تحميل رواية «زواج السوشيال ميديا» PDF
بقلم سهام احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قديم الزمان كان العريس لا يرى عروسه سوى ليلة زفافهما، وإن رآها قبل ذلك تكون مرة واحدة كفيلة من أن يقبل بالزواج بها أو يرفض. كانت القيم والمبادئ لا تتحول ولا تتحرف، العادات والتقاليد بمثابة القوانين التي لا يجرؤ على مخالفتها أحد وتطبق على الجميع دون استثناء، وذلك قبل أن يتطور الزمن وتتبدل الأجيال. في زمن كثرت فيه الفتن وتبدلت المبادئ وأصبحت سلع تباع وتشترى وكل منها لديها ثمنها الخاص، أصبحت الضمائر مخدرة والعقول مغيبة والقلوب كصخرة متحجرة. أصبح الاستغلال هو السلعة الأكثر مبيعًا وشهرة على الإطلا...
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الأول 1 - بقلم سهام احمد
في قديم الزمان كان العريس لا يرى عروسه سوى ليلة زفافهما، وإن رآها قبل ذلك تكون مرة واحدة كفيلة من أن يقبل بالزواج بها أو يرفض. كانت القيم والمبادئ لا تتحول ولا تتحرف، العادات والتقاليد بمثابة القوانين التي لا يجرؤ على مخالفتها أحد وتطبق على الجميع دون استثناء، وذلك قبل أن يتطور الزمن وتتبدل الأجيال.
في زمن كثرت فيه الفتن وتبدلت المبادئ وأصبحت سلع تباع وتشترى وكل منها لديها ثمنها الخاص، أصبحت الضمائر مخدرة والعقول مغيبة والقلوب كصخرة متحجرة.
أصبح الاستغلال هو السلعة الأكثر مبيعًا وشهرة على الإطلاق، له عدة طرق وجوائزه عديدة، بل أصبح كالدورات التعليمية التي تمكنك من الحصول على ما تريد عبر استغلال نقاط ضعفه، وهذا ما حدث مع سهيلة.
"سهيلة" هي فتاة في الصف الثالث الجامعي، فتاة مهذبة متوسطة الجمال خمرية اللون، ذات ملامح بريئة وبسيطة، كانت ذات شخصية مميزة ولها طابع خاص، طيبة قلبها ونقاء روحها يجذب إليها كل من يعرفها، بالإضافة إلى روحها المرحة والتي دائمًا ما كانت تضفي البهجة والسرور في مكان تواجدها، مرحها الذي لم يتوقف قط إلا بعدما كسر قلبها.
وجهها بشوش، جمال روحها كان يغطي على جمال وجهها البسيط والذي كان يتنكر عليه البعض، لكن ثقتها بنفسها لم يكسرها شيء.
تلك الفتاة البسيطة والأنيقة التي حملت من الهموم ما لا يطيق تحمله أحد، التي عانت الكثير رغم صغر سنها بداية من زواج والدها بأخرى وكره جدها والد أبيها لها والدتها بالرغم من أن والدتها هي ابنة أخيه المتوفي، إلى حبها الذي كسر قلبها وهشم مشاعرها وحطم نفسيتها.
كان يعتمد عليها في الكثير من الأمور داخل المنزل وخارجه، هي الأقرب لوالدتها واخواتها، لديها صديقتان مقربتان ليس فقط من الناحية المعنوية وإنما تربطهما قرابة دم أيضًا، كانت رفقتهم يقسم بها من في الشرق والغرب، يحسدهم عليها كل من يراهم سويًا.
فتاة قوية بكل ما تحتويه الكلمة من معان، تسقط وتقوم، تسقط وتقوم لكن بالرغم من صلابة الجبال إلا أنها تهدم في وقت ما، بالرغم من قسوتها وتحجرها إلا أنها تخترق بأجهزة من صنع الإنسان مهما كان عمرها.
في مكالمة عبر الهاتف:
يصرخ آثر بصوت مرتفع وغاضب بنبرة تهديد يتحدث:
- إن لم تفعلي ذلك يا سهيلة لن تري وجهي مرة أخرى، ماذا أفعل لك أكثر من ذلك؟! ماذا أفعل لترضي عائلتكِ، وها أنتِ الآن ترفضين البقاء معي، كنت أعلم أنكِ ستتأثرين بحديثهم يومًا ما.
بصوت حزين وباكٍ يحطم القلب:
- تعلمين كم عانيت لأجلك يا سهيلة، وكم تحملت من الإهانات؛ كي أكون بجانبك، لكن إلى هنا وكفى، لقد اكتفيت وعلمت مكانتي لديك الآن.
بصوت حزين ومتوتر:
- آثر توقف عن قول ذلك أرجوك، ليس الأمر كما تعتقد، لكن لا فائدة مما سنفعله، ما تطلبه الآن لن يعود بالنفع علينا بشيء، بل ربما متأذى منه أكثر، رجاءً اهدأ؛ حتى نستطيع التفكير بعقلانية والتحدث في الأمر.
بصوت مرتفع ونبرة تهديد قاسية، فهو يعلم في نهاية الأمر أنه سيحصل على ما يريد، بالطبع تلك الثقة يكتسبها الشخص عندما يتمكن من معرفة نقاط ضعف الطرف الآخر ويعلم كيفية استغلالها، ذلك الخبيث جعلها تعشقه حد الموت وكان عشقه هو قاتلها الوحيد:
- لن أهدأ يا سهيلة، فقط أريد سماع شيء واحد منكِ، تريدين الزواج بي أم لا؟ تريدين البقاء معي أم لا؟
بلا تردد قالتها بحب وصفاء نية:
- بالطبع أريد، ولكن...
بتر حديثها حتى يتمكن من إكمال تأثيره عليها، ذاك السحر الخفي الذي ألقاه عليها فجعلها كأداة بين يديه يستعملها وقتما يشاء:
- ليس هناك ولكن، إن كنتِ تريدين البقاء معي فلنتزوج الآن، ولتكوني زوجتي أمام الله؛ حتى لا يستطيع أهلكِ إجباركِ على الزواج من آخر، وحتى أطمئن أنكِ معي وأنكِ ملكي أنا فقط.
بتنهيدات حارقة، مغلوبة على أمرها، تستسلم أمام حديثه الذي سيطر على عقلها كليًا:
- حسنًا يا آثر كما تريد إن كان هذا ما سيريحك ويجعلك تطمئن سأفعله، قل لي الآن ماذا تريد مني أن أفعل، ولكن قبل ذلك...
بتر حديثها ليجعلها تطمئن ذلك الشيطان الذي يخفي حقيقته خلف وجه رجل عاشق وضحية للحب، ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة، لقد حصل على ما يريد ولكن هناك زر بسيط لابد من الضغط عليه برفق حتى تكتمل مهمته:
- أعلم ماذا ستقولين.
تحدث بصوت حنون وطيب، بحب وهدوء:
- أنا أحبك أكثر من نفسي، أحافظ عليكِ كما أحافظ على قطعة من جسدي، بالإضافة إلى أنكِ بمكان وأنا بآخر، كيف سأقترب منكِ إذا؟ أفعل ذلك من أجل الحفاظ عليكِ يا سهيلة.
تنهدت مستسلمة للأمر:
- حسنًا يا آثر، لكن وعدني بأنك ستحافظ على ذلك ولن تخذلني؟
- أعدكِ بأني لن أخذلكِ أبدًا، وستظلين زوجتي أمام الله حتى تتقبل عائلتكِ ارتباطنا، ويقبل والدكِ بزواجنا.
في محاولة أخرى من عقله الشيطاني لإقناعها برغبته الكامنة، يعتقد أنه سيجعلها تقبل كما قبلت رغبته الآن:
- لقد طلبت منكِ أن نتزوج سابقًا دون علم أحد ونضعهم أمام الأمر الواقع لكنكِ لم تقبلي ذلك، بالرغم من أنه كان الحل الأمثل لما نحن به الآن، كان يستقبل والدكِ الأمر مع مرور الوقت وسيتقبل الجميع.
بترت حديثه بانفعال وضيق:
- بالطبع لا لن أفعل ذلك يا آثر ولا تتجرأ على التحدث معي بهذا الأمر وإلا ستخسرني إلى الأبد، لن أكون تلك الفتاة التي تخذل أهلها وتجلب لهم العار، إن كنت حقًا تحبني لا تتحدث بهذا الأمر مجددًا، أو سأعلم أني سلعة رخيصة بالنسبة إليك تباع وتشترى.
- حسنًا حسنًا أنسِ الأمر، هيا قولي ورائي يا حبيبتي، زوجتك نفسي...
عودة بالزمن
قبل عدة أشهر رن جرس الهاتف، أخرجت "سهيلة" هاتفها من حقيبة يدها وإذا برقم ليس ضمن جهات الاتصال الخاصة بها، أجابت:
- سلام عليكم.
صوت شاب يتحدث:
- وعليكم السلام، أستاذة سهيلة تتحدث؟
- أجل سيدي تفضل، من أنت؟
- أنا آثر، لقد أخبرتني أستاذة رباب أن أتواصل معكِ بخصوص العمل وتفاصيله.
- نعم حسنًا، من أين أنت سيد آثر؟
- أنا من القاهرة، لكن أتوجد حاليًا بالقرب منك في المنصورة.
- ممتاز إذا لنتقابل بعد نصف ساعة إن كان ذلك يناسبك.
- اااه لا لا يمكنني ذلك أنا منشغل الآن ولدي عمل أنجزه، دعينا نتواصل عبر الهاتف ونحدد موعدًا آخر في يوم لاحق.
لاحظت سهيلة التوتر والقلق في حديثه، لكنها لم تعطِ انتباهًا وتخطت الأمر بلا مبالاة قائلة:
- حسنًا كما تريد، معذرة، سعدت بالتعرف إليك، وداعًا.
- وأنا أيضًا وداعًا.
أغلقت سهيلة الهاتف وقامت بالاتصال برباب صديقتها المقربة والتي تقربها قرابة دم من جهة والدتها، فهو ابنة خالتها، تحدثت بجدية وضيق بعض الشيء:
- رباب لما تعطي رقم هاتفي لمن كان؟ ألم نتحدث بأن تخبريني أولاً؟
أجابت رباب عبر الهاتف بانفعال قائلة:
- وهل يقف العملاء بالصف على عتبة بابك أستاذة سهيلة، تعلمين أننا ملتزمون بإعادة تلك الأموال التي أخذناها من أجل العمل في هذه الشركة المشؤومة، ولا نعلم متى سنربح وإن كنا سنفعل أم لا.
التقطت أنفاسها بهدوء تحاول استعادة حالتها الطبيعية:
- حسنًا انسي الأمر، من هذا آثر؟ وكيف تعرفت عليه؟
- تحدثتي إليه؟ وماذا فعلت؟
- أجيبيني أولاً؟
- لقد تعرفت عليه عبر الفيس بوك وتحدثت معه عن العمل وأعطيته رقم هاتفك ليتواصل معك، ألستِ المسؤولة؟
- رباب استمعي إلي جيدًا، ليس كل الأشخاص الذين تتحدثين معهم عن العمل يريدون العمل، هناك أشخاص تجعلها حجة لهم لخوض الأحاديث التي بلا جدوى.
- وإذا، ليس هناك ما يشغلنا عزيزتي، لنرفع عن أنفسنا قليلاً.
ضحكت سهيلة قائلة:
- أعلم أنكِ تريدين الزواج بأقصى سرعة أيتها الفتاة الحمقاء، لكن عليكِ أن تحسني الاختيار.
- فليأتوا أولاً وأعدكِ بأني سأختار بدقة هههههه.
- هههه حسنًا أنسي الأمر سأذهب الآن علي العودة إلى المنزل لقد تأخر الوقت، لم أجد وسيلة مواصلات تقلني إلى القرية الآن.
- حسنًا هيا اذهبي، تحدثي إلي بعد رجوعك.
- حسنًا، إلى اللقاء..
أغلقت رباب الهاتف وسهيلة أيضًا، تلك هي الصديقة المقربة لسهيلة "رباب" تكبرها بثلاثة أعوام، مرحة وذكية وفتاة اجتماعية، أنيقة ومهندمة متوسطة الجمال لكنها أجمل من سهيلة بعض الشيء، وأفتح منها من حيث لون البشرة، كانت القائد لفريق الأصدقاء، كانوا يسمونهم الثلاثي المرح، رباب وسهيلة وأسيل.
جلس آثر في المساء على فراشه بجوار شقيقه التوأم أكرم، الذي يشبهه كثيرًا من ناحية الشكل ولكن ليست جميع الطباع، بل كان أكرم يفوقه مكرًا وخداعًا.
لاحظ أكرم أن آثر منزعج، يمسك هاتفه ويحاول الاتصال بأحد لكنه لم يصل إليه، قال بمزاح وحب استطلاع:
- ماذا هناك يا رجل، فتاة أخرى؟! لا تعرها انتباهها، ماذا يا بطل هل وقعت في المصيدة؟!
زفر آثر بضيق وقال:
- أنا لست بمزاج لمزاحك الآن، دعني وشأني.
تحدث بهدوء ليعلم ما يخفيه آثر قائلاً:
- ما الأمر يا أخي لما أراك بهذه الحالة؟ أخبرني ماذا هناك ربما نجد حلاً سويًا؟
تنهد آثر بحزن وتوتر وقال:
- لقد تعرفت على فتاة منذ عدة أيام لكنها ليست كباقي الفتيات، لا تجيب على هاتفي ولا على رسائلي الإلكترونية، إنها حادة الطباع وجدية دائمًا، تتحدث في العمل فقط.
سأله باستغراب:
- وهل أنت تبحث عن عمل، ما معنى هذا لا أفهم؟
- أنا أعمل بإحدى شركات المساهمة وتعرفت على صديقتها من خلال العمل، ومنها تعرفت عليها، اتخذت العمل حجة كي أتقرب منها.
ابتسم أكرم بلؤم وقال:
- يا لك من ماكر كبير، حسنًا ولم لا تجيب عليك؟
- لا أعلم عندما أتحدث معها تخبرني بأنها ليست تلك الفتاة التي تحب الأحاديث التي بلا معنى أو التلاعب بمشاعرها.
- حسنًا إنها بسيطة جدًا، سأجعلك تمتلكها في ثانية.
انتفض آثر معتدلاً ينظر إلى أكرم بحماس ويقول:
- حقًا؟! وكيف ذلك؟
- أنا فتاة محترمة كما يتضح، وأنت أيضًا شاب محترم وهذا ما ستفعله، أخبرها بأنك تريد التعرف عليها وعلى عائلتها بغرض شريف؛ إلا أن تحصل عليها.
- هل سيجدي هذا نفعًا؟ لا أعتقد ذلك؟
- حسنًا لن تخسر شيئًا جرب الأمر، أو تخلى عنها فهناك الكثير حولك.
قام أكرم وخرج من الغرفة وترك آثر بين أفكاره شارداً، أمسك بهاتفه وترك رسالة على الماسنجر الخاص بها، كانت تلك الرسالة هي مفتاح لباب عقلها ومشاعره.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثاني 2 - بقلم سهام احمد
لا نختار من نكون وما نحن عليه، ولا نختار أقدارنا، لكن بالطبع لدينا حرية اختيار من يشاركنا إياها، فلنحسن الاختيار؛ لأنه لا تبديل في الأقدار.
ذهبت سهيلة إلى منزل جدها والذي كانت تعيش فيه صديقتها الثالثة أسيل ابنة خالها، واجتمعت هي وأسيل ورباب في غرفة أسيل كعادتهم للضحك والمرح واللعب والسهر، حيث كان الجيران يسمعون صوت ضحكاتهم في منتصف الليل واعتادوا على ذلك، لم يكن يزعجهم الأمر بل كانوا يحبون تواجدهم سوياً ويحترمون صداقتهم وحبهم لبعضهم البعض الذي لا يقدر بثمن.
بعد تناول العشاء والضحك، قفزت سهيلة إلى فراشها وقالت:
- حسناً، كفى يا فتيات، سيستيقظ جميع الجيران الآن، وخاصة والدك يا أسيل، سيلعننا حتى الصباح.
ضحكت أسيل وقالت:
- بالطبع، أقسم لك أنه لن يرحمنا إن لم نصمت ونخلد للنوم، إنه أبي وأعرفه جيداً.
أثناء حديثهم، سمعت أسيل صوت والدها ينادي ويسبهم أسفل تراث غرفتها، ركضت أسيل وأطفأت الأنوار ودخلت في نوبة ضحك هستيرية هي ورباب وسهيلة، قالت أسيل وهي تحاول كتم صوتها وتمالك نفسها:
- ألم أخبركم، هيا اخلدوا للنوم بسرعة، لقد استيقظ الوحش.
وضعت سهيلة رأسها على وسادتها وامسكت الهاتف تتفقد رسائل الفيس بوك والواتس آب، فرأت تلك الرسالة التي أرسلها آثر بصمت، حتى جعلتها تعتدل منتفضة متعجبة، وقالت:
- يا فتيات، تعالوا إلى هنا فوراً.
تسائلت رباب وأسيل:
- ماذا هناك؟ ما الأمر؟
- أريد أن أريكم شيئاً غريباً.
نظرتا أسيل ورباب إلى بعضهما البعض باستغراب وقاما مسرعين إليها، جلست إحداهما على يسارها والأخرى على يمينها، فتحت سهيلة الرسالة وقالت:
- اقرأوا.
قرأت رباب الرسالة بصوت جهور:
- سهيلة، أنا أحبك حقاً، لست ذلك النوع من الشباب الذي تعتقدينه، أنا لا أتلاعب بك، فقط أريد المجيء والتعرف إلى عائلتك، وبعد ذلك لديك حق الاختيار، تقبلين بي أو لا تقبلين، من فضلك أعطني جواب.
تنهدت سهيلة وقالت:
- ما رأيكن يا فتيات؟ أعتقد أن هذا حوار مدبر، ليس حقيقياً، هو يفعل ذلك لأني لا أجيب على مكالماته وأعطيه انتباه.
تسائلت رباب وهي تتفقد اسم المرسل:
- من هذا؟ آه يا إلهي، إنه آثر! ذلك الشاب الذي أعطيته رقم هاتفك ذلك اليوم.
- نعم، إنه هو.
قالت أسيل بفضول:
- من هذا آثر؟ أنا لا أفهم شيئاً، لم تخفون عني الأشياء؟
أشارت إليها رباب وقالت:
- سأخبرك فيما بعد، ليس الآن، سهيلة، أنا لا أعتقد أنه يمزح أو يخلق حديثاً، أعتقد أنه يريد ذلك فعلاً، هو ليس مجبراً أن يربط نفسه بأحد.
قالت سهيلة باستغراب شديد:
- رباب، هذا الشاب لم يراني قط، كيف له أن يغرم بي ويطلب طلباً كهذا؟!
تنهدت بحزن وألم قائلة:
- بالإضافة إلى أني لا أريد الارتباط بأحد، لا أريد التعلق بأحد، لن أستطيع تحمل كسرة قلبي مرة أخرى، فلننسى الأمر.
قالت رباب بجدية:
- لن تخسري شيئاً يا سهيلة، جربي الأمر، ربما يكون هذا عوضاً لك عن ذلك الحيوان الذي خذلك، هل ستظلين هكذا وحيدة بين العمل والجامعة والمنزل؟
ابتسمت سهيلة وبحب وهي تضمهن إليها:
- لست وحيدة، أنتن هنا برفقتي ومعي دائماً، لا أريد أكثر.
ضموها بقوة وقالت أسيل:
- سهيلة، رباب لديها حق فيما تقول، لن تخسري شيئاً، لا تحبيه فقط اختبري صدق كلامه، إن كان صادقاً فهي فرصة، لم لا، وإن لم يكن فلن تندمي؛ لأنك لن تقدمي له شيئاً.
دفعتهم سهيلة بمزاح من على فراشها وقالت:
- حسناً، هيا، لقد تخطيتن حدودكن، أعجبكن النوم على فراشي، اذهبن من هنا، هيا.
ضحكت رباب بعدما أسقطتهم أرضاً هي وأسيل، قالت رباب بضحك:
- يا يا أسيل، لقد بدأت تتحول، لنبتعد عنها قبل أن تأكلنا.
- هههههه، أجل يا رباب، لقد انتقلت العدوى إليها من أبي، إنه داء الوحش، ربما ستهجم علينا الآن.
ضحكت سهيلة من أسفل الغطاء على وجهها وخلدت للنوم.
~~~
في غرفة مظلمة، يضيء نور ويطفأ عدة مرات، وصوت ينادي: آثر، آثر. فتح باب الغرفة ودخلت منها شخص لم تتضح ملامحه، إنه كالظل، يقترب أكثر فأكثر وهو يقول:
- آثر، آثر، استيقظ.
قام آثر فزعاً من نومه، لقد كان غارقاً في نومه:
- ماذا هناك يا أكرم؟ لقد أفزعتني.
- استيقظ، إنه صديقك أسعد ينتظرك أسفل، ألم تسمع هاتفك؟ يحاول الاتصال بك عدة مرات.
اعتدل آثر وامسك هاتفه يتفقد المكالمات، قام بالاتصال بأسعد وقال:
- ماذا هناك يا أسعد؟ ما كل هذه المكالمات؟ هل قامت الحرب؟
عبر الهاتف يتحدث أسعد:
- أراك تمزح يا رجل، مستيقظ برواق، حسناً، سأنتظرك على المقهى، لا تتأخر.
- حسناً، وداعاً.
قال أكرم واقفاً:
- سأسبق أنا إلى أسفل، الحق بي ولا تتأخر.
- هل تناولت الفطور؟
- وهل تفعل شقيقتك ذلك في العادة؟ سنتناوله بالأسفل.
- لا أعلم إلى متى سيظل هذا الأمر، كل شيء تقوم بفعله تريد مقابله المال، لا طعام دون مال، لا شراب دون مال، لا تنظيف ملابس ولا شيء دون مال، لقد اكتفيت يا رجل.
أخرج أكرم ملابسه وأقدم يرتديها وهو يقول ببرود:
- اخفض صوتك، يترجل، ستسمعك أمك، وتتسبب في مشكلة بينهم.
زفر آثر بضيق وامسك هاتفه يتفقد رسائله الإلكترونية، يتصفح الرسالة إذا برسالة من سهيلة، تحمس إليها وفتح الرسالة، وجد بها:
- صباح الخير يا آثر، كيف حالك؟ أردت فقط الاطمئنان عليك.
فرح آثر وانتفض من مكانه إلى الحمام، ارتدى ملابسه بسرعة البرق ونزل ركضاً على الدرج، رفع الهاتف على أذنه يحاول الاتصال بها، رآه أسعد وأكرم وهما جالسان على المقهى، نادى عليه أسعد:
- آثر، نحن هنا.
أشار إليه آثر بيده وقال:
- قادم، قادم.
نظر أسعد باستغراب إليه وقال:
- ماذا هناك يا أكرم؟ ما به آثر اليوم؟!
ابتسم أكرم بجانب ثغره ببرود وقال:
- أعتقد أن الأمر متعلق بتلك الفتاة التي تعرف إليها مؤخراً، دعك منه، سيأتي الآن.
فرك أسعد جبينه باستغراب وتعجب:
- فتاة؟! لم يخبرني شيئاً عن ذلك، ليس من عادته أن يخفي عني أمراً، حسناً، سأنتظر حتى يأتي إلي.
بينما كانت سهيلة ترتدي ملابسها، رن جرس هاتفها، امسكت الهاتف مبتسمة وأجابت:
- الو، مرحبا آثر، كيف حالك؟
- أنا بخير الآن فقط؛ لأني سمعت صوتك.
- كم أنك شاب متكلم، بل تتلاعب بالكلام.
- لم تقولي ذلك؟ لقد أخبرتك بما أريده.
- لن أقتنع بأن هناك شخصاً يحب أحداً دون أن يراه، فأول ما يقال عن الحب أنه من النظرة الأولى، أنا وأنت فماذا يقال عنك؟ من السمعة الأولى.
- هههههه، أنت خفيفة الظل أيضاً، لم أكن أعلم بأنك تحب المزاح.
- حسناً، لقد قرأت رسالتك، لكن لم أقتنع بكل كلمة بها.
- أريد منك فقط أن تعطيني فرصة لإثبات حسن نيتي.
- حسناً، لك ذلك.
- حقاً؟ يا إلهي، لا أصدق، كدت أقفز فرحاً الآن.
- هههههه، حسناً، سأذهب الآن، نتحدث لاحقاً، وداعاً.
- لا تقولي وداعاً، بل إلى اللقاء.
- حسناً، إلى اللقاء.
أغلقت سهيلة الخط تتأمل الهاتف مبتسمة بأمل، تتأمل أن يكون صادقاً في حديثه ولا يكون سبباً في جرح جديد بقلبها.
عاد آثر متحمساً وفرحاً يجلس مع توأمه وصديقه المقرب أسعد، نظر إليه أسعد بصمت يرمقه بنظرات عتاب، ابتسم آثر وقال:
- كنت سأخبرك يا أسعد، لا تنظر إلي هكذا، فقط كنت أنتظر أن يتم الأمر.
قال أكرم بسخرية:
- وهل تم الأمر يا روميو؟ حسناً، أتمنى أن لا أراك تجلس باكياً جوار النافذة، وتندب حظك، لم يمر وقت طويل على فسخ خطبتك.
نظر إليه أسعد وقال بجدية:
- أكرم لديه حق، ماذا يدور في رأسك يا آثر؟
تنهد آثر بتوتر عاد إلى الخلف يسند ظهره على الكرسي، عاقداً ذراعيه:
- لا أعلم يا أسعد، كل ما أعرفه أنها ليست كباقي الفتيات اللاتي عرفتهن.
~~~
وبدأت المحادثات بينهما عبر الهاتف والرسائل عبر الواتس والماسنجر، ليل ونهار، يرسل لها صوره وترسل له صورها في العمل وفي الجامعة، وهكذا ظل الحال بينهما حتى تسلل إلى قلبها واعترفت له بحبها، بالرغم من ذلك لم تكن تعلم أو تتوقع أنه سيصدق في حديثه ويتقدم لخطبتها يوماً، كانت فقط تعيش لحظاتها الجميلة معه دون تردد أو حسبان.
اقترب موعد زفاف رباب، وأخبرتها رباب أنه الوقت المناسب لقدومه ولن يلاحظ أحداً تواجده كشخص غريب:
- سهيلة، أخبريه أن يأتي كما أخبرك سابقاً، إنه الوقت الأنسب للتعرف على عائلتك ونتعرف عليه أيضاً.
وبالفعل أخبرته سهيلة بذلك، لم تكن تتوقع قدومه لكنه خيب ظنها السيء به وأتى إليها في حفلة حنة رباب، تعرف إلى سهيلة وجهاً لوجه وإلى عائلتها ولم يمض سوى أسبوع واحد على ذلك وطلب منها القدوم؛ للتعرف على والدها.
لم تتوقع سهيلة تلك السرعة، أيعقل حقاً أنه كان صادقاً، استغل آثر تلك المواقف بحرفية شديدة، ومن هنا انطلقت تلك الثقة العمياء من سهيلة إلى آثر، آمنت بأن الله عوضها بآثر وأنها لن ترى الألم مرة أخرى، لم تكن تعلم أن تلك هي بداية معاناتها وعذابها الذي لم يسبق لها أن رأته من قبل.
أحبته سهيلة حد الجنون بل حد الموت، وتقدم لخطبتها وفي يوم تعرفه إلى والدها، لم يكن والدها على هذا القدر من الارتياح لتلك العلاقة، أخبر والدها زوج شقيقتها الأكبر أن يتصل بوالد آثر ليعلم أن كان والده على معرفة بمجيئه أم أنه يعتقد أن الأمر سهل وبسيط كما اعتاد شباب القاهرة.
كان والدها حاد الطباع بعض الشيء، رجل صاحب فضيلة، لا يخشى في الحق لومة لائم، رجل ملتزم وصاحب مبادئ ثابتة وسامية.
عندما اتصل "عدي" زوج شقيقة سهيلة الكبرى بوالد آثر، أخبره والده أن لا يعلم بوجوده لديهم ولا بما يدور بينهم، أنكر آثر ذلك بشدة واخبرهم أن هناك خلافاً بينه وبين والده في العمل؛ لذلك أنكر وجوده وأخبره أنه لن يساعده في شيء من تحضيرات الزواج خاصته.
بدأ يتلاعب الفأر في رأس والدها، وعلم أن هناك لغزاً مخفياً وراء تلك الأحاديث المتداولة، بعد ذهاب آثر وأخاه، قام والد سهيلة الأستاذ "بدر الدين سالم" بالاتصال بأحد معارفه، وأخبره باسم آثر وعائلته وطلب منه أن يتحرى عنهم بدقة.
بعد مرور فترة من الزمن قاربت الشهر، كانت سهيلة تزداد عشقاً له في كل يوم عما قبله، رفض والدها الزواج منه وبشدة وأخبرها أنها لن تتزوج منه مهما حدث، وعندما تسائلت عن السبب، كانت حجته أنه ليس لديه مستقبل، فهو مؤهل متوسط ولا يعمل بوظيفة دائمة، كيف سيلبي مطالبها بذلك.
لكن لم تتمكن سهيلة من تخطي الأمر ومن هنا ظهر وجه آثر الآخر الذي جعلها تقف أمام أهلها، كان يظهر أمامها أنه ملاك بريء وضحية لأفعال أهلها، فهم لا يريدونه لأنه لا يمتلك المال الكثير أو لأنه فقير ويجلب قوت يومه يوماً بيوم، استغل طيبة قلبها واستدرجها حتى جعلها ترى والدها قاسياً القلب ووالدتها لا تريد زواجها حتى تبقى في خدمتها دائماً.
يا له من مكر ليس بعده مكر، صدق من قال أن مرآة الحب عمياء، فالحب يجعلك ترى وجهاً آخر للشيطان، بل ويجعلك تغرم به تتعاطى عن كونه شيطاناً ليصبح بنظرك ملاكاً بأجنحة.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثالث 3 - بقلم سهام احمد
لم ترى سهيلة من قسوة والدها الخوف عليها، ومن والدتها عدم القدرة على الاستغناء عنها وحبها لها، بل رأت فقط تلك الصورة التي رسمها لها آثر في حدتها.
رسبت سهيلة في عامها الجامعي الثالث وكان ذلك بسبب آثر، للمرة الأولى تهمل دراستها ويكون الفشل حليفها لتواجده معها، حزنت سهيلة كثيراً، وبالرغم من ذلك إلا إنه قلب الأمر لصالحه عندما أخبرته إن والدها يريدها أن تكمل دراستها الجامعية.
- الو مرحبا يا آثر.
- مرحبا يا قلبي، ماذا هناك؟ لم يبدو صوتك حزين؟
- لا شيء، ماذا تفعل؟
- دعك مني الآن يا سهيلة وأخبريني، هل قام أحد بإزعاجك؟ هل تحدث إليك والدك أو والدتك؟
- لا يا آثر أنا من قام بإزعاجهم.
- لا أفهم ماذا تعنين!
قالتها سهيلة وهي في قمة الحزن والندم باكية:
- لقد رسبت يا آثر لقد رسبت.
لم يهتم آثر لذلك، هو في حقيقة الأمر لا يريدها أن تكون أفضل منه وأعلى منه في المكانة الاجتماعية، كيف لها أن تتم دراستها الجامعية وهو فقط وصل للمرحلة المتوسطة ولم يستطع أن يكمل دراسته بسبب قسوة والده وإجباره على العمل معه.
قال آثر باستغراب:
- ألهذا تبكين؟ هل هذا ما أزعج والديك يا سهيلة؟
- نعم يا آثر، لقد حلم أبي دائمًا بأن أكمل دراستي وأجتهد، لا تنسى أني الوحيدة في أخواتي من أتم تعليمها إلى المرحلة الجامعية، حزنت كثيراً لأني خذلته وخاب أمله بي.
همهم بسخرية مبتسماً بجانب فمه وهو يتحدث عبر الهاتف، تتضح في عينها الصورة التي يتحدث بها من نبرة صوته المستفزة:
- وأنا اعتقدت أنك تحدثت إليهم عنا وعن زواجنا، تخبريني أنك نادمة على رسوبك لأن الأمر يعنيهم! يا إلهي وهل تخافين على مشاعرهم؟ هل راعى أحد مشاعرنا؟
حاولت سهيلة التحدث بعدما صدمت من رده، لكنه لم يمنحها فرصة التحدث، بتر حديثها قبل أن تتكلم:
- كنت أعتقد أني أهم شيء في حياتك الآن يا سهيلة، لكن اكتشفت أن دراستك تعني لك أكثر مني بمراحل، تبكين لأجلها ولا تبكين لأجل بعدي عنك.
- آثر ليس الأمر كذلك، أنا فقط حزنت لأنني للمرة الأولى أرسب فيها هذا العام، لم أشأ أن يحدث هذا معي، في نهاية الأمر إنها مصلحتي.
زفر بضيق وقال بانفعال:
- مصلحتك معي يا سهيلة، أنا فقط من يعلم فيما تكون مصلحتك.
- أعلم يا آثر ولكن.
بتر حديثها بحديثه الشيطاني وفقرات السحر الخفي التي يلقيها عليها من فمه:
- ولكن ماذا يا سهيلة؟ هل تعني لك الدراسة أكثر من وجودي بجانبك؟ لقد أخبرتك أني على أتم الاستعداد بأن أتخلى عن كل شيء في حياتي لأجلك، واكتشف أن هناك ما هو أهم مني في حياتك.
- آثر ليست هناك مقارنة في ذلك.
لم يعطيها فرصة للحديث وقال بسرعة يتصنع الحزن:
- أخبريني يا سهيلة إن قام أهلك بتخييرك بيني وبين دراستك أي منا ستختارين؟
حاولت التحدث وبتر حديثها بصوت مرتفع ومنفعل:
- آثر من فضلك ليست هناك مقارنة أنا..
- فقط أخبريني ماذا ستختارين يا سهيلة؟
تنهدت سهيلة وقالت وهي واثقة بأنها لم تخسر دراستها، لكنها صدمت من رده عليها، لقد أوقعت بنفسها في شباك مكره وعليها أن تتحمل تلك اللعنة التي أصابتها:
- أنت يا آثر ساختارك أنت.
- حسنا إذا لتخبري أهلك أنك لن تذهبي إلى الجامعة مرة أخرى، وإنه ليس هناك أهم مني في حياتك، اتركي الجامعة يا سهيلة إن كان هذا هو العائق الذي يتحجج به أهلك بيننا.
انتابها الصمت للحظات تتقطع كلماتها لا تعلم ماذا تقول، فهي من أعطت له تلك الفرصة الذهبية حتى يسلب منها كل ما تحب شيئاً تلو الآخر، ويجعلها وحيدة من كل شيء سواه، حتى لا تجد غيره أمامها:
- آثر أناااا ولكن لم تقول ذلك! إنها دراستي، هذا لن يؤذي أحد من أهلي لكنه يؤذيني.
وها هي فقرة السحر الخفي التي يتمكن منها خلالها ويسيطر عليها بتلك الكلمات العسولة التي حلاوة مذاقها تفقدها كل غالي ونفيس:
- تعلمين ماذا أريد أن أفعل الآن؟ أريد أن أحتضنك بشدة، لم أكن أعلم أنك تحبينني إلى هذا الحد، وأنا لو كان لدي الخيار بينك وبين الدنيا لاخترتك وفارقت الدنيا.
- أدامك الله لي يا آثر، أنا أيضاً أحبك كثيراً.
- سهيلة أنا لن أمنعك من إكمال دراستك الجامعية، انتظر فقط حتى يستسلم أهلك لحبنا، وسأجعلك تفعلين كل ما تريدينه حبيبتي.
- حقاً يا آثر؟
- بالطبع حبيبتي، أقسم لك بذلك، أنت حياتي وقلبي وقطعة من روحي، لن أسمع لشيء يزعجك وإن كان هذا الشيء هو أنا، سأضرب نفسي حينها.
ضحكت سهيلة ونسيت خسارتها الفادحة، وتخدرت بمخدر قوي دام تأثيره لسنوات.
كان أغلب حديثهما عبر الهاتف لبعد المسافة بينهما، لم تكن سهيلة تعلم عنه شيئاً سوى حديثهما عبر الهاتف، لم تكن تراه سوى كل ثلاثة أو أربعة أشهر، لكنها كانت تراه عبر صور المراسلات.
كانت هناك مقولة تقول أن الشخص الذي يبعد عن عينيك يكن بعيداً عن قلبك أيضاً، لكنه في حقيقة الأمر يحدث العكس، عندما يتخلل الحب إلى القلوب وخاصة الحب الأول، تظل القلوب تنبض بحبه مهما بعدت المسافات ومرت السنوات، وتظل تتذكر ذكرياته وإن مرت عليها سنين.
في حقيقة الأمر أن ما يبعد عن العين لا نعرفه جيداً، إن لم نكن نعرف أصل الأشخاص ونشأتها، تلك هي الكارثة الكبرى، فإن وضعت مقارنة لزواج فتاة من شخص تعرفه، تعرف عائلته وحبذا إن كان من نفس البلدة أو المكان الذي تعيش فيه، وبين شاب يعيش في مكان آخر غريب عنها وعن عائلتها لا تعرف عنه شيئاً ولا تراه سوى على بعد فترات زمنية، بالطبع أخبرها بأن تختار من هو قريب منها من بلدتها تعرفه أصله وأصل عائلته وإن كانت تحب الآخر.
دائماً ما تكون هناك وجهة نظر بعيدة المدى للوالدين خاصة فيما يخص زواج أبنائهم.
عندما أخبرت سهيلة والدتها أنها لن تذهب لخوض امتحانها صدمت الأم وكادت أن تفقد عقلها وقالت بانفعال وغضب:
- ماذا حدث لك يا سهيلة؟ لقد كنت الوحيدة التي تفضل دراستها دون أخواتك! ماذا فعل لك هذا الولد؟
أدارت ظهرها إليها وقالت بخجل تخفيه:
- امشِ من فضلك ليس له علاقة بالأمر، أنا من قررت ذلك لن أذهب ولن أكمل جامعتي.
تضرب والدتها كفاً على كف:
- ولم ذلك؟ أخبريني لم كل ذلك؟ ستندمين ندم عمرك يا سهيلة، اسمعيني يا ابنتي الرجل الذي يجبر امرأة أن تتخلى عن أحلامها لأجله لا يسمى رجلاً، الرجل هو من يقف سنداً لزوجته ويكون حافزاً لها ومشجعاً، يتقاسم معها كل شيء، يتفهمها وتتفهمه، لقد غيرك هذا الشخص حتى على عائلتك، من أنت؟ أنت تلك الفتاة التي كانت لا تفارقها الضحكة، انظري إلى وجهك كيف يبدو منذ أن تعرفت إليه.
أمسكت الأم بيدي ابنتها وقالت وهي تبكي على ما وصلت إليه ابنتها، وتبكي سهيلة لأنها تعلم من داخلها إن والدتها على حق فيما تقول:
- هيا يا ابنتي قومي واذهبي إلى جامعتك وخوضي امتحانك بكل شجاعة كما اعتدتي، هيا يا ابنتي، استعيدي بالله من هذا الشيطان الذي تخلل إلى رأسك بأفكاره، يريد والدك أن يراك أحسن من أي أحد في الدنيا، هيا يا عزيزتي قومي.
وبالفعل استجابت سهيلة لوالدتها وللمرة الأولى شعرت أنها تخطت الحدود التي رسمها إليها، كأنها أفاقت من غيبوبة، قامت وبدلت ملابسها وذهبت إلى جامعتها، وفي طريقها إليها رن جرس هاتفها وإذا بآثر يتصل، ارتبكت وتوترت، وشعرت بالقلق، كيف لا تجيبه؟ سيعلم أنها خرجت دون إذن منه، وإن أجابته سيعلم أنها بالخارج، ظلت تفرك جبينها بتفكير ماذا تفعل؟
وقررت أن تذهب إلى صديقتها رباب في منزل زوجها، بعد فترة طويلة منذ زواجها لم ترها، التقت بها وتذكرتا معاً تلك الأيام التي كن يقضينها معاً، أخبرت رباب بما يحدث لها ورفض والدها للزواج من آثر، وقالت رباب بكل جرأة:
- تزوجيه دون علم والدك.
صدمت سهيلة من ردها، اعتدلت في جلستها وقالت لها بضيق:
- لست أنا من أفعل ذلك يا رباب، هل كنت ستفعلين ذلك عندما رفض أخاك زواجك من مالك؟ لم تفعلي صحيحاً! لماذا تريدين أن أفعل أنا ذلك؟ بالطبع حدث ذلك لأنك لست مكاني وأصبحت متزوجة الآن من الشخص الذي اخترته.
قالت لها ببرود:
- حسناً وماذا ستفعلين؟ إذا انصاعي لأوامر والدك وتخلي عنه ونحن كم تمنينا أن تحصلين على رجل مثله، هل سينظر إليك آخر بهذا القدر من الجمال يا سهيلة؟
- من الذي يتحدث أنت يا رباب أنت من تقولين ذلك؟
- أنا أتحدث إليك بصراحة يا سهيلة وأنت تعلمين ذلك.
قامت سهيلة منتفضة وقالت وهي تحمل حقيبتها تستعد للذهاب:
- لم أختر شكلي يا رباب، يمكن أني لا أمتلك الجمال الخلاب لكني راضية عن نفسي كل الرضا، وأمتلك من الجمال الداخلي ما لا تمتلكينه أنت أو أحد غيرك، سأذهب.
أمسكت رباب بيدها وقالت:
- هل أزعجك حديثي يا سهيلة لم أقصد أن أزعجك.
- لا عليك أنا سأذهب الآن لقد تأخرت.
- وماذا ستفعلين مع آثر.
- لا تحملي هماً سأتدبر الأمر وداعاً.
ما زال الهاتف يرن وقررت أن تقف على جنب وتجيب بصوت منخفض تدعي النوم:
- الو آثر.
- هل ما زلت نائمة حبيبتي؟
- أوه نعم نتحدث عندما أستيقظ.
- حسناً يا عزيزتي وداعاً.
عادت سهيلة إلى المنزل حزينة مما سمعته من صديقة عمرها، ألا يقال أن الصديق تجده وقت الضيق، لكن ليس دائماً يكون وجوده مفيداً ولا وجوده كما نتمنى أن يكون، تلك هي الدنيا ليس دائماً ما نتمناه نحصل عليه، وليس دائماً من نرغب بوجودهم والحصول عليهم يكونون الأفضل.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الرابع 4 - بقلم سهام احمد
عندما تكثر الصراعات داخلنا تتشتت مشاعرنا وأفكارنا، لا يتضح لنا الصواب من الخطأ، وتنعكس تلك الصراعات المتضاربة على حالتنا الخارجية، تختفي تلك الابتسامات من على وجوهنا، تغمرنا حالة الاكتئاب ونتحول إلى أشخاص آخرين لا نعرفهم، تلك الحالة تتملكنا وتجعلنا نسيء الاختيار، ولا نرى أمامنا سوى وجه الصورة، أما جوانبها والجهة الخلفية لا تظهر لنا، تظهر فقط لمن يرى تلك الصورة كاملة من الخارج، نحن نكون في تلك الحالة كلوحة داخل إطار الصورة، ويشاهدها جميع الأشخاص حولها.
لكن طبيعة الإنسان لا يتعلم إلا عندما يدركه الخطأ ويقع فيه، نحن دائما لا نتعلم من أخطائنا إلا عندما نتوجع منها، بل ويكسرنا الألم إلى أجزاء صغيرة، حتى تتهشم أرواحنا ويصعب علينا لملمة ما تبقى منا.
هذا ما أصبحت به سهيلة، أصبحت بحالة لا تحسد عليها، لكنها لا تدرك أنها فعلت بنفسها هذا، وكأنها حقا تعاني من سحر ما، أَيَعْقِلْ أن يكون الحب أعمى لهذه الدرجة؟! أم أن هناك لعبة يلعبها القدر ويخفي ملامحها هذا الشيطان الذي سيطر عليها.
أصبحت سهيلة وحيدة يوما بعد يوم، تخسر كل فترة شيء من الأشياء الأغلى على قلبها، بداية من أصدقائها الذين منعها من التحدث معهم أو رؤيتهم، وعملها الذي أجبرها على تركه بتصرفاته التي لا تُطاق، وأهلها التي أصبحت في عزلة منهم بعض الشيء، ودراستها التي خسرتها للعام الأول في حياتها، إلى أن وصل الأمر إلى نفسها وشخصيتها التي تبدلت حتى أنها لم تعد تعرف من هي.
قررت سهيلة أن تذهب إلى العمل في يوم من الأيام؛ حتى تخفف عن نفسها بعض الشيء وتلتقي بأصدقائها، دخلت سهيلة المقهى الذي كانت تقام فيه تجمعاتهم لمناقشة العمل، رحبت بالجميع ورحبوا بها بحرارة، جلست مع إحدى صديقاتها في العمل الآنسة "إيمان" وهي المشرفة عليها في العمل:
- لقد مر وقت طويل يا سهيلة، أين أنتِ يا فتاة؟ لقد سمعت بخطبتكِ، هل الأمر صحيح؟
تنهدت سهيلة بحزن واضح على ملامحها وبعض الندم على حالتها:
- لم يتم الأمر بعد يا إيمان، هناك بعض المشاكل والعقبات التي نواجهها.
ربتت إيمان على كتفها تهون عليها عندما رأت ملامحها الحزينة على غير العادة، باستغراب تتحدث:
- ما الأمر يا سهيلة؟! لست معتادة على رؤيتكِ بهذه الحالة! أخبريني ما المشكلة وماذا يزعجكِ إلى هذا الحد؟
أردفت تنظر إليها وتمسك بيدها حائرة، مغلوبة على أمرها:
- يرفض أبي الزواج منه، لكني أحبه كثيرا، من ناحية أخرى أشعر أن هذا الحب كاد أن يقتلني، لقد أصبح الأمر ثقيلاً على قلبي، وكأنه جبل، لا أعلم من أرضي؟! والدي أم آثر أم أرضي نفسي؟!
- اهدأي وأخبريني بهدوء لم كل هذا؟ لم يرفض والدك إن كان آثر هذا شخص جيد، ولم أنتِ بهذه الحالة إن كنت تحبينه؟!
أثناء حديثهن رن جرس الهاتف بمكالمة واردة من آثر، بدت علامات التوتر عليها وازدادت ضربات قلبها، لاحظت إيمان ذلك وقالت:
- ما بك يا فتاة؟! وكأن من يتصل بكِ هو وحش وليس إنسان.
قالت بتوتر وهي تمسك الهاتف بيدها وتقبض على يد إيمان بالأخرى:
- لا يعلم أني بالعمل، لم أخبره بذلك، رجاءا لا تحدثي صوتاً، سأتحدث إليه على انفراد هناك.
- وماذا إن علم أنك بالعمل، وإن لم تخبريه؟ فهو لم يصبح خطيبكِ بعد حتى يتحكم بكِ!
- هو يمنعني من نزول العمل ومن نزول جامعتي، حتى أني لم أخض امتحانات هذا العام، سنتحدث لاحقاً.
قامت سهيلة إلى الحمام، أجابت على هاتفها وقالت:
- مرحبا آثر.
قال بانفعال وغضب:
- لم لا تجيبي فوراً على الهاتف؟ ماذا تفعلين؟ ألم تسمعي صوت الهاتف؟
بتوتر تتحدث وتلتقط أنفاسها بصعوبة:
- لقد كنت بالحمام يا آثر، خرجت مسرعة عندما سمعت صوت الهاتف، لقد أخرجتني من الحمام، ماذا هناك؟ لم تتحدث بهذه الطريقة؟!
- عندما اتصل بكِ تجيبي فوراً على الهاتف، من الرنة الأولى فهمتي؟
تنهدت وقالت:
- حسنا يا آثر، سأبقي الهاتف قريبا مني دائماً.
بدأ يهدأ من انفعاله ويتحدث بهدوء بعض الشيء:
- ماذا تفعلين الآن؟
أجابت باستغراب تحاول أن تخفي توترها:
- لقد أخبرتك أنك أخرجتني من الحمام.
- أوه أجل لقد تذكرت، حسنا اذهبي عندما تنتهين اتصلي بي، تريدين أن آتي معكِ؟
بمزاح قالت بصوت واضح:
- آثر.
- حسنا حسنا أمزح فقط، سيأتي يوما وتطلبين مني ذلك عندما تكونين زوجتي.
- حسنا إذا لننتظر حتى يأتي هذا اليوم.
- سيأتي قريبا إن شاء الله، إن لم يقتنع والدك ويرضي سأقوم باختطافكِ، وسأتزوج بكِ رغما عن أنف الجميع.
- سيأتي اليوم قريبا إن شاء الله ويكون برضاء الجميع لنصبر فقط.
- حسنا سأدعكِ الآن.
- حسنا سأعاود الاتصال بك.
- حسنا وداعاً.
- وداعاً.
أغلقت سهيلة الخط وأخيرا خرجت أنفاسها المكبوتة وهي تضع يدها على صدرها، تلتقط أنفاسها بهدوء وكأنها تخلصت من اتهام باطل في جريمة لم ترتكبها، لم تمر حوالي الخمس دقائق ورن جرس هاتفها مرة أخرى، تقريبا خرجت بضع خطوات للخارج وعادت مرة أخرى إلى الداخل تجيب:
- الو يا آثر ما الأمر؟
- دعي الخط مفتوح يا سهيلة، سأنتظرك على الخط حتى تنتهين.
تريد سهيلة أن تضرب كفاً على كف من صدمتها بما يقوله، أرادت التهرب منه لكنها لم تستطيع:
- تنتظرني؟! كيف ذلك؟! هل ستبقى على الهاتف حتى أنتهي؟! ربما أتأخر يا آثر، أخبرتك أني سأتصل بك عندما أنتهي.
- لا عليكِ يا حبيبتي سأنتظرك مهما تأخرتِ.
- حسنا كما تريد، سأذهب الآن.
تركت سهيلة الهاتف على الطاولة بعدما قامت بكتم الصوت؛ حتى لا يعلم أنها بالخارج ولا يسمع شيئاً، وجلست تتحدث مع إيمان وتخبرها بما حدث، تضرب إيمان كفاً على كف من صدمتها، إي نوع من البشر هذا؟ قالت إيمان:
- لم تفعلي ذلك بنفسك يا سهيلة؟ إي نوع من البشر هذا؟! إنه رجل مريض، رجاءا لا تفعلي ذلك بنفسك وإلا ستندمين لاحقاً، تخلصي من هذا الشيء، لا يمكن أن أسميه حبا وإنما هو مرض مزمن.
تزفر بضيق وتقف تستعد للذهاب في عجلة من أمرها:
- كما يريد الله سيكون، سأذهب الآن حتى لا أتأخر، أراكِ لاحقاً.
- حسنا اتصلي بي حالما تصلين إلى المنزل.
- حسنا وداعاً.
أغلقت سهيلة الهاتف بحجة أن بطارية الهاتف فارغة، حتى وصلت إلى المنزل في زمن قياسي، كأنها في منافسة شرسة، ولو كان ذلك في حقيقة الأمر سباقا لكانت الفائزة بلا أدنى شك.
مرت شهور على تلك الحالة وكل يوم يزداد تحكمه بها عما قبله، حتى أصبح يسيطر عليها كلياً، لا تخرج ولا تتحدث إلى أحد ولا تمد يدها للسلام على رجل بحجة أنه يغار عليها، حتى أزواج أخواتها منعها من التحدث إليهم، أصبح الكثير من جهات اتصال الهاتف خاصتها محظورا، بالرغم من أنه يفعل كل ذلك عبر الهاتف إلا أن سهيلة كانت تطبق أوامره حرفياً دون تردد.
لم تفكر قط في أنه لم يراها إن فعلت ما يريد أم لا، ولكن كانت تعتقد في داخلها وتؤمن بأنها عندما تتقي الله فيه، ستقابل بالمثل من جهته.
~~~
كان آثر يعمل مع والده بأجر يومي وهو خمسون جنيهاً، كان يقبض راتبه في نهاية كل أسبوع، ينتظر آثر نهاية الأسبوع ويوم إجازته حتى يتهيأ ويخرج لمقابلة الفتيات هو وصديقه أسعد وشقيقه التوأم أكرم، وفي أغلب الأحيان كان هو وصديقه أسعد فقط، ذلك أسعد هو الوجه الآخر للعملة، صديق آثر المقرب.
جلس آثر وأسعد في المقهى المفضل لديهم في منطقة وسط البلد الشهيرة، وتحدث إليه أسعد في موضوع سهيلة:
- ما الأمر يا رجل؟ لم تخبرني إلى أين وصلت مع تلك الفتاة.
ضحك آثر بثقة وقال:
- لقد أصبحت كالخاتم بإصبعي، وقريبا ستقنع أهلها بخطبتنا.
بسخرية مبتسما بجانب فمه يقول أسعد بثقة:
- لن يحدث يا صديقي.
ينظر إليه باستغراب يقول:
- ولِمَ لا؟! لقد أصبحت تسيطر عليها كلياً.
- استمع إلي يا صديقي، هذه الفتاة ليست كباقي الفتيات كما تقول، لذلك ربما تنحاز إلى أهلها وتستمع إليهم وتعيد التفكير في أمر علاقتكم مرة أخرى، هي تعيش مع أهلها الآن، وعلى ما أعلم أن أهلها يرفضونك بشدة.
- أجل بالفعل.
- صدقني إن لم يكن لديك شيء يمنعها من تركك وتضمن به بقائها بين يديك، فلن تحصل عليها ولن يسمح لك أهلها بالاقتراب منها مهما فعلت.
انتاب آثر التوتر والقلق، بدأ ينزعج جراء حديث أسعد، تملكه الخوف ليس من فقدانها، ولكن إن فقدها سيفقد إرثها الذي يحلم به منذ أن رأى منزلها وسيارة والدها في المرة الأولى التي ذهب بها إلى منزلها، بالإضافة إلى حديث سهيلة معه بحسن نية عن عائلتها وما لديهم من أموال وأملاك، كان آثر يخبرها أن والده مليونير لكنه قاسي القلب ولا يعطي أحد من أبنائه شيئا ولا يساعد أحد؛ حتى يجعلهم رجالاً يعتمدون على أنفسهم.
قال بقلق:
- ماذا تقصد يا أسعد؟ ماذا علي أن أفعل إذاً؟
- وهل أنا من سأخبرك ماذا تفعل يا بطل، عليك أن تمتلك شيئاً منها تستطيع أن تجبرها به على البقاء معك.
نظر إليه آثر يصمت بتفكير ثم قال:
- فهمتك، أتعلم؟ لديك حق فيما تقول كيف لم أفكر بهذا الأمر من قبل؟ بسيطة ما زال الأمر بين يدي، لكن علي التفكير بهدوء والتخطيط للأمر، سهيلة ذكية ولن يستدرجها شيء بسهولة إلا إذا اقتنعت به كلياً أنه الصواب وأنه الحل الأمثل لنا.
رفع أسعد يديه يشير إليه بأن الأمر بين يديه ولا علاقة له بذلك، وكأنه يقول:
- لست أدري لك الأمر وافعل ما تشاء.
وبعد تخطيط دام لفترة من آثر كان بدايتها أن يجعلها تشعر بالاطمئنان من ناحيته، غير طريقته وأسلوبه الحاد وأصبح شخصاً لطيف لا يغضب عليها ولا يرفع صوته، حتى أنه لم يعد يجبرها على شيء وكان متفهما لأبعد الحدود، حتى صدقت سهيلة بالفعل أنه غير من نفسه لأجل إرضائها.
ومن هنا بدأت الخطة البديلة للشيطان، وكان عنوانها (الاشتياق)، دائما ما كان يخبرها أنه يشتاق إليها بشدة وإلى رؤيتها، كان يخبرها أنه سيأتي لرويتها فقط من بعيد وكانت ترفض لبعد المسافة خوفاً عليه، إلى أن تحدث إليها ذات يوم وهو حزين:
- ماذا بك يا آثر؟ من بداية اليوم وأنت لست بحالتك، ما الأمر؟
تنهد بضيق وقال بصوت حزين ومكسور:
- اشتقت إليكِ كثيراً يا سهيلة، أريد رؤيتكِ أمامي كل يوم، لقد ضاق بي الزرع وسئمت الأمر، إلى متى سنظل أنا وأنتِ في مكانين منفصلين؟
- حبيبي آثر حسنا سأرسل لك صورتي حتى تراني.
رفض ذلك بطريقة مختلفة حتى يقنعها بما يريد:
- وماذا ستفعل الصورة يا سهيلة، لن تكفيني تلك الصور ولم أعد أريد رؤيتكِ دائما هكذا بملابس المنزل أو بملابس الخروج.
تحدثت بانفعال بعض الشيء، ربما فهمت ماذا يريد لكنه حول الأمر لصالحه في لمح البصر:
- ماذا تقصد يا آثر؟ وماذا تريد إذاً؟!
- ليس الأمر كما تعتقدين يا سهيلة وإن كان هذا هو ظنكِ بي فلن أتحدث معكِ ثانية، سأغلق الخط وداعاً.
- حسنا حسنا انتظر وأخبرني ماذا تريد، لم أقصد شيء لكن أسأت الفهم.
- أريدك يا سهيلة أريد أن نتزوج، أريد أن آتي إلى والدك مرة أخرى، وآتي مرارا وتكرارا حتى يقبل بي، ترين ماذا أفعل لأجلك وماذا أفعل لإرضائك، لكني لست راض يا سهيلة.
وها هي سهيلة تقع في بركة الوحل مرة أخرى برضاها، لكن هذه المرة الوحل أعمق مما كان سابقاً، فهو يلقي لها شباكه بل يبسطها أمامها بكل حرفية، وهي تذهب إليها دون تردد وبكل سهولة:
- وماذا لدي لأفعله يا آثر، ترى أني فعلت كل شيء.
- سهيلة دعينا نتزوج دون علمهم ونضع الجميع أمام الأمر الواقع.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الخامس 5 - بقلم سهام احمد
كان هذا الحديث كالماء المثلج الذي سقط على رأس سهيلة، تجمدت بارضها، وفي تلك اللحظات طرأت لها ألف خاطرة وخاطرة.
ولللحظة واحدة شعرت أن أهلها لديهم حق.
بانفعال تتحدث:
"ماذا تقول؟! ماذا تقصد يا آثر؟! وهل انا في نظرك تلك الفتاة الرخيصة التي تجلب العار لأهلها وتخذلهم؟ هل انا تلك الفتاة في نظرك؟ يالخسارتي، يا ليتني لم أعرفك يومًا، لا أصدق أنك تفكر بي بهذه الطريقة."
شعر أن الأمر سيخرج عن سيطرته، انقلبت عليه خطته الشريرة، أدرك الخطأ الذي ارتكبه في الحديث وحاول إصلاحه بسرعة؛ حتى لا يتفاقم ويخسر كل شيء.
"ماذا تقولين يا سهيلة، أقول لكِ ذلك؛ لأني أشتاق إليكِ حد الجنون، وأنت تقولين ليتكِ ما عرفتني، يا إلهي ماذا أفعل لكِ أكثر من ذلك لأثبت لكِ أني أحبكِ كثيرًا وأنكِ لدي بمثابة الدنيا ولستِ تلك الفتاة الرخيصة كما تتحدثين."
بدأ ينفعل ويعلو صوته ببكاء حزين:
"ليتني أموت يا سهيلة؛ لأرتاح من هذا العذاب في بعدكِ عني، ليتني مت قبل أن أسمع منكِ هذا الكلام."
رق قلب سهيلة سريعًا عندما سمعت صوت بكائه المزيف.
"حسنا يا آثر اهدأ أرجوك أنا آسفة، لم أقصد ذلك، لكن حديثك هذا أثار غضبي حقًا، ظننت أني بلا قيمة لديك."
بشهيق وبكاء يتحدث:
"هذا لأنكِ لا تحبينني كما أحبكِ، لو كنتِ تحبينني لما ظننتي بي هذا الظن المسيء، ولعلمتي أني أقول ذلك حبًا بكِ."
"أعتذر منك يا آثر سامحني، لكن هذا الأمر مرفوض بالمرة بالنسبة إلي، لم تريد أن تسرق مني فرحتي بثوب زفافي وفرحتي بوجودك جانبي أمام الناس؟ أنا مثل أي فتاة أريد أن أتزوج بك أمام الجميع وبالأصول."
"حسنا يا سهيلة أنا أعتذر منكِ ولن أتحدث معكِ مرة أخرى عما يجول في خاطري، مهما آلمني الاشتياق لكِ سأكتم داخلي وأبقى الأمر سرًا لن أبوح به."
بعد حديث دام بينهما لفترة طويلة عبر الهاتف حتى اقتنعت سهيلة أنه ملاك بريء، وإن لا أحد يحبها في الكون أكثر منه، تغاضت عن طلبه وتراجع عن حديثه وقام بتبديل الخطة وأخذ منحنى آخر لتحقيق رغبته وهو أن أبسط ما يكون أن يراها يوميًا عبر الصور ليخمد رغبة الاشتياق إليها.
إلى أن أتى يوم وطلب منها أن يأتي لمقابلة والدها ويضع حدًا للموضوع لكن والدها رفض مقابلته وطلب من خالها أن يستقبله بدلًا منه، ويتحدث معه وينهي الأمر، لكن إصرار آثر وسهيلة على بقائهم معًا كان أقوى من رغبة والدها.
أخبر خالها والدها بما تم بينه وبين آثر في المقابلة، وأخبره أن يتقبل الأمر ويدعها تتحمل نتيجة اختيارها.
ولكن والدها ما زال مصرًا على رأيه وهذا ما جعل سهيلة تقع فريسة لصيد الشيطان الماكر للمرة الألف، برغبتها ورضاها؛ لأنها تراه الضحية الوحيدة والمظلوم الوحيد في هذه العلاقة؛ ولأن والدها لم يتحدث إليها قط وجهًا لوجه ويخبرها بوجهة نظره أو ما يراه في آثر هي لا تستطيع رؤيته، بعد والدها عنها أيضًا كان سببًا من الأسباب الرئيسية في وقوعها فريسة بين شباك هذا الصياد الماهر، والذي نصب شباكه بكل دقة حتى أتت بصيد ثمين.
بعدما رجع آثر إلى منزله، تحدث إلى سهيلة عبر الهاتف منفعلًا.
يصرخ آثر بصوت مرتفع وغاضب بنبرة تهديد يتحدث:
"إن لم تفعلي ذلك يا سهيلة لن تري وجهي مرة أخرى، ماذا أفعل لكِ أكثر من ذلك؟! ماذا أفعل لترضى عائلتكِ، وها أنتِ الآن ترفضين البقاء معي، كنت أعلم أنكِ ستتأثرين بحديثهم يومًا ما."
بصوت حزين وباكٍ يحطم القلب:
"تعلمين كم عانيت لأجلك يا سهيلة، وكم تحملت من الإهانات؛ كي أكون بجانبك، لكن إلى هنا وكفى، لقد اكتفيت وعلمت مكانتي لديكِ الآن."
بصوت حزين ومتوتر:
"آثر توقف عن قول ذلك أرجوك، ليس الأمر كما تعتقد، لكن لا فائدة مما سنفعله، ما تطلبه الآن لن يعود بالنفع علينا بشيء، بل ربما متأذى منه أكثر، رجاءً اهدأ؛ حتى نستطيع التفكير بعقلانية والتحدث بالأمر."
بصوت مرتفع ونبرة تهديد قاسية، فهو يعلم في نهاية الأمر أنه سيحصل على ما يريد، بالطبع تلك الثقة يكتسبها الشخص عندما يتمكن من معرفة نقاط ضعف الطرف الآخر ويعلم كيفية استغلالها، ذلك الخبيث جعلها تعشقه حد الموت وكان عشقه هو قاتلها الوحيد:
"لن أهدأ يا سهيلة، فقط أريد سماع شيء واحد منكِ، تريدين الزواج بي أم لا؟ تريدين البقاء معي أم لا؟"
بلا تردد قالتها بحب وصفاء نية:
"بالطبع أريد، ولكن..."
بتر حديثها حتى يتمكن من إكمال تأثيره عليها، ذاك السحر الخفي الذي ألقاه عليها فجعلها كأداة بين يديه يستعملها وقتما يشاء:
"ليس هناك بكن، إن كنتِ تريدين البقاء معي فلنتزوج الآن، ولتكوني زوجتي أمام الله؛ حتى لا يستطيع أهلكِ إجباركِ على الزواج من آخر، وحتى أطمئن أنكِ معي وأنكِ ملكي أنا فقط."
بتنهيدات حارقة، مغلوبة على أمرها، تستسلم أمام حديثه الذي سيطر على عقلها كليًا:
"حسنا يا آثر، كما تريد إن كان هذا ما سيريحك ويجعلك تطمئن سأفعله، قل لي الآن ماذا تريد مني أن أفعل، ولكن قبل ذلك..."
بتر حديثها ليجعلها تطمئن ذلك الشيطان الذي يخفي حقيقته خلف وجه رجل عاشق وضحية للحب، ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة، لقد حصل على ما يريد ولكن هناك زر بسيط لابد من الضغط عليه برفق حتى تكتمل مهمته:
"أعلم ماذا ستقولين."
تحدث بصوت حنون وطيب، بحب وهدوء:
"أنا أحبك أكثر من نفسي، أحافظ عليكِ كما أحافظ على قطعة من جسدي، بالإضافة إلى أنكِ بمكان وأنا بآخر، كيف سأقترب منكِ إذا؟ أفعل ذلك من أجل الحفاظ عليكِ يا سهيلة."
تنهدت مستسلمة للأمر:
"حسنا يا آثر، لكن عدني بأنك ستحافظ على ذلك ولن تخذلني؟"
"أعدكِ بأني لن أخذلكِ أبدًا، وستظلين زوجتي أمام الله حتى تتقبل عائلتكِ ارتباطنا، ويقبل والدكِ بزواجنا."
في محاولة أخرى من عقله الشيطاني لإقناعها برغبته الكامنة، يعتقد أنه سيجعلها تقبل كما قبلت رغبته الآن:
"لقد طلبت منكِ أن نتزوج سابقًا دون علم أحد ونضعهم أمام الأمر الواقع لكنكِ لم تقبلي ذلك، بالرغم من أنه كان الحل الأمثل لما نحن به الآن، كان يستقبل والدكِ الأمر مع مرور الوقت وسيتقبل الجميع."
بترت حديثه بانفعال وضيق:
"بالطبع لا لن أفعل ذلك يا آثر ولا تتجرأ على التحدث معي بهذا الأمر وإلا ستخسرني إلى الأبد، لن أكون تلك الفتاة التي تخذل أهلها وتجلب لهم العار، إن كنت حقًا تحبني لا تتحدث بهذا الأمر مجددًا، أو سأعلم أني سلعة رخيصة بالنسبة إليك تباع وتشترى."
"حسنا حسنا انسيّ الأمر، هيا قولي ورائي يا حبيبتي، زوجتك نفسي…"
بدأ آثر يمارس عليها حقوقه كزوج حقيقي، لا تخرج من المنزل دون إذنه، لا ترتدي ملابسها التي كانت ترتديها من قبل، كزوجة مطيعة تلبي طلباته ورغباته دون مناقشة، بحجة أنه يغار عليها وأنه زوجها أمام الله وستحاسب على غضبه منها، لم تعد تعمل ولا تذهب للجامعة.
مرت عدة أشهر على هذا الوضع إلى أن مرض عم سهيلة الأكبر مرضًا شديدًا، وظل على فراش الموت مدة قاربت الشهر.
كان يقطن عمها في محافظة الشرقية، سافر إليه والدها ليراه قبل رحيله وأخبره بموضوع سهيلة وآثر، وكان عمها من أقنع والدها بالقبول وتركها تتحمل نتيجة اختيارها، بل وأخبره أن يفعل ذلك قبل رحيله ربما يشفى من مرضه ويأتي لحضور خطبتها.
كانت سهيلة تحب عمها كثيرًا وهو كذلك، وبالفعل قبل والدها وأخبر والدتها أن تخبرها إن كان آثر ما زال يريد أن يتقدم لخطبتها فليأت ولكن بشرط حضور والده، والذي كان يعلم آثر أنه شيء شبه مستحيل.
حاول آثر بكل الطرق إقناع والده بالذهاب معه لطلب سهيلة للزواج، وقبل والده بعدة شروط وهي أن يذهب معه كصورة فقط ليس إلا، لا علاقة له بالزواج وتكاليفه وما يتبعه من عادات وتقاليد، واشترط أيضًا على آثر أن يقوم بتجهيزاته اللازمة لزفافه دون أن يسأله بمال ولا حتى بمليم واحد، وقبل آثر بالطبع فهو يعتمد على ما يدور في مخيلته أنه سيحصل على الكثير من زواجه، ولكن دائمًا ما تنقلب الموازين عندما يتأمل الشخص أكثر من اللازم بشيء مجهول في علم الغيب.
وبالرغم من قدوم والده وموافقته على الذهاب لطلبها إلا أن والدها فاجأ الجميع.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل السادس 6 - بقلم سهام احمد
حزن ومعاناة.
عندما يتخطى الطمع أقصى درجاته، ولا نلقي بالاً لمشاعر الأشخاص، تتملكنا رغبة الحصول على ما نريد، لا يهم كيف ولا متى ولا النتائج المترتبة على ذلك، فقط نفكر فيما نريده، نصبح بلا قلب بلا ضمير بلا مشاعر.
لا نفكر أن هناك شيء يسمى الغيب والمجهول لا نعلمهما، لا نعرف ماذا يخبئ لنا القدر، تلك الثقة المفرطة التي نحصل عليها من سيطرتنا على شخص ما، ربما تنقلب علينا إلى أقصى درجات الضد، فتصبح كالشجرة التي ظلت تنمو بثقة في أرضها لسنوات، وجاء أحدهم ليقلعها من جذورها؛ لأنها لا تناسب مكانه.
عندما خطط آثر، الكثير من الخطط الشيطانية؛ للحصول على سهيلة، لم يفكر قط في ماذا لو لم تجدي تلك الخطط نفعاً؟ وماذا لو لم أحصل على ما أريد؟ ما بال مشاعر تلك الإنسانة التي وثقت بي وسلمتني روحها ومشاعرها وجعلتني في مكانة لا تقارن فيها بأحد؟ ربما يستيقظ ضميره بشيء ما ولكن متى يا ترى؟ ربما ينجيه القدر أو يخسف به الأرض بفعله.
كانت تقفز الفرحة في قلب سهيلة كالاطفال في ليلة عيد، بالرغم مما فعله معها ومعاملته السيئة لها إلا أن عشقها له كان يجعلها تتغاضى عن أخطائه عند سماع بعض الكلمات المحلاة بالعسل، يجبر بها خاطرها المنكسر، هو صياد ماهر علم نقاط ضعف فريسته ونصب لها شباكه بمهارة قصوى، حتى جعلها تذهب إلى فخه بقدميها دون تردد ولا خوف.
اشتد مرض عم سهيلة كثيراً وأصبح في فراش الموت، قدم والد آثر بعد قبول آثر بشروطه وتحمل تكاليف سفره وإخوته، في يوم التاسع عشر من شهر يوليو عام ألفين وخمسة عشر ميلادياً، كانت خطبة سهيلة على آثر في منزل والدها، بلا حفل خطوبة وبلا زغاريد وبلا فستان، فقط اقتصرت فرحتها على وضع دبلة الخطبة في إصبعها، والتي كانت الطوق الذي سُجنت فيه طوال حياتها.
حاولت رباب أن تفرح قلب صديقتها سهيلة بزغاريد، وعندما فعلت وضعت والدتها يدها على فمها وكانت صوتها؛ خوفاً من ملامة الناس لها، فابن عمها وشقيق زوجها في فراش الموت، وهي تحتفل بخطبة ابنتها، حالة غريبة ليس لها وصف.
اقبلت عليها والدتها تضمها إليها بشدة تهنئها بخطبتها قائلة بحزن وقلة حيلة:
- لقد حصلتي على آثر يا سهيلة الآن؟
ضمتها سهيلة إليها باكية دون كلمة واحدة.
بعد مرور حوالي ساعتين من تناول الغداء غادر آثر وعائلته، في نفس اليوم تلقى والدها مكالمة واردة من أخيه الأصغر يخبره فيها بوفاة أخيه الأكبر، كانت صدمة بالنسبة إليه، وفي اليوم التالي أتوا بجثمان عمها إلى منزل العائلة والذي كان يقطن به جدها وزوجته واعمامها من زوجته وزوجاتهم.
حزنت سهيلة كثيراً لوفاة عمها، ذمها الجميع بعد معرفة خبر خطبتها وخاصة الأقارب، قالوا إن وجه خطيبها شؤم على العائلة وبقدومه إليها ذهبت روح عمها، لامها الكثير على طريقة خطبتها دون علم أحد وفي فترة مرض عمها، حتى ظن البعض أن هناك أمر خاطئ حدث ولا يعلم به أحد.
رن هاتف سهيلة بمكالمة واردة من آثر، أجابت بحزن وصوت مبحوح:
- مرحبا آثر.
تعجب لصوتها الحزين في أول يوم لهما بعد الخطبة التي طال انتظارهم لها:
- ما الأمر ما به صوتك يا سهيلة؟
بصوت باك وحزين:
- لقد توفي عمي يا آثر، لقد رحل إلى الأبد.
صدم آثر من الخبر وأخذت منه شقيقته الكبرى "منال" الهاتف، تحدثت إلى سهيلة بأسى:
- سهيلة البقاء لله يا عزيزتي، تحلي بالصبر.
- شكراً لكِ يا منال ونعم بالله.
- سياتي إليكِ آثر لحضور العزاء، سيرحل الآن.
- لا، لا تجعله يأتي، لم يرتاح بعد من تعب السفر، لقد كان هنا بالأمس يا منال، لا عليكِ.
- ماذا تقولين يا سهيلة إنه واجب لا يمكن تركه، صدقيني لو لم تكن أمي مريضة لكنت أتيت معه أيضاً.
- لا عليكِ يا منال أوصلي سلامي إليها.
- إنها بجانبي وتريد التحدث إليكِ خذيها.
أخذت والدة آثر الهاتف وتحدثت إلى سهيلة:
- البقاء لله يا عزيزتي سهيلة.
- شكراً لكِ يا أمي ونعم بالله.
- لا تحزني يا عزيزتي، إنه كأس سيتذوقه الجميع.
- الحمد لله على كل حال، أخبريني كيف هي صحتك الآن؟
- الحمد لله أنا بخير، كنت أود القدوم إليكِ لكن أقسم لكِ يا ابنتي أني لا أستطيع، اشتد عليّ مرض السكر.
- شفاكِ الله وعافاكِ يا أمي، اعتني بنفسك فقط.
- حسناً خذي آثر يريد مكالمتك.
- حسناً وداعاً.
أخذ آثر الهاتف وخرج من غرفة والدته وشقيقته، والدته السيدة "هالة" تعيش مع أبنائها الخمسة وابنة وحيدة هي منال، انفصلت عن زوجها والد آثر منذ سنوات؛ لقسوته على أبنائه وعدم إعطائهم ما يكفيهم من المال، بل وجعلهم كالخدم لديه كل منهم يعمل بأجره، لم يستمع إليها ولم يبنِ لهم منزلاً بل العكس، ابتاع ما كان يمتلكه؛ حتى لا يترك لهم شيئاً وراءه.
أما منال فهي الابنة المدللة لأبيها والتي تشبهه كثيراً في طباعها، انفصلت عن زوجها وهي حامل منه في شهرها الأول، لم تتحمل معاملته السيئة لها وبخله عليها وهذا ما كانت تشكو به إلى الجميع، وربما في حقيقة الأمر تكون خباثتها وطباعتها السيئة هي السبب في طلاقها.
لم تكن سهيلة تعلم كل هذا عن عائلته، علمت الكثير عنها بعد خطبتها، تحدث إليها آثر وأخبرها أنه قادم إليها، وبالفعل أتى آثر، وعندما دخل إلى المنزل خرجت إليه سهيلة بجلباب جديد أخضر اللون مطرز بالورود الزهرية والبيضاء، نظر إليها آثر ولم يلقِ بالاً لذلك فسألها بضيق:
- أين هو والدك يا سهيلة، ألم يعلم بقدومي؟ ألم تخبريه أني أتيت؟
تعجبت سهيلة من طريقة حديثه، هو لم يسألها حتى عن حالها، ولم يلاحظ ما فعلته لأجله، لقد ارتدت ثوباً ملوناً بالرغم من أنه من المفترض أن ترتدي زياً أسود اللون حزناً على عمها، اعتقدت وطَرأ في خاطرها أنها المرة الأولى التي يراها فيها آثر بعد خطبتهم، وسيكون فالاً سيئاً إن دخلت عليه باللون الأسود.
فكرت سهيلة به ومشاعره رغم حزنها الذي لا يوصف، وهو يفكر في أن يصنع لنفسه مكانة وقيمة بين عائلتها، واعتقد أنه بخطبتها قد امتلك الكون وأصبح له ما لا يحاسبه عليه أحد.
خرجت سهيلة تنادي والدها وعندما رآها بتلك الملابس، نظر إليها من أسفل إلى أعلى ولكن لم يتحدث؛ لأنه به من الهم والحزن ما يجعله لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم.
دخل والدها غرفة الاستقبال ورحب به وخرج على الفور.
بعدما خرج والدها أمسك آثر سهيلة من ذراعها بقوة وقال بصوت منخفض بغضب وضيق:
- ما به والدك، لم يعاملني بهذه الطريقة؟ لقد جئت لأجله من آخر الدنيا، وهو لا يقدر ذلك، لقد أخطأت في مجيئي إلى هنا أنا ذاهب.
دفعها وهم للخروج، أمسكت به بخوف وتوتر وقالت:
- آثر والدي لم يفعل شيئاً إنه فقط حزين من أجل عمي، أنت ترى ذلك لكني أعرف والدي جيداً، هو لم يقصد ما تقوله.
دفعها بعيداً عنه وقال بتهكم:
- عائلة رخيصة، ماذا فعلت بنفسي، دعيني أذهب.
خرج آثر وذهب إلى إحدى المقاهي في البلدة وجلس عليها، حاولت الاتصال به مراراً وتكراراً؛ حتى لا يلاحظ والدها غيابه من العزاء الذي قدم لأجله.
حزنت سهيلة كثيراً لكنها رأت أن ما فعله آثر تصرف لا يليق بالطرف الذي هم فيه، وقررت أن تبدل ملابسها وأن لا تعطيه اهتماماً، فقط قامت بالاتصال به لمرة أخرى وعندما أجابها تحدثت إليه بضيق قائلة:
- ما هذا الذي تفعله، من المفترض أنك تكون بجانبي في هذا الظرف القاسي، لكنك تفضل خلق المشاكل بدلاً من ذلك، ماذا أقول لأبي إن سألني أين هو آثر؟ من المفترض أن تكون هناك بين عائلتي تأخذ العزاء معهم؛ لأنك أصبحت فرداً من العائلة، لكن لسنا نحن العائلة الرخيصة بل أفعالك، إن لم تأتِ الآن سأخبر والدي بما حدث ولا تأتِ مرة أخرى.
شعر آثر بالإهانة لحديثها، تعجب من جرأتها لمحادثته بهذه الطريقة وهذه النبرة، يا لها من جرأة مفاجئة، لقد أغلقت الخط في وجهه، قام آثر منفعلاً وذهب إلى منزلها، وجدها تستعد هي وأخواتها بالزي الأسود للخروج، والذهاب إلى منزل جدها لرؤية عمها للمرة الأخيرة قبل مغادرته إلى مرقده الأخير.
بعد دخوله إلى المنزل تساءلت أخواتها أين كان فقالت بعد أن سمعت صوت ندائه:
- ربنا كان في منزل جدي ليحضر العزاء، سأرى ماذا يريد، دخلت الغرفة وعندما نظر إليها وهي تعقد يديها واقفة أمامه بضيق وقال وهو يخرج سيجاره ويشعلها:
- هل أنا أفعالي رخيصة يا سهيلة؟
تزفر بضيق وتتغاضى عن سؤاله وتقول بحزن وهي تشير إليه بإصبعها:
- لقد توفي عمي اليوم ولست في حالة مزاجية لما تفعله الآن، بدلاً من أن تختلق الخلافات بيننا في هذا الظرف، هون عليّ ولو قليلاً، أنا ذاهبة إلى منزل جدي؛ لأرى عمي قبل رحيله، إن كنت تريد الذهاب معي فاستعد وإن لا فافعل ما تشاء.
همت سهيلة بالذهاب وخرج خلفها، أمسك بذراعها قبل أن تخرج من باب الغرفة مسرعاً، بدأ يبدل طريقته القاسية وأفعاله، رق قلبه قليلاً عندما رأى دموعها تتساقط حزناً كقطرات المطر، جذبها إليه بقوة حتى ارتطمت بصدره، تبادلت عيناهما النظرات، للمرة الأولى التي يرى فيها آثر أعينها عن قرب، بالرغم من أنها بنية اللون والتي يطلق عليها أعين عادية، إلا أنها لها جاذبية خاصة، تخطف الأنظار والعقول والقلوب ببرائتها وسحرها.
خجلت سهيلة من هذا الوضع وطأطأت رأسها خجلاً، حاولت إبعاده وهي تمسك يديه وتسقطها من على خصرها، تفاجأت بأنه لا يستجيب لها، حاولت ثانية ولا يستجيب أيضاً، في كل مرة تحاول إبعاده بقوة أكثر من التي قبلها، تزداد قبضته عليها قوة أكثر، حتى تعنف عليها يحاول التقرب منها وهي تحاول إبعاده، بصوت منخفض يقول لها:
- أخواتك بالخارج لا تدري صوتاً وإلا سيقولون ماذا يحدث، ستضعي نفسك في مأزق كبير وأنا معك.
- ابتعد عني يا آثر ماذا تفعل، هذا ليس مزاحاً.
ابتسم بجانب فمه يسخر منها وقال:
- من قال إني أمزح يا سهيلة، لماذا أنتِ غاضبة مني إلى هذا الحد، أنا آثر حبيبك، لن أتركك حتى تتصالحين معي وتبتسمي لي.
نظرت إليه بتعجب وغضب وقالت بتأفف:
- ماذا تفعل؟! يا إلهي ها أنا أضحك الآن، دعني وشأني.
دفعته بشدة حتى أبعدته عنها وأسقطته على الأريكة، نظر إليها ضاحكاً وقال:
- يا إلهي كم أنتِ قوية، لم أكن أعلم أنكِ لديكِ تلك القوة بالطبع أنتِ فتاة قوية.
قام إليها مسرعاً وقبض عليها مرة أخرى وقيد يديها من خلف ظهرها بيديه، لم تستطع الحراك ودفعها بقوة حتى تسقطها على الأريكة واااا.
سمعت سهيلة صوت أختها الكبرى تنادي:
- سهيلة هيا بنا لقد تأخرنا.
تدفعه سهيلة من جانبها وتقوم بعينين حمراوين من شدة البكاء، وخرجت من الغرفة، هو يبتسم تلك الابتسامة الشيطانية التي تعني الانتصار، وكأنه حصل على كنز من كنوز الدنيا.
وصلت صرخات وأصوات حزن، بكاء ونواح وشارع مليء باللون الأسود وأصوات البكاء وصرخات الألم تملأ المكان، ودعت سهيلة وجميع العائلة نعش عمها، والله وحده يعلم ماذا ودعت سهيلة أيضاً مع عمها في هذا اليوم.
انتهى العزاء وسكت الجميع، أصبحت الأجواء هادئة، الحزن داخل القلوب يعلمه الله، والوجوه شاحبة وبحالة يرثى لها، أصعب أنواع الفراق أن تفقد شخصاً روحاً وحيداً معاً إلى الأبد، وبالرغم من ذلك فهو أريح أنواع الفراق، على قدر قسوته وألمه يكون القلب مطمئناً لمعرفة نهاية علاقته.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل السابع 7 - بقلم سهام احمد
صدمة.
عندما يعتقد الإنسان أنه حصل على ما يريد وتمكن منه، يحدث مالا يتوقعه، فليس هناك شيء باقِ ولا مضمون، كل شخص لديه قوة داخلية تخرج فقط عندما يحتاجها بشدة، وأحيانا يتعجب هذا الشخص من قدرته المفاجئة، فلا تعتمد على ثقتك بنفسك وأنك تمكنت من شخص ما، فربما تخرج قوة هذا الشخص يوما ويتحرر من قيودك إلى الأبد، وتبقى أنت أسيره.
بعد انتهاء العزاء ومغادرة آثر إلى منزله بعدة أيام، بقيت سهيلة تفكر ليلًا ونهارًا فيما حدث بينها وبين آثر، لم تكن في حالتها الطبيعية، تجلس في غرفتها وسط الظلام تفكر فقط، تنظر إلى الهاتف وهو يرن بمكالماته ولا تجيب. استمرت هذه الحالة يومين حتى رأت رسائله الإلكترونية وهو يقول فيها أنه متعب وقلق عليها، وأن لم تجب على مكالماته سيتصل بوالدتها أو والدها.
استفزتها تلك الرسائل، تزفر بضيق وتمسك هاتفها وتتصل به:
"أجل، ما هذا الذي كتبته عبر رسائلك؟!"
بصوت قلق ومنفعل:
"لم لا تجيبين على مكالماتي يا سهيلة؟! ماذا هناك؟! كدت أن أموت من القلق."
بسخرية تجيبه وصوت غاضب:
"حقا؟! لا تعلم لم لا أجيب على مكالماتك؟! وأنا أيضًا لا أعلم يا آثر، عندما تعلم أخبرني أرجوك."
استفز من طريقة كلامها وبرودها المبالغ فيه، والذي لم يعتاد عليه، بضيق تحدث منفعلًا:
"سهيلة؟ تحدثي جيدًا معي، مع من تتحدثين بهذه الطريقة، هل جننتي؟!"
"أجل يا آثر جننت."
بتأثر ونبرة ندم:
"جننت؛ لأنني وثقت بك يومًا، جننت؛ لأنني كنت أعتقد أني حصلت على الرجل المناسب، والذي لا مثيل له، جننت؛ لأني أحببتك يومًا يا آثر."
"ماذا حدث لكل ذلك؟! ماذا فعلت أنا حتى أسمع منك هذا الكلام؟!"
بصوت حزين وباكِ:
"ظننتك تحبني حقًا، لكن يبدو أنني كنت مخطئة."
باستغراب يتحدث:
"لم تبكين أنا لا أفهم شيئًا؟! لحظة هل أنتِ غاضبة مني مما حدث بيننا ذلك اليوم؟"
لم تجبه وصمتت لبعض الوقت حتى أعاد عليها السؤال مرة أخرى:
"سهيلة تجيبيني من فضلك، هل أنتِ غاضبة مني من أجل ذلك، هيا ردي؟"
تنهدت بصمت للحظات ثم تحدثت قائلة بهدوء:
"وهل الأمر بسيط بالنسبة إليك أم أنك اعتدت على فعله؟!"
بصوت واضح:
"انتبهي لكلامك."
ثم تحدث بمزاح قائلًا:
"كل هذا الغضب لأجل ذلك، لم أكن أعلم أنك حساسة لهذه الدرجة، سهيلة لقد فعلت ذلك لأني أحبكِ."
بضيق تتحدث:
"تحبني؟! من يحب أحدًا يحافظ عليه، يخاف عليه من نفسه قبل الجميع، لكنك لم تفعل ذلك يا آثر."
تنهدت بحزن قائلة:
"لا فائدة من الكلام، لقد أخذت ما تريده أليس كذلك؟ ارحل هيا ودعني وشأني."
ضحك آثر بصوت مرتفع، حتى استفزها صوت ضحكه وأغلقت الخط. اتصل بها آثر مرة أخرى وقالت:
"هل انتهيت من الضحك وسخريتك؟"
لم تضحك؟
بصوت ضاحك يقول:
"أنتِ حقًا بلهاء، ما هذا الذي أخذته؟ يا إلهي لا أستطيع أن أتمالك نفسي من الضحك، كل هذا لأني قبلتك واحتضنتك يا سهيلة."
"وهل هذا الأمر بالنسبة إليك مضحك وبسيط؟"
"لا ليس مضحك بل أنتِ المضحكة، لقد جعلتني أشعر أني ارتكبت جريمة أو ما شابه، هل أنا اغتصبتكِ وأنا لا أعلم ههههه يا إلهي أنتِ حقًا غريبة."
صمتت سهيلة من ضيقها، تركته يتحدث حتى لاحظ صمتها، وقال:
"سهيلة؟ سهيلة؟ حسنًا حسنًا سأتحدث بجدية أجيب، سنتحدث معًا أعدكِ."
تحمحمت سهيلة دون كلام، ثم قال بجدية وهدوء:
"استمعي إلي يا سهيلة، كل ما فعلته هو أني اقتربت منكِ أكثر من اللازم أعلم ذلك وأعرف أنه أمر غير مقبول، لكني لم أقم بإيذائك يا حبيبتي، من قال إنني لم أحافظ عليكِ لقد احتضنتك فقط وقمت بتقبيلك ما الجريمة التي ارتكبتها؟! لقد كانت هذه المرة الأولى التي أراكِ فيها بعد خطبتنا، كنت أشتاق إليكِ كثيرًا، لا تنزعجي مني رجاءً، أقسم لكِ أني فعلت ذلك لأني أحبك وأشتاق إليكِ، فإني لم أراكِ منذ أشهر، ألم تشتاقي إليّ أيضًا؟"
تنهدت سهيلة وقالت:
"بالطبع أشتاق إليك، لكن هذا خطأ يا آثر، ماذا لو دخل أحد ورآنا، أنا لا أحب هذه الطريقة ولا أحب هذا الشيء."
وكالعادة بدأت فقرات السحر والإقناع التي دائمًا ما تكون لصالحه:
"سهيلة أنتِ زوجتي أمام الله أم أنك نسيتي ذلك؟"
"لا يا آثر لم أنس، لكنك وعدتني ألا تفعل شيئًا من هذا أم نسيت؟"
"لا لم أنس ولكن أخبرتك أني كنت مشتاقًا إليكِ، وفي حقيقة الأمر كنت أود أن أفعل أكثر من ذلك."
بمزاح قالت وبخجل:
"آاااثر؟"
"حسنًا حسنًا يا زوجتي العزيزة اخجلي قدر ما تشائين فلن يكون هناك خجلًا لاحقًا."
رددت ثانية بخجل:
"آاااااثر؟"
"حسنًا حسنًا لن أفعلها ثانية اتفقنا، لا تغضبي مني أرجوكِ."
"حسنًا لن أفعل أسامحك."
وها هي طريقة الشيطان في الحصول على ما يريد دون عناء، وبرغبة كاملة من فريسته أيضًا:
"لكني أشتاق إليكِ ماذا أفعل؟"
بحسن نية تتحدث تلك الملاك البريء:
"حسنًا كلما اشتقت إلي سأرسل لكِ صورتي."
ابتسم وراء الهاتف وكأنه يقول:
"لقد قربت علي الطريق، وأعطيتني ما أريد، يا لها من فكرة."
ثم جهر بصوت أفكاره يحدثها:
"إنها فكرة جيدة حقًا، حسنًا أنا أشتاق إليكِ الآن كثيرًا أرسلي لي صورة ولكن أريد أن أرى ما رأيته ذلك اليوم."
بانفعال وضيق قالت:
"آثر ليس ثانية."
بانفعال قال:
"ماذا تريدين مني يا سهيلة؟ أنتِ زوجتي أمام الله وهذه هي أبسط حقوقي أن أرى زوجتي، لقد غضبتِ مني لما فعلته ولا تريدين إخماد نار شوقي إليكِ، هذا ليس عدلًا."
بدأت تهدأ وتتحدث بهدوء عندما سمعت طريقة حديثه معها:
"آثر اخفض صوتك، سيسمعك أحد."
رفع صوته أكثر وقال:
"لن أخفض صوتي ولا يهمني أحد، أنتِ زوجتي أمام الله، وأنا لا أريد منكِ شيئًا يا سهيلة، شكرًا لكِ لا أريد أن أراكِ حتى نتزوج هل أنتِ سعيدة الآن لقد سئمت الأمر وداعًا."
أغلق آثر الخط في وجهها فهو يعلم كيف يعيدها إليه وكيف يقنعها بتلبية رغباته وتنفيذ طلباته.
ظل لا يتحدث إليها عدة أيام، تتصل به مرات عديدة ويرى هاتفه ويرى رسائلها لكنه لا يجيب عليها، طرأت لها خاطرة أنها إذا أرسلت إليه صورتها سيتحدث إليها، ولكنه رأى صورتها بملابس المنزل ولم يجب أيضًا، بالطبع فليس هذا ما يريده، خباياه الخبيثة وعشقها غير المحدود له جعل الأمر سهلًا عليه.
ظلت ترسل الرسائل وتتصل إلى أن سئمت الأمر، ضاق بها زرعًا، وأرسلت إليه رسالة وقالت فيها:
"حسنًا كما تريد لن أتصل ثانية، ظل هكذا يا آثر، افعل ما تشاء لقد سئمت الأمر."
عندما رأى رسالتها فكر قليلًا وقال إنها تفعل ذلك حتى أجيبها ولم يبالي، لم يعرها انتباه حتى لاحظ أنها لم تتصل به حتى نهاية اليوم. ظل منتظرًا اتصالها لكن تلك المرة خيبت ظنه وخالفت اعتقاده، اتصل بها وكانت المفاجأة ليس أنها لم تجبه بل أغلقت الخط في وجهه، يا لها من جرأة، بالرغم من خضوع المرأة لحبها أحيانًا وانكسارها لعشقها، إلا أنها عندما تمل وتشعر بعدم الاهتمام أو الإهانة تفعل ما لا يخطر على بال أي رجل.
كانت الحياة بين آثر وسهيلة عبر الهاتف، كل شيء يدور بينهما عبر الهاتف، لم تكن تراه ولا تعلم صادقًا هو أم كذابًا، كانت أحيانًا تأخذ أكلها داخل غرفتها وتأكل معه وهي يحدثها عبر الهاتف، تفعل أشياء غريبة عجيبة، بالرغم من انتقادها لأصدقائها على معاملتهم لخطابهم، وأصبحت هي أكثر منهن بعد خطبتها، بدأت سهيلة تعامل الجميع كما كان يعاملها سابقًا.
من كان يعاملها بلطف تعامله ومن أساء إليها ترد بالمثل على غير طبيعتها، هذا ما تعلمته من عشرتها لآثر، حتى خسرت الكثير والكثير وأول ما خسرته هي نفسها التي كانت يمدح بها طوب الأرض وما عليها، أصبحت منعزلة لا تخرج كثيرًا وإن خرجت كان يبقى معها على الهاتف حتى تعود. الأمر غريب لكنها اعتادت عليه.
بعد أسبوع من وفاة عم سهيلة مرضت والدة آثر كثيرًا؛ لأنها كانت تعاني من مرض السكر، اشتد عليها مرضها وارتفعت نسبة السكر في الدم حتى تسببت في تسمم بالدم، نقلت إلى المشفى عبر سيارة الإسعاف، كانت ترفض الذهاب وتقول وهي على الناقلة تنزل عبر الدرج لسيارة الإسعاف:
"لا تأخذوني إلى أي مكان دعوني أموت في فراشي."
كانت ترافقها ابنتها منال وقالت وهي تبكي خلفها:
"لا تقولي ذلك يا أمي، كفاكِ الله شر الموت، ستكونين بخير إن شاء الله."
التم الجيران على صوت سيارة الإسعاف وتساءلوا ماذا هناك، وبدأ الجميع يدعو لها بالشفاء عندما علموا أنها هي المريضة، كانت سيدة جميلة، خلوقة يحلف الجميع بأخلاقها وشهامتها، كانت الوحيدة من بينهم التي لا تقبل الخطأ ولا تقبل الظلم وهذا ما عرفته سهيلة عنها طوال معرفتها بها.
علم آثر بما حدث لوالدته وهو في العمل، تحدث إلى سهيلة وأخبرها بمرض والدته، ظلت تدعو لها وتقرأ القرآن لأجلها بنية الشفاء، حتى كانت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
ذهب آثر إلى المشفى وهو يتحدث إلى سهيلة بطريقة طبيعية تعجبت منها، كيف له أن يكون بهذا البرود ووالدته بين الحياة والموت:
"أنا في المشفى الآن يا سهيلة سأطمئن عليها وأهاتفكِ."
"حسنًا يا آثر أنا أنتظرك، إن كانت تستطيع الحديث دعني أتحدث إليها من فضلك؟"
"حسنًا رجاءً اقرئي القرآن لأجلها يا سهيلة."
"لم أترك المصحف من يدي منذ أن أخبرتني بمرضها، ستكون بخير إن شاء الله لا تقلق."
"أنا لن أتأخر سأطمئن عليها وأذهب إلى المنزل؛ لأني متعب للغاية."
"ألن تبقى معها الليلة في المشفى؟!"
"وماذا ستفعل في المشفى، هنا منال وباقي إخوتي، أقول لك أني متعب ألا تفهمين، لقد فعلت ما علي الآن وجئت لأطمئن عليها، هيا أحدثكِ لاحقًا وداعًا."
أغلق الخط وظلت تتعجب منه، تضرب كفًا على كف وتردد:
"لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله، ما هذه البشر يا ربي، لا أعلم أي نوع من البشر هؤلاء الأشخاص، لطفًا يا الله رحماك."
بعد حوالي الساعة تقريبًا اتصل بها آثر وأخبرها أنه في سيارة الأجرة يتجه إلى المنزل، وأن والدته بخير، لم تمض الخمس دقائق على مكالمته واتصل بها مرة أخرى أخبرها أنه سيعود إلى المشفى ثانية؛ لأنهم أخبروه أن حالة أمه خطيرة للغاية.
عاد إلى المشفى مسرعًا واتصل بسهيلة وهو على باب المشفى، للمرة الأولى يصدق آثر في مشاعره، بالرغم من سوء طباعه إلا أنها والدته، إنها الأم التي يقف أمامها كل شيء تعظيمًا لها ولمكانتها، يرخص لها كل نفيس، ويرتجف القلب لها وإن كان حجرًا، وتخضع لها النفس وإن كانت متمردة، بصوت حزين وقلق وخائف يتحدث آثر:
"أنا داخل المشفى الآن يا سهيلة، لعلها تكون بخير."
"اهدأ يا آثر ستكون بخير إن شاء الله، تمالك نفسك حتى لا تراك بهذه الحالة."
"انتظري قليلًا ها هو أخي محمد ومصطفى أيضًا يقفان هناك انتظري معي."
عبر الهاتف سمعت حديثهم سهيلة، قال محمد إنها تعبانة للغاية وأن الطبيب أرادهم أن يوقعوا على إقرار بإخلاء مسؤولية المشفى مما حدث معها وأنها تلقت العناية اللازمة، أخبروهم أن هذا الأمر روتين تتبعه المشفى مع الجميع، لكن في حقيقة الأمر أنهم علموا أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وأنها لم تتلق العناية اللازمة؛ لسوء حالة المشفى ونقص معداته.
وهناك أيضًا سبب أقوى من ذلك وهو ابنتها منال.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل الثامن 8 - بقلم سهام احمد
مهما كانت رغباتنا في الحياة غالية، فليس هناك ما هو أعلى قيمة في الدنيا من الأم، ومهما كانت قلوبنا قاسية، ويتملكها الكره والحقد، ينبت من بين تلك المشاعر السيئة حب الأم بكل قوة وجذور راسخة لا يستطيع شيء اقتلاعها مهما فعل، إنها الأم التي لا تقارن بغيرها ولا تقارن بأحد، ولا يأخذ أحد مكانتها ولا مكانها حتى وإن فارقت الحياة.
دخل آثر إلى غرفة والدته مع منال وأخيه التوأم أكرم وخطيبته نهلة، رأوا حالة والدتهم السيئة، والتي كانت تعاني من الغرغرينة في منطقة من جسدها أيضاً.
امسكت والدته بيد منال ابنتها وقالت لها:
"اعتني باخوتكِ يا منال، لقد تركت لك أختان بدلا من واحدة سهيلة ونهلة، لا تفقديهم واعتني بنفسك وكوني فتاة صالحة."
بكت منال كثيرا وهي تستمع إلى حديث والدتها.
طلبت الممرضة من الجميع أن يخرجوا من الغرفة حتى يفحصها الطبيب. خرج الجميع وبعد عدة دقائق خرج الطبيب وخلفه الممرضة تقول:
"البقاء لله، أعانكم الله على بلواكم."
علت أصوات الصراخ وبكى الجميع.
اخرج آثر الهاتف من جيبه، كانت سهيلة ارتعبت من تلك الأصوات، يخفق قلبها بشدة خوفا من أن يكون ما تفكر به قد حدث.
وقال آثر بصوت باكٍ:
"لقد ماتت أمي يا سهيلة، لقد ماتت، رجاءً تعالي إلى هنا، أريدك بجانبي، رجاءً أنا أحتاج إليك بشدة."
"آثر اهدأ، ما كل هذه الأصوات والضجة، يا إلهي، اهدأ أرجوك، سآتي إليك."
يبكي قلب الشيطان للمرة الأولى، يصدق كالأطفال، تحول إلى ملاك حزين ومكسور.
"ارجوك يا سهيلة، تعالي إلى هنا، ابق بجانبي."
"حسناً حسناً، رجاءً اهدأ يا آثر، وحد الله، لا تفعل ذلك، أرجوك ادع لها."
أغلق الخط آثر من حالته التي يرثى لها. حقاً، مهما كانت قوة الشخص وقدرته على تخطي المصاعب، واستغلال الآخرين وإيذائهم، مهما كان الشخص قوياً على غيره، هناك ما يكسره، بل ويجعله أضعف من ريشة معلقة بين السماء والأرض تضربها الرياح، لا تعلم إلى أين ستأخذها مغلوبة على أمرها، فمصيرها ليس بيدها.
في الصباح الباكر، أخبرت سهيلة والدتها بهذا الخبر، وأخبرت والدتها أباها.
قالت سهيلة لوالدتها إنها ستذهب إلى هناك مع والدها وطلبت منها إخباره، لكنها تفاجأت من رده:
"امشي، رجاءً، أريد أن أذهب إلى العزاء لأجل آثر، إنه يريدني أن أكون معهم، وهناك خطيبة أكرم أيضاً."
تعلم والدتها عاداتهم وتقاليدهم وتعلم أيضاً رد والدها:
"كيف تذهبين إلى هناك؟ سيذهب الرجال فقط، أما أنتِ فلا يمكنك الذهاب وحدك معهم، هذا إن كنت أنا سأذهب، وتعلمين أني لن أستطيع الذهاب."
"فقط أخبري والدي، ربما يوافق."
"سأخبره."
دخلت والدتها تخبر والدها، وبدأت سهيلة في تحضير حقيبتها وهي على ثقة بأنها ستذهب إلى القاهرة. لكن فاجأتها والدتها بأنها لن تذهب ولن يذهب والدها أيضاً.
"لم يقبل والدك بذهابك، ولن يذهب هو أيضاً."
وقفت سهيلة متعجبة وتساءلت:
"حسناً، أنا لن أذهب، ولكن أبي لم ولن يذهب؟ لقد أتى آثر في عزاء عمي لأجله."
"قال والدك إن والده لم يتصل به في عزاء أخيه ولم يأت إليه حتى أنه لم يرسل تلغراف أيضاً، أما آثر فهو شاب وسيرسل أحد أبناء خيلانك أو أعمامك لقضاء الواجب."
غضبت سهيلة ودخلت إلى غرفتها دون كلام، فقط تبكي.
ثم اتصلت بصديقتها وابنة خالها المقربة أسيل، والتي تبعد عنها بمسافة بسيطة لا تتعدى الخمس دقائق. أخبرتها بما حدث وأتت إليها أسيل على الفور تواسيها، وأخبرتها أن أهلها لديهم حق وعليها أن تصبر حتى تمر هذه الفترة وتهدأ الأجواء.
ومن هنا انقلبت الموازين وتغيرت الأحوال، بعد وفاة والدة آثر أصبح شخصاً آخر، بل تحول إلى شخص أسوأ من ذي قبل. بدأ آثر ينتقم من أهل سهيلة وتصرفاتهم معه منها، وانقلبت معاملة أهلها السيئة له عليها بالكامل، كأنه يعاقبها كلما أساء أهلها التصرف معه.
وبدلاً من أن تتحول العلاقات إلى علاقات قريبة وودية، انقلب إلى كره وانتقام، وكان الضحية وسط الجبهتين هي سهيلة، أهلها من جبهة والجبهة الأخرى حب حياتها، الذي دائماً ما كانت تراه مظلوماً وعلى حق. في حقيقة الأمر، هذا ما جعلها تراه عليه دائماً.
لم تكن تلك الفتاة على طبيعتها، ربما كانت مغيبة عقلياً، أو ألقي عليها سحراً بالفعل، أو أنها فقدت عقلها بالمرة. فليس هناك أنثى في الكون أجمع تتقبل كل تلك الإهانات والسب والدعم لها ولعائلتها من شخص ما ولا تستطيع تركه، حتى وإن أقدمت على فعلها وتجرأت لمرات، كانت تعود كما لو أن شيئاً لم يحدث. إنه حقاً ساحر وربما حقاً ألقي عليها سحر ما، أو أنه كان يقيدها بالأعمال دون علمها.
بعد موت والدته بحوالي أسبوعين، كان قد اقترب موعد زفاف أسيل صديقتها الأخرى. وقررت أن تسافر إلى أعمامها وهم خلان سهيلة أيضاً؛ لتشتري بعض الأشياء الخاصة بها من ملابس ومفروشات وغيرها من لوازم الزفاف. أخبرت سهيلة أن تذهب معها لتغير من حالتها النفسية بعض الشيء، وربما تستطيع هناك رؤية آثر دون قيود.
إنها محافظة الإسماعيلية الجميلة، التي سافرت إليها سهيلة في رحلتها، تبعد عن القاهرة مسافة الساعتين تقريباً. هذا ما كانت تفكر به سهيلة، أنها تبعد عن آثر ساعتين من الزمن فقط.
بعد أن وصلت إلى منزل خالها، والذي كان مشهوراً هناك، لديه منزل كبير وبعض المحلات التجارية في المنزل. كان من لاعبي كرة القدم في جيل التسعينات، إنه الكابتن "علي". كان يتعامل مع الجميع بتعالي بسبب زوجته، فتاة الإسماعيلية، والتي كانت تسخر من عائلته؛ لأنهم من الفلاحين وهي بنت المدينة.
علم الجميع بخطبتها، وحاولت سهيلة في تلك الفترة التي قضتها هناك أن ترى آثر بشتى الطرق، لكن رفض خالها أن يستقبله في منزله، وأخبرها أن تأخذ إذن والدها أولاً. لكن والدها رفض أيضاً بشدة. وفي حقيقة الأمر، هذه المعاملة من أهلها بهذه الطريقة هي من أعطت الفرصة لشاب كهذا أن يتمكن منها ويسيطر عليها، بل ويبق دائماً في نظرها المظلوم وهم الظالمين.
اتفقت سهيلة وأسيل وابنة الكابتن علي "منة" أن يجعلوها ترى آثر دون علم أحد ولكن أمامهم. ولكن آثر في هذا الوقت لم يستطع القدوم عندما تحدث إلى سهيلة وقال:
"مرحباً يا سهيلة، أين أنتِ الآن؟"
بفرح وحماس تتحدث:
"أنا هنا يا آثر، بالقرب منك، تفصلني عنك ساعتان فقط، متى ستأتي؟"
"وكيف سآتي يا سهيلة بعد رفض أهلك؟"
"لا تقلق يا آثر، لقد اتفقنا أنا ومنة وأسيل أن أخرج معهم يوماً وأراك فيه دون علم أحد، لن يعترض أحد على خروجنا."
تحدث بانفعال وغضب وقال:
"أخبرتك ألا تأتي إلى هنا، لا يمكنني المجيء، أخبرتك بذلك ولم تستمعي إلي."
بحزن تحدثت:
"آثر، لم أستطع أن أكون معك وقت وفاة والدتك، دعني أراك لبعض الوقت لأطمئن عليك."
زفر بضيق وبصوت مرتفع قال:
"كيف آتي إليك يا سهيلة وأنا لا أملك بجيبى جنيهاً واحداً، وكيف ستأتين وأنا لا أستطيع أن أجلب لك ما تريدين؟ هل هذا سبب كافٍ يا سهيلة؟!"
تعجبت من حديثه وانتابها الصمت للحظات من الصدمة، ثم قالت باستغراب:
"لا أفهم ما معنى هذا، أخبرني ما حدث أرجوك."
تنهد آثر بحزن ثم قال:
"لقد كنت أدخر بعض المال حتى آتي لزيارتك بعد أن تهدأ الأجواء، تعلمين كيف هو عملي مع والدي، لكن أجبرنا والدي أن يدفع كل شخص ألف جنيه في مصاريف عزاء أمي، لست معارضاً على ذلك ولكن لم يتبق لي أي مصاريف، كيف ستأتين إلى هنا؟ لا لا تأتي أبداً."
بحسن نية وعن طيب خاطر قالت:
"لا عليك يا آثر، إنها أمك أيضاً، وأنا لدي بعض المال، أعطاني والدي مصاريف للسفر."
انفعل آثر غاضباً وقال:
"ماذا تقولين؟! وهل أنا سآخذ منك المال؟ هل جننتِ؟! أنا هو المفترض من يعطيك المال وليس أنتِ."
"آثر، وما الفرق بيني وبينك، ألم تقل إنني زوجتك؟! هل هناك فرق بين رجل وزوجته؟"
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل التاسع 9 - بقلم سهام احمد
إلى متى سيتمادى الشخص بأخطائه، وإلى متى سيظل يعالج الخطأ بخطأ آخر؟
أتعجب من أولئك الأشخاص التي لا تدرك أخطاءها إلا بعد فوات الأوان، ليس هناك شيء سيعوض خسارتهم، ولا شيء سيضمد جراحهم، لن تُجبر كسورهم بسهولة، لن يعود شيء منكسر كما كان قبل الانكسار.
أقنعت سهيلة آثر بقدومها إلى القاهرة لرؤيته، هل حقًا بدأ يستيقظ الرجل بداخله؟ غارت الرجولة على نفسها واستيقظت من ركودها! ليس هناك شيء مستحيل على الله، إنه يهدي من يشاء.
في يوم ما في الصباح الباكر استيقظت أسيل ومنة وأيقظوا سهيلة للاستعداد للخروج، لكن خاب ظنها في أنهم سيجعلونها تذهب إليه إلى القاهرة. كانت منة تعتقد أنه سيأتي إليها إلى الإسماعيلية، وأسيل كذلك. سهيلة كانت تعتقد أنهم سيساعدونها في الذهاب إلى القاهرة ويقومون بالتغطية عليها حتى تعود.
بعد خروجهن واستقلالهن سيارة أجرة، أثناء ذهابهن في طريق موقف السيارات قالت منة:
"سهيلة أين سينتظركِ آثر؟ أنا وأسيل سنذهب إلى مدرستي لإكمال بعض الأوراق الخاصة بالامتحان خاصتي، ومن ثم سنأتي إليكِ لأخذكِ للعودة إلى المنزل بعد الانتهاء، سيكون هناك متسع من الوقت تقضينه مع آثر."
قالت سهيلة باستغراب تضم حاجبيها:
"من الذي سيأتي؟ آثر لن يأتي إلى هنا، بل أنا من سأذهب إليه، وسآتي قبل عودتكن إلى المنزل. وإن تأخرت أخبريهم في المنزل أنني ذهبت مع بنات خالي شاكر لقضاء اليوم برفقتهن، لن يشك أحد في ذلك."
بانفعال وتعجب من طريقة تفكيرها تحدثت منة:
"تلك الفتاة التي كان يمدح بعقلها الجميع ورزانتها، ماذا حدث لها؟"
"بالطبع لا، لن أترككِ تذهبين. إن كان يريد رؤيتكِ فليأتِ إلى هنا، لن أترككِ حتى أسلمه إياكِ في يده، ماذا إن اكتشف أحد الأمر وكشفت كذبتنا؟ ستكون كارثة كبرى وليست أنتِ فقط من ستتحمل العواقب."
أمسكت سهيلة بكتفيها وقالت برجاء:
"منة رجاءً، لن يتأذى أحد، أعدكِ بذلك. قفوا بجانبي يا فتيات رجاءً، تعلمون أنني لم أره منذ وفاة عمي، ولم يجعلوني أذهب في عزاء والدته. صدقوني لن أتأخر، رجاءً، إنها المرة الأولى والأخيرة أعدكم بذلك."
بالرغم من رجاء سهيلة وتحايلها عليهن، إلا أن منة وأسيل أصروا بشدة ألا تذهب وتتصل به ليأتي إليها.
بالفعل اتصلت سهيلة بآثر وأخبرته بوجهة نظر الفتيات، هي أيضًا ترى أنهن على حق. لكن صاح بها آثر عبر الهاتف غاضبًا وقال:
"ماذا تقولين؟ لقد أخبرت الجميع بقدومك، حتى أبي ينتظر مجيئك، حتى أنه أخبر منال بأن تحضر طعامًا لأجلك. لقد أخبرتك سابقًا بألا تأتي من البداية وأنتِ من أصررتِ على ذلك، اتركي هؤلاء الحمقى واصعدي إلى السيارة الآن، سآتي لأخذكِ من موقف السيارات."
حاولت سهيلة أن تتحدث إليه بهدوء وتحاول إقناعه، حتى أنها أخبرته أنها ستتحمل تكلفة مواصلاته، لكنه صاح بها بشدة وأجبرها بتهديداته أن تنفذ طلبه وتترك الفتيات.
ظلت في حيرة من أمرها بين هذا وذاك، لكن كالعادة كان هو المنتصر وكلامه قيد التنفيذ على الفور. صارت مشادة بين أسيل ومنة وبين سهيلة. تركتهم وذهبت إلى السيارة المتجهة إلى القاهرة وذهبت إلى آثر. حاولوا أن يغطوا عليها ونجح الأمر وصار ما اتفقنا عليه معهن.
وصلت سهيلة إلى موقف القاهرة ومنه إلى المترو برفقة آثر حتى وصلت إلى المنزل. دخلت للتعرف على شقيقته منال، فهي تراها للمرة الأولى وجهًا لوجه. رحبت بها وكان آثر سعيدًا بقدومها. جلست سهيلة على كرسي ودخل آثر إلى المطبخ بعدما أشارت إليه منال.
سمعت سهيلة صوتهم مرتفعًا قليلاً وكأن آثر يلزمها على شيء ما وغضب منه. خرج إلى سهيلة وعلى وجهه علامات الانفعال والغضب. تتساءل سهيلة بعدما جلس بجوارها:
"ماذا هناك؟ هل هناك خطب ما يزعجك؟"
حاول إخفاء الأمر مبتسمًا:
"لا لا شيء، فقط كنت أتحدث إليها بشيء ما."
"حسنًا."
تجولت نظرات سهيلة في أرجاء المنزل قليلاً، حيطان مكسرة ومهدمة من الأسفل، تملأها الشقوق والأتربة، أثاث متهالك وفراش مرقع يغطي الأرض. طرأ في خاطرها أن هذا هو منزل رجل مليونير كما يقول عن والده؟ ما هذه الحالة التي يعيشون بها؟ لم لم يخبرني آثر بهذا؟
قال آثر عندما لاحظ شرودها ونظراتها التي تتجول بين حوائط المنزل باستغراب، حاول جذب انتباهها وتركيزها إليه بدلًا من التدقيق في المنزل:
"معذرة يا سهيلة، المنزل في حالة استعداد للتجديد؛ لذلك ترين حالته على هذا الوضع. لقد قرر أبي أن يقوم بتجديد المنزل وترميمه بالكامل بعد وفاة أمي، كل ما ترينه الآن ليس ما نعيش به عادة."
اقتربت منه سهيلة قليلاً تهمس إليه بصوت منخفض:
"حقًا يا آثر؟ لقد استغربت كثيرًا من حالة المنزل، هل هذا المنزل الذي تعيش به؟ لكن من الجيد أنك أخبرتني، أين هي غرفتك إذا أريد رؤيتها؟"
وقفت سهيلة لتدخل إلى المطبخ، تجر منال حتى تريها الغرفة التي يرقد بها آثر. حاول منعها بحجة أن الغرفة ليست مرتبة، لكنها لم تستمع إليه ودخلت إلى المطبخ. عند اقترابها منه سمعت بضع كلمات بين منال وفاطمة وعلمت أن الحديث عليها. حيث كانوا يتنمرون عليها وعلى شكلها الخارجي. فاطمة هي ابنة خالة منال كانت تقيم معها لبعض الوقت بعد وفاة والدتها لمساعدتها في أعمال المنزل وتسليتها لبعض الوقت حتى تعتاد على غياب والدتها.
قالت منال يتهكم:
"أرأيتِ شكلها؟ لا أعلم كيف يراها؟"
أجابتها فاطمة باستغراب وسخرية:
"أجل رأيت، ما هذا؟ إنها تشبه الغراب."
دخلت سهيلة وقالت بكل رقي ولطف، حتى بعدما تيقنت من حديثهم أنه عنها:
"هل هناك شيء تودين مساعدتي به؟"
ابتسمت منال وقالت:
"شكرًا لكِ يا حبيبتي، لقد انتهيت. اعذريني لأنني لم أستطع الطبخ لأجلكِ، لقد مرضت عيناي بالأمس وذهبت للطبيب فمنعني من التعرض للأدخنة والحرارة؛ لذلك فاطمة هنا، إنها تعينني وتساعدني على أعمال المنزل."
ابتسمت سهيلة بلطف، بكل رقي وذوق تحدثت، تنظر إلى آثر باستغراب. تذكرت أصواتهم وجمعت في ذاكرتها بعض الكلمات وقامت بربطها بما قالته منال:
"لهذا كنت غاضبًا يا آثر؟"
عاودت النظر إلى منال وقالت:
"عزيزتي منال، أنا لا أهتم بهذه التفاصيل البسيطة، لا أهتم بأمر الطعام مطلقًا أو الشراب، يكفيني رؤيتكم بخير. لقد كنت للاطمئنان عليكِ وعلى آثر وها أنا ذا فعلت. آخر ما يعنيني هو المأكل والمشرب، يكفي حسن استقبالكم لي وترحيبكم."
تبادلت عينا فاطمة ومنال النظرات الخجلة، فقد أحرجتهما بذوقها وأدبها. ليس دائمًا من يملك جمال الشكل يملك جمال الروح والطباع، فهناك من يدعون بالملوك لجمالهم ولا تسوى طباعهم.
فرح آثر بحديثها، لبرهة شعر أنه ربما كان قاسيًا عليها بتعامله، وأنها لا تستحق تلك المعاملة السيئة.
قالت سهيلة وهي تشد منال من ذراعها:
"هيا تعالي وأريني غرفة آثر."
حاول آثر منعها وقال:
"لا لا، مرة أخرى، الغرفة ليست مرتبة يا سهيلة وليست منظمة."
فقالت فاطمة وهي تقف خلف آثر بتلقائية:
"هذه هي الغرفة التي أمامك."
أردف ينظر إليها بضيق وقام بكملها في كتفها وقال:
"لم أخبرتها أيتها الغبية، ألا ترين كيف هو حال الغرفة؟"
سمعت سهيلة صوت اللكمة ونظرت خلفها فرأت الموقف. شعرت بالغيرة والضيق معًا، كيف له أن يمزح مع ابنة خالته بيده، ويلمس جسدها وإن كان مزاح، فهو لم يقبل بمزاحي مع أحد حتى بالكلام. علمت سهيلة في هذه اللحظة أن هناك الكثير يخفى عنها لبعدها عنه، وأن يفعل ما لا يقول ويقول ما لا يفعله. رمقته بتلك النظرات الغاضبة بعض الشيء. لاحظ تغير ملامحها ثم قالت:
"ما هذا الذي فعلته؟ كيف لك أن تمد يدك عليها بهذه الطريقة؟ لا تفعل ذلك مرة أخرى."
ابتسم آثر بإحراج وخجل وقال:
"لم أقصد، كنت أمزح معها، هي معتادة على مزاجي هذا."
قالت سهيلة بضيق وثقة:
"ليس بعد الآن."
دخلت إلى الغرفة ونظرت إلى فراشه المتقطع، الذي تخرج من مراتبِه قطع القطن الممزقة. تذكرت ما قاله بخصوص تجديد المنزل، قالت في خاطرها ربما. ترمي بنظرها إلى الجانب الآخر من الغرفة فتجد جهاز عروسة كأنه جديد، مغطى بالأكياس البلاستيكية والقماش. تساءلت لمن هذا؟ فأخبرتها منال أنها جهازها، لقد انفصلت عن زوجها بعد شهر من زواجها.
تناولت سهيلة الغداء البسيط برفقة منال وآثر وفاطمة. همت بالذهاب بعد حديث دار بينها وبين منال وآثر عن والدتها ويوم وفاتها وكيف اتصلت عن زوجها، وبعض الحواديت التي لا يصدقها عاقل، وإنما يسمعها من أذن ويخرجها من الأخرى حتى لا يحرج من أمامه.
كانت سهيلة فتاة ذكية للغاية ولديها حاسة سادسة وهي قراءة ملامح الوجوه، ومعرفة إن كان الشخص صادقًا أم كذابًا بحديثها، وأيضًا كانت لديها حدث قوي حيث كانت تشعر بالأشياء قبل حدوثها، ربما هذا من صدق نواياها وحسنها يكن الله جانبها دائمًا لقربها منه.
أحيانًا كانت تعلم بكذباتهم وعدم صدق مشاعرهم تجاهها، إلا أنها كانت تمرر ذلك بإرادتها. غادرت سهيلة منزل آثر، ودفعت جميع المصاريف في الخارج إلى أن عادت إلى المنزل. كان ذلك في وقت متأخر من الليل تخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. ولسوء حظها رأت خالها يجلس أمام منزله مع أحد أصدقائه. لم تكن تعلم كيف ستدخل إلى المنزل في وجوده، لكنها دخلت على اعتقاد منها بأنه سيكون منشغلًا مع صديقه في الحديث. عندما وضعت قدمها أمام المنزل وظهرها إليه، نادى بصوت ارتجف له قلبها:
"يا فتاة؟"
أدارت ظهرها إليه مبتسمة بقلق وقالت:
"أجل يا خالي، هذه أنا سهيلة."
"أين كنتِ إلى هذا الوقت؟"
"كنت في بيت عمي، قد أوصلني ابن عمي إلى هنا وغادر."
"اممممم، حسنًا، اصعدي يا عزيزتي."
بعد أن غادر صديقه تحرى عن الأمر من زوجته، أخبروه الفتيات أنها كانت بالفعل هناك.
بعدما دخلت وبدلت ملابسها حاولت التحدث إلى الفتيات ومصالحتهم، لكنهم كانوا منزعجين منها لتصرفها السيء. كررت الأمر عدة مرات وخرجت لرؤية آثر، حتى انتهى بها الأمر في إحدى المرات بالتخلي عنها من منة وأسيل. لقد قاموا بتحذيرها عدة مرات من أنه ربما ينكشف أمرها ويلاحظ الجميع غيابها، لكن سحر آثر كان أقوى من ذلك بكثير.
في إحدى المرات التي خرجت فيها وأخبرت أسيل في الصباح الباكر أنها ذاهبة لرؤية آثر، لكن أنكرت أسيل الأمر وقالت إنها لم تعلم أين ذهبت ولم تخبرهم بخروجها.
أحيانًا يتخلى عنا الأصدقاء ربما لصالحنا وربما حقدًا علينا، لكن المواقف الصعبة تبين لنا من هم الأصدقاء الحق، ومن هم أصدقاء المصلحة؛ لذلك دائمًا ما يقال اختر الصديق قبل الطريق، لكن في حقيقة الأمر إن صلح الصديق سلك الطريق.
رواية زواج السوشيال ميديا الفصل العاشر 10 - بقلم سهام احمد
أحياناً تخوننا مشاعر الحب داخلنا وتتمرد علينا، بالرغم من أننا نحن من منحناها قلوبنا لتسكن بها. تكسرنا أحياناً وتجبر كسورنا أحياناً أخرى، تكون سبباً في سعادتنا وتكون النقيض أيضاً وسبباً في حزننا. ربما لهذا جُعل مسكن الحب هو القلب؛ لتقلبه وعدم استقراره على حال.
انقلبت الدنيا رأساً على عقب بحثاً عن سهيلة. اتصل بها خالها وأخبرته أنها مع آثر؛ لأنه لم يرد استقباله في منزله، فخرجت لرؤيته في الشارع. وصل الأمر لوالدها وأشعلوا النار بينه وبين سهيلة أكثر مما كانت.
كان والدها دائماً ما يلقي اللوم على والدتها في تربيتها لبناتها، كانت مغلوبة على أمرها تسمع وتصمت وتكتم في قلبها؛ لأجل أولادها. لم يفكر ولو لمرة قط أنه لو كان قريباً من بناته يحتضنهم ويحن عليهم بدلاً من زواجه بأخرى لأجل إنجاب الولد، والتقليل من شأنهم كإناث. عندما تتلقى الإبنة الحب الكافي من والدها والقرب الذي لا يجعلها تحتاج لرجل في حياتها، تنشأ على ثقة بنفسها ومشاعرها ولا تتقبل بسهولة وجود رجل أي كان في حياتها، بل وتكون نفسياً وذاتياً مكتفية بمشاعر الحب والحنان.
شعرت سهيلة بالوحدة وأن الدنيا جميعها تقف ضدها إلا آثر. شعرت بأنه بالفعل مظلوم كما كان دائماً يظهر أمامها. لقد وصل لغايته وتيقنت أنه على حق وبدأت تنقلب على عائلتها؛ جراء أفعالهم معها ومع آثر. في حقيقة الأمر من عليه اللوم الوحيد هنا فيما وصلت إليه سهيلة هو عائلتها التي لم تفكر تحتضنها وتتفهم مشاعرها ولو لمرة واحدة. أسلوب التهديد الدائم والعنف الأسري الذي تراه بين والدها ووالدتها، الضغط المتكرر، تحمل المسؤولية قبل أوانها. والأهم من جميع ما سبق نشأتها على أن مشاعر الحب هي خطأ كبير وعيب يكاد أن يصل إلى العار؛ عندما تحب احداهن شخصاً تخفي وتداري وتختبيء خوفاً من أن يعلم أحداً بمشاعرها، تشعر بالذنب؛ لأنها في نظر قانونهم المخزي ارتكبت جرماً. لا يعلمون أنه ليس على القلوب سلطان لأحد سوى مالكها، يقلب القلوب كيف يشاء.
قرر آثر أن يعيد سهيلة إليه مرة أخرى عندما لاحظ الضغط عليها من أهلها. فأخبرها أنه سيتركها؛ لأنه سئم معاملة أهلها له ولن يستطيع التحمل أكثر، بالإضافة إلى أنه لم يعد لديه مال ليلبي طلباتها كخطيب لها. حزنت سهيلة كثيراً وبكت بدلاً من الدموع دما، كانت في حالة يرثى لها. بالرغم من ذلك إلا أن عقلها كان مازال يعمل ويفكر وأخبرته بما سيعيده إليها ويكشفه أمامها ككتاب مفتوح تقرأ به ما تشاء وكيفما تشاء.
في مكالمة عبر الهاتف:
– أجل يا سهيلة ماذا فعلت مع خالك بالامس، هل أزعجكِ؟
– أجل يا آثر لقد كان الجميع ضدي بالأمس ولديهم الحق في ذلك، أنا فتاة في بلد غريب وسافرت بمفردي، أنهم يخافون عليّ يا آثر.
غضب عليها بصوت واضح وضيق يتحدث:
– وهل أنا لم أكن خائفاً عليكِ يا سهيلة؟
– لم أقل ذلك يا آثر، لكنهم أهلي خوفك عليّ لن يكون كخوفهم، تعلم ذلك.
– اممم أجل بالطبع نعم فهم عائلتك التي تحبك وأنا شخص غريب كما يقولون دائماً.
– آثر ليس..
بتر حديثها بانفعال:
– اصمتي، لا تقولي آثر لقد علمت أنهم سيقنعونك بحديثهم، تعلمين كل شيء وترين كم أتحمل لأجلك منهم، وفي نهاية الأمر تصطفين بجانبهم. حسناً إذاً لتبقي بجانبهم طوال العمر أيتها الأميرة الحسناء، من اليوم أنتِ من طريق وأنا من طريق آخر، كل شيء مقدر أنها القسمة والنصيب إلا نكون معاً.
انهارت سهيلة من البكاء وهي تستمع إليه، بقلب منفطر شعرت لبرهة أنها ستفقده وتستسلم للأمر حتى ترضي أهلها. من داخلها تعلم أنهم على حق، وصراع آخر يدور داخلها أيضاً وهو عشقها له. والفكرة التي سيطرت على عقلها، من سينظر إليها بعدما يتركها شخص جميل الشكل، فهي ليس بهذا القدر من الجمال الذي يجعل الشباب تتهافت عليها. دائما ما تردد:
– حافظي عليه يا سهيلة، لن ينظر إليكِ أحد إن تركته يذهب، تحمي قد ما تستطيعين، سوف يتغير بعد أن نتزوج.
يا إلهي يا سهيلة على تلك الحالة التي وصلتِ إليها، من نلوم وعلى من نلقي اللوم، فالجميع مذنبون بما فيهم أنتِ.
وها هي سهيلة تقلب الآية وتلقي هي السحر هذه المرة، السحر الذي سيكشف حقيقته أمامها ويجعلها أيضاً تسيطر لبعض الوقت. فمن عاشر القوم تطبع بطبع منهم. كل يوم:
– أنت تريد تركي يا آثر؟!
بصوت باك وحزين وكلمات متقطعة من شدة البكاء:
– أنت تريد تركي وأنا أفكر بك، أفكر كيف أوفر لك بعض المال، لقد ذهبت أنا وزوجة خالي لأشتري قرطي الذهبي؛ حتى أعطيك المال وتتصرف منه حتى يتحسن الوضع معك. لم يهمني ماذا سيقول أهلي وكيف سأخبرهم بالأمر. حسناً يا آثر كما تشاء، تريد تركي؟! اتركني إذاً.
تنتظر سهيلة نتيجة السحر الذي ألقته، وبالفعل نجح الأمر. تَقَلْقَلَ في حديثه وبدأ يهدأ من انفعاله ويلطف الأجواء بكلمات حنونة وصوت هادئ:
– ماذا يا سهيلة؟ لم فعلتِ ذلك؟ ماذا سيفعلون أهلك عند علمهم بالأمر؟ لا لا يا سهيلة لا تفعلي ذلك، أنا أخبرتكِ باني سأترككِ من سوء معاملتهم لي.
– وهل أنا المذنبة يا آثر، ما ذنبي في ذلك؟ أحاول جاهدة أن أصلح بينكم، لقد تعبت أيضاً.
– حسناً يا حبيبتي اهدأي، لا تبكي أرجوكِ، تعلمين كم أحبك، وإن كنت تركتكِ كنت سأظل أحبكِ حتى الممات.
ابتسمت سهيلة ابتسامة ساخرة بجانب ثغرها، بالرغم من أنها كانت تبكي تقول في خاطرها:
– أيها الحقير ستظل تحبني أم أنك تحب مالي؟!
بصوت واضح تجعر بحديثها وتقول:
– أعلم يا آثر لكنك كسرتني بحديثك، أنا أفعل المستحيل حتى نكون معاً وأنت تفعل ذلك بي.
– لا تغضبي مني ارجوك، ولكن أخبريني كيف ستبيعين أقراطكِ؟! ألن يلاحظ والدك اختفاءهم ووالدتكِ؟
– أجل لكني لن أبيع الاثنين، سأبيع قطعة واحدة منهم وأخبرهم بأنها ضاعت مني أو سقطت في ماء البحر وأنا أسبح.
– وهل تعلمين أحد التجار هناك؟ أين ستفعلين ذلك؟ انتظري لدي فكرة ما رأيك في أن تأتي إلى هنا ونذهب معاً لشخص أعرفه، سيخدمني في هذا الأمر.
يا إلهي ويا له من تخطيط ماكر وسحر قوي، يحتاج فقط لآلة عازفة تعزف أوتارها على كلماته سمفونية سحر وكذب لا مثيل لها.
علمت سهيلة بحاستها السادسة ما يدور في رأسه، قرأت أفكاره من خلال نبرة صوته وهو يتكلم، فهو يريد أن يحصل على المال في الفور ويضمنه بيده فور بيعها لقطعتها الذهبية التي جلبها لها والدها منذ صغرها.
لو انتظرت سهيلة قليلاً وفكرت في الأمر، لأدركت أنها تعالج الخطأ بخطأ أكبر منه، ليس من حقها أن تبيع شيئاً جلبه لها والدها من أجل رجل لا يعرف معنى للرجولة، ولا يملك منها سوى ذكورته. بالأحرى كان لابد أن يحاول منعها من أن تفعل بحكم رجولته، فهذا تصرف لا يليق برجل. ولكن سلاماً على الرجولة في زمن أصبحت فيه المبادئ سلعة تباع وتشترى بأرخص الأسعار.
لكن خانه الحظ فعندما ذهبوا لبيع فرد قرطها، لم يرد أحد من أصحاب المحلات قبوله سوى بوجود فاتورة تثبت ملكيته ونوعه وأنه حقاً قطعة ذهبية. جرحتها نظرات التجار إليهم، شاب وفتاة يريدان بيع فرد قرط من الذهب، هل هما سارقان؟ أم أنهم أتوا بمصيبة يريدون حلها؟! أم ماذا؟
من داخلها حمدت الله سهيلة وعادت إلى منزل خالها، ولم تقبل بروايته مرة أخرى ولا بالسفر إلى القاهرة مرة أخرى. تحججت بأنها مريضة جداً حتى اقترب موعد رجوعها إلى منزلها، تحججت بأنها لم تستطع المجيء؛ لأنها ستسافر في أي وقت.
انتهت رحلة سهيلة بخسارات بسيطة، فقط عدة كسور وجروح قلبية، وتغيرت صورتها في نظر الجميع لحديثها عبر الهاتف معه طوال اليوم وانعزالها عن الناس بالرغم من أنها ذهبت لتغيير جوها الحزين.
بعد عودتها دار شجار بينها وبين والدتها على أفعالها، وما قاله لها أخواتها عن أفعال سهيلة هناك. بينما كانت تبدل سهيلة ملابسها دخلت والدتها:
– ما هذا الذي فعلته عند خالك، هل فقدتي عقلك بسبب هذا الحقير؟ لو أنه رجل حقاً لكان خاف عليكِ ولم يقبل بذهابك إليه، هل هناك أنثى تذهب إلى الرجل أم أن الرجل من يذهب إليها؟
سمعت سهيلة حديثها بصمت وبرود ثم قالت بهدوء:
– ماذا تريدين يا أمي؟
انفعلت والدتها وقالت:
– ألم تفكري في والدك، لقد اتصل به خالك وأخبره بما فعلته، حتى عمك أخبره أنك لم تذهبي إليه، واجهي إذاً نتيجة أفعالك.
وضعت سهيلة ملابسها في خزانتها وقالت وهي ترتدي ملابسها:
– ليس الأمر كما تعتقدين يا أمي، كل ما أخبروك به خالي ليس ما حدث بالفعل، إنهم يبالغون حتى يلقوا اللوم علي وعليكِ كالعادة، دائماً ما يقولون بنات عبلة بنات عبلة.
جلست والدتها على سريرها وقالت:
– وماذا حدث إذا، سأخبر والدك بكل ذلك ومنكِ إليه.
انفعلت سهيلة وصرخت في وجه والدتها بغضب قائلة:
– لقد سئمت أفعالكم لقد سئمت الأمر وتعبت مما تفعلونه معي، ماذا تريدون مني، طوال حياتي أضحي بما أريد لأجل راحتك ولأجلكم جميعاً، لم تجبروا أحداً من أخواتي على شيء، لقد كنتِ بجانبهم جميعاً في اختياراتهم لمن يحبوا، أما أنا فليس لدي الحق أحب أو أختار، فقط تريدين بقائي جانبك لخدمتك وخدمتهم، يكفي إلى هنا سأذهب بعيداً وأترك لكم المنزل.
سمع والدها صوت شجارهما وحديث سهيلة ولم يعيرها انتباهاً. سمعوا أخواتها شجارهم وقاموا مسرعين إلى غرفة سهيلة، فوجدوا والدتها تمسك بها من شعرها وتضربها ضرباً مبرحاً، تصرخ سهيلة بأعلى صوتها، تحاول شقيقتها الكبرى التخليص بينهم وشقيقتها الأصغر منها أيضاً، حتى ارتمت سهيلة على الأرض تصرخ بهستيرية، انهارت والدتها من البكاء على تلك الحالة التي وصلت إليها ابنتها، وعلاقتهم التي أصبح بينها سور لا تعلم أين نهايته.
فجأة صدم الجميع مما رأوه، لقد تغير صوت سهيلة إلى صوت خشن ومتعجرف، يشبه صوت الرجل، غليظ ومخيف به بحة، مرتفع للغاية ومزعج، لم يستطيع تحمل قباحته أحد. صارت تضم قدميها إليها ويتطور جسدها حتى انطوت حول نفسها ككرة ودخلت أسفل سريرها في ركن، ومازالت تصرخ بصوت غليظ.
علمت إحدى أخواتها التي تصغرها سناً وهي "أمل"، متزوجة وتحمل ببطنها طفلتها الأولى أن سهيلة ليست طبيعية. لقد تزوج ثلاثة بنات من أخواتها الكبرى واثنتان أصغر منها سناً أمل وزينب، كانت سهيلة الوحيدة في البنات التي يسمح سنها للزواج التي لم تتزوج بعد، كان هذا الأمر يؤثر عليها كثيراً، دائماً ما كانت حاجتها الأولى أنها مازالت تكمل دراستها.
لقد لبست سهيلة بجانب حزنها وحالتها النفسية وصراخها المتواصل لفترة من الزمن. وقفت شقيقتها أمل أمام السرير الذي توجد أسفله وبدأت تقرأ القرآن بصوت مرتفع وهي صامدة. تمسك بها والدتها حتى أبعدتها خوفاً عليها وعلى حملها من أن تصاب بأذى. دفعت يد والدتها وقالت بخوف وقلق:
– لا تقلقي يا أمي، لكن لا يمكنني تركها سيأخذها أسفل الأرض ونخسرها إلى الأبد، قومي بالاتصال بزوجي "وائل" وأعطني إياه على الفور.
تبكي والدتها وهي تمسك الهاتف تتصل به، بينما تقف زينب وشقيقتها الكبرى رهف على باب الغرفة خائفين، وأخواتها بنتين أخريين صغار السن وولدان أصغر منهما، خائفين خارج الغرفة.
أعطت والدتها الهاتف لها وتحدثت أمل بقلق وتوتر:
– وائل إنها أنا أمل.
لاحظ وائل نبرة صوتها القلق:
– ماذا هناك يا أمل؟ هل أنتِ بخير؟
– أجل يا وائل لكنها سهيلة ليست بخير، أعتقد أنها لُبِسَت، من فضلك اذهب إلى الشيخ "سعيد" واجلبه إلى هنا على الفور.
– حسناً حسناً سآتي وداعاً.
بالفعل بعد لحظات قدم وائل ومعه الشيخ سعيد. أخرجوا سهيلة من أسفل سريرها، وبدأ يقرأ عليها القرآن واضعاً يده على رأسها. أرسلت سهيلة إليه رسائل بعد عودتها إلى وعيها دون حديث، وتلقى رسائلها عبر عقله.
حالة غريبة وعجيبة، شخص يتحدث دون صوت ولا كلام، ويسمعه الآخر دون أن يتحدث. قالت سهيلة وهو يضع يده على رأسها:
– أخبرهم أن يتركوني بحالي، أنا بخير ولست مصابة بشيء فقط تعبت، أخبرهم أن يدعوني أحل الأمر بطريقتي، أعلم أن الأمر خطأ.
سمع رسالتها وقال الشيخ بعدما انتهى من قراءة القرآن عليها:
– ما اسمكِ؟
– اسمعي سهيلة.
– قولي حمداً لله يا سهيلة، واشهدي أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمداً رسول الله.
– الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمداً رسول الله.
وقف الشيخ سعيد يستعد للذهاب وقال:
– الحمد لله أنها بخير، دعوها فقط تحل الأمر بمعرفتها، هي تعلم ماذا ستفعل، اتركوها وشأنها.