تحميل رواية «زاد العمر وزواده» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنبه لحفيف الأقدام القادم من ناحية الدرج، فألتفت نحوه مدركاً من يكون صاحبه قبل أن تطالعه صورته. ومن يمكن أن يكون مستيقظاً في مثل هذه الساعة قبيل الفجر بدقائق معدودة إلا هو؟ عاصم حفيده الذي تجهز ليندفع نحو المسجد ليؤذن لصلاة الفجر كعادته منذ أن كان طفلاً يرافق أباه مهران، الذي سلم له المهمة ما أن أشتد عوده. تنبه عاصم الحفيد لموضع جده داخل حجرة المكتب، فدلف إليها والابتسامة ترتسم على وجهه هاتفا: "أنت صحيت يا چدي!" وانحنى طابعاً قبلة حانية على جبين جده مستطرداً: "صباح الخير." أكد عاصم في بشاشة: "صب...
رواية زاد العمر وزواده الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رضوى جاويش
حاول أن يتقلب على الفراش، لكنه تأوه لألم حل به. تنبه فإذا بذراعه مجبر من بداية كتفه وحتى ما بعد مرفقه. ما الذي حدث بالضبط؟ لحظات من التشوش والتيه، أعقبها تذكر للنيران وما حدث بعدها، وعواقبها التي دفعته للتفكير في مثل هكذا عمل جنوني. رغبة في إنقاذها مهما يكن. اغمض عينيه وجال بناظريه نظرتها المرتعبة لوجود النيران والمصدومة لفعلته وهو يجذبها بين ذراعيه مطوقا إياها. ابتسم في محبة. هذه هي نوارة، سيدة التناقضات بلا منافس. المرأة التي تحمل قلب أسد وخفقات عصفور. ملامح على الرغم من رقتها، تتحول لملامح شديدة الصرامة، توقف أي من كان عند حده، دون أن يجرؤ على أي تجاوز في حقها.
كان يعلم أنها بالتأكيد بخير، فقد حرص تمام الحرص وهو يطوقها حماية، أن يجعل سقوطهما غير مضر لها، وأن يتحمل وحده تبعات السقطة وثقل جسديهما. وعلى الرغم من ذلك، ضغط زر استدعاء الممرضة، والتي دلفت للحجرة بعد برهة، ليسألها معاجلاً: "هو والدتي الدكتورة سميحة، والآنسة نوارة اللي كانت..."
قاطعته الممرضة مؤكدة: "أه الدكتورة سميحة بخير، بس مرضتيش تخرج إلا بعد ما تطمن على حضرتك، وجت زارتك هنا مرتين. أما الدكتورة نوارة، دي طلعت بعد ما فاقت على طول، وسألت عليك وعلى والدة حضرتك، ومشيت."
ما أن همت الممرضة بإنهاء كلماتها، حتى طلت الدكتورة سميحة من الباب، بعد أن شعرت بتحسن، وجاءت لزيارته. كان يعلم أنها بخير منذ أن أودعها سيارة الإسعاف بصحبة أحد الأطباء من معارفه، لكن على الرغم من ذلك، هتف محتجا: "إيه اللي خلاكي تتعبي وتيچي على هنا؟!"
أكدت سميحة في هدوء: "أنا بقيت كويسة، أنا كنت أصلا كويسة لولا شوية الدخان اللي الواحد خدهم دول، مع تأثير المنوم، بس الحمد لله ربنا سلم."
هتف رائف مؤكدا: "ده بفضل نوارة، اللي دخلت وفتحت عليك الباب والشباك."
هتفت سميحة وقد تغيرت سحنتها: "لو سمحت يا رائف، بلاش تفكرني بان وجودها كان السبب في حياتي دلوقتي، أنا مش حابة افتكر ده."
أكد رائف في تعجب: "حضرتك حاولتي تنكري أو تعترفي بس ده حصل، الناس كلها جعدت تتفرچ ع البيت اللي بيولع، وكلهم كام چردل مية اترمى من برة، وسحبوا جدي من أوضته اللي هي جنب الباب من أساسه، ومحدش غامر ودخل چوه الدار والنار والعة، جبل ما أچي، عشان يدور عليك إلا هي، نوارة."
تنهدت تحاول أن تغير مجرى الحديث، هاتفة: "أنا سألت الدكتور، قال إنك ممكن تخرج النهاردة، ها حابب تخرج ولا تاخد لك يومين كمان واروح انا اشوف هنعمل ايه في اللي حصل فالبيت، وكمان اشوف جدك اللي قاعد عند بيت واحد من ولاد عم بباك، واكيد مش هيرتاح إلا فبيته، ده كفاية عقدة الذنب اللي زمانها ركباه، بعد ما عرفنا إن اللي حصل ده بسببه."
تنهد رائف وقد أدرك رغبتها في إغلاق الحديث عما حدث، وعدم ذكر نوارة، فاستجاب لرغبتها لكي لا يحزنها، هامسا: "اه فعلا چدي زمانه فعلا تعبان بعيد عن أوضته، وبعدين الموضوع كله كان غصب عنه، نام وهو بيدخن.. والنار مسكت فالستارة والسجادة، ده كويس انه خرج منها سليم، بس على العموم أنا همشي معاك، لازم نشوف هنعمل إيه فالبيت."
أكدت سميحة: "والله سامر جه جري أول ما عرف اللي حصل، وبدأ الإصلاحات على طول أهو، يا رب نخلص على خير."
هتف رائف: "فيه الخبر، بس أنا لازم ابجى معاه، عشان ننچز."
هتفت سميحة: "طب أنا هروح اجهز، عشان نخرج سوا."
وتحركت لخارج الحجرة، تاركة إياه يتحرك في هوادة، مقررا لبس جاكت ما على ملابسه التي كان يرتديها، والتي لا قدرة له على خلعها عنه اللحظة. وضع كفه في جيب قميصه ليتنبه لتلك الورقة المطوية متعجبا: "ليس من عادته أي شىء بجيب قميصه." جلس من جديد، محاولا فضها، وبدأ في القراءة:
"أخي العزيز:
عارفة إنك هتستغرب من اللي هتفراه دلوقتي، وبتقول في نفسك ليه!! اقولك باختصار عشان كنت خايفة، مش عارفة انا عملت فنفسي وفيكم كده إزاي!! انا عارفة أن اللي علمته غلط، وان مش رقية اخت رائف السليماني اللي تعمل كده، بس والله ما كان قصدي، انا اضحك ليا من واحد ندل، لا بحبه ولا عمري حبيته، ولا كان فيه بيني وبينه حاجة، ده يمكن لو كنت فعلا وحشة، مكنش فكر فيا، لكن علشان انا كنت بصده ده خلاه يحطني فدماغه، وعرف يستدرجني لحد ما لقيت نفسي فبيته، إزاي وامتى!! اقسم لك معرفش."
تنهد رائف لأن كل تلك التفاصيل، هو سمعها من أخته عندما اكتشفوا حملها، وكانت صدمة للجميع. ابنتهم الصغرى ومدللته التي كم أسبغ عليها من حنانه وعطفه، معوضا فقد أبيهما، وانشغال أمها بحزنها وعملها، تفعل بهم وبنفسها هذا. يومها سقطت أمها سميحة مريضة. ثارت ثائرته وأقسم أن يقتل ذاك الحقير، والذي أبدا لم ترضى أن تعطيهم اسمه، خوفا عليه من تهوره، وقتله لذاك الشاب فعلا. وعندما استمر الضغط عليها اعطتهم اسمه أخيرا، ذاك الإسم الذي ظل محفورا في ذاكرتهم جميعا. قرر رائف يومها، تنحية العقلية الصعيدية جانبا، والتفكير بعقلية رجل عاد مؤخرا من الخارج بعد حصوله على درجة الدكتوراه، محاولا إصلاح ما يمكن اصلاحه، بالذهاب إلى أهل الشاب، ومطالبتهم بإصلاح خطئه مع ابنتهم. لكن ذاك الشاب كان يومها اقرب للموت من الحياة. كان في غيبوبة كاملة بعد أن سقط من فرسه، في مسابقة ما. مروان الهواري، ذاك الاسم الذي كان حامله هو سبب كل ما حدث من تداعيات.
أعاد القراءة، متنهدا بعد أن أثارت المزيد من الذكري الموجعة التي ما كان له الرغبة في تذكرها:
"أنا عارفة إني قلت لك إن اللي عمل كده، هو مروان الهواري، زميلي فالكلية، لكن ده مش صح، أنا اديتك أسمه لاني كنت عرفت أنه فغيبوبة، وانك لو فكرت تروح تواجهه أو حتى تأذيه، هتلاقيه في الغيبوبة وده هيخليك تبعد عن التفكير في انك تضره أو تضر نفسك. عارفة إني غلطت أني قلت كده، بس مكنش عندي حل تاني بعد ما ضغطوا عليا، عشان تعرفوا اسم الشاب اللي آذاني، ومكنش عندي نية اعرفكم اسمه خوفا عليك يا رائف. أنا كتبت الجواب ده وانا رايحة عند ربنا، ميقتش قادرة استحمل إني أكون سبب في اذيتكم واذية حد برئ، عشان كده قلت لازم اقولك إن مروان سيد الهواري برئ، وعمره ما كان ليا علاقة به، وحطيت رسالتي دي هنا بالذات في الرواية اللي انا عارفة ومتأكدة إنك هتفتحها وتقراها عشان كنت دائما بتقولي انك بتحبها قوي.
سامحني يا رائف، وخلي ماما تسامحني، انا تعبانة قوي وعايزة استريح..
افتكرني وادعيلي.. أختك.. رقية"
اخفض رائف كفه التي كانت تحمل الخطاب، متطلعا نحو الفراغ قبالته. لا يعرف ما الذي يتوجب عليه فعله. لا ينكر أنه شعر بالوجع ما أن اكتشف أن نوارة من الهوارية، لكنه ما لبث أن طغت مشاعره تجاهها على حنقه، محاولا التفكير بعقلانية. فما ذنب نوارة في خطأ ارتكبه أحد أبناء عمومتها، لتحمل هي وزره!
لكن أمه وجدها كان لهما رأي أخر. ويوم أن فكر في المعارضة وإثبات وجهة نظره، كان سقوط جده بنوبة قلبية كادت أن تودي به، ما دفعه ليكتم رغبته، ويئد عشقها بصدره، لعله يعود لإقناعهم من جديد، بعد أن تهدأ الأمور.
لابد وأنها من وضع الخطاب بجيبه. ذاك الخطاب الذي كان يودي بحياتهما معا والذي على ما يبدو كان بحقيبتها التي قاتلت النيران بحثا عنها، لا رغبة في الحقيبة ذاتها، ولكن في إنقاذ دليل براءة عائلتها، والذي بالتأكيد وجدته في نسخة الرواية التي أعطاها لها، دافعا بها رسالته مهرولا ليعطيها نوارة، دون أن يتصفحها، فقد كان لديه عدة نسخ من الرواية نفسها، موزعة هنا وهناك بالمكتبة.
طرقت سميحة الباب ودخلت، لتجده على حاله العجيبة تلك من الشرود. هتفت به في قلق: "رائف أنت بخير؟!"
رفع في آلية الخطاب، والذي تناولته منه في تردد، لتبدأ في القراءة، ودمع عينيها يسيل أنهارا.
***
فتح حازم باب حجرة منتصر، ودلف إليها برفقة بدور. كان منتصر نائما ما دفع حازم ليؤكد عليها: "خليكي هنا وأنا هروح اشوف الدكتور."
وكأن بإمكانها أن تبرح موضعها مبتعدة عنه، فلقد عادت إليها روحها وهي تراه حيا يرزق أمامها. تألق الدمع بعينيها وهي تتطلع نحو جسده المسجى، وبعض الشاش والضمادات تملأه من هنا وهناك، من قمة رأسه المعصوبة، حتى أخمص قدميه المرفوعة عن الفراش قليلا.
تقدمت نحوه بقلب وجل، كل خلية من خلاياها ترتعش اضطرابا. وما أن أصبحت ملامسة لطرف فراشه، حتى غابت متطلعة لملامح وجهه الرجولية الآسرة، الموشومة على جدار روحها، والتي رغم شحوبها لم تفقد ولو جزء بسيط من خشونتها.
بلا وعي مدت كفها لتضعها على كتفه الصلب في وداعة، هامسة لا تعرف لهمسها سببا إلا أن ذاك مدعاة للراحة: "كنت عارفة إنك راجل، ولا يمكن تكون خاين، ولو كان جرالك حاجة، مكنتش هسامح نفسي أبدا، ده يمكن كنت رحت وراك فيها.."
تحركت رأس منتصر في هوادة، ليميل بخده على ظاهر كفها التي تصلبت على كتفه، هامسا دون أن يفتح ناظريه: "تروحي فين! ده محدش كان مشعلقني بالدنيا إلا أنت."
وفتح ناظريه متطلعا نحوها في عشق: "كنت بموت وأنا مش طايلك، وقاومت الموت، متعلق بحبال الأمل، يمكن أقدر فيوم أنولك. لا عرفت اعيش معاك، ولا سيباني أموت واخلص. اعمل فيك إيه يا بنت سيادة العميد؟!"
شهقت بدور باكية، لا قدرة لها على الرد على كلماته إلا بالدموع السخينة المسربلة بالعشق، والمعترفة رغم عن أنف الجميع، بذاك الهوى الذي يكبل روحها.
طرقات على الباب جعلتها تتنبه مبتعدة، تحاول أن تستعيد ثباتها، تمسح الدموع عن وجهها ليعود طبيعيًا.
اندفع وحيد مازحًا قبل أن يتنبه لوجود بدور.
"أيوه يا عم يا بتاع بدور، أنا لازم أعرف مين..."
قطع وحيد مزاحه متحرّجًا، ما أن وعى لوجودها بحيز الغرفة في ذاك الركن القصي، أمام النافذة.
ما أن هم بالقاء التحية حتى هلّ حازم هاتفيًا:
"حمد الله بسلامتك يا منتصر، شد حيلك بقى. أنا لسه سائل الدكتور على حالتك، قالي اللي حصل ده معجزة. فخد بالك من نفسك، عايزينك في أقرب وقت على رجليك من تاني، وانت قدها يا بطل."
هتف منتصر وقد أشعره كلام حازم ببعض الأمل، وخاصة وقد أيقن اللحظة أنها جاءت بصحبة والدها ليست وحيدة:
"ربنا يخليك يا فندم، كله على الله."
هتف وحيد مؤكدًا:
"والله يا منتصر سيادة العميد مسبش لحظة من ساعة اللي حصل، ربنا يبارك له."
هتف حازم مؤكدًا:
"منتصر ابني، حد يتشكر على اهتمامه بابنه. ربنا يتم شفاه على خير، ومش عايزين نطول عليك يا منتصر، استريح."
وتطلّع نحو بدور هاتفيًا:
"ياللاه بينا يا بدور."
هزت بدور رأسها طائعة، وتطلّعت بطرف خفي لمنتصر قبل أن تغادر بصحبة أبيها.
ليهتف وحيد في شقاوة:
"لا بقى، أنا مش هعتّق من هنا إلا أما أعرف إيه الحكاية يا بتاع بدور أنت."
تطلّع منتصر إليه بنظرة حانقة لذكر اسمها بهذا الشكل، ليستطرد وحيد مؤكدًا:
"بقولك إيه! بلاها الدماغ الصعيدي دي، مش هنطق اسمها تاني يا عم. بس قولي إيه الحكاية، ما انت عارف إني بحب الحكايات دي قوي، بتفكرني بقصة عشقي الملتهبة مع باتعة مراتي، واللاموري وكده."
أمسك منتصر ضحكاته على أقوال وحيد هامسًا:
"على فكرة انت ظابط هايف."
أكد وحيد مازحًا:
"إديني فالهايف وأنا أحبك يا فننس. وبعدين مش كفاية قاعد لك دادة، بدل ما يفرجوا عني وأروح أشوف باتعة والواد اللي حامل فيه ده، جايلك يا باتعة."
اتسعت ابتسامة منتصر على أفعال وحيد المازحة.
***
خبطات مهللة على باب الدار جعلت سماحة تندفع لتفتح في عجالة، ليندفع يونس مهللاً، لا تسعه الفرحة، حتى أنه أمسك بعضدي سماحة يهزها في سعادة بالغة.
"براءة يا واد يا سماحة، براءة."
تنبه لفعلته، وكذلك هي التي وقفت متصلبة، ما دفعه ليرفع كفيه عنها، كالملسوع متحرّجًا، لتنكس رأسها خجلًا دون أن تنبس بحرف.
اندفعت أمها من الداخل على إثر تهليله، متسائلة:
"خير يا ولاد، متفرحونا معاكم؟"
استجمع يونس شتات نفسه هاتفيًا:
"الحكومة جبضت على قاتل مرتضى نجم اللي كانوا تاهمين فيه سماحة، يعني كده تمام، محدش ليه عندينا حاجة."
اتسعت ابتسامة سعيدة مهللة:
"الحمد والشكر لله، ربك ما الغلابة قادر، ربنا يتمم فرحكم على خير يا ولدي."
هتف يونس متضرعًا:
"يا رب."
اندفعت سعيدة عائدة للمطبخ تلحق بما تركته على الموقد قبل احتراقه، ليتطلع يونس نحو سماح مؤكدًا:
"كده هجيب أمي تخطبك، ولا حد يجولي سماحة فين ولا بتاع! ده أنا اتهريت أسئلة فالنيابة، كده نتجوز بجى، ولا حد يجولي سماحة فين ولا عفريت أزرق."
هتفت سماحة في صدمة:
"عفريت أزرق؟"
هتف مازحًا:
"أقصد عسل أبيض وشهد مكرر."
ابتسمت، لتزداد وتيرة مزاحه:
"هو أني صحيح هبجى أول واحد أتجوز واحد صاحبه، وسوابج كمان."
تطلّعت إليه عاقدة حاجبيها حنقًا، لترتفع قهقهاته مؤكدًا:
"بس على قلبي كيف العسل."
اتسعت ابتسامتها حتى أشرق وجهها بجمال فطري خلب لبه، فتطلّع إليها كالأبله، وما أن تنبهت بنظراته الشاردة فيها، حتى اندفعت مبتعدة في خجل، ليصرخ يونس مازحًا:
"أنت فين ياااامااا، تعالي جوزيني، سوابج سوابج، بس أتجوززز."
اندفع للخارج، ومنه لأعلى، لترتفع قهقهاتها على أفعاله.
***
هتف عاصم الجد يستدعي عاصم حفيده ما أن رآه في سبيله للخروج من باب السراي:
"يا عاصم، إيه واخد فوشك ورايح على فين يا عريس!"
توقف عاصم عائدًا لموضع جلوس جده المفضل، مقبلاً هامته، هاتفيًا:
"رايح أشوف آخر التجهيزات، عشان الفرح يا جدي."
هتف عاصم الجد في سعادة:
"ربنا يتمم فرحتك على خير يا رب، بس بجولك! مش هتروح للحلاج!"
تسأل عاصم الحفيد:
"عايز الحلاج! نبعتوا نجيبوه لحد عندك يا جدي."
هتف عاصم الجد مازحًا:
"واه أما أنت تلم صحيح!! أني بتحجج بك يا عريس وشبطان فيك، عشان أخرج أشوف الدنيا، بجالي زمن مخرتش بره السرايا، ربنا ما يوريك جعدتي يا حبيبي."
ربت عاصم الحفيد على ظاهر كف جده، الذي استطرد متنهدًا:
"زمان كنت واخد النجف بطوله وعرضه، برمّح على فرسي أو ع الكارتة، دلوجت مبجاش، فخدني بالعربية معاك."
هتف عاصم الحفيد متعاطفًا:
"يا سلام، ده أني أشيلك على كتافي وألف بك الدنيا كلها يا جدي."
هتف عاصم الجد مازحًا:
"لاه يا عم، بلاها شيل وحط، وفر عافيتك للعروسة يا خوي."
قهقه عاصم الحفيد لأقوال جده، هاتفيًا به:
"هجيب لك العباية من جوه يا جدي، ونروحوا على طول."
هز عاصم الجد رأسه موافقًا، وهو يتطلع أمامه لأرضه التي اشتاق لها كثيرًا.
لحظات وعاد عاصم، يدثر جده بعباءته، واندفع محضّرًا العربة حتى الدرج الخارجي للسراي، مسندًا جده حتى صعد للعربة، مستديرًا يجلس خلف مقود العربة.
"هبدأ عاصم في التقاط أنفاس أرضه، عبء بها صدري."
ما أن اندفع عاصم الحفيد لخارج أسوار السراي، مستعيدًا كل ذكرى مضت، كانت له على هذه الأرض.
***
كانت تقف في انتظار وصول عبدالباسط ليقلها من أمام الجامعة، لكن الشمس تشتد ولا رد له على هاتفها، ما دفعها لتزفر في ضيق، وقد قررت الاندفاع حتى تلحق بأي وسيلة مواصلات قد تقلها بالقرب من نجع الصالح. تنهدت فما كان عليها النزول للجامعة من الأساس، فقد كانت تحضيرات فرح عاصم وزهرة على أشدها، وكان عليها المشاركة فيها، لكن رغبتها في رؤيته دفعتها لتنزل لتحضر محاضرته والتي بعد كل ما فعلت، اعتذر عنها ولم يحضر ما زاد من حنقها.
همت بالتحرك نحو موقف العربات الأجرة، دافعة بنفسها بين البنات، لتستقل العربة، إلا أن نفير تلك العربة التي وقفت جوارها، جعلتها تتوقف متطلعة نحوها في حنق، وما أن همت بالهتاف معترضة، حتى خرج من النافذة، مشيرًا:
"اتفضلي معايا، أنا رايح نجع الصالح أوصلك فطريقي."
هتفت سجود مؤكدة:
"مبركش مع حد غريب."
هتف يوسف متعجبًا:
"حد غريب!"
وهتف مستطردًا في حزم:
"أنا فمقام ابن عمك، يعني أنزل أخدك دلوقتي أدخلك العربية، ويبقى حقي عشان مسبكيش تركبي فالزحمة والقرف ده بين الشباب."
اضطربت، فقد كان كلامه في مجمله صحيحًا، لذا دفع الباب من ناحيتها لينفرج، فركبت في هدوء، غير معقبة بحرف.
استشعر أنه زاد من حد حنقه، لكن كلمتها التي وصفته بها بالغريب، أثارت شياطينه، فهو ليس بغريب، وقد أشار لها في آخر لقاء بينهما، أن لديه رغبة في التقدم لخطبتها. حاول تلطيف الأجواء، فمد كفه ليبدأ نغم فرنسي حالم يتهادى بالعربة، استشعر معه استرخاءها، ليهتف متسائلاً في نبرة لطيفة:
"عاملة إيه في المذاكرة؟"
هزت رأسها مؤكدة:
"تمام."
همس في نبرة مشاكسة:
"مش عايزة مساعدة، أنا بعرف فرنساوي على قدي، بس أقدر أساعد برضو."
ابتسمت في هدوء، وهمست متسائلة:
"هو أنت إيه اللي خلاك تسيب فرنسا وتيجي على مصر؟"
همس في محبة:
"عشان أقابلك."
اضطربت في مجلسها، ليستطرد مفسرًا:
"فعلاً مكنش وارد أنزل مصر خالص، وكنت مش برضى أنزل حتى مع المرات القليلة اللي كان بابا وماما بينزلوا مكنتش باجي معاهم، كنت ملزوق هناك بغرا، الدراسة والحياة السريعة وديچا."
انتفضت متطلعة نحوه في تعجب، وبنبرة لا تخفي بعض من غيرة خفية:
"ديچا مين؟"
ابتسم مؤكدًا:
"ديچا دي يا ستي، كانت زي ما بتقولوا هنا فمصر، أقرب ما تكون لخطيبة، رغم أنها مكنتش خطوبة رسمية، بس الوضع هناك مختلف عن هنا شوية، أنتِ فهماني!"
هزت رأسها والحنق ظهر من عينيها جليًا، ووجدت نفسها تهتف في لامبالاة تدعيها:
"مش عايزة أفهم، ولا فارق أعرف عنها حاجة."
هتف يوسف مبتسمًا في هدوء وهو يعدل من وضع منظاره أمام ناظريه:
"أنتِ سألني، وأنا بجاوب، وقلت لك يمكن ربنا عمل كده، وخلى بابا وماما يفكروا فالمؤامرة دي عليا، ويقنعوني أن في ناس عايزين يضرّوهم بسبب أبحاثهم وعليه، لازم أبعد عن فرنسا خالص وأنزل مصر، وطبعًا صدقت ونزلت بعد ضغط رهيب عليا، مكنش طايق نفسي وأنا حاسس إني اتحذفت على هنا."
قاطعته متعجبة:
"اتحذفت! أيوه طبعًا ما انت بعدت عن الست ديچا!"
قهقه رغما عنه، هاتفيًا في تأكيد:
"أكيد طبعًا ده كان فالأول، لحد ما اتأكدت إن ده كان أفضل قرار خدته، إني أفضل هنا فمصر، وإن ماما وبابا كان عندهم كل الحق فإنهم يحدفوني على هنا، وكانت أجمل حدفة."
اضطربت في خجل وقد أصبحوا على مشارف سراي الهواري، لتهبط في سرعة، ليهتف بها:
"مبروك للبشمهندس عاصم، وبإذن الله هحضر الفرح."
هزت رأسها وأسرعت تدخل السراي يتبعها بنظرات عينيه في سعادة.
***
غابا فترة من الوقت، لم يرغب عاصم في العودة للسراي حتى اكتفى جده أمرًا:
"بكفايانا كده يا عاصم، نرجعوا بجى."
هز عاصم الحفيد رأسه طائعًا، واستدار عائدًا للسراي.
وهو في طريقه، وقعت عين جدي عاصم على أسوار دار جعفر أبو منصور، وجذب ناظره منظراً ما، هتف على أثره في عاصم:
"وجف يا عاصم."
تنبه عاصم قلقًا نحو جده، الذي فتح باب العربة وترجل منها في بطء، ما دفع عاصم لترك المقود، والاندفاع لمساعدته على الترجل من السيارة، لا علم له بما يحدث، وأين يمكن لجده الذهاب!
أشار عاصم الجد نحو دار أبو منصور، وبدأ في السير في اتجاه الباب، الذي كان متفرجًا على مصرعيه.
تنبه عاصم الحفيد، لوجهة جده، فهتف ينبهه:
"جدي، أنت رايح على فين، دي..."
أكد عاصم الجد في حزم:
"عارف، جدي لسه بعجلة مخرفش."
صمت عاصم ولم يعقب بحرف، وكل ما استطاع فعله، هو إسناد جده حتى تخطى أعتاب الدار، وعرج نحو مجلسها الذي كانت تتخذه هناك. توقف للحظة، مؤكدًا على عاصم حفيده أن يتركه، والذي ما أن هم بتتبع خطواته، حتى استوقفه عاصم الجد، بإشارة صارمة من كفه.
اتجه إليها في خطى ثابتة رغم ضعفها، وما أن توقف قبالتها، حتى تطلعت وجيدة التي كانت تجلس على كرسيها المدولب، تحت أشعة الشمس، وحيدة بعد أن أطعمتها آية، وتركتها لإحضار شالها من الداخل، الاطمئنان على حال مروان كذلك.
جلس عاصم على المقعد المقابل لها، مستندًا بذقنه على مجمع كفيه القابض على رأس عصاه الأبنوسية، هامسًا في تعاطف:
"والله زمان يا وجيدة. كيفك؟"
تطلعت وجيدة نحوه لبرهة، قبل أن يهتف متسائلًا:
"فكراني؟ والله الزمن عمل عمايله معايا ومعاك!"
جالت بنظرها في ملامحه، وهزت رأسها مؤكدة أنها تذكره. ابتسم عاصم هازًا رأسه بدوره، مؤكدًا:
"زمان وولى يا وجيدة، بس لساك كيف ما كنت. متغيرتيش."
ابتسمت في هدوء لمجاملته المفضوحة، ليستطرد مؤكدًا:
"حتى شوفيه دماغك لساتها كيف ما هي."
تطلعت إليه في نظرة حانقة، ليؤكد هاتفا:
"ليه يا وجيدة؟ ليه العند وتصليبة الدماغ؟ عيالك زي الفل. أن كانت آية الله أكبر عليها، ولا منتصر."
حطت رأسها في خزي، ليهتف عاصم مؤكدًا، وهو يشعر بالحنق من رجال عائلة أبو منصور:
"حتى مكلفوش خاطرهم، يبيضوا توب ولدهم!"
تطلعت إليه وجيدة متعجبة، ليهتف عاصم مؤكدًا:
"منتصر راجل وسيد الرجالة. منتصر عمل اللي محدش جدر يعمله. هو فالمستشفى دلوجت، بس بجي أحسن. لكن لا هو خاين ولا الكلام الفاضي اللي سمعتيه وخلاك فحالتك دي."
تطلعت إليه وجيدة دامعة العينين، لا تصدق ما يدعه، ناطقة في صعوبة اسم حفيدها الغالي:
"منتصر..."
ليؤكد عاصم:
"أيوة. عرفتي تربي راجل على حج، وعروسة زي الفل. كسبتيهم يا وجيدة من يد الزمن، متخسريهمش. دول هم زاد عمرك اللي جاي، ومضيعيش عليهم أيامهم، وتحرميهم من زاد عمرهم وزواد رحلتهم. راضي جلوبهم بحبايبهم يا وجيدة، كيف ما ربنا راضي كل واحد فينا بشج روحه."
وتنهد مستطردًا، ودمعها يسيل على خديها:
"عارف إنك كنت مكتوبالي، وأني مكتوب لك. كلام واتفاجأت حريم، بين أمي وأمك. لكن الدنيا خدت كل واحد لسكة تانية. أني اتجوزت زهرة، وأنت ربنا رزقك بمسعد أبو منصور، راجل ولا كل الرجالة، وأني متأكد إنك كنت ريداه. ليه بجى الحمجة الكدابة، وكرهك للهوارية على كلام عدي وولى من زمن؟ مبجاش فاكره غير صحابه. انتهينا يا وجيدة وزمانا ولى. زمن عيالنا هو اللي جاي. بلاش نضيع عليهم فرحة عمرهم."
وتنهد من جديد، وهو ينهض في هوادة، مبتعدًا عن مجلسها، تاركًا إياها سائرًا في اتجاه حفيده، الذي عاجله مندفعًا نحوه، يسنده في طريق العودة للسيارة، هامسًا في مزاح، بعد أن أدار محرك العربة، متجهًا للسراي:
"تدفع كام ومجلش لستي زهرة ع الجعدة اللي فاتت دي؟"
تطلع عاصم الجد نحوه هاتفا في مزاح:
"هدفع بالتي هي أحسن. هو أني أجدر على زعل ستك زهرة."
قهقه عاصم الحفيد، ليؤكد عاصم الجد مازحا:
"الجبن سيد الأخلاق، مش بيجولوا كده برضك!"
لترتفع قهقهات عاصم الحفيد، وهو يصف السيارة بموضعها مسندًا جده في اتجاه مجلسه المعتاد.
دخل مهران على عاصم الجد، وهو يغلق هاتفه الذي كان يتحدث فيه لتوه، وجلس بجانبه سائلا النصيحة:
"بجولك يا حاچ، في چماعة اتصلوا بيا طالبين ياچوا في موضوع نسب."
هتف عاصم متسائلا بدوره:
"مين دول؟"
أجاب مهران:
"دول من عيلة السليماني، النجع اللي كانت شغالة فيه نوارة. الظاهر كده طالبين معاد عشان ياچوا يخطبوها."
هتف عاصم في سعادة:
"جولتلي من السليمانية؟ يبجى الحاج عبدالسلام السليماني وولده عابد الله يرحمه. دول ناس مأصلين."
أكد مهران في سعادة:
"اهو ولد عابد، الدكتور رائف هو اللي كلمني، وعايز ياچي. هو مجالش عايز إيه، بس حسيت كده إنه موضوع نسب. أنا بفكر اعتذر له عشان اللخمة اللي إحنا فيها بسبب تچهيز فرح زهرة وعاصم. إيه جولك؟"
هتف عاصم معترضا:
"معلوم ياچي. برضك ده كلام. ناجلوا الفرح، ياچوا ونخلوا الفرحة فرحتين."
ابتسم مهران رابتا على ظاهر كف والده في امتنان، ليبتسم عاصم في سعادة، رابتا على أكتاف ولده في سرور:
"ألف مبروك يا مهران. عجبال ما تچوز عيال عيالهم."
هتف مهران في ابتسامة واسعة:
"في حياتك يا حاچ عاصم."
اندفعت تسنيم لداخل غرفة الفتيات، باحثة عن نوارة التي ما أن ابصرتها، حتى هتفت بها في سعادة:
"يا نوارة، چالك عريس يا دكتورة!!"
انتفضت نوارة موضعها، ولم تعقب، بينما هتف سجود في فضول:
"مين يا ماما؟ مين؟!"
أكدت تسنيم في سعادة:
"الدكتور رائف السليماني. لسه مكلم أبوك، وعايز ياچي. هو مجلش ليه، بس كان واضح إنه موضوع نسب."
هتفت زهرة في سعادة:
"ألف مبروك يا نوارة."
تطلعت نوارة نحوهم في تيه، ولم ترد بحرف واحد، فقد كان ذكر اسم رائف أمام نوارة، يحتاج المزيد والمزيد من ضبط النفس، حتى لا تظهر تأثرها بفعلته التي تعترف أنها أثارت تعجبها. إنه ما يزال مريضا، حتى أنه لم يخلع الجبيرة عن ذراعه، فكيف سيأتي إلى هنا؟
اندفعت خارج الغرفة، مع دهشة سجود وأمها، التي تطلعت بنظرة متعجبة خلفها وهي تهرول مبتعدة.
دقت على هاتفه، في انتظار رده، رد بنبرة مرحة:
"ألوو. التليفون نور يا دكتورة."
هتفت دون سلام، على الرغم من اعترافها أنها اشتاقت صوته بشدة:
"حضرتك كلمت بابا ليه؟"
هتف رائف مشاغبا:
"هو البنات بيكلموا أبوهم ليه؟"
هتفت في صرامة:
"يا دكتور لو سمحت، عايزة إجابة واضحة عن سؤالي، مش سؤال رد على سؤال."
أكد رائف ولم تغادره نبرته المرحة:
"حاضر يا فندم. إجابة مباشرة وصريحة وواضحة، عشان المكالمة دي كانت المفروض تحصل من بدري واتأخرت قوي."
هتفت نوارة بصوت متحشرج:
"وايه اللي اتغير يا دكتورة من ساعتها للنهاردة خلاك تغير رأيك؟"
أكد رائف متأكدا أنها تثأر لكبريائها، لم تكن نوارة إن لم تفعل:
"بالنسبة لي متغيرش حاجة. جلبي زي ما هو، ونوارة بنفس الغلاوة، وأنا جاي اطلب أيدها."
استجمعت شتاتها، هاتفة في عناد:
"وانا مش هوافق."
أمسك ضحكاته على عنادها الطفولي:
"وماله. يكفيني شرف المحاولة، لحد ما ننول الرضا."
هتفت نوارة وقد بدأت تلين:
"متجيش يا دكتور أحسن."
أكد رائف مبتسما:
"هاچي يا دكتورة."
هتفت نوارة متصنعة الحنق:
"طب سلام، سلام. واعمل اللي يريحك."
اغلق رائف الهاتف، وانفجر ضاحكا على أفعالها الصبيانية، التي لا تؤكد إلا شيء واحد فقط، أنها في انتظاره وبشدة رغم كل ما تدعيه.
أما هي فقد ضبطت نفسها متلبسة بابتسامة منشرحة مرسومة على محياها ما استطاعت اخفائها مهما حاولت، فقد كانت ابتسامة تكلل ثغر الروح.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رضوى جاويش
وجدها تجلس في حجرة القراءة أخيرا. فعلى الرغم أنهما في دار واحدة، لكنها كانت تتحنبه خجلا الفترة الماضية. فمنذ أُعلنت خطبتهما، وهي تتخفى منه. وكان هو دائم الانشغال بتجهيز عشهما الزوجي مع العمال طيلة النهار. اندفع مهرولاً في اتجاه الغرفة، قبل أن تنتقي إحدى كتبها وتعود لحجرتها متوارية من جديد. يدفعه شوق قاتل لمرآها. وصل لعتبات حجرة القراءة، ليجدها تهم بالرحيل. فاستوقفها في لهفة:
"زهرة."
استدارت لمواجهته. وعلى شفتيها ابتسامة خجلى. فعلت به ما لا يمكن لأحرف أن تصفه. تطلع إليها وعلى قسمات وجهه رضا وبشر غابا عن محياه منذ زمن. وما عادا إلا عندما أيقن أنها أصبحت نصيبه من نساء العالمين.
أشار لأحد المقاعد لتجلس في طاعة. ليتخذ من المقعد المقابل لها موضعاً. قبل أن يهمس متسائلاً:
"إزيك؟"
أومأت في هدوء هامسة:
"كويسة الحمد لله."
ابتسم هامساً:
"يا رب على طول."
هتف آمراً في لين:
"مدي يدك الشمال."
رفعت رأسها متطلعة إليه، لا تدرك ما يقصد بالضبط. ليعيد أمره بنفس النبرة اللينة، لكن مع ابتسامة واسعة تزين محياه. ما دفعها لتطيع مأخوذة. لتمتد كفها اليسرى، في اضطراب. ليمد كفه من جيب جلبابه مخرجاً علبة من المخمل القرمزي. فتحها ليخرج منها خاتم رقيق. دفعه برقة ليطوق أصبعها الأوسط. أصابها الذهول لفعلته. وظلت تتطلع نحو خاتم الخطبة في تيه. ليهمس في محبة:
"كان لازماً أجيبه جبل تلبيس الشبكة يوم الكتاب."
همست زهرة أخيراً في محبة مماثلة:
"تصدق أنا مفتكرتش خالص موضوع الدبلة ده يا عاصم. عارف ليه؟"
تطلع نحوها منتظراً الجواب في لهفة. لتهيمس في رقة باسمة:
"عشان الحاجات البديهية مش محتاجة حاجة تأكدها يا واد عمي."
دق قلبه أضعاف المتعارف عليه. ليهتف في نبرة متحشرجة، تفضح ادعاءه بعدم الفهم:
"يعني إيه!! مش فاهم."
نكسَت رأسها خجلاً لبرهة. قبل أن تتجرأ لترفع رأسها متطلعة نحوه بنظرة ثابتة. تحمل عشقاً لا يمكن مداراته:
"يعني أنا مكتوبة لك عند رب العالمين. والدبلة دي حاجة شكلية. لكن الدبلة الحقيقية موجودة حوالين القلب يا عاصم. وأنا قلبي اتولد لابس دبلتك."
تنحنح لا قبل له على النطق بحرف. متطلعاً للخاتم الذي ازداد جمالاً بموضعه حول أصابعها الرقيق. هامساً بصوت حاول البحث عن ثباته:
"طب شوفي المكتوب عليه من جوه."
خلعته في هدوء. وتطلعت نحو جدار الخاتم الداخلي. لتبصر رقماً محفوراً. تعجبت عندما أدركت أنه يوم عيد مولدها. تطلعت إليه من جديد، ودمعت عيناها. هامسة:
"ده يوم عيد ميلادي!"
هز رأسه مؤكداً:
"ما أنتِ قلتيها. دبلتك حوالين قلبي من يوم ما وعيت لك. كنت ابن أربع سنين يوم ما هلّيتي ع الدنيا. قعدوا قدام عيني يتلجفوكي من يد ليد. وأنا أصرخ وأتمرمغ فالأرض. ليه؟ وليه؟ مش راضيين يخلوني أشيل البتاعة الصغيرة دي اللي فرحانين بيها."
ارتفعت ضحكاتها. ليسود صمت مقدس في حضرة هذه الترانيم الملائكية. التي نقلته لزمن لا بعد له. وأخيراً استطرد في وجد:
"ولما حنوا عليا وحطوكي بين درعاتي، عرفت ليه كانوا فرحانين بكِ. أني نفسي كنت فرحان بكِ جوي. وكل ما يخدوكي مني اتفرط لهم ع الأرض من تاني. لحد ما يرجعوكي على حجري. باين كده، إني من يومها وعيت إنكِ فرحة قلبي يا زهرة. وإن الدنيا في قربك نعيم. وفي بعدك هي فعلاً دنيا، شقا وكرب."
تطلعت نحوه. وضمت كفها التي بها خاتمه الثمين قيمة ومعنى. ورفعته بالقرب من قلبها. وعيناها تهددان بدموع تكاد تندفع من مآقيها. ما حثها على الاستئذان. لتغادر موضعها لحجرتها مهرولة. تقرب الخاتم لفمها ملثمة إياه. وقد سال الدمع على خديها متضرعة:
"يا رب ما تحرمه من فرحة قلبه. ولا تحرمني من فرحتي به."
تطلع هو لموضعها الشاغر للحظات. قبل أن يتنهد في راحة. مغادراً موقعه في اتجاه غرفتهما التي جهزت بشكل شبه كامل لزفافهما. وضع مفتاحها بالباب. دافعاً إياه برفق. متطلعاً لكل ركن فيها. مأمناً النفس بقرب الوصل المأمول. عبق رئتاه من هوائها الذي يحمل عبق عشق كان بين جنباتها لزمن طويل. متمنياً أن ينال بعضاً من نفحاته. خرج من الغرفة في هدوء. مغلقاً بابها محتفظاً بمفتاحها. حتى اليوم الموعود.
كانت تقف تتطلع إلى وصلة العشق التي تحدث أمام ناظريها بغرفة القراءة بين أخيها وخطيبته. بأعين دامعة فرحاً. تتعجب من انقلاب حالها بهذا الشكل. فمنذ متى تحولت لهذه الشخصية العاطفية التي تهزها المشاعر. وتجلب الدموع لماقيها بهذا الشكل!
انتفضت من موضعها، تحاول أن تكفكف دمعها. وسجود تندفع للحجرة هاتفة في عجالة:
"نوارة، إلحقي! دكتور رائف تحت مع أبوكِ وجدك."
حاولت أن تخفي اضطرابها وانفعالاتها الداخلية كعادتها. هاتفة في لامبالاة مصطنعة:
"وإيه فيها يعني!"
وتركتها وانسحبت من الحجرة هاتفة بسجود:
"لما أروح أشوف لي حاجة مفيدة أعملها."
تطلعت إليها سجود حانقة. وهتفت في غيظ:
"أنتِ عايزة تقولي لي إنك مش هامك! يا نوارة يا كدابة."
تطلعت إليها نوارة في ضيق:
"سجود، لمي روحك."
هتفت سجود تشاكسها:
"وإن ملمتش هتعملي إيه!"
هتفت نوارة مؤكدة:
"هسيب لك الأوضة يا هايفة."
وبالفعل تركت نوارة الغرفة. متسللة في اتجاه قاعة الرجال التي كانت تضم رجال العائلة. والتي هتف كبيرها عاصم الجد في حفيده، ما أن دخل القاعة عليهم محيياً:
"واد حلال، كنا لسه هاننادي عليك. الدكتور رائف السليماني، من نجوع السليمانية، اللي بتشتغل فيه الدكتورة نوارة أختك."
هتف عاصم الحفيد مرحباً:
"يا مرحب بك يا دكتور، شرفتنا."
هتف رائف مؤكداً:
"الشرف لينا يا باشمهندس."
هتف مهران مستفسراً عن جبيرة يده، يحاول أن يتبادل أطراف الحديث لرفع الحرج عن رائف، الذي استشعر اضطرابه. ما جعله متيقناً أنه ما جاء إلا في مصاهرة:
"ألف سلامة عليك يا دكتور، إيه اللي حصل؟!"
هتف رائف مؤكداً:
"لا دي حاجة بسيطة الحمد لله، أسبوع كده وأبقى تمام."
ولا يعلم لما استشعر أن نوارة تطلع على حوارهم بشكل ما. ما دفعه ليستطرد مؤكداً:
"حادثة غيرت حاجات كتير، بس كان لازم منها."
هتف عاصم الجد:
"أجر وعافية."
تنحنح رائف مستطرداً:
"الصراحة أنا جاي النهاردة في موضوع نسب، جاي وطالب يد الدكتورة نوارة."
ابتسم عاصم الجد مؤكداً:
"طلبك على راسنا يا دكتور، وانتوا ناس ما تتعيبوش. إن كان جدك ربنا يديه الصحة، ولا أبوك الله يرحمه، كان ونعم الرجال. بس نشاوروها ونرد لك خبر، ولا إيه يا أبو العروسة!"
أكد مهران مبتسماً:
"هو فيه بعد كلمتك يا حاچ عاصم."
وتطلع نحو رائف مؤكداً:
"معلوم طبعاً، نسبكم يشرفنا يا دكتور. بس الأول موافقتها."
هتف رائف في لهفة:
"ميتا ردها!"
ابتسم عاصم الجد مؤكداً:
"يعني كام يوم كده، لحد ما نچوزوا الباشمهندس، ويبجى الفرح فرحين، بإذن الله."
هتف رائف بابتسامة واسعة:
"ألف مليون مبروك، ربنا يتمم لك على خير."
هتف عاصم الحفيد ممتناً:
"تسلم يا دكتور، عجبالك."
أكد رائف متضرعاً:
"نقول يا رب."
اتسعت ابتسامة عاصم الجد ومهران، الذي أكد وهو يربت على كتف رائف في مودة:
"يا رب خير."
استمعت لكل ما دار داخل القاعة. لتتسلل عائدة نحو غرفتها. التي ما أن دلفتها حتى هلت عليها تسنيم أمها مهللة:
"الدكتور رائف السليماني لسه ماشي من عند الرجالة تحت ووجه يطلبك، ومستني ردك يا دكتورة. الرجالة بيشكروا فيه وأخلاقه وعيلته. إيه! نقول مبروك يا دكتورة!"
هتفت نوارة مستفسرة:
"هو جه من غير حد من أهله معاه!"
أكدت تسنيم:
"أيوه، ما أكيد مستني ردك، عشان يجيبهم."
هتفت نوارة هامسة:
"طيب هاخد وقتي وأبقى أرد."
هتفت تسنيم متعجبة:
"الراجل ما يتعيبش يا بنتي، هو أنتِ فيه حاجة مش مريحاكِ من ناحيتهم!"
أكدت نوارة في هدوء:
"لا يا ماما مفيش، بس يعني حتى لو انتوا شايفينه مناسب مليش إني آخد وقتي في التفكير والاستخارة!"
أكدت تسنيم:
"لاه حقك، خدي الوقت اللي يعجبك، وربنا يقدم لك اللي فيه الخير يا بتي."
ربتت تسنيم على كتف ابنتها في مودة. وهمت بالمغادرة. لتهتف قبل أن تغلق الباب. مؤكدة بابتسامة واسعة:
"على فكرة، شكله مستعجل جوي. هو دايماً مستعجل كده! ولا الهوى رماه!"
أغلقت تسنيم الباب. تاركة نوارة وقد ارتسم على شفتيها ابتسامة تحاول مداراتها. رغم علمها بالرد المناسب على رائف. والذي لم تغيره عن ما قررته له على الهاتف.
كان العمال قد أنهوا أخيراً عملهم بالشقة العلوية. والتي أُنجز إعدادها ما أن قدمت أمه لخطبة سماحة. وكأنه كان في انتظار هذه الخطوة. ليسرع بتجهيز عش الزوجية على عجل.
هم بهبوط الدرج مغلقاً الشقة بالمفتاح حاملاً حقيبة صغيرة تحوي بعضاً من ملابسه. وهتف منادياً من أعلى الدرج:
"يا خالة سعيدة."
ظهرت سعيدة على أعتاب باب الشقة بالطابق السفلي هاتفة:
"خير يا ولدي!"
هبط الدرج مسرعاً. حتى أصبح قبالتها. وسأل في تأدب:
"ممكن تنادي لي سماحة، عايزها في كلمتين قبل ما أسافر."
هزت في رضا. هاتفة:
"تروح وترجع بالفرح يا ولدي."
ابتسم يونس مؤمناً. بينما دخلت سعيدة تنادي على ابنتها التي طلت عليه في خجل فطري لم يعتده بعد من تلك التي كانت منذ فترة وجيزة أقرب صديق له. تطلع نحوها في اضطراب هاتفا وهو يمد يده بمفتاح الشقة العلوية:
"مفتاح شقتك يا عروسة، العمال خلصوا كل اللي لازمها. اعملي فيها ما بدا لك. ولحد ما نطلعوا على مصر نحطبوا لراضي، هرجع معاهم على نجوع الصالح أحضر فرح عاصم الهواري. ومنه على هنا، بس بزفة لجل الفرح."
همست سماحة في أحرف مرتجفة:
"تروح وترجع بالسلامة يا سي يونس."
هتف يونس مازحاً:
"يونس بس. أنتِ هتبقى مرتي كمان أسبوع. بلاها الطربوش اللي بتحطيه على اسمي ده."
همست سماحة باسمة:
"أنتِ تؤمر يا يونس."
هتف يونس متطلعاً إليها في وله. بعد أن سمع اسمه لأول مرة من بين شفتيها:
"أكبر غلطة إني أخليكِ تشيلي التكليف دلوقتي. يا مرك يا يونس. أجولك.. رجعي الطربوش. ولا الأحسن متقوليش حاجة لحد ما أرجع لك."
هزت رأسها في طاعة ولم تعقب. ليهم بالرحيل وهي لم تنبس بحرف. ما دفعه ليهتف:
"إيه طب!! مش هتجولي لي أي كلام من اللي بيقولوه ده للي مسافرين!؟"
ابتسمت هامسة:
"ترجع لي بألف سلامة يا.."
قاطعها يونس آمراً:
"بلاش اسمي. والله لو سمعته تاني لـقاعد لك هنا ومش هتعتع ولو جابوا مين.."
أمسكت ضحكاتها الخجلى. فلم تعتد بعد على رفع صوت ضحكاتها في حضرته. ما دفعه ليهتف مازحاً:
"سلام عليكم بقى، لحسن كده يونس لا هيروح ولا ها يجي."
واستطرد مؤكداً:
"الشقة فوق رتبيها على جوزك.."
هتفت مؤكدة:
"هخليها لك جنة."
أكد في هوى ينازعه:
"هتبقى جنة بوجودك فيها."
نكست رأسها حياء. ما دفعه ليهرول مبتعداً. هاتفا في مزاح:
"سلام يا بت يا عروستي، أشوفك يوم الفرح."
اتسعت ابتسامتها وهي تلحق به. تتبعه بناظريها وهو يركب سيارته في اتجاه نجع الصالح. على أمل عودته ليكمل اجتماعهما المبارك. ذاك اليوم الذي تنتظره كهلال العيد.
كان قد عرض عليه العميد حازم الهواري العودة معهم إلى النجع. بعد أن أعلن الأطباء تحسن صحته بشكل ملحوظ. وإمكانية استكمال الاستشفاء في المنزل. ما دفع حازم في إحدى زياراته إخباره بتوجههم للنجع لحضور زفاف عاصم وزهرة الهواري. ما دفعه للموافقة بعد بعض التردد.
كان سفره معهم في نفس العربة. يجلس بجوار حازم. وهي تجلس بالمقعد الخلفي مع أمها وأخويها الأصغر سناً. اختبار كبير لصبره وقدرة تحمله. وهو يستمع إلى صوتها الذي يشجيه ومناكفاتها مع إخوتها الصغار لتبدو أصغر عمراً منهما. محاولاً تجاهل أثر حضورها على نفسه. كل هذا مر في سلاسة للجميع. لكن الأمر أصبح كارثياً وغير قابل للاحتمال عند أحد الاستراحات. حينما طلب حازم من بدور تولي عجلة القيادة لشعوره بالإرهاق. ما جعلها بجانبه مباشرة.
كيف يمكنه تجاهل مثل هذا الحسن الذي ملأ ذاك الحيز الصغير الذي يجاوره! وكيف له أن يتصنع عدم إدراك حضورها. وهي هكذا قريبة لقلبه وروحه كما هي قريبة جسدياً. لا يفصل بينهما إلا بضع من السنتيمترات. تجعله أشبه بمن هو على أعتاب الفردوس. ينتظر الإذن بالدخول.
تنفس الصعداء أخيراً. وهم على مشارف النجع. حتى توقفوا أمام دار أبو منصور.
صرخ حازم بالخفير، الذي كان يجلس على البوابة يغط في نومه. فانتفض متجهاً نحوه. مهللاً ما أن رأى منتصر. الذي ساعده على الترجل من العربة. ليتوقف منتصر للحظة. متطلعاً نحو حازم الذي كان خلف مقود العربة. بعد تبادل الدور مع بدور في القيادة من جديد. هاتفا في امتنان:
"متشكر قوي يا فندم تعبت حضرتك. وحتى مقدرتش أبقى ليّا فايدة وأريحك في السواقة شوية."
هتف حازم مبتسماً في هدوء:
"مفيش تعب ولا حاجة. حمد الله بسلامتك يا وحش. وده واجب علينا بعد اللي عملته. خلي بالك على نفسك. ولو احتجت أي حاجة بلغني متترددش. يلا متقفش كتير على رجلك التعبانة زي ما قال الدكتور. السلام عليكم."
هتف منتصر في نبرة ممتنة:
"متشكر يا فندم. وأنا معملتش إلا الواجب. سلام عليكم."
أدار حازم السيارة راحلاً. ولم يغب على منتصر أن يلقي نظرة أخيرة نحوها. قبل أن تولي. ولا علم له متى يحين اللقاء من جديد.
مر بمساعدة الخفير. عتبات الدار في صعوبة نتيجة إصابة قدمه وذاك العكاز الذي يتعكز عليه حتى يبرأ بشكل تام. مع إصابة يده التي ما زالت بجبيرتها حتى اللحظة. تطلع نحو موضعها وتوقف لبرهة يحاول أن يستعيد ثباته وصلابته. وهو يرى جدته القوية القادرة. على ذاك الكرسي المتحرك. والأدهى من ذلك. عند علمه أنه السبب في هذا العجز الذي أصابها.
ما أن هم بالتوجه نحوها. حتى هلت آية من مدخل الدار تحمل شال جدتهما لتضعه على كتفها حماية من النسيم البارد الذي يهب في مثل هذه الساعة. رغم سطوع شمس دافئة نسبياً. لتصرخ في فرحة، مندفعة نحوه:
"منتصر.."
تنبهت جدتها عند سماعها الاسم الأغلى على قلبها. متطلعة نحوه قدر استطاعتها دامعة العينين. بينما هتفت آية في محبة أخوية. وهي تقف قبالته:
"حمد الله بالسلامة يا منتصر.."
هتف منتصر بدوره باسمًا:
"الله يسلمك يا آية.."
مدت آية كفها تحاول مساعدته. إلا أنه طمأنها على قدرته على التصرف بشكل جيد لا يدعوها للقلق. متجهاً نحو موضع جدته. التي وصل مجلسها. جالساً قبالتها في هدوء. وما أن استقر على مقعده حتى ألقى العكاز جانباً. ماداً كف يده السليمة حاملاً كف جدته بأحضانها ملثمها في محبة. هامساً بنبرة تحمل شعور بالذنب لا يمكن تجاهله:
"سامحيني يا ستي، أنا السبب.."
مدت وجيدة كفاً مرتعشة. تربت بها على هامة منتصر المدفونة بحجرها. هامسة بأحرف متقطعة:
"منتصر، اسمعني.. أنا موافقة.."
رفع منتصر رأسه متطلعاً نحوها. لا يفسر ما تقول. لتهتف آية التي كانت تكفكف دمعها اللحظة. مفسرة:
"بتقولك إنها موافقة.."
هتف منتصر مستفسراً من جدته:
"على إيه!!"
هتفت وجيدة تحاول الضغط على نفسها لنطق بعض الأحرف من جديد. لتترجمها آية وهي تهتف في سعادة، دامعة العينين:
"موافقة على جوازك من بنت حازم الهواري.."
ابتسم منتصر في فرحة. مؤكداً:
"تعرفي إن سيادة العميد حازم الهواري. هو اللي جابني لحد هنا."
هزت رأسها مؤكدة بأحرف ثقيلة:
"ابن أصول."
أكد منتصر دامع العينين. متعاطفاً لحالتها:
"بس مفيش جواز إلا لما تخفي وتبقي تمام."
هزت وجيدة رأسها رافضة بشدة. تؤكد على ضرورة الذهاب:
"لازم تروح."
هز منتصر رأسه في سعادة. هاتفا في فرحة:
"حاضر يا ستي، حاضر. بس شدي حيلك عشان محدش هيخطبها إلا أنتِ يا قمر."
وعاد ملثماً كفيها من جديد. وهي تربت على رأسه بكف مرتعش. وعين دامعة. سال دمعها أخيراً. في فرحة.
كان الصخب بالحارة على أشده. فقد كان شادر الخطبة يمتد واسعاً بطول الحارة وعرضها. فالحارة بأسرها تدين بالكثير من الأفضال للمعلم خميس المرسي وولده ناصر. وكل فرد بها يريد أن يرد فضل من أفضالهما مجاملة في خطبة ابنتهما الوحيدة. نعمة.
كان رجال العائلة جميعاً بالأسفل. بصحبة أقارب العريس. أبيه وإخوته. وأولهم يونس. الذي نهض في سعادة يستعرض الرقص بالعصى على أنغام المزمار والطبل. لينفجر الشادر كله تهليلاً.
لم يكن النساء أقل صخباً من الرجال بالأسفل. فقد كانت كل فتاة منهن تستعرض مهاراتها في الرقص وسط دائرة من نساء الحارة. اللاتي أخذن في التصفيق والتهليل. مع ارتفاع الزغاريد الصادحة من هنا وهناك. بين لحظة وأخرى.
كان عليه الصعود لشقتهم بالأعلى لجلب المزيد من صناديق المياه الغازية لوضعها في الثلاجات حتى تصبح جاهزة لمزيد من المدعوين. وفي أثناء صعوده الدرج سمع امرأتين. تهمس إحداهما بالأخرى في تعجب:
"شفتي البت حسن بت سالم الاستورجي بعد ما رجعت من عند عمتها! البت احلوت وادورت قوي."
هتفت الأخرى:
"حسن طول عمرها قمر الله أكبر. هو كان إيه اللي بيخلي الشباب فالرايحة والجاية يعكسوها إلا جمالها! بس الشهادة لله، البت كانت بتوقفهم عند حدهم. وبقوا يعملوا لها حساب بعد العلقة اللي ادتها لكذا واحد قبل كده. ولا أجدعها راجل."
قهقت الأخرى:
"أيوه صح. بس متقوليش راجل. هو فيه راجل يرقص كده. شوفتي البت بترقص إزاي! كأنها بترقص ع الدخان."
أكدت المرأة الأخرى:
"أيوه عندك حق. أنا هقول لواد بن اختي عليها. هي دي تتساب. بس هم يرضوا يناسبونا بعد العز اللي بقت فيه."
أكدت المرأة الأخرى:
"على قولك."
اشتعلت النيران في شرايينه. ليقف على أعتاب شقة جده التي كان فيها تجمع النساء. يحاول أن يتعقل. حتى لا يدخل يجذبها من بينهن كالمجنون. لذا استوقف إحدى الفتيات التي كانت في سبيلها للداخل. طالباً منها:
"بقولك يا لو سمحتي. ممكن تقولي لحسن، إن ابن عمتها تحت عايزها ضروري."
هزت الفتاة رأسها بإيجاب. لتغيب لحظات قبل أن تخرج حسن تهم بالاندفاع للأسفل. ليجذبها هو. لداخل تلك الحجرة الفارغة. التي يوضع بها بعض الكراكيب.
شهقت حسن في صدمة. لكنها هدأت قليلاً عندما أدركت أن نادر هو الذي يقف قبالتها. يكاد يقتلها حنقاً بهذه النظرات الغاضبة التي يرمقها بها. هامساً من بين أسنانه:
"كنتِ بترقصي ليه جوه، عشان الحريم تهلل وكل واحدة تجيب لك عريس من طرفها!!"
شهقت في صدمة لهجومه الغير مبرر. لكنها استجمعت ثباتها في سرعة. هاتفة في لامبالاة:
"عن إذنك أنزل أشوف شعيل عايز إيه."
اعترض نادر طريقها في غضب. لتصبح اللحظة أقرب ما يكون له. ليهمس بحنق من جديد، وقربها يزلزله:
"محدش طالبك تحت."
واستطرد ساخراً:
"طويل العمر، ابن عمتك قاعد تحت مشرفنا. أنا اللي قلت للبنت تناديكِ."
عادت موضعها مبتعدة عنه. تستجمع شتات نفسها. هامسة في تعجب:
"خير! بتناديني ليه! عايز حاجة من.."
قاطعها هاتفا في نبرة فاض بصاحبها الكيل:
"عايزك.."
انتفضت كل خلية من خلاياها. متطلعة نحوه في تعجب. لكنها وفي لحظة ما. استشعرت رغبتها جعل الاعتراف كاملاً كما تمنت. لتهتف متصنعة عدم الفم:
"أيوه معاك. عايزني إيه!"
زفر نادر في قوة. وعيونه معلقة بسقف الحجرة. ترجو المدد. حتى هتف مستطرداً:
"عايزك مترقصيش قدام حد."
جزت على أسنانها. وقد قررت دفعه لأقصى درجات الغضب جراء ما يفعله بها. هاتفة في لامبالاة وهي تهم بالرحيل:
"ملكش تقولي أعمل إيه أو معملش إيه.. أنتِ زي.."
قاطعها نادر. يحاول السيطرة على غضبه. معترضاً طريقها من جديد. متطلعاً نحو عيونها. معترفاً في عشق أذاب دواخله شوقاً:
"زي إيه يا حسن! عمري ما كنت أخوكِ. كنت فاكر إني كده. بس لما وقعتي بين دراعاتي يوم موت أبوكِ. حسيت إن كنتِ هنا.. وأشار لصدره.. أقرب ليا من نفسي وأنا مش دريان.."
تقهقرت خطوة للخلف. وقد بدأ الدمع يتجمع بمآقيها. وهو يستطرد معترفاً. كأنما دُكت حصون الكتمان. وحان أوان البوح. ليهدر كما السيل. جارفا معه كل أثر لتردد أو حيرة:
"كنت بنكر ده. وأبعد على قد ما أقدر. لكن لما بعدتي أنتِ، عرفت إن الموضوع مش في القرب أو البعد. لأنه مش فارق يا حسن. وأنتِ ساكنة الروح."
هطلت دموعها أنهاراً. ولا زالت عيونها معلقة به في صدمة. لا تصدق ما يحدث قبالتها اللحظة. والذي ما تخيلته في أكثر أحلامها روعة. ليزدرد نادر ريقه مستطرداً في نبرة مرهقة:
"أنا عايزك يا حسن. أنا ليا كل الحق عليكِ. من زمان وأنا ليا الحق ده. بس كنت غبي. معرفتش استخدمه. إلا في إني أبعدك عني من غير ما أقصد. مكنتش عارف إني في بعدك هبقى عامل كده. أنا.. أنا بحبك يا حسن.."
ساد الصمت إلا من شهقات بكائها التي كانت تحاول كتمانها. ليهتف بها وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره في اضطراب:
"إيه! هفضل أنا أقول كده. ومفيش أي كلمة خالص تبل الريق يا بنت عم سالم!"
لم تنبس حسن بحرف. ليهتف راجياً:
"طب حتى هزي رأسك. وقولي موافقة.."
همست من بين دموعها:
"موافقة على إيه!!"
تقافزت شياطينه. وهو يهتف بها في غيظ:
"على إني أرميكِ من فوق يا حسن. عشان أنا ضغطي علي عليا. على أني أخطبك من طويل العمر أبو نواف اللي تحت ده. ولا هو له شوق في حاجة. والله ما يخرج من الحارة. إلا ع المطار ويبقى يقطع الجوابات."
قهقهت رغم عنها. من بين دموع فرحتها. مؤكدة:
"اسمه شعيل."
هتف بحنق في غيرة:
"زفت الطين. اللي تحت. ومتنطقيش اسمه على لسانك قدامي."
قهقهت مستطردة كأنها لم تسمعه:
"وعلى فكرة كانت خطوبته على رُبى بنت خالته قبل ما أنا أجي على مصر. وهيتجوزوا قريب."
تطلع نادر نحوها. لتنقلب سحنته فجأة. من الغضب للراحة. هاتفا بنبرة تحولت كلياً في لحظات:
"لو كده. يبقى أستاذ شعيل على راسنا من فوق. بس ياخد واجبه ومع ألف سلامة على بلادهم. بس مش قبل ما يكتب كتابنا."
شهقت في حياء. واندفعت مبتعدة. تنضم للحريم من جديد. وقد جلست بينهن في عالم آخر. يحاولن دفعها لحلبة الرقص. لكنها ابت. رغبة في الإذعان لأمره. فعما قريب سيكون هو. من كان وصله حلم من أحلام الليالي العجاف. والذي ظنته بعيد المنال. واقعاً مزهراً.
بدأت الذبائح تنحر منذ بداية النهار. فقد رفضت زهرة بشكل قاطع إقامة فرح في قاعة خارج نجع الصالح. فما زالت الهواجس تتملكها رعباً على عاصم. تتمنى لو ينتهي هذا اليوم في غمضة عين. حتى تستريح أخيراً من عناء تلك الظنون التي تنازع بداخلها. فرحتها التي انتظرتها طويلاً.
بدأت في إعداد نفسها. وحولها فتيات العائلة. كانت نوارة تقف بجوارها. تدعمها في سعادة. فأخيراً سيهنأ قلب أخيها. الذي طالما عانى الأمرين. حتى الوصول لجمع شملهما.
انتهى إعداد العروس. عندما هلت المغارب. وبدأ الجميع في التوافد. لعقد القران. نزلت العروس مصحوبة بالزغاريد والتهليل حيث القاعة التي تم إعدادها لاجتماعهن. ليبدأ التهليل بالخارج وعلى ضرب النيران من كل حدب وصوب. معلناً وصول المأذون. الذي جلس في صدر المجلس. في انتظار البدء في مراسم عقد القران.
انتفض حازم من موضعه ما أن رأى منتصر على مدخل سراي الهوارية. اندفع نحوه في محبة. هاتفا:
"أهلاً يا منتصر. اتفضل يا حبيبي."
هتف منتصر في سعادة:
"ألف مبروك يا فندم.."
وسار متعكزا حتى وصل لموضع عاصم الجد ومهران. هاتفا في محبة خالصة:
"ألف مبروك. وربنا يتمم بخير.."
هتف عاصم الجد:
"الله يبارك فيك يا ولدي. وعقبالك."
ابتسم منتصر في أريحية:
"عن قريب يا حاچ عاصم إن شاء الله. بس إحنا ننول الرضا والقبول."
أكد عاصم الجد. في ابتسامة وقد وعى لرد النصيحة التي نصحها لجدته:
"أنت من زمان مقبول ومرضي عنك يا حضرة الظابط. بس كله بأوانه."
هز منتصر رأسه متفهماً. ليهل عاصم من الداخل. لينهض منتصراً محيياً إياه في فرحة مباركاً. معاودة الجلوس بالقرب من حازم. الذي ربت على ظاهر فخذه بفخر.
هتفت فريدة تجذب بدور نحو أحد النوافذ. هامسة في سعادة:
"بصي يا بدور. منتصر وسط الرجالة. جه الفرح. وقاعد جنب خالي حازم.. لا كده فاضل ع الحلو دقة.."
ابتسمت بدور ولم تعقب. لتنتبه لذاك الصوت القادم من خارج السراي. وقد بدأت وتيرة ضرب النار في الارتفاع من جديد. بعد أن هدأت قليلاً. للبدء في مراسم العقد. لكن استوقفهم دخول أحدهم بفرسه. وخلفه الطبل والمزمار. والذي كان بصحبته رجل وامرأة. اندفعت نحو قاعة النساء. وانضما لمجلس الرجال. ليهتف أولهما. والذي لم يكن إلا رائف وفرسه الأدهم. وقد أصبح بقلب مجلس الرجال:
"ألف مليون مبروك. ويا رب أكون متأخرتش على كتب الكتاب."
هتف عاصم الجد مبتسماً:
"لاه. جاي في الميعاد بالمظبوط. شرفتنا يا دكتور رائف.."
أشار رائف لسامر مؤكداً:
"وده الباشمهندس سامر خطيب الآنسة فريدة الهواري.."
هلل عاصم الجد في سعادة. وقد بدأ الترحيب:
"الله أكبر. ده الحبايب كلهم اتجمعوا الليلة.."
هتف مهران في سعادة:
"ربنا يزيد الفرح يا رب. ومتجمعين فيه دايماً.."
هتف رائف في حرج:
"بقولك إيه يا حاچ عاصم. تقبلوني بينكم شاهد ع العقد. ولا انتوا مبتدخلوش بينكم الغريب!!"
هتف عاصم الجد معاتباً:
"واه. ما غريب إلا الشيطان يا دكتور. وبعدين غريب كيف. ده أنت صاحب دار. وتشرف الباشا.."
هتف رائف في فرحة:
"طب يلا. خير البر عاجله. وعقبال ما نعجل ببرنا عن قريب.."
قهقه عاصم متفهماً رسالته. ليؤكد مهران مبتسماً:
"كله خير إن شاء الله.."
بدأت المراسم. وساد الصمت المقدس. وقد بدأ الربط بين روحين جمعهما الله ليكونا تحت قيد ميثاقه الغليظ. لكن نوارة كانت في دنيا أخرى. فقد استأذنت سميحة أم رائف في الانفراد بها بأحد القاعات المتطرفة قليلاً عن صخب الحفل. لتهتف بها في نبرة معتذرة:
"نوارة، أنتِ عارفة كويس أنا بعزك أد إيه. لأنك بتفكريني بنفسي أيام ما كنت في سنك. يوم ما جيت نجع السليمانية. ووقعت في حب عابد السليماني. واتحديت العالم عشان نتجوز. وحصل.. فأنا أكتر واحدة عارفة يعني إيه وجع القلب. ومرارة البعاد. وخصوصاً لما راح مني وهو في عز شبابه. فضلت سنين أتعالج من الاكتئاب بعد ما سبني وراح. الحاجة الوحيدة اللي وقفتني على رجلي تاني كانت رقية. بنتي منه."
تطلعت نوارة لها في تعجب. لمَ لم تذكر رائف ولدها!
لتستطرد سميحة في تأكيد:
"أيوه. رائف مش ابني يا نوارة. رائف ابن عابد من بنت عمه اللي اتوفت وهي بتولده. عشان كده أصر عابد على وجود دكتورة أمراض نسا في النجع. وجيت أنا. وبدأت قصتنا. واتعلقت برائف اللي كان عمره يومها مش أكتر من أربع سنين. ومعاملته كأني أمه اللي مشفهاش. وهو ميعرفلوش أم غيري. كان ونعم الأخ لرقية الله يرحمها. وعمره ما قصر معاها. حتى في المصيبة اللي حصلت معاها. حاول إنه ينقذها بأقصى قدراته. لكن قدر المولى كان نافذ. رقية منتحرتش. رقية حاولت الانتحار. لكن رائف لحقها. لكن اللي مقدرش يلحقه. يوم ما أجهضت نفسها. من يومها اتعقد. وحاول إنه يخرجني من الحالة اللي كنت فيها بعد موتها رغم وجعه. وقد الحمد لله. ومحدش رجعه يشتغل تاني. إلا خوفه عليك أنتِ.. أنا بقولك الكلام ده ليه. عشان قريت ردك اللي بعتيه لرائف. إنك رافضة ارتباطكم. على الرغم إنك كنتِ مرحبة قبل كده. ده ملوش إلا معنى واحد بس. كرامة وكبرياء نوارة هم اللي بعتوا الرفض. لكن قلبها مش موافق على القرار ده..."
تطلعت لها نوارة متعجبة. لتستطرد سميحة مبتسمة في هدوء:
"مش بقولك إنك شبهي قوي. بس حاسبي يا نوارة. الكبرياء ممكن يضر صاحبه زي ما يفيده. الصح تعرفي امتى تعلي من كبرياءك للسما. وامتى يطاطي حبة عشان بعض التغافل. دي حسبة صعبة. علمتهاني الأيام. وكنت لسه بتعلمها لحد دلوقتي."
ربتت سميحة على كتف نوارة في محبة:
"أنا جاية أطلبك بنفسي من أهلك. عشان أنتِ تستحقي ده. وعشان نفسي بجد قلب رائف يفرح. تعب كتير قوي يا نوارة. وخلاص مبقاليش غيره عشان أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أفرحه. من حقه بجد يسعد. وسعادة قلبه بقربك يا حبيبتي. قلتي إيه!"
نكست نوارة رأسها في حياء. لتبتسم سميحة في محبة. وهي تضم نوارة بين ذراعيها. وقد سال دمعها. هامسة:
"أصعب إحساس إنك تظلم حد قريب قوي من قلبك. وأنت مش دريان. وأنا كنت هظلم رائف ابني. وهظلمك معاه. سامحوني.."
ضمتها نوارة في محبة مماثلة. لتستطرد سميحة في صوت متحشرج تأثراً:
"مبروك يا حبيبتي.."
انطلقت الأعيرة النارية في صخب بالخارج مؤكدة على إتمام مراسم عقد القران. ودخول العريس مستأذناً على قاعة الحريم. ليبدأ في تلبيس شبكة العروس. مع انطلاق الزغاريد.
لتهتف سميحة في فرحة:
"شايفة الفال.. عقبال كتب كتابكم يا نوارة.. يلا بينا بقى حسن اتأخرنا عليهم.."
بدأ الطبل والمزمار. مع خروج العريس لمجلس الرجال من جديد. لتندفع فتيات العائلة لأعلى الدرج. حتى السطوح لمشاهدة تحطيب الرجال. ليبدأ رائف بوصلة الرقص بفرسه. لتشير سجود تغيظ نوارة:
"شايفين يا بنات. ده عريس نوارة.."
تطلعت لها نوارة. والعجيب أنها لم تعترض على عكس ما توقعت سجود. بل علا وجهها ابتسامة سعادة. وهي تتطلع لرائف وتهليل الرجال استحساناً وطرباً لرقص فرسه على المزمار والطبل. بينما هتفت فريدة مشيرة للفتيات. نحو سامر في سعادة:
"وده خطيبي. اللي قاعد جنب بابا.."
كان سامر يجلس جوار حمزة في فرحة مهللاً. كأنه فرحه هو شخصياً. وحمزة منشرح تتعالى ضحكاته على أفعال عريس ابنته. بينما أشارت سمية هاتفة في مودة. تحاول ألا تزاحمهن خوفاً على حملها:
"أومال فين عريس بدور يا بنات!!"
أشارت فريدة مشاكسة نحو منتصر:
"أهو هناك. حضرة الظابط قاعد جنب سيادة العميد.."
هتفت دعاء في أريحية:
"هو فيه إيه! ما حد يفهمنا!! العرسان كلهم مخرشمين كده ليه! اللي رابط إيده. واللي بيعرج!! هو انتوا عملتوا فيهم إيه يا بنات الهوارية!"
تنبه الفتيات لقولها. ليتطلعن جميعاً نحو بعضهن في إدراك لهذه الحقيقة المرة. لينفجرن ضاحكات.
ارتفع ضرب النار في سماء نجع الصالح. وقد حان اجتماع العروسين. لينهض عاصم محيياً الرجال. في اتجاه قاعة النساء. ليزف إلى عروسه نحو حجرتهما أخيراً. مع ارتفاع وتيرة الزغاريد والدعوات من هنا وهناك. بحياة زوجية مديدة. وذرية صالحة.
دفع عاصم باب الحجرة. والتي لا يعلم كيف وصلها من أساسه. مأخوذاً كلياً بهذه الحورية التي مرت كطيف نوراني للداخل. ليدلف للغرفة بعدها. مغلقاً عليهما بابها دون العالم أجمع. فما عاد يسمع صوت الفرح المدوي بالأسفل. وما عاد يعنيه من الكون إلا هذه المتفردة التي سرقت روحه منذ أمد بعيد.
تطلع نحوها وهي تقف بوسط الغرفة في اضطراب. وكانت هي بدورها تتطلع نحوه من خلف غلالة غطاء وجهها التلي. لا تصدق بدورها أنها ها هنا أخيراً. مجتمعة بحلم العمر العصي وقد تحقق بفضل من الله. ورحمة منه بقلبيهما المعذبين منذ أمد.
اقترب عاصم في وجل. حتى توقف قبالتها. وهي ما زالت على تطلعها نحوه. لكن نظراتها اللحظة حملت دمعاً من فرح الوصل. يتأرجح راقصاً بالمقل. لا تحيد بناظريها عن محياها. أو بالأدق. ما عادت قادرة على أن تحيد ناظري قلبها عن قبلته التي تطلع نحوها ليل نهار. منذ وعى على دنيا العاشقين. وقد هزم بحضوره الطاغي اللحظة كل هواجسها وظنونها التي كانت.
همس عاصم بصوت له نبرة من بعد آخر. لا زمان له إلا زمن العشق:
"ربك بعد عنك خلجة كلهم. عشان كان حايلك ليا وأنتِ مش دريانة يا بت عمي. إن دي كانت استجابة دعوة في جوف الليل. دعوتها بقلب مجهور. ولسان معقود عن النطق بكلمة من وجيعتي. لكن ربك رحمته واسعة جوي.."
شهقت زهرة في سعادة وقد سال دمعها. لتجد نفسها في لحظة. وقد جذبها إليه. مزروعة بصدره. مطوقة بين ذراعيه. في قوة. ليصرخ في عزم. وهو يشدد من ضمها إليه. وكأنها يحاول دفعها لتسكن بين أضلاع صدره. حيث مهجته التي شقيت بعشقها. صارخاً في وجد عاشق. وهو يضم بعض روحه التي عادت إليه. لتكتمل ترانيم العشق. مغرقاً رأسه. بعمق نحرها:
"وااااه."
لتتشبث به مطوقة إياه بلا وعي. مشددة القبض على ظهر جلبابه بكلتا يديها. لن تفلته إلا بخروج روحها. وقد أدركت أن في التشبث سر الحياة التي انتظرت أن يحياها قلبها طويلاً. بين أحضان هذا الرجل.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رضوى جاويش
انتفض لا إراديا موضعه على الفراش دون سبب ظاهر، تطلع نحوه في تيه، لتقع عيناه عليها، تلك المسجاة جواره في سكينة وادعة، جعلت نظراته تتسمر موضعها، لترتسم على شفتيه ابتسامة رضا، فها هو ذاك الخاطر الذي طالما راوه في احلام يقظته، وكان يطرده من مخيلته زاجرا، لعلمه بعدم مشروعيته حينها، ها هو يصير حقيقة واقعة أمامه، لتصبح زوجته وحلاله.
همهمت فأغلق عينيه في محاولة للتصبر حتى لا يوقظها شوقا، لكن ما أن هم بوضع كفه على وجهها، حتى أرتفع صوت أذان الفجر داعيا، ما دفعه لينهض في حرص نحو الحمام، يحاول اللحاق بالصلاة قبل أذان الإقامة.
يصله صوت مؤمن الهواري مؤذنا، وقد أدرك أنه كعريس بليلة زفافه قد لا يلحق بالصلاة مؤذنا، لكنه على الأقل يرغب في اللحاق بها مصليا.
خرج في هدوء من الحجرة، مغلقا بابها في بطء، مهرولا في اتجاه المسجد.
غاب بعض الوقت، حتى إذا ما انتهت الصلاة، عاد للسراي، ليجد جده قد استيقظ بدوره، فألقى عليه تحية الصباح.
ليهتف عاصم الجد في تعجب:
وااه، يا مرحب بعريسنا، كنت بالچامع ياك!؟
أكد عاصم الحفيد:
ايوه يا چدي، جلت ألحج صلاة الفچر.
فتح عاصم ذراعيه لحفيده ما أن اقترب منه، مهللا في سعادة:
طب تعال في حضن چدك يا غالي..
اندفع عاصم بين ذراعي جده المشرعين لأجله، ليربت عاصم على ظهر حفيده في قوة، هامسا في مجون:
ولدنا شٓديد، ولا إيه !؟
لم يجب عاصم على مزاح جده، ما دفع الجد ليبعده عن أحضانه قليلا، متطلعا نحوه في توجس، هامسا في تساؤل:
إيه في يا واد !؟
قهقه عاصم مضطربا:
والله مفيش يا چدي، كله تمام.
همس عاصم لحفيده رابتا على كتفه في مزاح:
لو فيه حاچة جول، أني كبرت صحيح، بس لسه جادر اشورك فأمور الحريم برضك، چربني..
اتسعت ابتسامة عاصم الحفيد مؤكدا:
معلوم يا چدي، وستي زهرة تشهد لك..
قهقه عاصم الجد منتشيا، رابتا على كتف حفيده، هامسا وهو يتنهد في تفهم:
والله راچل يا واد، اوعاك تخرچ سر بيتك لمخلوج، ولو كان مين، عمري ما خرچت اللي بيني وبين ستك بره اوضتنا، بالك أنت كانت حياتنا كلها عسل، لاه.. كانت من ده على ده، بس حلوها أكتر، وده اللي كان بيصبرنا على المر اللي كان بيظهر من وجت للتاني، شوفت أيام صعبة كتير جوي، ولولا وجفة ستك فضهري، ولولا دراعاتي اللي كانت مفتوحالها وجت ضيجها، ما كنا عديناها.
وتنهد عاصم الجد هامسا:
اسمع مني يا حبيبي، كلام جالهولي أبويا الله يرحمه، وأني شابلة على درعاتي دي، فمرضه الأخير، جالي مرتك دي ارضك يا عاصم، هتبدر فيها مودة هتطرح محبة وفرح، هتبدر فيها إهمال وجلة جيمة، هتطرح بلا أزرج على نفوخك ونفوخ اللي خلفوك.
قهقه عاصم الحفيد، ليستطرد عاصم الجد، مستفسرا:
واعيلي يا ولدي.
تنهد الجد يلتقط أنفاسه، قبل أن يهمس مستطردا في نبرة عابثة:
بالك.. أني هجول لك سر محدش يعرفه أبدا..
ابتسم عاصم مؤكدا:
سرك فبير يا چدي..
أكد الجد في نبرة ماجنة:
عارف زهرة ستك اللي أنت واعيلها كيف النسمة دي، كانت فرسة چامحة من كله، لكن بالصبر، الحديد لان وبجى ملبن.
وقهقه وهو يتذكر ما كان بينهما، ليشاركه حفيده ضحكاته، التي قاطعتها زهرة الجدة متطلعة نحوهما في شك هاتفة:
أنت بتقول ايه للواد يا عاصم !؟
وتوجهت نحو حفيدها بناظريها مؤكدة:
أوعى تسمع كلام جدك، أنت لسه عريس جديد، نصايحه بلاش منها..
هتف عاصم الجد مازحا:
ميسمعش كلامي ده إيه !؟ ده أني نصايحي فيها المفيد كله، طب عيني فعينك كده !
هتفت زهرة مازحة بدورها:
عيني وجعاني ومش معايا النضارة..
هتف عاصم الجد مازحا بدوره:
أهااا عچزت ومبجتش تشوف شبر جدامها.. أني أروح اتچوزلي بت صغار ترچع لي شبابي..
قهقه عاصم الحفيد على مزاح جده، وعبوس جدته، التي هتفت في حنق:
بقى كده يا عاصم، مااشي..
قهقه عاصم الجد مؤكدا:
هو أني أجدر برضك، هو أني عندي كام زهرة !؟
أكدت زهرة باسمة:
اتنين.
هتف عاصم الجد مازحا:
لاه هي واحدة بس، التانية بتاعت الواد الخايب ده..
وأشار لحفيده الذي كان يجلس على مقربة منه، متطلعا للمزاح الدائر في سعادة بين جدته وجده، وخاصة عندما هتف جده لها:
تعالي بجى مش صالحتك، خديني الچنينة وهاتيلي فطار من بتاع العرسان..
قهقهت زهرة هاتفة:
هيبقى تقيل عليك يا عاصم..
سار عاصم مستندا عليها وهما يتجها للخارج، يميل عليها هامسا ببعض كلمات ماجنة، والتي لم تصل لمسامع حفيده، وجلبت القهقهات لحنجرة جدته في سعادة، جعلته يتطلع نحوهما منتشيا، يتمنى لو طال به العمر لتصبح علاقته بزهرة مثل علاقة جدوده الرائعة، والتي يبصرها اللحظة في أسمى صورها.
نهض متوجها في شوق نحو حجرته، وما أن دلف لها في هدوء، حتى وجد الفراش شاغرا، فتأكد أنها بالحمام، هم بخلع جلبابه مبدلا إياه بغيره، لكنه توقف ما أن طرق الباب، ليجد الخادمة تحمل صينية الإفطار، تناولها مدخلا إياها، وما أن أغلق الباب واضعا إياها جانبا، حتى خرجت زهرة من الحمام، تطلعت نحوه في خجل، ما دفعه ليتحرك نحوها في شوق، مطوقا إياها بين ذراعيه، ملثما جبينها في سعادة، هامسا:
صباحية مباركة يا عروسة.
همست باسمة:
الله يبارك فيك.
مد كفه محتضنا كفها، جاذبا إياها نحو طاولة الزينة، أمرها بالانتظار لحظة، غاب عابثا بمحتويات أحد الأدراج، ومن ثم توجه نحوها، رافعا سلسال رقيق ليضعه حول جيدها المرمري الذي ما زالت بعض قطرات المياه تزينه كما تزين بتلات زهرة بصباح باكر.
اتسعت عيونها في انبهار، وهي ترى السلسال الذي تدلى من عنقها، واضعة كفها على تلك الدلاية التي تتدلى منه، كانت عبارة عن اسمه، يحتضن في رقة زهرة رقيقة.
همست في تعجب:
إيه الجمال ده يا عاصم! جبتها منين دي!!
همس وهو يحتضنها من الخلف:
مچبتهاش، كان فيه محل بيعمل بالطلب، بعت عملتها، فاكرة لما وصلنا فريدة ووقفت بالعربية، وقلت لك هچيب حاچة!؟
هزت رأسها مؤكدة على تذكرها، ليستطرد وهو يشدد من ضمها إليه:
يومها كنت رايح استلمها، كنت خلاص نويت اتجدم لك، وجلت لو من نصيبي، هتكون هديتك يوم صباحيتنا، ألبسهالك بنفسي بيني وبينك، ومتقلعيهاش من رجبتك أبدا.
تعلق كفها بالسلسال في محبة، هامسة في سعادة:
بجد رووعة يا عاصم، لا يمكن هخعلها أبدا، دي هديتك الغالية.
تطلع نحوها عبر المرآة، هامسا بالقرب من مسامعها:
تصدجي بأيه!
همست متطلعة نحوه عبر المرآة بدورها:
بالله.
استطرد في نبرة عاشقة:
أنا مش مصدج لحد دلوجت إنك بجيتي حلالي، خايف يكون ده كله بحلم.
استدرات في هدوء، بفراغ ذراعيه، لتصبح قبالة صدره، تضع باطن كفها فوق صدره، مدركة لصخب خفقات قلبه المرددة لاسمها، رافعة ناظريها متطلعة نحوه في عشق جلي، يرقص بحدقتي عينيها فرحا، هامسة في وجد:
لا صدق يا عاصم، أنا هنا، زهرة اللي عمرها ما تمنت حاجة فدنيتها، إلا إنها تكون معاك وبس.
ضمها إليه، يتطلع نحوها في هيام جارف، وتلك الرقة تأسر مجامعه، وكلماتها التي تلقيها اللحظة على مسامعه، تذيب كل أوجاع الماضي كأنها لم تكن، وكأنها كانت ثمن عادل مقابل هذه الروعة التي تشجيه وتطربه، لتستطرد في نبرة تقطر دلالا، تبثه إحدى خواطره التي كانت تحفظها عن ظهر قلب: "أنا عاشقة المرة الأولى، وأنت رجل لايترفق بأمثالي، تسحق القلب تبعثره، ثم تلملم نبضاته وتعجنها، بماء العشق ورائحة الياسمين، لتخلق منه قلب امرأة أخرى، امرأة خُلقت للحب."
واستطردت وهي ترفع نفسها على أطراف أصابعها، حتى تطال ذقنه، لتضع هناك تذكار محبة، وهي تهمس في وجد:
فهلا ترفقت يا شيخ العاشقين!
زلزلته أفعالها، ليعتصرها بين ذراعيه، رافعا إياها عن الأرض قليلا، هامسا في صبابة رافقته عمرا:
يا الله، أحبها أكتر من كده إيه يا رب.
دمعت عيناها، لوقع كلماته على قلبها، لتطوق عنقه بذراعيها، ليرحل بها بعيدا، نحو دنيا الوصل، التي انتظراها طويلا، حتى حان أوان اجتماعهما أخيرا.
رن هاتفه فتطلع نحوه وهو ممددا على فراشه، مظهرا رقم غير مسجل، كان يفكر فيها لتوه، لينتفض ما أن أتاه صوتها المتردد هامسا:
إزيك يا راضي!
هتف مجيبا بصوت متحشرج:
نعمة!
همست مؤكدة:
ايوه يا راضي، أنا نعمة، مبتسالش من يوم ما اتخطبنا قلت أسأل أنا، واقول لك ألف مبروك ليونس.
تنحنح محرجا، هاتفا في حزم:
مكنتش عارف إني لازما أكلمك، جلت يمكن ده يضايجهم عندك.
هتفت نعمة مؤكدة:
راضي، أنت بقيت خطيبي، لازم أعرفك وتعرفني، وخاصة إننا بعاد عن بعض، كل واحد فحتة، فمفيش طريقة تواصل بينا إلا التليفون.
هتف راضي مضطربا:
طيب، هبجى أكلمك مرة فالاسبوع نتفج على ميعادها.
هتفت نعمة ساخرة:
مرة فالاسبوع! كتير الصراحة.
هتف راضي متعجبا:
طب إيه!!
هتفت نعمة في حنق:
ولا حاجة يا راضي، ألف مبروك ليونس مقدما، سلام..
ألقى التحية واغلق بدوره، لا يعلم من منهما المخطىء، هو لا يعرف كيفية التواصل معها، ولا كيف يمكنه التودد لها، نعمة هي الفتاة الأولى التي حركت ذاك الصنم الذي يخفق بين جنبات صدره، ليدرك حين مراها، أن هناك شىء ما دوما ما كان يسمع عنه، ورأي صنيعته في حال يونس أخيه ذات يوم، اسمه العشق، الذي ظل يهرب منه لكنه ما استطاع الفرار للأبد، فقد كان طيفها يحاصره، حتى اعترف أخيرا أن لا حياة إلا بقربها، لكن كل هذه الاعترافات كانت بينه وبين نفسه، لم يبح بها لمخلوق، ليس لسبب إلا أنه شخص قليل الكلام، لا يملك الفصاحة أو حتى القدرة البسيطة عن التعبير، حبه يترجم إلى أفعال مجسدة، قد لا يستطيعها الكثيرون، لكن القول والافصاح، ذاك الأمر الشاق الذي لم يعتده مطلقا، لهو أمر شاق على نفسه.
تنهد في ضيق، لا يعلم كيف يراضيها، يتعجب من نفسه، فهو الذي ما حمل هم إرضاء مخلوق كل هذا الحمل، ليتوقف أمام ارضائها محاولا ايجاد طريقة لذلك، تأكد أن نعمة غيرت بداخله الكثير، لكن هل من الممكن أن تتقبل طبيعته الخرساء تلك!! هذا ما أصبح يقلقه، يخاف أن يظلمها بطبيعته تلك، فماذا هو بفاعل! ليت يونس بالجوار لكان استشاره في هذا الأمر، وهو الخبير في أمور العشق، لكنه هناك، بنجع الحناوي، يقضي أيام زواجه الأولى، ولا يريد إزعاجه، وتكدير صفو أيامه، بترهات مشاعره المبعثرة تلك.
تنهد في حنق، لكنه وبلا وعي، وجد نفسه يدق على رقمها، طال الرنين حتى ظن أنها لن ترد، هم بإغلاق الخط، لكنها أخيرا ردت تحاول أن تضبط أنفاس تنفسها، التي اضطربت بعد أن رأت اسمه على شاشة جوالها، وقد أوشكت على إضاعة الاتصال، مقررة تجاهل الرنين، لأنها كانت بصحبة أمها بالمطبخ، لتهمس:
ألووو..
هتف راضي في صوت ثابت النبرة رغم اضطرابه وفوضاه الداخلية:
نعمة أنا عايز أجولك كلمتين، يا ريت تسمعيهم وبعدين مترديش على طول، يعني خدي وجتك.
لم تعقب نعمة، تتوجس من كلامته القادمة، ليهتف بعد فترة صمت قصيرة، التقط فيها أنفاسه حتى يستطيع المتابعة في ثبات كما بدء:
نعمة، أنا مش راچل هيجدر يسعدك بالكلام، أني مليش فالكلام، مبعرفش، أني أعمل وبس، لكن الكلام المعسول والحكاوي، أني.. فهماني، يا رب تكوني فهمتي جصدي، وأني بخيرك يا بت الناس، وبجولك على طبعي، عشان تشوفي، لو يناسبك نكملوا، ولو ميناسبكيش، يبجى كل واحد يروح لحاله، أني خايف أكون بظلمك معاي.
ساد الصمت من جديد، ليهتف هو متعجبا:
إيه جولك!!
هتفت نعمة بصوت متحشرج:
أنت مش قلت مترديش دلوقت وخدي وقتك!
هتف مضطربا:
ايوه صح.
هتفت نعمة:
بس أنا ممكن أسألك سؤال !!
أكد راضي:
خير!
همست نعمة بنبرة مخنوقة تحاول أن تتحكم فيها حتى لا تجهش فالبكاء:
لو قلت مش هقدر يا راضي هتعمل ايه! متجاوبش دلوقت، خد وقتك.
هتف راضي مؤكدا:
خدته من زمان يا نعمة، خدت وجت طويل جوي عشان أعرف اتچرأ وأكلم أخوكِ أجوله أني عايز نعمة، عشان ..
همست نعمة تترجاه بصوتها أن يقول ما تود سماعه حتى ولو لمرة واحدة:
عشان إيه يا راضي، عشان أنا اخلاقي كويسة وبنت ناس طيبين، و..
هتف راضي يقاطعها:
البنات الكويسين كتير، لكن مفيش إلا نعمة واحدة بس.
سال دمعها، فقد كانت كلمته الأخيرة تلك تكفيها، لذا همست في رقة:
وأنا كمان خدت وقتي يا راضي، وأنا راضية أكمل، هتسيب الكلام عليا، وهخلي الفعل عليك.
اتسعت ابتسامته في سعادة هامسا:
حيث كده بجى، يبجى أنا رايح أكلم عمي ناصر.
همست في خجل:
تكلمه فأيه!
همس مؤكدا:
هتعرفي لما يجولك، سلام عليكم.
همست مودعة:
وعليكم السلام.
تركت هاتفها جانبا، وأخذت تدور فالحجرة بسعادة غامرة.
رن جرس هاتفه المحمول، ما دفعه ليتناوله مجبرا، فهو لا يحب استخدام مثل هذه الأجهزة التي تقطع عليه لحظات صفائه وتأمله، لم يكن يدرك من المتصل، فقد كان نظره أضعف من التركيز على اسم المتصل قبل الرد، لذا هتف بحزم:
ألوو..
هتف زكريا من الجانب الأخر:
خبر إيه يا واد عمي! هتتخانج مع اللي چاي يبارك لك !؟
قهقه عاصم ما أن أدرك صوت زكريا هاتفا:
كيفك يا زكريا، اتوحشتك!؟
هتف زكريا في محبة:
ألف مليون مبروك يا عاصم، والله فرحت لعاصم الصغير، ربنا يرزجه الذرية الصالحة يا رب.
هتف عاصم مؤمنا:
اللهم أمين، تسلم لي يا زكريا.
هتف زكريا مازحا:
كبرونا العيال دي يا عاصم، بجينا بنچوز أحفادنا يا واد عمي!
هتف عاصم مازحا:
مين ده اللي كبر! ده أني بفكر أچوزك عن جريب، بدل جعدتك دي.
هتف زكريا مقهقها:
چواز إيه تاني، ولا أجول تالت! لاه بعد أم هدير، وخلاص جفلنا السكة دي.
هتف عاصم مازحا:
ليه كده!! وأني اللي جولت تشچعني وأعملها معاك!
قهقه زكريا مستفسرا:
أنت كد الكلام ده يا واد عمي!؟
أكد عاصم مقهقها:
عايز الحج ولا ابن عمه!
أكد زكريا مؤكدا:
الحج يا عاصم.
استطرد عاصم باسما:
لاه أني مش كده، بس يعني لا جول ولا فعل، خلي الواحد يفرج عن نفسه شوية.
قهقه زكريا هاتفا:
يا رب أم مهران متكنش سمعاك.
أكد عاصم وهو يتلفت حوله مؤكدا:
لاه الدار أمان، أحسن الواحد مش كد أم مهران ولا كد زعلها، من خاف سلم يا بوي.
انفجر زكريا مؤكدا:
والله أنت ما تجدر برضاها أو من غير.
أكد عاصم هاتفا:
والله صدجت، مجدرش.
هتف زكريا في مودة:
ربنا يخليكم لبعض يا عاصم، ويطول فعمركم لحد ما تفرحوا بولاد ولاد ولادكم يا رب.
هتف عاصم:
ويطول فعمرك يا زكريا.
أكد زكريا باسما:
أكتر من كده يا عاصم، الواحد طول بچد.
هتف عاصم معترضا:
واه، يطول كمان وكمان فطاعته يا واد عمي.
ابتسم زكريا مؤكدا:
يطول يا سيدي، بس يعني هو مهما طول هنروحوا فين!..
واستطرد مازحا:
مالنا جلبناها سواد كده ليه !! ده إحنا حتى ففرح وصباحية! جوللي بجى هتفطر من فطور العرسان، ولا صحتك خوخت ومبجتش تاچي ع الحاچات الچامدة دي !
أكد عاصم باسما:
ده مين ده اللي صحتك خوخت يا عچوز!? ده أني هفطر منِه جبل منِهم.
قهقه زكريا هامسا:
ربنا يديك الصحة، وتاكل وتتبسط، ومبروك يا عاصم لعاصم.
ابتسم عاصم مؤكدا:
الله يبارك فيك، عجبال فريدة عن جريب يا رب، ومن جبلها بدور بإذن الله.
هتف زكريا متضرعة:
يا رب، حازم جال لي إن واد چعفر أبو منصور، چاي يخطبها بكرة مع ناسه.
أكد عاصم:
ايوه صح، حضرة الظابط منتصر، راچل چدع، ربنا يتمم لهم على خير يا رب، الواد بچد يستاهل بتنا، وخصوصي بعد اللي حكاه حازم على اللي عمله معاها.
أكد زكريا متعجبا:
ايوه يا عاصم، والله ما كنت أعرف كل اللي حصل ده، جال إيه كانوا مخبيين عليا خايفين على صحتي، والله جلبت عليهم كلهم، كيف يخبوا حاچة واعرة كيف اللي حصل للبت، وما حد يجول، اتركنا ع الرف يا عاصم.
هتف عاصم مهدئا:
لاه، كيف ده، بجي ده كلام يا زكريا، هم بس كانوا خايفين علينا، دي البت كان ممكن تروح ومترچعش، لولا الواد منتصر ده ما طلع چدع بصحيح، واللي يهمنا أول عن أخر، إنها رچعت بالسلامة، فمتخدهاش على أعصابك كده، مبجيناش نستحملوا يا زكريا.
تنهد زكريا مؤكدا:
عندك حج، المهم إن بدور بخير، ورچعت بالسلامة، وهنفرحوا بها عن جريب، ياللاه خلونا نخلصوا من چنانها، ويلبسها واد أبو منصور.
قهقه عاصم مؤكدا:
يا خوي عاچبه ومحبب على جلبه چنانها، ربنا يسعدهم يا رب.
هتف زكريا متضرعا:
يا رب.
واستطرد مستأذنا:
روح بجى يا عاصم، أني اتكلمت كتير فالبتاع ده، بيوچع لي ودني، أجول لك سلام.
هتف عاصم مبتسما:
سلام يا عچوز.
قهقه زكريا وهو يغلق الهاتف، ليضع عاصم هاتفا جانبا، معاودا تأمله من جديد.
تطلعت إلى هاتفها عندما وصلها اشعار ما على أحد التطبيقات، وما أن طالعت الرسالة حتى انتفضت معتدلة على فراشها، كانت رسالة بكلمة واحدة:
وحشتيني.
دمعت عيناها فما كان شوقه بأقل من شوقها شدة، همت بإرسال الرد، لكنه عاجلها أمرا:
عايز اشوفك دلوقت حالا.
تطلعت للرسالة في تعجب، فكيف ذلك وما يفصل بينهما ألاف الأميال، اعتقدت أنه يريد فتح كاميرا أحد التطبيقات للتواصل عبرها، فنهضت من فورها ترتدي حجابها تستر شعرها، فقد كانت في أمس الحاجة لرؤيته بالفعل، عادت تحمل هاتفها بعد أن اتمت اعداد نفسها للمحادثة بالفيديو، لكنه أمرها من جديد:
بصي من بلكونة أوضتك حالا.
اندفعت بلا وعي نحو الشرفة تتطلع كالمجنون بكل اتجاه، فإذا به ها هنا أسفل الشجرة القريبة من الشرفة التي أخبرته بها يوما، أنها كانت وسيلة الهرب من حصار جدتها لها.
شهقت في صدمة، وهي ترى مروان يقف في محاولة للثبات على عكازه، متطلعا لها هاتفا في مزاح:
مش هاتنزلي بقى يا فيحاااااء.
قهقهت واندفعت نحو الدرج ومنه للخارج، حتى إذا ما وصلت لموضعه الذي يقف مستندا فيه على جذع الشجرة الضخم، اعتدل ببطء، يقف مصلوب القامة، متطلعا نحوها في فرحة، هامسا في سعادة فاقت الحد:
أنا على رجلي أخيرا، والفضل لك بعد ربنا.
شهقت باكية وهي تتطلع إليه في فرحة غامرة، شهور طويلة في انتظار هذه اللحظة، وأوجاع عدة قاستها في سبيل تحقيق هذا الحلم الذي كان صعب المنال.
هتفت والدموع تخنق أحرفها تأثرا:
ألف مبروك يا مروان.
واقتربت منه في وجد، تتطلع نحو محياه وعيونها تجول في قسماته هامسة ما أن توقفت قبالته مباشرة، ترفع رأسها تتطلع نحو عينيه:
مكنتش متوقعة إنك طويل عني كده!
همس مروان وهو يتطلع نحو عينيها:
وأنا مكنتش متوقع إنك حلوة قوي وأنت قصيرة كده!!
اخفضت عيونها حياء، وابتعدت قليلا عنه في اضطراب، عندما جاءهما صوت منتصر، مهللا في ترحيب:
أهلا بالفارس الهمام، حمد الله بالسلامة، لسه سامع برجوعك حالا.
هتف مروان في نبرة ثابتة، مقدرا ما فعله منتصر لتوه، في محاولة لتجاهل تواجده هنا دون علم أهل الدار:
الله يسلمك يا حضرة الظابط، أنا مكنتش أعرف إنك هنا، معلش لسه واصل حالا، وجيت..
ربت منتصر على كتف مروان مقاطعا، ومشيرا نحو موضع المقاعد ليجلسوا، بينما هتف أمرا أية:
ستي كانت بتنادي عليك يا أية.
هزت أية رأسها في طاعة، واندفعت مبتعدة للداخل، لكنها ظلت تتبع خطواتهما من موضع ما، لترى ما يحدث، وما أن جلس منتصر حتى هتف بمروان:
ايوه بقى يا مروان باشا، كنت بتقول حاجة وقاطعتك عشان نقعد..
وعلت ضحكته، وقد استطرد هاتفا، مشيرا لكلاهما:
ما أنت شايف حالتنا عاملة إزاي!! كان لازم نقعد.. العضمة كبرت باينها!
اتسعت ابتسامة مروان، مؤكدا:
عندك حق، أصل الكلام اللي هيتقال عايز له قاعدة فعلا، مينفعش ع الواقف.
تطلع منتصر نحوه متسائلا:
كلام إيه! فيه حاجة !!
أكد مروان في ثبات:
أنا يمكن وصلك إني جيت أطلب أيد الآنسة أية قبل كده! وطبعا لظروفي ساعتها، الطلب اتقابل بالرفض من الحاجة وجيدة، لكن الظروف اختلفت زي ما انت شايف وأنا..
هتف منتصر مبتسما، وهو يربت من جديد على كتف مروان:
أنت تشرف الباشا يا مروان، سواء قبل كده او دلوقت، وأنا مش هلاقي لأختى أحسن منك ياخد باله منها ويصنها، هات الوالد والوالدة وتعالوا اطلبوها رسمي، أنت عارف الأصول.
هتف مروان متسائلا:
بكرة كويس.
هتف منتصر مازحا:
لا أنت كده جاي هتقطع عليا، أنا رايح بكرة أخطب بدور بنت عمك حازم الهواري، وأنا ما صدقت.
قهقه مروان:
لا ربنا ما يجعلنا من قطاعين الأرزاق، خلاص نخليها كمان ساعتين حلو كده!؟
قهقه منتصر هاتفا:
خلاص يا عم، المهم أنها بعيد عن بكرة، واعمل اللي أنت عاوزه.
نهض مروان في هدوء هاتفا:
خلاص بعد ساعتين بإذن الله نكون عندكم.
هتف منتصر في سعادة:
ألف مبروك مقدما، في انتظاركم.
ما أن رحل مروان، ودخل منتصر الدار، حتى هلت أية والفضول قاتلها، تسأله:
هو مروان كان عايزك في إيه يا منتصر!!
هتف منتصر مدعيا الحنق:
وأنت مالك!
وتطلع نحوها عندما وجد الحزن يخيم على وجهها، لتنقلب نبرة صوته أمرا:
أنت تطلعي من سكات تجهزي نفسك عشان عندك ضيوف جايين بعد ساعتين، يطلبوا إيدك، ياللاه على أوضتك، بلا دلع بنات ماسخ.
همت أية بامساك ذراع منتصر السليمة، تتقاذف في سعادة، ليجذب منتصر ذراعه بعيدا، هاتفا في مزاح:
اوعي إيدك، ده انا متكلمين عليا، بدور تعملك بسطرمة والنعمة.
قهقهت أية في سعادة لم تشعر بها منذ زمن بعيد، ليتطلع لها منتصر في فرحة هاتفا:
ألف مليون مبروك يا أية، والله فرحتي النهاردة ملهاش زي، كنت عايز اطمن عليك قبل ما أنا أخطب وأرجع الشغل تاني، واهو الحمد لله، ربنا بعت لك مروان، ابن حلال وبيحبك بجد.
دمعت عينى أية هاتفة:
ربنا يخليك ليا يا منتصر، مش عارفة لو أنت مش موجود كان إيه اللي حصل لي أنا وستك.
تنهد منتصر مؤكدا:
متقوليش كده يا عبيطة، ده أنتِ اختى الصغبرة، وستي مهما حصل منها هتفضل على راسي من فوق، أنا مليش غيركم.
هتفت أية تشاكسه:
وبدور!!
تطلع منتصر نحوها متصنعا الشدة:
بنت، اللي فسنك عيب يتكلم فالحاجات دي، يجري على اوضته عشان يجهز للناس اللي جاية دي.
قهقت أية مندفعة نحو الدرج، ليهتف منتصر مؤكدا:
انجزي يا أية عشان أنا عارف أنا قلت لمروان بعد ساعتين، هلاقيه هنا بعد دقتين، عارفها أنا السربعة دي، عقبالي يا رب، امتى يجي بكرة!
جاءته قهقات أية، على تعليقه، ليتطلع حيث اختفت أعلى الدرج، يمني نفسه بقرب الوصل مع من أثرت قلبه منذ سنين طويلة، حين جذبها من قفاها معتقدا أنها إحدى المتسولات التي تتطفل على فيلا حمزة الهواري، قهقه للذكرى، واعاد سؤاله من جديد، متضرعا:
يا رب بقى امتى يجي بكرة!
دخل ليجدهم كالعادة، مجتمعين حول مائدة الطعام، جلس بينهم في اضطراب، فمنذ اعترف لها بمحبته ورغبته في الاقتران بها، وهو يحاول أن يجد الطريقة ليفاتحهم برغبته في الارتباط بها.
تطلع نحو جده المعلم خميس، هاتفا في تهكم:
في إيه يا باشمهندس! شكلك عايز تقول حاجة!
تطلع نادر نحوه هاتفا:
لا، هقول إيه يعني!
هتف ناصر ساخرا بدوره:
يعني مفيش حاجة عايز تقولهالنا!
هتف نادر متعجبا:
حاجة ايه! انتوا مالكم النهاردة!
هتفت جدته نعمة وشيماء أمه تحاول مداراة ضحكاتها:
يعني يا باشمهندس فكر كده! مش عايز تخطب، أو حتى تتكلم على حد.
تطلع نادر إليهم في توجس، ونظراتهم تحمل خليط من المزاح والسخرية، لذا هتف مناديا نعمة التي كانت تختبئ بالداخل:
يا نعمة، تعالي هنا.
اندفعت نعمة من المطبخ تتحامى خلف أبيها هاتفة من خلف ظهره:
عايز إيه! وأنا مالي.
هتف نادر في حنق:
يعني كلكم عارفين وسيبني أفكر افاتحكم إزاي!! طبعا الست حسن ذاعتها فالراديو ..
هتفت نعمة مدافعة:
أنا اللي قلت لهم، حُسن ملهاش دعوة، هي قالت أنا بس من فرحتها إنك..
هتف نادر مقاطعا، يتساءل في لهفة:
هي كانت فرحانة بجد!
قهقه خميس مؤكدا:
والله عيل غشيم بصحيح، البت بتحبك من زمن، وأنت ولا هنا.
هتفت شوشو في فخر:
ايوه اومال ايه، ما هو نادر يتحب، الله أكبر.
هتفت نعمة مازحة:
القرد فعين أمه، ما هي البت الله أكبر، جمال ومال، انتوا نسيتوا بقت إيه، دي بعد ما رجعت من عند عمتها بقت حاجة تانية، ده نسوان الحارة داخلين خارجين علينا هنا يتوسطونا يطلبوا ايدها.
هتفت نعمة الحفيدة مؤكدة:
حُسن تعجب الباشا، بس نقول ايه فاللي كان عامي عينه وقلبه.
هتف نادر معترفا:
والاعمى فتح يا ستي، وعرف غلطته وعايز اكتب قبل ما ابن عمتها يسافر.
هتف خميس مهللا:
الله أكبر، هو ده الكلام بقى.
تطلع ناصر نحو نادر، مقتربا منه هامسا به:
بتحبها يا واد!
هز نادر رأسه مؤكدا، ليجذبه ناصر بين ذراعيه هاتفا في سعادة:
الف مبروك يا باشمهندس، البت زي الفل، ربنا يتمم لكم على خير يا رب.
دمعت عينى نعمة الجدة وكذا شيماء التي ارتفعت عقيرتها بسلسلة من الزغاريد، ليتطلع نحوها ناصر هاتفا:
استني عشان تزغردي بالقوي، راضي خطيب المعدولة دي..
وأشار نحو نعمة ابنته مستطردا:
لسه مكلمني، جال عايز يجدم ميعاد الفرح عشان الشجة بتاعتهم جال إيه خلصت.
شهقت نعمة في رقة، بينما ارتفعت عقيرة أمها من جديد بالمزيد من زغاريد الفرحة، التي اختلطت بالدموع.
طبول ومزامير، لازالت صادحة بالخارج، لكنه ترك كل ذلك خلفه، مندفعا نحو موضع العروس بين النساء، ليحملها من بينهن، ما بين همسات النسوة وضحكاتهن، وتلميحاتهن الماجنة، مندفعا نحو الطابق العلوي، والزغاريد تصدح في تتابع تتبارى أمه مع أمها، في إطلاقها في سعادة.
ما أن دفع باب الشقة، حتى تملصت من بين ذراعيه مسرعة نحو حجرتهما، اغلق باب الشقة مهرولا خلفها بدوره، كانت تقف في منتصف الغرفة كالتائهة، توليه ظهرها في اضطراب، لكنها استدارت متطلعة نحوه من خلف غلالة طرحتها التلية، حين هتف بها في مجون، راقصا مقلدا أحد الممثلين الكوميديبن:
سوسو يا سوسو..
هتفت به في ريبة:
أنت عايز إيه !؟
هتف يونس متعجبا:
عايز إيه !؟ بزمتك في عروسة تجول لعريسها ليلة فرحهم عايز إيه !! .. ما أني اللي غلطان .. أني اتچوزت واحد صاحبي.. هستني إيه يعني منِك يا سماحة!؟ .. واد يا سماحة، بجولك.
هتفت به سماح تقاطعه في حنق:
متجلويش يا واد .. جال واد جال..
هتف يونس يشاكسها:
هو أني شايف منك حاچة غير صوتك ده، اللي بيفكرني بالواد سماحة صاحبي، ما تهلي كده من ورا الستارة دي، وريني الچمال.
قهقهت سماح، فهتف بها في شوق:
يا وعدي.. اهي دي الضحكة ولا بلاش.. علّي الضحكاية علّي .. ولا أجولك علّيها بس نص نص .. كده هننفضح رسمي ..
ارتفعت ضحكاتها من جديد مؤكدة، مشيرة نحو وجهها:
دي اسمها طرحة، ستارة إيه بس !!
أكد يونس متطلعا لها من خلفها:
ستارة، طرحة، خيمة، أخرچي من وراها ياللاه، سلم نفسك المكان كله محاصر..
قهقهت من جديد مؤكدة:
ما هو المفروض إنك أنت اللي تشيلها يا يونس.
هتفت باسمه في غنج، فانتفض مندفعا نحوها هامسا:
والنعمة بعد يونس دي، ده مش أني اشيلها، لاه وأشيل أبوها كمان، ده لو خط برليف نفسيه لأهده..
انفجرت ضاحكة من جديد، ليدفع عنها الطرحة دفعا، تطلع نحو شعرها المخنوق بمؤخرة رأسها، فمد كفه ليحرره هامسا في عتب:
حد برضك يعمل فنعمة ربنا كده !!
اتسعت ابتسامتها اضطرابا، وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعرها المموج كبحر هادر، كان مأخوذا كليا بذاك الذي كان محجوبا عنه، ولم يره إلا مرة وحيدة، كانت كفيلة بأسره للأبد، أما سماح فكانت عيناها معلقة به، تتفرس في ملامحه التي تعشق، لا تصدق أنه أمامها حلالها، يظلهما سقف حجرة واحدة، وسيجمعهما بعد قليل فراش واحد، ارتجفت لا أراديا ما استرع انتباهه ليترك ذاك الغجري الأسمر الذي فتنه منذ زمن، متطلعا نحو عينيها التي غمرتها سحب الرهبة، نكست نظراتها لا تقو على التطلع إليه، لكنه رفع وجهها الذي احتضن جانبيه بين كفيه، مجبرا إياها على التطلع نحوه، ليهمس في عشق:
بحبك يا سماح.
دمعت عيناها فرحا، وهمست بصوت متحشرج ينضح عشقا:
مش كدي يا يونس، عارف، من يوم ما وعيت لك، وأني جلبي مال لك، كنت أجول لنفسي، أوعاكِ يا بت، إلا هو، لكن جلبي مطاوعنيش، ومدخلهوش إلا أنت، أنت وبس يا يونس اللي بجيت حبيبي.
جذبها يونس معتصرا إياها بين ذراعيه في شوق قاهر، وفي لحظة كانت محمولة بين ذراعيه، شهقت في ارتباك:
إيه في !؟ ..
تنهد في عشق، وهو يضعها على طرف الفراش، هامسا بالقرب من مسامعها، بنبرة ماجنة:
فيه كتير يا بت الجناوي، تار واعر جوي لازما أخده، وأني مسيبش تاري أبدا..
همست بنبرة ناعمة مغناجة تعاتبه:
تار بيني وبينك يا يونس!؟
ضمها إليه هامسا بصوت أرج:
تار بيني وبين البعاد يا غشيمة، البعاد اللي مش هيدخل بينا تاني أبدا..
همست اسمه بشوق، وهو يضمها إليه، لتشاركه ثأره من البعاد ولياليه، التي ولت بلا رجعة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رضوى جاويش
ظل يتطلع إليها وهي غارقة في سباتها، يستشعر سكونًا عجيبًا يشمل روحه.
لكن طبيعته المشاكسة تغلبت على ذاك الطبع المسكين المستجد، ليأخذ في مناوشتها ببعض من خصلات شعرها، مداعبًا بها أنفها.
لتهمس هي في حنق من بين همهمات نعاسها:
«بس بقى يا بت، خليني أنام.»
همس يونس معترضًا:
«بت!!»
عاود مشاكستها من جديد، وهو يكتم ضحكاته.
لتهمس من جديد في ضيق:
«هضربك أديك لو متلمتش.»
كتم يونس قهقهاته، وهمس بالقرب من مسامعها، مقلدًا صوت أختها الصغرى:
«ما تقومي كده ورينا شطارتك.»
انتفضت سماح تهم بضرب أختها، لكنها توقفت ما أن طالعها محيا يونس الذي انفجر ضاحكًا على أفعالها.
لتعاود تقليد أختها مجددًا:
«ما تيجي تضربيني!»
همست في رقة، مستعيدة طبعها في حضرته:
«ما عاش ولا كان يا يونس.»
أسرته كلماتها، ليقترب منها في وجد متسائلاً:
«ما عاش ولا كان إيه؟»
أجابت منكسة الرأس في حياء:
«ما عاش ولا كان اللي يمسك بشر يا يونس.»
اقترب أكثر هامسًا بشوق:
«هتعملي إيه يعني؟»
هتفت في قوة لا تخلو من الرقة:
«قول مش هعمل إيه! ده اللي يرشك بالمية أرشه بالدم، إلا أنت يا يونس، الدنيا كلها في كفة، وتراب اللي بيخطيه مداسك في كفة تانية.»
جذبها إليه في محبة طاغية متنهدًا في راحة، وكأنها ببضع كلمات طيّبت جرح سنين خلت. فما أروع أن يعاوده الإحساس بمحبة إحداهن وتكون هي وحدها عالمه وسكنه وجيشه الصغير إذا ما تطلب الأمر.
تعالت الزغاريد القادمة من أسفل الدرج معلنة عن صعود الخالة سعيدة بالإفطار، ما جعله يبتعد عنها مرغمًا.
استوقفته سماح هامسة:
«يونس، اجفل الباب وراك.»
هتف باسمًا:
«ليه مش هتخرجي لأمك؟»
نفت هامسة:
«لأ، مكسوفة أقابلها دلوقتي.»
هتف يشاكسها من جديد:
«مكسوفة من إيه؟ هااا، إيه!!»
اتسعت ابتسامتها وهتفت به تتعجله:
«يونس، أمي طلعت، ألحقها.»
تطلع نحوها باسمًا، وخرج من الغرفة مغلقًا بابها، متجهًا صوب الخارج ليفتح الباب على مصراعيه لأمها، التي كانت تحمل صينية كبرى عليها كل ما لذ وطاب.
ليساعدها في وضعها على أقرب طاولة، لترتفع عقيرتها من جديد بسلسلة من الزغاريد، هاتفة بيونس:
«هي العروسة مصحيتش ولا إيه!»
أكد يونس مازحًا:
«لو مصحيتش بعد الزغاريد دي كلها يبقى عليه العوض، اتجوزت واحدة طرشة.»
قهقهت سعيدة، ليستطرد هامسًا في مزاح:
«بس هي مكسوفة تخرج لك، بس متقوليش إني قلت لك، أصل أنا فتان.»
قهقت سعيدة من جديد، هامسة:
«وأنا ولا كني عرفت حاجة، ربنا يهنيكم يا رب.»
وخرجت سعيدة مسرعة مغلقة الباب خلفها.
دفع يونس باب الحجرة، حاملًا الصينية وواضعها أرضًا، لتنهض جالسة أمامها جواره. وما أن هم بمد كفه نحو الطعام، حتى أمسكت كفه قبل أن تطال الطعام، هامسة في رقة ذوبته:
«أول لقمة تنزل جوفك بعد جوازنا لازما تكون من إيدي.»
جذب كفه في رفق، لتمد هي كفها نحو إحدى الحمام المحشي، والتي تعلم مدى عشقه لها.
ليهتف هو أمرًا:
«لأ، هاتي من طاجن السمك بالفريك.»
ضربته على كتفه بظهر كفها هاتفه بصوت حاد:
«بقولك إيه! الحمام الأول.»
هاتف يونس في صدمة:
«آهى سماح قلبت سماحة، ما كنا كويسين!»
ورد لها الضربة بمثلها مؤكدًا:
«لأ، أنا هاكل السمك الأول.»
ضربته من جديد:
«لأ، هتاكل الحمام الأول.»
هتف يونس معاتبًا:
«أنتِ كده الضربة دي يا واد يا سماحة!»
أكدت سماح في حزم تحاول مداراة ضحكتها:
«أيوه كده ونص.»
هتف يونس مؤكدًا:
«طب تعالى بقى وريني كده كيف!»
جذبها يونس من خصرها بغتة، لتسقط بحجره، ليضمها بقوة بين ذراعيه، آمرًا في مزاح:
«يالاه قولي، أنا عيلة ومش قد كلمتي.»
تطلعت نحو عيونه الشقية، التي تنضح فرحًا، هامسة في عشق:
«أيوه، أنا عيلة ومش قد كلمتي. كتير قلت لحالي ملناش في العشق وخلينا بعيد، لكن معاك أنت، كنت عيلة ورجعت في كلمتي، وادبست على بوزي، واللي كان كان.»
خفف من ضمته القوية لجسدها، لتحرر كفيها من أسر ذراعيه، تطوق وجهه الذي أصبحت نظراته كلها معتقلة هناك بعمق عينها، لتهمس مستطردة:
«يونس يا حناوي، سماح صالحِت بيك الزمن اللي عدى، وهتعيش على حسك الزمن اللي جاي.»
ساد الصمت الصاخب بينهما. حتى إذا ما مدت كفها نحو طاجن السمك لتطعمه ما كان يرغب، إلا ووجدته يمنعها. لينهض حاملًا إياها بين ذراعيه.
لتهمس به متسائلة في نبرة متسائلة:
«مش ها...»
همس مقاطعًا، وهو يضعها على الفراش ضامًا إياها نحو صدره من جديد:
«هش، هو بعد اللي قلتيه ده فيها أكل!»
همست وهي تضمه إليها في عشق جارف:
«امال فيها إيه يا يونس!»
همس بنبرة عاشق ملك الدنيا بين ذراعيه:
«فيه سماح وبس.»
وكانت هي بكل مجامعها وكيانها المسربل محبة وشوقًا طوعًا له.
تعالت الزغاريد. ومنتصر يدخل سراي الهوارية حاملاً جدته، وأية تدفع كرسيها جانبه، وخلفه كل رجال عائلة منصور.
وما أن اعتلو الدرج حتى وضع وجيدة بكرسيها لتدفعها أية نحو قاعة النساء الملاصقة لقاعة الرجال، حيث ينتظره عاصم وحازم أبو العروس ورجال الهوارية جميعهم.
دفعت أية جدتها لداخل القاعة، ليتلقفها بنات الهوارية بالترحيب، بداية من العروس بدور التي غمرتها في سعادة، وانحنت تلثم جبين وجيدة في تقدير واحترام، ما دفع وجيدة لتربت على كف بدور في محبة.
جاءت زهرة مرحبة بوجيدة كذلك، تتطلع نحوها في اشفاق على حال الزمن وتقلباته. كانت قد رأت وجيدة في عدة مناسبات لعائلات تربطهم بهما صداقة مشتركة. كانت تملك جبروتًا وسطوة لا يمكن أن تعادل كم هذا الانكسار الذي تراه اللحظة بنظراتها، ما دفعها للاشفاق عليها هاتفة:
«شرفتينا يا حاجة وجيدة، وألف سلامة عليكِ.»
همست وجيدة في تثاقل:
«الله يسلمك.»
تعالت الزغاريد من جديد عندما اندفعت سجود من الخارج هاتفة:
«العريس كان جايب معاه المأذون، وطلب كتب الكتاب بدل الخطوبة، والرجالة وافقوا.»
هللت النساء، وتعالت الزغاريد في فرحة. والكل يتناقل بدور في سعادة مهنئًا، وهي بعد في خضم صدمتها للخبر، لا تصدق أنها ستصبح زوجة منتصر في خلال دقائق.
هم المأذون بالبدء في إجراءات عقد القران، لكن مروان هتف يستوقفهم، موجهًا حديثه لعاصم:
«بقولك إيه يا جدي، من بعد إذن بابا طبعًا، أنا كمان عايز أكتب كتابي.»
قهقه منتصر هاتفا:
«أنت لسه خاطب بت عمتي أول امبارح، وعايز تكتب النهارده؟»
هتف مروان مازحًا:
«طب ما أنت مكنتش خاطب بت عمي من أصله وجاي تكتب ومعترضناش أهو!!»
قهقه عاصم مؤكدًا:
«غلبك مروان يا منتصر، إيه قولكم يا رجالة أبو منصور؟»
هتف أحد رجال أبو منصور محتجًا:
«بس الكتاب بييجي في بيت العروسة، يعني الواجب تاخدوا انتوا عشان نتمم كتاب بتنا في بيت جدها.»
هتف منتصر في ثقة، رادًا على قريبه ذاك:
«إحنا بقى بقينا أهل، هنا وهناك واحد يا حاج، وكلها شكليات، خلونا نتمم الفرح، أي كان فين.»
هتف عاصم في إكبار لقول منتصر:
«الله ينور عليك يا ولدي، صدقت، إحنا أهل، وهنا وهناك واحد، المهم نرضي ربنا، ونجمع القلوب على حلاله، ولا إيه؟»
هز الجميع رؤوسهم في طاعة، وأولهم منتصر، الذي أكد في حزم:
«أكيد طبعًا يا حاج عاصم، على خيرة الله.»
اندفعت سجود من جديد، وهي أشبه بمراسل صحفي ينقل أنباء ما يحدث في قاعة الرجال، مهللة في فرحة:
«الحقوا، مروان ابن عمي سيد، حلف ما ينكتب كتاب منتصر وبدور إلا مع كتابه على آية، وكلهم وافقوا، هايبقى بدل الفرح فرحين.»
اندفعت ثريا في حبور، تطوق آية بين ذراعيها، هامسة في محبة وأعين دامعة:
«ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يهنيكم ويفرح قلوبكم كمان وكمان.»
تعالت الزغاريد متسلسلة ومتتابعة في سرور. ليهتف عاصم مازحًا من داخل قاعة الرجال:
«آهااا، شكل الحريم موافقين كمان، ربنا يكتر الأفراح، على بركة الله، اكتب يا سيدنا.»
ليفتح المأذون دفتره، ويبدأ في مراسم عقد القران، ليربط أخيرًا بين عائلتي الهواري وأولاد منصور، برباط مقدس، بعد عقود طويلة من الخصومة والتناحر.
بدأ الرجال في الاستئذان جماعات بعد انتهاء مراسم العقد، وتناول الواجب، ليطلب كل من العريسين رؤية عروسه، التي أصبحت زوجته بشرع الله وميثاقه.
ليندفع كل من منتصر ومروان، نحو إحدى الغرف، حيث جذبت الفتيات بدور، وكذلك آية، لترى كل منهما زوجها.
دخل منتصر إلى الغرفة تاركًا بابها مفتوحًا، حيث بدور، التي كانت تقف في منتصف الغرفة، كالتائه في خضم بحر هائج، وهي لا دراية لها بفنون السباحة، ولا بكيفية إنقاذ روحها من الغرق عشقًا في ذاك الذي كان يتقدم نحوها ببطء أولًا، قبل أن يندفع مهرولًا، لينحني فجأة ضامًا ما فوق ركبتيها، بذراعه السليمة، رافعًا إياها عن الأرض.
لتشهق بصدمة، شهقة مكتومة، وهي تخفض ناظريها نحو ناظريه المعلقان بها، وهي تسند كفيها المنبسطتان على كتفيه، هامسة في محاولة للمزاح كعادتها، حتى تتغلب على رهبتها:
«إيه اللي بتعمله ده يا حضرة الظابط! نزلني من فضلك.»
همس بنبرة مازحة:
«مش منزلك إلا لما تصرخي من الفرحة، وتقولي بأعلى صوت بحبك يا منتصر.»
تطلعت نحو عينيه وهمست:
«مش محتاج تعمل ده كله عشان تسمعها يا منتصر، لأنك عارف إني مش بحبك بس...»
خفف من ضم ركبتيها لصدره، لينزلق جسدها ببطء وهي ما تزال أسيرة ذراعه، لتصبح ملاصقة لصدره، وجهها مقابلًا لوجهه.
ليهمس بصوت أبَح تائها في تلك النظرة المطلة من عينيها في هيام:
«امال إيه!»
همست في عشق قاهر، وقد ظهر ألق الدموع بعينيها:
«معقول يا منتصر يا ابن منصور، متعرفش إني بعشقك!»
رفع كفه، من حول خصرها، لتكون خلف رأسها التي ضمها إليه في عشق زلزل كيانه، ليبعدها قليلًا، متطلعًا لعيونها مطولًا من جديد، قبل أن ينحني قليلًا ملثمًا جبينها في محبة طاغية.
وما أن هم بالقرب أكثر نحو فاتنه الذي يغريه اللحظة، إلا وأبعد نفسه في قهر.
لتتطلع نحوه مستفسرة لا تدرك صراعه الدائر بين جنباته هامسة:
«هتمشي!»
كاد أن يقتله سؤالها الهامس بهذا التوسل المخفي بين طياته للبقاء.
ليهتف محاولًا قلب الحوار نحو وجهة أخرى، متغلبًا على مشاعره:
«جرى إيه! ورانا شغل، وشقة عايزة تجهز وفرح وحاجات ياما، هقعد جنبك أدلع فيك ولا إيه يا حضرة الصول!»
هتفت في صدمة:
«صول!»
أكد منتصر مازحًا:
«آه، دي رتبتك من دلوقتي، وبعد الفرح هعلق لك أول نجمة، ولكِ عندي ترقية كل خمس سنين صمود بعد الجواز، وترقية استثنائية مع كل عيل.»
قهقهت بدور هاتفة:
«على كده بقى أنا هعلق لك قبلِك بكتير، أصل ناوية أجيب لك أورطة عيال تتكعبل فيهم من كترهم، وساعتها هتضرب لي تعظيم سلام في الداخلة والخارجة، ما الأقدمية تحكم، ولا إيه يا حضرة الظابط!!»
قهقه منتصر مؤكدًا، وهو يقترب منها من جديد مغازلاً:
«تصدقي صح، بس وماله، هو حد يطول يبقى رئيسه بالحلاوة دي!»
هتفت به بدور، مشيرة نحو الباب:
«انصراف يا حضرة الظابط، وخلص الشقة بسرعة.»
هتف منتصر مازحًا، وهو يجذبها نحوه من جديد، كأنها مغناطيس معاكس القطب، لا يستطيع منه فكاكًا:
«ليه يا حضرة الصول! بسرعة ليه، هااا! لو على الترقيات، مستعد أعلق لك أول نجمة من دلوقتي!!»
تملصت منه بدور مشيرة نحو الباب مازحة:
«ما قلنا انصراف يا حضرة الظابط، إلزم حدودك، وبلاش إباحة.»
هتف منتصر مازحًا، وهو يخرج من الباب مهرولًا، لا قبل له على البقاء بصحبتها أكثر:
«أنا ماشي، وهتندم يا جميل.»
وصلته قهقهاتها الفرحة لمسامعه، وهو يبتعد في اتجاه مجلس الرجال، مطربة قلبه الذي ما عاد قادرًا على العيش بلا عشقها.
أما بالحجرة الأخرى، دخل مروان إلى آية في هدوء. وما أن وقع ناظره على تلك التي كانت تحاول التستر في اضطراب خلف أحد الأعمدة، حتى اقترب متعكزًا على عكازه، ليجلس في إرهاق على أحد المقاعد.
تطلعت نحوه في توتر، مستشعرة أنه يرهق حاله هذه الأيام، والمفترض عليه الراحة قليلًا. اقتربت في قلق، هامسة ما أن أصبحت على بعد خطوة من مقعده، تنحني متطلعة نحوه متسائلة في نبرة مضطربة:
«أنت كويس يا مروان!!»
جذبها مروان بغتة لتسقط على حجره، هاتفا في نبرة منتصرة متزامنة مع شهقتها المصدومة، وهو يأسر خصرها بذراعه، حتى لا تنهض مبتعدة:
«أنا دلوقتي بقيت كويس جدًا، كويس خالص، ده أنا عمري ما كنت كويس كده، إلا...»
ساد الصمت، لتقطعه هي متسائلة في نبرة مرتجفة، وقد توقفت محاولاتها على التملص هاربة، وقد سكنت في راحة بين ذراعيه:
«إلا إيه!»
تطلع لعمق عينيها هامسًا في عشق مستطردًا:
«إلا يوم ما وقعتي من على فرسك في حضني، كأنك كنت هدية من السما، ربنا بعتهالي عشان يطبطب على روحي الموجوعة بسبب عجزي.»
سال دمعها لكلماته، ليمد كفه يغتال تلك الدمعات، هامسًا في محبة:
«ليه الدموع يا آية! ده النهاردة يوم فرح، أنتِ أخيرًا بقيتي معايا.»
همست آية مؤكدة:
«وأنت مبقتش عايز حاجة تاني إلا إني أكون معاك.»
ضم خصرها بذراعيه في تملك نحوه، متطلعًا في وله لعينيها الدامعة، مؤكدًا:
«وعمرك ما هاتبعدي تاني أبدًا، أنتِ بقيتي روحي يا آية.»
ساد الصمت ولم تنبس بحرف. ليستطرد مروان هامسًا:
«عارفة! وأنا بفاوض العمليات ما بين الحيا والموت، الدكاترة قالوا لي إني كنت تردد كلمة واحدة بس، اسمك.»
زاد تعلق نظراتها بنظراته العاشقة، ولم تبخل عيونها من الجود بدموعها السخية تأثرًا عندما استطرد بنبرة تقطر وجدًا:
«كنت على استعداد إني أدفع أي حاجة في الدنيا، عشان لما أفتح عيني أشوفك قدامي.»
همست آية من بين دموعها:
«دعيت لك كتير قوي يا مروان، دعيت لك أكتر ما كنت بدعي لروحي أيام ما سمعت الدكاترة وهم بيقولوا لستي وجيدة إني خلاص هعيش بجسم مشوه طول العمر، حسيت إن محدش ممكن يفكر إنه يقرب من واحدة معيوبة ز...»
قاطعها واضعًا كفه على شفتيها، يوقف استطرادها في ذكر الماضي، هامسًا في رقة:
«بعد الشر عنك، معيوبة ده إيه! ده أنتِ ست البنات.»
قبلت في رقة، كفه التي كانت ما تزال على شفتيها، ما جعله يرتجف في اضطراب، هامسًا لها، وهو يعيد كفه ليطوق خصرها من جديد:
«آية! قوليلي قوم أمشي، عشان أنا لو مطردتش دلوقتي حالًا، الرجالة ها يجوا يقوموا معايا بالواجب بعد اللي هعمله.»
خلصت نفسها من بين ذراعيه، ولم يقاومها هو رغم همهماته المحتجة، والتي دفعت الابتسامة لتعلو شفتيها هامسة:
«يالاه على بره مش عايزين فضايح.»
هتف يستعطفها في نبرة محتالة:
«طب تعالي سنديني، من باب الإنسانية!»
قهقهت رافضة:
«لأ، أنت متضمنش، يالاه من غير مطرود.»
مد كفه متناولًا عكازه، ونهض في هدوء لخارج الحجرة هاتفا في وعيد مازح:
«ماشي يا آية، والنعمة كله هيتخصم.»
ارتفعت قهقهاتها، ليندفع على قدر استطاعة قدمه مبتعدًا، يجاهد رغبة قاهرة تدفعه للبقاء جوارها للأبد، وليكن ما يكون.
جاءتها عدة إشعارات على جوالها، ما دفعها لتفتحه متطلعة إليها، لترتسم الابتسامة على شفتيها، وهي تقرأ رسالته الوحيدة تلك:
«ممكن نتعرف يا جميل!؟ أنا طالب الحلال وأنتِ اللي قافلة الباب.»
أرسلت تجاريه:
«باب بيت أبويا معروف ومفتوح، أنت الظاهر غلطت في العنوان.»
أرسل سريعا:
«والله أبدًا، جينا وخبطنا، بس الجميل مردش، هو إحنا إيه!! م لناش القبول!!»
ساد الصمت، ولم ترسل نوارة حرفًا، ما دفعه ليرسل عدة علامات استفهام، يسألها الإجابة، لترسل له أخيرًا بعد طول انتظار ملصقًا على هيئة قلب أحمر.
فكتب مستفسرًا:
«أعتبر دي علامة الرضا!»
أرسلت له ملصقًا لوجه يخفي ملامحه بيديه خجلًا، ما دفعه ليرسل وجهًا معبرًا عن قهقهات ضحكاته، كاتبًا لها:
«نوارة، يا بت مهران الهواري، نشفتي ريقي، بس أنا راضي، راضي قوي، طالما إنك أخيرًا هتبقي من نصيبي، والله ده كفاية عليا.»
دمعت عيناها في تأثر، لا تعرف بما تجيبه، ليسود الصمت للحظة، قبل أن تكتب ردها بأصابع مرتعشة:
«ويكفيني أنا كمان، إني أعرف إنك شاري ومتمسك رغم كل شيء.»
رن على الهاتف، لتنتفض ويكاد الهاتف يسقط من كفها أرضًا، لولا استبسالها في محاولة إنقاذه، التي جعلتها رغما عنها تضغط على زر فتح المكالمة، رغم ترددها في الرد من الأساس.
جاءها صوته الرخيم الذي يقلب موازينها، هامسًا عندما تأكد من صوت أنفاسها المضطربة التي تناهت لمسامعه، مؤكدة إنها على الطرف الآخر:
«أنا مش متمسك وبس، ده أنا ماسك ومتمسك وعمري ما هفلت إيدي أبدًا يا نوارة.»
ساد الصمت، ليهتف بها في رجاء:
«مش عايزة تقولي حاجة!»
اضطربت هامسة:
«هقول إيه!»
هتف رائف مشاكسًا:
«نوارة، هو أنا مش هسمع صوتك إلا في الخناق بس!!»
لا تعلم لما دفعها سؤاله للضحك، لتعلو قهقهاتها رغما عنها، ما دفعه للضحك مشاركًا إياها، ليستطرد مؤكدًا:
«طب تمام كويس إني عرفت المعلومة دي، عشان...»
هتفت تقاطعه في تحفز:
«عشان إيه!»
هتف بها في محبة:
«عشان لما يوُحشني صوتك، استفزك بقى بخناقة تمام، تسمعينا فيها صوتك العندليبي.»
اضطربت متسائلة:
«إيه العندليبي ده! أنت بتتريق صح!»
قهقه رائف متعجبًا:
«يعني هو ده اللي لفت انتباهك من كل اللي فات!؟»
واستطرد هامسًا:
«يعني ملفِتش انتباهك كلمة وحشني صوتك مثلًا! والله مش صوتك بس اللي كان واحشني يا نوارة، أنت كلك وحشاني.»
استشعرت أن قلبها يسقط بين قدميها خجلًا، لا قبل لها على مواجهة مثل هذه الموجات من المشاعر التي لم تألفها بعد، لتهمس بأحرف متقطعة:
«على فكرة، اللي بتقوله ده ميصحش.»
هتف رائف مؤكدًا:
«اللي بقوله ده ميجيش حاجة جنب اللي نفسي أبوح به، بس عارف إن أوانه لسه مجاش، وأنا أقسم بالله لولا خوفي من رفضك لما بعت أمي، يوم كتب كتاب عاصم أخوكِ، لكنت كتبت يوميها ولا همني.»
شهقت بصوت مكتوم، لكن رغم عن ذلك وصلته علامة تعجبها تلك.
ليهمس من جديد، مؤكدًا في عزم:
«أنا جاي يا نوارة، ومش راجع نجع السليمانية إلا وأنتِ في إيدي، سلام عليكم.»
لم يكن منها إلا رد السلام، مغلقة الهاتف، لا تعلم ما عليها فعله أمام محبة هذا الرجل الأشبه بطوفان لا قبل لها على الصمود أمامه، بل عليها مطاوعته، والسباحة مع تياره، دون رغبة منها في المقاومة من الأساس، لأنها راغبة حد الاستسلام لهذه المشاعر التي تأخذها لبعد آخر، ما كانت تتوقع يومًا، أنه موجود، عالم سحري اسمه، دنيا العشق.
نقل مقر إدارة شركته، بنفس مبنى الإدارة التي يترأسها حمزة والدها، ما جعله دومًا قريب. فمنذ خطبتهما، رأت من سامر جانبًا آخر من جوانب شخصيته، جعلتها تدرك أنه الاختيار الصحيح، وأنه الرجل الأحق بقلبها، وشراكة حياتها.
لكن ها هو الرجل الذي كادت تنظم فيه أبيات الشعر منذ لحظات، وهي تبحث عنه مشتاقة لصحبته، يقف مع هذه المندوبة الحسناء، التي تتغنج في وقاحة، وقد ارتفعت قهقهاته في سعادة غامرة، ستقلبها على رأسه حزنًا وسوادًا.
ظهرت في مجال رؤيته، ألقت عليهما نظرة سريعة مستاءة، قبل أن تندفع نحو مكتبها، ليتبعها سامر في عجالة، حتى كاد الباب الذي أغلقته في عنف، يرتطم بوجهه، إلا أنه استطاع تفاديه في مهارة، دافعًا إياه، لينضم لها داخل المكتب، مغلقًا بابه، هاتفا في تعجب:
«إيه فيه يا فريدة!»
هتفت وهي تغلي غضبًا، تحاول السيطرة على مشاعرها:
«مفيش حاجة، هو فيه إيه!!»
هتف مازحًا:
«ده فيه مصيبة أكيد، أصل البنات أول ما تقولك مفيش حاجة، اعرفي إنك من الشهداء قريبًا.»
هتفت في حنق:
«أيوه، تمام، وأنت ما شاء الله عليك، خبير في أمور البنات والستات، مش كده!!»
تطلع سامر نحوها مشاكسًا:
«آه، كده فهمت، ده الجميل غيران بزيادة بقى!؟»
هتفت فريدة وهي تضرب بكفها سطح مكتبها ما أجفله، مؤكدة:
«غيرانة ده إيه!! وغيرانة من مين!؟»
هتف سامر مازحًا:
«الدماغ الصعيدي طلعت، وشكلنا هنسمع ضرب نار، يا منجي من المهالك يا رب.»
هتفت فريدة:
«مين بقى دي اللي...»
قاطعها سامر شارحًا:
«دي يا ستي مندوبة...»
قاطعته بدورها:
«عارفة إنها مندوبة، بس هو يعني لازم الضحك والهزار اللي ملوش لازمة ده!!»
أكد سامر مفسرًا:
«دي مندوبة أكبر شركة بنتعامل معاها، وأنا كنت بجاملها مش أكتر.»
هتفت فريدة في حنق:
«هو لازم يعني تجاملها بالهزار!؟»
أكد سامر مازحًا:
«حاضر، من عنيا، المرة الجاية هجاملها بواحد شيشة حلمي على القهوة.»
هتفت فريدة في حنق:
«مش قصدي، قصدي إنك تهزرش وخلاص.»
هتف سامر مستفزًا:
«مش بقولك غيرانة!»
هتف في ضيق:
«أغير من إيه! أنا فريدة ال...»
قاطعها سامر، وهو يضع كفيه على سطح المكتب، منحنياً يتطلع نحو عينيها، هامسًا:
«وأنا بحبك، ومش ممكن مهما كانت البنت اللي قدامي، تهز شعرة فيا..»
ساد الصمت وهي تتطلع نحوه في اضطراب، مستشعرة رهبة داخلية شملتها، ما جعله يستطرد مؤكدًا في نبرة هادئة وقورة عكس طبيعته المرحة:
«أنا عشت في أوروبا سنين، شفت فيهم بنات، من كل صنف ولون، لكن مفيش واحدة قدرت تعمل فيا اللي عملتيه.»
همست مأخوذة، مستفسرة في تيه:
«أنا عملت إيه!!»
همس في نبرة خاشعة، متطلعًا لعمق عينيها:
«أنتِ لسه بتسألي!! ده أنا ليا ربنا والنعمة، كفاية إني مسمعتش منك كلمة تبل ريقي، يا جباااارة.»
همست فريدة في اضطراب:
«طب خلاص، متزعلش.»
أكد مدعيًا الحزن:
«لأ.. ده أنا زعلان وواخد على خاطري، ومجروح ومقهور و...»
همست تقاطعه معترفة:
«أيوه كنت غيرانة عليك، عشان بحبك، ارتحت.»
هتف في صدمة متسائلاً:
«أنتِ بتقولي إيه! تاني كده عشان أنا سمعي تقل فجأة.»
قهقهت مؤكدة بأعين دامعة:
«بحبك.»
قفز من موضعه، هاتفا في جنان معهود لها، يفتح بابًا جانبيًا، يفضي لغرفة الاجتماعات، لا إلى الخارج، وقد نسي في غمرة فرحته، موضع الخروج:
«فين الباب!! فين عمي حمزة!! فين المأذون!!»
قهقهت على أفعاله الطائشة، وهو يندفع لخارج الغرفة حيث حجرة أبيه، ليبثه بعضًا من جنانه.
دخل عليها حجرتهما في هدوء، ليجدها متمددة تقرأ كتابًا كعادتها ما أن تكون وحيدة، إلا وتجدها مدفونة ما بين ضلفتي كتاب، حتى أنها لم تنتبه لقدومه، مستغرقة في القراءة بكل مجامعها، تسلل في حذر، حتى اقترب منها دافعًا رأسه ما بين ذراعيها والكتاب المفتوح، لتشهق في صدمة، متزامنة مع قهقهاته وهو يهتف متسائلًا:
«إيه! الرواية وخداكِ مني جوي كده!»
ابتسمت وهي تداعب جانب وجهه مؤكدة في محبة:
«محدش قدر ولا يقدر ياخدني منك يا عاصم، ربنا من فوق سبع سموات كتبنا لبعض، واللي يجمع أرواحهم رب العالمين، مفيش قوة تقدر تفرقهم.»
تطلع إليها في عشق، هامسًا مأخوذًا بها:
«أنتِ بقيتي بتغلبييني بالكلام الحلو، وأنا بجف متنح مش عارف أرد، ينفع كده يا بت عمي!»
اتسعت ابتسامتها وهي ما تزال تداعب جانب وجهه مؤكدة:
«آه ينفع قوي، ما أنت غلبتني كتير يا عاصم وأنا ساكتة، خليني آخد بتاري.»
تطلع نحوها، وبدأ يدنو في خبث هامسًا:
«فين ده!! أنتِ بتتبلي عليا!»
همست وقد جذبت في رقة رأسه ليصبح على فخذها، ليتطلع نحوها معلقًا النظرة والقلب والروح صوب قبلتها:
«لأ يا عاصم، أنت غلبتني كتير فعلًا، غلبتني بكرمك يوم ما استحملت إني أكون لغيرك، واتعذبت كتير ومقلتش، كنت فاكر إن دي رغبتي، غلبتني يوم ما طلبتني قدام الكل، وأنا صرخت وقلت لأ خوفًا عليك، غلبتني يوم ما كنت دائمًا سند وضهر لما كنت بقولك إني تعبانة، وأنا مكنتش إلا وجع وعذاب لقلبك، غلبتني بدعوة رفعتها لرب العالمين عشان في الآخر نجتمع في حلاله، غلبتني يوم ما هزمت مخاوفي وهواجسي وظنوني اللي كانت مسيطرة عليا، ودخلتني الجنة اللي كان شيطاني حارمني منها، عاصم يا واد عمي، أنا طول عمري مهزومة قصادك، بس أول مرة أعرف إن الهزيمة ممكن يكون لها طعم أروع من مليون انتصار.»
ساد الصمت وتحدثت العيون حديثًا للمقل أعذب من أن تخطه الأحرف، أو أن تصفه الكلمات.
استدار عاصم في هدوء، مستندًا على عضده، مغرقًا وجهه بنحرها، لتترك كتابها جانبًا، تضمه إليها في عشق.
ليهمس لها في هيام بالقرب من مسامعها:
«يمكن غلبتك كتير زي ما بتقولي...»
ضم خصرها نحوه مستطردًا بنبرة عاشق، وهي يكاد يعتصرها شوقًا:
«لكن عمري ما حسيت إلا إني فارس خسران كل المعارك، لكن أخيرًا، نلت أكبر انتصار، أنتِ كنت كل الهزايم وأعظم انتصار يا زهرة.»
همهمت في وجد وهي تتعلق به في تيه تام، إلا أنها تنبهت لرنين هاتفه، الذي بدأ يعلو وقد نسي إخراجه من جيب جلبابه.
لتهمس له وهو غارق فيها:
«عاصم، تليفونك بيرن.»
مد كفه معترضًا في همة، مخرجًا هاتفه بكل سلاسة، ليلقيه بعيدًا بعد أن داس زر إغلاق الصوت.
لتشهق زهرة هاتفة في تعجب:
«أنت عملت إيه! الموبيل ممكن يكون اتكسر يا عاصم!»
ضمها إليه في تملك، هامسًا بنبرة من عالم آخر:
«يغور، تعالي بس معايا، وانسي الدنيا.»
همست بسعادة، وقد عادت تتعلق به من جديد:
«هنروح فين!»
غيبها بين ذراعيه هامسًا:
«هدخلك الجنة اللي كان شيطانك حرمك منها، جنة براح الروح اللي أنت طول عمري وعمرك ساكنتها.»
دفنت رأسها تحت ذقنه، كأنها تحتمي به من معاودة التيه بعيدًا عنه، هامسة بنبرة راجية:
«أيوه يا عاصم، أنت التوبة اللي محت أي ذنب، أنت الطهر اللي محى من الروح أي دنس، أنت الجنة اللي طول عمري نفسي أوصلها، أوعى فيوم تحرمني منك يا عاصم، ده أنا ما صدقت بعد توهة روحي وصلت.»
تأوه عاصم في صبابة، يعتصرها لتذوب بين ذراعيه في رقة، لا يعلم كيف يمكن له أن يعبر لها عما تفعله كلماتها تلك بقلبه، ولا كيف تأسر روحه بقيد لا يملك من الأساس حله!!
لكنه تضرع لله وهي متشبثة بتلابيب روحه بهذا الشكل، أن يظل هو رضوان خازن جنتها الأبدية.
خرجت عربتهما عن الطريق العامر، لتصل لبداية طريق صحراوي معتم، سارا فيه لبعض الوقت، حتى سألته في تعجب، وهي تحاول أن تعدل من وضعها على المقعد المجاور له، بثوب زفافها الذي يزحم المكان:
«هو إحنا رايحين فين!»
هتف منتصر في كلمات موجزة:
«عامل لك مفاجأة.»
هتفت بدور تستفسر:
«مفاجأة!! يعني إحنا مش رايحين على شقتنا يا منتصر!!»
أكد لها:
«لأ، أنا خاطفك، عندك مانع!»
ابتسمت مؤكدة:
«لأ خالص، ما أنا خلاص اتعودت، وبصراحة حبيت الموضوع قوي.»
قهقه منتصر، مقتربًا منها، هامسًا في مجون:
«طب ما تجيب حاجة على الحساب!»
هتفت تدفع وجهه عنها في مزاح مغلف بالشدة:
«بص قدامك على الطريق يا منتصر، بدل ما أخنقك بترحتي، وقول يا صبح.»
هتف منتصر مازحًا:
«إحنا بالليل، وده حقي الشرعي والدستوري والقانوني على فكرة.»
هتفت بدور مشاكسة:
«لما تبقى تقولي أنت خاطفني على فين! ابقى تعالى طالب بحقك الدستوري، ماشي يا وحش!»
انفجر ضاحكًا هاتفا في نبرة مازحة:
«يا ويلك يا منتصر، شكلك اتجوزت ريا وسكينة مضروبين في الخلاط.»
ضربت بدور على كتفه بباطن كفها:
«إحنا هنروقوك.»
هتف متمنيًا في نبرة متضرعة:
«أيوه بقى أنا نفسي أتروق قوي يا رب.»
وتطلع نحوها غامزًا بعينه:
«هتروقيني صحيح!؟»
هتفت تحاول كتم ضحكاتها، هاتفة في حزم:
«بلاش إباحة يا منتصر، واخطفني وأنت ساكت.»
توقفت العربة فجأة أمام شاليه من دور واحد، منعزل عن العمران، هاتفا في فخر:
«حمد الله بالسلامة يا عروسة.»
تطلعت نحوها في توجس، ولم ترغب في الترجل من العربة، هاتفة في تساؤل:
«إحنا فين!»
أكد منتصر وهو يترجل مندفعًا في اتجاه بابها، ليفتحه مجيبًا:
«ده شاليه عشان نقضي فيه شهر العسل.»
هتفت بدور ساخرة:
«هي دي فكرتك عن شهر العسل يا منتصر! محدش قال لك على الفنادق الخمس نجوم، ولا السفر بره مصر! طب والنعمة ما أنا نازلة.»
تشبثت بدور بمقعدها، ليدفع منتصر نفسه محشورًا يحاول العثور عليها من بين طيات فستانها الأشبه بالشرك، حتى استطاع الوصول إليها مع مقاومتها، دافعًا نفسه خارج العربة وهو يحملها بين ذراعيه، في اتجاه الشاليه.
لتهتف له بدور، وهو يضع المفتاح بصعوبة داخل موضعه بالباب:
«ماشي يا منتصر، شكلي هطلع روح ريا وسكينة عليك، بقى ده...»
قاطعها صوت دفع الباب بقدمه، لتشهق في صدمة، فما رأته أمامها اللحظة، لا يعادله أية فخامة كانت تفكر فيها، فالشاليه كان عبارة عن غرفة واحدة كبيرة، يتوسطها فراش عالي وثير، مرتب بشكل يخلب اللب، وتوزيع الأضواء بالغرفة كلها خرافي، يدخلك لعالم الحلم ما أن تطأها.
تقدم منتصر للداخل حاملاً إياها، معاودًا دفع الباب بقدمه لإغلاقه، هامسًا:
«إيه رأيك!»
همست مأخوذة:
«هو في رأي بعد كده! روعة يا منتصر.»
همس بصوت أبَح:
«كنت عايز آخدك بعيد عن الدنيا، مش فندق ولا حتى شقتنا، عايزك بعيد عن الناس، لاده يبص لنا وإحنا طالعين، ولا يراقبنا وإحنا نازلين.»
تقدم بها، ليضعها على الفراش في هدوء، هامسًا في شوق:
«ده أنا ما صدقت يا بدور تبقي ليا، فهماني!»
هزت رأسها في تفهم، هامسة:
«فهمالك قوي يا منتصر، ومين هيفهمك أكتر من بدور!»
دنا منها في شوق، هامسًا:
«عارفة! من يوم ما سحبتك من قفاكي من قدام فيلا عمتك، وحطيت إيدي في إيدك، لما سلمت عليك في فيلتكم، وأنا عارف إني مرجعتش منتصر تاني، كنت بحاول ألهي نفسي في الشغل على قد ما أقدر، لكن يوم ما شفتك في المظاهرة، وسحبتك من بين المتظاهرين، وشلتك لحد عربيتي، عرفت إنك دخلتي قلبي، وقفلتي الباب من ساعتها، وانتهى..»
همست بصوت متحشرج تأثرًا، هامسة باسمه في عشق:
«منتصر!»
ضمها بين ذراعيه، متأوهًا في راحة، هامسًا بالقرب من مسامعها:
«أخدتي روح منتصر، يا بت سيادة العميد.»
زاد ضمه لها، ليزداد الشوق أضعافًا، وهي تردد اسمه بهذه الرقة، التي أورثته رغبة في سترها بين جوانحه، حيث تتردد أنفاسه بالمثل مترنمة باسمها..
رواية زاد العمر وزواده الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رضوى جاويش
انتفضت في ذعر متطلعة نحوها في تيه، وصوت ذاك البروجي الأشبه بنفير لتجمع الطلاب لطابور الصباح، يعلو في قوة.
تنبهت أخيرا أن هو من يقف فوق رأسها مفزعا إياها بهذا الشكل، وها هو يقف مقهقها على صدمتها لأفعاله، ما دفعها لتدفع بإحدى الوسائد نحوه في حنق، لتعاود التدثر من جديد، في محاولة للعودة للنوم.
لكن منتصر قفز نحو موضعه جانبها، جاذبا إياها بين ذراعيه لخارج الفراش، في اتجاه الخارج.
لتهتف به بدور في صدمة:
هو الجنان اشتغل ولا إيه!! حد يصحي عروسة على صوت بروجي كلية الشرطة!! ودلوقتي شايلني على بره الشاليه بالمنظر ده! بالذمة يا مؤمن دي عمايل ناس عاقلين!؟
تطلع نحوها، وهو ما يزال يتجه صوب البحر، حاملا إياها بين ذراعيه مؤكدا وابتسامة تعلو وجهه:
ده عين العقل! ايش فهمك أنتِ!
وصل بقدمه لبداية تلاقي الموج مع رمال الشاطئ، وتوقف قليلا وهي متعلقة برقبته، متطلعا نحو شروق الشمس القادم من الأفق البعيد، هامسا:
أول يوم لينا مع بعض.
ابتسمت وهي تدفن رأسها تحت ذقنه، ليستطرد هامسا:
مكنتش فاكر إن ممكن نوصل لليوم ده أبدا يا بدور.
تعلقت به بقوة، وهو يتقدم نحو العمق لترتجف ما أن وصل الماء الباردة لجسدها. ضمها إليه في قوة، لتتطلع إليه في محبة، ما دفعه ليهمس من جديد، وهو يتوه في عمق عينيها الشقية:
عارفة يا بدور، إيه اصعب لحظة حسيت فيها بالعجز والقهر في حياتي!!
همست بصوت متعجب:
لما جدتك رفضت جوازنا!؟
هز رأسه نافيا، وهمس يخبرها في نبرة تحمل وجع الدنيا:
لا يا بدور، مش رفض ستي، كانت يوم ما خطفك سعفان عشان يكافئني بكِ، يوم ما ظهرتي قدامي، وشوفت خطوة رجلك، وصوت شفايفك وأنتِ بتنادي اسمي، وأنتِ جاية نحيتي، عشان تتحامي فيا، وفجأة رجعتي مطرحك، خايفة مني.. عارفة ساعتها حسيت بإيه!! قهر عمري ما حسيت به قبل كده.. إني فجأة اتحول بالنسبة لك من خانة مصدر الأمان، لخانة مصدر التهديد. أصعب إحساس عشته، لما المفروض إني اوهمك بإني سافل وخدت اللي يبسطني منك، عشان اضحك على سعفان، لكن صراخك وبكاكي كان بيقطعني.
همست بدور بصوت متحشرج تأثرا:
كانت أيام صعبة قوي يا منتصر، بس ليه السيرة دي دلوقتي!
ضمها نحوه في وجد، حيث كانت المياه تغمرهما في انسيابية، مجيبا في عشق:
عشان أقولك، إني باخد بتاري منك يا بت سيادة العميد، بتار الليالي السودا اللي كنت متلقح فيها معاكِ فالأوضة، سايبك نايمة على سريري، وأنا عيوني طول الليل متعلقة بالسقف، بدعي ربنا يصبرني على وجودك جنبي وأنا مش طايلك. بقيت بدعيه كتير يا بدور، كتير قوي، إنه يعوضني بكِ فالحلال، عشان كنت هموت واخدك في حضني، بس خوفي من ربنا كان مانعني، وكونك أمانة كنت حاططها في رقبتي، ولازم ارجعها صاغ سليم لسيادة العميد، وفوق ده كله، خوفي يا بدور..
همست وقد بدأت دموعها تنساب مختلطة برزاز مياه البحر:
خوفك من إيه!!
أكد وهو يطبع قبلة طويلة الأمد على جبينها، وهو يضم جانبي وجهها بين كفيه الرجوليتين:
خوفي عليكِ، لو حصل لي حاجة، أهو تبقى فكراني منيل وخاين، ومتتوجعيش على فراقي.
ابتلعت غصة بحلقها، وانتزعت نفسها من خضم تأثرها، هاتفة في مرح، وهي تتعلق به في مجون، وبلهجة صعيدية حاولت تقليدها على قدر استطاعتها:
بجولك إيه يا واد عمي، إحنا حدانا فالصعيد مبنسيبش بتارنا، صح ولا إيه!!
قهقه مؤكدا:
أكبر صح يا هريدي.
هتفت أمرة:
خد بتارك وميهمكش، مرة واتنين وتلاتة وعشرة، هو في أحلى من كده تار!!
قهقه وهو يجذبها نحوه في قوة، معتصرا إياها بين ذراعيه، ليغيبا في عناق حار، كان كفيلا بتحويل الماء البارد حولهما، لبركان من جمر العشق.
كانت تسير الهوينى، بعد أن خرجت من الجامعة وحيدة، على غير العادة، في اتجاه موقف السيارات التي كانت تقلها لنجع الصالح. كان عقلها يسيطر عليه فكرة واحدة، لمَ لم يتقدم لها أحدهم مثلما حدث مع الغالبية العظمى من صديقاتها، وكل فتيات العائلة!!
كانت تعلم أنها جميلة، لكن ذاك الجمال مطموس تحت كل هذه الكيلوجرامات من الدهون والشحوم، التي أعطت لها هذا الجسد الممتلئ، والذي لا يغري الشباب للارتباط بها، أو حتى التفكير مرتين عندما تقع عيونهم عليها، رغم جمال ملامحها، ورقة قسمات وجهها الذي ما زال يحمل لمحة طفولية تتناقض مع جسدها الأنثوي العامر الأنوثة.
شعرت بالضيق وزفرت في قوة، حتى أنها لم تنتبه لذاك الشاب الذي كان يلقي عليها بعض من جمل التنمر على جسدها، والتي اعتادتها بطبيعة الحال. تجاهلته كما تفعل دوما، لكن ذاك التأفف الذي خرج في زفرة قوية لأفكارها السلبية حول نفسها وجسمها، نبه أحدهم، الذي اندفع في اتجاه الشاب، ممسكا بتلابيه لتأديبه، هاتفا في غضب:
إيه!! هو البعيد معندوش دم!! جاعد ملجح بلاك على بنات الناس، ما تلم روحك بجى!
هتف الشاب الوقح:
وأنت مالك! كانت من بجية أهلك!
هتف الشاب الشهم في حنق:
اعتبرها كده يا سيدي، هااا.. لك شوج فحاچة!!
اندفع الرجل الأحمق مبتعدا في سرعة، تاركا إياها تقف متلبكة هاتفة في أحرف مترددة:
أنا متشكرة چدا يا باشمهندس عبدالله.
تطلع عبدالله نحوها مصدوما:
آنسة دعاء!!
ابتسمت في اضطراب تومئ برأسها مؤكدة، وهتفت تفسر:
الأخ ده على طول ورايا، كأنه مورهوش غيري.
هتف عبدالله في حنق:
والله لو أعرف كده ما كنت سيبته، وكان خد اللي يستاهله وزيادة.
هتفت مبتسمة في امتنان:
جلبك أبيض، مش لوحده بيرمي بلاه، وأدينا اتعودنا.
هتف عبدالله متسائلا:
أنتِ راچعة النچع !!
هزت رأسها مؤكدة، ليؤكد بدوره:
طب تمام، وأنا كمان راجع، تعالي معايا عشان محدش يضايجك.
ركب السيارة التي كانت في سبيلها للنجع بجوار السائق، وهتف أمرا إياه، بعد أن احتلت دعاء المقعد الأوسط، تجلس في هدوء منتظرة أن تحمل العربة سعتها من الركاب. لكن عبدالله هتف أمرا:
اركب يا اسطى، والحساب يچمع.
هتفت دعاء في حرج:
بس ليه كده يا باشمهندس!! ده كتير.
صعد السائق طائعا، لا يحمل بالسيارة إلاهما. شعرت بالكثير من الاحراج لفعلته، فعلى الرغم من كونه في مقام ابن عمتها، لكن العلاقة بين عائلتيهما لم تكن شديدة الصلة، لكون أمها مشغولة طوال الوقت بأشقائها الأصغر سنا، وكانت علاقتها بسمية أخته طوال فترات الدراسة فقط، والتي كانت تسبقها فيها بعامين.
فتحت حقيبتها تخرج منديلا لتزيح قطرات العرق التي تكاثرت على جبينها رغم أن الجو يعد خريفيا بامتياز، لتجد كيسها البلاستيكي ما زال يحفظ إحدى الشطائر التي تجيد صنعها. كانت قد تركته جانبا حتى تتسلى به في طريقها لموقف العربات، لكن أفكارها الكئيبة وذاك الشاب الحقير الذي كان يزعجها، منعاها من الاستمتاع بالمتعة الوحيدة لها فالحياة، الطعام.
مدت كفها لداخل الكيس مخرجة الشطيرة، ومع تردد قليل، دفعت بها لعبدالله هاتفة:
اتفضل يا باشمهندس! حاچة بسيطة على ما أوثم.
تطلع عبدالله نحو الشطيرة التي تدعوه لالتهامها في شهية، وما كان له أن يرفض دعوة بمثل هذه الحفاوة. تناول الشطيرة في سعادة غامرة حاول ألا يظهرها قدر استطاعته، مبتسما في دبلوماسية، وما أن هم بقضم أول قضمة حتى هتف بها:
لاه، بس ده شكله أخر سندوتش معاكِ!!
أكدت دعاء:
ما أني كلت، وخلاص أهو على وصول، وأنت شكلك راچع النچع مخصوص، ومخلصتش اللي وراك.
ابتسم فقد أصابت في استنتاجها، فما أن يوصلها للنجع، إلا ويتوجب عليه أن يعود أدراجه ليقضي بعض المصالح.
بدأ في التهام الشطيرة، ليذوب في جمال الطعم من أول قضمة، هاتفا دهشة:
إيه ده!!
هتفت دعاء في صدمة:
إيه! معچبتكش!!
أكد متطلعا للخلف في انبهار:
معچبتنيش كيف بس! دي حاچة عظمة، مفيش چمال بعد كده.
ابتسمت دعاء في فرحة، وهي تراه يلتهم الشطيرة بشهية كبيرة، متمنيا لو كان في إمكانه الحصول على المزيد من الشطائر.
وصلا النجع، لتترجل هي ملقية السلام في عجالة، مندفعة في هرولة نحو دارهم، معتقدة أن عبدالله سيعود لشؤونه من جديد، لكن عبدالله اندفع نحو دار أبوه، وما أن وصل للدار حتى اندفع للداخل صارخا في قوة:
لجيتها، والله لجيتها..
انتفضت أمه في ذعر من داخل المطبخ، مندفعة نحوه في اضطراب:
إيه اللي لجيتها دي! هو كان في حاچة ضيعالك!!
أكد عبدالله، وهو يضع كفه على معدته لا قلبه:
ايوه يا أم مؤمن، لجيت العروسة اللي تملى العين والكرش.
هتفت هداية في سخرية:
ودي مين بجى المأسوف على شبابها، اللي أمها داعية عليها في ساعة مغربية!!
هتف في هيام، وهو يربت على كرشه من جديد:
دعاااء يا أم مؤمن، دعاااء..
هتفت هداية مستفسرة:
دعاء بت عيشة مرت حامد الحناوي!!
أكد عبدالله:
ايوه، هي ياما، عليها شوية سندوتشات، تحل من على حبل المشنجة.
هتفت هداية في حنق:
يا واد أنت مش هتبطل طفاسة وفچعة!! هتتچوزها عشان بتعمل سندوتشات حلوة!! وده اسمه إيه بجى!! الحب من أول جطمة!!
قهقه عبدالله هاتفا:
والنعمة حلو، هو فيه حب ابجى من حب البطن، لا عمرها اشتكت ولا جالت اكل ده ولا مكلش ده، بطن أصيلة، بتتعبى ولا تجولش لاه.
هتفت هداية في حنق:
والله ما هيچيبك ورا إلا مشيك ورا بطنك يا فچعان.
هتف عبدالله مؤكدا:
فچعان، فچعان، بس المهم اتچوزها، طب تصدجي بإيه ياما!
هتفت هداية هامسة:
لا إله إلا الله..
أكد عبدالله:
شوفي أني بجالي كد إيه مهندس زراعي، ولا حد فيوم جالي يا باشمهندس، هي الوحيدة اللي احترمتني، وجالت لي يا باشمهندس، اها مؤدبة وكمان محترمة، وبتعمل سندوتشات عچب، بذمتك دي تتساب!
هتفت هداية مؤكدة:
لاه البت ما تتعيبش، بس هو عادي عندك وزنها !!
أكد عبدالله هاتفا:
ده اكتر حاچة عچباني بعد السندوتشات، جال وزنها، دي زي الجمر.
همهمت هداية لبرهة، قبل أن تهتف موافقة:
طيب وماله نطلبهالك.
هلل عبدالله في سعادة، ممنيا نفسه بالزواج من دعاء ذات الشطيرة.
كان ينهي أخر تجهيزات شقة الزوجية، وتنهد في راحة وهو يتطلع حوله في رضا، متمنيا أن تعجبها كل تلك الخيارات التي تركتها له ثقة في ذوقه، وحسن اختياره.
شمل الشقة كلها بنظرة مجملة، وأخيرا تطلع من النافذة في محاولة لالتقاط الأنفاس قبل أن يغلق الشقة عائدا لنجع الصالح من جديد حتى يحين موعد الزفاف.
ابتسم في سعادة، وهو يرى يونس يتعقب زوجته سماح التي كانت تتهادى في رقة نحو غرفة الخبيز، حاملا عنها بعض من ادواتها، هاتفا يغازلها في عشق فاضح، وهو يحرك طرف جلبابه كما الفتيات الريفيات قديما وهن ذاهبات لملء الجرار من النيل، مترنما:
البحر بيضحك ليه، وأني نازلة أدلع أملا الجلل!!
لتضحك سماح في أريحية وهي تدخل لغرفة الخبيز وهو خلفها بحمله الثقيل ممازحا إياها.
اتسعت ابتسامة راضي في سعادة لحال أخيه الذي تبدل ما بين ليلة وضحكاها، فذاك اليونس الذي يشع محبة وفرحة، لا يقارن مطلقا بيونس الذي غادر نجع الصالح مجروح الروح ومحطم القلب.
تعجب راضي، فقد كان العشق في حالة أخيه، هو العلة والدواء، سبب الجرح وبلسم للقرح، وكل الفرح.
عاد لداخل شقته، متطلعا بانحائها من جديد، مخرجا هاتفه ليصور كل ركن فيها، وأخيرا ارسل الفيديو لنعمة، مزيلا إياه بكلمة واحدة.. "عقبال ما تنوريها".
وصل الفيديو لنعمة ومن خلال كلماته أدركت أنه لشقتهما، ما دفعها لضغط زر الحذف ورنت على هاتفه. رد سريعا هاتفا في ثبات وهمي، متسائلا:
عجبتك! ولو عايزة أغير حاچة أن...
قاطعته نعمة هامسة:
أنا حذفت الفيديو يا راضي.
هتف راضي متعجبا:
ليه! ده أنا جلت أفرحك..
همست في دلال:
ابعته لأمي وابويا وفرحهم، لكن أنا فرحتي معاك يا راضي، فرحتي اللي بجد يوم ما اشوف شقتنا معاك، وأنا دخلاها لأول مرة، وأحس تعبت أد إيه عشان تطلعها اجمل مكان فالدنيا.
تنحنح راضي هامسا:
ولو في حاچة معچبتكيش!!
همس نعمة في نبرة تقطر محبة:
مفيش حاجة ممكن تختارها ومتعجبنيش يا راضي.
همس راضي مضطربا:
وأني من ميتا بغلبك فالكلام!! الكلام الحلو كله نعمة.
هتفت نعمة تشاكسه:
الكلام الحلو بس!!
اتسعت ابتسامته، وهمس في فرحة:
لاه، نعمة هي الحلو كله.
هتفت نعمة مازحة:
الله أكبر، راضي بيقول كلام حلو يا رجالة.
هتف راضي يبتسم في احراج:
متتعوديش على كده، دي مرة كل عشر سنين.
همست نعمة في عشق:
أنا راضية، ومستكفية براضي.
تنحنح مضطربا:
طب اجول سلام بجى.
ابتسمت فقد اعتادت منه تهربه في لحظات الرومانسية منسحبا، هامسة:
تمام، خلي بالك على نفسك، وربنا يجمعنا على خير.
همس متضرعا:
أمين.
أغلقت الهاتف، وما هي إلا لحظات، حتى وجدها ترسل إليه بأغنية ما. فتحه وبدأ يستمع في سعادة لا يمكن أن توصف، لكلمات الأغنية التي ارسلتها:
الدنيا اللي جاية عيونه..
وأفراحه وكلامه ولونه..
ليرقص قلبه طربا، فكم كانت تجيد العزف على اوتار روحه باحترافية شديدة.
هتف نادر في حنق:
بقولك ايه يا حُسن! مطلعيش زرابيني، هتروحي تقلعي الزفت اللي انت لبساه ده من سكات وتلبسي العباية السودا، وإلا قسما عظما، ما...
همت حُسن بالرد، إلا أن نعمة جدته قاطعته في نبرة العالم ببواطن الأمور، وكأنها تتعمد استثارة المزيد من حنقه، وهي تشير نحو ذاك الفستان الرائع الذي ترتديه حُسن، والذي كان يظهرها في مظهر أنثوي يخلب اللب:
ماله الفستان يا نادر! ما هو حلو وهياكل منها حتة أهو!؟
هتف نادر في حنق متضاعف:
أديكِ قولتيها أهو، هياكل منها حتة، يبقى مفيش نزول بيه فقلب الحارة، وده يبص من هنا وده يبص من هناك، لا.. تقلعه وتلبس العباية السودا زي ما كانت طول عمرها لبساها.
همست حُسن بالقرب منه، وبصوت خفيض لا يسمعه إلاهما:
العباية بتخليني شبه الغفر، طول عمرك مش بتحب إني ألبس العباية، فاكر!
همس بها من بين أسنانه، محاولا كبت حنقه المتزايد:
كنت حمار يا ستي، مكنتش عارف إن العباية دي هي اللي ساترة جمالك عن عيون الناس، عشان ميبقاش إلا ليا وبس.
كانت كلماته الأخيرة والتي نطقها بتلك النبرة المهاودة، متطلعا إليها في عشق فاصح، هي ما جعلها تنزل عند رغبته، متجهة للخارج نحو بيت أبيها، ليستوقفها نادر متسائلا:
على فين!
هتفت مبتسمة:
هروح أغير الفستان.
هتف نادر أمرا:
لا، استني، متمشيش من هنا لبيت أبوكِ بيه.
واندفع في اتجاه حجرة نعمة أخته، جاذبا إحدى عباياتها السوداء، عائدا بها مسلمها إياها في محبة:
خدي، إلبسي عباية نعمة، لحد ما توصلي.
ابتسمت شيماء وهي تخرج من المطبخ، وقد سمعت بعض من شجارهما، وأدركت أسبابه، لتهتف بغية إثارة غيرة ولدها، وهي ترى حُسن تطيعه واضعة العباءة فوق فستانها:
والنعمة خسارة، بقى الفستان الجامد ده يتغطى بعباية سودا!
هتف نادر في ضيق:
يا دي النيلة، يعني أخرج من هدومي، ما أنا حر ألبس مراتي اللي يعجبني، بالكم! أنا مش هنزلها الحارة تاني، ليه تنزل من أساسه، ورشة أبوها، وعينا حد يديرها وبشرف أنا عليه، ودخلتنا خلاص بقيلها مفيش، الشقة اللي فوق خلاص بتخلص تشطيب، يبقى تنزل تعمل إيه من أصله!
كان ناصر وشيماء قد قررا ترك شقتهما لولدهما، والنزول للعيش مع خميس ونعمة، وخاصة ونعمة الصغرى سترحل للصعيد مع راضي، بعد الزفاف مباشرة.
هتفت حُسن في سعادة خفية:
طب وطلباتي! مين يجبهالي!؟
أكد نادر في نبرة تخفي غيرة يحاول مداراتها قدر استطاعته:
أي حد من صبيان الورشة أو القهوة، كلميني وقولي عايزة إيه، وتجيلك لحد عندك، لكن واخدالنا الحارة قياسة رايح جاي، وكل واحدة تقعد تمصمص قدامي، إنك طرتي من ايدها، وملحقتكيش لابنها، لا كده كتير، كفاية الأسبوع اللي فات، والواد اللي كان بيعاكسك، وكنت هموته فايدي!
همست حُسن بنبرة متعجبة:
واحد بيعاكس، كنت هعمله إيه يا نادر! اضربه!؟
أكد هاتفا في حنق:
ايوه، تقلعي اللي فرجلك وتديله على دماغه، الله يرحم حُسن بتاعت زمان، اللي مكنتش بتستحمل حد يقول لها كلمة متعجبهاش، كانت بتجيب كرشه.
نهضت حُسن من موضعها في هدوء في اتجاه الخارج، ليتبعها حتى الباب، وما أن أصبحت على أولى الدرجات للأسفل، حتى همست متطلعة نحوه في ابتسامة شجية:
حُسن بتاعت زمان كانت بتعمل كده يا نادر، عشان كانت حاسة إنها بطولها قصاد الدنيا، ومكنش لها راجل في ضهرها يحميها.
همس متطلعا نحوها في هيام:
طب ودلوقتي!
همست من جديد، بنفس النبرة الشجية المحملة باهازيج السعادة المنتظرة:
دلوقتي خلاص، بقيت انت راجلي، وعايشة فالحارة على حسك، وبدلع وأنا عارفة إن في راجل بضهري، يوم ما حد يمسني ب...
هتف نادر مقاطعا في حمية:
ولا يستجري يفكر حتى، ده اللي يبص لك بعين، اخزقله الاتنين.
نكست رأسها في حياء، لا تقوى على التطلع نحوه، وهو يتفرس فيها بهذا الشكل، لكن هاتفها رن على أحد التطبيقات، مخرجا إياهم من تيه مشاعرهم الفياضة، التي ما كان أي منهما، يعتقد يوما، أن تكون بهذا الزخم، وذاك العمق.
تطلعت حُسن نحو شاشة الجوال في فرحة، هاتفة في لهفة:
دي ربى!
أشار نادر نحو الأعلى، أمرا إياها:
تعالي ردي عليها فوق ع السطح، الشبكة أحسن.
ضغطت حُسن زر الرد، هاتفة في سعادة:
ألف مليون مبروك يا ربى، والله مش عارفة اقولك ايه! كفاية إنك افتكرتيني فيوم زي ده، رغم كل اللخمة اللي أنتِ فيها.
هتفت ربى في فرحة غامرة:
ولو حُسن، إن ما كنت افتكر سبب الفرحة اللي انا فيها دي، افتكر مين !!
وهمست ربى بغصة امتنان حشرجت صوتها تأثرا:
مش عارفة اقولك ايه يا حُسن! السعادة اللي أنا بها هالحين مع شعيل، الفصل فيها إلك، بعد رب العالمين، لولاكِ كنا زمانا تايهين عن بعضنا، وما كان لقانا هيتم اليوم على كتابه وسنة رسوله.
دمعت عينى حُسن في تأثر:
فضل إيه بس! شعيل كان بيحبك من زمن، مشكلته إنه كان خايف يظلمك، وأنا كل اللي عملته إني وضحت له الصورة اللي كانت غايبة عن نظره.
هتفت ربى من جديد:
ولو حُسن، هيفضل چميلك معلق برقبتي، واول بنت ربنا راح يرزقنا إياها، هتكون على أسمك.
سال دمع حُسن في امتنان:
ده كتير، ربنا يتم سعادتكم على خير يا رب.
اضطربت ربى هاتفة في عجالة:
طب أقول لك سلام، من الواضح إن شعيل وصل، أنا مش مصدقة يا حُسن إن شعيل واقف هاللحظة ببابي، قلبي راح يتوقف من الفرحة.
قهقهت حُسن مؤكدة:
لا صدقي، وروحي ياللاه سلامنا له، والف مبروك مرة تانية، وربنا يسعدكم يا رب.
لوحت ربى في سرور طاغ:
ويسعدك يا حُسن، سلام والعقبى لك عن قريب.
لوحت حُسن مودعة في فرحة، وما أن أغلقت الهاتف، حتى تطلعت نحوه في تعجب، وهي تراه يقف بهذا الشكل مستندا على سور السطح، يراقبها في تمعن، لا يحيد ناظريه عنها، وأخيرا أقترب في هوادة، مادا كفه مسقطا العباءة التي كانت أشبه بالمئزر، عن كتفيها، لتهمس في اضطراب:
هي مش العباية دي كنت بتتخانق تحت عشان ألبسها!
هتف مقتربا منها في وجد، متطلعا نحو عيونها:
تلبسيها قصاد الدنيا كلها، لكن قدامي أنا وضع تاني.
هم باحتضان خصرها بذراعيه في تملك، إلا أنها اندفعت مبتعدة عنه في اضطراب، ما جعله يهمس في نبرة معاتبة:
إيه مش هتحن بقى يا جميل! يا بنتي ده انا بقيت جوزك!
هتفت حُسن وهي تجذب العباءة التي كانت ملقاة أرضا، مندفعة بها نحو الدرج، هاتفة به في مزاح:
بعينك، لما أبقى فبيتك.
هتف بها نادر من الأعلى، وهي تندفع هابطة الدرج:
ألبسي العباية.
هتفت مبتسمة في طاعة:
حاضر.
وغابت حتى خرجت من باب بيتهم، ليتطلع نحوها من الأعلى، وهي تضم العباءة حول جسدها، وهي في اتجاه بيت أبيها.
بارك الله لكما وبارك عليكما وچمع بينكما في الخير، ألف مبروك.
هتف المأذون ما أن أتم عقد القران، ليندفع سامر جاذبا المنديل من فوق الأكف المتشابكة، هاتفا يتضرع في مزاح:
الدور عليا بقى يا رب.
ليقهقه الجميع، وقد بدأت تعلو زغاريد النساء، وتهليل الرجال مهنئين بعد أن انتهت مراسم عقد القران.
ثلاث ليال من الفرحة غمرت السراي، استعداد لعقد قران نوارة على رائف السليماني، الذي اتصل بعاصم الجد يتعجل الموعد النهائي، وها هي في سبيلها للرحيل عن السراي للأبد، تختلط دموع الفرح بدموع الشوق والحزن على الرحيل الحتمي لأي فتاة عن دار أبيها يوما ما، لتعمر دار أخرى بالمحبة والسعادة.
ارتفعت الزغاريد المختنقة بالدمع، ونوارة تهبط على الدرج كملكة متوجة، في اتجاه القاعة التي كانت مخصصة للحريم، رفضت كما عاصم، إقامة العرس في إحدى القاعات، حتى لا يعتبر الطريق مرهقا على الأشخاص الأكبر سنا.
طال الوقت ما بين طعام وشراب واحتفال صاخب، ليستأذن رائف في الرحيل بنوارة إلى عشهما.
ودعت الجميع ما بين الدموع والضحكات، حتى إذا ما وصلت لقاعة الرجال، إلا وانحنت تلثم جبين جدها في محبة، ليربت عاصم على رأسها في محبة مضاعفة، هامسا لها في فخر:
نوارة، خلي بالك على رائف، ده راچل تمام، هتديله جراط محبة، هيزرعهولك مودة وفرح، سمعاني يا بتي!
هزت نوارة رأسها دامعة العينين على غير عادتها، ليربت عاصم من جديد على رأسها، وهي تلثم ظاهر كفه المتغضن، راحلة في عجالة، ليستوقغها عاصم أخيها مستنكرا:
إيه! هتروحي من غير ما تسلمي عليا يا نوارة!
جذبها نحو صدره، معتصرا إياها، هامسا بالقرب من مسامعها:
هيوحشني وچودك بنا، خلي بالك على حالك، وفأي وجت هتحتاچيني، هتلاجيني عندك.
ابتعدت قليلا عن صدره، وما عادت قادرة على الصمود أمام طوفان المشاعر الذي يغرقها به الجميع، ما دفعها لتومئ برأسها إيجابا، قبل أن تندفع في اتجاه باب الدار، برفقة النساء، لتتلقفها سميحة، مسلمة إياها في سعادة لرائف، الذي هبط الدرج الخارجي، يفتح لها باب السيارة، ليساعدها نساء الدار، في الاستقرار داخلها، وأخيرا، تندفع العربة لخارج السراي، وامامها وخلفها أسطول من السيارات.
تطلع نحوها وهي تخرج من قاعة الحريم، لتسير نحوه، ليصطحبها للخارج، سارا جنبا إلى جنب، وما أن سلكا الطريق المؤدي نحو دارها، حتى همس بها مروان في مزاح:
بن خالك عجبه شهر العسل، ومحدش عارف يوصل له!! مش يراعي إن في ناس نفسها تعسل زيه ولا إيه!؟
قهقهت أية هاتفة:
محدش عارف هو فين أصلا! اختفى هو وبدور في ظروف غامضة، لا هي ولا هو موبايلاتهم مفتوحة من الأساس، شكلها هاجروا!
هتف مروان في تضرع:
عقبالنا لما نهاجر إحنا كمان، احتمال اخدك لحتة محدش يعرفها، ومرجعكيش تاني، عشان كده بحاول أعذر الاستاذ منتصر، ياللاه ربنا يهنيه.
هتف كلمته الأخيرة بنبرة مدعيا الحسد، لتهتف أية مازحة:
يا ساتر، ده أنت عينك هتطلع على شهر العسل بتاع الراجل، يرجع بس بالسلامة مع عروسته، ونشوف الدنيا فيها إيه!
كانا قد وصلا لموضع اسطبل عنتر، لتدخل أية رابتة على رأس الفرس الذي بدأ يصهل مرحبا، وخاصة حين أبصر مروان، الذي ابتسم في سعادة لمرآه من جديد. بدأ الفرس يتحرك في محاولة للخروج من ضيق الاسطبل حتى البراح فالخارج، لكن مروان ربت على غرته الصهباء مهدئا، ومد كفه يملس بطول عنقه، لينفض الفرس رأسه في سعادة، جلبت الضحكات لحنجرة أية، التي همست:
ده عارفك كويس وفاكرك يا مروان.
مد مروان قدمه نحو المهماز ودفع بجسده لأعلى الفرس، لتشهق أية في صدمة:
مروان، انزل عشان خاطري، أنزل أنا خايفة عليك.
انحنى مروان ليصبح وجهه مقابلا لوجهها، وهو يمد كفه نحوها أشبه بفرسان العصور الوسطى، هامسا بلهجة مرحة:
تسمحلي الآنسة بالشرف الكريم ده!
لم تفهم أية ماذا يعني، لكنها وضعت بلا إرادة منها كفها بحضن كفه، ليجذبها نحو الأعلى لتستقر امامه، على صهوة الفرس، ضم خصرها بمجامع ساعديه، لتصبح ملاصقة لصدره، هامسا بالقرب من مسامعها:
والله لو ابن خالك ده مرجعش، لأخطفك على ضهر عنتر، واللي يحصل يحصل.
همست أية وهي تدير رأسها قليلا، متطلعة نحوه في عشق:
أنا موافقة، ياللاه بينا، أنا مش عايزة من الدنيا إلا إني ابقى معاك.
شدد من ضمه لها، هامسا في نبرة ماجنة، مزيحا جزء من حجابها عن رقبتها، منحنيا يلثمه في عشق:
لو منتصر مرجعش حالا، أنا هعمل مصيبة هنا، مش هو هناك عايش حياته، وأنا هنا عايش في النار.
ارتجفت أية في ذعر، ما أن اقترب مروان من رقبتها هاتفة في اضطراب:
أنا لازم ادخل، اتأخرت على ستي.
حاولت التملص من قيد ذراعيه، لكنه لم يفلتها، بل ترجل عن الفرس في هوادة، مادا كفيه نحو خصرها من جديد، جاذبا إياها في رقة لتترجل بدورها بالقرب من صدره، لم يفته انتفاضتها الداخلية عندما لثم جيدها، كان يعلم أن الأمر ليس خجلا بقدر ما هو خوفا، لذا همس وهي بين ذراعيه متطلعا نحو عمق عينيها:
قريب قوي يا أية، هتعرفي أنتِ إيه لمروان.
تاهت في نظراته التي تخبرها الكثير وتعدها بالاكثر، وما أن هم بالانحناء نحو جيدها ملثما من جديد، حتى تملصت من بين ذراعيه، مندفعة نحو الدار في اضطراب، وعيونه تتابع خطواتها المتعجلة، ممنيا نفسه بقرب الوصال.
كان هناك احتفال آخر في انتظارها، كانت السليمانية كلها على قدم وساق في انتظار سيدها وعروسه، الذي ترجل بالقرب من الدار على ذاك الطريق الترابي، ملتفا حول السيارة، ليفتحها في لهفة، مادا كفه لنوارة التي اطاعته في سرعة، لتترجل بدورها، كان كل اعتقادها انها ستزف بطول الطريق حتى الدار، لكن ما فعله رائف خالف توقعاتها كما هي عادته، فقد جاء له أحدهم بفرسه الأدهم، ليعتليه بقفزة محترفة، قبل أن يمد لها كفه، أمرا:
هاتي يدك يا عروسة.
لم تكن لترفض عرضه الذي قدمه وتلك النظرة العاشقة تطل من عينيه، لتضع كفها بحضن كفه، جاذبا إياها في هوادة، لتجلس أمامه على فرسه، ليأسرها بين ذراعيه، وهو يضم لجام الفرس بين كفيه، ليبدأ العرض.
بدأ الفرس في الرقص والتمايل على أنغام المزمار والطبول، والسليمانية كلها في أعقاب ذاك الموكب، الذي كان فيه كبيره، في غاية سعادته وفرحه.
كان بانتظارهما على مدخل الدار، كل من سميحة والجد عبدالسلام.
ترجل رائف أخيرا، ومد كفيه محتضنا خصرها لتهبط في هوادة عن الفرس، وعيونه معلقة بها في نظرة خاطفة وواعدة قطعها سريعا، وهو يندفع نحو جده ملثما جبينه، وكذا أمه، التي استقبلت نوارة في حنو بين ذراعيها، ليبدأ احتفال قصير، تبعه استئذان العريس تاركا اللهو، مندفعا نحو قاعة النساء للحصول على عروسه، التي صعد بها لحجرتهما، مع مزيج من الزغاريد والتهليل، حتى اغلق خلفهما بابها، لتصبح ملكه للأبد اخيرا.
اقترب رائف منها في وجل، بخطوات ثابتة رغم اضطرابها، ومد كفيه رافعا عن وجهها خمارها التلي، ليدنو رافعا رأسها متطلعا لنظرات عينيها الحيرى، والمسربلة بالرهبة على غير عادة نوارة، التي كانت نظراتها له دوما تحمل قوة وعزم لا يلين، هامسا في حب:
فيوم جلتيلي، البيت اللي مدخلهوش برضا صحابه، ويبجوا مهللين وفرحانين إني بجيت منهم، ميشرفنيش ابجى فيه، فاكرة يا نوارة!
هزت رأسها إيجابا، ليستطرد في عشق:
وأنا عملت كل اللي ممكن ومش ممكن، عشان تدخلي البيت ده، والسليمانية كلها مش ناسه بس، فرحانين ومهللين، مش عشان بس ترضي، لكن عشان أنتِ تستاهلي وأكتر.
دنا أكثر، حتى أصبح لا يفصل بينهما إلا سنتيمترات قليلة، هامسا من جديد:
يا رب تكوني راضية يا نوارة الجلب والروح.
تطلعت نحوه بأعين دامعة، وهو يكرر ذاك اللقب الذي أرسله لها في خطابه، يوم اعترف لها بحبه، طالبا الزواج منها، وهمست في عشق:
أنا راضية يا رائف، راضية ومسكفية بك عن الدنيا.
جذبها نحو ذراعيه، يضمها إليه في عشق، لتشهق في رقة، ليهمس من جديد:
أنا جلبي موچوع يا نوارة من زمن بعيد، وروحي كانت مفرجاني من بعد اوچاع ياما، وملجتش الفرحة إلا لما هليتي عليا من باب الدار، عرفت يومها إن ربنا بعت لي النچدة على يدك، نوارة!
همهمت متطلعة نحوه، ليستطرد في نبرة تقطر لوعة، وهو يدفع عنها حجابها وترحتها التلي، مغرقا جبينه، بعنق نحرها في شوق:
طيبي چراح الروح بجربك، وزيحي العتمة اللي بصدري، يا نوارة الجلب.
ضمته إليها، فما كان لها وهي الطبيبة المحترفة، أن تترك عليلا في حاجة لدواء ولا تقدمه له في محبة، وهي أكثر من راغبة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رضوى جاويش
شهقت في صدمة، وانتفضت تتطلع لما يفعله، لتجده يلثم موضع ما بقدمها، همست متسائلة في تعجب:
بتعمل إيه يا رائف!!
هتف رائف في مجون:
إيه! ببوس جرصة التعبان، ربنا يخليه.
هتفت نوارة في صدمة:
ربنا يخليه! ده اللي هو إزاي!!
هتف يغمز بعينه في مشاكسة:
ايوه طبعا ربنا يخليه، هو لولا جرصته، كنت شفت الرچلين اللي زي الچمار دي، وأنا بعالچك.
شهقت نوارة في تعجب:
بتبص على رجلين المرضى بتوعك يا دكتور!! ده أنت دكتور نسا! وده منافي ل..
هتف رائف مقاطعا، وهو يعتدل متطلعا لعينيها:
مفيش نسا فعيوني غيرك، الستات اللي بعالچهم دول مرضى وبس، لكن أنتِ غير يا نوارة.
خفضت عيونها خجلا، ليقترب منها في عشق، لترفع عيونها نحوه وقد قررت مشاكسته:
كل العرايس بتجوم ليلة صباحيتها على بوسة ع الخد أو حتى ع اليد، إلا أنتِ يا نوارة، تصحي على بوسة على جرصة تعبان فرچلك، إيه نظام بوس الواو ده يا دكتور!
قهقه رائف حتى دمعت عيناه، هاتفا في نبرة مشاغبة:
إيه التجطيم ده يا دكتورة، واحنا فالصباحية! لا كده أنا لازم لي رد اعتبار فوري.
قهقهت بدورها، هامسة في دلال، وهي تقترب منه مقبلة كتفه التي خلعت عندما كان يفادي سقوطها بين ذراعيه، أثناء حريق الدار:
كده نبجوا خالصين، جرصة تعبان، وخلع كتف، وإن شالله ما حد حوش.
قهقه يضمها إليه هامسا:
بصي، هو أنتِ بتضحكي على عجلي، وده رد اعتبار ميأكلش عيش، بس منك أنتِ يا نوارة، على جلبي زي العسل.
اقترب حتى أصبح أقرب لها من انفاس صدرها، يضمها لأضلعه في شوق جارف، لتهمس باسمه في وله:
رائف.
همس بالقرب من مسامعها، في نبرة تقطر عشقا:
رائف راح واللي كان كان يا دكتورة، سيبي رائف يرد اعتباره بطريجته.
تشبثت به في شوق مماثل، تود لو كان بمقدورها الاحتماء بين حنايا اضلعه للأبد، وألا يكون لها موضع أخر، إلا ذاك الموضع المقدس، حيث عاد الضلع إلى أرض منبته.
تسلل كما أصبح عادته، وألقى برأسه على فخذها، لم تأخذها المفاجأة هذه المرة لظهوره المباغت، بل إنها ابتسمت وقد اعتادت الأمر، وهمت بترك الرواية من يدها، لكنه همس أمرا في محبة:
اجري لي كده، أخر سطر وصلتيله..
عادت تتطلع للرواية من جديد، وهمست بصوت رقيق يأسر حواسه كلها:
"ليس بمقدور انسان، أن يخلق قدرا أفضل من قدر الله الذي كتبه عليه، ولو خُير الإنسان في صنع قدره، ما كان أنفع من قدر اختاره الخالق لمخلوقه، فما أعظم اقدار الله، وما أروع رضا المخلوق بعطية خالقه."
تنهد عاصم في رضا متطلعا لها:
فعلا والله، رضينا يا رب.
تركت الرواية جانبا، وظلت تتطلع نحوه في عشق، متفرسة في ملامحه بتمعن، ما دفعه ليمزح هاتفا:
عاوز الصورة ستة في تسعة الله يخليكي.
قهقهت لمزحته، مستمرة في التحديق لوجهه وبدأت في تحريك اطراف أصابعها في رقة على قسماته، هامسة في عشق:
عايزاه ياخد جبينك الواسع اللي عمره ما انحنى إلا للي خلقك، وحواجبك اللي شبه هلال أسمر، وعيونك اللي كلها شجن عشان البنات كلها تبقى هتجنن عليه، أما مناخيره بقى فدايما مرفوعة زيك لفوق بعزة نفس عمر ما خالطها الكبر، وياخد شفايفك اه بقى، حدوتة متتحكيش من أساسه، وطابع حسن مزين دقنه زي طابع الحسن اللي أخر مرة شفته فيها كان قبل ما تطلق اللحية يا شيخ العاشقين.
ابتعد عاصم عن فخذها، واستند على مرفقه متطلعا لها في تشوش، هاتفا يستفسر في اضطراب:
هو مين ده!! وإيه اللي عيوني وحواچبي، .. اللي هو يعني..
ابتسمت في رقة هامسة:
كل ده ولسه مفهمتش يا عاصم.
لم يحرك ساكنا، وهو يتطلع إليها في تيه، ما دفعها لتهمس بحياء:
ولي العهد جاي فالسكة.
تطلع إليها ولم ينبس بحرف، وهي تمد كفها جاذبة كفه في رفق، تضعها على بطنها، هامسة في محبة، وبأعين دامعة:
هنا ثمرة عشقنا اللي اتخلق جوانا من يوم ما وعينا ع الدنيا، هنا رابط جديد بيتخلق عشان يربط بينا أكتر وأكتر يا عاصم.
بدأ يستوعب الأمر، وملس بكفه على بطنها في رقة، وانحنى يمرغ وجهه باحضانها في وله تام، وأخيرا نهض مندفعا لخارج الحجرة، همست تستوقفه:
رايح فين يا عاصم!
همس بصوت متحشرج:
چاي.. ثواني وراچع.
اندفع يهبط الدرج ومنه حتى غرفة جده، التي دخلها بحرص، مقتربا من موضع رقاده، جانب جدته في مثل هذه الساعة، وانحنى جالسا على الأرض، مادا كفه محتضنا كف جده، وبدأ في البكاء الذي كتمه هناته أمامها، ما دفع عاصم لينهض متطلعا لحفيده في قلق، هامسا في تساؤل:
إيه في يا عاصم! حصل حاچة يا ولدي.
تطلع إليه عاصم الحفيد، بأعين دامعة:
زهرة حامل يا چدي، استحيت ابكي جصادها، ملجتش غيرك أبكي جصاده من الفرحة وافرحه معاي.
ابتسم عاصم الجد في مزاح:
طب تمام، ما دام بكى من الفرح، يبجى أبكي كيف ما أنت عايز، بس أني مليش مزاچ أبكي، نصحوا ستك تزغرد لنا.
هتفت زهرة التي كانت تعطيهما ظهرها، بلهجة مرحة:
سته صاحية من بدري، بس سيباكم على راحتكم.
واعتدلت في موضعها جالسة، متطلعة نحو عاصم الحفيد الذي بدأ في تجفيف دمعه في خجل من رؤية جدته له بهذا الشكل، لكنها استطردت مازحة:
متتكسفش كده، طب أقولك، جدك ده ..
هتف عاصم الجد معترضا:
ماله جده، سيد السباع، ده أني الغول.
تجاهلت زهرة كلامه، مستطردة في نبرة مرحة:
يوم ما ولدت أبوك مهران، وعمتك سندس، كان ماسك السما بيده زي ما قالت لي خالتي فضيلة الله يرحمها، وسمعته بيبكي فحضني وأنا بفوق من البنج، لما الدكتور قاله دي ربنا نجاها بأعجوبة، لأن ولادتهم كانت صعبة قوي.
هتف عاصم الجد ممتعضا:
أهي ستك الفتانة جالت لك على كل حاچة، أرتاح يا سيدي منتش لحالك.
قهقهت زهرة هاتفة:
مرة من نفسي، ما هو أنت كنت قاعد تخبص له على حاجات ياما، جت عليا أنا وتتكلم.
قهقه عاصم الجد مؤكدا:
ايوه صح، ده أنا فضحتك جدام الواد ده، عارف بلاوينا كلها، بس هو چدع مش بيجول.
قهقه عاصم الحفيد لمزاح جده، الذي استطرد هاتفا:
لو چه واد سميه ناچي، ولو ربنا رزج ببت، سميها فاطمة.
تعلقت زهرة بذراع عاصم زوجها في محبة، هامسة له في امتنان:
والله فيك الخير يا عاصم، اسم بابا وماما الله يرحمهم.
هتف عاصم الجد رابتا على يدها التي تحتضن عضده:
ايوه امال إيه، دول هم الخير والبركة، دول أصل حكاية العمر كله يا زهرة.
تطلع عاصم الجد لحفيده مستطردا:
سميه ناچي لجل ما ربنا ينچي جلبه من الوجيعة، وفاطمة.. لچل ما تكون طاهرة الجلب والروح.
هز عاصم الحفيد رأسه في طاعة، ولثم جبين جده وجدته مغادرا نحو المسجد ليصلي ركعتين شكر لله، ومنه عاد من جديد لحجرته ليجدها في انتظاره وقد عادت لقراءة روايتها، لتهمس في عتب:
رحت فين وسبتني يا عاصم!
همس وهو يقترب منها مقبلا جبينها في مودة:
رحت أصلي ركعتين شكر لله.
ابتسمت وهي ترى أثر الدمع المتألق بمآقيه، كانت تعرف أن قلبه الغض لن يحتمل مفاجأة حملها، لذا تركته يفرغ أحمال عاطفته الفياضة بلا حصار منها، أشارت نحو فخذها موضع رأسه المفضل، ليلبي الدعوة مرحبا، هامسا في مرح:
نلحجوا ناخد شوجنا من المكان جبل ما ياچي اللي يشغله وتروح علينا.
همست وهي تخلل أصابعها بخصلات شعره السبط:
لا يمكن يا عاصم، مكانك محفوظ وهيفضل ميملاهوش حد غيرك حتى ولو كان حتة منك.
تنهد في راحة، متطلعا نحوها في عشق موصول بنظرات تحكي قصة عشق لا نهائية، وأخيرا.. استدار مغرقا رأسه ببطنها، بالقرب من موضع طفله القادم، هامسا في محبة:
لو واد هنسميه ناچي، ولو بت هنسميها فاطمة، موافجة!
انحنت تلثم هامته، مؤكدة في مودة:
كل اللي تختاره بيعجبني وأنت عارف، بس يا رب تفضل تحبني أنت بعد ما يشرف الاستاذ أو الأستاذة وياخد حبة من حبك ليا.
ما كان منه بعد كلماتها إلا الالتصاق بها حد الوله، محاصرا خصرها بذراعيه في عشق، مهمهما ببعض أبيات من شعر كان يعلم أنها تحبها:
يا سيِّدتي: لا تَنشَغِلي بالمستقبلِ، يا سيدتي سوف يظلُّ حنيني أقوى مما كانَ.. وأعنفَ مما كانْ.. أنتِ امرأةٌ لا تتكرَّرُ.. في تاريخ الوَردِ.. وفي تاريخِ الشعْرِ.. وفي ذاكرةَ الزنبق والريحانْ... يا سيِّدةَ العالَمِ لا يُشغِلُني إلا حُبُّكِ في آتي الأيامْ أنتِ امرأتي الأولى. أمي الأولى رحمي الأولُ شَغَفي الأولُ شَبَقي الأوَّلُ طوق نجاتي في زَمَن الطوفانْ... يا سيِّدتي: يا سيِّدة الشِعْرِ الأُولى هاتي يَدَكِ اليُمْنَى كي أتخبَّأ فيها.. هاتي يَدَكِ اليُسْرَى.. كي أستوطنَ فيها.. قولي أيَّ عبارة حُبٍّ حتى تبتدئَ الأعيادْ.
همهم عدة مرات بالبيت الأخير، لتهمس هي في عشق، وقد ألقى عليها تعويذة المحبة، لتهمس بعبارة الحب الأروع على مسامع القلب:
بحبك يا عاصم.
جذبها برفق لتكون بين ذراعيه، لتبدأ مواسم العشق فصولها.
تعطر واختار افضل جلابيبه، وهو يخرج من حجرته، لتطالعه أمه هاتفة في مزاح:
وماله، من حج العريس يدلع.
قهقه عبدالله، وهو يعدل من هندامه، ما دفع أمه لتقهقه على أفعاله، فقد كانت هذه هي العزومة التي لا تعرف عددها حتى الآن، التي يعزم عبدالله نفسه عليها ببيت خطيبته دعاء، ما دفع أمه لتسأله:
مش كتير كده يا عبدالله، مبجالكش اسبوع خاطب البنية و اتعزمت ياچي تلات مرات عندهم، تجلت عليهم يا حبيبي!!
هتف عبدالله مؤكدا:
لا متخافيش مفيش تتقيل ولا حاچة، ده كل شوية ألاجي عمتي عيشة تجولي ما تيچي يا عبدالله طابخين كذا، أرفض أنا!!
قهقهت هداية ساخرة:
لاه ودي تيچي! ترفض كيف، ده أنت يچرالك حاچة يا حبيبي.
هتف عبدالله مازحا:
أحبك وأنتِ فهماني يا هدهد، أروح بجى لحسن اخواتها ما شاء الله، ولا يأچوچ ومأچوچ.
انفجرت هداية ضاحكة:
ما چمع إلا لما وفج.
اندفع لخارج الدار، طريق ترابي طويل قطعه ممنيا نفسه باطايب الطعام، حتى إذا ما وصل لدارها، إلا وتنحنح للدخول، ليهتف به حامد من الداخل:
تعالى يا عبدالله، البيت بيتك، خش اجعد عجبال ما اصلي الضهر، وخد لك مكان ع السفرة جبل ما الچيش يهچم.
ابتسم عبدالله منفذا في عجالة، وقد وجد دعاء تجئ وتروح، حاملة الأطباق، لتهتف في سعادة لمرآه:
إزيك يا عبدالله!
ابتسم عبدالله في محبة:
بخير يا دعاء.
أشارت له بطرف خفي، ليغير مقعده، فنهض في هوادة، جالسا على المقعد الذي أشارت عليه خفية، ابتسم لها، لتبتعد في عجالة، تحضر المزيد من الأطباق، واضعة أمامه طبق خاص، هامسة به:
خد اتسلى لحد ما اچيب بجية الأكل.
انتفخت اوداجه في سعادة، وقد شعر كم هو مميز عندها لتختصه بهكذا تقدير.
انتهت وأمها وبعض إخوتها من إحضار الأطباق أخيرا، وما أن هتفت عائشة ليحضر حامد للطعام، حتى تنبه بقية الأولاد، ليندفعوا في هرولة نحو المائدة، كان قدومهم من مواضعهم داخل حجراتهم نحو مائدة الطعام، أشبه بكتيبة من النمل اندفعت من جحورها نحو الفريسة.
اندلعت المعركة على المائدة العامرة، وقد تنبه أن الطعام يوضع للجد والجدة أولا بعيدا عن جيش الصغار، جلست بالقرب منه، فعرف لما اختارت له هذا المقعد، همست تشير له ليمد كفه تحت المائدة، فهمس لها مازحا:
على فكرة عيب كده، وأبوكِ جاعد.
تطلعت له في حنق، هامسة بدورها:
إيه هو اللي عيب! أني اللي غلطانة إني بديلك من منابي، خسارة فيك ورك الفرخة.
مد كفه في سرعة تحت المائدة، ليلتقط الورك في مهارة، وبدأ في تناوله، هامسا:
والله طعمه كيف الشهد.
همست تؤكد:
الأكل كله كيف الشهد إيه الچديد!
أكد في محية، وهو يلوك قطعة من لحم الدجاج الخاص بها:
لاه، الورك ده بالذات ليه طعم تاني، عشان مركزة وعرفتي إني بحب الورك، وعشان ده منك.
ابتسمت في حياء، هامسة في محبة:
مطرح ما يسري يمري يا عبدالله.
تطلع نحوها في عشق، حتى أنه لم يتنبه أنه يعض على عظم الورك الذي جاء على كل نسيلة لحم به، فما عاد يصلح إلا طعام لكلاب النجع.
كتمت ضحكاتها، مشيرة للورك بكفه، دون أن تنبس بحرف:
عبدالله!
تنبه بدوره، لما يفعل، فترك العظم من كفه، وقد اتسعت ابتسامته لها، لكنه تنبه مضطربا، عندما هتف حامد أبوها، متسائلا:
أنت مش بتاكل ليه يا عبدالله، العيال كلوا منك الأكل ولا إيه!؟
هتف عبدالله مازحا:
لا متخفش عليا يا عمي، باكل أهو.
هتفت عائشة بابنتها:
يا دعاء، شوفي خطيبك، اعزمي عليه، ليكون مكسوف يمد يده.
وكأن دعاء كانت في انتظار كلام أمها، لتحمل ما كان بطبقها، تضعه بطبق عبدالله، مبتسمة في سعادة، ليبادلها الابتسام، وهو يمد كفه معيدا لها بعض طعامها، هامسا:
مش هاكل إلا لو أكلتي.
هزت رأسها في ايجاب، وبدأت في تناول طعامها، مشيرة لبعض المخللات، مؤكدة:
دي بجى من عمايل يدي، دوج كده!
تناول عبدالله بعضها، وامتعض دون أن يعقب، لتهمس متسائلة في توجس:
إيه! معچبتكش!؟
هز عبدالله رأسه مؤكدا، وهمس في نبرة مازحة:
لو كل الاكل اللي هتعمليه بيدك كده سكر، يبجى الله يعوض فالمخلل لأنه مسكر بزيادة.
نكست رأسها حياء وهي تحاول ألا تبتسم في بلاهة لغزله، بينما أشارت عائشة بطرف خفي لحامد، الذي ابتسم في سعادة لسعادة ابنته، التي كانت أمها تحمل همها، معتقدة أنها لن تنال حظها في زوج يقدر جمالها الخاص، وأن امتلاء جسدها قد يكون عائقا في طريق ارتباطها بشخص مناسب، لكن خالف الأمر توقعاتها حينما طلبها عبدالله، والذي على ما يبدو، هو الكيال الذي استطاع أن يدرك جودة الفولة.
كانا يتمددان على الرمال والشمس قد غربت منذ زمن، لا صوت هناك إلا صوت الموج المتدافع في شوق لأحضان الشاطئ، كان يمد ذراعه جاعله وسادة لرأسها، وكلاهما يتطلع للسماء التي بدأت تلمع فيها الأنجم، تنهد في راحة، لتلتصق به أكثر، وهي تهمس قاطعة الصمت بينهما:
هو إحنا لازم نرجع يا منتصر!! أنا عاوزة أفضل هنا العمر كله.
اتسعت ابتسامته، وأدار وجهه متطلعا نحوها، هامسا في سخرية:
الله يرحم اللي كانت مش عايزة تنزل من العربية يوم الفرح، وأنت جايبني فين هنا، ومحدش قالك على الفنادق الخمس نجوم!!
قهقهت يدور، ورفعت راسها عن ذراعه، مسندة جسدها على مرفقها، هاتفة في مزاح:
اسفين يا سيدي، واضح إنك خبير قديم في أمور الستات واللي بيحبوه، ولا إيه!! الله يرحم ست نغم، واللي ..
استند منتصر على مرفقه مقاطعا إياها، هامسا في شجن:
الله يرحمها.
شهقت بدور في صدمة:
هي ماتت !!
هز منتصر رأسه في تأكيد، وهتف شارحا:
لولا نغم دي، لا ولا أنتِ كان هيتكتب لنا نكون هنا مع بعض.
هتفت بدور في فضول:
ليه!
عاد منتصر يتمدد على الرمال من جديد، مستندا على كفيه المتشابكين أسفل رأسه، متطلعا للسماء هاتفا:
نغم بسببها المهمة دي كملت للأخر، ده أنا عايز اقولك إن بسببها المهمة دي بدأت من الأساس.
ساد الصمت قليلا، ولم تعقب هي، ليستطرد شارحا:
يوم ما طلبت نقلي من حرس الجامعة هربان من عمايلك قدامي، وأنا كنت بحاول اعود نفسي، على إننا خلاص مننفعش لبعض، قضيت كام شهر فالممافحة، وساعتها اتعرض علينا المهمة الانتحارية دي، اصريت إني أكون فيها، واطلعها، كنت خلاص يائس إن ممكن حاجة تتغير، وخاصة بعد ما جيت اطلبك للمرة التانية واترفضت، معدش باقي حاجة أبكي عليها.
شهقت بدور في رقة، متطلعة نحوه في عشق، دافعة بنفسها، لتتمدد ملاصقة له، رأسها مسند ما بين كتفه وعضده.
ليستطرد منتصر متنهدا:
كنت مستبيع، معدش في حاجة فرقالي، وأول يوم وصلت فيه كان الإختبار الأصعب، سعفان سلط عليا نغم، تشوف مايتي إيه، هاجي معاها سكة، ولا لأ.. دخلت معايا الأوضة، ولقيتها فجأة بتزقني على جانب معين، واتعلقت بيا وهمست لي: بص يا باشا، أنا عارفة إنك ظابط، وجاي فمأمورية، طبعا حاولت أنفي وانكر، لكنها أكدت لي إن في كاميرا محطوطة فمكان معين، عشان تشوف هتصرف إزاي معاها، وقالت أنا جبتك بعيد، وأنا هتصرف عشان هم لما يسمعوني يتأكدوا إن إحنا مع بعض، حتى ولو مش فالكادر، وفعلا عملت كده، وعشان أأمن نفسي قلت لها، لو هي طلعت قالت اللي حصل، أنا كمان هقول إنها قالت لي على موضوع الكاميرا وإنهم بيختبروني، واحدة بواحدة يعني، لكن هي كل همها كان إنها تخلص من سعفان وترجع لشغلة نضيفة بالحلال، وكان عشمها إني اساعدها، وأشيل لها ملف الآداب بتاعها عشان تبدأ على نضافة، ووعدتها بكدة، حتى لما وصلتي، هي اللي ساعدتني اغير اتجاه السرير عشان ميبقاش جايب كادر الكاميرا، وكمان هي اللي غيرتلك هدومك ساعة ما أغمي عليكِ، بقت هي عيني وقت ما كانت بتبقى مع سعفان، ووصلت لي كل أخباره، لكن للأسف اخر ميعاد لوصول العميل المهم لسعفان اتغير في اخر لحظة، طبعا مكنش ينفع يحصل هجوم وأنتِ موجودة، كنت أنا وأنتِ هنروح فيها، عشان كده، بمساعدتها، ادتك هدومها، وساعدتك تخرجي من البوابة على أساس إنك هي، لما كانت واخدة إذن من سعفان تخرج تشتري شوية حاجات، خرجتي أنتِ وفضلت هي جوه معايا، قاعدة مكانك فالأوضة، ولما حصل الهجوم من القوات، كان سعفان عايزك عشان يساوم بكِ، ولولا خروجها قدامه وقالت إنها هي اللي هربتك عشان كانت غيرانة من اهتمامي بكِ، كان سعفان شك فيا، ضربها بالنار قدامي، اعترفت عشان تنجيني وهي عارفة إن فده موتها، قالت لي أنت ليك حبايبك مستنيك يا باشا، لكن نغم ليها مين، كانت السبب إني أعرف المخبأ السري بتاع سعفان، شورت لي عليه وهي بتموت، فضلت أنا وهو فيه لوحدنا، كان عرف الحكاية، اتاريه كان بيستدرجني، كان فأيده ريموت، بضغطة المكان ينفجر، فضلنا نتحانق أنا هو عشان واحد فينا يتحكم فالريموت، واتصبت من مسدسه، وأنا كمان صبته، لكن الضغطة الأخيرة كانت ليه، ومحصلش انفجار زي ما كنت متخيل، كان سعفان اجبن من إنه يموت نفسه، كان ضغطة الريموت بتفتح باب سري للهروب للجبل، بس العجيب إنه حصل انفجار من بره المكان اللي كنا محبوسين فيه، هو اللي نطر جسمي وجسمه من باب الخروج ده اللي اتفتح في نفس لحظة الانفجار، واللي كان السبب في إني عايش لحد دلوقتي، لكن سعفان مستحملش، رصاصتي الميري جت في مقتل، ولما القوات توصلت لمكانا كان مات، وكنت أنا في حالة ما يعلم بيها إلا ربنا.
تنهد وساد الصمت، تشبثت به، تحاوط صدره بذراعها، ليرفع ذراعه من تحت رأسه، يضعها على ذراعيها الممتدة بعرض صدره، رابتا عليها في حنو، لتهمس بدور بصوت متحشرج:
منتصر، متجبش سيرة الموضوع ده تاني عشان خاطري، كل ما افتكر إن كان ممكن تروح فيها، قلبي بيوجعني.
همس منتصر مازحا بمجون:
سلامة قلبك يا جميل، دكتور منتصر لعلاج القلب الموجوع، تحت الطلب وسرعة التنفيذ، دقة دقتين زيادة، أنا فالخدمة.
قهقهت بدور وانتفضت هاربة ما أن فكر بأسرها بين ذراعيه، تركض في اتجاه الشاليه، وهي تهم بغلق بابه دونه، هاتفة في شقاوة:
هو الصراحة مفيش دقة زيادة، هو في دقة نقص هتحصل فيك دلوقتي.
وأغلقت الباب عند وصوله راكضا في اتجاهها، لترتفع قهقهاتها من خلف الباب، وهو يهتف من الخارج:
افتحي يا بدور، افتحي وإلا..
هتفت تشاكسه:
وإلا إيه!! هتجيب البوليس، طب جيبه ياللاه، أنا مستنية يا ناصح.
لم تلق جوابا من الخارج، هتفت في توجس:
منتصر!! منتصر!!
لم يأتيها الرد، ما دفعها لتهم بفتح الباب ببطء حذر، لينتزعها منتصر من خلفها، مطوقا خصرها رافعها عن الأرض، مغلقا الباب قبل أن يفتح من الأساس، شهقت في صدمة، فقد جاء من الداخل لا الخارج كما كانت تتوقع، ما دفعه ليحملها ملقيا إياها على كتفه كالشوال، هاتفا في سخرية:
من شروط الاقتحام الجيد، معرفة كل منافذ الدخول والخروج يا حضرة الصول.
ألقى بها على الفراش، طالا عليها من عليائه، هامسا لها:
كنت ناوي أعلق لك أول دبورة بعد رجوعنا من شهر العسل، بس شكلي كده بعد الخيبة دي مش هينفع، إلا لو..
تطلعت نحوه تجذبه نحوها، تتعلق برقبته، هامسة في شقاوة:
إلا لو إيه!! أصل الدبورة دي تخصني، ومش هتنازل عنها أبدا مهما يكون، هي الدبابير بالساهل يا جدعان!
قهقه منتصر، متطلعا لعمق عينيها، هامسا في نبرة ماجنة:
إلا بقى دي، سبني احددها أنا يا حضرة الصول.
رفعت كفها بالتحية العسكرية، ليرد لها التحية، بشكل أكثر حميمية، على طريقته الخاصة جدا.
خفت صوت المعازف والطبول للفرقة التي كانت تتولى مسؤولية زفافهم حتى صعدا لحجرة نومهما، بذاك الفندق الراقي، والذي كان اختياره رغبته هو، ليبعدها عن أي تأثيرات خارجية إذا ما فكر البقاء الليلة ببيت والده، أو حتى بدار جدتها، وخاصة مع عودة منتصر وبدور.
توقفت أية أمام أعتاب الحجرة، تاركة إياه يغلق بابها خلفه، واضعا لافتة ممنوع الازعاج المكتوبة بالإنجليزية تاركا إياها على الباب من الخارج، حاولت أن تبتسم وهو يغمز لها وهو يضع اللافتة، لكنها لم تستطع لتوترها الشديد، فمهما كان ما تتوقعه منه، لكنه ما زال مجهولا لها رد فعله الحقيقي إذا ما رأى تلك التشوهات والندوب التي تغطي جانب جسدها الأيمن كله، ورغم كونهما زوجين بموجب عقد القران، منذ ما يزيد عن الشهر، لكنها حاولت قدر استطاعتها ألا تطلعه على ذاك الجانب مهما حدث، لدرجة أنها ظلت محتفظة بغطاء رأسها لم تنزعه ولو لمرة واحدة، والعجيب أنه لم يعترض أبدا.
ما أن أغلق الباب وخطى نحوها، إلا وكانت هي بوسط الغرفة، أبعد ما يكون عنه، اندفع نحوها هاتفا في مزاح:
لا، ما أنا ما صدقت، مش هنقضيها جري يا يويا.
هتفت في تعجب:
يويا!!
هتف مازحا:
إيه مدلعكيش! بلاش..
هتفت مبتسمة:
لا حلو والله، أي حاجة منك حلوة يا مروان.
أمسك بقلبه في حركة مسرحية، هاتفا بلهجة صعيدية مازحا:
اه يا جلبك يا مروان يا واد سيد الهواري، طب ما تحن بقى يا جميل!
هتفت بتردد وبنبرة مضطربة:
طب ممكن أدخل أغير هدومي.
تطلع نحوها مروان، وهمس متسائلا:
طب هو أنا ممكن أعمل حاجة قبل ما تغيري فستانك!!
هزت رأسها موافقة في تردد، ليتقدم نحوها في ثبات، تقف لا يفصلهما إلا بضع سنتيمترات، وانحنى نحو جبينها ملثما إياه في قبلة طويلة واعدة، جعلتها ترتجف في اضطراب، ليهمس في وجل، متطلعا لعيونها الدامغة تأثرا:
مبروك، بقالي شهور بحلم باللحظة دي، وأنتِ لابسة فستان الفرح قدامي، مكنش ينفع تعدي اللحظة دي من غير ما أحقق اللي نفسي فيه، بذمتك ينفع!!
هزت رأسها نفيا، ونكست رأسها حياء ولم تتحرك من موضعها قيد أنملة، همس باسمها، فتبهت رافعة رأسها متطلعة نحوه بأعين متسائلة، ليهمس:
مش هتغيري فستانك !!
همست بصوت متحشرج، محاولة أن تتحلى بكل الشجاعة التي تملكها، حينما همست:
لا، مش يمكن يكون نفسك في حاجة تاني!
همس بعشق وهو يقترب أكثر:
الصراحة نفسي.
ومد يديه تحاوطنها في شوق، يطبق عليها بين ذراعيه، متنهدا في راحة، وهمس بالقرب من مسامعها:
أية!
همهمت، ليستطرد في مجون:
أنا بقول تروحي تغيري الفستان أحسن! أنا حاسس إني حاضن عروسة البحور.
قهقهت وهي تتطلع لفستانها الذي كان بالفعل ثقيل، وجزءه العلوي ملىء بالأصداف واللالالىء..
تحركت في هوادة نحو الحمام، لتبدل ثبابها، ما دفعه ليهتف مازحا وهو يصفق في محاولة لتشجيعها:
ياللاه، بالحركة السريعة، ياللاه هوووب.
قهقهت وهي تغلق عليها باب الحمام، تاركة إياه بالغرفة وحيدا لبعض الوقت، ليبدل ثيابه بدوره، وما أن هلت عليه وقد أزاحت عنها غطاء رأسها، وارتدت قميصا من الحرير الأبيض وفوقه مئزره الحريري كذلك، حتى تطلع نحوها في صمت مقدس، لم يقطعه إلا بعد أن اتقرب منها وجلا، يمد كفا مرتعش، لتتخلل أصابعه خصلات شعرها الكستنائي المموج كبحر من الشيكولا، توقفت يده العابثة بالخصلات المسترسلة، خلف مؤخرة رأسها، لتقربها إليه في هوادة، ليهمس بالقرب منها، متطلعا لعيونها في شقاوة:
ليه كنتِ مخبية عني الجمال ده كله! لو كان قصدك تفاجئيني، فالصراحة أنا مش متفاجئ، لأني عارف إنك زي القمر من زمان.
ابتسمت في حياء ولم تعقب، مد كفه في ثبات ليفك رباط المئزر دافعا إياه عنها، لتشهق في وجع، وهي تحاول مداراة جزء كتفها ورقبتها الأيمن بيديها، حتى لا يرى ذاك الجسد الذي كان مصيبتها الكبرى، ومحطم أحلامها في أن تعيش كفتاة عادية، تهب الحب وتناله في ثقة.
تطلع نحوها وهي منكسة الرأس في خزي، وكفيها تحاول بشكل هستيري، أن تستر عورة الجسد المشوه المفتضحة أمام ناظريه، همس بصوت ثابت النبرة:
ارفعي راسك يا أية وبصيلي.
كتمت نحيب علق بغصة بحلقها كاتم أنفاسها، لتضطر أن تشهق بصوت عالي، شهقة قوية محملة بدموع الوجع وكسرة القلب، ما دفعه، ليحتويها بين ذراعيه في حنو، مقبلا هامتها، في تكرار محموم، في محاولة لتهدئتها، لتهمس من بين دموعها بحرف متقطعة:
مروان، أنا..
قاطعها هامسا وهو يعتصرها بين ذراعيه:
أنتِ عبيطة يا أية.
وانحدرت شفتاه نحو جانب رقبتها المصاب، وبدأ في تقبيله برقة، هامسا:
عبيطة ومش عارفة حاجة.
وامتدت قبلاته لتشمل جزء أخر من جانبها المصاب، وهو يستطرد في وله:
بس أنا ناوي أقول كل حاجة، ومش هخبي أي حاجة الليلة دي.
همست في اضطراب، وهي مأخوذة كليا بما يفعل:
هتقول إيه!
مد كفه، وجذبها خلفه في هوادة، ليجلس على طرف الفراش، جاذبا إياها لتسقط على حجره، ليطوق خصرها بذراعيه في عشق، وكأنه حاز الدنيا بين يديه، هامسا، وهو يرفع أحد أكفه ليداعب خصلات شعرها بأصابعه، مندرحا يرسم خطوطا بطول بشرتها المجعدة من جانبها العليل، لترتعش مغمضة عينيها للمساته، هامسا بصوت أ:
عارفة!
تنبهت متطلعة نحوه في انصات، ليستطرد بنفس النبرة الغارقة بالوجد:
عمر ما كان ظهورك فحياتي بالنسبة ليا، مجرد ظهور بنت حلوة اتعلق قلبي بها، لا.. ظهورك كان بالنسبة لي إشارة من ربنا، إن الفرج جاي، وإن الصبر اللي صبرته سنين مضعش هدر، وإنك هتكوني سبب في حاجة حلوة أنا كنت مستنيها وبحلم بها من سنين طويلة، تقدري تقولي يا أية إنك أمل وقع بين أيديا، ساعة ما كنت خلاص فقدت الأمل من أساسه.
انسابت دموعها في رقة، ليهمس ماجنا:
أنا بقول كفاية دموع بقى لحد كده، وخلينا فالمهم.
همس بابتسامة مضطربة:
وإيه المهم!
هتف في مجون، وهو يغمز بعينه:
وهو في أهم منك يا جميل.
وحملها من فوق حجره، نحو الفراش، هاتفا في نبرة مازحة:
دقت طبول الحرب، إلى الجهاااد.
قهقهت على أفعاله المجنونة، وقد اشتعلت المعركة حامية الوطيس، بين طرفين، كلاهما رفع بيارق الاستسلام، في ساحة العشق المقدسة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رضوى جاويش
فتح عيونه متطلعا نحو جدائلها التي تحاوط وسادته، رفعها صوب ناظريه وبدأ في العبث بها، مشاكسا إياها يملس على بشرتها بأطراف الجديلة، مستمعا في شقاوة لهمهماتها المعترضة، التي ما لبثت أن توقفت وهي ترفرف برموشها في تيه، حتى انجلت الرؤية، لتراه مسجى جوارها، مسندا جانب وجهه على باطن كفه، ليندفع الحياء لخدودها مكسبا اياهما لونا ورديا اضاف لحسنها حسنا، وهو يهمس في نبرة مشاغبة: صباح الخير بالليل يا عروسة.
تطلعت حولها لا تدرك كم الساعة، فستائر الغرفة كانت من النوع الذي يمنع دخول ضوء النهار ويعتم المكان بشكل كلي، ما دفعها لتسأل: هي الساعة كام!!
رفع شاشة الجوال أمام ناظريها وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، لتشهق آية في صدمة: الساعة ٥..
استطرد مكملا وقد اتسعت ابتسامته: المغرب .. لتفتكريها الفجر..
وعلا صوت ضحكاته، لتستطرد متعجبة: هو إحنا نمنا كل ده، طب وهو مفيش حد رن علينا ولا حتى خدمة الغرف!!
رد مؤكدا: أنا كنت قافل الموبيلات، وبعدين نسيتي اليافطة اللي تخزي العين اللي حطتها ع الباب بره، ممنووووع الازعاج..
اتسعت ابتسامتها ليستطرد مؤكدا في حزم: طب كنتي خلي حد يزعجنا! ده أنا كنت..
قاطعته باسمة تمازحه: قلبك ابيض يا أخ..
تطلع نحوها مدعيا الدهشة: أخ!! لا بعد الكلمة دي أنت محتاجة عملية إعادة تظبيط للمفاهيم يا يويا..
همت بالخروج من الفراش، ليجذبها نحوه لتجلس باحضانه، هامسا وهو يزيح عنها خصلات شعرها لما خلف أذنها، مؤكدا: أنا مين يا آية!
تطلعت نحوه وأجابت تمازحه: مش فاكرة! الأخ مروان على ما أعتقد..
دفع بها بعيدا عن حجره صارخا مدعيا الحنق وقد سقطت متمددة على ظهرها متطلعة نحوه بنظرة شقية: برضو الأخ!!
ثبت كفيها على جانبي وجهها متطلعا نحوها في عشق، مقتربا من مسامعها، أمرا في نبرة مأخوذة بجمالها: قولي حبيبي.
رفع رأسه ونشابكت نظراته الولهى بنظراتها المضطربة شوقا، وهمست بكل صدق العالم: أنت أبويا وأخويا وحبيبي وجوزي، أنت كل حاجة، وأغلى حاجة فدنيتي يا مروان.
ساد الصمت بينهما لبرهة، لترتخي كفاه عن أسر كفيها دافعا برأسه نحو أحضانها، لترفع يديها في هوادة، تضمه نحو روحها في عشق جارف، ليهمس بدوره: لو مكنتيش فحياتي، كان زمان مروان ميت، حتى ولو عايش، كان ميت بالحيا، أنت الروح اللي دبت فقلب مروان وخلته يتمنى يرجع للدنيا من تاني، بحبك.
دفع ذراعيه من تحت ظهرها، ليضمها إليه بدوره، ضمة كانت أشبه بضم الأرض المشتاقة، لبذور زرعتها، وماء ريتها، لتبدأ أزاهير الربيع.
***
علت الزغاريد متناقلة من نافذة لأخرى، بطول الحارة وعرضها، وذاك الصيوان الممتد من مدخلها حتى نهايتها يؤكد على مقدار الفرحة الذي كان يشمل كل بيت فيها، وخاصة أن الفرح لم يكن يخص عرس واحد بل عرسين في آن واحد .. اللحظة أتم المأذون عقد قران راضي على نعمة، وبدأت الزغاريد تنتشر هنا وهناك كحمائم بعرض سماء الحارة معلنة النبأ السعيد، بينما جلس نادر مرحبا بشعيل الذي قدم خصيصا من أجل أن يسلم ابنة خالته لعريسها، قبل أن يعود مسرعا من أجل أمه التي كانت مريضة ولم تستطع القيام برحلة الطائرة مرة أخرى، بعد أن جاءت من أجل عقد القران منذ مدة بسيطة، وكذا من أجل رُبى التي بكت لحسن خلال محادثة الفيديو حزنا لأنها لم تستطع المجي بصحبة شعيل لأنها تنتظر حدثا سعيدا وخاف شعيل عليها ركوب الطائرة وكذلك كي لا تترك حماتها وحيدة ومريضة دون من يرعاها.
عادت الزغاريد للانطلاق من جديد، مع رحيل المأذون، وبدأت فقرات الحفل، لكن راضي نهض بصحبة يونس بعد فترة بسيطة، مطالبا بالرحيل مع العروس لنجع الصالح، هز ناصر رأسه موافقا، وأشار لراضي أن ينتظره كي يحضر له عروسه ويرحل، صعد ناصر الدرج، وتنحنح مستأذنا النساء في رغبة العريس في الحصول على عروسه حتى يستطيعا السفر قبل أن يحل الظلام بشدة على الطريق، لتهتف شيماء في ذعر: بسرعة كده !! ده إحنا لسه مفرحناش بها..
هتف ناصر مؤكدا: عشان يلحقوا طريقهم، والجماعة هناك مستنينهم بزفة وفرح.. من حقهم يفرحوا برضو ..
انقلب المجلس لوصلة من البكاء ما أن أيقنت شيماء أن عليها توديع ابنتها وتركها لترحل مع زوجها، ضمتها لصدرها في قوة وبدء النحيب يعلو من كلتاهما، حتى حسن التي كانت تجلس بكامل زينتها شهقت في البكاء وهي تضم نعمة مودعة، لم ينقذ الموقف إلا تدخل نعمة الجدة بكل سطوتها رغم دموعها المكبوتة حزنا على فراق حفيدتها الأثيرة لقلبها، لكنها هتفت في حزم، جاذبة شيماء بعيدا عن نعمة، التي تعلقت بها من جديد: جرى إيه!! بقى ده يوم فرح ولا يوم بكا وحزن، بتك رايحة مع جوزها بلد بينا وبينهم كام ساعة مش رايحة أخر الدنيا، سبيها تروح مع جوزها وشها بيضحك وكله فرح مش باكية ومهمومة.
واستطردت موجهة حديثها للنساء، أمرا في حزم، وهي تجذب حفيدتها للخارج نحو باب الشقة حيث ينتظرها أبوها: ما تزغردوا يا نسوان، العروسة خارجة من بيت أبوها، يجعلها من اليوم ده ضيفة فيه، والسعد والهنا تعمر بيتها بيه.
تعالت الزغاريد، ونعمة تخرج من الباب، ليتلقفها ناصر، متطلعا إليها في سعادة غامرة، يحاول مدارة تلك الدموع التي قفزت لمآقيه بلا وعي حين أبصر صغيرته عروسا راحلة من داره حيث دار زوجها، اقترب منها في وجل، وطبع قبلة طويلة أودعها خالص محبته، وتناول كفها هابطا بها الدرج حتى إذا ما وصل نهايته، كان راضي هناك بانتظاره، ليضع ناصر ذاك الكف الرقيق بكف راضي الرجولية الضخمة، هاتفا به في رجاء حازم: خلي بالك منها يا راضي، عارف إنك راجل وهتصونها، وإلا والله ما كنت بعدت بنتي عني ولو كان مين.
أكد راضي ممتنا: أمانتك فرجبتي يا عمي، وعمري ما أفرط فيها أبدا.
ربت ناصر على كتف راضي في إكبار، وأشار إليه ليرحل مع زوجته، علق راضي كفها المرتجف بعضده، وخرجا جنبا لجنب من بيت أبيها، لتلتقي جدها المعلم خميس بانتظارها، انحنت تقبل كفه في إجلال، ليربت على رأسها في محبة وحنو، وضم راضي لصدره في سعادة، رابتا على ظهره في قوة، هامسا يوصيه بحفيدته، لتعلو الزغاريد، وتبدأ الزفة وأهل الحارة كلها خلفهما، حتى وصلا لسيارة يونس الذي جاء بها خصيصا لاصطحاب العروس وأخيه لنجع الصالح حيث كان ينتظرهما عرس آخر، قبل الذهاب لعشهما الزوجي.
دخلت نعمة العربة، ودار راضي ليكون جوارها، بينما يونس أمام مقود السيارة تجلس جواره سماح، التي جاءت بناء على طلبه، حتى تكون العنصر النسائي الموجود من العائلة والمرافق للعروس طوال الرحلة، خلاف تلك العربة التي ترافقهم، وبها حامد أبوه، وبعض من رجال العائلة، لتنحني أمها تضمها هامسة بها: يومين وهكون عندك، وهكون معاك على طول بالتليفون، مش هسيبك يا حبة عيني.
جذبها نادر برفق مبعدا إياها مازحا: كفاية نصايح يا شوشو وخلينا نسلم ع العروسة قبل ما تمشي.
انحنى نادر مقبلا جبين نعمة في محبة هامسا في نبرة متحشرجة تأثرا: بالسلامة، ابقوا طمنونا أول ما توصلوا، خلي بالك منها يا راضي، مش هوصيك.
هز راضي رأسه في طاعة، ليستطرد نادر وهو يسحب نفسه لخارج العربة مغلقا بابها، ملوحا: مع ألف سلامة، طريق السلامة.
تحركت العربة، ويونس يضغط نفيرها منغما إياه في سعادة، تلحقه العربات التي كانت ترافقهم، لخارج الحارة وكلها تعلو ابواقها طربا وفرحا بالعروس التي حصلوا عليها لولدهم راحلين نحو عشهما السعيد.
***
كان صوت البيانو يصلها من الأسفل وهي تتقلب بفراشها، لتتأكد أنه ليس جوارها، تطلعت للسقف شاردة وتاهت بذكرياتهما معا منذ لحظات لقائهما الأول وحتى اللحظة على انغام مقطوعة قصة حب التي تصلها من موضعها، فقد كانت تعلم أن حجرته الخاصة تقع بالضبط أسفل حجرة نومه، والتي أصبحت حجرتهما بعد زواجهما، تطلعت حولها لا تتخيل أن تلك الحجرة هي نفسها التي استيقظت بين جنباتها مذعورة بعد أن استفاقت من اغماءتها بسبب لدغة الثعبان بالاستراحة، فقد بدل فيها كثيرا بعد الحريق الذي طال هذا الجزء من البيت وغير معالمه بالكامل، والعجيب أنه اختار الألوان التي تروق لها رغم أنه لم يكن يعلم أنها تفضل تلك الألوان أو حتى هي جاءت على ذكر ذلك في حديثهما يوما!
ابتسمت وهي تمدد ذراعيها بعرض الفراش في أريحية لتنهض بعد برهة واضعة مئزرها وغطاء لشعرها الطويل الذي كانت تضمه اللحظة على هيئة كعكة خلف رأسها حتى لا ينفلت من أسفل حجابها القصير نسبيا، فتحت الشرفة وخرجت تتطلع إلى تلك الأرض التي قدمت إليها ولم تكن تدري أو حتى توقعت أن تكون محطتها الأخيرة التي رست بها سفينة قلبها، جالت عيونها فالاخضر المترامي الأطراف، وذاك الجبل البعيد الذي يلقي بهيبة على المكان ويصبغ الطباع بقساوة ظاهرية رغما عن صاحبها، ابتسمت حينما تذكرت كيف استقبلها رائف للمرة الأولى ما أن خطت قدماها عتبات هذا البيت، لكن ابتسامتها انقلبت شهقة مذعورة حينما همس رائف بالقرب من مسامعها: اللي واخد عقلك يا نوارتي!
هدأت وهي تستدير نصف استدارة تتطلع نحوه باسمة، ثم عادت تتطلع للمنظر أمامها هامسة: اللي واخد عقلي هو نفسه اللي واخد قلبي، لا ده ولا ده عرفوا يسلموا منه، ويهربوا بعيد.
جذبها محتضنا ظهرها، محيطا خصرها بذراعيه يقربها نحوه مسندا ذقنه على هامتها في رقة، هامسا في تساؤل ودود: وأنت كنت عايزة تهربي يا دكتورة!
أكدت متنهدة: حاولت ومقدرتش، في حاجات كل ما تحاول تهرب منها، تلاقيك بتجرب منها أكتر، زي الدوامة كده يا دكتور، سحبتك ولا يمكن تطلع منها أبدا.
همس مشاكسا: عارفها الدوامة دي، مش اغنية للصبوحة برضك!!
رفعت رأسها متطلعة نحوه في ابتسامة متوعدة، ما دفعه ليقهقه لنظراتها التي كانت ترمقه بها، وهي تهمس من بين أسنانها: أنت كمان بتدلعها!! مدلعش حد غيري لو سمحت!
انفجر ضاحكا من جديد مؤكدا: دي الشحرورة يا دكتورة!!
همست بحنق من جديد: أجوله مدلعهاش، يچيب لها اسم دلع تاني، لا ده أنت جاصدها يا دكتور!
همس يمسك كفها، يجذبها للداخل: تعالي طب بس چوه وأنا أصالحك!
جذبت كفها من كفه رافضة، هاتفة مدعية الحنق: لا، مش داخلة .. خلي الشحرورة تنفعك يا دكتور.
أعطته ظهرها من جديد. قهقه رائف وقد قرر مشاكستها لتدخل الحجرة عنوة، ما جعله ليمد كفه تحت غطاء رأسها لينفلت عقال شعرها مسدلا فوق ظهرها.
لشهق مندفعة للداخل.
ليتلقفها رائف بين ذراعيه هامسا في نبرة ماجنة وهو يزيح غطاء رأسها مخللا أصابعه بين خصلاته الشقية:
"الدكتور محدش ينفعه إلا نوارته وبس، ده أنا ما صدجت والدنيا ضحكت لي واديتني وشها الحلو."
ضمها نحو صدره مستطردا بهمس مشاغب بالقرب من مسامعها:
"هو أنت كنت بتتكلمي عن دوامة باين، صح؟"
رفعت رأسها، ليحني رأسه متطلعا بعمق عينيها هامسا بجدية:
"والله ما حد غيري اللي عاش فدوامة، وكان زماني عايش فيها لولا ظهورك عشان تنوري حياتي اللي كانت معتمة جبل ما تدخليها."
وهمس بمجون وهو يحملها بين ذراعيه:
"لكن دلوجت أنا عايز دوامة من نوع تاني."
تعلقت برقبته، تقربه نحوها وهو يضعها على الفراش برقة، لتهمس بسخرية:
"دوامة الشحرورة!"
همس وهو يضمها:
"لاه، دوامة نوارة وعشج نوارة، وبس."
غمرته بين ذراعيها لتنير مصابيح البهجة وقناديل المحبة بساحة صدره معلنة عن مولد العشق الأبدي الذي لا يموت.
*******************
تمنى الجميع له ليلة سعيدة، وصدحت الزغاريد من جديد وهو يدفع باب شقته، لتدخل نعمة وهو بأعقابها مغلقا إياه في هوادة.
تطلعت نعمة حولها، ليقترب منها بصوت حاول أن يجلي نبرته المتحشرجة:
"إيه رأيك يا عروسة! عچبتك الشقة! تعالي شوفي الباجي."
تحركت معه، وهو يضغط على زر إضاءة كل حجرة، لتتطلع بداخلها لبرهة، قبل أن تبتسم استحسانا. ليتوقفا أخيرا بالردهة الواسعة بعد أن أنهيا مشاهدة كل الغرف، إلا غرفة نومهما، التي أشار إليها في تردد، دافعا بابها مشيرا للداخل هامسا:
"ودي اوضة النوم، أوضتنا."
قال الكلمة الأخيرة في اضطراب، لتقترب هي في وجل لتدخل متطلعة نحو حوائطها واثاثها. ليهمس متسائلا:
"عچبتك!"
همست وهي تهز رأسها تأكيدا في استحسان. أشار نحو صينية الطعام، يحاول أن يفتح معاها أي حوار يمكن أن يذيب ذاك الجليد بينهما، والذي يستشعره اللحظة كجدار صلد يقف حائلا:
"مش هتاكلي لك لجمة!"
أجابت بلهجة واهنة لا تحمل شغف حروفها أو حماسها المعتاد:
"مليش نفس."
كان محقا فيما استشعره، وصدق حدسه بالفعل، فقد كانت نعمة تشعر بغصة بحلقها، فهي لم تكن تتوقع أن يكون الأمر صعبا بهذه الدرجة، وأن يكون انفصالها عن عائلتها وكل من احبتهم طوال حياتها، وكذا المنطقة التي ألفتها وعاشرت ناسها وحفظت عاداتها، قد يكون بهذه القسوة على نفسها. والأكثر من كل ذلك ذعرا، أن يكون من اختارته وتركت كل هؤلاء خلف ظهرها لأجل خاطره، ليس هو الشخص الغالي، الذي تضحي من أجله مثل هذه التضحية النفيسة.
لم تشعر إلا وهي تنفجر باكية رغم عنها، وقد سقط ذاك القناع الذي كانت تحاول ارتداؤه منذ غادرت الحارة.
تطلع راضي نحوها، وتقدم منها هامسا في نبرة متفهمة:
"أني عارف أنت حاسة بإيه دلوجت، صدجيني واعي إنها مش هينة عليك."
حاولت أن تكبح جماح دموعها، لكن نحيبها ازداد ضراوة ولا قبل لها على إيقاف طوفان الدموع الذي انهمر بلا سابق إنذار.
هم بالحديث، ليدق هاتفه، ما دفعه ليخرجه من جيبه في سبيله لغلقه، لكن يونس من كان يتصل. اندفع خارج الغرفة هامسا وهو يرد من بين أسنانه في حنق:
"إيه في!"
هتف يونس مشاكسا:
"مش فاضي، هااا!! وايه اللي خلاك ترد طيب!!"
وارتفعت قهقاته، ليزفر راضي في غيظ، هاتفا:
"كنت فاكر إن عندك دم، وهتتصل عشان حاچة عليها الجيمة."
قهقه يونس مؤكدا:
"لاه أني بارد وجلت اغلس عليك، واجولك تجفل موبايلك وموبايل العروسة عشان أمة لا إله إلا الله هتتصل بيكم تبارك، فريح روحك واجفله."
همس راضي:
"طب تمام هعمل كده."
أكد يونس في حنو:
"متنساش تاكل، الصينية عندكم فيها خيرات الله، كل وأكل عروستك وبالهنا والشفا على بدنكم، ياللاه أجول لك سلام يا عريسنا، ولو عزتوا حاچة إحنا فالخدمة، وربنا يهنيكم."
همس راضي في هدوء وكل باله مع تلك الباكية بالداخل والتي لم يهدأ نشيج بكائها ولو للحظة:
"تسلم يا يونس، سلام عليكم."
اندفع راضي من جديد لداخل الغرفة، ليراها منخرطة في بكاء جارف. ترك هاتفه جانبا، على الكومود جوار الفراش، واندفع نحو خزانة الملابس، باحثا عن غطاء للفراش أكثر تدفئة، فقد استشعر أن الجو بارد بعض الشئ. وجده أخيرا، حاملا إياه بين كفيه، هامسا في نبرة حاول أن تكون أكثر ثباتا:
"بصي، أنا عمري ما هرغمك على حاچة أنت مش مستعدة ليها، عشان كده بجولك خدي راحتك، جومي غيري هدومك، وارتاحي يا نعمة، النهاردة كان طويل جوي، ومتعب عليك، وعلى نفسك، أنا بالأوضة اللي چارك لو احتچتي حاچة نادمي عليا، تصبحي على خير."
اندفع مهرولا، حاملا الغطاء لخارج الغرفة، تاركا إياها تبرأ قليلا من ذاك الوجع الذي يسربل روحها لفراق أحبابها وانتزاعها من بينهم هكذا بغتة.
**************
دخلت إلى حجرتهما اخيرا، لتتنهد سماح بعد ذاك اليوم الطويل الشاق في راحة. فقد انتهى على خير، وعلى افضل ما يكون، وقد تركا لتوهما العروسين بشقتهما بالأعلى، داعين من الله أن يتم عليهما فرحتهما.
دخل يونس الحجرة بعد أن رص السيارة بموضع مناسب واتصل مشاكسا راضي، مغلقا الباب خلفه، مقتربا منها في فرحة، يغمرها بين ذراعيه هامسا في مجون مازح، مقلدا إحدى المسرحيات الكوميدية:
"فاكر ليلة دخلتنا يا حسبو!"
قهقهت سماح مجيبة إياه بمقطع من فيلم شهير:
"ودي ليلة تتنسي برضك، دي كانت ليلة يا عمدة."
ضمها إليه أكثر متطلعا نحو عينيها يرقص حواجبه في مشاكسة:
"طب إيه!! مغرتيش من العرسان! ما تيچي نعيد الذي مضى يا چميل!"
وما أن أقترب منها ملثما، حتى دفعت به عنها وقد شعرت بالغثيان، راغبة في إفراغ معدتها.
تعجب من فعلتها مقتربا من جديد، لتفرغ بالفعل بعض من محتويات معدتها على جلبابه، هتف في نبرة قلقة:
"إيه في! باين مخمضة العربية تعبتك!"
دنا منها، لتعيد معدتها الكرة، لكن هذه المرة على ردائها الحريري الذي لم تكن قد خلعته بعد، فهي بالكاد من أثر الارهاق. خلعت عنها غطاء رأسها، ليهتف من جديد:
"يا خبر، شكلك خدتي برد فمعدتك، تعالى معايا ع الحمام."
همست في وهن:
"لاه، متتعبش روحك، أني تمام، بس سندني ع الحمام عشان اغير هدومي."
أوصلها للحمام، مجلسا إياها على المرحاض المغلق، متخذه مقعدا. غاب لبرهة وعاد مهرولا، وقد نزع عنه جلبابه القذر، دافعا به على المغسلة القريبة، ووضع على الشجب خلف الباب، ملابسها النضيفة.
مد كفه دافعا سحاب ردائها، لتهمس به في نبرة ضعيفة:
"روح يا يونس ارتاح، وأني هشوف حالي."
همس مؤكدا يحاول المزاح مخففا عنها رغم قلقه:
"أروح فين! ده أني مستني اللحظة التاريخية دي من زمن."
اتسعت ابتسامتها الواهنة، وهو يخلع عنها ردائها، دافعا بها في هوادة نحو المغطس الذي كان قد امتلأ قليلا ببعض الماء الدافئ والصابون المنعش الرائحة.
تمددت بالمغطس في بطء، وتنهدت في راحة وهي تسند رأسها على حافته الباردة خلفها. اتكأ يونس جالسا على طرف المغطس الرخامي، وبدأ في رفع بعض الماء بكفه، يملس به على وجهها الشاحب، هامسا بصوت يحمل نبرة حاول أن يكسوها مرحا، مقلدا عثمان، أشهر من قدم دور الخادم فالسينما المصرية:
"أي خدمة تاني يا ست هانم!"
ابتسمت ابتسامتها الشاحبة، ولم تستطع أن تجاريه في مزاحه، ما دفعه ليقف هاتفا:
"لاه كده أنت فيك حاچة مش تمام، أني هنزل أصحي أمك تاچي تجعد معاكي لحد ما أچيب دكتور."
هم بالمغادرة، لتمد كفها متعلقة بكفه، تهز رأسها الذي يكتنفه الدوار بصعوبة رفضا، وهي تهمس في وهن:
"ملوش عازة، أني عارفة اللي بيا يا يونس."
عاد ليجلس موضعه على حافة المغطس في هوادة، متطلعا نحوها في اضطراب، متسائلا في لهفة:
"إيه في!"
همست مبتسمة في شحوب:
"أني حامل."
تطلع نحوها كالمشدوه، وقد عقد الخبر لسانه عن التفوه بحرف. وأخيرا ما أن وجد حروف الأبجدية الضائعة، حتى همس بصوت متحشرج تأثرا:
"من ميتا!"
همست:
"عرفت من كام يوم، وكشفت واتأكدت، بس حلفت أمي متجلكش عشان كنت عارفة إنك هتخاف تاخدني معاك على مصر عشان فرح راضي، والدنيا هتتكركب هنا وهناك عند أهلك، لأنهم كانوا عاملين إني شايلة أني وأمي الدار هنا وأمك ودعاء الدار هناك، ودي أيام فرح والكل ملهي."
واستطردت متطلعة نحوه، وقد مدت كفها تربت على خده في حنو:
"متجلجكش أني شديدة، وياما دجت ع الراس طبول."
ظل يتطلع نحوها، بنظرة لم تستطع تفسيرها. وأخيرا نهض من موضعه جاذبا ذاك البشكير الضخم من على المشجب، خلف الباب، ناشرا إياه بعرض ذراعيه، لتنهض من موضعها ليلفه حول جسدها في رقة قبل أن يحملها لخارج الحمام حتى وضعها بفراشهما، دثرها واندس جوارها ضاما إياها بين ذراعيه، وظل يقبل جبينها بين لحظة وأخرى، يهمس شاكرا لله، لا يصدق أنه سيصبح أبا، متطلعا نحوها في حنو لبرهة، هامسا بالقرب من مسامعها، وهو يدفن وجهه بعنقها:
"مبروك."
التصقت به ردا على كلمته الهامسة، وما هي إلا لحظات حتى غرقت بين ذراعيه في سبات عميق، ليتنهد يونس في راحة، وهو يضمها إليه وقطعة منه تحملها باحشائها ينتظرها بشوق لم يكن يتوقع أن يكون بهذه اللهفة الفياضة.
****************
كان صوت الصخب واصداء الزغاريد المترامية بأطراف الحارة من هنا وهناك تصل لمسامعهم ما أن دلفا سويا لشقتهما، التي كانت يوما ما شقة أبويه، وعاشا بها الكثير من ايام الفرح والهناء.
اندفعت مبتعدة ما أغلق الباب خلفهما، ليتطلع نادر إليها في تعجب، هاتفا في دهشة:
"مالك يا حسن! هو عرق الحنان طفح عليكي ولا إيه!"
كانت تقف متحفزة فوق إحدى الأرائك الفاخرة المتناثرة بالردهة الواسعة، هاتفة بنبرة حازمة:
"كويس إنك قلت إني مجنونة، يعني افعالي لا يحاسب عليها القانون، اديني نبهتك."
هتف نادر مشاغبا:
"انت متعرفيش ولا إيه! ده أنا بموت فالمجانين، ياللاه بقى جنان بجنان."
قال كلمته الأخيرة، وهو يدفع بسترة بدلته السوداء الفاخرة جانبا، بطول ذراعه، قافزا جانبها على الأريكة، ليصبحا وجها لوجه.
انحنت حسن تحمل ذيل فستانها تلفه حول ساعدها، هاتفة تحذره:
"عارف يا نادر يا بن نعمة لو قربت مني هعمل إيه!"
هز حاجبيه مشاغبا:
"احب اعرف هتعملي إيه يا جميل!"
عشان نبقى على نور من أولها.
هتفت وهي تقفز على أحد المقاعد المجاورة: هصرخ وألم عليك الحارة كلها.
قهقه نادر واندفع يقفز ليصبح معها مشاركا للمقعد مطبقا عليها بذراعيه: صوتي، هتقوليلهم إيه! جوزي بيتحرش بيا.
هتفت تدفع كفيه عن خصرها الذي تشبث به بقوة: بقولك إيه يا بن عم ناصر، شيل ايدك لحسن والنعمة هتاخد علقة بعمرك.
قهقه وهو يجذبها إليه أكثر، هاتفا في سخرية: ليه! أنت فكراني واحد من العيال الخيخة اللي كنتي بتضربيهم فقلب الحارة!! تعاااالي..
نزل عن المقعد دافعا جسدها عنوة، حاملا إياها فوق كتفه، لتحاول الخلاص منه هاتفة في حنق وهي تضرب ظهره بكلتا يديها: نزلني وإلا هتشوف اللي عمرك ما شفته.
كان قد وصل لحجرتهما فدفع بابها، مسقطا إياها على الفراش، هاتفا في مجون: يا عيني، طب ما أنا عايز اشوف اللي عمره ما شفته.
قفز مازحا ليستقر جوارها، أسر خصرها بذراعه، هاتفا في مشاغبة: هااا وريني.
هتفت به في تيه كالبلهاء: أوريك إيه! أنت كنت عاقل! انت اتجننت رسمي وعهد الله.
اقترب وهو يتطلع لعيونها الواسعة الكحيلة، والتي غرق في خضم اضطرابها اللذيذ الذي يطل من نظراتهما اللحظة، وهو يهمس لها بهذه النبرة التي ذوبتها حرفيا: وهو حد يعرفك ويفضل عاقل يا ست الحسن والدلال!
لم تنبس بحرف وهو يجذب عنها حجابها وترحتها بعيدا، متطلعا لجدال شعرها الأسود الابنوسي، التي انتشرت حولها كأشعة شمس ليلية، هامسا بصوت أرهف: من أد إيه مشفتش شعرك، كام، عشر سنين!! أخر مرة شوفته فيها مكنش بالطول ده! كان يا دوب لامس كتافك.
همست في دهشة: أنت لسه فاكر!
همس وهو يضم الخصلات بباطن كفه، مؤكدا بنبرة عاشقة: فاكر إيه! هو أنا كنت نسيت عشان افتكر! حد ينسى أيام عمره يا حسن! أنت كنت العمر اللي فات، مفيش ذكرى مكنتيش فيها، بحلوها ومرها، وهتبقى العمر اللي جاي، بكل اللي فيه، يا ست الحسن.
همست مشدوهة، باسمه في أحرف مرتجفة: نادر!
كان ارتجاف أحرف اسمه، بهذه الطريقة الساحرة، كفيلا أن ينسيه العالم، ليهمس ملبيا دعوتها: عيون نادر وروحه، يا ست الحسن.
لتجد ست الحسن، كل الدلال، بين ذراعي أميرها النادر، بعد أيام طوال من الأوجاع التي طيبها قربه أخيرا.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رضوى جاويش
وضع يده على مقبض الباب للحجرة المجاورة لحجرتها، وما أن هم بفتح الباب، حتى ترك المقبض متنهدًا، وسار نحو تلك الأريكة الأقرب لحجرتها. فلم يكن باستطاعته تركها وحيدة، وما كان بمقدوره مشاركتها الحجرة، فقد كان هذا أمرًا فوق احتماله. لقد حلم بهذه الليلة طويلاً، وما كان يتوقع أن تتحول لهذا الشكل، لكنه يلتمس لها ألف عذر. صعوبة إحساسها بانتزاعها من بيت أهلها فجأة، أثر عليها كثيرًا. هناك أمور يعتقد الإنسان أنه قادر على مواجهتها بسلاسة كبيرة، لكن ما أن تقع ويصبح في خضمها، يجد نفسه أضعف مما كان يتوقع. حتى أنه يتعجب من رد فعله الهشة تجاه أمر كان يحسبه هيناً. وهذا ما حدث معها على ما يبدو.
تنهد وهو يخلع عنه سترة بدلته، يتمدد على الأريكة، متلحفًا بغطائه. حاول أن يغفو قليلاً، لكن كيف له النوم وتلك التي حرمته النوم، سواء قريبة أو بعيدة، تقبع ها هنا، لا يفصله عنها إلا حائط واحد، وهي حلاله، خالصة له. فأي نوم ذاك الذي قد يزور جفنه، وهو يتقلب على الجمر رغبة في قربها الذي اشتاق له حد المعاناة.
تطلع نحو ساعة الحائط بالجدار المقابل، على ضوء الردهة الذي يظهر موضع عقاربها التي كانت تنهش صبره، كوحوش ضارية بلا رحمة. زفر في حنق، دافعًا الغطاء الذي ما كان به رغبة، فتلك النيران المستعرة بحشاه، كفيلة بجعله يستشعر حرارة أغسطس في عز برد يناير.
جلس مسندًا جبينه المتعرق بين كفيه المتشابكين، لكنه تسمر موضعه رافعًا رأسه نحو باب حجرتهما، عندما سمعه يفتح لتخرج هي في حذر نحو الحمام، بذاك القميص الأبيض الحريري، يرفرف خلفها مئزره الشيفون كما رفرف قلبه خلفها. وكأنها تختبر صبره من جديد، كما اختبرته بالداخل وهي تبكي فراق أهلها قهراً. هل تعرف كيف قاوم تلك الرغبة القاهرة لاعتصارها بين ذراعيه شفقة وشوقًا، لكنه كان يعرف حدود نفسه وقدرته على التوقف المعدومة إذا ما ضمها إلى صدره. وساعتها رغماً عنه، سيطالبه جسده بتلبية احتياجه منها شوقًا لا شفقة. وقتها ستكون هي ضحية عدم صبره مضافًا إليها وجعها على فراق الأهل. لذا ما أن جاءته مكالمة يونس منجية له، في وقتها المناسب وكأن رحمة الله نزلت بوقتها، لينتزع نفسه خارج الغرفة، حتى إذا ما دخل للمرة الثانية لانتزاع الغطاء والخروج، لم يلبث إلا هنيهة حاول أن يطمئنها خلالها وهو لا يعلم هل أفلحت كلماته في بث بعض السلوى بنفسها أم لا. فهو لم يكن يومًا بماهرًا في الكلمات. ابتسم في سخرية اللحظة، هامسًا لنفسه بخيبة أمل: ولا شكلك نافع في فعل، يا خيبتك يا راضي.
لحظات وخرجت من الحمام، تسير الهوينى نحو غرفتهما، لا تدرك أنه ما بين ذهابها وإيابها أمام ناظريه في ذاك الركن الخفي المظلم، جلس هو يشتعل رغبة.
تنهد ما أن أغلقت الباب خلفها، ونهض في هوادة في اتجاه الحمام بدوره. دخل نازعًا ملابسه يضع جسده أسفل الماء البارد رغم برودة الجو قليلاً، لكنه لم يكترث فكل ما كان يلزمه اللحظة هو إطفاء أو حتى إخماد بعض من تلك النيران التي تستعر بشرايينه. لا يعلم كم طال وهو بالداخل فحين خرج كان أذان الفجر قد اقترب وقته. مد مصلاه أرضًا، وبدأ في الصلاة، لعلها المنجية من تلك الأفكار والخواطر التي تعبث به منذ ساعات ولا قبل له على ردها. لكن في قلب الصلاة، سمع صوت تنبيه هاتفه، فانتفض منهيًا صلاته، مندفعًا نحو الحجرة وقد تذكر أنه نسي هاتفه هناك بعد مكالمة يونس، ولم يأخذه معه حين كان يبحث عن غطاء، حتى يلتهي بالبحث عنها.
دفع الباب في حرص، يفكر في الهرولة نحو الهاتف، رغبة في إغلاقه، قبل أن يوقظها صوته، ليجدها قد استيقظت بالفعل، ممسكة بالهاتف تحاول إيقاف التنبيه.
تسمر موضعه، يتطلع نحوها في اضطراب، هاتفًا في أحرف ثابتة ظاهريًا: معلش نسيت التليفون هنا وصحاكي!
مدت له يدها بالهاتف، ليوقف التنبيه بشكل نهائي بعد أن عاود الرنين من جديد، هامسة: ولا يهمك، أنا أصلاً ما كنتش نايمة، غفلت شوية من التعب، بس معرفتش أنام تاني بعد ما صحيت.
كانت عيونه بكل موضع إلا السقوط على محياها المرمري المتكئ على الوسادة خلفها، والممتد بشكل مغرٍ على الفراش.
صدح آذان الفجر من المسجد القريب، ليرد مكبرًا في إجلال. وما أن هم بمغادرة الغرفة للصلاة، إلا وهتفت نعمة تستوقفه: هتصلي! استنى عشان أصلي معاك.
ابتسم مؤكدًا: يا ريت، تعالي، أنا فارش المصلية بره فالصالة.
نهضت تسير من أمامه في اتجاه خزانة الملابس، مؤكدة: لا خلينا هنا فالأوضة، هات المصلية عقبال ما ألبس الإسدال.
هز رأسه في طاعة، واندفع مهرولاً مبتعدًا عن محياها، حتى أنه اندفع للحمام أولاً يجدد وضوءه على الرغم أنه لم ينقضه، لكن رؤياها بهيئتها المغوية تلك، تنسي العابد فرضه. أخذ المصلى ودخل للحجرة فردها وكبر للصلاة وهي من ورائه.
أنهى الصلاة التي لا يعلم كيف بدأها ولا كيف ختمها، فهي خلفه تصدر ذبذبات تثير قلبه وتجعل نبضاته تتضاعف بشكل لا إرادي.
همست وهو يوليها ظهره يتظاهر بالالتهام في التسبيح على أطراف أصابعه: راضي، أنا آسفة.
انتفض مستديرًا لها بكليته، هاتفًا في تعجب: آسفة ده إيه! ليه كده!
حنت رأسها في حياء، هامسة بأحرف مضطربة: عشان العياط والزعل اللي المفروض مكنش يعني.. بس والله كان غصب عني.. أنا مش عارفة.. كنت فاكرة..
هتف مبتسمًا يقاطعها: كنت فاكرة إن عادي تفارقي أهلك، بس لما جه الوقت، حسيتي إن الموضوع صعب، صح!
هزت رأسها متطلعة نحوه هامسة في تعجب: أيوه صح.. كنت خايفة تكون زعلان عشان..
هز رأسه نافيًا، وهمس متطلعًا نحوها في عشق فاضح: عمري ما أزعل منك يا نعمة، وأنا بوعدك قدام ربنا، إني هكون لك كل أهلك، وعمرك ما هتحسي بغربة أبداً، ويوم ما تقوليلي عايزة أروح لأهلي توحشتهم، فساعتها هتلاقي عربية مخصوص خدتك من قدام باب الدار لهناك، ده إن مجدرتش أوصلك بنفسي، أنتِ أمانة عمي ناصر، وأني متعودتش أفرط في الأمانة، وخصوصي لو غالية كيفك يا نعمة، ده أنتِ نعمة..
أمسكت دموعها، فلا رغبة لها في ذرف المزيد من الدموع، هامسة في تعجب: وبتقول ما بتعرفش تقول كلام حلو يا راضي، ده أنت غلبتني!
ابتسم مؤكدًا: لاه، متطمعيش، دول بس كانوا كلمتين محشورين في زوري من أول الليل كان نفسي أقولهم.
همست في دلال متسائلة: وإيه اللي منعك!
واستطردت مدعية الحزن: عياطي صح!
هز رأسه نافيًا، هامسًا في اضطراب، يستشعر أنه وقع في الفخ: لاه، مش عياطك، أصل.. يعني.. مكنتش..
نهضت نعمة وهو ما زال يتلجلج في أحرفه، نافضة إسدال الصلاة عنها، لتجلس من جديد، متطلعة نحوه، تدفعه للحديث مبتسمة: مكنتش إيه!
تطلع نحوها، وما عاد يطق صبرًا، فاندفع حاملاً إياها، مهرولًا نحو الفراش، لتشهق نعمة في صدمة: راضي!
همس وهو يطوقها بين ذراعيه، يعتصرها شوقًا، مؤكدًا: راضي جاوبك خلاص، مكنتش قادر أجرب، عشان لو جربت، مكنتش هجدر أبعد أبداً.
دفن وجهه بنحرها، وهو يضم خصرها بكلتا ذراعيه في تملك، لتهمس هي في دلال: أوعى تبعد يا راضي، قربك بيونس نعمة يا روح نعمة.
وكما هي العادة، كان رده عن همسها العذب ذاك، بلا كلمات منتقاة، أو غزل صريح لا يجيده، لكنها وهي بين ذراعيه علمت، أنه قادر تمامًا على ترجمة كل معاني العشق التي لا تصاغ بكلمات، في ضمة لأحضانه الآمنة.
***
أطلقت شيماء مجموعة من الزغاريد المتعاقبة وهو تحمل صينية الإفطار أمام باب شقة ولدها البكر، الذي نهض في هوادة في اتجاه الباب، الذي جذب ضلفتيه، ليساعد أمه على الدخول بحملها، قبل أن يحملها عنها واضعًا إياها على أقرب طاولة، لتتلقفه بين ذراعيها تربت على كتفه في سعادة بالغة وهي تهتف في محبة: الف مليون مبروك يا حبيبي، صباحية مباركة يا عريس.
ابتسم نادر هاتفًا: الله يبارك فيك يا شوشو.
طفقت الدموع بعينيها هاتفة: ياما كان نفسي أزور أختك فصبحيتها وأطمن عليها، بس جوزها اللي حكم إن الدخلة تبقى فبلادهم.
هتف نادر وهو يقبل رأسها ترضية لها: حقه يا أم نادر، عروسته وهو حر فيها، ادعيلهم بس ربنا يهنيهم.
هتفت شيماء متضرعة: يا رب يهنيكم كلكم، ويرزقكم الذرية الصالحة، بس هو فين عروستك، لسه مصحيتش!
همست شيماء بكلماتها الأخيرة بنبرة مازحة، تعلو ضحكاتها مجلجلة، وهي تضرب على صدر ولدها في مزاح، ما دفعه ليهمس بها في مرح: أموت فيك وانت شقي يا شوشو.
لتظهر حُسن على أعتاب الردهة هامسة في حياء: صباح الخير.
قابلتها شيماء بوصلة من الزغاريد المتعاقبة، تحية لظهور العروس، متلقفة إياها بين ذراعيها، تضمها في حنو، هاتفة في محبة: ألف مبروك يا حُسن، صباحية مباركة يا ست العرايس.
هتفت حُسن في حياء: الله يبارك فيكِ.
هتفت شيماء وهي تندفع نحو الباب راحلة: اسيبكم تفطروا بالهنا، وأروح أطمن على نعمة، اللي قافلة تليفونها ده.
واستطردت في حنق: تلاقيه راضي بن.. هي أمه اسمها إيه، اه، راضي بن عيشة قافل التليفونات ومش مخلينا نطمن عليها.
هتف نادر مازحًا: يا ويلك يا راضي، شوشو بدأت شغل الحموات، استلقى وعدك يا صعيدي.
قهقهت شيماء، وهي تغلق الباب خلفها في اتجاه الأسفل، تاركة إياه مع عروسه، التي تطلعت نحوه مبتسمة، ما دفعه ليتقدم نحوها هامسًا في مزاح: إزيك يا واد يا حسن عامل إيه!!
همست في دلال تتصنع الحنق: حسن!
ضم خصرها بكفيه هامسًا: ده كان اسمك زمان، نسيتي، ولا إيه!
همست في شجن، وهي تضع كفيها مفرودتين على صدره: أيوه، كنت تقولي يا حسن وتضحك عيال الحارة عليا.
ضمها إليه أكثر، وهو يتطلع لعمق عينيها: كنت بعملها بالقصد! عشان تبكي وأروح أشتريلك العسلية اللي بتحبيها، وأجي أصالحك، صباحية مباركة يا حسن.
قبل جبينها في عشق، فأحنت رأسها حياء، تتذكر ما كان يفعل، لا تصدق أنه كان يفعلها عامدًا من أجل مشاكستها، واسندت جبينها على صدره، لا تصدق أنه كان يحبها منذ ذاك الزمن البعيد تاركًا إياها تتعذب بهواه، معتقدة أنه لا يدرك مقدار عشقه الذي كان يشقيها.
قبل هامتها، هامسًا في مزاح: العريس جعان على فكرة، مش هناكل ولا إيه!
تقدمت معه نحو المائدة، وتطلعا للصينية العامرة، وما أن همت بالجلوس إلا وجذبها لتسقط جالسة على حجره، هامسًا في مزاح: مكانك هنا يا حُسن.
ابتسمت مؤكدة: الحمد لله، رجعت حُسن مش حسن.
ومدت كفها تطعمه في سعادة، ليهتف وفمه به بعض الطعام مشاكسًا: مش عايزة تبقي حسن وأجيب لك عسلية.
استدارت قليلاً، هامسة بنبرة تحمل عشق الدنيا: ابقي زي ما ابقي، مبقاش فارق يا نادر، هعوز إيه تاني وأنا ربنا رزقني محبتك!
نهض فجأة حاملاً إياها بين ذراعيه، هامسًا في عشق: بحبك يا ست الحسن والدلال. تعلقت في طمأنينة بعنقه، داسة جبينها ما كتفه وعنقه، رغبة في أمان، أدركت أين يكون ملاذ جبينها، حين تبحث عنه.
***
اندفعت سندس نحو هاتفها الذي بدأ يرن من جديد، بعد أن توقف رنينه السابق، لتعلم أن الأمر ملح. نظرت فوجدت اسم ابنتها سهام، التي ما أن همت بالرد عليها، حتى صرخت في ابنتها على الجانب الآخر: ماما، إلحقيني ع المستشفى، أنا تعبانة قوي وشكلي بولد.
هتفت سندس في اضطراب: إيه! طيب حاضر، حالًا اهو هنحصلك مع أخوكي وأبوكي، بالسلامة يا حبيبتي، أهدي حاضر.
أغلقت الهاتف، وهي لا تعلم إلى أين تذهب من شدة توترها، تطلعت نحوها سهام حماتها، هاتفة في تعجب: مالك يا سندس!؟ عاملة زي اللي غرق غيطه ليه كده يا بتي!
هتفت سندس وهي تحاول أن تجمع نمرة باسل على الهاتف لتخبره: سهام بتولد يا عمتي، واديني بقول لأبوها عشان يلحقنا ع المستشفى.
بدأت في الرنين، لكن باسل ألغى الرد، لا تعرف لماذا، لذا بدأت في النداء على سمير، الذي هرول صارخًا نحو الدرج الفاصل بين الطابقين هاتفا في اضطراب: سمية شكلها بتولد يا ماما! ألحقي بلغي أمها.
ضربت سندس بكفها على رأسها في صدمة: أهي كملت، هنلاحق على مين ولا مين!!
قهقهت سهام الجدة هاتفة في مرح، وصرخات سمية وتوجعاتها تأتيهم من شقتها: ما يبجوش الهوارية والتهامية لو معملوش كده! أني فاكرة نفس الحكاية حصلت معايا ومع أمك، يوم ولادة أخوكي ماجد وبتي تسبيح، وكانت ليلة.
وعلت قهقهاتها من جديد مؤكدة: هتخدوني معاكم يا سندس، اعملي حسابك على كده.
عاودت سندس الدق على هاتف باسل في حنق، هاتفة لعمتها: تروحي فين بس يا عمتي! هو إحنا رايحين الجنينة، انت مش بترد ليه يا باسل!
هتفت سهام في عناد: لاه هروح، عشان أشيل واد سمير وواد سهام، أشيل عيال أحفادي لجل ما أكيد عاصم أخويا، أقوله أني أشجع منه، شيلت عيال أحفادي وهو لاه، زهرة لسه جالها كام شهر على الولادة، يبقى سبقه.
لترتفع قهقهاتها من جديد، مع همسات سندس الخانقة: أخويا هايص وأنا لايص، ده وقته يا عمتي، جال تكيد أبويا! الرحمة من عندك يا رب.
عاودت الرن من جديد، وسمير كان قد حمل سمية ليهبط بها الدرج أخيرًا، ومنه للسيارة، حتى وصل باسل أخيرًا الذي بادرته سندس متعجبة: كنت فين يا باسل! العيال بتولد!؟
تطلع نحوها باسل، هاتفا في تعجب: العيال!؟ مين!؟
أشار لسيارة سمير، الذي صرخ بهما، ليركبا في عجالة، لنخبره أن سهام كذلك سبقتهم للمشفى، وطمأنته أنها تركت إحدى السيدات مع سهام بالدار حتى لا تبقى وحيدة حتى عودتهم سالمين.
***
تنهد مبتعدًا عنها قليلاً، ليتمدد جوارها لبرهة، قبل أن يعاود التطلع نحوها، مادًا أصابعه مبعدًا غرتها الكستنائية عن جبينها المندى بحبات العرق، مقبلًا إياه في امتنان، هامسًا بالقرب من مسامعها: مبروك يا عروسة.
اندفعت تخبئ وجهها بأحضانه حياء، ليبتسم في سعادة وهو يضمها إليه في فرحة لا قبل له على التعبير عنها، ابتعد عنها قليلاً هامسًا: ثواني وراجع لك.
نهض راضي لخارج الغرفة، غاب لحظات، ثم عاد حاملاً صينية، وضعها أمامها على طرف الفراش، وجلس بدوره، هاتفًا في محبة، وهو يمد لها كوب العصير: اشربي ده، وكلي كل الحلويات دي.
اتسعت ابتسامتها وهي تتناول منه كوب العصير، ليستطرد مؤكدًا: أني عارف إنك بتحبي العصير والحلويات، مليت لك بهم التلاجة.
ومد كفه يفتح قالب كبير من الشيكولاتة، يدنيه لفمها، هامسًا: ودي الشيكولاتة اللي بتحبيها.
قضمت منها قطعة في رقة ذوبته، وارتشفت بعضًا من العصير، قبل أن تهمس متسائلة: طب وأنت مشربتش حاجة ليه!
ابتسم مؤكدًا في نبرة خجلى: لا ما أنا صبيت لك كباية، قلت أضمن حقك، وبعدين شربت بقية الإزازة.
قهقت نعمة في أريحية لأفعاله، لتعاود الحديث: طب أنت مش هتاكل حاجة!
أكد بإيماءة من رأسه، ليغيب لحظات ويعود حاملاً صينية الطعام التي كانت موضوعة جانبًا بالردهة الخارجية، واضعًا إياها على الفراش بينهما، ليجلس قبالتها يزيح غطاء الصينية العامرة، آمرًا إياها في لطف: هتأكلي معايا وإلا مش هاكل.
هزت رأسها في طاعة، رغم عدم رغبتها الفعلية في الطعام، ومدت كفها تطعمه ليتوقف متطلعًا نحوها، عيونه لا تحيد عنها، لا يصدق أن هذه الحورية الجالسة قبالته اللحظة أصبحت أخيرًا حلاله. مد كفيه يحتضن كفها التي كانت في طريقها لفمه بلقمة من طعامه المفضل، مقبلًا إياها في هيام، هامسًا: شبعت.
هتفت بصوت متحشرج تأثرًا: أنت لحقت!
همس متطلعًا نحوها باسمًا: اللقمة من كفك ببركة عشرة، يا نعمة.
غاب في محياها لبرهة، قبل أن ينتزع نفسه من تيه مشاعره، هاتفًا في تساؤل: هي الساعة تجلها كام دلوقتي!
أمسك بهاتفه، يفتحه متطلعًا للساعة مؤكدًا: الساعة بجت تمانية، زمان الأسطى ناصر بيفطر، تعالي أما نصبح عليهم.
اتسعت ابتسامتها في سعادة، وهو يحمل صينية الطعام بأحد أركان الغرفة، ليعاود الجلوس جوارها على الفراش، يضغط على اسم حماه، على شاشة الجوال، الذي بدأ في الرنين قليلاً، حتى هتف ناصر من الجانب الآخر، بنبرة مهللة: السلام عليكم، صباحية مباركة يا عربس، إيه بدري كده! إحنا نايمين يا عم مسطحين من تعب ليلة امبارح، العضمة كبرت باين!
قهقه راضي مؤكدًا: كلك شباب يا أسطى، ربنا يديك الصحة.
هتف ناصر بأحرف مترددة: البت نعمة عاملة إيه! وحشتني بسرعة بنت..
اتسعت ابتسامة راضي، هاتفا: اهي معاك اهي.
أعطى الهاتف لنعمة، الذي تناولته من كفه في اضطراب، ليخرج راضي من الغرفة، تاركًا لها المجال لتتحدث بأريحية مع أهلها، لترد في خجل: السلام عليكم، إزيك يا حاج ناصر.
هتف ناصر يزيح غصة بحلقه مدعيًا السعال الصباحي المعتاد له، قبل أن يتمالك نفسه هاتفا: إزيك يا عروسة! يا رب تكوني بخير!
همست نعمة مؤكدة: الحمد لله يا بابا كويسة قوي.
همس ناصر متضرعًا: يا رب دائمًا، الواد راضي ده ابن حلال صافي، خلي بالك منه.
دخلت شيماء للغرفة في تلك اللحظة قادمة من الحمام لتعاود النعاس من جديد، بعد أن صبحت على العرسان بالأعلى، وجهزت لهما فطورهما، لتهتف بناصر في تعجب: مين اللي ع التليفون!
وكأن قلبها كان دليلها، هاتفة به: أنت بتكلم نعمة!
هز رأسه مؤكدًا، لتختطف منه الهاتف، هاتفة في وحشة، وبصوت متحشرج، وقد سالت دموعها شوقًا: إزيك يا نعمة! أنت كويسة يا نن عين أمك!
هتفت نعمة وقد سالت دموعها بالمثل: والله كويسة يا ماما، وزي الفل كمان، انتوا بس وحشتوني بسرعة قوي.
هتفت شيماء في شجن: على عيني يا حبة عيني أسيبك تروحي لوحدك، بس كان مين هياخد باله من أخوكي وعروسته الوحدانية دي، وكمان ينتبه لأبوكي وجدك وستك!؟ لكن أنا جايلك، يومين كده وهاجي تكونوا ارتحتوا، أنتِ كويسة يا نعمة!؟
عاودت شيماء السؤال من جديد من قلب أم، لن تصدق أي إجابة حتى ترى فلذة كبدها بعينيها، لترد نعمة في خجل: والله كويسة يا ماما، وراضي حنين قوي، ومش مخليني محتاجة حاجة، عارفة! لقيته مالي التلاجة عصير وشيكولاتة، عارفني بحبهم.
هتفت شيماء مؤكدة: راضي راجل ابن حلال، وهو لولا كده كنا وافقنا عليه وغربناكي بعيد عنا، بس كلي يا نعمة، كلي كويس يا بت، سيبك من العصير والكلام الفاضي ده، اتقوتي يا بت، وأكلي جوزك، ده عربس، إحنا باعتين معاكي شيء وشويات، ولسه هجيب لك الحلو كله وأنا جاية لك.
اتسعت ابتسامة نعمة لنصائح أمها، هاتفة في طاعة: حاضر يا ماما، من عينيَّ.
هتفت شيماء متسائلة: لسه فين! اديهوني أصبح عليه.
هتفت نعمة باسمة: والله يا ماما أول ما سلم على بابا، اداني التليفون وخرج بره الأوضة، عشان يسبني أتكلم براحتي معاكم.
هتفت شيماء في إكبار: والله ابن أصول وبيفهم فالأصول، ربنا يهنيكم يا حبيبتي يا رب ويرزقكم الذرية الصالحة.
هتفت نعمة: ازي جدي وستي، وحشوني، ونادر وحسن عاملين إيه!؟
هتفت شيماء: كلهم بخير، ونادر وحسن لسه نازلة من عندهم، غرقانين فالعسل.
وأطلقت ضحكة مجلجلة، ليتطلع لها ناصر معاتبًا، لتمسك ضحكتها، وهي تلوح له بكفها معترضة، لتهتف من جديد: ياللاه بقى، مش عايزة أطول عليكي، كفاياكي كده متسبيش جوزك لوحده، ومرة تانية أكلمك تسلمي عليهم كلهم، مع السلامة يا حبة عيني.
أغلقت نعمة الهاتف، وقد شعرت بالكثير من الراحة، تركته جانبًا، وخرجت تبحث عن راضي، لتنتفض وهي تجده خارجًا من الحمام، يلف منشفة حول خصره، بعد أن أخذ حمامًا، وما أن رآها تقف في منتصف الردهة، حافية القدمين، بهذه الأقدام الرقيقة التي تلامس الأرض تحتها، وبذاك القميص المغوي حد الهلاك، وضفيرتها تتأرجح خلف ظهرها بهذا الشكل الذي يثير كل كوامن رغبته، حتى اندفع حاملاً إياها في اتجاه الغرفة من جديد، لتهتف به: في إيه يا راضي!؟
همس وهو يدفع باب الحجرة ليفتح على مصراعيه مؤكدًا في نبرة صوت أخ: نسيت أعمل حاجة مهمة، ولازم تتعمل حالا.
وضعها على طرف الفراش، لتهمس به: حاجة إيه!؟
مد كفه نحو ضفيرتها، وبدأ في حلها في بطء مهاود، مستمتعًا بجدائلها الكستنائية، التي تتسرب من بين كفيه، حتى انتهى وانتهى معها صبره، وهو يفرد شعرها بكلتا كفيه، يغرس أصابعه بين خصلاته في تيه كامل، لتهمس به نعمة: بتعمل إيه يا راضي.
همس وهو يقترب منها في وجد سربل كل مجامعه: باخد بتاري من الضفيرة دي اللي سهرتني ليالي ما يعلم بها إلا ربنا.
همست نعمة في دلال: طب وصاحبة الضفيرة ذنبها إيه!؟
همس وهو يعتصرها بعنف بين ذراعيه وقد فاض كيل عشقه: ذنبها إنها حبيبة راضي.
لتغيب بين ذراعيه في دنيا أخرى، حيث هناك، تنحل عقدة لسانه، ليفيض على مسامعها بكل مفردات العشق التي كانت تجهله.
***
جذب كفها خلفه وهما يتجولان بذاك المول الضخم، ليتوقف أمام محل ملابس نسائية، متطلعًا نحو بعضها في همهمة مستحسنًا، لتجذب كفه تحاول إبعاده عن نافذة العرض المغرية تلك، هامسة في خجل: مروان، ياللاه من هنا بقى، أنا مكسوفة من المعروض ده.
تطلع نحوها وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، هامسًا في نبرة ماجنة: حبيبتي، أنا هدخل أشتري كل المعروض ده وأشوفه عليكي، تقوليلي مكسوفة!
شهقت في صدمة، وعيونها في اتجاه آخر بعيدًا عن نافذة العرض المثيرة، مؤكدة دون أن تنظر نحوه: مروان، أنا مش ممكن ألبس الحاجات دي.
دنا مروان منها، مؤكدًا بنبرة شقية: يا حبيبة قلب مروان، من هنا ورايح مش هتلبسي إلا الحاجات دي، ومن الليلة دي، قمصان ستي الحاجة اللي كنتي بتلبسيها دي مش هسمح بيها تاني، أنا عديتها عشان خاطرك، لكن من النهارده هطلعها بره دولابك.
تركها واندفع نحو المتجر، تاركًا إياها تشير له ألا يفعل، حاولت جاهدة أن تتوسل تلوح له ليتراجع لكنه كان من الإصرار ليمضي قدمًا فيما نوى.
خرج من المتجر محملاً بأكياسه الثمينة متنهدًا في انتشاء وهو يتطلع لها، في سعادة غامرة بينما تنظر إليه هي في خيبة أمل مرسومة بجلاء على ملامحها الرقيقة، ليهتف بها في تعجب: إيه!! ليه كل الزعل ده! ما شوفي يا آية، كل اللي جبته ده ها..
هتفت آية مقاطعة: مش هينفع، أصل.. يعني.. ما أنت مش مديني فرصة أقولك..
دفع الأكياس لقلب العربة، وصعد أمام المقود هاتفا بها في تعجب: في إيه يا آية قلقتيني.
جلست بالمقعد المجاور، هامسة في اضطراب، وهي تميل على أذنه هامسة: أنا حامل.
تطلع نحوها هاتفا في تيه: مش فاهم!
تطلعت نحوه في تعجب: أنا حامل يا مروان، مش فاهم إيه! رحت للدكتور مع طنط ثريا النهاردة الصبح وقال إني..
قاطعها في نبرة مرتجفة: أنتِ بتكلمي بجد!
هزت رأسها مؤكدة، والدموع تترقرق بمآقيها، ليهمس وهو يجول بناظريه بكل موضع إلا السقوط على محياها، حياء من تلك الدموع التي بدأت تتجمع بمقلتيه، وما أن هم باحتضانها، حتى شهقت في البكاء تؤكد عليه في محاولة لتخفيف الأمر مداعبة: إحنا فالعربية يا مروان! هيمسكوا فعل فاضح فالطريق العام.
همس من أعماق روحه: الحمد والشكر لك يا رب.
كان يعتقد أنه بعد الجراحة الحرجة التي أجراها، قد يكون غير قادر على إنجاب الأطفال لفترة ما، كان اعتقاده الشخصي رغم أن الطبيب طمأنه لهذه النقطة، شعر أن كرم الله عليه واسع، ما دفعه ليهتف بآية في تأكيد وهو ينطلق بالعربة: بصي، إحنا نطلع كل اللي اشتريناه لله، وم..
قهقهت آية حتى دمعت عيناها، هاتفة به ساخرة: ده إيه اللي هطلع لله يا شيخ مروان!! اللي اشتريته من شوية كله مسخرة وقلة أدب على فكرة، ده هطلعه فين على باب نايت كلوب!
قهقه عندما تذكر كل تلك القمصان الحريرية المغوية التي اشتراها، مؤكدًا: والله ما راجع بمليم في جيبي، كله لله، أما اللي اشتريناه ده..
تنهد في حسرة مؤكدًا: ياللاه أمري لله، خلينا فقمصان العفة اللي بتلبسها لحد ما الحمل يعدي على خير، وبعدها لن اتنازل..
قهقهت لإصراره، وهو يندفع بالعربة، يقف كلما وجد سائلاً، أو محتاجًا، حتى عاد لمنزلهما، ولم يبق بجعبته، إلا مشترواته المغوية التي تطلع لها في حسرة دفعت الضحكات لحنجرته من جديد.
***
هتف بها يونس مازحًا، وهي تسير نحوه ببطنها المنتفخ قليلاً: تعالي يا أم بعجر، يا أم الجلباب مجرجح.
هتفت سماح تداري ضحكتها، هاتفة في نبرة تدعي الحنق: بتتمألت عليا يا يونس، ماشي!
هتف يونس مقهقها: وأني أجدر برضو يا سموحة، ده أنتِ اللي فالجلب والنية، والعين الجوانية.
قهقت لأقواله، ليدفعها متحديًا، وهو يضع كوعه على المائدة جواره، هاتفا: وريني طيب، شطارتك تعالي.
اقتربت تجلس قبالته على الجانب الآخر من المائدة، تضع كفها بكفه، هاتفة في تحدي: يونس، قول حرمت، عشان هتيجي عيبة أغلبك وأني حامل!
هتف يونس متحديًا: دي مين دي اللي تغلب يونس الحناوي! جال تغلبني جال، زمن سماحة الجناوي انتهى.. قال كلمته الأخيرة في نبرة مسرحية جعلت روح التحدي تقفز معلنة عن نفسها مؤكدة: طيب متبقاش تزعل بجى من سماحة الجناوي وعمايله!
بدأ كل منهما، في محاولة الفوز على شريكه في لعبة الريست الشهيرة، والتي ما شعر يونس بأنها تجاهد حتى تتغلب عليه، خاف على حملها، فجذبها نحوه عنوة، لتسقط بحجره، هاتفا في مزاح مقهقها: غلبتك يا واد يا سماحة! ده أني جبتك كلك فحجري!
هتفت سماح في حنق: أنت بتخم يا يونس، والنعمة ما لاعبة معاك تاني.
قهقه وهو يضمها نحوه، هامسًا بالقرب من مسامعها في نبرة ماجنة: طب أقولك، تعالي نلعبوا لعبة أحلى، لعبة عريس وعروسة، أهي دي أجمد لعبة والنعمة.
أمسكت ضحكاتها هاتفة تشاكسا: جديمة، لعبتها جبل كده، وأدي اللي نابني من وراها.
وأشارت لبطنها المنتفخ، ما دفع الضحكات لحنجرته من جديد، لتتركه مندفعة هاربة منه مدعية أن أمها تناديها.
***
الجزء الثاني من الفصل ٣٨
والأخير
دخل عليها الحجرة، ليجدها لا تقرأ كما هي العادة، وخاصة منذ بداية شهور الحمل، عندما أخبرها الطبيب بضرورة الراحة التامة، وعدم القيام بأي مجهود، ولقد التزمت بتعليمات الطبيب حرفيًا وهو يشهد على حرصها ورغبتها في هذا الطفل بشكل ملح، لم يكن هو نفسه يتخيله، لذا ساعدها كثيرًا على المضي بهذه الفترة بلا أية عقبات أو متاعب.
تطلع حوله بالحجرة، ليسمع صوتًا قادمًا من الحمام، كان صوت توجع فاندفع نحو الحمام دافعًا بابه، ليجدها تقف منحنية على نفسها في وهن، جذعها منثني نحو الحوض، يغلبها الغثيان، فتعتقد أنها بحاجة لإفراغ معدتها لكنها لا تفلح.
تنبهت لاقترابه، فأشارت له ليبتعد ظنًا منها أنه قد يشعر بالقرف أو الاشمئزاز مما يحدث، لكنه لم يطاوعها بل دنى منها في هوادة، مسندًا إياها وهي تلتقط أنفاسها في صعوبة، وما أن استشعر أنها انتهت، حتى مد كفه نحو ماء الصنبور المنساب، لينعشها قليلاً، بأن ملس على وجهها مرطبًا بكفه جبينها ووجنتيها، ابتسمت له في وهن، حتى أنها ما عادت قادرة على السير نحو الحجرة، وبطنها المنتفخ قليلاً يتقدمها، ما جعله يحملها في رقة، نحو فراشهما، مدثرا إياها، هامسًا في تعاطف وهو يقبل جبينها: هنزل أخليهم يعملوا لك حاجة سخنة تهدئ معدتك.
هزت رأسها نفيًا مؤكدة: لا يا عاصم، أنا هنام شوية، خليك جنبي.
هز رأسه في طاعة، وحشر نفسه تحت الغطاء، ضامًا إياها لصدره، مملسًا على بطنها هامسًا: تعبك الأستاذ بزيادة.
هزت رأسها في هوادة متعجبة: مش عارفة ليه وصلت للشهر السادس ولسه أعراض الوحم موجودة، قلت خلاص بعد التالت هرتاح، اهو قربت على نهاية السادس وما فيش راحة.
همست زهرة في محبة، رافعة نظراتها نحوه: معلش بقى الغالي يعمل ما بداله.
همس عاصم رافعًا حاجبيه في تعجب: الغالي! وده من امتى!؟ والله وهتتركن ع الرف يا عاصم!
همست في عشق، وهي تقبل كتفه التي كانت تسند رأسها عليها منذ برهة: هو غالي عشان إبنك يا عاصم، ولو عمل فيا أكتر من كده كمان، هيبقى محبب على قلبي، عشان بس هو حتة منك، يا أغلى الغاليين.
ضمه إلى صدره في رفق، رأفة بها واشفاقًا عليها مما تعاني، يتمنى لو كان بمقدوره نزع كل هذا الوهن من جسدها، حامله عنها.
اضطربت في مجلسها، ورفعت رأسها في دوار، هامسة في نبرة مرتعشة، وأحرف متقطعة: سندني يا عاصم.. عايزة..
كانت ترغب في تفريغ معدتها الوهمي، فهي لم تتناول طعامًا منذ الصباح، وما تناولته من نذر يسير أفرغته كله تقريبًا، لذا ما كان منه إلا أن فتح كفيه أمام وجهها، لتفرغ بهما ما كانت تعتقد أنه يمور بمعدتها، لكنه كان إنذارًا كاذبًا، مجرد معدة مضطربة، لا تهدأ ولا تعطي لها الفرصة لتهنأ بوجبة كاملة كما يجب.
بدأت تهدأ، وعيونها دامعة من أثر اعتصار معدتها، متطلعة نحوه في إكبار، وهي تراه ما زال يضع كفيه المضمومتين، قبالة فمها، في انتظار ما تجود به معدتها الخربة، مدت كفيها، لتضم ظاهر كفيه، واضعة وجهها بينهما، تقبلهما في هوادة، وهو يتطلع نحوها، مبتسمًا في تعجب لفعلتها، لتدفع كفيه ليحتضنا خصرها في رفق، وهي تندفع مطوقة عنقه بذراعيها، هامسة بالقرب من مسامعه، وهي تملس على مؤخرة رأسه في حنو، بنبرة متضرعة: يا رب أنا بحب الراجل ده قوي، أبعد عن قلبه أي وجع، وفرح قلبه دائمًا يا رب.
همس لها عاصم في صوت متحشرج، وهو يضمها في قوة، مقبلًا جانب عنقها الملامس لشفتيه: استجاب يا زهرة، ما فرحة قلبي وعمري كله أهي بين يدي، هعوز إيه تاني! ربنا يديمها عليا نعمة، وما يحرمني منها أبداً.
تشبثت به هامسة: ولا منك يا عاصم، كحب أمنا عائشة من قلب محمد عليه الصلاة والسلام، مش دي كانت دعوتك دائمًا.
همس مؤكدًا: وهتفضل دعوتي لآخر نفس، اللهم اجعل حبها بقلبي كحب أمنا عائشة من قلب محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، واجعل حبي بقلبها كحب محمد عليه الصلاة والسلام من قلب أمنا عائشة.
أمّنت في تضرع: آمين.
ضمه إليه أكثر، هامسًا في تضرع مماثل، خارج من بين حشا روحه: اللهم آمين.
ليتمدد جوارها، يضمها إليه في حنو، حتى غفت بأحضانه.
***
دخلا غرفة الفندق حيث قررا تغيير ملابسهما والتوجه للمطار، وما أن اقتربت من المرآة لتزيح عن رأسها تاجها المرصع بالألماس، حتى صرخ بها سامر في ذعر: هتعملي إيه!!
استدارت تتطلع إليه في تعجب هاتفة: بقلع التاج! فيه إيه!!
هتف سامر مؤكدًا: في تعدي على اختصاصاتي.
واقترب منها يهم بخلع تاجها محاولًا الدنو منها ملثمًا بابتسامة مشاغبة على شفتيه، إلا أنها تقهقرت للخلف تزوم في اعتراض: سامر، الناس مستنيانا تحت، وفي ميعاد طيارة!
هتف مدعيًا الحنق: فريدة خليني أعيش اللحظة.
هتفت ساخرة: لو سبتك وحياتك الناس اللي تحت هيبات فالوبي الفندق وهضيع علينا طيارة شهر العسل.
قهقه مؤكدًا: أحب مراتي اللي فهماني من أول لحظة.
تطلعت إليه وقد اتسعت ابتسامتها هاتفة: طب ياللاه خلينا ننجز عشان نلحق ننزل لهم.
همت بخلع غطاء رأسها الناصع البياض فإذا به يقترب من جديد، متطلعًا لها من خلال المرآة، وهو يقف متسمرًا خلفها، هامسًا في نبرة عاشقة: خليكي كده متتحركيش يا فريدة.
تسمرت كفها باسمة نحوه بالمرآة، ليستطرد هامسًا: مكنتش متخيل إنك هتبقي بالروعة والجمال ده بفستان الفرح!! وإني هفضل أقوم نفسي كتير قوي كده عشان مخدكيش فحضني، فكرة السفر يوم الفرح دي أفشل فكرة، ما تيجي نلغيها!
أمسكت ضحكاتها، هاتفة في تساؤل: طب لو كبرنا دماغنا من التذاكر والسفر، هتقول إيه للناس اللي تحت!؟
همس وهو يضمها من الخلف، مقبلًا هامتها: هقولهم العريس طلع عيل، ورجع فكلامه.
انفجرت ضاحكة وهمت بالحديث، إلا أن هاتفه رن فابتعد عنها ممتعضًا، ورد على محدثه مؤكدًا: حالًا نازلين أهو، هي العروسة اللي معطلانا، أعمل إيه بس يا عمي!؟
تطلعت إليه فريدة في حنق، وهو يتهمها ملصقًا بها ذنبه، ليقهقه ما أن أغلق الهاتف، هاتفا بلهجة تقريرية أشبه بمذيعي نشرات الأخبار، وهو يتطلع لنظراتها الحانقة: عروس تقتل عريسها ليلة زفافهما، والسبب مجهول!!
تبدلت نظراتها الغاضبة، محاولة إمساك ضحكاتها، تاركة إياه مندفعة نحو الحمام، ومعها ردائها، لتنتهي من تغيير ملابسها بعيدًا عن شغبه.
أنهت مهمتها سريعًا، لتخرج لتجده وقد حذى حذوها، مبدلًا ملابسه في سرعة، ليمد يده مطوقًا خصرها، وهو يدفع بها لخارج الحجرة، نحو الأسفل، لتحية وتوديع الجميع قبل مغادرتهما لشهر العسل.
صعدا الطائرة وظل ممسك بيدها حتى وصلا فندق الإقامة، في جزيرة رودس اليونانية، دخلا حجرتهما أخيرًا، كان ينهي معاملاته مع العامل الذي اصحبهما للغرفة، وقد كان الليل ينهي مهمته بالأفق البعيد، خرجت هي الشرفة تتطلع لهذا الجو الساحر، الممتد أمامها، وأدركت أنه كان محقًا في اختيار تلك الجزيرة لقضاء أيام من شهر العسل بها، وخاصة الليالي الأولى، فلها سحر خاص مؤثر بشكل كبير. ارتجفت برقة، عندما تسلل خلفها للشرفة مطوقًا إياها بين ذراعيه، مسندًا ذقنه على كتفها في أريحية هامسا بنبرة رخيمة: سراجو..
أدارت رأسها قليلاً، هامسة في اضطراب: يعني إيه!
أدارها نحوه، ضامًا وجهه ما بين كفيه، ليهمس من جديد: سراجو يعني بحبك باليوناني، وهقولها لك بكل اللغات اللي أعرفها، لأنك فريدة.
تاهت في نظراته العاشقة المصوبة نحوها، والتي قطعها وهو يميل مقبلًا جبينها ثم عاد موصلًا النظرات من جديد، مستطردا: فريدة اللي من أول ما وصلت إسكندرية سمعت عنها، وحبيت أقابلها..
همست متعجبة: سمعت عني!
أكد يهز رأسه وابتسامة على شفتيه، هامسا: أيوه، سمعت عنها كلام كثير يخلي أي راجل يبقى عايز يشوف مين الست دي، لكن الغريب إني كنت بهرب من أي مقابلة ممكن تجمعني بك يا فريدة.
همست في تعجب ساخر: تهرب!! مكنتش أعرف إن أنا بخوف للدرجة دي!
قهقه مؤكدًا: آه والله كنت بهرب.
وتغيرت نبرة صوته لنبرة يملؤها الوجد مستطردا: عشان كنت عارف، إن لو قابلتك مش هعرف أبعد تاني، لأنك كنت صورة للبنت اللي رسمت فخيالي صورة لها من زمان وكنت فاكر إني عمري ما هقابلها..
لكن حصل النصيب وربنا حطك ف طريقي بس مش فاسكندرية لا.. فقطر الصعيد..
لما جيت وقعدت جنبك.. كنتي فاكرة إني نايم أو حاطط السماعات بتاعتي، لكن أنا عيني كانت عليكي وتركيزي كله كان معاكي، قلت الحمد لله جت بنت خطفت انتباهي غير الست فريدة، لكن خلاص وكأنك كنتي قدري اللي مفيش منه هروب، لقيت واحدة بتمد لي إيدها وتقولي أنا فريدة الهواري، اكتشف إنها أنتِ اللي بهرب منها فاسكندرية عشان أقابلها فنجع السليمانية، وخلصت كده الحكاية.
همست في تيه كالبلهاء: خلصت إزاي!!
همس وهو يضمها بين ذراعيه: وقعت فالفخ يا فريدة، اللي كنت خايف منه حصل، وفريدة اللي بهرب منها لقيتها قدامي وأنا بحط إيدي فايدها، سلمت لها فوق البيعة قلبي.
لا تعلم كيف واتتها الجرأة لتتمسك به هكذا وهي بين ذراعيه، لم تجد تلك الرهبة الفطرية المفترض تواجدها داخلها هذه اللحظة، على العكس وجدت أمانًا ما كانت تتوقع أن تجده بأحضان رجل بخلاف أبيها، حمزة الهواري، لذا أمسكت بتلابيب ذاك الأمان الغالي، وما عاد لها الرغبة أو القدرة على إفلاته، ليهمس لها سامر في عشق، وقد استشعر رغبتها في الاحتواء، يتمنى لو يبثها أضعاف من ذاك الشعور الذي يسربلها اللحظة بقربها: عارفة يا فريدة، يوم ما سمعت عنك الكلام اللي مش ولابد اللي كان سببه نزار، عمري ما صدقت، ولو للحظة جالي شك إنك ممكن تعملي كده.
رفعت رأسها بتعجب نحوه، ليؤكد في نبرة كانت الصدق ذاته، وعيونه تعانق نظراتها المضطربة: اللي زيك، عمرها ما تعمل كده، اللي اتربت على إيد حمزة الهواري، وجدها يبقى زكريا الهواري، واللي الكل كان بيحلف بها من ساعة ما رجعت من بره، بنت بالاخلاق والتربية دي عمرها ما تقع الوقعة دي أبدا، كنت بريئة فنظري من قبل ما أشوفك أو أعرفك.
همست بصوت متحشرج متسائلة: ولما عرفتني!
انحنى مقبلًا أرنبة أنفها في شقاوة: لما عرفتك ده كان قصة تانية، بصمت بالعشرة إنك أنقى وأطهر وأجمل وأرق فريدة عرفتها فالدنيا.
همست متصنعة الحنق: هم كان فريدة بس عشان أعرف أنا كنت الكام فالصف يا سيادة الدونجوان!؟
قهقه سامر وهو يضمها إليه في هيام: أقسم لك إنها فريدة واحدة بس، هي أنتِ.
ضمته إليها أكثر، ليهمس سامر متسائلاً في نبرة ماجنة: فريدة! هو إحنا هنقضيها أحضان وبس يا حبيبتي!
شهقت مبتعدة عنه، هاتفة في نبرة مستهجنة وهي تندفع مهرولة لداخل الحجرة: على فكرة، كده عيب، وأنت...
قاطعها مهرولًا خلفها، هاتفا في نبرة مشاكسة: وأنا قليل الأدب على فكرة، وبموت فالعيب، هاااا.. في حاجة تانية تحبي تصيفيها سعادتك!
أمسكت ضحكاتها، ليقترب منها في عجالة، جاذبًا إياها من جديد بين ذراعيه، هامسًا في نبرة مازحة مغلقة بمحبة خالصة: وراس الغاليين بحبك، حن بقى يا جميل.
قهقهت، فكانت ضحكاتها هي مفتاح لكل أبواب السعادة، وإذن لكل أبواب الهناء، لتُفتح على مصراعيها، لتبدأ ليالي الشهد المصفى.
***
سارا جنبًا لجنب، بطول ذاك الطريق الترابي، يسير متطلعًا لها خلسة وهي تتطلع لما حولها في سعادة مرسومة على محياها، وهو يمسك بلجام فرسه الأدهم على الجانب الآخر، حتى وصلا لسفح تلك التلة.
كان دوما ما ينتظرها على قمتها بصحبة فرسه، فالتفت لها، محتضنًا خصرها بكفيه، لتشهق نوارة في صدمة: حد يشوفنا يا رائف.
دفع بها رائف لصهوة الفرس، هاتفا في تأكيد: متخافيش، أنا عارف إن محدش بيعدي من هنا، الحتة هنا بعيدة عن عيون الرايح والجاي، عشان كده جبتك هنا.
سار جاذبًا لجام الأدهم، الذي كان يسير الهوينى وهي على صهوته، حتى وصلا لقمة تلك التلة، ليقفا في هدوء يغلفهما الصمت، وهما يتطلعان للأفق البعيد في سكينة شملتهما، ليقطع رائف الصمت أخيرًا، وهو يدفع نفسه، ليمتطي صهوة الفرس خلفها، يضمها إليه، مشيرًا نحو الطريق البعيد، هامسًا في محبة: هنا كان مكاني اللي كنت بستنظرك عليه كل يوم، كنت بخرج من بعد الفجر، ألف النجف كله، لحد ما ينتهي بي المطاف على هنا، وأول ما تهل عربيتك وأشوف طيفها جاي من بعيد، جَلبي يرفرف، كني مستنظر حبيب غايب بجاله زمن، مش واحدة كل ما أشوفها، نمسكوا فخناج بعض، بص واضح إن الجت ميحبش إلا خناجه يا دكتورة.
ابتسمت وهي تسند رأسها على صدره، هامسة في محبة مماثلة: تصدق لو جلت لك إن ده كان نفس إحساسي ساعتها، أول ما عبد الباسط يوصل لمدخل السليمانية، عيني بتروح لوحدها على مكانك هنا، كان يكفيني أشوفك واقف بفرسك، ساعتها بتبجي الدنيا مش سيعاني من الفرحة، وكنت بجول لروحي نفس كلامك، هو في إيه، ليه الفرحة دي كلها لشوفته، ده اللي بينكم ولا اللي بينهم تار! بس الجلب له أحكام خلاف حكم العجل وشورته يا دكتور.
زاد رائف من تطويقها، لتهمس مستطردة: الأيام اللي كنت بشوفك فيها واقف هنا، كانت من أسعد أيام حياتي، كنت بستنى أنزل من العربية عشان تظهر وأنت نازل عن فرسك، عشان تتمشى معايا لحد الاستراحة، وهناك ببجى مش عارفة، أسيبك وأمشي ولا أقف وأتكلم معاك، إحساس عجيب بالأنس والألفة، عمري ما حسيته مع حد جبل كده.
ابتسم في انتشاء لكلماتها، هامسًا لها في مشاكسة: فاكرة ليلة ما وقعتي فالترعة!
استدارت نصف استدارة، متطلعة نحوه في حنق، هامسة: شوف أقوله أنس وألفة يجولي وجعتي فالترعة ويفكرني بالذكريات المطينة دي!؟
قهقه رائف، يحاول استرضائها، هامسًا في نبرة شقية: عمرها ما كانت ذكريات مطينة، دي أول مرة حسيت بكِ فحضني، وقعدت مش عارف أنام بسببك تلات أيام يا نوارتي.
همست نوارة مازحة: هو أنت لازم تحرجني يعني! ما قلنالكن كنت خايفة من الأستاذ سنقر اللي شبه الأسد ده، قال وأنت سايبة معايا يحرسني، حسيته هياكلني، هو فين صحيح من زمان مشفتوش!؟
علت ضحكات رائف مشاغبًا: يعني مكنتيش بتتلككي بسنقر يا دكتورة!؟
نظرت إليه تبادله مشاكسته: مش فاكرة الصراحة، احتمال.
اتسعت ابتسامته، وهو يضمها في سعادة، مؤكدًا: سنقر يا ستي مكنش كلبي، ده كلب واحد صاحبي سابه معايا أمانة، وخده لما رجع من السفر، وبالنسبة بقى لموضوع احتمال ده، مفيش أي احتمال تتلككي دلوقتي وأحنا لوحدينا كده.
اتسعت ابتسامتها، واستدارت نصف استدارة تعدل موضعها من مجلسها على الفرس أمامه، تضم خصره الرجولي، الذي بالكاد استطاعت تطويقه بذراعيها، هامسة في عشق: مش محتاجة أتلكك عشان أقولك كل اللي عايزاه يا رائف، ومفيش أروع من اللحظة دي، عشان أبلغك الخبر اللي نفسي فيه من ساعة ما ربنا جمعنا سوا.
تطلع لعمق عينيها، ولم ينبس كلاهما بحرف واحد، فنظراتهما العاشقة تحدثت بلا أحرف، هز رأسه متسائلاً وعيونه نظراتها ترقص الدموع بها سعادة، لتهز رأسها مجيبة على سؤاله في إيجاب ودموعها تسيل على خديها، ليرفع كفيه، محتضنًا وجهها بينهما في هيام، مقبلًا خطي الدموع على وجنتيها، هامسًا في وجد: مبروك يا نوارة حياتي.
دفنت رأسها بأحضانه، ليطوقها جاذبًا إياها لصدره، مقبلًا هامتها، لتهمس بصوت رخيم مختنق بين ذراعيه، من بين دموعها: بحبك يا رائف.
صهل الأدهم في سعادة، كأنما يشاركها اللحظة السعيدة، وذاك النبأ العظيم.
***
دخلا غرفتهما بعد الكثير من الزغاريد، حتى إذا ما خطت قدم عبدالله الغرفة، حتى هتف في نبرة ملهوفة: ياللاه بجى نتعشوا سوا.
وضع الصينية المغطاة التي كان بها ما لذ وطاب، وعاد جاذبًا كفها لتجلس أمامه برداء عرسها، وما أن جلست أرضًا، حتى افترش رداءها الأرض كلها، مغطيًا على الصينية التي كانت ما تزال مغطاة، لم يسح له الفرصة لرفع غطائها، لتهتف دعاء مازحة: كل اللي ع الصينية بجى بتاعي، وريني بجى هتخده كيف!؟
قهقه عبدالله مؤكدًا: لاه أنتِ لسه متعرفنيش، إلا الأكل.
هتفت دعاء في مهادنة: عبدالله! عيوني لك، مش صينية الأكل بس يا عبده.
نهض عبدالله جاذبًا كفها من جديد، لتنهض معه هاتفة في تعجب: على فين يا عبدالله، إحنا مش هناكل!؟
أكد عبدالله بلهجة جادة: هناكل يا بت متبجيش كده، بس لازم نجلع الأول.
شهقت جاذبة كفها من كفه، هاتفة في اضطراب: نجلع إيه!؟ أنت هتبدأ جلة الأدب!
هتف متعجبًا: جلة أدب إيه!؟ يا بت نجلع عشان ناخدوا راحتنا فالأكل.
تنهدت مؤكدة: أيوه إن كان كده ماشي.
دخلت للحمام في هرولة عندما وجدت عبدالله يدفع سترته بعيدًا، وبدأ في خلع قميصه ورباط عنقه، لتدفع عنها رداءها بالمثل، مرتدية قميصين من الستان الأبيض المطعم بالقليل من التل، ووضعت عليه مئزره الستاني، وخرجت وقد تركت شعرها الناعم القصير نسبيًا، ملامسًا لكتفيها.
كان عبدالله قد جلس بالفعل أمام الصينية، وتعجبت أنه لم يرفع غطائها بعد ويبدأ في تناول الطعام، فهتفت به: ليه مأكلتش!
كان غارقًا في محياها البض، وشكلها الملائكي بذاك الشعر الأسود الحريري الذي كان يميزها، محيطًا وجهها الممتلئ بحمرة رقيقة، جعلته أشبه بوجوه الأطفال، ليتنبه مؤكدًا: مستنظرك، هاكل من غيرك.
ابتسمت وجلست قبالته، ليدفع غطاء الصينية بعيدًا، مصفقًا في فرحة: إيه الحلاوة دي، ادي الأكل ولا بلاش.
همست في حياء: طب بس دوجه الأول، ده أنا عملاه بيدي كيف ما طلبت، أمي قعدت تجولي في عروسة تعمل صينية أتفاجئ بيدها! جلت لها عبدالله مش عايز ياكل إلا من يدي.
جذب عبدالله كفها البض مقبلًا، هامسًا في تقدير: والنعمة أحلى يد فالدنيا.
شعرت بالخجل، فجذبت كفها تتناول إحدى الحمام المحشوة، ودافعة بها نحو فمه، ليبدأ عبدالله في تناول الطعام في استمتاع، لا يفوته أن يضع ما بين لقمة وأخرى بعضًا من الطعام بفمها في سعادة.
أنهى الطعام أخيرًا، ونهض يغسل يديه ليعود ليجدها تغطي الصينية بأطباقها الفارغة، دافعة بها على الطاولة في أحد أركان الحجرة، لتغسل يدها بدورها عائدة للحجرة، لتسمع صوت غطيطه، وقد علا في قوة، اقتربت منه في تعجب، هامسة باسمه في اضطراب: عبدالله! هو أنت نمت!؟
وقفت في خيبة أمل تتطلع نحوه، وما كان منها إلا الصعود في هوادة لتتمدد جواره، تشعر بالخجل أنها هنا بفراشه، وقد ضاعت أحلام تلك الليلة أدراج الرياح مع صوت غطيطه الذي يهدم كل حلم كان.
تنهدت في حسرة توليه ظهرها، تتمنى نفسها بليالٍ قادمة من الدلال الذي سمعت عنه، ولم تجره يومًا، وما أن همت بإغلاق عينيها حتى انتفضت موضعها تستدير لمواجهة ذاك الذي طوق خصرها بذراعه، هامسًا بالقرب من مسامعها في مشاكسة: خلت عليكي، جال أسيبك وأنام جال.
هتفت في اضطراب: أنا بجول ننام أحسن بعد الأكلة التجيلة دي، وبكرة يحلها حلال.
هتف وهو يدنو منها في محبة: بكرة ده إيه!؟ بكرة في صينية جدبدة وليلة جدبدة يا جميل.
مد كفه نحو شعره الناعم وخلل أصابعه بين خصلاته، هامسًا في تعجب: عمري ما كنت أتخيل شعرك كده، كنت فاكره طويل ومش ناعم الصراحة.
همست في خيبة أمل: يعني كده مش عاجبك!؟
همس مؤكدًا في نبرة مستحسنة: مش عاجبني كيف!؟ ده حلو جوي، أنتِ كلك على بعضك يا دعاء، حتة بسبوسة بالجشطة، ودي بجى أكتر حلويات أني بحبها.
هتفت في حماس: يا سلام، أنت تأمر، هعملهالك على طول طالما بتحبها كده.
همس وهو يدنيها نحوه حتى طوقها بين ذراعيه في هيام: وتعمليها ليه، وهي بين يدي أهي، هو في أحلى من كده!!
همست باسمه في دلال: عبده!
همس بلهجة شقية: عبده بيدوج الشهد دلوقتي، الرجاء الاتصال في وقت لاحق.
علت ضحكتها المجلجلة برنة تحمل فرحة لا يمكن إخفاؤها، ليهتف هو في مجون: والله الليلة ليلة سعدك يا واد يا عبدالله، ضحكة كمان كده، هااا.. ياللاه..
لترفع دعاء عقيرتها بضحكة جاءت من أعماق روحها الفرحة بقربه، ليهتف مؤكدًا في شقاوة: بس كده، كفاية لنلاقي بوكس بوليس الآداب داخل بظهره ع الأوضة، وأحنا مش فاضيين.
كتمت ضحكتها، متسائلة في دلال: ليه مش فاضي يا عبده!؟
مد كفه جاذبًا رباط مئزرها، دافعًا به بعيدًا، ضامًا إياها لصدره هامسًا في وله: رايح الجنة كده مشوار سريع وراجع طوالي.
همست متعلقة به في نبرة مغناجة: رايح لوحدك من غيري!؟
همس وقد بدأت تسلبه لبّه بقربها المهلك: هي تنفع من غيرك برضك، ده أنتِ الجنة بذاتها يا بت، دوجيني على يدك، حلاوة الفاكهة الرباني اللي عمري ما دقتها.
أدنت قطوفها، وفتحت له أبواب نعيمها، ليقطف من فاكهتها كل ما تشتهيه نفسه، ولا يكتفي، فهي الجنة التي إذا ما ذاق عسلها، ظل يطلبها ولا يشبع ما حيا.
***
هتفت في حنق، وقد طفح الكيل، وهو يندفع نحوها حاملاً طبق الطعام الضخم الذي ما عاد يشغله هو إقناعها على إنهائه، كأنه في مهمة عليه القيام بها بنجاح: والله العظيم يا منتصر لأسيب لك البيت وأطفش، كفاية كده أقسم بالله هموت مطرطقة من جنابي.
قهقه وهو يدفع بفمها لقيمة صغيرة مؤكدًا: آخر لقمة وعهد الله.
هتفت في حنق وفمها ممتلئ بالطعام الذي يلوكه غصباً: والنعمة لتروح النار، بقالك ساعة بتقولي آخر قطمة، وآخر قطمة دي مبتجيش.
هتف منتصر من بين ضحكاته: ربنا هيسامحني، ملكيش فيه، وبعدين ما الدكتور قال لازم تتغذي أعمل إيه طيب!
هتفت في حنق: الدكتور قالي اتغذي مش اتظغطي، مين بس اللي فهمك إنك عشان عايز بت كلبوظة تقعد تظغط فأمها!؟ آه لو أطول رقبة اللي قالك كده!
قهقه منتصر مؤكدًا: محدش قالي، ده اجتهاد شخصي.
هتفت بدور ساخرة: كمان، طب قوم افسح غادي يا منتصر، بدل ما أفتح كرشك، أو دماغك، أيهما أقرب.
انفجر منتصر ضاحكًا، وهتف مشاكسًا: طب وآخر لقمة دي هتسبيها تجري وراكي زي ما كانوا بيقولوا لنا واحنا صغيرين.
نهضت بدور محتدة: ده أنا اللي هجري وراك لحد ما يبان لك صحاب.
ما أن همت بالحركة، حتى شعرت بالدوار، لتعاود الجلوس من جديد، ليندفع نحوها منتصر في قلق: شفتي، أهو كله من قلة الغذا.
قررت التحدث بهدوء، رغم شعورها بعدم جدوى ذلك معه: منتصر يا حبيبي، بنتك لما تهل بالسلامة، زغطها زي ما تحب، أمها استكفت، إينف، بقت شبه البالونة وهنفجر فوشك قريب، ولا أنت وحشتك الانفجارات!
هتف منتصر ضاحكًا: هيبقى أحلى انفجار وحياتك، وبعدين بالونة إيه، ده أنتِ بقيتي قمر والله.
هتفت في صدمة: بقيت قمر! يعني كنت إيه قبل كده!؟
هتف منتصر مصلحًا غلطته، قبل أن ينقلب الموقف، وتبدأ في البكاء، الذي قد يستمر ليومين أو ثلاثة بشكل متواصل، بسبب هذه الهرمونات الحمقاء، التي تبدل مزاجها في لحظة كأن أحدهم يعبث بمؤشرها بلا هوادة: كنتي قمر، ودلوقتي قمرين، كنتي حلوة وبقيتي أحلى وأحلى..
ودنا منها، ضامًا إياها في حنو: كنتي بدور، وهتفضلي بدور، وغلاوة بدور عمرها ما هتتغير.
تنهدت في راحة وهي تدس جبينها بين حنايا صدره، وقد استطاع تهدئة شيطان هرموناتها، الذي أصبح يقفز لأعلى مؤشر من الحزن وفي اللحظة الثانية يتحول المؤشر إلى الضحك بهستيرية وكأنها ما كانت تبكي بالدموع قهراً منذ لحظات.
همست بدور في وهن: منتصر!
همهم وهو يقبل جبينها، لتستطرد هامسة: مش عايزة أكل تاني.
أمسك ضحكاته، فقد كان الطعام بالنسبة لها الفترة الأخيرة، عقاب لا قبل لها على تحمله، ليهمس يحاول ترضيتها، مزيدًا من شدة ضمها إليه، وهو يقبل هامتها من جديد: معلش، عشان خاطر منتصر يا بدور، أنتِ مفيش لقمة كانت بتقعد في معدتك، وده خطر عليكِ، بصي شوفي نفسك ف إيه وأجيبهولك، لكن مفيش أكل خالص كده مينفعش، ولا أبعتك بعثة تأهيل حمل وأمومة، للست الوالدة تعرف شغلها معاكي!
رفعت بدور رأسها هاتفة في ذعر: لا يا منتصر إلا ماما! تسبيح معندهاش تفاهم فالمواضيع دي، خليني معاك.
انحنى مقبلًا جبينها هامسًا: وهتفضلي معايا، ومش هتبعدي عني أبداً.
***
زام عبدالله مهمهمًا، وهو يمد ذراعيه بعرض الفراش معتقدًا أنه وحيد به، لترتطم كفه بوجه دعاء التي استيقظت فزعة مما يجري، متطلعة نحوه في تعجب، ليقهقه عبدالله معتذرًا: معلش، لسه متعودتش إنك جاري، أني كده متعود أبرطع فالسرير كيف البهيمة الفرداني.
قهقهت دعاء لتشبيهاته، هاتفة في مرح وهي تضرب على كتفه الرجولي في دلال: بعد الشر عليك، خد راحتك مبهمكش، واتمطع على كيف كيفك يا عبده.
تدلل عليها هامسًا: عبده جعان، لاه ده هفتان، ما تجومي تشوفيلنا حاجة ناكلها يا جمر!؟
هتفت دعاء مستهجنة: أقوم فين!؟ أروح المطبخ يوم صباحيتي أفتح فالحلل، حماتي ومرات مؤمن يجولوا عليا إيه!؟ لاه مليش صالح ياخويا.
هتف يستعطفها: طب يرضيكي أقعد جعان كده، وأني عريس طازة، جومي بس مفيهاش حاجة، ياللاه يا بت عشان والنعمة شايلك أحلى كلام بعد ما أرم عضمي.
هتفت دعاء مشاكسة: ما دام فيها أحلى كلام، يبقى نجوم هوا.
قهقه عبدالله لمزاحها هاتفا: شوف البت ملهوفة كيف!؟
قهقهت دعاء هاتفة: كلمة تاني ومش هقوم وكل روحك بجى.
هتف عبدالله، مؤكدًا في مرح: لاه، أني هخرس اهو وأقعد مؤدب.
وغمز بعينه هاتفا في مجون: لحد ما آكل بس يا جميل، ويبجى لنا كلام تاني.
أطلقت دعاء إحدى ضحكاتها المجلجلة، ليصفق عبدالله بكلتا يديه في فرحة، هاتفا في تهليل: كنتي فين من بدري يا دوعة، ده الجواز طلع حلو جوي، اجري ياللاه جوزك هفتان يا بت.
دفعت دعاء جسدها بأسدالها هاتفة: من عينيَّ، دقيقة وهيكون عندك أحلى أكل يا عبده.
هتف عبدالله مؤكدًا: أني بجول أني اخترت صح يا جدعان، الطريق لجلب عبدالله معدته.
أ
رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رضوى جاويش
اندفعت على قدر استطاعتها ببطنها المنتفخ ذاك، هاتفة له وهي تجلس جواره، مشيرة نحو منطقة لهو الأطفال:
قوم بقى شوف بنتك، أنا خلاص غلب حماري مع البت دي! فضحاني وسط كل أمهات العيال، إيه هو إحنا مربينها فين دي! قال نغم قال!؟ دي نغمة نشاز.
قهقه منتصر رابتا على كتف بدور، ونهض في اتجاه موضع ابنته، هاتفا يستدعيها:
نغم، تعالي هنا يا حبيبتي.
أشارت إليه الفتاة التي تجاوزت الخامسة ببضعة أشهر، بكفها تستمهله لدقيقة، انهتها لتترك الأرجيحة في اتجاه أبيها، الذي انحني متسائلا:
فيه إيه يا نغم! مزعلة ماما ليه!
هتفت نغم بلا مبالاة:
هي ماما بس اللي زعلانة، دول الأمهات دول كلهم زعلانين! بس عادي.
قالت كلمتها الأخيرة تهز كتفيها دون أن يرمش لها جفن، أو حتى تخبره بالسبب، ما دفع منتصر ليمسك ضحكاته، متسائلا من جديد:
ليه مزعلة الكل منك!
هتفت نغم في هدوء مفسرة:
طب بزمتك يا باشا، أخلي العيال تتريق عليا، واحد يقولي يا نعم، والتاني يقولي يا غنم، خدت حقي وضربتهم، فيها حاجة دي!
هتف منتصر مبتسما رغما عنه، هاتفا بها:
طب وهو لازم تاخدي حقك بالضرب، مينفعش تقولي لمامت كل واحد فيهم، وهي تأدبه!
أكدت نغم في منطق:
يا بابي دول لو ولاد متربيين مكنش حد فيهم قالي كده واتريق عليا، أقول لمامتهم إيه بس! لا.. أنا أادبهم بمزاجي.
قهقه منتصر معترفا بمنطق طفلته السليم، رابتا على كتفها هامسا:
طب بصي يا نغم عشان خاطر بابا متضربيش حد تاني، ماشي!
هتفت نغم:
والله يا بابي هم اللي بيديقوني، بس حاضر يا باشا.
وأدت التحية العسكرية مندفعة نحو ارجوحتها من جديد، التي حشرت نفسها جوار إحدى الفتيات عنوة، بجسدها البض الذي يزيدها روعة وجمال.
قهقه منتصر لأفعال ابنته، عائدا لبدور جالسا جوارها من جديد، لتبارده متسائلة:
ها أدبتها! دي مسبتش حد إلا لما اديته علقة.
أكد منتصر مدافعا عن ابنته:
عندها حق بيتريقوا عليها، خدت حقها!
هتفت بدور:
يا فرحتي! بعتاك تزعق لها بتشجعها يا منتصر، والله البت دي لو طلعت بلطجية هيكون من تحت راسك.
قهقه منتصر غامزا لها بعينه هاتفا بها في سخرية:
من تحت راسي أنا! متأكدة إنها مش جينات مثلا او حاجة شبه كده!؟
أمسكت ضحكاتها، مؤكدة:
أكيد طبعا جينات، هو مين اللي كان هيموت منفجر مع تاجر مخدرات!؟ أنا!
قهقه منتصر، هاتفا:
طب ده شغلي، الدور والباقي على اللي مسكتها من قفاها شبه خِط الصعيد جنب سور فيلا عمتها، ولا اللي سحبتها من قلب المظاهرات والقنابل المسيلة للدموع!؟ هااا.. كفاية كده! ولا اجيب جينات كمان.
ارتقعت ضحكات بدور هاتفة:
فكرتني بالذي مضي، يااااه.. ده أنا كان ليا فالجبال علامات.
قهقه منتصر على أقوالها، وأدار ناظره في اتجاه موضع ابنته حيث تركها، فلم يجدها، لتدفع بدور رأسه في اتجاه أخر حيث هناك بعض الجلبة، مؤكدة:
بنتك أهي هناااك، عارف الزيطة والزمبليطة دي، هي السبب فيها، تلاقيها ضربت ولا عضدت عيل وأمه بتحوش بينهم، عليه العوض في بنتي اللي كان نفسي تبقى نسمة شبه أمها.
قهقه منتصر، ناهضا من موضعه، ليفك الاشتباك بين ابنته نغم التي كانت من أسباب ذاك اللحن النشاز من الصراخ الدائر على مقربة.
***
كان صوت الجلبة والضجيج يشوش عليها صلاتها، ما دفعها لتنهيها لتنهض هاتفة بهم في حنق:
خبر إيه! معرفاش أكمل صلاتي عدل، بتصرخوا ليه! تعالوا هنا حلا.
قدم الأطفال في طاعة ليمثلوا أمام هداية جدتهم، التي ما أن همت بالحديث حتى دخل ماهر ملقيا التحية:
السلام عليكم، إيه في! مذنبة العيال كده ليه يا هداية!
هتفت في حنق:
والله من دوشتهم ما عارفة اصلي دكعتين عدلين، طول النهار صراخ وعويل.
هتف ماهر مستفسرا:
هم مين عيال عبدالله، ومين عيال مؤمن! والله لسه بتخربط فيهم اللهم بارك، كل واحد فيهم چايب بالچوز.
قهقهت هداية مشيرة:
وهي دي عايزة كلام يا حچ ماهر، بص كده الملظلظلين دول اللي صحتهم مساعداهم ونازلين طول النهار ضرب فعيال عمهم، ولاد عبدالله ودعاء، هم حيلتهم غير الأكل وكل سنة يجيبوا لنا بالچوز، تجول بيعوضوا السنة ونص اللي مجابوش فيها عيال، ومن ساعتها ومحدش عارف يوجفهم.
قهقه ماهر هاتفا:
ربنا يبارك فيهم، معلش أصلك الفرن لما بتحمى بتطلع عيشها بسرعة.
قهقت هداية مستطردة، وهي تشير لباقي الأطفال:
أما المعصعصين الغلابة دول ولاد الشيخ مؤمن، مبيعملوش حاچة ف دنيتهم إلا ياكلوا ضرب من ولاد عبدالله، والله بيصعبوا عليا.
ارتفعت ضحكات ماهر من جديد، هاتفا:
طب خلاص سماح المرة دي، سيبيهم ومش هيعملوا دوشة تاني، صح يا عيال!
هز الأطفال رأسهم مؤكدين على صحة ما أكده جدهم، لتهتف هداية في حنو، تصرفهم بإشارة من كفها:
خلاص روحوا، لكن والله لو سمعت لكم حس تاني، ولا شفت عيل بيضرب واد عمه ما حد هيعتجه ولا يغيته من تحت يدي.
اندفع الاطفال مهللين لخارج القاعة، ليقهقه ماهر على أفعالهم، وهداية تضع كفها على رأسها تهزه من الصداع الذي اكتنفه لتلك الضوضاء المحببة، هاتفة في مزاح:
مدرسة ماهر الهواري الإبتدائية المشتركة.
ليقهقه ماهر في سعادة، وهو يتطلع لبذور زرعته المثمرة رغم كل ما كان.
***
انتظر على الهاتف، حتى انتهى ذاك الرنين المتصل باجابتها على الجانب الأخر، هاتفة:
الو، ازيك يا راضي!؟
هتف راضي في هدوء:
الحمد لله يا نعمة، انتي واللي عندك بخير!
أكدت في راحة:
اه يا راضي تمام، ده الواد ما صدق، طول النهار فالشارع مع ولاد خاله، خاربها.
هتف راضي محذرا:
خلي بالك عليه، ده لسه صغير برضك، وهو مش عارف الدنيا هناك زي ولاد نادر.
أكدت نعمة في طاعة:
حاضر من عنايا.
ساد الصمت لبرهة، قبل أن يهمس راضي متسائلا:
هو انتوا هتتأخروا هناك يا نعمة! أنى مش جصدي حاچة، أني عارف إنك بتروحي لبيت أبوكي كل فين وفين، بس بسأل يعني، عشان ابعت لكم العربية.
همست وابتسامة على شفتيها مؤكدة:
كلها يومين ونكون عندك، خلي بالك على نفسك.
أكد راضي وهو يغلق الهاتف:
تيچوا بالسلامة.
تنهدت نعمة لتهتف بها شيماء متعجبة:
جوزك كويس!
هزت نعمة رأسها مؤكدة، لتستطرد شيماء في تساؤلاتها:
اومال فيه إيه!
ابتسمت نعمة هاتفة:
العادي يا شوشو، كل ما اجي على هنا، يومين بس، وتلاقي الاتصالات فوق دماغي، هو مش بيقولي ارجعي الشهادة لله، بس بيصعب عليا وهو كل شوية، انتوا كويسين، طب الواد تمام، طب انتوا هترجعوا امتى، بس عشان ابعت العربية.
قهقهت شيماء دافعة ابنتها من كتفها في مشاكسة:
مش قادر على بعدك يا بت.
أكدت نعمة في نبرة شجية:
عارفة والله، بس مخليني ويلي ويلين، عايزة اقعد براحتي معاكم لأني باجي كل فين وفين، وفنفس الوقت صعبان عليا وهو قاعد بطوله، مع أن الشهادة لله سماح مرات يونس بتقوم بالواجب معاه في غيبتي، بس أعمل له إيه، سي راضي مش راضي يتعود على غيابي شوية.
قهقت شيماء من جديد، مؤكدة:
حلو، مش احسن ما يتعود على غيابك وتبقى مش فارقة معاه، وجودك فارق معاه فبيته وفرشته، ووجود ابنه حواليه، ربنا ما يبعدك عن بيتك أبدا، ويخليهولكم، وبصراحة سماح بت حلال مصفي، وأمها ست تنحط ع الجرح يطيب، أنا لما شفتهم فالكام مرة اللي جت لك فيهم، حبتهم الصراحة، ويونس كمان أخو راضي حتة سكرة، ربنا يديم المعروف ما بينكم.
آمنت نعمة في ابتهال، ليندفع ابن نادر البكر، باكيا في اتجاه شقة جده، شاكيا ما حدث له، اندفعت حُسن من المطبخ على صوت نحيب ولدها حسن، متسائلة:
في إيه! بتبكي ليه يا حسن، وفين أختك حورية يا واد !!
هتف حسن من بين نهنهات بكائه:
الواد رحيم ضربني.
شهقت نعمة في صدمة، هاتفة بحسن ابن أخيها تطيب خاطره:
معلش، حقك عليا، بس لما يطلع، هقطعه حتت، ليه يعمل فيك كده، قليل الأدب ده!
هل رحيم، ساحبا حورية ذات الأربعة أعوام خلفه، هاتفا في نبرة واثقة:
لاه مش هتضربيني، عشان أبويا جالي أعمل كده.
شهقت نعمة هاتفة في تعجب:
يا واد أبوك قالك أضرب ابن خالك!
هتف الصبي يفسر:
لاه، جالي لو لجيت حد بيمد يده على حد من البنات، دافع عنها، عشان تبجى راچل، وحسن كان بيضرب حورية فجلب الحارة، اسيبه!؟
همت نعمة بالحديث معاتبة ولدها، لكن حُسن هي التي تدخلت، هاتفة برحيم في إكبار:
جدع يا رحيم، برافو عليك.
وتطلعت لحسن ولدها هاتفة به:
اطلع على فوق، ولما يجي أبوك هقوله، عشان نبهتك كتير متمدش ايدك على أختك، دي صغيرة ومش فاهمة حاجة.
هتفت شيماء مدافعة عن حفيدها:
خلاص بقى وحياتي يا حُسن، متخليهوش يطلع يقعد لوحده، خليه يدخل يقعد ما جده ناصر، أهو منزلش الورشة النهاردة.
أشارت حُسن لولدها، ليتجه نحو غرفة جده في صمت، ليجذب رحيم كف حورية مجلسها على أحد المقاعد كما الأميرة، لتبتسم له في وداعة لم يكترث لها، وهو يتركها مندفعا من جديد، ليلحق بدوره في تلك المباراة الدائرة رحاها بالحارة، أسفل بيت جده.
همست نعمة بأمها:
هو أبويا ليه مش على حاله، مبقاش بينزل الورشة زي الأول!
تنهدت شيماء في حسرة، وهي تنهي تقطيف الملوخية من أجل الغذاء:
والله يا بنتي من يوم موت جدك خميس، وخد من بعده ستك نعمة، وهو على دي الحال، يقعد له ساعة ولا حاجة فالورشة، وساعة فالقهوة وتنه طالع، ونقل حالنا كله لأوضتهم، وسايب الحمل كله على نادر أخوكي، أديكي شيفاه مطحون إزاي، والله ما بنشوفه إلا لو طلع يخطف له لقمة، ومن بعدها على شقته ع النوم.
ساد الصمت قليلا، وحُسن تخرج من المطبخ تستعجل الملوخية لأن نادر أخبرها أنه جائع ويريد الصعود للغذاء، دفعت شيماء لحُسن بالملوخية المقطفة، وما أن همت نعمة بالنهوض لمساعدتها، حتى دفعت بها حُسن هاتفة:
والله ما انتِ مادة أيدك في حاجة، اقعدي مع أمك دي بتشوفك كل فين وفين.
ربتت نعمة على كتف حُسن في محبة خالصة، وعاودت الجلوس جوار أمها، التي تساءلت في قلق:
هو أنتِ مش ناوية تخاوي رحيم ولا إيه يا نعمة! لسه العلاج مش جايب نتيجة!؟
همست نعمة في ابتسامة:
عن قريب، اصل شكله حصل، وأنا كنت مخبية على راضي لحسن يخاف وميرضاش بجبني، قلت أقوله لما أرجع بقى.
اتسعت ابتسامة شيماء في فرحة:
الله أكبر، ده راضي هيفرح قوي، مكنش حقك تخبي عليه، ربنا يقومك بالسلامة، وخدي بالك على نفسك بقى.
هزت نعمها رأسها في طاعة، وهي تتطلع لحورية ابنة أخيها الوديعة تلك، التي جلست موضع ما تركها رحيم، دون أن تتحرك قيد أنملة، تتعشم أن يهبها الله طفلة في جمالها ووداعتها، تعوضها عن عدد مرات حملها الذي لم يكتمل، وظلت تتعالج بعد كل مرة لفترة طويلة، حتى أذن لها الله، بالحمل من جديد.
نهضت حورية في اتجاه نعمة هامسة بصوت رقيق:
عايزة انزل تحت عن رحيم.
ابتسمت لها نعمة مؤكدة:
هو طالع دلوقت، هتنزلي وهو بيلعب ومش هياخد باله منك، أقولك، تعالي اتفرجي عليه من فوق.
وفتحت نعمة لها ذاك الشباك المطل على قلب الحارة، لتجلس حورية تتطلع منه على رحيم، وهو يتعارك مع الصبيان وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة.
***
تطلع نحوها في اشفاق وهي تحمل صينية الطعام المجهزة له ولراضي أخوه الذي كانت زوجته عند أهلها هذه الفترة، انتفض مندفعا يحمل عنها حملها معاتبا بنظرة مهمومة على حالها، وأصغر بناته متعلقة بطرف جلبابها بهذا الشكل اللصيق، هاتفا في نبرة مؤنبة:
وكان عليكي من ده بإيه يا بنت الناس! ما كنا نشوفوا البتين وحالهم، بعدين يبجالها حمل تاني!
هتفت سماح مؤكدة:
خلاص بجى يا يونس، اللي حصل حصل.
ابتسم وهو يضع الصينية جانبا هامسا بها:
اللي حصل حصل، ولا كله بترتيبك عشان تچيبي الواد اللي واكل عجلك!؟
ابتسمت معترضة:
لاه محصلش، دي غلطات، مكنش بيبجى جصدي.
همس يونس لها مازحا:
اطلع من دول يا واد يا سماحة، ده أني عچبنك وخبزك، جال غلطات جال!
اتسعت ابتسامتها، تحاول مداراتها لعلمها بأنه مدرك لحقيقة الأمر، لكنه استطرد متنهدا:
يا سماح، أني لا عاوز واد ولا عفريت ازرج، أني عايز راحتك أنتِ والبنات، غير كده كل اللي بياچي بتاع ربنا، ملناش فيه.
همست بشجن:
عارفة يا يونس، هو أنت فيه زيك، ده أني نفسي ربنا يرزجني بواد عشان يبجى حتة منك، فجدعنتك وطيبة جلبك، وكمان لجل ما البنات يكون لهم أخ يوجف فضهرهم ويساعدك عليهم، أني اتلطمت كتير يا يونس أني واخواتي لأن مكلناش راچل، وأني عاوزة لبناتي عزوة رچالة يكونوا ضهر وسند ليهم، فاهمني يا يونس.
ابتسم يونس رابتا على كتفها متفهما، وهمس في محبة:
والله ما في سند وضهر إلا ربك، جولي يا رب، وأنا إن كان عليا، عايز اچيب منك كل يوم عيل، ولاد ولا بنات ولا حتى ربراب، كل اللي يچي منك يا سماح أني راضي بيه وعاچبني.
اندفعت ابنته الكبرى نيرة نحوهما، متطلعة لهما في نظرات يشع منها ذكاء فطري، وهتفت لائمة باختها الصغرى اللصيقة لأمها كما الغراء:
تعالي يا بت، لازجة لأمك كده ليه! تعالي أما اوريكي العفريت اللي بيجولوا عليه، ظهر بره عند سور الچنينة.
تطلعت لها الصغيرة في شك، ما لبث أن تحول لثقة وتبعت أختها التي أخذت بيدها الصغيرة بأحضان كفها، في اتجاه الحديقة.
ليستوقفها يونس هاتفا بابنته في سخرية:
وأنتِ بجى شفتي العفريت يا أم سحلول!
تطلعت نيرة لأبيها في حنق، وضغطت على أسنانها العلوية على شفتها السفلي، وهي تغمز له بإحدى عينيها، كأنما تخبره أن الأمر ادعاء وليس حقيقة، حتى ترحم أمها من تعلق الصغيرة بها لفترة لو قصيرة، مولية له ظهرها، مغادرة بصحبة أختها الصغرى.
ليتطلع يونس مقهقها نحو سماح هاتفا في سخرية:
دول اللي خايفة عليهم وعايزة تچيبي لهم أخ، دول رايحين يشوفوا العفريت كنهم رايحين يتفرچوا على فيلم كرتون.
قهقهت سماح تشاركه رأيه هاتفة:
ايوه امال إيه! بناتي وتربيتي.
هتف بها هامسا وعلى شفتيه ابتسامة رضا:
ربنا يبارك لنا فيهم ويچعلهم خيرة الناس، ويجومك بالسلامة يا أم بعچر
ربتت سماح على كتفه مبتسمة في محبة، وهي تسير مبتعدة، ليهمس بها مغازلا في مزاح:
يا حلاوتك يا واد يا سماحة وأنت ماشي تتدألچ كده شبه الكورة الشراب، حاچة محصلتش!
قهقهت سماح على تعليقه، ليهتف يونس مازحا من جديد:
الله أكبر، لا كده أني اخد الأكل للراچل اللي مرته مش موچودة ده، جبل ما الأكل ما يبرد، وأنتِ يا ولية ..وأشار برأسه لسماح وهو يحمل الصينية للخارج في اتجاه شقة راضي، مستطردا في نبرة مرحة مغلفها بحزم مزيف:
روحي ياللاه شوفي العفريت مع عيالك، بلا ضحك بلا مسخرة!
قهقهت من جديد، ليندفع مبتعدا عنها، بحمله نحو شقة أخيه.
***
هتفت أية في ذعر، وهي تضم طفلها الرضيع لصدرها، محذرة زوجها، الذي كان يضع ولدهما البكر فارس على ظهر عنتر، يعطيه درسه الأول في الفروسية:
بالراحة يا مروان، خد بالك عشان خاطري، الولد ممكن يقع!
هتف مروان في تعجب:
يوقع ده إيه! وهو أنا بعمل ايه جنبه! ده أنا جايب له عنتر مخصوص مش أي فرس تاني، عشان هايبقى مهاود، متقلقيش.
كانت لا تزال على حالها من القلق حين جاءت ثريا لتجلس جوارها رابتة على كتفها مطمئنة، هاتفة بها في نبرة كلها فخر، وهي تتطلع نحو مروان:
متخافيش، مروان هيبجى أحرص واحد على ابنه، مش ممكن يعرضه للي هو شافه، ويعيشه العذاب اللي عاشه وعشنا معاه فيه سنين.
ابتسمت وساد الصمت لبرهة قبل أن تستطرد في إكبار:
مروان اتعلم الفروسية وهو أجل من سن فارس إبنك، كان كل اللي يشوفه يجول ده كأنه مولود فوج الفرس، كان بيعشج الخيل بشكل مش طبيعي، ومن يوميها مسبش ضهر الفرس، إلا لما الفرس هو اللي حدفه بعيد عنه، ومع ذلك بعد فترة بسيطة كان بيحن لهم چدا، ويتمنى بس إن ربنا يشفيه عشان يجدر يركب خيل تاني، لحد ما ظهر الفرس الغريب اللي كنت بشوفه بيجله يوماتي هنا، يأكله ويتونس بيه، ويمشي لما الغقير يچي ياخده، اتاري الفرس بتاع الأميرة اللي دخلت حياته، وقلبتها.
ابتسمت أية لتذكر حادثة وقوعها من فوق صهوة عنتر باحضانه، والتي لا يعلمها الا هي ومروان، وكانت دوما مادة للتندر فيما بينهما، لتهمس في رقة:
والله يا طنط ما عارفة هو مين اللي دخل حياة مين وقلبها! كأننا جينا لبعض فالوقت الصح قوي.
همست ثريا باسمة:
جيتوا لبعض فالوجت الرباني يا بنتي، مفيش أحسن من توجيت ربنا.
واستطردت وقد اتسعت ابتسامتها:
عارفة أنا كنت فين وعمك سيد كان فين !! ولا كان حد يجدر يتخيل إن الباشمندسة اللي خدتها بدراعها بت الغفير هتاخد واحد من ولاد الهوارية، لكن كانت حكايتنا عچيبة، وكأن كل واحد فينا زي ما جلتي، چاي للتاني عشان يعدل مسار حياته ويشده لطريج سعادته وهو مش دريان.
ابتسمت أية متطلعة لمروان وولدها، الذي أمسك لجام عنتر بكلتا يديه في ثبات عجيب، وبدأ في التحرك بالفرس في شجاعة لتصفق جدته له في تشجيع كبير، كما كانت تفعل ما والده من قبل، لتحذو أية حذوها وقد شعرت بالفخر لما يفعل طفلها البكر، وأول ثمرة لنتاج عشقها لأبيه، الذي نظر لها نظرة ذات مغزى، جعل ابتسامتها تتسع في هيام.
***
هتفت سهام الجدة بصوت حاد منادية:
يا سمير، يا واد يا سمير تعالى شوف عيالك بيعملوا فيا إيه!!
هتف كريم أحد التوأمين مهادنا إياها خوفا من غضب أبيه:
إحنا عملنا إيه بس يا ستي! والله ما عملنا حاچة، هتنادمي أبويا ليه!؟
هتف كرم توأمه في ذكاء فطري:
بجولك يا ستي تخدي إيه وبلاش تنادمي أبويا!
قهقهت سهام الجدة هاتفة في مشاغبة:
اه يا بن الاية يا واد يا كريم !! شكلك فاهم ستك بالمظبوط !!
هتف كرم في نزق:
انا كرم يا ستي، ها جولي عايزة إيه وبلاش أبويا.
هتفت سهام مطالبة:
هاتولي شيكولاطة من الكبيرة دي اللي كد الكف، ويبجى فيها مكسرات عشان بحبها.
هتف كريم في براءة:
بس دي غالية يا ستي واحنا خلصنا المصروف.
هتف كرم في نبرة واثقة:
اسكت بس وأنا هتصرف، ستي تأمر واحنا نچيب.
هتفت سهام متضرعة:
ربنا يخليك واد ولدي، حبيبي..
أشار كرم نحو كريم ليغادرا الغرفة باعتبار أنهما في طريقهما لشراء ما طلبته جدتهما، ليعاود كرم دخول الحجرة عليها، متصنعا البكاء هاتفا:
ستي، شفتي اللي حصل !!
هتفت سهام مذعورة:
ايه في يا واد! كفى الله الشر.
هتف كرم وما زال يدعي البكاء:
أمي عطتني فلوس اچيب لها حاچة وضيعتها.
شهقت سهام وقد نسيت ما كان منذ دقائق:
ضيعت كام يا واد!
هتف كرم بسعر الشيكولاته التي كانت ترغب فيها لتخرج سهام من جيب عباءتها النقود لتعطيها لكرم الذي نالها في سعادة لم تكتمل عندما أمسك به وأخيه أبوهما الذي كان ينتظره بالخارج، هاتفا بهما:
أنا شفت كل حاچة، بجي كده يا كريم أنت وكرم، حد يعمل كده!
هتف كريم في نبرة معتذرة:
ستي كان نفسها ف شيكولاته ومكنش معانا نچيب لها.
هتف كرم متبجحا:
الحج علينا ستك كان نفسها فحاچة وجلنا نتصرف ونچيبوها، مش هنتصرف تاني يا عم، وأدي فلوسكم أهي.
أمسك سمير ابنه من ياقة جلبابه في حنق هاتفا به:
انت يا واد يا كريم مش هتبطل ..
قاطعه كرم هاتفا:
أنا مش كريم أنا كرم على فكرة.
هتف سمير في حنق مناديا:
يا سمية تعالي شوفي عيالك!
جاءت سمية مهرولة:
إيه في !!
هتف سمير هامسا:
مين فيهم كريم ومين كرم! العيال لسه بيستغفلوني، كانت شورة سودا يوم ما فكرنا نسميهم زي الفيلم.
أمسكت سمية ضحكاتها على أفعال سمير مع أولاده، هامسة تشاكسه:
تدفع كام واجولك مين فيهم كريم ومين كرم !!
همس مشاغبا:
وده وجته يا سمية خليني أربي العيال دي اللي بيضايجوا ستهم.. ثم غمز لها بعيونه مستطردا.. والحساب يچمع.
هتف كرم مستعطفا أمه:
بلاش يا ماما، إحنا حبايبك، وبعدين أول ما تعرفيه، هيمسك فيا أنا ويقولي أكيد دي أفكارك يا...
أمسك سمير في ولده هاتفا في انتصار:
اهو چبته لنفسك، وعاملي فيها فكيك، يبجى أكيد أنت كرم، هو في غيرك اللي هيعمل عمايل الشياطين دي!!
حاول كرم التملص من ذراعي أبيه، لكنه لم يفلح إلا عندما هتف كريم لينقذ أخاه من بين يدي والده:
عليك واحد يا بو سمرة، أنا كرم واللي ف يدك كريم.
ما أن تنبه سمير لما يحدث، إلا وكان كرم قد أفلت نفسه مندفعا ليهرب بصحبة أخيه لخارج الدار ومعهم مال جدتهم، التي هتفت ما أن فاقت من غفوتها لتجد سمير قبالتها لتهتف به في حنق:
فين يا واد الشيكولاته، والله لأجول لأبوك إنك بتغفلني وتاخد الفلوس ومشفش منك حاچة.
أمسكت سمية قهقهاتها على حال سمير الذي تطلع لها هامسا:
شايفة عمايل عيالك، طلعت أني اللي سارجها دلوجت.
لم تستطع سمية امساك ضحكاتها أكثر هاتفة به:
طب خد التجيلة بجى، العيال ضحكوا عليك، واللي كنت ماسكة كان كرم صح والتاني استغلك عشان يلحج أخوه من يدك.
هتف سمير في حنق:
يا ولاد..
واندفع مهرولا خلفهما، في محاولة لتأديبهما، لترتفع قهقهات سمية على مغامراته مع ولديه التي لا تنتهي، لتنتبه لغطيط سهام الذي علت وتيرته، فسحبت على كتفيها شالها، واندفعت تلبي نداء طفلتها الباكية، ذات الثلاثة أعوام، قبل أن توقظ الجدة من نومها.
***
هلل رائف ونوارة ما أن وعوا لترجل كل من سامر وفريدة الذين قدموا لزيارة سريعة لهم قبل النزول لنجع الصالح، في جولة سريعة، ليدخلوا جميعا للقاعة التي كان في انتظارهم بها، يوسف وسجود التي جاءت بعد غياب طويل لزيارة أختها، ما أن نزلت من فرنسا أخيرا بعد أن نالت شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي، والتي دعمها يوسف في الحصول عليها كثيرا.
هتف رائف مستدعيا ولده البكر رؤوف، والذي حضر مسرعا، كان أكبر من أعوامه السبع شكلا وعقلا، ألقى التحية على الجميع، ليأمره رائف وهو يشير لأبنتي سجود وفريدة، اللتان اقتربتا ليقدمهما رائف لولده هاتفا في نبرة لطيفة:
بص يا أستاذ رؤوف، دي الآنسة چوليا، ناديها چولي، دي تبجى بت خالتك سچود وعمك يوسف، ودي الآنسة زينة، بت عمك سامر وخالتك فريدة، أفتكر شفتها جبل كده.
هز رؤوف رأسه مؤكدا، رغم أن ذلك كان منذ فترة ليست بالقصيرة، لكنه تذكرها.
هتف به رائف أمرا في حزم:
خد جرايبك ياللاه، وألعبوا بره، بس متبعدوش عن البيت الكبير، مفهوم يا رؤوف!
أكد الطفل في طاعة:
طيب.
اندفع الطفل للخارج، وخلفه الفتيات، جوليا وزينة، ليقترب رؤوف من الأدهم الذي كان مسرجا بالقرب من البيت الكبير، ربت رؤوف على الفرس في محبة، لتهتف جوليا بالفرنسية، مستحسنة:
برافو، أنت بارع في التعامل مع الفرس.
لم يفهمها أي من رؤوف وزينة، التي تأففت في ضيق، هامسة بالقرب من رؤوف:
بتقول إيه دي! دو..دو .. بذمتك أنت فاهم حاجة منها!
أكد رؤوف على عدم فهمه، هامسا وعلى شفتيه ابتسامة:
لاه مش فاهم حاچة الصراحة، بس بالراحة عليها دي ضيفة.
لم تعر زينة نصيحته اهتماما، هاتفة في نبرة أمرة:
اتكلمي عربي لو عايزانا نفهم بتقولي إيه عشان تلعبي معانا، إحنا مش فاهمينك.
هزت جوليا رأسها في رقة، مؤكدة على محاولتها لتفعل، هاتفة من جديد، بلغة عربية مضعضة الأحرف، تسأل رؤوف عن اسم الفرس الرائع، ما دفع زينة لتنفجر ضاحكة على لغتها العجيبة، لتستاء جوليا معبرة عن حنقها بالصمت، ليتطلع رؤوف لزينة مؤنبا:
بلاش كده يا زينة، مضيجيهاش.
هتفت زينة ساخرة:
أنت مش سامعها بتتكلم إزاي!
وبدأت زينة تقلدها، ما دفع رؤوف ليتقدم نحو جوليا رابتا على كتفها في مواساة، مؤكدا:
متزعليش، زي ما أنتِ مبتعرفيش عربي كويس، هي مبتعرفش فرنساوي كويس.
استعادت جوليا ابتسامتها بعد دعم رؤوف، ليأخذهما نحو غرفة البيانو الذي ما أن رأته جوليا، حتى هتفت في سعادة، وهي تندفع نحوه، تجلس وقد بدأت العزف في مهارة تناسب سنها، حتى انهت عزفها، ليصفق لها رؤوف مستحسنا، ابتسمت له في رقة وهي تنهض تنحني تحييه بانحناءة بسيطة كأنها نجمة على أحد المسارح، تحيي جمهورها الحبيب.
تطلع رؤوف حوله ولم يجد زينة، لذا اندفع للخارج، باحثا عنها وجوليا في أعقابه، وما أن خرج من البيت الكبير، حتى وجدها تقترب من ذاك الجسر الخشبي الصغير الذي يوصل للاستراحة، صرخ فيها رؤوف لترجع لكنها لم تكترث لندائه، وما أن وصل إليها عدوا حتى اختل توازن قدمها الصغير لتسقط في الترعة تحت الجسر، والتي لم تكن بها الكثير من المياه، نظرا لأنه لم يكن وقت ري الأرض، لحسن الحظ.
اندفع رؤوف في بسالة، نحو تلك التي جلست تبكي وسط المياه، لم يهمه بلل ملابسه بقدر ما كان همه الأكبر ألا يكون ذاك الذي خالف وصية والده، ولم ينتبه للفتيات كرجل يعتمد عليه.
خاض رؤوف بالماء، وجذب زينة من كفها، لتقف، ليجدها غير قادرة على الحركة، لذا تحامل على نفسه، حاملا إياها على ظهره لخارج الترعة الضحلة، وسار بها خطوات حتى وصلوا جميعا لدرج البيت الكبير، انزلها محاولا ألا يبدو مرهقا لحملها هذه المسافة رغم قصرها، والتي ما كفت زينة فيها عن البكاء، هتفت بها جوليا مطمئنة بعربية بسيطة:
متعيطيش، ماما دايما تقولي العياط مش هيحل حاجة، لازم نفكر بدل ما نعيط.
هدأت زينة بعد كلماتها قليلا، ليهتف رؤوف:
قصدك إيه!
أشارت جوليا للأعلى:
أنا هطلع اجيب لها فستان تلبسيه بدل اللي اتبهدل ده، وخلاص، ماشي!
هتف رؤوف:
لا، الأحسن هي تطلع اوضتها تغير هدومها وتنزل، تعالوا..
تسلل رؤوف يؤمن لهما الطريق، حتى صعدا للأعلى في هدوء، أشارت له جوليا وهي على أولى الدرجات المؤدية للطابق العلوي:
أنت مش جاي معانا رؤوف!
هتف رؤوف مؤكدا:
لاه، هستناكم هنا، انتوا بنات مع بعض، مينفعش اطلع معاكم.
هزت جوليا رأسها متفهمة، لتصعد الدرج في هوادة حتى إذا ما وصلت لأخر الدرجات، إلا واستدارت تلوح له بكفها الرقيق، تتطلع نحوه بعيونها الزيتونية الشبيهة بعيون أبيها، وابتسامة رقيقة على شفتيها قبل أن تهتف في فرنسية:
إلى اللقاء.
ابتسم بدوره، وهز رأسه موافقا، لم يكن يدرك ما تعنيه كلمتها الفرنسية تلك، وعلى الرغم من ذلك، أعطاها موافقته بلا قيد أو شرط.
***
ظل يترنح للأمام والخلف في حركة متتابعة وهو يهتف في صوت رخيم مرتلا: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"
هتف عاصم الجد في فخر:
باااس، الله ينور عليك يا شيخ ناچي، حاچة أخر سلطنة.
هتف ناجي بن عاصم مستفسرا:
حلو بچد يا چدي، ولا البت فاطمة هتفوز عليا زي كل مرة، وسيدنا يجعد يجول فيها أشعار.
سعل عاصم الجد لبرهة، قبل أن يهتف في ولد حفيده الأقرب لقلبه:
فاطمة مين يا واد، أختك الصغيرة !!
امتعض ناجي هاتفا في نفاذ صبر:
يا چدي فاطمة! مش فاكرها! اللي جلت لك عليها المرة اللي عدت!؟ شكلك نسيت!
قهقه عاصم الجد مؤكدا:
أيوه يا واد عاصم نسيت، الكبر عبر يا ولدي، بس وماله قكرني، مين بجى فاطنة دي !!
هتف ناجي معترضا:
اسمها فاطمة يا چدي مش فاطنة !!
هتف عاصم مقهقها من بين سعاله:
خلاص يا سيدي متزجش كده، مغلطناش فالبخاري يعني، جول بس، مين البت فاطمة دي، حلوة يا واد!!
قهقهت زهرة على أقوال زوجها، الذي كانت تجاوره منذ البداية، ولم تعلق على مشاكساته مع أحفاده كالعادة، بل تستمتع فقط بالمشاهدة، والضحك إذا لزم الأمر، مثل هذه اللحظة التي نسى فيها عاصم وجودها يتطلع لحفيده ناجي، يسأله عن تلك التي يعاديها بهذا الشكل لسبب ليس بمعروف حتى هذه اللحظة، ليهتف ناجي متعجبا:
حلوة إزاي يعني! معرفش يا چدي، أنا كل اللي يهمني إن الشيخ مرتضى ميجعدش يعظم فيها وأنا لا.
هتف عاصم الجد متسائلا:
بت مين فاطمة دي يا ناچي! تعرف !؟
صمت ناجي لبرهة، كأنه يتذكر معلومة ما مهمهما، قبل أن يهتف مؤكدا:
ايوه يا چدي، دي بت عمي مؤمن الهواري، وعمتي سهام.
هتف عاصم في سعادة:
الله أكبر، الله أكبر، ربنا يحفظها ويحميها.
امتعض ناچي متطلعا لجده في غيظ، هاتفا به ملوحا بذراعه:
إيه يا چدي، اجولك مضايج منها، والشيخ مرتضى مبديها عليا، تجوم تفرح بها أنت كمان! أنا زعلان منك.
ونهض ناجي مندفعا في حنق، وعاصم يمسك ضحكاته على أفعال بن حفيده، هاتفا يستوقفه ليحاول ارضائه:
تعالى يا واد، خلاص متزعلش، بجولك خد..
لكن ناجي لم يكن في مزاج مناسب، كان حاقدا على تلك التي يمجد فيها الجميع، وما ألتفت أحدهم لانجازاته العظيمة، ومجهوداته الحثيثة في اللحاق بها، والوصول لمستواها الفارق عنه.
تطلع عاصم لزهرة متعجبا:
الوواد خلجه ضيج ليه كده، طالع لمين الواد ده!
قهقهت زهرة متسائلة في نبرة ساخرة:
بذمتك مش عارف! ده العرق يمد لسابع جد، يا جدو..
قهقه عاصم بضحكات يخالطها السعال الذي ما عاد يتركه إلا لماما، هاتفا ما أن هدأت حدة سعاله، مازحا:
جال لك السابع، أني يا دوبك التاني، يعني أني براءة.
قهقت زهرة على قوله، ليسعل من جديد، لتمد لها كفها بكوب من الماء، لعله يخفف من شدة سعاله هذه المرة، مد كفه المتغضن، المرتجف قليلا، لتساعده زهرة في رفع كوب الماء لفمه مرتشفا بعضه، قبل أن يتنهد في راحة، معاودا الاستناد على ظهر كرسيه، هامسا بزهرة متسائلا:
هو مين اللي جفل أم كلثوم!
هتفت زهرة مفسرة:
أنا يا عاصم عشان ناجي كان بيسمع لك قرآن من شوية.
تطلع لها عاصم شاردا للحظة، قبل أن يهز رأسه هاتفا في تأكيد:
إيوه صحيح، كني نسيت، طب هو الواد ناچي راح فين!
أكدت زهرة مبتسمة:
راح درس القرآن يا عاصم.
هز رأسه من جديد، مشيرا لمشغل الأغاني المجاور لهما، أمرا زهرة في لطف:
طب شغلي الست ياللاه.
هتفت في طاعة:
من عنايا.
ضغطت زر تشغيل الجهاز، لتنساب ألحان أغنيتها العذبة، ليتنهد عاصم في راحة، وهو يضع جانب رأسه على كتف زهرة الملاصقة له، تربت على ظاهر كتفه الممتدة على يد المقعد المشتركة بينهما، وهو يتطلع لسنوات عمره التي تمر أمام ناظريه كشريط سينمائي يتحرك بالأفق الأخضر الممتد لما لا نهاية، حتى ذاك الجبل البعيد نسبيا، رحلة طويلة، كانت كلها مزيج عجيب من الافراح والاتراح، الشهد والعلقم، رحلة من حلاوة عشق مخلوط بدموع فراق ووجع، رحلة رغم طولها قصيرة.
تنهد من جديد، ليرفع يده جاعلا يده هي العليا على كف زهرة المتغض، وجانب رأسه ما يزال مستندا على كتفها بلا تعب أو وصب، وهو يترنم بكلمات أم كلثوم التي تتردد اللحظة، معبرة عما يستشعره بكل كيانه:
يا حبيبى إيه أجمل م الليل واتنين زينا عاشقين تايهين..ما احناش حاسين العمر ثوانى ولا سنين..حاسين إننا بنحب وبس..عايشين لليل والحب وبس..يا حبيبى الحب حياتنا وبيتنا وقوتنا..للناس دنيتهم واحنا لنا دنيتنا..وإن قالوا عن عشاقه بيدوبوا فى نار أشواقه.. أهى ناره دى جنتنا..الحب عمره ما جرح، ولا عمر بستانه طرح، غير الهنا وغير الفرح.. غير المحبة والفرح..
كرر المقطع الأخير، رافعا كف زهرة مقبلا ظهره، معيدا إياه موضعه، وهو ما يزل بحضن كفه، رافعا رأسه وهو يتطلع لها، لأرضه التي حرثها بالمحبة، وبذر فيها بذور العشق، لتعطيه أروع حصاد، كان زاد لعمرهما وزواد للياليه التي ما زالت تجمعهما بالود الخالص.