض خلفها:
– ريتال تعالي هنا.
ريتال بلهث وهي مستمرة بصعود الدرج:
– ملكش دعوة.
انتقاطعت طريق صقر الذي نظر لها بغضب. فرفعت حاجبها له بتحدٍ ولم تشعر بنفسها إلا وهي تخلع دبوس شعرها المعدني وتنحني لتغرزه بركبته. ليختل توازنه وتسقط منه مليكة أرضاً، ولكن سرعان ما ساعدتها شقيقتها في النهوض ووقفوا أمام اثنتين.
يونس بحدة:
– انزلوا ومحدش يتحرك من تحت.
صقر بغضب:
– محدش هيتحرك من هنا يا يونس.
يونس محاولاً امتصاص غضبه:
– هيقعدوا تحت يا صقر لحد ما تهدى. مليكة مش هتمشي.
مليكة بحدة:
– لا همشي.
عبد التواب من خلفهم:
– محدش هيمشي من هنا.
فاطمة بقليل من الخوف:
– تعالوا يا بنات معايا نتكلم لو سمحتوا، وبعد كده اعملوا اللي انتوا عايزينه.
أومأت ريتال ثم جذبت مليكة التي كانت تنظر لصقر بحقد كبير وكره بيّن.
عبد التواب بهدوء بعد أن راقب رحيل الفتيات وزوجته:
– هي إزاي طلعت من المدرسة؟
لم يجاوبه صقر واكتفى برمق بنظرة حادة ثم هبط للأسفل، فلحقه يونس الذي كان يتوعد بداخله لتلك المشاكسة الصغيرة زوجته، فيبدو أنه سيتعب في ترويضها وتطبيعها بطبعه.
…………………………………………………………………..
في غرفة ما.
كانت فاطمة تجلس فوق المقعد الموضوع بزاوية الغرفة وأمامها الفتاتان على الأريكة. تنهدت بقلة حيلة ثم نظرت لمليكة التي كانت تنظر بعيداً شاردة.
فاطمة بهدوء:
– مليكة حبيبتي بصيلي هنا، إيه اللي بيدور في دماغك؟
مليكة بضيق:
– أنا مش حبيبة حد، إزاي تخبوا عليا حاجة زي دي بجد؟ وهو إزاي ميقوليش؟
ريتال متذكرة بصدمة وهي تقف:
– يعني انتي كنتي بتكدبي؟ يوم لما تعبتي ودور ندت علينا وإحنا بنقيس الفساتين، صقر كان هيقول لمليكة انتي اللي منعتيه؟
فاطمة وقد تورد وجهها بأكمله من الخجل والإحراج:
– أنا بس كنت آآآ.
ريتال بسخرية:
– وأنا اللي صدقت إنك طيبة، أنا بجد كنت بدأت أحبك. ترضيها لحد من عيالك؟؟ يعني أختي تتجوز واحد متجوز؟
مليكة بحدة:
– لا ومخلف كمان.
فاطمة وقد دمعت عيناها:
– ممكن تسمعوني، أنا هحكيلكم كل حاجة بس وعد الكلام ده ميخرجش برا.
توسعت عينا ريتال بفضول، فأعتدلت بجلستها. ولكن مليكة عقدت ساعديها بضيق وهي تشيح بنظرها بعيداً، فنادتها الجدة.
فاطمة:
– أوعديني يا مليكة كل حرف هقوله هنا هتنسيه مجرد ما تطلعي من الأوضة دي. أنا هقولك كل حاجة وأنتي حرة تكملي أو متكمليش في الجوازة دي.
لم ترد مليكة، اكتفت بمراقبة الجدة بتردد. فلكزتها ريتال فأومأت مليكة على مضض ووعدت الجدة لتبدأ الأخرى بسرد القصة.
فاطمة:
– زمان بعد ما أبوكي وعمامك اتجوزوا وسافروا جدك اتكسر وحس إنه مش هيقدر يوري وشه للناس تاني. أصل عندنا الكلمة زي السيف طول ما طلعت يبقى لازم تتنفذ. وكمان دي مطلعتش من أي حد، دي طلعت من كبير البلد. جدكم كان واعد أخوه إنه يجوز عيالهم لبعضهم، بس زي ما أنتو عارفين العيال مرضيوش وعارضوا جدكم هنا. البلد كلها كانت عارفة إن بنات عبد الحميد لعيال عبد التواب. فجأة كله بدأ يتكلم على بنات عبد الحميد وحصلت العداوة بينهم وعبد الحميد هرب من البلد. صقر كان أول حفيد، لما أبوكي وعمامك مشيوا كان هو عنده سنتين. جدك زي ما تلاقي شيطانه ركبه خد صقر من أبوه وأمه يربيه لدرجة إنه بقى يبات معانا في الأوضة أوقات. ولما بدأ يصلب طوله جدك قال يجوزه ويصلح علاقته بأخوه تاني.
مليكة بتركيز شديد:
– اشمعنى هو؟
فاطمة:
– بعيداً عن إنه أول حفيد، بس هو كان غريب كده. من وهو في اللفة عنده شخصية وقوي. أوقات كان يمشي كلامه على جدك كمان. أنا وقتها حسيت إنه مش عايز يجوزه عشان يصلح علاقته بأخوه، لا. حسيت إنه شاف فيه عياله اللي هملوه وحده وعصوا كلامه. شاف فيه عنادهم وإصرارهم على الجواز من حد تاني. حسيت إنه عايز يلحق قبل ما صقر يكبر وقوته تكبر معاه.
ريتال بحقد وتعاطف كبير:
– هو كده كان عايز يكسره..!!
فاطمة مكملة:
– صقر وقتها كان عنده 16 سنة، طفل يعتبر. جدك كلم أخوه وقاله إن صقر عايز يتجوز وإن دي فرصة عشان يعرفوا يرجعوا البلد تاني وهما رافعين راسهم ومحدش يقدر يتكلم على البنات تاني. طبعاً الأخ وافق، بس كانت أصغر حفيدة عندهم عندها 22 سنة، يعني أكبر من صقر بست سنين.
ريتال بصدمة وهي تضع كفها فوق ثغرها:
– متقوليش إنهم اتجوزوا؟
فاطمة:
– اتجوزوا. جدك أخد صقر وراحوا كتبوا عليها والبلد كلها عرفت. بس من يومها صقر اتغير أوي، بقى شخص قاسي ومش بيهمه حد. صمم يدخل شرطة، بس في كليات الشرطة مكنش ينفع حد خاطب أو متجوز يدخل الكلية. عشان كده جدكم اعترض، بس لأول مرة صقر يومها يقول لأ. هدد جدك وقاله لو مدخلش الكلية دي إنه هيطلق البنت. جدك وقتها اترعب، كده المشاكل هترجع تاني، فقال خلاص. بس طبعاً عبد التواب مبيستسلمش بسهولة، قاله خلاص خلف منها وأنا أدخلك الكلية.
مليكة بجمود مصطنع:
– إزاي هيدخله وهو مش متجوز؟
فاطمة:
– هو مكنش لسه كمل السن القانوني اللي يخليه يكتب كتاب. إحنا وقتها عملنا ورقة كده واعتمدنا على الإشهار، فمكنش اتسجل في السجل إنه اتجوز. وطبعاً عبد التواب أصلاً عنده وسائط كتير، فكده كده صقر كان هيدخل شرطة. وفعلاً البنت حملت وجابت بنوتة زي القمر، كلنا حبيناها وصقر اتخرج من الكلية وهو عنده 22 سنة. وفي خلال سنة بقى حاجة كبيرة واتكلف بمهمة كانت صعبة، راح فيها باباه.
مليكة بارتجاف وقد اجتمعت دموعها بعينيها:
– بـ.باباه؟؟
فاطمة بحزن:
– أيوه، صقر كان متكلف إنه يقبض على حد خطير ومكنش قايل لحد في البيت. لقيناه فجأة مرجعش البيت لمدة يومين. بس إحنا مكنش في بالنا حاجة، لأن صقر طبيعة شغله كده يغيب عن البيت بالأسابيع وهو أصلاً كتوم، فمحدش يعرف عنه حاجة. بس وصلت رسالة لباباه كان مكتوب فيها: "أنا صقر، اطلع قابلني بره عشان أنا في مشكلة". وأول ما طلع عربية عدت كان فيها مسلحين ضربوه بالنار.
شهقت ريتال بقوة وبدأت دموعها بالانهمار بغزارة وهي تحدق بمليكة التي وقفت فجأة ودموعها تنهمر. فأستندت بكفها على الحائط وبكفها الآخر وضعت يدها فوق قلبها الذي كانت دقاته تصم آذانها.
فاطمة بتأثر:
– ولما طلعنا نشوف فيه إيه لقيناه غرقان في دمه ومحطوط جنبه ورقة إن كده المجرم وصقر خالصين. حاولنا نوصل لصقر والحمد لله عرفنا نجيبه. ساعتها هو اتدمر لأن باباه الوحيد اللي كان بيعامله بحنية. كنا كلنا من غير قصد بنقسى على صقر، هو الوحيد اللي كان ممكن يحضنه ويلاعبه وهو الوحيد اللي اعترض على جوازته ووقف قصاد جدك. وهنا صقر اتغير أكتر وبقى أوحش من الأول. فضل فترة بعيد عن البيت وعن بنته اللي كانت متعلقة بيه جداً وكانت عندها 7 سنين. لقيناه في مرة راجع وخدها هي وملابسها وحطها في مدرسة داخلية.
ريتال:
– طب و مامتها؟؟؟
فاطمة:
– كانت غلبانة متقدرش تقول حاجة وفي نفس الوقت كانت خايفة على بنتها تقع تحت إيد حد من اللي صقر بيقبض عليهم، فقالت كده أمان ليها. وكده كده بتروح تزورها وفي الإجازات بيقعدوا سوا. من حوالي 7 شهور زهرة خلفت تاني، جابت بيبي سميناه كريم، بس صقر مكنش عايزه.
ريتال بغضب:
– و مخلهاش تنزله ليه من الأول، ليه يجيب طفل غير مرغوب فيه؟
فاطمة:
– يا بنتي هو كان ييجي يوم ويختفي سنة. "ثم أكملت بخجل" أصلاً صقر مكنش بيحب ينام معاها في أوضة واحدة، هو مكنش بيحبها. بس هي الله يرحمها كانت نذراها وقالت إنها عايزة ولد يمكن صقر يحن عليها شوية. وعملت البدع عشان بس تخليه ينام معاها على فرشة واحدة. وسبحان الله سافر هو من هنا وعرفنا إنها حملت من هنا. بس قالت إن محدش يقول لصقر وحلفتنا إنها تعمله مفاجأة لأنها عرفت إنه رايح مأمورية 8 شهور. وفعلاً سبحان الله صقر رجع يوم ولادتها واتصدم، بس فضل ساكت. وأول ما حطت العيل قالها إنه مش عايزه، حتى مشالهوش ولا شم ريحته. عبد التواب خاف على البيبي وخدّه وعطاه لمرضعة وكل شوية بنبص عليه.
مليكة بنبرة مبحوحة وهي تستدير لها:
– أنا اللي أعرفه إن مراته ماتت صح؟
فاطمة:
– اللي تعرفيه؟؟؟ انتي عرفتي منين؟
مليكة:
– أنا قابلت مليكة قبل كده وقالتلي إن والدتها متوفية في حادثة، وال حادثة دي السبب في إنها قاعدة على كرسي.
فاطمة ببلاهة:
– مليكة مين؟
مليكة:
– بنت صقر.
فاطمة بتعجب:
– بنت صقر اسمها فيروز مش مليكة.
عقدت مليكة حاجبيها بتعجب واسترجعت لحظة مقابلتها لتلك الفتاة.
فلاش باك.
مليكة بتساؤل:
– إيه اللي حصل عشان تقعدي على كرسي؟
الفتاة بقسوة وهي تضغط على مرفق المقعد:
– حادثة، ماما ماتت وأنا اتشلّيت.
مليكة وهي تبتلع غصتها:
– طب وآآ عملتي أي عمليات في رجلك؟
الفتاة:
– لا، وممكن كفاية أسئلة أنا تعبت وعايزة أقعد لوحدي.
أومأت مليكة ووقفت ثم حررت المقعد كي تستطيع الحراك وانحنت لتجلب سترتها وحقيبتها لتغادر.
الفتاة بتوتر وخجل:
– أنا كمان اسمي مليكة.
مليكة بابتسامة واسعة:
– وأنتي عندك كام سنة بقى يا مليكة؟
مليكة الصغيرة بضيق مصطنع:
– عندي 14 سنة.
مليكة بابتسامة:
– أنتي عارفة إنك شبهي أوي؟ نفس لون عيني وشعري ولون بشرتي كمان، تكونيش بنتي وأنا نسيتك؟
ضحكت اثنتيهم بمرح، فأحتضنتها مليكة وقبلت رأسها ثم أخرجت بعض الحلوى وأعطتها لها.
مليكة الصغيرة بنبرة خجلة:
– ممكن تبقي تيجي تاني؟ أنا مفيش حد هنا بيحبني ولا بيتكلم معايا. أنتي أول حد يكلمني وميخافش مني.
انتهاء الفلاش باك.
مليكة بنبرة حزينة:
– كدبت عليا عشان تلفت انتباهي وأجيلها تاني ومتبقاش لوحدها!!! الحادثة حصلت إزاي؟؟؟
فاطمة:
– مريم الله يرحمها قعدت في المستشفى شهرين عشان ولادتها التانية كانت صعبة. كانت كل يوم تسأل على ابنها ومحدش قالها إننا عطيناه لواحدة. لحد يوم الحادثة سبحان الله فضلت تصرخ إنها عايزة تشوف ابنها لحد ما عبد التواب اتصل بالمرضعة تيجي وعطيناها ابنها. قعد في حضنها حبة ونامت، وفيروز جات قعدت معاها. يومها بالليل كله مشى وأنا طلبت من فيروز تبات مع أمها النهاردة لحد ما أروح أطمن على باقي البيت وأرجع. وأول ما مشيت الدكتور كتبلها خروج وهما مشيوا. طلعوا بره لقوا عربية والسواق قالهم إنه تبعنا وهما ركبوا معاه وقلب بيهم العربية. ماتت مريم وعاشت فيروز بس بقت نسخة من صقر.
مليكة وقد تجمعت دموعها بعينيها مرة أخرى:
– أنا كل يوم كرهي ليكم بيزيد عن اليوم اللي قبله. أنتو دمرتوا كل حاجة، كل اللي حصل ده بسببكم بجد بكرهكم أوي.
غادرت ودموعها تنهمر على وجهها، فنظرت فاطمة في أثرها بحزن وقلة حيلة، ولكن قاطع تفكيرها صوت ريتال.
ريتال:
– طب وبدور؟؟ ليه مكملتش تعليمها؟
فاطمة:
– صقر خاف عليها بعد موت باباه، خاف يطلعها من البيت. بس هي عنادية، خرجت بعدها تروح درس باين ولا مش فاكرة تعمل إيه. مسكها ضربها في نص البلد ومن ساعتها وهي مطلعتش من البيت.
نظرت لها ريتال نظرة مطولة ثم غادرت خلف شقيقتها التي هبطت للأسفل. نظر الجميع لمليكة التي كان وجهها متورد أثر بكائها وأعينها متورمة.
مليكة بصوت مبحوح وهي تنظر لصقر بتحدي:
– أنا هكمل بس بشرط، أنا عايزة ابنك ييجي هنا ومليكة قصدي فيروز تفضل هنا.
فيروز بسخرية:
– ده أنتي طيبة خالص يا دكتورة، إيه الطيبة دي.
تجاهلتها مليكة ونظرت لعبد التواب الذي كان ينظر لصقر.
مليكة بنبرة صارمة:
– ها قلتوا إيه؟
صقر بنبرة باردة بعد صمت دام لدقيقة:
– ماشي يا مليكة، أنا موافق.
ارتسمت علامات التعجب على كل الحضور وتوالت الهمسات بينهم. فمسحت مليكة وجهها وأومأت بانتصار، ثم خرجت لتجلس بالحديقة، فلحقتها بدور.
…………………………………………………………………..
في الحديقة.
جلست مليكة فوق المقعد الخشبي تراقب الخضرة حولها. فرأت بدور تركض باتجاهها، فقلبت عينيها بضيق ثم أشاحت بنظرها بعيداً.
بدور وهي تلهث:
– مليكة.
مليكة بهدوء:
– افندم.
بدور بتساؤل قلق:
– هو أنتي عايزة كريم وفيروز يقعدوا معاكي ليه؟
مليكة بنبرة عادية:
– عادي، عايزة أتعرف عليهم.
بدور بهمس وهي تنظر حولها لتتأكد من خلو الحديقة:
– أنا خايفة عليهم من أبيه صقر.
مليكة:
– ده أبوهم مستحيل يأذيهم، محدش هيخاف على أولاده قده. أنا هعرف إزاي أخليه يتعامل معاهم، هعرف أخليه يحبهم.
بدور بتساؤل قلق:
– أنتي عشان كده هتكملي معاه؟
مليكة:
– أوعي تقولي لحد الكلام ده أنتي سامعة؟؟
بدور بقلة حيلة:
– بس آآ بس أنتي ممكن تغيري أبيه صقر وتخليه بني آدم كويس وينفع يكون جوزك، صح؟ متيأسيش عشان خاطري، أنا عارفة جدي اختارك ليه من وسطهم عشان تبقي مرات صقر. أنتي اللي في إيدك شفاه، أنتي اللي هتخليه يرجع كويس تاني. أنتي شوفتي هو وافق إزاي على شرطك، حد غيرك كان زمانه في عداد الموتى إنه بيتشرط على صقر.
نظرت لها مليكة ملياً، فقد داعب ذلك الكلام أنوثتها وشعرت بدغدغة بسيطة بمعدتها، فهزت رأسها بقوة مخرجة ذلك الكلام منه. فهي فقط ستصلح ما تم إفساده وتختفي لتعود لحياتها الطبيعية الهادئة.
…………………………………………………………………..
بعد مرور ساعة.
كان الجميع قد صعد لغرفته ليرتاحوا قليلاً.
بغرفة بدور.
كانت تقف أمام مرآة المرحاض وترتب شعرها الانسيابي وتتأكد من اكتمال زينتها. فأخرجت أحمر الشفاه من ذلك الصندوق الصغير الموضوع جانباً ووضعت منه القليل لتكتمل زينتها تمام الأكمل. فخلعت الروب الخاص بها وبقت بملابسها الأنثوية الرقيقة. ابتسمت بخجل وهي تراقب جمالها من المرآة.
بدور بسعادة وهي تدور حول نفسها:
– يا مرييييي على جمالي، أكيد هو برة مش متخيل إني هطلع حلوة أكده.
خرجت بهدوء لتتفاجأ به ممدد على الأريكة ويضع معصمه فوق عينيه. اقتربت منه وحركته قليلاً وهي تحدثه.
بدور بصوت رقيق:
– أيان أنت نايم هنا ليه؟ أنت لحقت تنام؟
لم يرد عليها، فزفرت بحنق ثم دلفت إلى الغرفة، وقبل أن تغلق الباب استمعت لشخيره، فأغتاظت كثيراً وأغلقت الباب بقوة.
…………………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي.
استيقظ الجميع باكراً وفقاً لأوامر الجد وجلسوا فوق السفرة وعلامات الامتعاض مرتسمة فوق وجوههم. كانت مليكة تنظر في اللا شيء وعلامات الإرهاق تظهر عليها بشدة، حتى أنها أغمضت عينيها لثواني فراحت في ثبات عميق. كان صقر يجلس بجانبها وعلامات التشفي مرتسمة على وجهه، فتذكر ما حدث بالأمس وهو يحاول أن يكتم ضحكاته.
فلاش باك.
دلفت مليكة إلى الغرفة وهي تشعر بالرهبة. فماذا سيحدث الآن وهي معه وحدها في غرفة مغلقة عليهم كزوج وزوجة؟ استردت ريقها وهي تحاول إبعاد تلك الأفكار المنحرفة عن عقلها. فماذا سيحدث بعد أن رآها متجردة من ملابسها عدا ملابسها الداخلية؟ وعلى ذكر تلك الحادثة توترت كثيراً وقبضت على ملابسها تلقائياً. كان يتابع انفعالات وجهها المتغيرة وهو يعاينها بدقة. بالطبع استنتج لماذا كل تلك التغييرات، فأبتسم ابتسامة جانبية شريرة وهو يقرر أن يتسلى قليلاً.
– مش هتغيري هدومك؟ قالها بنبرة لعوب وهو يقترب منها ويحل أزرار قميصه ببطء. ليجدها تحدجه بنظرة نارية وامتعضت ملامح وجهها.
مليكة بحدة وهي تعود للخلف وترفع سبابتها في وجهه:
– بقولك إيه يا اسمك إيه أنت، حدودك متتخطهاش، يلا روح ربي عيالك.
قهقه بخفوت وهو يلاحظ ارتعاش سبابتها. فزفرت هي بحنق ووضعت يدها جانباً ثم نظرت حولها لتجد أي مهرب، ولكنه كان أذكى منها بكثير فسار بخطوات واسعة لغرفة النوم التي تنظر إليها لتركض بسرعة تحاول اللحاق به، ولكنه بالفعل قد وصل قبلها ووقف عند الباب يعيق تقدمها.
مليكة بغيظ شديد وهي تحاول تجاوزه:
– عديني من فضلك.
صقر بسخرية وهو يشبك ساعديه أمام صدره:
– من فضلك!! ده أنتي قديمة جداً يا جدتي.
مليكة بغضب وهي تلتكه بكتفه:
– جدتك في عينك، العتب على النظر صحيح يا والدي، وسع كده.
دفعته بقوة فمثل أنه يترنح ليعطيها مسافة لتدلف بسرعة وتقفز فوق الفراش. ابتسمت له بانتصار وغرور، ولكن زالت ابتسامتها وهي تراه يخلع حذائه بهدوء ويجلس على الفراش بجانبها.
مليكة بحدة وهي تقف بسرعة كمن لدغته حية:
– أنت بتعمل إيه إن شاء الله كده!!!!!
صقر ببرود وهو يفرد جسده:
– بنام. "ثم أكمل بمكر وهو يتفحصها" ولا أنتي عايزة حاجة تانية؟ أنا حسيت إنك قليلة الأدب بردوا.
شهقت بعنف وبحثت بغيظ عن شئ حولها حتى وقعت عينيها على حذائه. فأنحنت بسرعة تجلبه وتلقيه عليه وهي تتمتم بغضب.
– أنت سافل ومش محترم وعديم الإنسانية.
لم يعطيها أي ردة فعل سوى إغمض عينيه ليستكين جسده في التو. فظنت أنه غط بسبات عميق، فزفرت بغضب وهي تحاول تنظيم أنفاسها المتضاربة.
همست من بين أسنانها بغيظ وهي تنظر له بكره شديد:
– الحيوان بوظلي نظام جسمي البيولوچي.
خرجت بسرعة، فرفع هو حاجبه ثم فتح عينيه نصف فتحة ليتأكد من خروجها، ثم تمدد بأريحية غير آبه بها. بالخارج كل ما يريده الآن هو النوم، النوم فقط. ولكنه لم يستطع بسبب سبابها اللاذع بين الحين والآخر. الغبية تظن أنه نائم ولذلك تسب وتلعن بكامل الارتياح، فالحمد لله أنها تظن هكذا لأنه سيأدبها إذا علم أنها تعلم أنه مستيقظ.
عندها في الخارج.
كانت تدور حول نفسها كالنحلة. فهي تجزم أنها تستمع لدقات قلبها من شدة الغضب. نظرت حولها فلم تجد سوى أريكة ومقعد. هدأت قليلاً ثم اقتربت من الأريكة بضيق وتمددت عليها وهي تنظر للسقف بحنق.
مليكة بحنق وتوعد:
– ماشي يا حفيد عبد التواب وربنا لأنيمك في البلكونة بعد كده، اصبر عليا.
كانت تهذي وتلعن كل شيء، ولكن فجأة رأت شيئاً يركض على الحائط أمامها. فأبتسمت ببلاهة ظناً منها أنها خيالات بسبب قلة النوم وإرهاق السفر. ولكن اختفت ابتسامتها وهي ترى تلك الحشرة تقف على أنفها.
مليكة بنفس مكتوم:
– ده آآ ده صرصار بجد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
رواية زواج بالاكراه الفصل العاشر 10 - بقلم ملك مصطفي
كانت تهذي وتلعن كل شيء، ولكن فجأة رأت شيئًا يركض على الحائط أمامها، فأبتسمت ببلاهة ظنًا منها أنها خيالات بسبب قلة النوم وإرهاق السفر. ولكن اختفت ابتسامتها وهي ترى تلك الحشرة تقف على أنفها.
مليكة بصوت مكتوم:
– ده... ده صرصار بجد؟
وفي ظرف ثانية كانت تصرخ بكل قوتها وتركض ناحية الغرفة وتغلق الباب.
صقر بخضة وهو يقف أمامها بسرعة:
– فيه إيه؟
لم يجد إجابة سوى رماديتيها المدمعة تنظر له داخل عينيه، ووجهها الذي شحب تمامًا كمن رأى شبحًا. قلق بشدة ومرر يده فوق وجنتها ليجدها باردة كالثلج.
صقر بغضب من صمتها وعدم مراعاة قلقه:
– فيه إيه؟ شوفتي إيه؟ حد بره؟
أومأت هي بخوف وانهمرت دموعها. ليمسك معصمها ويبعدها عن الباب بسرعة ويخرج سلاحه من بنطاله.
فشهقت هي بقوة ونظرت له بصدمة. هل هذا سلاح حقيقي؟ توسعت عيناها بصدمة وقلق وابتلعت غصتها بتوتر، فهي بأي لحظة من الممكن أن تتعرض للقتل. حاول فتح الباب لكن رآها تقفز أمامه بسرعة لتمنعه.
مليكة بخوف:
– لا متفتحش ونبي، أنا خايفة يهجم علينا وممكن ميكونش واحد، ممكن يكونوا كتير.
صقر بابتسامة وهو يمرر إبهامه على شفتيها تلقائيًا:
– متقلقيش!
ابتسمت ببلاهة ولكنها نفرت بوجهها وهي تبعد يده بسرعة. ليتصلب جسده محاولًا التحكم في أعصابه لكي لا يعطيها كفًا يلصقها بالحائط.
فتح صقر الباب بحذر فلم يرى أي أحد. فخرج بسرعة وأشهر سلاحه باحثًا عن أي أحد، لكنه لم يجد أي شخص. فعض شفتيه بغيظ والتف لها وجدها تقف خلف الباب بكامل جسدها وتميل رأسها لتظهر له فقط.
صقر بحنق:
– هو فين ده؟
مليكة بارتياب وهي تنظر لنقطة ما خلفه:
– وراك!
التف بسرعة وهو يشهر سلاحه ليجد صرصورًا متوسط الحجم يسير على الحائط بسلام. ظل يراقبه مدهوشًا وقد توسعت عيناه بالفعل من هول صدمته. أهذا هو الذي تخشى أن يهاجمهم؟ أهذا هو من صرخت بأعلى صوتها لأنها رأته فقط؟ علت أنفاسه من شدة غضبه واستدار لها ببطء، تكاد تجزم أن لو النظرات تقتل لكانت جثة هامدة الآن.
اقتربت منه بتردد ثم خلعت خفها ومدت يدها به له مع ابتسامة بلهاء ووجه جرو بريء. أخذه من يدها بالفعل والتف ليقتل الصرصور. ثم نظر لها وجدها تنظر له كبطل خارق.
صقر بتقطع من بين أنفاسه:
– هو... ده... اللي... عاملة عليه كل ده؟
مليكة وهي تزفر بأريحية:
– أنت مش متخيل، ده على مناخيري!
قالتها بصدمة كبيرة وهي تشير لمنخارها، لتجده يرمقها باحتقار ويعود لغرفته، ولكن تلك المرة أغلق الباب خلفه وبالمفتاح. ظلت تطرق الباب بخوف من أن يهاجمها إحدى الحشرات الأخرى، ولكنها لم تجد إجابة. ففضلت أن تبقى متيقظة وتنظر حولها فقط حتى استيقظ الجميع بالفعل لموعد الفطور.
خرج صقر من غرفته وهو يتثاءب ويعبث بشعره غير المهندم، ليتفاجئ بها تجلس على المقعد وتحتضن ركبتيها وتحلق عيناها أمامها. كانت عيناها شديدة الاحمرار من كثرة تحليقها بهلع حولها، وبالطبع بسبب عدم نومها. ابتسم بسخرية ثم ذهب للمرحاض ليتحمم. وعندما خرج وجدها بمكانها فأقترب منها ولكزها بخفة.
صقر:
– أنتِ يا حاجة، أنتِ متي ولا إيه؟
نظرت له باشمئزاز من أسفله حتى أعلاه وأبعدت يده عنها. وسرعان ما تداركت أنه يقف أمامها عاريًا تمامًا عدا تلك المنشفة القصيرة الملتفة حول خصره. جحظت بأعينها وهي ترى أمامه عضلات بطنه، فوقفت بسرعة تنظر لوجهه وقد اشتعلت وجنتاها من ذلك المنظر الـ... لطيف؟ لطيف! كادت أن تصفع نفسها ولكنها تداركت الموقف ونظرت له بغضب شديد.
مليكة بحدة وهي تخرج للشرفة:
– اتعود إن بقى فيه حد عايش معاك خلاص، ومينفعش المنظر قليل الأدب ده!
لم يرد واكتفى بتقليب عينيه بملل ليدلف إلى الغرفة ويرتدي ملابسه ثم يخرج ليصطحبها للأسفل.
انتهاء الفلاش باك.
هز كتفها بقليل من العنف، فنهضت بكسل ونظرت له بعينين مستفهمتين. لماذا يوقظها؟
يامن بغمزة وهمس وهو يميل على أذن مليكة، فهو كان يجلس بجانبها من الناحية الأخرى:
– شكل عروستنا منامتش كويس امبارح.
رمقه صقر بنظرة حادة صارمة. أما مليكة فتوسعت حدقتاها بصدمة وشعرت بأن وجهها جمرة ملتهبة. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تضغط بكل حقد على قدم يامن، ليتأوه ويركل قدمها بعيدًا.
آسيا بعدم فهم من تأوهه ذاك:
– فيه حاجة؟ أنت كويس؟
يامن بضيق وهو ينظر لمليكة بغيظ طفولي:
– كويس كويس. ثم فجأة تذكر ما حدث، لينظر لآسيا بغيظ: لا مش كويس ومتتكلميش معايا!
ضحكت بقوة ووضعت يدها فوق شفتيها لتتذكر ما حدث بالأمس.
فلاش باك.
كان يامن يفتح باب غرفتهم بالمفتاح، فتفاجأت به يركل الباب بقدمه بمزاح لينفتح على مصرعيه. هزت رأسها بيأس من حركاته المازحة تلك وكادت أن تدلف، ولكن وجدت نفسها في الهواء لتسقط بين أحضانه فيحملها وهو يدلف.
يامن وهو يغمز لها:
– عيب عروسة تدخل شقتها لأول مرة على رجليها، وبعدين إحنا بنشيل أوزان خلي بالك يعني بعون الله أسد عايش معاكي. تعالي يا حبيبي ارفعلي الكنبة، تعالي يا حبيبي شيلي التلاجة، تعالي علقلي الستاير، تعالي شيل المراتب، كل ده موجود متشيليش هم حاجة. حتى يا ستي لو حملتي وبقت بطنك قدامك 3 مرات وبقيتي شبه الفيل هشيلك بردو، هو أنا عندي كام أم جلمبو ها؟
كان يتحدث بكل هذا وهو يتحرك ناحية غرفة نومهم، وآسيا متشبثة برقبتة بخوف. فهي لأول مرة تُحمل هكذا تشعر وكأنها تحلق، ولكن ينتابها هاجس بأنها بأي لحظة ستسقط أرضًا. وعندما استمعت لذلك اللقب "أم جلمبو" شهقت بصدمة ولم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع حقيبة يدها وتضربها به في وجهه، ليصرخ متألمًا حتى أنه كاد يسقطها ولكنه أمسكها جيدًا حتى وصل للفراش وألقاها عليه.
ابتسمت آسيا بتشفٍ وهي تراه يفرك عينه محاولًا فتحهما، ولكنه فشل. وعندما طالت محاولاته تحولت نظرات التشفي لقلق، لتقف مسرعة أمامه.
آسيا بقلق وهي تحاول رؤية عينيه الذي يخبئهما بكفه:
– يامن أنت كويس، أنا آسفة والله مكنش قصدي، أنت اللي استفزتني، أنا آسفة بجد.
يامن بصوت متحشرج:
– انفخيلي في عيني، ماما وأنا صغير لما عيني كانت تطرف كانت ترفع جلبيتها وتحطها على عيني وتنـفخ فيها.
أومأت بسرعة وهي تمسك كفه وتسحبه للفراش وتجلسه عليه. عقدت حاجبيها بضيق وتذمر طفولي وهي ترى وانه جالس أصبح في طولها، ولكنها أبعدت تلك الأفكار الطفولية عن رأسها، فهي سوف تتسبب بفقد البصر لذلك الرجل. رفعت تيشرتها بالفعل واقتربت منه بشدة حتى أصبحت ركبتيها تلامس ركبته ووضعت التيشرت فوق عينيه وبدأت بالنفخ بهدوء، ولكنها وجدته يدفعها بخفة وينظر لها باحتقان.
يامن بغضب:
– إيه ده يا أم جلمبو! أنتِ ماشية سلبوتة كده مش خايفة الهوا يطيرلك التيشرت.
لم تفهم ما يعنيه، فوجدته يشير لجسدها، لـتـخـفـض بصرها وترى أنها رفعت التيشرت بشدة لتظهر جزء من حمالة صدرها وبطنها بأكملها. أخفضت يدها سريعًا ونظرت له شزرًا، ثم فاجأته بصفعة ليست بقوية ولكنها ليست بضعيفة، فكاد أن يلعنها ولكنه تفاجأ بها تدفعه بكامل قوتها خارجًا، وما أن أخرجته بنجاح حتى أغلقت باب الغرفة بوجهه بل وبالمفتاح أيضًا.
يامن بغيظ وهو يطرق الباب بعنف:
– افتحي متخافيش، هقتلك بس!
آسيا بحدة وهي تلصق جسدها بالباب ليسمعها جيدًا:
– أولًا يا سافل يا مش محترم أنا مبحبش ألبس بادي تحت التيشرت، ثانيًا أنت مالك أساسًا لو نازلة عريانة حتى، ثالثًا كل يوم واحد فينا هينام في أوضة النوم والتاني في أي داهية وأنا هبدأ النهاردة، رابعًا بقى وده الأهم أنا اسمي آسيا مش أم جلمبو.
يامن بنبرة باكية وهو ينظر حوله:
– طب افتحي آخد بوكسرين حتى!
لم يجد ردًا ورأى النور قد أغلق أيضًا، فزفر بحنق وضيق وخلع قميصه ليتبقى عاري الصدر. استلقى فوق الأريكة ولكنه كان عريض المنكبين لا تسعه، فظل يتململ في مكانه حتى سقط أرضًا. فزفر بغيظ وهو يلقي نظرة متوعدة للباب المغلق.
يامن بهمس وهو ينظر للباب بغضب:
– بكرة تجيلي ملط وأنا أقولك بطلت!
وعلى ذكر ذلك المهرجان البذيء ضحك بقوة، ثم بقى يدندنـه وهو مفترش الأرض ينظر للسقف حتى غفى بالفعل ليستيقظ على أثر يد صغيرة رقيقة تربت فوق وجنته.
آسيا بنعاس وهي تنظر له:
– يامن يا يامن، أنت يا بني آدم اصحى بقى جدك لو نزل ملقناش هيقتلنا.
فتح عينيه بضيق ليتفاجأ بوجهها فوق وجهه وشعرها مشعث وتتثاءب وتنظر له بنصف عين، فهو يكاد يجزم أنها لا تراه حتى. كان مظهرها جذابًا له للغاية، فهو لأول مرة يرى فتاة بكامل طبيعتها هكذا لا تتصنع الاستيقاظ مهندمة. ابتسم بمشاكسة وهو يجذب خصلة من خصلاتها الواقعة من كعكتها.
يامن بضحك متصنعًا الخضة:
– ياما! أم جلمبو؟
قهقهت باصفرار ثم وقفت وخطت من فوقه ليستند على مرفقيه ويجلس نصف جلسة، فرآها تتحرك نحو المرحاض. دقق النظر في ملابسها وجدها ترتدي جلبابًا قطنيًا قصيرًا يصل لمنتصف فخذها وضيق يحدد تفاصيل جسدها، فأسترد ريقه بصعوبة ولكنه وجدها تلتف له.
آسيا بتحذير:
– أنا هدخل آخد شاور وهطول جوا، خلي بالك عشان متجيش تخبط عليا و... آآ... إيه ده!
خفض بصره لينظر لصدره العاري ثم نظر لها مرة أخرى بسخرية وهو ينظر لها من أعلاها لأسفلها، ففهمت مقصده وضمت قدميها لا إراديًا ثم حاولت تنزيل ذلك الجلباب.
آسيا بتوتر وقد تورّد وجهها بالكامل:
– على فكرة ده استايل لبسي في البيت وأنا عشان متعودة إني عايشة مع صاحبتي بس، لكن آآ مش قصدي أبقى قليلة الأدب زيك كده!
قالت جملتها الأخيرة بحدة ثم دلفت إلى المرحاض، فتنفس الصعداء وجلس بأريحية.
يامن بسخرية وهو يضع يده فوق قلبه الذي ينبض بشدة، فنظر له بضيق:
– إيه هتنخ ولا إيه؟ دي لابسة كاش مايوه عليه ميكي ماوس مش بدلة رقص، يعني أنت عبيط؟
آسيا بخجل فجأة وهي تفتح الباب لتخرج رأسها وتناديه:
– يامن آآ معلش ممكن تناولني البشكير البينك ده اللي جمبك عشان أنا نسيته على الأرض جمبك وأنا بصحيك، وأنا دلوقتي آآ قلعت مش هعرف أطلع أجيبه.
نظر بجانبه فوجد بالفعل منشفة وردية اللون. فوقف واقترب من المرحاض وهو يحاول تجنب النظر لها، فمد يده يحاول إعطائها تلك المنشفة اللعينة التي ستتسبب بجعله يكسر باب المرحاض فوق رأسها الأبله الذي جعلها تخرج أمامه بهذا المنظر، بل وأيضًا تخرج له رأسها وهي عارية لتطلب منه إحضار منشفة. هل تلك الفتاة مجنونة أم هي تريد إصابته بالجنون؟ وعلى ذكر أنها عارية التف برأسه وجدها تحاول الوصول لكفه لأخذ المنشفة دون إظهار جسدها، فأقتربت أكثر ليظهر له عظمتي الترقوة وأول صدرها، فأبعد عينيه بسرعة واقترب منها بظهره لتأخذ المنشفة بغضب وتصفع الباب بقوة. حاول جعل عقله ألا يتخيلها الآن، فلم يجد مفر سوى الرياضة. ألقى بجسده أرضًا ليبدأ بتمارين شد البطن.
يامن بهمس وجبينه يتصبب عرقًا:
– شكلي أول من سيضع الحفيد في العيلة دي، منك لله يا جدي خلتني أبص لأم جلمبو.
بعد مدة خرجت وهي تلف نفسها بالمنشفة، فتوقعت منه أن لا يفوت ذلك الأمر، لذلك كانت قدمها ترتعش وهي تخرج من المرحاض خوفًا من مواجهته. ولكنها تفاجأت به يتقدم منها بسرعة دون النظر لها حتى، بل ويتخطاها ليدلف للمرحاض ويصفع الباب خلفه بقوة.
آسيا بهمس وخصة:
– معقول لسة زعلان عشان شتمته وضربته بالشنطة وخلـيـتـه ينام على الأرض، ده قلبه أسود أوي!
ثم زفرت بأريحية بأنه لم يخجلها، فدَلـفـت بسرعة للغرفة وأبدلت ثيابها وخرجت، لتجده يجلس على الأريكة بانتظارها. فأقتربت منه وهي تحمحم ليرفع نظره لها، وجدها ترتدي ملابس رياضية، ولكن لم يعجبه أنها تركت نصف السحاب مفتوحًا ليظهر جسدها، أينعم فقط يظهر عظمتي الترقوة خاصتها، ولكنها شعر بالضيق، فوقف أمامها ومد يده ليغلق ذلك السحاب الحقير كما قال في سره. فزفرت هي بضيق وتركته يغلقه لها، هي بالأساس تناسته وكانت ستغلقه ولكنه سبقها بملاحظة أنه نصف مفتوح.
وبعدما انتهى من غلقه خرجوا سويًا وهبطوا الدرج ليسيروا بناحية السفرة.
انتهاء الفلاش باك.
بدور بهدوء وهي تبحث بعينيها:
– أومال فين آسر وسليا ويونس وريتال؟ آآ...
لم تكمل كلامها فرأت ريتال تركض بسرعة ناحيتهم وخلفها يونس الذي كان وجهه مشتعلًا وممسكًا بيده قميص وبنطال.
يونس بغضب شديد:
– وإنتي مفكرة إنهم هيحموكِ؟ ده أنا هعلق راسك هنا ومحدش هيقدر يفتح بوقه معايا.
ريتال بحنق وهي تضع يدها في خاصرتها:
– ليه يا حبيبي كنت اشتريتني من سوق النخاسة؟ ده أنت بس لو فكرت تقربلي هتتاكل، ده أنا ورايا عيلة ياكلوا الزلط ولا إيه يا تيتة؟
فاطمة بذهول:
– تيتة!
ريتال بغمزة:
– دلع تيتة بس بطريقة سرسجية، المهم صح ولا إيه يا جدعان مش انتوا هتحموني لو الهمجي ده قربلي؟ صوت صرصور الحقل... أكملت ريتال بنفور وهي تعض شفتيها: اه يا عيلة واطية يا ولاد الـ...
والدة ريتال بتوتر من وجه يونس الذي كان لا يبشر بالخير:
– عملتلك إيه يا حبيبي؟ طب قولي وأنا أقطعلك رقبتك.
يونس بغضب شديد وهو يرفع الملابس التي في يده:
– غسلت هدوم المؤتمر بالكلور، بصو! أنت عارف الهدوم دي بكام!
نظر الجميع للثياب بيده، فبالفعل لقد بهت لونها وأصبح بها الكثير من البقع البيضاء.
ريتال ببراءة مصطنعة وهي تحاول كتم ضحكاتها:
– أنا مالي يوه! أنا افتكرته أوكسي نضافة ريحة توفير... أنا غلطانة يعني إن أول ما سمعت جوزي بيتكلم في الموبايل على أهم مؤتمر هيحضره في حياته جريت على طول أغسل هدومه اللي هو محضرها، أنا كده غلطانة؟ صحيح شرٍ تعمل ريتال تلقى...
يونس مكملاً محاولًا التحكم في غضبه:
– طب الهدوم هعديها... كل شراباتي مخرمة ليه؟ عملتيها إزاي يا قادرة؟
ريتال وقد ضحكت بعلو صوتها:
– أنا مالي، أنت المفروض تكتشف صدمة الشرابات دي آخر حاجة، لكن فيه حد يصحى يلبس الشراب قبل هدومه! عشان تعرفوا إني عايشة مع مختل عقليًا، أنا خايفة ألاقيه بياكل الرز بالشوكة!
يامن مقاطعًا بأسف:
– هو فعلًا بياكل الرز بالشوكة يا ريتال يا بنتي، أنا مكنتش راضي أقولك عشان الجوازة تتم على خير، بس متقلقيش الموضوع مش معدي، أنا سألت كذا دكتور، إن شاء الله عيالكم هيطلعوا لعمكم اللي هو أنا يعني.
يونس باستنكار:
– أنا عندي أهون تقطعلي هدومي كده كلها ولا إن عيالنا يطلعوا شبهك أنت يا منحـ...
يامن بابتسامة وهو يربت فوق صدره:
– حبيبي والله، منحـ... جاية من نحل قصده إني عسل يعني.
ضحك الجميع، ولكن ابتسامة ريتال كانت ليست بسبب الجو المرح المسيطر، كانت بسبب يونس الذي لم يعترض على الإنجاب منها، بل اعترض على أن أطفالهم يصبحوا مثل يامن. لا تعلم لما رقصت تلك الجملة على أوتار قلبها بشدة، فزمت شفتيها بضيق مصطنع محاولة إبعاد تلك الأفكار الرومانسية اللعينة التي تسيطر عليها. كيف سينجبون من الأساس، فذلك الحقير قد فضل نومة "البانيو" عن نومها بجانبه، فهي قد سكبت المياه فوق الأريكة والمقعد والأرضية عن عمد كي لا يستطيع النوم عليهم. هي كانت أيضًا لا تريده بجانبها، هي فقط تريد رؤيته يتعذب، ولكنه فاجأها وهو يدلف ليسحب وسادة والغطاء من عليها ويتوجه للمرحاض. وعندما اتبعته لترى ماذا سيفعل، رأته ينام بالفعل داخل ذلك الشيء الحقير! هو حتى لم يأت على باله أن ينام بجانبها، فقررت الانتقام منه على جرحه لأنوثتها بطريقة غير مباشرة.
جلست ريتال، فجلس بجانبها بضيق ونفور خوفًا من أن يهبط الجد بأي لحظة ويلاحظ صرخاتهم، فهو لا يحب الإزعاج في الصباح. ولكن فجأة استمعوا لمشادة كلامية حادة تقترب منهم.
سيليا بغيظ وغضب وهي تحك رأسها:
– أنا ذنبي إيه إنك نايم شبه الجاموسة مش فاهمة.
آسر بغضب وهو يمسك معصمها:
– احترمي نفسك بقولك، وبعدين إيدك بتتمد على موبايلي ليه؟
سيليا وهي تلكزه في معدته:
– أنا محترمة غصب عنك، هو إيه اللي إيدي بتتمد على موبايلي ليه؟ واحد حاطط منبه من قوته يصحي عم عبده البواب ونايم زي القتيل، أنا هعمل إيه يعني؟ قمت قفلته.
آسر بغضب جنوني وهو يهزها:
– قومتي قفلته وكمـلـتي نوم حتى مهانش عليكي تصحيني تقوليلي اصحى الزفت بتاعك بيرن؟ افرض كان عندي معاد مهم؟
سيليا بحنق وهي تدفعه بعيدًا:
– وأنا مالي أنا؟ أنا نومي خفيف بصحى من أي همس جنبي، أول ما سمعت المنبه قمت وقفلته ورجعت كملت نوم. شوفتك مـخـمـود جمبي شبه القتيل قولت مش هصحيك حرام، أنا عارفة إن بتصحى بدري بسبب شغلك.
آسر بجنون وهو يمرر أنامله بشعره الغزير:
– اديكي قولتي بصحى بدري بسبب شغلي يعني أكيد مش حاطط المنبه ده رزالة.
سيليا بلا مبالاة وبرود وهي تقترب منهم أكثر:
– أنا توقعت بذكائي إنك عريس أكيد عندك إجازة شهر عسل وحطيت احتمال إنك ممكن نسيت تلغي المنبه قبل ما تنام.
آسر بغيظ وهو يسير خلفها يتمنى عرقلتها لتقع فوق وجهها الصباحي الجميل حد اللعنة هذا!
– يا تناحتك يا شيخة.
محمود وهو يهبط الدرج بقلق:
– فيه إيه يا ولاد صوتكم عالي كده ليه و...
صمت بصدمة وهو ينظر لـ فـتـاتـة التي هبطت بمنامتها الطفولية تلك ولشعرها المرفوع بفوضوية. هي حتى لم تكلف العناء لتغسل وجهها. زفر بحنق ثم ربت فوق كتف آسر وكأنه يعتذر منه ويواسيه على تلك الكارثة التي أصبحت زوجته.
هبط عبد التواب، فوقف الجميع احترامًا له حتى جلس فجلسوا مرة أخرى.
عبد التواب بابتسامة:
– صباح الخير على العرسان الحلوين، عايزكم تتغذوا كويس كده عشان أحفادي المستقبليين يجوا بسرعة.
سعلت مليكة وتورد وجه الفتيات وهن يتصنعن النظر بصحونهن. طلب منهم تناول طعامهم فبدأ الفطور، ولكن لم يخلُ من بعض الشجارات البسيطة. وبعد الانتهاء منه غادر عبد التواب ولحقه الرجال لصلاة الجمعة فبقت النساء.
فاطمة بهمس وهي تميل على بدور:
– عملتي إيه؟ احكيلي.
بدور بضيق:
– معملتش حاجة، البيه ناملي على الكنبة.
فاطمة بصدمة:
– على الكنبة!
بدور بغيظ:
– هو أنا آه طولت في الحمام ييجي ساعتين تلاتة بس مش مبرر يعني، ما كان نام جوا. ثم أكملت بصوت باكي: شكله مبيحبنيش.
فاطمة بهدوء:
– يمكن خايف ياخد خطوة، اديله فرصة يعرفك أكتر ويحبك أكتر.
بدور تغيظ وهي تقضم أظافرها:
– يعرفني أكتر! ده هو اللي مربيني؟ وحتى لو صبرت هستنى لأمتى؟ أنا شكلي هخلف وأنا عندي 60 سنة.
فاطمة بذهول:
– شوف قليلة الحيا، والله ما شوفتي ترباية.
أشاحت بدور بوجهها بعيدًا لترى فيروز تخرج بمقعدها المتحرك نحو الحديقة، فوقفت لتتفاجأ بمليكة تقف في نفس الوقت وتتوجه للحديقة، فأبتسمت بحب ثم جلست مرة أخرى، فهي تريد ترك مليكة تتعرف على العائلة وحدها.
بالحديقة.
جلست مليكة أرضًا بجانب فيروز التي كانت تجلس فوق مقعدها وتراقب الخضرة حولها.
مليكة بهدوء وهي تنظر للخضرة أيضًا:
– احكيلي بقى عرفتي إزاي؟
فيروز بهدوء:
– عبد الله، عبد الله طول عمره بيراقبلي بابا وبيقولي أخباره، ومصدقتش لما قالي إن الدكتورة اللي جاتلك هي اللي هتتجوز باباكي. ثم أكملت سخرية: إيه كنتي جاية تشوفيني أنفع ابنة صالحة ولا لأ؟
مليكة بهدوء:
– على فكرة أنا مكنتش أعرف إنه كان متجوز ولا مخلف، وجوازنا مش زي ما أنتِ فاكرة، أنا مبحاولش آخد مكان مامتك ولا حاجة. مامتك الله يرحمها على عيني وعلى راسي وعمر جوازي من باباكي ما هيبقى زي اللي في دماغك، أنا أصلًا مخطوبة!
فيروز بذهول وهي تلتفت لها:
– مخطوبة!
مليكة بابتسامة حزينة وهي تنظر لها:
– أيوه، كنت يعني بمعنى أصح.
فيروز بضيق:
– وليه وافقتي تتجوزي بابا؟
مليكة بضيق:
– أنا موافقتش، أنا اتحطيت في الأمر الواقع، عبد التواب هو السبب.
فيروز بحنق وهي تهمس من بين أسنانها:
– هو السبب في كل المصايب اللي في حياتي، أنا بكرهه وبكره بابا وبكرهكم كلكم.
مليكة:
– ليه؟
ضحكت فيروز ضحكة ساخرة ثم بدأت بالتحرك، فمنعتها مليكة وهي تجلس فوق ركبتيها أمامها.
– احكيلي، على فكرة أنا كمان بكرهه. ولو حكيتيلي ليه بتكرهيه أنا كمان هقولك ليه بكرهه.
نظرت لها فيروز بشك لمدة ثوانٍ ثم عادت بمقعدها كما كانت، فجلست مليكة أمامها تلك المرة لتراقب انفعالتها.
فيروز:
– أنا مامتي عمرها ما اتهنت في حياتها. كبرت لقت نفسها بتتجوز واحد أصغر منها بسبب عبد التواب. بعد كده حملت غصب عنها بسبب عبد التواب. عاشت لوحدها بسبب إن عبد التواب قال يرميني هو واللي مفروض أبويا في مدرسة داخلية. أنا اتربيت لوحدي وهي كمان عاشت لوحدها لأن طبعًا بابا مكنش بيحبها ومكنش أساسًا عايش معاها. حتى ده غير اسمي وهو بينقلني من المدرسة سماني مليكة، عشان كده كذبت عليكي.
مليكة بهدوء:
– طب ليه مكرهتيش باباكِ؟ وعلى فكرة غلط إن مامتك تحكيلك كل الحاجات دي.
فيروز بغضب:
– مش عارفة أكرهه، وبعدين لا مش غلط هي مكنش عندها صحاب غيري، كانت هتشكي همومها لمين يعني!
مليكة بابتسامة:
– صح أكيد كانت شايفاكي صاحبة حلوة أوي.
دمعت عينا فيروز فمسحتهم بتأفف مصطنع، فأقتربت منها مليكة واحتضنتها بقوة، ولكن لم تبادلها فيروز العناق، وذلك لم يضايق مليكة، فبمرور الوقت ستجعل تلك الفتاة تتعلق بها. ابتعدت فيروز ببطء ثم مسحت دموعها التي انهمرت بصمت.
فيروز بصوت متحشرج:
– هتجيبيلي أخويا إمتى؟
مليكة بابتسامة وهي تنهض:
– النهاردة.
دلفت مليكة إلى الداخل فرأت الرجال قد عادوا من الصلاة. أقتربت من صقر ثم جلست بجانبه، فنظر لها بجانب عينيه رآها تنظر له.
صقر بصوت أجش:
– خير؟
مليكة بتساؤل:
– فين ابنه؟
تشنج فكه لوهلة ثم رمقها بنظرة جانبية ولم يعطها إجابة، فزفرت بغضب وهي تتعمد لكزه، فنظر لها مرة أخرى.
مليكة بهمس غاضب وهي تميل عليه:
– متنساش ده كان شرطي.
صقر بهمس قاتل وهو يعلق بنيتيه برماديتيها:
– محدش يتشرط على صقر الجندي!
مليكة باستفزاز:
– يعني أنت مش قد كلامك ولا وعدك ليا!
صقر بغضب وهمس:
– ما أنتِ لو سكتي وحطيتي جزمة في بوقك هتعرفي إنه هنا بقاله قرن.
عقدت مليكة حاجبيها بعدم فهم ثم بحثت بين الجالسين بلهفة، وبالفعل وجدت فاطمة تحتضن طفلًا صغيرًا وتهدهده كي يغط بسبات عميق. وقفت بتردد واقتربت من فاطمة ببطء لتضح ملامح ذلك الصغير. يا إلهي، إنه نسخة مصغرة من صقر ولكنه يمتلك أعينًا عسلية. ضحكت ببلاهة وهي ترى الطفل ينظر لها ويبتسم ويرفع أنامله ويغمغم بكلام غير مفهوم.
مليكة بسعادة وهي لا تصدق:
– ده عملي باي باي وقال لي إنه بيحبني!
صقر بسخرية:
– طب مقالكيش هيجي يتقدم إمتى بالمرة؟
ضحك الجميع عداها، فنظرت له بغيظ وأخرجت له لسانها ثم نظرت للرضيع مرة أخرى.
مليكة بجمود:
– ممكن أشيله.
فاطمة بحنان:
– طبعًا، بس حطيه في عينك ده الغالي ابن الغالي.
وضعته فاطمة بين يديها فأقشعر بدنها من ذلك الحجم الصغير على معصمها، فقربته منها أكثر حتى أصبح وجهه بين عنقها وترقوتها، فشعرت بدغدغة خفيفة جعلتها تقهقه بخفوت.
مليكة بذهول:
– ده بيشمني!
كانت والدة مليكة تتابع بصمت، ولكن قد تغرغرت الدموع في عينيها. ما حظ هذه الفتاة المسكينة تأخذ شخصًا لا تحبه وتحب طفلًا ليس بطفلها. رغم صلابة مليكة الظاهرية وإظهار نفورها الدائم لتلك العائلة، لكنها تعلم أن ابنتها بالفعل تحبهم، لذلك ابتسمت وهي تمسح دموعها داعية الله أن يمر كل هذا بسلام على قلب طفلتيها المدللتين.
كان صقر يتابعها ويتابع حركاتها الطفولية مع ذلك الصغير. ابتسم داخله، فهي طفلة بالفعل، كيف ستعتني بالطفلين بل وأنها شابة على مقتبل عمرها، لماذا وضعت نفسها في ذلك الاختبار الصعب؟ اقتربت منهم فيروز فشعرت بها مليكة واستدارت لها، فتحركت نحوها وجلست على ركبتيها أمامها.
مليكة بابتسامة وهي تنظر للطفل:
– بصي يا فيروز، ده حلو أوي شبه آآ شبهك.
ابتسمت فيروز بسخرية على تلك الساذجة، فهي تعلم أنها كانت ستقول صقر، ولكن كي تزيد الطين بلة كذبت. مدت فيروز يدها لتضع مليكة الطفل بهدوء، لتستنشق فيروز رائحته وتبتسم بحب كبير وهي تقبل كل أنـفـاسه بشوق كبير.
فيروز بنبرة باكية وهي تنظر للطفل:
– اتحرمنا من بعض يا حبيب اختك، بس دلوقتي هنفضل سوا طول العمر.
مليكة بابتسامة:
– أيوه هتفضلوا سوا طول العمر إنتي و... آآ... هو اسمه إيه؟
فاطمة بحزن:
– ملوش اسم، إحنا سميناه كريم كده بينا وبين بعض.
مليكة بنظرة راجية لصقر وقد تلمعت عيناها بشدة، استطاع أن يراها:
– هو آآ هو أنا مـ...ممكن اسميه؟