تحميل رواية «زهرة» PDF
بقلم ندي أشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المساكن الفخمة حيث تقف في شرفة غرفتها شاردة الذهن، تتذكر ما حدث لها في ماضيها المؤلم، تتذكر وتبكي بحرقة، مستقبلة النسيم البارد الذي يهب عليها مواسيًا، شعرها المتطاير أثر ذلك النسيم مداعبًا وجنتيها. تتذكر ماضيها المؤلم مع والديها... *** دلفت إلى غرفة والدتها (سنية) التي تقطن في منزل بسيط وأسرة بسيطة، لكنهم يعيشون بسعادة ورضى تملأ قلوبهم: ماما ماما أنا نجحت يا ماما.. نظرت لها سنية غير مصدقة إلى ما تسمع فقالت: أنت بتقولي إيه! قولي كدا تاني. أجابت بابتسامة عريضة: أنا نجحت يا ماما والله نجحت،...
رواية زهرة الفصل الأول 1 - بقلم ندي أشرف
في إحدى المساكن الفخمة حيث تقف زهرة في شرفة غرفتها شاردة الذهن، تتذكر ما حدث لها في ماضيها المؤلم، تتذكر وتبكي بحرقة، مستقبلة النسيم البارد الذي يهب عليها مواسيًا، شعرها المتطاير أثر ذلك النسيم مداعبًا وجنتيها. تتذكر ماضيها المؤلم مع والديها...
***
دلفت زهرة إلى غرفة والدتها (سنية) التي تقطن في منزل بسيط وأسرة بسيطة، لكنهم يعيشون بسعادة ورضى تملأ قلوبهم:
ماما ماما أنا نجحت يا ماما..
نظرت لها سنية غير مصدقة إلى ما تسمع فقالت:
أنت بتقولي إيه! قولي كدا تاني.
أجابت زهرة بابتسامة عريضة:
أنا نجحت يا ماما والله نجحت، جبت المجموع اللي كان نفسي فيه وهدخل كلية الطب!
أطلقت سنية العنان للزغرودة التي ملأت أرجاء المنزل لتعبر عن فرحة طالما انتظرت حدوثها.
سمع عبد الحميد أصوات الزغاريد فدلف إليهم متعجبًا فتساءل بتعب:
خير يا سنية، إيه أصوات الزغاريد دي.. في إيه؟
أجابت سنية بفرحة:
زهرة نجحت يا عبد الحميد وهتبقى دكتورة قد الدنيا..
لمعت عيني عبد الحميد فرحًا لتحقق حلم طال انتظاره فقال:
أما أنت كريم يا رب، اللهم لك الحمد...
فاستطرد قوله قائلًا:
أنا كمان عندي ليكم مفاجأة..
أجابت زهرة بشغف:
قول يا بابا فرحنا..
كذلك سنية التي هتفت بتسرع:
ما تقول يا عبده كمل فرحتنا..
أجاب:
المنشاوي بيه كان وعدني إنه هيديني مفتاح الشاليه بتاعهم نقضي كام يوم هناك، والنهاردة بعتلي ولما روحتله إداني المفاتيح وقالي إجازة أسبوع واعتبريها حلاوة نجاحك يا زهرة مش كان نفسك تروحي مصيف من زمان؟
أجابت زهرة بسعادة:
ربنا يخليك لينا يا بابا ويخلي لنا المنشاوي بيه..
ثم هتفت في نفسها:
مش لو كنا في مستوى أحسن من كده ما كناش احتاجنا لحاجة من حد غريب، يلا الحمد لله على كل حال وكتر ألف خيره..
تساءلت سنية:
إيه يا زهرة روحتي فين سرحانة في إيه، فرحانة طبعًا مش كده؟
أجابت زهرة:
هاه..! آه طبعًا فرحانة، فرحانة جدًا كمان..
ردت سنية برضى:
ربنا يفرحه زي ما فرحنا، والله يا عبده منشاوي بيه ده جمايله كترت علينا أوي.
***
"منشاوي بيه" صاحب أكبر شركات أدوية في مصر.
زوجته "بدرية هانم" لديهم ابن وحيد "سليم المنشاوي".
شاب أنيق وغني، انطوائي، هادئ، متواضع ولا يهتم للطبقات الاجتماعية كوالده، أما والدته بدرية فتهتم كثيرًا باختلاف الطبقات والمستوى الاجتماعي لكل شخص.
له نفس المرحلة العمرية والدراسية لزهرة، كما وأنه مقبل على كلية الطب بعد أن اجتاز المرحلة الثانوية بتفوق.
أما زهرة فهي فتاة جميلة قلبًا وقالبًا، اسم على مسمى، كالزهرة تتميز ببشرتها الخمرية وعيونها الخضراء ذات الرسمة الجميلة المسحوبة للخلف. جذابة وتجذب كل من ينظر إليها. شعرها الأسود الطويل الناعم الذي يحسدها عليه الكثيرات. ووجهها الدائري وشفتيها التي تشبه حبة الفراولة. جميلة وكل من ينظر لها لا يمل منها أبدًا، أعطاها الله الجمال والخفة ورجاحة العقل والحكمة رغم قلة المال، مما زاد من تعبها في الحياة.
***
انتهى عبد الحميد من حديثه مع زوجته وابنته العزيزة فدلف إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة وهو في قمة سعادته بعد يوم عمل شاق، وبعد مرور ساعات كثيرة هتفت سنية في زهرة بعد إعدادها لطعام الغداء:
يلا يا زهرة ادخلي صحي باباكي عشان نتغدى أنا خلاص خلصت، الغدا جاهز..
ردت بهدوء:
حاضر يا ماما هاروح أصحيه..
أطرقت زهرة عدة طرقات على باب غرفة والدها قبل الدخول فلم يجب فدلفت قائلة بهدوء:
بابا..! يلا يا حبيبي إصحى ماما خلصت الغدا.. تعالى اتغدى معانا وابقى نام تاني..
استفاق الأب من غفوته نظر لوجهها الجميل فقال:
أنا تعبان يا بنتي مش قادر أقوم، سيبيني أنام ولما أصحى إذا أذن لي ربنا هبقى آكل..
لم ترضى زهرة بما قال فأجابت معترضة:
لأ مش هاينفع النهاردة بالذات بقى لازم تيجي تاكل معانا، وبعدين أنا ما شبعتش منك طول الوقت كنت بذاكر وأنت في شغلك ومش بشوفك كتير.. يلا يا بابا بقى عشان خاطري قوم.
أجاب بتعب وهو يحاول النهوض:
خلاص يا بنتي قايم أهو، روحي أنت وأنا جاي وراكي..
أجابت:
حاضر..
ثم همت ذاهبة، أعطت له ظهرها وقبل أن تغادر الغرفة سمعت صوت ارتطام رأس والدها على الأرض مغشيًا عليه.
ذهبت إليه مسرعة غير مصدقة لما حدث، ظلت تحدثه وتنادي فيه بأن ينهض ولكنه لا يجيب عليها. حتى صرخت في أمها تناديها:
ماما يا ماما الحقي بابا وقع على الأرض ومش بيرد عليا تعالي يا ماما بسرعة..
سمعت سنية صوت زهرة وهي تصرخ بخوف فذهبت إليها مسرعة ولكن صدمت من المنظر فجثت على ركبتيها تحتضن زوجها قائلة:
عبده رد عليا يا عبده فيك إيه؟.. أوعى تتخلى عننا ما لناش غيرك في الدنيا أرجوك قوم، رد عليا..
هتفت زهرة من وسط دموعها قائلة في خوف:
يا ماما اتصلي بالدكتور بسرعة عشان نتطمن عليه بالله عليكي..
حاولن إسناده وإعادته إلى سريره، ثم اتصلت سنية بالطبيب وجلسن ينتظرنه وعبد الحميد على نفس الحال.
جبهته باردة وكذلك كلتا يديه، ساكنًا لا يتحرك..
قطع الصمت والنحيب قدوم الطبيب فقصت عليه زهرة ما حدث فقال:
طيب هو فين خلوني أدخله بسرعة..
دلف الطبيب إلى غرفة عبد الحميد وبدأ في الكشف عن حالته وبدأت تظهر عليه علامات مثيرة للقلق فتساءلت سنية في خوف:
خير يا دكتور طمني.. هو ماله مش بيرد علينا ليه..
أجابهم في أسى:
إحنا لازم ننقله للعناية المركزة حالته خطيرة يمكن في أمل في حياته، هو للأسف بين الحياة والموت ولازم نتصرف بسرعة..
كان وقع الكلمات على سنية كالصاعقة شعرت وأنها فقدت زوجها وحبيبها وسندها الوحيد بالحياة فسقطت مغشيًا عليها هي الأخرى.
***
*عودة إلى الواقع*
استفاقت زهرة من شرودها على صوت "هنية" المساعدة في شؤون المنزل:
اتفضلي يا زهرة هانم القهوة بتاعت حضرتك.
مدت يدها قائلة:
والله جت في وقتها يا هنية، تسلم إيدك..
قوليلي هي هايا بتعمل إيه دلوقتي؟
أجابت:
بنت حضرتك في أوضتها بتذاكر طلبت مني نسكافيه ورايحة أحضرهولها.. حضرتك تؤمريني بحاجة تاني؟
لأ تسلمي يا هنية اتفضلي أنت.
***
في غرفة هايا.. تجلس خلف المكتب فتاة لا تختلف كثيرًا عن جمال والدتها بل وتفوقها جمالًا وذكاءً.
تحمل بين يديها العديد من المذكرات.
هايا:
يا الله أنا تعبت إيه كل المذاكرة اللي ما بتخلصش دي، دائن إيه ومدين إيه أنا مش فاهمة أي حاجة!
دلفت عليها هنية تحمل بين يديها النسكافيه:
مالك بس يا ست البنات بتكلمي نفسك ليه..!
أجابت بنفاذ صبر:
تعبت والله يا هنية من المذاكرة وسنينها.. أنا كان إيه اللي خلاني أدخل حقوق بس يا ربي.
وضعت المج أمامها ثم أجابت:
أنت بتقولي إيه بس.. ده بكرة تنجحي وتتخرجي وتبقي أكبر وأحلى محامية في الدنيا.
ابتسمت لها ثم قالت:
تسلميلي وتسلم إيدك على النسكافيه..
ردت:
بألف هنا يا هايا هانم، يلا أستأذن أنا أسيبك تكملي مذاكرتك بقى وشوية كده أكون حضرت العشا واهو بالمرة تاخدي وقت ترتاحي فيه، وكمان تقعدي مع مامتك بدل ما هي على طول قاعدة لوحدها سرحانة وبتفكر كده.
ردت بحنان:
آه والله يا هنية معاكي حق، مش بلحق أشبع منها خالص بسبب المذاكرة.. خلاص اتفضلي أنت وأنا هستناكي.
***
في غرفة زهرة عادت تستغرق وقتًا أكثر في التفكير بماضيها وهي تستمتع بمذاق القهوة التي اعتادت على امتزاج طعم الماضي بمرارتها فيطفئ نار الاشتياق لكل تفاصيله التي تمنت لو تعيشها ليوم واحد فترى أحباءها الذين فقدتهم منذ زمن بعيد...
***
في الماضي
فتحت سنية عينيها بألم، كانت الرؤية لديها مشوشة قليلًا.. وضعت يدها على رأسها تدلكها قائلة:
أنا كنت بحلم!
كانت تشعر بنفسها على فراشها نائمة ثم حاولت الاعتدال في جلستها، اعتدلت بصعوبة وتعب، الرؤية وضحت، أخذت تمرر ناظريها من حولها تتفحص المكان فوجدت أنها ليست بغرفتها.. ما هذا المكان؟!
بدأت تشعر بالألم في رأسها في حين أن عقلها بدأ في استرجاع ما حدث وأنه واقع وليس حلم كما تمنت..
وها قد استنتج عقلها أين هي وفي آن واحد تقابلت عينيها بتلك العينين الضعيفة الخائفة التي تحدق بها وقد امتلأت بالدموع.. نظرت لها سنية على هذا الحال فأغمضت عينيها بألم ورجاء قائلة في نفسها لا يا إلهي لا تأخذه مني أرجوك.. هل مات عبد الحميد؟!
فتحت عيناها على صوت زهرة تبكي بحرقة قائلة:
بابا مات يا ماما.. بابا مات قبل ما يلحق يفرح بيا وبنجاحي..
ازداد نبض قلبها في خوف وفزع فقالت بجمود يأبى الانهيار:
لا مستحيل، أنت أكيد بتهزري..
بتختبري حبي ليه صح؟ قولي إن باباكي عايش وأنت بتكذبي عليا يا زهرة ما تعمليش فيا كدة يا بنتي حرام عليكي..
اقتربت منها زهرة في ألم واحتضنتها قائلة من وسط دموعها:
للأسف يا ماما ده اللي حصل.. بابا مات وسابنا لوحدنا في الدنيا وما لحقش يفرح بيا، ما لحقتش أتهنى بيه ولا أشبع منه..
بعد وقت من النحيب والبكاء انتبهت زهرة على صوت والدتها تقول في حزم:
اتصلي بالمنشاوي بيه خليه يجي حالًا..
أومأت زهرة إيجابًا في صمت ثم أخرجت هاتفها، مسحت عن وجنتيها الدموع حاولت النظر به لكن تجمع الدموع بعينيها جعل رؤيتها مشوشة، أمسكت منديلًا وما تركت للدموع أثرًا بعينيها ثم اتصلت على رقم الشركة تحاول الوصول إليه فأجابتها السكرتيرة:
السلام عليكم.
وعليكم السلام ممكن توصّليني بالمنشاوي بيه لو سمحتي.
حاضر يا فندم بس أقوله مين؟
قوليله زهرة بنت عبد الحميد، وقوليله إني عايزاه ضروري..
بعد قليل كان المنشاوي معها على المكالمة قائلًا:
أهلًا يا زهرة.. إزيك؟..
خير في حاجة يا بنتي؟
هتفت بصوت متهدج:
- أنا مش كويسة خالص يا منشاوي بيه.. بابا اتوفى من شوية وماما تعبانة ومحتاجين حضرتك جنبنا في الظروف دي، أنت عارف إن ملناش لا أهل ولا صاحب في الدنيا غير حضرتك..
اقشعر بدنه لما سمع وحزن بشدة فأجاب بأسى:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله يا بنتي، طيب قوليلي العنوان فين بالظبط وأنا جايلك حالًا..
أخبرته بالعنوان فقال:
- مسافة السكة وأكون عندك بإذن الله.. مع السلامة.
ترك كل ما بيده من أعمال مغادرًا، فلمحه ابنه سليم فقال:
- بابا، رايح فين كدة مستعجل خير!
تساءل المنشاوي:
- أنت خلصت شغلك؟
أجاب:
- آه لسة مخلص حالًا، خير في إيه بس..
لم يُجِب لكنه سحبه من يده قائلًا:
- تعالى معايا وهفهمك في العربية..
بعد أن أغلقت زهرة الخط عادت إلى والدتها تطمئن عليها..
وما إن رأتها سنية قالت في لهفة:
- زهرة.. أنا عايزة أشوف عبدالحميد وديني ليه أشوفه..
***
بعد وقت قليل كان المنشاوي بيه قد وصل بصحبة ابنه سليم إلى المستشفى وطلب مقابلة الدكتور خالد الذي قام بنقله إلى المستشفى، وصل إلى مكتبه ثم أذِن له دكتور خالد بالدخول بعد أن طرق على الباب مرحبًا به، ثم فهم منه أنه أقرب أصدقاء عبد الحميد ويريد معرفة ما حدث له وما سبب الموت..
دكتور خالد:
- أنا آسف بس أستاذ عبدالحميد كان واصل تعبان جدًا وأمله في الحياة ضعيف حاولنا معاه لكن كان خلاص وقف نبض قلبه..
صمت قليلًا فاستطرد قوله:
- ما تنساش إنه كان عامل عملية قلب مفتوح لما جتله جلطة فالقلب من فترة، قلبه ما كانش سليم ومش بيستحمل أي انفعالات، الله أعلم إيه حصل معاه وصله لكده لكن دي نهاية حتمية، هو حالته كانت صعبة جدًا.. البقاء لله يا منشاوي بيه.
ظل المنشاوي صامتًا وكذلك سليم الذي ظل يتمتم في نفسه "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له وارحمه واربط على قلب أهله"
قطع الصمت صوت منشاوي يُجيب:
- ونعم بالله، متشكر لحضرتك يا دكتور، شوف إجراءات الدفن وأنا معاك في كل حاجة..
رواية زهرة الفصل الثاني 2 - بقلم ندي أشرف
نزل خبر الوفاة كالصاعقة على منشاوي بيه. لم يكن مصدقًا لما قيل له لكنه تيقن بعد ما قاله الطبيب. ذهب في تجهم وهو يردد في نفسه:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. كان لسة معايا الصبح بيكلمني وكان كويس. كان فرحان بالإجازة وناوي يقضي وقت حلو مع أسرته. ربنا يرحمك يا عبد الحميد ويصبر زوجتك وبنتك على فراقك".
نظر سليم في وجه أبيه الشاحب والحزين فقال:
- بابا، أنت كويس؟
أجاب في تعب:
- أنا بخير يا حبيبي ما فيش حاجة. أنا بس شاغلني زهرة بنت عبد الحميد. البنت لسة صغيرة وملحقتش تتهنى على أبوها واتوفى. أكيد الخبر مش هيكون هين عليها.
فكر قليلًا ثم أجاب:
- ربنا يصبرها ويقويها. ربنا معاها أهم من كل شيء في الدنيا.
صمت لثوانٍ ثم قال:
- ونعم بالله. طيب روح أنت اتطمن عليهم، كانت بتقول مامتها تعبانة برضه وشوف لو محتاجين أي حاجة. وأنا هاروح أخلص إجراءات الدفن وأدفع مصاريف المستشفى. أهو نكسب وقت ونريحه. إكرام الميت دفنه.
أجاب:
- حاضر يا بابا ما تقلقش، روح أنت وربنا معاك.
ذهب كلٌ منهما إلى وجهته.
وقف سليم أمام باب الغرفة، أمسك المقبض بيده ثم تنهد. شعر بالقلق والخوف يعتري قلبه فهو الآن أمام امرأة وفتاة لم يسبق له التحدث معهم من قبل وجاء ليساندهم ويقف إلى جانبهم. ترك المقبض ثم قال في نفسه "بسم الله" وبدأ يطرق على الباب بهدوء قائلًا:
- السلام عليكم..
حتى جاءه صوت ناعم حنون يجيب:
- وعليكم السلام..
فتحت له الباب لتكن أول نظرة بينهم. دائمًا ما يسمع عنها ولكنه لم يرها من قبل. كم توقع جمالها ولكن خانه خياله هذه المرة، فهي أجمل بكثير مما توقع. ظل ينظر في عينيها رغمًا عنه لا يستطيع المقاومة حتى قالت في غضب:
- أنت بتخبط على الباب عشان تقف ساكت كده؟ لو سمحت امشي إحنا فينا اللي مكفينا مش ناقصين.
ثم عادت تغلق الباب في وجهه حتى قال:
- أنا سليم المنشاوي. ممكن أدخل؟
توقفت ثم أعادت فتح الباب في حرج قائلة:
- سليم؟ ابن المنشاوي بيه! أنا.. أنا آسفة جدًا ما كنتش أعرفك والله سامحني.
تساءلت سنية من خلفها في تعب:
- مين ده يا زهرة؟
نظرت لها زهرة وقبل أن تنطق قال:
- أنا سليم يا طنط ابن المنشاوي.
دلف في هدوء وهو يقول:
- أنا آسف إني جيت على فجأة بس كنت حابب أتطمن على حضرتك وأعزيكم. البقاء لله وربنا يرحم عم عبد الحميد. والله كان ونعم الأخلاق وأطيب وأحن واحد في الشركة وفراقه صعب علينا كلنا.
شعرت سنية بغصة في قلبها، سوف يقوم بتعزيتها في زوجها الذي لم تستوعب بعد أنه توفى ولن تراه مرة أخرى. أصبحت كل الصفات التي تُقال عن المتوفي عندما تنطبق على زوجها تشعر بالصدمة من جديد كأن الخبر تجدد لتوه وأنه بالفعل قد مات.
هتفت قائلة وهي تبكي:
- ونعم بالله، ربنا يرحمه ويصبرني على فراقه.
نظر إلى زهرة فوجدها في حالة انهيار لا يُرثى لها غير قادرة على السيطرة على نفسها فهتف فيها قائلًا:
- أنا عارف إنك مؤمنة بالله يا زهرة ومش هتعترضي على قضاء ربنا وقدره. بس هسألك سؤال، ممكن؟
صمتت تنتظر منه أن يكمل حديثه فاستطرد قوله قائلًا:
- دلوقتي لو حد سلمك أمانة هتعملي إيه؟
أجابت في حزن:
- هحافظ عليها وأصونها لحد ما أرجعها له.
- طيب لو صاحب الأمانة جه وقالك أنا عايز الأمانة بتاعتي هتديهاله بنفس راضية ولا هتزعلي أو تعترضي!
أجابت في عدم فهم:
- هديهاله طبعًا أعترض ليه كل أمانة وصاحبها أولى بيها. أنت عايز تقول إيه!
- عايز أقول إن إحنا كلنا أمانة في الدنيا وكلنا لله وهيجي اليوم وربنا يسترد أمانته فينا. ربنا بيقول:
"وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ".
وضعت زهرة يدها على فمها تكتم شهقاتها وبكائها حزنًا وقهرًا على فراق والدها قائلة:
- أصل أنت مش مستوعب يعني تخيل معايا إحنا خلاص مصدقنا إني نجحت وهحقق له حلمه إنه يشوفني دكتورة. كنا لسة هنحتفل مع بعض. كنا هنقضي وقت جميل مع بعض بس فجأة مشي ومش هشوفه تاني! هعيش موجوعة عليه طول عمري وأكمل الطريق لوحدي. أنا راضية والله بس غصب عني.
لم يتحمل سليم عبراتها وكلماتها فقال:
- لا أوعي تقولي كده أنتِ مش لوحدك إحنا جنبكوا وعمرنا ما هنتخلى عنكوا. وقبل أي حاجة ربنا اللي أحسن من الدنيا بحالها معاكي وجنبك ويرعاكي. بس أرجوكي اهدي عشان والدتك ما تتعبش من شوفتك كده. هيا مش هتستقوى غير بيكي.
هدأت قليلًا وأخذت تردد:
- الحمد لله على كل حاجة.
ظل سليم بجانبهم يواسيهم ويهدئ من روعهم كأن يقول لهم أنه لن يتركهم ومن ذلك الوقت سيكون جزءًا من حياتهم.
***
هنا استفاقت مدام زهرة من شرودها على تلك اللحظة من ذاكرتها وهي تبكي بشدة وكأن والدها قد توفى الآن، فاستغفرت ربها وقامت لتتوضأ وتصلي ركعتين لله تدعو فيهما لوالدها المتوفى وزوجها الغائب منذ سنين حتى يرتاح قلبها.
ثم قررت أن لا تبكي عليه مرة أخرى وأن تستبدل مشاعر الحزن تلك بأعمال صالحة تنفعه وترفع من درجاته في جنات النعيم فهي تعلم أن البكاء لن يفيد وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
قضت تلك الليلة في الصلاة والدعاء حتى شعرت بالطمأنينة تملأ قلبها ثم نامت.
وفي صباح يوم جديد في حياة زهرة وابنتها هايا، دلفت هايا إلى غرفة والدتها لتوقظها قائلة:
- صباح الخير يا ماما، يلا يا حبيبتي اصحي كل ده نوم.
أجابت زهرة بهدوء:
- صباح الخير يا قلب ماما، هاقوم أهو حاضر. هيا الساعة كام دلوقتي؟
أجابت:
- الساعة عشرة. أنا عملتلك أجمل فطار بنفسي وحضرتلك القهوة كمان.
تعجبت زهرة ثم قالت بسعادة:
- معقولة هايا بحالها دخلت المطبخ وعملت فطار وكمان القهوة؟ أمال هنية راحت فين!
ضحكت ثم قالت:
- شوفتي بقى أنتِ غالية عندي قد إيه! هنية كانت موجودة أنا اللي كنت حابة أعمل بنفسي وخرجتها من المطبخ بالعافية.
- طب ومذاكرتك يا بنتي؟
- تعبت والله يا ماما من المذاكرة ليل نهار قلت اليوم ده أجازة شوية من المذاكرة وأشبع بقى من مامتي حبيبتي.
شعرت زهرة بالسعادة والرضا على ابنتها وحيدتها فقالت:
- ربنا ما يحرمني منك أبدًا ويرضى عنك وينجحك دائمًا يا بنتي.
- ولا منك يا أجمل أم في الدنيا، يلا قومي بقى.
ذهبت كلٌ من زهرة وابنتها لتناول وجبة الفطور معًا، ثم قطع الصمت صوت هايا تقول بتردد:
- ماما كنت عاوزة أتكلم معاكي في موضوع كده شاغلني شوية.
أجابت:
- قولي يا حبيبتي موضوع إيه اللي شاغل بالك ده.
- بصراحة كده يا ماما في عريس عاوز يجي يتقدم.
تساءلت في تعجب:
- عريس!
- أيوه يا ماما وعاوز ياخد منك ميعاد عشان يقابلك.
صمتت تفكر في الأمر ثم قالت:
- طب أنتِ فاضل كام يوم على امتحاناتك؟
- فاضل أسبوعين.
أجابت بهدوء:
- طيب تمام خلصي امتحاناتك الأول وبعدها نشوف موضوع العريس ده.
ويا ريت بلاش تشغلي بالك دلوقتي بالكلام ده، شهادتك أهم.
تعجبت هايا فقالت:
يعني ما سألتيش حتى مين العريس ده ولا عرفتي حاجة عنه!
ارتشفت زهرة رشفة من قهوتها ثم قالت بتعجب:
أنتِ متأكدة إن القهوة دي أنتِ اللي عاملاها؟!
أجابت بخوف:
إيه مالها؟ وحشة!
أنا عمري ما دوقت قهوة بالجمال ده، تسلم إيدك يا ست البنات يا قمر أنتِ.
ابتسمت هايا في سعادة:
تسلميلي يا ماما بألف هنا، بس ما رديتش عليا.
تنهدت زهرة فأجابت:
زي ما قلتلك يا هايا أنا مش عايزاكي تنشغلي بالأمور دي وأنتِ داخلة على فترة صعبة من امتحاناتك، خلصي يا حبيبتي وأوعدك هأعملك اللي أنتِ عايزاه طالما في مصلحتك، تمام كده؟
أجابت هايا بخيبة أمل:
تمام يا ماما اللي تشوفيه...
قطع حديثهم دخول هنية تلقي عليهم السلام وتتمنى لهم صباح مليء بالخيرات.
أجابت زهرة:
صباح النور يا هنية، كنتِ فين كده!
كنت عند الجيران، الصبح الست أم أحمد اللي ساكنة جنبنا تعبت قوي وجوزها كان عاوز حد يقعد معاها لحد ما يروح يجيب الدكتور ليها ولحسن حظه لقاني في وشه وأنا بأسقي الزرع في الجنينة بره، طلب مني فروحت على طول.
انقبض قلب هايا وظلت تتابع في صمت.
نطقت زهرة في حزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفي عنها أم أحمد ست طيبة جدًا وتستاهل كل خير.
تنهدت هايا براحة لهذا الرأي من والدتها على أم أحمد جارهم.
تساءلت زهرة:
طيب طمنيني هي عاملة إيه دلوقتي؟
بقت أحسن الحمد لله الدكتور كتب لها على علاج، أخذت مسكن وراحت في النوم، قمت استأذنت منهم أنا وجيت.
ربنا يجازيكِ كل خير يا هنية طيب أنا عايزاكي تعملي حسابهم معانا في الغداء النهاردة، وقبل ما نتغدى إحنا تروحي توديلهم الأكل وتيجي.
وأنا آخر النهار كده هزورها وأتطمن عليها.
ده النبي موصي على سابع جار.
أجابت كل من هايا وهنية:
عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثم قالت هنية:
حاضر من عينيا الاثنين، تؤمريني بحاجة تاني يا ست زهرة؟
لا يا هنية اتفضلي أنتِ شوفي وراكي إيه.
انتهوا من وجبة الفطور وطلبت هايا من والدتها الخروج مع صديقاتها لقضاء بعض من الوقت الممتع بعيدًا عن أجواء المذاكرة وضغط الامتحانات فوافقت في سبيل إرضاء فتاتها وتشجيعها على مذاكرة ومجهود ونتيجة أفضل.
أما هي فقد خرجت تستنشق الهواء في ساحة منزلها حيث الخضرة والأشجار والزهور الجميلة، جلست على المقعد الخشبي المتحرك وعادت تستكمل ذكريات ماضيها...
***
بعد قضاء يوم متعب وصعب عادت زهرة ووالدتها إلى المنزل بصحبة المنشاوي وابنه سليم، توجهت زهرة مباشرة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
نظرت لها سنية في صمت ثم قالت موجهة حديثها إلى منشاوي:
اتفضل يا منشاوي بيه، معلش البيت مش قد المقام.
أجاب:
ما تقوليش كده يا أم زهرة البيت عالي مقامه بناسه، أنا آسف بس أنا مضطر أمشي، البقاء لله يا أم زهرة ربنا يجعلها آخر الأحزان.
أجابت:
ونعم بالله يا أخويا معلش تعبناكم معانا.
أجاب في أسى:
ولا تعب ولا حاجة إحنا أهل، عبد الحميد كان أكثر من أخ ليا، يكفي احترامه وأخلاقه وكرم أصله، الله يرحمه يا رب، لو احتجتوا أي حاجة مهما كانت ما تتردديش ثانية واحدة إنك تكلميني.
ما أتحرمش منكم يا رب.
نطق سليم بإحراج:
أمال فين زهرة اختفت؟ حابب أتطمن عليها قبل ما نمشي.
حاضر يا ابني ثواني أندهلك عليها.
ثم هتفت تناديها:
زهرة.. يا زهرة تعالي يا بنتي كلمي سليم.. ثم انشغلت في الحديث مع المنشاوي بشأن العزاء.
خرجت زهرة من غرفتها وجهها أحمر وعيناها مكسورتين حزنًا ثم وقفت أمام سليم في صمت تنظر للأرض فاقترب منها وقال لها في هدوء:
آنسة زهرة شدي حيلك، أنا آسف إني اتعرفت عليكِ في ظروف زي دي، أوعدك إن أنا وبابا هنكون جنبكوا دايمًا، ده الكارت بتاعي تقدري تكلميني في أي وقت واعتبريني أخ صديق أي حاجة تحبيها، وبعدين إحنا من دلوقتي أهل فيا ريت ما تمانعيش.
مدت يدها تأخذ منه الكارت في صمت وبدون أي رد، فقال:
طيب إحنا ماشيين دلوقتي مش عايزة أي حاجة يا زهرة؟
أجابت في تعب وهي لا زالت تنظر للأرض:
متشكرة تعبناكم معانا.
لا لا أنا مش عايز أسمع الكلام ده نهائي، ما فيش تعب ولا حاجة.
صمتت فتفهم عدم مقدرتها على الحديث فقال في هدوء:
طيب أستأذنك أنا بقى همشي دلوقتي وإن شاء الله نتقابل تاني.
أومأت قائلة:
إن شاء الله، مع السلامة.
***
عاد المنشاوي وابنه إلى الفيلا خاصتهم، ألقى السلام على الجالسين فردت كل من بدرية هانم زوجته وأختها سماح وابنتها فريدة:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
تساءلت بدرية بتعجب:
غريبة يعني إيه اللي أخركم النهاردة كده؟
أجاب المنشاوي:
هأقولك يا بدرية بس استني أستريح شوية حتى.
أما سليم فقال:
عن إذنكم أنا طالع آخذ شاور وأرتاح.
تعجبت بدرية وأختها من الحالة التي عاد بها زوجها وابنها.
قالت فريدة ابنة سماح:
شوفتي يا خالتو ابنك، حتى ما هانش عليه يقولي إزيك.
ضحكت بدرية ثم قالت:
معلش يا حبيبتي هو بس عشان راجع تعبان لكن أكيد هيجي يقعد معاكي ويكلمك.
تعجبت سماح فقالت في غيظ:
وأنتِ مهتمة كده ليه يعني يقولك إزيك ولا ما يقولش! ما تخلي عندك كرامة شوية.
ردت بدرية:
الله! ما أنتِ عارفة فريدة من صغرها وهي بتموت في سليم ومتعلقة بيه، مش كده يا فوفا؟
احمرت وجنتاها خجلًا ثم قالت في حرج:
مش كده إيه بس يا خالتو عادي كنت عايزة أسلم عليه بس مش أكثر، يلا أنا قايمة أشرب.
ذهبت فريدة هربًا من والدتها أما بدرية فضحكت ثم قالت:
ربنا يفرحني بيهم وبنجاحهم يا رب، ثم ذهبت إلى غرفتها خلف زوجها تطمئن عليه.
رواية زهرة الفصل الثالث 3 - بقلم ندي أشرف
بعد أن عاد سليم ووالده من العمل ولم يُعطِ إلى فريدة أدنى اهتمام، أشعل ذلك النيران بقلبها. كانت تشعر بالاشتياق الشديد إليه وتود محادثته بأي شكل من الأشكال. ظنت بأنها إذا تسللت إلى غرفته سوف تتمكن من التحدث معه بدون علم من والدتها. فريدة فتاة جميلة وطائشة، تثق بنفسها زيادة عن الحد المطلوب مما يدفعها لفعل أشياء لا يجب فعلها أبدًا.
بعد أن غادرت المكان متصنعة الخجل وأنها قامت لكي تحصل على الماء، غيرت وجهتها سريعًا وتسللت إلى غرفة سليم ودخلت دون أن يشعر بها أحد وأغلقت الباب خلفها بعد أن تأكدت بأنه لم يَرها أحد كالسارقة.
استنشقت هواء الغرفة بلهفة وألقت بجسدها على سريره تحتضن وسادته وتستنشقها بحب قائلة:
- يا بخت المكان اللي تنام عليه.. يا بخت المخدة اللي بتنام بين أحضانك كل يوم.
ثم قامت فجأة وأخذت تنظر وتجول بعينيها في أرجاء الغرفة حتى وجدت كتاب مذكرات سليم على مكتبه. مدت يدها لتتفحصه وهمت لفتحه وقراءة ما فيه، وفي تلك اللحظة خرج سليم من الحمام ولم يكن مغطى من جسده سوى خصره، لا يعلم بوجودها ولكن عندما لاحظ ذلك تسائل في ذهول وغضب:
- فريدة! إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
ارتبكت وفُزِعت ثم ألقت ما بيدها خوفًا دون قصد ثم غضت بصرها عنه قائلة:
- أنا... أصل أنا..
قاطعها بغضب:
- إنتِ إيه ما تردي بتعملي إيه في أوضتي..
ثم لاحظ ما كان بين يديها وهمّ ليأخذها فوجد أنها مذكراته الشخصية فاستشاط غضبًا لذلك.
ثم صرخ بها قائلًا:
- إنتِ إزاي تدخلي أوضتي من غير استئذان وكمان بتفتشي في خصوصياتي؟ أنا آسف يعني هوا إنتِ ملاقيتيش حد يربيكي على الأصول ولا علمُوكي إن التدخل في خصوصيات الناس عيب!!
أجابت وقد بدأت في البكاء:
- أنا آسفة...
خرجت فريدة ودموعها تنهمر منها لا تعلم كيف وصلت إلى أول درجة في السلم ودون أن تشعر وقعت من أعلاه درجة تِلو الأخرى حتى اصطدمت رأسها بحافة السلم في آخره!
صرخت بألم ثم فقدت وعيها تمامًا وتركت خلفها الدماء تسيل من كل مكان.
سمعت سماح صوت ارتطام شيئًا ما وأحدهم يصرخ ثم توقف عن الصراخ فجأة فذهبت حيثُ ذلك الصوت فوجدت ابنتها ملقاة على الأرض ساكنة لا حراك فصرخت في خوف وقلق:
- بنتي.. فريدة مالك يا فريدة إلحقوني بنتي هاتروح مني..
ذهب إليها سليم سريعًا بعد أن ارتدى ملابسه وبدون تفكير حمل فريدة بين يديه وذهب إلى السيارة وخلفه خالته سماح وصاحبتهم في المشوار بدرية أما المنشاوي فقد كان نائمًا ولم يشعر بشيء مما يحدث حوله.
توجه سليم إلى أقرب مشفى حاملًا فريدة بين يديه والدماء تسيل منها فاستقبله أحد الممرضين بالترولي سريعًا قائلًا:
- إيه اللي حصلها حادثة دي ولا إيه..!
أجابه سليم:
- لأ وقعت من على السلم وهيا نازلة لو سمحت عايزين دكتور يطمنا عليها ضروري...
بعد مرور بعض من الوقت استفاقت فريدة من إغمائتها واكتشف الطبيب أن أحد ذراعيها قد كُسر إثر وقوعها عليه كما كدمات بالرأس استحقت بضع غرز تألمت لها كثيرًا لكن مرّت.
نائمة على السرير هادئة في ثبات، كان الجميع مجتمعين حولها يبدو على ملامحهم التوتر والقلق وبجانبها سماح تبكي وتتحدث إليها:
- مالك يا بنتي طمنيني عليكي حصلك إيه وإيه اللي وقعك كده يا فريدة..
أجابت في جمود:
- ما فيش يا ماما أنا كويسة.. وقعت غصب عني.
رفعت بصرها لتجد سليم بين الواقفين وتلاقت أعينهما فشعرت بالحرج ثم ذهبت بنظراتها بعيدًا عن عينيه الحادة الغاضبة.
كان الجميع يتمنون لها السلامة والشفاء حتى قطع حديثهم دخول الطبيب يطمئن عليها وعلى المحاليل المعلقة في يدها ثم أعقب قائلًا:
- حمدًا لله على سلامتك يا آنسة فريدة إنتِ بخير دلوقتي أول ما يخلص المحلول تقدري تخرجي..
ثم استطرد قوله موجهًا حديثه للموجودين:
- طبعًا يا جماعة هيا لما تروح لازم راحة تامة وممنوع أي مجهود أو عصبية وياريت تاكل كويس عشان تعوض الدم اللي نزفته..
ثم انتهى مما كان يفعل واستأذنهم مغادرًا المكان.
أما سليم فقد كان عقله عند زهرة يُفكر فيها ويتمنى لو بإمكانه الاطمئنان عليها أو محادثتها.
مر الوقت وعاد الجميع إلى الفيلا ومرت عليهم تلك الليلة في تعب، فريدة تتألم نفسيًا وجسديًا وتشعر بالألم يجتاح قلبها أشد من آثار وقوعها على السلم حتى غطت في ثبات عميق.
أما زهرة فقد باتت ليلتها تُفكر كيف ستُكمل حياتها لا سند لها سوى نفسها، تبكي تارة وتهدأ تارة أخرى، فكرت بأنها يجب أن تعمل وقد نوت البحث عن عمل في الصباح الباكر ثم نامت.
في صباح اليوم التالي استيقظت زهرة وهي تنوي البحث عن عمل، خرجت فوجدت سنية قد أعدت الفطار وكانت ذاهبة لتوقظها.
زهرة:
- صباح الخير يا ماما.
- صباح النور يا حبيبتي لسه كنت جاية أصحيكي تفطري، بس إنتِ لابسة كده ورايحة على فين!
أجابت زهرة بيأس:
- هو مين يجيله نفس بس يا ماما..
نظرت لها سنية بحزن والتعب واضح على ملامح زهرة التي قضت ليلتها تفكر وتبكي.
هتفت سنية فيها قائلة:
- عارفة يا زهرة الحزن والبُكى لو كان بيرجع اللي راح لكنت قضيت عمري كله أبكي.. أنا عايزاكي تحاولي تتعايشي مع أي ظروف بنمر بيها وما توقفيش حياتك وسيبي كل حاجة على الله..
نظرت لها زهرة بندم وحزن:
- معلش يا ماما أنا آسفة بس غصب عني، أنا لسه مش قادرة أصدق إنه مات.. ما لحقتش أتهنى عليه ووحشني أوي، نفسي أحضنه وأقوله كل حاجة جوايا كنت مش بعرف أقولهاله، كنت هقوله أنا بحبك أوي يا بابا وإني ما أقدرش أعيش من غيره..
ثم انهارت في البكاء قائلة:
- أنا اكتشفت إني ما كنتش بقوله إني بحبه ولا ببوس إيديه كل يوم ولا بشوف أي حاجة يحتاجها أو نفسه فيها وأعملهاله، بس متأخر أوي يا ماما.. متأخر أوي.
ثم ألقت بجسدها على المقعد وهي تبكي بحرقة واضعة كفيها على وجهها لا تستطيع التوقف.
احتضنتها سنية بحنان وأخذت تربت على كتفها وهي تردد، اللهم اربط على قلوبنا وارحمه..
ثم قالت برجاء:
- عشان خاطري يا بنتي ما توجعيش قلبي عليكي أكتر من كده، أنا عايزاكي قوية يا زهرة وما تعيطيش تاني أنا ما عدتش قادرة أستحمل شوفتك كده بتنهاري وأنا مش بإيدي حاجة أعملهالك، مش هوا ده الفراق، ربنا هيجمعنا بيه في الجنة إن شاء الله، الفراق الحقيقي لو لا قدر الله كان حد في الجنة وحد في النار.. وإن شاء الله ربنا يجعلنا من أهل الجنة وتشوفيه وتحكيله كل اللي في قلبك كمان..
أجابت في هدوء:
- آمين يا رب..
استطردت سنية قولها:
- وبعدين لسه قدامك دراستك وحياتك وربنا هيعوضك كل خير، مش كلية الطب دي كانت حلم حياتك اللي تعبتي سنين عشانه..
أجابت في يأس:
- خلاص بقى يا ماما دا كان حلم وخلاص راح لحاله.
أجابت سنية بغضب:
- لا طبعًا إنتِ بتقولي إيه، أنا لا يمكن أسيبك تضيّعي مستقبلك كده..
ردت زهرة في يأس:
- يا ماما افهميني وضعنا دلوقتي ما يستحملش مصاريف كلية الطب دي صعبة، معلش يا ماما أنا مش هقدر أكمل خالص وأبقى عبء عليكي بالشكل ده.
أجابت سنية في جمود:
- زهرة.. إنتِ كده بتقللي مني، هو أنا مش هقدر أحققلك اللي بتتمنيه يعني! عمومًا أنا قولت اللي عندي ويا ستي لو عايزة تشتغلي وإنتِ بتدرسي موافقة هعتبرها حرية شخصية ليكي، لكن اعملي اللي بقولك عليه وحققي لأبوكي اللي كان بيتمنى يوصلك ليه.
تنهدت ثم أجابت:
- حاضر يا ماما اللي تشوفيه، أنا لازم أمشي بقى..
- لأ مش قبل ما تفطري وترجعي ضحكتك الجميلة تنور وشك من تاني..
أجابت قائلة:
- حاضر يا ستي عشان خاطرك بس هاكل حاجة خفيفة قبل ما أمشي.
ثم ذهبت معها إلى مائدة الطعام وجلسن يتشاركن وجبة الفطور ثم قطع الصمت اقتراح من سنية قائلة:
- إيه رأيك يا زهرة لو أكلملك المنشاوي بيه يشغلك معاه في شركته، أكيد هنلاقي أي حاجة تناسبك..
أجابت بالرفض قائلة:
- لا لا كفاية اللي عملوه معانا مش حابة نتقل عليهم أكتر من كده، وكمان أنا عايزة أعتمد على نفسي..
هتفت برجاء:
- معلش مهو أبوكي ليه عليه جمايل كتير وأكيد مش صعب يعني يشغلك عندهم الاختصاص مش بعيد أوي.. عشان خاطري يا بنتي خلينا نجرب وأهو أبقى قلبي متطمن عليكي أكتر، أضمن منين إن الشغل اللي هاتروحيه ناس كويسين!
ارتشفت القليل من الشاي ثم قالت:
- ما أنا أكيد مش هشتغل في أي حاجة وخلاص، وبعدين أنا هعمل اللي عليا ويا ستي لو أنا ما لقيتش شغل خالص هخليكي تكلميه، تمام كده؟
أومأت سنية إيجابًا في صمت.
توقفت زهرة عن تناول الطعام قائلة:
- يلا أنا ماشية عشان ما أتأخرش أكتر من كده، دعواتك بقى ربنا ييسر الحال.
أجابت:
- ربنا يباركلك يا بنتي ويراضيكي زي ما بتراضيني ويجعل لك في كل خطوة سلامة ويوقف في طريقك ولاد الحلال ويكفيكي شر ولاد الحرام.
ابتسمت زهرة في رضى وتمنت في قلبها استجابة دعوات والدتها ثم خرجت وكلها أمل في إيجاد عمل.
قضت يومها تسعى بلا جدوى ظلت يوم بعد يوم تبحث وتسأل وتقرأ إعلانات الجرائد ولكن الحال على ما هو عليه حتى فقدت الأمل تمامًا ولم يبقَ لها سوى أن تنصاع خلف اقتراح والدتها بطلب العمل مع المنشاوي بيه في شركته.
***
في فيلا المنشاوي اجتمع الجميع في غرفة فريدة ليطمئنوا عليها كانت نائمة مُتعبة تساءل المنشاوي:
- هو إيه اللي حصلها بقى؟
أجابت سماح:
- والله أنا لحد دلوقتي ما فاهمة كل ما أسألها تقول وقعت غصب عني! أنا أصلًا مش فاهمة كنتِ فوق بتعملي إيه وإنتِ قايلة إنك رايحة تشربي وراجعة..
ازدردت ريقها بصعوبة وقبل أن تجيب دخل سليم عليهم وهو يتساءل:
- إنتوا هنا وأنا عمال أدور عليكوا.. ألقى نظرة على فريدة ثم قال:
- ألف سلامة عليكي يا فريدة..
بابا لو سمحت عايزك.
أجاب:
- عايزني في إيه يابني ما تقول!
أجابه في حرج:
- كنت عايز أسألك يعني مش ناوي تعمل زيارة لزهرة ووالدتها؟!
ضرب بيده على جبهته ثم قال:
- ياااه دا أنا نسيت خالص الموضوع ده، واجب بردو نسأل عليهم ونشوف لو محتاجين حاجة بس إمتى؟
تساءلت بدرية بتعجب وضيق:
- تطلع مين زهرة ووالدتها دول؟
أجاب المنشاوي:
- آه ما أنا نسيت أحكيلك، فاكرة اليوم اللي رجعنا فيه أنا وسليم متأخرين؟ اليوم دا كان جنازة صديقي عبد الحميد عرفاه انتي، كان المساعد بتاعي الله يرحمه.
أجابت في أسى وصدمة:
- هوا مات! الله يرحمه ويغفرله يارب، بس بردو مين زهرة ووالدتها!
- ما دي بنته ومراته، مالهمش حد وقولت واجب نرعاهم يعني ونقف جنبهم، البنت زي الورد والله وجميلة ملحقش يفرح ببنته، داخلة أولى طب زي سليم وفريدة.
صمتت تفكر في الأمر ثم قالت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا معاهم ويقدرك على فعل الخير.
تساءل سليم:
- طيب أنا بفكر نروحلهم النهاردة بعد الشغل إيه رأيك يا بابا؟
شعرت فريدة بنيران الغيرة تشتعل في قلبها وهي تقول في نفسها "وأنتَ شاغل بالك أوي كده ليه يعني؟ بقى هي دي اللي مشغول بيها عني؟ طيب أقوم بس من اللي أنا فيه وأنا هعرف إزاي أشيلها ست زهرة دي من طريقي وأخليك ليا لوحدي يا سليم."
وقع بصره عليها ليجدها تحدق فيه بغضب والشر يتطاير من عينيها، لم يهتم لأمرها لكنه انتبه على صوت والده يقرر بالموافقة على طلبه في زيارة زهرة بعد انتهاء العمل ثم غادر معه.
***
*عودة إلى الواقع*
استفاقت زهرة من شرودها وقد شعرت بالملل فخرجت من غرفتها ثم راودها شعور بالقلق على هايا ثم عادت للداخل على نية أن تبحث عن هاتفها لتتصل بها ولكن روائح الطعام الذي تُعده هنية أثارت انتباهها وألم الجوع بداخلها فتوجهت إليها مباشرة، متناسية أمر هايا التي تأخرت كثيرًا، ثم قالت لها:
- الله الله يا هنية إيه الروايح الحلوة دي؟ بتطبخيلنا إيه النهاردة؟
ابتسمت هنية ثم أجابت بسعادة وحب:
- محشي، بعمل محشي وملوخية خضرا وفراخ و..
قاطعتها زهرة قائلة:
- وإيه تاني ما كفاية، دا المحشي لوحده حملة.
ثم ضحكت فقالت:
- شكلك كدة ناوية تبوظيلي الريجيم.. بس سيبك إنتي أنا كان نفسي فيه أوي.. يلا كملي وأنا هستعجل هايا ترجع عشان نتغدى سوى.
أجابت هنية بفرحة:
- ياااه يا ست هانم والله لو أعرف إن المحشي هيسعدك كدا كنت عملته من زمان.
ابتسمت زهرة فهتفت قائلة:
- آه صحيح عملتي حساب أم أحمد معانا؟
أجابت:
- طبعًا، هوا أنا أقدر أنسى؟ دا أنا عملتلها شوربة خضار بالفراخ البلدي مخصوص، أنا عارفة إنك لما تعملي الخير بتحبيه يكون على أكمل وجه، عشان كده اتوصيت وربنا يجازيكي كل خير يا ست زهرة.
أجابت مبتسمة:
- ما اتحرمش منك يارب يا هنية، يلا شهلي إنتي بس وأنا هروح أكلم هايا.
***
في إحدى الكافيهات تجلس هايا بصحبة صديقاتها يتحدثن بشأن الدراسة فتساءلت إحداهن:
- ها ناويين تعملوا إيه بقى بعد التخرج؟
أجابت هايا بحماس:
- أنا بحلم أشتغل في النيابة الإدارية.
ضحكت صديقتها أميرة بسخرية قائلة:
- بالساهل كده؟ نيابة إدارية مرة واحدة! يا ستي إحلمي على قدك.
ذهبت الابتسامة عن وجه هايا وقد احتقن وجهها غضبًا، ثم قالت:
- دا بدل ما تشجعيني بتحبطيني! مش يمكن تتحقق وأقدر أتعب على نفسي وأوصل.
ردت إيمان:
- فعلًا هايا عندها حق.
أجابتهم أميرة:
- لأ معلش وإنتي بتحلمي خليكي واقعية شوية، دي مهنة مش سهلة وشروطها كمان صعبة.. مش عايزة أحرقلك النهاية بس إنتي هتشوفي بنفسك.
نظرت لها هايا بإحباط وإزعاج.
هتفت صديقتهن إيمان قائلة:
- أنا بقول الجواز أحسن مشروع بعد التخرج، أنا أتعب نفسي ليه ما جوزي هوا اللي يصرف وأنا أقعد في البيت معززة مكرمة.
ردت أميرة:
- طبعًا، واحدة مخطوبة هنستنى منها تفكر إزاي.
ثم ضحكت بسخرية فقالت إيمان في حنق:
- هوا إنتي مش عاجبك أي حاجة خالص؟ ربنا يهديكي على شياطين أفكارك.
فقطع حديثهم ارتفاع صوت هاتف هايا يُعلن عن اتصال أحدهم فكانت زهرة فأجابت:
- ألو... أنا بخير يا ماما ما تقلقيش... حاضر يا حبيبتي مسافة السكة وأكون عندك، حاضر سلام.
ثم أغلقت الخط وهي تحمل حقيبتها وهاتفها قائلة:
- طيب يا بنات أنا لازم أمشي اتأخرت وماما بتستعجلني.
ثم همت ذاهبة وذهبت معها الفتيات عائدات إلى بيوتهن هن الأخريات.
بعد أن عادت هايا إلى بيتها وتشاركت الغداء مع والدتها وكذلك هنية التي أرسلت الطعام إلى جارتهم المريضة تساءلت زهرة موجهة حديثها إلى هايا:
- إيه رأيك لو نروح نعمل زيارة لجارتنا أم أحمد؟
انتفض قلب هايا ثم قالت بعدم تصديق:
- بجد يا ماما؟
- آه بجد، زيارة المريض صدقة وأهي فرصة كويسة نتعرف عليهم ونتخذهم أصدقاء، الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وصانا بيها وقال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا"
وقال "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ".
أجابت في حماس:
- عليه أفضل الصلاة والسلام، طيب إديني بس خمس دقايق وأبقى جاهزة نروح.
***
وذهبت هايا بصحبة زهرة إلى بيت تمنت كثيرًا لو بإمكانها الدخول إليه ورؤية تفاصيله.
طرقت على الباب ففتح لهم والد أحمد عم محمود ثم رحب بهم بسعادة قائلًا:
- اتفضلوا يا ألف أهلًا وسهلًا بيتنا نور بيكم.
ابتسمت زهرة بخجل وقالت:
- إزيك يا عم محمود إحنا كنا حابين نتطمن على مدام هالة.
أجاب:
- البيت بيتكم يا بنتي وتشرفونا في أي وقت اتفضلوا تعالوا الصالون وأنا هقولها وأجيلكم.
عم محمود وزوجته هالة جيران لزهرة يعيشان بمفردهما منذ أن غادر وحيدهما أحمد الذي رزقهم الله به بعد أعوام من المحاولات والسعي وراء الإنجاب، سافر لاستكمال مسيرته العلمية فهو شاب متفوق يستحق فرصة وهو الآن في آخر سنة له بأعوامه الدراسية. أما محمود فهو مقعد على المعاش لا حلم له ولا هدف في الحياة سوى إسعاد ابنه أحمد ورؤيته شخص ناجح وسعيد.
جلسن ينتظرن في هدوء.
قطع الصمت هايا تتحدث بهدوء:
- شوفتي يا ماما عم محمود فرحان بزيارتنا قد إيه؟
أجابت:
- حب الناس شيء جميل والأجمل يا بنتي إنك تعملي اللي يسعدهم ولو شوفتيهم مبسوطين بسببك هتلاقي حب غمر قلبك وسعادة لا تقدر بثمن.
لفت انتباههم دخول مدام هالة ترحب بهم في سعادة.
أجابتها زهرة:
- ألف سلامة عليكي يا مدام هالة.
ردت:
- الله يسلمك يا حبيبتي دا أنا بقيت كويسة بشوفتك إنتي والجميلة بنتك.. ها تحبوا تشربوا إيه بقى؟
ابتسمت هايا في سعادة وأجابت زهرة:
- لا لا أنا مش حابة أتعبك، وبعدين أنا جايبة معايا شوية حاجات حلوة كده نقضي بيها وقت حلو مع بعض مش هسيبك النهاردة إلا وأنا مخرجاكي من جو التعب ده، دا إنتي لسه شباب ولا إيه يا عم محمود؟
قال عم محمود في حماس:
- كتر ألف خيرك يا بنتي، الله يسعدك يارب.. أنا هعملكوا شاي عمركوا ما دقتوا في حلاوته.
مرت الساعات بينهم دون أن يشعروا بالوقت حتى قالت زهرة في سعادة:
- طيب يا جماعة هنستأذن إحنا بقى وألف سلامة عليكي مرة تانية يا مدام هالة ربنا يتم شفاكي على خير يارب.. أنا مبسوطة جدًا إن اتعرفت عليكوا.
أجابت هالة في سعادة:
- والله إحنا كمان، دا بقالنا زمان محرومين من اللمة الحلوة دي.
كذلك صدق على حديثها عم محمود:
- فعلًا.. ياريت ما تقطعوش بينا وجودكم أسعدنا حتى شوفي أم أحمد راقت وبقت زي الفل إزاي.
ضحكت ثم قالت:
- الحمد لله ربنا يطمنا عليها إن شاء الله، يلا تصبحوا على خير.
اصطحبهم عم محمود إلى الباب ثم قام بتوديعهم وشكرهم على وجبة الغداء بامتنان وسعادة ثم عاد إلى زوجته مجبورًا خاطره.
رواية زهرة الفصل الرابع 4 - بقلم ندي أشرف
بعد قضاء يوم عمل شاق، همَّ المنشاوي ليغادر الشركة عائدًا إلى البيت. لكنه تذكر حينما أخبره سليم بأمر زيارة زهرة فتساءل متعجبًا:
- الله، أمال إيه حكاية اهتمامك بالموضوع ده قوي كده؟ دا أنا كنت بجرَّك جر كده لأي حاجة أطلب منك تعملها!
أجاب وهو يفرك رأسه بيديه ويجول بنظره في الأنحاء:
- أبدًا والله يا بابا، أنا بس صعبان عليّ البنت ومامتها، مش أكتر.
ثم توجه صوب السيارة، وكذلك المنشاوي، وأدار الأخير محرك السيارة.
جلس سليم يتأمل الشوارع ويفكر حتى قال متسائلًا:
- بس بقولك إيه يا بابا، أنا لاحظت إن في عزاء عم عبد الحميد الله يرحمه امبارح ما كانش فيه حد موجود كتير، هما ما لهمش أهل هنا ولا إيه؟
تنهد المنشاوي ثم أجاب:
- والله يا ابني عمك عبد الحميد دا حكايته حكاية، بس فعلًا ما لهمش حد هنا خالص، لكن عندهم في البلد أهله ناس كتير قوي وكبار في البلد ولهم اسمهم. إنما حظه بقى اللي حدفه هنا، عمومًا دي قصة يطول شرحها هبقى أفهمك بعدين.
بعد مرور بضع دقائق هتف المنشاوي:
- يلا وصلنا.
تقدم المنشاوي وابنه من الباب فأخذ يطرق، ثم فتحت له سنية وقد ابتهجت لرؤيتهم.
ابتسم قائلًا:
- السلام عليكم، إزيك يا أم زهرة.
أجابت في سعادة:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضلوا.
دلفوا إلى الداخل يحملون بين أيديهم من خيرات الله ما لذ وطاب. ثم جلس المنشاوي واتبعه سليم الذي كان يبحث بعينيه عن زهرة وتمنى لو يراها.
قالت سنية في حرج:
- ليه تعبتوا نفسكوا بس إيه دا كله؟
أجاب المنشاوي:
- والله لا تعب ولا حاجة، دي حاجة بسيطة.
خرجت زهرة على فجأة من غرفتها ترتدي ملابس الخروج استعدادًا للبحث عن عمل من جديد فهي لا تكل ولا تمل بسهولة.
ابتسم سليم لرؤيتها وشعر بالسعادة تجتاح قلبه فقال:
- إزيك يا زهرة؟
شعرت بالخجل فهي لم تكن تشعر بوجودهم وازداد خجلها عندما لاحظت نظراته إليها وأسلوبه معها فأجابت:
- أنا الحمد لله بخير، نورتونا والله.
تساءل المنشاوي:
- خير يا بنتي متشيكة وزي القمر كده رايحة على فين؟
نظرت زهرة إلى والدتها في حيرة من أمرها، هل تخبرهم أم لا؟ كانت تشعر أن لها عزة نفس تمنعها عن إخبارهم حتى لا يشفقوا عليها فهي تكره الشفقة من أحد كوالدها تمامًا.
فأجابت بدلًا عنها سنية قائلة:
- دي يا حبيبتي شقيانة كل يوم تدور على شغل، وتفضل تلف على كعوب رجليها وترجع زي ما راحت ما فيش فرص عمل خالص.
تساءل المنشاوي:
- الله، وتشتغل ليه من أساسه؟ مش عندها دراسة هتبدأ كمان كام شهر ولازم تركز فيها؟ إزاي هتوازن بين ده وده؟
ردت زهرة:
- لأ أنا شايفة إني هقدر أعمل الاثنين مع بعض، وبعدين أنا مش أول واحدة تشتغل وهي بتدرس، عادي.
قاطعهم سليم في سرعة:
- طيب إيه رأيك يا بابا لو تشتغل معانا في الشركة؟ زهرة بنت ذكية وهتقدر تساعدنا في حاجات كتير.
أطال النظر فيها وكأنه يفكر في الأمر ثم قال:
- والله معاك حق يا سليم، كانت تايهة عني فين! إحنا فعلًا محتاجين حد في مجال الدعاية الطبية، هعينك فيها مع سليم مؤقتًا لحد ما تتخرجوا من كلية الطب ونشوفكوا أكبر دكاترة في مصر إن شاء الله.
أجابت سنية في سعادة:
- الله يكرمك يا رب يا منشاوي بيه، والله أنا ما فرحت كده من زمان، بصراحة أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
ابتسمت زهرة بهدوء قائلة:
- شرف ليا طبعًا إني اشتغل مع حضرتك وإن شاء الله أكون قد المسؤولية دي.
تنهد سليم في سعادة وهو ينظر إلى زهرة بعيون لامعة وقلب مطمئن.
تساءلت زهرة:
- آه أنا آسفة نسيت أسألكم تشربوا إيه؟
طلبوا منها قهوة فذهبت لتحضيرها فقطع الصمت المنشاوي يقول:
- كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع كده يا أم زهرة.
أجابت:
- خير، اتفضل.
بدأ المنشاوي في الحديث عن الموضوع:
- من فترة كده كانت في حسابات ما اتقفلتش خاصة بعبد الحميد الله يرحمه، كنت صارف له مكافأة على إنتاجية تعب عليها وحققت نجاح عظيم وللأسف ما لحقتش أخبره بيها. فطبعًا المكافأة دي من حقكوا وكمان إجراءات المعاش أنا خلصتها وكل شهر هيبقى في معاش كده إن شاء الله هيكفي مصاريفكوا أنتي وزهرة.
ثم وضع يده في جيب سترته وأخرج بطاقة ائتمان وظرف يحوي بداخله مبلغ من المال فقدمهم إليها قائلًا:
- اتفضلي، المكافأة والفيزا اللي هتقبضي بيها المعاش.
مدت يدها سنية تأخذ منه ما بيده وقد بدت على وجهها علامات الفرحة وجال في خاطرها أنها كانت تفكر كيف ستدبر أمر دراسة ابنتها ومصاريفها الشخصية، ثم حمدت ربها في قلبها وقالت:
- أنا مش عارفة أقولك إيه، معقول في حد كده في الدنيا! ثم دمعت عيناها فقالت: والله الدنيا لسة بخير طول ما فيها أمثالك يا منشاوي بيه.
ضحك بسعادة قائلًا:
- ربنا يبارك لك يا أم زهرة، وعقبال ما تفرحي بست البنات.
قالها عندما رأى زهرة قادمة إليهم تحمل بين يديها القهوة التي طلبوها فقدمتها إليهم، ثم جلست بالقرب من سليم فأخذ يحادثها بشأن الدراسة وأنه سوف يساعدها ويساندها ولن يقصر في شيء ما دام يمكنه فعله. كانت في بادئ الأمر تشعر بالخجل والإحراج من مجرد التحدث إليه حتى زال الخجل وأصبحت تتحدث بحرية وطلاقة مما ساعد سليم على اكتشافها ومحبتها أكثر فأكثر.
شعر المنشاوي بأن سنية متعبة فأراد ألا يكون ضيفًا ثقيلًا فقال:
- طيب نستأذن إحنا بقى، ولو احتجتوا أي حاجة مهما كانت كلموني.
أجابت سنية بهدوء:
- ربنا يزيدك من فضله يا منشاوي بيه ويقدرنا نرد لك جميلك إن شاء الله.
ثم همُّوا مغادرين وفجأة شعرت سنية بدوار جعلها غير قادرة على المقاومة أكثر وكأن كل شيء يدور من حولها، ثم وقعت على الأرض فجأة في ذهول من الجميع فاندفعت إليها زهرة فزعة خائفة تناديها وتصرخ بها أن أفيقي ولكن دون جدوى.
***
في فيلا المنشاوي جلست سماح أمام التلفاز وكذلك فريدة ابنتها التي حاولت النهوض عن فراشها لبعض الوقت.
قالت سماح:
- إيه حكاية أم زهرة اللي طلعت لنا في البخت دي بقى؟
ردت فريدة في شيء من الغيرة والحقد:
- ما أنتي سمعتي يا ماما.
ردت عليها قائلة:
- ما أنا عارفة بس إحنا كان ناقصنا يعني؟
- والله ما أنا عارفة يا ماما بس شكلها ست مش سهلة هي وبنتها، شوفتي سليم كان مستعجل ومهتم إزاي إن يروح لهم؟ دي تبقى مصيبة لو البنت دي عاجباه وناوي يخطبها.
تساءلت سماح بمكر:
- وأنتي ناوية على إيه بقى ها؟ تسيبيها تخطفه منك كده؟
أجابت في غضب:
- دا على جثتي! ثم صرخت في ألم.
- خلاص خلاص إهدي أنتي لسة تعبانة، عمومًا ما تخافيش وسيبي الموضوع ده عليا وياريت تبطلي تبيني اهتمامك قدام خالتك مش عايزينها تقول علينا مدلوقين ولا طمعانين في ابنها.
دخلت عليهم بدرية فجأة تحمل بين يديها ثلاث أكواب من العصير فتساءلت في تعجب:
- في إيه يا سماح، بتنموا على مين من غيري ها؟
نظرت لها بمكر ثم قالت:
- مش ملاحظة إن جوزك وابنك اتأخروا قوي عند الست دي؟
أجابت بهدوء:
- عادي ما يمكن مشيوا وبيقضوا أي مشاوير مهمة.
قالت فريدة بخبث لتدفع بدرية للاتصال على زوجها لتطمئن هل بقي هناك أم غادر:
- تفتكري يا ماما يكون سليم قاعد مع البنت دي بنت الست اللي راحوا عندها وهي قاعدة مع أنكل منشاوي؟
اشتعلت نيران الغيرة في قلب بدرية لكنها تماسكت قائلة بتوتر:
- لا مستحيل، منشاوي ما يعملش كده أبدًا وأنا واثقة إنه زارهم وعمل الواجب ومشي، أكيد هو في الشركة دلوقتي. وبعدين يا فريدة ما يصحش تتكلمي بالطريقة دي على عمك المنشاوي أو حتى سليم.
أجابت سماح ببرود وسخرية:
- جايز، كل شيء جايز.
نظرت لها بدرية في ضيق وقد بدأ الكلام يثير الشكوك بداخل عقلها وتشتعل النيران بقلبها في صمت لا تعلم ماذا تفعل!
***
في مكان آخر شعرت زهرة بأن ضربات قلبها تتسارع بشدة فهي لم تتعافى من ألم فراق والدها وصدمة فقده على فجأة. جثت على ركبتيها بجانب والدتها تحاول أن تطمئن عليها:
- ماما أنتي سمعاني؟ ردي عليا أرجوكي، فوقي يا ماما عشان خاطري. حاول سليم تهدئتها لكنها كانت خائفة وبشدة.
اتصل المنشاوي بدكتور خالد وأخبره بما حدث فأخبره بأنه سيأتي في الحال.
حملتها زهرة وساعدها سليم لتنام على الفراش حتى يصل الطبيب، وبعد دقائق ليست بكثيرة كان معهم دكتور خالد.
حاول أن يجعلها تستفيق لكنها لم تستجب، وضع يده على رقبتها وجد أن هناك نبض ثم توجه لزهرة بعدة تساؤلات:
- زهرة لو سمحتي عايز أسألك على حاجات معينة.
ردت في توتر وخوف:
- اتفضل يا دكتور بس هي ماما كويسة مش بترد عليا ليه؟
أجاب:
- كويسة ما تخافيش بس قولي لي هي كانت بتبان عليها أعراض تعب الفترة اللي فاتت؟
أخذت تفكر قليلًا ثم هتفت قائلة:
- أعراض زي إيه يعني يا دكتور؟
أجاب:
- يعني مثلًا دوخة، غثيان، مغص، اشتكت من الكلى قبل كده؟
أجابت:
- آه كنت بلاحظ عليها بتدوخ كتير وتحس بغثيان أغلب الوقت ورجليها بتورم كل شوية، آه وكمان ساعات كتير كانت بتحس بضيق في التنفس ويجيلها مغص جامد في بطنها، ما كانتش بتقدر تاخد خطوة واحدة من شدة الألم ودايمًا تكتفي بالمسكن وتقول هبقى كويسة.
استوعب دكتور خالد ما يحدث لسنية ثم قال لها:
- طيب يا زهرة أنا مش عايزك تقلقي نهائيًا بس إحنا لازم ننقل مامتك للمستشفى حالًا وتتحجز لحد ما تفوق من الغيبوبة.
أجابت بصدمة والدموع تجري على وجنتيها بكثرة وقد آلمها قلبها كثيرًا على عزيزتها المريضة قائلة:
- غيبوبة! طب ليه هي عندها إيه أصلًا؟ وهتفضل كده قد إيه؟ أنا ما أقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة، طب أعمل إيه أنا دلوقتي يا رب؟
تابع المنشاوي في صمت كذلك سليم الذي انفطر قلبه عليها وحزن لحزنها بشدة، أشفق عليها وتمنى لو بإمكانه احتضانها وتعويضها عما تمر به من آلام.
أجاب خالد:
- للأسف عندها فشل كلوي، أنا مش فاهم ليه الإهمال لحد ما توصل للدرجة دي، لما حد يحس إنه تعبان بسرعة يروح يتطمن على نفسه بدل ما يتبهدل ولا تتطور حالته أو تسوء فيتعب بزيادة.
أمال الطب ده لازمته إيه بس يا جماعة.
تنهد ثم استطرد قوله في غضب:
- عمومًا مش وقته الكلام ده دلوقتي ولا في منه فايدة. أنا هكلمهم يبعتوا الإسعاف تيجي تنقلها وبإذن الله هعمل أقصى ما عندي عشان تفوق من غيبوبتها...
هتف سليم قائلًا:
- طب ما احنا معانا العربية نوصلها بسرعة لهناك.
أجاب خالد:
- لأ مالوش لزوم، عربية الإسعاف مهيأة أكتر للحالات اللي زي كدا.
جلست زهرة تحتضن والدتها وتقبل يدها وتدعو الله أن يردها إليها سالمة من كل شر.
دقائق وكانت سرينة الإسعاف تُعلن عن وصولها مما أثار الرعب والقلق في نفس زهرة أكثر، خوفًا من أن تفقد والدتها وتعيش وحيدة تمامًا، سيأخذونها بعيدًا عنها لعدة أيام حتى يأذن الله لها بالعودة من غيبوبتها.
قاموا بنقلها إلى عربة الإسعاف ثم وضعوها في وحدة العناية المركزة.
وقفت زهرة خارج الغرفة تتأملها من خلف الزجاج وتبكي بمرارة على حالها، فقدت والدها ولم يهدأ لها جفن حتى سقطت والدتها هي الأخرى والله وحده أعلم بمصيرها.
تقدم منها المنشاوي في أسى وأخذ يُربت على كتفها بحنان قائلًا:
- يلا يابنتي، يلا نمشي وبكرة نرجعلها تاني.
أجابت من وسط دموعها:
- لا لا مستحيل، أنا هستناها هنا مش ممكن أسيبها وأرجع البيت لوحدي من غيرها.
- لأ ما انتي مش هترجعي عالبيت، أنا مقدرش أسيبك تباتي في البيت لوحدك.
نظرت له بعدم فهم ثم قالت:
- يعني إيه! أمال أنا هاروح فين؟
أجاب:
- هتيجي معايا الفيلا متخافيش، في هناك زوجتي وأختها وبنتها مش هتبقي لوحدك، الدنيا مش أمان يابنتي وهوا ده أسلم حل.
ردت بعناد:
- لا لا أنا مش هقدر أروح مكان غريب عليا وفيه ناس غريبة.
ثم نظرت إلى والدتها خلف الزجاج قائلة:
- والنبي يا ماما فوقي عشان خاطري وروحي معايا عالبيت.
تحدث لها منشاوي بحنان:
- انتي كده كإنك بتقوليلي مش واثقة فيا ولا مأمنة على نفسك وسط بيتي وأهلي.
ردت بخجل:
- أنا آسفة يا منشاوي بيه بس غصب عني والله.
تدخل سليم قائلًا بهدوء:
- زهرة لو سمحتي إفهمي، انتي بنت ماينفعش تبقي في البيت لوحدك، بالنا هيبقى مشغول عليكي، معلش هيا فترة مؤقتة وياستي وعد مني لو مرتاحتيش أنا هرجعك البيت بنفسي. تمام؟
نظرت زهرة في عيني سليم ورأت الصدق والحنان فلم تستطع أن ترفض فأومأت إيجابًا في صمت، هدأت له نبضات قلبها وشتات عقلها من الضجيج، شعرت وكأن الدنيا لم تخلو من حولها فهناك من يُحبها بصدق ويخاف عليها ويتمنى لها الرضى والراحة.
شعر سليم وكأنه انتصر على عنادها وفرح لذلك ثم سحبها منشاوي من يدها بهدوء قائلًا:
- يلا يابنتي تعالي الله يهديكي ويريح قلبك.
ذهبت معه بهدوء متوجهين إلى السيارة، تركها المنشاوي بصحبة سليم وسبقهم ليُجري اتصالًا بزوجته، أجابت في ضيق:
- السلام عليكم، إيه يا منشاوي فينك كده اتأخرت أوي.
- أنا آسف ياحبيبتي غصب عني والله المهم اسمعي، أنا راجع البيت حالًا ومعايا ضيفة، عايز استقبال يشرف ها.
تساءلت بتعجب:
- ضيفة؟! في الوقت ده! طب إزاي ومين دي؟
هتف بتعب:
- ياحبيبتي اسمعي الكلام بس وأنا لما آجي هفهمك كل حاجة.
أجابت في حنق:
- حاضر حاضر، تيجوا بالسلامة أنا في انتظاركم، مع السلامة.
كانت زهرة تتساءل في نفسها بشأن سليم، لم تكن تصرفاته معها عادية، لما كل هذا الاهتمام، نظرته، أسلوبه، اهتمامه، غريب أمره معها ولكن طالت المسافة بينه وبينها فقالت في أسى، إنه تعاطف لا أكثر، هو متعاطف معي ويشفق على حالي لا أكثر.
قطع شرودها صوت سليم يناديها بصوت عال:
- زهرة مالك أنا بكلمك مبترديش خالص سرحانة في إيه بس!
أجابت في حرج:
- ها.. معلش ماسمعتكيش هوا انت كنت بتقول إيه؟
- كنت بقول إيه؟ لا دا انتي مش معانا في الدنيا خالص، عمومًا يلا أهي العربية.
فتح لها الباب الخلفي ثم قال:
- اتفضلي.
استقلت السيارة بهدوء كذلك سليم ثم أدار المنشاوي محرك السيارة وبدأ في التحرك، غادرت زهرة تاركةً خلفها قلبها وروحها وعقلها مع والدتها.
***
دقائق ووصلوا إلى فيلا المنشاوي في استقبال كلًا من بدرية وسماح وفريدة، كانت تبدو عليهم علامات الدهشة من تلك الضيفة الغريبة في ذلك الوقت المتأخر من الليل ثم قطع ذلك الصمت قول المنشاوي:
- أعرفكم زهرة عبد الحميد.
ثم وجه بصره إلى زهرة مشيرًا إلى زوجته قائلًا:
- دي بدرية مراتي يا زهرة ودي سماح أختها ودي بقى فريدة بنتها.
أجابت زهرة في حرج شديد وهي تومئ برأسها مُرحبة بهما:
- أهلًا اتشرفت بيكوا.
هتف سليم في حماس:
- إيه يا جماعة هنفضل على الباب كدا اتفضلوا يلا ندخل جوا، اتفضلي يا زهرة.
تقدموا جميعًا بالخطوات إلا فريدة التي وقفت مصدومة مما رأت وهي تُفكر "طبعًا ليك حق تتلهف عليها بالمنظر ده، هوا ده جمال طبيعي! وكمان جايبها البيت أنا لازم أفهم إيه اللي بيحصل وإلا هايجرالي حاجة!.."
دخلوا غرفة استقبال الضيوف ولحقت بهم فريدة في تعب.
لم تصبر بدرية لكي تفهم ما يحدث فسحبت منشاوي من يده وذهبت به بعيدًا عن الأعين لتسأله عن سبب عودته متأخرًا بصحبة تلك الفتاة اليتيمة.
أما سماح فذهبت لإحضار شيئًا تشربه زهرة وفي رأسها يدور ألف سؤال وسؤال، و لم يبقى في الغرفة سوى سليم وفريدة وزهرة.
قال سليم بسعادة:
- نورتي بيتنا يا زهرة، إعتبري نفسك في بيتك بالظبط شوية كده وماما هتوريكي أوضتك لو حابة ترتاحي.
أومأت إيجابًا في حرج وخوف.
فاستطرد قوله:
- اتعرفي على فريدة بنت خالتي أنا ها أروح أغير هدومي وارجع تاني عشان نتعشى.
شعرت زهرة بالاطمئنان عندما قال أنه سوف يعود ثانيةً فهي تقلق وتخاف عندما تكون موجودة وحدها وسط أناس لا تعرف عنهم شيئًا ولم يسبق لها أن رأتهم من قبل. ثم ألقت نظرة على فريدة التي تنظر لها بحنق وكره وغيرة ثم تفوهت أخيرًا:
- هوا انتي هتباتي عندنا ولا إيه؟ أمال فين مامتك يعني مستغربة إزاي تيجي هنا لوحدك متأخر كده.
شعرت زهرة بالحزن الشديد كانت تود أن تبكي بشدة على وضعها الآن وهي بدون أمها لكنها لا تحب أن يراها أحد تبكي وتكره العطف والشفقة.
لم تنطق بشيء نظرت لها بجمود تشعر أنها لو تحدثت بحرف واحد لانطلقت الدموع من مقلتيها بدون استئذان.
غضبت لذلك فريدة فقالت:
- هاي أنا بكلمك انتي ما بتسمعيش ولا خرسة ولا إيه بالظبط.
قالت تلك الكلمات على وقت دخول والدتها ثم رمقتها بنظرة غضب فقالت:
- إيه ده يا فريدة إزاي نكلم ضيوفنا كده عيب عليكي.
ثم وجهت حديثها إلى زهرة قائلة:
- متزعليش يا زهرة ياحبيبتي دا هيا فريدة بس طيبة واللي في قلبها على طول على لسانها.
اتفضلي ياحبيبتي العصير.
نظرت لهم زهرة في ضيق قائلة في نفسها "كده وطيبة! أمال لو مش طيبة كانت طردتني!!.. يارب صبرني لحد ما أمي تقوم بالسلامة وأرجع بيتي عاجلًا غير آجل.."
ثم استجمعت قوتها وقالت بابتسامة يزيد لها ضوء المكان وظهرت رقتها في نبرتها:
- ولا يهمك يا طنط عادي فريدة زي أختي.
كادت فريدة أن تنطق بقول "أنا ماليش إخوات" لولا أن رمقتها سماح بنظرة جعلتها تفهم أن عليها أن تصمت وإلا لن تمر تلك الليلة على خير أبدًا.
ثم قالت سماح:
- طبعًا ياحبيبتي، اتفضلي اشربي العصير.
***
في غرفة منشاوي هتفت بدرية في غضب:
- أقدر أفهم بقى إزاي تجيب بنت غريبة عندنا الساعة دي!
أجاب:
- أنا آسف ياحبيبتي.. مامتها تعبت ونقلناها المستشفى وللأسف دخلت في غيبوبة.. البنت ملهاش حد في الدنيا أبوها لسة متوفي وأمها زي ما سمعتي كده.
شعرت بدرية بالحزن لكن داخلها جزء غاضب غير راضٍ فقالت:
- وهيا هتشرفنا هنا قد إيه! إنت ناسي إن عندنا شاب في البيت وكدا ماينفعش!
أجاب بنفاذ صبر:
- اللهم طولك يا روح.. طب وبالنسبة لبنت أختك وأختك اللي عايشين معانا دول! مش بنت دي بردو وعندنا شاب؟
ردت بعناد:
- بردو في فرق و.. وبعدين دي بنت أختي لكن دي بنت غريبة، ثم قالت بغضب علت له نبرة صوتها:
- إنت أصلًا إزاي متاخدش رأيي في حاجة زي كده، دي بنت فقر على أهلها مش هتبقى فقر علينا!!!
شد منشاوي على قبضة يده غضبًا ثم قال:
- الشدة هيا اللي بتبين معدن الناس يا بدرية، الظاهر إني لما عرفتك اتخدعت في طيبة قلبك وإنسانيتك لكن شوفي بقى.. برضاكي أو غصب عنك البنت دي هتقعد معانا لحد ما مامتها تقوم بالسلامة وأنا مستحيل أرمي لحمي في الشارع إنتي فاهمة!
كان أثر وقع الكلمة على مسامعها ماحيًا لكل ما قاله وقد اتسعت حدقتا عينيها في صدمة فردت قائلة:
- لحمك!!..
رواية زهرة الفصل الخامس 5 - بقلم ندي أشرف
بعد مرور بضع شهور في واقع زهرة المشتت، لكنه واقع تتخلله بعض التفاصيل الجميلة، كانت نائمة كالزهرة متوردة الوجنتين في ثبات عميق رغم تأخر الوقت عن ميعاد استيقاظها اليومي، حتى دلفت عليها هنية بعد أن طرقت عدة طرقات على الباب دون رد من زهرة. دلفت ثم بدأت تنادي فيها بهدوء:
- زهرة هانم، إصحي يا زهرة هانم بقينا بعد الضهر.
فتحت زهرة عيناها الخضراويتين بكسل:
- صباح النور يا هنية. إيه عاملالي قلق كده ليه مش تسيبيني أصحى براحتي.
أجابت هنية بشيء من السعادة:
- صباح النور يا هانم، كل ده نوم. أنا عندي ليكي خبر حلو.
مسحت عن وجهها وكأنها تزيل النعاس بأيديها ثم أجابت:
- خير خبر إيه؟
- النهاردة الصبح أحمد ابن عم محمود جارنا رجع من السفر بشهادة تخرجه، بقى مهندس قد الدنيا وشاب زي الورد، طول إيه وجمال إيه، هو والأستاذة هايا كإنهم فولة واتقسمت نصين.
تساءلت:
- معقولة!
قالتها ثم نظرت لها بتعجب:
- طب وانتي إيه اللي مفرحك أوي كده؟ مش فاهمة يعني ليه الحماس ده كله! وإيه علاقة ده بهايا!
أجابت هنية بتردد:
- ها! يعني انتي كل ده مش واخدة بالك من حاجة!
- انتي بتقولي إيه؟
- لا لا ما فيش أنا بس قولت أعرفك اللي بيحصل حواليكي مش أكتر.
- هممم قولتي تعرفيني. طيب تمام مسيري هفهم إيه بيحصل بالظبط، المهم حضريلي القهوة بتاعتي مع الفطار لحد ما أقوم.
أجابت:
- من عيني الاتنين.
- يسلمولي يا هنية يا بكاشة.
ابتسمت لها بسعادة ثم غادرت.
قامت زهرة عن فراشها ثم توجهت إلى غرفة هايا بعد أن اغتسلت وتوضأت فوجدتها تاركة باب غرفتها مفتوحًا. دلفت إلى الداخل، كانت جالسة في شرفة غرفتها التي تطل على مناظر تعيد للروح بهجتها وسعادتها، الخضرة التي يتوسطها مسبح بسيط والزهور على حافته كما في الأرجاء تنتشر الزهور بألوانها الرائعة والطيور العابرة كما أصواتها المتغنية بالحب التي غطت على صوت الصمت فجعلت من المكان لوحة فنية مكتملة أركانها ناهيك عن دفء شمسها الذي كسر حدة برودة الشتاء. كانت تنظر في أرجاء الشوارع وكأنها تراقب الأجواء من حولها أو تبحث عن شيء ما.
هتفت زهرة قائلة:
- صباح الخير يا قلب ماما، الجميل سرحان في إيه كده!
نظرت لها هايا وقد تفاجأت بوجودها في غرفتها ثم أجابت بخجل:
- صباح النور. أنا؟ أنا مش سرحانة، قولت بس أشم شوية هوا.
رفعت زهرة إحدى حاجبيها ثم نظرت لها بشك قائلة:
- سمعت إن أحمد رجع من السفر النهاردة.
شعرت هايا بالتوتر وتصنعت الجهل بالأمر فقالت:
- والله! هو رجع طيب كويس والله.
ضحكت زهرة ثم قالت:
- ده على أساس إنك مش عارفة بقى وكده صح!
صمتت هايا لبضع ثوانٍ ثم تنهدت قائلة:
- بصراحة بقى كنت عارفة بس كنت خايفة تفهميني غلط، وبعدين أنا أصلاً كنت قايلالك بس إنتي ما سألتيش على تفاصيل.
أخذت تفكر ثم قالت:
- طيب بما إنك بقيتي فاضية إحنا ممكن نتناقش في الموضوع، هنتكلم عالفطار بس هصلي الضهر تكون هنية حضرته تمام؟
ابتسمت هايا بسعادة فقالت:
- تمام.
دقائق واجتمعن على مائدة الطعام ثم قطع الصمت صوت زهرة قائلة:
- يلا بقى قوليلي أنا كلي آذان صاغية.
ازدردت هايا ريقها بصعوبة ثم أجابت بتوتر:
- والله يا ماما أنا مش عارفة أبدأ منين وإزاي. بس أنا ما اتعودتش أخبي عليكي حاجة.
بصي يا ماما أنا وأحمد بنحب بعض من زمان أوي.
قاطعتها زهرة بتعجب:
- بتحبوا بعض! ومن زمان أوي كمان.
حاولت أن تصبر لكي تفهم قبل أن تصدر أي ردة فعل أو رأي قائلة:
- طيب احكيلي الموضوع بدأ إزاي؟
أجابت هايا بحرج:
- أول أيام ليا في الكلية. كنا بنتصادف كتير في الشارع، مواعيد معينة كانت بتبقى نفس مواعيد بعض. يعني كان معاد كورس الإنجلش بتاعي بيبقى نفس معاد كورس ليه وكنت بشوفه كل يوم في وقت الكورس ده بالتحديد دونًا عن الباقيين، لحد ما في يوم اتأخرت جدًا عن معادي وهو كان جاله أوبر يوصله فعرض عليا انه يوصلنا إحنا الاتنين ويبدأ بالمكان الأقرب فالأبعد. كان أنا مكان الكورس بتاعي أقرب.
- ها كملي.
- كنت مضطرة والله يا ماما مش لاقية أي تاكسي والأوبر اللي بيجيلي اتأخر جدًا وما كانش قدامي غير إني أوافق. المهم لما ركبنا مع بعض كان ساكت أغلب الوقت ولقيته فجأة بيقولي...
- أستاذة هايا صح؟
- آه اسمي هايا.
- وأنا أحمد. جاركوا هنا.
- اتشرفت بحضرتك، بس إزاي عرفت اسمي!
- بالصدفة والله سمعت والدتك في مرة كانت بتناديكي وانتي ناسية حاجة كانت بتجيبهالك.
صمتت قليلًا ثم تذكرت:
- آه صحيح فاكرة الموقف ده، بس دي مش مامتي دي هنية المساعدة لماما في شؤون البيت، كنت ناسية موبايلي وجت تلحقني قبل ما آخد الأوبر بثواني، سبحان الله عالصدف...
بعدها أخدت بالي إني زودتها فالكلام ما أنا غصب عني بلاقي نفسي بتكلم كإني أعرف اللي قدامي من سنين بالذات لو.. لو مرتاحة ليه يعني ومش خايفة منه.
المهم لما حسيت بنفسي كده سكت عن الكلام خالص لقيته بيقولي وهو محرج:
- طيب ممكن تاخدي رقمي ونبقى أصحاب ولو احتاجتي أي حاجة أنا موجود.
- أنا آسفة مش ها ينفع.
شعر بالحرج لكنه أجاب:
- تمام ولا يهمك بس أنا بردو عند وعدي لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود...
ساعتها وصلت عند مكان الكورس ونزلت من العربية وكانت دي أول مرة أتكلم معاه فيها ومن ساعتها كل ما أتصادف بيه يسلم عليا ويحاول يكلمني، مرة على مرة اتعودت على شوفته وكلامه، حتى لما كان مش بيظهر كنت بزعل أوي وبتحمس للكورس ده عشان أشوفه وكنت معجبة بيه وبحبه بيني وبين نفسي. أنا ساعات كنت بطلع أجيب طلبات قريبة مننا هنا والمكان بيكون مرعب أحيانًا كنت بحس إنه محاوطني باهتمامه وأمانه وكان بينقذني في بعض المواقف. والحمد لله كانت بتعدي على خير...
صمتت زهرة منتظرة منها أن تكمل وهي تتساءل في نفسها "كيف لي ألا أعرف كل هذه الأمور عن ابنتي".
أكملت:
- وبعدين جه في مرة كنت قاعدة في الحديقة اللي جنبنا هنا لوحدي مستنية صاحبتي وما جاتش.
لقيته قدامي وبعدين لاحظت إنه اتفاجئ بوجودي، الله أعلم كان عارف إني هنا ولا لأ بس بعدها جه وقف قدامي وبعد ما سلم عليا قالي:
- ممكن أقعد؟
حسيت بالإحراج طبعًا إني أرفض أو أقول مستنية صديقة بس قولتله "اتفضل."
أنا وقتها كنت محرجة جدًا منه ومن وجوده بس ده ما يمنعش إني كنت في قمة سعادتي وقلبي بينبض جامد وبحاول أهدي من توتري عشان ما أتصرفش وحش قدامه.
ابتسمت زهرة وهي تقول في نفسها "كبرتي يا هايا وبقيتي تحبي وقلبك يدق لحد."
وبعدين لقيته بيقولي:
- أستاذة هايا أنا في حاجة لازم أقولك عليها.
- أكيد اتفضل قول.
بعد صمت دام لثواني قال في حرج:
- أنا معجب بيكي جدًا وبشخصيتك وأخلاقك. وبتمنى لو أقدر أتعرف عليكي أكتر وأقرب منك بس متخافيش والله أنا ناوي أدخل البيت من بابه.
أنا ما عرفتش أرد عليه وكنت مش مصدقة أصلاً أنا بحلم ولا ده حقيقة، أول شاب تشوفه عيني ويعجبني يكون بردو بيبادلني نفس الشعور، رغم فرحتي دي وإن قلبي كان بيرد قبل مني بالموافقة بس ما ردتش عليه وقتها وفضلت معلقاه شهور لا بقوله آه ولا بقول لأ لحد ما وصلنا آخر أيام في أولى كلية.
وقتها كان رد فعله إنه بدأ يبعد عني وبطل يهتم وبطل حتى يسلم عليا لما يشوفني، كان زعلان مني.
حسيت إني ضيعته بغبائي وبقيت بعاتب نفسي كتير وقتها ليه ما كانش عندي الجرأة الكافية أقوله إني ببادله نفس الشعور، وكمان فقدت الأمل فيه وبدأت أتعامل عالأساس ده.
بس بردو قلبي كان بيوجعني كتير، كنت بحس إن حياتي بقت فاضية ورجعت وحيدة مع إني كنت لوحدي أصلاً بس مجرد وجود الإحساس ده في حياتي كان بيبسطني وكنت مكتفية بيه أوي.
لحد ما عرفت بالصدفة إنه مسافر يكمل تعليمه برا. اليوم ده يا ماما كان يوم صعب أوي عليا.
تساءلت زهرة:
- وأنا كنت فين من ده كله.
- والله أنا كنت بحاول ألمحلك باللي بيحصل معايا وبسألك على حاجات وغالبًا كان ردك إن دي بتبقى مراهقة للبنات الصغيرين ومشاعرهم مش بتكون حقيقية وكلام شبه ده. بس أنا كنت حاسة إن مشاعري حقيقية فقررت أحتفظ بيها لنفسي وكنت بزعل لوحدي في أوضتي وأفرح لوحدي.
أنا آسفة بس ده اللي حصل.
- كملي يا هايا هانم.
تنحنحت هايا ثم أكملت في حرج.
- قبل ما أحمد يسافر بيوم كنت بتمنى من كل قلبي يكلمني، يطمني إني لسه جواه ومعجب بيا وعايزني. أي رد فعل قبل ما يسافر وما أحسش إني خسرته فعلاً.
اليوم ده من خنقتي ما قدرتش أقعد في البيت، أحمد خلاص هيسافر ومش هشوفه تاني.
فرجعت أقعد في نفس مكاني في الحديقة بس ما كنتش مستنية حاجة غير أمل يرجع لقلبي الفرحة اللي كان عايشها من غير ما أعمل أي حاجة غلط طبعًا.
وفجأة لقيت أحمد قدامي وبيقرب عليا وعلى غير العادة بيمد إيده يسلم عليا.
سلمت عليه بطرف إيدي البارد وسحبتها بسرعة جدًا. وبعدها قعد جنبي من غير ما يسألني كالعادة.
بعدت عنه شوية وسبت بينا مسافة كافية إني أسمعه وهو بيكلمني.
ضحك واستغرب رد فعلي وبعدين بص بعيد وهو بيمرر إيده بين خصلات شعره الناعمة ورجع يبصلي تاني وقالي:
- إزيك يا هايا.
- الحمد لله أنا بخير، إنت إزيك.
- أهو كويس.
- يا رب دايمًا كويس.
تنهد وبعدين قالي:
- أنا مسافر بكرة. ومش راجع غير بعد ما أخلص دراسة خالص.
- ترجع بالسلامة إن شاء الله.
هو سكت شوية وبعدين قالي:
- هايا ممكن سؤال؟
رديت:
- أكيد اتفضل.
- ممكن أعرف ليه لحد دلوقتي ما فكرتيش تردي عليا في طلبي منك! انتي حتى ما قولتيش لأ عشان أفهم بكده إنك مش بتبادليني نفس الشعور فأصرف نظري عنك مهو أكيد مش هتحبيني غصب عنك.
سايباني محتار وأفكر، تحت احتمالات كتيرة ما بين آه عايزاني أو لأ. أقول لو مش عايزاني كانت رفضتني. أرجع أقول بس لو عايزاني كانت وافقت.
أنا بالفعل قررت أصرف نظر عن الموضوع وأطلعه من دماغي بس ما قدرتش أطلعه من قلبي انتي مستوعبة!!
اتنهد بقوة وغضب وقتها وحسيت قد إيه هو تعبان وموجوع بسببي، قلبي كان بيدق جامد كنت بقوله من جوايا بكل حاجة حاسة بيها تجاهه بس من برا أنا ببصله وساكتة.
وبعدين بصّلي جوه عيوني وركّز أوي، لدرجة إني حسّيت بدوخة من شدة خجلي، فقال لي بطريقة انفعالية:
- هايا أنا بحبك! ياريت ما تتعّبيش قلبي معاكي أكتر من كدة.. أنا كل يوم باجي أقعد في المكان ده، على الكرسي ده بالتحديد، وأفضل مستنيكي وأقول دلوقتي هتيجي ده مكانها اللي بتحبه وبتقعد فيه دايمًا بس إنتي مبتجيش..
هتصدقيني لو قولتلك إني دلوقتي جيت على آخر أمل ليا ألاقيكي وأقولك كل اللي جوايا وأرتاح بقى..!
أنا وقتها بصّيت عالأرض بحاول أجمّع الكلام اللي هقوله، ما أنا أكيد مش هكتم جوايا أكتر من كدة..
فضلت باصة في الأرض استجمعت قوتي وجرأتي وأنا بقوله:
- عارف يا أحمد في مغنية قالت جملة حلوة أوي، جملة بتوصف شعوري اللي جوايا ليك بالحرف الواحد.
غنّتهاله من كل قلبي:
- "لو اختار ما بين نفسي وما بينك هعترف.. بإن إنت أغلى وأولى وكمان أولى..
بحبك سنين في السر ومحدش عرف.. وأنا أدفع سنين تانيين وأحبك في العلن.."
كان بيضحك ضحكة مش غايبة عن خيالي وكان مبهور بصوتي كمان فقولتله:
- عارف ده معناه إيه ولا أوضّح أكتر من كدة..!
مش قادرة أوصفلك يا ماما كم الفرحة اللي كان فيها وقتها واسمحيلي أحكيلك بالتفصيل باعتبار إنك صاحبتي مش مامتي، مش هلاقي أولى منك أحكيله سري.
قالت زهرة في حماس وتعجب:
- احكي ياحبيبتي دا إنتي غلبتيني أنا وباباكي في قصة حبنا، احكي دا أنا هعمل منك شاورما دلوقتي..
ضحكت هايا بسعادة لا تُوصف فقالت:
- تخيلي رَد عليا قال إيه..
قالي أنا لو مكنش حرام دلوقتي إني أقوم أحضنك كنت حضنتك قدام الناس دي كلها وأعوض نفسي كل اللي عملتيه فيا الشهور اللي فاتت دي، بس عمومًا أنا همسك نفسي لكن يوم ما تبقي حلالي أوعدك إني هاخد حقي منك تالت ومتلت يا هايا يا بنت.. زهرة.
وبس يا ستي أخدت منه وعد قعدت سنين بتمنى يتحقق واتفقنا إن يجي يتقدم لما يتخرج وأهو رجع وعايز يجي يوفي بوعده ليا...
تساءلت زهرة:
- وكل المدة دي كنتوا بتتكلموا؟
- أبدًا والله يا ماما أنا كنت براعيكي في كل تصرف مكنش بيني وبينه أكتر من السلام وكل فترة والتانية يتطمن عليا عشان أنا ماعنديش أغلى من ثقتك فيا وإنك تفضلي رافعة راسك قدام الدنيا كلها وتقولي أنا فعلًا ربيت حتى لو.. حتى لو كان بابا مش موجود.
تأثرت زهرة وبشدة ترقرق الدمع في عينيها رُغمًا عنها وهي تقول:
- أنا فخورة بيكي جدًا يا بنتي وبتمنى لو كان باباكي معانا دلوقتي وشايفك كبرتي واحلويتي وبقيتي عروسة زي القمر... ربنا يرجعه سالم غانم يعوض سنين الشوق والمرار اللي شوفتها في غيابه.
***
في بيت عم محمود
محمود بفرحه:
- حمدالله على سلامتك يا ابني نورت بيتك أخيرًا يا حبيبي شوفناك دي مامتك كانت طول الوقت تعبانة وقلبها دايمًا واكلها عليك عشان إنت مش قدام عنيها تخيل!
أجاب في سعادة:
- ربنا يخليكوا ليا يا بابا ولا يحرمني منكوا أبدًا، كل دا بفضلكوا عليا لولاكوا مكنتش عملت حاجة بعد ربنا.. أمال ماما مالها سمعت إنها كانت تعبانة
أجاب محمود في أسى:
- آه والله يا ابني كانت تعبانة، دا لولا جارتنا مدام زهرة وبنتها هايا كان زمانها حالها حال دلوقتي.. الحمد لله.
اطمئن قلب أحمد لتلك السيرة الطيبة وقال في نفسه "هايل أنا كدا مسكت طرف الخيط" ثم قال:
- طيب عمومًا أنا في موضوع عايز أكلمكوا فيه بس فين ماما الأول عايز أتطمن عليها..
أجاب محمود ضاحكًا:
- دي من الصبح وهي شاغلة نفسها في تجهيز كل الأكلات اللي بتحبها كإنك كنت عايش جعان، ما تعرفش إنك هناك بتاكل أحلى أكل..
- والله يا بابا أكل الدنيا كوم وأي حاجة من إيد ماما كوم تاني خالص..
- ومافيش كلمتين حلوين زي دول لأبوك يعني؟
قبّل أحمد يد والده وقال ضاحكًا:
- دا إنت الخير والبركة يا حبيبي، كنت واحشني أوي والله يا بابا..
أخذ يربّت على كتفه بحنان قائلًا:
- وإنت أكتر يا حبيب أبوك.. تعالى يا حبيبي ارتاح من مشوار سفرك واحكيلي موضوع إيه اللي عايزني فيه
ذهب بصحبته إلى الداخل قائلًا:
- كل خير إن شاء الله..
***
انتهت زهرة من الحديث مع ابنتها وجلست تحتسي كوب الشاي الأخضر المفضل لديها على أثر ذكر سيرة زوجها جلست تستمر في تذكر ماضيها...
تأثر المنشاوي من حديث زوجته غضبًا فشد على قبضة يده ثم قال:
- يا بدرية.. الشدة هي اللي بتبين معدن الناس، الظاهر إني لما عرفتك اتخدعت في طيبة قلبك وإنسانيتك لكن شوفي بقى.. برضاكي أو غصب عنك البنت دي هتقعد معانا لحد ما مامتها تقوم بالسلامة وأنا مستحيل أرمي لحمي فالشارع إنتي فاهمة!
كان أثر وقع الكلمة على مسامعها ماحيًا لكل ما قاله فردت قائلة وقد اتسعت حدقتا عينيها:
- لحمك!!..
أجاب في جمود:
- آه لحمي.. إنتي ماتعرفيش كل حاجة عن عيلتي ردت في عدم فهم:
- إزاي بقى ممكن تفهمني!
أجاب:
- عبد الحميد يبقى ابن عمي من واحدة تانية في السر غير مراته الأولى.
عمي زمان كان شاف واحدة غلبانة وحالها ميسرش كان في ناس دايمًا مستقصداها وعايزين يأذوها وشاف إنه كان لازم يحميها منهم بجوازه منها.. فاتجوزها فالسر مش عشان فكرة الجواز نفسها لكن لهدف تاني وهو إنه يحميها من شرهم وقرر يخلي الموضوع سِر واستأمني أنا على سره ولما مكنش بيقدر يروحلها كان بيبعتني ليها، مع الأيام بقى خلفوا عبد الحميد وعمل عقد جوازهم رسمي بدل عرفي..
تساءلت بدرية:
- وبعدين..!
أكمل حديثه في هدوء:
- وبعدين لما عمي اتوفى حصلت مشاكل على الميراث كان عبد الحميد ليه حقوق عايز ياخدها والدته خافت عليه من المشاكل والاشتباك بأهل أبوه فمنعته من حقه، وطلبت منه يتنازل عن حقه فالميراث عشان ما تحصلش مشاكل وعشان ما يحتكش بيهم أصلًا، هو ساعتها كان في أشد الحاجة للفلوس دي ورافض إنه يستغنى عن حقه لمجرد إن جواز أمه من أبوه كان فالسر فمشي غضبان وساب البلد.. بعد كدا لما حاله اتظبط اتجوز سنية وجاب منها زهرة ورجعت علاقته مع والدته كويسة لحد ما اتوفت هي كمان واستقر هنا في مصر..
فهمتي يا بدرية أنا ليه بعمل كدا مع زهرة بالذات لما أبوها اللي هو أصلًا ابن عمي اتوفى! عرفتي ليه اهتميت بعزاه ومراته اللي في مقام أختي!
نظرت له بدرية وقد بدا على ملامحها الحزن والتشتت والندم فقالت:
- وإنت ليه شايل كل دا جواك من غير ما تقولي أو تحكيلي عن كل ده، كنت هتخسر إيه لما تفهمني بدل ما إنت سايبني كدا زي الأطرش فالزفة
أجاب في حنق:
- يعني يا بدرية شوية الوقت اللي برتاح فيهم فالبيت هاجي أحكي فالأمور دي وبعدين كل شيء بأوانه وأديكي عرفتي أهو.. يلا بقى خلينا نعشي البنت اللي سبناها برا دي..
هتفت قائلة وهي تتودد إليه بحنان:
- طيب أنا آسفة بصراحة كنت متأثرة بكلام سماح وفريدة خلوني أغير عليك.. مش من حقي أغير على جوزي حبيبي ولا إيه..
تبسم ضاحكًا وهو يقوم بتظبيط ياقته ثم قال:
- حقك، جوزك زي القمر ولازم تخافي عليه من عيون الستات..
يلا يا ستي زمان بنت أختك أكلت البنت بقشورها، بذمتك شايفة البنت زي القمر إزاي؟
أجابت:
- ما شاء الله عليها حقيقي جميلة.. ربنا يقوملها مامتها بالسلامة..
أجاب:
- آمين يا رب.. يلا بينا بقى.
في الصالون
سماح:
- اشربي يا زهرة العصير.
قبل أن ترد زهرة دلف سليم فوجد زهرة مازالت على حالتها فقال متعجبًا:
- إيه دا معقول يا جماعة زهرة زي ما هي كدا قومي يا فريدة خليها تلبس حاجة عشان تقعد بيها هو أنا اللي هوصيكي!
دلف إليهم منشاوي وبدرية..
فقالت:
- بالظبط كدا يلا يا دودو يا حبيبتي خذي زهرة خليها تغير هدومها وبعد كدا تعالوا على أوضة السفرة عشان نتعشى
قالت زهرة في حرج:
- لا معلش أنا محتاجة أرتاح اتعشوا إنتوا بالهنا والشفاء..
رد منشاوي:
- ليه بس كدا يا زهرة إنتي وسط أهلك مش عايزك تحسي إنك غريبة بينا عالأقل اتعشي معانا بعدين ارتاحي براحتك تمام!
شعرت بالحرج فأومأت بالموافقة قائلة:
- تمام حاضر
هتفت فريدة بتأفف ونفاذ صبر:
- يلا بقى يا زهرة!
تقدمت إليها بالخطوات قائلة:
- عن إذنكوا..
رواية زهرة الفصل السادس 6 - بقلم ندي أشرف
ذهبت زهرة خلف فريدة وأحضرت لها ملابس مخصصة للضيوف.
وبعدها عادوا ليجتمعوا على مائدة الطعام.
تناولت شيئاً بسيطاً، ثم اعتذرت منهم وغادرت على الفور.
كانت تتابعها في صمت نظرات سليم حتى اختفت عن ناظريه.
وأيضاً فريدة التي كانت تلقي نظرة حيث زهرة وأخرى حيث سليم، وكانت تستشيط غضباً لهذا الاهتمام.
ثم همت لتغادر هي الأخرى، فبقى الطعام كالغصة في حلقها، لم تستطع تناول المزيد.
ذهبت زهرة إلى غرفتها التي أخبرتها عنها بدرية وقضت ليلتها تبكي وتدعو الله أن يُفرج كربها ويشفي والدتها.
كانت مشتتة الذهن والقلب، ولا يوجد ما يهون عليها سوى ما تشعر به من سليم تجاهها كنقطة بيضاء وسط سواد، كشعاع نور وسط ظلام.
ظلت تفكر وتدعو وتبكي حتى غطت في ثباتٍ عميق.
في صباح اليوم التالي، ذهبت بصُحبة المنشاوي وسليم إلى المستشفى.
كان دكتور خالد ماراً بأحد الطرقات في المستشفى منشغلاً بملفات بين يديه.
بينما يبحث عنه المنشاوي ليسأله عن حالة سنية، فاصطدم به.
رفع بصره إليه قائلاً:
- منشاوي بيه أهلاً بحضرتك. أنا آسف جداً، ماخدتش بالي. مشغول جداً والله. ازيك يا أستاذ سليم؟ ازيك يا زهرة؟
أجابوا جميعهم بالحمد لله.
ثم هتف منشاوي قائلاً:
- ولا يهمك يا دكتور خالد. طيب أقدر أطمن على مدام سنية وأسألك عن حالتها ولا لسه مشغول؟
أجاب:
- لا لا تمام. أنا مش مشغول أوي يعني. هوا دلوقتي ممكن حد يدخل لها يتطمن عليها، بس للأسف لازم شخص واحد بس وبدون إزعاج ومش أكتر من خمس دقايق.
فقال منشاوي سريعاً:
- طبعاً طبعاً.
ثم نظر لزهرة وقال:
- زهرة هتدخل تطمن على مامتها وأكيد مش هتتأخر، ولا إيه يا زهرة؟
أجابت في لهفة:
- حاضر والله، بس أهم حاجة أشوفها وأتطمن عليها.
تأثر سليم بنبرة زهرة وتلهفها لرؤية والدتها، ثم قال سريعاً:
- طيب يلا يا جماعة خلونا نروحلها عشان زهرة تطمن.
نظرت له في امتنان، ثم توجهوا صوب غرفة سنية.
دلفت إليها فوقع بصرها عليها وعلى المحاليل المعلقة بيديها والهدوء التام الذي يتخلله صوت الأجهزة.
لم تستطع تحمل ذلك المنظر الذي لم تتوقع أبداً أن ترى والدتها عليه، لا حول لها ولا قوة، ساكنة لا حراك.
ثم أمسكت بيدي والدتها قائلة بدموع:
- كدا بردو يا ماما تسبيني لوحدي؟ قلبي موجوع عليكي يا ماما، ارجوكي فوقي وارجعيلي وخلينا نعيش في بيتنا تاني، وأنا هخلي بالي منك. كفاية بابا سابني، متسيبينيش إنتي كمان.
تنـهدت ثم مسحت الدموع عن عينيها قائلة:
- عموماً اتطمني ياحبيبتي، أنا بخير. مش ناقصني غيرك. المنشاوي بيه وسليم أخدوني معاهم، مش قاعدة لوحدي. بس أنا يا ماما مبحبش أقعد وسط ناس غريبة، خصوصاً لو فيهم حد بيكرهني. متتأخريش عليا بالله عليكي يا ماما وقوميلي بألف سلامة عشان خاطري.
أخذت تقبل يدي والدتها، ثم وضعت رأسها على يديها وأغمضت عينيها تبكي وتدعو الله وترجوه أن يعيد لها والدتها بكل سلامة وصحة طيبة.
في تلك اللحظة، دلفت عليها الممرضة وطلبت منها أن تخرج وأخبرتها بأن ذلك الوقت يكفي وأن هذا ليس في مصلحة المريضة.
أجابت زهرة بعيون دامعة:
- معلش لو سمحتي خليني معاها شوية كمان.
ردت الممرضة في أسف:
- أنا آسفة والله، ياريت كان بإيدي. دي تعليمات دكتور خالد. بعد إذنك يلا بقى كفاية كدا.
أومأت زهرة إيجاباً قائلة:
- طيب خلاص أنا جاية وراكي.
- اوكي، متتأخريش لو سمحتي.
خرجت زهرة بعد أن ودعت والدتها وذهبت لكي تسأل الدكتور عن حالتها.
عندما خرجت وجدت المنشاوي وسليم فقط، ثم سألتهم:
- هوا فين دكتور خالد؟ أنا عايزة أسألة عن ماما.
أجاب:
- متقلقيش، إحنا اتطمنا منه عليها وهوا راح يشوف شغله.
تسائلت:
- طيب هوا قال إيه؟ ماما هتفوق إمتى؟
حاول منشاوي ألا يذيد من قلقها وأدعى أنها بخير وقريباً جداً ستستفيق من غيبوبتها، رغم أن كلام دكتور خالد كان: "أنا مش هخبي عليكوا، ممكن تطول فالغيبوبة دي، لكن إحنا بنتوقع إنها تفوق بعد ٣ أيام تقريباً، على حسب. وبعدين هيا كأنها بتحارب الموت، مش رافضه الحياة زي ناس كتير، وطبعاً أكيد دا عشان بنتها. حالة الفشل الكلوي عندها متأخرة جداً، وبعد ما تفوق هنعملها غسيل كلوي بشكل منتظم، وللأسف حياتها بردو مش هتكون في أمان زي الأول. بس ياريت يا منشاوي بيه متوصلش لزهرة الموضوع بوضوح منعاً لانهيارها هيا كمان لا قدر الله".
شعر كلاً من منشاوي وسليم بالحزن الشديد، فرد قائلاً:
- لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ربنا يلطف بيها ويقومها بألف سلامة. حاضر يا دكتور إن شاء الله.
رد قائلاً:
- طيب استأذن أنا بقى. بعد إذنكوا.
زهرة:
- طب أنا عايزة أروح البيت بقى لو سمحتوا، أنا مش حابة أتقل عليكوا أكتر من كدة. كتر ألف خيركوا.
أجاب المنشاوي في ضيق:
- يابنتي إنتي غاوية وجع قلب؟ حد زعلك هناك؟ عايزة تمشي ليه؟ دا كل اللي قعدتيه معانا ليلة مش أكتر. وبعدين ياستي اعتبريه بيتك، دا والدك عبد الحميد كان زي أخويا بالظبط وأنا مقدرش أسيب بنت أخويا في ظروف زي دي لوحدها.
زهرة:
- بس أنا...
- مافيش بس ولا حاجة، إنتي هتروحي معانا عالبيت والكلام ده ما يتكررش تاني. وأول ما والدتك تفوق واتطمن عليكوا ارجعي بيتك براحتك. ولا أنا بيتي مش عاجبك بقى يا ست زهرة؟
ابتسمت في حرج قائلة:
- بالعكس والله، بيت حضرتك جميل وطنط بدرية طيبة.
جال في خاطرها فريدة فشعرت بالاشمئزاز، كما وأنها من الأساس كانت تود الهروب من رؤيتها أو التعامل معها، لكنها للأسف الآن مضطرة إلى العودة معهم.
تسائل في قلق:
- إيه، روحتي فين؟ مالك!
انتبهت له قائلة:
- ها؟ لا أنا تمام، يلا خلينا نرجع عالبيت.
ثم ذهبوا إلى السيارة.
جلس سليم بالخلف بجانبها، ثم تسائل في هدوء:
- زهرة.. إنتي في حد فالبيت بيضايقك؟
- لا مافيش.
- متخبيش عني حاجة، متخافيش لو حد مضايقك هتصرف بنفسي ومش هقول أنك قولتيلي حاجة.
ثم قال بنبرة حانية:
- أنا أهم حاجة عندي تكوني مرتاحة.
نظرت له تتفحص ملامحه بعد أن شعرت بتلك النبرة الغريبة في صوته، ثم قالت في حرج:
- لا لا مفيش. لو حد ضايقني هقولك. أنا بس كنت حابة أقعد فالبيت، أكيد كنت هحس إن ريحة ماما في كل مكان فيه وإنها موجودة معايا. كان يبقى أهون بردو شوية.
صمتت لثواني ثم استطردت قولها:
- طب ممكن نعدي على البيت أجيب حاجات ليا؟
أجاب:
- طبعاً ممكن، بس على شرط.
تسائلت في حيرة:
- شرط إيه؟
- إنك تقبلي نتعشى أنا وانتي برا النهاردة وتغيري جو شوية بدل ما انتي شكلك بقى مرهق كدة. متخافيش، عزومة على حسابي مش هتدفعي ولا جنيه.
قالها ثم ضحك.
ابتسمت هي الأخرى ثم أجابت في ضيق:
- ازاي بس يجيلي نفس أعمل أي حاجة وماما فالمستشفى تعبانة، الله أعلم هتفوق تاني ولا...
أجاب:
- ولا إيه؟ متكمليش ليه التشاؤم ده بس! مامتك هتقوم وهتبقى زي الفل كمان.
أجابت وهي تبكي:
- مستحيل طبعاً أقدر أفرح بأي حاجة إلا لما أتطمن عليها وأشوفها بخير.
أجاب:
- طيب طيب خلاص إهدي وبلاش دموعك دي. أنا كان نفسي بس أخرجك من جو الاكتئاب ده، لكن اللي يريحك طبعاً.
ثم أخبر والده بالتوجه إلى بيت زهرة ثم إلى الڤيلا.
قام المنشاوي بتوصيل زهرة إلى الفيلا بعد أن أحضرت أغراضها وعاد مغادراً إلى عمله هو وسليم قائلاً:
- يلا يا زهرة انزلي انتي وزي ما قولتلك البيت بيتك، خدي راحتك وظبطي حاجتك وإعتبري نفسك وسط أهلك. تمام؟
هبطت من السيارة بهدوء قائلة:
- حاضر.
وقفت تنظر إليهم بينما ظلت نظرات سليم معلقة بها حتى ابتعد بالسيارة، فأدارت نفسها إلى الفيلا وهي تفكر في نفسها قائلة:
"غريب أمرك ياسليم، نفسي أفهم هو ليه مهتم بيا أوي كدة. مهو مش معقول هيبصلي وأنا واحدة فقيرة حياتها مكركبة ومقلوبة رأساً على عقب. هوا فين وأنا فين؟ دا حتى المكان اللي بعيش فيه ما يجيش جنب جنينة ڤيلتهم حاجة. وأكيد كمان بعد ما الفترة دي تعدي مش هشوفه تاني. أنا لازم أحجم العلاقة دي ومعلقش نفسي بيه وأصرف نظري عن أي تفكير فيه حفاظاً على قلبي وكرامتي، كفاية اللي أنا فيه!"
أطرقت على الباب، فتحت لها الخادمة.
دَلفت في هدوء، وجدتهم جالسين سماح وبدرية وفريدة.
ألقت السلام عليهم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بدرية:
- أهلاً يا زهرة، طمنيني ياحبيبتي أخبار مامتك إيه دلوقتي؟
أجابت في حزن:
- الحمد لله. بس للأسف لسه في الغيبوبة، إدعيلها بالله عليكي يا طنط بدرية.
هتفت فريدة بصوت خافت، تهامس سماح، لكن زهرة سمعتها تقول:
- باينها كدا قاعدة على قلبنا كتير. لا وجايبة شنطة هدومها.
نظرت زهرة إلى حقيبة يدها ثم هتفت في غضب:
- على فكرة أنا كنت عايزة أروح أقعد فالبيت، بس منشاوي بيه رفض وقالي ماينفعش أبقى لوحدي هناك.
رمقتهم بدرية بنظرة غيظ فقالت:
- طبعاً يا حبيبتي، ما يصحش بنوتة زي القمر كدا تبقى لوحدها فالبيت. تعالي تعالي، أنا هرتب معاكي الأوضة وحاجتك. يلا بينا.
إحتوتها بذراعها وذهبت بها إلى غرفتها وهي تتحدث معها بهدوء.
قالت سماح في غضب:
- جرا إيه يا فريدة؟ إنتي اتجننتي؟ ليه كدة تحرجيني مع خالتك؟ لازمته إيه الكلام ده قدامهم؟
أجابت فريدة في حنق:
- طيب طيب خلاص الله! أنا بس في حاجة مستغرباها، هما ليه مهتمين بيهم أوي كدة وهيا حيالله بنت صاحبه!
أجابت سماح:
- معرفش، يمكن فتحوا بيتهم سبيل للي يسوى واللي مايسواش!
ثم تبادلا الضحكات هي وابنتها.
دَلفت إليهم بدرية قائلة في غضب:
- أنا فاتحة بيتي سبيل؟ لعلمك بقى زهرة مش حيالله بنت صاحبه، لا هيا تبقى قريبة المنشاوي ومش واحدة غريبة ولا حاجة. وياريت اللي حصل ده ما يتكررش تاني ونراعي شعور البنت لحد ما مامتها تفوق وترجع تعيش حياتها زي ما كانت تاني تمام! أنا مش عايزة مشاكل مع المنشاوي.
ضحكت سماح في حرج قائلة:
- يوه إنتي زعلتي يابدرية؟ دا إحنا بنهزر، متاخديش كل حاجة جد كدة الله. وبعدين أهو يونسوا بعض ويتصاحبوا على بعض بدل ما فريدة وحيدة. مش كدة يا فوفا؟
لوت فريدة شفتيها ثم أدارت وجهها بعيداً قائلة:
- آه كدة.
بعد أن غادرت زهرة، عاد سليم ليجلس في الكرسي الأمامي بجانب والده.
تسائل المنشاوي قائلاً:
- كنتوا بتتكلموا في إيه بقى بصوت واطي كدة؟
شعر سليم بالحرج الشديد من والده فقال:
- لا أبداً، أنا كنت بواسيها بس وبحاول أخفف عنها مش أكتر.
- مممم، بتواسيها مش أكتر. أمال أنا ملاحظ اهتمام غريب كدة. مش إبني اللي أنا أعرفه يعني. إحكيلي، أنا زي أبوك بردو.
ضحك سليم فقال:
- والله يا بابا إحساس كدة لله فلله إن البنت دي غلبانة وطيبة ومستاهلش أبداً اللي بيحصلها.
- آه، بتشفق عليها يعني.
- مش بالظبط يعني بس...
رد منشاوي بنبرة حادة:
- إسمع.. إنت قولت أهو هي متستاهلش اللي بيحصلها، يعني ياريت متبقاش إنت كمان سبب في يوم لكسرة قلبها. والمسافة اللي بينكوا دي أنا مش عايزها ومش عايزك تعلق البنت بيك تمام؟
تعجب سليم فقال:
- الله! ولا لازمته إيه بس الكلام ده يا بابا.
- أنا قولت اللي عندي وانت وضميرك، يلا إنزل خلينا نشوف شغلنا.
عادت بدرية إلى غرفة زهرة من جديد فطَرقت على الباب قائلة:
- ممكن أدخل يازهرة؟
أجابت:
- آه طبعاً اتفضلي.
هتفت بدرية في حرج:
- متزعليش يازهرة من فريدة وياريت لو ماتهتميش بأي تصرفات تحصل منها وأعتبريها كأنها مش موجودة أصلاً.
أجابت:
- لا لا أنا مش زعلانة منها. أنا مقدرة بردو إننا من سن بعض وهيا فجأة لقت واحدة غريبة في حياتها أخدت إهتمام أهلها فطبيعي تتضايق من وجودي، بس يارب أكون خفيفة على قلبكم والوقت يعدي على خير.
أجابت:
- والله يازهرة إنتي اختصرتي الكلام كله. أوقات بحس إنك أكبر من سنك وإنك قد المسئولية اللي ربنا حطك فيها، فعلاً إن الله لا يُكلف نفساً إلا وسعها. المهم بقى قوليلي نفسك تاكلي إيه النهاردة؟ ولا إنتي مابتعرفيش تاكلي غير من إيد مامتك؟
ابتسمت زهرة فقالت:
- لا أنا مش بهتم بالأكل أساساً وأي حاجة من حضرتك هحبها أكيد. بس هيا فين مامتي دلوقتي؟ أنا بجد محتاجلها ونفسي تكون جنبي وتشاركني كل حاجة بحسها وبمر بيها. أنا مش مستوعبة إزاي فجأة كدا بقيت لوحدي! الأول بابا يتوفى وبعدين هيا تدخل في غيبوبة واحنا مالناش حد خالص لولا منشاوي بيه، وبفكر كتير بكون مستغربة ليه بيعمل كدا معانا. مش عارفة بس ربنا يعدي الأيام دي على خير.
أجابت:
- هتعدي إن شاء الله وماما هتقوم بالسلامة، بس انتي متفكريش كتير فالأمور دي، بكرا كل حاجة هتبقى تمام.
ثم اقتربت منها واحتضنتها في حنان، ثم أبعدتها برفق قائلة:
- تعرفي أنا كان نفسي يبقى عندي بنوتة زيك كدة. ونتكلم مع بعض وأعتبرها صاحبتي. إيه رأيك تعتبريني صاحبتك؟
أجابت زهرة في سعادة:
- ياه دا أنا ليا الشرف إن يبقى ليا صاحبة زي حضرتك كدة.
- طيب يا ستي اتفقنا. يلا خلصي اللي في إيدك وتعالي تحت نتفرج على التليفزيون لحد ما الغدا يجهز.
ردت زهرة بإبتسامة خفيفة:
- حاضر اتفضلي انتي وأنا جاية وراكي.
عادت بدرية إلى الطابق السفلي فوجدت سماح جالسة بمفردها فتسائلت بتعجب:
- أمال فين فريدة مش موجودة يعني؟
أجابتها في عدم اهتمام:
- خرجت. راحت تعمل شوبينج مع صحابها، تغير جو كدة يعني.
- هيا مش لسه تعبانة؟
- لا لا بقت كويسة.
- طيب المهم أنها ماتتأخرش عن ميعاد الغدا، المنشاوي وسليم قربوا يرجعوا.
ثم جلست بجانبها قائلة:
- يلا هاتي المسلسل زمانه اشتغل.
أما زهرة فجهزت نفسها، دائما ما تكون حريصة على أن ترتدي ملابس محتشمة تخفي مفاتن جسدها، لا تصف ولا تشف، خاصةً أن سليم ووالده كثيراً ما يتواجدون في الفيلا ومن المتوقع حضورهم في أي وقت.
كانت جميلة وتزداد جمالاً عندما تبدو بذلك المظهر.
دَلفت إليهن فوجدتهم جالسين أمام التلفاز يستعدون لمشاهدة ذلك المسلسل الذي سبق وأخبرتها عنه بدرية.
جلست بجانبها وتسائلت:
- إيه قصته بقى المسلسل ده عشان أنا مش بتابع حاجة خالص.
قبل أن تنطق بدرية، أجابت سماح:
- المسلسل ده بقى حاجة كدا ممتعة في الفُرجة عليه، قصته رومانسية بتتكلم عن حب البطل للبطلة رغم كل الظروف ورفض أهلهم لإرتباطهم واختلاف المستوى الاجتماعي بينهم. بس كان حبهم لبعض أقوى من أي سبب يمنعهم من الجواز. فضلوا مع بعض ومستغنوش عن بعض وفضل حبهم قوي جداً. بدأو حياتهم بعيد عن أهلهم بسبب خلافات المستوى الاجتماعي وبدأوا من الصفر وعاشوا أيام صعبة لحد ما بقوا أغنية وليهم اسم كبير وكونوا عيلة كبيرة ورجعوا لأهلهم تاني. إحنا شوفناه قبل كدا بس بنحب نتفرج عليه أوي خصوصاً إنه دايماً مرتبط بليالي الشتاء وذكرياته الجميلة.
كانت سماح تقص على زهرة قصة المسلسل وهي بعالم آخر.
من بداية ما وصفت سماح، وزهرة تفكر في سليم وتشابه الظروف بينهم.
تسائلت سماح:
- زهرة؟ إنتي معايا!
هتفت بدريه ضاحكه:
- يا شيخة اعتقيها لوجه الله إنتي ما صدقتي، زهرة مش معاكي خالص أصلاً!
أجابت زهرة في حرج:
- لا لا أنا معاكي، ده باين إن قصته حلوة جداً.
ردت سماح بسخرية:
- قصته حلوة جداً؟ آه تمام. ما علينا، اسكتوا بقى عشان هيبدأ أهو.
هتفت بدريه ضاحكة:
- شوفوا مين بيتكلم.
نظرت لها سماح في ضيق دون أن تتفوه بكلمة، ثم عادت تنصت إلى مشاهدة المسلسل في هدوء.
في شركة المنشاوي بيه.
هتف سليم في حماس:
- بابا المناقصة دي مهمة جداً، إحنا لازم نكسبها.
أجاب في حزم:
- طبعاً أمال إنت فاكرني نايم على وداني! مش هسيبها بسهولة كدة تروح مني. عموماً، عرضنا ميترفضش متقلقش. بكرة أو بعده بالكتير هيكون الموضوع دا خلص.
- طيب تمام، طمنتني. أنا أصلي متحمس ليها جداً، هتنقلنا نقلة تانية خالص. يلا أنا هروح أخلص شوية شغل كدا وهعدي عليك عشان نروح مع بعض.
أجابه وهو منشغلاً في عمله:
- تمام هستناك.
قطع تركيزه اتصال من دكتور خالد، فترك ما بيده وأجاب على الفور.
شعرت زهرة بشيء ما غريب أثناء مشاهدتها للتلفاز، لا تدري ما هو، لكنها شعرت بقبضة في قلبها وكانت تشعر بالقلق على والدتها والاشتياق إليها، فاستأذنت وعادت مغادرة إلى غرفتها تفكر بهدوء، ثم قالت في نفسها:
"أنا هقوم أتوضى وأصلي ركعتين يمكن قلبي يرتاح."
جلست تصلي وتدعي لوالدتها، وعندما أنهت صلاتها ذهبت لتنظر في هاتفها، وجدت عدة مكالمات من المنشاوي.
انقبض صدرها قليلاً، وفجأة دلفت إليها بدرية مُسرعة تبدو على وجهها علامات غير معلومة، أهي خوف أم حزن، خير أو شر!
فقالت لها:
- زهرة، منشاوي بيكلمك مش بتردي عليه ليه؟
مدت يدها إليها بهاتفها قائلة:
- خدي هوا عال تليفون عايز يقولك حاجة مهمة بخصوص والدتك.
سحبت منها الهاتف في قلق وخوف وهي تتمنى ألا تسمع منه ما تكره.
ثم أجابت في قلق:
- السلام عليكم.
في المستشفى.
كان دكتور خالد واقفاً يتحدث مع إحدى الممرضات أمام غرفة سنية، فذهب إليه المنشاوي في لهفة قائلاً:
- إيه الأخبار يا دكتور خالد؟ فعلاً مدام سنية فاقت!!
كذلك زهرة التي هتفت في فرحة شديدة:
- أنا عايزة أشوفها يا دكتور لو سمحت.
أجاب خالد:
- إهدوا بس يا جماعة، اللي حصل إنها فعلاً فاقت الحمد لله وكانت بتنادي على زهرة.
فلاش باك.
دخلت الممرضة على سنيه لتُعيد وضع المحلول، كانت سنيه تحاول أن تستفيق.
نظرت لها الممرضة في عدم تصديق، وجدتها تحرك إصبع السبابة، وبعد دقائق قليلة هتفت بصوت خافت وعدم وعي كافي:
- زهرة.. زهرة.
خرجت الممرضة في سرعة لتُخبر دكتور خالد بما رأت قائلة:
- يا دكتور تعالى بسرعة مدام سنيه فاقت.
انتفض خالد من مقعده وقام سريعاً وهو غير مصدقاً ما يسمع.
دَلَف إليها ليطمئن بنفسه، وجدها تبكي وتتألم ولازالت تنادي إبنتها زهرة.
قال خالد للممرضة:
- خليكي معاها وتابعي حالتها لحد ما أرجعلك. أنا هتصل بيهم ييجو يجيبولها زهرة، أكيد لما تشوفها هترتاح وتهدى. يلا اتحركي مستنية إيه؟!
خالد:
- بس وحالياً هخلي زهرة تدخلها عشان تطمن بوجودها جنبها وتستعيد وعيها من تاني.
جلسوا جميعاً على كراسي الانتظار أمام الغرفة، بينما ذهبت زهرة لتطمئن على والدتها.
هتفت بدريه قائلة:
- متتصورش زهرة كانت هتطير من الفرحة إزاي بعد مكالمتك ليها، تخيل إنها حضنتني أوي من فرحتها. دي خلتني أحس بشعور مفتقداه. أنا معنديش بنات بس طول ما هيا معايا حسيت إنها بنتي والله وفرحت لفرحها جداً.
رد المنشاوي:
- الحمد لله يا بدرية، الحمد لله. الواحد كان خايف على الست دي لايجرالها حاجة عشان بنتها.
ثم غمز لها ونظر لسليم الجالس بجانبهم قائلاً:
- شايفة إبنك عامل إزاي؟ من وقت ما ظهرت زهرة في حياته وهوا واحد تاني خالص غير اللي أعرفه.
تسائلت:
- ازاي يعني؟ قصدك إيه؟
لاحظ سليم نظراتهم التي تراقبه فشعر بالتوتر أكثر فقال:
- إيه مالكوا؟ بتبصولي كدة ليه؟ بقولكوا إيه أنا رايح أجيب حاجة أشربها، أجيبلكوا حاجة تشربوها!
أجاب والده ضاحكاً:
- اللي يجي منك ياسيدي.
وسط نظرات بدرية المفعمة بالشك، قال هارباً:
- تمام. يلا سلام.
تسائلت بدرية في حيرة:
- هوا في إيه بالظبط بقى هاه! أنا بدأت أتوهوش.
منشاوي:
- إبنك شكله كدة مهتم بيها زيادة عن اللزوم ومش بعيد يكون بيحبها.
- بيحب مين؟ زهرة قصدك! معقول؟ بس بيني وبينك من ناحية الجمال الواد طالع لأبوه بيعرف يختار.
نظر المنشاوي بعيداً فقال:
- يلا الله يجازي اللي كان السبب.
ردت في حنق:
- نعم! قصدك إيه بقى؟
- ولا أي حاجة ياحبيبتي بقول ربنا يجازيه خير اللي كان السبب. ثم قبل يدها قائلاً:
- دا إنتي الخير والبركة.
- أيوة كدة إرجع لعقلك أحسنلك.
رواية زهرة الفصل السابع 7 - بقلم ندي أشرف
دلفت زهرة إلى والدتها تتلهف إلى رؤيتها والتحدث إليها فاحتضنتها قائلة:
- ماما حبيبتي الحمد لله على سلامتك.. وحشتيني.
أجابت في تعب:
- الله يسلمك يازهرة.. طمنيني يابنتي.. انتي كويسة؟
- الحمد لله أنا بخير ماتقلقيش عليا، دا أنا في أحسن حالاتي دلوقتي لما عرفت إنك فوقتي وبخير، ماتتصوريش كنت هموت عليكي ازاي، يرضيكي تعملي فيا كدة؟
قبلت يد والدتها في حنان وأخذت سنية تُربت على رأسها وتحنو على شعرها في تعب قائلة:
- أنا معرفش إيه اللي حصلي.. فجأة حسيت بدوخه ومحستش بأي حاجه تاني حواليا.. زهرة عاوزاكي تسمعيني كويس يابنتي..
رفعت زهرة رأسها تنظر في عيني سنية بإنصات واهتمام قائلة:
- نعم ياحبيبتي قوليلي أنا سمعاكي..
- أنا حاسه إني هموت قريب وعايزة أتطمن عليكي.. في حاجات كتيرة انتي ماتعرفيهاش وجه الوقت إنك تعرفيها..
أجابت زهرة وهي تبكي حزناً على حال والدتها:
- انتي بتقولي ايه بس يا ماما بعد الشر عليكي ربنا يبارك في عمرك يا حبيبتي ومايحرمنيش منك أبداً، عشان خاطري بلاش تقولي كدة تاني، وانتي هتبقي زي الفل وهنرجع بيتنا نعيش حياتنا زي ما كنا..
استطردت قولها بصعوبة قائلة:
- إسمعيني بس يا بنتي.. المنشاوي بيه مش مجرد شخص غريب أبوكي كان شغال عنده، هوا يبقى من أهلك.. أهل أبوكي يعني..
تعجبت زهرة فتسائلت:
- من أهلي! ازاي يعني مش فاهمة؟
- هقولك..
قصت عليها كل شيء يوضح صلة القرابة فيما بينهم وسبب عدم معرفتها بالأمر لهذا الوقت.
جلست زهرة تحدق في والدتها غير مستوعبة ما سمعت حتى قطع حديثهم صوت طرقات سليم على الباب ثم دلف قائلاً:
- السلام عليكم..
ثم نظر إلى سنية مبتسماً فقال:
- حمدالله على سلامتك ربنا يتم شفاء حضرتك على خير..
بادلته الابتسامة فقالت:
- الله يسلمك ياحبيبي كتر ألف خيرك..
صمت قليلاً ثم توجه ببصره إلى زهرة قائلاً:
- زهرة بعد إذنك ممكن تسيبينا شويه!
رفعت إحدى حاجبيها في تعجب ثم أومأت لها سنية إيجاباً فقالت في حرج:
- تمام، هجيب عصير وأرجع تاني..
خرجت وهي في حيرة من أمرها تتسائل فيما سيتحدث سليم مع والدتها. وقفت أمام الباب رأت في وجهها المنشاوي وزوجته جالسين يتحدثون فتأملت وجهة وهي تقول في نفسها: "يعني إحنا قرايب! عشان كدة فيك من بابا شبه كبير.."
لاحظها المنشاوي فناداها ودعاها للجلوس بجانبهم والاطمئنان منها على والدتها.
٭ ٭ ٭ ٭
في ڤيلا المنشاوي
دخل عثمان السواق ويحمل بين يديه العديد من الحقائب وخلفه فريدة فتسائلت سماح بتعجب:
- إيه ده يا عثمان؟
أجاب:
- دي شنط الست فريدة.. تؤمريني بحاجه؟
- لا ياعثمان شكرا روح انت..
- عن إذنك ياهانم..
دلت فريدة في حماس قائلة:
- اشتريت يا ماما شوية لبس واكسسوارات إنما إيه.. تحفة.
أجابت سماح في حنق:
- كل دي شنط جايباها ليه بتتجوزي؟ وإيه التأخير دا كله!
أجابت بدلال:
- يا ماما بقى دا بدل ما تقوليلي فرجيني وتشوفي ذوقي!
سحبتها من يدها وأجلستها أمامها قائلة:
- لا سيبك من الكلام ده دلوقتي، أنا عندي ليكي خبر حلو أوي..
أجابت فريده بفرحه:
- يبقى أكيد زهرة سابت الڤيلا خلاص صح؟
- يعني حاجه زي كدة.. المنشاوي كلم بدرية وطلب يكلم زهرة مخصوص وبعدين مشيوا بسرعة على المستشفى حتى ملحقتش أفهم منهم إيه حصل بالظبط، بس شكلها فاقت من الغيبوبة..
تنـهدت فريدة قائلة:
- ياه دي كانت هم على قلبي، مش بتنزلي من زور والله يا ماما البنت دي.. معرفش ليه!
لكمتها سماح على كتفها قائلة:
- بقى ماتعرفيش ليه بردو.. خايفة لا تاخد سليم منك ها..
ردت فريدة في حرج:
- الله، إيه الكلام ده بس..
ضحكت سماح فقالت فريدة:
- أنا هاروح المستشفى لازم أعرف إيه اللي حصل بالظبط..
- لأ ماتروحيش، خبر دلوقتي بفلوس بكرة ببلاش..
سحبت حقيبة يدها وذهبت قائلة:
- لأ معلش أنا هروح أعرفه بفلوس خليني أتطمن، هكلمك لما أعرف أي حاجه..
حاولت سماح منعها لكنها أصرت على الذهاب فصرخت بها قائلة:
- ماشي يا فريدة لما ترجعي أنا هعرفك إزاي تتجاهليني وتمشي اللي في دماغك تاني!.
٭ ٭ ٭ ٭
في المستشفى
هتفت سنية في تعب بنبرة ضعيفة:
- خير يابني اتكلم، في حاجه حصلت؟
اقترب منها سليم فقال بتردد:
- لا لا مافيش حاجه حصلت أنا بس في موضوع مهم حابب أتكلم معاكي فيه قبل ما أي حد يجي ويسمعني..
تسائلت في حيرة:
- موضوع إيه ده ماتتكلم يابني قلقتني!
- هوا بخصوص زهرة.. أنا.. يعني.. من وقت ما شوفتها وأنا معجب بيها جداً وبأخلاقها وبتمنى لو تكون من نصيبي.. صدقيني أنا عمري ما كنت مشدود لحد كدة ولا شغلت بالي بالأمور دي بس زهرة غير!
بكت سنية من فرحتها لما تسمع فقالت:
- بس يابني إنت فين وزهرة فين! ومين يرضى بعلاقة زي دي.. أكيد أهلك هيتمنوا ليك نسب غير..
قاطعها سليم قائلاً:
- أنا عرفت إن في صلة قرابة بيني وبين زهرة وأنا أولى بيها من أي حد تاني.. وغير كدة أنا بحبها.. أنا بحب زهرة وعايز أتجوزها !
دلت زهرة على فجأة قائلة:
- يا نهار إسود!
شعر سليم بالحرج الشديد فقال:
- طيب استأذن انا بقى..
هتفت سنية:
- لا استنى يابني متمشيش.. إنت بقيت بالنسبالي عامل زي طوق النجاة اللي طمن قلبي وأنا كنت حاسة نفسي زي الغرقانة وماليش إيد واحدة تشدني لبر الأمان.. أو مش تشدني أنا بالتحديد، زهرة.. هيا اللي كان نفسي أحسها في أمان بعد اللي حصلي وبعد ما بدأت أحس إن أيامي في الدنيا معدودة!
فأجاب:
- متقوليش كدة ربنا يبارك في عمر حضرتك
فاستطردت قولها:
- إنتوا لسة صغيرين على كلام زي ده بس ما باليد حيلة..
تخبطت مشاعر زهرة ولم تعرف اتفرح لما سمعت أم تحزن فقالت:
- طب يعني هوا دا وقته يا ماما؟ بصراحه انا مش عارفه اقول ايه ثم أخفضت بصرها في حرج شديد..
استجمع سليم قوته وشجاعته فقال:
- تقولي موافقة بيا ولا لأ.. وعد عليا لو وافقتي لأقف جنبك لحد ما تتخرجي وتحققي اللي بتتمنيه وأحافظ عليكي وأشيلك جوا عنيا كمان، وربنا يباركلنا في عمر طنط سنية وتشوفك معاية في سعادة وأكيد هيا مش هتتمنى لبنتها أكتر من كدة!
تسائلت زهرة:
- والمنشاوي بيه رأيه إيه فالكلام ده؟
- سيبك من كل ده أنا هعرفهم بالوقت المناسب بس أهم حاجه عندي أعرف، إنتي موافقة بيا ولا لأ؟وحبيت أتكلم مع مامتك عشان تبقى نيتي واضحة معاكي إني مش بتسلى بيكي وتثقي فيا..
تسائلت سنية في رجاء:
- ها يا زهرة طمني قلبي يابنتي وقولي إنك موافقة أنا مبقتش ضامنة في عمري بقية..
أجابت زهرة وقد ترقرقت عيناها بالدمع قائلة:
- أي حاجه ترضيكي يا ماما أنا موافقة عليها بس عشان خاطري بلاش توجعي قلبي بالكلام ده..
ابتهج سليم لما سمع فقال:
- يعني موافقة؟!
اجابت في خجل:
- موافقة..
- يبقى نقرا فاتحة بينا وبين بعض كدة لحد ما تبقى رسمي بإذن الله.. وأفاتح بابا وماما فالموضوع.. تمام؟
أجابت سنية في سعادة رغم شدة قلقها ومخاوفها من ردة فعل المنشاوي وزوجته بدرية قائلة:
- على خيرة الله..
استطاعت فريدة أن تصل إلى المستشفى وبالفعل وصلت إلى الغرفة فلم تجد أحد بالخارج فقد ذهب المنشاوي وبدرية للتحدث مع الطبيب..
دلت على حين غرة فسمعت سنية تقول:
- مبروك عليكم ياولاد وعقبال خطوبتكم رسمي وجوازكم إن شاء الله...
وقفت في صدمة لا تستوعب ما يحدث نظرت إلى زهرة في كره وحقد شديدين وشعرت حينها أن كل محاولاتها في التقرب من سليم باءت بالفشل ولن تحصل عليه أبداً، لم يكن ينظر سليم لأي فتاة بأن تكون زوجة له بناءً على شكلها أو جسدها.. بل كانت تسقط فريدة من عينيه في كل مره حاولت فيها إظهار مفاتنها له أكثر كي يُعجب بها ويتزوجها.. لم تلفت إنتباهه سوى الفتاة المحتشمة التي تستحق أن تحمل إسمه وأن تكون زوجة صالحه له وأم صالحة لأولاده.
فقدت السيطرة على أعصابها وهي تتسائل:
- هوا إيه اللي بيحصل هنا بالظبط
أجاب سليم غاضباً:
- إنتي اللي بتعملي إيه هنا؟ وازاي تدخلي كدة من غير استئذان؟ انتي مش هتبطلي حركاتك دي أبداً..
أعادت السؤال مرة أخرى قائلة في غضب:
- رد عليا يا سليم الست دي بتباركلكوا على إيه؟
أجاب في جمود:
- أنا طلبت زهرة للجواز وهيا وافقت.. الموضوع لسة بينا وإن شاء الله قريب تبقى خطيبتي.. ابتسم ثم قال : - بس الموضوع ده يفضل بينا ها.. مش هتباركيلنا ولا ايه!
صرخت به غاضبة:
- نعم! خطيبتك! أمال أنا إيه؟!!
تسائل باستنكار:
- مش فاهم إنتي إيه ازاي يعني؟ إحنا عمرنا ما كان في بينا حاجه.. فريدة لو سمحتي إرجعي لعقلك وروحي عالبيت أحسنلك بعدين نتفاهم..
نظرت فريدة إلى زهرة في غضب وهي تبكي قائلة:
- إنت بتسيبني أنا عشان دي!
ثم ذهبت مندفعة بإتجاه زهرة وقامت بجذبها من حجابها بشدة حتى إنخلع عنها الحجاب ونزل شعرها منسدل بنعومة وهي تحاول الإفلات من بين يديها حتى صار وجهها أحمر قائلة:
- إبعدي عني يا مجنونة إنتي أكيد مريضة نفسياً..
ظلت تحاول إبعادها عنها بلا جدوى حتى تمكن سليم من دفعها بعيداً عن زهرة ثم صفعها على وجهها بقوة سقطت على إثرها على الأرض قائلة:
- بتضربني عشانها يا سليم! والله لأوريكوا انا مش هسيبكوا في حالكوا وهتشوفوا انا هعمل إيه..
شعرت سنيه بالذعر والرعب على إبنتها التي تعرضت للضرب فجلست تتنفس بصعوبة وتعب فسألتها:
- زهرة انتي كويسة يابنتي؟ حقك عليا ماتزعليش..
كذلك قال سليم وهو يمد يده إليها بالحجاب:
- أنا آسف على اللي حصل ده..
توجهت صوب والدتها قائلة:
- أنا كويسة ياحبيبتي متخافيش.. حصل خير.
رد سليم مازحاً:
- طبعاً حصل خير مش لسة قاريين فاتحتنا..
تنهدت زهرة ثم قالت في قلق:
- أكيد فريدة هتقول لباباك على اللي حصل وتسببلنا مشاكل وكل حاجه تخرب بسببها..
سنية:
- صحيح مكنتش قولتلها ياسليم اتسرعت إنت
أجاب:
- ولا يهمكوا أنا هتصرف..
أطرق المنشاوي على الباب ثم دلف هو وبدرية ليمطئنوا على سنية.
أما فريدة فقد خرجت من المستشفى مسرعه تبكي وكانت تستشيط غضباً لا ترى أمامها شيء، تتخبط في كل من يأتي في طريقها ولا تعتذر تنظر إليها الناس بتعجب و يضربون كفاً بكف..
بدأت في البحث في هاتفها عن رقم السائق الخاص دون أن تهتم للطريق أمامها ويدها ترتعش إثر توتر أعصابها وفجأة صدمتها سيارة يقودها شاب من الشباب الطائش الذي لا يهمه أي شيء في الحياه سوى متعته ونفسه!
لم تشعر فريدة بشيء إلا أن تلك السيارة صدمتها بقوة حيثُ جعلتها ترتفع عن الأرض وتعود إليها مغشياً عليها والدماء تحاوطها من كل مكان..
هبط ذلك الشاب مسرعاً حتى كاد قلبه أن يتوقف قائلاً:
- يا آنسة.. يا آنسه، إنتي سمعاني؟ طيب ردي عليا الله يخليكي..
تلطخت يده بدمائها ولا هي تستجيب لندائاته..
إجتمع الناس من حوله فقال أحدهم:
- لا حول ولا قوة الا بالله البنت ماتت ولا إيه؟
كذلك قال الآخر:
- هيا دي أخرة السواقة بجنون، عاملين سباق مع الزمن انتوا!!
وآخر:
- دا كإن الدنيا ليهم عالم متعرفش يعني ايه نظام حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا..
ورفع أحدهم هاتفه ليقوم بتصوير الحادث..
لم يسمع الشاب لأي منهم فقد كان بعالم آخر لا يعلم ما الذي سيحدث له وبأي مصيبة أقحم نفسه!
فقام سريعا أغلق سيارته وحملها إلى داخل المستشفى سريعا في قسم الطوارئ.
رواية زهرة الفصل الثامن 8 - بقلم ندي أشرف
دلف المنشاوي غرفة سنية قائلاً:
- الله الله دا إحنا بقينا زي الورد أهو أمال تعب إيه ده اللي بيقولوا عليه.
بدرية:
- الف حمدالله على سلامتك يا مدام سنية.
ابتسمت سنية قائلة:
- ربنا يسلمكوا من كل شر يارب.
تنـهدت زهرة براحة فقد علمت بذلك أن فريدة لم تخبرهم بما سمعت.
تسائل سليم:
- الدكتور قالكم إيه يا بابا طمنا.
- الدكتور سمحلها بالخروج النهاردة وكتبلها على علاج وقال انها لازم تنتظم في جلسات الغسيل كلوي.
أخفضت سنية بصرها في ألم وحزن قائلة في نفسها: " الحمد لله على كل حال، أنا أحسن من غيري كتير.."
أطرقت الممرضة على الباب ثم فتحته فسمحت للأصوات بالخارج الدخول إلى مسامعهم فتسائل المنشاوي:
- الله! هيا إيه الدوشة اللي برا دي في إيه!
الممرضة:
- بيقولوا في واحدة عربية خبطتها قدام المستشفى هنا والناس قالبين الدنيا عليها وعلى الشاب اللي خبطها.. ربنا يسترها علينا والله.. اتفضلي يا مدام سنية الدواء.
منشاوي:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يقومها لأهلها بالسلامة زمانهم قلقانين عليها.. طيب نستأذن إحنا بقى وأنا هكلم السواق ييجي ياخدكم يروحكم تكونوا لميتوا حاجتكم اللي هنا.
هتفت بدرية في حنان:
- والله يا زهرة على قد فرحتي بأن مامتك قامت بالسلامة على قد ما أنا زعلانة إنك مش هترجعي معانا عالڤيلا.. ثم نظرت إلى سنية قائلة: بنتك كانت هتتجنن عليكي والله يا مدام سنية ربنا يخليهالك يارب ومايحرمكوش من بعض.
ابتسمت سنية قائلة:
- ربنا يكرمك يارب يا ست بدرية متشكرة على ذوقك وحنيتك على بنتي في ظروف تعبي دي.
بدرية:
- لا ماتقوليش كدة إحنا أهل.. مش هوصيكي يا زهرة تخلي بالك على ماما و على علاجها.
أجابت زهرة في سعادة:
- حاضر إن شاء الله.
غادر المنشاوي بعد أن ألقى السلام وخلفه بدرية أما سليم فقد توقف قليلاً قائلاً:
- مش محتاجين أي حاجه قبل ما أمشي؟
أجابت سنية:
- كتر خيرك يابني عملت اللي عليك وزيادة.
نظر إلى زهرة فقال:
- طيب أنا همشي وهبعتلكم السواق ياريت تبقي تطمنيني يا زهرة لما تروحوا.
أجابت:
- حاضر هطمنك.
لاحظ انشغال سنية بالبحث عن أشياء تخصها فنظر في عيني زهرة قائلاً بدون صوت:
- هتوحشيني.
فهمت زهرة من حركة شفاهة ما أراد ان يقول فابتسمت في خجل.
بادلها الابتسامة ثم غادر على الفور وأغلق الباب خلفه.
***
استفاقت زهرة من شرودها عائدة إلى الواقع وهي تشعر بالسعادة والاشتياق والحنين.
نظرت في ساعة يدها قائلة:
- يا خبر معقول كل الوقت ده يعدي كدة من غير ما أحس بيه.
أعلن هاتفها عن إتصال أحدهم فكان المتصل جارتهم هالة والدة أحمد، أجابت:
- السلام عليكم.. ازيك يا مدام هالة عاملة إيه دلوقتي.
- وعليكم السلام، الحمد لله ياحبيبتي بخير والله.. أنا اتصلت بيكي عشان أعزمك على الغدا معانا النهاردة، أصل إبني أحمد رجع وقولت لازم أكلمك تتغدي معانا وأعرفكم عليه.
ضحكت زهرة في خجل قائلة:
- ياحبيبتي تسلميلي طيب معلش خليها وقت تاني يكون ارتاح من تعب السفر والأيام جاية كتير.
أجابت في حزم:
- والله أبداً لازم أشاركك فرحتي وتيجي إنتي وهايا نقضي اليوم سوا مع بعض، مش إحنا بقينا أصحاب ولا أنا العشم واخدني زيادة بقى؟
- لا لا أصحاب طبعا وأهل كمان.. حاضر ياحبيبتي هنجيلك إن شاء الله، تحبي أجيبلك حاجه معاية وانا جاية؟
أجابت:
- ولا أي حاجه، إنتي تجيبي هايا من ايديها كدة وتنورونا النهاردة.. الساعه ٦ تكونوا هنا تمام؟
- تمام ياحبيبتي، مع السلامة.
أغلقت الخط ثم قامت من مكانها وتوجهت صوب غرفة إبنتها هايا فوجدتها تتحدث بالهاتف مع صديقتها فقالت لها:
- هايا عايزاكي خلصي وتعالي.
هتفت هايا في سرعة:
- استني يا ماما أنا أصلا خلصت تعالي.
ثم وجهت حديثها لصديقتها بالهاتف:
- طيب يا إيمان أنا هقفل بقى عشان ماما عايزاني، نكمل كلامنا بعدين، يلا سلام.
أغلقت الخط ووضعت هاتفها بجانبها فتسائلت:
- نعم يازهرة البستان.. أؤمريني!
ضحكت زهرة قائلة بتعجب:
- زهرة البستان؟ ماشي يا ستي.. اتصلت بيا دلوقتي مدام هالة جارتنا وعزمتني على الغدا.. بتقول بمناسبة رجوع حبيب القلب.
شعرت هايا بالحرج قائلة:
- يوه بقى يا ماما متحرجنيش بقى.
- بصراحه يا هايا أنا محرجة جداً من العزومة دي ومعرفتش أهرب منها.. حاولت لكن هيا أصرت إننا نروح.
قامت هايا في لهفة اقتربت من زهرة قائلة:
- وتهربي ليه بس يا ماما ياحبيبتي.. دا أنا مصدقت اليوم ده يجي بفارغ الصبر.
لكمتها زهرة على ذراعها بغضب قائلة:
- ماتتلمي شوية يا بت انتي الله! مالك مدلوقة كدة.
ضحكت هايا قائلة:
- خلاص خلاص أنا أسفة، أعذريني أصلي فرحانة شوية بس.
ابتسمت زهرة في حنان قائلة:
- ياستي ربنا يفرحك كمان وكمان وأشوفك محققة كل اللي قلبك يتمناه.
احتضنتها هايا في سعادة ثم قالت:
- آه صحيح.. تعالي نشوف بقى هنلبس إيه!.
***
في بيت عم محمود
تسائل محمود بعد أن أغلقت هالة الخط مع زهرة:
- إيه عزمتيهم؟ هاييجوا؟
أجابت في سعادة:
- اه قولتلهم على الساعه ٦ نكون حضرنا الغدا.
دلف أحمد متسائلاً:
- هيا مين دي؟
أجاب محمود:
- جارتنا زهرة وبنتها.. عزمناهم على الغدا معانا النهاردة.. عندها حتت بنت بقى يا أحمد.. من أول ما شوفتها وأنا اتمنيتها تكون ليك!
هتفت هالة قائلة:
- أمال أنا عملت العزومة دي ليه.. مهو عشان كدة.
رد محمود في حماس:
- الله ينور عليكي، هيا دي الدماغ التمام.
وقف أحمد منصدماً وقد اتسعت حدقتا عينيه قائلاً:
- يعني انتوا عاملين العزومة دي عشان تخلوني أشوف بنتها هايا؟ لأ دا كدة عظمة أوي.
تسائل محمود في تعجب:
- الله! هوا إنت تعرفها ولا إيه؟
أخذت هالة تحدق به تنتظر منه إجابة بفارغ الصبر فقال:
- أعرفها عز المعرفة.. ما هوا ده الموضوع اللي كنت حابب أكلمك فيه يا حاج.
***
بعد مرور ساعات إستقبل أحمد زهرة وإبنتها هايا في تمام السادسة.
دلت زهرة قائلة:
- السلام عليكم، طبعاً إنت أحمد.
أجاب مبتسماً:
- بالظبط كدة، أهلاً بحضرتك اتفضلي.
دلت وخلفها هايا تشعر بالخجل وقد إحمرت وجنتاها، ألقت السلام في هدوء، رد عليها أحمد وهو ينظر لها بتمعن أما هي فلم ترفع عينيها عن الأرض.
استقبلتهم هالة ورحبت بهم ثم دعتهم إلى غرفة الصالون حيثُ استقبال الضيوف فقالت:
- نورتونا والله يا خطوة عزيزة.. استريحوا أنا دقيقه وجاية.
تركتهم ويجلس معهم أحمد ووالده يتحدثون بشأن الدراسة بالخارج.
عادت أم أحمد بعد عدة دقائق حاملة بين يديها كاسات العصير تُقدمها إليهم في بهجة وسعادة قائلة:
- دا بس لحد ما السفرة تجهز ها.
ابتسمت زهرة وهي تسحب كأس العصير قائلة:
- تعبتي نفسك والله يا مدام هالة.
كذلك هايا قائلة:
- تسلم إيدك.
جلسوا يتحدثون بشتى الأمور حتى جاءت الخادمة تُخبرهم بأن السفرة جاهزة.
بعد قضاء وقت الغداء جلسوا يحتسون الشاي حتى هتفت زهرة قائلة:
- بصراحة تسلم إيدك على كل حاجه واكلك جميل بيفكرني بأكل ماما الله يرحمها.. اعملوا حسابكم بقى العزومة الجاية عندي ها.
نظر عم محمود إلى أحمد وابتسم قائلاً:
- طبعاً طبعاً دي عزومة لابد منها.
ضحكت زهرة قائلة:
- تنورونا والله في أي وقت.
أجاب:
- لأ ما أنا على كل حال كنت هاخد منكم معاد نيجي فيه البيت نطلب إيد هايا.. لإبني أحمد ولا إيه رأيك يا أنسة هايا.. ايه مانجيش؟
ابتسمت في خجل قائلة:
- لا طبعاً تشرفوا.
تحدث أحمد في جرأة فقال:
- بصراحة أنا من زمان وانا مستني أرجع مصر تاني عشان آخد الخطوة دي مع هايا.. بنت حضرتك اللي قدامك دي عندي حق ولازم أخده منها.. انتي متتصوريش هيا عملت فيا إيه ليومنا هذا.. ثم ضحك فاستطرد قوله: لا بجد هيا ونعم التربية والأخلاق وانا أتشرف بيها زوجة ليا وأم لأولادي.
تذكرت زهرة حديث سليم عنها إلى سنية. كان نفس ما يُقال الآن وكأن قصتهم تعود من جديد في إبنتها لكنها لا تتمنى لها نفس ما توصلت إليه علاقتها بسليم.
أكمل أحمد حديثه قائلاً:
- أنا من قبل ما أسافر وانا حطيت في بالي حلم هنا وحلم هناك.. واحد اتحقق وناقص التاني، فـ لو حضرتك تقبلي ممكن نحدد ميعاد نتقدم فيه رسمي للأنسة هايا أنا وبابا وماما، الناس الطيبة اللي قدام حضرتك دول.. ها قولتي إيه؟
ضحكت زهرة بسعادة قائلة:
- والله ياأحمد إنت تشرف أي حد ياحبيبي وإن شاء الله دايما تتحقق كل أحلامك وربنا يجعلك فيها الخير كله، وتنوروا في أي وقت على عيني وعلى راسي.. بس هكلم جدها المنشاوي في الموضوع ونحدد ميعاد يناسب الجميع.
هتف محمود في سعادة:
- على خيرة الله.. إن شاء الله أنا مستبشر خير.
ثم نظر إلى هايا التي أصبحت مثل الوردة البلدي الحمراء من تورد وجنتيها خجلاً قائلاً:
- ولا إيه يا ست البنات.
أجابت:
- خير إن شاء الله ياعمو محمود.
قالت هالة:
- تعرفي يا مدام زهرة.. أنا من يوم ما شوفتكم وأنا اتمنيت لو كنتي أختي بجد، لإني مش عندي إخوات وفاقدة السند اللي شوفته فيكي فترة تعبي.. وعلى الخصوص بقى لما شوفت هايا اللي اتمنيتها من قلبي فعلاً إنها تكون بنتي، ما هيا لما تبقى مرات إبني أكيد هتكون في مقام بنتي.
زهرة:
- والله أنا ما عارفة أقولك إيه ولا إيه على كلامك الجميل ده إحنا اخوات من غير أي حاجه، وسواء بموضوع أحمد وهايا أو من غيره إنتي أختي.
مر الوقت فيما بينهم بسعادة على أمل لقاء آخر تتحدد فيه تفاصيل الخطبة والزواج.
عادت هايا وزهرة إلى بيتهم في سعادة فهتفت هايا في فرحة قائلة:
- بجد يا ماما أنا مش مصدقة نفسي.. أخيراً هتخطب لأحمد!
أجابت زهرة في سعادة:
- ربنا يتمملك فرحتك على خير يابنتي وجدك مايمانعش أو يعطل الموضوع.
تسائلت هايا في قلق:
- ليه يا ماما هوا جدي ممكن ميوافقش؟
ردت زهرة:
- ما تشغليش بالك إنتي بالكلام ده.. إن شاء الله كل حاجه تحصل زي ما بتتمنيها وسيبي الباقي عليا.
احتضنتها هايا بحُب قائلة:
- ربنا مايحرمني منك يا أحلى أم في الدنيا.
ضمتها زهرة إلى أحضناها وهي منشغلة وحزينة قائلة:
- ولا منك يا قلب ماما.
***
عودة إلى الماضي
جلست سماح في انتظار عودة فريدة تشعر بالقلق وإنقباض في قلبها، تُحدّث نفسها بحزن لعدم استجابة ابنتها على إتصالاتها العديدة قائلة: "يارب بقى البنت دي مبتردش عليا ليه بس.. استرها معاها يارب أنا عارفة بنتي مجنونة وعقلها مش فيها.. "
في المستشفى خرجت إحدى الممرضات تتسائل:
- يا جماعه لو سمحتوا مين جاي مع الحالة اللي اتخبطت بالعربيه قدام المستشفى!
ذهب إليها الشاب كريم متلهفاً في رعب:
- أيوة أنا معاها طمنيني البنت ماتت ولا عايشة ولا إيه؟
تسائلت:
- إنت تبقالها إيه؟
أجاب في حرج:
- أنا اللي خبطتها بالعربية.
الممرضه:
- فين أهلها إحنا محتاجين حد من أهلها.. البنت مش معاها أي إثبات ليها لا اسم ولا حاجة.
قال كريم في قلق:
- طب انتوا محتاجين إيه يمكن أقدر أساعدها.. وبعدين احنا هنوصل لأهلها إزاي دي بس!
أجابت:
- حالياً محتاجين نقل دم ضروري.
قال في نفسه خائفاً:
- " نقل دم.. دا انا عمري ما عملت كدة مع حد وعندي فوبيا من الحقن، هتصرف ازاي دلوقتي، مهو مستحيل أسيبها تموت وأبقى أنا السبب وأروح في داهيه.."
الممرضة:
- يا استاذ إنت معايا؟
أجاب بعد تفكير:
- طيب انا.. أنا ممكن أتبرعلها بدمي؟
أجابت:
- ماشي تعالى معاية.
ذهب خلفها وقد أجرى إتصالاً بوالده:
- ألو يا بابا بكلمك من بدري مابتردش عليا ليه انا في مصيبة.
أجاب الشربيني في غضب:
- مشغول مشغول ياسيدي أعملك ايه يعني؟! وقعت نفسك في مصيبة إيه المرادي ما إنت مش بيجي من وراك غير المصايب!
أجاب في ضيق:
- أنا خبطت بنت بالعربية وانا رايح النادي، طلعتلي فجأه في طريقي معرفش من أنهي داهية وخبطتها.. معرفش حصلها إيه بس كانت بتنزف جامد.. أنا خايف.
- خلاص خلاص أنا جايلك حالاً مسافة السكة وأكون عندك.
أغلق الخط وظل يتابع الممرضة.
"كريم" شاب طويل أبيض البشره يهتم بالـ fitness ذا بنية قوية، لديه لحية سوداء خفيفة وعيون زرقاء.. هو خريج كلية تجاره يعمل مع والده في شركته رغماً عنه ولذلك يذهب للعمل تارةً ويتخلف عن العمل تاراتٍ أخرى، غير منتظم في حياته، مهتم للموضة والفتيات ولا يهمه شيء في الحياه.. كل ما يريده يأخذه بمنتهى السهولة.. تحاوطنه الكثير من الفتيات لجماله وماله وخفة دمة..
والده "الشربيني" ، والدته "سُمية" ولديه أخ أكبر "أدهم" أكثر عقل وحكمة ويتحمل المسئولية مع والده وحنون مع إخوته ولا يختلف كثيراً عن ملامح أخيه.. و أخيراً أخته الصغيرة "ساره".
دلف خلف الممرضة وجلس يستعد في خوف، نظرت له وهي تكتم ضحكاتها قائلة:
- إنت خايف كدة ليه، دي شكة بسيطة ومش هتحس بحاجه.. وشك إصفر كدة من قبل ما نسحب منك الدم أمال لما نسحب!
أجاب بنفاذ صبر:
- ياستي إسحبي وخلصيني.
انشغلت بالسحب وربط الذراع والبحث عن الوريد وهو يتسائل في خوف وقلق شديدين:
- تفتكري البنت هتعيش؟
أجابت بهدوء واستخفاف:
- لا لا متقلقش الحوادث دي بتيجي علينا يومياً وانت وحظك، ياإما تعيش بكسور وتقضيها عمليات أو تموت وترتاح، بيني وبينك الموت راحة بردو.
رد في غضب:
- موت إيه اللي راحة يا ست أنتي.. هيا ترتاح وانا ألبس باقي عمري فالسجن دا أنا لسة ملحقتش أعيش حياتي ولا أشوف حلاوة الدنيا حرام عليكي.
تركت يده وأخذت العينة التي تم سحبها قائلة في غضب:
- يوه! إنت بتزعقلي كدة ليه هوا انا كنت قولتلك إخبطها.
تركته وغادرت وهي تردد:
- شباب آخر زمن.
رواية زهرة الفصل التاسع 9 - بقلم ندي أشرف
عادت زهرة إلى بيتها أخيراً بصحبة والدتها. جعلتها تنام في راحة وهدوء، وكانت نائمة بجانبها بين أحضانها قليلاً، قائلة:
"كنتي وحشاني أوي يا ماما.. أنا مش مصدقة إنك رجعتيلي تاني، الحمد لله."
أجابتها في حنان:
"وانتي وحشتيني يا قلب ماما."
نهضت زهرة في حزم قائلة:
"بس إعملي حسابك بقى بعد كدة! أي حاجة تحسي بيها قوليلي على طول ونهتم بالعلاج.. إهمال تاني مستحيل، أنا فاضل وقت مش كتير ودراستي هتبدأ يعني بنتك دكتورة رسمي فهمي نظمي وكل اللي أقولك عليه بخصوص صحتك تسمعيه تمام؟"
ضحكت سنية في سعادة قائلة:
"حاضر يا دكتور زهرة.. ربنا ما يحرمني منك أبداً يا بنتي ويقدرني أحققلك كل اللي بتتمنيه وأشوفك دكتورة قد الدنيا."
"آمين يارب.. أنا هقوم بقى أحضرلك أكلة حلوة زي ما الدكتور قالي تكون مفيدة ومتزودش تعبك."
قالتها ثم نهضت في حماس وسعادة لعودتها إلى منزلها.
***
عاد كلاً من بدرية والمنشاوي وسليم إلى الفيلا. استقبلتهم سماح في قلق وخوف تتسائل:
"أمال فين فريدة!"
تعجبت بدرية فتسائلت:
"فريدة! هي مش كانت هنا؟ إحنا اللي مفروض نسألك هيا فين."
رد سليم في تردد:
"هي مرجعتش؟"
بدرية:
"مرجعتش منين أنا مش فاهمة حاجة!"
سليم:
"أصل هيا كانت في المستشفى وحصلت مشكلة بينها وبين زهرة ومشيت، لكن معرفش راحت فين وكمان توقعت إنها تكون رجعت عالبيت!"
تسائل المنشاوي:
"مشكلة إيه اللي بينها وبين زهرة؟"
سليم:
"لا دا كان موقف عادي شغل بنات يعني وكدة وانت عارف فريدة ولسانها."
ردت سماح في غيظ:
"مالها بنتي بقى يا أستاذ سليم؟ ولا انت عشان ظهرت في حياتك البنت دي بنتي بقت وحشة!! أنا بنتي زي الفل وست البنات كمان."
هتفت بدرية في حرج:
"طبعاً ياحبيبتي محدش قال حاجة غير كدة، إهدي انتي بس.. وبعدين هيا أكيد خرجت أو بتتمشى مع حد من صحابها وهترجع ماتخافيش."
المنشاوي لسماح:
"ما تتصلي بيها وشوفيها فين."
أجابت في تعب:
"من وقت ما مشيت وانا بكلمها مش بترد وبعدين موبايلها اتقفل، وآديكم رجعتوا وهيا لأ.. أفهم إيه انا بقى من كل ده.. ماشي يا فريدة بس لما أشوفك."
نظر المنشاوي في ساعة يده ثم قال:
"هترجع إن شاء الله ماتقلقيش.. يلا يا سليم خلينا نشوف شغلنا يابني."
***
في المستشفى.
بعد أن تم سحب عينة الدم من كريم، نهض وتوجه إلى غرفة العناية التي تستقر بها فريدة. فوجدها نائمة ثابتة لا حراك.
كان ينظر لها بتفحص، ينظر لملامح وجهها وشعرها الناعم المنسدل بجانبها، ويقول في نفسه:
"بقى معقول أنا عملت كدة وخبطت واحدة بالعربية؟ أنا مش مستوعب.. وإزاي بنت جميلة كدة وشكلها بنت ناس ميظهرلهاش حد من أهلها لحد دلوقتي.. ربنا يستر."
شعر فجأة بدوار بسيط، امسك رأسه وتأوه من أثر شعور بالصداع في رأسه ثم قال:
"شكلك كدة هتبهدليني معاكي ولسه اللي جاي."
انتهى ثم خرج ولم يلحظ به أحد من الممرضات أو الدكاترة. وبعد وقت ليس بقليل وجد الطبيب أمام غرفتها. فتوجه صوبه في عجالة وسأله عن حالتها فقال:
"البنت حالتها صعبة عوضناها عن الدم اللي نزفته وخيطنا الجروح وبعد الآشعة لقينا كسر فالذراع والمصيبة إن باين في مشكلة في الفقرات وهنعملها أشعة بالرنين على الضهر عشان تبقى واضحة أكتر وربنا يستر إن شاء الله."
تسائل كريم قائلاً:
"طب هيا لسة مفاقتش يادكتور تقولنا أي حاجة عنها أو عن أهلها؟!"
أجاب:
"هيا شوية تفوق وترجع تنام تاني ومش في كامل وعيها إن حتى تقولنا إسمها إيه! إحنا بنعمل اللي علينا والباقي على الله."
انتهى من حديثه مع الطبيب. وبمجرد أن التف ليعود إلى مجلسه مرة أخرى، وجد والده ووالدته قادمون إليه في لهفة يتسائلون عن الوضع. وشرح لهم كريم الأمر برمته.
مر الكثير من الوقت، كانت الساعة تتعدى الحادية عشر بدقائق. وكريم ينتظر مع والديه ليطمئنوا عليها وفي انتظار أن تستعيد البنت وعيها أو أن يجدوا لها أهل.
أمام المستشفى كان هاتف فريدة ملقي على الأرض ومغلق. وجده أحد المارة، كان رجل طاعن في السن. أخذه ثم أعاد تشغيله. وبمجرد أن فتحه وجد اتصال، فأجاب عليه قائلاً:
"السلام عليكم."
جاءه صوتاً متلهفاً يجيب عليه حتى دون أن يرد السلام قائلاً:
"انت مين وفين صاحبة الموبايل ده؟ إنت خطفتها ولا إيه فين بنتي؟"
أجاب:
"استهدي بالله بس يا هانم براحه عليا خطفت مين أنا لقيت الموبايل ده جنب عربية مقفول قدام المستشفى وشغلته لعل صاحبه يتصل."
أجابت في قلق:
"طيب والبنت صاحبة الموبايل فين بالله عليك؟"
أجاب في حنق:
"بردو هتقوليلي البنت فين بقولك لقيت الموبايل بس."
"طيب خليك مكانك بعد إذنك أنا حالاً وهكون عندك أكيد بنتي في مكان قريب منك، الله يخليك ساعدني."
رد في هدوء:
"حاضر أنا هستناكي عند مستشفى **** وإن شاء الله تلاقي بنتك بس ماتتأخريش."
أنهى المكالمة ثم أغلق الخط قائلاً:
"أنا كان مالي بس بكل ده.. ما كنت سيبته مكانه وكبرت دماغي من وجع الدماغ اللي هتحط فيه ده."
سألتها بدرية في قلق:
"رايحة على فين؟ قالك إيه الراجل ده!"
أجابت:
"بيقول لقى الموبايل قدام المستشفى هروح أخده منه وأسال عنها ولا أعمل أي حاجة تطمني.. أنا هتجنن."
صمتت بدرية لثوانٍ ثم قالت:
"سماح."
"في حاجة حصلت في المستشفى وممكن لا قدر الله يكون ليها علاقة بفريدة."
تسائلت سماح في خوف:
"حصل إيه يا بدرية ما تقولي سيبتي ركبي."
"كان في صوت دوشة جامدة فالمستشفى فجأة ولما المنشاوي سأل الممرضة عن صوت الدوشة دي قالت إن في بنت خبطتها عربية قدام المستشفى والراجل بيقولك لقى الموبايل مرمي بردو قدام المستشفى وانتي بتقولي أنها راحتلنا هناك يبقى."
صرخت سماح في رعب:
"يبقى بنتي جرالها حاجة.. يا نهار إسود بنتي إستر يارب، يارب طمني وإخلف ظني."
كذلك قالت وهي مندفعة للخارج تستدعو السائق ليوصلها إلى المشفى سريعاً، وخلفها بدرية التي لحقتها وحاولت تهدئتها ولكن بلا جدوى.
***
وصلن إلى المشفى وقابلن الرجل وأخذن منه هاتف فريدة، الذي إنهارت أكثر عندما مسكته بين يديها ولا تعلم أين ابنتها. ثم دلفت إلى داخل الاستقبال تسأل في لهفة:
"لو سمحتي في حادثة حصلت قدام المستشفى النهاردة من فضلك قوليلي فين البنت دي أو أوصلها إزاي؟"
قامت موظفة الاستقبال باستدعاء إحدى الممرضات وطلبت منها أن تصحبهن إلى فتاة حادث اليوم.
سألتها بدرية:
"هيا مقالتش عن إسمها؟"
أجابت:
"للأسف لأ.. البنت مش في كامل وعيها وبتفوق وترجع لإغمائتها تاني ومش عارفين ناخد منها كلمة واحدة."
"هنا الأوضة دي بس بعد إذنكوا احنا لسه مش متأكدين إذا كانت بنتكوا ولا لأ فياريت حد منكم بس اللي يدخل يشوفها."
أجابت سماح:
"أنا هدخل استني هنا انتي يا بدرية."
دلفت الممرضة وخلفها سماح، ينبض قلبها في اضطراب يكاد يُسمع من داخل قفصها الصدري. ولما رأتها انهارت في البكاء. فخرجت الممرضة تستدعي بدرية هي الأخرى قائلة لها:
"تعالي دا باين هيا بنتكوا أول ما شافتها إنهارت خالص.. أنا هنادي الدكتور وأجيلكم حالاً."
وجدتها سماح ملفوف شاش على رأسها به نقاط من الدماء وتجبيس في يدها اليمنى مما يبدو عليه أن الحادث كان قوي للغاية.
دخل عليهم الدكتور المختص، دكتور إيهاب، فقال بهدوء:
"لو سمحتوا تعالوا معايا برا تواجدكم هنا مش في مصلحتها خالص."
خرجت سماح ثم تسائلت من وسط بكائها:
"طمني يا دكتور بنتي جرالها إيه؟"
أجاب:
"والله أنا ما عارف اقول لحضرتك إيه بس كل اللي حضرتك شوفتيه عليها دا كوم واللي هقوله كوم تاني خالص."
تسائلت بدرية:
"خير يا دكتور في إيه بس؟"
"للأسف هيا مش هتقدر تمشي على رجليها تاني لإن حصل كسر فالعمود الفقري ودا بعد ما عملنالها أشعة بالرنين المغناطيسي عشان نتأكد أكتر من حالتها.. لما قامت آخر مرة كانت منهارة وبتصرخ فاضطريت أديها حقنة مهدئ ومنوم في نفس الوقت."
انهارت سماح على الكرسي بجانبها في ألم وحسرة. أما بدرية فتسائلت:
"طيب ومصاريف المستشفى؟"
أجاب:
"دفعها الشاب اللي خبطها وهوا بصراحة مسابهاش خالص."
قامت سماح مندفعة في غضب شديد وقد احمرت عيناها من كثرة البكاء:
"آه صحيح هوا فينه اللي عمل فيها كدة ده؟ فينه اللي دمر حياة بنتي ومستقبلها خليني أشوفه!"
نظر الطبيب حوله يبحث عنه بعينيه، فوجده قادم إليهم في تعب بصحبة والده. فقال مشيراً إليه:
"هوا الشاب اللي جاي هناك ده."
اندفعت صوبه سماح مُسرعة. أمسكت بياقته وظلت تهزه بعنف دون أي ردة فعل منه ولا حتى محاولة دفاع عن نفسه، في غضب تصرخ به وتلكمه على صدره قائلة:
"إنت اللي خبطت بنتي ودمرت مستقبلها منك لله، منكم لله فاكرين حياة الناس لعبة في إيديكم."
ثم بدأت في إلقاء الألفاظ والتوبيخ. ثم أمسك بيدها والد كريم قبل أن تسقط كفها على وجه كريم قائلاً في حزم:
"لحد هنا وبس.. لولا إنك ست لكنت عرفتك نتيجة غلطك، وعشان أنا مقدر الظروف اللي انتي فيها هعديلك تطاولك بالفعل والقول."
ثم ترك يدها بعنف وقال:
"يُفضَّل لو تهدي وتخلينا نفكر هنتصرف إزاي! لو إبني زي ما انتي قولتي عنه أو زي ما اتهمتيه دلوقتي كان ساب بنتك سايحة في دمها وهرب ومكنتيش هتعرفي مين عمل كدة.. وكنتي اتحملتي بنفسك تكاليف كاملة لمستشفى غالية زي دي من علاج وآشعة وتحاليل وعملية."
هتفت بدرية بامتنان:
"إحنا متشكرين جداً لحضرتك على وقفتكم جنب بنتنا لحد ما نقدر نوصلها وأنا بعتذرلك على رد فعلها بس دي واحدة سمعت إن بنتها مش هتقدر تمشي على رجليها تاني وهيا لسه تعتبر صغيرة مشافتش دنيا."
أخفض كريم بصره في حزن وضيق ثم قال والده:
"إحنا مستعدين نتكفل بأي حاجة ونسفرها برة البلد تعمل أي عمليات تحتاجها تخليها تقدر تقف على رجليها تاني.. وأظن كدة إحنا عدانا العيب!"
ردت سماح باكية تصرخ في غضب:
"وليه من الأساس يمشي بسرعة وميخليش باله من الناس اللي فالشارع! يارب الصبر من عندك."
أجاب كريم في ندم:
"قبل أي حاجة أنا معترف بغلطي وإني كنت ماشي مستعجل بس بردو هيا طلعت قدامي فجأة وكانت مش باصة فالطريق قدامها وباصة في موبايلها ومش مهتمة للطريق اللي ماشية عليه.. حتى كمان كانت بتعيط يعني هيا مش شايفة قدامها فـ ما تجيبيش كل الحق عليا لواحدي!"
"وعلى كل حال أنا مستعد لأي حاجة هترضيكوا من جنيه لألف جنيه."
نظرت سماح إلى بدرية تتسائل:
"معيطة!! بنتي كانت خارجة من المستشفى بتعيط ليه يا بدرية؟"
أجابت بدرية في توتر:
"معرفش يا سماح أنا مشوفتهاش حتى! ماتهدي بقى وكفاياكي كدة وهنعرف كل حاجة الله."
رمقتها في غضب قائلة:
"طبعاً ما انتي مش حاسة بالنار اللي جوايا، ما هيا مش بنتك، صحيح اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار."
حزنت بدرية بشدة فقالت:
"الله يسامحك يعني هيا فريدة مش زي بنتي بردو! عموماً أنا مش هاخد على كلامك ده."
شعرت سماح بدوار شديد فجأة فسقطت مغشياً عليها. استدعت بدرية الطبيب على الفور وأخبرها بأنه ما تعاني منه أثر الضغط النفسي الذي تعرضت له في هذا اليوم. ثم كتب لها نوع مهدئ يناسب حالتها وأخبرها بأنها ستكون بخير بشرط أن لا تنفعل أو تتعرض لأي ضغوط مجدداً.
بعد أن فاقت كانت هادئة صامته لا تتحدث مع أحد ولا تجيب على تساؤلات أحد ولا تريد سوى أن تتحدث مع ابنتها وتطمئن عليها. كان شعور الغضب بداخلها والعديد من التساؤلات يُشعرها بالغضب والكره والحقد على كل من حولها.
رواية زهرة الفصل العاشر 10 - بقلم ندي أشرف
اتصلت بدرية بالمنشاوي وأخبرته بما حدث، فمر عليهم وكذلك سليم.
ولكن عند وصولهم، كانت الشرطة تحقق في الأمر وفي انتظار سماع أقوالها. وقرروا بقاء كريم بالقسم حينما علموا بأنه من صدم فريدة بسيارته حتى صباح اليوم التالي.
قضت سماح ليلتها بجانب ابنتها في المشفى، في قمة حزنها تراقبها وتنتظر منها أن تستفيق وتعود لوعيها لتفهم منها ما حدث وتجد إجابة لتساؤلاتها.
أما بدرية فعادت إلى المنزل هي وسليم والمنشاوي، على وعد بالعودة في اليوم التالي لضرورة بقائها في المنزل.
عادوا إلى المنزل، جلست بدرية في تعب تحادث زوجها:
"أنا مش قادرة أصدق في يوم وليلة حياتنا تتخرب بالشكل ده."
جلس المنشاوي بجانبها قائلاً:
"الحمد لله إنها جت على قد كده يا بدرية."
ردت في ضيق:
"أكتر حاجة واجعة قلبي في الموضوع لما سماح كان أكتر شيء مزعلها إن بنتها مش هتقدر تمشي على رجليها تاني وكده مش هتلاقي حد يرضى يتجوزها. هي قالت كده وكانت منهارة وكلامها وشكلها مقطع قلبي ومش بتغيب عن بالي."
رد المنشاوي في حنق:
"الله! هي في إيه ولا إيه. هو ده وقته تفكر بالطريقة دي، ما كل واحد بياخد نصيبه يا بدرية."
نظرت له في رجاء قائلة:
"أنا في حاجة بتدور في بالي من امبارح ولازم ناخد خطوة فيها عشان قلبي يرتاح."
تساءل المنشاوي:
"حاجة إيه دي؟"
ردت في توتر:
"أول ما فريدة تفوق والوضع يستقر شوية نخلي سليم يخطبها. بكده أختي هتطمن والبنت هتفرح، وهي وسليم مع بعض من صغرهم فـ أكيد هيكون سعيد معاها ويتحملها وهو أولى بيها من أي حد تاني!"
نظر لها المنشاوي في غضب شديد ثم قال:
"انتي واعية لكلامك ده! عارفة يعني انتي بتقولي إيه؟"
"بقول إيه يعني؟ بقول اللي كان لازم يتعمل من زمان. هو مش من زمان ومعروفة سليم لفريدة! وكمان..."
قاطعها المنشاوي قائلاً:
"بصي انتي أحسن لك تقفلي على الموضوع ده لأنك مش بتفكري بعقلك وبتفكري بعواطفك، وأنا هعتبرك ما قولتيش حاجة خالص عشان مش ابني في الآخر اللي يشيل ذنب حد تاني. وبعدين وهي سليمة أو مش سليمة.. ابنك عمره ما كان حاببها ولا ميال ليها."
" بتتكلم يعني وكأن فريدة وحشة! مالها فريدة بنت جميلة وغنية. انت ناسي إن باباها سايب لها ورث كتير أوي وابننا أولى بيها من الغريب!"
رد المنشاوي في حزن:
"تعرفي! أنا عشت معاكي سنين كتيرة أوي بس أول مرة أعرف إن تفكيرك كده. أحب أقولك إن كلامك ده كله ماينفعش لأسباب كتيرة. أولاً لأن ابنك بيحب زهرة ومش بيحب فريدة. ولو هندور عالأولى بقى هتبقى زهرة مش فريدة وانتي عارفة الفرق بينهم كويس أوي."
قامت بدرية عن مقعدها في غضب قائلة:
"انت إزاي تقارن بنت أختي بنت العز بالبنت دي؟ ومعلش مين دي اللي ابني أنا يتجوزها؟!"
أسند ظهره للخلف فقال بهدوء:
"زهرة مش غريبة وسبق قولتلك كده. وجميلة ومحترمة وهتبقى دكتورة، وابنك بيحبها أنا متأكد إنه ميال ليها."
صمت قليلاً ثم استطرد قوله:
"أنا سعادة ابني أهم عندي من أي حاجة."
تنـهد ثم قام عن مقعده قائلاً:
"وفوق كل ده.. أغنى من فريدة بمراحل بس الفلوس مش كل شيء، وعموماً لو سليم اتفق ووافقك الرأي أنا كمان هوافقك على كلامك. تصبحي على خير يا حبيبتي."
قالها ثم غادر إلى غرفته لينام، تاركاً بدرية خلفه تتسائل في حيرة: "غنية! إزاي دي حتى عايشة في مكان وبيت بيدل على مستواهم المادي القليل، لبسهم وشكلهم مابيقولش إنهم أغنية أبداً.. الموضوع فيه حاجة غامضة وأنا مش هرتاح ولا يهدالي بال غير لما أفهمها.."
***
في صباح اليوم التالي، يوم جديد في حياة سنية وابنتها زهرة مليء بالسعادة والأمان.
قامت زهرة تزيح الستائر وتطلق العنان لأشعة الشمس بغزو المكان بأكمله وملئه بالنور والدفء قائلة:
"صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا."
ابتسمت سنية قائلة:
"صباح النور يا قلب ماما. إيه عملالنا فطار إيه النهاردة!"
ردت في حماس:
"زي ما حضرتك شايفة كده.. فطار ملوكي يستاهل بقك، هتاكلي زي الشطورة وتاخدي علاجك."
ضحكت سنية فقالت:
"هو مين فينا أم مين."
زهرة:
"يا ستي اعتبري نفسك ابنة ابنتها."
"ربنا ما يحرمني منك."
بدأت سنية في تناول فطورها ثم تساءلت في قلق:
"تفتكري يا زهرة الجماعة عاملين إيه! من امبارح لا حس ولا خبر وحاسة إني مش متطمنة."
أجابت زهرة:
"ربنا يستر ماتكونش اللي اسمها فريدة دي سببت مشاكل لسليم. أنا خايفة نخسر المنشاوي بيه أو يزعل من اللي حصل، تفتكري يا ماما اتسرعنا؟"
أجابت سنية بتردد:
"والله ما أنا عارفة يا ابنتي بس بعد ما نفطر اتصلي بسليم اتطمني وطمنيني."
"لأ.. أنا مش هتصل بسليم."
تساءلت في تعجب:
"ليه بقى إن شاء الله!"
"أنا بصراحة مش مرتاحة للي حصل امبارح ده. يعني ازاي قدرت أعمل كده وأقبل أن نقرأ فاتحة مع سليم من غير علم باباه ومامته.. أضمن منين إني مش هكون أقل من كرامتي وأهله يرفضوا الموضوع، شوفي هما فين واحنا فين وانتي عارفة الناس اللي مستواها كده بيرتبطوا بطبقات تناسب مستواهم الاجتماعي، أنا إيه يدخلني بينهم! أضمن منين إن سليم بيحبني بجد مش بيشفق عليا، أكيد أنا صعبت عليه."
نظرت لها سنية في صدمة قائلة:
"إيه ده إيه ده كله، وتصعب عليه ليه بقى إن شاء الله انتي مش أقل من حد وكفاية تعليمك وبكرة تبقي دكتورة قد الدنيا."
زهرة:
"يا ماما يا حبيبتي افهميني، رحم الله امرئ عرف قدر نفسه. خلينا إحنا برا كل ده وهو يتصرف مع أهله، إن كان من نصيبي هيجيلي مع أهله غير كده لأ."
"اللي يريحك يا زهرة أهم حاجة يا ابنتي تكوني قلبك مرتاح ورايق بالك وتركي في مذاكرتك، وأنا مش طالبة منك أكتر من كده. أنا الحمد لله شبعت هاتي العلاج بقى..."
***
استيقظت بدرية والمنشاوي وسليم ذهبوا جميعاً إلى المستشفى. وصلوا إلى غرفة فريدة، كانت مستيقظة تبكي من الألم وعلى حالها هذا عندما علمت بما تسبب له الحادث. وبجانبها سماح تحاول مواساتها، لكنها ما زالت تشعر بالغضب فعنفتها قائلة:
"كده بردو يا فريدة توجعي قلبي عليكي يا ابنتي ليه مسمعتيش كلامي شوفتي حصلك إيه من ورا تهورك ده."
ردت فريدة في حنق من وسط دموعها:
"اللي حصل بقى يا ماما أنا مش حمل تأنيب وعتاب، آديكم شايفين حالي إيه واللي فيا مكفيني. أنا هموت من التعب يا ماما نفسي أروح البيت ومش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أرتاح وأعيش في سلام وبس أنا مبحبش الدكاترة والمستشفيات والعلاج والحاجات دي كلها أرجوكي خليهم يمشوني."
دخل عليهم المنشاوي والدكتور المختص بحالة فريدة والممرضة أحضرت كرسي متحرك.
المنشاوي:
"ألف سلامة عليكي يا فريدة، متخافيش يا حبيبتي إحنا معاكي لحد ما تبقي زي الفل وتمشي على رجليكي تاني."
نظرت إليهم فريدة بعد أن لاحظت كرسي متحرك بين يدي الممرضة ثم قالت في غضب:
"إيه ده الكرسي ده أكيد أنا مش هتحرك بيه."
هتفت سماح في ضيق:
"يابنتي حرام عليكي بقى ماتعمليش فيا كده."
تقدمت منها بدرية وأخذت تربت عليها في حنان قائلة:
"فريدة حبيبتي إهدي عشان خاطري، إحنا هنستعمل الكرسي ده مؤقتاً وهنكشف عليكي ونروح لكل دكاترة مصر وبرا مصر كمان لو اضطرينا. صدقيني مش هنسيبك! وعد.. ماشي يا فريدة؟"
أومأت فريدة إيجاباً وهي تبكي في حزن قائلة بصوت خافت:
"بس أنا هتكسف أمشي بيه يا خالتو، سليم لو شافني كده مش هعجبه وأصحابي هيتريقوا عليا."
هتف الطبيب قائلاً:
"أنا أعرف دكاترة كويسين برا مصر هيفيدونا في حالة فريدة بإذن الله والموضوع مش مستحيل يعني. أنا كتبتلها على علاج وتقدر تروح البيت بس بعد ما الظابط يحقق معاها، هي هتفضل ٣ شهور نايمة على ضهرها لحد ما الكسور في جسمها تخف وترجع لطبيعتها. وبعدها نبدأ نمشي في حل مشكلة الفقرات ونسفرها تعمل العملية، عايز أقولكم إن الحادثة مكانتش هينة والحمد لله إنها لسه عايشة بعد اللي حصلها."
هتفوا جميعاً بالحمد لله ثم استأذنهم الطبيب وخرج.
في تلك اللحظة دخل عليهم والد كريم ووالدته بعد أن طرقوا على الباب عدة طرقات.
نظرت لهم فريدة وتساءلت باستنكار:
"مين دول؟"
أجابت سماح في حنق:
"دول أهل الشاب اللي خبطك بعربيته."
انهارت فريدة وأخذت تصرخ في غضب وبكاء شديدين قائلة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ينتقم منه ويحصله نفس اللي عمله فيا."
تنحنح المنشاوي وهتف سريعاً:
"خلاص يا فريدة ميصحش كده، مهو مكنش قاصد يدمر حياتك ومستقبلك يعني..!"
أجاب والد كريم "الشربيني":
"معلش سيبها أنا عارف إن صدمة الموضوع كبيرة عليها. بس دلوقتي يا آنسة فريدة العلم اتطور ومافيش حاجة مالهاش حل، إحنا معاكي وأنا مستعد أتكفل بأي حاجة هتحتاجيها علشان تقدري تمشي على رجليكي تاني. بس أنا ليا عندك رجاء."
نظرت له فريدة تنتظر منه أن يكمل حديثه فقال:
"في ظابط هييجي يحقق معاكي، لما ييجي يحقق معاكي عن الحادثة قولي له إن كريم ابني كان ماشي بسرعة طبيعية و... وإنك خرجتي قدامه فجأة. أنا آسف إني بطلب منك كده بس أنا رجل أعمال ليا اسمي في السوق مش عايز حاجة تأثر على سمعتي لمجرد حادثة قضاء وقدر!"
ثم أخرج دفتر شيكات من جيب سترته وقال:
"وياستي لو عايزة تضمني حقك أنا مستعد أمضيلك شيك على بياض تحطي فيه الرقم اللي يعجبك وأنا معاكي في أي مصاريف تحتاجيها. ها قولتوا إيه..؟"
ردت فريدة في غضب:
"يعني إيه عايزني أطلع نفسي غلطانة وهو ملاك بريء معملش حاجة! لأ لازم يتربى وياخد عقاب اللي عمله فيا."
هتفت والدة كريم برجاء:
"أرجوكي يا ابنتي ساعدينا ومتخليش مستقبل الولد يضيع. يا أستاذة سماح إنتي أم وهتحسي بيا ابني لو مش كويس مكانش وقف وفضل جنبها واستسلم لأمر القضاء. خلوه يخرج بس من القسم واحنا هنعمل كل شيء يرضيكم."
صمتت فريدة ونظرت سماح إلى بدرية في حيرة وكأنها تحاول أن تستعين برأيها فيما يقال.
أومأت لها بدرية إيجاباً تعبر لها عن موافقتها. فقالت:
"خلاص يا فريدة اعملي زي ما بيقولوا يا ابنتي وسيبي أمرك لله."
ردت بدرية:
"يمكن ده يكون سبب لشفائك وتيسير أمورك يا فريدة."
أومأت إيجاباً.
فأخرج الشربيني شيك على بياض وقدمه إلى فريدة فسحبته ونظرت به ثم وضعته جانباً في صمت فقال:
"أنا متشكر جداً على تفهمكم. وأنا على وعدي."
استطرد قوله:
"طيب إحنا هنخرج نشوف تفاصيل الحالة من الدكتور وهنرجع تاني. بعد إذنكم."
***
في بيت سنية رن جرس المنزل قامت لترى من الطارق فوجدت أمامها سليم.
هتفت في ترحيب:
"أهلاً يا ابني اتفضل اتفضل."
دخل سليم ثم جلس على الأريكة وتساءل:
"شكراً لحضرتك. أمال هي فين زهرة، بكلمها ومش بترد عليا، قلقت وجيت اطمن بنفسي لا يكون حصل حاجة. هيا كويسة؟"
أجابت:
"آه يا ابني كويسة الحمد لله، استنى هدخل أناديلك عليها تتكلم معاها بنفسك."
ذهبت سنية لتنادي على زهرة، رفضت مقابلته في بادئ الأمر لكنها اضطرت للخروج من غرفتها بعد إصرار سنية عليها وإخبارها بضرورة التحدث معه في أمرهم.
خرجت زهرة من غرفتها بعد أن وضعت الحجاب فقالت:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام. أزيك يا زهرة؟"
تركتهم سنية يتحدثون وذهبت لإعداد الشاي.
جلست زهرة إلى جانبه فقالت:
"الحمد لله في نعمة."
تساءل:
"ولما هو الحمد لله في نعمة مش بتردي على اتصالاتي ليه؟"
تعجبت زهرة من أسلوبه ثم أجابت:
"بص يا سليم أنا هكلمك بصراحة، أنا حاسة إننا استعجلنا في اللي عملناه امبارح. مكنش ينفع نعمل كده من غير علم باباك ومامتك. وكان لازم الأول تتأكد من موافقتهم قبل موافقتي. أنا حالياً رافضة ارتباطي بيك لعدة أسباب. أول وأهم سبب: إننا مش مناسبين لبعض. وقلبي حاسس إن مامتك وباباك هيرفضوني وأنا مستحيل أجي على كرامتي."
رد سليم:
"زهرة أنا بحبك! عارفة يعني إيه بحبك؟ يعني لو كل الدنيا وقفت قصادي في طريقك هتجاوزهم وأبقى جنبك."
شعرت بسعادة بالغة لما سمعت ثم أجابت في جمود:
"الحب مش كل حاجة يا سليم. ياريت لو تعتبر اللي حصل ده محصلش لحد ما تتكلم مع أهلك وتشوفهم موافقين ولا لأ، ولحد ده ما يحصل أنا بحلك من أي وعد من اللي اتقال امبارح. أرجوك بلاش تحطني في موقف وحش مع باباك ومامتك أو تكرههم فيا."
رد سليم في صدمة:
"بس انتي كنتي مبسوطة امبارح ليه النهاردة بتقولي كده؟"
"راجعت نفسي يا سليم ولقيت إني كده بفكر صح حفاظاً على كرامتي وقلبي ودا مش وقت مناسب أبداً لكل اللي بيحصل ده."
تنـهد ثم قال في ضيق:
"طيب ياستي اللي يريحك. عموماً أنا هعمل اللي عليا لآخر نفس، وعمري ما هبطل أتمسك بيكي مهما حصل. لإني زي ما قولتلك حبيتك واختارتك ليا وأنا عارف إني عمري ما هلاقي بنت زيك دلوقتي أقدر أأمنها على نفسي وتشيل اسمي وتبقى أم ولادي."
دلفت سنية تحمل بين يديها الشاي فـ هَم قائماً عن مجلسه ليذهب فقالت سنية:
"على فين مش لما تشرب الشاي."
نظر إلى زهرة نظرة عتاب فقال:
"لأ بعدين بقى. لما يبقى وقت مناسب إن شاء الله."
غادر حزيناً وكانت زهرة في هذه اللحظة تشعر بأن قلبها مقهور تخاف أن تخسره للأبد لكنها مقتنعة بأن ما فعلته هو الصواب قائلة في نفسها: "آجي على قلبي وأوجعه أحسن ما آجي على كرامتي وأخسرها، ولو كان قلبي سلمة هترفعني لفوق درجة هدوس عليه ولا إني أسمح لحد يدوس عليا ويطلعها.."