تحميل رواية «زواج السوشيال ميديا» PDF
بقلم سهام احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قديم الزمان كان العريس لا يرى عروسه سوى ليلة زفافهما، وإن رآها قبل ذلك تكون مرة واحدة كفيلة من أن يقبل بالزواج بها أو يرفض. كانت القيم والمبادئ لا تتحول ولا تتحرف، العادات والتقاليد بمثابة القوانين التي لا يجرؤ على مخالفتها أحد وتطبق على الجميع دون استثناء، وذلك قبل أن يتطور الزمن وتتبدل الأجيال. في زمن كثرت فيه الفتن وتبدلت المبادئ وأصبحت سلع تباع وتشترى وكل منها لديها ثمنها الخاص، أصبحت الضمائر مخدرة والعقول مغيبة والقلوب كصخرة متحجرة. أصبح الاستغلال هو السلعة الأكثر مبيعًا وشهرة على الإطلا...
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام احمد
انعزال الشخص عن الجميع يعني الضعف المفرط، وتجمعه معهم يعني أقصى درجات القوة.
الانعزال ضعف والتجمع قوة، فدائماً ما تصدر روح القوة من الجماعة، أما الشخص المنعزل فيكن هشاً ضعيفاً سهل الإنكسار.
هذا ما فعله آثر بسهيلة، عزلها عن الجميع وجعلها وحيدة؛ حتى يسهل عليه كسرها واستغلالها كيفما يشاء.
أصبحت ترى الجميع شياطين وهو الملاك الوحيد الذي يقف جانبها، أصبح الملجأ الوحيد بالنسبة إليها.
خرج الشيخ سعيد برفقة وائل زوج اختها، ثم عاد وائل للتحدث مع سهيلة واقناعها بترك آثر.
"سهيلة انتِ اكبر من ذلك، هذا الشخص لا يستحق ماتفعلينه لأجله."
نظرت إليه سهيلة بتلك الاعين الحمراء من شدة البكاء تشبه حبات الكرز، وقالت بهدوء:
"أأنت من تقول هذا يا وائل؟!، ماذا فعلت انت لتدافع عن حبكِ لامل، لم لا يتفهمني أحد، جميعكم اخترتم ما تريدون عيشه، لم تجبروني على الاختيار؟!"
"حسنا انا اعلم كل ما تقولين، لكن ليس بهذه الطريقة، هناك الكثير يتمنى أن تكوني زوجته، وانتِ فتاة يتمنى أي رجل أن يحصل عليها، لم تضعين نفسك بهذه المكانة التي لا تناسبكِ مطلقاً؟ هيا تخلصي من هذا المرض الذي أذى الجميع قبل اذيتك، اتركي آثر ودعيه يذهب بعيدا عنكِ."
دخلت والدتها اثناء حديثهم وقالت بحزن:
"وهل هذه هي سهيلة التي كانت تملأ ضحكاتها المكان، حسبي الله ونعم الوكيل بك يا آثر."
رمقتها سهيلة بنظرات غضب وعتاب وقالت:
"لأ تتحدثي مطلقا يا امي، انت السبب في كل هذا، لقد وقفتي مع الجميع ووقفتي ضدي انا، كنتِ داعمة لكل من اختارت شخصا من بناتك ولم تدعميني يوما، لن أنسى هذا ابدا."
بكت والدتها حزنا من حديثها وخرجت من الغرفة، حتى أقنعها وائل بأن تترك آثر، واستسلمت للأمر، واخبرتهم انها ستفعل.
قال وائل بغضب على حالة سهيلة:
"لا تفعلي هذا يا سهيلة، ستندمين لاحقاً على كل ذلك صدقيني، هيا استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وقومي اغسلي وجهك بالماء، والدتكِ حزينة لأجلك."
بتنهيدات استسلام قالت:
"حسنا يا وائل حسنا."
قامت سهيلة ودخلت غرفتها بعدما غسلت وجهها، جلست على فراشها ورفعت الغطاء عليها وظلت تفكر. كانت تجلس في الغرفة شقيقتها رهف، وغادرت زينب وامل مع أزواجهن.
دخلت والدتها تطمئن عليها، فقالت سهيلة:
"لا اريد أحدا بالغرفة، اتركوني أنام."
اقتربت منها والدتها وجلست جوارها، أدارت سهيلة ظهرها إليها عندما جلست، وضعت الام يدها على كتفها تحدثها بخوف ومحبة، تقترب منها تقبل رأسها بالرغم مما قاسته من أفعالها، تلك هي الام وهذا هو قلبها، ابنائها قطعة من روحها، لا يمكنها الانفصال عنها مهما حدث.
"عزيزتي سهيلة، انتِ فتاة ناضجة كنت دائما افتخر بكِ أمام الجميع، ماذا دهاك يا عزيزتي، هذ الرجل ليس آخر الرجال، وليس نهاية الدنيا، ستجدين من يستحقكِ ويقدر مكانتكِ."
بكت سهيلة ورفعت الغطاء على وجهها ولم تتحدث بكلمة، اشارت والدتها إلى شقيقتها وقالت:
"هيا يا رهف اتركيها ترتاح، لقد تعبت منكن جميعاً، جميعكم اخترتم من ليس لنا ولا يشبهنا، افوض امري اليك يا الله واستعوضك في بناتي."
خرجت حزينة إلى غرفتها فوجدت والد سهيلة غارقاً في النوم على فراشه، جلست جواره تنظر إليه بقلب منكسر، تقول في خاطرها:
"بالطبع انت نائم، لا عليك مما يحدث، ها أنا ذا أحمل الهم منذ أن تزوجتك، لو كنت أبا حنونا تحتضن بناتك بدلا من أن تتزوج بأخرى لتنجب ولدا، لقد رزقني الله بدلاً من الولد اثنين بعد زواجك، الله كبير ولا يعانده احد، الان انت من تحمل الهم."
بتنهيدات الم ووجع مالت رأسها إلى الخلف ترقد على الوسادة:
"حمدا لله على كل حال، اللهم عوضني بدلا من الحزن فرحا، واحفظ اولادي وبناتي ولا تريني فيهم سوءاً."
خلد الجميع إلى النوم وخلدت سهيلة أيضاً إلى النوم.
في وقت متأخر من الليل فتح باب غرفة سهيلة، شعرت بصوت فتح الباب اردفت تنظر من هناك، وجدت امرأة تدخل غرفتها، لا تظهر من ملامحها شيئا مطلقاً، فقط هيئة امرأة تقترب منها لا ترى شيئا سوى الظلام منها.
خافت سهيلة كثيراً، أرادت أن تتحدث وتقول من انتِ، لجم لسانها وكأنه مقيد، لا تستطيع النطق، تحاول مرارا وتكرارا لكن لا يتحرك لسانها ولا تستطيع التحدث بكلمة واحدة.
ارتجف قلبها وبدأت بالبكاء وفي ذات الوقت يقترب منها هذا الظل اكثر فاكثر إلى أن اقترب من مرقدها، وقت جانب رأسها، تحاول سهيلة التحرك أو التحدث لكن لا جدوى من محاولاتها ومقاومتها.
ثم مالت تلك المرأة رأسها إليها ووضعت وجهها في وجه سهيلة، عندما تمكنت من روية ملامحها انها تشبهها بعض الشيء لكنها ليست هي. حاولت أن تنطق بكلمة الله اكبر ولم تستطيع سوى بحرف واحد وتتقطع حروفها من شدة الخوف.
وضعت تلك المرأة يديها حول عنقها وبدأت تخنقها بشدة، لا يخرج صوت صراخ سهيلة ولا يسمعها أحد، لكنها حاولت لقد الإمكان أن تستجمع قوتها وقوة إيمانها وحاولت كثيرا أن تردد الله اكبر:
"ال، اللل، الله،. الله، الله اك، اكب، اكبر."
هكذا كانت تحاول التحدث حتى نجحت في الأمر وقالتها مرارا وتكرارا الله اكبر ولسم الله الرحمن الرحيم. عندما أدركت سهيلة أن تلك المرأة ليست بشرا، ولا أحدا من اهلها، لجأت إلى زكر الله وحتى انفكت عقدة لسانها الملجوم، واستطاعت أن تقرأ بعض آيات القرآن الكريم، وبعد قليل تركتها تلك المرأة وغادرت الغرفة.
التقطت سهيلة أنفاسها بصعوبة حتى هدأت قليلاً، ثم أخذت غطائها وخرجت من الغرفة مسرعة إلى غرفة اخواتها الصغار، وضعت الغطاء على الأرض ونامت عليه في الغرفة.
عندما استيقظت والدتها صباحا ووجدتها نائمة على الأرض ايقظتها وقالت:
"سهيلة؟ لم تنامين هنا على الأرض بهذه الطريقة؟"
فتحت سهيلة عيناها ببطء وقالت:
"يوجد شخص بالخارج يا امي في غرفتي، هناك أحد."
ثم عادت للنوم مرة اخرى، سمع إخوتها الحديث وخافوا، لكن والدها خرج يتفقد المنزل ولم يجد شيئاً فقال:
"ربما تحلم بذلك أو تتوهم وهي نائمة."
قلقت والدتها وقالت:
"سأرى عندما تستيقظ."
عندما استيقظت سهيلة أخبرت والدتها بما حدث معها وهي تبكي خوفاً، أخبرت والدها فقال لها:
"لانكِ نمتِ وأنتِ غاضبة يا سهيلة، ربما تكون قرينتكِ."
قرأ والدها الرقية الشرعية في المنزل بأكمله تحصينا له، وظلت حالة سهيلة على هذا الوضع لعدة أيام، ترى كوابيس واحلام بشعة. أخذ منها والدها هاتفها؛ حتى لا تتمكن من التحدث إلى آثر. ظل آثر عدة أيام لا يعرف عنها شيئا ولا يستطيع الوصول إليها.
حاولت التحدث معه عبر جهازها اللوحي من الرسائل الإلكترونية وعندما علم والدها أخذه منها أيضاً.
حاول آثر التواصل مع أحد اهلها وهو جدها عم والدها، أخبره بما يحدث معهم وماحدث، واتصل جدها بوالدها وحل الأمر معه، فقال:
"ماذا سيقول الناس عندما يتركها، لقد مر أكثر من عام ونصف على خطبتهم، رجاءا اهدأ يا بني، لا تحل المواضيع بهذه الطريقة."
تحدث والدها منفعلا وقال:
"يا عمي أنه شاب وقح لا يناسب ابنتي، لقد قال إنه يريد مهلة عامين عند خطبتها، وها مر عام ونصف، باقي ستة أشهر من الزمن المحدد له، إن لم يكن جاهزا بعد تلك المدة للزواج، فليس لدي بنات للزواج وان كنت ساقطع رأسها."
"حسنا اهدأ وأعطها هاتفها وانا ساتحدث اليهم، دع الامر لي."
"حسنا يا عمي كلامك على رأسي، افعل ماتراه مناسباً."
استعادت سهيلة هاتفها، وليتها لم تساعده فهذه المرة كانت المدمرة والتي جعلت سهيلة تلبس طوق آثر إلى الابد، وليس برضاها بل رغما عنها.
عندما استعادت هاتفها وتحدثت إلى آثر وأخبرته بما حدث معها هذه الفترة وهو بعيدا عنها، بدأت فقرات السحر الخفي التي يلقيها عليها، تختلف هذه المرة عن كل مرة؛ لأن تلك المرة كان سحرها اقوى حيث جعلها تفعل ما لا يتوقع منها حدوثه. بدأ السحر بتمهيدات بسيطة وهي الكلام المعسول الذي يسلب منها عقلها، جرعة الحنان التي تجعلها تطمئن ثم طلباته التي تنفذ دون تردد.
"سهيلة حبيبتي لقد كدت أن أصاب بالجنون، اين كنتِ كل هذه الفترة؟ لقد تحدثت إلى جدكِ وعلمت بما حدث، قال إن والدك اخذ منكِ الهاتف ومنعكِ من التواصل معي."
"اجل يا آثر بالفعل هذا ما حدث، لقد أعطاني الهاتف الآن، لا اعلم ماذا قال له جدي."
"لقد اعطاني مدة محدودة وهي سته اشهر لتكوين نفسي والانتهاء من تجهيزات الزفاف، أو ستنفصلين عني إلى الابد، اخبر جدك بأن يقول لي أنه ليس لديه بنات للزواج."
"حقا؟! وماذا ستفعل اذا، هذه المرة تختلف عن كل مرة يا آثر انا اعلم والدي."
"لأ تقلقي يا سهيلة سافعل كل ما بوسعي لآخذكِ، حتى إن اضطررت للعمل طوال اليوم، فترة صباحية وفترة مسائية."
"لأ اعلم ماذا اقول لك يا آثر لقد ضاع منا الكثير من الوقت، اضعت جامعتي واضعت علم كامل منها وها هو الثاني لا اعلم ماذا سيحل به."
"لأ تقلقي يا سهيلة، لا اريد ان اسمع صوتك حزين هكذا، اذهبي إلى جامعتك واكملي هذا العام."
فرحت سهيلة كثيرا بكلامه وقالت بحماس:
"حقا يا آثر؟ الن تمنعني مرة أخرى من جامعتي؟"
"بالطبع لا يا حبيبتي اعلم كم تحبين دراستكِ، ولكن إن لم تفعلي شيئا يغضبني وتسمعين كلامي."
"بالطبع لن اغضبك، لا تعلم كيف كانت حالتي وأنت بعيداً عني."
"وانتِ لا تعلمين كم اشتقت اليك يا زوجتي العزيزة."
ضحكت سهيلة خجلاً وقالت:
"وانا أيضا يا زوجي العزيز."
وها هي تبدأ الفرو الأخيرة بعد انتهاء التمهيدات والكلام المعسول، أخبرها أن تكمل جامعتها حتى لا تتردد فيما سيطلبه، فهو دائماً ما يقدم خطوة ليجد الأخرى في انتظاره، استغل حبها لدراستها ورغبتها الجامحة في إكمالها لفرض سيطرته.
"زوجك العزيز يشتاق اليك كثيرا يا زوجتي."
"وانا أيضا يا آثر لقد اشتقت اليك كثيراً وللحديث معك."
"سهيلة اريد رؤية صورتك الآن."
"حسنا سابدل ملابسي وأرسل لك بعض الصور."
"لالالا لا اريدك أن تبدلي ملابسك ولا اريد ملابسك، اخبرك باني اشتاق اليكِ، زوجك يشتاق إليك، الم تتفهمى كلامي؟"
"ماذا تقصد يا آثر؟!"
أخبرها وبكل جرأة دون تردد:
"اريد أن ارى صورتك دون ملابس."
صدمت سهيلة من طلبه، لكن ليس بالصدمة المفجعة، ومأنها تتوقع هذا منه أو أنها كانت تعلم مايدور في رأسه، قالت بتوتر:
"ماذا تقول يا آثر؟! ما هذا الذي تطلبه مني؟"
"سهيلة انت زوجتي أمام الله، يكفي ما مررنا به من الم وحزن دعينا نهون على بعضنا ونستمتع لبعض الوقت سويا، هذا لا يوجد به إيذاء لأحد، انتِ في مكان وانا بمكان آخر، هل يكثر علينا أن نفرح لبعض الوقت سويا؟"
"آثر من فضلك."
بتر حديثها حتى يكمل وصلة الإقناع بكل مهارة:
"الم تشتاقي اليّ كما اشتاق إليكِ الآن؟"
"بلى اشتاق اليك طبعاً."
"حسنا العلى ذلك لأجلي رجاءا، فقط هذه المرة واعدك باني سامسح كل شيء بعد رؤيته اقسم لكي."
نجح في تحقيق رغبته وبالفعل تصورت سهيلة بعض من الصور وهي عارية، كان يخبرها كيف تتصور وتفعل ما يطلبه، يشجعها بالمدح بها وبجسدها وجمالها، وهي تفعل ما يأمر به، حتى طلب منها أن تتصور بوجهها أيضاً، بحجة أنه يريد رويتها كليا وكأنها تقف أمامه بهذه الحالة، وبالفعل تم الأمر وفعلت ما طلبه منها حرفياً.
توالى الحديث بعد رويته الصور الى مالا يقبله دين ولا خلق، وكأنه تزوجها حقا عبر مكالمة هاتفية، وبدأت تكثر تلك المحادثات بينهما منذ هذه اللحظة، جعلها تعتاد الأمر حتى تمكن من كل ما يريد، أصبحت صورها لديه الآن على هاتفه وهي عارية وبرضاها ايضاً، تلك هي الكارثة الكبرى التي وضعت سهيلة نفسها بها دون وعي ولا أدرك، كأنها مخدرة حقا أو مسحورة.
تكثر المحادثات عبر الماسنجر والصور العارية تتبادل بينهما، وكلما يستيقظ ضميرها وتشعر لبرهة أن ما يحدث بينهما خطأ، يقنعها بأنهما زوجان أمام الله وأنه ليس هناك أذى فيما يحدث بينمها، وفي حقيقة الأمر أنه أكبر أذى لهما، لما سيلحق بهما من ضرر جراء تلك الأفعال.
ليس فقط ضررا جسديا وانما نفسياً وخلقيا واجتماعيا، بل ضرر من جميع الاتجاهات، فتأثيرات تلك العلاقات كثيرة وجميعها سلبية، ليس هناك تأثير إيجابي فيها سوى اللذة المؤقتة التي يشعرون بها، حتى هذه يترتب عليها ضرارا صحياً.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام احمد
المواقف الصعبة تظهر معدن الأشخاص، إن كان نقياً أو ملوثاً بالشوائب التي تشوه مظهره الخارجي والداخلي أيضاً. فلا تنظر إلى الشكل الخارجي؛ لأنه يمكن إخفاؤه ببعض المساحيق، ابحث عن النقاء الداخلي؛ لأنه لا شيء يمكن إخفاء العيوب التي به.
مر شهر والثاني والثالث والرابع على هذه الحالة ولم يحدث شيء مما طلبه والدها، حتى صار شجار بين آثر وسهيلة.
قالت سهيلة بصوت مرتفع وغضب عبر الهاتف:
- إلى متى ستظل على هذه الحالة؟ لن يرأف بك والدي هذه المرة.
بكل وقاحة أجابها:
- ومن هذا والدك حتى لا يرأف بي؟ انتبهي لحديثكِ أيتها الحمقاء، هل نسيت نفسكِ؟
لم تتردد سهيلة في أن تجيبه بطريقته وأسلوبه، فبالرغم من قسوة والدها إلا أنها لم تقبل أحداً أن يتفوه بكلمة واحدة تهينه أو تجرح به:
- ليس هناك أحمق سواك يا آثر، وأنت من نسيت نفسك، ليس أنا. ألم تعلم من تكون ومن أكون؟ قبلت بك لأني أحببتك حقاً، وفعلت لأجلك الكثير وتحملت منك ما لا يتحمله بشر. وفي كل مرة تخطئ أقول ربما يتحسن لاحقاً، ربما يكون أفضل لاحقاً، ربما ربما. لكني كنت مخطئة، فأمثالك لا يتغيرون؛ لأن أصلهم هكذا تملأه القذارة.
سمعت صوت تصفيقات بيديه، يقول بكل برود:
- برافوووو يا سهيلة، أحسنتِ يا فتاة، لقد أصبحت القطة تجرح الآن ولديها مخالب حادة. يا إلهي ماهذه الجرأة التي أراها، حقاً تحتاجين إلى تصفيق حااار.
بغضب وانفعال من سخريته منها وحديثه إليها قالت:
- لن أستطيع أن أكمل معك بهذه الطريقة يا آثر. ابتعد عني ودعني وشأني، ما بيننا قد انتهى الآن. أنا حقاً نادمة؛ لأني كنت أوهم نفسي كل هذا الوقت وأداري حقيقتك. سأرسل لك كل أغراضك، وخاتم خطبتك أيضاً.
بنبرة تهديد واضحة لا خجل فيها ولا حياء:
- انظري إليّ أيتها الفتاة، إن دخول الحمام ليس كالخروج منه أيتها الأميرة، ودخول حياتي ليس كالخروج منها. تريدين تركي؟! حسناً افعلي، لكن قبل ذلك سأخبر والدتك ووالدكِ بتلك الصور العارية التي أرسلتها لي، وسأريهم كيف تبدو ابنتهم وكم هي جميلة وهي دون ملابس.
تلك هي الصدمة الكبرى التي حصلت عليها سهيلة من علاقتها. فهذا هو الطبيعي، فتاة تعرفت على شاب عبر السوشيال ميديا، ووثقت به لهذه الدرجة حتى وإن كان خطيبها وتُقدم على الزواج منه. فلا شيء يجعلها تثق به كل هذه الثقة حتى وإن كان زوجها. دائماً لا تعطوا الرجال الثقة الكاملة؛ لأن ليس هناك رجل يعطي أنثى الثقة الكاملة، فلتكن المعاملة بالمثل تكن الحياة أفضل.
لم تشعر فقط بالإهانة من حديثه إليها، وإنما شعرت بأنها سلعة رخيصة الثمن، بل تكاد تكون لا تسوى شيئاً، تباع وتشترى بما ترتضيه رغبته. لم تتوقع سهيلة أن هذا سيكون جوابه، فهي على عهدها معه أنها زوجته، وما صار بينهما على اعتقاد منها بذلك وإيمانها بهذا الزواج، فكلمة أمام الله تعني لها الكثير.
بصوت مصدوم وبحالة استغراب كبيرة:
- ماذا؟! أنت تقول هذا الكلام لي؟! أنا سهيلة، أنا لا أصدق أنك أنت الشخص نفسه الذي أحببته. ليتني لم أعرفك يوماً، تباً لهذا اليوم الذي عرفتك فيه. يا إلهي كم كنت غبية حقاً! لقد كنت أفعل كل شيء لإرضائك، كنت كالآلة تحركها كيفما تشاء، هذه هي نهاية كل هذا؟! حسناً إذا افعل ما تريد، أنا من أخطأت وهذا عقابي وسأتحمله. هيا افعل ماتريد، بل كل ما تستطيع فعله بي افعله يا آثر.
بكت بصوت منهار وارتفع صوت بكائها وهي تقول من شدة الألم الذي تشعر به. في كل مرة ينكسر بها القلب تكون مختلفة عن التي قبلها أو بعدها، فتكون المرة الثانية أكثر ألماً من الأولى وهكذا في كل مرة تلو الأخرى، حتى يتهشم القلب ويخشى الألم فلا يحتمل حتى قرصة يتألم لها الجسد.
قالت سهيلة وهي منهارة:
- هذا أنا سهيلة، لقد كنت أفعل الكثير لأجلك. لقد أقدمت على بيع قرطي الذهبي الذي جلبه لي والدي ولم يهمني لأجلك. لقد فعلت كل ما فعلته فقط لأجلك، تركت دراستي وأصدقائي حتى عائلتي انعزلت منها لأجلك أنت. وهذا ما أستحقه منك في النهاية؟! ليتني مت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ليتني مت حقاً. لكني سأصلح خطأي والكفر عنه الآن.
مسحت دموعها براحتها واستعادت بعضاً من قوتها وهي تقول:
- سأصلح خطأي بالتأكيد، أنا حقاً أستحق الموت الآن.
رق قلب آثر قليلاً عندما سمع صوتها بهذه الحالة، عندما تحدثت عن الموت ارتجف قلبه خوفاً. هل يمكن للشيطان أن يعشق ويتحول لأجل العشق؟! ربما، فليس هناك شيء مستحيل.
قالت سهيلة، وكانت هذه آخر كلماتها التي قالتها لآثر قبل أن تغلق الخط وتكسر شريحة الاتصال خاصتها؛ حتى لا تتواصل معه مرة أخرى:
- أنا حقاً أستحق الموت. لم أستمع لأهلي ولم أصدق ما قالوه عنك، لقد كان لديهم كل الحق في ذلك. كيف لي ألا أرى حقيقتك كل هذا الوقت؟ حقاً غبية وحمقاء. لا فائدة من الكلام، لكن ما سيحدث الآن سيكون ذنباً برقبتك حتى الممات، وسأخبر الجميع أنك السبب في موتي.
صدم آثر من كلامها، هل حقاً ستقتل نفسها أم أنها تهدده حتى لا يفعل ما قاله لها؟ عندما أيقن أنها بالفعل تصعد الدرج للذهاب إلى أعلى سطح المنزل، قال بخوف ورهبة:
- ماذا تفعلين؟ سهيلة أين تذهبين؟ أنا أسمع صوت قدميكِ، أخبريني ماذا ستفعلين؟! أيتها الغبية لم أكن أقصد ذلك، رجاءً لا تفعلي ذلك، هيا انزلي من أعلى ولنتحدث.
تصرخ عبر الهاتف قائلة:
- ليس هناك حديث بيننا أيها الندل الجبان، لقد سلمتك نفسي وأنت أقل من ذلك، لا تستحق. فلتنسَ سهيلة من الآن، وداعاً آثر.
بصوت مرتفع وبسرعة يريد أن يلحق بها قبل أن تؤذي نفسها:
- سهيلة أقسم لك أني لم أقصد، ليس هناك صور ولا شيء. أقسم لك أني حذفت كل ذلك من على هاتفي، سآتي إليكِ بعد يومين لترين بنفسك هاتفي، لا تفعلي ذلك أرجوكِ، تعلمين كم أحبكِ، أقسم لك أني أحبك حقاً وأنكِ زوجتي أمام الله حقاً. أيتها الغبية هل تصدقين أن يصدر مني شيء كهذا؟ ألم تعرفيني مطلقاً؟! تعلمين أني أتفوه بكلمات لا أقصدها وقت الغضب. لم أتحمل أن تبتعدي عني، رجاءً دعنا نتحدث، لقد حصلت على عمل وسأبدأ بتجهيزات العرس، سنكون سوياً.
اعتقد آثر أنها كالعادة ستتلقى فقرات السحر خاصته وتقتنع وتعود كما كانت من قبل، فكل مرة يخطئ بحقها يعيدها إليه ببعض الكلمات المعسولة التي تذهب عقلها من حلاوتها، لكن خاب ظنه هذه المرة، وأغلقت الخط دون كلمة واحدة.
وقفت سهيلة على أعلى درجة سطح المنزل في الدور الثالث، نظرت إلى أسفل فوجدت أخشاباً ملقاة خلف المنزل وأشياء قديمة وقطعاً من الحديد. بدأت تتخيل نفسها بعد سقوطها بين هذه الأشياء، تفكر هل ستنجو من هذا وتكون فرصة لبداية جديدة، أم أنها ستخسر نفسها وينفطر قلب أمها وأبيها عليها بسبب شخص لا يساوي؟ هل ما تفعله الآن هو الصواب؟ هل هذه هي الطريقة الوحيدة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبته؟
لبرهة كانت ستقفز سهيلة من أعلى سطح المنزل وتقدم على الانتحار، وعندما وضعت قدمها على الحائط وقبل أن ترفع الأخرى، تنهدت وهي تتنفس نسمات هواء نقي أتت إليها وكأنها محملة بالأمل، تخبرها أن هناك رباً لم تفكر في عقابه، وأنها على حافة عصيانه والوقوع في الكفر.
فتحت عينيها وتراجعت على الفور عندما سمعت صوت والدتها تنادي:
- سهيلة؟ أين أنتِ؟ لقد حضرت العشاء.
بكت بشدة، وبدأ يستيقظ ضميرها وتقول في خاطرها:
- إنها أمي تناديني من أجل تناول الطعام، ماذا لو كنت بالأسفل الآن ولم أجيبها؟! كيف ستكون حالتها؟ أعلم كم تتعلق بي أمي وتحبني، كيف لها أن تتحمل خسارتي، كيف لي أن أعصي الله عز وجل؟ إنه رجل لا يستحق.
نزلت سهيلة إلى غرفتها واستلقت على فراشها وهي تستعيذ بالله من الشيطان وتستغفر لما أقدمت على فعله، وتقرأ القرآن الكريم.
أما آثر فكاد أن يصاب بالجنون عندما وجد هاتفها مغلقاً، لا يعلم بمن يتصل. اتصل بهاتف والدتها وأخبرته والدتها أنها نائمة، اطمأن قلبه وقال في خاطره:
- ماذا تفعل يا آثر؟ ماذا تفعل؟
ضرب رأسه براحته من صدمته وهو يقول:
- ماذا لو كانت بالفعل قتلت نفسها؟! يا إلهي يا آثر أيها الغبي لقد خرج الأمر عن سيطرتك الآن، عليك أن تعيد حساباتك، لقد كنت ستخسرها وتخسر نفسك أيضاً وتخسر كل شيء.
جلس آثر على سريره وهو في حالة ذهول وصدمة، دخل عليه أكرم شقيقه التوأم فعلم من ملامح وجهه القلقة أن هناك شيئاً ما. جلس أمامه وقال:
- ماذا هناك يا رجل، مابك؟ لم يبدُ وجهك شاحباً هكذا؟
نظر إليه بحزن وقال:
- لا أعلم ماذا فعلت مع سهيلة، إنها لا تستحق ذلك يا أكرم، لقد أحبتني بجنون.
باستغراب قال أكرم:
- ماذا تقصد بماذا فعلت؟ لقد خطبتها أمام الجميع، لا أعلم بما تفكر؟
- لا أقصد ذلك، أقصد معاملتي السيئة لها واستغلالها بهذه الطريقة. لقد سمعت كلامك وكلام أسعد، لكني كنت مخطئاً.
بسخرية قال أكرم وهو متفاجئ من حالته:
- حقاً؟ الآن نحن السبب ونحن المخطئون؟ لم تكن تعلم ماذا تفعل حينها وعندما حصلت عليها أصبحنا نحن المخطئين؟ إذا تصرف بنفسك فيما سيأتي ولا تسأل عن شيء بعد الآن.
- لم أقصد ذلك.
بتر حديثه قائلاً بانفعال:
- وإن كنت تقصد لا يهم، لقد حصلت عليها من نصائحنا، أصبحنا نحن المذنبين الآن؟ ماذا كنت ستفعل لو لم تحصل منها على شيء يجعلها تحت يديك في أي وقت؟ لقد كانت ستتركك عند صدور أي خطأ منك.
وقف آثر منفعلًا يضرب جانبيه براحتيْه ثم رفع يديه يمررها على شعره بتوتر قائلاً:
- أنت لا تعلم ماذا حدث، لقد أقدمت على الانتحار، كادت أن تقتل نفسها من أفعالي يا أكرم، لقد زاد الأمر عن الحد، لم أعتقد أن الأمر سيصل بنا إلى هنا. هي لم تفعل شيئاً سيئاً لكل هذا، لقد حصلت عليها وكل شيء سيأتي بعد ذلك، سأحاول إصلاح الأمور من الآن فصاعداً، هذا وإن عادت إلي مرة أخرى.
نظر إليه بلا مبالاة وقال:
- افعل ما تشاء، لم يعد يعنيني الأمر.
أمسك آثر بذراعه حينما كان يهم بالخروج من الغرفة وقال:
- أكرم لا تنزعج مني، أنا حقاً متوتر بعض الشيء.
دفع يده برفق وقال:
- لا عليك، أنا ذاهب إلى العمل، هل ستأتي؟
زفر بضيق قائلاً:
- لا لن أذهب اليوم سأرتاح قليلاً، وربما لن أعمل مع والدي مرة أخرى، سأبحث عن عمل آخر، حتى أجني المال اللازم لتحضيرات الزفاف، بقي شهران ليس إلا.
- حسناً كما تشاء، أنا ذاهب.
- لا تخبر أبي حتى أجد عملاً مناسباً وأخبره بذلك.
نظر إليه وتركه دون جواب واضح. ظل آثر عدة أيام لم يستطع التواصل مع سهيلة، كانت سهيلة في تلك الفترة تستجمع قوتها وتحاول لملمة ما تبقى من مشاعرها وكرامتها. طرأت لها خاطرة:
- كيف سأتعرف إلى رجل آخر؟ وكيف سأغرم برجل آخر؟ بعدما حدث كل ذلك بيني وبين آثر، هل أستطيع فعل كل ذلك مع رجل غيره؟ سأعتاد الأمر، لا لا لن أستطيع، إنه الشخص الوحيد الذي دخل بيتي طالباً يدي. لقد أحببت سابقاً ولم يتجرأ على فعلها بالرغم من أن ظروفه المادية أفضل بكثير من آثر، لكنه تردد في المجيء وتركني وحيدة.
تجيب على نفسها قائلة:
- لا فهو ليس مثل آثر، لقد أتى آثر رغبة في مالي وإرثي وتملكي وليس لأنه يحبني.
- لكن ما الذي يجبره على أن يتزوج فتاة لا يحبها، فقط من أجل المال؟ أيعقل أن يكون هناك بشر من هذا النوع لا تعنيه مشاعره ورغبته في الحياة؟! لا لا أعتقد ذلك.
انقسمت إلى نصفين، نصف يتساءل وآخر يجيب، نصف يحكمه العقل والنصف الآخر تتملكه المشاعر، نصف ضد ونصف مع، وهذا هو العشق، دائماً ما يجعل الشخص بين نارين، نار القلب ونار العقل، فنار القلب لا يمكن إخمادها عندما تشتعل، أما نار العقل فتخمد دائماً بمشاعر القلب.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام احمد
قرر آثر بعد غياب سهيلة عنه بضعة أيام أن يعمل بجد ويتغير للأفضل حتى يحصل عليها ويكون رجلًا في أعين والدها، تلك الخطوة الإيجابية الأولى التي خطاها آثر منذ بداية علاقته بسهيلة، أو بالأحرى الخطوة الصادقة التي لا يخفى ورائها نوايا سيئة أو مطالب شخصية.
علم آثر أن لا فائدة من تحقيق نواياه، وربما سيحصل على ما يريد لاحقًا، لمرة واحدة كان صادقًا في مشاعره ونواياه.
أراد آثر فعلاً أن يتزوج بسهيلة، لأنه اكتشف أنه مغرم بها، أراد الحصول عليها كزوجة وليس كصفقة مربحة تدوم طوال العمر.
أرادت سهيلة أن تبطل شكوكها وأحكام تلك المعركة التي تدور داخلها، هذا الصراع الذي لا ينتهي بين قلبها وعقلها، تحدثت مع آثر حتى تتضح لها جميع الأمور وتقرر ما إذا كانت تكمل رحلتها معه وتستسلم لطباعه السيئة، أم أنها تنهي تلك الرحلة وتعود إدراجها إلى الخلف مهما كانت الخسائر، لكنها لن تكون كخسارتها لنفسها.
نزلت سهيلة امتحاناتها الجامعية لعامها الثالث، وفي يومها الأول بالامتحان بعدما انتهت من تأدية امتحانها، اشترت شريحة اتصال جديدة وقامت بالاتصال بآثر، أجاب فورًا وقال:
- الو مرحبا.
- هل أنت معتاد أن تجيب على أرقام مجهولة؟
بحماس وفرح:
- سهيلة حبيبتي، يكفي أنا غاضب منك، هل طاوعك قلبك أن لا تسمعي صوتي كل هذه المدة.
تحدثت إليه ببرود:
- أجل طاوعني، ولم أتصل بك للتحدث كما لم يحدث شيئًا.
سمع أصوات الضجيج حولها وقال:
- لحظة أين أنت؟ هل أنت خارج المنزل؟
- أجل أنا في الجامعة.
- وماذا تفعلين هناك؟
جلست سهيلة على إحدى المقاعد العامة بالجامعة ووضعت حقيبتها جوارها وقال بتنهيدة:
- كان لدي امتحان اليوم.
فكر آثر لثوان قليلة فيما حدث سابقًا وقال دون تردد:
- حسنًا وماذا فعلت في امتحانك؟ هل كان سهلًا؟
تعجبت سهيلة من رده، ظنت أنه سيتشاجر معها ويسألها لماذا ذهبت وتكون تلك هي النهاية بينهما، لكن خاب ظنها وهذا ما أعادها إليه مرة أخرى، فقرة سحر غير مقصودة، لكني أعتقد أن هذا ما يسمى بالنصيب والقدر.
قالت سهيلة باستغراب:
- ألن تتشاجر معي كعادتك؟
- لا لن أتشاجر معك، أكملي جامعتك وأكملي امتحاناتك، لأني سآخذك بعد فترة قصيرة.
- لا أفهم ماذا تقصد؟
- أخبريني أولاً أين أنت الآن؟
- أجلس لأرتاح قليلًا، وسأذهب لموقف السيارات وأعود إلى المنزل.
- حسنًا أخبريني عندما تصلين، سنتحدث سويًا عن كل شيء.
- حسنًا وداعًا.
- اعتني بنفسك.
- حسنًا.
- وداعًا.
أغلقت سهيلة الخط وظلت تنظر إلى هاتفها بتعجب، تفكر من هذا؟ هل هذا حقًا هو آثر؟ ما الذي يحدث؟ لكن الأهم من كل ذلك أنها كانت تقفز فرحًا، كم تمنيت أن يتغير للأفضل، وها هي ذا حصلت على أمنيتها.
لم تنتظر حتى تستريح استقلت سيارة الأجرة مسرعة وعادت إلى المنزل، متحمسة لتعرف ما الأمر، وما الذي بدأ آثر بهذه الطريقة.
دخلت إلى المنزل وسلمت على الجميع، كانت تجلس والدتها وأخواتها الصغار، سألتها والدتها:
- حمدًا لله على سلامتك يا سهيلة، كيف كان امتحانك.
جلست على الأريكة تستريح وترتشف بعض رشفات المياه من كوب على طاولة الطعام، ابتلعتها وقالت:
- بخير يا أمي، كان جيدًا.
- حسنًا لعل الباقي خيرًا كهذا إن شاء الله.
- إن شاء الله يا أمي، سأبدل ملابسي وآتي.
- حسنًا سأضع لك الطعام.
- لا لا ليس الآن لست جائعة الآن، سأرتاح قليلًا، سآكل عندما أستيقظ.
- حسنًا كما تريدين.
ذهبت سهيلة إلى غرفتها وعندما أدارت ظهرها إلى والدتها قالت والدتها تدعي لها:
- هداك الله يا ابنتي، لقد أوشكت تعود إلى حالتها الطبيعية.
أجابت إحدى أخواتها الصغار وقالت:
- ربما لأنها تركت آثر.
ضحكت والدتها على ملاحظة هؤلاء الأطفال، وتأملت أن تستقر حالتها وتعود كما كانت وتتخلص من هذا المرض.
بدلت سهيلة ملابسها واتصلت بآثر، أخبرها أنه سيتحدث إليها لاحقًا حالما ينتهي، أخذت هاتفها وخرجت لتجلس مع والدتها وأثناء حديثهم دخلت خالتها إلى المنزل في زيارة لهم، قالت والدتها:
- إنها خالتك يا سهيلة.
نظرت سهيلة باتجاه الباب وقالت مبتسمة:
- أجل إنها هي، لم تأت منذ فترة.
وقفت مرحبة بها وتقول:
- يا مرحبا يا مرحبا، كيف حالك يا خالتي؟ لم نراك منذ مدة.
ابتسمت خالتها وقالت وهي تمد يدها:
- كيف حالك يا عروس؟ لقد أتيت بخبر سار.
تعجبت سهيلة من ندائها بالعروس، ثم اعتقدت أنها تعلم شيئًا يخص التغيير الذي حدث مع آثر، طرأت لها خاطرة، هل تحدث مع والدها أو خالها؟ ربما هناك شيئًا جيدًا يحدث وهي لم تعلم به بعد.
فقالت والدتها بعد سلامها على أختها:
- حقًا نحتاج إلى تلك الأخبار، أخبرينا يا أختاه.
جلست سهيلة ووالدتها في ترقب لما ستقوله خالتها، فقالت:
- لقد أتى إلى منزلي اليوم محمد بك، ومعه شقيقه الأكبر، يريد القدوم لخطبتك يا سهيلة.
ضحكت سهيلة باستهزاء وقالت:
- كيف ذلك يا خالتي؟ ألا يعلم أني مخطوبة؟
ما زاد الأمر سوءًا وزادها تعجبًا قول خالتها:
- بلى يعلم أنك مخطوبة، لكن جميعنا لا نريد تلك الخطبة، وهو قال إنه يريدك أن تفسخي خطبتك، وسيفعل لك كل ما تريدين، لديه منزل والده ولديه أرض خاصة به سيبني عليها منزلًا لك وحدك.
انفعلت سهيلة بعض الشيء وقالت:
- يا إلهي يا خالتي أيعقل ما تقولين؟ هل هذا الرجل مجنون أم ماذا؟ كيف له أن يطلب هذا؟ أم أنه يقول لنفسه أنا وكيلا للنائب العام ومن أجل ذلك ستقبل بي من أريد.
- وماذا به يا سهيلة؟ إنه يريدك وهو أقرب إلينا من آثر، إنه غريب عنا ولا نعرف عنه شيئًا، أما هذا فهو من عائلتنا نعرف أصله وفصله.
وقفت سهيلة وقالت:
- لا أحد يتحدث معي بهذا الموضوع ثانية، ما زلت مخطوبة ولم أترك آثر بعد وربما لا أتركه، كنت أحترم هذا الشاب لكن بعدما عرفت طريقة تفكيره سقط من نظري، سأخلد للنوم قليلًا، أراك لاحقًا يا خالتي.
دخلت سهيلة غرفتها تزفر بضيق، استلقت على فراشها ووضعت الهاتف جوارها تنتظر مكالمة آثر، جلست خالتها تذم بها وتقول:
- يا لها من فتاة غبية ابنتك يا أختاه، كيف لها أن ترفض شابًا كهذا؟
قالت والدتها مغلوبة على أمرها:
- كنت أتحدث الآن قبل قدومك وأقول يارب، ليتها تعود كما كانت وتتخلص من هذا المرض، لكن لا فائدة، إنه مقدر علينا.
لم يكتفِ محمد بك بمحادثة خالتها فقط، عندما علم برفضها له تحدث إلى زوج شقيقتها الكبرى، والذي هو أيضًا لا يحب آثر ويرفض زواجها منه، ومن هنا بدأت عقبة أخرى تعترض طريق سهيلة وآثر، كلما قالت سهيلة أن الأمور ستتحسن، تحل من جهة وتعقد من جهة أخرى.
اتفق زوج شقيقتها الكبرى وشقيقتها وهذا الشاب محمد بك، والذي هو في الأصل صديقًا لزوج شقيقتها من أصدقاء الدراسة، على أن يخططوا لشيء يجعله يتركها أو يجعلها تتركه.
في الجهة الأخرى يبحث آثر عن عمل آخر ليجني منه المال، حتى يقوم بتحضير لوازم العرس، لكن لا شيء يمر كما يريد الإنسان، نحن دائمًا نضع الخطط والبرامج المستقبلية لما نريد فعله، لكن إرادة الله تعالى فوق كل شيء.
في أول يوم عمل بدأه آثر في شركة قطع غيار للسيارات، اتصل بسهيلة وأخبرها بذلك، فرحت سهيلة كثيرًا ودعت له بالتوفيق، قال لها بحماس:
- حمدًا لله يا سهيلة لقد حصلت على العمل، لقد نويت خيرًا وأكرمني الله بنيتي، سنتزوج في المعاد المحدد ولن أخذلك أمام والدك.
- أجل يا آثر حمدًا لله على ذلك، لكن ألن تخبرني ما الأمر وماذا حدث؟ لم نتحدث حتى الآن.
- لا شيء سهيلة كل ما في الأمر أني سئمت العيش وحدي وأريدك جانبي.
- حقًا؟ لن أمر الأمر بهذه السهولة فقط استقر في عملك الجديد وسنتحدث، لدي الكثير للتحدث معك فيه.
- حسنًا حسنًا أعلم أني لن أفلت من بين يديك، سأفرغ نفسي لبعض الوقت ونتحدث حسنًا؟
- حسنًا.
- هيا سأذهب الآن لدي عمل.
- حسنًا موفق.
- شكرًا لك يا حبيبتي، وداعًا.
- وداعًا.
تفاجأت سهيلة بقدوم شقيقتها الكبرى رهف في هذا اليوم، تقول في خاطرها:
- لقد كانت هنا بالأمس، أرى ما الأمر؟ ربما هناك خطب ما أنا لا أرتاح لقدومها هي وزوجها دون سبب هكذا، لعله خيرًا إن شاء الله.
للأسف لم يكن خيرًا لسهيلة لقد كان كارثة وحطت على رأسها ورأس آثر، كلما اعتقدت أن الحياة ستستقر بينهما وتحسن علاقة آثر بأهلها، كلما ظهر لها عائق جديد.
دخلت سهيلة وبيدها هاتفها إلى استقبال المنزل، وسمعت والدتها تقول لوالدها:
- هل والده بنفسه هو من قال لك ذلك؟ أأنت متأكد من أنه صوت والده؟
أجاب:
- أجل إنه هو والده وأخبرني ذلك بنفسه، ماذا نفعل الآن؟
- لا شيء نفعله سنخبرها بما حدث، نحن لسنا صغارًا.
- حسنًا أخبريها ومنك إليها، لنرى ماذا ستفعل.
خرج والدها إلى غرفة الضيوف حيث كان ينتظره بعض الناس، وخرجت والدتها تجالس شقيقتها الكبرى، استغربت سهيلة من تلك المهامسة بينهم، رن هاتفها بمكالمة من آثر، أجابت بهدوء:
- مرحبا آثر اخبرني كيف حال العمل الجديد؟
بانفعال وغضب تحدث آثر قائلاً:
- ما هذا الذي فعله والدك يا سهيلة؟ كيف له أن يتحدث مع أبي بهذه الطريقة؟
تعجبت سهيلة وهي في صدمة من حديثه، لكنها بدأت تربط الأحداث ببعضها، يخبرها قلبها أن هناك شيئًا خلف اجتماع والدتها وشقيقتها، والحديث الذي دار بين والديها منذ قليل، باستغراب قائلة:
- والدي؟ ماذا فعل والدي يا آثر؟
أنا لا أفهم شيئًا. اهدئي وأخبريني ما الذي حدث.
بصوت غاضب يحاول تمالك نفسه، بجواره شقيقه أكرم وشقيقه الأكبر:
- استمعي إلي. لقد هاتفني أخي محمد وقال إن والدك تحدث إلى والدي.
سمعت صوتًا جانبه يقول:
- ليس والدها من تحدث، بل ابن عمها.
قالت سهيلة:
- من هذا؟
- إنه أكرم. يقول إن ابن عمك تحدث إلى والدي وأخبره أن والدك لا يريد هذا الزواج. وهو محرج للتحدث مع والدي، لذلك أخبر ابن عمك أن يتحدث إليه منعا للإحراج بينهما. أخبره أيضًا أنه كان يريد إخباره بذلك منذ فترة وتردد في ذلك. قال إنكم ليس لديكم بنات للزواج، وإن أتيت إلى بلدكم ثانية لن أعود على قدماي.
إنها في حالة ذهول مما تسمعه، لكنها تعلم جيدًا أن هناك خطأ ما. ليس الأمر كما يروى لها. هناك حلقة مفقودة. قالت لآثر:
- ولم يفعل والدي هذا؟ هناك خطأ ما يا آثر، متأكدة من ذلك. انتظر فقط حتى يأتي والدي. لدينا ضيوف في الخارج يجلس معهم، سأفهم الأمر.
بصوت غاضب ومنفعل للغاية:
- ماذا ستفهمين؟ أنا أخبرك بما حدث. لقد أتيت الآن وتركت العمل عندما اتصل بي أخي وأخبرني بذلك. أبي غاضب جدًا.
تحاول سهيلة أن تهدأ الأوضاع حتى تعلم ماذا حدث:
- من فضلك يا آثر اهدأ حتى نعلم كيف نحل الموضوع. رجاءً، سأعرف كل شيء وأخبرك به. أغلق الآن، ولا تفعل شيئًا قبل أن أتصل بك.
- حسنا يا سهيلة، حسنا.
سمعتها والدتها وشقيقتها الكبرى رهف، فقالت رهف:
- ما الأمر يا سهيلة؟
- لا أعلم، هناك شيء خطأ يحدث. أنتظر أبي ليأتي وأسأله.
تفاجأت من حديثها عندما قالت:
- عن ماذا ستسألين والدك؟ إنه غاضب جدًا ولا يطيق كلمة واحدة بخصوص آثر ووالده.
- ماذا تقولين يا رهف؟ هل تعلمين ما حدث؟
- أجل، لقد أتيت لأن أبي اتصل بي وطلب مني القدوم حتى يشهدنا على ما حدث أمامك ونتحدث إليك في الأمر. يكفي هذا يا سهيلة، لقد طفح الكيل.
أصبحت سهيلة في حيرة من أمرها، فهنا يشكوا ممن هناك، وهناك يشكوا ممن هنا، وهي تقف وسط الاثنين لا تعلم من الصادق ومن الكاذب. لا تعلم حتى ماذا يحدث. رفعت يدها تشير إلى جهلها بالأمر:
- أنا لا أفهم ماذا حدث. أخبروني أولًا ما الأمر حتى أستطيع أن أجيب على حديثكم. ماذا فعل والدي آثر؟ لقد أخبرني آثر أن والده غاضب من والدي لأنه تحدث إليه ابن عمي نيابة عنه وأخبره أنه لا يريد هذا الزواج.
رفعت رهف إصبعها بالرفض وقالت بصوت واضح وضيق:
- لا يا حبيبتي، والدك لم يفعل شيئًا. ما حدث أن والد آثر اتصل بوالدك وأخبره هذا الكلام حرفيًا:
"ابني ليس رجلاً يتحمل المسؤولية، ولا رجل زواج والتزام. إنه فتى طائش، لا مستقبل لديه ولا عمل. يعمل معي بيومية قدرها خمسون جنيهًا. كيف له أن يكفي ابنتك بهذا المال؟ لقد أخبرتك ذلك حتى لا تأتي باللوم علي لاحقًا وتشكوا منه ابنتك. أنت رجل ذو خلق ومبادئ وأنا أحترمك وأقدرك، ولن أكون جزءًا من هذا الزواج. وإن أتى ابني إليكم فافعلوا به ما تشاءون."
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام احمد
هناك دائماً نقطة فاصلة في حياة كل شخص، أما أن تكون بداية لحياة جديدة أو نهاية لحياة ماضية، وأما إن تكون بداية للأفضل أو ربما تكون العكس ويليها الأسوأ، لكن دائماً يكون لدينا فرصة للاختيار، فاختر ما يمليه عليك عقلك ولا يجبر عليه قلبك، وأحسن دائماً الاختيار وتذكر أنه لا خاب من استشار.
أحكمت شقيقة سهيلة وزوجها الخطة بطريقة بارعة، لكن صفاء نية سهيلة ونقاءها، خاصة بعدما صلح حال آثر وحسنت نيته، جعل خطتهم تنقلب عليهم.
قالت رهف تكمل حديثها بإقناع سهيلة بكذباتهم:
- هذا ما قاله والده لوالدك، وأخبريني أيضاً في كل مرة يأتي آثر إلى هنا يخبر والدكِ، لمّ لم يخبره هذه المرة بقدومه؟! لقد أخبر والدك زوجي أن يتعامل مع الأمر.
باستغراب شديد قالت سهيلة، وقلبها يتخبط بين جدران ضلوعها حيرة وحزناً وتألماً:
- ماذا تقولين، آثر لن يأتي إلى هنا، لقد ذهب إلى أول يوم في عمله الجديد اليوم بعيداً عن والده، ربما فعل والده ذلك؛ لأنه ترك العمل معه.
قالت والدتها بضيق:
- لا نعلم ماذا حدث، سيأتي والدكِ الآن ونسأله أمامكِ حتى تتأكدين مما حدث.
رفعت سهيلة يداها أعلى رأسها تندب حظها التعيس، تدعي من قلبها بوجع أن تكون هذه آخر مخاوفها وعقباتها الصعبة، تتأمل أن تمضي على خير، لكن التوبة للشيطان ليست بالأمر السهل، لابد وأن يكون هناك اختبارات يجتازها بجدارة؛ حتى يثبت حسن توبته ونيته.
دخل والدها وهاتفها يرن باستمرار لمكالمات من آثر. انخفضت صوت الهاتف وقالت لوالدها:
- ما الأمر يا والدي؟ من الذي تحدث إليك وبما أخبرك؟
قال والدها بضيق:
- لقد قلت سابقاً تحدث والد آثر وقال إن ابنه ليس رجل زواج والتزام، انهي هذا الأمر لقد اكتفينا، هؤلاء الناس ليسوا منا ولا يشبهوننا، أحسن اختيار معارفك لمرة واحدة، في كل مرة يتصل بي آثر قبل قدومه ويستأذن مني لمجيئه، لم لم يفعل هذه المرة؟
- من قال أن آثر قادم؟! لقد تحدث إلي الآن وهو في أول يوم بعمله الجديد.
- لقد قال والده أنه في طريقه إلينا بعدما تحدث إليه.
- لا يا أبي، لن يأتي آثر إلى هنا، هناك خطأ ما في الأمر، يقول آثر أنك أخبرت ابن عمي أن يتحدث إليهم ويخبرهم بأنك لا تريد هذا الزواج، ربما هناك لبس في الأمر.
- لقد أخبرت زوج أختك أن يتحدث إليه بعدما أخبرني هذا الكلام، قلت أنه رجل كبير السن ولا أريد إحراجه، لكنه أخبرني بما لديه بكل وقاحة.
- حسناً سأخبر آثر بما حدث وهو يفهم من والده لم فعل هذا؟
حزنت سهيلة من طريقة حديث والدها إليها، التي وجه لها فيها الإهانة والإذلال دفعة واحدة، تزفر بضيق وتقول في خاطرها:
- لا فائدة.
أخذت سهيلة هاتفها ترفعه على أذنها.
آثر:
- أجل يا آثر، استمع إليّ لقد تحدثت إلى والدي الآن، أخبرني أن والدك قام بالاتصال به وأخبره أنك ليس رجل زواج ولا التزام، إنه يخلي مسؤوليته كما فعل سابقاً، وقال إنه يفعل ذلك؛ حتى لا يلومه أبي إن اشتكيت منك لاحقاً، إنه أخبر أبي براتبك الذي تتقاضاه منه أيضاً، هل تتقاضى خمسون جنيهاً في اليوم؟
- أجل عندما كنت أعمل معه.
- حسناً إذاً فابي معه حق ليس أبي من اتصل به بل هو من فعل ويريد أن يلقي اللوم على والدي.
- ومن هذا ابن عمك الذي تحدث إلى والدي؟
- إنه ليس ابن عمي بل هو زوج رهف، أخبره والدي أن يتحدث إلى والدك بعدما أحرجته والدك بحديثه، لم أرد إحراجه كما فعل هو، لم يفعل والدك كل ذلك، إنه بالفعل غير مسؤول عن شيء في هذا الزواج، لم لا يدع الأمور تمشي كما هي ولا يتدخل فيما لا يعنيه.
هذا ما أرادوه إن ينشب شجار حاد بين سهيلة وآثر، فكلاهما لن يقبل أن يهان والده من الآخر، وبالفعل لم يقبل آثر حديثها عن والده بالرغم من أن لديها الحق فيه، ولم تقبل هي أيضاً حديثه عن والدها فهي ترى أن لا حق له فيه.
قال آثر بغضب:
- ماذا تقولين ولم يفعل والدي هذا؟ لقد أخبروني أن المتصل الأول كان من طرفكم، لقد أخبرني ذلك محمد أخي؛ لأنه كان جالساً مع والدي وقت تلقيه المكالمة.
تزفر سهيلة بضيق وتدرك أن هناك حلقة مفقودة وتقول:
- لحظة يا آثر، أبي يقول أن والدك اتصل به، وأنت تقول أن والدي اتصل بوالدك وهذا ما أخبروك به، هناك أمر ما، إن أبي لا يحمل رقم هاتف والدك، ولا والدك يحمل رقم هاتف أبي أليس كذلك؟!
يفرك جبينه بتفكير ثم قال بحماس لحديثها:
- أجل هو كذلك.
- حسناً هناك من قام بالاتصال بالطرفين والدي ووالدك؛ حتى يوقع بينهما وتسوء علاقتهما أكثر مما هي عليه، وربما غرضه من هذا في الأصل أن ينهي علاقتنا.
- أجل يا سهيلة، حقاً كيف لي ألا أفكر بهذا الأمر، إنه منطقي للغاية، لكن من الذي يفعل ذلك؟
- ألا تعلم يا آثر من الذي يصدر منه تلك الأفعال؟
- ماذا تقصدين من هذا؟
- أنت تعلم جيداً أن والدي ليس له في الكذب والمراوغة بالأحاديث، ولا يمكنه الإقدام على مثل هذه الأفعال، من فعل هذا الشيء من عندك، ربما والدك أخبر أحداً بأن يفعل ذلك؛ لأنك تركت العمل معه، فهو لا يريد هذا الزواج وأنت تعلم ذلك.
زفر بضيق وغضب ثم قال:
- أغلقي الخط الآن.
أغلق آثر الخط وذهب إلى والده في العمل، دخل وهو يمسك سيجاره في يده ينفخ بها ويزفر منها بحرقة، نشب شجار بينه وبين والده، فهو يلقي اللوم عليه، سبه والده وقام بطرده وتدخل بينهما إخوته لحل الأمر، كان لديهم من الخبث ما لا يحتمل.
اتصل بـ سهبلة أحد أخواته أراد أن يعرف منها ما حدث ليخبر والده ويحل الأمر، لكن أكرم شقيقه التوأم زاد الأمر سوءاً.
قام محمد بالاتصال بها:
- مرحبا يا سهيلة أنا محمد شقيق آثر الأكبر.
- أجل يا محمد مرحبا بك.
- هل يصح هذا التصرف من آثر يا سهيلة؟ يدخل على والده دون احترام وبيده سيجاره ويتشاجر معه لأجلك؟
- لحظة فقط يا محمد سيجار ماذا، هل مازال آثر يدخن ولم يقلع بعد؟
- أجل لكن ليس هذا موضوعنا.
- أعلم ذلك لقد أخبرت آثر بما حدث، أقسم لك أني لا أعلم بما فعله مع والده، أخبرته أن يتحدث بهدوء حتى نعلم من المخطئ، وما الأمر.
- هو لم يفعل ذلك، إلى الآن لا نعلم ماذا حدث أخبرينا من فضلك؟
- هناك شخص مجهول هو من اتصل بوالدك واتصل بوالدي أيضاً في آن واحد، الوضع سيء لدي كما هو سيء لديكم يا محمد، هناك من أراد الإيقاع بنا سوياً، أخبر والدك هذا الأمر.
- أنت لا تعلم كيف هي حالة والدي الآن، ابقي معي على الخط سآخذه بما قلتي، ولتري رد فعله كيف يكون.
- حسناً.
دخل محمد إلى والده وترك الخط مفتوحاً، ليس بغرض أن تعرف سهيلة كم كان الوضع سيئاً لكنه كان يعلم كيف يتحدث والده أرادها أن تسمع بأذنها، أو ربما تخليص حق منها لما فعله آثر مع والده، فهم أيضاً لا يريدون زواجها من آثر؛ لأنها جعلته يتغير عليهم وحاولت أن تصلح منه بقدر الإمكان.
قال محمد لوالده:
- انتظر يا أبي ليس الأمر كما تعتقد، إن الوضع لديهم كما هو لدينا، تقول سهيلة هناك من اتصل بوالدها أيضاً.
فقال أكرم بضيق وصوت مرتفع حتى يزيد الأمر سوءاً:
- سهيلة هي من أخبرت آثر وهو برفقتي أن والدك هو المتسبب في كل شيء.
قال محمد باستغراب:
- كيف ذلك يا أكرم لقد تحدثت إليها وأخبرتني أن من فعل هذا شخص أراد الإيقاع بالطرفين معاً، فكما والدك منفعل وغاضب هنا بالمثل والدها وعائلتها هناك، هم لا يعلمون حتى الآن من فعل هذا.
تحدث والدهم بضيق وغضب يسب سهيلة بوالدتها بألفاظ خارجة. صدمت سهيلة مما سمعته ولكن هذا ما أراده إخوته أيضاً، ومن هنا أصبحت العائلتين لا يطيقون بعضهم البعض.
خرج محمد من جانب والده ورفع هاتفه يستكمل حديثه مع سهيلة قائلاً بلؤم:
- اعتذر يا سهيلة عما قاله والدي، لا تغضبي إنه منفعل مما حدث.
- لا عليك يا محمد لا يهم، حسناً اعتني به وسنتحدث لاحقاً عندما تهدأ الأمور.
- حسناً لقد سمعتِ بأذنيك كيف كان الوضع، اهدئي أنتِ أيضاً، لعله خيراً إن شاء الله.
- شكراً لك وداعاً.
- وداعاً.
ذهبت سهيلة إلى غرفتها تفكر وتفكر حتى كاد أن ينفجر رأسها من التفكير، طرأت لها خاطرة ربما تلك التي ستظهر الحقائق وتبين لها من المسؤول عن هذه الحالة.
أخبرت أحد إخوتها الصغار أن يذهب إلى والدها ويجلب هاتفه، ويقول له أن والدتها تريد التحدث إلى زينب شقيقتها، إنها فكرة ذكية لن يشك والدها في الأمر؛ لأنه منشغل مع ضيوفه، وهي لم تظهر انفعالها وما يدور برأسها أمام أختها ووالدتها، حتى تستطيع اكتشاف الحقيقة ولا يجرؤ أحد على إخفائها.
أمسكت سهيلة هاتف والدها من أخيها الصغير والذي أعطاه بعضاً من الحلوى مكافأة له على جلبه الهاتف؛ حتى لا يخبر أحداً.
- شكراً لك أيها البطل الصغير، خذ هذه الحلوى لأجلك لا تخبر أحداً اتفقنا.
- أجل اتفقنا.
- هيا اذهب وتناولها منفرداً.
خرج الصغير من الغرفة وجلست منفردة بينما كان الجميع داخل المنزل وخارجه، كل منهم منشغل بأمر ما. قالت في خاطرها:
- سنعلم حقيقة الأمر الآن يا سهيلة، لدي أبي تسجيل تلقائي لكل مكالماته، ربما أجد اتصالاً من والد آثر وتنهي الأمر، سيكون هناك دليلاً واضحاً على ما حدث.
تقلب في الهاتف من أسفل إلى أعلى في سجل المكالمات المسجلة، تفتح كل مكالمة مسجلة في اليوم حتى وصلت لمكالمات متقاربة في الوقت، تفصل بين كل واحدة منهم دقيقتان أو ثلاث. فتحت المكالمة فوجدت صوت والدها وزوج شقيقتها رهف، يتحدثان بغرابة، لكن هذه ليست المكالمة الأولى، خرجت وفتحت الأخرى حتى وجدت بداية المكالمة بينهما.
يقول زوج شقيقتها:
- مرحبا يا عمي كيف حالك؟
- أنا بخير يا ابني، وأنت؟ لم لم تأتِ مع رهف؟
- أردت أن أتحدث إليك بأمر ما، لا يمكنني المجيء حتى لا نعلق أنا وسهيلة.
- ما الأمر أخبرني؟
- أعلم أن هذا الولد آثر لا يناسب سهيلة ولا يناسبنا، ونريدها أن تتركه وتنهي الأمر.
- وماذا أفعل معها؟ هي من اختارت، لتتحمل نتيجة اختيارها، لقد مللنا من محاولاتنا معها بلا جدوى.
- لقد فعلت اليوم شيئاً سينهي الأمر إن شاء الله، لكني أخبرك حتى تقول لها أنك من أمرتني بفعل ذلك؛ كي لا تغضب مني.
- حسناً أخبرني ماذا فعلت؟
- لقد اتصلت بوالده وأخبرته أني ابن عمها وأنك لا تريد هذا الزواج وأخبرتني أن أخبرهم بذلك؛ حتى لا يكون هناك خجلاً بين الطرفين، والده أخبرني أن ابنه ليس رجل زواج ولا التزام ويتقاضى خمسون جنيهاً في اليوم، كيف سيلبي طلباتك ابنتكم بها، وإنه أيضاً لا يريد هذا الزواج، أخبر سهيلة أنك من طلب مني أن أتحدث إليهم لمعرفة موعد الزفاف وهكذا، وهو من قال هذا الكلام، بل قال أيضاً إن أتى ابني إليكم ثانية افعلوا به ما تشاءون.
- لقد أحسنت عملاً يا بني، أنا لا أرغب بهذا الزواج.
- فعلت ذلك عندما علمت أنه قادم إلى هنا في زيارة، هل يصح أن يأتي ويقيم باليومين والثلاثة وهو رجل غريب؟
- ولم سيأتي؟ فلم يخبرني بقدومه، يفعل ذلك في كل مرة يأتي فيها إلى هنا.
- يقال أنه قادم لقضاء عيد الحب معها، هل نحن وجها لهذه المهزلة يا عمي؟
- بالطبع لا أحسنت صنعاً، سأخبرها أني المسؤول عن ذلك.
أغلقت سهيلة المكالمة بصدمة لا توصف، كادت أن تفقد عقلها مما سمعت. تقول في خاطرها بحزن شديد:
- أنا أعلم زوج شقيقتي وأعلم أفعاله الدنيئة، لكن أنت يا والدي تتفق معه على حساب ابنتك؟! لم يا والدي لم؟!
تضرب سهيلة كفاً على كف وتخرج منفعلة، لا ترى أمامها، تشبه البركان الغاضب الذي قرر الانفجار، لا يعنيه إن كان سيدمر نفسه أو من حوله، فقط يريد الانتقام ويخرج الميت بداخله، تلك الحمم البركانية التي يغلي منها قلبها، ستخرج حتماً في كل من تسبب بها، يكفي إلى هنا، لقد ضاق بها ذرعاً وتحملت الكثير من الجميع.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام احمد
تتضارب مشاعر الخوف والحب، فتصنع مزيجًا غريب ربما يجعلك تخطئ في رؤيتك للأمور. على الشخص أن يفكر جيدًا ويتمالك نفسه حتى يرى الأمور بوضوح أكثر.
تدخل على والدتها وشقيقتها وهي ترفع هاتف والدها، تبتسم بغل وضيق. دخل والدها وجلس جوار والدتها وقال كأنه لم يحدث شيئًا:
"أعطني الهاتف يا سهيلة، تحدثتم إلى زينب؟"
أمسكت الهاتف سهيلة وهي تحرك يدها به وتقول بضيق:
"استمع يا والدي إلى هذه المكالمة."
قامت بتشغيل المكالمة بينه وبين زوج رهف، وقالت بحزن:
"ما هذا الذي فعلته؟ الم تفكر بإبنتك ولو للحظة واحدة؟ كيف سيكون شكلي أمام أهل آثر عندما يعلمون بفعلتك هذه؟"
قال والدها بغضب:
"انتبهي لحديثك، لقد تحملنا الكثير من أفعالك منذ أن عرفتي هذا الوقح، لا نريد هذه العلاقة."
بعينين دامعتين تتحدث سهيلة:
"أتُعني أن ما فعله زوج رهف أعجبك يا أبي؟ أنت توافقه على أفعاله الرخيصة هذه؟"
"أجل أوافقه وراضٍ كل الرضا عما فعل."
"حسنًا يا أبي، ليكن بديلاً لك عني. سأترك لك المنزل الآن وأعطِ زوجها مكاني وتهنأ به وبأفعاله."
بصوت غاضب ومرتفع قال والدها:
"اذهبي بلا رجعة، هيا بلا رجعة."
رنت تلك الكلمات رنات ارتجف لها قلب سهيلة. أدارت ظهرها وخرجت إلى غرفتها وهي تسمع تردد تلك الكلمات في أذنها كآلة عازفة لا تتوقف عن العزف على أوتار قلبها الحزينة، التي تصدر موجات الألم والوجع بلا توقف.
دخلت إلى خزانتها تخرج ملابسها وتضعها في حقيبة سفر. رن هاتفها بمكالمة من آثر. أجابت باكية وهي تقول:
"أجل يا آثر، اسمعني جيدًا، زوج رهف هو المسؤول عن كل ذلك."
"ماذا تقولين؟ زوج رهف؟"
"نعم زوجها، لم يكن أبي يعلم بذلك."
دخلت والدتها وأخذت منها الهاتف وأغلقت الخط عندما سمعتها وهي تقول آخر كلمتين: "أبي يعلم ذلك". وقالت:
"هل جننتي؟ كيف تخبريه بأن والدكِ يعلم؟"
نظرت إليها سهيلة بكسرة وقالت:
"وهل ما فعله كان صوابًا يا أمي؟ لم يفكر بي ولا بمظهره أمام الناس، والآن تخشين أن يعرفوا بفعلته. لا تقلقي، لم أخبره. لقد أخبرتك أنه لا يعلم بما فعله زوج ابنتك، والتي اشتركت معه في فعلته هذه."
أدارت ظهرها إليها وهي تخرج ملابسها من خزانتها. أمسكت والدتها بحقيبتها ودفعها بعيدًا على الأرض وهي تقول:
"اتركي هذه الحقيبة، إلى أين ستذهبين؟ هل هناك فتاة تترك منزل والدها ومنزلها لأجل شخص غريب؟"
صرخت سهيلة وهي تقول:
"ليس منزلي ولم يعد كذلك، لقد اختار أبي بديلاً عني. ليس لأجل شخص غريب، بل اكتفيت من أفعالكم، اتركوني وشأني."
ذهبت إلى الحقيبة وهي تبكي بقهر. رفعتها على سريرها وهي تضع بها الملابس، ودخلت شقيقتها وقالت بكل برود:
"ماذا تفعل هذه؟ هل ستترك المنزل لأجل آثر؟"
زادت سهيلة تلك الكلمات الباردة ضيقًا، أردفت تنظر إليها بغضب وقالت:
"لا تقولي لأجل آثر، بل قولي بسبب زوجك الوقح، الذي اشتركتِ معه في خطته الدنيئة، يا لكم من حمقى لا تخجلون."
كادت أن تتشابك معها ووقفت بينهما والدتهن. فقالت رهف من خلف ظهرها:
"نحن لسنا حمقى يا سهيلة، فعلنا ذلك لأجلك، لأجل مصلحتك، لا نريد أن تتأذي. هذا الشخص لا يناسبك أيتها الغبية، كفاكِ غباء واستيقظي من غفلتكِ. هو لا يريدكِ بل يريد نسبة وما لديك ولدى عائلتك أيتها الرخيصة."
غضبت سهيلة كثيرًا وقالت لها بتهديد:
"الرخيصة هي أنتِ وزوجك يا رهف، الرخيصة من أخذت رقم هاتف والد آثر من هاتفي دون علمي وأعطته لزوجها. الرخيصة من تبيع أختها لأجل رغبة زوجها الرخيص في الحصول على عمل من صديقه وكيل النائب العام. تعلمين ما أقصد، أليس كذلك؟ ما رأيك في أن أخبر والدتكِ ووالدكِ الآن بما كنتم تخططون لفعله أنتِ وزوجكِ؟ ها، ما رأيك؟ عندما طلبتي مني أن أذهب معكِ بحجة شراء ملابس لأطفالك."
وقفت والدتها بينهما بغضب وقالت منفعلة:
"توقفن، كفاكن شجارًا، ما هذا الذي أسمعه؟ ماذا تقولين يا سهيلة؟"
عادت سهيلة خطوتين إلى الخلف وقالت وهي تشير إلى رهف بتهكم، تبتلع ريقها بصعوبة من شدة البكاء وتحاول التقاط أنفاسها، تتسارع ضربات قلبها من الانفعال والغضب:
"سأخبركِ يا أمي، في يوم ما طلبت مني رهف أن أذهب معها وزوجها لشراء ملابس لأطفالها من المدينة، ولحسن حظي في هذا اليوم كان لدي عمل وعدت إلى المنزل في وقت متأخر قليلاً، وكنت متعبة ولم أستطع الخروج. في هذا اليوم لم تكن تريد شراء الملابس، بل كانت حجة لتضعني أمام الأمر الواقع، تجعلني أقابل محمد بك في موعد غرامي، تلتقط لي بعض الصور وأنا برفقته وترسلونها إلى آثر وعائلته."
بصوت غاضب ومنفعل تصرخ سهيلة وتقول:
"لقد وصلت بهم الوقاحة إلى هذا الحد، لم يفكروا بسمعتي ولا مظهري أمام الناس، فقط يفكرون بمصالحهم الخاصة. لقد وعدهم محمد بك أن يجلب له واسطة لتوظيفه ككاتب في النيابة العامة. لم أخبر والدي حينها؛ حتى لا يتشاجر معهم أو يغضب عليهم، خفت عليهم وهم لم يفكروا بي ولو للحظة واحدة، وفي نهاية المطاف اختارهم والدي وتركني وحيدة."
عندما سمعت والدتها القصة التي سردتها لها سهيلة، لم تتوقع أن هذا يحدث من ابنتها الكبرى وزوجها ضد أختها، كأنها عدوة لهم. بدأت الأم تضرب خديها بشدة، تندب حظها التعيس لما حدث بين بناتها. لقد أوقع الرجال بينهن، إحداهن تمشي وراء زوجها والأخرى تدافع عن خطيبها. في نهاية الأمر تشابكت الأختان أمام والدتهن، وقامت الأم بصفع كليهما بقوة. قامت بطرد رهف من المنزل وأغلقت الباب على سهيلة؛ لتمنعها من الخروج.
أتى الليل وجلب الظلام الدامس معه، ليس فقط في السماء والأماكن، وإنما في قلوبهن. كل واحدة منهن ترقد على وسادتها وقلبها يعمه الظلام مما فعلته الأخرى. الأم ترقد على وسادتها تفكر في بناتها وكيف وصل بهن الأمر إلى هذا الحد، وماذا ستفعل لتصلح تلك الشقوق بينهن. أما رهف فحزنت لحزن والدتها والذي أدى بها إلى حالة نفسية تسببت في تشنج بقدميها وتوقف عن الحركة.
أما سهيلة فترقد على وسادتها تنظر إلى السقف وعيناها تتساقط منها الدموع كقطرات المطر، تتوالى واحدة تلو الأخرى دون توقف، قلب منفطر ومنكسر ووحيد ومتألم. لقد اكتفى قلبها من كل ألوان الوجع والتألم، انعكس الأمر على جسدها من شدة وجعها مما تعرضت له من مواقف صادمة وصعبة، لم تعد تحتمل حتى الشكة في يدها. ماذا تفعل الآن؟ فهي رغم كل ما تشعر به من وجع إلا أنها تتملكها الحيرة.
من سترضي ممن تحب؟ والدها أم والدتها أم عائلتها ومن لهم مصالح خاصة على حساب سعادتها؟ أم ترضي نفسها؟ أم ترضي آثر وتتخلى عن الجميع؟
بالرغم من حلاوة الحب وحلاوة مشاعره التي تغمر القلب بالسعادة، إلا أنه ليس بالأمر السهل، فالآمه أشد إيلامًا من غيرها، ونيرانه أشد حرقة من غيرها، فعندما يتألم القلب يتألم جميع الجسد، وآلام القلب لا يضاهيها آلام.
بينما كانت سهيلة وحيدة في غرفتها تعانق آلامها، رن جرس الباب. كانت الساعة تخطت الواحدة صباحًا. سمعت سهيلة صوت الباب لكنها لم تتحرك خطوة واحدة. علمت أن زوج شقيقتها بالخارج عندما سمعت صوته، لكنها لم تعلم أن شقيقتها برفقته بالخارج لا تستطيع التحرك من آلام قدميها. غادر زوجها بعد حوالي ربع ساعة من الزمن عندما لم يفتح له أحد باب المنزل.
علمت والدتها في الصباح بما حدث عندما تحدثت إليها عبر الهاتف، قالت بصوت مرتفع:
"ألم يسمع أحدكم باب المنزل بالأمس؟ لقد كانت أختكم تتألم وجلبها زوجها إلى هنا، كيف لكم ألا تسمعوا جرس الباب الذي رن عدة مرات؟"
خرجت سهيلة من غرفتها بهذا الوجه الباهت وقالت:
"بلى سمعت، ولم أفتح لأحد."
قالت والدتها باستغراب:
"لقد كانت أختكِ مريضة تتألم من قدميها أمام الباب، لقد جلبها زوجها بالأمس خوفًا عليها من شدة الألم. لقد غضبت لما حدث بينكما بالأمس، وأنتِ سمعتِ الباب يدق ولم تفتحين! علمت أنها هي؟"
جلست سهيلة على الأريكة ورفعت قدميها تضمها إلى صدرها بكل هدوء وقالت وهي تمسك هاتفها تتصفحه:
"لم أكن أعلم أنها برفقته، خِلته أتى منفردًا عندما أخبرته بما حدث، ولا تقولي أختكِ ثانية، لم يعد لدي أخت كبرى بعد الآن، لقد ماتت بالنسبة إلي."
حزنت والدتها مما سمعته منها، لكن كيف ستدافع عنها؟ فالأخرى لم تترك مجالاً للدفاع. خوفها على شقيقتها جعلها تخطئ في حقها دون وعي. خبث زوجها اللامتناهي جعلها تفعل ما يقول دون تفكير بحجة خوفها على شقيقتها.
وقعت الأم بين بناتها مغلوبة على أمرها لا تعلم مع من تصف، فكلاهما قطعة من روحها. وكان الأب لا يبالي يتركها كما ترسي، فأينما رست سيعلم مرساها.
ومن هنا انقطعت علاقة سهيلة بشقيقتها الكبرى وزوجها بعدما فعلوه بها. كان آثر يعمل ليلاً نهارًا حتى يأخذ سهيلة إلى منزله كزوجة. بالرغم من التحديات التي واجهوها والعقبات القاسية التي اعترضت طريقهم، إلا أن النصيب كان غالباً والقدر حتمًا سينفذ. وعلى الرغم من المحاولات التي لا تعد ولا تحصى للتفريق بينهم وتخريب علاقتهم، إلا أنهم وصلوا إلى نهاية الطريق معًا، وها هو اليوم الموعود قد أتى يوم عقد قران سهيلة على آثر. وكالعادة لن يمرر والدها الأمر بسهولة ولن يترك ابنته تغادر منزله بهذه البساطة.
وكالعادة فاجأ الجميع، وصدم آثر من فعلته.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام احمد
عندما نحصل على ما نريد نعتقد أننا نملك الكون، وربما نقول في خاطرنا لقد حبونا هكذا ولا نحتاج إلى شيء آخر من الدنيا، نكتفي بحصولنا على أكبر أمنياتنا.
هذا لأننا لم نرَ بعد عواقب حصولنا عليها أو نتائج ما بعد الحصول، هل ستجلب لنا السعادة أم تكون عبئنا علينا فوق أعبائنا؟
لقد كان حلم سهيلة وأمنيتها الأكبر في حياتها بعدما أُغرمت بآثر أن تحصل عليه.
تركت كل طموحاتها وأحلامها قبل ذلك جانبًا وأصبح هذا ما تتمناه في الحياة فقط، وبالفعل حصلت عليه.
في يوم التاسع عشر من يوليو عام ألفان وسبعة عشر ميلاديًا ١٩/٧/٢٠١٧م، كان عقد قران سهيلة على آثر.
اتصل بها آثر صباحًا ليوقظها من نومها حتى تستعد، كان في طريقه إليها هو وعائلته عبر سفر لساعات.
أجابت سهيلة:
- صباح الخير يا عريس.
- صباح الخير يا عروسة الجميلة، هيا قومي لقد بقي القليل حتى أصل إليكِ.
- من أتى معك غير والدك؟
- أنتِ معي منال أختي منال، وأكرم وزوجته شهد، وأبي.
لقد تزوج أكرم شقيقه التوأم بطريقة غريبة، من فتاة تعرف إليها أيضًا عبر السوشيال ميديا، بعد مشاجرات دارت بينه وبين أهلها في خلال فترة خطوبة سهيلة وآثر، وتزوج أكرم بشهد دون علم أهلها؛ ذلك لرفضهم له رفضًا قاطعًا لسوء خلقه.
وفي الحقيقة اتضح أنهم يتشابهون في هذا، زوجته وهو وعائلتها.
بعد خطأ أكرم مع زوجته قبل الزواج بها، أخذها وتزوج بها دون علمهم حتى يضعهم أمام الأمر الواقع.
ليس هناك مجالًا للرفض، لقد أخذ منها أعز ما تملك وهذا ما أراده.
لكن آثر أخبره بألا يتركها بعدما حدث بينهما، جعله يشعر بتأنيب الضمير.
وبالفعل تزوج بها وعاش بنفس الشقة التي كان يعيش بها آثر وإخوته وشقيقته وابنتها الصغيرة.
حملت شهد بطفلتها الأولى بعد الزواج مباشرة، لم يكن يعلم أكرم أنه سيحمل كل هذه المسؤولية.
اعتقد أن الحياة سهلة وبسيطة، يحارب ويعشق كروميو، يتزوج ليستمتع ويلبي رغباته المكبوتة، وقتما يشاء يتخلص من حمله بكلمة واحدة.
لكن خاب ظنه وانقلب الأمر عليه، وعانى من نواياه السيئة التي أصبحت تعاقبه الآن بانقلابها على رأسه.
تكمل سهيلة حديثها مع آثر عبر الهاتف وهي تفيق من نومها بسعادة:
- حسنًا أخبرني عندما تصل إلى المدينة.
- حسنًا، وداعًا.
- وداعًا.
قامت سهيلة وجدت الجميع في المنزل في انتظارها وعندما خرجت من غرفتها، وجدت عائلتها مجتمعة في الداخل، خالاتها وعماتها وزوجات خلانها، وفتيات العائلة بمن فيهن رباب وأسيل.
وعندما طلعت قالت:
- صباح الخير.
هلت الزغاريد من الجميع، إذا بفرحة عارمة وابتسامة عريضة تملأ وجهها حتى جعلتها تزرف دموعها بفرح شديد، تلك الأصوات التي تمنت سماعها وتلك الفرحة التي تمنت أن تشعر بها بعد عناء دام لأكثر من عامين منذ أن تعرفت على آثر.
هذه اللحظة التي تمنى قلبها أن تغمره ويشعر بها، أصوات الأغاني والزغاريد تملأ المكان.
قامت رباب تمسك بيدها وتراقصها، الجميع يصفقون ويهللون، لا تتوقف الزغاريد.
بعد قليل ذهبت سهيلة إلى الداخل فوجدت خالتها الكبرى ووالدتها تجلسان، يقومان بتقطيع الدجاج والخضار لتجهيز الغداء للجميع وعائلة العريس.
فقالت خالتها الكبرى:
- صباح الخير يا عروس، ما شاء الله لقد أصبح وجهك يشع نورًا اليوم، بالطبع وكيف لا يكون كذلك لقد حصلتِ على آثر.
ضحكت سهيلة وقالت:
- أجل يا خالتي حمدًا لله، لقد عانيت كثيرًا حتى هدأ هذا اليوم.
قالت والدتها وهي منشغلة بتجهيزات الطعام:
- أين هو الآن هل تحدثتِ إليه؟
- أجل يا أمي قال إنه في طريقه، عندما يصل إلى المدينة سيخبرني.
- ومتى ستذهبين إلى صالون التجميل لقد أصبحت الساعة التاسعة الآن؟
- سأرسم الحناء وأذهب بعدها مباشرة، لقد أتت أم أحمد رسامة الحناء، ساندي عليكِ بعدما أنتهي.
- ولم هل سأرسم أنا الحناء؟!
أقبلت عليها سهيلة تعانقها من خلفها وتقبل خدها:
- بالطبع ستفعلين، وإن لم تفعلي فلن أرسم أنا أيضًا.
ضحكت والدتها وقالت:
- وأخواتك؟
- أخبرتها عن الجميع، سأذهب أنا قبل ذهاب الوقت.
أمسكت خالتها بطرف جلباب سهيلة وقالت لها:
- اليوم عقد قرانك يا سهيلة، لقد انتهى الأمر وحصلتِ على آثر، لا داعي لأن تظلي مقاطعة شقيقتكِ رهف في يوم كهذا، هيا اذهبي وسلمي عليها، ستغادرين المنزل بعد ساعات معدودة، ومن يعلم متى ستلتقون مرة أخرى، نحن دائمًا نقول أنكِ فتاة عاقلة، هيا يا عزيزتي أرضي والدتكِ، ولا تجعليها في حيرة من أمرها بينكم.
تنهدت سهيلة وهي تستمع بانصات إلى خالتها بعدما انتهت من حديثها وقالت بكل هدوء ورضا:
- حسنًا يا خالتي سأفعل.
- حسنًا يا ابنتي، أتم الله يومك بخير وكتب لكِ السعادة أينما كنتِ.
- اللهم آمين، سأخرج أنا.
ذهبت سهيلة إلى الخارج لتقوم برسم الحناء على يديها وقدميها كأي عروس، تلك هي العادات الجميلة التي توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل حتى يومنا هذا، والتي لا يعطى معنى للعرس دونها، فمهما تقدمت الأجيال والعصور تظل تلك العادات من أسس الأعراس العربية في كل مكان، إنها كالتراث والآثار العتيقة التي أينما وجدت تظل شيئًا يرغب به الجميع.
أثناء خروج سهيلة إلى غرفتها وجدت باب المنزل يفتح، تدخل منه شقيقتها الكبرى وأطفالها.
ظنت رهف أنها لن تجيب على سلامها كالعادة، كما ظلت علاقتهما منقطعة لمدة العام تقريبًا.
دخلت رهف وتوقفت سهيلة حتى اقتربت منها.
قالت رهف:
- كيف حالك يا سهيلة.
أجابتها سهيلة:
- مرحبًا يا رهف.
فرحت رهف كثيرًا عندما أجابتها.
اقتربت منها سهيلة وقامت بضمها وبكت رهف حتى جعلت سهيلة تدمع عيناها، فقالت سهيلة مبتسمة:
- يا ادخلي وجدي شيئًا تفعلينه أيتها الحمقاء، إنه يوم زفافي ولا أريد أن ينقصني شيء.
ضحكت رهف وقالت:
- مبارك عليكِ يا عروس.
دخلت رهف وأخبرت والدتها أنها تصالحت مع سهيلة وها هي فرحة الأم اكتملت الآن بفرح بناتها.
خرجت سهيلة وجلست لمراسم الحناء، والجميع منشغل كل فرد بشيء ما.
انتهت سهيلة وقامت بالاستحمام وتبديل ملابسها استعدادًا للخروج والذهاب إلى صالون التجميل.
انتهت سهيلة وعندما كانت خارجة من باب المنزل وقف الجميع خلفها، بالزغاريد والطبل والأغاني التراثية القديمة، التي يتداولها الإناث في الأفراح.
ولكن ترافقه هذه الفرحة الدموع من الجميع، في كل مرة تخرج بها العروس من منزل والدها في آخر أيام قبل الزفاف، سواء لصالون التجميل أو لعرسها يوزعها الجميع بمشاعر الحب والفرحة والحزن معًا، على فراقها ومغادرتها منزل العائلة.
سبحان مقلب القلوب، تعيش الابنة وتنشأ في بيت والدها حتى تصير عروسًا، وكأنه يزرع شجرة ثم تنبت ويبقى على تربيتها ونموها حتى تكتمل؛ لتكون لديها استعداد لتنتج ثمارها.
ومن هنا تنتقل إلى مرحلة أخرى، تنهي مهمة الوالدين ويأتي من يكمل المهمة الأخرى؛ لذلك شبه الله تعالى المرأة في كتابه العزيز بالحرث وهي الأرض التي تلقي فيها البذور لتنبتها.
تبكي سهيلة وهي تذهب إلى سيارة عمها الذي سيوصلها إلى صالون التجميل.
خرجت معها رباب وشقيقتها الصغرى.
أثناء الذهاب في طريق صالون التجميل اتصل آثر:
- سهيلة لقد وصلت إلى المدينة، هل سيأتي أحد لأخذنا؟
استغربت سهيلة لسؤاله وقالت:
- كيف ذلك؟! من سيأتي لأخذكم يا آثر؟! أنا الآن في طريقي إلى صالون التجميل، استقل سيارة أجرة يا عزيزي، وأنت تعلم طريق المنزل.
انفعل آثر، ذهب بهاتفه بعيدًا عن أهله وقال بغضب:
- ماذا يعني هذا؟! من المفترض أن تكون هناك سيارة في انتظارنا.
باستغراب وسخرية تقول:
- حقًا؟! لم أكن أعلم أن هذا يحدث، هل أنت العروس أم أنا؟! ما أعرفه أن العريس من يأتي لاصطحاب العروس، جد سيارة تحضرك إلى هنا.
نشبت مشاجرة بينهما عندما أخبرها آثر إن لم تأتِ سيارة لاصطحابهم، سيعود ولن يكمل الزفاف.
وبكل ثقة وبخته سهيلة قائلة:
- عد يا حبيبي كما تريد، لم يعد يهمني ولن يكون هناك فرق بالنسبة لي، افعل ما تشاء.
أغلقت سهيلة الخط في وجهه وعندما سمعها عمها الأصغر "رائد" قال لها:
- بهدوء يا سهيلة، تحدثي بهدوء يا ابنة أخي، لا يمكنك التحدث مع رجل بهذه الطريقة، نحن الرجال لا نحب العند ولا نتقبله، لا تعانديه في شيء، فقط تفهمي معه وحاولي إقناعه بمحبة، اجعلي السياسة هي مبدأ للتعامل بينكما.
قالت رباب وهي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة بمزاح:
- افرحي يا سهيلة لقد حصلتِ على نصائح الأم في يوم زفافك الآن من عمك هههه.
ضحك الجميع وقال رائد لرباب:
- أليس ما أقوله صحيح يا رباب؟
- بالطبع يا رائد إنهم حقًا لا يحبون العناد، سهيلة إن كان آثر قد اقترب من المدينة؟ ها هو عمك ينتظره ويجلبه معه.
قال عمها رائد:
- أجل بعدما أوصلكم انتظره وأجلبه معي في طريقي للعودة، أخبريه يا سهيلة وأعطني رقم هاتفه أتواصل معه.
- حسنًا يا عمي كما ترون.
أخرجت سهيلة هاتفها من حقيبتها واتصلت بآثر تقول:
- الو أين أنت الآن؟
- لقد أوشكت على الوصول إلى المدينة.
- حسنًا سيأتي عمي لأقلاكم، سأعطيه رقم هاتفك ويتصل بك بعد أن يوصلنا، انتظره بعدما تصل.
- حسنًا أعطيه الرقم، وداعًا.
- وداعًا.
وصلت سهيلة إلى صالون التجميل ووصل آثر إلى منزلها برفقة أهله، رحب بهم الجميع ووالد سهيلة، ودخل في جناح الضيوف، وضعوا لهم طاولة طعام فخمة وراقية، مليئة من خيرات الله.
وبعد الانتهاء من تناول الطعام، جلس الرجال في غرفة استقبال الضيوف، ما يسمونه بمقعد الضيوف في بلدتهم، وجلس النساء مع النساء.
أتى المأذون الشرعي؛ لإتمام عقد القران وكتب كتابهم.
جلس والد آثر وآثر وشقيقه التوأم أكرم، ووالد سهيلة وأخوالها وأعمامها.
فقال والد آثر:
- هل لديك طلبات أخرى تريد إضافتها؟
قال ذلك موجهًا حديثه إلى والد سهيلة، فقال والدها مجيبًا:
- لا ليس سوى ما اتفقنا عليه سابقًا، كما قلت أن قائمة المنقولات بمائة وخمسون ألف جنيهاً، وقيمة الذهب وهي مائة جرام أي كان ثمنها، هذا ما أريده، أما بالنسبة إلى شقته فأنا لم آخذ منه مهرًا؛ لأنه أخبرني أنه سيقوم بكامل التجهيزات اللازمة لفرش شقته وتجهيزها.
تبادل والد آثر النظرات مع آثر وشقيقه التوأم أكرم وقال في خاطره ربما تكون فرصة لإنهاء هذا الزفاف، كيف لهذا الرجل أن يشترط علي كيفما يشاء وأنا فقط علي القبول؟!
لا لن يحدث.
جهر بصوت حديثه قائلاً:
- لا لن يحدث هذا.
تلك الكلمات جعلت قلب آثر يسقط بين أقدامه، يضرب بشدة بين ضلوعه خوفًا من تصرفات والده.
لقد أخبرها آثر أن يجلس بين الناس بصفته والده وليس له أنه يعترض على شيء؛ لأنه غير مسؤول عن شيء من تكاليف الزفاف ولن يساعد آثر بشيء.
لكن كيف له ألا يصنع لنفسه قيمة بين أشخاص تتحدث عنهم قيمتهم ومكانتهم ومظهرهم قبل حديثهم.
فقال والد سهيلة يتهكم:
- وما الذي سيحدث إذا؟
قال والده بثقة:
- ستكون قائمة المنقولات بقيمة المائة ألف جنيها لا غير، أما الذهب فسيكون بقدر ستون ألف جنيها، ليس إلا، إنهم شباب في بداية حياتهم، ابني مازال يبني حياته، نحن نريد إتمام الزواج بدون خلافات.
نظر والد سهيلة إلى آثر وقال له:
- لنتحدث على انفراد يا آثر قليلاً من فضلك.
- أجل يا عمي.
خرج آثر ووالد سهيلة إلى غرفته، قال والدها:
- ليس هذا ما اتفقنا عليه يا آثر، أخبرتني أن والدك سيأتي برفقتك أمام الناس ولأجلي؛ حتى لا يتحدث الناس ويقولون أين والده؟ لكنك لم تخبرني أن سيتحدث في تفاصيل، وما يقوله مرفوض بشدة.
قال آثر بتوتر، يخشى أن ينتهي الزفاف بسبب والده، يريد إرضاء والد سهيلة بكل الطرق:
- استمع إلي يا عمي أرجوك، أنا أعلم أبي وأفعاله، أنا المسؤول أمامك عن سهيلة، ما تريده أنا سأفعله لكن لا تخبر أبي.
جلس والدها وفكر في أن يتم الأمر دون خلافات ما دام آثر يريد سهيلة وسيفعل ما يطلبه.
اقترح عليه حلاً وسط وقال:
- حسنًا أنا لن أتحدث معه لأجلك أنت، هناك حل لذلك، سنقوم بعمل قائمتين للمنقولات، إحداهما أمام والدك لترضيه وهذه لن تكون الأصلية، والأخرى ستوقع عليها أنت كمسؤول أمامي وأمام الجميع.
- حسنًا أنا أوافق على ذلك، سأفعل ما تريده.
خرج آثر ووالد سهيلة إلى الجميع وفعلوا ما اتفقوا عليه أمام والده، وقام آثر بالتوقيع على قائمة منقولات أخرى لوالدها في غرفته، وتم عقد القران في انتظار توقيع سهيلة.
كانت سهيلة في صالون التجميل تضع يدها على قلبها خوفًا من أن يحدث خلاف بينهم وينتهي الزفاف.
قامت بالاتصال برهف حتى تخبرها بالتفاصيل:
- رهف أخبريني كيف الأوضاع لديكِ؟ هل تم العقد أم ماذا؟
- لا تقلقي يا سهيلة، لقد تم الأمر، أخبرنا والدك منذ قليل أنهم عقدوا قرانك على آثر، فقط ينتظرون توقيعك بعد قدومك.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام احمد
ما نراه اليوم ليس كما لا نراه غداً، ولا نعلم ما هو وكيف يكون، لكن لنكن على حذر فيما نخطيه اليوم حتى نضع أساساً صحيحاً لبدايات غداً.
عندما كانت سهيلة في صالون التجميل تستعد لقضاء ليلتها الأخيرة في منزل والدها بفرحتها التي لا توصف، كانت لا تفكر سوى في تلك اللحظات وتلك الفرحة التي تراها في أعين الجميع. كانت تعتقد بأنها لن تنتهي هذه الفرحة وستظل ترافقها إلى الأبد.
ابتسمت سهيلة بفرحة عارمة وقالت:
- حمداً لله على ذلك، لقد تم الأمر يا رباب.
فرح الجميع، وقامت رباب تزغرد فرحاً. تخطت الساعة السادسة مساءً وأصبحت سهيلة جاهزة. أتى عمها بسيارته الفخمة ومعه آثر ليصطحب سهيلة. خرجت سهيلة على آثر في طلتها الأولى كعروس في يوم حنتها، وكأنه يراها للمرة الأولى. تطل بفستانها الذي يشبه فستان سندريلا، بلونه الفيروزي، الذي يتخلله نقشات تشبه أغصان الشجر الرفيعة باللون الأبيض.
ترتدي حجاباً بنفس اللون وتضع تاجاً يشبه تاج الأميرات فوق رأسها، مرصعاً بالكريستال الذي يشع ضوءاً. إنها حقاً تشبه الأميرات. كان آثر ينظر إليها فاتحاً فمه، شارداً في طلتها وجمالها. هذه الفتاة التي كان يتنمر على شكلها الكثير لتوسط جمالها وسمار بشرتها، كانت ملكة متوجة في يومها.
يقال أن الله تعالى يضع نوراً في وجه العروس يوم زفافها، يراه زوجها دون سواه، ويراها بدرجة جمال لا يراها بها الجميع.
تقدم سهيلة على آثر، تفكر في خاطرها وتقول:
- تلك المرة الأولى التي أراه فيها كزوج لي، يا إلهي لا أستطيع وصف شعوري، كم هو رائع هذا الشعور.
اقتربت منه تضمه إليها وتهمس بأذنه:
- مرحبا يا زوجي العزيز، وأخيراً لقد أصبحنا زوجين الآن.
ابتسم آثر وضمها برفق، خجلاً من عمها الذي كان يقف خلفه:
- أجل يا عروسي الجميلة، لكن مهلاً، يقف عمك خلفي. لو لم يكن هنا لحملتك بين ذراعي وضممتك بشدة.
ابتسمت سهيلة وقالت:
- لقد أصبحت ملكي الآن.
أجابها قائلاً وهو ينظر في عينيها بحب مبتسماً:
- لقد أصبحتِ ملكي الآن.
في زفة بسيارة عمها إلى المنزل بعد التقاط الصور، أوقف والدها السيارة أمام المنزل قبل أن تنزل سهيلة وقال لها من خلال النافذة:
- سهيلة، قبل أن تدخلي إلى ساحة الحفلة، اصعدي إلى غرفة الضيوف للتوقيع على قسيمة الزواج، ينتظرك المأذون. الكثير من الوقت.
- حسناً يا أبي.
صعدت سهيلة إلى غرفة الضيوف وجلست للتوقيع على قسيمة الزواج. كانت الهواتف المحمولة تلتقط الصور دون توقف، حتى والدها كان يلتقط لها الصور أيضاً لتكون ذكرى لديه لآخر يوم لها في منزله.
وبعد قضاء ليلة فرحة يملأها الفرح والرقص والأغاني والزغاريد، تخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وانتهت الحفلة. دخل الجميع المنزل لترتيب أغراض سهيلة وحقائب ملابسها التي ستأخذها معها.
جلس آثر برفقة عائلته بغرفة الضيوف. دخل والد سهيلة مرحباً بهم. بالرغم من خلافاته مع سهيلة، إلا أنه كان حزيناً لفراقها. ورغم كل ما حدث من آثر، كان والدها يقف على خدمة أهله بأكمل وجه. في نهاية الأمر هم ضيوفه، وإكرام الضيف من عادات الكرماء وواجب لا يمكن تركه.
وقف والد سهيلة على طاولة طعام عائلة آثر، وخاصة والده الذي كان يناديه بالعم لكبر سنه. اهتم بهم كثيراً وأقسم على والد آثر أن يدخل لينام مستريحاً في غرفته، بها مكيف ومرتبة ومنظمة على أكمل وجه. لكن والده رفض وتصر على النوم أمام المنزل في حديقة المنزل، كان الهواء الطلق يريح الأعصاب. قام والد سهيلة بوضع سجاد وفراش للنوم على الأرض لأجله، بينما دخلت منال وشهد زوجة أكرم للنوم بالداخل في غرفة سهيلة.
طلبت منال من سهيلة جلاباً ترتديه للنوم، فقالت سهيلة:
- تعالي إلى هنا.
أخذتها إلى الغرفة وقامت بفتح حقيبة ملابسها الجديدة التي لم ترتديها بعد، وقالت والدتها:
- البسي ما شئت يا ابنتي، أنت الآن مثل سهيلة، وملابسها لا تكثر عليكِ.
هذا الموقف الشهم الأصيل الذي قامت بفعله سهيلة ووالدتها لمنال، كان من المفترض أن يظل برأسها حتى الممات. كيف عاملتها هذه العائلة في أول مرة تدخل فيها إلى منزلهم. لكن الطبع يغلب التطبع، والأصالة لا تشترى بالمال.
بالرغم من حسن معاملتهم لها، إلا أن الغيرة والحقد كانت تملأ قلبها من سهيلة وعائلتها.
ارتدت منال عباءة من ملابس سهيلة الجديدة، وقالت لها منال بعد تبديل ملابسها:
- سهيلة، أريد أن أطلب منك طلباً؟
بكل سعادة قالت سهيلة:
- بالطبع يا منال، اطلبي ماذا تريدين؟
- لقد أخبرني الطبيب أن أشرب كوباً من الحليب كل ليلة مع الحبوب التي أتناولها كعلاج لتقوية المناعة، رجاءً أريد كوباً من الحليب الدافئ.
تعجبت سهيلة من تلك المقدمة الطويلة التي تبرر فيها رغبتها لتناول كوباً من الحليب، فقالت سهيلة على علمها بأنه لا يوجد حليب في المنزل:
- لم كل هذه المقدمة يا بنيتي، فقط قولي أريد كوباً من الحليب، لكن ليس هناك حليب في المنزل. كم الساعة الآن يا آثر؟
نظر آثر بساعة يده وقال:
- أنا الواحدة والنصف صباحاً، لن يكون هناك محال تجاري مفتوح الآن، انتظري يا منال حتى الصباح.
قالت منال بغيظ من آثر:
- لا داع لأن يكون هناك محل مفتوح يا آثر.
ثم أشاحت بنظرها إلى سهيلة وقالت:
- لقد كانت خالتك تجلب حليباً في الصباح عندما أتيت إلى هنا.
قالت سهيلة باستغراب:
- حقاً؟! لم أكن أعلم؛ لأني لم أكن هنا في الصباح. تعلمين، كنت في صالون التجميل.
- أجل أجل، أعلم ذلك. ستجدينه في الثلاجة، لقد كنت أجلس برفقتهن حينها، لذلك أخبرك بما رأيت.
- حسناً يا منال، سأدخل لأرى.
أردفت سهيلة تعطيها ظهرها تتعجب، ثم قال آثر عند خروجها من الغرفة:
- سهيلة، ماذا ستفعلين الآن؟
نظرت إليه مبتسمة:
- لن أفعل شيئاً يا آثر، فقط سأذهب لأرى الحليب لمنال وأحضر حقائبي وأغراضي للسفر صباحاً.
- حسناً، سأرتاح هنا قليلاً حتى تنتهين، أريد التحدث معك.
- لا تقلق يا حبيبي، لدينا عمراً آخر نقضيه معاً ونتبادل الأحاديث، سأنتهي من عملي وأوقظك.
- حسناً، لا تدعيني نائمة، أيقظيني عندما تنتهين.
- حسناً.
دخلت سهيلة ويتردد في ذهنها حديث منال وتلك التفاصيل التي لاحظتها، تقول في خاطرها:
- لقد علمت أين مكان الحليب ومن جلبه إلى هنا ووضعت عينها عليه. ما هؤلاء البشر يا ربي، حمداً لله أن آثر ليس مثلهم.
دخلت سهيلة توقظ والدتها وتسألها عن الحليب الذي قالت عنه منال:
- أمي؟ أمي؟
بصوت نائم ومتعب:
- ماذا يا سهيلة؟
- أعتذر أني أيقظتكِ، أين هو الحليب الذي جلبته خالتي صباحاً، أريد كوباً منه.
- عن أي حليب تتحدثين يا حبيبتي؟
- امشِ، ركزي معي رجاءً، لقد جلبت خالتي حليباً في الصباح ووضعته في الثلاجة.
- آه، أجل نعم، لكنها أخذته معها إلى منزلها، إنه لها، وضعته في الثلاجة عندما أتت لترانا لبعض الوقت، ثم أخذته عندما غادرت معها.
- حسناً يا أمي، عودي إلى النوم، عمت مساءً.
عادت والدتها إلى النوم، خرجت سهيلة إلى آثر تخبره حتى يخبر منال:
- آثر، لم أجد الحليب، لقد أخذته خالتي معها عندما غادرت، إنها له وليس للمنزل، أخبر منال حتى لا تسيء الفهم.
أمسك آثر بيدها وقال:
- دعكِ منها، أنا سأخبرها.
لاحظت سهيلة اقترابه منها، دفعته بعيداً وهي تبتسم بخجل قائلة:
- لا لا لا، الزم حدودك أيها اللئيم، ما زال هناك وقت.
رفع يداه على رأسه يتمنى مرور الوقت بسرعة البرق:
- يا لهذا الوقت الذي لا يمر، ليتني أمتلك ساعات الدنيا، لكنت مررت اليوم بثانية واحدة.
ضحكت سهيلة بخجل وغادرت من أمامه مسرعة إلى غرفتها؛ لتحضير الحقائب برفقة رباب وأسيل.
نام الجميع حتى السادسة صباحاً. استيقظت الفتيات جميعاً، أخواتها ورباب وأسيل والأمهات جميعاً. إنه يوم مغادرة سهيلة من منزل والدها إلى حياة مبهمة، لا تعلم عنها شيئاً سوى أنها راحلة مع حبيبها آثر. أما ما دون ذلك، في اعتقادها أن كل شيء يهون برفقته.
قام الفتيات بتحضير الإفطار للجميع، ثم جلس والد آثر وباقي العائلة في غرفة الضيوف. دخلت سهيلة تلقي عليهم السلام وقالت مازحة لوالده:
- صباح الخير يا عمي، أتمنى أنك استمتعت بنومك جيداً برفقة البعوض.
ضحك ثم قال:
- إنه ليس ببعوض يا سهيلة، بل جاموس.
ضحك الجميع وقالت سهيلة بجدية:
- ألم يخبرك أبي أن تنام في غرفته، لم لم تفعل ذلك؟ لقد كانت الغرفة فارغة، كان يلقيها من أجل راحتك.
وافقها آثر قائلاً:
- أجل، بالفعل لقد أخبره والدكِ كثيراً بذلك.
قال والده:
- لا، لقد كنت مرتاحاً، كان الهواء جميلاً بالخارج، أردت النوم فيه. هيا تحضروا للسفر، متى ستأتي السيارة؟
قالت سهيلة وهي تهم بالخروج:
- لقد اتصلت بزوج أختي زينب، هو يعرف السائق، وسيخبرني بعد قليل. تناولوا الإفطار حتى تأتي السيارة.
أردفت سهيلة تخرج ولحقها آثر يمسك بذراعها قائلاً بصوت منخفض:
- سهيلة، أخبريني كم سيتقاضى السائق مقابل السفر؟ تعلمين أني من سأدفع التكاليف.
قالت باستغراب لسؤاله، طرأ في خاطرها، لم الجميع يتساءل عن كل شيء وعن التكاليف:
- لا أعلم يا آثر، مهما كان ما سيتقاضاه، فهو لن يعاملني كالغرباء.
أصر آثر أن يعلم كم بالتحديد فقال:
- لا أريد أن أعلم كم سيتقاضى تحديداً، اتصلي بزوج أختك واسأليه؟
قامت سهيلة بإخراج الهاتف من جيبها واتصلت بزوج أختها زينب، أجابتها:
- يا هلا بالعروس، كيف الحال؟
- مرحبا بك يا صديقي العزيز، أردت أن أسألك كم سيتقاضى السائق لإيصالنا إلى منزل آثر في القاهرة؟
- سيتقاضى ألف ومائة جنيه.
قالت لآثر بصوت منخفض وهي تضع يدها على الهاتف تكتم الصوت فقال آثر:
- هذا آخر ما لديه، لا يمكنه أن ينزل المبلغ قليلاً؟
رمقته بنظرات الاستغراب ورفعت الهاتف على أذنها وقالت:
- شكراً لك يا صديقي، حسناً، ستتحرك بعد ساعة من الآن، أخبره بذلك.
- حسناً يا سهيلة، وداعاً.
- وداعاً.
قال آثر بضيق:
- لم لم تخبريه بما قلته لك.
دفعت يده بضيق عندما تألم ذراعها وقالت:
- لقد أحرجتني بسؤالك أمامه، ليس معتاداً مني على التحدث بالمال، لقد آلمت ذراعي، اترك يدي.
حاول آثر إخفاء ما يقصده بقوله:
- حبيبتي سهيلة، ما أوفرْه من مال سيكون لأجلك أنت.
قالت سهيلة بتنهيدة:
- حسناً يا آثر، لا يحتاج محمود زوج زينب إلى حديثي، هو يعلم ما عليه فعله. سأذهب لأحضر نفسي، أخبر عائلتك أن تتحضر بعد الإفطار.
دخلت سهيلة ولملمت أغراضها كالضيف الذي ظل فترة طويلة في مكان ما وحان وقت رحيله منه. قبل الزواج تكون الفتاة لها الحق في كل شيء بمنزل والدها، بل تكون ملكته تأمر وتتأمر كيفما تشاء، أما بعد الزواج فتأتي كضيفة غريبة، تقضي بعض الوقت وتأخذ ضيافتها وتغادر.
هذا هو أول شيء غالي يسلبه الزواج من الفتاة، ثم تتوالى الأشياء شيئاً تلو الآخر حتى تتجرد من كل حقوقها كفتاة، وتبدأ حقوقها كامرأة في مكان آخر. هكذا هي الدنيا وهذه هي سنة الحياة، تسلب منا حقوق؛ ليعوضنا الله بغيرها، نترك منازلنا التي نشأنا فيها لنسكن منازل أخرى لم نسكنها من قبل، تتبدل ألقابنا من فتاة إلى امرأة متزوجة ثم إلى أمهات.
دخلت رهف إلى الغرفة لترى إن كانت سهيلة تحتاج إلى شيء ما، وجدتها تبحث في جميع أنحاء الغرفة. وقفت وقالت باستغراب:
- سهيلة، عن ماذا تبحثين؟ لقد أتت السيارة بالخارج.
وقفت معتدلة من أسفل سريرها وقالت:
- أبحث عن عباءتي التي كانت ترتديها منال شقيقة آثر، لا أجدها بالغرفة.
- حسناً، إذا اسأليها عنها، أين وضعتها؟
- لقد سألتها يا رهف وقالت أنها نزعتها وتركتها هنا بالغرفة، حتى عباءتي الأخرى التي كنت أرتديها منذ قليل لا أجدها أيضاً.
وقفت رهف قليلاً تفكر لثوان ثم قالت:
- ألم تكن رباب تتحدث معكِ بالامس عليها؟ كانت تريد أخذها.
- أجل، لكني أخبرتها أني لا أملك سواها من هذا النوع، ولن أعطيها لأحد.
جلست رهف على السرير جوارها وقالت:
- ربما أخذتها دون علمك، تعلمين رباب عندما تهوى شيئاً تأخذه وإن كان من وراء صاحبه، ألم تفرغ حقيبتك من قبل وتأخذها بالرغم من رفضك؟!
فكرت سهيلة قليلاً وقالت:
- أجل، ربما لديكِ حق، لكن إن كانت هي الفاعلة لن أتركها لها، سأجلبها رغماً عن أنفها. يا لأفعالها المزعجة. أخبريهم أني قادمة.
لقد دقت ساعة الرحيل، الساعة التي لا ترغب بها أي فتاة وفي ذات الوقت ترغب بها بشدة، تلك اللحظة التي تجمع بين النقيضين، بين لقاء وفراق.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام احمد
نترك أشياء؛ لنلتقي بأخرى، ونترك أخرى؛ لنلتقي بغيرها، تلك هي طبيعة الدنيا، نتبادل بها الأدوار، كل منا يكمل دور من سبقه، وشيء يأخذ مكان الآخر.
نتسابق للحصول على رغباتنا ورغم ذلك نتركها عند الفراق. تتملكنا الرغبة الجامحة والفضول والحماس المفرط لخوض تجربة لم نعيشها من قبل، وعندما نتمكن من عيشها ومعرفة تفاصيلها وخباياها، يموت حماسنا، وتدفن رغبتنا بها، وتكون اللامبالاة هي شعورنا الوحيد تجاهها.
ليس كل ما نتمناه ندركه، وليس كل ما ندركه هو ما نتمناه، لكن علينا تقبل أقدارنا بالرضا، ربما ما لا نتمناه هو خير يعوضنا عن خسارة ما نفقده.
رحلتنا بالحياة لا تنتهي برغبتنا، بل تنتهي فقط عندما ينهي قدرنا المكتوب وتغلق صفحات أعمارنا، ويؤذن لنا بالرحيل فتُسلب أرواحنا بقدرة وطريقة لا يعلمها سواه. ومن ذاق الموت، فاجعل رحلتك تؤتي ثمارها قبل أن تتساقط أوراقها.
عندما قررت سهيلة الرحيل اعتقدت أن الحياة المرة قد انتهت، وأنها تقبل على سعادة لن تنتهي برفقة عشقها، لكن للأسف كان الأسوأ قادمًا وما مضى ليس سوى فقرات بسيطة ومبدئية لبداية عرض لم تره في حياتها ولن تشاهد أحداثه سوى على منصة سحر آثر وعائلته.
دخل آثر غرفة سهيلة يتعجلها في القدوم، وجدها تبكي بشدة، فزع آثر من رؤيتها بهذا الوضع وظن أن هناك شيئًا قد حدث لم يعرفه، جلس جوارها وقال وهو يربت على كتفها:
- ما الأمر يا سهيلة؟ ماذا هناك؟ لم تبكين هكذا؟!
أجابت سهيلة وبكائها لا يتوقف، وكأنها تتألم بشدة:
- لا شيء، لا شيء.
خرج آثر يستدعي شقيقته وقال:
- منال تعالي إلى هنا.
عادت إليه باستغراب:
- ماذا هناك؟
- إنها سهيلة تبكي بشدة في غرفتها لا أعلم ماذا حدث؟
- لا تقلق ربما لأنها ستغادر عائلتها، إنه أمر طبيعي، سأراها.
دخلت منال وآثر إلى غرفة سهيلة، جلست جوارها منال تضمها إليها وقالت:
- لم تبكين يا سهيلة؟ نحن أيضًا عائلتك، هيا قومي معي واحتضني أمك، وودعي عائلتك، هيا قومي.
أمسكت منال بيدها وذهبت بها إلى الداخل حيث كانت تجتمع جميع العائلة، كانت والدتها حينذاك تقف جوار الدرج تمسك بفرشاة تنظيف الأرض، تستعد لتنظيف المنزل بعد رحيل سهيلة، لقد كانت سهيلة تحمل عنها الكثير والكثير من الأعباء المنزلية، والتي كانت تعتمد عليها كل الاعتماد عند خروجها من المنزل.
دخلت منال وإليها سهيلة تجر خلفها من يدها، وقفت أمامها وقالت:
- هيا يا سهيلة احتضني أمك.
نظرت سهيلة إلى والدتها بنظرة وداع قاتلة، اخترقت قلب والدتها التي تشعر بها دون أن تتكلم، وقالت بحزن شديد وهي تقدم عليها لتضمها:
- لم تبكين يا سهيلة؟ أنا سآتي إليك لحضور زفافكِ.
ضمتها إلى أحضانها بشدة، علا صوت بكائهما حتى جعل جميع الحضور يبكون دون توقف، تلك المشاعر بين الأم وابنتها التي لا يمكن لأحد منعها ولا تغييرها مهما فعل، إنها مشاعر فطرية، فطر الله عليها قلب الأم وقلب الأبناء، مهما حدث من خلافات واختلافات تظل الابنة قطعة من روح أمها، وتظل الأم هي ملجأ الابنة الوحيد الذي تشعر بين أحضانه بالأمان والاطمئنان.
فرفقًا بأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، فلن تجدوا قلبًا يحن عليكم سوى قلوبهن، ولن تشكوا لأحد دون خوف سوى لأحضانِهن.
ظلت سهيلة تبكي بين ذراعي أمها وكأنها التصقت بها بغراء لاصق يصعب على الجميع فكه، حاولت زوجة خالها أن تبعدهن عن بعضهن، لكنها لم تستطع، حتى التم أخوات سهيلة حولها يبكين بشدة وأبعدوهما بصعوبة، سقطت والدة سهيلة جالسة على الدرج خلفها، لقد تعب قلبها وتألمت من فراق قرة عينها، كانت تتمنى في تلك اللحظة أن تمسك بيدها وتخبرها بأن لا ترحل، لكنه القدر والنصيب الذي لا يمنعه شيء.
أخرجوا سهيلة من المنزل بعد توديع عائلتها بالبكاء والألم، وقفت أمام المنزل وسط الجميع تستعد للذهاب، أقبلت على الدرج الرئيسي أمام المنزل، وفجأة تحاول تمالك نفسها عند رؤية والدها، خرج والدها من الباب الآخر لغرفة الضيوف الذي يطل على الشارع الرئيسي، ذهب إليها وأمسك بيدها وأخذها خلفه إلى داخل الغرفة، جالسها وقال:
- اجلسي هنا يا سهيلة.
جلست سهيلة أمامه على الأريكة ووقف أمامها واضعًا راحته أعلى رأسها، يقرأ الرقية الشرعية متمنيًا من قلبه أن يحفظ الله ابنته في غيبتها ويردها إليه سالمة، بعدما انتهى من رقيتها قال بصوت باكٍ:
- مصر تشبه البحر، ليس لها آخر ولا نهاية مرئية، من يمكنه العوم ينزل إليها ومن لا يمكنه لا يقدم على نزول شوارعها دون معرفة سابقة، إنها جريئة وعميقة وقلابة كموج البحر، فاحذري منها كل الحذر، لا تذهبي إلى مكان وحدكِ، ولا تتعرفي إلى أحد وتدخليه إلى منزلك وتعلميه بأسرارك، فهناك الكثير من النفاق والكذب لا يمكنك رؤيتهما بوضوح في البداية، تخبركِ إحداهن أنها تحبك في وجهكِ، وعندما تعطيها ظهرك تقوم بطعنكِ دون تردد.
وفي نهاية نصائحه لابنته الغالية، قال كلمتين جعلتا سهيلة تعلم كم كانت وما زالت غالية على قلب والدها، وإنه كان يفعل كل شيء خوفًا عليها ولاجل سلامتها من أي أذى، قال بصوت باكٍ وعيناه تدمع:
- الأهم من كل ما قلته يا سهيلة هو نفسكِ، اعتني بنفسكِ جيدًا، يمكننا تحمل أي خسارة إلا خسارتكِ، كوني بأمان لأجلنا ولأجلكِ.
تلك الكلمات التي كانت كالسهام الحادة اقتلعت قلبها من موضعه، جعلتها تقول في خاطرها:
- ليتني لم أغضبك مني يومًا يا أبي، سامحني، أود أن أحتضنك بشدة وأقول لك أني لا أريد الرحيل، أمسك بيدي ولا تدعني أذهب، لكن فات الأوان وأنا من اخترت طريقي، وعلي إكماله.
احتضنت والدها بشدة وخرجت إلى السيارة، صعدت إليها بصحبة رباب وشقيقتها الصغرى أسماء، وعائلة آثر، كان الجميع يقف على باب المنزل ليس هناك فرد منهم لا يبكي، واحمرت أعينهم من شدة البكاء، حتى الأطفال.
بالطبع هذا ما يحدث عندما يغادر شخصًا يحبه الجميع، حتى الجيران كان الجميع يقف على نوافذ منازلهم تراقب نظراتهم رحيلها، إنها سهيلة الفتاة ذات الابتسامة البريئة، صاحبة الوجه البشوش والقلب الطيب، ذات الأخلاق الحسنة، التي كانت يتصارع عليها الجميع للحصول على رفقتها، تصارع عليها الشباب للحصول عليها زوجة، تلك الضحكة التي كانت تملأ أرجاء المنازل عند قدومها إلى أي منهم.
غادرت سهيلة منزلها وشوارعها ومنطقتها ومدينتها بأكملها. عندما صعدت سهيلة السيارة وانطلقت بها، مرت السيارة بجوار مقابر العائلة، قرأت سهيلة الفاتحة على أرواح أمواتنا وروح جدتها التي كانت تعشقها، والتي تمنت أن تكون على قيد الحياة تشاركها فرحتها.
غادرت سهيلة موطنها، وعندما رأى والد آثر دموعها لم تتوقف، قال بسخرية:
- تلك هي دموع التماسيح، يا آثر لا تنخدع بها.
ضحكت سهيلة وحولت الأمر لمزاح وأجابت عليه بطريقة جعلته يحرج دون أن يلاحظ أحد فقالت:
- عمي إنك اليوم غادرت منزلك الذي نشأت فيه، لا تخجل من الطلب مني إن احتجت إلى شيء ما، لقد أصبحت اليوم مثل والدك.
ضحك الجميع على حديثها، ثم قالت مبتسمة:
- ماذا أفعل؟ انتظرت سماعها منه لكنه لم يفعل، أخبرته أنا بها وقمت بالواجب بدلاً منه.
ضحك آثر وقال:
- لم أكن أعلم أنك خفيفة الظل إلى هذا الحد، يا لكِ من فتاة مشاكسة.
وصلوا إلى القاهرة بعد ساعات من السفر، ترجل الجميع أمام منزل عائلة آثر، وأنزلوا أغراض سهيلة وحقائبها من السيارة، فقالت سهيلة:
- آثر لم لا نذهب إلى شقتنا ومنزل هذه الأشياء هناك؛ حتى لا يضيع شيء منها؟!
قال آثر وهناك علامات للتوتر على وجهه لا تعلم سهيلة ما سببها:
- لا تقلقي سأضعها هنا، وننقلها لاحقًا على رواق من أمرنا.
تعجبت سهيلة من توتره وتغير ملامحه، ظلت تقف تنتظر ماذا سيحدث، وجدت أن أكرم ذهب ومنال وزوجة أكرم صعدوا إلى أعلى لمنزلهم، حتى أنهم لم يضيفوا السائق ومرافقه على شيء ما، طعام أو شراب كما اعتادت سهيلة أن يحدث ذلك في بلدتها، ولكن من اختفى ولم يجدوه في برهة من الزمن هو والده.
بعد نزول الجميع اختفى والد آثر ولم يجدوه، علمت سهيلة أن هذا ما يجعل آثر متوترًا إلى هذا الحد، لكن الغريب لم يتوفر آثر لغياب والده؟! أجل، كانت الطريقة التي اختفى بها مثيرة للشك ولكن ليس هذا ما يجعله متوترًا إلى هذا الحد. أخبرته منال شقيقته أن والده ذهب إلى عمله ومطبعه الخاص بحجة أن هناك أناسًا يريدونه في عمل.
كان آثر يضرب كفًا على كف وهو يقف بعيدًا مع أكرم، كانت سهيلة تراقبه من بعيد، ثم اقترب منها وقال لها:
- هيا اصعدوا إلى أعلى.
أمسكت سهيلة بذراعه برفق وقالت:
- ما الأمر؟ أنا لا أريد الصعود إلى أعلى أريد الذهاب إلى شقتي لأراها، وأرى ما بها.
- قال آثر بقلق:
- حسنًا انتظري حتى قدوم محمد أخي، هو لديه مفاتيح الشقة.
- ولم محمد لديه مفاتيح شقتنا؟
- كنت أتركها معه؛ لأن كان هناك عمال ما زالوا يعملون بها، اصعدي الآن لا تقفي هكذا في وسط الشارع، اصعدي إلى منال، سأوافيك بعد قليل.
صعدت سهيلة ورباب وشقيقتها الصغرى أسماء إلى أعلى، وجدت منال جالسة تشرب الماء وفي الجهة الأخرى شهد زوجة أكرم تشرب الماء أيضًا، فقالت منال عند رؤيتهم أمام باب الشقة:
- ادخلوا تعالوا، يا شهد اجلبي زجاجات مياه من البراد.
قامت شهد تجلب المياه، جلست رباب وسهيلة وأسماء، يتبادلون الحديث مع منال، فجلبت لهم صورًا قديمة لها ولعائلتها وخطيبها الأول والثاني، وصور زفافها، ظلت سهيلة تشاهد الصور ويمزحون مع منال، لكن بالها مشغول بآثر وقال لمنال:
- أين والدكِ يا منال؟ لقد اختفى فجأة هكذا! إلى أين ذهب؟
قالت منال ببرود:
- لديه عمل مستعجل في المطبعة، اتصل به زبون يريد شغل، وذهب إليه.
- هكذا دون أن يخبر أحد، لقد ظننت أنه ذهب للصلاة عندما ترجلنا من السيارة وكان أذان العصر قد رفع.
- أجل أجل، لقد أخبرني أنه أدى صلاة العصر وذهب.
تعلمون أن سهيلة تعرف في قراءة لغة الجسد، علمت من تغيرات ملامح منال أن هناك خطب ما، فقالت لها:
- لم آثر متوتر إلى هذا الحد؟ ألا تعلمين ماذا هناك؟! لم يخبرني شيئًا.
- لا أعلم لم يخبرني، ربما لأنه يريد مالًا لأجل السائق كان يقول أكرم شيئًا عن هذا.
قالت سهيلة وكأنها حصلت على ما تريد من جوابها:
- اممممم حسنًا ربما.
قامت سهيلة تتجه إلى نافذة المنزل وتتصل بآثر:
- أين أنت يا آثر؟ لم كل هذا التأخير؟
- أنا قادم يا سهيلة فقط بضع دقائق وأكون عندكِ.
- حسنًا أريدك أن تجلب لي شيئًا من الصيدلية.
- ماذا تريدين؟!
سكتت سهيلة قليلًا من خجلها ثم أخبرته بأنها تشعر بمغص في بطنها، وليتها ما أخبرته، لقد زادت عليه الأمر، غضب أكثر مما كان وقال لها:
- حسنًا أغلقي الخط الآن، سأجلبه لكِ.
- حسنًا.
كان خطأ سهيلة هنا أنها تحدثت أمام منال وشهد عن الأمر، أخبرتهم بما تشعر به وأنها ربما لن تستطيع إكمال ليلة دخلتها بسبب مرضها الشهري، قالت رباب:
- لا عليك يا سهيلة ليس بالأمر الصعب، لا ذنب لك في ذلك ربما تغيرت هرمونات جسدكِ؛ من شدة التوتر الذي مررتِ به في الفترة الماضية، عليك باحتساء السوائل الساخنة وستنقضي الفترة أقل من العادة.
قالت سهيلة بتوتر:
- حسنًا لنذهب إذا إلى الشقة؛ حتى أبدل ملابسي وأرتاح قليلًا، لكني جائعة جدًا لا أعلم لم تأخر آثر كل هذا الوقت، ربما يجلب طعامًا لنا.
قالت منال بكل برود:
- ربما.
تعجبت سهيلة من جلستها هكذا دون مبالاة، فهم ضيوف لديها في منزلها وفي مناسبة سارة، كيف لا تقوم بواجب الضيافة، حتى أنها لم تعزم عليهم بكوب عصير، فقط تجلس وتنظر لما يدور حولها، غمزت رباب لسهيلة، وعملت سهيلة مقصدها، ظهرت بعض العلامات على وجهها فهمتها رباب، فهمت منها أنها لا تعلم ما هؤلاء البشر، حقًا تتعجب من تصرفاتهم.
رفعت سهيلة هاتفها بانفعال وضيق تتصل بآثر:
- آثر أين أنت كل هذا الوقت وتاركني هنا؟! أنا لا أعلم ماذا تفعل حتى الآن؟ لقد مضت أكثر من ثلاث ساعات منذ قدومي.
- قادم يا سهيلة قادم.
- منذ أكثر من ساعة أخبرتني بذلك، أريد أن أذهب إلى شقتي الآن من فضلك، أجلب لي ما أخبرتك به واصعد على الفور.
- حسنًا هيا أنا آتي إليكِ.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام احمد
تتبدل العلاقات باستمرار وتختلف باختلاف الأشخاص الذين تربطنا بهم تلك العلاقات. تبنى العلاقات على أسس ومبادئ مشتركة بين أطراف العلاقة، لكن ليس دائمًا تتفق هذه الأسس لكل شخص. فكل شخص لديه أسس ومبادئ خاصة به يريد أن يبني عليها علاقته. وشخصية كل شخص تريد أن تفرض نفسها في العلاقة المشتركة أو تطغى على غيرها. لكن الشخصيات القوية هي من تدافع عن مكانتها وتواجدها دون أن تطغى على غيرها. وليس الشخصية القوية هي من تفرض سيطرتها وتطغى على غيرها.
كانت سهيلة ذات شخصية قوية بمعنى الكلمة. أما عائلة آثر جميعها، فكانوا يعتقدون أن قوة الشخصية تكمن في السيطرة على من حولهم، وبالأخص منال. كانت تحب فرض سيطرتها وأوامرها على الجميع. لكنها لم تستطع فعل ذلك مع سهيلة، وهذا أول ما جعلها تغار منها وتحقد عليها وتغل منها.
صعد آثر إليها يحمل في يده شنطة بلاستيكية سوداء اللون. أعطاها لسهيلة. ونظرت إليها منال بفضولها الذي كاد أن يقتلها لتعلم ما بداخلها. أخذ آثر سهيلة إلى جانب النافذة وقال بصوت منخفض:
- ما الأمر؟ ألم أخبرك أن تنتظري قليلاً؟
- سئمت الأمر يا آثر، أريد الذهاب إلى شقتي. وأريد الأكل، أنا جائعة. ورباب وأسماء أيضاً. شقيقتك لم تفعل شيئاً. نحن من المفترض أننا ضيوف لديها. ما هذا البرود؟ من فضلك خذني من هنا.
- حسناً، سأنزل الآن وعندما أتصل بك انزلي أنت أيضاً.
- حسناً.
ثم نظر آثر إلى تلك الشنطة وقال:
- وماذا عن هذا؟
استغربت سهيلة عماذا يسأل، ثم أدركت نيته وقالت بخجل:
- لا أعلم، ليس ذنبي. ولا يهم الأمر، ألا يمكنك الانتظار عدة أيام أخرى؟ لقد انتظرت الكثير.
- لا يمكنني الانتظار دقيقة أخرى وليس عدة أيام. لقد قلت الآن، لقد انتظرت الكثير.
- ستنتظر رغماً عنك يا حبيبي، فمازال هناك يومان لموعد حفل الزفاف.
- اممممم أجل، حسناً. سأنزل الآن.
- حسناً.
نزل آثر. وقالت منال بفضول:
- يبدو أنه قد جلب لك الأكل الذي طلبته.
ابتسمت سهيلة وأخرجت ما بالشنطة وقالت لها ببرود:
- أجل بالفعل. خذي قطعة منها إن أردتي.
ضحكت شهد عليها، فرمقتها منال بنظرات حادة. جعلتها تبتلع ريقها وتصمت دون كلمة. كانت منال تسيطر عليها لأنها كانت تعيش معها في المنزل. تذلها ببقائها وتعاملها كالخادمة، تعمل بلقمتها التي تتناولها معها. بدأت سهيلة تكتشف الشخصيات حولها تدريجياً. في كل يوم تظهر فيه صفاتهم وقذارة طباعهم أكثر من قبله.
اتصل آثر بسهيلة وأخبرها أن تنزل إليه. فقالت سهيلة:
- هيا يا رباب، هيا يا أسماء. ينتظرنا آثر بالأسفل.
وفقفت منال وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. قالت مبتسمة:
- أين تذهبين يا سهيلة؟ ابقي هنا اليوم، مازال الوقت باكراً. ماذا ستفعلين في شقتك وكيف ستنامين هناك؟
وقفت سهيلة على باب المنزل وقالت:
- لا تقلقي يا منال، سنفرش بعض من الأثاث والمفروشات هناك. حتى ننجز الوقت ولا يضيع هباء. تعلمين، تبقى يومين على حفل الزفاف. لا تنسي أن تعزمي أقاربك وجيرانك وأهلك.
- أجل، حسناً. سأتصل بهم.
- أراك لاحقاً.
- وداعاً.
غادرت سهيلة إلى شقتها التي تدخلها للمرة الأولى. هذا سيكون منزلها البديل الذي ستكمل به باقي حياتها. وجدت الأثاث الخشبي مغرفة النوم والأطفال والنيش والانتريه. لكن ليس هناك سجاد أو ستائر تغطي الحوائط أو أدوات المطبخ. بعدما أوصلها آثر إلى الشقة، قال لها وهو يقف على بابها:
- خذوا راحتكن. سأذهب لإحضار الطعام وآتي.
قالت له سهيلة:
- انتظر يا آثر، أريدك قليلاً.
دخلت تتفقد باقي الغرف. وجدتها شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها المائة متر أو أقل. لقد كانت تعيش في منزل كبير مساحته أكثر من قراطين. لكنها ستعتاد الأمر لأجل آثر. قالت له على انفراد:
- أين باقي الأشياء يا آثر؟ أين الستائر والسجاد وأدوات المطبخ؟ حتى المراتب ليست موجودة. عندما كنت أسألك عن شيء ما وأنا هناك تجيبيني "ستجدين كل شيء عندما تأتين". أين هي تلك الأشياء؟ هل ستأتي عائلتي لترى بلاط المنزل أم ترى السرائر دون مراتبها؟
شعر آثر بضعفه وقلة حيلته. حاول أن يخفي الأمر، لكن إلى متى؟ لقد بقي يومان على زفافهم. فقال لها:
- سيكتمل كل شيء يا سهيلة، لا تقلقي. سأذهب لإحضار الطعام وآتي إليك.
- آثر، أنا أتحدث إليك.
بتر حديثها بنظرات حادة وقال مبتسماً بقرف:
- أخبرتك أن نتحدث لاحقاً.
سكتت سهيلة عندما لاحظ أنه من الممكن أن يفقد أعصابه عليها ويتشاجر معها. لا يحتمل الكلام الآن. ربما هناك شيئاً مازالت لا تعلمه. بعد ساعة تقريباً، أتى آثر ومعه الطعام. لكن الطعام الذي جلبه لثلاث أشخاص فقط. استغربت سهيلة وقالت له:
- أين طعامك؟ هل تناولت الطعام خارجاً؟
قال لها بتوتر:
- لا تشغلي بالك بي. تناولي أنت الطعام والفتيات.
امسكت سهيلة بزاعه وقالت بصوت منخفض:
- اذهب إلى الداخل وانتظرني بالغرفة.
دخل آثر كما قالت له. ذهبت إليه بعدما أعطت الطعام لرباب وأسماء. وأخذت طعامها ودخلت إلى الغرفة. عند خروجها قالت رباب:
- إلى أين؟ ألن تتناولي الطعام معنا؟
قالت سهيلة مبتسمة:
- لا، ستتناول الطعام مع آثر. لقد جلب لنا طعامه سوياً. تناولن أنتن وسآتي إليكم بعد قليل.
- بالطبع يا سيدتي. لقد أتت العروس الآن.
ضحكت سهيلة تداري توترها بتلك الضحكة المزيفة. ثم دخلت لآثر فوجدته يجلس على أخشاب سرير النوم. جلس عند قدميه على الأرض ووضعت يديها على ركبتيه بكل حنان وحب وقالت:
- ما الأمر يا آثر؟ ماذا تخفي عني؟ منذ أن أتيت إلى هنا وأنا ألاحظ توترك. ماذا حدث؟ أخبرني رجاءاً.
فجأة تساقطت دموع آثر أمام سهيلة للمرة الأولى التي يظهر فيها ضعفه وكسرته أمامها. بعد إلحاح منها بأن يخبرها، قال آثر:
- تعلمين أين ذهب والدي يا سهيلة؟
نظرت إليه بتعجب وقالت تهز رأسها:
- لا، أين ذهب؟
- لقد اختفى أبي وعاد إلى منزله الآخر حتى لا يدفع أجرة السيارة التي أتينا بها إلى هنا، حتى لا يعطيني المال يا سهيلة.
بصدمة وصمت تستمع إليه سهيلة. كانت تلك الصدمة الأولى في بلد الغريب لها. تقول في خاطرها: مال؟ وعن أي مال يتحدثون؟ إنه ألف جنيهاً لا غير. ابتلعت ريقها ثم قالت:
- ولم تحتاج إلى والدك يا آثر؟ نحن لا نحتاج إليه في شيء. لا تحزن ولا تلق بالا لأفعاله، أنت تعلمه جيداً. أليس لديك مال لتدفعه للسائق؟
اشتد بكاء آثر عندما قالت له ذلك. ظلت تهدأ من حالته حتى تمالك نفسه قليلاً ثم قال:
- أنا لا أحتكم على جنيهاً واحداً في جيبي يا سهيلة. حتى الطعام الذي جلبته، لقد اقترضت مالاً لأجله. لقد تعبت من تصرفاتهم الدنيئة. لقد رأيت ما أعيش به. أفعالهم الرخيصة ورأيت بأم عينك ما تفعلهم منال. حتى أنها لم تحضر طعاماً لأجلك أو لأجل السائق الذي يعرفه زوج أختك. هي تعلم بكل ذلك لكنها لا تريد أن تفعل شيئاً.
عندما رأت سهيلة أفعالهم ورأت حالة آثر، لم تشأ أن تزيد الأمر عليه. لقد أصبحت زوجته الآن وعليها أن تكون سنداً له. تهون عليه. وفي حقيقة الأمر أنه اختيارها، فليس لديها اختيار آخر ولن يكون هناك مفراً لما وضعت نفسها به.
قالت سهيلة وهي تربت على قدمه:
- لا عليك يا آثر، اهدأ رجاءاً. هيا نتناول الطعام سوياً. لقد أصبحنا شخص واحد الآن. سوف نتقاسم كل شيء من الآن فصاعداً. وأول ما سنتقاسمه هو الطعام. هيا كل معي.
نظر آثر إليها ولام نفسه على معاملتها بسوء سابقاً. رق قلبه قليلاً وتقاسم الطعام معها. بعد الانتهاء قال آثر:
- أنا لدي مال خاص بعملي لكنه عند الزبائن. سأتحدث معهم حتى أحصل عليه قبل الزفاف وأفعل لك كل ما تريدينه.
- لا عليك يا آثر، اهتم بعملك وكل شيء سيكون بخير.
ذهب آثر وعند خروجه قال لرباب وأسماء:
- تريدون شيئاً يا فتيات؟
أجابت رباب بمزاح:
- وهل افتكرت الآن يا سيد آثر؟ من وجد أحبابه.
قال آثر ضاحكاً:
- أجل يا رباب، لديك حق. كم تمنيت أن أحصل عليها.
- هنيئاً لك يا عريس. لقد حصلت عليها وأخيراً. لكن أجلب لنا باقي الأغراض حتى نقوم بفرش الشقة، ليس لدينا وقت كاف.
نظر إلى سهيلة ثم قال بصوت مرتفع بجيبها:
- حسناً، سأذهب.
نزل آثر وأغلقت سهيلة الباب ودخلت إلى رباب وأسماء. لاحظت رباب لون عيناها مائل للاحمرار كأنها باكية. سألتها عندما جلست جوارها:
- ما ذا هناك؟ هل صار شيئاً بينك وبين آثر؟
نظرت إليها سهيلة عدة ثوان وقالت متنهدة:
- لا أعلم يا رباب ماذا أفعل. ألا ترين مظهر الشقة؟ ينقصها الكثير من الأشياء وعندما أخبرته أجابني لا تقلقي. لكني لست مرتاحة إلى هذا الوضع.
قالت رباب بجدية:
- استمعي إلي. عائلتك لن تأتي من بلد آخر لترى الأرض والحوائط والأخشاب دون فرش. أخبريه بذلك. هو ملزم أمامك وأمام عائلتك بكل شيء.
تنهدت سهيلة مغلوبة على أمرها وفي حيرة:
- كيف سيفعل ذلك وهو لا يملك جنيهاً في جيبه؟ لقد اقترض أجرة السيارة التي أوصلتنا إلى هنا. يقول أن لديه ماله عند زبائنه لم يتحصل عليه بعد وسيجلبه قبل الزفاف.
- ماذا؟ لقد حلت المشكلة، يمكننا شراء كل ذلك بيوم وتكمل فرش الشقة في اليوم التالي قبل الزفاف.
- وماذا إن لم يتحصل على هذا المال قبل الزفاف؟
قالت رباب بتوبيخ لها:
- لقد كان هذا اختيارك يا سهيلة.
تلك الكلمات التي جعلت سهيلة تشعر بالندم وتكتم في قلبها شكواها. عليها تقبل الأمر الواقع والتعايش معه. لكنها لم تستسلم لكلام رباب وتدعه دون رد فقالت بثقة:
- لست نادمة على اختياري لآثر يا رباب. عندما اخترت زوجك، كنت أول من وقف بظهرك وساندك. فقط كنت أتحدث معك لنجد حلاً سوياً.
قالت رباب بخجل:
- فقط كنت أخبرك حتى تعلمين ما عليك فعله. لقد أصبحت زوجته الآن.
- حسناً، انسي الأمر. لنخلد إلى النوم، أنا متعبة كثيراً. هيا يا أسماء، لنفرش شيئاً ننام عليه.
- حسناً يا أختي.
نام الجميع وأغلقت سهيلة الباب من الداخل. جلست تفكر فيما حدث معها. وما رأته في آثر وعائلته. طرأت لها خاطرة: لم لم يخبرها آثر بكل ذلك قبل قدومها؟
هل خاف من أن تتركه أم أنه أراد وضعها أمام الأمر الواقع؟ ماذا لو لم يستطيع الحصول على المال؟ ماذا سيقول أهلها عند رؤية شقتها بهذه الحالة؟ ماذا وماذا وماذا؟ حتى فقدت سيطرتها على نفسها وتركيزها وغلبها النوم.
في اليوم التالي، استيقظت سهيلة على صوت إحدى جاراتها تنادي على ابنتها بصوت مرتفع. قامت مفزوعة من نومها، نظرت إلى رباب فوجدتها تستيقظ أيضًا على صوتها. ضحكت معها على هذا، وقالت رباب:
- ستكون حياتك مليئة بالمفاجآت يا سهيلة. ما شاء الله على جيرانك! لديهم حنجرة تامر حسني.
ضحكت سهيلة وقالت:
- بلى، إنه الطرب الأصيل كصوت أصالة، ههههه.
اتصل بها آثر. حملت هاتفها وقالت:
- إنه آثر. صباح الخير يا آثر.
- صباح الخير يا سهيلة، كيف الحال؟
- نحن بخير، لقد استيقظنا الآن على صوت جارتنا التي تنادي على فرح.
- ومن هذه فرح؟
- ههههه، لا أعلم يا حبيبي، ربما ابنتها.
- هههه، حسناً، سأجلب لكما الفطور وآتي بعد قليل.
- حسناً يا حبيبي.
قام الفتيات يستعدون للعمل في الشقة، ودارت الأحداث بسهولة حتى أتى آثر وجلب الطعام لهن، وتناولوا الفطور سوياً. بينما كان يقف آثر مع سهيلة ينظرون كيف سيفرشون شقتهم، يتبادلون الرأي في أماكن وضع الأشياء. اتصلت به منال. رفع الهاتف وأجاب:
- الو، ما الأمر؟ حسناً، تعلمين أني لا أملك المال. من قال ذلك؟ وماذا أفعل أنا؟ لم أنتهِ من فرش شقتي بعد، ولا أعلم كيف سأدفع باقي تكاليف قاعة الزفاف. ورأيت والدك؟ ماذا فعل؟
رأت سهيلة آثر منفعلًا ومتضايقاً، يتحدث بانفعال وغضب مع منال. قامت بخطف الهاتف من يده ووضعته على أذنها. سمعت ما كانت تقوله منال له وهو:
- أنا لا يهمني من أين تجلب المال. تعلم أني أريد مالاً لأجل ملابسي التي سأحضر بها الزفاف. أخبرت محمد بذلك، قال إن آثر لديه أربعمائة جنيهاً. خذيهم منه. ماذا أفعل أنا؟
صدمت منال عندما أجابتها سهيلة وقالت:
- وماذا يفعل هو يا منال؟
- سهيلة! أين هو؟
- أنا من أتحدث إليكِ! ماذا يفعل آثر؟ سيعطيكِ المال أم أنه سيكفي نواقص شقته وعرسه؟ بدلاً من أن تقولي له ذلك، عليكِ الوقوف بجانبه.
- كيف سأقف بجانبه وأنا لا أملك شيئاً؟ أنا مثلي مثلكم، لا أحتكم على مال ولا غيره. ورأيت والدي لا يهتم بأحد ولا يريد التحدث مع أحد.
تعجبت سهيلة وقالت:
- حسناً يا منال، خذي آثر معكِ.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل العشرون 20 - بقلم سهام احمد
seham Ahmed:
البارت العشرون
لا يظهر المعدن الحقيقي للأشخاص الا بعشرتهم، فدائما ما تخفي المظاهر ورائها الكثير، عندما تكثر الصدمات صدمة تلو الاخرى، تتبدل مشاعرنا ونصبح نعامل الأشخاص بمعاملتهم لنا، فكثرة الصدمات تبدل الشخص وتحوله الى شخص آخر، ليس بإرادته وانما رغما عنه مما عاناه من هولاء الأشخاص.
هذا ما حدث بالفعل مع سهيلة، كانت تعتقد أنها ستحظى بعائلة أخرى بدلا من عائلتها، لن تشعر بغربتها ولا بعدها عن اهلها، ربما هذا الطبيعي في كل حالات الزواج، تترك الفتاة عائلتها ليعوضها الله عنها بعائلة زوجها، لكن حددث العكس مع سهيلة، تركت عائلتها لتصبح وحيدة بين عائلة أفرادها مشتتون، لا تربطهم اي من روابط الحب والاخوة، فقط ما يجعلها مترابطون هو المال.
ترابط المصلحة، فعندما يحصل أحدهم على مصلحته من أخيه يكون محبا له، أما عند رفضه يكون عدوا بالنسبة إليه، اكتشفت سهيلة الكثير في يومها الأول بينهم، ماجعلها تتعجب مما تراه حولها وتتأمل أن لا تكون هذه هي طبيعة أحوالهم فيما بعد، ربما لانها لم تعرفهم بعد تستغرب طباعهم، هذا ما كانت تصبر به نفسها.
بانفعال أعطت سهيلة الهاتف الى آثر، بضيق تترك الهاتف من يدها إلى يده وقالت:
-خذ الهاتف.
امسك آثر بالهاتف وقال:
-حسنا سأرى ماذا سأفعل، وداعاً.
بعدما اغلق آثر الهاتف جلس وقالت سهيلة وهي تقف عاقدة زراعيها:
-ماذا ستفعل الان يا آثر؟ بدلا من أن تقف اختك بجانبك تتطلب منك المال وهي تعلم ظروفك، اخبرني ماذا ستفعل؟
رفع رأسه ينظر إليها وقال:
-ليس هناك سوى حل واحد يا سهيلة.
نظر إلى يدها وقال:
-ان ابيع دبلتكِ.
امسكت سهيلة بدبلتها بقلق، تلك هي القطعة الذهبية الوحيدة التي بقيت لها، لقد اخذ منها خاتم الخطبة من قبل بحجة أنه سيكمل على ثمنه ويشتري باقي الاغراض اللازمة للزفاف، ومازال هناك نواقص، كيف يطلب منها ذلك؟! من المفترض أن يجلب لها المزيد ولا يأخذ منها.
نظرت إليه باستغراب تقول منفعله:
-أهذا ما أخبرتك به اختك، أن تبيع دبلتي لتعطيها المال؟! لا لن افعل ذلك يا آثر جميع نواقص هذا المنزل من مسؤوليتك، إن لم تكن قادرة على إكمالها لنقم بتأجيل الزفاف إذا وسأعود إلى بيت عائلتي حتى تنتهي.
امسك آثر بزراعتها وقال بأعين دامعة:
-هل تريدين تركي يا سهيلة؛ لاني لا املك المال الآن؟ تعلمين كم عانيت لأجلك ولأجل الحصول عليكِ، ماذا افعل إن كنت فردا من عائلة مثل هذه؟ هذا ليس ذنبي يا سهيلة ليس ذنبي، ابقي جانبي رجاءا، ساعوضك بدلا منها وافضل منها اقسم لكِ، ستجلب لك الكثير فيما بعد، هل ستتخلين عني كما يفعلون؟!
تزفر بضيق وتقف عاقدة وراعيها تفكر فيما يقوله، اردفت تنظر إليه وقالت:
-كم سيكون ثمنها يا آثر؟ هل سيكفيك ثمنها لجلب كل شيء؟! بالطبع لا، مازال ينقصنا الكثير الا ترى؟
اقترب منها يمسك بكتفيها بلطف وقال:
-اعلم يا حبيبتي لكن على الأقل ستكفي لبعض الأساسيات التي نحتاجها الآن، كمبلغ قاعة الزفاف المتبقي التي سيقام فيها عرسنا، والمراتب التي قلتِ عليها.
وقالت هي بغضب:
-والمال الذي تريده منال أليس كذلك؟!
ترك وراعيها بحزن وقال بهدوء:
-حسنا يا سهيلة لا اريد شيئاً انا ساتصرف، احتفظي بها أنها من حقكِ.
يعلم ماذا يفعل ويعلم مدى طيبة قلبها، لم يعن عليها أن تترك بهذا الوضع كما فعل والده وإخوته، وكأنه شجرة وسط أناس جوعا، عندما أسقطت ثمارها تهافت عليها الناس، وتسارعوا من منهم يحصل عليها اولا.
قالت سهيلة وهي تنزع دبلتها من يدها بحزن:
-خذ يا آثر، افعل ما تشاء لكن أجلب لى بديلا عنها الآن من المشغولات الصينية؛ حتى لا تلاحظ امي او احد عائلتي غيابها.
فرح آثر كثيراً وأخذها دون تردد ثم أقبل على سهيلة يقبل يدها وهو يقول:
-حبيبتي يا سهيلة انت من تبقي لي في هذه الدنيا بعد امي، ادامك الله لي سندا، اعدك باني ساعوضك عن كل شيء سيء حدث معك سابقاً.
ابتسمت سهيلة ببرود ولم تجبه، ذهب آثر برفقة شقيقته؛ لبيع الدبلة، حصلت شقيقته على المبلغ الذي ارادته، و جلب آثر المراتب في اليوم التالي، كان يوم زفاف سهيلة، اتصلت بها والدتها في الصباح بعد قدومها هي والعائلة إلى القاهرة في شقة يمتلكها أحد أصدقاء ابن خال سهيلة:
-مرحبا يا أمي، اين أنتم الآن؟
-صباح الخير يا سهيلة كيف حالك يا عزيزتي؟ نحن في شقة ربيع صديق ابن خالك.
-حسنا.
-هل انهيت كل شيء في شقتك؟ ام ارسل لكي زينب تساعدكم؟
-لا يا امي لقد انتهيت من كل شيء تبقى فقط التشطيبات الأخيرة.
-هل وضعت الستائر وجميع الفرش والسجاد.
-اجل اجل يا امي لا تقلقي كل شيء بخير.
حاولت سهيلة قدر الإمكان أن تخفي حالتها عن والدتها؛ حتى لا تسمع منها كلمات " هذا هو اختيارك"
لكن لن تستطيع أن تخفي الأمر كثيراً؛ لأنها لن تكون هذه الصدمة الوحيدة في يومها مازال ينتظرها الكثير.
قالت والدتها عبر الهاتف:
-حسنا سارسل لك بعض اللحوم والدواجن، جلبتها معي لأجلك، ضعيها في المجمد؛ حتى لا تفسد، اعذريني يا ابنتي لا يمكنني الطهو هنا، هل يمكنك تحضير طعام الليلة؟
زفرت بضيق ثم قالت:
-حسنا يا امي لا عليكِ، سافعل أنا.
-حسنا يا سهيلة أين هو آثر؟
-انه بالاسفل يجلب بعض الأشياء.
-اعطيه رقم هاتف محمود زوج زينب ليتواصل معه ويدله على الطريق، سيجلب لكِ الاشياء.
-حسنا ساخبره الآن.
-وداعاً.
-وداعاً.
انهت سهيلة المكالمة ودخلت إلى رباب وأسماء لترى ماذا فعلوا، رن هاتف رباب وهو على الشاحن، امسكت به سهيلة وقالت:
-انه زوجكِ يا رباب.
-اعطني إياه.
امسكت رباب الهاتف تتحدث بطريقة طبيعية وفجأة على صوتها بالصراخ وهي تقول:
-كيف هذا ومتى يا خراب بيتك يا رباب، يا ويلتي.
ركضت إليها سهيلة:
-ما الامر يا رباب؟
رن جرس الباب وذهبت سهيلة تفتح الباب فوجدت شهد وآثر، تركت الباب مفتوح لدخولها، وذهبت إلى رباب مرة أخرى:
-ماذا حدث اخبريني؟
قالت رباب وهي تندب وتصرخ حزناً:
-لقد مات والد زوجي يا سهيلة لقد مات.
-كيف حدث ذلك؟! لا اصدق هناك امر خاطئ، رباب ربما يمزح معك زوجك حتى تعودين إليه، تعلمين لم يكن يريدك أن تأتي.
تضرب رباب قدميها باكية وهي تقول:
-لا يا سهيلة لا ليس مزاح، أنه يتحدث وهو يبكي يا سهيلة وبجانبه اصوات صرخات كثيرة.
علت صوت صرخاتها في عش الزوجية الجديد، وضعت سهيلة يدها على فمها لتمنع صراخها وقالت:
-رجاءا اهدأي ولا تصرخي هنا يا رباب، سيلتم الناس علينا.
امسكت رباب بيدها وقالت:
-ساغادر يا سهيلة، اخبري آثر أن يوصلني إلى موقف السيارات من فضلك.
قال آثر وهو يقف على باب الغرفة:
-حسنا حسنا تحضري وسآخذك إلى هناك يا رباب تحلي بالصبر.
غادرت رباب العرس ولم تحضره مع سهيلة، لقد كانت تهون عليها فهي صديقتها المقربة، كانت الصدمة قوية على سهيلة حتى جعلتها تردد في نفسها:
-ما هذا الحظ التعيس ياربي؟ لم يحدث معي كل هذا لقد اكتفيت من الصدمات، استغفر الله العظيم، لا ادري ماذا سيحدث ثانية.
بقيت شهد مع سهيلة تواسيها، حتى آتي موعد مغادرة المنزل إلى صالون التجميل للاستعداد للزفاف، اتى آثر وقال لسهيلة:
-حبيبتي لا تحزني يا سهيلة لعله خيرا.
-ومن اين سيأتي الخير يا آثر؟ منذ أن اتيت الى هنا وانا اتوالى الصدمات والمتاعب، لا اعلم ماذا يختبئ لي غير ذلك.
وضع يده حول كتفيها يضمها ال. صدره وهي تجلس جواره:
-لن يكون هناك شيئا اخر أن شاء الله، هيا قومي واستعدي للنزول، سانتظركم بالاسفل حتى تنتهون.
-وماذا عنك يا شهد؟ هل ستأتين معنا؟
قالت شهد وهي تقف على باب الغرفة:
-لا انا سأذهب إلى منال؛ لأن ملابسي هناك.
-حسنا.
قام آثر وقال:
-هيا يا شهد ساوصلك إلى اسفل، سهيلة اتصلي بي حالما تنتهين.
-حسنا يا آثر.
اغلقت سهيلة الباب خلفهم ودخلت تتجول نظراتها في الشقة تندب حظها وما وضعت نفسها به وتقول في خاطرها:
-كيف سيرون اهلي مظهر شقتي بهذا الشكل؟ ماذا ساخبرهم؟!
تنهدت بحزن وقالت:
-لا فائدة هيا يا اسماء استعدي لنذهب إلى صالون التجميل.
قالت اسماء:
-اختي؟ ماذا عن الشقة، هل سنتركها هكذا؟!
-لا سيكمل آثر باقي الفرش هو وشقيقته حتى ننتهي من الصالون، سيجلب هو المراتب وباقي الاغراض لا تقلقي، هيا استعدي.
-حسنا.
دخلت سهيلة تستحم وتبدل ملابسها، غادرت شهد برفقة آثر إلى المنزل، أثناء طريقهم قال آثر:
-تلك الأخرى تندب في شقتي الجديدة، وتصرخ بها، لقد كان وجهها شئما علينا.
قالت شهد باستغراب:
-انا لم تقدر انها في وقت زفاف، لكنها ايضاً معذورة يا آثر، لقد توفي والد زوجها.
-انت لا تعلمين شيئاً عنها يا شهد اصمتي، انها خبيثة، هيا اصعدي انت وانا سارى ما علي فعله.
-حسنا.
صعدت شهد الى اعلى وطرقت الباب فتحت لها منال، تلقتها قبل دخولها بفضولها واسألتها التي لا تتوقف:
-ماذا؟ اخبريني ماذا هناك؟ ماذا كانوا يفعلون؟ هل رأيت ملابسها؟ وكيف هي الشقة الآن؟
تلتقط شهد أنفاسها من صعود الدرج وتقول:
-انتظري يا منال، اريد ان التقط انفاسي اولا، اعطني ماء رجاءا.
-ايتها الحمقاء هل تشترطين علي ماذا افعل؟ خذي الماء وأخبريني.
رمت لها زجاجة الماء شربت منها وقالت:
-لقد غادرت رباب وتركت الزفاف.
بفضول وحماس اجابت منال:
-لم هل تشاجرت مع سهيلة؟ اخبريني؟
-لا افهم لم الفضول يقتلك إلى هذه الدرجة، انتظري ساخبركِ، لقد توفي والد زوجها وظلت تندب وتصرخ داخل الشقة، لقد تضايق آثر منها كثيراً.
-حقا وماذا فعل هل قام بطردها من الشقة؟
-كيف سيطرتها يا منال؟! بالطبع لا لقد اوصلها إلى موقف السيارات وغادرت، لكنه كان منزعج لم فعلته في شقته الجديدة.
-بالطبع انها شقة عروسان، تصرخ بها هل تريد ان تكون الشقة شئما عليهم، من الجيد انها غادرت، لم أكن ابتلعها من حلقي.
-لكن سهيلة خزينة جدا.
-دعكِ من سهيلة وأخبريني ماذا فعلت بالشقة؟
-تبقى على حالها أعتقد أنهما سيتشاجران بسببها، ليس هناك شيئا مكتملا فيها.
-حقا؟ وماذا عن خزانة ملابسها هل رأيتِ ما بها؟
-لا لم ادخل إلى هناك.
-لحظة ساريك شيئاً.
وقفت منال ترفع عبائتها وكانت ترتدي تحتها عبائة سهيلة التي كانت تبحث عنها، والتي أعطتها إياها في منزلها للنوم بها، وعندما سألتها عنها أخبرتها انها تركتها مكانها، فقالت شهد بتعجب:
-اليست هذه هبائة سهيلة التي كانت تبحث عنها، الم تنزعيها هناك؟!
-لا لقد اخذتها دون علمها، لديها حقائب من الملابس.
تعجبت شهد ولكنها شاركتها في جريمتها عند سكوتها عنها، لقد أعطتها سهيلة عبائة من ملابسها الجديدة وهي قابلتها بالسرقة، فعلا يفعل المرأ الخير ليجد محله الشر، لكن ليس دائما يكون الخير يقابله الشر، هذا يعتمد فقط على طبيعة الأشخاص التي نلاقيها بالخير، في حقيقة الأمر انها تحمل الشر بين طياتها، هو طبيعة تسكن داخلهم، فمهما فعلت لهم من الخير لا يخرج منهم سوى الشر.
كانت سهيلة تعتقد أن رباب هي من اخذت ملابسها، وظنت بها رغم صداقتهم العميقة، لكن افعالها الأخرى أيضا جعلتها محلا للشك.
نزلت سهيلة إلى صالون التجميل بعدما أخبرها آثر أن لا تحمل هم الشقة وفرشها، واخبرها أن منال وشهد سيكملون ما تبقى فيها، سهيلة اطمئنت بعض الشئ ظنا منها أنهم سيفعلون كما يفعل بنات عائلتها ويهتمون بالامر، يحملون الاعباء سويا، يا لحسرتها لقد تأملت الكثير ولم تجد منه شيئاً، خاب أملها في كل ما تأملت حدوثه.
لحظات وضع مساحيق التجميل على وجهها وهي في صالون التجميل، كانت تشعر بكل تفاصيلها وكأنها تحفر في قلبها، إنه يوم مميز لكل فتاة، يوم لا ولن يتكرر ثانية، ليس لأنه يو زفاف؛ وانما لانه تتخلى فيه الفتاة عن الكثير مما تملكه لتحظى بحياة أخرى بديلة.
يوم ليس فقط تسلم فيه الفتاة جسدها وانما تسلم فيه روحها وما تبقى من عمرها، لرجل تأتمنه على عرضها ونفسها، ليته يكون جديرا بما حصل عليه من كنوز، أجل فالمرأة كنز لا يعرف قيمته سوى القليل منهم.