تحميل رواية «زواج اشتراكي» PDF
بقلم هيام عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست منى تفرك يدها بتوتر. تنصت بحذر للأحاديث التي تجري في غرفة الجلوس الملاصقة لغرفتها، تدعو في سرها ألا يكون ما استنتجته حقيقة عليها مواجهتها. بضع لحظات مرت ك الدهر سبقت دخول أمها الغرفة تنبؤها بمستجدات الحديث. "مر الوقت سريعا دون أن ألاحظ كم كبرت عزيزتي حتى أخوض هذا الحديث الذي لطالما كنت أتحضر له مذ كنت طفلة في المهد، إنها سنة الحياة يا ابنتي." قالت الأم ممهدة ثم واصلت تصريحها. "عزيز شاب محترم وخلوق يعمل مع أباه، صديق والدك، في شركتهم، لا يكبرك بالكثير كما أنه سمح الوجه بهي الطلعة إن كان هذا...
رواية زواج اشتراكي الفصل الأول 1 - بقلم هيام عمر
جلست منى تفرك يدها بتوتر.
تنصت بحذر للأحاديث التي تجري في غرفة الجلوس الملاصقة لغرفتها، تدعو في سرها ألا يكون ما استنتجته حقيقة عليها مواجهتها.
بضع لحظات مرت ك الدهر سبقت دخول أمها الغرفة تنبؤها بمستجدات الحديث.
"مر الوقت سريعا دون أن ألاحظ كم كبرت عزيزتي حتى أخوض هذا الحديث الذي لطالما كنت أتحضر له مذ كنت طفلة في المهد، إنها سنة الحياة يا ابنتي." قالت الأم ممهدة ثم واصلت تصريحها.
"عزيز شاب محترم وخلوق يعمل مع أباه، صديق والدك، في شركتهم، لا يكبرك بالكثير كما أنه سمح الوجه بهي الطلعة إن كان هذا مما قد تخشينه، وقد رأى والدك أنه سيكون الزوج المناسب لك، كما أستطيع أن أقول بثقة أنني أستطيع ائتمانه على فلذة كبدي."
أجابت منى تكابد عيناها كي لا تفيض:
"أرجوك أمي، لا تحاولي إقناعي بأنه الشاب الذي تحلم به كل فتاة، أعلم بما يواجهه أبي في الشركة، أرجوك أن تحاولي إقناعه العدول عن فكرته. من يضمن أصلا أن تحل الأمور بهذه الزيجة التي تريدون أن تجعلوني كبش فداء فيها."
مسحت العبرة المتمرّدة على خدها وأكملت مصرة:
"لم يبق سوى بضع أشهر عن موعد تخرجي وأعدك أن أساعده في مواجهة هذه الأزمة."
سحبت ليلى يداها اللتان كانتا تطوقان يدي ابنتها وقالت محذرة:
"لا تختبري صبري، أعدك أن أشترط أن تكملي دراستك بعد الزواج. أعلم أنك لا تنظرين للأمر سوى على أنه صفقة عمل مبرمة بين العائلتين، لكنني أريدك أن تعلمي في المقابل أنني ما كنت لأقبل به تحت أي اعتبار لولا علمي المسبق بأخلاق عزيز وشهامته، لذلك لا أريد لهذا الحديث أن يعاد مرة أخرى. سيأتي الشاب بعد غد هو وعائلته لرؤيتك، لا أريد لأي خطأ أن يحدث."
غادرت الأم بينما تربعت منى على الأرض وقد انهمرت عبراتها تتسابق على سفوح خديها.
"كيف لهم أن يقرروا عني مسار حياتي؟ وأي قرار هذا، أن أتزوج في أهم فترات دراستي؟ أنا بالكاد أتحمل مسؤولياتي الخاصة وها هم يريدون أن يلبسوني مسؤوليات لا طاقة لي بها الآن. أيضحي المرء بسعادة وحيدته من أجل إنقاذ عمله؟ ربما أكون حقا متبناة أو هل يمكن أن يكونوا قد وجدوني ملقاة في مكان ما؟ أقسم أنني لن أدع الأمر يمر هكذا، سنرى من سيكون صاحب القرار في حياتي."
مر اليومان كالدهر على منى تبكي حينا وتخطط أخرى.
وها هو يوم اللقاء وقد لقيها غير مستعدة وبجعبة تكاد تكون فارغة إلا من حجج واهية لا تستطيع بها إقناع أحد.
استيقظت ليلى أبكر من عادتها تجهز البيت وتحضر كل مستلزمات استقبال ضيوفها حريصة على عدم القيام بأي تقصير.
وقد كانت تتفقد ابنتها بين الفينة والأخرى تستعجلها تجهيز نفسها.
أما منى فقد كانت مسرورة لأول مرة في حياتها بوجهها المنتفخ من كثرة البكاء وعيناها الحمراوان.
وقد تعمدت أن تكحلهما رغم علمها لما قد يسببه الكحل من تورم واحمرار في جفنيها بسبب تحسسها منه.
استفزتها عبارات التشجيع والسعادة التي كانت تراها في عيني أمها فراحت تفتح صندوقا كانت تضع فيه مستلزمات التجميل الإضافية أو التي لا تستعملها وأخرجت منه كريم أساس كانت قد أحضرته لها أمها منذ مدة ولم تستخدمه مطلقا نظرا لكونه غير متجانس مع درجة لون بشرتها.
وقالت باسمة كأنما قد ربحت الحرب:
"لقد آن لك اليوم أن تستخدم أخيرا."
كما استخدمت مظلل عيون بني اللون فوق عينيها ثم راحت تزحف به إلى تحتهما تعزز به لون الهالات التي رافقتها خلال اليومين الأخيرين.
ثم أضافت:
"سأكتفي بهذا القدر وإلا فلن تتركني أمي أخرج بهذا الوجه."
ارتدت الثوب الجديد الذي أحضرته لها أمها رغم رغبتها الشديدة في توشح الأسود.
ولفت حجابها تكاد تغطي به أغلب وجهها ثم ألقت نظرة أخيرة على المرآة وقالت في سخط:
"لم أبدو جميلة هكذا رغم كل هذا المجهود، لا أصدق هذا."
حضر الضيوف أخيرا فاستقبلتهم العائلة بحفاوة.
بينما جلست منى بينهم ساكنة وقد ألقت بعينيها نحو الأرض تحاول إقناع نفسها أن وجودها بينهم لا يعني إخلالها بوعدها لنفسها.
تحدث والدها السيد أحمد وصديقه السيد عمر شعبان مطولاً حول العمل والطقس واسترجعا عدة ذكريات جمعتهما.
بينما سمحا لكل من منى وعزيز أن يتحدثا قليلا بانفراد في الجزء المقابل من الحديقة المنزلية ليتعرف كل منهما على الآخر.
جلست منى على مضض ساكنة غير مكترثة لوجود عزيز.
بينما قال هو محاولا تشجيعها على الكلام:
"تبدو مجهوداتك لنبذي واضحة آنسة منى."
رفعت منى رأسها لأول مرة منذ غادرت غرفتها لتلتقي عيناها بعيني الشاب الذي لاحظت ملامحه للتو.
وقالت في نفسها:
"سمح الوجه بهي الطلعة، حسنا صدقت في ذلك على الأقل يا أمي."
ثم أجابته مستدركة:
"بت تعرف رأيي بذلك على الأقل، ماذا عنك؟"
"فطرت قلبي آنستي، لقد أحببتك مذ كنت طفلة صغيرة بالكاد تمشي بخطوات متعثرة متشبثة بإصبع والدها وبقيت هذه الطفلة تكبر يوما بعد يوم أمام ناظري ويكبر معها حبي أكثر فأكثر، بينما أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أطلب فيه يدك، حسنا، لا أعلم حقا ماذا أجيبك."
تشبثت عيني الفتاة بعينيه العسليتين في دهشة وقد تجمعت بهما العبرات وكادت تستنزف ماء جسدها دموعا أسفا على قلبه لولا ضحكته التي أفاقتها من حالتها ليصرّح عقبها:
"أعتذر منك، لم أرد لحديثنا أن يبقى بتلك الجدية فقط، من البديهي أنني لا أعرفك بتاتا رغم علاقة والدينا الوثيقة. وإجابة على سؤالك أنا لم أختر حتى بدلتي لهذا اليوم، لقد كان قرارا سريعا من عائلتنا ولم أرد أن أكسر بخاطرهما برفض القدوم."
كانت منى لا تزال مغتاظة من ثقل مزحته فقالت في تحد:
"إذا ستتزوجني فقط كي لا تفطر قلب والديك؟"
"لا تنسي أن كلانا في نفس الوضع، ما فعلتيه بوجهك لا يعطيك أحقية التبجح هنا."
أجابت منى في إحراج:
"لم أقصد ذلك، كما أن وجهي لا يشكو من شيء."
ثم أضافت:
"ماذا علينا أن نفعل إذا؟"
"لم أكن متجهزاً حقيقة لسؤال كهذا، نُماطل ربما؟"
لم تستطع منى الإجابة إذ نادتهما العائلة لتناول العشاء.
عم البيت لحظات من الهدوء قبل أن يقول عزيز مخاطباً السيد أحمد:
"لقد تحدثت قليلاً والآنسة منى عن الدراسة وعن التربص الذي عليها القيام به لتحضير مشروع التخرج وقد اقترحت أن تقوم به في شركتنا تحت إشرافي ليتسنى لنا بذلك أن نعرف بعضنا أكثر، لذلك أردت أن أطلب إذنك كي تسمح لها بذلك وأعدك أن أقوم بتعليمها أسس العمل على أحسن وجه."
أكمل السيد أحمد مضغ اللقمة في فمه وابتلاعها بروية ثم أجاب:
"نتوقع أنا وعمر أن يتم زواجكما في أقرب الآجال لذلك أود أن تكون هذه فرصة كي تحاولا التفاهم وفهم بعضكما البعض، لذلك أنا لا أمانع الفكرة."
انتهت الأمسية سريعا وقبل المغادرة قدمت السيدة مريم سلسلة ذهبية على شكل فراشة كهدية لمنى.
وقالت بعطف:
"تبدين جميلة مثلها، حماك الله يا ابنتي من عيون الحاقدين."
احمر خدا منى خجلا وشكرت العمّة بامتنان ثم قامت بتوديعها.
ما إن خرجوا حتى عادت راكضة إلى غرفتها.
وقفت أمام المرآة ثم قالت باستغراب:
"أنا الآن أقرب شبهاً إلى مدمن الكحول مني إلى الفراشة."
ثم نزعت حجابها ووضعت الطوق على عنقها متأملة جماله.
حضرت فراشها وجلست تفكر بما حدث وما عليها فعله.
ثم حمدت الله أن عزيز يشاركها نفس الرأي وأنه سيحاول أيضاً من جهته إبطال هذه الزيجة.
ذهبت منى إلى الكلية صباحاً عازمة على عدم إخبار صديقتها أحلام عن أمر الزواج.
لكنها سرعان ما تخلت عن قرارها حالما سألتها أحلام عن سر عبوس وجهها.
فقالت في حنق:
"لم أرد الحديث في الأمر، حديثي عنه بصوت مرتفع سيجعله يبدو واقعياً."
ثم أضافت باكية:
"لقد قرر والدي ببساطة تزويجي بابن صديق العائلة وفي أقرب الآجال، لا أعلم ما يجب علي فعله، لقد كنت أستمع لهذه الحكايات في الأفلام والروايات لكنني لم أعلم أن ذات القدر ينتظرني في الواقع."
ضحكت أحلام طويلاً قبل أن تلحظ نظرات صديقتها اللائمة.
فقالت مستدركة:
"حسنا، لا يبدو الأمر بهذا السوء، فإن كنت أعرفك ولو قليلاً فاحتمال أن تتزوجي بطريقة أخرى خلاف هذه ضئيل للغاية، وأنا لا أريد لصديقتي المقربة أن تبقى وحيدة طوال حياتها."
ثم نظرت إلى عقد الفراشة الذي يطوق رقبتها وأضافت تستفزها:
"يبدو أن صهري المستقبلي أظهر سحره منذ أول لقاء، ذوقه جميل للغاية، لقد قبلت به صهراً من قبل حتى أن أراه."
ابتسمت منى مجيبة:
"تمنّي نفسك، لو كان هو من أحضرها ما كنت رأيتها على رقبتي اليوم. لقد أحضرتها الخالة مريم، أمه، لقد تعرفت عليها مؤخراً وهي امرأة جميلة شديدة العطف عذبة اللسان، أتمنى حقاً أن تكون حماتي بطيبتها."
أجابت أحلام ضاحكة:
"احذري مما تتمنينه عزيزتي فلا تعلمين كيف ومتى سيتحقق."
مر الأسبوع سريعاً وحان موعد بدأ التربص.
أفاقت منى باكراً لتجهيز نفسها والخروج في الموعد محاولة تقديم أحسن صورة لها في يومها الأول.
تسللت إلى غرفتها رائحة البخور التي تداوم أمها على وضعها كل صباح فخففت من توترها.
ما إن غادرت غرفتها حتى استقبلها صوت والدها يحثها على الإسراع لتناول الإفطار.
قبلت والديها ثم جلست إلى الطاولة تشرب قهوتها على عجل.
لم يمنعها من ملاحظة السعادة والأمل الباديان على محيا والديها بسبب هذه البداية المرتبطة بعزيز ما جعلها تشعر بالضيق من سعادتهما ومن نفسها أيضاً.
أوصلها والدها إلى الشركة واتصل بعزيز كي يلاقيها ليقوم بإرشادها وتعريفها على المكان، قبل أن يتوجه إلى عمله.
قابله عزيز بوجهه البهيج الضاحك وقال ممازحاً:
"أهلاً بزوجتي المستقبلية، صباحك سكر."
أجابت منى مصححة:
"صباح الأمل لشريكي في مصيبتي."
ضحك عزيز عالياً حتى التفتت إليه أعين العمال في استغراب.
وقال:
"مصيبة؟ أعجبني اختيارك للكلمات."
قام بمرافقتها في جولة تعريفية حول الشركة بمختلف أقسامها ثم توجها نحو مكتبه حيث أعد لها مكتباً صغيراً قبالته.
أحضر من إحدى الرفوف ملفاً سميكاً وضعه على مكتبها ثم قال وهو يقرب الكرسي لها:
"هذا سيكون أول عمل لك اليوم أريد منك مراجعة بيانات هذا القسم وتجديدها حسب المعلومات الحالية المرفقة، لا تقلقي، الأمر ليس صعباً لكنه فقط يتطلب بعض التركيز."
أخذت منى الملف تقلبه وتتفحصه، ثم قالت باستغراب:
"منذ متى لم يقع تجديد هذه البيانات."
رد ضاحكاً:
"عام أو ربما عامين، ستكتشفين ذلك من خلال التواريخ."
جلست منى بإحباط، تراجع محتوى الملف، بينما ظل عزيز يراقبها للحظات قبل أن يتركها على راحتها وينشغل بمهامه.
كانت تشعر بثقل النظرات الفضولية الموجهة إليها من بعض الموظفين، لكنها تجاهلت الأمر محاولة التركيز فيما بين يديها، عسى أن تنهيه قبل أن ينهيها.
مرت ساعات طويلة وهي منغمسة في العمل، قبل أن يقاطعها عزيز بكوب ماء وضعه بجانبها قائلاً:
"أحسنتِ، يبدو أنك تحسنين العمل أكثر مما توقعت."
رفعت رأسها بإنهاك وقالت بهدوء:
"ربما لأنني لا أملك خياراً آخر."
تأمل ردها قليلاً، ثم قال مسنداً ذقنه على يده:
"أحياناً لا نكتشف أنفسنا إلا حين نجبر على سلك طرق لم نخترها."
ثم أضاف باستعطاف:
"لقد عملت بجهد اليوم، وبما أنه يومك الأول فسأسمح لك بالخروج باكراً إذ تبدو حالتك مزرية ولا أود أن تحدث أي حالة إغماء في الشركة."
غضت منى طرفها عن العبارات التي وصفها بها وقالت بجدية:
"مر اليوم دون أن نفعل شيئاً، لا أعلم كيف سنقوم بإقناع عائلتينا بالعدول عن رأيهم، كما لا أعلم ما الذي نبحث عنه بالتحديد، كان عليك أن ترفضني ببساطة، لا أظن أن المماطلة ستفضي لشيء."
"يا له من موضوع شيق تريدين مناقشته وسط الشركة. لا تنسي أنني أتعرض لنفس الضغط من عائلتي وليس لي أي أسباب منطقية للرفض؛ شابة مثقفة، جميلة ومحترمة من عائلة محترمة ومقربة من عائلتنا ماذا تريدينني أن أفعل؟"
احمر خدا الفتاة خجلاً وقالت مستدركة:
"سنعلم قريباً ما علينا فعله، لا نزال في بداية الطريق."
عادت منى منهكة إلى المنزل فارتمت من فورها في أحضان سريرها محاولة نيل قسط من الراحة.
لكن ضجيج أفكارها أبى أن يخفت، ماذا لو لم يجدوا أي سبيل للهروب؟
عاودت النهوض من السرير وتوجهت نحو الخزانة تتفحصها.
"ماذا لو قمت بتجهيز حقيبة سفري وتركتها جاهزة؟ في حال فشلت الخطة سأسافر لمدة إلى أن يغير والدي رأيه أو يجد عزيز فتاة أخرى."
كانت منى ترتب ثيابها في الحقيبة حينما دخلت عليها أمها الغرفة.
"ماذا تفعلين يا ابنتي، إلى أين أنت ذاهبة؟"
ظلت منى متسمرة للحظات قبل أن تجيب في تلعثم:
"إلى أين سأذهب مع كل المهام المعلقة التي تنتظرني؟ لقد استنزف بحثي بين كل هذه الملابس وقتي هذا الصباح، لذلك أحاول أن أنتقي ما لا أحتاجه منها لأضعه على جنب."
"حسنا، أكملي ما بيديك وتعالي لأضع لك الأكل لا بد أنك جائعة، ولا تتركي الملابس في الحقيبة، سأحضر لك أكياساً ضعيهم فيها."
وضعت منى يدها على قلبها تتحسس نبضه المتسارع بينما غادرت والدتها الغرفة.
"سارق وفي يده شمعة، علمت أنها فكرة غبية حالما نهضت فوراً لتطبيقها."
في الجهة الأخرى كان عزيز لا يزال غارقاً بين أوراقه حينما أتاه اتصال من صديقه ياسين يطلب فيه لقائه.
حالما دلف إلى المقهى المنشود، رأى عزيز صديقه يشير إليه فجلس قبالته محيّياً إياه وطلبا القهوة.
بينما تبادلا التحية والأسئلة الروتينية عن الأحوال والمستجدات في انتظار وصولها أخرج ياسين بطاقة دعوة وقدمها إلى صديقه قبل أن يقول:
"دون رسميات مبالغة، أعلم أنك لا تحتاج لدعوة لتحضر حفل زفافي لكنني أردت أن أشاركك لحظاتي البهيجة مثلما اعتدت أن تشاركني مشاكلي وأحزاني."
"حسنا، كثرت حفلات الزفاف مؤخراً."
أجاب عزيز ضاحكاً قبل أن يحدث صديقه بمستجداته.
في اليوم التالي استفاقت منى مجددة أملها في الوصول إلى مبتغاها.
بعد الإفطار قام والدها بإيصالها إلى شركة آل شعبان كعادته، غير أنه لم يغادر إلى عمله بل رافقها إلى الداخل ليقابل السيد عمر للتشاور في بعض الأعمال المشتركة حسب قوله.
كانت منى تتلصص على حديثهما حين فاجأها عزيز بالتحية.
فردت التحية بخجل بصوت خافت خشية أن يفضح أمرها.
فقال مطمئناً:
"إن أردت، يمكنني المغادرة والادعاء بأنني لم أرك بعد."
قالت في نفسها رامقة إياه بنظرات الشك:
"لم يبدو دائماً مسالماً أكثر مما ينبغي."
ثم أجابت نافية:
"لا عليك، كنت سأغادر على كل حال."
توجهت معه إلى مكتبهم المشترك بينما ظل تفكيرها معلقاً عند والدها والسيد عمر.
جلست على مكتبها وفتحت الحاسوب بينما وضعت أمامها الدفتر الذي بدأت تجديد بياناته بالأمس.
ظلّت تنظر إليه بضع دقائق شاردة البال قبل أن يقطع عزيز حبل أفكارها:
"ما الذي يشغل بالك أخبريني، ظننت أننا شريكان."
"يبدو أن أبي والسيد عمر لديهما بعض الأعمال المشتركة، لكن، لا أعلم لم يبدو لي لقائهم مريباً. لا أنكر أنني كنت بصدد التجسس على حديثهما، لكن للأسف لم أستطع التقاط شيء مما تحدثا."
أجاب عزيز مجتهداً في إخفاء ضحكته:
"لا تقلقي، لا يستطيع كلاهما التكتّم عن الأمر، إن وجد أمر فلا بد لأحدنا أن يعلم به."
"حسناً إذن، لن يفلت الأمر من بين أيدينا، أنا أثق بك."
رمقها بنظرة عطوفة وابتسامة دافئة شدتها ثم قال شاكراً:
"شكراً لمنحي شرف هذه الثقة، بالمقابل سأمنحك ثقتي في إنهاء الملف الذي بين يديك هذا اليوم."
همست في نفسها مبادلة إياه ابتسامة منمقة:
"في المرة القادمة سأحرص على أن أستخسر فيك أي كلمة طيبة."
مرت الأيام سريعة، كأوراق تنفرط من رزنامة العمر بلا اكتراث.
بين ملفات أثقلتها الأرقام ومحاولات يائسة للعثور على ثغرة تنقذها من حصار يضيق عليها شيئاً فشيئاً.
وحين عادت منى ذلك المساء إلى البيت، وجدت أبويها جالسين في غرفة الجلوس يغمرهم صمت ثقيل.
أتت السيدة ليلى بصينية القهوة مرفقة إياها ببعض الحلويات.
بينما بادئها والدها بالحديث، صوته مبحوح بثقل لا يخفيه:
"لقد قررت أنا والسيد عمر دمج الشركتين لتحسين مركزنا التنافسي وتوسيع السوق المستهدف من خلال دمج الكفاءات والتقنيات الموجودة في كلا الشركتين."
صمت قليلاً يجمع أفكاره ثم أضاف:
"ولذلك فقد ارتأينا أن تكوني أنت والسيد عزيز، كثنائي، الوجه الإعلامي للكيان الجديد للشركة، لذلك فقد قرر إقامة الخطبة هذا الأسبوع إن شاء الله والزواج الشهر القادم ليكون متوافقاً مع إعلان الشركة الجديدة."
رواية زواج اشتراكي الفصل الثاني 2 - بقلم هيام عمر
بقي فنجان القهوة في يد منى معلّقا في الهواء يرتجف مع ارتجاف روحها، قبل أن تتكسّر الكلمات على شفتيها:
"ربّيتني منذ صغري ليكون لي كياني الخاص وقراراتي التي أتحمّل كامل مسؤوليتها، لماذا إذن تريد الآن أن تسلبني ببساطة حق الاختيار دون أن تبالي بمشاعري، لماذا أصبحتم فجأة تملون عليّ القرارات التي اتخذتموها عوضا عنّي كأنّما تخبرون بها غريبا، لم عليّ لعب دور الغريب في حياتي."
وضعت منى الفنجان بيدين مرتعشتين وغادرت راكضة نحو بيتها تخفي دموعها المحترقة بنار قلبها، لحقتها أمّها ماسحة هي الأخرى بطرف شالها عبراتها المتمرّدة، دقّت الباب بلطف ثمّ ولجت الغرفة دون أن تنتظر الردّ.
جلست على طرف السرير بجانب ابنتها ثمّ قالت بعطف:
"تعلمين كم يحبّك والدك، هو لم يجبرك يومًا على سلك طريق لم تختاريه وكان دوما يكتفي بنصحك وارشادك."
قاطعتها منى مشتكية:
"لماذا إذن يفعل بي هذا الآن؟ لماذا في أهمّ قرار في حياتي؟"
أحاطت ليلى ابنتها بكلتا يديها لتشعرها أنّها تحسّ بما يخالجها من حزن وقالت مطمئنة:
"لأنّه يعلم أنّه القرار الأمثل لك يا عزيزتي، حتّى وإن لم يعجبك ذلك في البداية."
شعرت الشّابة بخنقة من ردّها الجافّ فاستلقت على السرير شادّة اليها اللحاف تغطّي به وجهها الباكي.
طبعت والدتها قبلة على جبينها ثمّ غادرت الغرفة في هدوء.
حين خرجت، كان السيّد أحمد لا يزال في انتظارها في غرفة الجلوس، فسألها في قلق:
"كيف حالها؟ أهي بخير؟"
أجابت ليلى مطمئنة:
"سوف تقتنع، لا تقلق، هي فقط بحاجة لبعض الوقت."
في الغد كانت آثار الحزن بادية على منى فلم يعرف عزيز كيف يحادثها. بقيا صامتين مهلة من الزمن قبل أن يبادر بإحضار كوبين من القهوة ليقول أخيرا:
"سمعت أنّك لم تفطري اليوم، دعنا نتشارك فطورنا إذن كما نتشارك المصيبة، ما رأيك؟"
ابتسمت منى من بين أحزانها وأخذت كوب القهوة قبل أن تجيب:
"كيف لك أن تكون لا مبالي هكذا، لا بدّ أنّك علمت بآخر المستجدّات."
"أؤمن أنّني لا أغيّر من أمري شيئا من خلال قلقي المبالغ فيه عليه."
"رغم يقيني بصواب ما تقول لا يسعني إلا أن أستشعر حزني كاملا حتّى أستطيع أن أتخطّاه."
أدخلت يدها إلى حقيبتها تخرج علبة بسكويت زجاجيّة وضعتها بينهما ثمّ أضافت:
"لاحظت أنّك تشرب القهوة سادة، فلتعدّل مرارتها ببعض البسكويت، وضعته لي أمّي حين رفضت الإفطار. تعلم جيّدا أنّني لن أستطيع مقاومته، فهي تداوم على طبخه لي بكلّ حبّ."
صمتت قليلا تجمع كلماتها ثمّ واصلت:
"أكثر ما يجعل الأمر مؤلما هو أنّني لم أعهد هذه المعاملة منهم."
كانت تتحدّث دون توقف كمن يفرغ ثقل قلبه من أحزانه على شكل كلمات بينما ظلّ هو يستمع في صمت حتّى أنهيا فطورهما ليعود كلّ منهما إلى عمله.
حين حان موعد الخروج أصرّ عزيز على ايصالها للمنزل، في الطريق شكرته على تحمّل شكواها ثمّ سألت كمن تذكّر شيئا قد غيّب عنه:
"لماذا يريد أبي والسيّد عمر دمج الشّركتين؟"
أجاب في لامبالاة:
"كما يقال في الاتّحاد قوّة."
لم يكن جوابه مقنعا بالنسبة لها، فان كانت شركة والدها تعاني من خسارات فالحلّ الأمثل لكلا الطرفين هو القيام بمشاريع مشتركة تعمل على زيادة الإيرادات أو ربّما دخول صديق والدها كشريك في نسبة من الأسهم في شركتهم واستثماره فيها.
وصلا إلى المنزل في غضون دقائق فتشكّرته فاتحة باب السيارة للخروج فقال مودّعا:
"اشكري لي الخالة ليلى عن البسكويت، كان لذيذًا جدًّا فلتسلم يدها."
اندفعت مجيبة دون تفكير:
"أجل، فكرة رائعة، أخبرها أنّنا فطرنا سويًّا حتّى تتمادى في آمالها بشأننا."
صمتت قليلا نادمة على ما قالته ثمّ قالت مستدركة:
"شكرًا مجدّدا، أراك غدًا إن شاء الله."
دخلت المنزل في صمت وتوجّهت من فورها إلى غرفتها متفادية مقابلة أيّ أحد.
ظلّ عقلها مشغولًا بسرّ قرار الدمج ثمّ تذكّرت إجابة عزيز "في الاتّحاد قوّة؟ حقًّا؟"
قرّرت بعد لحظات من التفكير أنّه هو الآخر مشكوك في أمره، وعليه، فستعمل وحيدة من الآن فصاعدًا لفكّ هذا اللّغز.
في الغد فتحت حاسوب الشّركة تبحث بين الملفّات عن دليل يثبت ادّعائها، كانت تشكّ أنّ شركة آل شعبان هي الأخرى تعاني من مشاكل مادّية وهو ما يفسّر قبولهم بالدمج وانفتاحهم على هذه الزيجة.
غير أنّها عادت خائبة المسعى بعد أن أكّدت كلّ الأرقام والوثائق أنّ الشّركة في أحسن حالاتها، بل أنّها تعاني من فائض سنوي غير مستثمر.
انسدّت كلّ المنافذ أمامها، لكنّها قرّرت أن تكمل في الطريق الذي اختارته.
أخبرت عزيز أنّ أباها قد طلب مساعدتها ببعض المسائل المتعلّقة بالشّركة، وعليه فقد طلبت أن يعفيها من الحضور لليوم القادم وقد قوبل طلبها بالقبول من طرفه.
قرّرت أن تراجع ملفّات شركة والدها هذه المرّة وأن تتقصّى حال الأعمال فيها علّها تجد ضالّتها هناك.
في اليوم التالي أخبرت والدها بأنّها تريد جمع بعض المعلومات حول شركتهم بما أنّها ستدمج قريبا مع شركة آل شعبان وذلك قبل انتهاء فترة تربّصها، وقد طلبت مرافقته إلى هناك لفعل ذلك.
بقيت طوال اليوم جالسة في مكتب والدها تتفحّص الملفّات الموجودة على الحاسوب الذي قدّم لها مدّعية اهتمامها بما حواه من معلومات عامّة لا تفيدها في شيء، وحالما غادر والدها ليترأس اجتماعًا، استغلّت الفرصة للبحث في حاسوبه الخاصّ.
غائصة بين الملفّات، كانت تراجع الأرقام مرّة تلو الأخرى غير قادرة على الاستيعاب.
"لا بدّ أنّني كنت أتعلّم الرّقص الشّرقي طوال سنوات دراستي لينتهي بي المطاف غير قادرة على تحليل أو تفسير نتيجة ظاهرة أمامي بهذا الشّكل."
أعادت تصفّح الملفّ للمرّة التي لا تعرف عددها:
"لا يمكن ذلك، إنّ شركتنا كشركة آل شعبان في أحسن حالاتها وتحقّق أرباحًا مرضية ومتزايدة طوال السنوات الأخيرة."
خالجها شعور عارم بالغبطة، وظنّت للحظة أنّها لن تكون ملزمة بالزّواج بعد اكتشاف تلك الحقيقة.
غير أنّها سرعان ما تذكّرت أنّ الحقيقة كانت معلومة جديدة بالنّسبة لها فقط وأنّ والدها يعلم ذلك منذ البداية وربّما والدتها أيضًا.
"إذا كان الأمر غير متعلّق بالشّركة فما الذي يدفع والدي لرميي فجأة أمام زواج اجباري؟ وما الذي يجعله يعجّل في أمري هكذا؟"
تملّكها الحزن أكثر ممّا فعل سابقا، وهاجمتها الأفكار والهواجس فعادت إلى مقعدها في صمت غير عارفة لم يجب عليها فعله.
عادت إلى المنزل بعد يوم حسبته الأطول بين ما قد عايشت من أيّام، فسارعت إلى غرفتها تتوارى عن الأنظار، تحاول رسم خطّة جديدة لمسارها المختار.
صباح اليوم التالي كانت الأعمال مكدّسة بالشّركة؛ المعاملات الروتينية أضيف إليها معاملات دمج الشّركتين وتغيير مقرّهما إلى واحد مشترك مع تحويل المقرّ الثاني إلى مستودع خاصّ بالشركة الجديدة.
كان الكلّ مشغولًا بمهامّه ولم تستطع منى محادثة عزيز بآخر مستجدّاتها.
عادت منهكة بعد يوم مليء لتجد والدتها في انتظارها طالبة مرافقتها للقيام بحصّة تدليك لتبديد شحنات التوتّر واستقبال يوم خطوبتها بمشاعر إيجابيّة، وافقت الفتاة على مضض بعد إصرار وإلحاح من والدتها رغم أنّها كانت تنتظر مرافقة والدتها لتلك الحصص بفارغ الصّبر في كلّ مرّة.
كانتا لا تزالان ينتظران في قاعة الاستقبال حينما باغتت والدتها بالسّؤال:
"هل سيكون زواجي مفيدًا حقًّا في إنقاذ شركتنا؟"
أجابت الأمّ بنعم بعد لحظات طويلة من الصّمت فهمت من خلالها منى أنّها كانت تعلم هي الأخرى.
كان اليوم هو يوم الخطوبة المنتظرة، عمّت الأجواء الاحتفاليّة المنزل.
أحضر السيّد أحمد أصنافًا من الحلويّات والعصائر بينما أعدّت السيّدة ليلى المنزل، زيّنت أركانه وراحت تبخّر أجوائه برائحة العنبر.
أمّا منى فقد لزمت بيتها تعدّ نفسها هذه المرّة دون أيّ اعتراض أو مكائد.
كانت تلفّ حجابها حين سمعت صوت سيّارات ضيوفها قد وصلت، وعمّت الزغاريد وأصوات زامور السيارات المكان.
"إنّه يستمتع في الخارج وكأنّه سيطلب يد الفتاة التي يحبّ، بينما أنا الوحيدة التي تقلق حول كلينا."
ابتسمت بينما تتفقّد حجابها مستعدّة للخروج.
"لكن ليس اليوم، أنت من عليه القلق اليوم سيّد عزيز."
رواية زواج اشتراكي الفصل الثالث 3 - بقلم هيام عمر
خرجت منى لاستقبال عائلة شعبان بينما فتح لهم والدها الباب.
دخل عزيز في المقدّمة حاملا باقة من زهور التّوليب البيضاء ودخل على إثره كلّ من السّيد عمر والسيّدة مريم.
قدّم لها الباقة بينما بقيت عيناه معلّقتان بها مأخوذا بجمالها، وبقيت عيناها تلمعان فرحة لرؤية أزهارها المفضّلة.
أخذ الكلّ مكانه في غرفة الجلوس، بينما دخلت منى المطبخ تعدّ القهوة.
لم تكن هذه الخطبة حقيقيّة كما أخبرت نفسها، لذلك لم ترد أن تتعب معدة الفتى بوضعها الملح في القهوة، وعوضا عن ذلك، فتحت علبة الفلفل وأغرقت ما استطاعت منه في فنجانه.
كان منظره مضحكا جدّا بالنّسبة لها وهو يحاول ابتلاع ما سكبه في فمه من قهوة حتّى ظنّ والداها أنّها قد اقتنعت به أخيرا من شدّة ما تبسّمت محاولة امساك ضحكتها.
" ان كنت تفكّرين في قتلي فقد كان عليك التّفكير أبعد قليلا من الفلفل."
همس عزيز لمنى بعد أن أكمل فنجانه لآخر قطرة وآخر حبّة فلفل.
" لا أؤمن بالقتل السّريع، أردت فقط أن يكون لديك فكرة مصغّرة لما ستكون عليه حياتك معي ان لم تنهي مسرحيّة الزّواج هذه."
بدأ السيّد عمر الحديث طالبا يد الفتاة من والدها فأجابه السيّد أحمد باسما:
" لن أجد أحسن من عزيز رجلا ائتمنه على وحيدتي، لكن، بالرّغم من ذلك أودّ أن أسمع رأيها في ذلك."
" أتسألني بعد أن قرّرت أمري؟ آسفة لم ستسمع يا أبي."
حدّثت منى نفسها مفكّرة قبل أن تجيب:
" رغم أنّني والسيّد عزيز لم نملك الوقت الكافي لنتعرّف على بعضنا البعض، أنا موافقة، شرطي الوحيد أن يكون هذا الزّواج اشتراكيّا."
رأت منى في الزّواج الاشتراكي مهربا يليق بدهائها، اذ لم يكن شرطا بريئا بقدر ما كان ورقة ضغط تحاول لعبها.
كانت تعلم أنّ عزيز، برغم ثقافته الظّاهرة وحديثه الهادئ، رجل نشأ في بيئة تقليديّة ترى في الزّواج استقرارا للرّجل أوّلا، ومسؤوليّة تلقى على المرأة ثانيا، وذلك في رأيها السّبب الذي جعله يخضع لقرار والده دون أن يظهر عليه القلق.
رأت في انضباطه الزّائد وفي ميله الى النّظام والشّكليّات ما يوحي بأنّه لا يحتمل فكرة شراكة حقيقيّة تقلب الأدوار أو تكسر الصّورة النّمطيّة التي اعتادها والتي تظهر جليّة في صورة علاقة أبويه وربّما علاقته بوالدته كذلك التي تقوم عنه بكلّ شيء.
كانت تراهن على أنّ مطلبها بما يحمله من تقاسم للسّلطة والقرار وحتّى أعباء الحياة اليوميّة داخل وخارج المنزل سيهزّ يقينه بدوره الطّبيعي فيربكه ويدفعه الى الرّفض.
هكذا أرادت منى أن تنقل ثقل الكلمة الأخيرة من كتفيها الى كتفيه، حيث كانت تراهن على كبريائه أكثر ممّا تراهن على أفكارها، وتؤمن أنّ غروره سيكمل ما بدأته ليكون هو من ينسحب دون أن تضطرّ هي لفعل شيء.
عمّ البيت لحظات ثقيلة من الصّمت انتقلت خلالها الأنظار الى عزيز تنتظر ردّه، بينما تعلّقت أنظاره بعينيها.
" لا بأس بذلك، أنا موافق."
أجاب باسما وقد فهم فورا ما ترنو اليه من مطلبها.
وقف الشابّان لتبادل تلبيس الخواتم، وحينما اقتربا وأصبحت المسافة بينهما سانحة ضغطت منى على قدم عزيز بقوّة وقالت في سخط:
" لقد أعطيتك سببا لرفضي وقد أهدرته بكلّ غباء."
انتهت حفلة الخطوبة بنجاح عكس ما خطّطت لها الفتاة، شأنها في ذلك شأن جميع ما قد رسمت من مخطّطات.
مرّت الأيّام بعد ذلك ثقيلة مليئة بأعمال الشّركة من تجهيز الملفّات القانونيّة ونقل للأغراض وإعادة تقسيم وتنظيم للموارد، واقترب اعلان اتّحاد الشّركتين في كيان واحد واقترب معه موعد زفاف الثّنائيّ الذي سيمثّل الوجه الإعلامي لهذا الكيان الجديد.
كان الشابّان منغمسان في تحضير بعض الأوراق حين ورد الى عزيز اتّصال من صديقه ياسين يذكّره بموعد زفافه ويطلب منه احضار منى ليتعرّف عليها وزوجته.
أراد عزيز مفاتحتها في الموضوع غير أنّها بدت مستغرقة بين أوراقها فلم يرد مقاطعتها وقرّر أن يوصلها الى المنزل ليستغلّ الوقت المستغرق في الطّريق لمحادثتها، غير أنّها غادرت دون أن يعلم بينما كان مشرفا على بعض العمّال خارج المكتب.
لذلك، قرّر عزيز أن يقوم بزيارة عائلتها ليطلب منها مرافقته الى حفل زفاف صديقه وليستغلّ وجوده لطلب اذن والدها في نفس الوقت.
سعدت الخالة ليلى بقدوم صهرها المستقبليّ وراحت تقدّم له ما طاب ولذّ من حلويّات معاضدة بها فنجان القهوة بعد أن طلبت من منى الخروج لاستقباله.
ظلّ ينظر لكوب القهوة بشيء من الرّيبة فطمأنته منى قائلة:
" أمّي هي من أعدّت هذه القهوة، لا تقلق."
" لم آتي لشرب القهوة على كلّ حال، صديقي بصدد الزّواج وقد طلب منّي أن أقوم بدعوتك لحضور حفل زفافه، هو أقرب أصدقائي ولذلك أنا أتمنّى حقّا أن تلبّي دعوته وتقبلي مرافقتي الى حفله."
أرادت منى الإجابة بالنّفي غير أنّ صوت والدها سبقها وقد صادف دخوله سماع مطلبه:
" سيكون ذلك جيّدا لكليكما، أنتما قادمان على الزّواج قريبا وعلى كلّ منكما أن يتعرّف على محيط الآخر ويحاول أن يصبح جزءا منه."
في الغد وصلت منى المكتب لتجد صندوقا بانتظارها، وضعت أغراضها على المكتب وراحت تفتحه حين دخل عزيز لأخذ بعض أوراقه.
" أوه، يبدو أنّ زوجتي المستقبليّة لديها معجب سرّي."
وقبل أن تجيبه غادر حاملا أوراقه.
" لو كان لديّ واحدا لتزوّجته حتّى لا أضطرّ لسماع نكاتك الثّقيلة."
" لم هذه المبالغة في التّغليف، من طويل الأناة الذي قام بكلّ هذا؟"
أضافت منى محدّثة نفسها، محاولة اختراق طبقات من التّغليف واكتشاف ما في الصّندوق.
كانت لا تزال منغمسة في محاولاتها حين عاد عزيز مرّة أخرى:
" أنت حقّا ميؤوس من أمرك."
قال ذلك وقد قام بفتح الصّندوق في لحظات.
ذهلت الفتاة وهي تكشف عن ثوب ورديّ اللّون وحجاب مناسق له.
" انّه جميل جدّا، لا أصدّق ذلك، هل أنت من أحضره؟"
" فورا أدركت ذلك؟ خاب أملي حقّا، ظننت أنّك ترفضينني لأنّ لديك شخص آخر؟ كنت سأتقبّل الرّفض على الأقلّ حينها ولن أشعر بهذا الإحساس الكريه بأنّني مرفوض لشخصي"
" أنت تعلم أنّني لا أرفضك لشخصك، أنا أرفض ألا أختار شريك حياتي بنفسي وألا يختارني هو لشخصي. من الجميل حقّا أن يحبّني والداك لكنّ ذلك لن يكون كافيا بالنّسبة لي اذ ما يهمّني أكثر هو أن تحبّني أنت، أن تختارني رغم كلّ ما تراه فيّ من نقص وأن نصرّ على اختيار بعضنا البعض كلّ يوم رغم ما قد نواجه من تحدّيات وسوء فهم."
عمّ الصّمت للحظات مربكة قبل أن تضيف مستدركة:
" انجرفت في الحديث دون وعي، آسفة، قصدت الحديث بشكل عامّ وليس توجيهه لك شخصيّا بهذا الشّكل."
" لا تقلقي، أتفهّم الأمر، وآسف أيضا لأنّني كنت أحاول ممازحتك فقط ولم أعتقد أنّ حديثي سيزعجك هكذا."
أجابت منى محاولة تغيير مجرى الحديث:
" شكرا حقّا، انّه رائع، كيف علمت أنّ الوردي هو لوني المفضّل؟"
" حسنا، لن أقول أنّني أتعقّبك الآن حتّى لا تصدّقي هذه المزحة أيضا وينتهي بي الأمر محاولا تبرير موقفي."
ضحك وحده على نكتته ثمّ أضاف:
" لم أعلم، بدى اللّون جميلا عليك في الخطبة كما لو كان قد خلق فقط من أجلك، لذلك ارتأيت أن أحضر شيئا بذات اللّون."
ابتسمت منى وقد أعجبها وصفه فأضاف موضّحا:
" كنّا مشغولان بإجراءات الشّركة طوال الفترة الأخيرة وأعلم أنّك لن تجدي الوقت لشراء فستان من أجل حفل الزّفاف لذلك أحضرته."
" شكرا لاهتمامك بذلك، انّ مناسبات اللّحظة الأخيرة دائما ما تربكني ولم أكن لأعلم ما سأفعل لولاك."
في المساء كانت منى تجهّز نفسها حين اتّصل عزيز يخبرها أنّه ينتظرها في الخارج، طلبت منه أن ينتظر بعض الوقت بينما جلست تلفّ حجابها على مهل.
" فلتتعلّم الصّبر قليلا لأنّك ستحتاجه كثيرا عمّا قريب."
كان قد قارب على النّعاس حين خرجت اليه، فتحت الباب والجة الى السيّارة فقال محتجّا:
" ماذا كنت تخترعين لتحتاجي كلّ هذا الوقت؟"
" في الحقيقة لقد كان الفستان طويلا بعض الشيء ولم يكن لديّ الوقت لإنقاصه لذلك ارتديت معه حذاء ذو كعب عال."
" احتجت كلّ هذا الوقت لارتداء الحذاء؟"
" لا، احتجته للتّمرّن على المشي بالحذاء، لأنّني لم أعتد ارتدائه سابقا."
أجاب عزيز ضاحكا وقد نسي غضبه.
" غفر لك جمالك في الفستان هذه المرّة"
ابتسمت وقد تورّدت خدودها خجلا.
" شكرا."
" لا تشكريني، أنا أمتدح ذوقي في الفستان."
وصلا أخيرا الى القاعة فخرج عزيز مسرعا يفتح لها باب السيّارة.
" ضلّي قريبة منّي، ويمكنك الاستناد عليّ ان خشيتي السّقوط."
استقبلهما ياسين بحفاوة وراح يقدّم كلّ منهما الى زوجته سلمى التي فرحت بدورها بقدومهما وظلّت تحادث منى وتشركها في أجواء الحفل حتّى أصبحتا مقرّبتان سريعا.
مرّ الحفل بأجواء هادئة جميلة وغادر الشابّان عائدان الى المنزل.
" رغم أنّني لا أحبّ أجواء حفلات الزّواج عادة، فقد استمتعت حقّا هذه اللّيلة، كما قد احتجت الى متنفّس يخرجني من حالة القلق الدّائمة التي اجتاحتني آخر فترة."
" حسنا، سعيد لأنّك لم تضطرّي لفعل ذلك أيضا وأنت ملزمة."
أجابت ضاحكة:
" حقيقة أنّني استمتعت بوقتي لا تنفي أنّني خرجت لأنّ أبي قد طلب ذلك."
توقّف عقلها قليلا عند تلك الكلمات وقد عكس ذات الصّورة على أمر الزّواج فارتبكت ولازمت الصّمت.
أوقف السيّارة أمام منزلها فنزعت كعبها العالي وحملته الى جانب حقيبتها ثمّ خرجت مودّعة ايّاه.
رواية زواج اشتراكي الفصل الرابع 4 - بقلم هيام عمر
حين عادت إلى غرفتها راسلت صديقتها أحلام تطالبها بلقائها في اليوم التالي، كونه نهاية الأسبوع ولن تكون مشغولة بأعمال الشركة.
اختارا للقائهما شاطئًا غير بعيد، مدّتا بساطهما على رماله الذهبية ودسّت كلّ منهما قدمها العارية تحت التراب المبلّل تناشده بامتصاص قلقها، ثمّ استغرقتا في تأمل البحر طويلًا قبل أن تقطع منى صوت الصمت بقولها:
"اكتشفت الكثير بعد آخر لقاء بيننا، ولا أدري من أين يجب أن أبدأ."
ثمّ راحت تروي لرفيقتها بالتفصيل ما مرّ عليها وما واجهت من حقائق وما فُرض عليها من قرارات.
"لمَ لم يفعل العم أحمد شيئًا كهذا إن كانت كل الأمور مستقرة في الشركة؟"
قالت أحلام مفكرة:
"لا أعلم، لم أكتشف ذلك بعد."
عادت أنظارهما لتأمل البحر وهو يرسل زبده الناصع نحوهما باستمرار كلما عاد إليه.
"ألا تعتقدين أن إصرارك على رفض عزيز رغم كل ما ذكرت من مدح بشأنه غريب؟"
فاجأتها بالسؤال.
"لمَ عليّ أن أختار شخصًا لم يخترني؟"
"إذًا هذا هو سببك الوحيد؟ ومن قال إنه لم يفعل؟"
"ليس هذا موضوعنا، أحلام، أود أن أعرف السبب الحقيقي وراء كل هذا."
صمتت تبتلع ريقها ثم واصلت:
"يومان على الزواج، إن لم أجد شيئًا سأضطر لمواجهة والدي."
"سأكون بجانبك من الغد، لا تقلقي، سأحاول دعمك قدر استطاعتي أيًا كان قرارك."
صباحًا، كان الجميع يجهز لأول ندوة صحفية للشركة الجديدة. وقف كل من السيد عمر والسيد أحمد ومنى وعزيز أمام حشد من الصحفيين الذين يتنافسون على إذاعة الخبر.
تقدم السيد أحمد وصديقه للتصريح:
"نعلن اليوم بكل سعادة عن توقيع شركتينا اتفاقية اندماج نهائية، وذلك بهدف خلق كيان رائد في مجالنا، يجمع بين خبرات الشركتين وقدراتهما لتقديم قيمة استثنائية لعملائنا ومساهمينا."
قال السيد عزيز مفاتحًا ثم ترك المجال لصديقه ليكمل عنه:
"إضافة إلى هذا التحالف الثمين، فإن عائلتينا تود أن تزف إليكم خبر تحالف عائلي قادم وتدعوكم لتكونوا جزءًا من حفل زفاف ولدينا اللذين سيكونان قريبًا الوجه الإعلامي للشركة والمتحدث الرسمي باسمها."
سكت السيد أحمد، فأضاف صديقه:
"كما سيكون لهما الحصة الأكبر في الشركة كهديّة لزواجهما."
لم يكن لمنى ولا لعزيز علم بقرار أبويهما الأخير، حيث فاجأهم إعلانهم لذلك. أصرت الفتاة على معرفة سبب هذا القرار المفاجئ، مبدية بذلك رغبة دفينة في فهم دوافع قرارات والدها الأخيرة. غير أن إلحاحها في السؤال جعل والدها يشعر بضغط كبير، خلق له آلامًا شديدة بكل من بطنه وظهره. لم تهدأ حتى صاحبه العم عمر إلى المصحة لعمل الفحوصات اللازمة وتلقي العلاج.
ظنت منى في البداية أن والدها يعاني من آثار الإجهاد الذي تعرض له آخر فترة في العمل وما رافقه من ضغط وسهر واضطراب في مواعيد أكله. إلا أن وجه أمها الباكي وقلقها الكبير وهي تسارع لرؤيته حالما سمعت بحالته حكى لها قصة مختلفة.
دخلت ووالدتها للاطمئنان عليه، واكتفت بتقبيل جبينه والجلوس بجانبه في صمت خشية أن تعاوده آلامه، غير أنه صارحها مهزومًا:
"لقد آن الأوان أن تعلمي يا ابنتي، لا يمكن أن أخفي الأمر أكثر، فحالتي في تدهور مستمر."
صمت قليلًا، معطيًا إياها بعض المجال لتجهيز نفسها لتقبل صدمة مصيبتها الحقيقية، ثم أكمل:
"لقد علمت مؤخرًا أنني أعاني من سرطان البنكرياس، وللأسف فقد كان اكتشافي له متأخرًا، حيث أصبح العلاج صعبًا والنهاية أقرب."
نزلت عبرات ساخنة على وجنتي منى، تخفف ضغط دم احتقن في عينيها، وقالت في صوت محشرج تواجه صعوبة في إخراجه:
"لا يفوت الأوان أبدًا لفعل الصواب، أليست هذه كلماتك؟ لماذا إذًا تقنط من رحمة الله بهذه السرعة."
"لا يتعلق الأمر بالقنوط يا ابنتي، لقد اجتمع الأطباء على أن حالتي متقدمة جدًا وأن الجراحة أصبحت مستحيلة، بينما العلاج لن يكون له أي تأثير عدا تخفيف الألم ومحاولة السيطرة على الأعراض."
أمسكت الفتاة بيدي والدها الذي لم يسبق أن ترك يديها وراحت تقبّلها وقد أجهشت في البكاء.
"أرجوك أبي لا تتركنا، سأفعل ما تريد، لن أترك لك المجال لتشتكي من شيء."
أجاب والدها ماسحًا عينيه وقد فاضت رغما عنه:
"فلتعلمي يا منى أنني ما كنت لأجعلك كبش فداء لإنقاذ الشركة، فلتذهب ألف شركة فداءً لعيني ابنتي."
تنحنح قليلًا محاولًا إخفاء رعشة صوته.
"أردت من خلال زواجك أن أضمن حقك في الشركة، لا أعلم متى قد يحين وقتي، وأنت لم تكملي دراستك بعد ناهيك عن اكتساب أي خبرة في أعمال الشركة. فإن بقيتِ دون سند أمام كل تلك المسؤوليات لن تكوني قادرة على التركيز بدراستك ولا على القيام بأعمال الشركة، وبذلك تخسرين الاثنين. أردت دمج شركتنا وشركة آل شعبان لتكوين كيان أقوى تحت حماية صديقي وإشرافه، وسيكون لك ولزوجك الحصة الأكبر فيها كما قد صرحنا."
فسّر لها والدها بالتفصيل أسبابه ودوافعه، مدركًا أنه السبيل الوحيد المتبقي له لإقناعها، بينما أنصتت هي في صمت مطبق على فمها دونًا عن أفكارها.
عاد الجميع إلى المنزل، وعادت منى إلى غرفتها تلازمها إلى أن وصلت صديقتها.
"يا لسخرية القدر، كنت قد طلبت منك بالأمس القدوم لمساعدتي على إفشال الزواج، وها أنتِ هنا اليوم لتساعديني للتحضير له."
قالت منى محادثة أحلام بعد أن حكت لها آخر المستجدات.
قضت أحلام الليلة بجانب صديقتها تحدثها وتخفف عنها، ثم غادرتا معًا صباحًا لاختيار فستان الزفاف مع عزيز، بينما اهتمت السيدة ليلى بمساعدة زوجها ببقية التجهيزات.
اختارت منى فستانًا جميلًا ببساطته ودخلت غرفة التغيير لتجربته، بينما انتظرها عزيز وأحلام خارجًا.
"علمت مؤخرًا بما يعانيه السيد أحمد من مرض، وأتمنى حقًا أن يكون الشفاء نصيبه."
قالت أحلام محاولة جره إلى الحديث.
"أدعو الله أن يعجل في شفائه، إنه إنسان طيب لا يستحق ما يعانيه من مرض وآلام."
"أتمنى ألا تحسب ذلك محاولة للتدخل في شؤونك الخاصة، لكنني حقًا أود أن أعلم ما الذي يدفعك للقبول بهذا الزواج، بما أننا علمنا دافع السيد أحمد. وأظن أن عائلتك لن تكون قادرة على إجبارك عكس ما قد تظن منى."
سكت عزيز، فأضافت أحلام:
"أيعقل أن تكون مغرمًا بصديقتي؟"
صدم الشاب من سؤالها الجريء، غير أن خروج منى قطع حديثهما.
"لمَ نزعتِ الفستان قبل أن نراكِ به؟"
سألت أحلام.
"لقد كان مناسبًا، وهذا يكفي، يمكننا أخذه والمغادرة الآن."
قال عزيز بعصبية:
"لن نخرج من هنا قبل أن نرى الفستان عليك، لم نأتِ كل هذه المسافة معك لتختاري وحدك."
كانت منى تعلم أن والدها لن يكون قادرًا على تحمل ضغوط إضافية قد تصنعها بعنادها، فقررت أن تؤجل ردها لفرصة أخرى، ورمقته بنظرة تحد غاضبة، بينما عاودت الدخول إلى غرفة التبديل، ولم تستغرق الكثير من الوقت للخروج مجددًا مرتدية فستانها المختار.
"واو، تبدين رائعة."
علقت أحلام بدهشة حالما رأت صديقتها، فنظرت منى إلى عزيز منتظرة رأيه.
"حسنًا، لقد رأيناه، يمكننا أخذه والمغادرة الآن."
قال دون أن يلقي عليها أي نظرة، فعادت غاضبة لتبديل ملابسها والمغادرة.
حان موعد الزواج أخيرًا، فراح عزيز لجلب منى وأحلام من صالة التجميل. كانت السيدة ليلى قد سبقتهما في تجهيز نفسها لتبقى والسيّد أحمد في قاعة الأفراح لاستقبال الضيوف.
هاتفها حين وصل، فخرجت إليه أحلام هي الأولى، وقد طلبت منها صديقتها أن تشغله قليلًا ريثما تنتهي.
ألقت عليه التحية ثم قالت محاولة مماطلته:
"لم ينتهِ حديثنا آخر مرة، ظل سؤالي معلقًا دون إجابة."
أجاب في ارتباك:
"ماذا تريدين أن تعلمي؟ قصة زواجنا مبنية على قرار اتخذ من قبل والدينا ولم يكن لنا أي قرار فيه."
"حسنًا، كما تريد. أردت أن أخبرك أن منى أيضًا، حتى لو لم تعلم، هي الأخرى منجذبة لك، ولم أسمع عنك منها سوى كلمات المدح، رغم تصرفاتها المستفزة معك. هي لا يمنعها عن قبول زواجكما إلا إحساسها بأنها مجبرة عليك ومقيدة لا مخيرة، وهو ما قد يجعلها غير قادرة على تحليل مشاعرها حتى إن شعرت بشيء تجاهك."
صمتت قليلًا مفكرة ثم أضافت:
"والآن، أنت تعلم ما الذي عليك التعامل معه إن أعدت التفكير بشأن إجابتك."
خرجت منى لحسن الحظ قبل أن تنفذ أفكار صديقتها، بينما ظل عزيز مشدوها بجمالها وسحر إطلالتها.
غطى عينيه بكلتا يديه وقال في حركة مسرحية:
"لازلت شابًا لا يمكن أن أكون قد مت."
ثم نظر إلى أحلام مضيفًا:
"أترين الملاك الذي أراه الآن؟"
ضحكت أحلام بينما تورّد خدّا منى خجلًا.
رواية زواج اشتراكي الفصل الخامس 5 - بقلم هيام عمر
كان المكان حين وصولهم ممتلئا بالحضور من الأقارب والأصدقاء وأفراد من الصحافة.
مر الحفل سريعًا، بينما ظلت منى غارقة في أفكارها تختلق ابتسامة واهية كلما التقت عيناها بعيني والديها.
كان الوقت متأخرًا حين انتهى حفل الزفاف، لذلك غادر الجميع إلى بيوتهم.
بينما ظل عزيز يجول بالسيارة مع منى دون هدف حتى وصل بهما الطريق قرب الشاطئ. ركن السيارة وخرج فاتحًا لها الباب:
"لنتمشى قليلا على الشاطئ."
خرجت دون أن تنبس بكلمة وراحا يمشيان في صمت، يحيط بهما الظلام الذي أسدل ستائره على المكان وهدوء تام تقطعه أصوات الأمواج المتلاطمة على الشاطئ.
توقف فجأة مستديرًا إليها وتنحنح قبل أن يقول:
"أردت أن نتحدث خارجًا قبل أن تحول رهبتنا من وجودنا في بيت واحد دون ذلك."
نظرت أخيرًا إلى عينيه في تمعن محترمة رغبته في التواصل وانتظرت أن يكمل:
"أعلم أنك مرغمة على هذا الزواج وأن تظاهرك بالسعادة أمام والدك فقط كي لا تزيدي من قلقه وآلامه. لكن دعنا نبرم اتفاقا بيننا أن يبقى هذا الزواج حبرًا على ورق ولن يكون غير ذلك إلا في حال أن كلينا أراد ذلك. وفي هذه الأثناء لنعتبر أننا رفقاء سكن فقط."
مدت يديها تصافحه وقد انجلى عنها الكثير من قلقها وقالت باسمة:
"رفقاء سكن، اتفقنا."
عادا أخيرًا إلى منزلهما الجديد، فاختار كل منهما غرفة منفصلة ودخلا للاستحمام والنوم.
ظلت منى متوجسة من حالها الجديد رغما عنها ورفضت النوم بدون حجابها رغما عن وجودها وحيدة في الغرفة المغلقة.
استفاق عزيز صباحًا على رائحة المخبوزات الطيبة تقتحم أنفه، فاغتسل سريعا وتوجه نحو المطبخ، حيث كانت منى واقفة تحضر الفطور في هدوء يشبه نسمات الصباح وقد أسدلت شعرها للخلف وربطته بمشبك ذهبي اللون.
وقف متجمدًا يتفحصها إلى أن لاحظت وجوده فاستدار بسرعة نحو الحائط وقال في ارتباك:
"أعتذر، لم أعلم أنك هنا... هكذا."
ضحكت في الخفاء من ردة فعله.
"بت الأمس على قرار ألا أنزع حجابي حتى أثناء النوم."
ضحكت مضيفة:
"لكن حرارة ليلة أمس أقنعتني أنه لا بأس بذلك طالما أننا متزوجان أمام الله."
التفت إليها مجددًا وجلس سريعًا إلى الطاولة منتظرًا الفطور، بينما أخرجت هي الكعكة من الفرن ووضعت القهوة الساخنة على الطاولة ثم قالت جاذبة لها الكرسي للجلوس إلى جانبه:
"بما أننا اتفقنا على أن يكون زواجنا اشتراكيًا، سنقسم الأدوار بيننا سواء داخل أو خارج البيت ولنبدأ بالداخل."
قاطعها ملقيًا بالمنديل على رأسها.
"دعبه هكذا حتى أستطيع التركيز معك، لم أعتد بعد على رؤيتك دون حجاب."
كتمت ضحكتها مضيفة:
"سأعتني اليوم بالمطبخ بينما يكون عليك الاعتناء بباقي المنزل والغد تتبدل الأدوار."
"حسنًا، لكن فلتعلمي أنه لا يبدو لي تقسيمك عادلا على الإطلاق."
"حسنًا، سنرى رأيك في ذلك غدًا حين يكون عليك القيام بأعمال المطبخ."
ثم أضافت متهكمة:
"رغم أنني لا أعتقد أن أعمال المنزل البسيطة ستمثل مشكلة بالنسبة لك."
ونظرت إليه نظرة تحد سرعان ما التقطها ليجيب قابلاً الخوض في الحرب التي رسمتها:
"بالطبع لن تمثل أية مشكلة، في المقابل أتمنى ألا تتعبك بعض الأعمال الخارجية."
"دعنا لا نستبق الأمور."
كان المنزل مرتبًا نظيفًا لذلك لم يكن على الشاب فعل الكثير، غير أنه استمتع بأصناف المأكولات الطيبة التي حضرتها منى لكليهما، لذلك، ورغبة منه لإبراز رغبته الصادقة في التعاون فقد تطوع لإخراج القمامة عوضًا عنها.
حين حل المساء، أعدت منى كوبين من الشاي بالنعناع ونصبت طاولة في الشرفة وضعت عليها الشاي والبسكويت الذي أعدته لها أمها قبل الزواج، ثم نادت عزيز للجلوس معها وتجاذب أطراف الحديث.
ترشفا الشاي للحظات في صمت قبل أن تصرح دون إنذار:
"تبدو الشرفة خالية ميتة، أود أن أزرع فيها بعض الأزهار طيبة الرائحة ونباتات الزينة و... والنعناع."
بدأت الجملة في حماس وأنهتها فاترة كأنما أفاقها الحقيقة التي غيبت عنها للحظات من حلمها. لاحظ ذلك فقال مشجعًا:
"فكرة رائعة، في النهاية حتى وإن لم تدم هذه العلاقة فهي لن تنتهي بهذه السرعة لذا علينا أن نحاول خلق مكان مريح للعيش فيه."
في الغد، استيقظت منى على رائحة القهوة وصوت عزيز يناديها للإفطار.
لبّت ندائه لتجده وقد حضّر بعض البيض المقلي وشرائح الطماطم والخيار، ووضع إلى جانب أكواب القهوة بعض البسكويت.
ابتسمت ملقية عليه تحية الصباح:
"جميل، سأشرب معك القهوة سادة اليوم تشجيعًا لعملك على إعداد فطور صحي."
ابتسم غير ناوي إخبارها أنه لم يفكر إطلاقا بما هو صحي أو لا وأنه فعل كل ما ظن أن في استطاعته طبخه لا أكثر ولا أقل.
تكمش فم الفتاة بعد أول رشفة قهوة شربتها وقالت مجاهدة لبلعها:
"ما هذا العقاب؟"
فرد ضاحكًا وقد حمل مكعب سكر ليضيفه إلى فنجانها:
"لا عليك، لن يغير هذا المكعب الصغير الكثير، لا يمكنك شرب القهوة دون تحليتها ما لم تستمتعي بمرارتها."
أكملا الفطور سريعًا واتصلت منى بوالدها تطمئن على حاله وتطمئنه عليها، بدا لها صوته ثقيلاً متعبًا بينما أكد لها هو أنه بأحسن حال وأن صوته السعيد جعله أحسن، ثم طلب منها التحضير لأول ندوة صحفية تقوم بها هي وعزيز بعد زواجهما على أمل أن يقدماها قبل عودتها إلى الدراسة.
كان لدى الزوجين أسبوع كامل بعد موعد زفافهما للتخفي عن الأنظار حتى لا تطالهما ألسنة الناس والصحافة، لذلك قررا التحضير لهذه الندوة وإنهاء بعض الأعمال المكتبية من المنزل.
دلفا إلى البيانات التي وصلتهما بشأن ما قد وصلت إليه الشركة من تطورات، وراحا يعدان تقريرًا مفصلاً عنها سيحتاجانه في ندوتهم.
مر بهما الوقت سريعًا منغمسين بين الأوراق حتى سمعا صوت أمعائهما الفارغة، فدخل عزيز المطبخ بتشجيع من منى مستعدًا لتحضير الغداء، وطالت المدة التي قضاها في الداخل حتى ظنت الفتاة أن شيئًا قد أصابه.
لحقته إلى المطبخ لتجده غارقًا بين الخضر المنشورة على مائدة المطبخ، حاملاً بين يديه طبقًا أخرجه لتوّه من الفرن قد اختفت ملامحه من شدة احتراقه.
نظر لها في يأس وإرهاق ثم قال مستسلمًا وقد غلبته ضحكته على حاله:
"حسنًا، على الأقل حاولت، لذلك لا تعتبر هذه هزيمة فعليًا."
ثم خلع عنه مئزر المطبخ وأضاف مطمئنًا:
"سأصلح الأمر، لا تقلقي، لنأكل ثم لنعد التفكير في طريقة تقسيم المهام بيننا."
غير ملابسه بسرعة وخرج لطلب الطعام من مطعمه المفضل.
اتصل بها بعد فترة ليست بالطويلة معلمًا إياها أن هناك من سيرافقه إلى المنزل، لتكون على استعداد.
بضع لحظات مرت قبل أن تسمع طرقات خفيفة على الباب معلنة وصوله، فتحت الباب فدخل هو ورجلان كانا يحملان ألواحًا خشبية تحمل نقوشًا زخرفية، سلّمها أكياس الطعام ورافقهما إلى الشرفة أين قاما بتركيب الألواح.
غادر الرجلان فذهبت لتتأمل الجمالية التي أضافتها الألواح على الشرفة، وسرعان ما لحقها عزيز لسماع رأيها.
"تبدو لمسة بسيطة لكنها حقًا أحدثت فرقًا كبيرًا."
"لكن الفرق الأكبر ستلاحظينه حين تعدين لنا مساء كوبي الشاي بالنعناع."
لم تفهم قصده لكنها سارعت إلى المطبخ تفتح أكياس الطعام لإعداد الطاولة.
"لو بقي لك الأمر لأمتنا من الجوع."
"ومن أحضر الأكل إذن إن كنت فاعل؟"
نظرت إليه دون اكتراث ولم تجبه واكتفت بإكمال طعامها في هدوء.
حين حان المساء، طلب عزيز من منى إعداد الشاي والالتحاق به إلى الشرفة أين قبع.
"لم أكن أعلم أنك سريع الإدمان هكذا وإلا ما كنت لأعد الشاي منذ البداية."
ثم أضافت:
"لا تجلس هنا هكذا، انزل القمامة على الأقل بينما أعددت الشاي."
وقف متأففًا وذهب للقيام بمهمته بينما توجهت بدورها إلى المطبخ في رضا بعد أن عكرت هدوءه.
جلست على الشرفة تترشف فنجانها بينما أسدلت شعرها الأسود على كتفيها تداعبه نسمات الهواء المنسابة من بين فتحات الألواح الخشبية.
نظر لها بابتسامة رضا تعلو وجهه وصرح مفسرًا:
"لاحظت اختناقك بالأمس بينما تلفين حجابك بحرص غير قادرة على التمتع بهذه النسمات العليلة، لذلك بحثت عن هذه الألواح لتركيبها حتى تستطيعي الجلوس مرتاحة دون قلق أو اختناق."
"لكن، كيف ستستطيع النباتات التمتع بالشمس هكذا؟"
"لا تقلقي، تسمح هذه الفتحات للشمس كما تسمح للهواء بالمرور. إضافة إلى أن هذه الألواح تفتح وتغلق ببساطة."
شعرت فجأة بإحساس بالنذالة حيث لاحظت الفرق بين تفكيرها واهتمامه وأجابت مبتسمة في امتنان:
"شكرًا حقًا لتفكيرك بما يريحني، أدين لك بمعروف الآن."
"حسنًا، فليكن."
أجاب بتلقائية ثم تذكر مأساته مع المطبخ فأضاف سريعًا:
"أريد أن نقوم بإعادة تقسيم للمهام المنزلية."
"وكيف ذلك؟"
"حسنًا، يمكن أن أقبل بأخذ بقية المنزل دونًا عن المطبخ، ما رأيك؟"
"ألم يكن تقسيمي غير عادل أول يوم حين أخبرتك أن هذا تقسيمنا المبدئي؟"
"فل تعتبري ذلك زلة مبتدأ، علما أنني أبليت حسنًا رغم ما واجهني من تحديات."
قالت في تهكم:
"أجل أبليت حسنًا في إخراج القمامة إن كان هذا قصدك."
غض عزيز نظره عن استفزازاتها وركز على هدفه فقط وهو تخليصه من مهام المطبخ فقال متحايلًا:
"لقد بدأت الأعمال الأخرى في التفاقم ولا أعلم إن كنت حقًا أحسن الاختيار."
فأجابت موافقة خشية أن يغير رأيه.
رواية زواج اشتراكي الفصل السادس 6 - بقلم هيام عمر
انتهى الأسبوع بين تفاهم وشجار، وفي نهايته كان الزوجان يضعان آخر اللمسات على التقرير الذي سيقدمانه في الندوة، والذي انتهى سريعًا بسبب تعاونهما وتشاركهما للعمل.
طلب عزيز من منى غسل ثيابه التي سيحضر بها الندوة، إلا أنها سرعان ما قفزت لتذكيره باختياره القيام بتلك الأعمال دونًا عن أعمال المطبخ. وراحت لتحضر له بعض ثيابها التي تحتاج الغسيل، مضيفة إياها إلى جملة الملابس التي سيغسلها، محاولة استفزازه.
ثم قالت متظاهرة برغبتها في المساعدة:
"يمكنني أن أريك كيف تقوم بذلك، إن أردت ذلك."
أجاب بثقة:
"أتظنين حقًا أنني لا أستطيع تشغيل آلة؟ سأحسب أنني لم أسمع عرضك."
لم تدم تلك الثقة طويلاً، فحالما أنهت آلة الغسيل عملها حتى راح عزيز يحمل ثيابه في سلة الغسيل لنشرها. وما إن همّ بإخراجها حتى شهق ناظرًا إلى ثيابه وقد صبغت جميعها باللون الزهري.
سمعته منى فسارعت الخطى نحوه لتجده فارغًا فاها ينظر بصدمة وجمود إلى ثيابه المصبوغة. أضحكها الموقف الذي وضع به نفسه حتى سقطت على ركبتيها من شدة الضحك، وقالت ساخرة:
"لا أصدق أن هذا حدث معك منذ أول غسلة، أنا مبهورة حقًا، ماذا تركت للتجارب القادمة؟"
نظر لها عزيز بحنق وقد أفاقته ضحكاتها من صدمته وخرج غاضبًا، آسفًا على ما قد أصاب ملابسه.
تبعته منى مخففة عنه:
"حسنًا، لا تكن سريع الغضب هكذا، اختر بدلة أخرى وسأقوم بغسلها من أجلك."
ثم أضافت وهي مبتعدة:
"لكن لا تنس نشر الغسيل، لا تتركه حتى يغف، اللون الزهري سيبدو رائعًا عليك."
قدم يوم الندوة الصحفية، فاستفاق الثنائي باكرًا للاستعداد له كما يستعد الطالب لامتحانه.
أعدت منى الفطور بينما جلس عزيز على طاولة المطبخ يراجع معها بصوت مسموع تفاصيل التقرير الذي سيقدمانه.
أنهيا فطورهما سريعًا وراحا يجهزان نفسيهما للمغادرة. في الطريق، ظلت عينا منى متشبثة بالسماء والخضرة المحيطة بهما، وقالت كأنما تحدث نفسها:
"أخيرًا تنفست بعض الهواء النقي، لقد ذكرتني أيام الأسبوع الماضي وتعاقبها البطيء وقد لازمنا فيها المنزل بأيام الحجر الصحي، وذلك الإحساس الفظيع بالخوف والعجز الذي لم يغادرنا كما لم نغادر نحن المنازل، لا أعادها الله علينا."
وصلا أخيرًا إلى مقر الشركة الجديدة حيث ستقام الندوة، فذهلت الفتاة بالحشد الغفير من الصحفيين الذين كانوا بانتظارهم. واقتربت من عزيز لتهمس له في هلع:
"فلتقم أنت بتقديم العرض، لا أعلم إن كنت أستطيع فعل ذلك، أنا لم أعتد الحديث أمام العامة، وخاصة أمام هذا العدد من الناس."
قال مهدئًا:
"حسنًا، لا تتوتري، إن نسيت شيئًا يمكنني الإكمال عنك، تقريرنا مقسم إلى فقرات نتناوب تقديمها أنا وأنت، لذلك لن يكون ذلك واضحًا."
ثم أضاف مشجعًا:
"لكن أعلم أنك لن تحتاجي مساعدتي، هذه فقط رهبة الجهل وحالما نبدأ تقديمنا ستتلاشى على الفور."
لم تكن في موضع يخوّل لها أن تفكر ما إذا كان تعمد وصفها بالجاهلة أم هي طريقته لوصف عدم الخبرة بالشيء.
مضت الندوة لحسن طالعها على أحسن حال، وراحا للقيام ببعض الصور من أجل حملتهم الإعلانية. كانت واقفة على بعد ذراع منه حينما جذبها نحوه وطوق خصرها بذراعه، ثم همس لها خالقًا على شفتيه ابتسامة منمقة:
"فلتقتربي قليلاً، أعتقد أنك نسيت أننا متزوجان أمام العامة وأننا هنا كثنائي لتمثيل الوجه الإعلاني للشركة."
بادلته ابتسامته المنمقة وهمست في حنق:
"إن لم تبعد يديك عني الآن سوف لن ينسى هذا الجمع جلسة التصوير هذه أبدًا."
تبادلا نظرات التحدي، ووجه كل منهما بظهره نحو الآخر في صمت، بينما ترجمت عيونهما ما بخلت به الكلمات.
حينما أكملا، طلبت منى من عزيز مرافقتها إلى منزل والدها للاطمئنان على حاله.
اتصل به على الفور ليخبره بقدومهما، وذهب ليشتري بعض الحلويات لأخذها معهما قبل اصطحابهما إلى هناك.
سعد أحمد وليلى بقدوم العريسين وأصرا عليهما البقاء لتناول العشاء معًا.
كان وجه السيد أحمد مصفرًا من شدة تعبه، لكنه كان يحاول إنكار ذلك وهو يتنقل من مكان إلى آخر ومن مهمة إلى أخرى، مبديًا احتفاءه وسعادته برؤية ابنته بعد مدة كانت الأطول بينهما.
صرّح فجأة بدون تقديمات:
"حتى خلال سنوات الجامعة لم تبتعد ابنتي عن ناظري والدها أبدًا لمدة طويلة، وبما أننا خصصناك بهذه الميزة والأحقية في سرقتها من بين أعيننا، أتمنى أن تكون قدر تلك المسؤولية يا عزيز."
صمت قليلاً كما لو أنهكت قلبه عباراته الحزينة، ثم واصل:
"أن تكون قدرها ليس اليوم فقط، بل اليوم وغدًا وإلى آخر يوم في عمرك."
قاطع حديثهما صوت منى وهي تنادي والدها في حماس تريد أن تريه مجموعة صور قد اكتشفت وجودها بين أغراضها حين كانت تبحث بينهم عما يمكن أن تحتاجه.
جلست إلى جانب والدها تقلب الصور، بين ضحكة ودمعة لم تفارق مقلتيها، تسترجع ذكريات جميلة رافقتها منذ طفولتها إلى أن أصبحت ما عليه اليوم. إلى أن وصلت إلى صورة لها وهي في الرابعة أو الخامسة من عمرها تمسك يد طفل تكهنت أن عمره يساوي ضعف عمرها في تلك اللحظة:
"لم أر هذه الصورة أبدًا من قبل، من هذا الذي يرافقني يا أبي."
أجاب والدها ضاحكًا:
"ابن الجيران، كنتما تحبان بعضكما حينها، وكان الحب في منظوركما يتلخص في مرافقتك للمدرسة وتقاسم البسكويت الذي تعده أمك."
أضاف عزيز ناظرًا إليها في عطف كاد يذيبها:
"تبدو الصورة قديمة قد عقب عليها الزمن لكن صاحبتها لا تزال تؤمن بذلك المفهوم البريء للحب وتؤمن أن المشاركة أهم ما قد يجمع الشخصين في العلاقة."
ابتسمت منى في وجل، بينما طلبت منهم السيدة ليلى ترك ما بيدهم والجلوس على الطاولة لتناول العشاء.
عاد كل من عزيز ومنى إلى المنزل منهكين من يومهما الطويل وخلدا من فورهما للنوم.
في الصباح، أعدت منى الفطور وأعدت معه حديثًا مهمًا لمناقشته مع رفيق سكنها كما تود التعبير عنه.
أكملا فطورهما ولم يفارقا الطاولة لإكمال النقاش.
"أعجبني حديثك بالأمس عن مفهوم المشاركة وأهمية ذلك، ورغم أنني كنت أريد إطالة الأمر أكثر قليلاً، أود أن أخبرك أن طريقة تقسيمنا لأعمال المنزل بيننا لم تمثل أبدًا ما قصدته بالحياة الاشتراكية. غير أنني فقط أردتك أن تجرب كل أنواع العمل المنزلي حتى تعلم أن ما من عمل أبسط من الآخر وأنهم جميعًا بذات الأهمية والتعقيد."
صمتت قليلاً تجمع كلماتها محاولة تجاهل نظراته الغاضبة.
"المشاركة ببساطة تعني أن نتعاون على كل تلك المهام التي ستصبح أتفه بكثير حين نتقاسمها، يعني أن أطبخ أنا بينما تضع أنت الطاولة، أن أقسّم الغسيل وأغسله بينما تذهب أنت لنشره، وكذلك نفعل مع أي مهمة أخرى لأن مشاركة أبسط التفاصيل هي الطريقة الوحيدة القادرة على خلق بيئة مريحة وتعاونية."
سكتت لكن نظراته الثاقبة لم تغادرها، فأضافت ضاحكة:
"نسيت جزئية أخرى، أن أقتني أنا حاجياتنا بينما تدفع أنت ثمنها."
فقال أخيرًا:
"ألم يخبرك أحد من قبل أنك مستفزة جدًا، كيف طاوعك قلبك على أن تري حالتي بين كل تلك الأطباق والخضر وسط المطبخ دون مساعدتي إن كانت هذه فلسفتك؟ إنك هنا قد أخللت بمبدأ الاشتراكية الذي وضعته بنفسك."
بدا وجهه طفوليًا بريئًا وهو يصرح، لكن، كان عليها مقاومة براءته تلك لدفع التهمة عن نفسها.
"لا لم أفعل، لقد اتفقنا على ذلك التقسيم في البداية، وإن كان الأمر كذلك فقد أخللت به أنت من قبلي، إذ لم أر وجهك في المطبخ إلا وقت الأكل في اليوم الأول، تذكر ذلك أيضًا صحيح؟"
دائمًا ما تنجح في رمي الكرة نحو مرماه.
صرّ شفتاه مغتاظًا بعد أن هزمته في تلك المحاججة أيضًا، ووقف من فوره لجمع المائدة.
اجتمعا مجددًا في غرفة الجلوس، كانت منى تقرأ رواية جديدة اقتنتها منذ مدة ولم تجد الوقت لاكتشافها، حين جلس عزيز في الكرسي المقابل فاتحًا التلفاز لمشاهدة إحدى مباريات كرة القدم.
"أرجو أن لا تمانعي صوت التلفاز." قال عزيز راجيًا في قراراته أن يعيد إليها ولو القليل من استفزازاتها.
"لا بالطبع، سأذهب للمطالعة في غرفتي." أجابت منى بلين لم يعهده منها، وراحت سريعًا نحو السطح تقلب اتجاه طبق استقبال الأقمار الصناعية رأسًا على عقب حتى تحرمه متابعة مباراته كما أفسد عليها انسجامها في عالم روايتها.
"كنت لأخشى العاقبة لو لم تفعلي شيئًا كهذا." همهم عزيز مبتسمًا، ثم فتح المباراة عبر الإنترنت في التلفاز وراح يعلي في الصوت حتى أوصله إلى أقصى درجة.
لم تمر بضع دقائق حتى عادت منى من غرفتها وقد حرمتها الأصوات المزعجة من التركيز في روايتها، وجلست بجانبه مرة أخرى لتتابع معه المباراة.
كانت كلما ركز المصور على إحدى اللاعبين تسأله عن اسمه، جنسيته، مع أي فريق هو؟ حتى إذا ما رأت الحكم سألت بجدية واضحة على تقاسيم وجهها:
"من هذا، ألم يتعب من الركض طول المباراة، لم يرتدي لونًا مختلفًا عن الجميع؟ لم لا يمرر له أحد الكرة؟"
كانت تسأل دون توقف عن كل تفصيلة، هي لم تكن تدعي جهلها إذ كانت لا تفقه من اللعبة شيئًا، غير أنها على عكس ما أبدت لم تكن مهتمة مطلقًا بفهمها بل أرادت تشتيته عنها بأسئلتها وإزعاجه بها حتى أغلق التلفاز مع انتهاء الشوط الأول ليغادر المنزل لمشاهدة بقية المباراة في إحدى المقاهي دون إزعاج.
كانت الأجواء ممطرة، فراحت منى تعد لها قهوة ساخنة، وضعتها على شباك غرفتها وجلست تكمل روايتها في جو هادئ.
انتهت المباراة فعاد عزيز وقد ترك أثر دخوله بقعًا من الطين طبعها بقدمه من عتبة المنزل وصولًا إلى عتبة غرفته، ودخل غير آبه لما حل بالمنزل للاغتسال، غير أنه سريعًا ما خرج على صوت منى الغاضب بعد أن خرجت لترى آثار أقدامه.
"لو كنت طفلاً صغيرًا لربما تغاضيت عن الأمر، لكن طولك سيصل للسقف وسنك... لا أعلم حتى كم من السنوات تكبرني، ما هذا التصرف؟"
"بالنسبة لـ سني إذا كنت متشوقة لمعرفته فيمكنك القول أنني لو كنت قد خلفت لكانت ابنتي في مثل سنك الآن."
"حقًا؟ ومن قال أنها ستكون فتاة، لربما كان فتى ثقيل الظل مثل والده."
"ما رأيك، ماذا نسمي طفلنا الأول إن كان ولدًا؟"
"أفكر في اسم معتز، أول حرف من اسمي ثم أول حرف من اسمك، كما أنه مجتر من اسمك أيضًا، عزيز ومعتز ما رأيك؟"
"واو، هل فكرت في ذلك الآن حقًا؟ أم أنك قد سبق أن فكرت بالأمر؟"
"عزيز، إن لم تنظف مخلفات قدمك هذه فورًا أعدك أن ترى الوجه الآخر لأم معتز."
رواية زواج اشتراكي الفصل السابع 7 - بقلم هيام عمر
في الغد كان الثّنائي مدعوّا للعشاء في بيت السيّد عمر، الذي رحّب بهما أشدّ ترحيب رفقة زوجته السيّدة مريم.
والتي لم تدّخر من جهدها هي الأخرى في اظهار فرحتها بقدومهما.
أعجبت منى بمظهر السيّدة مريم بشعرها الكستنائي المنساب على كتفيها وثيابها الجميلة.
ذلك بجانب ما شهدته لها من أخلاق وطيبة حيث سرّها وجودها بجانبها.
وراحت تحدّثها طويلا عن أجواء النّدوة الصّحفيّة وحال والدها وما ينتظرها من دراسة متراكمة.
متفادية الحديث عن علاقتها بابنها وما يجانبها من مواضيع.
ثمّ راحت تساعدها في اعداد الطّعام.
وحينما بدأت بإعداد الطّاولة وقف عزيز من فوره لمساعدتها في ذلك.
جلس الجميع لتناول العشاء.
فطلب السيّد عمر من ابنه مرافقته الى مكتبه بعد تفرّغه من الأكل ليقوما بمناقشة بعض الأعمال.
أكملت العائلة عشاءها في صمت.
ونهضت منى تلملم الطّاولة بمساعدة عزيز.
نظر الأبوان الى بعضها البعض في ابتسامة خفيّة وهما يريان ابنهما يساعد لأوّل مرّة في الأعمال المنزليّة.
حين فرغوا، أعدّت منى قهوة لكلّ من السيّد عمر وعزيز ليأخذاها معهما.
ثمّ أعدّت أخرى لها ولحماتها حملتها الى غرفة الجلوس أين جلسا يتسامران بينما يحتسيان القهوة.
شكرت منى السيّدة مريم على العشاء وراحت تمدح طبخها.
فأجابتها وقد طبعت على شفتيها ابتسامة ملؤها الدّفء:
" بل أنا من يجب عليه شكرك بنيّتي، لاحظت اليوم كم أنّ عزيز تغيّر للأحسن خلال أيّام قليلة."
خجلت الفتاة وراح الدّم يتجمّع في خدّيها.
بينما تتذكّر أجواء ومسبّبات ذاك التّغيير الذي تلمّح له حماتها.
تأخّر عزيز وهو يراجع الأعمال مع والده.
فرافقت السيّدة مريم منى الى غرفة ابنها مصرّة عليها للخلود الى النّوم وعدم انتظارهم أكثر من ذلك.
جلست الشابّة تتفحّص الغرفة بينما غادرت الأمّ للنّوم هي الأخرى.
كانت الجدران محمّلة بعدّة صور لعزيز مع أصدقائه وأفراد عائلته.
وكانت احداها صورة جماعيّة له مع زملائه في المدرسة.
ظلّت تبحث عنه بين وجوه الأطفال البارزة في الصّورة.
لكنّها توقّفت عند طفل بينهم ظلّت تتفحّص ملامحه للحظات.
ثمّ قالت في صدمة:
" انّه ذات الطّفل الذي كنت ممسكة بيده في الصّورة التي وجدتها في غرفتي."
أطرقت مفكّرة لبرهة.
ثمّ تساءلت في قلق:
" أيعقل أن يكون عزيز هو هذا الطّفل؟"
لم تكن تستطيع كبح نفسها حتّى الصّباح.
لذلك أخذت الصّورة وتوجّهت من فورها الى غرفة السيّدة مريم راجية ألا تكون قد سبق ونامت.
طرقت بضع طرقات خفيفة متوجّسة قبل أن يأتيها صوت الأمّ تأذن لها بالدّخول.
ففتحت الباب وخطت خطوة الى الأمام قبل أن تقول:
" أتمنّى ألّا أكون قد قطعت نومك."
أجابت مريم مطمئنة:
" لا عليك يا ابنتي، لم أنم بعد، أنا معتادة على قراءة ورد من القرآن قبل النّوم اذ لا أستطيع التّفرّغ له بين أعمال المنزل خلال النّهار."
" تقبّل اللّه منك."
أجابت منى في خجل دون أن تضيف شيئا.
فدعتها الأمّ للجلوس بجانبها والافصاح عمّا يجول في خاطرها.
" حقيقة، لقد كنت أشاهد الصّور المعلّقة في غرفة عزيز وقد شدّتني هذه الصّورة."
أجابت مشيرة الى الصّورة التي بيدها.
ثمّ واصلت:
" لكنّني لم أعلم أيّهم هو عزيز، أعتقد أنّ ملامحه تغيّرت كثيرا خلال مراحل نموّه."
ضحكت الأمّ حاملة الصّورة تتمعّنها قبل أن تجيبها:
" أجل، لقد كان يملك ملامح مختلفة كلّ مرحلة من مراحل نموّه، حتّى أنّ عينيه كانت خضراء اللّون حين ولد لكنّها أصبحت عسليّة بمرور الوقت."
نظرت اليها ثمّ أشارت بإصبعها على احدى الأطفال مواصلة الحديث:
" ها هو عزيز، صاحب الملامح الطّفوليّة والبريئة، هو للآن يحمل هذه البراءة بين تقاسيم وجهه."
حرّكت منى رأسها مؤيّدة.
وراحا يتحدّثان لبرهة عن عزيز وطفولته قبل أن تغادر الغرفة مودّعة ايّاها.
" تصبحين على خير"
ردّت الأمّ تحيّتها مقبّلة إياها.
عادت منى الى غرفة زوجها حاملة معها انتصارا وحيرة.
لقد انكشف السّبب الكامن وراء سعي والدها الى تزويجها من عزيز.
فلماذا كذب مرّة أخرى حين أرته تلك الصّورة ليدّعي أنّ الطّفل الذي كان يرافقهما فيها، والذي اتّضح أنّه عزيز، ابن الجيران.
أتكون عائلة السيّد عمر كانت تسكن بجانبهم في الماضي؟
وحتّى ان كان الأمر كذلك، كان من الأسهل والأصحّ أن يخبرها أنّ الطّفل هو عزيز زوجها الحالي.
أحسّت بعبثيّة أفكارها ولم تعرف ما عليها تصديقه.
فأعادت الصّورة الى مكانها وخلدت الى النّوم.
أكمل عزيز العمل مع والده في وقت متأخّر.
فعاد الى غرفته ليجد منى نائمة.
غيّر ملابسه ثمّ اقترب منها جالسا بجانب السّرير يراقبها بينما تغطّ في نومها.
كانت ملامحها بريئة ملؤها السّكون كما لو لم تكن ذات الفتاة التي تحاول دون توقّف، طالما عيناها مفتوحتان، افساد مزاجه.
نامت المسكينة مرتدية حجابها وقد تقدّم حتّى كاد أن يخنقها.
اقترب منها أكثر ليبعد الحجاب عن وجهها حتّى لا تختنق.
غير أنّها فتحت عيناها في ذعر وقد كان وجهه قريبا منها.
ووقفت من فورها فوق السّرير صارخة في صدمة:
" ماذا تفعل؟"
انقضّ على فمها بسرعة يغلقه قبل أن تفزع بصراخها والديه.
وقال هامسا بينما لا تزال يده مطبقة عليها:
" كنت على وشك الاختناق بحجابك لذلك حاولت مساعدتك، لا تجعليني أندم على عدم السّماح لقطعة القماش تلك بأن تكتم على نفسك وتريحني منك."
أبعدت يديه عن شفتيها في غضب ونظرت اليه مضيّقة عيناها في شكّ.
ثمّ قالت منبّهة:
" وماذا تفعل هنا أصلا؟ لا تحلم أن تنام معي في نفس الغرفة، فلتجد لك مكانا لتنام فيه."
" حسنا، سأذهب لأقول لوالديّ أنّ زوجتي لا تريدني معها في ذات الغرفة، ولتتحمّلي حينها أسئلتهم التي لا تنتهي."
أجابت في غضب:
" هذه مشكلتك، ما كان عليك التّأخّر هكذا في العمل، لو لم تفعل لما اضطررنا للنّوم هنا، فلتجد حلّا الآن."
" لا تريدين النّوم في ذات الغرفة، حسنا، لن ننام إذا فلنبقى مستيقظين حتّى الصّباح، نفطر مع العائلة ونغادر لننام في المنزل."
حين اقترح الفكرة، كان عزيز يراهن على عدم قدرتها على مقاومة النّوم وأنّها سريعا ما ستغطّ في نومها لتتركه بذلك يهنأ بنومه هو الآخر.
غير أنّها أجابت في تحدّ وجديّة واضحتان على ملامحها:
" حسنا اذن كما تريد."
خرجت لتغسل وجهها من آثار النّوم ثمّ عادت سريعا لتضيف:
" سأعدّ قهوة لنفسي، تريد كوبا؟"
أدرك حينها أنّه أخطأ التّكهّن.
فقال في استسلام:
" سادة كالعادة."
غابت لعدّة دقائق ثمّ عادت بالقهوة وبعض البسكويت.
" صباحا سأخبر الخالة مريم أنّك من شعر بالجوع ليلا وقضى على كلّ البسكويت في المطبخ."
قرّب اليها الطّاولة الصّغيرة التي كانت مركونة بجانب النّافذة لتضع عليها الصينيّة.
وجلب الكرسيّ ليجلس عليه بينما جلست هي على طرف السّرير.
ترشّفا القهوة في صمت ينظران الى بعضهما البعض في ترقّب.
إلى أن نطق عزيز أخيرا:
" ان أردت ألاّ ننام عليك التحدّث قليلا حتّى ننشغل عن التّعب، والّا فأؤكّد لك أنّ هذا الكرسي خشبيّ القلب لن يثنيني عن النّوم."
" فلنلعب لعبة إذا حتّى لا يقودنا الملل الى النّوم."
"لعبة؟ لم تبدو كلّ أفعالك وأقوالك صبيانيّة؟"
" حسنا دعك من طفولتي المتأخّرة الآن، سأقترح أن نلعب صراحة أم تحدّ بما أنّها لا تتطلّب تنقّلا ولا ضجيجا."
نظر اليها بريبة ثمّ قال في حماس مفاجئ:
" من سيبدأ اذن، أنا أم أنت؟"
" أنا صاحبة الفكرة لذلك أنا من سيبدأ، حقيقة أم تحدّ؟"
" أنا متعب للغاية لن أقوم عن هذا الكرسيّ الّا للنّوم أو الإفطار، لذلك أختار حقيقة."
" متى كانت أوّل مرّة التقيتني فيها؟"
" ان كان هذا ما أردت معرفته من خلال هذه اللّعبة فقد كان عليك فقط أن تسألي دون مراوغة."
" لا تفترض ما لم أقله، لربّما هذا سؤال تمهيدي فقط."
ضحك من اجابتها قبل أن يجيب:
" منذ الطّفولة."
رفع يديه موجّها اليها كلتا كفّيه دلالة على صدقه.
بينما يكمل اجابته:
" لم أكن أخفي الأمر أساسا، أعلم أنّك رأيت الصّورة المعلّقة لي مع زملاء الصفّ الخامس لأنّك لم تحسني ارجاعها الى موضعها الأوّل، ولا بدّ أنّك ربطت بين تلك الصّورة والصورة التي جمعتنا والتي قد وجدتيها مؤخّرا في غرفتك وعلمت أنّني حبّ طفولتك."
ضحك مكملا:
" لكن لم يخبرك أحد بذلك لأنّني لم أرد أن تفكّري بي بشكل خاطئ خاصّة وأنّنا كنّا على أبواب زواج ومجبوران على العيش في بيت واحد وما كنت حينها لتثقي بي أبدا."
بينما يحدّثها تذكّرت منى ما قاله في لقائهما الأوّل عن كونها حبّ طفولته وكلّ ذلك التّصريح العاطفي.
فأسرعت لسؤاله:
" إذا هل يعني ذلك أنّ ما قلته في لقائنا الأوّل على سبيل المزاح كان حقيقيّا؟"
أجاب في محاولة للتّهرّب:
" آسف، يسمح لك بسؤال واحد فقط، أيّتها الخبيرة في الألعاب."
تبسّمت ابتسامة لا تخفي اغتياظها.
وأجابت قبل أن يسأل:
" حقيقة، لأنّ ظاهري كباطني ولا أخشى الحقائق."
ناظرها في تحدّ ثمّ سأل مبتسما:
" ما رأيك بي؟"
ارتبكت عيناها بعد أن كانتا مليئتان ثقة.
وقالت غير قادرة على إخفاء توتّرها:
" عكس ما قد تظنّ لا أحمل شيئا ضدّك، أنت شخص جيّد حقّا عيبك الوحيد هو أنّك دخلت حياتي بالقوّة."
" إذا تقولين أنّك كنت لتقعي في حبّي لو التقت طرقنا بطريقة أخرى؟"
" للأسف القواعد لا تنطبق فقط عليّ، يسمح لك أيضا بسؤال واحد فقط."
أجابت مبتسمة بعد أن استطاعت ردّ استفزازه.
إلّا أنّ صوت هاتفه قطع حديثهما.
قالت منى في استغراب:
" من هذا الذي يتّصل بك في مثل هذا الوقت؟"
" وما شأنك؟"
" لا تنسى أنّك رجل متزوّج الآن أيّها السيّد المحترم."
قالت ذلك خاطفة الهاتف من بين يديه وأجابت سريعا واضعة المكالمة على مكبّر الصّوت.
جاء صوت أمّها الباكي من الجهة الأخرى تخبرهما أنّ والدها قد ساءت حالته وهو في المشفى الآن.
أخبرها عزيز أنّهما سيلتحقان بها على الفور.
وخرجا من فورهما نحو المشفى.
رواية زواج اشتراكي الفصل الثامن 8 - بقلم هيام عمر
كانت منى شديدة التوتر، تعصف بعقلها الأفكار والهواجس، وقد لازمت الصمت عكس عادتها طوال طريقهما.
وصلا ليجدا السيدة ليلى جالسة على أحد المقاعد وحيدة، مستندة بيدها على ركبتيها، تخبئ بكفّيها وجهها الباكي.
توجّهت نحوها منى تعانقها وتخفف عنها، بينما يحتاج قلبها من يطمئنه. وجلسوا معاً في انتظار ما يخبئه القدر للسيد أحمد.
كانت الدقائق تمر ثقيلة على الجميع، إلى أن خرج الطبيب. فوقف كل من عزيز ومنى مسرعين إليه، بينما لم تسعف ركبتي الأم المرتعشة صاحبتها للوقوف.
"لقد عانى المريض من ضيق في التنفس، وضعنا له الأكسجين وقد وصفت له مسكناً قوياً لتهدئة آلامه، والآن هو في حاجة إلى بعض الراحة."
قال الطبيب مجيباً سؤال عزيز الذي سأل مجدداً بإلحاح:
"لا يوجد ما يخيف، أليس كذلك؟ أخبرنا إن كان في مقدورنا القيام بأي شيء من أجله."
"لا أستطيع القول إنّه ما من شيء لتخافوا حدوثه، ذلك أنّ المريض في آخر مراحل المرض كما تعلم، لكن أستطيع القول إنّه الآن في حاجة إلى الراحة الشديدة، إضافة إلى تقيده بنظامه الصحي وابتعده عن كل ما يقلقه. هو في حاجة إلى عائلته أكثر من أي وقت مضى، لذلك لن أقول إن عليه ملازمة المشفى. في المقابل، عليكم توكيل ممرض لرعايته في المنزل في حال احتاج إلى الأكسجين أو إلى المسكنات أو أي رعاية أخرى."
"شكراً لك، سنفعل ما يلزم بإذن الله. أرجو أن ترشح لي ممرضاً يستطيع أن يتفرغ لرعاية والدي طوال اليوم."
غادر عزيز مع الطبيب يكملان نقاشهما، بينما اطمأن قلب منى بعد أن رأت اهتمامه بوالدها وحرصه عليه.
لحظات ووصل إلى المشفى كل من السيد عمر والسيدة مريم، بعد أن أخبرهما عزيز مع بوادر الصباح بحال السيد أحمد.
ألقيا التحية على السيدة ليلى متمنين الشفاء العاجل للمريض. ثم فتحت السيدة مريم حقيبة جلبتها معها، قدمت منها سندويشات حضرتهم لكل من ليلى ومنى، بينما أحضر السيد عمر أكواب قهوة وأصرا عليهما للفطور حتى يستطيعا إكمال يومهما.
عاد عزيز بعد برهة ليجد والده غاضباً عليه ووجه إليه حديثه معاتباً:
"لمَ لم توقظني حالما سمعت بحالة صديقي؟ أيعقل ألا أكون موجوداً في أكثر الفترات التي احتاجني فيها؟"
ثم أضاف ملطفاً:
"أم تعتقد أنك أصبحت أحق بشرف رعايته مني بعد أن زوجناك ابنته."
ابتسمت الأم أخيراً، ابتسامة لم تصل عينيها الحزينتين، وقالت مجيبة:
"بارك الله فيه، لم يتركني وحيدة هنا، ولم يكن هناك أي داع لإيقاظكم في مثل ذلك الوقت، في النهاية أنتم هنا الآن."
عاد الجميع أخيراً إلى بيت السيد أحمد، حيث رافقهم الممرض الذي اتفق معه عزيز لرعايته. انطلقت ليلى إلى المطبخ تعد الطعام لضيوفها، بينما لحقتها مريم لمساعدتها وتخفيف قلقها. بضع لحظات ولحقت بهما منى لتمد يد العون هي الأخرى، غير أن السيدة مريم طردتها طالبة منها المكث صحبة والدها لبعض الوقت قبل أن تغادر مع عزيز لمنزلهما لتنال بعض الراحة.
"لكنني لا أستطيع ترك والدتي وحيدة وسط كل هذا."
أجابت الشابة لترد عليها الخالة في عطف:
"أنا هنا، لا تقلقي، والدتك رفيقتي وجزء من عائلتي الآن، لذلك لن أتركها بمفردها."
قالت ماسحة بحنان على كتفها، ثم أضافت:
"أما أنت فعليك التحضير لامتحاناتك النهائية، أم نسيت أنه يفصلك عنها أقل من الشهر؟"
عانقتها منى ماسحة عبرة متمردة عن خدها، وقد شعرت لأول مرة أن لديها عائلة كبيرة تهتم لأمرها، ثم غادرت للاطمئنان على والدها.
جلست إلى جانبه تحدثه تارة، وتارة تقبل يديه بقلق، إلى أن عاد إليه الممرض لإعطائه مسكناً حتى يستطيع نيل القليل من الراحة، فودعته وغادرت مع عزيز إلى منزلهما.
كانت منى جالسة أمام الطاولة، التي وزعت عليها أوراقها ودفاترها، في غرفتها هائمة في أفكارها ومخاوفها، حين أفاقها طرقات عزيز المصرة على باب غرفتها.
"ما بك؟ ألا ترى أن الباب مفتوح؟"
"وهل تسمح لي هذه الحقيقة بالدخول دون استئذان؟"
"أنت على حق، أعتذر، تفضل بالدخول."
دخل إلى الغرفة جاذباً كرسياً آخر ليجلس قربها، ونظر طويلاً إلى أوراقها المبعثرة، ثم قال مازحاً:
"يبدو أنك ذاكرت كل المواد دفعة واحدة."
نظرت إليه مضيقة عينيها بانزعاج، فأضاف باسماً:
"لا تقلقي، أتى منقذك، سأقوم بمساعدتك على فهم دروسك، وسأكتفي بالمطالبة فقط بمقابل بسيط."
ضحكت مستفسرة:
"وما هو هذا المقابل؟"
ثم أضافت قبل أن تسمع جوابه:
"ستندم على اختيارك للبساطة مقابلاً لعملك الشاق الذي قد تطوعت للتو لتأديته حالما تكتشف كم أنني لا أفقه شيئاً مما أنا بصدد دراسته. أقول لك حتى تكون على دراية بما ينتظرك، أنا لم أقل مما أنا بصدد مراجعته بل قلت دراسته، لتفهم قصدي جيداً."
أجاب ضاحكاً على تعبيرها:
"سأطمع في طلب شيئين إذن بما أن المهمة صعبة، فل تكن الأولى قهوة لنحتسيها أثناء المراجعة."
قاطعته معلّقة:
"أثناء الدراسة."
فأكمل غير آبه لتعليقها:
"ول تكن الثانية كوب شاي لجلسة المساء."
فردت هامّة من فورها بالوقوف لإنجاز المهمة:
"فليكن إذا، اتفقنا."
مشت بضع خطوات نحو الباب، ثم التفتت إليه لتضيف قبل المغادرة:
"أثناء إعدادي القهوة، فلتقم بمراجعة المحاور التي قمنا بدراستها حتى تعلم على الأقل ما ستفسره، وحتى لا تسألني عن ذلك بعد عودتي، لأنني حقيقة لا أعلم."
غادرت منى، بينما أمسك عزيز برأسه مدركاً أنه ورط نفسه بنفسه.
جلسا طويلاً إلى الطاولة يراجعان مادة رئيسية اختارها عزيز حتى يتخلص منها هي الأولى وينتقل للمادة التي تليها، غير أن أهدافه كانت خيالية، إذ لم يكملا تلخيص وفهم تلك المادة حتى قبل حلول المساء.
غادرا الغرفة أخيراً لتناول العشاء، قبل أن تعد منى مهمتها الثانية ويجلسا معاً لترشف الشاي والاستمتاع بنسمات الهواء على الشرفة.
"جهزت نفسي للأسوأ، لكنك فقت توقعاتي، أنت لا تعلمين حتى عما يتحدث المنهج الذي تدرسينه. عندما عملنا معاً فترة تربصك، ظننت أنك الطالبة النجيبة، لكنك حطمت تلك الفكرة اليوم، أو صححتها، أياً يكن."
"حسناً، لا تبدأ في ذمي الآن. ثم ما ذنبي إن ظن دكاترة الجامعة أن تلاوتهم العطرة للمنهج ستجعلنا نفهمه، كما لو أن صوتهم السحري هو ما سيحدث الفرق. ثم لا تستخف بذكائي أبداً، هذا الجهل ما قبل المعرفة كما سبق وصرحت ذاك اليوم، وحالما ألخص تلك الدروس وأفهمها سترى بعينك ما يمكن لتلك الطالبة التي تصفها بغير النجيبة أن تفعل."
رواية زواج اشتراكي الفصل التاسع 9 - بقلم هيام عمر
في الغد، غادر عزيز للعمل بينما اتّصلت منى بصديقتها أحلام لتطلب منها القدوم للدّراسة معا.
أتت أحلام بعدما أتمّت صديقتها ترتيب المنزل فأعدّا قهوة وجلسا للطّاولة وقد نشرا عليها أوراقهم كالعادة بينما فعلا كلّ شيء ما عدا الدّراسة.
جلست الفتاتان تترشّفان القهوة وتتحدّثان عن حياتهما وما تواجهان من مصاعب الى أن انتقل الحديث رويدا رويدا الى زواج منى وتحدّياته وصولا الى عزيز.
" انّه شخص رائع حقّا، نتفاهم جيّدا رغم شجارنا المتكرّر، كما أنّه دائما ما يهتمّ الى أبسط تفاصيلي ويبحث عن راحتي، لكن..."
" لكن ماذا؟ لم تحاولين إخفاء مشاعرك؟"
أجابت منى بغيظ:
" لكنّه ليس اختياري، نحن فقط عالقان معا في هذا الزّواج الاجباري والذي أصلا يصبّ في مصلحتي دونا عن مصلحته."
" لا تكذبي على نفسك، من يضحّي بنفسه ومستقبله من أجل شخص آخر دون مقابل؟ ان كان لوالدك سبب فلعزيز أيضا سببه في هذا الزّواج."
كانت أحلام بقولها تحاول الإشارة الى صديقتها، كما هو ظاهر، أنّ عزيز لا بدّ أن يكون مغرما بها ليقبل بهذه الزّيجة غير أنّ صديقتها قالت بغضب غير مفهوم:
" أتقصدين أنّ عزيز يستغلّني من أجل مصالحه الشخصية؟ لم تقولين شيئا كهذا؟ انّه ليس بالشّخص السيّء."
ضربت أحلام رأسها بكفّ يدها مجيبة صديقتها:
" ان كان فهمك هكذا في الدّروس أيضا فلن نصل الى أيّ شيء من مراجعتنا هذه."
كانتا لا تزالان تتحدّثان حينما عاد عزيز الى المنزل.
استقبلته منى في الباب بابتسامة ثمّ قالت:
" أعجبني درس الأمس ولذلك فقد وصّيت بك لرفيقتي، والآن بات لديك طالبتان عوضا عن واحدة."
نظر اليها الشاب في صدمة بينما سألت هي بجديّة:
" ماذا؟ ألن تشكرني؟"
خرجت أحلام في تلك الأثناء من الغرفة ملقية عليه التّحية.
مرّت الأيّام سريعا بين التّحضير للامتحانات وقضاء بعض الوقت مع والدها للاطمئنان عليه.
كان الزّوجان جالسان على الشّرفة يترشّفان كوبي الشّاي المعتادين في اللّيلة التي سبقت أولى امتحاناتها، حين صرّحت منى بنبرة مكسورة:
" أتمنّى أن أحسن الحلّ في امتحاناتي لعلّ نتيجتي تزيح عن أبي ولو القليل من آلامه."
ربّت عزيز على كتفيها مطمئنا:
" ستفعلين، لا تقلقي، أنت ذكيّة وتحتاجين فقط للثّقة بنفسك."
نظرت الى عينيه العسليّتين طويلا مبتسمة في امتنان، بينما أضاف هو مازحا:
" لا تجرئين على الخطأ أصلا، لأنّني لن أغفر لك هدرك أيّام المعاناة في تدريسك دون نتيجة ترضيك."
صباحا، أوصلها الى الجامعة ثمّ توجّه الى عمله.
كان عزيز لا يزال في الطّريق حين أتاه اتّصال من والده يخبره أنّ حال السيّد أحمد قد تدهور وهو في المشفى الآن.
غيّر عزيز وجهته سريعا ليقابل كلّ من والديه والسيّدة ليلى في قاعة الانتظار، سأل سريعا عن حاله فلم يجد جوابا غير انفجار تلك المرأة الصّامدة ليلى بالبكاء.
لم يعرف الشّاب بم عليه التّفكير، أيقلق على المريض الذي يواجه شبح الموت أم يقلق بشأن ابنته التي تمرّ بأهمّ فترات حياتها آملة أن تدخل السّعادة على قلب والدها المريض ختاما لعملها الشّاق.
انتظر لمدّة مع العائلة ثمّ عاد الى الجامعة لأخذها بعد انتهاء فترة الامتحان.
" أستطيع العودة بمفردي لم عدت من أجلي؟"
قالت الفتاة باسمة بينما تلج السيّارة ثمّ أضافت:
" أم أنت متشوّق لمعرفة أدائي في اليوم الأوّل؟"
فسألها:
" كيف كان امتحانك اليوم؟"
" كان رائعا، لم أتخيّل أن يمرّ هكذا، أنا سعيدة للغاية."
أجابت الفتاة بينما تلألأت عيناها سعادة فصمت عزيز غير ناو على تعكير تلك اللّحظة من الغبطة.
لكنّها سرعان ما لاحظت اختلاف وجهتهما عن المنزل فاستفسرت عن المكان الذي يقصدانه ليجيب باقتضاب:
" سنزور والدك في المشفى."
خفق قلب الفتاة بقوّة خوفا على أبيها وسألت بإصرار:
" ما به أبي؟ لم عاد الى المشفى؟ ألم يقل الطّبيب أنّ حالته لا تتطلّب البقاء هناك."
هزّ كتفه دون جواب مدّعيا الجهل خوفا على قلبها ممّا ينتظره.
في المشفى، كانت رائحة المعقمات تملأ الأجواء، لكنّ منى للمرّة الأولى لم تنزعج من تلك الرّوائح حيث كانت كلّ حواسّها مشغولة بالتّفكير بحال والدها وخوفها من أن تهزم هواجسها أملها.
في تلك اللحظة، قررت منى أنها لن تسمح للخوف أن يتسلل إلى قلبها، ستعيش كل لحظة متبقّية معه، وستجعله يسعد ويبتسم، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الألم الذي تتهرّب منه والاستعداد للوداع.
لقد وعدت نفسها أن تكون قوية، ليس فقط من أجلها بل من أجل والدها أيضا.
عندما دخلت الغرفة، لم تستطع أن تحدد ما إذا كانت الابتسامة أم هو الفزع من استقبلاها من وجه والدها الشاحب، خافت وهي ترى التعب واضحاً عليه.
جلست بجانبه، ممسكة بيده التي أصبحت هزيلة على نحو ملحوظ، وشعرت بالحرارة السّارية في عروقه تربّت على قلبها.
قبّلت يداه ثمّ قالت بصوت حاولت ألّا يظهر ما يعتصر قلبها من حزن:
" سلامتك حبيبي، جعلتنا نقلق عليك، وانظر ما شاء اللّه أنت بصحّة جيّدة."
ابتسم والدها ابتسامة واهية مدركا أنّها تحاول مواساته ثمّ سألها بقلق:
" ماذا فعلت اليوم؟ كيف كان امتحانك؟"
قلقه عليها وهو في تلك الحالة زاد من ألمها وأحسّت بخنقة في حلقها لم تستطع بعدها كبح دموعها.
وقفت من فورها موجّهة اليه بظهرها تتظاهر بسكب كأس من الماء بجانبه لتشربه بينما تريح عينيها من مكبوتاتها، لكنّها سرعان ما أدارت وجهها تجاهه مجددًا، مجيبة في حماسها المعتاد كلّما حدّثته عن إنجازاتها:
" لقد كان رائعا، رغم أنّ الأسئلة لم تكن سهلة لكنّني كنت قد راجعتها بمساعدة عزيز في اللّيلة السّابقة وقد تذكّرت كلّ الإجابات في الامتحان."
ارتسمت على ملامح والدها ابتسامة فخر وقال بصوت متعب:
" هذه هي ابنتي الذكيّة، أنا دائما فخور بك يا منى وسأظلّ كذلك على الدّوام."
ثمّ مدّ يده ليجلب ورقة كانت مخبّئة بجانبه، مدّها اليها ثمّ أضاف بصوت تملّكه الحزن:
" لا أعلم كم من الوقت سأصبر، حكم الله آت في ميعاده، لذلك أودّ أن أترك لك وصيّة تسمعين من خلالها صوت والدك النّاصح حين لا يكون موجودا."
ترقرقت دمعة على خدّيه فمسحها متظاهرا بالصّلابة وأكمل:
" هذه الورقة خبّئيها لتقرئيها بعد رحيلي، لكن الآن أودّ أن أوصيك بأشياء أخرى."
قاطعته منى باكية:
" لا تقل هكذا يا أبي، ستتعافى ان شاء الله و..."
قاطعها هو هذه المرّة في إصرار:
" الأمل في الله جميل يا ابنتي، لكن ليس الاعتراض على حكمه، لذلك اسمعيني حتّى لا تندمي على مقاطعتي بعدها.
أوصيك يا جميلتي ألّا تحزني لفراقي، انّا للّه وانّا جميعا اليه راجعون، سأكون سعيدا حيث أذهب برؤيتي لك وأنت تواصلين حياتك بسعادة وتواصلين تألّقك ونجاحك فأنا طمّاع أريد لابنتي أن تكون الأفضل والأسعد."
كان صوته متعبا يقطعه ارتجافه فحمل كأس الماء يبلّ به ريقه ثمّ واصل:
" يمكنك فعل ما تريدين بزواجك بعد التّخرج أنا أثق بصواب اختيارك، أريدك فقط أن تسمعي لقلبك عندما تقرّري ذلك فلربّما لا يزال متعلّقا بحبّ طفولته."
كانت تريد أن تسأله عن تلك المسألة وسبب اخفائه لها، لكنّها كانت تفضّل، بدلا عن ذلك، سماع كلّ ما يريد هو أن يخبرها به قبل أن يحول الفراق بينها وبين صوته.
أكمل الأب معدّدا وصاياه على ابنته وكذا فعل مع كلّ من زوجته ليلى وصديقه وزوج ابنته.
مرّت أيّام الامتحانات صعبة، طويلة على منى تذاكر ليلا وتمتحن صباحا بينما تقضّي غالب يومها رفقة والدها في المشفى، لم يكن أحد يستطيع أن يمنعها حتّى والدها الذي كان يخاف عليها من تحسّرها على ذلك الوقت رفقته.
حان موعد تخرّجها فسعدت الفتاة بعد مدّة وأصرّ والدها رغم حالته على مرافقتها.
جلس كلّ من والدها ووالدتها وعزيز في الصفوف الأولى، كانت والدتها تمسح عبرات الفخر عن خدّيها بمنديلها الأبيض بينما حاول والدها جاهدًا أن يخفي ألم جسده بابتسامةٍ عريضة تضيء وجهه المتعب.
حين نادوا اسمها، نهض أحمد واقفًا رغم تحذيرات الأطباء عدم إجهاده لنفسه، وصفّق بكلّ ما تبقّى له من قوّة.
التفتت إليه منى من على المنصّة، عيناها تسبحان بالدموع، وأومأت له بابتسامةٍ خجولةٍ ممتنّة.
حملت شهادتها وعادت إليهم فاستقبلها عزيز بباقة من زهور التّوليب المفضّلة لديها وقال مهنّئا:
" هنيئا لك زوجتي المصونة، أنا فخور بك."
قدّم لها الباقة ثمّ ربّت على رأسها بشيء من الحنّية بينما عيني والدها ترافقهما باطمئنان.
غمر بيت أحمد ذلك اليوم بالسّعادة وأصوات الضّحك والزّغاريد وتجمّعت العائلة الكبيرة لتناول العشاء معا احتفالا بتخرّج عزيزتهم منى.
الّا أنّ القدر كان يخفي في ذلك التّجمّع وداعا قريبا.
رواية زواج اشتراكي الفصل العاشر 10 - بقلم هيام عمر
في تلك الليلة، غفا أحمد أخيرًا، مسالمًا، ساكنًا، ووجهه ما زال يحمل ابتسامةً صغيرة تحمل شعورًا غامرًا بالاطمئنان على وحيدته، تاركًا وراءه أحبّاءه يعانون ألم الفقد.
وشيّع جثمانه في جنازة مهيبة حضرها كلّ من عرفه يومًا واستشعر طيبة قلبه ومكارم أخلاقه. وامتلأ البيت بالمعزّين، وأصوات التلاوة تختلط بأنينٍ مكتومٍ في صدور النساء.
جلست منى إلى جانب أمّها، صامتةً كتمثالٍ، تأبى عينيها البكاء كما تأبى هي التّسليم بحقيقة رحيله.
حالما غادر الجمع، دخلت إلى غرفته تتحسّس أثره، ثمّ حملت صورته تعانقها وتقبّلها وجلست على الأرض ساندة ظهرها على الحائط سامحة أخيرًا لجيش عبراتها بالنّزول.
كانت هائمة بين أحزانها حينما اقترب منها عزيز بهدوء، جلس إلى جانبها في صمت يشاركها حزنها واكتفى بأن يمدّ يده ويمسك بيدها المرتجفة.
للمرّة الأولى لم تسحب منى يدها، بل رفعت رأسها نحوه، عيناها غارقتان بالدموع، وقالت دون وعي بصوتٍ خافتٍ متعب:
"رحل من كان سندي... لا تتركني أنت أيضًا."
ضمّها إليه بقوّة، متمنّيًا لو استطاع أن ينتزع من صدرها كلّ ذلك الألم الذي ينهكها ويحمله عنها، وبقيا على ذلك الحال إلى أن هدأت أنفاسها وغفت من تعب قلبها على كتفه.
مرّت ستّة أشهر منذ رحيل أحمد، ستّة أشهر من الصمت الطويل وابتسامات المجاملة والليالي التي يملؤها صدى الغياب.
كانت منى تجلس على الشرفة في مساءٍ شتويّ هادئ، كوب الشاي بين يديها يبرد بينما تجول هي بين أسوار ذاكرتها تسترجع اللّحظات الجميلة التي جمعتها بوالدها.
كوب الشاي الثاني قد برد هو الآخر بينما كان عزيز يسقي أصص الزهور في الشّرفة، تلك التي ازدهرت على نحوٍ غريب منذ وفاته، وكأنّها تنبت من رحم الرّحمة لتضيف بعض الحياة لحياتهما.
مدّت يدها نحو الدرج الصغير الذي تخبئ فيه وصيّة أبيها، الورقة التي لم تجرؤ على فتحها منذ تلك الليلة.
أخرجتها بهدوء، فتحتها، وتنهدت في ألم بينما تستمع إلى صوت والدها بعد مدّة من الفقد:
"ابنتي الجميلة، والدك سعيد لرؤية سعادتك، فخور دائمًا بابنته المدلّلة.
بما أنّك تقرئين وصيّتي فأنا الآن قد غادرتك قالبًا لا قلبًا.
لا تخشي الفقد يا حبيبة والدك، فاللّه لا ينزل بنا من مصيبة إلّا وينزل معها رحمة منه ليلهمنا الصّبر وقوّة التّحمّل.
كنت أعلم أنّك ستأتين يومًا إلى هذه الورقة حين يصبح قلبك قادرًا أخيرًا على الإصغاء.
ما تعلّمته من العمر أن قلوبنا لا تُشفى بالزمن، بقدر ما تُشفى بالدفء الذي يبعثه حضور من يفهمنا دون سؤال ومن يكون ضمادة لجروح الزّمن.
ولربّما مرّ بحياتك شخص كهذا يشبهك في صبرك وعنادك، يربكك أحيانًا، ويصالحك بالعناية لا بالكلمات، فلا تهملي تلك التفاصيل الصغيرة في محاولة للتشبّث بأفكار ربّما لا تحسنين تفسيرها.
تعلمي، منى، أن لا شيء يُعاش أو يُقاس بالعقل فقط، فالحياة الاشتراكية لا تعني المساواة بالقسمة فحسب، بل المشاركة في اللحظات الصغيرة، في العناية، في الاهتمام، في وجودك مع من يحبك بلا شروط.
فمن خلال هذه المشاركة يولد الدفء الحقيقي، ومن خلالها نفهم معنى التواصل والوجود المشترك، معنى أن نكون موجودين ليس فقط لأنفسنا، بل للآخرين الذين يستحقون وجودنا.
أخاف يا ابنتي أن تُغلقي قلبك خشية الألم، وأن تختصري نفسك في عقلٍ يحسب كلّ شيء دون أن يتمتّع بتجربة أيّ شيء.
أنا هنا لا أوصيكِ بالحبّ، فالحبّ لا يُوصَى به، بل بالحياة، لأنّها وحدها تعرف كيف تختار لكِ توقيت الشعور المناسب.
واعلمي يا حبيبة قلبي أنّني دائمًا أرافقك بدعواتي وحبّي الذي لا يفنى مع فناء روحي."
ابتسمت بينما تقرأ كلماته الأخيرة وألقت نظرة على عزيز الذي كان يسقي الزّرع كما لطالما سقى قلبها طمأنينة منذ تلك اللّيلة.
خرج الزّوجان معًا صباحًا إلى العمل، وجلسا في المكتب الذي لازالا يتشاركانه وهمّا في العمل بين الملفّات والتّوجيهات.
كانت عيني منى تسترق لحظات من العمل لتتأمّل عزيز شعره الكستنائي الذي ورث كثافته عن أمّه ولحيته الخفيفة التي تزيده جمالًا وتلك العينين العسليّتين اللّتان شدّتاها منذ أوّل لقاء.
نظر إليها باستغراب فانتبهت أنّها كانت تتفحّصه بابتسامة تعلو ثغرها فاعتذرت ملقية برأسها من جديد بين الملفّات.
لحظات ودخلت مساعدة عزيز لتمدّه ببعض الأوراق التي طلبها، كانا يتناقشان في العمل بينما عيني منى ترافقانهما وقلبها لا يطيق قربها منه وسرعان ما تدخّلت لتتطوّع لإكمال المناقشة بدلاً عنه.
رنّ هاتفه في تلك الأثناء فترك لها المجال لإكمال المهمّة عنه وغادر ليجيب صديقه ياسين.
"أهلاً، كيف حالك؟"
سأل ياسين فأجابه عزيز مرحّبًا:
"أهلاً بك، الحمد لله، ماذا عنك؟ مرّت مدّة منذ آخر مرّة تقابلنا."
"لذلك أتّصل بك، أريد أن أدعوك ومنى لتناول العشاء معنا، أنا وسلمى سنكون سعيدين بقدومكما."
أنهى عزيز حديثه مع صديقه مبدئًا شوقه للقائهما ووعده الحرص على تلبية دعوته.
في المساء كان عزيز جاهزًا ينتظر منى تجهيز نفسها ليغادرا معًا نحو منزل صديقه، لحظات وخرجت حاملة بيدها طوق الفراشة الذي أهدته لها أمّه طالبة منه مساعدتها على ارتدائه.
اقترب منها بحذر حاملاً عنها الطّوق يطوّق به رقبتها محاولًا عدم إفساد لفّة حجابها.
قربها منه وصوت أنفاسه القريبة منها جعل قلبها يعزف ألحانًا لم تألفها.
وضع العقد ثمّ ابتعد عنها بضع خطوات وقال متغزّلاً:
"تبدين جميلة لدرجة أخاف الخروج معك حتّى لا يحسدونني عليك."
غير أنّها صرّحت متهرّبة من عينيه في طريقها للخروج:
"حسنًا إذن، سأخرج من دونك."
لحقها بسرعة فاتحًا لها باب السيّارة وقال بعد أن ولج إليها بدوره:
"في كلّ مرّة أحاول تحسين مزاجك بمجاملاتي تنجحين في إفشالي بردودك الغبيّة."
ضحكت منى في الخفاء من تعبيره ثمّ أجابت معاندة:
"سأردّ جميلك إذن، يعزّز اللّون البنّي إبراز عينيك العسليّتين ويضيف جمالًا وشيئًا من الدفء على طلّتك."
"واو، لقد لامسني وصفك حقًّا، لكن، لا تبدو لي هذه مجاملة على الإطلاق، فوصفك الدّقيق يعني اهتمامًا أعمق بكثير من مجرّد محاولة لتحسين رضائي عن نفسي."
سكتت منى خجلة تلوم نفسها على ردّها الغبيّ.
حين وصلا، استقبلهما كلّ من ياسين وسلمى بحفاوة وجلسوا جميعًا يتسامرون أطراف الحديث.
غابت سلمى لمدّة طويلة في المطبخ فلحقتها منى لترى إن كان هناك ما يمكن لها أن تساعدها به.
حين دخلت، كان التّعب باديا على رفيقتها وهي تنتقل بين تقطيع الخضر وتحريك الطّعام على النّار ومراقبة كعكة التّفاح التي أدخلتها لتوّها في الفرن، فقالت متأسّفة:
"أعتذر لأنّني أتيت متأخّرة، بماذا يمكنني مساعدتك؟"
أجابت سلمى بابتسامتها الخجولة على وجهها:
"لا تقولي ذلك فأنت ضيفتي، ثمّ إنّي كنت أودّ لو كان باستطاعتي أن أقول أنّه ما من داع لمساعدتي، لكن، كما ترين أنا غارقة هنا وحدي منذ ساعات."
ثمّ ناولتها ميدعة المطبخ حتّى لا تتّسخ ثيابها وكلّفتها بتقطيع ما بقي من الخضر للسّلطة.
أكملا معًا بسرعة بين عمل وأحاديث تتخلّلها الضّحكات ثمّ خرجا يعدّان الطّاولة.
أكمل الأصدقاء تناول العشاء وقد استغلّت منى الفرصة لتمدح طبخ سلمى وذوقها في نظام المنزل فقال عزيز مؤكّدًا:
"لقد كان الطّعام لذيذًا جدًّا حقًّا، شكرًا لك، لقد اعتدت أن أعمل متذوّقًا الفترة الأخيرة بعد الزّواج لذلك اعتبري مدحي هذا مدح مختصّ."
ضحك الجميع بينما أضاف عزيز:
"لقد عملتنّ ما عليكنّ، يمكنكنّ الانتظار الآن في غرفة الجلوس، إلى أن أقوم أنا وياسين بجمع الطّاولة وإعداد القهوة."
هزّ ياسين رأسه نحو صديقه في صدمة ثمّ انصاع لقوله آخذًا بعض الأطباق نحو المطبخ أين قبع منتظرًا قدومه.
"ما بك؟ لقد ورّطتنا في أعمال المطبخ الآن، لقد خرّب الزّواج عقلك حقًّا رغم أنّك لا تزال في بداية الطّريق."
ضحك عزيز على تعليق صديقه ثمّ قال موضّحًا:
"بل أصلحني الزّواج في عدّة مواضع، لقد أدركت مؤخّرًا أنّ أبسط مفهوم للزّواج هو أنّه شراكة بين شخصين يتشاركان الحياة بمهامّها وأفراحها وأحزانها. وهذه الحقيقة لا تنقص من رجولة الرّجل شيئًا بل تكمّلها."
كان عزيز قد لاحظ اختلال ميزان العلاقة بين ياسين وزوجته وأراد بذلك نصح صديقه وأن يكشف له ما يميّز الزّواج الاشتراكي الذي يعتبر نوعًا ما مفهومًا جديدًا حتّى عليه هو.
لاحظت منى ما كان عزيز يرمي إليه فشكرت صنيعه في نفسها وأخذت تمدح القهوة التي أعدّاها لتشعرهما بطعم الإنجاز، وأكمل الأصدقاء سهرتهم في أجواء طيّبة بين المزاح واسترجاع الذّكريات.