تحميل رواية «زهرة» PDF
بقلم ندي أشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المساكن الفخمة حيث تقف في شرفة غرفتها شاردة الذهن، تتذكر ما حدث لها في ماضيها المؤلم، تتذكر وتبكي بحرقة، مستقبلة النسيم البارد الذي يهب عليها مواسيًا، شعرها المتطاير أثر ذلك النسيم مداعبًا وجنتيها. تتذكر ماضيها المؤلم مع والديها... *** دلفت إلى غرفة والدتها (سنية) التي تقطن في منزل بسيط وأسرة بسيطة، لكنهم يعيشون بسعادة ورضى تملأ قلوبهم: ماما ماما أنا نجحت يا ماما.. نظرت لها سنية غير مصدقة إلى ما تسمع فقالت: أنت بتقولي إيه! قولي كدا تاني. أجابت بابتسامة عريضة: أنا نجحت يا ماما والله نجحت،...
رواية زهرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندي أشرف
استيقظت هايا في صباح اليوم التالي بحالة من الوجوم والضيق.
ذهبت إلى غرفة زهرة واستلقت بجانبها وبقيت هكذا لساعات حتى شعرت بها زهرة.
نظرت إليها في تعب قائلة:
– هايا؟! انتي جيتي هنا إمتى؟
أجابتها في ضيق:
– أنا هنا من بدري يا ماما.
اقتربت منها زهرة أكثر فتسائلت:
– مالك ياحبيبتي إنتي كويسة طيب؟
أجابت:
– بصراحة لأ، أنا حلمت بـ بابا..
تسائلت زهرة:
– حلمتي بإيه بالظبط إحكيلي..
فبدأت في سرد حلمها قائلة:
– حلمت إن بابا عايش.. وإن أنا وأحمد بنتجوز وبابا واقف من بعيد زعلان مننا عشان مكنش موجود واحنا بنتجوز..
ثم بكت وهي تقول:
– وأول ما شوفته جريت عليه عشان أحضنه وأسلم عليه وأقوله إنه كان واحشني أوي ونويت بقلبي إني مش هتجوز عشان أعيش معاه..
وأنا بجري مكنتش عارفة أجري ولا أوصله.
وبعد ما وصلتله بتعب إختفى..
ثم انهارت في البكاء أكثر.
فجذبتها زهرة إلى حضنها فأخذت تردد في غضب:
– أنا عايزة بابا يرجع بقى أنا خلاص مبقتش قادرة أستحمل غيابه أكتر..
كل يوم بيراودني في أحلامي ومش بعرف حتى ألمسه أو أكلمه يا ماما..
ثم قامت عن حضنها قائلة:
– ولعلمك بقى أنا مش هتجوز طول ما بابا مش هنا..
بقيت زهرة صامتة حتى رفعت هايا بصرها إليها فوجدتها تبكي هي الأخرى في ألم فتسائلت:
– ماما إنتي بتعيطي! أنا آسفة والله مكنتش أقصد أخليكي تزعلي سامحيني عشان خاطري..
ثم مسحت الدمع عن وجهها قائلة:
– خلاص أنا مش بعيط أهو متعيطيش بقى عشان خاطري.
أجابتها زهرة قائلة:
– أنا اللي آسفة يابنتي على الظروف اللي طلعتي لقيتي نفسك فيها..
تهدجت نبرة صوت هايا تتسائل:
– طيب هوا بابا فين!
أجابت زهرة في وجوم وضيق قائلة:
– أنا هحكيلك ياحبيبتي اللي حصل…
*في الماضي*
بعد مدة طويلة من الزمن بمرور السنين.. اتفق المنشاوي مع سنية بإتمام زواج زهرة وسليم وقد اتفقا على تحديد موعد وصدّقت على حديثهم بدرية.
وبعد إتمام يوم زفاف فخم كما يليق بعائلة المنشاوي دلف سليم وقبله زهرة إلى بيتهم الذي طالما تَعِب على بناءه واختيار أدق تفاصيله مع زهرة..
دلفت زهرة في خوف وخجل وسعادة.
طأطأت رأسها في خجل وهي تفرك كفيها الباردتين في توتر شديد.
بينما كان سليم يُحكم إغلاق باب شقتهم لأول مرة مع حبيبته تحت سقف بيت واحد للأبد..
اقترب منها سليم في حماس وسعادة قائلاً بنبرة يملؤها الشوق والعشق:
– وأخيراً بقيتي معايا وملكي أنا لواحدي وبس!
أجابت في خجل توردت له وجنتيها وازداد توترها قائلة:
– من زمان وأنا معاك وملكك مش دلوقتي بس..
تسائل في تعجب:
– طيب إنتِ بتبصي على الأرض ليه.. انا هنا على فكرة مش مرسوم على السجادة..
ابتسمت لكنها لم تُجيب.
رفعت بصرها إليه ببطء لتجد عيناه العالقة بها فأسبلت عينها مرةً أخرى تنظر للأرض لا تقوى على النظر في عينيه..
مد سليم يده إلى ذقنها ليرفع رأسها للأعلى، فتتقابل تلك العينين في حب قائلاً:
– إنتِ هتبصيلي وتكلميني زي ما بكلمك ولا!
اتسعت حدقتا عينيها وهي تتسائل:
– ولا إيه!
أسر قلبها بغمزة من عينه قائلاً:
– يعني إنتِ مش عارفه..
أجابت في دلال وابتسامة الخجل تعلو ثغرها:
– لأ مش عارفة..
تقدم إليها بالخطوات قائلاً:
– خلاص يا حبيبتي أعرفك..
أنادفعته زهرة في خوف وخجل وذهبت مباشرةً إلى غرفتها وأحكمت إغلاق الباب خلفها.
فذهب هو الآخر يُحادثها من خلف الباب قائلاً:
– على فكرة أنا كنت هعرفك إن لازم تغيري هدومك ونروح نصلي عشان ربنا يباركلنا في حياتنا بس إنتي اللي نيتك مش سالكة يا زهرتي..
ضحكت زهرة من خلف الباب قائلة:
– ماشي يا عم السالك يلا إمشي من هنا بقى..
أجاب:
– إيه طيب مش عايزة مساعدة؟ أنا شايفك لابسة جبل وحِمل تقيل على قلبك.. إنتِ صعبانة عليا مش أكتر..
أجابت في سخرية:
– لا يا حبيبي مايصعبش عليك غالي.. أنا هتصرف.
أجاب:
– طيب بعد إذنك ممكن تجيبيلي حاجه ألبسها ولا هتسيبيني بالبدلة كدة..
لم يصبر فاستطرد قوله فقال:
– من أولها وأنتي واخدة الأوضة كلها لواحدك دا إنتي مفترية يا شيخة..
وما أن أنهى حديثه إلا وجد ما يلتصق بوجهه، فكانت البيچامة التي وُضعت خصيصاً لأجله على السرير..
ثم أعادت غلق الباب سريعاً وهي تضحك بشدة لشكله..
تصنم سليم لبضع ثوانٍ متعجباً مما حدث الآن فسحبها عن وجههة فقال:
– على فكرة حسابك معايا تِقل أوي وهاخد حقي منك تالت ومتلت.. اصبري عليا.
كانت تكتم ضحكاتها عليه بشدة من خلف الباب ولم تجيب.
بعدها هدأت من نوبة الضحك تلك ثم تنهدت في تعب وحيرة قائلة:
– طب أنا هخلع الفستان ده ازاي دلوقتي..
وبعد مرور ساعة من الانتظار بالخارج وقد انتهى من تغيير ملابسة في أقل من خمس دقائق وجدها تخرج عليه كما دلفت قبل ساعة فنظر إليها في دهشة:
– إيه ده!
أجابته مازحة بملامح جامدة:
– سليم أنا غيرت رأيي مش عايزة أتجوز..
قام عن مقعده وهو يتسائل في غضب:
– نعم ياختي؟!
أشارت له بإصبع السبابة قائلة:
– إرجع مكان ما كنت وكلمني وانت قاعد مكانك وإلا هصوت وألم عليك الدنيا وأقولهم بيتحرش بيا..
جلس من جديد وهو يكتم ضحكاته فقال:
– يابنتي إنتي مجنونة! أنا جوزك جوزك.. بقالي سنين بقنع فيكي بالكلمة دي لحد ما زهقتيني منها..
بقيت تنظر له صامتة في جمود وهي تحاول كبح ضحكاتها فقال:
– طيب إنتي عايزة إيه دلوقتي!
أجابت:
– مش عارفة أخلع الفستان..
ضرب جبهته بكفه في نفاذ صبر فقال:
– يعني إنتي بقالك ساعة حابسة نفسك جوا ورفضتي مساعدتي عشان تيجي دلوقتي تقوليلي مش عارفة؟
اومأت في إيجاب.
فقال:
– طيب ممكن آجي أساعدك ولا هتصوتي وتقولي بيتحرش بيا؟
ضحكت بشدة على طريقته في الحديث فقالت:
– لأ خلاص تعالى ساعدني..
ثم ذهبت إلى الغرفة وهو خلفها..
دلف وجدها واقفة فاستدارت له ظهرها قائلة:
– إنت فُكلي السوستة بس وأنا هكمل..
أجاب:
– حاضر ياستي.. تعالي.
اقترب منها وبدأ في تنفيذ ما طلبته منه بهدوء وبطء فقالت في نفاذ صبر:
– لا حول ولا قوة إلا بالله.. خلصت ولا لسة هقعد ساعتين كمان وانا بحاول أخلص من الفستان.
أجاب:
– خلصت خلصت..
التفت له ثم دفعته خارج الغرفة من جديد وأغلقت الباب قائلة:
– استناني بقى لحد ما أغير..
فقال:
– آه يا غدارة.. بتاخدي مني مصلحتك وترميني لكلاب الشوارع.
فقالت في حنق:
– دي طرقة بيتنا على فكرة يا أستاذ دراما..
أجاب مهدداً:
– طيب خلصي بس وانا هوريكي الدراما اللي على حق..
إرتدت ملابس خفيفة للنوم و فوقها إسدال للصلاة ثم عادت إليه بعد أن توضأت فوجدته يجلس في انتظارها فقال في سخرية:
– أنا عجزت سبعين سنة في انتظار الطلة دي.. نورتي يا زهرة هانم.
أجابت في دلال:
– ميرسي..
فاجئها حينما اقترب منها على حين غرة وأمسكها كتفها فقال:
– بقى أنا بترميلي الهدوم في وشي وتطريني برا الأوضة مرتين!
أجابت في فزع وهي تضحك قائلة:
– بسم الله الرحمن الرحيم ايه ده يا سليم خضتني والله..
ثم استطردت قولها:
– بس متفكرنيش انا اصلاً بطلت ضحك على منظرك بالعافية..
فقال:
– لأ سلامتك من الخضة هوا أنا لسة عملت حاجه..
أخذت تضحك وهي تطلب منه أن يتركها وهو يُمعن النظر إلى وجهها وهي تضحك مسحوراً بجمال تلك الوجنتين التي تتوسطهما نغزتين مع تلك العينان الخضروايتين.
فلاحظت نظراته العالقة بها فقالت في خجل:
– إيه يا سليم مالك بتبصلي كدا ليه..
أجاب في هدوء:
– هتصدقيني لو قولتلك إني لسه مش مصدق إنك قدامي و معايه تحت سقف بيت واحد!
ابتسمت في سعادة فقالت بنبرة دافئة وهادئة:
– أنا نفسي مش مصدقه..
فقال:
– طيب أنا هتأكد بنفسي..
ثم جذبها إليه في حنان وإحتضنها بشدة.
أما هي فكانت مندهشة لكنها تشعر بسعادة فائقه.
ثم أبعدته عنها برفق قائلة:
– يلا عشان نصلي..
أجاب:
– حاضر يلا.
وضعت سجادتين للصلاة وتوجهوا إلى القبلة يؤمها سليم.
كبر فبدأ في الصلاة بصوت عذب جميل تعجبت له زهرة فقد فاجئها بجمال صوته في تلاوة القرآن..
بدأ بسورة الفاتحة ثم ما تيسر له من بعض السور.
انهيا صلاتهما ثم وضع سليم يده على جبهتها و دعا الله قائلاً:
” اللهم إني أسألك من خيرها و خير ما جبلتها عليه و أعوذ بك من شرها و شر ما جبلتها عليه ”
اللهم بارك لي في أهلي وبارك لهم فيَّ ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير، وفرق بيننا إذا فرقت بخير..
ثم نظر لها وتبادلا الإبتسامة فقالت له:
– آمين، ربنا يجمع بينا في الخير دايماً..
ثم استطردت قولها:
– حد قالك قبل كدة إن صوتك في القرآن جميل أوي..
أجاب في هدوء:
– بجد عجبك! طيب خلاص مش هحرمك منه أبداً..
ابتسمت له زهره ثم صمتت في خجل فبادرها بالسؤال قائلاً:
– مش هتقلعي الإسدال ده بقى وتيجي نتعشى!
أجابت في توتر:
– وأشيل الإسدال ليه كده حلو أوي وبعدين أنا بردانة أصلاً فـ كدة أحسن.
ضحك فأجاب:
– متقلقيش أنا هدفيكي..
لوت شفتيها ونظرت له في صمت فقام وأسندها هي الأخرى وسعادها في التخلص من هذا للإسدال رغماً عنها.
ثم نظر لها من أعلى لأسفل وهو يُطلق صافرة ليعبر بها عن إعجابه الشديد بها.
فرفع ذراعها للأعلى وهو يجعلها تدور حول نفسها في دلال ثم قال:
– حد يخبي الجمال ده كله ياشيخة حرام عليكي..
ضحكت في خجل شديد فاقترب منها يهمس في أذنها قائلاً:
– أنا بقول مش مهم العشا خالص ولا إنتِ إيه رأيك..
إحمرت وجنتاها وهي تضحك في خجل ولكمته على كتفه دون أن تتفوه بكلمة.
ثم حملها بين يديه على حين غرة قائلاً:
– السكوت علامة الرضا.. ” اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا “.
*في منزل كريم وفريدة*
أخذت تدور فريدة في البيت في تعب شديد حتى توجهت صوب كريم وهي تقول:
– ياكريم أنا تعبانة أوي مش قادرة أستحمل..
فقال في جمود وهدوء أعصاب وهو لازال معلقاً عينيه على التلفاز:
– يعني إحنا بقالنا سنة متجوزين وانتي مش عارفة سبب التعب إيه؟ مهو من الحمل ياحبيبتي..
أجابت في نفاذ صبر:
– بس أنا تعبانة ومش قادرة أستحمل!
فقال:
– تلاقيكي قربتي تولدي.. سيبيني أكمل الماتش بقى ياحبيبتي الله يهديكي.
نظرت له في حنق ثم قالت:
– آدي اللي بناخده من الجواز.. إحنا نتوجع ونتعب وهما يتفرجوا على الماتش بمنتهى الروقان..
ثم تركته وغادرت تتصل بوالدتها سماح كي تكون بجانبها لأنها تشعر باقتراب ولادتها..
أما زهرة فاستيقظت من نومها في اليوم التالي تبحث عن سليم بجانبها ولم تجده فقامت في قلق حتى قطع هذا الشعور دخوله عليها قائلاً:
– صباح الجمال على أحلى عروسة في الدنيا، إيه ياحبيبتي كل دا نوم..
ابتسمت في سعادة فقالت:
– صباح الفل ياحبيبي إنت صحيت من إمتى!
أجاب:
– يـاه.. دا أنا صحيت قبلك بكتير وكمان حضرتلك فطار يستاهل بقك.. بس متتعوديش على كدة ها..
ضحكت فأجابت:
– حاضر تسلم ايدك ياحبيبي..
جلسا يتناولا الفطور حتى أعلن هاتف سليم عن إتصال أحدهم فكان كريم، أجاب:
– ألو.. إزيك يا كيمو عامل ايه!
– الحمدلله أنا تمام إنت اللي عامل إيه..
قال:
– لأ انا زي الفل.
أجاب كريم مازحاً:
– طبعا زي الفل مش لسة في أولها.. قلبي عندك ياسليم ياخويا..
ضحك سليم فقال:
– لأ ياحبيبي خليهولك.. المهم بتتصل عايز إيه إنجز مش فاضيلك.
أجاب كريم:
– أيوة ياعم.. مش فاضيلي ها، ماشي، المهم أنا حضرتلك التذاكر اللي طلبتها تحب أعدي عليك إمتى أجيبهملك..
أخبره سليم قائلاً:
– خلاص عدي عليا بليل.. قولي صحيح فريدة عاملة إيه هتولد إمتى .
أجاب:
– الحمدلله كويسة وغالبا كدة خلال اليومين دول أصلها تعبانة أوي..
أجاب:
– يلا ربنا يقومهالك بالسلامة هي والبيبي وعقبال عندنا..
قالها ضاحكاً وهو يغمز بعينيه لزهرة التي ابتسمت في صمت فقال كريم:
– يارب ياحبيبي.. يلا هقفل انا بقى مع السلامة.
أجاب سليم:
– مع السلامة..
ثم أغلق هاتفه وعاد يستكمل فطوره فقالت زهرة:
– هوا كان عايز إيه؟
– لأ مافيش حاجه متشغليش بالك انتي دا شغل..
اومأت في إيجاب ثم وضع سليم الطعام في فمها قائلاً:
– إطعام الزوجة سنّة على الرسول.
ابتسمت فأجابت:
– عليه أفضل الصلاة والسلام، تسلم إيدك ياحبيبي.
*قبل الزواج بوقت قليل كان قد خطط سليم لقضاء وقت ممتع مع زوجته فطلب من كريم أن يقوم بحجز تذاكر السفر وقتما تتسنى له الفرصة نظراً لمعارفه بمجال السفر والسياحة..*
في الليل جاءه كريم ليُعطيه التذاكر وأراد أن يُغادر سريعاً فلم يتركه سليم وصمم على أن يدخل ويحصل على ضيافته قبل أن يغادر..
دلف أخيراً وجلس في غرفة الصالون فقال سليم:
– دا إنت نولت شرف أول ضيف يجيلنا في بيتنا أكيد مش هسيبك تمشي بالساهل كدة..
كاد أن ينطق كريم لولا أن دلفت زهرة ترتدي إسدال الصلاة تحمل بين يديها العصير وقطعتان من الجاتوه..
ألقت السلام عليهم ورحبت بكريم ثم تركتهم وغادرت.
تسائل كريم:
– أمال إنت كنت بتجهز في الفيلا ليه بتاعت باباك طالما هتسكن هنا؟
أجابه:
– لأ ما هيا زهرة كانت حابة مكان مستقل لينا فجبتلها الشقة الفخمة دي، وبعدين وقت ما نزهق أو نحب نغير، عندنا هنا وهناك..
أجاب كريم وهو يأكل من الجاتوه:
– أيوة ياعم والعة..
رد سليم في حنق:
– هيا فعلاً شكلها هتولع بعينك دي.. خلص يابني إنت واتكل على الله خلينا نشوف شغلنا..
أجاب كريم:
– شغل إيه يا أبو شغل انت..
بعدها استوعب الأمر فقال:
– آاه شغلكوا… طيب ياسيدي أنا ماشي.
فقام كريم ليغادر فقال سليم:
– ليه بس ما انت منورنا، طيب خلاص طريق السلامة إنت شرفتنا..
ضحك كريم فقال:
– عريس جديد بقى وسارقاه السكينة..
ضحك سليم ثم ودعه وعاد إلى غرفته ليرى ماذا تفعل زهرة..
وجدها تتحدث مع والدتها فقبلها من وجنتيها وهي تضحك وتخبر والدتها بأنه لا شيء يحدث وأن كل شيء على ما يُرام حتى تركتها سنية قائلة:
– طيب أسيبك أنا بقى شكلك مش فاضية..
ثم أنهت معها المكالمة ونظرت له في عتاب وهي تضحك قائلة:
– إيه اللي بتعمله ده ياسليم وماما بتكلمني أحرجتني أوي..
لم يُجيب لكنه حمل بين يديه الورقتان وهو يتسائل:
– تتوقعي دول لفين؟!
لم تذهب بتفكيرها بعيداً، زمت شفتيها بتفكر فأجابت:
– تذكرتين سنيما؟ أو حفلة لمغني مشهور مثلاً!
ضحك سليم في سخرية فقال:
– سنيما مين ياحبيبتي بس الله يهديكي..دول تذكرتين سفر لأكتر مكان رومانسي في العالم.. بلد الحُب “باريس”.. بكرا هنروح إن شاء الله إيه رأيك بقى..!
اتسعت حدقتا عينيها في دهشة قائلة:
-باريس! بجد يا سليم.
ثم سحبتهم من بين يديه وهي تقول:
– دا إيه الجمال والعظمة دي كلها ياحبيبي..
أجاب:
– دي أقل حاجة عندي أقدر أقدمها في حبي ليكي..
نظرت له في امتنان وسعادة ثم احتضنته بـ حُب قائلة:
– ربنا يخليك ليا ومايحرمنيش منك أبداً..
احتضنها هو الآخر فقال:
– ويخليكي ليا ياروح قلبي..
أبعدته عنها برفق فقالت:
– طيب يلا بقى عشان نجهز حاجتنا..
دلف برفقتها ثم قال:
– عارفة إيه أحلى حاجة في الموضوع؟
أجابت وهي تُخرج الملابس التي ستحتاج إليها:
– أكيد إننا هنشوف أماكن جديدة ومناظر حلوة.
أجاب وهو يترقب ردة فعلها كي يثير غيرتها قائلاً:
– وبنات حلوة..
نظرت له نظرة نارية تتسائل:
– نعم؟
أجاب:
– وحاجات حلوة قصدي يعني الأكل والبحر وبرج إيڤل.. أمال انتي فاكره إيه ياحبيبتي!
– على فكرة أنا سمعتك كويس أوي وصدقني لو شوفت عينك بتروح كدة ولا كدة متلومش غير نفسك!
خرج سليم من الغرفة فسمعت صوته من الخارج يردد بصوتٍ عالي:
– إنتي بُق ولا تعرفي تعملي حاجه أساساً..
قالت زهرة في حنق: أنا بُق !
ثم قامت من مكانها وخرجت خلفه عازمة على أن تُلقنه درساً عنيفاً..
وجدها سليم قادمة إليه فنظر إليها يضحك وهي لازالت بملامح غاضبة تبحث عنه، فلما اقتربت منه تحمل بيدها الوسادة كي تضربه بها، جاء من خلفها وأمسكها من ياقتها من الخلف كأنه مُمسك بـ لص يتسائل:
– نعم في حاجه؟ جايبة مخدة أوضة النوم دي ورايحة على فين!
نظرت له في ضعف تكتم ضحكاتها قائلة:
– هاه.. لا ابداً انا كنت طالعة أتطمن عليك بس، إنت كويس يا حبيبي! لقيتك حابب تشوف بنات جديدة وحلوة قولت وماله خليه يفك عن نفسه شوية مغلطتش أنا..!
زم شفتيه وهو يومئ برأسه فقال:
– آه طيب تمام عفونا عنك..
دفعت يدها عنه بقوة قائلة:
– وسع سيبني بقى هوا فين العفو ده..
أجاب:
– لأ ياحلوة مش بالساهل كدة.. أنا هسيبك بشرط!
وضعت يدها في خصرها تقول في حنق:
– شرط إيه بقى إن شاء الله.
أمال برأسه قليلاً فقال:
– تبوسيني هنا..
قالها وهو يُشير إلى إحدى وجنتيه..
فظرت له تتسائل:
– يعني لو بوستك هتسيبني أمشي!
أجاب:
– أيوة طبعاً!
– طيب قرب..
فلما اقترب منها ضغطت على وجنته ضغطة خفيفة بأسنانها فتركها بالكامل وهو يردد:
– آه يا بنت العضاضة..
تركته وغادرت في سرعة إلى الغرفة وأغلقت الباب من جديد وهي تضحك وهو خلفها فقال:
بقيت لدقائق في ضحك مستمر حتى جاءها اتصال من والدتها فأجابتها وأخبرتها بأن بدرية والمنشاوي سوف يصطحبونها معهم ويأتون لزيارتهم بعد قليل..
فخرجت من الغرفة بهدوء تبحث عن سليم وجدته يخرج من خلف الحائط فجأة واحتضنها من خصرها وأحكم ذراعيه عليها بقوة صرخت ثم ضحكت قائلة:
– خلاص والله أنا آسفة..
انهال على وجنتيها بالقبلات قائلاً:
– أنا هاخد حقي منك بطريقتي بقى أنا تعملي فيا كدة..
كانت تضحك بشدة حتى أنها لم تستطع مقاومته فقالت:
– خلاص والله، إسمع ماما اتصلت بيا دلوقتي وقالتلي إن هيا وعمي المنشاوي ومامتك جايين..
تركها سليم برفق فقال:
– طيب يا ستي ينوروا..
تسائلت:
– إنت هتقابلهم كدة ولا إيه؟
نظر إلى ملابسة فقال:
– أيوة وفيها إيه، دي البيجامة هتاكل مني حتة.
ضحكت زهرة في سخرية فجذبته من يده قائلة:
– لأ مش هينفع تعالى أنا هختارلك حاجه حلوة تقابلهم بيها..
انصاع خلف أمرها في سعادة كالطفل المدلل ترك نفسه لها تفعل به ما تشاء .
رواية زهرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندي أشرف
أعلن جرس الباب عن قدوم المنشاوي وزوجته وسنية وسماح.
ارتدت زهرة عباءة استقبال أنيقة واستقبلتهم في سعادة وترحاب.
احتضنت والدتها بقوة ثم أخبرتها عن كم هي تشتاق إليها الآن.
كان يبدو عليها التعب لكنها سرعان ما تعود لطبيعتها في جمود كي لا تلحظها زهرة.
لكنها كانت تلاحظ شعور والدتها بأنها تتألم وتضحك بصعوبة وتتحدث قليلاً.
ذهبت إليها بهدوء وجلست بجانبها وبدأت تطمئن عليها بصوت خافت.
لكنها استمرت في الإدعاء بأنها بخير وسالمة.
أماءت لها زهرة لكنها بقيت قلقة بشأنها.
تسائلت سماح مازحة موجهة حديثها إلى زهرة:
– ها يا زهرة أخبارك إيه؟
– ياترى الجواز حلو بقى ولا..
ابتسمت في حرج فتحدثت عنها بدرية قائلة:
– بس بقى يا سماح متكسفيش البنت.
هتف سليم مقاطعاً حديثهم قائلاً:
– دا كريم كان عندي هنا الصبح، كنت طالب منه تذكرتين لباريس.
– وهنسافر الصبح أنا وزهرة إن شاء الله.
هتفت سماح في حماس:
– واو باريس مرة واحدة.. ربنا يهنيكوا يا ولاد.
علقت بدرية:
– وهتفضلوا هناك قد إيه..؟
– ياريت بلاش تطول عشان بتوحشني ياسليم مش كفاية عايش بعيد عني!
تحدث المنشاوي قبل أن يُجيب سليم فقال:
– سيبي الولاد يتهنوا ويعيشولهم يومين يا بدرية هوا ابنك هيطير يعني.
ثم وجه حديثه إلى سليم فقال:
– تروحوا وترجعوا بألف سلامة ولو احتاجتوا أي حاجه أو فلوس كلموني على طول.
أماء له سليم قائلاً:
– حاضر يا بابا متحملش هم حاجه.
لوت بدرية فمها تقول في نفسها: ” حتى مهانش عليه يرد على سؤالي..! “
كذلك علقت سنية:
– ربنا يبارك في حياتكوا يا ولاد ويسعدكوا ويرزقكم الذرية الصالحة.
ردوا جميعاً:
– آمين.
بينما رمق سليم زهرة بالنظرات فابتسمت في خجل فهي تفهم ما ترمي إليه تلك النظرات.
هتفت سماح:
– آه عايزين البيت يتملي أولاد هاه ولو جبتوا البنت تسموها سماح على اسمي.
أجاب سليم في حنق:
– سماح! يعني بزمتك يا خالتو دا اسم ينفع لبنوته صغيرة!
– عموماً بنتك فريدة على وش ولادة خليها تسمي بنتها سماح وسيبي موضوع التسمية ده علينا.
ثم ضحك وهي تنظر له في حنق قائلة:
– وماله بقى إسم سماح إن شاء الله.
أجابت بدرية سريعاً:
– إسم جميل ياحبيبتي هما دول يفهموا حاجة فالأسامي!
غادرت زهرة بصحبة سنية إلى غرفة نومها.
كان المنشاوي يتابع حديثهم وهو يضحك خلسةً فاستطردت سماح قولها:
– واضح إنه خايف من زهرة، أكيد دبحتله القطة من أولها.
ضحك سليم فدافع عن رجولته قائلاً:
– قطة مين يا خالتو الله يهديكي هوا مين بيدبحها لمين.. مافيش منه الكلام ده.
علق المنشاوي فقال:
– هوا في فأدب زهرة وهدوء زهرة.. دي بنت مطيعة ورقيقة مش محتاجة يدبحلها لا قطة ولا حتى كلب.
ضحك سليم في سخرية وهو يتحسس وجنته التي وضعت زهرة عليها بالأمس علامة بقى أثر ألمها عالقاً.
بينما ضحكت سماح قائلة:
– ياسيدي بكرة نشوف، الجواز في أوله مربى وآخره مِش.. على كل حال ربنا يسعدكم ويهنيكم.
في غرفة زهرة احتضنت سنية فتاتها في حنان واشتياق قائلة:
– عاملة إيه ياعروسة.. أول ليلة ليا في البيت من غيرك كانت وحشة أوي، البيت ضلم من غيرك ياشقية إنتي.
ابتسمت زهرة في حنان قائلة:
– حبيبتي يا ماما متحرمش منك، أنا بخير والله وانتي عارفة مافيش أحن عليا من قلب سليم من بعدك.
تسائلت:
– يعني كل أمورك تمام؟
أومأت زهرة في خجل فاحتضنتها سنية من جديد قائلة:
– ربنا يطمني عليكي دايما يابنتي واشوفك متهنية وسعيدة.
هكذا قالت ثم أبعدتها عنها برفق قائلة:
– يلا تعالي بقى نقدملهم ضيافة.
هتفت زهرة تتسائل:
– إستني يا ماما.. انتي شكلك كدة مش عاجبني بتاخدي علاجك في وقته؟
أومأت سنية وهي تقول في حيرة:
– والله يابنتي انا متلخبطة شوية عشان انتي اللي كنتي بتديهولي لكن متقلقيش انا بقيت اشوفه وأخده.
– وبعدين دا مش تعب دا بس انا باين لسة متعودتش على غيابك عن عيني كتير، لكن ان شاء الله هيعوضني الخلف الصالح ولا إيه.
اردفت زهرة:
– ان شاء الله ياحبيبتي.
– يلا تعالي نقدملهم حاجة قبل ما يقولوا علينا ناس بخيلة.
دقائق ودلفت عليهم سنيه وزهرة حاملين أطباق الجاتوه والمشروبات الغازية.
هتفت سماح:
– أيوة بقى هوا ده الكلام التمام.. تسلم إيدك يا أم زهرة.
أجابت بنبرة تميل إلى الإرهاق البادي على قسمات وجهها:
– تسلمي ياحبيبتي بألف هنا.
مر الوقت سريعاً حتى هَم المنشاوي قائلاً:
– طيب نستأذن إحنا بقى.
تركت سماح ما بيدها وقامت على الفور وكذلك بدرية وسنية التي تحاملت على نفسها وقامت في تعب.
فقال سليم:
– ليه بس كدة يا جماعة لسة بدري.
وكذلك قالت زهرة:
– متخليكوا شوية كمان.
قالت سماح:
– لا ياحبيبتي يادوب بقى نسيبك تقعدي مع جوزك شوية زمانك وحشتيه.
هكذا قالت ثم ضحكت بينما شعرت زهرة بالخجل قائلة:
– الله..! ما أنا قدامه طول النهار، زمانه زهق مني أصلا.
أردف سليم قائلاً:
– زهقت! دا أنا مصدقت.
لكمته بدرية على كتقه قائلة:
– يا واد انت إمسك نفسك شوية متبقاش مدلوق كدة.
نظر إلى زهرة التي تضحك في خجل فقال:
– هوا في حد يبقى معاه الجمال ده كله وميتدلقش!
– يلا يا ماما ياحبيبتي على بيتك هتوحشينا.
وبخته قائلة:
– يا قليل الأدب إنت.. ماشي أنا هوريك.
خرج المنشاوي وخلفه سماح، احتضنت بدرية زهرة وودعتها ثم غادرت.
ومن بعدها سنية التي ودعت فتاتها وزوجها بعد أن احتضنت زهرة بشدة وكأنها تحتضنها لآخر مرة.
ذهبت بخطوات ثقيلة ثم عادت إلى بيتها تشعر بالتعب يتزايد عليها ويتملك منها وهي بمفردها في المنزل.
أخذت الدواء وكذلك مسكن الألم ثم غطت في ثبات عميق.
عاد سليم إلى زهرة التي وضعت يدها على فمها تكتم ضحكاتها فتسائل في حنق:
– مالك يا هانم إيه اللي بيضحك أوي كدة.
عادت ملامحها للجمود مرة أخرى فأخذت تردد ما قالته بدرية:
– بس يا قليل الأدب إنت.
ثم تركته وغادرت إلى الغرفة تنهي ما بدأته من تحضير لحقائبهم.
دلف خلفها فقال:
– بقولك إيه سيبي الشنط أنا هحضرهم وحضريلنا العشا عشان أنا جعت فجأة كدة ولو مأكلتش حاجة دلوقتي هاكلك انتي.
تركت ما بيدها قائلة:
– لا تاكلني أنا ليه، أنا هحضرلك العشا وانت إياك تمد إيدك في حاجة عشان متبوظليش ترتيبي.
ثم مرت من جانبه فوضع قبلة على وجنتها فتسائلت:
– دا إيه بقى إن شاء الله؟
أجاب:
– دي تصبيرة.
ضحكت زهرة ثم غادرت فقال سليم مداعباً:
– جمل يابا الحاج جمل.
في صباح اليوم التالي انتفضت زهرة من منامها تنظر بالساعة ثم أخبرت سليم قائلة:
– يا سليم قوم يلا بسرعة.
تحدث بنعاس قائلاً:
– إيه يا زهرة سيبيني أنام شوية كمان.
أخذت تربت على كتفه بعنف قائلة:
– ياسليم قوم اتأخرنا على معاد الطيارة يادوب نلحق نوصل.
حاول أن يستفيق ثم نظر في الساعة وهب جالساً عندما وجد أنه لا يبقى إلا وقت قليل على ميعاد إقلاع الطائرة.
فقال:
– إيه النوم دا كله إحنا اتأخرنا.
أجابت وهي ذاهبة إلى الحمام قائلة:
– مهو إنت السبب مسهرنا طول الليل.
هتف في حنق:
– هنقعد نشوف مين السبب ونسيب الطيارة تطلع من غيرنا.
أزاح الفراش ثم قام ليستعد هو الآخر وبعد بضع دقائق غادروا البيت وحمل عنهم البواب حقائب سفرهم ووضعها في السيارة.
استقلاها هو وزهرة وأوصلهم السائق إلى المطار فأخبره سليم بأن يعود بها إلى الفيلا لا إلى الشقة.
هتفت زهرة قائلة:
– بسرعه بقى يا عم مجدي لحسن اتأخرنا خالص.
– حاضر يابنتي ماتقلقيش هنوصل في المعاد إن شاء الله.
بعد دقائق تأفف سليم قائلاً:
– هيا فعلاً كان ناقصها شوية الزحمة دي.
– أنا عارف دي عين مين.
فقالت زهرة مازحة:
– بس عمرنا ما نروح نقول.
ضحك سليم من وسط تأففه وضيقه بهذا التأخر فأردفت زهرة:
– ياحبيبي خلاص روق بقى هتتيسر إن شاء الله.
علق مجدي قائلاً:
– الله يفتح عليكي يا مدام زهرة أهو الطريق مشي الحمدلله.
دقائق ووصلوا إلى المطار في الموعد المحدد وبعد تمام الإجراءات استقلوا الطائرة واستكانوا في أماكنهم فهتف سليم بأريحية:
– يـاه الواحد مابيحسش بمتعة الوصول إلا بعد ما يتعب عشان يوصل.
ابتسمت زهرة في سعادة وحماس قائلة:
– فعلاً والله.
– المهم، حافظ دعاء السفر ولا لسة هعلمك من أول وجديد.
تسائل بعد ان قطب ما بين حاجبيه جهلاً بما قالت:
– ايه دعاء السفر ده؟
أجابت:
– طيب قول معايا.
” الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مُقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. “
ردد سليم خلفها فاستطردت قولها:
” اللهم إنا نسألُكَ في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العملِ ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعْثاءِ السفر، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل. “
بعد أن انتهى تسائل:
– خلاص كدة؟!
أومأت في هدوء قائلة:
– أنا هقول الأذكار بقى.
– تعرف انا بخاف من السفر أوي وبحبه في نفس الوقت.
– بس الاذكار هيا اللي بتطمن قلبي.
استطردت قولها وهي تبتسم قائلة:
– بتحسسني إن أنا في السليم.
أماء فقال:
– آه فاهمك.
– معاكي حق بردو، يلا قولي وانا هقول معاكي.
بدأت توضح له ما سيقولون وأخذ يُردد خلفها ويقرأ معها كل ذكر وفضله.
وفي النهاية سحب يدها وقبلها قائلاً:
– فعلاً الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، ربنا يخليكي ليا يا زهرتي.
استيقظت سنية من منامها في تعب.
نظرت في هاتفها وجدت أن الوقت قد تعدى الظهيرة.
وقطع شرودها صوت هاتفها معلناً عن إتصال أحدهم.
سحبته لتُجيب ظناً منها أنها زهرة لكنها وجدته المنشاوي فاجابت:
– السلام عليكم.
– صباح النور يا سنية، طمنينا عنك أخبارك إيه النهاردة.
– الحمد لله بخير نحمد الله على كل شيء.
– يدوم حمدك، بقولك صحيح الدكتور خالد بيتصل بيكي مبترديش عليه فاضطر إنه يكلمني أنا، أصل قعدتك لواحدك دي متطمنش بصراحة.
أجابت في ضيق:
– ياه دا النهاردة معاد الجلسة أنا إزاي فاتتني.
– منا بقولك عشان كدة يا سنية، انتي قدامك حل من اتنين.
– يا إما تعيشي معانا هنا في الفيلا واحنا نكون جنبك أو تقبلي أبعتلك خدامة تفضل معاكي وتخلي بالها منك.
أجابت في نبرة حزن تُهدد بالبكاء:
– زهرة بنتي هيا اللي كانت بتبقى معايه و تخلي بالها مني، حتى سليم الله يسعده و يصلح له حاله كان مهتم بس معلش هيا الدنيا كدة دي سنة الحياه.
– بس أنا مش هقدر أسيب بيتي و ريحة عبد الحميد فيه حتى لو فيها موتي أعذرني يا منشاوي بيه.
– مش هاخد راحتي غير في بيتي.
– خلاص يبقى هبعتلك أم مريم، وعم عبده السواق هديكي رقمه في كل معاد جلسة تكلميه يوصلك ويرجعك.
– كدة مالكيش حِجة!
أجابت في امتنان:
– والله الواحد ما عارف يردلك جمايلك علينا ازاي، كتر ألف خيرك يا منشاوي بيه، وربنا يجعله في ميزان حسناتك.
– ولا حاجة يا أم زهرة دا انتي حماة إبني يعني الغالية.
– يلا انا هبعتهملك دلوقتي مش عايزة اي حاجة نبعتهالك يا سنية؟!
– كتر خيرك يا أخويا خيرك مغرقنا.
– تسلمي يا أم زهرة يلا سلام.
– مع ألف سلامة.
أغلقت سنية المكالمة وقد دمعت عيناها تحمد الله مدبر الأمور قائلة:
– صحيح والله العبد في التفكير والرب في التدبير اللهم لك الحمد والشكر.
بعد مرور ساعة أطرقت الخادمة على الباب وبعد أن رحبت بها سنية اخبرتها بانتظار السائق بالأسفل ليوصلها للمشفى.
طيلة الطريق وكانت سنية تتحدث إلى أم مريم وأصبحن صديقتان فإن لسنية قلباً حنوناً لا يعرف التكبر أو التعالي وفي المقابل استطاعت أن تكسب قلب تلك المرأة في هذا الوقت القليل.
بدأت سنية جلسة الغسيل الكلوي خاصتها ولكن سرعان ما بدت على الأجهزة مؤشرات سلبية أثارت الرعب في نفس دكتور خالد الذي حاول أن يقوم بحل تلك المشكلة حتى فقدت سنية وعيها.
إجتمع الأطباء حولها في حالة من الذعر بلا جدوى.
حتى هتف خالد مُسرعاً:
– لازم تتنقل فوراً للعناية.
– بسرعه لحد ما أكلم المنشاوي.
جلس المنشاوي خلف مكتبه منغمساً في عمله حتى قطع تركيزه إتصال خالد به فأجاب:
– السلام عليكم.
جاءه الرد من الجانب الآخر فهب واقفاً في ذعر فقال:
– إيه!! أنا جايلك حالاً.
بعد وقت قليل وجد خالد المنشاوي واقفاً أمامه يستفهم منه ماذا حدث فاخبره:
– مافيش فايدة يا منشاوي بيه، حالتها مبقتش مستحملة أكتر ولازم عملية زرع كلى وبسرعة قبل فوات الأوان.
أجاب في فزع:
– طيب إزاي هنقدر نلاقي متبرع.. مهما كان التمن يا دكتور خالد لازم نلاقي حل!
تنهد ثم هتف خالد في ضيق:
– أنا هعمل كل اللي عليا يامنشاوي بيه واللي ربنا عايزه هيكون.
أردف المنشاوي قائلاً:
– لسة بنتها اللي مسافرة ملحقتش حتى توصل، زهرة مش لازم تعرف أبداً باللي بيحصل ده تمام! وربنا يجيب العواقب سليمة.
أماء له خالد ثم استأذنه وغادر ليتابع حالة سنية.
انتفضت زهرة فجأة في فزع فتسائل سليم:
– مالك يا حبيبتي إنتي كويسة؟
أجابت وقد بدا على وجهها الوجوم:
– لا دا أنا عيني غفلت بس واتفزعت فجأة.
– حاسة إن قلبي مقبوض.
أردف قائلاً في هدوء يحاول أن يطمئنها:
– متقلقيش دا أكيد عشان إنتي خايفة من جو السفر والطيران.
أسندت ظهرها للخلف قائلة:
– ممكن بردو.
ثم انحانت عليه واستقرت رأسها على كتفه بينما أسند رأسه هو الآخر على رأسها وناموا في هدوء.
بعد مرور ساعات عديدة أعلن مضيف الطيران عن وصولهم وهبوط الطائرة بعد وقتٍ قليل وطلب منهم أخذ أوامر الحيطة والحذر.
فلما سمع بذلك سليم حاول إيقاظ زهرة في هدوء فاستفاقت من نعاسها في حماس قائلة:
– أخيراً وصلنا.
أجاب:
– آه ياحبيبتي حمداللة على السلامة.
بإبتسامة رقيقة أردفت:
– الله يسلمك ياحبيبي.
استقلوا سيارة من أمام المطار وذهبوا بها إلى إحدى الفنادق الفخمة في باريس والتي قد تم حجز غرفة كبيرة بها من قِبل سليم.
وصلوا إلى غرفتهم ودلفوا ليستريحوا من تعب السفر وكي يرتبوا أمتعتهم قبل أن تبدأ رحلتهم في البلد.
فتح سليم باب الغرفة وجد أنوارها مغلقة فلما فتح الإضاءة كانت خافتة للغاية ولاحظوا أوراق الورد المتناثرة في كل مكان بشكل جميل وبالونات على شكل قلوب والشموع العطرية والشمعدان في كل مكان أشكال وألوان مختلفة وجذابة.
عندما خطوا أول خطوة بها وجدوا باقة من الورود الفرنسية الجميلة مُلحَق بها كارت لطيف مكتوب عليه بالفرنسية: ” félicitations aux mariés “ مبروك للعروسين.
ابتسمت زهرة في سعادة وهي تنظر إلى سليم في إنبهار فقد فاق الأمر توقعها.
دلت إلى غرفة النوم فكانت ذات إضاءة خفيفة أثر إنعكاس ضوء الشموع وعلى السرير مرسوم قلب بالورد الأحمر وفي الأعلى مكتوب بالورد ” Zahra ” وفي الأسفل ” Seleim ” يتوسطها ذلك القلب.
وعندما نظرت للأعلى وجدت بالونات الهيليوم الحمراء قد ارتسمت على السقف بشكل رومانسي وخاطف للقلوب.
حاوط خصرها سليم بذراعه في حب فقال:
– مش قولتلك بلد الحُب، باين كدة بيقدسوا اللون الأحمر، بصي هناك كدة؟
نظرت حيثما أشار فوجدت فستان أحمر قد اشتراه سليم خصيصاً لأجل زهرة كما أعطاهم مواصفاته ومقاسه فقال:
– ده هتلبسيه ليا وتيجي ورايا.
هكذا قال ثم غادر وبعدما بدأت في تبديل ملابسها عاد ينظر إليها من جديد فقال:
– مش عايزة مساعدة؟
وضعت زهرة الملابس فوق جسدها العاري إلا من ملابسها الداخلية قائلة في حرج:
– سليم بقى متهزرش، لو سمحت أخرج.
ضحك فقال:
– هتفضلي طول عمرك محتاجة اللي يفكرك إني جوزك، أنا بعد كدة همشيلك في البيت كاتب على جبهتي جوزك.
هكذا قال ثم غادر فأحكمت إغلاق الباب من خلفه.
تركها وذهب متوجهاً إلى الحمام ليجده قمة في الرومانسية والرُقي فكان البانيو مملوء بالمياه الدافئة التي يوجد بها مساج مائي والورود داخله تدور مع دوران المياه التي ينبثق منها عطر الورد والبخار، وعلى حافته الشموع.
نظر خلفه حينما سمع صوت خطوات زهرة قادمة إليه فحدق النظر بها من أعلاها لأسفلها فقال معبراً عن إعجابه بالفرنسية:
– très belle.
– أنا مكنتش أتخيل أبداً يكون عليكي بالجمال ده كله.
سحبها من يدها إلى الردهة وعلى الموسيقى الفرنسية الهادئة أخذوا يتراقصوا في هدوء وحميمية.
تنظر له زهرة بعيون ذائبة عشقاً وينظر لها بعيون حادة قوية تتملك منها بكامل الثقة والعشق والابتسامة الرقيقة لا تفارق ثغره.
إنحنى على عنقها ولثمها بقبلاته الرقيقة وتشبثت هي في عنقه ومن ثم تخللت خصلاته بأناملها الرقيقة فضاعفت رغبته فيها.
اقشعر بدنها بقوة وهي تضحك على مداعبته لها في نعومة حتى تمكن منها.
فحملها بين ذراعية القويتان ودلف بها إلى غرفتهما وأغلق الباب خلفه.
في المستشفى بقيت سنية في غرفة العناية المركزة فاقدة للوعي يُقال أنها لو لم يجدوا متبرع لها سريعاً وفي خلال تلك الأربع وعشرون ساعة ستموت!
جاءت بدرية وسماح إلى المشفى فذهبت مباشرةً حيثُ المنشاوي فتسائلت بدرية في فزع:
– إيه اللي حصلها بس يا منشاوي.
أجاب:
– وضعها مايطمنش خالص يا بدرية.
هتفت سماح قائلة:
– طيب وإيه الحل هنسيب الست تروح بالساهل كدة مننا!
أجاب المنشاوي في ضيق:
– اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
– عموماً خلال الـ ٢٤ ساعة دول لو ملقيناش متبرع هنسافر بيها برا مصر وهنعمل كل اللي علينا.
تسائلت بدرية في أسف:
– زهرة عرفت حاجة؟
أجاب المنشاوي في تسرع:
– لأ إوعي! محدش يقولها حاجة.
– إن شاء الله سنية هتعدي من الأزمة على خير وتقوم بالسلامة.
هتفت سماح في توتر تتسائل:
– طيب لو لا قدر الله حصل حاجة لسنية!
– أنا بقول السفر يتعوض لكن الأم ما تتعوضش!
أجاب المنشاوي في نفاذ صبر وغضب:
– خلاص يا جماعة يعدي اليوم بس واحنا بندور على متبرع ولو ملقيناش هنضطر نعرفها خلاص!
تنهدت بدرية في ضيق وهي تردد بالدعوات سراً وتشفق على زهرة حينما تعلم بما حدث لسنية.
رواية زهرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندي أشرف
جلست زهرة أمام التلفاز بعد أن حصلت على وجبة غدائها المقدمة من الفندق هدية لهم كعروسين. كانت تحاول الاتصال على والدتها مرارًا وتكرارًا بلا فائدة.
وجدها سليم منشغلة بالأمر ولا يهدأ لها بالًا فتساءل:
- إيه يا حبيبتي برضه مش عارفة تجمعيها؟
أردفت:
- آه مش عارفة أوصلها خالص وبصراحة كده بدأت أقلق عليها. أصل ماما ممكن فجأة كده تلاقيها دخلت في غيبوبة وتكون لوحدها.. أنا أصلاً قلبي مش مرتاح من وقت ما شوفتها إمبارح.. من نظرة عينيها بعرف هي بخير فعلاً ولا بتمثل إنها بخير.
انتهت المكالمة دون رد فقالت في نفاذ صبر:
- أنا كده مش قدامي غير إني أكلم عمي المنشاوي يطمني عليها.
أومأ لها سليم في إيجاب وهو يحاول الاتصال بوالده.
بينما كان المنشاوي عائدًا من المشفى مستقلاً سيارته وبجانبه بدرية وخلفهم سماح. نظر في هاتفه فوجد أن سليم يتصل به فنظر إلى بدرية في حيرة يتساءل:
- سليم بيتصل، أكيد زهرة عايزة تطمن على سنية ومش عارفة توصلها.
أردفت في قلق:
- طيب هتعمل إيه ولا هتقولهم إيه؟
وضع الهاتف جانبًا فقال:
- أنا مش هرد.
توقف أمام الفيلا وطلب من بدرية وسماح العودة وأنه سيعود لاستكمال عمله.
ترجلت من السيارة وهي تتساءل:
- مش عايز حاجة يا حبيبي؟
أجاب بابتسامة باهتة:
- سلامتك، خلي بالك من نفسك.. يلا سلام.
نظر حينها سليم إلى زهرة في حيرة فأردف:
- حتى بابا مش بيرد أهو.. يعني ده شيء عادي! هنكلمهم في أي وقت تاني بس إنتي حاولي ما تشغليش بالك كتير وتعكري على نفسك رحلتك.. الأيام دي مش هتتعوض تاني.
لوت شفتيها وهي لا زالت تفكر وتحدق بهاتفها في قلق ويتراود بذهنها ألف شيء قد يكون حدث لوالدتها حتى نفضت تلك الأفكار عن رأسها قائلة في نفسها:
- "بعد الشر عليها أنا اللي بخاف زيادة عن اللزوم وإن شاء الله هي بخير".
هتف سليم قائلاً:
- اعملي حسابك إننا هنتعشى بره في مكان عمرك ما هتنسيه من جماله.. وبعدها هنلف في البلد شوية.
دقائق وقامت زهرة لتبدل ملابسها وكذلك سليم ووضعت القليل من مساحيق التجميل وتكحلت عيناها بالأسود فنطق الأخضر من بين جفنيها معبرًا عن نفسه ووضعت أحمر الشفاه الذي أنطق جميع ملامحها بالجمال والثقة وكالعادة نظر لها سليم في إعجاب شديد، ففي كل مرة تتجهز للخروج تبدو أجمل من ذي قبل.
أخرجت من حقيبتها عطرًا مميزًا ووقفت أمام سليم وأخذت توزع عليه نثرات منه فأمسك بيدها سليم وهو يقرأ الاسم على القنينة ويستنشق عبيرها فقال في إعجاب:
- جميل أوي البرفيوم ده جبتيه منين؟
أجابت:
- ده أنا جبتهولك معايا من مصر.. كنت مشترياه مخصوص عشانك.
أخذه منها ووضعه جانبًا ثم قبل يدها من الداخل قائلاً:
- تسلم إيدك يا روح قلبي.
ابتسمت ابتسامة رقيقة ثم هتفت قائلة:
- الله يسلمك يا حبيبي.
غادروا الفندق وبدأوا رحلتهم في أفخم مطاعم باريس حيث الأجواء الرومانسية والطعام الذي لا يوجد ما يضاهيه، ومن ثم غادروا إلى أماكن متفرقة من البلدة فقالت زهرة في سعادة:
- باريس لا تنام الليل.
ابتسم سليم فقال:
- تعرفي أنا على جملتك دي افتكرت إني من ضمن تنظيمي لليوم ده في كافيه هنا بيفضل على مدار الأربعة وعشرين ساعة مفتوح، أكتر ميزة فيه إنك بتقعدي طول الليل فيه تستمتعي بنسيم الهواء البارد وتراقبي شروق الشمس، واجهة المكان من التصميم الفرنسي والردهة اللي بيطل عليها الكافيه مع الورود والذوق الفرنسي الرائع بيخلي من ضوء الشروق تحفة فنية لا تقاوم، ده غير بقى أضواء الليل الهادية بصي هتنبهري.
تحمست زهرة قائلة:
- واو أنا بعشق الأجواء دي أوي.. طيب هنعمل إيه دلوقتي!
أجاب:
- دلوقتي أنا هاخدك على حي الرسامين، بيبقى موجود فيه رسامين مبدعين حرفيًا وبيكونوا على أتم استعداد يرسموا الزائرين.. فـ أول هدية مني ليكي إني هخليكي تروحي من هناك معاكي برواز فيه صورتك مرسومة زي ما إنتي كده.. وبعدها هاخدك على جسر الحب، هنعمل حاجة كان نفسي أعملها من زمان أوي.
تساءلت زهرة في لهفة:
- اللي هي إيه بقى؟
أمسك بيدها ثم أجاب:
- في هناك أقفال اسمها أقفال العشاق.. إحنا هنشتريها ونقفلها في الجسر ونرمي المفتاح في النهر عشان نفضل مع بعض العمر كله.
ابتسمت زهرة ثم أردفت قائلة:
- ياه يا سليم إنت بتصدق في الحاجات دي؟
ابتسم في حرج فأجاب:
- بصراحة لأ بس هي تجربة حلوة وأنا نفسي أجربها معاكي.. ها إيه رأيك نروح؟
أجابت في سعادة:
- نروح طبعًا.
***
في فيلا كريم وفريدة جاءت سارة شقيقته لزيارتهم وفجأة جلست فريدة تتألم بشدة ويبدو أنه قد حان موعد ضيفهم الذي طال انتظاره فهتفت في كريم تصرخ به ألمًا قائلة:
- إلحقني يا كريم أنا شكلي بولد.
ثم أخذت الصرخات تتوالى منها غير قادرة على التحمل.
شعر كريم بالتوتر فقال:
- خلاص يا حبيبتي إهدي هاخدك على المستشفى حالًا بس هتصل بمامتك الأول تحصلنا على هناك.. اسنديها يا سارة ووصليها للعربية.
أسندتها سارة وهي تشعر بالخوف وفريدة تردد في غضب:
- كان مالي بالجواز وسنينه ما كنت عايشة مع ماما مرتاحة آآآه.
قهقهت عليها سارة فلكمتها على كتفها قائلة في غضب:
- إنتي بتضحكي عليا وأنا بعيط من الوجع، روحي يا سارة يا بنت الشربيني يا رب أشوفك في الحالة اللي أنا فيها دي.
صمتت سارة ولم تجب بينما كانت تحاول أن تكتم ضحكاتها حتى أوصلتها إلى السيارة ولحق بهم كريم ثم اصطحبهم إلى المشفى.
***
أما سنية فكانت حالتها تزداد سوءًا كلما تأخروا في إيجاد حل لها.
بقيت هكذا في غرفة العناية المركزة ساكنة لا حراك، حتى قرر الطبيب خالد الاطمئنان عليها ومتابعة حالتها حتى فوجئ بالأجهزة تعلن عن توقف نبضات قلبها معلنة مفارقتها للحياة.
فزع الطبيب وأخذ يصرخ بالممرضات كيف لم يلحظ بالأمر أحد!
ذهب مسرعًا لإجراء صدمات كهربائية لها لإعادة تنشيط القلب مرة ثانية لكن للأسف دون جدوى.
حاول مرارًا وتكرارًا رافضًا خضوعه وتقبله للأمر يتصبب عرقًا في توتر وخوف شديدين.
كما بقيت الدموع تنهمر من عينيه وهو يردد:
- لا أرجوكي اصحي، ما تموتيش، أرجوكي استجيبي.
وينظر لها وجسدها ينتفض أثر الصدمة الكهربائية حتى اقتربت منه إحدى الممرضات تحاول منعه وإيقافه، أمسكته من ذراعه برفق قائلة:
- خلاص يا دكتور أمر ربنا نفذ حضرتك كده بتعذبها.
دفعها عنه بعنف وهاجمها قائلاً:
- كنتي فين لما حصل كده وما كنتيش جنبها ليه! إنتي السبب.
رفعت بصرها إليه في صدمة ففوجئ بدموعها التي تتلألأ في عينيها قائلة بعتاب:
- حضرتك مستوعب إنت بتتهمني وبتحملني ذنب إيه!! كل اللي غبت عنه دقيقتين مش أكتر عمر حضرتك ولا شهاداتك ولا خبراتك في مجالك هتقدر تخليك تمنع أمر ربنا كتبه من إنه يحصل!
نظر إلى سنية في قهرة وأخذ يضرب بيده بقوة على الحائط بجانبه ثم مرر أصابعه من بين خصلاته في غضب شديد ثم أجاب بندم واضح في نبرته اعتذر منها:
- أنا آسف.. أنا مش قصدي أتهمك بس كان مفروض تبقي جنبها ما تفارقيهاش لحظة تنبهيني لحظة ما حصل كده يمكن كان في أمل يخليني أقدر أنقذ حياتها، إنتي مش متخيلة الست دي عشرة عمر ومش سهل عليا أشوفها مرمية الرمية دي وما يكونش في إيدي أرجع لقلبها النبض من تاني.
ثم ألقى بجسده على المقعد خلفه فقال:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نهض من جديد في غضب فقال:
- كلمي أهلها فورًا وعرفيهم باللي حصل أنا راجع مكتبي.
***
كان المنشاوي في طريقه إلى المشفى ليطمئن على سنية فوجد اتصالاً من خالد وحينما أجابه أخبره خالد بما حدث.
كان وقع الخبر على مسامعه كالصاعقة فضغط على فرامل سيارته فجأة وهو يتساءل:
- إنت بتقول إيه.. سنية ماتت!!
- البقاء لله يا منشاوي بيه، أنا عملت كل اللي بيمليه عليا ضميري لكن للأسف هو ده أجلها.
شرد المنشاوي في ردة فعل زهرة حينما تسمع بالأمر.
تساءل خالد:
- منشاوي بيه حضرتك سامعني!
انتبه على حديثه فأردف في أسى:
- سامعك يا خالد سامعك.. أنا مسافة السكة وهكون عندك.
أغلق الخط فوجد اتصالاً من بدرية فأجاب:
- أيوه يا بدرية.
أجابت في سعادة:
- فريدة ولدت يا منشاوي.. تعالى عشان تشوف الطفل.
لوى فمه فقال في حزن:
- سنية ماتت يا بدرية.. وأنا رايح على المستشفى، حاولي تكلمي ابنك ومراته يرجعوا من باريس.
صرخت من خلف السماعة في صدمة:
- سنية ماتت!
تجمع الدمع بعينيها على الفور فأردفت:
- إنا لله وإنا إليه راجعون.. خلاص أنا هكلمهم، هحاول أخليهم ينزلوا مصر.. سلام.
***
جلس سليم في إحدى مقاهي باريس التاريخية مع زهرة وهي لا زالت تحدق في صورتها المرسومة منذ مغادرتهم المكان في إعجاب وانبهار شديدين.
قهقه سليم في نبرة ساخرة قائلاً:
- إيه يا حبيبتي عمرك ما شوفتي رسمة بالجمال ده؟
أجابت محدقة بتفاصيلها الصغيرة:
- دي مش أي رسمة، هو راسمني كأني قدام مراية أنا معجبة بيه جدًا.
اعتدل في جلسته فهتف في غضب:
- هو مين اللي معجبة بيه يا روح ماما!
ضحكت فأردفت:
- لا إنت فهمتني غلط أنا قصدي بـ فنه وإبداعه بس مش أكتر.
أسند ظهره للخلف من جديد فقال:
- آه طيب أظبطي كلامك بقى ها.. وبعدين خلاص سيبي اللي في إيدك دي وركزي معايا شوية.
وضعتها جانبًا قائلة في خضوع:
- حاضر يا سيدي.
ها بقى حابب تتكلم في إيه؟
تساءل في هدوء:
- قولي لي بقى نفسك في إيه؟
سحبت يده وأسندت وجنتها على كفه وهي تحتضن كفه بكلتا يديها ثم أجابت في رضى:
- طول ما أنا جنبك مش حاسة إن نفسي في حاجة.
تساءل من جديد:
- ماشي بس أكيد في حاجات نفسك تحققيها، ولا إيه؟
زمت شفتيها بتفكر قائلة:
- نفسي آخد ماما معانا ونعمل عمرة.
ونفسي أسافر بلاد أكتر وأشوف جمال الدنيا من حواليا.
وأنت نفسك في إيه؟
تنهد تنهيدة حارة فقال:
- نفسي أحقق لك كل اللي بتحلمي بيه.
قطع حديثهم اتصال من بدرية فأجاب:
- ألو إزيك يا ماما عاملة إيه؟ وحشتيني.
أجابت في نبرة هادئة على غير العادة:
- أنا كويسة. عايزة أقول لك حاجة بس لو زهرة جنبك حاول تبعد عنها.
نظر سليم إلى زهرة التي علقت بصرها عليه وهو يتحدث فابتسم لها ثم تصنع أن الشبكة ليست جيدة فأخفض هاتفه وقال:
- ثواني يا حبيبتي هأقوم أتحرك كدة عشان الشبكة وارجع لك تاني.
أومأت له وهي تترقب خطواته يبتعد عنها فعادت تنظر في صورتها المرسومة من جديد.
سليم:
- ها يا ماما قلقتيني في حاجة ولا إيه؟
أجابت في نبرة متهدجة تهدد بالبكاء:
- سنية يا سليم.
اتسعت حدقتا عينيه في خوف وهو يتساءل:
- مالها؟
- اتوفت من شوية.
اقشعر بدنه من الصدمة فتساءل:
- إزاي يا ماما؟ إزاي ده حصل؟
- دخلت في غيبوبة وهي في جلسة الغسيل بتاعتها ونقلوها العناية. واتوفت هناك. ما كناش عايزين نعرفكم على أمل إنها هتبقى كويسة بس للأسف.
هتف في أسى:
- إنا لله وإنا إليه راجعون. أنا هأحاول بكرة الصبح نكون في مصر إن شاء الله.
ولو قدرت أتحرك من دلوقتي هأعمل كدة.
يلا أنا هأقفل وأشوف هأعرف زهرة الخبر ده إزاي.
أجابت من وسط دموعها:
- ماشي يا حبيبي خلي بالكم من نفسكم. مع السلامة.
أغلق سليم الخط ثم عاد إلى زهرة وجلس بجانبها في هدوء.
بدا الوجوم على وجهه مما أثار القلق في نفس زهرة فتساءلت:
- خير مامتك كويسة؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟
حاوطها بذراعه واحتضنها بحنان ثم أجاب:
- لا يا حبيبتي ما فيش حاجة.
تنهد فقال:
- زهرة بأقول لك ينفع نرجع الفندق أنا حاسس إني تعبان ومش قادر أسهر هنا النهاردة.
قامت زهرة من مقعدها قائلة:
- طبعًا بس إنت تعبان مالك حاسس بإيه؟
قام هو الآخر ثم أجاب:
- لأ ما فيش هو شوية إرهاق بس.
أخرج محفظة النقود خاصته ثم وضع المال على الطاولة وأخذها من يدها مغادرًا المكان عائدًا إلى الفندق. بقي طيلة الطريق يفكر كيف سيمهد لها الأمر. لقد كان موقفه هذا من أصعب المواقف التي مر بها طيلة حياته.
دلف إلى غرفتهم وخلفه زهرة فلم تتوقف قسمات وجهه عن التعابير السلبية والضيق الذي اعتلى وجهه فتساءلت زهرة في حيرة وخوف:
- مالك يا سليم؟ من ساعة مكالمة مامتك ليك وأنت مش على بعضك! في حاجة حصلت طمني؟
نظر في عينيها مطولًا وقد زم شفتيه في حيرة ثم أخفض بصره لا يعلم بما يجيب فتساءلت من جديد:
- في إيه يا سليم إنت قلقتني.
احتضنها ليجعلها تهدأ وتشعر بالأمان في صمت مما زاد من ضربات قلبها وأثار في نفسها الشكوك ثم أبعدته عنها في خوف قائلة:
- هو إنت مش بترد عليا ليه؟ ماما جرى لها حاجة طيب؟
أجاب في سرعة:
- لأ! قصدي آه، يعني إحنا لازم ننزل مصر.
بدأت تشعر باهتزاز طفيف يسري في أعصابها وشعرت بالبرودة تجتاح جسدها بدايةً من الأطراف. أمسكت يده في رجاء ألا يخبرها بما جال بخاطرها الآن. تمنت أن يخلف الله سوء ظنها وهي تسأل:
- ليه يا سليم؟
أمسك ذراعيها بكفيه ثم قال:
- بصي يا حبيبتي إنتي مؤمنة بالله طبعًا وعارفة إن الموت علينا حق. فأنا عايز أقول لك إن ربنا استرد أمانته في والدتك وهي دلوقتي في مكان أحسن بكتير من الدنيا وما فيها وربنا رحمها من التعب اللي كانت عايشة فيه وأكيد هي من أهل الجنة لأنها اتوفت بمرض وما يتزعلش عليها. هي في منزلة الشهداء وهتكون في جنات النعيم بإذن الله.
بقيت صامتة تنظر له وتجول بناظريها في أرجاء المكان غير مصدقة، وهو لا يزال محكم قبضته على ذراعيها فاستطرد قوله:
- فإحنا لازم نصبر ونحتسب وما نقول إلا ما يرضي الله عنا. ونرضى بقضاء ربنا وقدره!
لم تجب زهرة لكن سليم بدأ يشعر بثقل جسدها من بين يديه حتى سقطت مغشيًا عليها.
جثا على ركبتيه بجانبها يحاول سليم أن يجعلها تستفيق بدون استجابة منها.
رفع سماعة الهاتف وطلب المساعدة من القائمين على العمل بالفندق وبعد دقائق قليلة وجد من يطرق عليه الباب وأسندوها حتى وصل بها إلى المصعد فهبط بها واستقل سيارة أجرة من أمام الفندق وطلب من السائق أن يصطحبهم إلى أقرب مشفى وهي لا تزال فاقدة للوعي.
وبعد عدة دقائق توقف السائق وطلب سليم منه أن ينتظره لحين عودته، فلما تذمر أخبره بأنه سيعطيه ما يريد من المال.
عاد مع الممرضات والنقالة ثم ساعدوه فوضع زهرة أعلاها حتى استطاع أن يوصلها إلى الطوارئ.
قام الطبيب بفحصها وطلب بعض التحاليل.
فجلس سليم في توتر وخوف ينتظر بالخارج.
حتى جاءته إحدى الممرضات تخبره بأن زهرة بدأت تستعيد وعيها وتنادي باسم سليم كما وأخبرته بالتأكيد أنت سليم. أومأ لها فدلف على الفور وجلس بجانبها ممسكًا بيدها وهي في حالة تعب وإعياء شديدة كانت تشعر به وتبكي دون أن تتفوه بكلمة.
سحبت منها الممرضة عينة من الدم لتقوم بتحليلها وغادرت.
وبقي سليم بجانبها ينتظر ما سيدلي به الطبيب ونوى في نفسه أنه إذا كانت حالة زهرة الصحية لن تساعدها في السفر تلك الليلة، سيعود بها إلى مصر في صباح الغد أو حينما تتحسن حالتها.
عاد الطبيب حاملًا النتائج بين يديه فأخبر سليم بأنه كل شيء على ما يرام وأن ما حدث لا بد وأنه ناتج عن ضغط عصبي أو صدمة عصبية، ويمكنه المغادرة بعد أن تستريح زوجته ولا داعي للبقاء.
كانت زهرة تكتم شهقاتها وتبكي في صمت فأخبرت سليم في هدوء قائلة:
- أنا عايزة أرجع مصر حالًا.
هتف سليم في خوف:
- طيب يا حبيبتي إنتي كويسة؟ هتقدري يعني!
نظرت له وهي تبكي وتردد:
- لأ أنا مش كويسة. مش كويسة أبدًا يا سليم يلا روحنا نلم حاجتنا وخلينا نرجع.
أسندها سليم في أسى وعاد بها إلى الفندق قاموا بتجميع أشيائهم جميعها واستقلوا أول طائرة عائدة إلى مصر.
*****
بعد مرور خمس ساعات قضتها زهرة في البكاء وسليم يحاول مواساتها والتخفيف عنها، تارة تهدأ وأخرى في بكاء ونحيب.
كان يوجد في استقبال سليم السائق الخاص بهم طلب منه سليم أن يأخذهم إلى شقتهم أولًا.
- البقاء لله يا مدام زهرة.
أجابته من وسط دموعها:
- ونعم بالله يا عم مجدي شكرًا.
أوصلهم إلى المنزل وكان سليم على اتصال دائم بوالده يعرف منه الأخبار وما يحدث.
فأخبره بأنه قد تأخر الوقت وستكون الدفنة في اليوم التالي بعد صلاة الظهر.
*****
رواية زهرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندي أشرف
استطردت زهرة حديثها إلى هايا قائلة:
– والحمد لله كان من حسن حظي إن لحقت أشوفها قبل ما تتدفن وحضرت دفنتها بس مش قادرة أقولك كنت منهارة قد إيه، وفي الغالب واخدة صدمتي فيها عياط وسكوت.
أردفت هايا:
– أكيد تيتة سنية لو كنت شوفتها كنت هحبها أوي، من كلامك عنها حسيت إنها مش إنسانة عادية دي شبه الملايكة.
أماءت لها زهرة وهي تمسح عن عينيها دمعة تلألأت اشتياقاً فأردفت هايا:
– الله يرحمها يا رب، وبعدين يا ماما حصل إيه تاني وإزاي بابا بعد دا كله اختفى!
تنهدت زهرة تنهيدة حارة وهي تقول:
– هحكيلك.
***
في الماضي
مر أسبوع على فراق سنية ولازالت زهرة ترتدي الأسود حزناً على فراقها الذي كان لها بمثابة صدمة لم تستطيع استيعابها بعد.
جلست أمام التلفاز شاردة الذهن فجلس بجانبها سليم يحاوطها بذراعه وهو يقول:
– ها يا حبيبتي.. هتفضلي مانعة الأكل كده كتير؟
أسبلت عينيها في نفاذ صبر فأردفت:
– لو جعان يا سليم أنا محضرالك الأكل.
اعتدل في جلسته ونظر لها في عتاب يقول:
– هوا أنا بقولك عشان تقوليلي محضرالك الأكل! أنا بتكلم عنك إنتي يا حبيبتي.. مش ناوية ترجعي لطبيعتك بقى، وشك بقى أصفر وجسمك هزيل وحالتك متسرش لا عدو ولا حبيب.
أجابت في نفاذ صبر وغضب:
– يووه بقى يا سليم هوا كل يوم نفس الموضوع! أنا نفسي مسدودة عن الدنيا واللي فيها، إزاي أعيش في دنيا مفيهاش أمي! وأكل وأنبسط وأضحك.
علق على حديثها في هدوء:
– يا حبيبتي الدنيا مش بتقف على حد.. كل حاجة بتكمل وتمشي هيا دي سنة الحياة، وبعدين إنتي مالكيش الحق تزعلي أصلا!
نظرت له في دهشة وغضب فاستطرد قوله:
– طيب قبل ما تتعصبي كده اسأليني ليه!
أجابت في سخرية:
– ليه بقى إن شاء الله!
– لإنها أكيد في منزلة حلوة أوي عند ربنا، متوفية بمرض وكانت مش بتسيب فرض ولا صيام وبتحب تعمل الخير وعمري ما شوفت العيبة طلعت من بقها.. يا حبيبتي اللي زي والدتك الواحد يفرحلها ويدعيلها ربنا يرفع من مقامها في الجنة مش يوقف حياته على موتها، ما كلنا هنموت يا زهرة.. أنا هموت و..
قبل أن يستكمل حديثه وضعت يدها على فمه وهي تبكي:
– لأ متكملش! أنا مش حمل صدمات تانية في حياتي، دي خبطتين في الراس توجع.. أنا ماليش في الدنيا غيرك.
جذبها سليم إلى حضنه وهو يقول:
– وعشان أنا ماليش في الدنيا غيرك عايزك تفوقي شوية وتبصي لنفسك بقيتي عاملة إزاي.
أجابت في هدوء:
– أنا كل ما أفكر آكل معدتي بتوجعني.. ولو الجوع قرص عليا أوي وأكلت حاجة خفيفة برجعها تاني.. الدوخة والتعب مش سايبني في حالي مش كفاية حزن قلبي عليا.
مسح على شعرها في حنان فأردف:
– مهو يا حبيبتي عشان إنتي مش عايزة تخرجي نفسك من اللي إنتي فيه ده، هوني على نفسك يا ماما مش كده!
أماءت له قائلة:
– حاضر، أنا هدخل أوضتي أرتاح شوية.
– ماشي يا زهرة وأنا هبقى آجي أطمن عليكي واعملي حسابك لما تصحي هتاكلي.
خطت خطوتين دون أن تجيب ثم أمسكت بمقدمة رأسها، حاولت الإسناد على أي شيء قريب منها لم تجد، لاحظ سليم اختلال توازنها فقام إليها سريعا وفي تلك اللحظة التي أمسك بها سقطت بين قدميه مغشياً عليها ولم يستطع منعها من السقوط فقد لانت كل قواها الجسدية.
سليم:
– زهرة.. فوقي يا زهرة.. أهو دا اللي كنت خايف منه.
سحب هاتفه وطلب من الطبيب خالد الحضور على الفور، وحملها إلى فراشها وقلبه يتمزق شفقة وألم على ما توصلت له زهرة.
وبعد وقت ليس بقليل أخيراً جاء الطبيب، فأخبره سليم بما قالته وما حدث لها. قام بفحصها ثم جعلها تستفيق من إغمائها، فكان ضغطها مرتفع للغاية. علق لها المحاليل وكتب لها على فيتامينات وطلب من سليم إجراء نوع معين من التحاليل ليرى ما جال بخاطره حق أم ظنون.
ثم استطرد خالد قوله:
– ولا على إيه البهدلة.. أنا هاخد منها عينة دلوقتي وهروح على المستشفى أوديها المعمل وهرد عليك تاني.. المهم سيبها ترتاح هيا دلوقتي نايمة عادي، وهتقوم كويسة. حضر لها بقى حاجة حلوة كده تاكلها لحسن شكلها مبتاكلش خالص.
أومأ له سليم في إيجاب مصدقاً على حديثه قائلاً:
– فعلاً مش بتاكل خالص، للأسباب اللي قولتلك عليها دي.
أشار له خالد على الروشتة يقول:
– آه ما أنا كتبتلها مع الفيتامينات على حقنة هتمنع الترجيع.. وبالشفا إن شاء الله.
سحب خالد عينة الدم بصعوبة ثم غادر إلى المستشفى ليتأكد مما ظن به. تركها سليم متوجهاً إلى المطبخ حاول إيجاد ما يمكن تحضيره لكنه لم يسبق له وأن قام بتجربة الطبخ تلك. حتى قطع تفكيره اتصالاً من بدرية فقال:
– جيتي في وقتك والله يا ماما.
أجاب عليها ثم قص لها ما حدث فأخبرته بأنها قادمة إليه على الفور، ستقوم بتحضير الطعام بنفسها وتطمئن على زهرة ثم أردفت قائلة:
– كلم باباك بقى عشان عايزك في موضوع ضروري!
تساءل في قلق:
– متعرفيش عايزني في إيه!
– معرفش أنا لما حاولت أعرف منه اتعصب وقالي شغل شغل.
– حاضر يا ماما أنا هكلمه، يلا مستنيكي.. سلام.
أغلق الخط ثم عاد ليتصل بوالده فأجابه:
– أيوة يا سليم.
– أيوة يا بابا حضرتك كنت عايزني؟
ترك المنشاوي ما بيده من أعمال ثم قال في ضيق:
– آه صحيح.. الواحد من كتر الشغل اللي على دماغه مبقاش عارف يركز، المهم معلش يا ابني أنا عايزك في خدمة مافيش حد غيرك هيقدر ينفذها لي.
تساءل سليم:
– خدمة إيه يا بابا اؤمرني.
– في طلبية بنص مليون جنيه، لازم تستلمها في ألمانيا وترجع بيها على مصر، والمبلغ ده هيكون معاك تسلمهم وتستلم منهم.. وطبعاً مبلغ بالحجم ده مقدرش آمن حد عليه غيرك.
أجاب سليم في حرج:
– ياه يا بابا ألمانيا مرة واحدة.. طيب الموضوع ده ميتأجلش شوية!
أجاب بالرفض معللاً أسبابه:
– للأسف يا ابني بقالي شهور بأجل فيها لحد ما كلموني بتهديد تسليم الطلبية لشركة تانية وأنا بصراحة مش عايز الموضوع ده يضيع مننا.. ها قولت إيه!
– حاضر يا بابا اللي حضرتك تؤمر بيه.
– كتر ألف خيرك يا ابني شيلت حمل كبير من على قلبي.. حضرلي نفسك بقى عشان بعد بكرة هتسافر.
– حاضر يا بابا.
أنهى مكالمته مع والده ثم أغلق الخط وجد خالد على الانتظار فأجابه سريعاً:
– أيوة يا دكتور خالد أنا آسف بابا كان معايا على المكالمة.
أجابه بابتسامة عريضة:
– ولا يهمك يا أبو العيال.
ضحك سليم فقال في سخرية:
– أبو عيال مين بس يا دكتور الله يهديك.
– أيوة أبو العيال، ما زهرة طلعت حامل!
شعر سليم بالسعادة تجتاح قلبه فتساءل في لهفة:
– زهرة حامل! إنت متأكد.
– أيوة طبعاً أمال هوا لعب عيال، أنا كنت شاكك وعملتلها تحليل حمل رقمي وصورة دم كاملة.. عندها أنيميا ولازم ياسليم لازم تهتم بأكلها كويس أوي.
أجاب في حماس:
– طبعاً يا دكتور حاضر، إنت رديت فيا الروح والله، حلاوتك عندي.
ضحك خالد فأجاب:
– ماشي يا سيدي ربنا يفرحكم دايماً، مش عايز مني أي حاجة.
– ألف شكر يا دكتور منتحرمش. مع السلامة.
هم ليذهب إلى غرفة زهرة استوقفه صوت الباب يدق فوقف في حيرة لثوانٍ ثم ذهب ليفتح الباب فكانت بدرية وجدته متلهف للعودة بالداخل فسألته في خوف:
– إيه يا واد مالك بتجري كده ليه.
أغلقت الباب خلفها ثم دلفت خلفه في خوف فوجدته يضحك في سعادة وينهال بالقبلات على يد زوجته التي بدأت تستفيق في هدوء، فتنهدت بدرية قائلة:
– حرام عليك يا سليم والله خضتني.
نظر لها فقال معتذراً:
– أنا آسف يا ماما والله، من حلاوة الخبر نسيت حتى أسلم عليكي.
نظرت له زهرة في تعجب بينما تساءلت بدرية:
– خبر إيه ماتفرحنا معاك.
أجاب بابتسامة عريضة:
– زهرة طلعت حامل.
قطبت زهرة حاجبيها تتساءل في تعجب:
– وانت عرفت إزاي!
أجاب في سعادة:
– من دكتور خالد، زهرة لما أغمى عليها تقريباً كان شاكك وحب يتأكد وطلع شكه في محله.
علقت بدرية:
– ألف مبروك يا حبيبتي، عقبال ما ربنا يقومك بالسلامة. أنا هروح أحضرلك أكلة سريعة مش هتأخر.
أردفت زهرة في حرج:
– لأ أنا مش حابة أتعبك.
– تعبك راحة يا حبيبتي. ثم وجهت بصرها إلى سليم متسائلة: إيه معرفتش باباك عايزك في إيه!
أماء برأسه حينما تذكر فقال:
– اه كلمته. بابا عايزني أسافر ألمانيا بعد بكرة. قال في طلبية مهمة لازم استلمها.
عقدت زهرة حاجبيها قائلة:
– ألمانيا..! وهتسيبني لوحدي.
أمسك سليم بيدها:
– مش هتأخر يا حبيبتي، هخلص الشغل ده وارجع على طول. أوعدك إنها تكون آخر مرة.
حدقت به زهرة طويلاً قائلة:
– أنا قلبي مش متطمن للسفرية دي.
هتف سليم محاولاً إقناعها:
– معلش ادعيلي بس تكمل على خير وبعد كده هنشوف حد نستأمنه على الطلبيات دي يقوم بيها هو. خلاص؟!
أومأت في عدم اقتناع:
– ماشي يا سليم.
– تمام وفي الوقت ده هتروحي الفيلا مع ماما، مش هسيبك لوحدك، وأنا لما أرجع هعدي عليكي ونروح على شقتنا.
أجابت في تعب:
– إن شاء الله.
***
مر اليوم السابق للسفر وفي صباح اليوم التالي بدأ سليم يقوم بالاستعداد لهذا السفر وقد أحضر من والده حقيبة الأموال. قام بتوصيل زهرة إلى الفيلا وقبل أن يغادر أمسكت بيده بقوة قائلة:
– ربنا يرجعك ليا بالسلامة. خلي بالك من نفسك كويس أوي، ماشي؟
احتضنها سليم ثم قبل رأسها في حب فقال:
– حاضر، وانتي خلي بالك من ابننا أو بنتنا اللي في بطنك لحد ما أرجعلك.
أومأت وهي تحدق به وقد تلألأ الدمع في عينيها خوفاً ألا تخسره هو الآخر قائلة:
– حاضر. أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
ودعها سليم ثم غادر.
جاءت بدرية من خلفها تربت على كتفها في حنان قائلة:
– متقلقيش عليه يا حبيبتي مش أول مرة يسافر يستلم طلبيات للشغل، كلها بكرة بالكتير أوي ويكون هنا.
عادت معها إلى الداخل وبدأت تهتم بها بدرية على أكمل وجه. مر اليوم وفي صباح اليوم التالي أجرى المنشاوي اتصالاً بـ سليم أجابه:
– أيوة يا بابا.
– ها يا سليم طمني استلمت منهم؟
أجاب في سعادة:
– آه يا حبيبي استلمت والحاجة معايا، هشوف أول طيارة راجعة مصر وهاجي إن شاء الله.
تنهد المنشاوي في راحة فقال:
– طيب يا حبيبي ترجع بألف سلامة. كنت عارف إنك قدها.
ابتسم سليم في ثقة:
– عيب عليك، ذاك الشبل من ذاك الأسد.
هقهق المنشاوي في فخر فاردف:
– ماشي يا أسد. يلا مستنيك، سلام.
أغلق المنشاوي الخط وبعدما أنهى عمله غادر عائداً إلى الفيلا. ولم يأت سليم.
حاول الاتصال به مراراً وتكراراً بلا جدوى، حتى تم إغلاق هاتفه.
انتهى اليوم بدون عودة سليم وحتى صباح اليوم التالي أجرى المنشاوي اتصالاً بتلك الشركة التي أرسل سليم إليها، فلما سألهم عنه أجابوه بأنه استلم الطلبية ثم غادر وقد أخلوا مسؤوليتهم من الأمر.
وفي مساء هذا اليوم ذهبت بدرية حيثُ المنشاوي القابع في مكتبه بالساعات ولا يخرج منه. أطرقت على الباب فنطق المنشاوي في ضعف وتعب:
– ادخل.
دلفت بدرية وقد بدا على وجهها الوجوم تتساءل:
– إيه يا منشاوي مالك كده؟ مش متعودة أشوفك قاعد في المكتب كتير على الحال ده.
تأفف وهو يجيب في ضيق:
– بشتغل يا بدرية بشتغل!
تساءلت في خوف وهي تفرك يدها في توتر:
– طيب سليم فين؟ مش كان مفروض يجي امبارح!
نظر لها المنشاوي وهو يجول ببصره في الأرجاء ولا يعلم بما يجيب أو ما يفعل!
عادت تتحدث من جديد بخوف أكبر:
– أنا سكوتك ده بيخوفني بزيادة يا منشاوي. سليم فين!
أخفض بصره فهتف في غضب وتوتر:
– أنا.. أنا مش عارف. كلمتهم قالولي أنه استلم ومشي. هوا بنفسه كلمني وقالي إنه استلم منهم وراجع على أول طيارة إزاي مرجعش! إزاي أنا مش عارف.
هتفت بدرية في غضب:
– يعني إيه مش عارف! يعني خلاص كده! ابني مختفي وفي بلد تانية ومش عارفين نوصله وتقولي مش عارف؟! أنا عايزة ابني!!
أجاب في نبرة أعلى من الغضب:
– هوا إيه اللي ابني ابني هوا ابنك لوحدك! وبعدين أنا مش في إيدي حاجة أعملها غير إني أبلغ السلطات في ألمانيا وأديهم بياناته وأي حد يعرف حاجة عنه يكلمني. أو هضطر أسافرله أدور عليه في المستشفيات والأقسام. أنا دماغي هتتشل مش عارف أفكر. وانتي بتشوشري عليا وعلى تفكيري!
أجابت من وسط دموعها:
– أنا أم يا منشاوي عارف يعني إيه أم ابنها يختفي كده فجأة وفي بلد تانية ولا عارفة توصله حتى!
اشتعلت النيران في قلب المنشاوي قهراً وغضباً فهب واقفاً وقال:
– يووه يا بدرية أنا سايبهالك وماشي.
قالها ثم غادر فألقت بدرية بجسدها على الأريكة واضعة وجهها بين كفيها تبكي قهراً وحزناً على ضياع وحيدها.
***
دلفت زهرة إلى غرفتها سريعاً حينما سمعت بخطوات المنشاوي تقترب. كانت مارة بجانب المكتب واستطاعت أن تسمع ما يدور بين بدرية والمنشاوي بشأن سليم. اعتلت أنفاسها في خوف وتوتر فما كان منها إلا أن توضأت ووضعت سجادة الصلاة تتوسل إلى الله أن يعيد إليها زوجها سالم من كل شر في أقرب وقت.
***
مرت تسعة أشهر دون ظهور سليم حتى بعد محاولات المنشاوي في العثور عليه في ألمانيا. بقى طيلة هذه المدة يعيش على أمل أن يراه ولو لمرة، أن يعرف أهل مازال على قيد الحياة أو.. توفاه الله.
حتى ذلك اليوم الذي اشتد فيه الألم على زهرة فعلمت بدرية حينها أن زهرة ستلد قطعة من ابنها فقيدها. كان المنشاوي في الشركة يزاول عمله، لم يكن على تلك الهيئة التي اعتاد أن يبقى عليها، طالت لحيته وذبلت عيناه وبهتت بشرته من حزنه على سليم. وجد اتصالاً من بدرية تخبره بأن زهرة ستلد وتتألم بشدة فأخبرها في لهفة وقليل من السعادة بأنه سيأتي على الفور.
اجتمع أفراد العائلة حول زهرة في المشفى يطمئنون عليها فكانت بجانبها بدرية وكذلك سماح وفريدة تحمل طفلها على يدها. أما المنشاوي وكريم كانوا ينتظرون خارج الغرفة.
وضعت الممرضة الطفلة بين أحضان والدتها أخذت تنظر لها زهرة وهي تبكي، كان شعور الحزن والضيق يسيطر على مشاعر الجميع بسبب تغيب سليم الذي عاشوا جميعهم في انتظار خبر الحصول عليه بعد كل هذه المدة.
جلست سماح تنظر إلى زهرة في حنق وكره شديدين، مالت على فريدة قائلة بصوت خافت يكاد يسمعه من حولهم:
– قدمها عليه نحس حتى بدل ما تجيبله حتت عيل يشيل اسمه جايباله بنت. كويس إنه مكنش من نصيبك وإلا كان زمانك مكانها كده لوحدك.
نكزتها فريدة بينما رمقتها زهرة في نظرة نارية تكاد تحرقها، أشارت لها بدرية قبل أن تنطق بأن تبقى هادئة ثم قامت وأخذت سماح من يدها خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
اقتربت فريدة مكان بدرية ثم مسحت بيدها تلك العبرة الحارة الهاربة من عيني زهرة قائلة باعتذار:
– أنا آسفة بالنيابة عنها. وأسفة على كل حاجة وحشة إنتي عايشة فيها دلوقتي. إن شاء الله هتقومي بالسلامة وتربيها أحسن تربية وسليم يرجعلك بالسلامة.
هكذا قالت وهي ممسكة بيدها، شدت زهرة على يدها بامتنان تتمنى لو أن يحدث ما قالته فريدة بالحرف، تنهدت ثم هتفت قائلة:
– مفيش حاجة خلاص.
أصرت زهرة بعد ذلك على العودة إلى شقتها فبقيت معها بدرية لمدة أسبوع. واستمرت زهرة في تلك الشقة ترعى فتاتها وتهتم بها ودراستها وتعمل بمجالها. بعد فترة بسيطة أحضر لها المنشاوي الخادمة هنية لتبقى إلى جانبهم.
***
عودة إلى الواقع
زهرة:
– بس ياستي ومن وقتها وإحنا عايشين على أمل يكون سليم لسة عايش ويرجع ينور حياتنا من تاني بحنيته وروحه الحلوة وشخصيته.
هايا:
– بس تفتكري يا ماما يوم ما بابا يرجع تاني إذا كان لسة عايش، إن شاء الله يعني. هيكون هوا نفسه اللي شوفتيه اخر مرة قبل ما يمشي بشكله وروحه وضحكته وكل حاجة فيه! تفتكري لو شوفتيه تاني هتعرفيه؟
تنهدت زهرة في اشتياق قائلة:
– والله يا هايا لو من وسط مليون بني آدم وشكله مختلف تماماً هعرفه.
أماءت هايا قائلة:
– طيب أنا هروح أعمل نيسكافيه أعملك معايا؟!
أجابت في شرود ووجوم:
– لا قولي لهنية تعملي القهوة بتاعتي.
أجابتها:
– لأ أنا هعملك عشان هنية روحت وهترجع بكرة.
هكذا قالت ثم غادرت وأغلقت الباب خلفها فقامت زهرة متوجهة صوب خزانة ملابسها وأخرجت صندوقاً وفتحته وأخذت تقلب بين محتوياته. تلك الصور التي كانت تجمع بينهم وذكريات بقيت عليها لسنين من الاشتياق، مرسومة على كل منهما أثر الدموع التي كانت تتساقط منها شوقاً لذلك المبتسم فيها، مضيفة عليها عبرات حارة جديدة من الاشتياق والعشق.
وقفت تتأمل في تلك اللوحة المعلقة التي رسمها لها الرسام الفرنسي في رحلتها مع سليم حتى استفاقت من شرودها على طرقات عنيفة على باب الشقة أثارت الخوف والفزع في نفس كلاً من زهرة وهايا.
ذهبت زهرة مسرعة إلى الباب وسبقتها هايا فتساءلت زهرة:
– هوا في إيه مين اللي بيخبط كده!
فتحت هايا فوجدت المنشاوي وخلفه بدرية.
دلف المنشاوي في لهفة وأخذ هايا بين أحضانه في سعادة ثم نظر إلى زهرة قائلاً:
– لقينا سليم. سليم عايش يا زهرة، سليم عايش.
اتسعت حدقتا عيني زهرة في عدم تصديق واعتلت أنفاسها في قلق وخوف ألا يكون ما تسمعه ليس حق فتساءلت:
– سليم! لقيتوا سليم! طب إزاي وهوا فين دلوقتي. طب إنت متأكد؟
تقدمت منها بدرية واحتضنتها في سعادة قائلة:
– أيوة يا حبيبتي عمك المنشاوي جتله إخبارية، وعرفنا إنه بعد ما استلم الطلبية حصلت معاه حادثة فقد فيها وعيه واللي خبطه مشي وسابه، وعلى ما قدروا ينقلوه للمستشفى كانت كل حاجة بتاعته اتسرقت، حتى الطلبية اللي كانت معاه.
علق المنشاوي قائلاً:
– إحنا شاكين إن اللي حصل معاه كله مدبر من الشركة اللي كان بيستلم منها الطلبية.
أجابت على تعليقة بدرية:
– بالظبط كده. وللأسف بسبب الحادثة دي كان فاقد الذاكرة بالكامل ودا عرفوه بعد ما استعاد وعيه. حتى مكانوش قادرين يحددوا هويته ولا اسمه ولا أي حاجة عنه. طول الفترة دي وهوا بيتلقى علاج يساعده يستعيد ذاكرته. فـ طبعاً حاول يعيش حياته واستقر هناك.
هتف المنشاوي بنبرة متهدجة تهدد بالبكاء قائلاً:
– يشاء ربك الكريم إن تحصله حادثة تانية يتخبط فيها راسه ويستعيد ذاكرته تاني ويقدر يقولهم على هويته ولما تطابقت المواصفات اللي قالها مع البيانات اللي أنا مبلغ بيها كلموني إنهم لقوه تاني وأنا مبقتش مصدق نفسي. وجيتلك على هنا مع بدرية عشان تجهزوا وناخد أول طيارة على ألمانيا نروحله!
خرت زهرة على الأرض ساجدة تكتم شهقاتها وتبكي في سعادة وتشكر الله وتتمنى أن يكتمل الأمر على خير وأن ترى زوجها مرة أخرى.
جثت بدرية على ركبتيها تتلألأ الدموع في عينيها تحاول أن تجعلها تنهض وتربت عليها في حنان بينما هتفت هايا تتساءل:
– يعني هوا دلوقتي في المستشفى بيتعالج من أثر الحادثة دي!
أومأ المنشاوي في إيجاب فقال:
– بالظبط كده، يلا أنا مستنيكم هنا. معاد الطيارة التانية بعد ساعتين.
أخبرت هايا أحمد بما حدث فصمم أن يسافر معهم ليشهد هذا اللقاء الأول بين خطيبته ووالدها بعد فراق دام لأكثر من عشرين سنة.
***
سافر المنشاوي بصحبة زوجته وزوجة ابنه وحفيدته وخطيبها إلى ألمانيا واستطاع على الوصف أن يصل إلى تلك المشفى وتحديداً إلى الغرفة القابع بداخلها وحيده وقرة عينه.
سمح لهم الطبيب بالدخول فدلفوا في لهفة واشتياق. بمجرد أن سقطت عيني المنشاوي وبدرية على وحيدهم أخذوه بين أحضانهم في لهفة وبكاء.
بقيت زهرة واقفة تنظر إليه غير قادرة على استيعاب الأمر أو تصديق ما تراه بعينيها، أخيراً اجتمعت بمن عاشت تحلم بلقائه ورؤيته مرة أخرى! أخيراً استقرت عيناها وهدأ نبض قلبها بمن عاشت لسنين على ذكراه وقرت عينها به! أخذت تحدق في ملامحه المتغيرة لكنها الابتسامة نفسها والعين نفسها والنظرة الدافئة التي تحمل بداخلها شوق وعشق وحنين!
كان يحدق النظر بها هو الآخر. وبنبرة تميل إلى الإرهاق البادي على تقاسيمه أردفت:
– إنت مش عارف أنا تعبت قد إيه ودعيت قد إيه وبكيت قد إيه عشان أقدر أوصل للحظة دي!
ابتعد عنه المنشاوي برفق وكذلك بدرية ففتح ذراعيه إلى زهرة فتوجهت صوبه في لهفة وشوق وألقت بجسدها بين أحضانه وهي تبكي ويربت على كتفيها ويردد بشوق:
– وحشتيني!
بنبرة حنونة أجابت:
– وإنت كمان وحشتني أوي أوي يا سليم.
نظر إلى حيث تقف هايا وردد في تعجب:
– مين البنوتة الجميلة دي!
تحشرجت نبرتها من كثرة البكاء والتأثر بما ترى، حمحمت محاولةً منها لاستعادة رونقها ولكنها أجابت بنبرة مهزوزة:
– أنا هايا يا بابا.
هتف أحمد في نبرة تعبر عن مدى التأثر والإشفاق على حالة خطيبته ووالديها قائلاً:
– ألف حمد الله على سلامة حضرتك. أعرف حضرتك بنفسي، أنا أحمد. خطيب هايا أول ما عرفت باللي حصل أصررت أجي معاهم وأتطمن على حضرتك بنفسي.
تنفس سليم الصعداء حين نظر يتأملهم بجانب بعضهم البعض فقال:
– إنتوا حلوين أوي يا ولاد ولايقين على بعض جداً. ربنا يبارك فيكم، أوعدكم إني هعملكم فرح كبير تحلف به كل البلد.
اقتربت منه هايا تحتضنه قائلة:
– يعني حضرتك مش زعلان مني يا بابا إني اتخطبت وانت مش موجود؟
أومأ برأسه يمنة ويسرة فقال:
– لأ يا حبيبتي مش زعلان، بالعكس أنا فرحان بيكي ومقهور على كل يوم عدى من عمرك ومكنتش جنبك فيه. سامحيني يا ابنتي. أنا هعوضك عن كل حاجة.
هتف المنشاوي في توتر فقال:
– مش مهم، مش مهم خالص الكلام ده يا سليم، أهم حاجة إن ربنا كتبلكم تتجمعوا ببعض من تاني. وبعدين دي الأستاذة هايا المحامية خطيبة المهندس أحمد، عايز إيه تاني.
نظرت بدرية إلى زهرة في امتنان قائلة:
– بصراحة زهرة كانت معاها بدور الأم والأب مع بعض وفضلت طول السنين دي عايشة على أمل اليوم ده، واهو آخرة الصبر جبر.
***
بعد مرور أسبوع قرر سليم العودة إلى بلاده فكان وقتاً كافياً لأن يتعافى من أثر الجروح والكدمات التي تسبب بها هذا الحادث. وبدلاً من أن يحصل على تعويض من السائق قدم له المنشاوي الكثير من المال وأخبره بأنه كان السبب في عودة ابنه إلى أحضانهم من جديد فكانت هي تلك الضرة النافعة التي عاش مقتنع بها في كل أمر سيء يمر عليه طيلة حياته.
اجتمعت العائلة بأكملها في فيلا المنشاوي. حين أقام حفل استقبال كبير دعا فيه الجميع وقام بذبح الكثير من الذبائح وتوزيعهم على الفقراء فرحاً بعودة وحيدهم وشكراً لله على هذا الجمع السعيد.
وفي النهاية عاد سليم بزوجته التي بقيت لشهور غير مصدقة أن سليم أخيراً عاد إلى أحضانها من جديد، وكذلك ابنتهم. حتى وفى بوعده لها وأقام لها حفل زفاف لا مثيل له في الفخامة والرقي. وحين عادوا إلى بيتهم في سعادة بعد أن أوصلوا صغيرتهم إلى بيتها استقر سليم بجانب زوجته في سعادة فاردف قائلاً:
– إيه رأيك في رحلة لـ باريس..!