تحميل رواية «زاد العمر وزواده» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنبه لحفيف الأقدام القادم من ناحية الدرج، فألتفت نحوه مدركاً من يكون صاحبه قبل أن تطالعه صورته. ومن يمكن أن يكون مستيقظاً في مثل هذه الساعة قبيل الفجر بدقائق معدودة إلا هو؟ عاصم حفيده الذي تجهز ليندفع نحو المسجد ليؤذن لصلاة الفجر كعادته منذ أن كان طفلاً يرافق أباه مهران، الذي سلم له المهمة ما أن أشتد عوده. تنبه عاصم الحفيد لموضع جده داخل حجرة المكتب، فدلف إليها والابتسامة ترتسم على وجهه هاتفا: "أنت صحيت يا چدي!" وانحنى طابعاً قبلة حانية على جبين جده مستطرداً: "صباح الخير." أكد عاصم في بشاشة: "صب...
رواية زاد العمر وزواده الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رضوى جاويش
انفض الجمع وكل ذهب لحال سبيله بعد رحيل محمد، ووداع عاصم.
لكن صرخات الخفير المذعورة التي شقت قلب الليل وأرقت سكونه قد نبهت الجميع ليندفع كل من موضع رقاده.
والخفير يصرخ هاتفا: يا ماجد بيه.. يا مهران بيه..
اندفع ماجد من حجرته بالطابق السفلي والأقرب للباب، حتى إذا ما طالعه الخفير هتف وهو يلتقط أنفاسه في تتابع: إلحق يا بيه.. الداكتور محمد عريس الست زهرة عمل حادثة قرب النجع. عربيته وجعت فالرياح.
شهق ماجد مندفعا للخارج، ليستطرد الخفير يستوقفه وقد ظهرت زهرة وفريدة وبدور ونوارة وسجود مندفعات من غرفهن، مؤكدا: وعاصم بيه.. نزل يلحقه والعربية غرقوا بيهم هو ومحمد بيه.
ارتفعت الصرخات من هنا وهناك، ومهران وماجد يندفعا للخارج، بينما اندفعت الفتيات في اتجاه زهرة التي صرخت صرخة تحمل وجع العالم لتسقط مغشيا عليها.
وقد همست شفتيها بأحرف قليلة تحمل قهر من عمق الروح التي صرخت مرددة بصدرها حروف اسمه..
ع.. ا.. ص.. م...
دخلت سميحة إلى غرفة رائف الخاصة الملحقة بمكتبها تتبع صوت عزفه الشجي.
وما أن أصبحت بالقرب منه حتى بدأت في التصفيق بقوة هاتفة: إيه الجمال ده يا رائف! عزفك اتحسن خالص. أنت كده هتخليني أتغر بقى.
ابتسم رائف متطلعا إليها، ومد كفه يلتقط كفيها هاتفا وهو يقبلهما: البركة فيكِ. أنتِ مدرسة شاطرة.
ابتسمت سميحة رابتة على كتفه في محبة.
لكن انقلبت سحنتها فجأة متنهدة، ما جعله يسألها في قلق: إيه في؟ في حاجة مضايقاكي.. صح؟
أكدت بايماءة من رأسها هاتفة: قلقانة على الدكتورة نوارة. بقالها يومين مجتش.. مش من عادتها تغيب من غير ما تقول.. ولا حتى اعتذرت عن الغياب. أكيد في حاجة يا رائف.. ده مش طبعها.. دي بنت ممتازة وملتزمة. بجد أنا قلقانة عليها.
اضطرب رائف قليلا. وتساءل داخليا.. هل فعلتها وابتعدت بسبب غضبه وثورته التي لم تكن بالحسبان؟
هتف بنبرة ثابتة: طب ما تحاولي تكلميها وتشوفي إيه اللي حصل؟
كان عليه أن يقترح ذاك الاقتراح ليبدو الأمر طبيعيا، رغم عدم رغبته في معرفة أمه أنه المتسبب في هذه الفوضى برعونة لم تكن يوما من صفاته.
ردت سميحة مؤكدة: رنيت على تليفونها كتير جدا. التليفون يا إما خارج التغطية.. يا إما يرن لحد ما يفصل ومحدش يرد. من أربع أيام تقريبا كان كتب كتاب بنت عمها. هي قالت لي هتاخد اليوم ده إجازة.. ورغم كده جت. ومشيت حتى من غير ما تقولي.
تنحنح رائف مؤكدا: هي جالت لي أبلغك إنها ماشية بس أنا اللي نسيت الصراحة.
أكدت سميحة: طب تمام. وبعد كده.. هي فين؟
هتف رائف متعجبا من اهتمام أمه بهذه الفتاة: أول مرة أشوفك مهتمة بحد كده! ما تيجي ولا تروح.. ليه شاغلة نفسك عليها كده؟
تنهدت سميحة: مش عارفة يا رائف. بس البنت دي كل أما أبص لها افتكر نفسي وأنا فسنها. كأني باصة لنفسي في مراية. هي متحفظة قوي فكلامها. تقريبا أول مرة تقولي حاجة شخصية عنها لما قالت لي موضوع كتب كتاب قريبتها ده. لكن كل كلامنا على الشغل. شاطرة وعندها حماس مش طبيعي وعايزة تتعلم. جد قوي ومش بتحب الحال المايل.
هتف رائف بتهور: لكن دماغها ناشفة و..
هم بقول.. ولسانها مبرد. لكنه توقف عندما طالع نظرة التعجب المطلة من عيني أمه، فهتف مصححا: أقصد باين عليها.
ابتسمت أمه هاتفة: صح فعلا. دماغها ناشفة وعنيدة. بس فالحق..
تطلعت لهاتفها تضغط على أزراره محاولة الاتصال من جديد، لعل وعسى تجيب نوارة. لكن كانت الإجابة نفسها.. لا إجابة.
ربتت على كتف رائف وغادرت الغرفة تاركة له القلق صاحبا. ما دفعه ليغلق عينيه واضعا أصابعه لتعانق أصابع البيانو وبدأ العزف لتقفز صورتها إلى مخيلته فجأة وهي تتشبث به كقطة مذعورة من العتمة باحثة عن الأمان بأحضانه.
اندفع الجميع لداخل استقبال المشفى هرولة. حتى إذا ما رأوا أحدهم يجلس خلف ذاك الحاجز الرخامي، إلا وهتف به ماجد: لو سمحت.. اللي جم فالحادثة اللي جت من نص ساعة.. أخبارهم إيه؟
تطلع الرجل لسجلاته هاتفا: أي واحد فيهم؟ أصأصجه فالحادثة دي اتنين.
واحد حالته صعبة وفالعمليات والتاني تحت الملاحظة وعنده كسر بالدراع وشوية جروح. ومعندناش أي بيانات عنهم لسه.
هتف سمير الذي كان موجودا لحظة تلقي الخبر بسراي الهواري ولم يكن غادر بعد، ولحق بخاليه مهران وماجد بالممرض في عجالة: طب إحنا عايزين نشوفوا اللي تحت الملاحظة ده يكون مين!
أشار الممرض لردهة ما ورقم غرفة. اندفعوا جميعهم نحوها في لهفة. حتى إذا ما وصلوها وانفرج بابها هتفوا في ذعر.. مندفعين نحو ذاك الذي كان ممددا على الفراش غائبا عن الوعي، والذي لم يكن سوى عاصم.
صرخ مهران في صدمة مذعورا على ولده: عاصم.. رد على أبوك يا عاصم.
بدأ عاصم فالهذيان والهمهمة. ما دفع سمير الذي استنبط ما كان يهذي به عاصم، جاذبا خاله مهران مبعده عن جسد عاصم، مؤكدا عليه الثبات: إهدى يا خالي. الحمد لله إنه بخير.
مرت إحدى الممرضات بالحجرة التي نسوا إغلاق بابها في غمرة اضطرابهم لتهتف بهم: مينفعش كده يا جماعة. راحة المريض واجبة. هو نايم ومش حاسس بيكم. ده واخد أدوية ومسكنات تنيم جمل. سيبوه يرتاح لو سمحتوا.
هز مهران رأسه موافقا. وسألها في اضطراب أب يرتجف قلبه خوفا على بكريه: طب جوليلي.. هيبجى كويس؟
أكدت الممرضة: بإذن الله. متجلجش. كلها كام ساعة ويفوق ويبجى تمام.
هز رأسه من جديد ليهتف سمير بخاليه أن يخرجا وسيبقى هو بصحبته. فقد بدأت أحرفه التي كانت مهزوزة في الوضوح.
تنفس سمير الصعداء عندما خرج مهران وماجد من الغرفة للاطمئنان على محمد.
اقترب سمير من محيا عاصم الشاحب على فراشه متطلعا إليه في اشفاق هامسا له وهو ما يزل على هذيانه باسمها الذي خاف سمير أن يدركه خاليه: رميت نفسك عشان تنچي جوزها يا عاصم؟ واه على جلبك يا واد خالي.
تنهد بأعين دامعة وعاصم ما يزل يردد اسمها بأحرف متقطعة.
بينما عاد مهران وماجد للاستقبال من جديد في انتظار وصول أهل محمد. وقد أيقنوا أن من بالعمليات اللحظة هو زوج زهرة. الذي أخبره الممرض أن حالته صعبة. ولا أحد قادر على إنقاذه إلا معجزة من الله.
ظل يتقلب على فراشه لا يعرف ما دهاه. كلمات سماحة ووصيته له جعلته يدرك أن وراء ذاك الشاب مصيبة أو أنه على وشك ارتكاب جريمة لا محالة.
لذا لم يستطع أن يغمض له جفن ونهض متسللا للأسفل. سائرا في اتجاه الحديقة الخلفية حيث حجرة سماحة وإخوته.
لم يكن من اللائق الاقتراب بشكل كبير محافظة على خصوصيتهن. لكنه ظل على أطراف الحديقة يتطلع نحو الحجرة. يمني نفسه أن حدسه قد يكون كاذب وأن سماحة أعقل من أن يورط نفسه في أمر ما. تاركا أمه وإخوته البنات خلفه دون عائل.
لكن صوت ما هتف داخل يونس أنه لهذا أوصاه بهن. حتى يضمن لهن عائل بعد القيام بفعلته. ما جعله يتطلع من جديد نحو الحجرة.
انتفض عندما استشعر حركة هناك. وانتظر. فلربما تكون الخالة سعيدة أو إحدى الفتيات نهضت لأمر ما.
لكن ذاك هو ظل سماحة. والذي خرج من الحجرة ملثما وحاملا بندقيته ما جعله يوقن أن حدسه كان صادقا بشكل كبير. وأن سماحة ينوي القيام بمصيبة ما.
تسلل خلفه في هوادة حتى إذا ما صار سماحة على أعتاب باب الدار حتى ظهر يونس كأنما نبت من تحت أقدامه هاتفا به وهو يضع كفيه على السلاح: أنت رايح فين يا واد؟
تشبث سماحة بالسلاح هاتفا: سيب السلاح يا يونس بيه. وخلي بالك من إخواتي وأمي.
هتف به يونس بصوت منخفض حتى لا يدرك أحد صراعهما الدائر على جانب البوابة: إخواتك وأمك محتاجينك أنت مش أنا. محدش هايجر يعوضهم عن وجودك. اعجل وسيب السلاح.
تشبث سماحة بقوة أكبر بسلاحه مؤكدا: اللي بتجوله ده يا بيه هو اللي آخرني لسنين.
لكن دلوقتي أنت موجود بعد ربنا. أأمنك عليهم وأنا عارف إنك هتراعي ربنا فيهم.
ارتفع حنق يونس للذروة وما عاد قادرا على التحدث بصوت العقل ومحاولات الإقناع. ما دفعه ليجذب السلاح بقوة من كفي سماحة نحوه. لكن تشبث سماحة بالبندقية كان مستميتا ما جعل سماحة وسلاحه يندفع مرتطما بصدر يونس ملتصقا به.
كان كلاهما متشبث بالسلاح في قوة. وبهذا القرب الصارخ. يتطلع أحدهما لعيني خصمه في تحدي.
نظرات يونس تقاتل في صراع مع نظرات سماحة التي تطل من خلف قناع لثامه الذي يخفي كل معالم وجهه ما عدا عينيه عميقتي النظرة. والتي لانت نظراتهما رويدا رويدا. لتنقلب بلا أي مقدمات لنظرات كاشفة عن خبايا النفوس.
ظل يونس محدقا بعمق عيني سماحة لتضطرب دواخله في فوضى عجيبة لم تحدث له من قبل. كانت عيون آمرة وقاسية النظرة تحولت في لحظة لعيون تغمرها موجات من حنين وحنان لا قبل لمخلوق عن الخوض بخضمهما.
جذب يونس نفسه من ذاك الاضطراب العجيب لكنه لم يترك البندقية كذلك. والعجيب أن من ابتعد متقهقرا للخلف خطوة تاركا بينهما مسافة وتخلى كفيه عن السلاح كان سماحة.
الذي تطلع حوله في اضطراب مماثل لاضطراب يونس مندفعا في اتجاه حجرة الجنينة. غائبا فيها. تاركا يونس يحمل البندقية متطلعا حوله في ارتباك لا يعلم ما الذي يحدث.
تسللت كعادتها لإسطبل عنتر باحثة عن رسالة من مروان. والتي لم ينقطع عن إرسالها منذ آخر لقاء بينهما.
عندما أعطاها سلسالها الغالي. كانت رسائله تلك هي سلواها في ذاك المعتقل الذي فرضته عليها جدتها.
لا تعلم ما الذي دفعها لاتخاذ قرار مجيئها وذهابها للجامعة بديلا عن السكن الخاص الذي كانت تظل به في كل عام دراسي.
كان هذا الأمر مصدر ضيق بالنسبة لها لكن.. رب ضارة نافعة. فلولا هذا الأمر ما أصبحت قادرة على مصاحبة مروان جيئة وذهابا على طول الطريق من الجامعة إلى هنا والعكس.
على الرغم من أن كل منهما بسيارته الخاصة ولا يتفاعلا كزميلي دراسة. إلا إن ذلك كان يكفيها وزيادة ليضفي بعض من سعادة على قتامة الأيام التي كانت تمضيها هنا وحيدة مع جدتها.
مدت كفها لسرج عنتر عندما وصلت لعنده وتناولت الرسالة ودستها بين طيات ثيابها في سرعة. عائدة إلى غرفتها قبل أن يفرغ منتصر من حديثه الخاص مع جدته. والذي طلب فيه الانفراد بها داخل حجرة المكتب.
عادت أية أدراجها وما أن دخلت الدار حتى تناهى لمسامعها صوت منتصر وجدته وقد أصبح أكثر علوا من المعتاد.
ماذا يجري؟ لم يكن من عاداتها الفضول تجاه أمر ما لا يخصها. لكن ما استوقفها وجعلها ترهف السمع للحديث الدائر هو اسم الهوارية الذي جاء جليا في الحديث الدائر.
اسم مروان هو.. مروان سيد الهواري. علمت بالاسم كاملا من المحاضرة التي كان دكتور المادة يحصي عدد الطلاب الحاضرين. إذا فهو واحد من هذه العائلة التي يدور حولها الحوار المشتعل بالداخل.
لقد حاولت كثيرا استدراج خفيرهم لتعلم أي معلومات عن أصحاب تلك الدار التي يتسلل إليها عنتر. لكنها لم تفلح في ذلك. فقد كان جواب الخفير دائما "معرفهمش.. اسألي الحاجة وهي تجولك".
اقتربت أكثر لتستوضح الحديث الدائر فقد زاد فضولها بشكل كبير لتعرف عن أي شئ يتمحور هذا الصراع الدائر بين جدتهما ومنتصر الذي هتف اللحظة: يعني أنتِ هاتصغريني قدام الرجالة يا ستي! أنا روحت لحد عندهم وطلبت بتهم. وكل اللي طلبوه هو الأصول. يعني رجالة العيلة ياجوا معايا. إيه فيها دي؟
هتفت وجيدة في صرامة: فيها إنك رحت لحالك من غير ما تشورني من الأساس. فيها إنك لو كنت جلتلي من جبل سابق كان هايبقى فيها كلام تاني.
أكد منتصر مستعطفا: اعتبريني مرحتش من أساسه. وهم أصلا معملوش لمجيئي لزوم. وأديني بعرفك أهو. أنا عايز أتقدم لبتهم. تعالوا معايا. هااا.
تنهدت وجيدة هاتفة: مبقاش ينفع يا غالي. وبعدين أنت ناسي إنك خاطب. ولا إيه؟
هتف منتصر في ضيق: خاطب مين يا ستي. حضرتك اللي أمرتي وجلتي. يا منتصر أنت مليكش إلا بت عمتك آية. وهي ملهاش غيرك. لا سألتيني ولا حتى خدتي رأيها. والكلام ده كان من سنين وكنا صغيرين. لكن دلوقتي الوضع اختلف. أنا عايز أخطب اللي اختارها قلبي وهي أكيد هيجيلها بن الحلال اللي..
هتفت وجيدة صارخة في صرامة: منتصر.. أنت واعي لحديتك! آية ملهاش غيرك ولا حد هيبقالها غيرك. اشحال إنك واعي لحالها وعارف اللي فيها.
صرخ منتصر في قهر: ليه يا ستي! ليه بتعملي فيا كده؟ ليه بتحمليني حمل أنا مش كده. وبتدفعيني تمن غلطة أنا مرتكبتهاش. ليه؟
وتحشرج صوته مستطردا: منتصر طول عمره طوعك. تعالى يا منتصر يجي. روح يا منتصر يروح. انجح يا منتصر ينجح. أدخل كلية الشرطة وسيبك من الهندسة اللي كانت حلمك. عشان يبقى لنا ضهر وسند في الحكومة. حاضر. ويبجى منتصر ضابط تتباهى بيه الحاجة وجيدة. لكن منتصر عايز إيه! يولع منتصر واللي عايزه منتصر. حتى جلب منتصر وحياته. لازم تمشي على كيف ومزاج ستة وجيدة.
ساد الصمت لبرهة لعل وعسى يلين قلب تلك التي تقف تبصره يتمزق أمامها ولا تحرك ساكنا. لكنه قطعه عندما لم يجد منها رد فعل يريحه. هاتفا بصوت ثابت النبرة قاطع: لحد هنا وكفاية يا ستي. منتصر استكفى. وحتى لو متجوزتش اللي رايدها قلبي. منتصر عمره ما هينفذ لك اللي أنتِ عايزاه تاني. عن إذنك.
وضع كفه على مقبض الباب يهم بالخروج لكنه توقف لحظة هاتفا بسخرية: بالمناسبة صحيح. لك عندي سلامات مبعوتة من عاصم الهواري. بيجولك. الأيام بتدور. إيه اللي كان بينكم بالظبط؟ أنا مش عايز أعرف! بس بجولهالك تاني يا ستي. حرام عليكِ. مدفعيناش تمن ذنوب إحنا معملنهاش.
واندفع منتصر لخارج الحجرة بل الدار بأكملها ومنه لعنتر الذي اعتلى صهوته تاركا إياه يسابق الريح لعل ذاك يخفف من تلك النيران المضرمة بين جوانحه.
أما آية فقد تدارت حول أحد الأعمدة عندما غادر منتصر الغرفة وما أن تأكدت أنه اتجه نحو الإسطبلات حتى اندفعت تعتلي الدرج حتى غرفتها. والتي أغلقت عليها بابها لا تصدق كل ما سمعت بالأسفل.
لقد تحررت من ذاك القيد الذي كانت جدتها تربط به قلبها. حررها منتصر باعترافه أنه يحب فتاة أخرى ويرغب في الزواج بها.
تنهدت في راحة وقد استشعرت أنها تلتقط أنفاسها في حرية للمرة الأولى منذ وطأت قدماها هذه الدار بعد الحادثة التي أودت بحياة والديها معا.
سارت حتى وقفت أمام المرآة الطولية بخزينة الملابس تتطلع لوجهها الرقيق وقسماته الدقيقة الطفولية. كانت جميلة هي تعلم. لكن..
تنهدت عند لكن تلك. ولم تشأ أن تفتح ذاك الصندوق الأسود الذي يدخلها في دوامة من الأوجاع لا نهاية لها.
مدت كفها لرسالة مروان التي لم تفضها بعد. وفتحتها لتقرأ كلماته.
"عايز مساعدة ضروري. يا زميلة. نمرة تليفوني.." خط لها نمرة هاتفه مستطردا "ابعتيلي بقى كل حاجة خدتوها ع الواتس. لو عايزاني ألحق ألم حاجة فالترم ده. وحسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة. مروان"
ابتسمت وهي تتطلع لكلماته وترددت كعادتها في تنفيذ مطلبه. والآن أصبح التردد مضاعفا بعد كل ما سمعته من منتصر. لذا طوت الرسالة وقذفت بها في أعماق أحد الأدراج. محاولة تناسيها.
دقات على هاتفها جعلتها تتنبه لحقيبتها التي كانت تهملها بأحد الأركان داخل مكتبها الذي يضج بالكثير من أوراق العمل.
فتحت الحقيبة وتناولت جوالها الذي أضاءت شاشته باسم بدور.
ردت في عجالة: إزيك يا بدور. ف..
أجابها على الجانب الأخر صوت بكاء مكتوم ما دفعها لتهتف في ذعر: حد حصل له حاجة يا بدور؟ محمد عريس زهرة وعاصم كويسين؟
أكدت بدور من بين شهقات بكائها: لحد دلوقتي مفيش أخبار عن محمد تطمن. عاصم كويس لحد ما. لكن محمد اللي حالته صعبة. ربنا ينجيه. تلاقي زهرة هتموت من خوفها عليه.
وزادت وتيرة نحيبها الموجع ما دفع فريدة لتتنهد هامسة في تساؤل: والعياط ده كله عشان محمد وعاصم؟
هتفت بدور في وجع: مش بيرد عليا يا فريدة. مش عارفة فيه إيه؟
لم يكن من الصعب على فريدة توقع من كانت تقصده بكلامها. بالتأكيد منتصر الذي اختفى تماما بعد زيارته للسراي ومقابلته لخالها حازم وجدها عاصم.
تنهدت فريدة مفسرة: بعد اللي خالي حازم قاله يا بدور. كله ده كان متوقع. العيلتين في بينهم مشاكل من زمان. وطلبات جدي وخالي هي عين الأصول. ومكنش عندهم مانع في الموافقة لأن منتصر فعلا حد كويس. بس..
صمتت فريدة لتتساءل بدور في شجن: بس إيه يا فريدة؟ إحنا مالنا باللي كان زمان. واللي حصل زمان.
أكدت فريدة: مفيش حاجة اسمها إحنا مالنا يا بدور. منتصر مش هيتجوزك وعيلته مش راضية عن الجوازة. وواضح أن ده اللي واضح. بصراحة أنا عاذراه.
هتفت بدور في حنق: عاذراه! ليه! المفروض هو راجل وأمره بأيده.
أكدت فريدة في هدوء: المواضيع دي لها قواعد وأصول يا فريدة. بالذات عندنا فالصعيد. مفيش حاجة اسمها راجل يجي يتقدم لواحدة بطوله وهيتقبل. زي ما قال جدي عاصم. فين كبيره اللي ممكن يترجع له بعد كده؟ وإزاي أصلا أنتِ نفسك يبقى عادي عندك تتجوزي واحد عيلته مش شيفاكِ تستاهليه. ولا تستاهلي تبقي منهم من أساسه!
تنهدت بدور وكأن هذا الأمر كان غائبا عنها ما جعلها تهتف في حسرة: عندك حق. بس كده يعني خلاص؟
وشهقت من جديد باكية ما جعل فريدة تهتف مطمئنة: مفيش حاجة خلصت يا بدور. أنا متأكدة إن منتصر هيحاول على قد ما يقدر يقنع عيلته. وربنا هيجمعكم على خير.
هتفت بدور في وجع: وإذا مقدرش يقنعهم!
همت فريدة بالإجابة إلا أن صوت رنين مصاحب على هاتفها جعلها تتأكد أن والدها يؤكد عليها الإسراع فقد حان وقت لقاء العمل الذي دعيت له من قبل أحد شركاء والدها. وعليها الرحيل حالا إذا ما أرادت أن تصل بموعدها. ما دفعها لتهتف لبدور معتذرة: بصي يا بدور. عمك حمزة قاعد يرن عليا بيستعجلني لأن فيه ميتنج مهم لازم أحضره. هكلمك تاني بالليل. ماشي.
أكدت بدور هاتفة: ماشي يا فريدة. هستناكِ ترني عليا. سلام.
أغلقت فريدة الهاتف وأسرعت في اتجاه المصعد ومنه لسيارتها. ولم تكن تدرك أن هناك إحدى السيارات تراقبها متتبعة لها كظلها.
كانت تتدارى متعللة بإصابتها بالصداع مغلقة عليها غرفتها حتى تبكي في حرقة. ذلك الذي جاءها الخبر المشؤوم عن إصابته في محاولته لإنقاذ زوج زهرة.
كان بكاء مرير. تتمنى لو كان بمقدورها زيارته والاطمئنان عليه بنفسها. لا كلمات قد تهدئ من روعها وصدمتها منذ سمعت الخبر إلا رؤيته رؤى العين.
لكن كيف لها ذلك؟
طرقات على باب غرفتها جعلتها تنتفض تمسح دموعها في سرعة محاولة التظاهر بأنها على ما يرام.
دخلت سهام عليها وما أن أبصرت وجهها الذي ما كان من الممكن أن لا يدرك من يراه أنها كانت تبكي.
تنهدت سهام وقد جاءت لتجلس جوارها هامسة: شكلك عرفتي باللي جرى؟
هزت سمية رأسها مؤكدة محاولة تمالك نفسها حتى لا تنفجر باكية من جديد.
همست سهام متسائلة: وهتعملي إيه؟
هزت سمية كتفيها بعجز هاتفة بصوت متحشرج: هعمل إيه يعني؟ اديني بستنى أسمع خبر من هنا ولا من هنا. عشان أطمن عليه.
هتفت سهام: سمير معاه على طول. بيبلغني أخباره. على فكرة هايبقى كويس متجلجش. الدكاترة جالو كده. هو بس دراعه انكسر وفيه شوية جروح. لكن اللي ربنا يسلمه بجد هو جوز زهرة. بيقولوا حالته صعبة. ربنا ينجيه.
همست سمية: يا رب. حرام والله. ده لسه عريس جديد ومتهنوش هو وزهرة.
تنهدت سهام هاتفة: هنجول إيه؟ ربنا يستر.
ربتت سهام على كتف سمية مواسية وهمست بها: عارفة إنه مش وقته يا سمية. بس بجولهالك نصيحة لوجه الله. خرجي عاصم من بالك. واضح إنك مش فباله. ده كان مسافر ومفكرش حتى يجولك أو حتى يلمح لك إنه عايزك. وعرف من جبلها إن كان متقدم لك عريس ومفكرش لما رفضتيه إنه يتقدم هو. عاصم مش فباله الجواز. ولا أنتِ في دماغه من أساسه. فكري فحالك يا سمية. حرام عليكِ نفسك.
شهقت سمية باكية لتضمها سهام بين ذراعيها مواسية مستطردة: متزعليش مني. بس أنتِ مش شايفة حالك عامل كيف!
هتفت سمية من بين دموعها: على طول بدعي ربنا يا سهام. لو مش نصيبي يبعده عن قلبي. ويديني إشارة. بس الظاهر لسه ربنا مأردش.
ربتت سهام على كتفها من جديد هاتفة: ربنا يحضر لك الخير.
همست سمية: يا رب.
هتفت سهام مبتعدة: أنا لازما أمشي بجى عشان سايبة الأكل على النار وستي سهام زمانها خاربة الدنيا عليا. أروح بدل ما تعلجني.
ابتسمت سمية تاركة إياها ترحل في عجالة مغادرة. اندفعت تهبط الدرج مهرولة وهي تعبث بعقد اللؤلؤ الذي كان يزين جيدها.
لكن قدمها خانتها على إحدى الدرجات لتترنح قليلا قبل تعلقها بسياج الدرج غير مدركة أنها تجذب العقد بقوة أثناء محاولتها التشبث متفادية سقوطها. والذي جاء في نفس اللحظة التي دخل منها لباب الدار الرئيسي بعد انتهائه من أداء صلاة الظهر.
لا يعلم ما الذي أتى به مبكرا اليوم على غير عادته. ليرى ذاك السقوط الجزئي.
اندفع بلا وعي تجاهها في محاولة لإنقاذها من انحدار جسدها على كامل الدرجات الخمس المتبقية.
لكنها لحسن الحظ استطاعت التشبث جيدا بسياج الدرج. لكن عقدها انفرط محدثا طقطقات متناغمة على الدرج لانفلات حباته. والتي انتثرت هنا وهناك.
سألها في هوادة: أنتِ كويسة؟
رفعت ناظريها نحوه تحاول الاعتدال قدر استطاعتها وذاك الألم يعصف بكاحلها هامسة بأعين دامعة: الحمد لله.
همس الشيخ مؤمن وقد ارتبك مبتعدا يستدير معطيا لها ظهره حتى يتسنى لها النهوض في راحة: الحمد لله. ربنا سلم.
حاولت النهوض لكن ألم قدمها عاندها فأطلقت آهة متألمة جعلته ينتفض موضعه متسائلا وهو ما يزال موليا ظهره غير قادر على الالتفات إليها: إيه في؟
أكدت بنبرة باكية: رجلي.
اندفع معتليا الدرج هاتفا بسمية وأمه. هرولتا في قلق وما أن أبصرتا سهام حتى اندفعتا تساعداها على النهوض حتى الداخل. والاتصال بأمها لترسل سمير لاصطحابها.
وبينما ظل هو بالخارج في انتظار سمير. وقع ناظره على بعض اللؤلؤات المتناثرة. فانحنى يلتقطهن واحدة تلو الأخرى حتى وصلت عربة معتقدا أن سمير من يقودها. وكان بكفه حفنة من اللؤلؤ. فوجد نفسه يدفع بهم لجيب جلبابه.
جاء باسل أبيها لاصطحابها بديلا عن سمير الذي كان يرافق عاصم بالمشفى. وما أن رحلا حتى عاود مؤمن اخراج اللآلئ من جيبه متطلعا إليهن في سعادة. وعاد للدرج باحثا عن المزيد حتى استطاع جمع كمية أخرى. تطلع إليهن في أحضان كفه مبتسما. متذكرا قول رب العزة في محكم آياته واصفا الحور العين "وَحُورٌ عِينٌ.. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ".
اتسعت ابتسامته هامسا: سبحان من هذا كلامه.
كانت قد غادرت بيت أبيها اللحظة ولمح هو طيفها يمر به وهو منكب على مقدمة إحدى العربات غارقا فيها. مد كفه باحثا عن إحدى الأدوات لكنه لم يجدها. اندفع باحثا خارج الورشة لتقع عيناه عليها وهي في طريقها ربما للسوق. فهو لا يرى بيدها حقيبة يدها أو كشكول محاضراتها.
لكن ما استرعى انتباهه هو تلك الضفيرة الكستنائية التي تتدلى على ظهرها تطل من تحت غطاء رأسها مترنحة في هيام على خصرها.
ازدرد ريقه لا يعلم ما دهاه واندفع خلفها يستوقفها: آنسة نعمة. يا آنسة.
لم يمهلها لتتوقف مستديرة لترد عليه بل إنه اندفع ليقف بطريقها ما جعلها تتقهقر للخلف خطوة متعجبة من أفعاله التي لم تكن من طبعه في الأسابيع الماضية التي خبرته فيها.
هتف بها وهو يخفض الطرف عنها هاتفا: إرجعي البيت دلوقتي.
هتفت به في اندهاش: ليه؟
واستطردت: هو حد ناداني وأنا مسمعتش ولا إيه؟ طب كانوا كلمو..
قاطعها مؤكدا: محدش نادامك ولا حاجة. بس أصلك شعرك باين كله من الحجاب. إرجعي و..
شهقت مقاطعة إياه وهي تضع كفها على مؤخرة رأسها ليتأكد لها أن ضفيرتها التي ضمتها جيدا تحت غطاء رأسها قد فكت عقالها وهربت من أسره.
اضطربت وهي تحاول التصرف هاتفة: طب هدخل عند ورشة حسن. أظبط الطرحة.
أكد في حزم: ورشة حسن كلها رجالة. إرجعي على البيت أحسن. وأنا وراك. متجلجش.
سارت تضم جديلتها المنفلتة تحت حجابها وهو سائر خلفها على بعد خطوات قليلة حتى إذا ما وصلت لمدخل بيتها اندفعت للداخل وتوجه هو للورشة محاولا استئناف عمله في القطعة التي كان يعمل عليها سابقا.
لكن تلك الجديلة الكستنائية المترنحة كالسكير على ذاك الخصر الدقيق تمثلت أمام ناظريه اللحظة ما جعله يزفر في ضيق متسائلا. ما لك وضفيرتها! ما لك والنساء من الأساس!!
فقد خبر أن لا خير يأتي من قبلهن. وعليه أن يكون حريصا بما يكفي وزيادة. فلا قبل له على مجابهتهن.
رفرفت أهدابه في بطء لا يدرك أين يكون. كل ما يحيطه يتشح بالبياض. بدأ في استعادة وعيه ببطء حتى تنبه كليا أنه بالمشفى. إذن فقد نجا.
وماذا عن زوجها؟ حرك وجهه في تثاقل يمنة ويسارا ليطالعه سمير الذي كان يجلس على أحد المقاعد وقد مال رأسه مؤكدا أنه غارق في سبات عميق.
حاول النهوض فشعر بالدوار يكتنف رأسه وثقل ما استشعره بذراعه. وبعض الآلام المتفرقة هنا وهناك بجسده.
تحامل قليلا على نفسه حتى استطاع أن يعتدل في هوادة جالسا على طرف الفراش. عليه النهوض ليرى ما الذي جرى خلال فترة رقاده. أين محمد! وأين هي بعد ما سمعت الخبر! هو يشعر بدنوها. يكاد يجزم أنها ها هنا راقدة. بحجرة قريبة.
نهض سائرا حتى فتح الباب وسمير ما يزال غارقا في سباته الثقيل غير مدرك لذلك الذي اتخذ الجدران سندا حتى استطاع الوصول لحجرتها. سأل على رقم الغرفة إحدى الممرضات والتي تعجبت من تواجده خارج غرفته وهو بهذه الحالة. لكنه هتف بها في إصرار أنها دقائق وسيعود للحجرة من جديد. حاولت مساعدته للوصول لغرفة زهرة وأمرها بتركه على أعتابها.
كان يعلم أنها لن تتحمل ذاك الخبر الصاعق الذي هز ثبات الجميع. وقد كان. فلم يكن باستطاعة أحد تهدئتها أو السيطرة عليها بالسراي لذا كان لابد من نقلها للمشفى.
كانت مغيبة تماما عن عالمنا وزوجها بعد خروجه من غرفة العمليات بالعناية المركزة. راقد يرزح تحت نير الأجهزة الطبية والأنابيب المختلفة التي تمده بأسباب الحياة.
سمع صرخاتها من داخل الغرفة التي ما زال متسمرا على عتباتها يتمنى لو سمح له بالولوج إليها.
سمع أمه وأمها يعترضن على طلب ما لم يكن يعلم كنهه فأرهف السمع وهي تلح فيه وهن ما زلن على رفضهن.
طرق باب الغرفة. سمحت إحداهن بدخول الطارق. دفع الباب في هوادة ليجدهن ممسكات بها وهي في سبيلها لفتح الباب هاربة من سيطرتهما في اتجاه حجرة زوجها كما كان يظن للاطمئنان عليه.
لكن ما أن وقع ناظرها عليه حتى همست باسمه في صدمة وأعين دامعة وقد استكانت مقاومتها لهن بعد رؤيته.
انتفضت أمه ما أن طالعها محياه تاركة زهرة متوجهة نحوه: عاصم! حمد الله بالسلامة يا حبيبي. إيه اللي جومك من سريرك! وفين سمير! ده أنا سيباه مكاني عندك وجيت أطمن على زهرة.
لم يكن يستمع لكل ما تقصه أمه على مسامعه. كل ما كان يعنيه اللحظة هي.
فقط هي. وتلبية مطالب عيونها التي كانت تحمل نفس نظرات العشق واللهفة التي رآها يوم علم أن محمد يطلبها للزواج.
هتف عاصم في صرامة: سيبوها. اللي هي عايزاه كله ننفذوه. يمكن ترتاح بعدها.
هتفت إيمان أمها باكية: هتتعب أكتر يا عاصم.
هتف مؤكدا في نبرة شجية: لااه. خليها تطمن هترتاح أحسن. ده حجها.
مدت أمه كفها له تحاول إسناده عندما استشعرت عدم اتزانه لكنه هتف بها مطمئنا: متجلجش. أنا بخير. روحي ساعديها وتعالوا ورايا.
تطلعت له أمه مشفقة لكنها اطاعت وعادت تمد كفها لها وكذا أمها لترتكن عليهما مترنحة. سقط ناظره عليها من جديد فرأى شحوبها. فترنح قلبه متوجعا وهو يسبقهن مترنحا بدوره والدوار يزداد ضراوة برأسه. إلى حيث يرقد زوجها بالعناية الفائقة.
تطلع عاصم إلى جسد محمد المسجي للحظة وابتعد بأحد الأركان تاركا المجال لها لتقف متطلعة من ذاك الجدار الزجاجي لجسد زوجها الممدد بهذا الوجه الشاحب ليسيل الدمع سخينا على خديها في صمت.
رغم كل شيء إلا أنه يتعاطف فعلا مع حالهما. يشفق عليها وهي ما تزال عروسا لم تهنأ مع من اختاره قلبها وكذا عريسها الذي لم يسعد إلا ساعات قليلة بصحبتها. ليته ينهض من سباته حتى تطمئن هي أنه بخير وليكن ما يكون بعدها. فوجود محمد أو غيره ليس هو المشكلة على الإطلاق. إنما المشكلة الحقيقية تكمن في قلبها هي. قلبها الذي لا يستشعر ولع قلبه بها وغرامها الذي ينخر به منذ زمن بعيد حتى جعله مهترئا من كثرة الأوجاع.
انتفض من خواطره على صوت رنين عالٍ تنبه له الجميع وكذا أفراد عائلته التي كانت تجلس قبالة الحجرة وقد غشى بعضهم النوم إرهاقا.
اندفع الكثير من الأطباء والممرضات لداخل الحجرة وابتعد الجميع عن مجال ذهابهم وإيابهم وذاك الصوت الصادر عن أجهزته يشبه صوت صافرة الإنذار ينبئ بأمر ما لا يبشر بخير أبدا.
لحظات وخرج الأطباء من الحجرة تباعا منكسي الرؤوس في حزن. ليهتف أحدهم في أسى: البقاء لله.
تعالت الصرخات من هنا وهناك لتسقط هي من جديد بين ذراعي أمها صارخة بكلمات مبهمة: سامحني يا محمد.. سامحني..
ليترنح عاصم بدوره وقد نال منه الدوار. يزلزل دواخله ويقوض دعائم روحه وجعها. ما دفع سمير الذي جاء على إثره ليلحق به مسندا إياه وصرخاتها تمزق نياط قلبه حتى صمتت غائبة عن الوعي.
وقد نحر الأمل في نجاة زوجها من براثن الموت.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رضوى جاويش
كان ممددًا على فراشه في صبيحة يوم الجمعة. لا يشغله إلا حُسن وما طرأ بينهما من أحداث مؤخرًا. منذ وفاة أبيها، وهو لا يعلم ما الذي اعتراه. أصبح أكثر ثورة وانفعالًا على كل ما يخصها أو يمت لها بصلة.
ما له وحُسن؟ منذ متى تعلقت أفكاره وخواطره بها؟
تنهد مؤكدًا لنفسه أن ما يستشعره تجاهها ما هو إلا شعور مضاعف بالواجب وإحساس بالمسؤولية لكونها أصبحت وحيدة بلا عائل أو سند. هذا هو السبب الحقيقي الذي يدفعه لمثل هذه المشاعر التي تؤرقه نحوها. اطمأن لهذا الخاطر.
وما أن هم بالخروج من الغرفة حتى أتاه صوت أمه هاتفة:
"يا نادر، هات أي هدوم عندك عايزة غسيل. خلينا نخلص قبل صلاة الجمعة."
هتف مؤكدًا:
"حاضر."
توجه نحو مشجب ملابسه ومد كفه نحو بنطاله الجينز الذي كان قد قرر أن يضبط به بعض المقاسات، فتركه عند الأسطى وحيد الترزي ونسيه لفترة ولم يذكره إلا البارحة، فمر عليه ليأخذه. مد كفه بشكل اعتيادي لجيب السروال، ربما هناك شيء ما منسي يُفقد أثناء غسيله. اصطدمت أصابعه بشيء معدني. أخرجه في هدوء ليترنح أمام ناظريه، مثيرًا ذاك الخافق بيسراه عندما تذكر أنه عقدها الصدئ الذي وجده بين طيات غطاء فراشه. ذكراها التي تركتها لاهية عن فقدانها لتؤرقه وتعبث باستقرار باله وهناء خاطره.
انتفض ما أن جاءه نداء أمه تتعجله لجلب الملابس المتسخة، ما اضطره ليدفع بالعقد لأعماق أحد الأدراج، مغادرًا الحجرة وملابسه المتسخة بين ذراعيه. تركها جانبًا وبدأ في الاستعداد للصلاة، وصورة ذاك العقد المترنح تؤرق مخيلته.
***
ثلاث ليالٍ وهي في عالم آخر. ثلاث ليالٍ وهي لا تدرك من أمرها وأمر من حولها شيئًا. تنام بالحبوب المنومة، وما أن تغفو حتى تبدأ في الهمهمات التي تؤكد معاناتها. وإذا ما استيقظت، ظلت تحدق بالفراغ لا تعبأ بوجودهم حولها، أو محاولاتهم الحثيثة لتجاذب أطراف الحديث معها وإعادتها لطبيعتها وتفاعلها معهم.
كان عاصم يتابع ذلك، لا قبل له على تحمل ما تعانيه. يعلم مقدار ألمها وقدر خسارتها. فما من أمر يعوض تلك الخسارة الفادحة في زوجها الذي رحل بعد أيام من عقد قرانهما.
كان يمر على حجرتها، لا قبل له على الدخول. فقد كان الجميع حولها في الأيام الماضية. لكن اليوم خف ضغط الزوار الذين كانوا يتناوبون على البقاء معها. طرق الباب في وجل، وما أن جاءه الرد بالإيجاب من الداخل، حتى دفع الباب في هدوء هاتفا بصوته العميق:
"السلام عليكم."
ووقع ناظره عليها مستطردًا:
"كيفها دلوقت؟"
استشعر اضطرابًا داخليًا ما دفعه ليحيد بناظريه عنها، موجهًا إياه للطبيب الذي كان موجودًا يتابع الحالة على سجل تسجيلها المعلق على مقدمة الفراش.
هتف الطبيب بآلية:
"تمام الحمد لله."
تساءل عاصم:
"يعني هتتحسن؟"
تطلع الطبيب نحوها مؤكدًا:
"بإذن الله."
تنبه الطبيب أن نظرات زهرة معلقة بموضع عاصم أينما حل. بينما استشعر عاصم أن عليه المغادرة، فتطلع لإيمان أمها التي كانت تجلس في استكانة وعلى وجهها علامات الوجع والحسرة على ما آل إليه حال ابنتها الوحيدة وبكريتها.
هتف عاصم بزوجة خاله:
"مش محتاجة حاجة يا مرت خالي؟"
ابتسمت إيمان في شجن مؤكدة:
"عايزة سلامتك يا حبيبي. كفاية عليك تعبك ومجيتك للسؤال وأنت كمان تعبان. خلي بالك على حالك."
هز عاصم رأسه مطمئنًا وهتف في هدوء:
"لو احتاجتوا أي حاجة أنا موجود جاركم في أي وقت يا مرت خالي ناديني. سلام عليكم."
وخرج عاصم من الحجرة وعيونه تحارب حتى لا تتوجه إليها في غفلة منه. لكنه أخيرًا ألقى بنظرة متعجلة واندفع مغادرًا. إلا أن الطبيب سأل إيمان في فضول:
"هو يقرب لكم إيه؟"
أكدت إيمان:
"ده واد عمها."
ابتسم الطبيب، والذي كان الوحيد الذي لاحظ أن زهرة لم تبد أي رد فعل منذ أيام إلا عندما هل عاصم من هذا الباب. ما دفعه ليؤكد على إيمان هاتفا:
"طب أنا شايف إن ابن عمها ده هيكون له دور في علاجها. يا ريت تعملي باللي هو قاله وتخليه يجي كتير يقعد معاها."
زمت إيمان ما بين حاجبيها متعجبة، لكنها لم تبد أي اعتراض على نصيحة الطبيب، فهي على استعداد لفعل أي شيء في سبيل مصلحة ابنتها واستعادتها لصحتها. ما جعلها تهز رأسها موافقة.
***
انتهت صلاة الجمعة. كان ذاك يوم الإجازة الأسبوعية بالورشة. ما دفع نادر وناصر للتشبث برأيهما هذه المرة، والإصرار على دعوة راضي لتناول الغذاء معهما، بدلًا من تناوله وحيدًا كعادته، أو اختلاق الأعذار للتهرب. ما دفع راضي للإذعان أخيرًا والموافقة على تناول الغذاء برفقة العائلة.
دفع ناصر باب الشقة ومن بعده دخل نادر. وتنحنح راضي مطرقًا رأسه أرضًا في تأدب. لتستتر النساء – شيماء ونعمة – بالداخل يضعن أغطية رؤوسهن قبل أن تنضما للجمع الذي رحب براضي في حفاوة.
هتفت به نعمة الجدة:
"أخيرًا رضيت عنا يا سي راضي."
ابتسم راضي محرجًا وهتف في نبرة رزينة:
"العفو يا حاجة. ده أهم حاجة رضاكِ علينا."
ابتسم خميس يشاكسه:
"واحنا بلاش بقى ولا إيه؟"
اتسعت ابتسامة راضي الخجلى مؤكدًا:
"برضك يا معلم! ده أنت الخير والبركة."
بدأ إعداد المائدة، ما دفع راضي ليشير لنادر بطرف خفي هامسًا له ما أن دنا:
"بقولك.. ما تاجي ناكلوا جوه، عشان الحريم ياكلوا براحتهم."
قهقه نادر هاتفا بصوت عالٍ:
"بقولكم إيه! الصعيدي ده عايز ياكل جوه وبيقول عشان الحريم ياخدوا راحتهم. شكله بيهطل على نفسه أو بياكل بأيده ورجله سوا. ودي تلكيكة."
قهقه الجميع إلا راضي، الذي ظل مطرق الرأس تظلل شفتيه ابتسامة خفيفة محرجة على مزاح نادر. ليؤكد له خميس:
"مش أي حد بيقعد على سفرتنا مع الحريم يا راضي. اللي دخلوا البيت ده قليلين قوي. كونك بينا ده معناه إنك فعلاً واحد مننا وعايزين ناكل معاك عيش وملح عشان تحس إنك بجد واحد من العيلة مش مجرد ضيف هياخد واجبه ويمشي. بص يا راضي يا بني، العيش والملح ده أمانة، وإحنا بنعرف نختار اللي يصونه ويحفظ الأمانة."
هتف راضي في امتنان:
"كلامك على راسي من فوق يا معلم."
هتفت نعمة في تنهيدة:
"سبحان الله.. كأني شايفة زكريا قصاد عيني."
ابتسم راضي في سعادة:
"جدي زكريا ربنا يديه الصحة وطولة العمر. مين يطول يبقى زيه؟ جدي يونس بيحكي عليه حكاوي كأنها أساطير."
هتفت نعمة مؤكدة:
"صدق يا راضي. كل كلمة قالها جدك على زكريا صدق، ويمكن أكتر كمان. وأنا شاهدة."
هتف خميس مازحًا:
"وأنا هموت من الجوع."
هتفت نعمة الصغرى مازحة وهي تحمل الأطباق للمائدة:
"خلاص أهو يا جدي. عرفاك مستني البامية باللحمة الضاني على نار."
قهقه خميس مؤكدًا لراضي:
"حرمني منها يا راضي. يرضيك كده؟"
اتسعت ابتسامة راضي، ما دفع ناصر ليهتف مؤكداً:
"مش خايفين على صحتك يا معلم؟ الدكتور مانعها عنك."
هتف خميس ممتعضًا:
"بلا دكاترة بلا يحزنون. تدخل ع الواحد منهم كل اللي حيلته متأكلش، متشربش. بلا هم."
وتوجه بحديثه لراضي من جديد مؤكدا في مزاح:
"بالك أنت يا راضي، أنا عازمك النهاردة ومتلكك بيك عشان يعملوا البامية بالضاني."
قهقه ناصر، بينما شهقت نعمة الجدة لتهتف نعمة الصغرى هاتفة في مرح:
"يا خبر أبيض. لحسن الباشمهندس راضي يصدق يا جدي!"
اضطرب راضي عندما نطقت اسمه، رغم أنه لم يكن مجردًا بل كان يتبعه لقبه. لكنه استشعر ارتباكًا عجيبًا بداخله، ولم يعلم ما الذي دفعه ليهتف مازحًا موجهًا كلامه لها بشكل غير مباشر:
"أنا هعمل نفسي مصدق. وإن كان كده، عشان خاطر المعلم خميس أجي كل جمعة وتاكل اللي يعجبك. عنينا ليك."
قهقه خميس، لتؤكد نعمة الجدة ضاحكة:
"أهو لقيت لك حجة تاكل بها اللي يعجبك اهو. أبسط يا عم."
ارتفعت الضحكات لتهتف نعمة الصغرى:
"السفرة جاهزة. اتفضلوا."
نهض الجميع وجذب ناصر راضي الذي كان متحرجًا لينضم للسفرة، يجلسه بجوار نادر هاتفا به:
"حطيتك بيني وبين نادر، يعني وقعت بين إيدين اتنين معندهمش ياما أرحميني فالأكل واللي بيعزموا بيه مبيتردش. هتاكل يعني هتاكل."
ابتسم راضي هاتفا:
"ربنا يستر."
هتف خميس مازحا ما أن وضعت نعمة برام البامية بالقرب منه:
"بسسسس. خلونا نركز فالبامية بقى الله يخليكم."
ارتفعت الضحكات والمعلم خميس يتناول البامية ليضعها أمامه مستأثرًا بها.
***
كان يتمدد على فراشه يتطلع للسقف في تيه. فما أن فتح عينيه بعد نوم قلق مضطرب إلا وطالعته نظرات عيني سماحة التي صدمته بالأمس.
ما الذي يحدث؟ هل أصابه الجنون ليظل الليل بطوله يتقلب على جمر من جراء نظرات رجل! إن حالته مستعصية وعليه البحث عن علاج. فيبدو أن حالة الفراغ العاطفي الذي خلفها حب سهام بقلبه جعلته يتصرف بلا عقلانية.
انتفض ناهضًا مغادرًا فراشه، يشعر بإرهاق شديد لنعاسه المضطرب الذي لم يتعد الساعات الأربع.
خرج من الغرفة يجر قدمه، وما أن أصبح خارجها حتى ألقى بجسده على أقرب مقعد هاتفا ينادي سماحة:
"يا واد يا سماحة! أنت فين يا واد!"
أسرع سماحة ملبيًا ندائه هاتفا:
"نعم يا بيه. تحت أمر جنابك."
حاول يونس تجاهل النظر نحوه، لكنه لم يستطع إلا التحديق فيه هاتفا به في صرامة غير معتادة:
"بقولك.. اللي حصل عشية ده ميتكررش. أنا سايبك هنا عشان خاطر أمك وأخواتك البنات. دول غلابة ملهمش غيرك. طلع اللي فدماغك ده وركز في كيف تساعدهم وتوصلهم لبر الأمان. مش رايح ترمي نفسك فالنار."
هم سماحة بالحديث، إلا أن يونس قاطعه مانعًا من التبرير مؤكدًا وهو يحاول أن لا يطيل النظر نحوه:
"مش عايز كتر حديد ملوش لازمة. هتسمع اللي بقوله عليك. هتقعد هنا معزز مكرم. مش هتسمع وركبت راسك يبقى تفارج يا بن الحلال. وروح شوف حالك بعيد عني. سامع!"
هز سماحة رأسه موافقًا في امتعاض ولم يبد أي اعتراض على كلام يونس الذي هتف آمرًا:
"روح يالا جهز لي الفطار. وحط اللي قولتهولك حلقة في ودانك."
هتف سماحة مؤكدًا:
"حاضر يا بيه."
واندفع مبتعدًا يحضر ليونس الإفطار. رن هاتفه، فعاد من جديد للغرفة ليلتقطه مجيبًا في انشراح:
"صباح الخير على ست الكل."
هتفت عائشة متذمرة:
"بلا ست الكل، بلا ست أبوها. أنت روحت وجلت عدولي، وأخوك راضي كمان راح مصر ومن ساعتها مشوفتهوش. أرازي في مين أنا دلوقتي؟"
قهقه يونس مؤكدًا:
"عندك البت دعاء. رازي فيها زي ما انتِ عايزة."
أكدت عائشة مقهقهة:
"لأ. دعاء دي تخصص مرازية لأخواتها. وبتذلهم بسندوتشاتها اللي بيحبوها. وجال إيه.. خلي دعاء تعمل لنا الأكل وارتاحي أنتِ. شايف العيال!"
أكد يونس باسمًا:
"خلاص يبقى ملكيش إلا الحاج حامد. فيه الخير والبركة."
قهقهت عائشة:
"لأ. إلا مرازي أبوك. مجدرش على زعله أبدا."
قهقه يونس هاتفا في مجون:
"أيوه بقى يا حاج حامد يا مسيطر."
واستطرد مؤكدًا:
"ولا تزعلي يا ستي. أنا جايلك وراضي فيا زي ما تحبي."
هتفت عائشة في فرحة:
"بجد! والله اتوحشتك يا يونس. ربنا ما يغيبك أبدا أنت وأخوك."
ابتسم يونس مؤكدًا:
"والله لو ما كنتي اتصلتي كنتي هتلاقيني عندكم. أنا كمان اتوحشتكم. سلميلي على كل اللي عندك لحد ما أجيكم."
هتفت عائشة:
"تيجي لنا بالسلامة يا غالي. مع السلامة."
ألقى يونس التحية مغلقًا الهاتف، وقد قرر السفر لنجع الصالح. فيبدو أن ابتعاده عن أهله كل هذه الفترة جعل رؤيته للأمور بها الكثير من الاضطراب واللاعقلانية.
***
أنهت اجتماعها الذي كان مزمع انعقاده في هذا المقهى الراقي بإحدى ضواحي الإسكندرية العريقة. استأذنت مرافقيها للرحيل على وعد بلقاء آخر قريبًا، إذا ما اتخذوا قرارهم بالموافقة على اقتراحاتها التي قدمتها طوال فترة الاجتماع.
نهضت متجهة لخارج المقهى في هذا الجو الشتوي بامتياز. كانت تعشق إسكندرية في مثل هذا الجو، وكان لها الرغبة في السير تحت رزاز المطر. لكن الوقت صار متأخرًا وعليها الاندفاع نحو سيارتها للوصول للمنزل قبل أن يشتد المطر انهمارًا.
توقفت على درجات الدرج المفضية للخارج، ترفع ياقة معطفها اتقاء لنوبة البرد التي هاجمتها ما أن خرجت من دفء المقهى المكيف. تضغط على مفتاح العربة الإلكتروني لتصدح سيارتها معلنة عن مكان تواجدها. وما أن همت بهبوط الدرج إلا وقد ظهر فجأة. لا تعلم هل كان بالداخل أم أنه حضر لتوه. كل ما لاح لها في فوضى الحواس التي اعترتها لقربه هي تلك الابتسامة التي أضاءت عتمة الليلة الماطرة. رفع مظلته لأعلى وفتحها فوقها متجاهلاً نفسه، مشيرًا لها لتسير جواره يقيها المطر المنهمر حتى وصولها لباب سيارتها. الذي وقفت جواره تتطلع نحوه شاكرة في نبرة هادئة. ليرد نزار بابتسامة أخرى من سلسلة ابتسامته التي تربكها كالعادة، حتى ولو ادعت عكس ذلك.
فتحت باب العربة وأدارت محركها وانطلقت محاولة ألا تلق بنظرة تجاهه. بينما توقف هو متطلعًا نحو موضع رحيل عربتها حتى غابت، ليعاود الاحتماء تحت المظلة عائدًا لداخل الفندق من حيث أتى. ولم يلحظ تلك السيارة التي تحركت في حرص خلف فريدة وقائدها يجيب على جواله مؤكدًا أن الأمر قد تم على أفضل ما يكون.
***
انتهت المحاضرة وبدأ الجميع في الانصراف. كان ما بينهما لا يزيد عن كونهما زميلين، لا يحدث بينهما أي حوار داخل الجامعة. لكن ما أن يركبا سيارتهما حتى يبدأ السباق اليومي، الذي لا يفتر حماسه أبدًا.
كان من أول المغادرين وظل على انتظارها خارج القاعة، لكنها لم تخرج. تعجب، فالقاعة ليس لها باب آخر. قد تكون قد خرجت منه دون أن يدري.
عاد من جديد لداخل القاعة مستطلعًا الأمر، ليجد أحد الطلاب الذي لم يرتح له من الوهلة الأولى عندما تعرف عليه، يحاول اعتراض طريقها عدة مرات، وهي تحاول التملص منه.
تقدم نحوهما وبلا أي مقدمات، جذب ذاك الشاب من ظهر قميصه ليؤخذ الأخير على حين غرة وقد سقط بين أحضانه. ليتلقفه مروان ويبدأ في تسديد اللكمات له، والشاب يتأوه محاولًا التملص من بين كفي مروان اللذان تشبثا به في قوة. كان دوماً ما يخبر آية أن الله أخذ من قوة قدميه ووضعهما في ذراعيه، لكنها لم تكن تدرك أنه بهذه القوة إلا والشاب الأحمق ملقى أرضًا يتأوه مترنحًا يمنة ويسارًا وهو يضع كفيه على موضع فمه وأنفه الذي أصبح مدرجًا بالدماء. وهنا تدخل الأمن، الذي أبلغه بعض الطلاب بما يحدث دون رغبة من التدخل من قبلهم، لأن ذاك الشاب كان من الدناءة بحيث كان الجميع يتجنب أي خلاف معه. ولم تكن آية هي الفتاة الوحيدة التي تعرضت منه لمثل هذا السلوك.
هتف مروان بآية:
"امشي بسرعة وروحي. مش عايزك تدخلي في الموضوع ده. روحي."
هتف بكلمته الأخيرة في لهجة آمرة ما دفعها للتنفيذ فورًا، مندفعة نحو عربتها كما أمرها.
اصطحبهما الأمن لمكتب مسؤول الأمن. تطلع نحوهما بعد أن استطاع مروان إقناع آية بالابتعاد عن الظهور في الصورة.
هتف بهما مؤنبًا:
"دي مش أخلاقيات شباب جامعي، وفي كلية كل اللي بينتمي لها المفروض إنهم من أصحاب الذوق الراقي."
هم الشاب بالحديث، إلا أن المسؤول هتف به:
"أنت متتكلمش، لأن واضح إن دي مش أول مرة تتعرض لطالبة زميلة. والموقف ده خلى اللي كان ساكت أو حتى خايف من مضايقتك يتكلم. وأنا ليا تصرف تاني معاك."
وتوجه بحديثه لمروان:
"أما أنت بقى، فطبعًا غيرتك على زميلة دي حاجة محمودة. بس إحنا مش هنقلب الكلية لحلبة مصارعة. كان ممكن تبلغ الأمن وهم يتصرفوا. لكن شغل أفلام الأكشن ده مش فالكلية. ماشي."
هتف مروان في ثبات لا يحاول الاعتراض على وجهة نظر المسؤول:
"عند حضرتك حق يا فندم. وأنا عارف إن مكنش ينفع، وخاصة في حالتي إني أدخل في خناقة. لكن برضو مكنش ينفع أسيبه يتطاول على بنت خالي وأسكت حتى ولو كنت في حالة تسمح لي بالخناق."
نظر له مسؤول الأمن بإكبار مؤكدًا:
"عندك حق. ودي حاجة تتحسب لك. بس برضو الأمن موجود للحالات اللي زي دي."
هتف الشاب المضروب في حنق:
"ده كذاب يا فندم. دي لا بنت خاله ولا قريبة من أساسه."
هتف مروان مؤكدًا:
"لأ. قريبتي وبلدياتي. وحتى لو مكنتش، وحصل الموقف مع بنت تانية هعمل كده برضو."
هتف مسؤول الأمن في حزم:
"انتهينا. اتفضل يا مروان."
ونظر للشاب الماجن هاتفا:
"أما أنت فأتركن هنا شوية عشان ليا معاك كلام تاني."
استأذن مروان ليساعده خفيره وسائقه الذي كان يلازمه ليصل حيث العربة التي ما أن انطلقت على الطريق حتى وجد سيارة آية تلحق به.
أصبحت السيارتان متجاورتين لتتطلع من نافذة مقعدها مبتسمة في امتنان شاكرة له صنيعه. ووضعت عيونها بهاتفها معتقدة أنها تتجاهله من جديد، إلا أن جاءه إشعار على واتساب هاتفه. تطلع إليه ليكتشف أنها هي. ترسل له كلمة واحدة: "شكرًا."
تطلع مبتسمًا بدوره من النافذة، ليأمر السائق ببدء السباق هاتفا بصياحه الحماسي الذي اعتادته في سعادة دفعت البسمات لشفتيها.
***
رغم سوء الأحوال الجوية في مثل هذا الوقت من العام، إلا أنه لمح عربتها قادمة من أول الطريق. حجبها عنه لبرهة بعض من ضباب ما لبث أن انقشع لتظهر السيارة جلية تتقدم لتقف أمام بوابة الدار.
هبطت نوارة من فورها في اتجاه الداخل، لعلها تجد الدكتورة سميحة بمكتبها. لكن ما أن همت بفتح باب المكتب بعد أن طرقته عدة مرات ولم يجب أحد، تراجعت عن الدخول. فقد تجد رائف بحجرته الخاصة، وهي لا تريد مقابلته أو الاحتكاك به من الأساس. يكفيها ما بها، بعد كل ما مر عليهم خلال الأيام القليلة الماضية.
تراجعت خطوات للخلف وقد قررت الانطلاق للوحدة مباشرة. إلا أن ذاك الرجل العجيب الذي ظهر لها مرة من قبل، متجاهلاً وجودها، ظهر من جديد.
تسمرت موضعها متوقعة أنه سيتجاهلها كما فعل في السابق. ستدعه يغادر قبل أن تخرج من الدار نحو الوحدة.
إلا أن الرجل الهرم توقف قبالتها مباشرة، متطلعًا لها بأعين صقرية حادة النظرة تشبه لحد كبير نظرات رائف في لحظات غضبه.
جزت على أسنانها حنقًا من نفسها. ما لها ونظرات رائف الغاضبة أو الفرحة!
هتف العجوز في حنق مخرجًا إياها من خواطرها:
"جاية لحد عندنا برجلك. جاية ليه! أرحلي جبل الطوبة ما تيجي فالمعطوبة. والمستخبي يبان يا بت الهوارية."
تطلعت نوارة نحوه في ذعر لم يكن يومًا من طبعها. لكن نظراته وكلماته التي تقطر حقداً وغلاً كانت كفيلة بجعلها تتراجع خطوة للخلف لتصطدم بباب حجرة المكتب الذي انفرج فجأة. ما جعلها تنتفض متطلعة نحو رائف الذي نظر نحو ملابسها الغامقة هاتفا بنبرة تظهر تأثره:
"حمدًا لله بالسلامة يا دكتورة. والبقاء لله."
ألقت نظرة سريعة على موضع العجوز الخرف لتجده فارغًا. يبدو أنه اندفع مختفيًا كعادته، لدرجة أنها استشعرت كونه شبحًا لا حقيقة، يظهر لها وحدها، ليخيفها من البقاء هنا لغرض ما.
همس بها رائف متعجبًا:
"أنتِ بخير!"
هزت رأسها مؤكدة وهمست ترد على تعزيته في نبرة مهتزة:
"سبحان من له الدوام."
هتف بها متعاطفًا:
"بنت عمك عاملة إيه؟"
تطلعت نحوه وقد أيقنت أن الدكتورة سميحة قد أخبرته بما أدلت به على الهاتف، معتذرة عن تغيبها مختصرة بعض الأحداث كعادتها. لكنها أخبرته بالأخبار الرئيسية والتي كان يدور الحديث عنها في خلال الأيام المنصرمة في سراي الهواري.
أكدت في هدوء وقد بدأت تسترد بعضًا من ثباتها:
"عندها انهيار عصبي. الصراحة صدمة رهيبة. ربنا يعينها."
أكد رائف متعاطفًا بدوره هاتفا بنبرة تنضح وجعًا جعلتها تتنبه موجهة ناظريها نحوه:
"فراق الحبايب بيكسر الجلب ويهد الروح."
وتنهد مؤكدًا:
"ربنا يكون في عونها. وعونكم."
همست وقد تنبهت لكلماته، لكنها لم تعقب إلا متضرعة:
"يا رب."
وهمت بالاستدارة راحلة هاتفة:
"عن إذنك."
هتف يستوقفها:
"على فين؟"
تطلعت نحوه متعجبة ما جعله يستطرد مؤكدًا:
"قصدي.. الجو بره كله عفرة وريح شديدة. هرن ع الدكتورة سميحة عشان تعرف إنك هنا."
أكدت نوارة بطبيعتها الرسمية وبنبرة عملية كعادتها:
"المفترض أنا اللي أروح لها. وبعدين أنا جايه عشان اشتغل مش قاعد ضيفة. ومكاني هناك مع الدكتورة سميحة، مش هنا."
همت بالخروج من الدار لتجده يستوقفها هاتفا:
"طب استني. أنا جاي معاك."
كان يعرف أنه يسب ويلعن ذاك اليوم الذي رآها فيه. لكن رغم ذلك، استشعرت سعادة داخلية بلهاء ما أن أصر على رفقتها.
اندفعا سويًا نحو الجسر الخشبي، والذي مر بسلام هي أولًا وهو بأعقابها. وما أن سارا خطوتين صوب الطريق المفضي للوحدة مرورًا بالاستراحة التي تجاهلتها مؤقتًا لتعود لها وحيدة في منتصف النهار عندما يحل عليها التعب أو الإجهاد.
حتى مال ذاك الفرع الطولي من الخشب والذي كان يقف متصلبًا بلا داع، يستند على إحدى جوانب الاستراحة. اهتز بشدة مترنحًا جراء تلك الريح القوية، لتدفع به ليسقط نحوها وهي لاهية عنه، غير مدركة بالخطر المحدق بها لولا تدخله.
فقد جذبها بعيدًا ليسقط العمود الخشبي بمحاذاته. لكنه تأوه. فتنبهت أن ذاك العمود قد مس ذراعه ممزقًا قميصه ومصيبًا عضده بجرح بدأ في النزف ما دفعها لتنتفض تجاهه هاتفة:
"جرحك بينزف. لازم نسيطر على النزيف ده لأنه بيزيد."
أكد هو محاولًا تجاهل الأمر:
"حاجة بسيطة. أنا راجع ع البيت. ونصيحة ارجعي ع الاستراحة لحد ما ربنا يسهلها والدكتورة سميحة تيجي لك."
تحركت نحوه تسير جواره حتى إذا ما وصلا باب الاستراحة والذي كان مشرعًا. فقد جهزتها الدكتورة سميحة وأوصت بنظافتها ما أن علمت بقدومها. حتى دفعت به ودخلت هاتفة:
"تعالى لازم أشوف الجرح. دراعك كله دم. يمكن يكون محتاج خياطة."
لا يعلم ما الذي دفعه ليطيعها في هدوء بهذا الشكل. جلس على أقرب مقعد لتهرول هي في اتجاه صندوق الإسعافات الأولية، لتعود به مخرجة المطهر وبعض القطن الطبي. وبدأت في التعامل مع الجرح في احترافية. كانت هي في واد وهو بواد آخر. كان مأخوذًا بها متعلق الطرف بمحياها. عيناه مركزة على تفاصيل وجهها لا تحيد النظر عنه.
لا يعرف ما اعتراه ليسقط أسيرًا لشرك سحرها الفطري الذي ما كانت تتصنعه، بل إنها ويا لمصيبته، لا تدرك من الأساس أنها تمتلك القدر الوافر منه. حتى أنها سيطرت على حواسه التي شملتها الفوضى كليًا.
تنبهت أخيرًا لذاك الذي أربكها جرحه وكأنما كان جرحًا أصاب ذراعها هي. ربما لو كان جرحها ما كانت اهتمت كل هذا الاهتمام. لكنها استشعرت بعض الذنب لأنها أصبحت أيقونة لكل المصائب التي تحط على رأسه جراء عنادها ورغبته في حمايتها.
هل هذا طبيعي؟ بدأت في التساؤل وعيناها قد تعلقت بنظراته الصقرية التي ذكرتها بعيني جده التي أرعبتها منذ دقائق. لكن عيناه.. كانت تحمل مزيجًا آخر من مشاعر لا تمت بصلة لمشاعر الحنق والغضب التي كانت تملأ حدقتي جده.
تلك المشاعر التي ظهرت جلية لا يخيب عاقل عن تفسيرها، والتي تعجبت لأنها وهي التي تنفي الحب وتحرمه على قلبها كتحريم الخمر على مسلم، قد أصبحت خبيرة فجأة في قراءة لغة العيون لتنفذ منها إلى روحه موصولة بروحها.
انتفض كلاهما خارجًا من أتون المشاعر المبعثرة بداخلهما ما أن اندفع باب الاستراحة لينغلق في قوة جراء شدة الريح الهائجة بالخارج.
انتفض هو في سرعة، مندفعًا صوب الباب جاذبًا إياه في قوة لينفرج كما كان. كانت تتوقع أن يعود لتكمل ما بدأته بجرحه. لكنه هرول رغم قوة الريح المتربة في اتجاه البيت الكبير تاركًا إياها تقف متطلعة إليه يغيب عنها خلف غبار الأرض الثائرة، هاربًا من شيء ما.. لا تدرك كنهه.. أو ربما تدرك جيدًا.. لأنها تعاني من مثله. لكنها تفتقد الجرأة الكافية لتعترف حتى لنفسها بذلك.
***
كانت قد قررت أن تحفظ كرامتها وتنأى بنفسها عن طريقه. فقد حاولت كثيرًا التواصل معه، لكنه لم يجبها ولا مرة.
كان كلام فريدة معها له أثر كبير في اتخاذها هذا القرار. عليها أن تصون كبرياءها، فلا حاجة لها في الركض خلفه. إن أرادها فعليه أن يذلل كل العقبات التي تحول دون اجتماعهما.
مرت من البوابة الأقرب لكليتها والتي كان هو من حراسها ولم تعره اهتمامًا ما جعله يتحين الفرص حتى يحاول التواصل معها.
تجاهلته عدة مرات من قبل، واليوم لم يكن استثناءً. ما دفعه تعمد التواجد حيث تترك عربتها.
هتف بها ما أن وجدها تتعمد تجاهله من جديد:
"بدور."
تطلعت نحوه ولم تحرك ساكنًا ما دفعه للاقتراب هاتفا والشوق يطل من عينيه فاضحًا:
"إزيك؟"
كان قلبها يبكي قهرًا على حاله وحالها، لكنها ادعت الصلابة هاتفة:
"الحمد لله.. خير!"
اضطرب لجفائها هاتفا في نبرة تقطر وجعًا:
"عارف إنك مش طايقة تكلميني وحاسة إني خذلتك، بس ربنا يعلم أنا عملت إيه وحاولت إزاي."
هتفت ساخرة:
"هااا وبعدين!"
نكس ناظريه هامسًا:
"مفيش فايدة. دماغ ستي مش هتلين أنا عارفها."
هتفت في هدوء يناقض الثورة المستعرة بداخلها:
"برضو هاااا وبعدين؟"
هتف في حسرة محاولًا السيطرة على انفعاله حتى لا يلفت الأنظار:
"يا بدور حرام عليكِ. متبقيش أنتِ والدنيا عليا."
دمعت عيناها تأثرًا وهتفت بصوت متحشرج:
"وأنا بأيدي إيه! وإيه المطلوب مني يا حضرة الظابط؟ نتجوز ونحط أهلي وأهلك قدام الأمر الواقع؟ ولا أستنى بقى لما ربنا يفرجها وتعرف تقنع جدتك بجوازك مني؟ ولا إيه المطلوب من بدور بالظبط يا منتصر؟"
شهقت محاولة كتمان قهرها ما دفعه ليهرول مبتعدًا غير قادر على الإجابة أو النظر لعينيها في قلة حيلة، لتتبعه بنظراتها ومن ثم تركب عربتها مندفعة بدورها تغادر الجامعة التي باتت أجواؤها تخنقها.
***
انطلق بعربته على الطريق في اتجاه نجع الصالح، إلا أنه توقف فجأة عندما تذكر أنه لم يحضر ما أمنته عليه عمته هداية. لعن في غيظ وقفل راجعًا بعد أن مر ما يقارب من ثلث الساعة على انطلاقه. كان يعلم أنه لن يستطيع أن يدخل النجع دون أن يمر عليها ملقيًا التحية واعطائها تلك الصور الفوتوغرافية التي طلبتها بإصرار وجعلتها أمانة في عنقه حتى يحضرها معه في المرة القادمة التي يعود فيها لنجع الصالح.
كان عليه العودة لأخذ الصور، لأنه يعلم أن مرات نزوله للنجع باتت قليلة ومتباعدة المدة عن السابق. لذا فلا مجال لتعويضها وإحضارها في وقت لاحق قد يطول لأشهر.
تنهد في حنق لائمًا النسيان واضطراب فكره في الأيام القليلة الماضية والذي جعله يترك الصور التي صرها جانبًا منطلقًا دونها. وصل بالعربة وتركها متسللًا من الباب الخلفي للدار بغية الحصول على حمله والرحيل سريعا بهدوء. فقد تكون أم سماحة أو إحدى أخواته قد دخلت الدار لأي غرض.
خطى لغرفة المكتب حيث تركهم وعاد بهم في حرص مسرعًا. لكنه تسمر موضعه أمام باب حجرته المشرع قليلًا ومد بصره متطلعًا إلى تلك التي تتغنج أمام المرأة في دلال هز ثبات قلبه الذي ظن يومًا أنه فقده بنجع الصالح تاركًا صدره فارغًا أجوفًا.
تنبه فجأة متسائلاً.. من هذه؟ غلى الدم بعروقه قاذفًا سماحة بأبشع التهم. هل تجرأ وقلب الدار إلى ماخور ما أن ولى ظهره راحلًا؟ وكيف له أن يفعل ذلك من الأساس في وجود أمه وأختيه؟ هل أفقدته تلك المغوية عقله لهذه الدرجة؟
بلا وعي ثبت ناظريه إلى تلك السمراء التي تسكر طلتها دون رشفة خمر وهي تتمايل أمام المرأة راقصة على أنغام تلك الموسيقى الصادحة من هذا الراديو القديم الموضوع جانب فراشه على إحدى الطاولات.
لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي أمام ذاك الفجور وقد تخيل سماحة ممددًا على فراشه اللحظة يتطلع إلى تلك المغوية في انتظار.
هز رأسه نافضًا الصورة المخجلة من مخيلته وهم بالاندفاع لداخل الغرفة ليلقنهما درسًا قاسيًا في حفظ الأمانة التي سلمها له، وكذا صون سمعة تلك الدار العريقة التي ما شاب سمعة أصحابها العيب يومًا. لكن كفه تصلبت قبل أن يمس مقبض الباب وتسمر جسده موضعه وهو يسمع الخالة سعيدة تهتف في أريحية عليه:
"يا سماحة! يا سماحة!"
هرولت تلك الفتاة في صفاقة دافعة ضلفتي النافذة لتنفرج مطلة منها هاتفة:
"إيه في! يقطع سماحة وسنينه!"
همس يونس بداخله متعجبًا:
"كيف لها الظهور بهذا الشكل السافر أمام أمه؟ وكيف لها سبه بهذه الأريحية دون أي احترام يذكر أمامها؟ ماذا الذي يحدث هنا؟"
هتفت سعيدة مقهقهة:
"البيه لسه مروح وأنتِ ما صدقتي. إن غاب القط إلعب يا فار."
هتفت الفتاة مؤكدة:
"من نفسي بقى."
اشتعل يونس غضبًا على هذه الجرأة بل الصفاقة الصريحة وهم بالتدخل لوضع حد لهذا العبث، إلا أنه سمع الفتاة تهتف في حسرة:
"خليني أشوف حالي يا ما. سماحة تعبان. أرجع لأصلي يومين لحسن ده أنا جربت أنسى إني بت."
شهق يونس شهقة كتمها في براعة مع هذا الاعتراف المدوي وتوقف مذهولًا لا قبل له على التحرك من موضعه خلف باب حجرته الموارب قليلًا.
لتهتف سماحة مؤكدة:
"أهو كنا بنداروا جدام الناس وأجي في فرشِتي آخد راحتي. لكن من يوم البيه ما جه وأنا ليل نهار مدارية ياما. والله تعبت."
هتف سعيدة بها آمرة:
"طب ادخلي لحسن حد يشوفك. اقفلي الشباك وهمي تعالي. ورانا غسيل وهم ما يتلم."
هتفت الفتاة التي لم تكن إلا صديقة ومؤنس أيامه سماحة في قلة حيلة:
"حاضر يا ما.. جايه."
دخلت وأغلقت النافذة وعادت تتطلع لنفسها بالمرآة من جديد واستدارت متطلعة لفراشه جاذبة من على أطرافه ذاك الجلباب الذي خلعه قبل أن يغادر لينتفض في هلع ما أن رآها تحتضنه في وله إلى صدرها للحظة وأخيرًا تقبله في شوق تدفن وجهها بين طياته تتشرب عطره المختبئ بين الحنايا في وله، قبل أن تأخذه لغسله، ليعود ليجده نظيفًا معلقًا لمشجبه بالحجرة.
ارتفعت نبضات خافقه متعثرة في مشاعرها البكر التي ما خبرها يومًا حتى وهو يظن أنه ما يزال عاشقًا لسهام وهي تترنم في نبرة شجية لا يعلم كيف كانت تحولها لذاك الصوت الأجش لرجل:
"أسمر وخاطفني.. ويا ريته ما شافني.. ولا كان من توبي.. ولا كان مكتوبلي.."
قرر الاندفاع مبتعدًا في حرص بعد أن أبصرها تجمع ذاك الشعر الأشبه بشباك صياد ماهر اقتنصت قلبه بلا فكاك، تخفي جدائله تحت تلك العمامة الضخمة، وكذا تخفي مظاهر أنوثتها التي تئدها أسفل ذاك الجلباب الواسع والكوفية الصوفية التي كانت تضعها مدلاه على جانبي صدرها، معتقدًا أنها لا تفارقها اتقاء للبرد.
أندفع متسللًا من حيث أتى حيث سيارته من جديد، ليعود للطريق وهو لا يرى أمام ناظريه إلا حقيقة سماحة. ويا لها من حقيقة!
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رضوى جاويش
طرقات على باب الشقة جعلتها تندفع هاتفة:
طيب جاية.. حاااضر..
كانت تعتقد أنه أحد إخوتها، لكن ما انفرد الباب حتى تطلعت نحو الطارق لتشهق في صدمة مغلقة الباب من جديد. لا تصدق ما رأته عيناها.
عاد الطرق من جديد لتفتح الباب في هدوء متطلعة نحوه هاتفة في تعجب:
أنت إيه اللي جابك هنا؟!
هتف منتصر مؤكداً في هدوء:
جاي أزور سيادة العميد.. عندك مانع؟ روحي بلغيه.. ولا انتوا بتقابلوا ضيوفكم ع السلم؟!
هتفت بدور:
انت بتهزر!! أبلغ مين؟! لا مليش دعوة.. أنا هدخل.. وانت رن تاني وأي حد يفتح لك ويبلغه غيري. قال بلغيه.. مليش فيه.
أمسك ضحكاته هاتفا:
يا جبانة.
وما أن هم باستطراد الحديث حتى هتفت تسبيح من الداخل:
مين يا بدور؟!
اضطربت واندفعت للداخل، وما هي إلا برهة وكانت تسبيح تستقبله في حفاوة توصله حتى غرفة الصالون. واستأذنت لتخبر حازم، الذي تطلع نحوها متعجباً:
معقول!! يمكن جاي وعنده جديد.
هم بالخروج من الغرفة لتستوقفه تسبيح هاتفة بنبرة أم أدركت ما بقلب ابنتها تجاه منتصر:
حازم!! مينفعش تتساهل شوية.
تنهد حازم مؤكداً:
في حاجات مينفعش يبقى فيها تنازلات يا تسبيح. ربنا يسهل وبكون جاي بالخير.
اندفع حازم نحو الصالون، وما أن أبصره منتصر حتى انتفض محيياً في احترام. جلسا قبالة بعضهما.
ليهتف به حازم مشيراً لعلب الحلوى المتعددة التي كان قد وضعها جانباً ما أن دخل الغرفة:
مكنش في داعي تكلف نفسك يا منتصر. أنت داخل بيتك.
ابتسم منتصر وهتف متفائلاً:
وده العشم برضو يا فندم. أنا جاي أجدد طلبي بخصوص الآنسة بدور.
ابتسم حازم هاتفا:
اكيد وصلك من المرة الأولى إن دي حاجة تسعدنا. أنت ظابط محترم وأخلاقك عالية. وأنا معنديش أي اعتراض عليك. بس يا ترى.. الشرط اللي قاله عمي عاصم فالبلد هيتحقق؟!
تنحنح منتصر هاتفا:
أنا جاي عشان أثبت رغبتي الحقيقة. حاولت أقنع أهلي كتير بس للأسف مفيش أمل. وكنت متعشم إن حضرتك تتغاضى عن الشرط ده.
هتف به حازم مستنكراً:
عايزني أجوزك بنتي وانت جايلي بطولك يا حضرة الظابط؟!
نكس منتصر رأسه مستشعراً الهزيمة، ليستطرد حازم بنبرة حانية:
مجيتك دي كبيرة قوي عندي. لكن حط نفسك مكاني كأب.. هل هاترضى تجوز بنتك لواحد جايلك بطوله؟! إجابتك هاتبقى كفاية عشان ننهي النقاش.
تنهد منتصر ونهض في انهزام مستأذناً. وما أن رحل حتى طالت بدور من حجرتها وقد سمعت الحوار كله عن طريق الشرفة المشتركة بين حجرتها وحجرة الصالون.
تطلعت نحو حازم وتسبيح وانفجرت باكية في وجع. وأخيراً عادت لحجرتها تغلق عليها بابها من جديد.
دخل حازم حجرته تتبعه تسبيح باكية وهتفت متحسرة:
بدور بتحبه يا حازم.
أكد حازم وهو يضع رأسه بين كفيه:
عارف.. وهو كمان بيحبها وعايزها بجد. بس أنا فأيدي إيه أعمله!!
تنهد وهتف مستطرداً في حنق:
أنا لو عليا أجوزههم. بس فيه حاجات كتير تمنع. أولهم خوفي عليها.
جلست تسبيح تربت على كتفه تحاول تهدئته:
طب اهدى يا حازم.. اهدى عشان خاطري.. للسكر عندك يعلى. وهم لو ليهم نصيب في بعض ربنا هايقسم بالنصيب.
وملست على رأسه تشاكسه:
ولا أنت شكلك نسيت حكايتنا؟!
ابتسم في شجن مؤكداً:
حرام عليكِ.. هي دي حاجة تتنسي برضو!!
ابتسمت بدورها ليتنهد أمراً:
قومي شوفي بدور.. طيبي بخاطرها. وأنا هقوم ألبس ونازل المديرية. كانوا طالبني من ساعة وأنا أتأخرت عليهم.
ربتت على كتفه من جديد واندفعت نحو غرفة بدور تحاول أن تشاركها وجيعتها التي تدرك تماماً أن ما من شيء يمكن أن يداويها.
وصل لنجع الصالح أخيراً في سلام. وعرج على بيت عمته هداية، وما أن خطت قدماه عتبات الدار حتى ارتفعت الزغاريد من هنا وهناك.
تعجب هاتفا في مزاح:
إيه في!! كل الفرحة دي عشان شوفتي؟!
قهقه عبد الله الذي اندفع محتضناً يونس في سعادة لمرآه، بينما هتفت به عمته هداية:
حمد الله بالسلامة يا يونس. والله اتوحشناك يا غالي.
قبل يونس هامتها تقديراً وهتف مقدماً الصور الفوتوغرافية:
أها الأمانة يا عمتي.. عشان أنا عارف كنتِ هتزعلي لو مچبتهمش المرة دي.
تطلعت هداية لصور الأحباب الراحلين وقد دمعت عيناها في حنين وشوق. وهتفت بعبد الله أمراً:
تعالى يا واد يا عبد الله علّقهم فالصالون.
هتف عبد الله مبتزاً إياها:
ساندوتشين جبنة وكباية شاي.. عشان أعرف أعلقهم بمزاج.
قهقه يونس وهتفت هداية في حنق:
يا واد هو أنا بجلك عدي البحر بيهم.. دول مسامير فالحيطة. جوم لأعلق دماغك.
قهقه يونس من جديد وعبد الله يشاكسها:
من غير السندوتشات والله ما أنا جايم.. اعتبريها أجرة التعليق.
هتفت هداية حانقة:
والله ما حد عايز يتعلج من ودانه إلا أنت يا بعيد.
هتف يونس لعمته:
هاتي يا عمتي الشاكوش والمسامير وأنا أعلقهم لك.
هتف عبد الله مازحاً:
بجي كده يا يونس.. قطاع أرزاق بصحيح.
تطلعت هداية نحو ولدها في ضيق وعادت بعد برهة تحمل بعض المسامير ومطرقة.
ناوتهم ليونس الذي تبعها للصالون لتشير له على المواضع المناسبة لتعليقهم.
بدأ يونس في دق أول مسمار، إلا أنه تذكر الزغاريد التي سمعها ما أن دخل الدار فهتف متسائلاً:
مجلتيش يا عمتي.. كانت ليه الزغاريد؟! سمية جالها عريس؟!
أكدت هداية في فرحة:
لاه يا حبيبي.. احنا رايحين نخطبوا لمؤمن النهاردة ع المغرب باذن الله.
هتف يونس وقد أوشك على تثبيت المسمار الأول:
الف مليون مبروك.. نويتوا على بت مين؟!
هتف هداية في فرحة:
سهام بت باسل التهامي.
سمع يونس الاسم ودون أن يدرك سقطت الطرق الأخيرة على أحد أصابعه ما جعله ينتفض مسقطاً المطرقة من كفه.
هتفت هداية في لوعة:
اسم الله عليك يا ولدي.. أنت بخير؟!
أكد يونس ما أن تدارك الأمر:
آه بخير يا عمتي.. معلش مكنتش مركز.
انحنى ملتقطاً المطرقة من جديد ليعاود عمله لتهتف به عمته:
بكدفاك يا ولدي.. أنا أبقى أخلي مؤمن يعلقهم.. أنت برضك جاى تعبان من السفر.
هتف يونس وهو يعلق الصورة الأولى على مسمارها في حرص:
والله أبداً.. ما حد يعلقهم غيري.. ييجي العريس عايزه فاضيلك يعلق تصاوير.
قهقهت هداية هاتفة:
عقبالك يا يونس.. ربنا يرزقك ببت الحلال اللي تريح جلبك.
هتف يونس مؤمناً. والعجيب أن ما من صورة زاحمت مخيلته اللحظة إلا صورة سماحة التي كان يهرب من مطاردتها له طوال طريق العودة لنجع الصالح.
طرقات على باب حجراته جعلته يتنبه. وما أن طالت زوجة عمه إيمان من خلف الباب حتى انتفض مذعوراً:
إيه في يا مرت عمي؟! زهرة بخير!!
هتفت إيمان تطمئنه:
أيوه يا عاصم.. كله تمام.
تنهد في راحة، لكنه تنبه لفضح مشاعره بهذا الشكل، لكنه تظاهر باللامبالاة. إلا أن إيمان استطردت كأن شيئاً لم يكن هاتفة:
بقولك يا عاصم.. تعالى اقعد مع زهرة عقبال ما أخطف رجلي للسرايا أجيب شوية حاجات وأرجع.
هتف يحاول التملص من هذه المهمة العويصة رغم رغبته الملحة في رؤيتها:
طب قوليلى عايزة إيه وأنا أروح أجيبولك.. أو حتى نكلموا حد يجيبه.. أنا معرفش ليه الدكاترة مصممين على رجعتي دي وأنا بخير وكويس أها!!
هتفت إيمان مفسرة:
يمكن عشان عارفين إنك أول ما هتخرج من هنا.. هتمارس حياتك عادي ومش هتنتبه لذراعك وده هيبقى فيه خطر. وبعدين أهي فرصة تبقى جنبنا.
هز رأسه موافقاً على تفسيرها ما جعلها تؤكد في عجالة:
أنا نازلة بجى عشان عمك ماجد مستنيني تحت.. هروح وهرجع طوالي مش هتأخر. خليك جنبها يا عاصم.
اندفعت إيمان مغادرة دون أن تعطيه الفرصة للرفض أو القبول. ما جعله ينهض في هدوء ما أن غابت زوجة عمه، متجهاً صوب غرفتها القابعة بنفس الرواق الذي يضم غرفته.
وقف أمام بابها مضطرباً ومد كفه يطرق الباب في وجل. كان يعلم أنها لن تجيب، فهي ما تزال بعالم آخر، منعزلة عن عالمنا كلياً.
فتح باب الغرفة متسمراً على أعتابها متطلعاً نحوها وقلبه يترنح في وجيعة على حالها المحزن وشحوبها الشديد. دبلت زهرته وهي ما تزال يانعة على غصنها. تنهد هاتفا:
السلام عليكم.. كيفك دلوقتي؟!
كان سؤالاً أحمق أجوف لا يحمل أي ذكاء ولا يستحق الإجابة من الأساس، لكنه سؤال بحكم العادة لمحاولة فتح الحديث. فقد كان حالها الظاهري كافياً كإجابة شافية وافية.
جلس على المقعد الملاصق لفراشها والذي كان موضع جلوس أمها الدائم. استعاره اللحظة في محاولة ليكون أنيسها حتى عودة أمها من مهمتها.
تنحنح هاتفا وهي ما تزال على جمودها الظاهري مشيراً لتلك الرواية التي حملها معه من حجراته:
تحبي أقرالك حاجة؟! عارفك بتحبي القراية وجبت لك الرواية اللي كانت عاجباكِ.. "الحب في زمن الكوليرا".
كان قد أخبر سمير منذ عدة أيام ليحضرها حتى يقضي معها وقته الذي يمضيه هنا بالمستشفى في ملل ورتابة. وها قد جاء وقتها. لقد أوشك على إنهائها بالفعل. لم تكن الرواية هي ما أثار إعجابه، كان إصرار البطل هو المثير لإعجابه بحق. كانت محقة في ملاحظاتها فعلاً.
تنبهت للمرة الأولى ما جعله يهتف في حماسة:
أنا قريتها كلها.. حلوة بجد. بصي.. دي أكتر حتة عجبتني.
أدارت رأسها متطلعة نحوه وهو منهمك، منكس الرأس يقلب في صفحات الرواية. وما أن رفع رأسه متطلعاً نحوها، يهم بالقراءة حتى توقف مصدوماً ونظراتهما تتشابك.
نظراتها تحمل مزيجاً عجيباً من مشاعر مختلطة، وقد كان هو من الاضطراب ما جعله عاجزاً تماماً عن تفسيرها.
قطع النظرات معاوداً النظر لصفحات الرواية هامساً بأحرف مهزوزة أدركها من فوره ما جعله يتنحنح مجلياً صوته هاتفا بنبرة أودعها كل ما يحمل من ثبات يقرأ الأسطر التي حازت على إعجابه:
"نحنثرثر كثيراً.. ومع ذلك.. نعجز عن وصف مشاعرنا كما يجب".
رفع ناظره نحوها، لتقابله نظراتها المثبتة نحوه بشكل أثار تعجبه.
أعاد النظر نحو صفحات الكتاب مقلباً ليقرأ من جديد:
"ما أعظم أن يستطيع الإنسان أن يخفي مشاعره حتى لو تنازعته نفسه لتفجيرها بعيون دامعة، انكساراً لأجل صمت أنيق وحزن أحمق وأنانية فارغة".
رفع ناظره مرة أخرى متطلعاً نحوها ليسود الصمت، لتهتف بصوت متحشرج لأول مرة منذ أيام بأحد تلك الاقتباسات:
"الشيء الوحيد الذي يؤلمني بالموت.. هو ألا أموت حباً".
انتفض لا يصدق أنها أخيراً تفاعلت معه ونطقت بعدة أحرف. كان اقتباساً عجيباً ومحزناً، يضم الموت والحب بجملة واحدة.
هل كانت ترغب لو أنها رحلت مع زوجها لعدم قدرتها على تحمل عبء حب أصبح طرفه في عالم آخر؟!
كان هذا هو تفسيره لما نطقت به. حاول تجاهل تلك الغصة بحلقه وهم بالحديث إلا أن باب الحجرة انفرد. كان يعتقد أنها أمها قد عادت، رغم أنه لم تمر الساعة بعد على رحيلها. كانت الممرضة تحمل صينية الغذاء. تطلعت نحوه هاتفة:
حضرتك هنا؟! طب خد بقى صينية غداك بالمرة بدل ما أسيبها في أوضتك وتبرد.
هز رأسه موافقاً، لتضع الممرضة صينتي الغذاء جانباً، راحلة في هدوء.
نهض حاملاً صينية طعامها واضعاً إياها على طرف الفراش. هاتفا:
يالالا عشان تاكلي حاجة.
لم تمد يداً نحو الصينية كأنها عادت سيرتها الأولى، وتلك الكلمات التي همست بها كانت درباً من الخيال ليس أكثر. ما دفعه ليعاود الجلوس مجدداً. كان وضع ذراعه المحمولة لرقبته بحامل طبي معيقاً له عن التصرف حتى أثناء تقليب صفحات الرواية، لكن الآن يمكنه أن يناولها الطعام على الأقل.
هزت رأسها رفضاً عندما قدم لها طبق الحساء. أعاد الطبق للصينية من جديد. وساد الصمت بينهما. إلا أنه تجرأ وأمسك بالملعقة يحمل بها بعض الحساء من طبقها نحو فمها. حاول أن يجعل كفه ثابتة لا ترتجف جراء تلك النظرات التي شملته بها. وللعجب مدت فمها تتناول ما بالملعقة من حساء. ما جعله رغم اضطرابه يبتسم في انتصار أنه استطاع إقناعها بتناول الطعام الذي كانت تعافه منذ ما حدث. حتى أنها أنهت الطبق.
صرخات متقطعة وهمهمة وجع متكررة وهتاف ما بين الصرخات مصاحباً لأنفاسها اللاهثة المتتابعة:
سامحني يا رائف.. سامحوني كلكم.
ارتفعت الصرخات من جديد ما جعله ينتفض في ذعر على فراشه متلفتاً حوله في تيه.
نفس الحلم بنفس التتابع الذي يعاوده ما بين فترة وأخرى ولم يفارقه أبداً.
تنهد في ضيق وهو يمسح وجهه بكلتا كفيه، محاولاً دفع النعاس عنه. فما عاد لديه الرغبة فيه من الأساس. نهض متوجهاً للحمام متوضئاً لصلاة الفجر التي كان أذانها يصيح بالخارج في هذه اللحظة.
اندفع من حجراته بعد بعض الوقت وما أن هبط الدرج حتى طالعه محيا جده المتسلل ليلاً كعادته. ابتسم محاولاً أن يبدو لا يدرك. وانحنى مقبلاً هامته. ليهتف جده عبد السلام السليماني:
إيه اللي جومك دلوقتي؟! ده الفجر يا دوبك لسه مأذن مفيش.
أكد رائف متنهداً:
أبدا يا جدي.. قلقت جمت لحالي. ومقدرتش أكمل نوم. فرحت جومت أعملي حاجة مفيدة. بدل المطروحة ع السرير من جنب لجنب.
تنهد الجد متسائلاً:
لسه شايل جواك كتير يا رائف.. وتوهت عن نفسك كتير. ميتا ترجع لنفسك يا ولدي؟!
هتف رائف متطلعاً لكفيه في حسرة:
مبينهاش رجوع يا جدي.. اللي راح مبيرجعش.
واستأذن مندفعاً للخارج حيث فرسه الأدهم الذي يمتطيه مسابقاً الريح معتلياً تلك الربوة البعيدة منعزلاً عن العالم. لعل تلك الفترة البسيطة من العزلة التي يفرضها على نفسه كلما زارته بأحلامه تجعله قادراً على مجابهة أوجاع ذاك الجرح الذي لم يندمل بداخله أبداً.
ظل على حاله حتى بدأت شمس الضحى في شق الغيم قبالة ناظريه والتي استطاع التطلع إلى عينها القوية بسهولة من خلف منظاره الشمسي الأنيق.
من هناك على أول الطريق نحو السليمانية لاحت عربتها قادمة. لا تخلف موعدها يوماً. ابتسم رغم شجونه التي تعربد بدواخله. وكأن بقعة النور التي تشبه اسمها تضيء تلك العتمة التي تشمل روحه الحيرة.
جذب لجام فرسه موجهاً إياه ليهبط التلة في اتجاه الطريق. ليظهر قبالتها ما أن ترجلت مغادرة سيارتها، والتي غادر خفيرها للتو.
رفعت ناظريها نحوه، وخفق قلبها في قوة. كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها بعد ما كان بينهما من نظرات داخل الاستراحة وهي تطيب له جرحه، والذي على ما يبدو قد شفي بالفعل. فهو يقبض على لجام فرسه بقوة جعلت شيئاً ما يضطرب داخلها.
هتفت بحكم العادة والأدب:
صباح الخير يا رائف بيه.
ترجل سائراً بجوارها وهو ما يزال قابضاً على لجام فرسه ليسير خلفه:
صباح الخير يا دكتورة.
ساد الصمت بينهما. لم يكن كلاهما بارعاً في الحديث. لكن صمتهما كان أبلغ من أي كلمات يمكن أن تقال. صمت ظاهري يحمل داخله صخب ألعاب نارية في يوم مهرجان.
همت بالحديث ليهم بالحديث في نفس اللحظة. تطلع كلاهما للآخر. واتسعت ابتسامته بشكل غير اعتيادي أورثها اضطراباً في جزء ما مجهول داخلها.
هتف مشيراً لها:
اتفضلي.. كنتِ عايزة تجولي إيه؟!
همست متسائلة:
أبدا.. كنت هسألك.. وشعرت بحمق سؤالها والذي قد يجلب عليها ذكرى تزيدها اضطراباً. فصمتت. ما دفعه لتعجلها:
هاا.. عن إيه؟!
استطردت وما عاد لها من مهرب:
جرح دراعك.. بقى كويس؟!
ابتسم مؤكداً:
الحمد لله.. بخير.. دكتورة سميحة قامت بالواجب.
همست بنبرة معتذرة:
أنا آسفة إن ده حصل بسببي.
وصلا للاستراحة ما دفعه ليهتف مبتسماً على غير عادته:
محصلش حاجة يا دكتورة.. محصلش إلا كل خير.
هم بالرحيل لتستوقفه متسائلة بفضول:
يا رائف بيه..
استدار نصف استدارة نحوها مستفسراً ما دفعها لتستطرد:
كنت عايز تسألني عن إيه صحيح؟!
صمت للحظة ظنت أنه سيعقبها بسؤال ما إلا أنه هتف بتعبيرات وجه جامدة عادت لطبيعتها:
مفيش.. حاجة مهياش مهمة.. مش عايز أعطلك عن شغلك.. سلام عليكم.
لم يكن الفضول قاتلها يوماً. لكنها اللحظة تكاد تقسم أن لها رغبة حثيثة في الركض خلفه حتى يخبرها عن سؤاله الغير هام ذاك. والذي رغم اعترافه بسذاجة فحواه إلا أنها ستموت فضولاً لمعرفته. لكنها عزّت نفسها مؤكدة.. أن الفضول خلق سيء.. فكم قتل الفضول من قطط!! ما دفعها لتتجاهل تلك الرغبة في المعرفة متجهة صوب الوحدة الصحية.
كان عليه الصعود لحجرة القائد الذي استدعاه لأمر هام. كان في اتجاه حجرة المكتب بآخر ذاك الرواق الطويل نوعاً ما عندما توقف فجأة عندما أبصرها. كانت تقف مع ذاك الشاب اللزج الذي حذرها مراراً من الوقوف أو التعامل معه من الأساس. لم يكن يدرك أنها ما فعلت إلا عندما لمحته قادماً فاندفعت تقف لتحدث ذاك الشاب الذي كانت لا تستلطفه أبداً. لكنها لرغبتها في إثارة غيرته فعلت. ربما يتحرك ذاك التمثال الصخري ويعود لسابق عهده قبل أن يقر لها برغبته الحمقاء في جعل ما بينهما صداقة بريئة لا أكثر بعد أن رفض والدها مطلبه في التقدم لخطبتها.
توقف هو بالفعل لبرهة.. يتآكله الغضب وتنهش قلبه الغيرة العمياء. لكنه تمالك أعصابه وتمسك بآخر درجات ضبط النفس وهو يمر أمامهما في لامبالاة ظاهرية جعلتها تكاد تموت قهراً ما دفعها رغماً عنها لتناديه بتهور:
سيادة النقيب.. ممكن لحظة؟!
توقف ولم يستدر لها لتندفع تقف قبالته متطلعة نحوه في حنق هامسة:
إيه.. عديت ومسلمتش حتى.. هي دي أصول الصداقة يا كابتن؟!
ضغطت على كلمة الصداقة عن عمد لكنه تجاهل ذلك هاتفا ببرود ظاهري:
لقيتك مشغولة محبتش أزعجك وكمان أنا مستعجل الصراحة.
كادت أن تصرخ غيظاً إلا أنها هتفت بتفهم:
تمام.. يبقى مش هعطلك.
وتركته مندفعة لتقف من جديد مع ذاك الشاب الذي ظل بانتظارها ولم يتزحزح عن موضعه ما أورث منتصر رغبة في العودة إليه ليوسعه ضرباً محذراً إياه من الاقتراب منها إلا أنه زفر بقوة واندفع لمكتب القائد الذي دخله بعد عدة طرقات متسارعة أذن له بعدها ليهتف به القائد بسعادة:
اتفضل يا منتصر.. عندي لك خبرية حلوة وأنت كنت مستنيها.
هتف منتصر بلهفة:
اللي في بالي حصل يا فندم؟!
أكد القائد بهزة من رأسه:
أيوه بالظبط.. طلب النقل اللي طلبته اتوافق عليه. إزاي.. معرفش.. ده أنت شكلك مسنود جامد بقى.
ابتسم منتصر بتأكيد:
مسنود على كرم ربنا والله يا فندم. بس أنا فعلاً كلمت سيادة اللواء مرتضى السعدي اللي كنت بخدم معاه في إسكندرية من كام سنة.. والحمد لله ربنا سهل.
هتف قائده بتعجب:
بس أنا مستغرب الصراحة.. حد يسيب الراحة ويروح للشقا برجله يا بني؟!
ابتسم منتصر مؤكداً:
أنا هبقى مرتاح فالشقا ده يا فندم أكتر من الراحة اللي هنا والله.
تنهد القائد متطلعاً إليه باستغراب وأخيراً هتف بمحبة:
على بركة الله يا وحش.. أنت ظابط ممتاز وهتسند في أي مكان تروح له.. بالتوفيق.
ألقى منتصر التحية العسكرية مستأذناً براحة وقد اطمأن أنه سيرحل عن هنا فما عاد قادراً على رؤيتها في كل لحظة دون أن يكون لها دوماً.. حبيب لا مسمى آخر. لكنه لن يستطيع تنفيذ ذاك الوعد الذي قطعه على نفسه وهي أمام ناظريه بهذا الشكل الذي يورثه الجنون ويسلب منه راحة البال ويخلف له الحسرة. فكان عليه أن يبتعد من أجلها أولاً قبل أن يكون لأجله.
طالعها من جديد ما تزال تقف في نفس موضعها السابق لكن هذه المرة مع مجموعة من الشباب ليس واحداً فقط. ورغم أنه كان هناك العديد من الفتيات في صحبتها لم تكن تقف بينهم وحيدة إلا أنه شعر بنفس المشاعر القاتلة التي تفتك بحشاه فهو يعلم تماماً أن الاختلاط بهذا الشكل لم يكن من شيمها وأنها لا تفعل هذا إلا لتسترع انتباهه وتثير حفيظته.
مر بجوار الجمع متجاهلاً نظراتها التي كانت تتبعه والذي استشعرها ملتصقة بظهره حتى غاب. تنهد بضيق وهو يدفع بنفسه لداخل سيارته مؤكداً على نفسه أنه اتخذ الإجراء السليم وأن قرار ابتعاده عن الجامعة برمتها كان الأصوب برغم الوجع الذي يستشعره اللحظة وهو يدير سيارته راحلاً عنها بلا رجعة.
شغل مذياع السيارة لعله يصرف ذهنه عن تلك التي تركها خلفه ترجوه بنظراتها أن لا يذهب رغم كبريائها الذي كان يدعي الصمود أمام بروده المصطنع والذي كان يخفي خلفه ناراً مستعرة بروحه لا يعتقد أنها ستخبو يوماً. ارتفع شدو المطرب يذكره بحاله الميئوس منها:
وإن شفته ويا غيري مطول في السلام
وشافني شايفه يعند ويطول في الكلام
ويا عيني ع اللي كان بيحب الثاني أكثر
بيهرب من المكان وبيبقى عذابه أكبر
ويا عيني ع اللقا من غير غيرة وعتاب
ده مفيش بين الصحاب غيرة وعتاب..
دمعت عيناه حتى بدأ يفقد علامات الطريق أمام ناظريه وهنا انفجر غضبه كله دفعة واحدة وقد أخذ في الضرب على مقود السيارة بكفه في ثورة لعدة مرات متتالية قبل أن يتمالك نفسه مغلقاً المذياع بعنف مخرساً تلك الكلمات التي كانت كالبنزين الذي يلقى على نار وجعه المستعرة بصدره من الأساس فتزيدها اشتعالاً. جذب شهيقاً قوياً كتمه بصدره للحظة قبل أن يطلقه زفيراً محملاً بلهيب غضبه وهو يضغط على دواسة البنزين أكثر رغبة في الهرب بشكل أسرع من ذكرياته التي تلاحقه وهو يدرك تماماً أن لا مفر منها أبداً.
خرجت من مقر اجتماعها الذي انتهى لتوه متوجهة صوب عربتها التي ما أن استقلتها حتى لمحته خلفها. يركب عربته بدوره. هل كان ذاك صدفة؟! أم أن الأمر بات متكرراً في الآونة الأخيرة ما جعلها تعتقد أنه يتبعها حيث تكون. انتشت لهذا الخاطر الذي أطرب قلبها فرحاً. لكنها لوهلة تذكرت أن هذه المشاعر التي ما زالت تكنها له باتت محرمة عليها. فهي ليست من حقها في الأساس. فهو رجل متزوج.. ينعم بحياة زوجية مستقرة وزوجة محبة كانت من البداية حب عمره.
أحبطها الخاطر الأخير لتهبط من علياء أحلامها لحضيض الحقيقة والواقع.
اندفعت بسيارتها بسرعة تفتح مذياع السيارة الذي رفعت مستوى الصوت فيه لأعلى درجة لعل ذلك يصرف خاطرها عن التفكير في حبها المستحيل ومشاعرها المحرمة. لذا لم تتنبه لتلك السيارة التي ظهرت فجأة ما أن دخلت بأحد الشوارع الهادئة نسبياً بعيداً عن ضجيج الشوارع الرئيسية. إلا واسرعت هذه السيارة بشكل جعلها تنتبه قسراً عندما اعترضت طريقها ما اضطرها لتضغط على مكابح سيارتها لتتوقف متطلعة لما يحدث في صدمة.
اندفع عدد من الرجال نحو سيارتها التي اتخذت دفاعاتها وأغلقت أبوابها إلكترونياً وظلت حبيسة الداخل لا تدري ما الذي يجري بالضبط!! وماذا يريد هؤلاء الرجال منها!؟
جذبت حقيبتها باحثة عن جوالها لطلب النجدة. لكن من شدة اضطرابها والرجال يحاولون فتح أي من أبواب السيارة الأربع سقط الهاتف أسفل قدمها في عتمة الدواسة لتهتف متذمرة بغضب.
صرخت ما أن تجرأ أحدهم وكسر إحدى النوافذ واستطاع مد كفه لفتح الباب ليصل إليها أخيراً. بدأت في الصراخ وهم يجرونها لخارج السيارة. إلا أن تلك الطلقات التي ارتفع صداها بالقرب جعلتهم يتركوها مترنحة وأحدهم قد وضع منديلاً على أنفها بغية تخديرها لتلوذ بالصمت ولا تلفت صرخاتها أي من كان.
بدأ الدوار يزحف لعقلها بظلمته. ولم تدرك من أمرها شيئاً. إلا تلك الطلقات التي دوت من جديد وهي تسقط بين ذراعي نزار الذي هتف باسمها عدة مرات. لكنها لم تستطع الإجابة. وهو يحملها نحو سيارته، مندفعاً نحو بناية ما على الأرجح كانت البناية التي يقطن بها.
لتتوقف العربة التي كانت تتبع نزار شاهدة على كل ما حدث. يبتسم صاحبها بتشفٍ ضاغطاً على أزرار جواله. لحظة وهتف بفخر:
الموضوع خلص.. والفار دخل المصيدة.
قهقه شخص ما على الطرف الآخر منتشياً فأخيراً تحقق ما كان يصبو إليه.
كانت تشعر بالاختناق. وحيدة بهذا البيت العريض بعد وفاة أبيها التي مر عليها أكثر من شهرين كاملين. لم يكن هناك إلا شيئ واحد فقط هو الذي يخرجها من حالة الاختناق والضيق هذه.. الرقص. ربنا لا يدرك مخلوق أن تلك الفتاة المسترجلة والتي تتشبه بالرجال في تعاملاتهم وملابسهم هي راقصة بارعة. عندما ترقص تتلبسها روح عجيبة.. روح أنثى ثائرة قررت أن تؤكد للجميع أنها أكثر أنوثة من كثيرات.
دخلت حجرتها وعبثت قليلاً بخزانة ملابسها حتى أخرجته. أخرجت ذاك الفستان الحريري الذي كان يوماً لأمها الراحلة. والذي يعد كذلك الذكرى الوحيدة لها بهذا المنزل. كان أبوها قد أخرج كل ما كان لها لوجه الله صدقة على روحها. ولم يبق إلا هذا الثوب الحريري الذي طالما أخبرها أنه كان يعشق رؤيته عليها.
لقد أمسكت به متلبساً ربما مرة عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. كان يبكي بحرقة وهو يحتضن ذاك الثوب العزيز. علمت منه أنها كان يعشقها. ورحيلها الغير متوقع قهر روحه.
يومها قررت أن تحتفظ بالثوب لنفسها دونه حتى لا تثير رؤيته شجون أبيها ومواجع قلبه.
وضعت الثوب على جسدها تتطلع للمرآة اللحظة. كان الثوب ملائماً لها بشكل يفوق الخيال وكأنما قد صُنع خصيصاً لأجلها.
دارت به دورة خفيفة لترتفع حوافه كبتلات زهرة تحتضن ساقها المياس.
همت أن تمد كفاً للمذياع لتشغيل الموسيقى لكنها أدركت أن الصوت قد يتسلل للخارج في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل. ما دفعها لتضع سماعات الأذن على جوالها وتخرج للردهة الواسعة وتبدأ السحر.
كانت ترقص كغجرية ولدت ما بين نغمتين حائرتين من جيتار ثائر.. أو جنية ترقص على دخان مبخرة مغوية ومغرية. كل خلية في جسدها تستجيب لاستفزاز الوتر.
لا تعرف كم استغرقت من وقت وهي على حالة النشوة تلك. إلا عندما بدأت تتصبب عرقاً ملصقاً ثوبها الحريري بجسدها الأنثوي الأكثر إغراءً من جسد عارضة أزياء.
فتنهدت أخيراً وقد شعرت بالإرهاق فخلعت عنها سماعات الأذن. لتفاجأ بطرق متعاقب على الباب بقوة.
انتفضت موضعها باضطراب. ثم اقتربت بوجل من الباب متسائلة:
مين؟!
هتف محروس من خلف الباب:
افتحي يا ست الكل خدي إيراد امبارح.
هتفت حسن بحنق:
وهو الإيراد ده مينفعش يستنى لبكرة؟!
هتف صوت أجش مصاحب:
لا مينفعش يستنى يا ست الكل.. ده قاعد على نار الشوق بقاله مدة.
لم ترد بل تسللت ببطء نحو جوالها لتطلب النجدة. من.. وجدت نفسها تبحث عن رقمه لا إرادياً. لكن من على الباب لم يمهلها بل دفع الباب دفعة قوية. فأصبح بوسط الردهة التي انتفضت هي صارخة تركض منها نحو حجرة نوم والدها تتحامى خلف بابها الذي كان قفله معطلاً ما جعلها تضع جسدها على بابه تزود عن نفسها.
لا تعرف أين ذهب صوتها الجهوري المعتاد. كأن الصدمة قد أخرستها فما عادت تمتلك صوتاً تصدح به طلباً للنجدة.
بدأ الضغط على بابها يزداد رغم مقاومتها لكن إلى متى يمكنها الصمود!!
تمدد يونس على فراشه عيونه معلقة بسقف الغرفة في تيه. تتمثل أمامه اللحظة صورته.. يقصد صورتها.. فهو لم يستوعب بعد تلك المفاجأة التي كادت أن ترديه قتيلاً عندما شرد أثناء قيادته في الطريق لبيت أبيه بعد اكتشافه سرها.. سر سماحة.
تنهد بضيق وهو يتطلع إلى الفراش المجاور لفراشه في الغرفة والذي كان لراضي. كان يشتاقه اللحظة ويحتاج وجوده. فلو كان هنا لكان قص عليه كل الحكاية وسأله النصيحة. أمسك هاتفه وضغط على رقمه. انتهى الرنين على الطرف الآخر دون رد فأعتقد أن راضي قد خلد للنوم.
زفر يونس بضيق واستدار مولياً ظهره للفراش الذي احتلّه بالفعل اثنين من إخوته الأصغر سناً. لتعود صورتها الظهور أمامه من جديد وهي تتمايل بكل ذاك الإغواء غير مدركة أنها أطاحت بثباته وتعقله. فكيف لامرأة بكل تلك الأنوثة الصاخبة تخدعه بزي ذكوري حتى أنه ما شك في حقيقتها للحظة؟! وطل ذاك السؤال الأهم بمخيلته.. لما فعلت ذلك؟! لما كتبت على نفسها العيش عكس طبيعتها مختبئة خلف كونها أحد الرجال؟! ما السر وراءها يا ترى؟!
ظلت دماغه على غليان أفكارها حتى جذبه النوم لعتباته لكنه لم يستطع انتزاعها من مخيلته فرافقته بأحلامه غير قادر على الفكاك منها.
تأفف شاعراً بالضيق. لا يعلم سبباً محدداً لذلك. لكن كل ما كان يعيه اللحظة هو رغبته في الرحيل عن الحارة والعودة للنجع بأسرع وقت ممكن. فقد اقتربت غايته من نهايتها وأصبح خبيراً في صيانة بعض أنواع السيارات التي تستخدم بشكل كبير في الصعيد. وعلى طرقه الوعرة. وقد حان الوقت ليفتح مشروع العمر الذي كان يحلم به.. مركز لصيانة هذه النوعية.. يديره بنفسه.
زفر ناهضاً من فراشه للخارج. يتطلع من سور السطح لقلب الحارة في مثل هذه الساعة وهو يدرك بقرارة نفسه أن سبب رغبته في تعجيل الرحيل هو.. نعمة.. ذات الجدائل التي تسلبه وقار قلبه. لم يخلق هو للحب وعذاباته. ولا نية له لخوض هذه التجربة الفاشلة في اعتقاده. عليه المغادرة وهو ما يزال قادراً على ذلك.
تطلع للنافذة أسفل موضع وقوفه. كان يعلم موضع حجرة نادر. وها هي نافذة غرفتها المشرعة. والتي يتسلل إليه من خلالها بعض الموسيقى.. التي انتشى لسماعها وعدلت من مزاجه قليلاً. لكنه تنبه اللحظة لدخول محروس وشخص ضخم الجثة معه إلى بيت حسن.
لم يكن الأمر في حاجة للكثير من الذكاء ليدرك راضي أن هناك مصيبة ستقع إن لم يسرع بالتصرف.
اندفع يقفز درجات السلم نحو بيت ناصر طارقاً الباب بعجالة ليست من عاداته ليفتح نادر.. الذي صرخ في وجهه مؤكداً:
حُسن في رجالة داخلة عليها بيتها مع محروس.
اندفع كلاهما يقفز الدرج للخارج ومنه لبيت حسن. وصلتهما الصرخات المكتومة من الداخل ما جعل الدم يثور بعروقهما عندما وجدا باب البيت من الخارج مغلقاً بسلسلة حديدية قوية. حاولا دفع الباب عدة مرات لكن بلا طائل ما دفع نادر ليندفع لداخل البيت المجاور ليتبعه راضي وكلاهما كان في غمرة اضطرابه حافياً. استفاقت الحارة على ذاك الهرج والمرج الحادث.
عندما وصل كلاهما لسطح البيت ومنه قفزا نحو سطح بيت حسن مندفعين يهبطا الدرج في هرولة نحو باب شقتها الذي كان يسده محروس بجسده. تاركاً شخصاً ما بالداخل لغرض ما.
انقض راضي على محروس وبدأ في تسديد الركلات والقبضات له حتى خارت قواه ليندفع للداخل ليجد الرجل الضخم الجثة ذاك قد دفع باب غرفة حسن بالفعل وهم بالانقضاض عليها. لكن نادر كان الأسبق ليقفز نحوه. دافعاً به ليسقطا أرضاً.
هتف نادر بها:
اطلعي بره بسرعة.
كانت تقف متخشبة لا تعلم ماذا دهاها. عيونها باكية وجسدها متصلب. ما دفعه ليأمرها من جديد وهو يعتلي ذاك الضخم مكيلاً له اللكمات:
بقولك بره.. اخرجي بره.
كان أهل الحارة قد استدعوا الشرطة بالفعل. وحاول ناصر وبعض الرجال كسر قيد باب بيت حسن. لكن لم يفلح أحد.
ما دفع راضي ليدخل الغرفة بعد قضائه على محروس المكوم كخرقة بالية بالخارج دافعاً بها لخارج الحجرة مغلقاً بابها ليتكفل هو ونادر بالرجل الذي دفع بالأخير في سهولة كأن كل ما أصابه من لكمات نادر مجرد خدر بسيط استفاق منه سريعاً ليبدأ القتال الحقيقي.
لم يكن يعلم أي منهما.. من يكون هذا الوحش الآدمي؟! فلم يكن من الحارة أو حتى من المنطقة بأسرها. الوحيد الذي يعرف هو محروس. كل ما كان يهمهما الآن هو كيفية التغلب على ذاك الضخم بأي طريقة. تناوبا تسديد الركلات واللكمات له.. من هنا وهناك.. لكنه استطاع الوصول لنادر معتصراً إياه بين ذراعيه ما جعله يصرخ في ألم. اندفع راضي ملقياً مرتبة الفراش أرضاً وتناول أحد الألواح الخشبية وضربه به على رأسه. ليترنح أخيراً مفلتًا نادر من بين يديه. أخذ يتطوح لبرهة وهما على تحفز لأي حركة قد تصدر منه. إلا أنه سقط كالبرج المنهار على ألواح الفراش المتبقية.
ساد الصمت للحظات قبل أن يتنهد كلاهما.. في طريقهما لخارج الغرفة. وقد استطاع أهل الحارة فتح الباب ليصبح خميس وناصر وبعض الرجال بالداخل أخيراً.
كان محروس مكوم أرضاً فاقداً الوعي. بينما راضي ونادر.. قد نالهما من الكدمات والضربات ما جعل كل منهما يلقي بجسده على أقرب مقعد لموضعه.
أما حسن.. فقد كانت تجلس على أحد مقاعد السفرة المهترئة. استطاعت أن تستر جسدها وشعرها بشال كانت تضعه دوماً على مقربة من الباب. عيونها منكسرة النظرة يملأ وجهها الدموع.
هتف خميس متسائلاً:
إيه اللي حصل؟! ومين دول يا حسن يا بنتي؟!
هتف ناصر مشيراً على محروس:
المكوم ده محروس اللي كان شغال عند أبوها الله يرحمه في الورشة. وبعدين اشتغل معاها. ده إحنا عارفينه.. لكن التاني ده إيه؟!
لم ترد حسن.. فلم تكن تملك إجابة من الأساس.
بدأ الجمع ينفض.. في انتظار الشرطة.
إلا أن من وصل اللحظة.. امرأة دخلت للبيت في ترقب لا تدري ما يحدث. وما أن أبصرت حالة حسن حتى اندفعت نحوها بلهفة بينما تبعها رجل. ما أن وضع قدمه داخل الشقة متطلعاً للفوضى الناتجة عن الشجار والكر والفر إلا وهتف بصوت يحمل نبرة غير مصرية رغم أنه يتحدث العامية المصرية بشكل جيد:
إيه اللي حصل هنا؟! الحرب قامت!!
كان مجرد تساؤل بسيط. لكنه لم يكن يعلم أن الحرب فعلاً على وشك الاندلاع.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رضوى جاويش
تطلع نادر وراضي لذاك الرجل الغريب الذي وقف يتطلع نحو الفوضى في آسف ولا يعرف أي من الموجودين من يكون. وكذلك من تكون هذه المرأة التي تحتضن حُسن اللحظة في محبة وخوف حقيقي.
هتف نادر مستفسراً في سخرية: الباشا مين بس عشان نبقى عارفين حضرتك سايح وتهت فالسكة ولا أيه؟
هتف راضي مستفسراً: إيوه أنت مين؟ والمدام اللي معاك دي تبجى مين سعادتك؟
هتفت المرأة دون أن تبعد حُسن عن أحضانها، والتي لم يكن يعنيها من تكون بقدر ما استشعرت حاجتها لصدر تختبىء فيه من نظرات الجميع: أنا فايزة الدمياطي أخت سالم الله يرحمه.
تطلع خميس وناصر نحو بعضهما في شك، إلا أن خميس هتف في تعجب: بس إزاي؟ ده سالم كان قايل لنا إنك اتوفيتي فالبلد. وكان زعلان عليكِ قوي.
هتفت فايزة مؤكدة: صح. أنا كنت فنظر أخويا ميتة. بعد ما عصيته واتجوزت اللي أخترته. كان راجل عربي كبير فالسن عليا، لكن راجل محترم. حبني بجد وكان شاريني. وافقت. لكن سالم ربط موافقتي بعلاقتنا ببعض. لو وافقت يبقى هيعتبرني ميتة. وانسى إن كان ليا أخ اسمه سالم.
دمعت عينى فايزة وهي تضم حُسن لصدرها أكثر، هاتفة: حاولت اتواصل معاه كتير بس كان بيصدني. حاولت اساعده لما عرفت بحالته المادية ومرضه. مكنش بيقبل ولا مليم. كان عنيد ودماغه ناشفة. ولما عرفت بوفاته من يومين. جيت جري عشان عارفة إن حسن مبقلهاش حد غيرنا.
هتف خميس متحسراً: لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه بس كده يا سالم؟ عمومًا حمد لله على سلامتك. ووالله حُسن كانت فعنينا. واللي حصل ده.
هتف نادر مقاطعاً في حنق: اللي حصل ده عشان مكنتش بتسمع كلام حد. وكانت واقفة وسط الرجالة راس براس فالورشة فطمعتهم فيها.
هتف الرجل الغريب: يا سيدي مبقتش خلاص محتاجة لا لوقفة وسط رجالة ولا للورشة من أساسها والحمد لله.
هتف نادر حانقاً مشيراً للرجل الغريب الذي كان مرافقاً لفايزة: برضو معرفناش. الباشا يبقى مين؟
هتفت فايزة مجيبة نادر الذي كان يتطلع نحو الرجل بعدائية عجيبة: ده ابني. شعيل الساعدي.
هتف ناصر مرحباً: شرفتونا.
هموا بالرحيل تاركين حُسن مع عمتها وابنها العجيب ذاك، إلا أن الشرطة وصلت. وتم التحفظ على كل من محروس وذاك الضخم الذي كان برفقته.
واُستدعي الجميع للقسم للإدلاء بأقواله.
اُغلق باب بيت حُسن مرة أخرى، ولكنها اللحظة لم تكن وحيدة. بل كان معها عمتها فايزة التي ما سمعت بها من قبل إلا عند حديث المعلم خميس مؤكداً حقيقتها. فلم يأت أبوها على ذكرها إلا مرة واحدة. عندما سألته هل له إخوة أو أخوات. فأجاب باقتصاب أن نعم. كانت له أخت تصغره وماتت. حتى أنه لم يذكر اسمها.
تطلعت نحو ابن عمتها شعيل الذي جلس على أقرب أريكة متطلعاً حوله يتفرس المكان. فقد كان دخيلاً بالفعل على موضع بكل هذه الفوضى. وهو الحسن الطلة. المهندم الثياب. تفوح منه رائحة عطر غالي الثمن. ويبدو من هيئة ملابسه الحديثة الثمينة أنه من طبقة الأثرياء. تنبه لنظراتها فابتسم لها في أريحية ابتسامة محببة. واستشعرت للمرة الأولى روعة أن يكون للإنسان عائلة.
***
أصبحت مقابلته لها كل صباح طقساً بالغ الروعة. فما أن تقترب العربة من مشارف نجع السليمانية حتى تجده يهبط التلة بأدهمه الذي يبرق جسده الأبنوسي تحت أشعة الشمس الوليدة صباحاً. وما أن تترجل من سيارتها إلا ويترجل عن فرسه بدوره، ملقياً التحية كما الآن، جاعلاً قلبها يخفق في اضطراب يزيدها حنقا. فلم تعتد بعد حقيقة أن قلبها قد أعلن تمرده على قراراتها الصارمة وضرب بكل قوانينها عرض الحائط. وبدأ ينبض بعشق ذاك الرجل العبوس الغامض الذي للعجب لا تعلم عنه شيئاً. كانت دوماً ما تعتقد أنها ستعرف كل كبيرة وصغيرة عن حياة من تفكر في الاقتران به. وأن المعرفة هي التي ستدفعها للاقتراب أو البعد. لكنها كانت واهمة تماماً عندما قاست أمور القلب بقوانين المنطق والعقل. وخابت كل توقعاتها وخسرت كل رهاناتها. وأثبتت فشلها كل حساباتها.
تطلعت نحوه ترد تحيته الصباحية: صباح الخير يا رائف بيه.
هتف يعلمها: الدكتورة سميحة عايزاكِ ضروري.
ابتسمت نوارة متعجبة. فمن الطبيعي أنها ستتجه للوحدة حتى تلقاها ككل يوم، فهتفت مؤكدة: ما أنا رايحة للوحدة أهو. وهشوف.
قاطعها رائف مؤكداً: لا. هي عايزاكِ فالبيت. الدكتورة مرحتش الوحدة النهاردة. ومش هتروح.
هتفت نوارة بنبرة قلقة متسائلة: هي الدكتورة سميحة بخير؟ كويسة يعني؟
أكد رائف مطمئناً: أه هي بخير متقلقيش. بس بلغتني أول ما أشوفك ابلغك إنها عايزاكِ.
اومأت نوارة بالموافقة وسارت جواره فقد أصبح طريقهما واحد. فكلاهما في سبيله للبيت.
ساد الصمت بينهما كالمعتاد. لكن فجأة وبلا مقدمات صهل فرس لم يكن الأدهم فرسه بل فرس آخر قادم من طريق جانبي ترابي وضيق. آثار الغبار وجعل رائف بلا وعي يجذب نوارة إليه رغبة في حمايتها من رعونة الفرس القادم نحوها.
صرخ رائف وهو ما يزال يحمي نوارة بكامل جسده: مفيش فايدة في چنانك يا مهرة.
قهقهت الفارسة التي كانت تعتلي صهوة تلك الفرسة الشهباء مؤكدة في نبرة مغناجة: ولا عمره هيكون فيه فايدة يا رائف.
ابتعد رائف مضطرباً عن نوارة التي لم تكن أقل منه اضطراباً. واعتذر هامساً. لكنها لم يكن لديها ما يكفي من القدرة لتستجمع أحرف أبجديتها لتنطق كلمة واحدة.
تطلعت نوارة نحو مهرة هذه. كانت فتاة من الواضح أنها تربت خارج نجع السليمانية. لهجتها وطريقة ملابسها توحي أنها ضيفة لا صاحبة مكان.
هتفت مهرة وهي تترجل من على فرستها مشيرة نحو نوارة: مش هتعرفني ولا أيه يا رائف؟
تعجبت نوارة استشعارها رغبة جامحة في جذب هذه الفتاة من شعرها الأشعث ذاك والمصفف على أخر صيحة لتلقمها بعض أوحال الترعة أو ربما بعض التبن حتى لا تنطق اسم رائف مجرداً بلا ألقاب وبهذا الشكل المغوي.
هتف رائف بلهجة رسمية: الدكتورة نوارة مهران. دكتورة الوحدة الصحية الچديدة.
همهمت مهرة في استحسان مصطنع، هاتفة بخبث: دكتورة؟ اممم. طب كويس إنك لقيت لك يا رائف حد.
اخرستها تلك النظرة النارية المطلة من عيني رائف الصقرية. والتي تحولت اللحظة لصورة طبق الأصل من نظرات جده العجيب ذاك.
ساد الصمت للحظة قبل تهتف مهرة بسماجة وكأن شيئاً لم يكن: تمام. أنا وعرفت الدكتورة تبقى مين. مش هتعرفها عليا؟
تجاهل رائف طلبها، ما دفعها لتتطلع نحو نوارة مادة كفها لتحية تعارف، هاتفة: أنا بقى يا ستي. أبقى مهرة السمدوني. خطيبة رائف.
كانت كف نوارة في اتجاه كفها. توقفت لبرهة ثم دفعت به نحو كف مهرة من جديد في مهارة واحترافية، متخذة الوضع الجليدي الذي كانت تتقنه. رغم أنين قلبها المترنح كالمذبوح بين ضلوعها. لذاك الخبر الذي لم يكن فالحسبان.
هتفت نوارة في لهجة رسمية: تشرفنا يا آنسة مهرة. وفرصة سعيدة.
واندفعت تاركة إياهما دون أن تلقي بنظرة نحوه. تهرول في سبيلها نحو البيت لموافاة الدكتورة سميحة لتعلم لما استدعتها على وجه السرعة. وما أدركت تلك النظرة التي تبعها بها رائف حتى اختفت. ولا تلك الابتسامة الغامضة التي ارتسمت على شفتيه.
***
كان يسير على الطريق المؤدي لنجع الحناوي متلهفاً. لا يعلم ما الذي يدفعه بهذه القوة ليلحق بداره، تاركاً دار أبيه التي لم يستطع أن يمكث بها إلا ليلتين كان السهد رفيقه بهما. لقد احتلت صورتها مخيلته. وما استطاع أحد مهما كان أن ينتزعها. حتى خبر خطبة سهام على ابن عمته الشيخ مؤمن. والذي للعجب عندما علم به لم يثير فيه أية مشاعر.
تنهد يونس في راحة لا يعرف من أين أتته. ومد كفه لمذياع العربة لتنبعث إحدى الأغنيات. والتي كانت ويا لها من صدفة. هي نفسها التي كانت تتمايل عليها يوم أن اكتشف حقيقتها. وتبدت له صورتها من جديد على زجاج السيارة قبالته وغاب عن الدنيا. لكنه انتفض على صوت سباب ما يأتيه من الخارج. فتنبه أنه كاد أن يصطدم بإحدى العربات المحملة بأحد المحاصيل. أشار بيده معتذراً وهتف موبخاً نفسه: إيه! مالك اتشندلت كده يا واد يا يونس! اثبت اوماااال. وبعدين اوصل سليم وشوف هتعمل إيه. صح؟
أكد لنفسه بصوت عال: صح الصح.
ابتسم في أريحية وقد استقر على التركيز فالقيادة، محاولاً إبعاد صورتها المغوية تلك عن مخيلته حتى وصل أخيراً.
ركن عربته بعيداً حتى لا يعلم من بالدار بوصوله. وتسلل في هدوء محاولاً الوصول لداخل الدار. فهو يعلم أن سماحة ينتظر حضوره غداً وليس اليوم. كان يريد أن يراها من جديد بحقيقتها. وكأن مرة واحدة من العذاب لم تكفه. وها هو يعيد الكرة. لكن ما أن وصل لأعتاب الدار متحسساً موضع قدمه ملثماً وجهه حتى وجد شيئاً ما صلباً ملتصقاً بظهره. صرخ صاحبه بصوت قوي متسائلاً: مين أنت؟
انتفض يونس معلناً عن نفسه مؤكداً: أنا يونس يا فجري.
والله فيوم لهجطع الخلف يا هتچيب أچلي.
انزلت سماحة سلاحها هاتفة بنبرة معتذرة: معلش يا بيه. مكنتش أعرف إنك راجع النهاردة. أنت جولت چاي بكرة.
هتف يونس متطلعاً إلى سماحة بنظرات متفحصة: أچي وجت ما أچي. هستأذن وأنا داخل بيتي؟
واستمر يونس محدقاً في سماحة التي تعجبت من نظراته. مدركة أنه ليس على طبيعته مطلقاً. والذي استطرد بنبرة خبيثة: ولا عاوزني استأذن يا سماحة؟
هتفت سماحة مؤكدة: لاه العفو يا بيه. حضرتك جلتها. حد يستأذن وهو داخل بيته. وإحنا فالأول والأخر خدامين سعادتك.
شعر يونس بالضيق بعد كلماتها الأخيرة. فهتف منهياً الحوار: خلاص محصلش حاچة. روح. ي.. اجصد روح ياللاه حضرلي العشا لحسن أني چعان كني بجالي سنين مكلتش.
وما أن همت سماحة بالاستدارة مغادرة إلا وهتف بها يونس: ومتنساش. أعمل حسابك معايا. مش هاكل لحالي.
هزت سماحة رأسها موافقة: أمرك يا بيه.
رحلت سماحة تاركة إياه يتطلع نحو موضع غيابها. وما أن تأكد من مغادرتها حتى قلد صوتها الخشن الذي تتصنعه وانفجر ضاحكاً. متوعداً.
***
هتفت به وجيدة: طب روح أنت.
انتفض خفيرها مبتعداً تاركاً إياها تغلي غضباً بعد كل ما أفضى به إليها.
دخلت أية إلى صحن الدار لتهتف بها وجيدة تستوقفها. ما دفع أية لتلتفت إليها تتجه نحو موضع جلوسها هاتفة: خير يا ستي!! فيه حاچة؟
هتفت وجيدة وهي تمد لها كفها مطالبة: هاتي المحروج اللي فيدك ده.
اضطربت أية هاتفة: ليه يا ستي؟ إيه في؟
انتفضت وجيدة من موضعها تنتزع الهاتف من كفها. حاولت أية الاعتراض لكن وجيدة استوقفتها بنظرة صقرية من عيونها نافذة النظرة. والتي كانت ترعبها منذ صغرها. هذه النظرة التي ما كانت تستطيع معارضة صاحبتها أبداً. وظل الحال حتى اللحظة. ما جعلها تتوقف عن الاعتراض. ووجيدة تعبث بمحتويات جوالها في عجالة حتى توقفت على أحد التطبيقات وبدأت في التفرس بتمعن واهتمام. ما جعل أية تدرك أنها عثرت على رسائلها مع مروان. لم يكن بها شىء تخجل من اطلاع أي من كان عليها. لكن مع جدتها وجيدة الفكرة في حد ذاتها تستحق الحرق حية. وخاصة لو أدركت أن مروان هذا من الهوارية الذين تبغضهم بلا سبب واضح لها أو لمنتصر. الذي يصبو للاقتران بواحدة من بناتهم. لكن بالطبع قُبل طلبه بالرفض لتعنت جدتها.
انتهت وجيدة من تصفح رسائل الهاتف. رفعت ناظريها في اتجاه حفيدتها هاتفة في حنق تهز الهاتف بكفها أمام ناظري أية: إيه ده يا بت الأصول!! مع مين الرسايل دي يا مرباية؟
تلعثمت الأحرف على لسان أية تحاول أن تفهمها أن الأمر مجرد زمالة. لكن صوت وجيدة أرتفع مؤكداً: من هنا ورايح لا في مرواح ولا مچي للچامعة. هتترزي هنا چاري لحد ما واد خالك يرچع في اچازته الچاية ونكتبوا كتابكم. ونخلصوا منيه الموال الماسخ ده.
انتفضت أية معترضة: كتب كتاب مين! أنا لا يمكن اتجوز منتصر.
هتفت بها وجيدة في حنق: أنتِ بتجولي إيه!؟ من ميتا بتكسريلي كلمة؟
هتفت أية وقد بدأت مخزون الصبر لديها ينفد: العفو يا ستي. بس أنا مش هتجوز منتصر. أنا عارفة إنه عاوز يتجوز واحدة تانية. و.
صرخت بها وجيدة مؤكدة: ولا تانية ولا تالتة. مفيش چواز من الهوارية ولو فيها موتي. ومفيش عروسة هتكون لمنتصر غيرك أنتِ. مين اللي هايرضى ياخدك بعد اللي.
صرخت فيها أية في ثورة: كفاية بجى. كفاية حرام عليكِ. هو أنا إيه. مش بت بتك!! بتعملي فيا كده ليه؟ مش كفاية إن اللي حصلي وحصل لأبويا وأمي كان من تحت راسك.
رفعت وجيدة كفها لتسقط على جانب وجه أية محدثة دوياً قوياً هاتفة في ثورة عارمة: اخرسي. ما هو لازما تجولي كده. يا خلفة الشوم والندامة.
كانت أية تضع كفها موضع الصفعة على وجهها مصدومة مما تفعله بها جدتها. والتي استطردت مؤكدة في حزم: مفيش خروچ تاني لحد ما يرچع منتصر. والواد المشلول اللي تعرفيه ده تنسيه.
شهقت أية. لابد أن جدتها تضع ذاك الخفير جاسوساً عليها. فلا علم لأحد بهذا الأمر إلاه.
ابتسمت وجيدة في سخرية مؤكدة: إيه! كنتِ مفكراني نايمة على وداني ومش عارفة إيه اللي بيچرا؟ والله ما يطولكم عيال الهوارية أبداً.
هتفت أية متوسلة تحاول تقبيل ظاهر كفها: لا يا ستي الله يخليكي إلا الچامعة. دي أخر سنة ليا. وأنا أوعدك. مش هكلمه تاني. ولا هكلم أي حد. بس سبيني أروح الچامعة.
هتفت بها وجيدة: بلا أخر سنة بلا يحزنون. غوري على فوج وملمحش طرف توبك تحت. غوري.
انفجرت أية باكية وهي تندفع للأعلى حيث غرفتها الشاهدة جدرانها وأركانها على معاناتها في هذه الدار.
***
رحل الجمع من أهل من بيت ماهر الهواري والذين قدموا في الأساس لخطبة سهام. أعطى لهم باسل ميعاداً للرد بالقبول أو الرفض خلال ٣ أيام. لكن ما حدث بالجلسة هو ما جعل باسل يصرخ مؤنباً ولده سمير: أنت اتچننت رسمي. يعني إيه الناس چايين يخطبوا أختك تجوم فوسط الجعدة تجولهم وأنا كمان طالب يد سمية بتكم!! هو ده ينفع يا واد الأصول؟
شهقت سندس. بينما كانت سهام تتسمع من خلف باب حجرتها لا قبل لها على مواجهة أبيها خجلاً. لكنها طارت فرحاً ما أن علمت برغبة مؤمن في التقدم لخطبتها. لكن اللحظة كان نصيبها من الصدمة مضاعفاً. لا بسبب ما فعله سمير. لكن بسبب رغبة سمير من الأساس. هل يرغب بحق في الزواج من سمية؟ ولما سمية بالتحديد؟ هل يحبها؟ ستكون كارثة لو كان الأمر كذلك. فهي على علم أن قلب سمية معلق بعاصم. الذي لا يلق لوجودها بالاً. تنبهت من خواطرها المتشابكة تلك على هتاف سمير مدافعاً عن فعلته: إيه فيها يعني!؟ ما أنا جلت لهم إن هيكون لنا زيارة عنديهم نطلبوها بحج ربنا؟
صرخ باسل من جديد رغم محاولة سندس تهدئته بلا طائل: هو أختك لسه وافجت على ابنهم!! أنت كده بتربط دي ب دي.
هتوافجوا عليا لبتكم. هنوافج على ولدكم لبتنا. طب كنت استنى نشوفوا موضوع أختك هيمشي كيف الأول. طب أفرض أختك رفضت. هيبجى إيه الحال بعد كلمتك عن بتهم؟
هتفت سندس مؤكدة: كلام أبوك مظبوط يا سمير. وبعدين كان لازم تشورنا الأول قبل ما تعمل كده.
هتف باسل حانقاً: وده سبب تاني. لما تجوم جايل اللي جلته وأنا جاعد. كده بينت لهم إني عارف إنك هتعمل كده وإني موافجك.
هتفت سهام الجدة في حنق: طول عمره مچنون. والله جلت كده من بدري محدش صدجني.
لكنها تطلعت لسمير هاتفة بنبرة حانية وكأنها استشفت ما يكنه صدره: أنت بتحبها يا واد يا سمير؟ أصل ميبجاش حد ملهوف اللهفة دي إلا لو كان عاشج وما صدج لجي طريج.
هتف سمير وقد شعر أن جدته قد مهدت له طريق اعترافه الذي ما كان قادراً على البوح به: ايوه يا ستي. عايزها من زمان. وحتى لو مؤمن مكنش اتجدم لسهام كنت هطلب يدها. بس اللي كان مأخرني إني عرفت من سهام إنها رفضت عرسان ياما عشان عايزة ع الأجل يبجالها سنة فالچامعة وتخلص. وأنا كنت مستني تخلص بس السنة دي واتجدم لها.
هنا ما عادت سهام قادرة على الاستماع أكثر. لقد أخبرته بهذا حقيقة. لكن لم يكن هذا هو السبب الحقيقي لرفض سمية للعرسان. بل الأمل الذي كان يحدوها في استيقاظ قلب عاصم من ثباته وإدراكه لمحبتها.
ماذا عليها أن تفعل؟ هل تترك الأمور تجري كم قُدر لها؟ أم عليها التدخل لإنقاذ قلب أخيها قبل أن يتورط مع فتاة قلبها مع غيره؟
تنهدت في اضطراب لا تعرف ما عليها فعله في هذه المعضلة. والتي تضع رغبة قلبها في الاقتران بمؤمن في مقابل رغبة أخيها في الاقتران بسمية وقلبها الذي هو ملكاً لرجل سواه.
***
اندفعت داخل حجرتها وأغلقت بابها بأحكام. حمدت ربها أن نوارة بعملها وزهرة ما تزال بالمشفى لتظل وحيدة تلعق جراح قلبها بعد أن سمعت خبر رغبته في خطبة سمية.
سمير الذي ظلت تحلم بمحبته لسنوات. الآن أصبح لغيرها. إنه لم يشعر بقلبها يوماً. ولا استشعر محبتها له.
شهقت في وجع وهي تلقي بجسدها على فراشها. تحس بخنجر القهر يصل لسويداء القلب دون أن يكون لها القدرة على التأوه ألماً.
نهضت من موضعها على الفراش الذي أشبعته بدموعها بللاً. لتدفع بضلفتي نافذتها تتطلع للخارج في محاولة لاستعادة السيطرة على انفعالها حتى لا يستشعر أحدهم وجيعتها. رغم أنها لم تكن استوعبت الأمر بعد. ولا تعلم متى ستستطيع تخطي هذا الأمر.
مدت كفها تضغط على زر تشغيل الموسيقى على هاتفها لتعاود البكاء من جديد ما أن وافقت الموسيقى أحزانها.
لكن لسوء الحظ وصلت نوارة. ما دفعها لتمد كفها من جديد لتغلق الموسيقى حتى لا تسمع منها ذاك التقريع المعتاد. لكن على العكس هتفت بها نوارة في حسرة: ليه جفلتيها؟ دي حلوة يا سچود.
هتفت سجود تحاول أن تخفي دموعها: باين إنه كان عندك حج يا نوارة. كل الكلام ده فاضي ولا ليه لازمة. كله كلام فالهوا ممنوش فايدة.
تطلعت نوارة نحو أختها الصغرى التي كانت تتنفس العشق وتعيش على أحداث قصصه وحكاياته. لكن اللحظة لم تكن سجود كما عهدتها. الأمر انقلب. باتت هي من تطلب موسيقى الهوى وأغاني العشق. وأختها الحالمة أصبحت تعافها.
تطلعت نحو سجود واستشعرت أن هناك سر خفي. لكنها لم تشأ أن تتطفل على مشاعرها. فقط أحبت مشاركتها حزنها ذاك الذي يطل جلياً من عيونها.
نهضت تتجه صوبها تتطلع إليها في نظرة قلقة. لتتهرب سجود من عيونها المتفحصة. لكن نوارة اقتربت ملتصقة بأختها تضمها لصدرها وتطوقها بذراعيها رغبة في حمايتها كما كانت تفعل دوماً عندما كانتا صغيرتين.
خبأت سجود رأسها بأحضان نوارة وشهقت باكية. لتزيد نوارة من اعتصارها بين ذراعيها. لم تشأ أن تسأل سجود عما تعانيه. فقد استنتجت أن هذا الوجع الذي يزلزلها قهراً. هو ذاك الوجع الذي هربت منه طويلاً. تعجبت أنها استطاعت استنتاج الأمر بهذه السهولة. لكنها اعترفت لنفسها ساخرة. أوليست تلك الآلام التي تعانيها سجود هي ما تقر بوجعه بين ضلوعها. والذي ثار متمرداً من قمقمه عندما أبصرت رائف مع خطيبته الحمقاء تلك؟
بلا. ذاك الوجع الذي من الواضح أن لا مفر لقلب من ملاحقته مهما حاول الهرب.
***
تساءل حمزة وهو يرتشف فنجال قهوته الصباحية على مائدة الإفطار التي جلست إليها وهي في حالة من الضعف والتخبط بعد ما حدث معها بالأمس: عملتي إيه في اچتماع امبارح؟ سبع ولا ضبع؟
أكدت متصنعة ابتسامة خرجت باهتة رغم عنها: سبع يا بابا متقلقش.
تساءل حمزة من جديد: امال إيه اللي كسر جزاز عربيتك كده؟
شعرت باضطراب وأخبرته كاذبة: مش عارفة. هو مكسور؟ طب كويس إن حضرتك شوفته.
أكد حمزة وهو يتناول بعض اللقيمات: ايوه شوفته من شوية وأنا بتمشى فالچنينة. رحت ناحية الجراچ. لجيتها على حالها.
لم تعقب فريدة. فهي على قدر ما تتذكر من أحداث البارحة أن نزار حملها عندما بدأت تفقد الوعي لسيارته تاركاً سيارتها جانباً. من أعادها إلى هنا؟
لم يظهر إلا اسم واحد على لوحة العقل والمنطق. نزار.
همت بالنهوض لتتصل به لترى ما الذي حدث! ومن هؤلاء الذين كانوا في أعقابها ورغبوا في خطفها! إلا أن حمزة سعل في شدة غاصاً برشفة من القهوة عندما وقعت نظراته على شيء ما معروض بالهاتف.
وهتف متطلعاً لها في غضب: أنتِ جولتيلي جزاز العربية إنكسر إزاي؟
أيقنت من لهجة أبيها أنه أتاه خبر ما حدث بالأمس. ما جعلها تهتف في اضطراب: الصراحة يا بابا مكنتش عايزة اقولك واقلقك عليا. بس إمبارح فيه ناس هاجموني. كانوا عايزين يخطفوني. لكن نزار هو اللي لحقني. كسروا إزاز العربية عشان يوصلوا لي لولا وصول نزار فالوقت المناسب.
هتف حمزة في ثورة: مين دول! وإزاي يتچرأوا من الأساس! هم ميعرفوش أنتِ بت مين؟
انتفضت هدير تحاول تهدئته رابتة على كتفه في اضطراب: إهدى يا حمزة. المهم إنها بخير. والحمد لله إن نزار كان موجود. محدش عارف إيه اللي كان ممكن يحصل لو مكنش موجود.
صرخ حمزة ثائراً: أه وسي نزار ده لما يكون عايز يلحجها بدل ما يچبها على بيت أبوها ياخدها على بيته!
شهقت هدير بينما اندفعت فريدة تؤكد رغم الصدمة التي اعترتها: بيت مين يا بابا! محصلش.
دفع حمزة بهاتفه ملقياً إياه على المائدة قبالة فريدة. لتندفع هدير بدورها تتطلع لشاشة الهاتف مع ابنتها التي أمسكت به بكف مرتعش. لتشهق مع هدير وهي تتطلع للصور التي تتابع أمام ناظريها توثق لحظات حمل نزار لها حتى عربته. ولحظات صعوده بها لبناية لم تكن البناية التي يقطن بها. كانت بناية بها طبيب على صلة وثيقة بنزار. والذي استيقظت لتجد نفسها ممددة على سرير الكشف بعيادته. وكلاهما بالخارج في انتظار استفاقتها.
همت بذكر كل تلك التفاصيل لحمزة الذي عاود صراخه وهو يجوب الغرفة جيئة وذهاباً ضارباً كفاً بكف يشعر بأن خنجراً من جمر القهر مغروز بخاصرته: أعمل إيه دلوجت! الصور دي زمانها مع كل من هب ودب فاسكندرية. والناس مبيحللهاش إلا سيرة الفضايح. بس لو أعرف مين دول!
وتطلع نحو فريدة التي قد بدأت في الانهيار وسالت دموعها على خديها في صمت متسائلاً: أنتِ متعرفيش تدليني على أي حاچة تدلني عليهم؟
هزت رأسها نفياً: كانوا أربع رجالة. شبه البوديجاردز. مشفتش حد منهم قبل كده.
هتف حمزة مؤكداً: دول متسلطين. بس من مين! إحنا عمرنا ما كان لينا عدوات مع حد. وماشيين بما يرضى الله.
شهقت فريدة وكذا هدير باكيتين. ما دفع حمزة رغماً عن ضغطه وثورته ليقترب منهما محتضناً. رابتاً على كتف فريدة مؤكداً: أبوكِ فضهرك. وأنا عارف ربايتي. واللي هيجول فحجك كلمة هعرفه مجامه. بس دلوجت. مفيش نزول من البيت تاني لحد لما نعرفوا مين دول اللي جاصدينك.
هزت فريدة رأسها موافقة فلم يكن لها أن تعارض قرار أبيها. وعليها الانتظار حتى ترى ما قد يحدث فالأيام القادمة.
***
لم يكن باختيارها البقاء للمبيت الليلة في السليمانية. لذا نالت وصلة التقريع المعتادة من تسنيم أمها. والتي للحق لم تكن بنفس الشدة كما سابقتها. فيبدو أنها بدأت تستسلم لرغبتها. واعتياد متطلبات المهنة.
كان مبيتها بطلب من الدكتورة سميحة لتكون بديلاً عنها. فكما فهمت منها. كان عليها السفر للقاهرة لاستقبال إحدى قريباتها والتي لم ترها منذ سنوات طويلة.
كان حدثاً طارئاً ولم يكن من المعقول ترك الوحدة دون طبيب للطوارئ في أية لحظة.
كما أن الليلة هي ليلة زفاف ابنة عم مصلحي. ذاك الممرض العجوز الطيب الذي يعمل مع الدكتورة سميحة منذ سنوات طويلة. وهي من المدعوات.
غيرت ملابسها بقلب الاستراحة وتمددت قليلاً على فراشها من أجل بعض الراحة قبل التوجه لحفل الزفاف.
لا تعلم كم غفت ولا كم الساعة الآن! لكن تلك الطرقات على باب الاستراحة هي ما أيقظها لتنتفض نافضة النعاس عن جفونها. فتحت الباب لتجده عم مساعد ذاك الخفير الذي لم يكن يفارق الدكتورة سميحة أينما حلت هاتفا بها في لهجته المشددة: أنتِ مش رايحة الفرح ولا إيه يا داكتورة؟ أني جاعد مستنظرك من عشية.
تنبهت أن العشاء قد أذن لصلاته منذ فترة بسيطة. فهتفت به مؤكدة: رايحة يا عم مساعد. خمس دجايق وهنكون ع الطريج. هو بيت عم مصلحي بعيد؟
أكد مساعد: لاااه يا داكتورة. خطوتين من هنا.
هزت رأسها هاتفة: طب تمام. ثواني وراچعة لك.
غيرت ملابسها في سرعة. فقد وعيت الدرس جيداً وبدأت تحضر معها ملابس للنوم وأخرى بديلة. وتتركهم هنا بخزينة الملابس بالاستراحة لأي طارئ. فيكفيها ما حدث المرة السابقة.
خرجت لعم مساعد هاتفة: ياللاه بينا.
تحركا معاً. وسارا وسط مجموعة من الحقول والطرق الترابية. لم يكن دار مصلحي بالقرببة أبداً. كانت بالجانب الآخر من نجع السليمانية.
تنفست الصعداء ما أن بدأ صوت الطبول والمزمار يعلو. مؤكداً أنها على مقربة من الحدث السعيد.
هللت النساء واستقبلنها بالزغاريد. فقد استطاعت إقامة علاقات طيبة معهن. اجلسنها في صدر المجلس بالقرب من العروس التي هتفت أمها بعد وصلة ممتدة من الزغاريد: شرفتينا يا داكتورة. عجبالك. وعجبال ما ياچي عوضها على يدك يا رب.
آمنت النساء في سعادة وبدأت وصلة الرقص. اندمجت نوارة تشاركهن سعادتهن. لم تكن المرة الأولى التي تحضر فيها فرحاً بسيطاً كهذا. حضرت البعض بنجع الصالح. فما عاد أحد بالصعيد يقيم ليلة عرسه داخل قريته. أصبح الجميع يرغب في حجز القاعات الفاخرة بالمحافظة أو حتى بأقرب مركز من أجل التفاخر والتباهي.
هدأت النساء وبدأن في توزيع صواني الطعام هنا فيما بينهن. وبالخارج للرجال.
تناولت النذر اليسير مما قدم لها جبراً لخاطر عم مصلحي. الذي جاء من مجلسه بين الرجال ليتأكد أنها تنعم بالراحة والخدمة الجيدة.
انتهت فترة تقديم الطعام ليعاود النساء طرق الطبول. سمعت نوارة بعض الصياح والتهليل بين الرجال. يبدو أن وصلة التحطيب قد بدأت. تسللت نوارة في هدوء للخارج فدوماً ما كان التحطيب يجذبها. لا تعلم لما. لكنه يظهر لها عنفواناً وقوة تأسرها كلياً.
توقفت عند ركن منزو تستطيع منه المشاهدة دون أن يحجبها الرجال. كان المتباريان ماهران بحق. لكن أحدهما على الرغم من احترافيته الظاهرة وتفوقه على خصمه اخفض عصاه وشرع في احتضان منافسه في محبة. أيقنت أن الخصم الأضعف هو العريس. والذي تنازل له الرجل الآخر محبة. تنبهت أخيراً أن ذاك الرجل لم يكن إلا رائف السليماني. لم تكن تستطيع تمييزه وهو يرتدي الجلباب والعمامة.
كانت المرة الأولى التي تراه بهما. اختفى رائف قليلاً. كانت تعتقد أنه عاود الجلوس بين الرجال. أو حتى رحل بعد أن أتم مجاملته للعريس وعم مصلحي.
لكن يبدو أن الأمر لم ينتهِ عند ذاك الحد. فقد بدأ عزف المزمار ليظهر رائف على فرسه الأدهم متمايلاً في ثقة والفرس تتمايل بدورها في خيلاء مبهرة.
هلل الرجال في سعادة. فقد كان ظهور رائف بهذا الشكل داخل العرس تقديراً كبيراً تدركه هي تماماً. فعندما يحضر كبير النجع زفاف أحد رجاله تكون هذه مفخرة كبيرة يتحاكى بها حباً وعرفاناً.
لا تعلم لما بدأ قلبها يدق بهذا الشكل المتسارع وهي تراه بهذا الشكل الغريب عنها! كأنه أضحى رجل أخر تماماً بين هؤلاء البسطاء. أين ذهبت عجرفته؟ وماذا حل بعبوس وجهه الذي لم يكن يفارق قسماته إلا نادراً! ومن هذا البشوش الوجه واسع البسمة الذي تبصره على فرسه متبختراً في عزة أشبه بالملوك!
تساءلت متعجبة في نفسها. أنت مين فيهم بالضبط يا رائف يا سليماني؟
تنبهت من فضولها نحوه. فأرتجف قلبها بين حنايا صدرها. لا.
أخذت تعترض مؤكدة لنفسها. ده فضول عادي. شخصية غريبة مقابلتش زيها. مفيش أكتر من كده أكيد.
انتفضت عندما رأت مساعد الخفير يهتف باسمها ربما للمرة الرابعة لتتطلع نحوه في ذعر متسائلة: في إيه يا عم مساعد؟
أكد لاهثاً يلتقط أنفاسه في سرعة وأحرف متقطعة: طالبينك فالوحدة يا داكتورة. بيجولوا حالة مستعچلة.
اضطربت مندفعة في اتجاه الطريق. لكنها استدارت نحو مساعد مستفسرة: مفيش حاچة نخدوها أسرع لحد الوحدة يا عم مساعد؟
هز مساعد رأسه نافياً. إذا عليها الهرولة بين الحقول والغيطان حتى تصل سريعاً. فهي لا تعلم ما مدى سوء حالة المريضة التي تنتظرها.
همت بالاندفاع مبتعدة من جديد. إلا أن صوتاً أجشاً تعرف صاحبه دون أن تستدير هتف أمراً: استني يا دكتورة.
استدارت تتطلع نحوه ليهتف مؤكداً: الطريج من هنا للوحدة بعيد عليكِ. ومينفعش تخوضي فالغيطان الساعة دي لوحدك. استني هنا ثواني.
غاب وعاد سريعاً جاذباً رسن فرسه التي ربطها لعربة بعجلات. هاتفا وهو يراها تتعجب من رؤيتها لها. فقد كانت المرة الأولى التي تراها منذ وطأت قدماها السليمانية. ليؤكد رائف هاتفا: چبتها معايا وانا چاي الفرح عشان ترچعي فيها بعد الفرح ما يخلص. اتفضلي.
تطلعت نحوه متعجبة. هل كان يعلم أنها ستحضر الفرح؟ وهل وضع كل تلك الترتيبات من أجل عودتها؟
لم لم تكن العربة حاضرة إذن في رحلة المجيء إلى هنا؟
صعدت الكارتة في عجالة ولم تدرك إلا وهو يزاحمها موضع الجلوس ممسكاً بلجام الفرس. كتمت شهقاتها وهي تستشعر قربه بهذه الطريقة التي أثارت حفيظتها.
لكن يبدو أنه لا يبال. تحركت العربة على الطريق الترابي الضيق ليهتف مؤكداً بذاك الصوت الأجش الذي يثير كوامن الاضطراب داخلها: معلش كنت بتأكد من عچل الكارتة وإنها تمام عشان كده مخلتش عم مساعد يچيبك بها.
هذا كان جواب سؤالها الذي طرحه عقلها منذ لحظات.
استطرد مفسراً: وكمان العربية مكنتش هتنفع تمشي ع الطرج الضيجة دي. مكنش هاينفع غير الكارتة فالمشوار ده. بس إحنا كان بجالنا سنين مركبنهاش.
لم تنبس بحرف طوال الطريق. وهو قال كلماته تلك ولاذ بالصمت كذلك. كان لسانها قد تعطل جراء قربه المهلك ذاك. فما عادت قادرة على النطق بكلمة واحدة رداً على تفسيراته أو حتى شكراً على تدبيراته التي أنقذت الموقف الآن. وتمنت من صميم قلبها أن تكون الحالة التي تنتظرها بسيطة. فهي بمفردها ودكتورة سميحة ليست هنا لنجدتها.
توقفت الكارتة أخيراً أمام باب الوحدة الصحية الخارجي. كانت صرخات المريضة المتألمة تصلها حيث كانت. قفزت من الكارتة في رعونة ليست من عاداتها. ما استرعى انتباهه ليتبعها بناظريه وهي تهرول لداخل الوحدة.
اعدت نفسها سريعاً ودخلت على المريضة لفحصها. كانت حالة ولادة مبكرة. والجنين ليس بوضعه الطبيعي. حاولت أن تبدو هادئة على قدر استطاعتها. فالحالة قد تستدعي التدخل الجراحي إذا ما فشلت محاولاتها في حل الوضع بالطرق الطبيعية.
نقلت المريضة لغرفة الولادة. وبدأت في التحضيرات. وصرخات المريضة خفتت لتصبح همهمات وجع لم يعد يحتمل.
حاولت قدر استطاعتها. لكن الوضع متأزم بالفعل. خرجت للحظة من باب الغرفة الجانبي في محاولة لاستعادة هدوئها. ولتتخذ قرارها. ماذا عليها أن تفعل؟
دمعت عيناها وهي تقف في اضطراب وهمست متضرعة وهي تجذب قناع الوجه الطبي عن أنفها تلتقط أنفاسها: يا رب.
كررتها عدة مرات في وجل ونظراتها معلقة بسقف الغرفة قبل أن تعيد قناع الوجه مرة أخرى على وجهها مندفعة من جديد لداخل الغرفة. أعادت فحص المريضة من جديد واستشعرت أملاً في إنقاذ الحالة. لم تشعر وهي على حالة الانشغال تلك. ذاك الذي اقترب منها مرتدياً معطفه الأبيض وقناع وجهه الطبي. مادا كفه الغائب تحت قفازه الشفاف أمراً في هدوء وبنبرة صوت حازمة: عنك يا دكتورة.
تطلعت نحوه في صدمة ولم تبصر إلا بريق عينيه اللامع خلف قناع يخفي وجه تحفظ قسماته العابسة. لتسقط الأداة الطبية من يدها محدثة دوياً في سكون الغرفة المعقمة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رضوى جاويش
كانت الساعة شارفت على الثانية فجرًا عندما انتهت مهمتهما التي أنجزها بنجاح معًا.
تنهد وهو يخلع معطفه الطبي وقناع وجهه.
خرجت من الغرفة خلفه وحذته حذوه دون أن تنبس بحرف واحد.
لكنه همس دون أن يلتفت لها: "استعدي يا دكتورة عشان أوصلك للاستراحة."
همت بالحديث إلا أنه اندفع ينتظرها بالخارج.
ماذا حدث؟ لما عاد صورته المتعجرفة الأولى؟
تطلعت إليه من نافذة قريبة لتجده يقف على الأعتاب، مولّيًا ظهره لباب الوحدة الداخلي، متطلعًا نحو الفراغ المعتم.
ريح باردة قادمة من قلب الغيطان تقف أمامه كأنها تناطحه، أو ربما تستقبلها، تحتضنها.
ربما يحتاج لبرودتها التي تضرب وجهه بعنف، لعله يستفيق من غفلة ما، أو تبرد نيران مستعرة بجنبات روح معذبة.
كل تلك الاستنتاجات قفزت بذهنها فجأة وهي تتطلع نحوه.
تعجبت كيف يمكن أن تهتم بإنسان لدرجة أن تضع كل الاحتمالات الممكنة لحزنه الدفين ذاك، رغبة في معرفة سببه ومداواته بأي ثمن؟
أي شعور ذاك الذي يجعل الإنسان متوحدًا قلبًا وروحًا مع إنسان آخر، بينهما الكثير من الاختلافات والتناقضات أحيانًا؟
تنبهت أنها تركته ينتظر كثيرًا فاندفعت للخارج نحوه وهمست تؤكد على تواجدها الذي لا تدرك كم يستشعره اللحظة بكل خلجة من خلجاته، وذاك الذي يثير حفيظته أكثر من أي أمر آخر: "رأي.. دكتور رائف."
همست تناديه بلقبه الجديد على مسامعها، لكنه همس بصوت عميق خالٍ من أية مشاعر يمكن استنتاجها.
صوت جاء من عمق سحيق جعلها ترتجف حرفيًا: "رائف بيه.. هيكون أحسن."
تطلعت نحوه في تعجب. لم ينف لقبه الجدير بالاحترام ذاك؟ لقب يتمناه الكثيرون، ويسعى لأجله الآلاف.
اندفع يسير نحو الاستراحة لتلحق به دون أن تجرؤ على النطق بحرف أمام هيبته التي شملتها كليًا.
هيبة عجيبة محاطة بأسوار من الرهبة ويغلفها الحزن. خليط عجيب جعلها عاجزة تمامًا عن التفكير إلا في محياه الأثر السائر جوارها.
كانت خطواته واسعة ولم تكن تستطيع مجاراته، ما جعل قدمها تنثني عندما داست بشكل غير واعٍ على أحد الأحجار.
تأوهت وكادت أن تسقط أرضًا ليكون هو بالقرب كما كان دوما، جاذبًا إياها قبل سقوطها على الأرض الموحلة قليلًا.
كانت العتمة تحيطهما كليًا وما من سبيل لتتطلع لوجهه وتثبر أعماق عينيه العميقة النظرة.
لكن شيئًا حدث جعلها تدرك أكثر من هذا. كفها التي وضعتها بشكل غير محسوب على موضع فؤاده كانت كفيلة لتلمس نبضات قلبه الصاروخية.
هل هذا طبيعي؟ كطبيبة تعلم علم اليقين أن نبضات قلب بهذه السرعة لا تحدث إلا في أحوال معينة. وقربها هو حالة منهم على ما يبدو.
اعتدلت مندفعة متحاملة على ألم كاحلها البسيط، فما عاد لها القدرة على البقاء جوار ذاك الرجل الذي يخلق داخلها فوضى مربكة من عواطف عجيبة لم تعرفها يومًا، وما كانت تدرك أنها موجودة من الأساس.
لحق بها ليسير جوارها لخطوات كانت هي ما يفصلهما عن باب الاستراحة.
فتحتها وألقت التحية التي ردها بإيماءة بسيطة من رأسه لتغلق الباب خلفها.
ظل لبرهة يتطلع نحو الباب المغلق، وأخيرًا اندفع بدوره مارًا الجسر الخشبي نحو باب البيت الكبير. وجده في ركن قصي، يتابعه في قلق على ما قد تؤول إليه الأمور.
***
شعرت بالاختناق. لم تكن معتادة على المكوث لفترات طويلة داخل البيت ولا تخرج لأداء بعض الأعمال والمقابلات.
أصر عليها والدها كثيرًا لتعود معه للشركة والعمل وكأن شيئًا لم يكن. لكنها رفضت بشكل قاطع.
لا خوفًا أو حرجًا، لكن رغبة في عدم تعريض والدها للكثير من القيل والقال.
طرقت باب حجرة جدها ودخلت لتجده غارقًا في أغاني الست مترنمًا بكلماتها التي وصلتها بعض من همهماتها وهو يرددها في ولع:
"وعايزنا نرجع زي زمان..
قول الزمان ارجع يا زمان..
وهات لي قلب.. لا داب.. ولا حب..
ولا انجرح.. ولا شاف حرمان.."
جلست قبالته ليتنبه لوجودها مبتسمًا، رابتًا على كفها التي كانت مسندة على عضده القريب من موضع جلوسها.
همس زكريا متسائلًا: "كيفك يا بتي؟"
هزت رأسها هامسة: "الحمد لله يا جدو."
ابتسم هامسًا: "إيه؟ زهجتي من الجعدة.. منتش متعودة."
أكدت بايماءة من رأسها هاتفة: "زهقت قوي يا جدو.. الصراحة. بابا كان عايزني أنزل معاه.. بس أنا نفسي قافلة من كل حاجة. لا عايزة أشوف حد ولا حد يشوفني. حتى إسكندرية بكل جمالها وخاصة فالوقت ده اللي أنا بستناه من السنة للسنة.. مبقتش طيقاها."
ربت زكريا على كفها من جديد هاتفا: "أنتِ لازما تبعدي.. لازما تفصلي عن الچو ده شوية."
هتفت فريدة: "هروح فين يا جدو؟ ولوحدي كمان."
أكد زكريا: "لاه يا حبيبة چدك.. مش هتكوني لوحدك أبدًا. هتلاقي حواليكي ناس كتير بتحبك.. عند چدك عاصم."
همست: "قصدك أنزل نجع الصالح يا جدو؟"
هز رأسه موافقًا ومؤكدًا على استنتاجها.
بينما هتفت فريدة معترضة: "بس يا جدو هعمل إيه هناك؟ كل واحد عنده شغله وحياته.. وأنا مش عايزة أبقى تقيلة على حد."
هتف زكريا معارضًا لوجهة نظرها: "تقيلة على مين يا خايبة! دول أهلك وهيشيلوكي على كفوف الراحة. ده أنتِ مش هاترضي ترجعي من هناك. يا ريتني بصحتي وأقدر أجي معاكي. اتوحشت الچع وناسه كلهم."
ساد الصمت للحظة قبل أن يستطرد زكريا مؤكدًا: "روحي يا بتي.. محدش عارف الدنيا مخبية للواحد إيه! چدك لما ضاقت بيه الدنيا فالچع جلت أبعد.. وبقيت زكريا اللي أنتِ وعياله ده. سافري وغيري مكانك.. يمكن يتغير حظك.. وتلاقي اللي جلبك بيدور عليه."
اضطربت فريدة هاتفة: "قلبي مش بيدور على حاجة يا جدو."
ابتسم زكريا هامسًا: "مابيدورش على راحته مثلًا؟"
نكست رأسها خجلًا وهمست مؤكدة: "آه صح.. ربنا يريح قلوبنا جميعًا يا رب."
ابتسم زكريا مؤكدًا: "أني جَلبي ارتاح من زمن.. الدور والباجي على اللي جَلبه لسه محيره."
ابتسمت فريدة ونهضت مغادرة. ليستوقفها زكريا مبتسمًا: "على فين؟ خلصت المصلحة وهتسبيني لحالي؟"
انحنت تلثم هامة جدها هامسة: "مقدرش يا جدو أسيبك أبدًا. أنا هروح أجهز أموري عشان السفر.. يمكن.."
ابتسم زكريا وقبل أن يهم بالحديث وهي تغادره هتفت تمازحه مقاطعة: "وعارفة.. هفتح الست اللي عطلتك عنها وأعمل لك فنجان قهوة سكر زيادة من ورا ماما."
قهقه زكريا مؤكدًا: "چدعة."
ضغطت فريدة على زر تشغيل الأغاني قبل أن تدير مقبض الباب مغادرة.
ليتنهد زكريا وأم كلثوم تصدح مترنمة:
"بيني وبينك وهجر وغدر وجرح بقلبي داريته..
بيني وبينك ليل وفراق وطريق أنت اللي بديته.."
***
ساعة تتقلب على فراشها لا يزورها النوم بعد كل هذه الأحداث المتلاحقة بهذه الليلة العجيبة.
فقررت البحث عن كتاب لقراءته ربما تجلب لها القراءة النعاس.
لقد نسيت إحضار الشاحن الخاص بهاتفها والذي توقف عن العمل منذ نصف ساعة.
ولا تملك أية وسيلة للترفيه ها هنا إلا كتاب يمكنها جلبه من المكتبة لتقضي بقراءته الساعات القليلة المتبقية على طلوع النهار.
ارتدت ملابسها ومرت على الجسر الخشبي في حرص، ومنه إلى الممر الطويل المترب المؤدي لمدخل البيت الكبير.
صعدت الدرجات الأولى للدرج في هدوء.
وما أن همت بالدخول حتى انتفضت في موضعها.
أفزعها صوت الموسيقى الذي بدأ أحدهم في عزفه.
ابتسمت لنفسها في بلاهة. أحدهم؟ من هنا في السليمانية كلها يعرف العزف على البيانو غيره؟ ربما خطيبته المدللة تلك!
لكن الآن.. هذا هو عزفه. يبدو أن الأرق لم يكن رفيقها وحدها هذه الليلة.
وقفت أمام باب المكتب وقررت الدخول بكل هدوء، أو بالأصح التسلل والحصول على كتاب أو رواية ما. أي شيء يسليها والخروج بسرعة قبل أن يدرك وجودها.
دفعت الباب في حرص شديد، وتسللت بالفعل حتى وصلت لرفوف الكتب.
جالت بناظريها على العناوين لا تعرف من أين تبدأ؟ ولا ماذا عليها أن تختار؟
واعترفت أن الاختيار لم يكن صعبًا، لكن ذهنها المشوش وبالها المسروق وحواسها المأخوذة كليًا بعزفه الشجي لتلك المقطوعة التي تعشق هو السبب في عدم قدرتها على الاختيار السريع ثم الهرب.
وكأنها وقعت في شرك لا فرار منه.
مدت كفها مختارة بشكل عشوائي ما وقعت يدها عليه، وتوجهت حتى وقفت على أعتاب حجرة العزف وتاهت كليًا في معزوفة "قصة حب" التي كان يدق نغماتها باحترافية كبيرة تدفعك للانصات مرغمًا.
لا تعرف كم استمر العزف، ولا كم ظلت على حالها متسمرة موضعها إلا عندما توقف دقه على أصابع البيانو فجأة.
ما أيقظها من سباتها اللا إرادي. شهقت في اضطراب، شهقة أشبه بسندريلا عندما دقت الساعة الثانية عشرة وهي في غمرة حلمها الوردي مع أميرها الوسيم.
واندفعت مثلها تحاول الفرار. لكن سندريلا كانت أكثر حظًا منها.
فها قد أدرك رائف وجودها قبل أن تدير مقبض الباب وتولي هاربة.
هتف في تعجب: "دكتورة نوارة! خير؟"
استدارت تواجهه تحاول إيجاد مبرر مقبول لوجودها هنا في مثل هذه الساعة: "أصل أنا مجاليش نوم الصراحة.. فجيت آخد كتاب أو رواية أتسلى بيه لحد الصبح.. وعلى فكرة أنا واخدة إذن الدكتورة سميحة."
ابتسم واحدة من ابتساماته النادرة. يبدو أن الموسيقى قد عدلت من مزاجه العاصف الذي كان. وهتف مؤكدًا: "المكتبة كلها تحت أمرك يا دكتورة.. حتى من غير استئذان."
هزت رأسها وابتسامة مضطربة على شفتيها: "متشكرة.. عن إذنك."
همت بالرحيل في عجالة لكن رائف استوقفها هاتفا: "يا دكتورة!!"
توقفت تواجهه من جديد. ترغب في الهرب من حضرته بأقصى سرعة.
تقدم نحوها ليزداد اضطراب خافقها. توقف على بعد خطوة واحدة ومد كفه في جرأة متناولًا الكتاب الذي كانت تضمه لصدرها في بلاهة هاتفا: "مظنش إن الكتاب ده هيسليكِ بالمرة."
هتفت محتجة: "ليه؟ ده حتى.."
قاطعها قارئًا عنوان الكتاب بصوت عالٍ: "أصول البستنة وزراعة نباتات الزينة."
تنحنحت ولم تعقب ما جعل ابتسامته تتسع، مورثًا إياها المزيد من الاضطراب. وضع الكتاب جانبًا.
ومد كفه نحو رواية ما، جذبها من الرف وعاد بها إليها مؤكدًا: "أظن الرواية دي هاتقوم باللازم."
تطلعت نحو الاسم ولم تجرؤ على نطقه، بل تناولتها منه بسرعة شاكرة بهزة خاطفة من رأسها واندفعت أخيرًا هاربة وهي تتطلع لاسم الرواية من جديد: "قصة حب."
***
غالبت نفسها كثيرًا حتى لا تدق على هاتفه لتسأله عن سبب غيابه الفترة الماضية.
لكن كرامتها وكبرياؤها قد منعها.
كان ما بينهما اللحظة أشبه بلعبة سخيفة، كل طرف منها يعلم أنها مجرد لعبة لا تدل أبدًا على حقيقة الوضع بينهما.
فلم يكن من المنطقي أن يتحول ذاك الحب الذي جمعهما إلى علاقة صداقة عقيمة لا محل لها من الإعراب.
كانت تضحك على حالها وهي تراه أمامها وما عاد لها أن تكون على طبيعتها التي عهدتها.
كان عليها أن تتصنع وضعًا جديدًا ممسوخًا.
وكذلك هو.. كان يحاول قدر استطاعته تجنب الوجود في حضرتها.
كان يتهرب من نظراتها نحوه كأنما يتهرب من فعل فاضح أو وصمة عار.
كانت تعلم أنه يستشعر العجز لأنه لم يستطع أن يكون رجلًا بما يكفي ليحصل على حبيبته.
مرت لداخل الجامعة وعيونها على حرس البوابة، ربما كان في إجازة للنجع في محاولة أخيرة لإقناع جدته بالزواج.
لكنها لم تجده بين الحراس.
بل إنها لاحظت أن هناك وجوهًا جديدة بينهم. ربما نُقلوا حديثًا.
هالها الخاطر وما عاد لديها القدرة على التمسك بأي مسمى إلا الاطمئنان عليه.
فهتفت تسأل صديقتها: "هو الحرس اتغيروا ولا أنا اللي مش واخدة بالي؟"
أكدت صديقتها: "آه فعلًا اتغيروا. أنتِ إزاي مخدتيش بالك؟ دول بقالهم أسبوع تقريبًا."
هتفت بدور تستفسر من جديد وقلبها تدوي نبضاته بين جنبات صدرها في قهر: "والنقيب منتصر.. تعرفي راح فين؟"
أكدت صديقتها: "تقريبًا اتنقل لمكافحة المخدرات. عمرو خطيبي قالي كده.. لما سألته على زمايله. الحمد لله إنه لسه موجود معايا."
ابتسمت صديقتها كالبلهاء، ولم تدرك ما كان يعتري بدور اللحظة.
فقد استشعرت دوارًا كاد أن يسقطها أرضًا، فاستأذنت بسرعة متعللة بالذهاب للحمام، لكنها عادت أدراجها مندفعة نحو سيارتها.
التي قادتها لا تعلم إلى أين. وقد انتهى بهما المطاف أخيرًا إلى مفترق الطرق الذي كانت تخشاه.
وأصبح الفراق هو البديل الأمثل لذاك الوضع العجيب الذي وضعا فيه رغما عن إرادتهما.
***
لم يعد الوضع محتملًا دونها! أسبوع كامل لا يراها أو يستطيع التواصل معها على الهاتف.
هناك شيء ما يحدث لا يعرف كنهه.
أصبح الوضع بالجامعة وعلى الطريق مملًا ثقيلًا على روحه.
وصل من الجامعة ولاذ بحجرته وحيدًا.
تنبهت أمه لتغير حاله من ذاك الانطلاق الذي انشرحت لعودته إليه، إلى السكون والانعزالية من جديد.
انتظر على الشرفة بطبق الفاكهة والخضروات لعل عنتر يزوره ويعلم ما الذي يحدث.
يكاد يجن لعدم استطاعته التواصل معها كل هذه المدة، والقلق يتآكله حرفيًا رغبة في الاطمئنان عليها.
هم بالدخول لحجرته فاقدًا الأمور في ظهور عنتر، إلا أن خفيرهم مر بمحاذاة سور داره لبعض أمره ما دفعه ليهتف به مناديًا.
تطلع نحوه الخفير وتقدم صوب موضع جلوسه مستفسرًا: "خير يا بيه؟"
اضطرب مروان. هل عليه السؤال عنها بشكل مباشر هكذا؟ سيفعل وليكن ما يكون.
فماذا يمكن أن يحدث أكثر مما هو واقع بالفعل!!
تساءل مروان: "بقولك!! هي الآنسة آية مبقتش تروح الجامعة ليه؟ تعبانة أو حاجة؟ أصل فالجامعة زمايلها عارفين إننا بلديات فبيسألوني عنها عشان مش بترد على مكالماتهم."
اضطر مروان لاختلاق هذه الكذبة، حتى يعلم تفاصيل ما يجري لها وهو لا علم له به.
همس الخفير مؤكدًا: "إيوه يا بيه.. هي مش هتروح الجامعة تاني خلاص كده."
انتفض مروان مستفسرًا: "ليه؟ إيه اللي حصل؟"
أكد الخفير في نبرة مضطربة: "أنت أدرى يا بيه! ما كنت معاها.. ورايح جاي ع السكة جارها.. والناس وكلامهم.. و.."
هتف مروان في حنق: "قصدك إني السبب؟"
هز الخفير رأسه مؤكدًا دون أن ينبس بحرف.
لكن مروان وعى كل شيء. تركه الخفير ورحل وحيدًا، ولم يجرؤ أن يطلب منه أن يوصلها أية رسالة.
فلم يعد لديه الثقة في وقوعها في يدها هي لا جدتها.
طرقت أمه باب حجرته ودخلت ما أن أذن لها.
تقدمت نحوه رابتة على كتفه متسائلة: "إيه اللي حصل يا مروان؟ حالك مقلوب بقاله أكتر من أسبوع. فيه حاجة حصلت فالجامعة؟"
هز مروان رأسه نافيًا، وهتف مطمئنًا: "أنا تمام يا ماما متقلقيش."
همست ثريا بفضول للمرة الأولى: "هي مبقتش تيجي الجامعة ولا إيه؟"
اضطرب مروان متسائلًا: "هي مين!!"
ابتسمت ثريا مؤكدة: "اللي رسمت عشانها اللوحات دي كلها.. واللي نزلت الجامعة مخصوص عشانها.. واللي أنت زعلان دلوقتي بسبب عدم وجودها."
لم يعقب مروان، ما كان أشبه لاعتراف ضمني بصحة استنتاجها.
ما دعاها لتستطرد مؤكدة: "هي مين يا مروان؟ حد نعرفه.. ولا.."
قاطعها مروان هاتفا بنبرة تحمل وجعًا مستترًا بين الأحرف استطاعت استشعاره بحرفية كبيرة: "مكنتش أعرف هي مين.. ولا اهتميت أعرف إلا لما بعدت وقررت أنا أقرب. كانت أول حد يقتحم عزلتي ويملأ الفراغ اللي كان حابسني جواه رغم الريشة والألوان. خلتني رغم عجزي أحس إن ليا قيمة وإني بالنسبة لها رغم ظروفي قادر أحميها وأكون سند. أنا مكنتش أعرف أي حاجة إلا لما غابت.. ودلوقتي مش عارف أوصل لها.. مش عارف فيه إيه! على الرغم إن بينا وبينها خطوتين."
تنبهت ثريا هامسة: "خطوتين إزاي يعني؟!"
أكد مروان مشيرًا للخارج: "عارفة البيت اللي من دورين اللي ورانا بخطوتين ده.. ال.."
قاطعته ثريا هاتفة في صدمة: "بيت ولاد منصور!!"
تطلع لها مروان في تعجب ما دفعها لتتمالك أعصابها. هتف متسائلًا: "أيوه يا ماما.. بيت ولاد منصور.. البنت اللي بقولك عليها اسمها آية.. وعايشة مع جدتها في البيت ده."
استطاعت ثريا بحسبة عقلية بسيطة إدراك سبب عدم ظهور البنت من جديد في حياة ولدها.
لابد وأن جدتها، والتي تعلم ثريا جيدًا مدى سطوتها وجبروتها، قد علمت بما يربط ابنها بحفيدتها فقررت قطع العلاقة كليًا.
ربما لعزلة مروان عن ما يحدث حوله لا يعلم أن جدة هذه الفتاة كانت السبب في رفض زواج حفيدها الآخر بدور ابنة حازم الهواري وتسبيح التهامي.
لقد وصلتها هذه الأخبار من إيمان زوجة ماجد التي تربطها بها صداقة متينة.
ماذا عليها أن تفعل؟ الماضي يعود بكل زخمه مسيطرًا على مقدرات الأمور، وما لأحد من تصريف.
لكن ولدها يستحق أن يُفعل المستحيل من أجله!؟ وهذه الفتاة التي استطاعت تحريك مياه حياته الراكدة تستحق أن يُحارب من أجلها!؟
***
اندفع يونس من الداخل مناديًا بصوت جهوري: "يا واد يا سماحة!! أنت فين يا واد!!"
اندفعت سماحة ملبية في سرعة قادمة من الخارج نحو موضع جلوسه هاتفة في عجالة: "أيوه يا بيه.. حاضر أنا أهااا.. خير يا بيه!؟"
هتف بها يونس: "روح جهز حالك أنت وأخواتك والخالة سعيدة.. عشان هتنتقلوا."
تضاعفت دقات قلبها ذعرًا، ورغم ذلك هتفت في ثبات آثار إعجابه: "ليه يا بيه!! جرى حاجة لا سمح الله!؟ جولي وأني.."
قاطعها يونس مستطردًا: "هتنتقلوا فالطابق الأول."
تطلعت نحوه متعجبة وتساءلت: "دور إيه!؟"
أكد ساخرًا: "هيكون دور إيه يعني!؟ دور طاولة!! الدور الأول فالدار."
هتفت سماحة متسائلة من جديد في بلاهة: "أنهي دار!؟ الدار دي!؟"
هتف يونس ضاربًا كفًا بكف: "أنت اتجننت يا واد ولا إيه!؟ هو إحنا عندنا دار غيرها وأنا معرفش!! أيوه الدار دي."
هتفت سماحة متسائلة: "وحضرتك يا بيه!!؟"
أكد يونس باسمًا: "أني هاخد الدور اللي فوق.. عشان ليه مخرج لوحده من غير ما أبقى مجبور أعدي من تحت.. وكمان عشان أبقى مني للسطح فأي وقت عايز أجعد فيه.. عشان تاخدي.. تاخدوا راحتكم."
كان يقول جملته الأخيرة وقد عدل من خطئه في مخاطبتها بصيغة المؤنث سريعًا حتى لا تنتبه.
لكن تلك النظرات التي كان يرمقها بها لو استطاعت إدراكها لوعت للكثير. لكنها كانت بعالم آخر تمامًا.
فقد أشاحت بناظريها بعيدًا هاتفة داخلها توبخ نفسها في حنق: "مش وقته يا حزينة.. بكاكِ ودموعك دي مش وقته دلوقتي. هتتفضح يا ملكومة.. اثبتي لحد ما تبقي لوحدك وابكي ابكي على حالك أحفان دموع.. لكن مش قدامه.. اصلبي حالك واطلعي له كيف الرجال.. وانسي جلبك هبابة وعيونك بعيونه."
نفذت على الفور، ورفعت نظراتها إليه في عزم هاتفة: "والله ما عارف أقول لك إيه يا يونس بيه!! ربنا يكرمك يا رب."
تطلع يونس لعيونها وهاله ما رأى. غيوم تلك الدموع الشماء التي كانت توأدها بمآقيها مقهورة لا يمكنها سفحها أمامه.
وعى لها تتراقص على جثمان فرحة مغتالة لا يمكنها الإفصاح عنها كما يجب.
تحشرج صوته محيدًا بناظريه عنها، فما اعتراه اللحظة من مشاعر بكر لم يعرفها سابقًا جعله يشعر باضطراب عجيب، كأنه ما عرف العشق سابقًا.
العشق!! وذاك اعتراف آخر زلزله داخليًا ما جعله ينتفض مندفعًا هاربًا من محياها هاتفا: "روح ياللاه جهزوا حالكم.. وأني طالع فوق."
صعد الدرج هرولة، لا يعرف ممن كان يولي هاربًا! منها!! أم من نفسه وحقيقة مشاعره المستحدثة نحوها!؟
***
همت صباح بإطلاق زغرودة قوية عندما لمحت زهرة تدخل السراي مستندة على ذراع أمها وخلفها أبوها يحمل حقيبتها وبرفقتهم عاصم الذي خلع عنه جبيرة ذراعه، لكنه ما زال يحمل ذراعه المصاب بذراعه الآخر فهو في طور علاجه الطبيعي ببعض التمارين ليستعيد مرونتها.
نهرها عاصم الجد هاتفا: "يا بت.. مش وقته ده.. روحي شوفي عبدالرحيم جوزك دبح الدبايح ولا لأ!"
هتفت صباح: "حاضر يا حاج."
استوقفها عاصم الجد هاتفا: "بقولك!! جولي له الحاج بيقول لك.. ادي الناس بالزيادة وخلي يده فرطة.. حاكم إني عارفه.. وميردش حد أبدًا.. اللي يطلب يعطيه.. فهماني."
أسرعت صباح مؤكدة وهو تندفع نحو موضع زوجها والدبائح التي تنحر فرحة وكرامة لنجاح عاصم وزهرة: "معلوم يا حاج.. حاضر أهااا."
اندفع عاصم نحو جده يلثم جبينه في محبة طاغية، ليهتف عاصم الجد بصوت متحشرج تأثرًا: "اتوحشتك يا غالي.. ربنا ما يغيبك أبدًا."
ربت عاصم على كتف جده هاتفا: "ولا يغيبك يا جدي ويطول لنا في عمرك."
ابتسم عاصم الجد آمرًا: "ياللاه اطلع استريح.. وهنعمل لك غدا من الدبيحة.. يرم العضم اللي اتكسر ده."
قهقه عاصم هاتفا: "هي أمي عتجامل يا جدي.. دي هتعلفني تجول هتدبحني ع العيد."
قهقه عاصم الجد بدوره مؤكدًا: "وااه مش أمك وخايفة عليك."
وتنهد مستطردًا في حنو: "والله كلنا روحنا راحت وانخلعنا عليك يا ولدي. ربنا ما يورينا شر فيكم أبدًا."
وتطلع لعمق عيني حفيده متسائلًا: "بس ليه يا عاصم!؟ ليه عملت كده ورميت روحك ورا..!؟"
لم يكمل عاصم الجد فالسؤال كان واضحًا ولا يحتاج لتفسير.
اضطرب عاصم الحفيد لسؤال جده المباغت. وتطلع نحو جده هامسًا: "تصدق يا جدي.. أنا مش عارف.. والله ما عارف أنا عملت ليه كده! بس اللي جه فبالي وأنا برمي روحي في المية أني يمكن ربنا يقدرني وألحقه عشان خاطرها."
دمعت عين عاصم الجد وربت على كتف حفيده آمرًا إياه: "جوم ارتاح.. وحمد الله على سلامتك يا حبيبي."
نهض عاصم ملثمًا ظاهر كف جده، وقد أبصرها اللحظة وهي تدخل السراي مع أبويها ومنه لحجرتهما.
كان يعتقد أن أول مكان ستتوجه إليه هو حجرة القراءة والتي بالتأكيد اشتاقتها.
لكن خاب ظنه وشعر أن ذاك مؤشر لا ينبئ بالخير. لكنه سينتظر حتى يرى. ربما حكمه جاء مبكرًا.
صعد لحجرته بعد استقبال العائلة الحافل ليقع ناظريه على إحدى الروايات التي كانت آخر ما قرأته قبل أن يعقد قرانها على زوجها الراحل.
جلس في هدوء قرب فراشه ومد كفه نحو الرواية يقلب صفحاتها.
هم بإلقائها بعيدًا عن ناظريه لكنه فر صفحاتها ليجذبه خطوطها الورقية من جديد.
فتح الصفحات ليقرأ الأسطر المميزة: "لا يشقى المرء إلا بتلك الأسرار التي يخبئها بين طيات روحه.. مستقرة بأعماق فؤاده.. لا يقدر أن يشاركها إلا نبضات خافقه.. ويا له من شقاء."
تنهد عاصم متسائلًا: "أسرار إيه يا زهرة اللي أنتِ مخبياها!! يا ريتني أقدر أعرف إيه اللي واجعك جوي كده.. والله لأنزعه من جذوره.. بس أعرف."
دفع بالرواية جانبًا ونهض يتطلع من نافذته لعل الشوق يدفعها للحجرة الأثيرة.
لكن الحجرة ظلت فارغة من محياها، وظل عقله يدور محاولًا تفسير كلماتها المخطوطة. لكن لا فائدة.
***
خرجت من باب بيتها نحو مدخل بيتهم.
ترددت قليلًا قبل أن تضع قدمها على أولى الدرجات.
لكنها تشجعت وصعدت الدرج في عجالة مخافة أن تعيد التفكير وتعود أدراجها.
طرقت باب الشقة لتفتح نعمة التي استقبلتها في ترحاب.
جلست ليهل الجميع من الداخل مرحبًا عدا ذاك الذي تنتظر طلته عليها ليعيد لفؤادها النبض الحي.
هتف بها خميس مشجعًا، فقد شعر أنها ما جاءت إلا لتخبرهم بأمر ما: "خير يا حسن؟ حاسس إن مجيتك دي وراها حاجة!"
أكدت نعمة الجدة وهي تتطلع إليها بنظرة متفحصة: "صدقت يا معلم.. باين عليها جاية وجايبة خبر مهم. خير إن شاء الله."
خرجت شيماء من المطبخ حاملة صينية عليها بضع أكواب من الشاي هاتفة بدورها: "أخبار عمتك إيه يا حسن؟ تلاقيكم منمتوش من امبارح وهاتك يا رغي!!"
ابتسمت نعمة الصغيرة مؤكدة: "أيوه يا عم.. ما هو من لقي أحبابه.. نسي أصحابه."
ابتسمت حسن مؤكدة: "انتوا متتنسوش يا نعمة.. ولا يمكن أنساكم مهما حصل."
هتفت نعمة الجدة في نبرة قلقة: "خبر إيه يا حسن؟ ما تنطقي يا بنتي.. قولي اللي عندك."
أكدت حسن وهي تفرك كفيها ببعضهما اضطرابًا: "الصراحة.. عمتي عايزة تاخدني وتسافر.. عايزاني أعيش معاها هناك على طول.. وأنا مش عارفة أقول لها إيه! وخصوصي بعد اللي حصل.. وشافته بعينيها."
هم خميس بالتكلم، لكن ظهور نادر أوقفه وخاصة عندما اندفع من الداخل ووقف على مدخل الردهة التي تجمعهم منشغلًا بتعديل ياقة قميصه وثني أكمامه وهتف ساخرًا: "يعني مستنية مننا نقول لك إيه!؟ روحي طبعًا.. أنتِ لسه قايلها.. بعد اللي شافته امبارح هي مش شايفة إنك في أمان.. ومحدش عارف يحميكي. هي صح.. وابنها المحلفط ده.. اللي قال لا هتحتاجي للورشة ولا لوقفة بين الرجال.. ولا هتحتاجي أصلًا تعرفينا من أساسه."
واندفع تاركًا إياها مشدوهة من هجومه غير المبرر نحوها. حتى أنه لم يترك لها فرصة شكره على ما فعله لأجلها هو ورضي.
كانت الجروح ما تزال تحتل جزءًا من جبهته وجانب وجهه، جعلته أشبه بأحد المجرمين العتاة الإجرام.
لكنه كان بنظرها أشجع الفرسان. وخاصة عندما كانت تتذكر كيف أنقذها من براثن ذاك الضخم وهتافه لها بالخروج بعيدًا عن الغرفة انقاذًا لها.
أخرجها خميس من خواطرها نحو ذاك الذي غادر اللحظة مغلقًا الباب خلفه في عنف كاد أن يسقط زجاجه مهشمًا هاتفا: "عمتك عندها حق يا حسن.. أنتِ فعينينا وعلى راسنا يا بنتي.. بس مفيش بعد الأهل.. وجودك مع عمتك أحسن لك.. راحة لكِ من البهدلة وقلة القيمة.. أهي هتصونك لحد ما ربنا يكتب لك الخير ويبعت ابن الحلال."
هتفت حسن وغصة ما تستقر بحلقها: "يعني أنت فكرك أوافق يا معلم!؟"
هتفت نعمة الجدة مؤكدة: "طبعًا يا بنتي.. إحنا يعز علينا فراقك.. بس عشان مصلحتك يهون أي حاجة."
هتفت نعمة متحشرجة الصوت في تأثر: "يعني هتمشي بجد يا حسن!؟"
هزت حسن رأسها دامعة العينين.
لتتنهد شيماء متحسرة: "ربنا يكتب لك الخير يا بنتي.. إحنا مش عايزين لك إلا إنك تكوني في أمان.. ربنا يحميكي."
ضمت نعمة حسن باكية في لوعة فراق صديقتها التي طوقتها للحظة ثم اندفعت مستأذنة لتعود لعمتها مبلغة إياها قرارها النهائي.
فما عاد لها ما تبكيه هنا. عليها الرحيل بعيدًا.. والبدء من جديد.
لعل وعسى يكون البعد هو المفتاح لحل معضلة فؤادها العليل بهواه المعتق.
***
رنات على هاتفها تعلن أن رسالة ما قد جاءتها على أحد التطبيقات.
امسكت بهاتفها تستطلع الأمر لتجدها رسالة من سهام تؤكد عليها الحضور لمصلى السيدات لأنها تريدها في أمر هام.
تنهدت سمية ما أن قرأت الرسالة. انتظرت لبرهة قبل أن ترد باقتضاب بكلمة واحدة: "حاضر."
تركت الهاتف وبدأت في الاستعداد للخروج تحاول تأهيل نفسها لما ستقوله لسهام.
فالأمر بالفعل صعب. وما عاد التأجيل جائزًا في مثل هذه المواضيع.
منذ عملت برغبة سمير في الاقتران بها وهي لا تعلم لليوم نهار من ليل.
أصبحت توصل الليل بالنهار تفكيرًا. لا تعلم ما عليها فعله.
إن سمير إنسان رائع ولا يستحق قلبًا لا يحمل إلا هوى كسيحًا لرجل آخر غير مدرك لها ولقلبها من الأساس.
وصلت المصلى وجلست في انتظار سهام التي ما أن انتبهت لها حتى اقتربت تلقي التحية في فتور لم يكن يومًا من عاداتها.
وهي لا تلومها. فقد وضعت نفسها موضعها. وما لم تقبله على أحد من إخوانها.
كان بالتأكيد هو عينه ما لن تقبله سهام على أخيها الوحيد.
تنهدت سهام هامسة: "دلوقتي ومن غير لف ودوران في الكلام.. أنتِ هتعملي إيه في حكاية طلب سمير أخويا ليدك!؟"
همست سمية في ثبات: "هعمل اللي المفروض يتعمل يا سهام!! هرفض أكيد."
شهقت سهام فما كان رد سمية متوقعًا: "طب ومفكرتيش بعد رفضك إيه اللي ممكن يحصل!؟"
همست سمية: "مفكرتش!! هو أنا بعمل حاجة غير التفكير.. بس هعمل إيه؟ ما باليد حيلة يا سهام. سمير يستاهل واحدة أحسن مني مية مرة.. واحدة تحبه بجد ويكون هو الأول في قلبها وملوش شريك."
دمعت عين سهام هامسة: "طب.. والشيخ مؤمن!؟ لو أنتِ رفضتي سمير.. يمكن أنا كمان أرفض مؤمن.. ما أهو أصلك مينفعش إني.."
همست سمية متعجبة: "هو أنتِ فارق معاكِ مؤمن للدرجة دي يا سهام!؟"
هزت سهام رأسها بالإيجاب وبدأت في النحيب. شاركتها سمية البكاء في صمت ولا علم لإحداهما بالقرار الصائب الذي عليهما اتخاذه للخروج من هذا المأزق وحل هذه المعضلة.
ظلا على حالهما لفترة قبل أن تهمس سمية في تردد: "فاكرة يا سهام لما جلت لك إني بدعي ربنا يبعد عن قلبي اللي ميكنش نصيبي.. ويبعت لي الإشارة."
هزت سهام رأسها تؤكد على تذكرها لتستطرد سمية هاتفة: "الظاهر إن دي الإشارة يا سهام.. دي إشارات مش إشارة واحدة.. طلب مؤمن ليدك.. وفنفس الجعدة طلب سمير ليدي."
همست سهام مستفسرة: "أنتِ قصدك إيه!؟ أنا مش فاهمة."
أكدت سمية: "أنا هاجبل بسمير.. سمير بن حلال وطيب.. وشاريني.. و.."
هتفت سهام ودموعها منسابة في قهر: "وبيحبك."
تطلعت لها سمية في صدمة. وساد الصمت بينهما لبرهة قبل أن تنطق متسائلة في تعجب: "سمير بيحبني أنا!!"
همست سهام: "القلب وما يريد."
همست سمية بدورها: "صدقتي.. القلب وما يريد."
واستطردت مؤكدة: "أنا هاجبل يا سهام.. عشان خاطرك أنتِ مؤمن.. لأن مؤمن بيحبك بجد.. أول مرة أشوفه فرحان قوي كده.. كانت دايما رزانته سباقه.. ربنا يهنيكم يا رب.. وهجبل عشان الأجل لو مخدتش اللي بحبه.. يبقى أخد اللي بيحبني.. وربنا يقدرني وأسعده."
ضمتها سهام مؤمنة خلفها في تضرع: "يا رب."
ولم تكن تدرك كلتاهما.. أن من يتضرعان من أجل الرغبة في إسعاده جالسًا بالقرب من أحد جوانب المصلى.
وقد وعى لهما وهما في سبيلهما للداخل فتتبعهما مشتاقًا لرؤية سمية ولديه الرغبة في التعرف على ردها على طلبه.
ليجلس ها هنا ويستمع لكل تلك الأسرار التي ما كان عليه أن يعرفها.
فماذا هو بفاعل!؟
اندفع ينهض مبتعدًا. لا يرى موضعًا لقدمه من أثر الدمع المتحجر بمقلتيه.
يستشعر أنه بين شقي رحا.. غير قادر على التقهقر وعاجز كل العجز عن التقدم نحو الهدف الذي تمناه طويلًا.
نيل قلبها.. الذي اكتشف أن رجلًا سواه قد سبقه إليه.
رواية زاد العمر وزواده الفصل السادس عشر 16 - بقلم رضوى جاويش
وقف سمير بشرفة حجرته، لا يعرف ما عليه فعله. وصالها الذي كان حلم عمره، والذي ما أن أضحى قلب قوسين أو أدنى إلا وتبخر أمام ناظريه كسراب. قلبها الذي رغب في أن يكون الطارق الأول على بابه، والمتربع الأوحد على عرشه، سبقه إليه أحدهم.
كاد أن يصرخ بكل ما أوتي من قوة، يحاول أن يخرج ذاك الوجع الذي يقهر روحه. إنه أشبه بشخص تكالبت عليه الأوجاع لتحصره بأحد الأركان وتنهال عليه ضرباً وركلاً وصفعاً، دون أن يكون له القدرة على التوجع أو التأوه أو حتى الشكوى. معترضاً، فلمن يمكنه أن يشكو ما يعاني؟ وإن وجد من يستمع، ماذا عليه أن يقول؟ هل يفشي سرها لمخلوق، وهو الذي ما تمنى يوماً إلا سترها بين أضلعه خوفاً عليها من النسيم؟
وكيف السبيل إلى إخماد تلك النيران المستعرة بين جنبات روحه كلما هاجت ذكراها بداخله؟ هل يذكر بذكراها هناء قلبه بحبها، أم وجيعته بصدمة اعترافها؟ يموت قهراً وعليه أن يظهر فرحة طاغية. كيف لإنسان أن يموت ويحيا في نفس اللحظة؟ يظهر الابتسامات على شفتيه، وبين حنايا الصدر قلب يتمزق قهراً.
سالت دموعه رغماً عنه، فالوجيعة أكثر وجعاً من احتماله. انتفض ذعراً عندما استشعر الدموع المنسابة على صفحة وجهه. رفع كفه مغتالاً إياها في شدة، محاولاً إنكار هطولها من الأساس. فما خُلقت لـِ تجعل هذه العين الأبية تزرف الدمع العزيز؟ ولولا بعض من تعقل، لـِ هدم بقلب الأمر برمته. لكن كم القلوب البريئة التي لم تجرم ستتحطم؟ سهام أخته ومؤمن أخيها، لا ذنب لهما ولقلوبهما المعلقة فيما يحدث. لو لم يدرك أن سهام لها رغبة قوية وميل قلبي نحو مؤمن، ما كان أتم أمر الخطبة وليكن ما يكون. هي ستقبل الخطبة من أجل أخيها وسعادة قلبه، وهو لن يكون أقل كرماً منها وسيقبل بالخطبة كذلك من أجل سعادة أخته وهناء قلبها.
صدحت الزغاريد التي كان بانتظارها عمراً. زغاريد تؤكد أن الرد جاء من قبلها، وأنها وافقت على الارتباط به. وبالتأكيد وصل مؤمن موافقة سهام. لقد انتهى الأمر وصار رسمياً. وعليه تقبله إن عاجلاً أم آجلاً.
اندفعت سهام لداخل غرفته، ليدخل من الشرفة فتبادره مهللة: "يا سمير، سمية وافقت.. سمية وافقت".
ابتسم سمير محاولاً مشاكستها ومداراة أحزانه وهو يتقدم نحوها متسائلاً: "هو الهيصة دي كلها عشان سمية وافقت؟ ولا عشان الشيخ مؤمن نال القبول؟"
ابتسمت سهام ونكست رأسها في حياء. ما دفعه لـِ يمازحها: "شوفوا البت جال بتتكسف! الله يكون في عونك يا مؤمن يا خويا.. هتاخد شروة زي دي".
اعترضت سهام مهمهمة ليقهقه سمير وهو يقربها منه مقبلاً جبينها هامساً في محبة: "مبروك يا سهام.. ربنا يتمم لك على خير يا رب".
تطلعت إليه سهام متعجبة وهتفت مؤكدة: "يتمم لنا.. أنت مش حاطط نفسك في الحسبة ولا إيه؟ ده فرحنا هيبقى في ليلة واحدة.. ومش هجيب إلا بكده.. أنا أخرج من هنا وسمية تدخل من هنا".
ذكرها حرك وجعاً ممزوجاً بلهفة ومحبة لم تنطفئ رغم ما كان. ما جعله يبتسم ابتسامة معجونة باضطراب وهو يهز رأسه موافقاً دون أن ينبس بحرف. وكل ما جال بخاطره.. أن الأمر قد يكون أصعب عليه مما كان يتخيل. لكن هل من مهرب؟
كانت قد بدأت في نقل ما لها ولأهلها بالطابق السفلي، تاركة إياه يضرب أخماساً بأسداس، وحيداً كعادته بالسطح. تطلع نحو ذهابهن وإيابهن، تاركاً لهن المجال لـِ يعلمن على راحتهن دون إشعارهن بوجوده حتى لا يحجمنه الخجل. عيونه لا تبرح موضع ذهابها وإيابها. تحمل ما يزيد عن طاقتها، فلابد لها أن تبدو بمظهر الرجل القادر.
انتفض غير قادر على تركها على هذا الوضع وهو يقوم فقط بدور المتفرج. تنحنح هاتفا وقد هبط الدرج من مخرجه المنفرد حتى أصبح قبالتهن. وصل فالوقت الذي كانت تحمل هذه الحقيبة الثقيلة. همت بدفعها لفوق رأسها، لكنه استوقفها أمراً: "عنك يا سماحة".
تطلعت إليه مبهورة: "واه.. كيف يا بيه؟ ميصحش؟"
تجاهلها حاملاً الحقيبة في يسر باتجاه الدار وتركها على بابها خوفاً من الدخول وأخواتها على راحتهن.
عاد لموضعها ليجدها ما زالت متسمرة موضعها، فهتف يونس بها: "إيه؟ هنيتوا الليلة هنا؟ ما تهم وتنچز.. أني چوعت".
تنبهت مؤكدة: "حاضر يا بيه.. حلاً هنحضروا الغدا".
واندفعت في اتجاه الدار لتجهيز الغذاء، تاركة الحجرة حيث كن يعشن جميعاً، بابها منفرج على مصراعيه.
تطلع يونس بالداخل، وجال بناظريه في أركانها متأسفاً. ما الذي دفعها لمثل هذه الحياة؟ ما الأمر الذي على أثره أصبح بينها وبين أولاد نجم ثأر بائت، والذي من الواضح أنهم على جهل به؟ لكنها مصرة على الأخذ بثأرها! التساؤلات كثيرة ولا إجابة. كل الإجابات لديها هي.. تلك التي تختبئ خلف مظهر رجولي خوفاً من أن يجور الخلق على أخواتها وأمها وهي بالتبعية، لأنهم إناث وحيدات بلا ذكر يكون حاضراً لحمايتهن. فقررت أن تكون هي ذكر الحماية لأهلها. لا يعلم ما إن كان ما أقدم عليه من تجاهل لحقيقتها في انتظارها هي لتعلن عنها بكامل حريتها أمر صائب! أم أنه عين الغباء! لكنه يريدها أن تفصح بنفسها عن حقيقة وضعها بكامل إرادتها. يريدها أن تأتي لتحكي له عن كل ما يؤرقها. يريد أن يكون رجلها الذي اختارته ليحمل عنها أوجاع العالم التي أثقلت كاهلها. يريدها مختارة لا مكرهة. فهل ستأتي؟
تنهد وهو بالخروج من الغرفة التي وطأتها قدماه للمرة الأولى. لكن عيناه سقطت على بطاقة هوية ملقاة جانباً. يبدو أنها سقطت سهواً من إحدى الحقائب. انحنى يلتقطها متطلعاً فيها، فإذا بها بطاقة هويتها الشخصية. تطلع للاسم.. سماحة جابر محروس القناوي. خانة النوع.. ذكر.
حاول أن يتفرس في الملامح داخل الحجرة المعتمة، لكنه ما تبينها. كانت لرجل يشبها بالفعل كأنه هو. لكن...
انتفض مخفياً البطاقة بجيب جلبابه عندما سمع بندائها من الخارج: "يونس بيه.. الغدا چهز يا يونس بيه".
اندفع خارج الغرفة ملبياً النداء وهو يحمل بطاقة هويتها.. المزيفة.
طَرقت حُسن على باب الشقة لتفتح نعمة مرحبة. دخلت حُسن مرتبكة تهتف في اضطراب وعيونها تجول هنا وهناك لعلها تلمح طيفه قبل أن تغادر: "أنا جاية أسلم عليكم.. عشان يعني خلاص".
هتف خميس متأثراً: "يعز علينا بعادك يا حُسن.. بس كده أحسن.. ربنا يسعدك".
ربت على كتفها مودعاً: "تروحي وترجعي بالسلامة يا بنتي".
ابتسمت حُسن تغالب دموعها التي سبقتها نعمة إلى ذرفها حزناً على فراق رفيقة عمرها. اندفعت حُسن تحتضن شيماء التي لم تعقب فقد غصت بالدموع وهي تربت على كتفها في محبة. بينما اعتصرتها نعمة الجدة بين ذراعيها، لا تريد أن تفلتها وهمست بها بلهجة عالمة ببواطن النفوس: "بقولك إيه يا بت يا حُسن!! لو مرتحتيش هناك تاخدي بعضك وتنك راجعة على هنا. أوعي تنسي أن ليكي أهل هنا يعرفوا يحموكي ويحافظوا عليكي. ولولا إني عارفة إن بعادك ده مصلحة ربك جابها فوقتها مكنتش سبتك تبعدي أبداً".
أبعدتها نعمة الجدة عن صدرها مؤكدة: "روحي يا حُسن.. روحي وأكيد الروحة مش هطول. وربك ليه حكمته في كل أموره".
ابتسمت لها حُسن من بين دموعها لتنهض تحتضن نعمة صديقتها وقد فاضت عيناها بالدموع مؤكدة لها: "مش هسيبك يا نعمة.. هتلاقيني نطالك واتس وفيس، وهنتكلم على طول.. خلاص".
هزت نعمة رأسها في إيجاب لتندفع حُسن راحلة وهي تلقي التحية على عجالة.
ساد الصمت الشجي بين أفراد العائلة، لم يقطعه إلا تثاؤب نادر الذي دخل من باب شقة جده الذي كان يجتمع فيها الكل، قادماً من شقة أبيه بالأعلى لا يدري من أمر حُسن شيئاً.
تطلع نحو وجوههم متعجباً: "فيه إيه يا جدعان؟ متوحدوا الله.. فيه إيه؟"
تنهدت نعمة وخميس: "لا إله إلا الله".
نهضت نعمة باكية مندفعة لحجرتها بالأعلى، ليتطلع نحوها نادر متسائلاً: "مالها دي!! حد مزعلها ولا إيه؟"
هتفت شيماء التي قدمت من الداخل تمسح دموعها مفسرة: "زعلانة على صاحبتها.. حُسن مسافرة دلوقتي مع عمتها".
انتفض موضعه يحاول السيطرة على ارتجافة قلبه بين أضلعه، نهض مندفعاً للأعلى بدوره دون أن يعقب بحرف، مثيراً تعجب أمه، متوجهاً نحو غرفته. فتح درج مكتبه وانتزع عقدها الصدئ من مخبئه، مندفعاً نحو الدرج يهبطه على عجالة، حتى إذا ما وصل للأعتاب يهم بالاندفاع نحو بيتها إلا ووجد سيارة بنت عمتها شعيل قد غادرت. هم بالركض خلفها، لكن ملابس النوم التي ما وعى إلا اللحظة أنه غادر بها، جعلته يتوقف موضعه لا يبرحه وهو يتابع ابتعاد العربة بناظريه وكفه يضم عقدها الذي ضم عليه بمجمل كفه في شدة. كان راغباً في التخلص منه حتى لا يبقى لديه ذكرى تخصها، فلتنل كل ما لديها وترحل إن كان هذا هو اختيارها. لكنها أبت إلا ترك ذاك العقد ليؤرق مضجع القلب الغافل.
أسبوع بالتمام والكمال مر ولم تطأ قدماها أرض حجرة القراءة، يكاد يجن. كيف لها أن تنقطع عن القراءة كل هذه المدة! إن القراءة بالنسبة لها كالماء والهواء، وهي مؤشره الوحيد أنها بدأت تعود لحالتها الطبيعية، وهذا أكثر ما يؤرقه ويثير ضيقه. لا يعلم هل هذا الضيق الذي يسيطر عليه جراء ارتكانه لحالة الركود هذه، بسبب رغبته في نسيانها محمد! أم رغبة في عودتها لطبيعتها بلا أية أسباب أو دوافع!
تنهد وهو يحيد بناظريه عن حجرة القراءة التي أظلمت منذ أن غادرتها ولم تعد إليها.
واندفع مغادراً حجرته للمسجد. لم تحن صلاة العصر بعد، لكنه رغب في التفريج عن نفسه ببعض ركعات في رحاب بيت الله.
ما أن وطأت قدماه باب حجرته حتى أبصر ياسين أخوها مغادراً حجرة أخواته البنات التي تشاركهن إياها، وهو يحمل كتاباً ما بين كفيه. كان يغادر الغرفة متأففاً لا يعلم لما. وجد عاصم نفسه يشير لسمير ذو الثلاثة عشر ربيعاً ليقترب.
سأله عاصم في لهفة حاول مداراتها: "مين كان بيجرا الكتاب ده يا سمير؟"
أكد ياسين حانقاً: "هيكون فيه غيرها! زهرة أختي اللي مغلباني. هات الرواية دي.. خد دي.. رجع دي.. زهقت.. بس هقول إيه!! بابا وماما منبهين عليا مزعلهاش.. صبرني يا رب".
أمسك عاصم ضحكاته، متناولاً الرواية من بين كفي ياسين هاتفا: "خلاص يا سيدي ولا تزعل روحك.. أنا هرجع الرواية بنفسي.. إيه رأيك؟"
هتف ياسين مهللاً: "ينصر دينك يا واد عمي.. تصدق إنك جدع!!"
قهقه عاصم لمزاح ياسين متسائلاً: "طب يا غلباوي.. جالت لك عايزة رواية إيه مطرح دي؟"
هرش ياسين برأسه لبرهة هاتفا في اضطراب: "يا دي النيلة.. والنعمة ما فاكر.. أنا كنت قاعد اسمع فاسمها المكعبل لحد ما أنت وقفتني.. اهو طار من بالي.. ياللاه عشان تكمل.. هرجع أسألها بقى".
هم ياسين بالعودة لحجرة زهرة لسؤالها، إلا أن عاصم استوقفه هاتفا: "لاه مفيش داعي.. أنا عارف هي عايزة تجرا إيه.. روح أنت وأنا هجيب لها الرواية".
هز ياسين رأسه موافقاً بكل ترحاب مندفعاً نحو شأنه. تطلع عاصم للرواية في سعادة متناهية. ها قد بدأت تقرأ من جديد.. فهو يعلم تمام العلم أن ما من شيء قادر على إخراجها من عزلة روحها تلك إلا القراءة.
عاد لحجرته وبدأ في تفتيش الرواية باحثاً كالعادة عن خطوطها الوردية.. ليجد أخيراً بعد أن فتش الرواية للمرة الثانية سطراً بآخر إحدى الصفحات. سطراً واحداً لا أكثر.. لكنه حمل الكثير من المعاني: "قلب المرء بين إصبعين من يد الله، فهل مكتوب لقلبي أن تتحول قِبلته حتى أرتاح؟!"
فتح عاصم حاسوبه الشخصي ودخل لصفحته وبدأ في كتابة السطر المميز الذي اختارته.. وكذا اسم الرواية المأخوذ منها الاقتباس.. وزيل المنشور بلقبه.. شيخ العاشقين.
هم بنشر المنشور وغلق الحاسوب، لكنه وجد نفسه يضيف هاشتاج جديد.. خطوط وردية. ابتسم في رضا.. وضغط زر النشر ونهض ليعيد الرواية موضعها. دخل غرفة القراءة وبدأ في البحث عن رواية تحمل الطابع الذي تفضله. وقعت يده عليها. كان قد قرأها سابقاً وأعجب بها. فقرر إرسالها إليها. حملها وصعد الدرج متردداً في الطرق على باب حجرة الفتيات. طرقه منتظراً. كان يتوقع أن تكون نوارة بالداخل.. فهي الأقرب إليه والأعلم بسر قلبه. لكن الباب انفرج عن محيا سجود التي أعطاها الرواية مؤكداً في سرعة: "الرواية دي لزهرة.. باعتها لها ياسين".
تناولت سجود الرواية منه دون أن تعقب بحرف، بل هزت رأسها في تفهم ليندفع هو مبتعداً عن أعتاب الغرفة التي تضم محياها الذي يشتاقه اللحظة أكثر من شوق الغريق لنفس يهبه الحياة. لكن على الرغم من ذلك، استشعر السعادة لمجرد اختياره رواية لها على ذوقه.
ناولت سجود الرواية لزهرة مؤكدة: "الرواية أهي يا زهرة!! ياسين بعتهالك".
تطلعت زهرة لعنوان الرواية هاتفة: "بس مش هي دي الرواية اللي طلبتها منه، ياسين ده".
هتفت سجود تقاطعها مؤكدة: "عاصم جال".
تنبهت زهرة عند ذكر عاصم وسجود تستطرد: "أن ياسين هو اللي بعته بالرواية اللي طلبتها زهرة".
هزت زهرة رأسها في تفهم، ولم تعقب بحرف، بل لاح على شفتيها ابتسامة وهي تتطلع للرواية، وهمست باسمها وهي على يقين أنها من اختيار عاصم.. وأنه جاء بها حتى باب غرفتها: "وتربكها وجوه العشق".
ما عاد يعلم ما الذي يعتري ذاك الأحمق!؟ ألم يكن ذاك ما كان يرغب فيه؟ ابتعادها.. إذن لم منذ لحظة رحيلها وهو على حال غير الحال. حتى أن الورشة التي كانت تنال جل وقته قد أهملها كلياً، تاركاً له الجمل بما حمل، وخاصة بعد سفر الأسطى ناصر لجلب بعض قطع الغيار، مقيماً تقريباً على البنك بالشمندورة، مقهى جده، متعللاً أنه يساعده. لا يعلم أن حاله أصبح مفضوحاً لكل صاحب عقل، وهو جالساً يستمع لأغاني مذياع المقهى، عيونه شاخصة على دار حُسن المعتمة، التي هجرها أهلها ورحلت هي مخلفة وراءها ذاك المغفل الذي لم يكن يدرك أنه غارق بهواها حتى النخاع.
تنهد راضي وهو يندفع نحو درج بيت المعلم خميس، صاعداً نحو شقته لطلب مفاتيح الورشة لفتحها، بعد أن تجاهل نادر ذلك، مؤكداً لنفسه: "عشان كده، يغور العشق ومراره، أدي اللي بناخده من وجع القلب، جلة القيمة".
كان يحدث نفسه كالمجاذيب، ولم يتنبه في اندفاعه بتلك التي تندفع في هبوطها من السطح حاملة طبق الغسيل البلاستيكي، بعد أن قامت بنشر الغسيل بالأعلى. سقط الطبق جراء الارتطام، دار الطبق للحظة على الدرج محدثاً دوياً مكتوماً ليسود الصمت بعدها، ووضعهما أشبه بتمائيل محنطة، تقف بالدرج الأعلى درجتين. كفاها الرقيقتان تنام على كتفيه، وكفاه القويتان تحكمان الأطباق على الخصر الناحل الذي حيره لليال. عيونهما مذعورتي النظرة، وقد اندفع غطاء شعرها الذي كانت تضعه بشكل عشوائي على رأسها ساقطاً أسفل قدميهما. تقف بينهما جديلتها شاهدة على ما يحدث بلا اتفاق بينهما.
تنبهت سوياً لوضعهما لينتفضتا معاً بنفس اللحظة، حتى أن لحظة تراجعها المتسرعة كادت أن تدفعها لتسقط مستندة عليه من جديد، لكنها تمالكت نفسها، وكذلك هو الذي أدار لها ظهره يشمله الاضطراب من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يرى كفها يمتد ليجذب غطاء شعرها الساقط بقرب قدمه.
وقف موضعه لبرهة لا يعلم هل كان صاعداً أم هابطاً، وماذا كان يريد من الأساس!! لذا لم يجد نفسه إلا وهو يندفع من جديد هابطاً الدرج في اتجاه الخارج، لا يعلم إلى أين. لكن كل ما كان يجول بخاطره هو الهروب.. الهرب وبأقصى سرعة من هذه المشاعر التي تحييها ذات الجديلة بأعماقه، تلك المشاعر التي أقسم أنه لن يسمح لها بالولوج لقلبه مهما كانت المغريات.
خطوات ووجد نفسه أمام الورشة والتي كانت مفاتيحها على ما يبدو مع نادر الذي تأخر في فتحها، جاعلاً إياه يعتقد أنه أهمل ذلك كما فعل عدة مرات من قبل، وكأن كل ما حدث كان من أجل ذاك اللقاء الخاطف بينهما والذي على ما يبدو كان مقدراً.
ألقى التحية في عجالة على نادر وصبيه، وبدأ في العمل بشكل آلي، لكن عقله ومجمل خاطره مع تلك اللحظات الخاطفة التي أسرت قلبه وخطفت روحه بلا رجعة.
دفع باب شقته التي يسكنها وحيداً عندما ينزل للقاهرة بعيداً عن نجع الصالح والتي أصبحت مستقره منذ آخر خلاف حدث بينه وبين جدته. دخل وأغلق الباب برفق متنهداً وهو يلقي بحقيبة ملابسه، يستشعر إرهاقاً شديداً فدفع بجسده للجلوس على أقرب مقعد متطلعاً حوله، فقد أطال الغيبة هذه المرة ولم ينزل أي إجازة فعلية منذ فترة.
هم بالنهوض ليأخذ حماماً دافئاً ويخلد لنوم عميق، إلا أن هاتفه بدأ في إرسال بعض الإشعارات، ما دفعه ليخرجه من جيب سترته متطلعاً نحو شاشته محاولاً أن لا يدفعه الشوق إلى مراجعة حسابها الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن كفه لم تستطع أن تكبح جماح تلك الرغبة، ليتطلع لصورتها التي كانت تضعها لحسابها بتلك الابتسامة الشقية التي تخلب لبه. وابتسم متذكراً أنها نفس الصورة التي طلب منها عدم وضعها لغيرته التي فسرتها الحمقاء وقتها أنها نوع من التحكم، ورغبة في فرض السيطرة.
ابتسم من جديد للصورة، ومرر أصابعه على الوجه البشوش قبالته في حنين جارف إليها. لكن ما استرعى انتباهه هنا أنها لم تغير تلك الصورة منذ فترة ليست بالقليلة، وهي أبداً لم تكن تلك المتشبثة، بل دوماً ما كانت ملولة وتغير صورتها كل عدة أيام، فلا تستقر على صورة مفضلة، بل تتنقل بينهن دوماً. ظل على حيرته والتي زادت وتيرتها عندما انحدر ناظره لمحتويات الصفحة. لقد كان آخر ما نشرته منذ أسابيع أيضاً.. كان كلمات مقتضبة مقتبسة من رواية ما عن الحنين وروحك الغائبة التي فارقتك وأنت ما تزال حياً.
تسارعت ضربات خافقه قلقاً. ماذا يعني كل هذا؟
اندفع إلى تطبيق الواتساب باحثاً في عجالة عن رقمها، فتنهد في راحة عندما وجدها تضع حالة منذ ساعات. تردد في صراع محموم بين رغبته في سماع أي شيء مهما كان تافهاً يمت بصلة بها.. وما بين رغبته في عدم معرفتها أنه مهتم وقد سمع الحالة التي تضعها، والتي قد تكون رسالة ما مبطنة له. هزّه الخاطر الأخير ليضرب بتعقله عرض الحائط وضغطت أصابعه على حالة الواتساب الخاصة بها ليتناهى لمسامعه أغنية تصف حالتها:
"أغيب وأقول دا زمانه نسيني..
ما هو لو ينسى هينسيني..
طول ما هو فاكر.. هفضل فاكر..
أيوه امال أنا بسأل ليه.."
دمعت عيناه وقد مزقت أوصال ثباته تلك الرسالة، التي جاءت لتخبره أن قلبها ما زال معلقاً به.. وأنها لم تنسه كما كان يعتقد. أعاد تكرار الأغنية وكأنما هي طقس مازوخي لتعذيب ذاته، وأخيراً وضع مقطعاً آخر من نفس الأغنية كحالة له، فقد كان عليه أن يرد الهدية بمثلها:
"أداري إيه أنا ولا إيه!؟
دا أنا يا شوق فيا اللي فيه..
دا حالي أصعب من حاله..
جرالي أكتر ما جراله.."
نشر المقطع، وترك هاتفه مندفعاً نحو الحمام، يبرد نار الوجد المشتعل بين حنايا صدره، ولم يدرك بعد أن هناك على الطرف الآخر قلب أضناه الشوق إليه، يقفز فرحاً ما أن أبصر اسمه من بين من شاهدوا الحالة.
وكاد القلب وصاحبته أن يرقصا طرباً ما أن شاهدت حالته التي وضعها.. والتي تخبرها أنه ما يزال على عهد الهوى ولم يتحول قلبه. ورغم ذلك.. لم تستطع إلا أن تنفجر باكية. فقد هز الشوق دواخلها كزلزال مدمر. ولم تكن تدري أن تسبيح أنها تراقب ما يحدث دون أن تعقب. لكنها دخلت الغرفة على حازم متنهدة في وجيعة:
"البت لسه قلبها متعلق يا حازم!! وجلبي موجوع عليها وعليه!!"
تنهد حازم مؤكداً: "بأيدينا إيه ومعملنهوش!! ربنا يقرب البعيد".
هزت تسبيح رأسها في قلة حيلة ولم تعقب.
كان يجلس بالأعلى حيث سطح دار الحناوي في انتظار جلبها لأكواب الشاي. شرد قليلاً في أمرهما وما قد يؤول إليه.
تنبه عندما تناهى لمسامعه خطوات متمهلة تصعد الدرج الداخلي. لابد وأنها هي وقد أحضرت بالفعل الشاي.
وصلت لأعتاب السطح وما أن ظهرت حتى انتفض هو في هلع صارخاً في تحذير: "حاسبي".
لم تفطن لندائه المحذر، فقد تعرقلت متعثرة في جلبابها الرجولي الواسع وهي تحمل ركوة النار بمجملها. لا صينية الشاي كما كان يعتقد. ارتطمت الركوة بأرض السطح الأسمنتية محدثة دوياً.
فاندفع يونس نحوها يلحق بها وكل ما يجول بخاطره هو ذاك الفحم الذي كان يعلم أنه كان موقداً منذ فترة بسيطة، ولا علم له إن كانت قد أشعلته بالفعل قبل صعودها! أم أنه مجرد فحم خام لم تضرم النار فيه بعد!
مد كفيه لموضع سقوطها مساعداً إياها على النهوض، جاذباً إياها نحو صنبور مياه جانبي، فتحه في عجالة ممسكاً بكفيها يضعهما أسفل الماء الجاري مهدئاً أثر الحريق الذي لم يكن بكفيها بقدر ما كان هناك بموضع خافقها الذي ذاب للمسه كفه وهلعه البادي على محياه ذعراً عليها.
لا شيء يقتلها فيه عشقاً قدر ذاك الحنان الطاغي الذي يتلبس كل أفعاله وخاصة بعد عودته من زيارة أهله. لا تعرف السبب لذلك. لكن ذاك الحنو القاهر لكل دفاعاتها ما عاد لديها القدرة على صده.
تطلعت نحوه هامسة بصوت متحشرج وهي تجذب كفيها من بين أحضان كفه مبعدة إياهما عن مجرى الماء: "أني كويس يا يونس بيه؟"
تنبه يونس لفعلته، فاضطرب لكشفه بعض من مشاعره التي كان يحجمها هاتفا في حنق عاتباً: "مش تاخد بالك يا مخبل.. مين جالك تطلع بالركوة كلها على هنا!؟ ما كنت سبتها متلجحة تحت".
أكدت سماحة مفسرة: "جلت إن جعدتك كلها بتبقى فوق.. فأجيب الركوة لجنابك على هنا".
تنهد يونس محاولاً تفادي النظر نحوها هاتفا في لهجة مصطنعة الحنق: "خلصنا.. ابقى تاخد بالك بعد كده.. مش ناقصين مصايب".
صمتت ولم تعقب.. وتوجهت نحو الفحم المبعثر هنا وهناك من أجل جمعه بالركوة من جديد وتنظيف المكان. لكن يونس وعى لفعلتها فهتف متسائلاً: "أنت بتعمل إيه؟"
هتفت مفسرة بنبرة حاولت أن تخرجها ثابتة بلا أي اهتزاز: "هنضف المكان واشيلك الفحم يا بيه".
جز يونس على أسنانه في ضيق هاتفا: "يتحرج.. سيبه وروح".
وقفت موضعها ساكنة ولم تنبس بحرف، ما كاد يدفعه لحافة الجنون حرفياً. فكان يقسو وقت ما كان عليه أن يشفق ويحنو.
وصمتها وسكونها الخانع ذاك يحرك قلبه اللين في الأساس للمزيد من العطف نحوها.
هتف يونس من جديد محاولاً خفض نبرته الحانقة تلك: "روح يا سماحة.. روح ارتاح.. أنت تعبت النهارده".
هزت رأسها في طاعة واندفعت نحو باب السطح راحلة، تاركة إياه يتبعها بناظريه وقلبه، الذي أضحى معلقاً بها ما بين ليلة وضحاها.
غابت فتنهد يونس في قلة حيلة وبدأ في تنظيف المكان مترنماً في شجن بموال عن العشق ونيرانه المستعرة في قلب ما خبر العشق يوماً. وهو الذي كان يعتقد أنه عاشق من الدرجة الأولى.. فإذا به يوم رآها.. أيقن أنه كان يمثل دور العشق.
كانت تحتاج لهذه الرحلة الطويلة، كانت ترغب في تجربة أمور لم تجربها من قبل. ركوب القطار كان أمراً لم تعتده ولم تقدم على التفكير في تجربته نظراً لوجود العربة وسائقها لنقلها لأي مكان ترغب. وكذا الطائرة إذا ما كان الأمر طارئاً أو لا يحتمل التأجيل. لكن القطار كان آخر خياراتها والذي أصبح اليوم أولها. فما كان الأمر يحمل أي قدر من التعجل. كان الوقت كله ملكها منذ أن قررت السفر للنجع بناءً على توصية من جدها زكريا حتى تخرج من هذه الحالة التي تتلبسها منذ ما حدث مع نزار. ومحاولة اختطافها وتلك الصور الملفقة لهما التي انتشرت بطول الإسكندرية وعرضها. وكذا رد فعله غير المتوقع. لقد تجاهل الأمر كلياً. حتى أنه لم يفكر في زيادة أبيها وتبرير أمر اصطحابها لطبيبه المعالج والصور التي تم التقاطها لهما على درج بنايته. لا إعادتها لبيت والدها ما زاد الطين بلة.
كان رد فعله مخيباً لأملها وظنها. كانت متوقعة منه أن يهرع فور سماعه بما حدث ورؤيته للصور المزيفة إلى بيتها ل..
توقفت عن الاسترسال في خواطرها ناهية نفسها في شدة: "كفاية بقى.. أرحمي نفسك.. بطلي تفكير في المفروض واللي كان لازم.. نزار مكنش ينفع يعمل حاجة عشان هو راجل متجوز.. وأكيد عنده مشكلة مع مراته بسبب الصور دي زيك بالظبط.. أكتر من إنه أنقذك.. ده هيبقى افتراء منك.. ملكيش عنده حاجة يا فريدة.. فوقي بقى".
هزت رأسها عدة مرات بشكل لا واعٍ ما دفع ذاك الذي كان يجلس جوارها يتنبه لما تفعل. فسأل في أدب: "أنتِ كويسة يا آنسة؟"
تنبهت لصوت مجاور يسألها، ما دفعها لتوجه ناظرها إليه في تعجب. متى جاء ليجلس جوارها؟ فطوال الثلاث ساعات المنصرمة من رحلتها منذ ركوبها القطار لم يتقدم أحد ليجلس جوارها.
ردت في نبرة رسمية: "أه تمام.. شكراً".
لم يشأ أن يتطفل عليها ما دفعه ليعيد مقعده للخلف قليلاً مشبكة كفيه على صدره في محاولة للنوم. أغمض عينيه لكنه لم يفلح في النعاس. وظل على يقظته وصوت سماعات الأذن التي وضعتها اللحظة عال بما فيه الكفاية ليصله تردد أغانيها التي كانت تستمع إليها وهي تتطلع من نافذة القطار على المناظر المتتابعة قبالة ناظريها.
كانت على يقين أنه لن يترك الأمر يمر هكذا دون أن يتصرف ما أن يصله علم بما فعلته معها جدتها. يقينها ذاك أقلقها كثيراً. فقد خافت أن يكون بغير محله. وأنه سيركن لما آلت إليه الأوضاع دون محاولة تغييرها.
تسللت ليلاً، وهبطت على مهل تلك الشجرة الملاصقة لشرفة حجرة نومها، مندفعة نحو اسطبل عنتر وبدأت في تفتيش سرجه. لتشهق في صدمة وهي تُخرج جوالاً وخطاباً ما ملصقاً به. ألقت بهما في جيب سترتها وعادت أدراجها تتسلق الشجرة القصيرة التي كانت أشبه بدرج منها لشجرة، وكأنما الطبيعة كانت أحن عليها لتهبها هذا المخرج الذي استعملته منذ كانت طفلة صغيرة لتهرب من سطوة وجبروت جدتها هي وابن خالها منتصر. تذكر كم كان الحبس من نصيبها عقاباً على أبسط الأخطاء أو الهفوات. ليساعدها منتصر على تعلم كيفية الهرب باستخدام هذه الشجرة المنقذة. لتخرج بضع ساعات من عزلتها الإجبارية لتشاركه لهوه ومرحه قبل أن يتم الفصل بينهما من جديد عندما كان يُرسل كلاهما لمدرسته الداخلية وحيداً من جديد.
استطاعت الوصول للشرفة صعوداً، وتنفست الصعداء عندما
رواية زاد العمر وزواده الفصل السابع عشر 17 - بقلم رضوى جاويش
هبطت وجيدة الدرج في هدوء وعيناها على تلك التي تجلس في بهو الدار تتطلع حولها في فضول. وما أن وصلت لموضعها حتى هتفت في ثبات:
"يا مرحب، شرفتي."
هتفت ثريا في نبرة ثابتة:
"مش عارفة هتجولي كده بعد ما تعرفي أنا مين ولا لاه."
هتفت وجيدة متسائلة:
"الضيف على راسنا أي كان مين.. بس برضك أحب أعرف.. أنتِ مين!؟.. وشك مش غريب عليٌ."
هتفت ثريا مؤكدة:
"أنا الباشمهندسة ثريا سعيد الشيمي.. مرات الباشمهندس سيد سليم الهواري.. أكيد الاسم ده هتفتكريه كويس."
اضطربت وجيدة وتلبدت سحنتها وهتفت بنبرة عدائية:
"خير!؟"
ابتسمت ثريا ابتسامة الواثق هاتفة:
"ما دام غيرتي طريقة كلامك معايا.. يبقى أكيد افتكرتي ومش ناسية."
هتفت وجيدة مؤكدة بدورها:
"والله أني نسيت الهوارية وكل اللي بياچي من عنديهم.. بس الظاهر هم اللي مش ناويين ينسونا.. ويسيبونا فحالنا."
هتفت ثريا بنبرة هادئة:
"ننسى إيه!؟ وننساكم ليه!! ما خلاص يا حاجة وجيدة اللي كان ده من زمن وولى.. وسيد رغم اللي حصل فدراعه مجدمش بلاغ على ولدك جعفر.. والموضوع اتجفل.. يعني جدمنا الطيب من زمن.. إيه في تاني!؟"
هتفت وجيدة منتفضة في حنق:
"فيه كتير.. وخلصنا.. الموال ده انتهينا منه.. فارجونا بجى وسيبونا فحالنا."
هتفت ثريا بنبرة هادئة في محاولة لضبط النفس:
"بصي يا حاجة وجيدة.. رغم إن جوزي هو اللي اتأذي من ولدك.. لكن عمره ما فكر يضره.. ولو كان سيد فكر ساعتها إنه يحبس ولدك جعفر مكنش حد هيلومه.. واد ولدك حضرة الظابط اللي بتتباهي بيه فالرايحة والجايه.. واللي استخسرتيه في بتنا.. عمره ما كان هيعتب كلية الشرطة ولا يفكر فيها من أساسه لو مكنش سيد اختار الطيب ومبلغش عن ولدك."
رمقتها وجيدة بنظرة حانقة تقطر غضباً مكبوتاً ولم تعقب.
لتستطرد ثريا هاتفة في ثبات واثق:
"أني مش بمن لا سمح الله.. ولا جايه أجول رد جميل للي عمله جوزي واللي يده لساتها على حالها عاچزة.. لكن كل اللي بجوله نفتحوا صفحة جديدة.. مهما كان اللي فجلبك ونيتك من ناحية الهوارية نصفوه."
ومدت ثريا كفها هاتفة:
"وأدي يدي أهي.. بمدها بالطيب من تاني.. لجل ما نريح جلوب عيالنا.. وحضرة الظابط يفرح باللي رايدها جلبه ونطلب يد بت بتك لولدي ال.."
هتفت وجيدة مقاطعة إياها في سخرية ولم تعر كفها الممدودة بالا:
"ولدك إيه!! العاچز!!"
دمعت عينا ثريا بعد هذه اللفظة التي أطلقتها على ولدها، لكنها حاولت الصمود بقوة.
ووجيدة تستطرد في عنجهية وكبر:
"يعني عايزاني اچوز حضرة الظابط لبتكم.. اديكم راجل ملو هدومه جيمة ومركز.. وتدوا بت بتي راجل عاچز.. فين جسمة العدل يا باشمهندسة!! ده حتى أنتِ كلك نظر."
همت ثريا بالحديث إلا أن هتاف مروان على كرسيه المدولب، من خلفه خفيره يدفعه، هو الذي قطع الحديث أمراً:
"ماما.. مفيش أي كلمة تتقال تاني بعد اللي الحاجة وجيدة قالته."
اندفعت ثريا تقف خلف ولدها ممسكة بذراعي كرسيه المدولب بعد أن تنحى خفيره للخلف مفسحاً لها المجال. وما أن همت ثريا بالاستدارة بالمقعد مستعدة للرحيل إلا واستوقفها مروان بإشارة من كفه، متطلعاً نحو وجيدة هاتفا في حزم:
"أنتِ صح.. مش هلومك على اللي قولته.. واللي كان ممكن يكون رد أي حد فمكانك.. بس هقولك كلمة واحدة.. أنا راجع تاني.. راجع لما أنا أشوف إني استحق أية.. وساعتها برضاكِ أو لا.. هاخدها من السجن ده.. عن إذنك."
تحركت ثريا دافعة كرسيه أمامها راحلة، تاركين وجيدة تغلي غضباً. بينما أية تقف بالأعلى متوارية خلف أحد الأعمدة تتابع المشهد ودموعها تنساب على خديها في سخاء. وما أن أدركت رحيل مروان وأمه إلا واندفعت في اتجاه حجرتها ومنها للشرفة متطلعة نحو ثريا وهي تدفع كرسي ولدها حتى وصلا لباب السيارة ليساعده الخفير على ركوبها وأمه جواره.
كانت تعتقد أن هذه هي نهاية علاقتها بمروان، وأن ما قالته جدتها بالأسفل كفيل بتدمير علاقتهما للأبد، وأن كلماته الأخيرة لها ما كانت إلا لحفظ ماء الوجه واسترداد لكبرياء أمه ليس إلا. لكن كفه التي أخرجها الآن من نافذة السيارة مشيراً لها مودعاً، جعلتها تبتسم من بين دموعها لتختلط الضحكات بشهقات الدمع وقد أيقنت أنه ما زال على العهد.. ولن يحيد قلبه عن قِبلة عشقها مهما حدث.
خرج منتصر بعد أن أتم مع قائده ومجموعته هذا الاجتماع الذي يحدد خطة الهجوم على مجموعة في سبيلها تسليم شحنة ضخمة من المخدرات. كانت المجموعة تجمع عن هذه العصابة الكثير من المعلومات في خلال الشهور الماضية وحان الوقت للقيام بمأمورية للإيقاع بهم.
اندفع وحيد صديق منتصر يجاوره هاتفا:
"أنت إيه رأيك يا باشا!! هنقدر نمسكهم المرة دي!!"
هتف منتصر بلا مبالاة:
"هيحصل بإذن الله.. هم هيروحوا منكم فين!!"
هتف وحيد متعجباً:
"منكم!! أنت مش معانا ولا إيه!؟"
هتف منتصر مغيراً الموضوع مازحاً:
"مقلتش بقى يا عريس!! الجواز حلو ولا نصرف نظر!!"
ابتسم وحيد في هيام:
"حلو قوي يا جدع.. ياللاه عقبال ما أشوفك مدهول زيي."
ابتسم منتصر في شجن:
"خلينا فاللي إحنا فيه.. كفاية علينا مدهول واحد."
هم وحيد بالاعتراض إلا أن هاتفه رن ليبتسم في عشق مؤكداً وهو ينظر لشاشة الهاتف:
"دي المدام يا وحش.. أكيد بتطمن عليا."
ربت منتصر على كتفه وهو يستأذنه مبتعداً للرد عليها. خطوات بسيطة وانتفض منتصر عندما سمع صرخات وحيد المهللة، والذي اندفع نحو منتصر يضمه في فرحة غامرة هاتفا في سعادة طاغية:
"هبقى أب يا منتصر.. هبقى أب."
قهقه منتصر يشاركه سعادته، مؤكداً وهو يضمه في قوة رابتاً على ظهره في محبة:
"الف مبروك يا وحيد.. هتبقى أحسن أب فالدنيا.. مبروك يا بطل."
هتف وحيد متعجلاً:
"اه لو مكناش طالعين المأمورية دلوقتي.. كنت طرت على هناك.. عايز اطمن عليها."
هتف منتصر باسمًا:
"نطلع ونرجع بالسلامة وطلبات البيبي كلها هدية مني يا باشا.. بس يوصل على خير وهعلمه ضرب النار أول ما يوصل ست شهور."
قهقه وحيد:
"ولو بنت!؟"
أكد منتصر مهما:
"لا لو بنت بقى.. دي عايزة لها تحضيرات.. هتجوز لها مخصوص عشان أجيب لها عريس.. إحنا صعايدة ومعندناش بنات تتجوز بره.. واد عمها أولى بيها."
قهقه وحيد في سعادة رابتاً على كتف منتصر وهما في سبيلهما لتجهيز العدة للخروج لمأموريتهما المرتقبة.
دخل يونس إلى الحمام. كان القصد هو أخذه لحمام دافئ، لكن نيته الحقيقية كانت مشاكستها. لا يعلم لم يفعل ذلك؟ ولم لم يظهر لها معرفته بالحقيقة وكشفه لهويتها؟ كان يستمتع بشكل كبير بمصاحبتها والجلوس إليها يكتم ضحكاته على غفلته وحمقه. فكيف لم يكتشف كونها امرأة وهي بهذا القرب؟ كيف لم يفضح سرها وهي تعيش معه يظلهما سقف بيت واحد؟ يبدو أن غرقه في حزنه على هواه الضائع بعد رفض سهام الاقتران به أعمى عينيه وغشي بصيرته عن إدراك حقائق الأمور وخاصة حقيقتها.
ملأ المغطس بالماء الدافئ والكثير من صابون الاستحمام الذي وضعه بوفرة مخلفاً رغوة كثيفة. وأخيراً مد كفه للسخان الكهربائي وعبث ببعض أسلاكه حتى يخربه. وأخيراً خلع ملابسه ودفع بجسده ليتمدد داخل المغطس. لحظات وهتف باسمها في حنق:
"يا واد يا سماحة."
كرر نداءه عدة مرات ليظهر سماحة يقف على أعتاب باب الحمام الذي أشرع بابه قليلاً وهتف من الخارج:
"أمرك يا بيه."
هتف يونس متعللاً:
"تعالى خش شوف المدعوج السخان ده فيه إيه."
تنحنح سماحة مؤكداً بصوت متحشرج حرجا كاد أن يدفع الضحكات لحنجرة يونس والتي وأدها وهو يستمع إلى أعذاره:
"مبفهمش أني يا بيه فالكهربا والحاچات دي.. هرمح اچيب لك الكهربائي وأرچع طوالي."
هتف يونس يوقفه متأففاً:
"تچيب مين يا مخبل أنت وأنا على حالي ده؟.. روح سخن لي شوية ماية وهاتهم إجري."
هتف سماحة مطاوعاً:
"حلاً يا بيه."
غاب سماحة لبعض الوقت تاركاً يونس يتمدد بالماء الدافئ مستمتعاً بمشاغبتها. وخاصة عندما طرق سماحة الباب الذي كان ما يزال مشرعاً حاملاً الماء الساخن هاتفا في اضطراب:
"المية يا بيه."
هتف يونس ساخراً:
"أچي أخدها يعني ولا إيه؟.. متجيبها خلونا نخلصوا فيومنا ده."
تردد سماحة قليلاً وأخيراً دخل حاملاً الماء الساخن يصبه في طبق بلاستيكي عميق كان بالقرب. كان عيناه معلقة بموضع قدمه لا يرفعها نحو ذاك المنفرج الأسارير الممدد في المغطس. قرب الطبق مع أبريق من الصاج لموضع المغطس هاتفا ليونس بصوت متحشرج:
"أها يا بيه.. تأمر بخدمة تانية!؟"
كان سماحة يهتف بتساؤله وهو مندفعاً للخارج أساساً لكن يونس استوقفه أمراً:
"أه تعالى ياللاه إدعك لي ضهري."
انتفضت سماحة لا تقوى على النظر نحو تلك اللوفة التي مد بها يونس كفه وهتفت متحججة وهي تندفع للخارج مهرولة متعللة بمصيبة ما سوف تقع لنسيانها أمراً ما. لم يدرك يونس كنهه وقد انفجر ضاحكاً من ردة فعلها.
خرجت من محطة القطار تتلفت حولها بحثاً عن عبدالباسط السائق الخاص بجدها عاصم وأهل بيته. وأخيراً هتف بها عبدالباسط وهو قادم مندفعاً إليها:
"السلام عليكم.. بجالك كتير واصلة يا أستاذة.. معلش حجك عليٌ.. أنا كنت بصلي العصر جلت الجطر هيتأخر شوية."
هتفت فريدة بابتسامة لكل هذه التبريرات:
"ولا يهمك يا عم عبدالباسط.. أنا لسه خارجة حالا من المحطة.. موقفتش كتير ولا حاجة."
هتف عبدالباسط وهو يتناول حقيبتها الوحيدة مندفعاً نحو السيارة:
"طب الحمد لله.. اتفضلي يا أستاذة.. اتفضلي."
صعدت فريدة العربة التي ما أن سارت بضع خطوات إلا وتوقفت فجأة، هاتفا عبدالباسط في ترحاب لأحدهم، شخص ما لم تتبينه فريدة من موضعها:
"كيفك يا باشمهندس.. ما تتفضل نوصلولك فطريجنا."
هتف الرجل الغريب منحنياً نحو عبدالباسط متطلعاً نحو فريدة هاتفا:
"لحسن نضايق الأستاذة يا عبدالباسط!؟"
لم تفهم فريدة بحرف لكنها أدركت أنه رفيق رحلة القطار الذي كان يجلس جوارها. هتف عبدالباسط مؤكداً:
"لاه اتفضل.. حتى نردوا جميلك مع الدكتورة نوارة جبل سابج."
واستدار نحو فريدة متسائلاً:
"ولا يضايجك يا أستاذة!؟"
ابتسمت فريدة مؤكدة:
"لا مفيش أي مضايقة خالص.. ده ليه جميل عندنا.. يبقى لازم نرده.. وحتى لو ملوش.. واضح إنه جار.. والجيران لبعضها.. ولا إيه!!"
أكد عبدالباسط في حماسة:
"معلوم يا أستاذة."
ودفع باب السيارة المجاور لمقعده هاتفا في ترحاب:
"اتفضل يا باشمهندس.. اتفضل.. حصلنا البركة."
صعد الرجل جوار عبدالباسط وساد الصمت لبرهة قبل أن يستدير الرجل قليلاً ماداً كفه نحو فريدة معرفاً نفسه:
"باشمهندس سامر شحاتة."
مدت فريدة كفها في رسمية اكتسبتها من لقاءات العمل التي كانت تقوم بها هاتفة بلهجة ثابتة:
"فريدة الهواري.. اتشرفت بحضرتك."
كانت متعمدة ألا تخبره عن وظيفتها ولا من تكون بالتفصيل، فقد جاءت إلى هنا بغية أن تنسى ولو قليلاً إسكندرية وكل ما كان فيها من أحداث في الفترة السابقة.
ابتسم ابتسامة مغتصبة، وعاد مستقيماً بموضعه من جديد وهو يهمس في تيه:
"الشرف ليا."
ساد الصمت لفترة، وعلى مشارف نجع السليمانية هتف سامر:
"خلاص هنا يا عم عبدالباسط.. كتر خيرك."
أكد عبد الباسط في أريحية:
"وليه يا باشمهندس.. ما نوصلوك لحد البيت الكببر."
أكد سامر في إصرار وهو يندفع خارج العربة:
"ملوش لازمة يا راجل يا طيب.. دول هم خطوتين وأبقى هناك."
وانحنى قليلاً متطلعاً نحو فريدة هاتفا:
"حمد الله بسلامة حضرتك.. ومتشكر جدا ع التوصيلة."
وهتف بالتحية مولياً ظهره، في اتجاه ذاك الطريق الترابي الطويل نسبياً والذي يلوح بنهايته، بيت كبير يبدو أن هذا ما كان يقصده.
اندفع عبدالباسط مستكملاً طريقه نحو نجع الصالح، حتى يعاود الطريق من جديد بعد حوالي الساعتين لأخذ الدكتورة نوارة من مقر عملها هنا.. حيث نجع السليمانية.
هبطت الطائرة وانهوا الإجراءات اللازمة، كان قلبها وجلاً لا يتوقف عن الوجيب لحظة. ها قد تركت موضع عاشت فيه عمراً بأكمله وانتقلت لموضع آخر بلد آخر لا تعرف هل تتكيف على العيش فيه أم لا. وهل البعاد سيكون هو الدواء الشافي والمخلص لذاك الألم الذي كان يعتصر قلبها اعتصاراً عندما كانت السيارة تبتعد عن الحارة متراً استشعرت روحها تزهق بكفين من شوق قادم لا محالة. بل إنه حاضر قبل أن تبتعد خطوات حتى. يقولون إن الشوق للبعيد والغائب.. لا يدركون أن الشوق يمكن أن يكون لشخص أقرب إليك من أنفاسك وحاضر بين حنايا ذاكرتك كأنه ما غاب عن ناظريك لحظة. موشوم على جدار القلب الموجوع بعشقه. وذاك لو تدرون أقسى أنواع العذاب.
جالت بناظريها في كل موضع وشعيل منصرف في إنهاء إجراءاتهم وبجوارها عمتها تشعر بالإرهاق الشديد حتى أنها لم تنبس بحرف واحد منذ وطأت أقدامهم أرض المطار.
ما أن خرجوا من عتبات المطار حتى باغتتها فتاة فالعشرين من عمرها على أقصى تقدير تهتف باسم شعيل في لهفة:
"شعيل.. شعيل."
واندفعت نحوهم مرحبة في فرحة:
"حمد الله بالسلامة.. يا رب موفقين."
هتف شعيل باسمًا:
"الحمد لله.. أهي حُسن جت معانا.. وبإذن الله إقامتها معنا تريحها."
ابتسمت الفتاة في دبلوماسية ومدت كفها لحُسن تلقي التحية:
"شرفتي ونورتي.. نتمنى تعجبك بلادنا.. ما في طبعاً أجمل من مصر أم الدنيا.. بس بإذن الله ترتاحي هنا."
بادلتها حُسن التحية مؤكدة:
"أكيد بإذن الله.. متشكرة قوي يا.. معلش الاسم.. شعيل معرفناش على بعض مظبوط."
ابتسم شعيل مؤكداً:
"فعلاً.. معرفش ليه افترضت إنك تعرفي ربي بنت عمتي.. بس اللي يشفع لي إني حاسك واحدة من العيلة عارفة كل أفرادها فعلاً وبتعامل على هذا الأساس."
شعرت ربى بالاضطراب لهذه الأريحية التي يتعامل بها شعيل مع حُسن وانتبهت على ابتسامة حُسن لها مؤكدة:
"أكيد هانبقى صحاب يا ربي."
ابتسمت ربى بالتبعية مؤكدة:
"أكيد."
هتفت فوزية عمة حُسن في ضيق:
"يالاه بقى يا شعيل.. تعبت والله وعايزة استريح."
هتف شعيل وهم يتوجهون صوب العربة التي كانت بانتظاركم بالفعل:
"يالاه يا فوز.. دقايق ونكون فالبيت."
همس شعيل لحُسن مشيراً لأمه:
"بصي.. راقبي كيف هديت ولانت.. هاد كان اسم الدلال المفضل لأمي.. أبوي رحمه الله هو اللي كان يدللها فوز.. ومهما كانت حزينة أو مهمومة.. بكفي تقولي يا فوز.. تبقى زي ما أنتِ شايفة.. ولا كأن حاجة حصلت."
اتسعت ابتسامة حُسن ما أن وعت لصدق حديث شعيل، فقد تبدلت سحنة عمتها وطلت الابتسامة على وجهها من جديد. لكن هذه الهمسات البريئة ما بينهما لم تفت على ربى التي امتعضت وهي تشعر أنها منبوذة بهذه الجماعة.
وصلوا السيارة ليفسح شعيل المجال لأمه لتصعد جواره إلا أنها رفضت مؤكدة أنها سترتاح بالأريكة الخلفية بشكل أفضل.
هم بالإشارة لحُسن لتصعد جانبه لكن ربى استغلت الموقف وصعدت فلم يفه بحرف وحُسن تصعد جوار عمتها.
ساد الصمت للحظات حتى قطعته ربى وهي تضغط على زر تشغيل الأغاني ليصدح صوت أحد مطربي الخليج المميزين:
"روحي تحبك غصب عني.. تحبك.. والمشكلة حبك بروحي جرحني.. وإذا شكيت تجول.. وإيه ذنبك!! ذنبي هويتك.. يوم حبك.. ذبحني."
دمعت عينى حُسن وقد تصورت لها صورة ذاك الذي ذبحها عشقه من الشريان إلى الشريان ولا علم له بحالها. هربت من محياه لعلها تنسى فإذا كلمات بسيطة لأغنية تجعلها تذكره بكل هذا الوجع الكامن بين ضلوعها. سالت دمعة غافلتها تجري على الخد فأغتالها في سرعة حتى لا يتنبه أحد. لكن شعيل كان هناك يراقب سكناتها وشرودها من خلال مرآة السيارة، ولم يغفل عن إدراك هذه الدمعة العاصية.
أنهت عملها ومرت أمام باب البيت الكبير في طريقها لملاقاة عبدالباسط للعودة لنجع الصالح. خرج رائف من الداخل ليهتف مستوقفاً إياها:
"يا دكتورة."
توقفت واستدارت تواجهه وقد علت الابتسامة شفتيها هاتفة:
"السلام عليكم.. خير يا دكتور.. أجصد يا رائف بيه."
ابتسم بدوره متسائلاً:
"إيه أخبار الرواية!! خلصت!! ولا!"
أكدت نوارة بابتسامة:
"لا خلصت.. مسبتهاش من أيدي إلا لما خلصتها.. وخدت تريجة ما يعلم بها إلا ربنا."
اتسعت ابتسامته متسائلاً:
"ليه كده!!"
قهقهت مجيبة:
"من أختي.. أصلها مسمياني الچزارة.. عمرها ما شافتني بقرأ إلا كتب الطب والتشريح.. فجأة كده نوارة بتجرا.. وإيه حكاية حب!! اتصدمت يا عيني."
قهقه بدوره وهتف متسائلاً في نبرة وترتها:
"كنتِ جافلة على جلبك جوي كده!!"
لم ترد بل إنها وضعت كفها في جوف حقيبتها وأخرجت الرواية تسلمها إليه. وما أن مد كفه لأخذها حتى زن هاتفها مؤكداً وصول عبدالباسط، تركت الرواية بين كفيه وهتفت مستأذنة في عجالة:
"عبدالباسط وصل.. عن إذن حضرتك أنا لازم أمشي."
واندفعت مبتعدة يتابعها بناظريه حتى اختفت. انتفض موضعه عندما تسللت مهرة إلى جواره ملتقطة الرواية من بين كفيه ويبدو أنها كانت تتابع المشهد قبل ظهورها المباغت ذاك، هاتفة في نبرة ساخرة:
"إيه ده!! وكمان رواية قصة حب!! لا ده الموضوع كبر قوي يا رائف بيه."
انتزع رائف الرواية من بين كفيها هاتفا في حنق:
"شيء ميخصكيش على فكرة."
هتفت به في غنج:
"ليه هو أنا مش خطيبتك وليا حق أغير عليك!!"
تطلع رائف نحوها لبرهة قبل أن ينفجر ضاحكاً في سخرية:
"أنتِ صدجتي نفسك يا مهرة ولا إيه!! اللي بينا كاااان.. كان وخلص من زمن.. وعلى ما افتكر يعني.. أنتِ اللي نهتيه.. وأنا معنديش استعداد أعيده."
هتفت مهرة في حنق:
"طبعاً وتعيده ليه ما كفاية عليك الست الدكتورة.. والإشارات والهمسات والروايات اللي رايحة جاية."
هتف رائف في غضب:
"مهرة!! إلزمي حدك.. وخدي بالك من كلامك.. الدكتورة نوارة بنت ناس ومحترمة.. ومش بتاعت الكلام الفارغ اللي بتجوليه ده.. وأنا هجيبهالك من الأخر.. أنا لا يمكن هرچع لواحدة يوم ما احتجت وچودها غابت.. وچاية دلوجت تفرض نفسها على حياتي بعد ما الدنيا بجت تمام.. اللي متكونش فضهري ساعة كسرتي، متستاهلش تبجى مرتي وتعيش معايا فرحتي.. عن إذنك."
تركها رائف وحيدة واندفع لداخل المكتب مغلقاً الباب خلفه في عنف. تطلع للرواية التي كانت ما تزال بين كفيه ليتنهد في راحة وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة غيرت من مزاجه قليلاً ليتجه صوب المكتبة واضعاً الرواية موضعها ويجلس بحجرته الخاصة أمام البيانو ليبدأ العزف تلك المعزوفة التي أخبرته أنها تعشقها.. قصة عشق.
جلست داخل غرفة القراءة. أعجبها الوضع والنظام داخلها. مدت كفها وتناولت إحدى الروايات لتقرأها. ورغم أنها ليست من هواة القراءة لكن الجو العام ساعدها لتبدأ في الرواية التي على ما يبدو من بدايتها أنها ليست مملة. لكن بعد حوالي الصفحتين قفز محياه إلى مخيلتها. لما تتذكره الآن؟ جاءت إلى هنا لتنسى نزار وكل ما يمت له بصلة. استشعرت وجعاً يحاصر ثباتها الداخلي الهش ولم تدرك أنها تبكي إلا عندما هتف بها عاصم في تساؤل:
"بتبكي ليه يا آنسة فريدة!؟ هي الرواية مؤثرة جوي كده!! ده أنتِ حتى مجرتيش فيها إلا صفحتين بس."
مسحت فريدة دموعها في عجالة هاتفة تحاول الظهور بمظهر المسيطرة على مشاعرها:
"لا أبداً يا باشمهندس.. يعني.. شوية حاجات كده.. وإحنا البنات دمعتنا قريبة زي ما أنت عارف."
ابتسم عاصم ساخراً:
"زي ما أنا عارف كيف يعني!! جصدك عشان عندي أخوات بنات وكده!؟ لاه شكلك واخدة فكرة غلط خالص."
اتسعت ابتسامة فريدة ليستطرد مؤكداً:
"أخواتي البنات بالذات نوارة.. عمري ما شفتها بتبكي.. هي كانت بتبكي الكل.. لكن هي دمعتها عزيزة.. حتى سچود رغم إنها غلبانة فنفسها كده.. لكن عمرها ما تبكي جصاد حتى أبداً ولو هتموت."
هتفت فريدة مازحة:
"أنا هفتن عليك واقولهم على فكرة."
أكد عاصم مبتسماً:
"هم عارفين نفسهم.. متتعبيش نفسك."
اتسعت ابتسامتها ليستطرد:
"ومتتعبيش دماغك بالتفكير فاللي جرى.. كل حاجة هتاخد وجتها وتروح لحالها."
غابت ابتسامتها ونكست رأسها قليلاً هاتفة في تساؤل:
"هو جدي عاصم حكالك!؟"
أكد بهزة من رأسه هاتفا:
"چدي زكريا حكاله الموال كله وأنا كنت جاعد وياه وعرفت.. والله لو كان الموضوع ما بين رچالة ما كنت سبت حجك وكنت نزلت لنزار ده ووريته مجامه.. لكن الكلام كله حريم فحريم."
هتفت فريدة متوجسة:
"حريم إزاي يعني!؟"
أكد عاصم:
"عمي حمزة اتأكد أن اللي ورا الموضوع ده مرت نزار، نوع من أنواع الضغط عليه عشان ترفع عليه جضية طلاج للضرر، والظاهر الاتفاجات اللي كانت ما بينهم معچبتهاش عشان كده جالت تاخد حجها بنفسها وتنتجم منك لأن واضح إن نزار جاب سيرتك جصادها كذا مرة وأفتكرت إن فيه بينكم يعني.. وعد بالچواز بعد ما يتم الطلاج."
هتفت فريدة تنفي في حنق:
"لكن كل الكلام ده كذب.. والله ما حصل أبداً.. واللي بيتي وبين نزار كان علاقة رسمية جدا عشان الشغل وشراكته مع بابا."
أكد عاصم:
"كلنا عارفين ده.. بس تجولي إيه فالنفوس المريضة.. ع العموم أنا مش شايف إن أنتِ لازما تبعدي كتير.. خدي وجتك معانا هنا.. وارچعي وحطي صابعك في عين التخين.. أنتِ على حج.. وصاحب الحج لا يخاف ولا يدارى."
هزت فريدة رأسها تؤكد على صحة قوله. بينما كانت سجود ونوارة بالأعلى حيث نافذة حجرتهن التي تطل على حجرة القراءة يتابعن اللقاء الدائر في الأسفل لتهتف نوارة مرحبة:
"شايفة حلوين إزاي مع بعض يا بت يا سچود!! يا ريته يطلبها.. بت زي البدر ومتعلمة وأدب واخلاج.. والله تليق بعاصم."
أكدت سجود متنهدة:
"اه والله.. صدجتي يا نوارة.. شكلهم حلو مع بعض.. لايقين على بعض فعلاً."
كانت زهرة تضع رأسها بين طيات روايتها، وخاصة عند ذكر عاصم، تسمع ما يدور ولا تجرؤ على رفع رأسها نحو بنات عمها وهن يتغزلن في الضيفة.. متمنيات إياها كزوجة له. استطردت سجود هاتفة بنوارة:
"لا وبصي كمان يا نوارة لغة الچسد بتجول إيه!! أخوكِ عاصم مال لجدام.. يعني بيحاول يجرب لها."
تطلعت نوارة مؤكدة:
"ايوه صح.. وايه كمان!!"
هتفت سجود مؤكدة:
"وهي كمان أهي مالت لجدام بجسمها يعني."
هتفت نوارة في فرحة:
"يعني ميالة هي كمان."
أكدت سجود في حماسة:
"صح."
هتفت نوارة مازحة:
"حلوة لغة الچسد دي يا بت يا سچود.. اتعلمتيها فين دي!!.. ابجي جوليلي اتعلمها أنا كمان.. ولا أنتِ إيه رأيك يا زهرة!؟"
هتفت زهرة ترفع رأسها نحو نوارة متسائلة:
"رأيي فإيه يا نوارة!! في لغة الجسد اللي عايزة تتعلميها!! ولا فريدة اللي شايفة أنها لايقة على عاصم ونفسك يطلب أيدها للجواز!!"
هتفت نوارة في خبث:
"إيه ده!؟ ده أنتِ الظاهر كنتِ مركزة معانا مش مع الرواية!؟"
اضطربت زهرة التي لم تستطع أن تداري حنقها من مجرد فكرة ارتباطه بأخرى ما دفعها لتخرج عن برودها جراء استفزاز نوارة لها.
نهضت تاركة الرواية من كفها منسحبة من الغرفة، لتنفجر نوارة ضاحكة ما أن غابت لتهتف بها سجود في نبرة لائمة:
"ليه كده يا نوارة!! شكلها اضايجت."
أكدت نوارة لأختها:
"اسكتي يا سچود.. أنتِ مش فاهمة حاجة.. خليها تدوق."
تطلعت سجود إليها في تعجب ولم تعقب.
كان يتطلع إلى البعيد مستنداً لظهر إحدى السيارات في انتظار خروج أحد الأصدقاء من هذا المبنى الأكاديمي الذي يقبع أمامه منذ بعض الوقت يطالع الغادي والأيب لقتل ملل الانتظار لا فضولاً، يترنم بأغنية فرنسية قديمة عن النساء وقلوب الرجال التي تتحطم بأيديهن وهن يدعين الجهل بذلك.
وقعت عيناه عليها وهي تسير على استحياء كعادة فتيات العرب المتمسكات بزيّهن المحتشم وغطاء رؤوسهن. رأى الكثير مثلها فالسابق، ففرنسا تعج بالوافدين إليها من أصول عربية كجدته لأمه وأبيه. فلم يكن هذا بجديد عليه. ظهر مجموعة من الشباب بطريق القناة وبدأوا في إزعاجها. لم يكن يستوضح من موضعه ماذا يقولون، لكن يكفيه أن يدرك أن هذا الفعل يثير ضيقها وعلى العكس يثير استمتاعهم والذي يدل عليه ضحكاتهم الرنانة الصاخبة.
لا ينكر أنه استشعر الضيق لأفعال هؤلاء الشباب، لكنه غض الطرف عنهم مدركاً أن هذا يحدث دوماً. وما من جديد. سترحل الفتاة ويكف الفتية. اعتادت الفتيات على تحمل مثل هذه الأفعال المشينة كأنهن السبب في حدوثها من الأساس. واعتاد مثل هؤلاء الفتية التعدي بلا رادع.
لكن ما حدث آثار تعجبه وجعله يعتدل في مجلسه متطلعاً لما يحدث في إعجاب وهو يرى الفتاة تجذب حقيبتها من على كتفها مطوحة بها في الهواء لتصطدم برأس ذاك الفتى الأحمق الذي تجرأ وفكر في مد كفه نحو جسدها. سقط الشاب أرضاً وعلى عكس المتوقع ضحك عليه أقرانه. ما دفع الشاب لينهض سريعاً راغباً في نيل ثأره بلا حق من تلك التي جعلته مثاراً للسخرية. هم بالتجرؤ عليها من جديد وكان سلاح الحقيبة حاضراً هذه المرة أيضاً. لكنه ببعض الخبرة أدرك أن الفتى قد احتاط ولن يجد نفعاً هذه المرة استخدام حقيبتها. وهذا ما حدث بالفعل. فقد قبض الفتى على حقيبتها ما أن طوحت بها متفادياً أن تصل لرأسه. وما أن هم بجذب الحقيبة ليلقي بها أرضاً حتى تلحق بها صاحبتها.. إلا وقد قرر هو التدخل. ممسكاً بالحقيقة بين الخصمين هاتفا بالشاب:
"سيب الشنطة بأدب وأمشي من سكات.. كفاية لحد كده."
هتف الشاب باستخفاف:
"وإن مسبتهاش هتعمل لي إيه يا توتو!؟"
ضحك الشباب لاستهزاء صديقهم على محياه المنمق ومظهره الذي لا يوحي مطلقاً بأنه قادر على العراك مع بعوضة.
كان يبدو أجنبياً لحد كبير بهذا الشعر الكستنائي المقصوص بحرفية وعيونه الزيتونية. لكنته التي على الرغم من إجادته للعامية المصرية بعد أربع سنوات قضاها بمصر ما زالت تحمل بعضاً من غرابة عندما يثور غضبه.
لم ينبس الشاب المنقذ بكلمة بل مد كفه بحرفية وسرعة مطبقاً على ذراع الشاب هاتفا به في لهجة آمرة:
"سيب الشنطة."
تركها الشاب مستسلماً عندما استشعر وجعاً قاسياً يستشري بكامل ذراعه.
هتف بها في عجالة أمراً من جديد:
"خدي شنطتك وأمشي."
تطلعت إليه في اضطراب. ليهتف صارخاً رغبة في ترك الفتى الذي أصبح يئن وجعاً تحت قسوة ضغطه على ذراعه بهذه الطريقة الاحترافية التي تعلمها من دروس الدفاع عن النفس التي تلقاها يوماً:
"يالاه.. اسرعي."
نطق الكلمة الأخيرة بفرنسية متقنة جعلت سجود تتطلع إليه في تعجب معتقدة أنها ربما أخطأت في إدراك الكلمة. لكنها تنبهت أنها لم تخطئ فقد نطقها من جديد ما جعلها تحمل الحقيبة التي كانت قد سقطت من يد الفتى بالفعل مندفعة لتبتعد عن موضع العراك.
ولم يصل لمسامعها وهي تقفز لداخل سيارة الأجرة التي مرت اللحظة لحسن الحظ إلا صوت شخص خرج من مبنى قريب يهتف باسمه في ذعر:
"چوزيف.. چوزيف."
كرر المنادي الاسم مرتين في هلع. دون أن تدرك ما حدث وهي ترحل بالسيارة على عجالة وناظرها مثبت على ذاك الشخص الذي ظهر لها من العدم. كما فرسان العصور الوسطى في رواياتها التي تطالعها وتعايش أبطالها ليل نهار بأحلام يقظتها التي لا تنتهي.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رضوى جاويش
دخل سيد إلى حجرته لتنفض ثريا محاولة مداراة دموعها المنسابة قهراً على ولدها وحاله. تنبه سيد متوجهاً نحوها متسائلاً في قلق:
"إيه يا ثريا؟ مروان كويس؟"
هم بالاندفاع نحو غرفة مروان، إلا أنها استوقفته هاتفة في استجداء:
"سيبه في حاله، اللي فيه مكفيه يا سيد."
هتف بعد أن عاود الجلوس جوارها:
"هو فيه إيه بجد؟ حصل حاجة وأنا معرفش؟"
هتفت ثريا تومئ برأسها إيجاباً:
"عملت حاجة من نفسي، محسبتهاش صح ولا غلط يا سيد، أنا قُلت أجرب، يمكن..."
قاطعها سيد متسائلاً:
"عملتي إيه يا ثريا؟ بلاش ألغاز، أنا بدأت أقلق بجد."
هتفت بلا مداراة:
"رحت للحاجة وجيدة من بيت أبو منصور... عشان..."
قاطعها سيد متسائلاً:
"وإيه اللي بينا وبينهم الناس دي تاني، عشان تروحي لهم أو تتعاملي معاهم؟"
نكست ثريا رأسها أرضاً، هامسة وهي تشعر بأنها ارتكبت خطأ بعدم إخبارها سيد بما كانت تنوي القيام به:
"ما هو أصل البنت اللي مروان بيحبها، تبقى حفيدتها."
تنهد سيد مسنداً جبينه على باطن كفه لبرهة، قبل أن يتطلع نحوها متعاطفاً على عكس ما كانت تتوقع، فقد كانت بانتظار لومه وتقريعه، وهتف بنبرة مرهقة:
"كده أنا فهمت، وروحتِ عشان تدوبي التلج اللي ما بينا، لعل وعسى."
أومأت ثريا إيجاباً، وشهقت باكية من جديد. ضمها لصدره، رابتاً على كتفها في حنو، هامساً بنبرة حانية:
"هي ضايقتك قوي كده؟"
همست ثريا من بين شهقات بكائها:
"مش المشكلة فيا يا سيد، المشكلة إني معرفش مروان عرف منين إني هناك، ولقيته طابب عليا وسمع كلامها الماسخ عن عجزه، وإنه مش الشخص اللي يليق ببنت بتها. أنا واجعاني وجعه وكسرة نفسه."
ربت سيد على كتفها من جديد، هاتفا في حزم:
"محصلش حاجة يا ثريا، لعله خير، بس هو ليه قافل على نفسه؟"
أكدت ثريا:
"ما ده اللي مخوفني، شكله حاطط في راسه حاجة وهينفذها، وربنا يسترها."
أكد سيد:
"متقلقيش، مروان عاقل، وهيقدر ياخد القرار اللي يناسبه، ولعله خير، محدش عارف، يمكن تكون أخرتها خير."
همست ثريا مبتهلة:
"يا رب يا سيد. يا رب تكون أخرتها خير فعلاً."
ساد صمت لبرهة، قبل أن يتسلل صوت موسيقى هادئة قادمة من حجرة مروان. تطلع سيد نحو ثريا هامساً:
"رجع للموسيقى الكلاسيكية تاني. تلاقيه بيرسم."
هزت ثريا رأسها إيجاباً، ووجيب قلبها يرتفع إشفاقاً على حال ولدها الوحيد.
***
تنحنحت سماحة وهي تحمل صينية الفطور للدور العلوي، حيث نقل يونس سكناه وترك لها ولأهلها الدور السفلي، لتهنأ بعيشة مريحة بعيداً عن غرفة الحديقة الضيقة والمعتمة.
هتف يونس بالداخل، وهو يتمدد بإحدى الأرائك بالردهة، أمراً إياها بالدخول:
"تعالى يا سماحة أدخل، أني فوجت."
دفعت سماحة الباب الموارب لينفرج على مصراعيه، لتدخل حاملة الصينية واضعة إياها على الطاولة بالقرب من موضع رقاده، هاتفة في اضطراب:
"الفطور يا بيه، بألف هنا."
همت بالرحيل، إلا أن يونس استوقفها أمراً:
"على فين؟ كنك نسيت، أني مبعرفش آكل لحالي، اجعد شُق ريجك معايا."
همت بالاعتراض، كانت تحاول على قدر طاقتها، أن تقلل من فرص تواجدهما سوياً، فما عادت تستطيع احتمال تلك المشاعر المتضاربة التي يثيرها داخلها، لكنه هتف أمراً من جديد:
"ما تجعد، هو أني هتحايل عليك؟"
جلست دون أن تنبس بحرف، ونهض هو ليجلس قبالتها، وبدأ في تناول الطعام بشهية كبيرة، وهتف متعجباً:
"مش خالة سعيدة اللي عاملة الأكل ده، صح؟"
توقفت يدها عن رفع لقمة لفمها، فقد شعرت بغصة ما بحلقها. بالفعل لم تكن أمها من صنع طعام الإفطار له، بل كانت هي. لا تعرف ما الذي دفعها لصنعه بيدها، ربما رغبتها في أن يتذوق طعام من صنع يدها، فكل امرأة تتمنى أن تطعم حبيبها طعاماً مطهواً بنكهة الحب. عند هذا الخاطر، بدأت معدتها تتلبك حرفياً، ما دفعها لترك اللقمة التي كانت بيدها بالفعل، هاتفة في ثبات، تحاول ادعائه:
"معلش يا بيه، أني اللي عملت الفطور النهاردة، أمي صحيت تعبانة شوية وجلت أعمله بيدي."
كان يونس قد قضى على الطعام الموضوع أمامه عن بكرة أبيه، هاتفا في تلذذ:
"تسلم يدك يا سماحة، محدش يعمل لي الفطور إلا أنت كل يوم."
ونهض في اتجاه الحمام، لتتسع ابتسامتها في سعادة ما كانت تتخيل أنها ستشعر بها يوماً من مجرد كلمات. هتفت به سماحة، تحاول مداراة فرحتها:
"طب أني نازلة يا بيه أجيب الشاي، جبل ما نتوكلوا على الله."
خرج يونس من الحمام حاملاً منشفته، متطلعاً نحو سماحة في تعجب:
"نتوكلوا على الله على فين؟"
هتفت سماحة بدهشة:
"على الأرض يا بيه! هو أنت مش رايح تطل ع الأرض برضك؟"
هتف يونس وهو يضع المنشفة جانباً:
"لاه، أنت مليكش نزول الأرض تاني."
هتفت سماحة في اضطراب:
"ليه يا بيه؟ جرى حاجة لا سمح الله؟"
أكد يونس في هدوء:
"لاه، مَجرى... بس بكفاياك حراسة البيت، الأرض جبت لها عمال يساعدوا فيها."
همت سماحة بالاعتراض، إلا أن يونس هتف متعجباً:
"الشاي فين يا سماحة؟ خلونا نشوفوا مصالحنا. هات لي الشاي تحت فالجنينة."
أومأت سماحة برأسها إيجاباً مندفعة للأسفل لجلب الشاي، لتجد أمها قد نهضت تحضر احتياجات الغذاء. فهتفت بها سماحة وهي تحمل أكواب الشاي ليونس بالحديقة الأمامية حيث أمرها:
"متتعبيش نفسك ياما، أني اللي هطبخ النهاردة، البيه مش هينزلني الأرض تاني، روحي ارتاحي."
همست سعيدة داعية:
"ربنا يريح جلبه وباله."
لتبتسم سماحة، فطعامه منذ اليوم، سيكون من صنع يدها، وبنكهة حبها.
***
دخل الورشة على قسمات وجهه علامات الحنق، كأنما أخرجه أحدهم من فراشه قسراً. ألقى التحية في اعتيادية باردة، وهتف بالصبي الذي يعمل معهم في عصبية لا مبررة:
"روح هات لي كباية شاي من القهوة، ولا أقولك، خليها فنجان قهوة دبل، بس بسرعة متتلكعش."
هتف راضي به في تعجب، بعد أن اندفع الصبي مهرولاً لتنفيذ طلبه، وتجنب بركان عصبيته، الذي بدأ في نفث حممه بالفعل:
"إيه في يا نادر؟ نازل من فوق متخلج على الناس، وبتشاكل دبان وشك؟ حصل حاجة لا سمح الله؟"
هتف نادر في ضيق:
"لا مفيش يا راضي، أنا بس اللي مش عارف مالي، مخنوق ومش على بعضي، وحاسس."
وتنهد مستطرداً:
"أنا مش عارف أنا حاسس بإيه، جوايا حاجات لا عارف أفسرها ولا عارف أحكيها، ولا عارف إيه اللي فيا من أساسه، كأني..."
قطع حديثه متنهداً من جديد، فما عاد لديه من الكلمات ما يمكنه من توضيح أو شرح حالته تلك، لذا لزم الصمت، وابتلع أوجاعه اللا مبررة، واتكأ على باب الورشة وشرد فاللاشيء. تطلع إليه راضي يهز رأسه في تعاطف، كان يعلم علة صديقه، كان يمكنه أن يشخص مرضه بسهولة، تقريباً هي بعض الأعراض التي رآها تتجسد أمامه في حالة يونس أخيه. تعددت الأعراض والداء واحد، إنه العشق. منذ رحلت حُسن مع عمتها، وهو على هذه الحالة العجيبة، محموم بلا حمى، موجوع بلا وجع ظاهري، مريض بلا داء أو علة. لكن كيف السبيل إلى تطييبه، ولا شفاء إلا بوصل محبوبه!
عاود راضي العمل، متحسراً على حال صديقه الجاهل بحاله، أو ربما منكر له. لم يكن هروبه من العشق بلا سبب، هذه الحالة العصبية التي يرى عليها نادر ومن قبله يونس، تجعله يحمل ذيل جلباب القلب ويولي هارباً بلا نظرة واحدة للخلف. رأى نعمة تخرج من باب دارهم، تحمل الحقيبة الشبكية التي تحضر بها احتياجات السوق. لعن في صمت وجيب قلبه الذي ارتفع لمرآها فقط، ما دفعه ليلقي بما كان يعمل به، وتنبه أن حاله لا يختلف كثيراً عن حال نادر. عاد الصبي على مهل، حاملاً فنجان القهوة، ما دفع نادر ليهتف به حانقاً:
"أتأخرت ليه! كل ده عشان فنجان قهوة؟"
هتف الصبي مبرراً بنبرة متلجلجة:
"معلش يا باشمهندس، كنت ماشي بالراحة عشان مضيعش وش القهوة."
تناول نادر منه قهوته، وأشار إليه ليعود ليكمل عمله، بينما ظل هو على حاله، متطلعاً نحو المجهول، وعيونه على شباك دار حُسن المعتمة بغيابها. ارتشف بعضاً من قهوته، وبقلبه غصة عندما تهادى إلى مسامعه صوت عبدالحليم من مذياع المقهى صادحاً:
"فرحان عايز أضحك، مهموم عايز أبكي.. لا دموعي طايلها، ولا قادر حتى أشكي.."
***
دخل إلى الدار ليتناهى لمسامعه أصوات قادمة من حجرة الضيوف. طل بناظره لتقع عيناه على بن عمه أو بالأحرى بن عم أبيه يوسف حسام. أو بالأدق.. الدكتور يوسف حسام نبيل التهامي.
هتف سمير مازحاً ما دلف للحجرة:
"بونجور مسيو.. بونجور.. بونجور."
قهقه يوسف وهو ينهض ليضمه مرحباً:
"أهلاً يا أستاذ سمير.. اتحسنا خالص فالفرنش أهو."
هتفت سهام ضاحكة:
"وهو عشان جالك بونجور يبقى اتحسن؟"
قهقه الجميع وسمير يرمقها شزراً هاتفا في حنق مصطنع:
"إيش فهمك أنتِ؟.. دي سُجود بت خالي مهران بتديني دروس عشان منتفضحوش جدام الخواجات."
تعالت ضحكات الجميع ليهتف باسل هاتفا في لوم:
"خواجات مين يا واد؟.. ده واد عمك.. يعني مننا وعلينا."
هتف يوسف في تأدب:
"ربنا يعزك يا عمي، هو سمير كده.. دايماً قالبها هزار. بس مين سُجود؟"
همت سهام بالإجابة، لكن سندس قاطعتهم هاتفة، وهي تدلف للحجرة:
"انتوا الكلام هياخدكم ولا إيه؟ الغدا هيبرد ع السفرة. قوموا نتغدا ونتكلم واحنا قاعدين ع الأكل."
هتف يوسف محتجا:
"بس أنا لازم أمشي الصراحة.. المشوار قدامي طويل."
تطلع إليه باسل متعجباً، وهتف مازحاً:
"يعني أنا كنت لسه بقول مننا وعلينا واتريجت ع الواد أبو طويلة ده.. وأشار لسمير مستطرداً.. عشان تاجي أنت تجولي هتتأخر وإحنا حاطين الغدا!!.. طب ياللاه جوم يا خواجة اتغدا، ومنتش خارچ من هنا إلا بعد الغدا والشاي والحلو كمان."
اتسعت ابتسامة يوسف ونهض دون أن يعقب بكلمة فقد أدرك من المرات النادرة، التي زار فيها بيت عمه، خلال السنوات التي قضاها في مصر، أن تلك التقاليد لديهم تُحترم حد القداسة.. ولا يجب مخالفتها مهما حدث. لذا نهض يجلس على طاولة الطعام العامرة.. يستشعر دفء الأسرة المفتقدة التي تركها خلفه بفرنسا.
جلس الجميع على المائدة، لتطل سهام وهي تسند جدتها لتنضم إليهم، والتي ما أن جلست ووقعت عيناها على يوسف، حتى هتفت في تعجب:
"مين الواد الحليوة ده، اللي شبه الواد التركي اللي كان فالمسلسل امبارح يا بت يا سهام؟"
انفجر الجميع ضاحكين.. حتى أن يوسف نفسه، غص ببعض الطعام، واختلط سعاله بضحكاته.
ليهتف سمير مازحاً كعادته:
"ما هو الواد التركي يا ستي.. جبناهولك مخصوص.. هو إحنا عندنا أغلى منك برضك."
قهقه الجميع من جديد، ليهتف باسل مؤكداً:
"ده يوسف يا حاجة سهام.. يوسف واد بن عمي حسام."
ظهر الحزن على محيا سهام هاتفة:
"حسام أبوك.. الله يرحمه."
هتف باسل مؤكداً:
"لاه.. مش أبويا.. حسام واد عمي نبيل الله يرحمه."
هتفت سهام في حزن من جديد:
"أيوه نبيل.. الله يرحمه."
لكز سمير ذراع يوسف الذي كان يجاوره، وهو يمسك ضحكاته، هامساً:
"دلوقتي تجيب لك سيرة مراحيم العيلة كلهم.. نفر نفر.. ونجلب الجعدة صوان.. وتختم بجراية الفاتحة عليهم واحد واحد."
أمسك يوسف ضحكاته بدوره، محاولاً وأدها.. بينما أخذ يحاوره عمه باسل في تصريف عمله وإدارة شؤونه.. متسائلاً متى سيتم نقله للعمل بالصعيد، ليكون معهم دوماً، أو حتى على مقربة، وخاصة مع اقتراب موعد زواج سمير وسهام.
***
كانت فريدة تجلس بغرفة القراءة، في انتظار نوارة التي وعدتها باصطحابها معها إلى نجع السليمانية، حيث مقر عملها، كنوع من أنواع تغيير الجو والخروج من نجع الصالح ولو قليلاً.
تنبهت فريدة لخطوات قادمة معتقدة أنها نوارة، فاعتدلت فإذا بالقادم زهرة وليست نوارة، التي دخلت في هدوء ملقية التحية، وتناولت إحدى الروايات، وبدأت في قراءتها أو ادعاء القراءة. ولم يمر إلا بضع دقائق، حتى رفعت رأسها متطلعة لفريدة التي اندمجت في الرواية التي كانت تطالعها، فهتفت بها:
"عاجباكي الرواية اللي بتقريها؟"
أكدت فريدة وهي ترفع رأسها من بين الصفحات مؤكدة:
"جداً، الصراحة مكنش ليا فالقراية، كان أخري قراءة المراجع الخاصة بشغلي وبس، بس شكلي هغير رأيي وهعمل لي مكتبة زي دي أول ما أرجع إسكندرية، والفضل لعاصم."
تنبهت زهرة أنها رفعت التكليف وذكرته باسمه مجرداً دون ألقاب، مستطردة:
"عاصم هو اللي اختار لي الرواية دي، وبجد اختياراته مميزة جداً، واضح إنه قارئ ممتاز ومثقف على درجة كبيرة."
هتفت زهرة مؤكدة بكلمات مقتضبة:
"صح."
خطوات اقتربت، فنهضت فريدة معتقدة من جديد أنها نوارة، لكن كان عاصم القادم الذي هتف بالتحية، وأشار لفريدة هاتفا:
"يا فريدة، عايزك ثانية."
تنبهت زهرة، فيبدو أن فريدة ليست الوحيدة التي رفعت التكليف بينهما، فها هو يناديها باسمها مجرداً دون ألقاب.
تركت فريدة روايتها جانباً، واتجهت نحو موضع وقوف عاصم، على بعد بسيط من حجرة القراءة، ووقفت تتحدث معه، يبدو أن موضوعاً ما يجمعهما. تابعت زهرة كل ذلك وعيناها لم تحد عن موضع وقفهما، كانت تشتعل غضباً وحنقا، كانت تعلم لماذا، وكانت أدرى الناس بمشاعر الغيرة التي تذيب أعصابها كحمض حارق، لكن عليها الثبات. لم تكن تعلم أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة التي تختبرها اللحظة. كيف ستحتمل كل ما هو قادم لا محالة! لا تعلم.. وليس لديها أدنى فكرة بأية طريقة تتغلب بها على هذا الوجع القاهر الذي يسربل روحها وهي تراه يقف وحيداً مع غيرها، يتبادل حديثاً أي كان نوعه دونها، ويبدو مهتماً جداً لأمرأة سواها.
لم تدرك فداحة ما قامت به، إلا عندما ألقت بروايتها على الطاولة في عنف، ما دفع كل من عاصم وفريدة إلى التطلع نحوها. شعرت بالحرج فاندفعت مبتعدة، وعاصم على شفتيه ابتسامة رضا. تعجبت منها فريدة التي هتفت في حرج:
"هي زعلانة ولا إيه؟"
هتف عاصم في حبور:
"متخديش في بالك، أنا بس حبيت أقولك أخر الأخبار، طبعاً جدك أو عمي حمزة، عمرهم ما هيبلغوكِ بالأخبار دي، وأنا بعرفها عن طريقي جدّي عاصم، فياريت تبيني إنك مش عارفة حاجة، بس أنا حبيت أطمنك إن الرجالة اللي حاولوا يخطفوكي اتجبض عليهم، طبعاً محدش فيهم اعترف بكلمة، واضح إنهم قابضين تمام من مرات نزار، بس عمي حمزة عرف يوصل لهم، واتأكد من تحرياته اللي عملها قبل كده، وواضح إن هيكون له كلام مع الأستاذ نزار ده، لأن مينفعش تكوني أداة لتصفية حسابات بينه وبين مرته، ده حتى مجاش يعتذر أو يقول أي حاجة."
هزت فريدة رأسها تأكيداً على كلام عاصم، هاتفة في حسرة:
"للأسف فعلاً، مفكرش لا فسمعتي ولا سمعة أهلي بعد عمايل مراته دي."
هم عاصم بالحديث من جديد، إلا أن وصول نوارة وعلى شفتيها ابتسامة واسعة، مستدعية فريدة:
"يالاه بينا يا فريدة، عبدالباسط ظبط العربية."
استأذنت فريدة من عاصم في تأدب، بينما غمزت نوارة لعاصم بعيونها، فعلى ما يبدو أن نزول عاصم للحديث مع فريدة في هذا التوقيت بالذات، مع وجود زهرة بحجرة القراءة، كان تكتيك آخر من نوارة، التي كانت تتأخر متعمدة حتى تعطي لهم الفرصة لحبك المشهد كلياً، والذي تأكدت أنه نجح بامتياز عندما وجدت زهرة تزفر في ضيق وهي تدخل عليهن هي وسجود الغرفة، مغلقة الباب خلفها في عنف، لتتأكد نوارة أن الأمر تم بنجاح، لتنزل لاصطحاب فريدة، فقد قامت بدورها والذي لا تعلم عنه شيئاً بكل تلقائية، وعلى أكمل وجه.
اتسعت ابتسامة عاصم في سعادة طاغية، فهي المرة الأولى تماماً، التي يستشعر فيها غيرة زهرة، وهذا يعني أنها تحمل بعض المشاعر داخلها لأجله، وهذا يكفيه وزيادة.
***
هدوء مريب في هذا المكان المقفر بإحدى المناطق الصحراوية، صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت محركات بعض السيارات التي ظهرت من اتجاهين متعاكسين. توقفت السيارتان قبالة بعضهما، وظل راكبيها داخلها لبرهة قبل أن يترجل منهما بعض الرجال. وقف أحدهما ولم ينبس بحرف، وكذا الرجل الذي كان يقف قبالته، فقد كانت كل مهمتهما تبادل بعض الحقائب بآلية، وخلفهم العديد من رجال الحماية المسلحين من كلا الطرفين.
ما أن تسلم كل منهما حقيبته.. حتى أضيئت أنوار ما فجأة وسطعت أصوات تؤكد على المجموعتين تسليم أنفسهم للشرطة التي كانت تحاوط المكان.
لكن ضرب النار المتبادل بدأ بين الطرفين.
اندفع منتصر من خلف ستاره الرملي وتبعه وحيد وكلاهما في تشابك مع أفراد العصابة وتبادل النيران على أوجه.
تصاعد الأمر.. ولم يكتف رجال العصابة بتبادل النيران العادي.. لكن بدأ أحدهم في إلقاء قنبلة حارقة في اتجاه القوة الشرطية المنوطة بالقبض عليهم.
صرخ أحد القادة بجهاز اللاسلكي أمراً بالتراجع.
لكن المعركة حامية.. والدخان يغلف الأجواء ويشوش الرؤية.. وطلقات النيران المتبادلة كالمطر، تصم الآذان عما عداها.
مرت إحدى الرصاصات بالقرب من أذن منتصر، كادت أن تستقر بجمجمته، ما دفعه لإطلاق المزيد من الطلقات المتتابعة في حنق، لكن للأسف، استقرت هذه الرصاصة في جسد وحيد، الذي سقط مترنحاً للحظة، قبل أن يتمدد أرضاً مدرجاً في دمائه، رافعاً رأسه في توسل، هاتفا:
"ألحقني يا منتصر."
ما جعل منتصر، يقف متردداً ما بين إطلاق النيران، أو إنقاذ وحيد. استقر قراره أخيراً، مندفعاً نحو وحيد وهو يمطر الطرف الآخر بالرصاص بشكل عشوائي، حاملاً وحيد حتى وضعه في أمان خلف تبة مرتفعة نسبياً. وما أن هم بتركه، حتى تشبث به وحيد هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع:
"متسبنيش يا منتصر."
هتف به منتصر في عجالة، رابتاً على كتفه:
"متقلقش هتبقى بخير."
واندفع تاركاً إياه، يصرخ مقهوراً في ثورة على ما وقع لصديقه، مقتحماً بلا أي احتياطات لقلب النيران.. موتورا.
***
ترجلتا من السيارة، زاد وجيب قلب نوارة تتمنى أن لا يظهر رائف اليوم، لكن دعوتها لم تستجب، فها قد ظهر قادماً على صهوة الأدهم متبختراً. وترجل ما أن وصل لموضعهما هاتفا في ترحيب:
"السلام عليكم، واضح أن معاكي ضيفة يا دكتورة نوارة."
هتفت نوارة، وهي تبتلع اضطرابها:
"وعليكم السلام يا دكتور، أقصد يا رائف بيه.. آه دي فريدة بنت عمي.. وعندنا في إجازة فقلت تيجي معايا و.."
قاطعهما صوت صهيل، ومحاولة فارس ما السيطرة على فرسه الجامحة، الذي وبفضل الله استطاع ذلك، ما أن وصل لموضع وقوفهم، ليهتف به رائف ساخراً:
"إيه يا سامر! مفيش مرة تركب الفرس إلا وتعمل مصيبة!"
هتف سامر في حنق، مسيطراً على فرسه في صعوبة:
"أيوه طبعاً لك حق تقول كده، واخد الأدهم، وسايب لي الفرسة اللي مش ولابد دي."
وكأن الفرس أيقن أنه يتحدث عنه بالسوء، فغضب، وبدأ في الثورة من جديد، ما دفعهم جميعاً لينفجروا ضاحكين، وسامر يحاول التأسف من الفرس، مستأذناً في الترجل عنها متنفساً الصعداء.
هتف رائف مازحاً:
"شفت يا سامر، حتى الخيل مش طايجاك، والله أنا ليا الجنة."
تطلع سامر، نحوه حانقاً:
"ده أنا نسمة، بس خيلك هو اللي مجنون زي صحابه."
قهقه رائف في أريحية تعجبت لها نوارة، وهتف والابتسامة ما تزال على شفتيه:
"طب تعالى أعرفك، طبعاً الدكتورة نوارة عارفها، والآنسة.."
قاطعه سامر هاتفا:
"الآنسة فريدة."
ابتسمت فريدة هاتفة:
"إزيك يا باشمهندس سامر!"
تطلع كل من نوارة ورائف نحوهما في تعجب، لتهتف نوارة متعجبة:
"انتِ تعرفي الباشمهندس إزاي يا فريدة؟"
هتفت فريدة شارحة:
"الباشمهندس كان قاعد جنبي في القطر وأنا جاية على هنا، وكان نايم طول الطريق ومعرفتهوش إلا.."
هتف سامر مقاطعاً إياها مازحاً:
"إيه نايم طول الطريق دي! أوعى أكون شخرت والفضايح بقت بجلاجل."
قهقه الجميع، وهزت فريدة رأسها نافية، ليستطرد سامر:
"الآنسة فريدة وصلتني بعربيتكم لحد هنا، الصدفة جمعتنا مع بعض في القطر اللي جاي ع الصعيد، وعم عبدالباسط الله يستره عزمني عليا بتوصيلة لهنا، قال إيه بيرد الجميل، يوم ما وصلتك على هنا أول يوم شغل، فاكرة يا دكتورة!"
ابتسمت نوارة مؤكدة بإيماءة من رأسها، وسقط ناظرها لا إرادياً على رائف الذي وجدته يتطلع إليها بدوره، ما جعلها تحيد بنظراتها سريعاً عن محياه، والذي هتف مبتسماً:
"شرفتينا يا آنسة فريدة، ويا رب السليمانية تعجبك."
أكد سامر في مزاح:
"أكيد هتعجبها، وخاصة إني طول ما الدكتورة نوارة في شغلها، هكون التور جايد، أقصد المرشد السياحي يعني، وعرفها على النجع حتة حتة."
هتف رائف مازحاً:
"ربنا يستر. بصي يا آنسة فريدة، معاكِ الموبيل بتاعك، وأي مصيبة، اتصلي بالدكتورة نوارة، هتلاقينا عندك."
زم سامر ما بين حاجبيه حانقاً، ما دفع الجميع ليقهقهوا على ملامح وجهه التي انقلبت سحنتها.
أشار رائف لنوارة هاتفا:
"راجعة معايا ع الاستراحة يا دكتورة؟"
أومأت برأسها إيجاباً، لتسير جواره في هدوء ظاهري كعادتها، تاركة فريدة بصحبة سامر الذي يبدو أنه من كانت فريدة بحاجة لصحبته فعلاً، ليخرجها ولو قليلاً من حالة الحزن والشرود التي كانت تسيطر عليها منذ قدمت لنجع الصالح، ولا علم لأحد بأسبابها.
***
كان ذاك المتجر العاشر على أقل تقدير، الذي ارتاداه بذاك المول الضخم. تنهدت حُسن في إرهاق:
"مش كفاية كده يا ربي! أنا تعبت من اللف، أنتِ تعبتيش؟"
هتفت ربى في دهشة:
"حد يتعب من الشوبنج، هاد علاااج."
ابتسمت حُسن هاتفة:
"بس أنا مش عيانة، كفايانا كده النهاردة."
هتفت ربى بطفولية تستجديها:
"متجر واحد وبنكفي، متجري المفضل هناك بالزاوية، تعالي."
لم تسمع حُسن باقي نداء ربى، فلقد تسمرت موضعها ما أن سمعت امرأة ما تنادي باسمه:
"يا نادر."
لا تعلم هل كانت تنادي على ابنها أو ربما زوجها، لكن نداء أحدهم باسمه جعل قلبها ينتفض بموضعه، كأنما كان غارقاً في سبات عميق، وصب عليه أحدهم دلو من ماء مثلج موقظه من سباته.
تنبهت ربى لحالتها العجيبة تلك، وتيهها الغريب، لتهمس بها في قلق:
"أنتِ بخير يا حُسن؟"
استفاقت حُسن من شرودها، تحاول أن تبدو أكثر ثباتاً، هاتفة وعلى وجهها ابتسامة شاحبة:
"آه، أنا تمام.. بس ممكن نقعد؟"
أكدت ربى في تعاطف:
"طبعاً، والله أنا السبب، أرهقتك كتير، بعتذر منك."
هتفت حُسن تطمئنها:
"لا أبداً، أنا اللي حابة أستريح شوية قبل ما نرجع نلف تاني."
هتفت ربى في لهفة:
"لا، خلاص، كفينا اليوم، نبقى نرجع في يوم تاني."
أكدت حُسن:
"لا، تعالي بس نقعد شوية، وأنا بعدها هبقى تمام."
أشارت لها ربى لمقهى بالدور السفلي، ذهبت لتجلس على إحدى طاولاته، بينما ربى اندفعت لتحضر بعض العصائر الطازجة.
جالت حُسن بناظريها في المكان الفخم، وكل تلك الأكياس القيمة التي تركتها ربى بحوزتها حتى تحضر المشروبات، حياة مرفهة مختلفة تماماً عن حياة الشقاء والضيق التي كانت تعيشها في الحارة. ورغم ذلك تشعر بالشوق إلى الحارة وإلى وجود أبيها جانبها، تفتقد كل ما كان بمصر من ذكريات حتى ولو مؤلمة، فهي نفسها التي لن تستطيع يوماً تجاهلها، أو التبرؤ منها. شعرت بغصة ما، زادت من ضيقها، وتكاثرت عليها الذكريات، ليشاركها ذاك المطرب الذي قرروا التآمر عليها، وفتح أغنيته بصوت مجسم، شادياً وصوته يتردد بين جنبات المول:
"أنا كل ما نويت أنسى.. لك الذكرى ترجعني.. وترى للحين أنا أحبك.. وأشوفك بين حين وحين.. فراقك آه يا فراقك.. كسر قلبي وعذبني.. وأنا نذرٍ علي أبقى أحبك لين يوم الدين.."
انسابت دموعها، لكنها اغتالتها بسرعة، عندما تنبهت لاقتراب ربى، حاملة أكواب العصير، مؤكدة في فرحة لم تخف على حُسن، أن شعيل سينضم إليهما بعد قليل، قادماً من عمله ليقلهما للبيت.
***
تجمع الرجال في ذاك الكهف الحجري البعيد، في قلب الصحراء بأعلى الجبل، حاملين ذاك الشوال البني المصنوع من الخيش، ووضعوه أمام سيدهم، الذي كان يجلس في لامبالاة، يضع مبسم النرجيلة بفمه، معبقا الأجواء حوله بدخان أزرق يغيب العقول الواعية، أمراً إياهم في سرعة:
"افتحوا الشوال، بسرعة يا بهايم."
انتفض الرجال منفذين في عجالة، لينكشف المستور داخل الشوال، كان منتصر الذي ما أن انفرج عنه ذاك القماش الرديء، إلا وانتفض يلقن حامليه درساً، مسدداً إليهم بعض اللكمات التي أسقطتهم أرضاً، رغم جروحه الطفيفة، التي لم تؤثر على لياقته.
اندفع سمعان النادي من موضعه، تاركاً يد النرجيلة لهذه الفتاة فائقة الجمال، التي كانت تجاوره، مقهقها في سعادة:
"يسلم زندك يا سيد الرجالة. والله يستاهلوا، معلش عندي أنا دي يا سيد البشوات."
هتف منتصر في حنق:
"هو مكنش في حاجة أوسخ من دي تجيبوني فيها."
هتف المعلم سمعان وهو يحتضن منتصر مرحباً من جديد:
"حمد الله بالسلامة يا باشا. نورت الخن. ومتأسفين على العيال الغشيمة دي، اللي ما يعرفك يجهلك."
حياه منتصر في حفاوة متبادلة، ليجذبه سمعان نحو مجلسه، هاتفا بالفتاة التي ما برحت مجلسها قيد أنملة، تراقب ما يحدث بعين خبيرة، ونظراتها تحمل إعجاباً فاضحاً منذ سقطت على محيا منتصر:
"خدي لك جنب يا نغم، سيبي مكانك للباشا."
تباطأت في غنج، وهي تنهض هامسة:
"ماشي يا معلم، ما هو من لقي أصحابه، نسي أحبابه."
نظر إليها منتصر في مجون، هاتفا بنبرة مازحة:
"على فكرة المثل كده غلط."
أطلقت نغم ضحكة ماجنة مجلجلة، وهي تهتف في دلال:
"أموت أنا فالغلط."
قهقه سمعان وشاركه منتصر ضحكاته، بينما اندفعت هي تضع بعض الموسيقى الراقصة، لتحتفل على شرف استقبال منتصر، الذي أصبح عضواً في عصابتهم، التي أعيت قسم مكافحة المخدرات، ولم يفلح أي من قادتها، في إسقاط سمعان عن عرش تجارة المخدرات، منذ سنوات بعيدة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رضوى جاويش
رنات متتابعة على باب الشقة دفعت تسبيح للإسراع رغم حالة قدمها لتفتح ليواجها حازم الذي اندفع للداخل بشكل هيستيري حتى وصل لغرفة ابنته بدور.
تسبيح في ذعر: فيه إيه يا حازم؟ إيه اللي بيحصل؟
دفع حازم الباب لتنتفض بدور من موضعها هاتفة في تعجب: خير يا باب فيه إيه؟
جذب حازم هاتفه من جيب سترته هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع صارخا في انفعال: فيه ده يا آنسة. الباشا اللي كان بيحفى عشان نوافق على جوازكم. اسمعي بنفسك بقى إيه وفين. الكلام ده مش المفروض إني أسجله أصلاً بس كان لازم أعمل كده عشان تسمعيه بودانك وتبصي بقى لمستقبلك اللي هيضيع. وانت طول الوقت بتبكي وبتفكري في الباشا ورامية البكالوريوس اللي امتحاناته كمان كام أسبوع. وأنتِ ولا هنا.
دمعت عين بدور، فقد كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث أبوها إليها بهذا الشكل الشديد اللهجة معنفا. ضغط حازم على زر التشغيل على جواله ليندفع صوت أحد القادة الزملاء مؤكدا له: أه والله يا حازم زي ما بقولك كده. ده الإدارة مقلوبة. الولد ده كان من أكفأ الظباط وكان الكل حاطين له توقعات عالية. اللي حصل ده صدمة. إيه اللي خلاه يعمل كده؟ ده سرب كل خطط المجموعة بتاعته للزفت اللي اسمه سعفان ده. واللي بقالنا سنين وراه ومش طيلينه. أنت عارف إن صاحبه ودفعته كان معاه في المأمورية. الولد حالته صعبة بين الحيا والموت في المستشفى. ده لسه عريس جديد وكان يومها لسه عارف إن مراته حامل. ربنا ينجيه. بجد الولد منتصر ده هيخلينا نعيد حساباتنا في حاجات كتير.
هتف به حازم في صدمة: أنت متأكد من اللي بتقوله ده يا وفائي؟ أصل أنا أعرف منتصر كويس. الولد ظابط شاطر ومش ممكن الخيانة دي تطلع منه. أكيد فيه سر في الموضوع.
هتف اللواء وفائي: السر الوحيد في الفلوس. ده اشتروه بالفلوس. وباع القضية.
اغلق حازم الكلام المسجل على هاتفه لتهتف تسبيح في صدمة: أنا مش مصدقة يا حازم. هو بيتكلم على منتصر اللي كان عايز يخطب بدور؟
أكد حازم هاتفا في حنق: أيوه يا ستي. هو سي زفت. اللي بحمد ربنا ألف مرة إني سمعت كلام عمي عاصم وموافقتش إن اسمه يرتبط باسمنا. أدي آخرة أمثاله. حتى لما بيعلى بيختار الجانب الواطي ويروح له. كل واحد بيحن لأصله.
ربتت تسبيح على كتفه مهدئة ليندفع هو مبتعدا تاركا بدور التي كانت ما تزال تحاول استيعاب الموقف وتلك الصدمة التي استمعت لها منذ لحظات. لا يمكن أن يكون من يتحدث عنه أبوها بهذا الشكل هو منتصر الذي كان يعشق عمله بكل ذرة في كيانه. لا. هناك بالتأكيد أمر مريب. لكن هذه الحقائق التي أكدها صديق والدها مذكورا فيها بالاسم. كيف لها أن تكذبها؟
شهقت في قهر محاولة إنكار تلك الحقيقة الجلية أمام ناظريها كشمس الظهيرة.
لقد انتهت حكايتها مع منتصر بأسوأ نهاية يمكن أن يتخيلها بشر. حتى ذاك الأمل الذي كان يراودها والذي حلمت بتحقيقه يوما ما. واجتماعهما بعد إقناع جدته لم يعد متاحا من الأساس. حتى الأمل اغتيل بيديه. ما عاد لها أن تحلم. ما أضحى لها الحق في ذلك.
جلست منهارة موضعها، تتابع شهقاتها في وجيعة. على كل ما كان. ظلت على حالها، لا تعلم كم مر عليها وهي تبكي، لكنها أمسكت الهاتف وبلا وعي، وجدت نفسها تدق على رقمه، لعله يخبرها أن ما يدعيه أبوها عنه غير صحيح. ظل الهاتف يرن بلا إجابة، ما دفعها لتزيد من وتيرة بكائها. لم لا يرد عليها؟ لم لا يريح بالها؟
لم تشعر بنفسها إلا وهي تضع إحدى الأغنيات على حالتها على الواتس لعله يراها كما حدث سابقا. انتفضت عندما رأته يشاهدها بعدها بدقائق. رنت من جديد، فبالتأكيد سيرد الآن. لكن يا لخيبة أملها! فقد أغلق هاتفه تماما، تاركا إياها تموت من قهرها.
***
أصدرت العربة صوتا مزعجا ثم توقفت فجأة على ذلك الطريق الجانبي الذي يتاخم سراي الهواري. ماذا حدث؟
لا يعلم ما عليه فعله وهو وحيدا هنا. قرر الاتصال بسمير ليأتيه. حتى يرى التصرف المناسب في مثل هذا الوضع. فقد أصبح عالقا ما بين هذه الدار والأرض المتاخمة في هذا الطريق الضيق الذي يبدو أنه سلكه عن طريق الخطأ.
تطلع لشاشة جواله وزفر في حنق. فلا إشارة تذكر ورغم ذلك داس زر الاتصال لعل وعسى. لكن فشل الاتصال. ما دفعه ليضع هاتفه بجيب سترته من جديد. ويتطلع حوله ربما يجد من يستطع مساعدته. لكن بلا جدوى. فما من بشري واحد بالجوار، وكأن العالم قد خلا من قاطنيه فجأة.
استند على مقدمة السيارة ينتظر الفرج. لكن تناهى لمسامعه صوت بكاء. أنين خافت جعله يشرئب بعنقه محاولا البحث عن صاحبه بين هذه الأشجار الممتدة حوله على طول ذاك السور الخلفي المنخفض لهذه الدار العريقة. كان ثمة فتحة طولية كشق بجدار السور أشبه بباب خلفي غير معلن. لا يعلم ما الذي دفعه لاختراق خصوصية المكان، على غير عادته، والولوج عبر هذا الشق باحثا عن موضع الهنات الموجوعة التي يسمع. والتي بدأت وتيرتها تعلو وتقترب. يبدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من صاحبها. أو صاحبتها.
نعم صاحبتها التي طالعته صورتها الجانبية وهي تجلس تبكي تتطلع لشاشة ما. تعاتب عليها شخصا في لوعة هامسة من بين أنينها: ليه كده؟ حرام عليك. كنت قلت. ليه تعمل في نفسك كده؟
تطلع في تعجب لمدى تأثرها. هل تعاتب حبيبا قاسيا قرر الرحيل؟ أم من تعاتب بهذه الحرقة وذاك الوجع؟
أقترب في جرأة، لا يعرف من أين واتته. الفضول كان قاتله، إن لم يدرك لمن كل هذه اللوعة التي مست شغاف قلبه شخصيا! وقع ناظره على شاشة الحاسوب وكاد أن يشهق في صدمة. إنها تشاهد فيلمه المفضل. كانت تبكي بطل الفيلم الفرنسي، الذي كان يموت اللحظة، وهو يعترف بحبه لابنة عمه التي يعشق. كان يرى نفسه دميما لا يصلح للحب. فأخذ يرسل لها الخطابات يبثها لواعج قلبه وأوجاع الهوى، عبر صديقه الوسيم الذي علم أنه يحبها كذلك، والذي ظنت بنت عمه أنه هو الذي يرسلها. فأعجبت به، بل هامت به عشقا. ليقرر البطل الابتعاد والانخراط في المعارك. حتى يسلم الروح أخيرا، بأحضانها، وهو يعترف اعترافه الأخير بعشقه لها.
كان اعتراف البطل موجعا، حتى أنه كان يحفظه عن ظهر قلب، لذا هتف به دون وعي منه، بفرنسية خالصة، حتى أن سجود اختلط عليها الأمر، وهي تسمع اعترافين، أحدهما كان من فم ذاك الذي يقف خلفها، ما جعلها تنهض منتفضة من موضعها. فسقط الحاسوب من على حجرها وشهقت في صدمة وهي تتطلع له هاتفة: أنت؟
هتف هو بنفس الصدمة: أنتِ؟
ظل كلاهما على حالة الصدمة التي شملتهما حتى هتف هو أخيرا قاطعا ذاك الصمت المربك: أنا يوسف. يوسف حسام التهامي.
شهقت من جديد: حضرتك بن عمي حسام اللي في فرنسا؟
هز رأسه بالإيجاب لتستطرد: أهلاً وسهلاً. اتفضل.
هتف يوسف: أنا آسف إني اقتحمت المكان كده. بس العربية عطلت بره ومعرفتش أوصل لسمير عشان مفيش شبكة.
هزت رأسها متفهمة: ولا يهمك. ما ده بيتك برضو. هروح أنادي لك على عاصم أخويا يعمل اللازم. وكمان ستي زهرة. أكيد هتبقى حابة تسلم عليك. دي تبقى أخت جدتك ندى الله يرحمها.
هز رأسه في إيجاب لكن ما أن همت بالابتعاد قليلا حتى هتف متسائلا: حضرتك معرفتنيش بنفسك؟
استدارت متطلعة إليه هاتفة في حياء: سجود. اسمي سجود. وبالمناسبة. نسيت أشكرك على اللي عملته معايا من فترة.
هتف مبتسما في أريحية: لا شكر على واجب.
ابتسمت بدورها واندفعت لداخل السراي لتخبر الجميع بذاك الضيف الذي آتاهم من حيث لا يحتسبوا.
***
تطلع نحو شاشة الهاتف التي تضئ باسمها، كان قلبه يكاد يقفز من بين أضلعه ليرد عليها. صوتها الشقي النبرة الذي يثير بداخله مشاعر شتى، اشتاقه فوق الحد. ظل يتطلع نحو الشاشة، التي أضاءت وأغلقت عدة مرات، كأنما هو طقس لتعذيب ذاته، وجلد روحه، واختبار لقوة تحمله.
أمسك هاتفه، رغبة في غلقه، لكن يده بلا إرادة منه، ضغطت على أحد التطبيقات، دخل لمجرد رؤية صورتها، ليجدها أنزلت أغنية على حالتها على الواتس، جاهد كثيرا حتى لا يدخل لمشاهدتها، لكنه انهزم شر هزيمة، وهو يضغط لمشاهدة الحالة، ليجدها أغنية تصدح معاتبة:
أنا مش هقولك حاجة.
مش هلومك، مش هعاتبك.
خليك كده يا حبيبي.
عيش لوحدك داوي جرحك.
بالعذاب.
عايز تسيب نفسك كده.
سبها.
وتعالى على نفسك وعذابها.
بس أبقى قولي اللي أنت فيه ده نهايته إيه؟
حرام عليك.
جز منتصر على أسنانه، شاعرا بالقهر من رسالتها، كان غارقا في كلمات الأغنية ولم ينتبه لتلك التي اقتربت منه في غنج، هامسة وهي تمرر أطراف أصابعها على ذراعه في إغواء: إيه يا باشا؟ نحن هنا! اللي واخد عقلك، يا رب ما يتهنى بيه إلا لو ساب لي حتة صغيرة قد كده.
وصنعت دائرة قطرها باتساع ذراعيها عن آخرها، ما دفعه للابتسام هاتفا: خير يا نغم! المعلم عايزني؟
هتفت له بنبرة مغوية: المعلم موصيني عليك، وأنا بقى مش محتاجة وصاية، وأنا شايفة أك متكدر حبتين، وده ميخلصنيش، فلازم نفرفش الباشا بتاعنا، وإلا ميبقاش لينا لازمة بقى.
تطلع إليها منتصر متخابثا، وهتف متسائلا في مجون: تفرفشيني إزاي؟
جذبته نغم من كفه، ودفعت به نحو حجرتها القريبة من موضع وقوفهما، هاتفة في دلال: تعالى وأنا أقول لك.
ما دفعه ليقهقه، وهي تتوجه نحو هاتفه، تضغط زر إغلاقه، وتلقي به بعيداً، قبل أن تندفع لداخل الغرفة، دافعة الباب تغلقه دونهما.
***
كانت تجلس كعادتها في الفترة الماضية، بغرفة القراءة، تنهي الرواية التي اختارها لها عاصم، قبل أن تغادر، تجري أعينها على الأسطر في نهم واضح، حتى تصل للنهاية التي كانت بانتظارها في شوق ولهفة، وأخيرا تنهدت وهي تغلق ضلفتي الرواية، تشعر بالسعادة لنهايتها السعيدة التي أثلجت صدرها. نهضت تضع الرواية موضعها بالأرفف ولم تدرك أن زهرة وصلت، وقفت خلفها في هدوء، استدارت لتجدها، فابتسمت في وداعة، لتبادرها زهرة متسائلة: خلاص هتسافري؟
أكدت فريدة في إيماءة من رأسها، وهتفت في هدوء: أه، خلاص طولت هنا، هرجع بقى، كل حاجة في إسكندرية وحشتني.
هتفت زهرة، في اضطراب: يعني عمرك ما فكرتي تعيشي هنا؟
ردت فريدة متعجبة: أعيش هنا؟ هو الصراحة النجع هادي، والمكان جميل، بس إسكندرية ليها وضع مختلف عندي، مش متخيلة أعيش في أي مكان غيرها.
ترددت زهرة للحظة تسألها: حتى لو حبيتي، وكان اللي بتحبيه، مش هيستقر في إسكندرية؟
صمتت فريدة للحظة، وأخيرا هتفت متنهدة: معتقدش إني هحب وأتحب يا زهرة، الموضوع ده بعيد عني قوي، أنا بتاعت شغل وبس، موضوع الحب والارتباط ده واضح إن ليه ناسه، وأنا بقى مش ناسه، بس ليه الأسئلة العجيبة دي؟
هتفت زهرة مبررة: لا أبداً، أنا قلت يعني، يمكن لو حد معجب بيكي من هنا، هاترضي تسيبي إسكندرية وتيجي النجع، وتعيشي معاه عادي؟
ابتسمت فريدة مؤكدة: ومين ده المأسوف على شبابه؟
هتفت زهرة في عجالة: عاصم.
اضطربت فريدة متعجبة: عاصم مين؟ عاصم بتاعنا؟
هتفت زهرة مؤكدة: أه، عاصم.
هتفت فريدة في دهشة: عاصم آخر حد ممكن أفكر فيه! عاصم ده أخويا الكبير اللي ربنا مرزقنيش بيه، حد جدع قوي ومحترم جدا، وراجل بجد، بس مش ليا.
هتفت زهرة والعجب من نصيبها هذه المرة: طب ليه؟ ده أنا كنت فاكرة إنكم.. يعني..
ابتسمت فريدة، وهتفت: لا مش اللي جه في بالك خالص، عاصم كان بيحل لي مشكلة مش أكتر، لكن موضوع الحب ده، أنا رميته ورا ضهري يا زهرة لأنه تضييع عمر ووقت من غير لازمة.
هتفت فريدة بكلماتها الأخيرة في وجع لم يكن ليخفى على سامعها، لتستشعر زهرة معاناتها، وتدرك بشفافيتها، أن فريدة هزمها العشق، كما هزم قلوب الكثيرين قبلها، وأنها فقدت الإيمان به، وكفر قلبها باعتناق مذهب العشاق، كما كفر قلبها.
همت زهرة بالحديث، لكن ظهور عاصم أخرسها، وتطلعت إليه في اضطراب، ليهتف عاصم بعد نصيحة من نوارة، داعياً فريدة: يالا يا فريدة، العربية جاهزة، عشان أوصلك للمحطة.
هتفت فريدة ممتنة: هتوصلني بنفسك؟ كتر خيرك يا عاصم، كلك ذوق.
هتف عاصم مبتسما، ليترنح قلب زهرة بين أضلعها: على إيه يعني؟ دي حاجة بسيطة، هنوصل نوارة لشغلها، وبعدين نطلع على المحطة، يالا عشان منتأخرش.
همت فريدة بالتحرك، لتهتف زهرة في تهور لم يكن يوماً من عاداتها: ممكن أجي معاكم؟
تطلع عاصم نحوها، ولم ينبس بحرف لبرهة، قبل أن يهتف مرحباً: وماله، تعالي، أهو تغيري جو شوية، بقالك كتير مخرجتيش بره السرايا.
ابتسمت زهرة هاتفة وهي تندفع لغرفتها: خمس دقايق بالظبط وهكون معاكم.
تابعتها نظرات عاصم حتى غابت، وعلى شفتيه ابتسامة سعادة، فهذه هي المرة الأولى التي يجد على محياها حماسة لأمر ما منذ زمن بعيد. أما فريدة فقد عادت لتجلس على كرسيها من جديد عيونها تتابع تلك البسمات التي ظهرت على محيا عاصم، وأدركت بقلب خبر العشق وأوجاعه، أن عاصم يعشق تلك المغفلة، التي غادرتهما للتو، وعلمت لم كانت كل تلك الأسئلة العجيبة التي أمطرتها بها منذ دقائق.
تنهدت فريدة في شجن، فكم لعب العشق بقلوب! أسعد بعضها وأشقى أخرى، وما بين هؤلاء وهؤلاء، نجلس نحن متخذي دور المتفرج على مسرحية العشق والدموع التي تدور رحاها على منصة الحياة، ولا رد فعل لنا إلا التصفيق بحرارة، عندما يسدل الستار معلناً نهاية الحكاية، إما باجتماع العاشقين، أو الفراق.
اندفع عاصم يجهز العربة، ولحقت به نوارة وكذا فريدة بعد أن ودعت كل من بالسراي، محملة بالكثير من الدعوات والسلامات، وبعدها بدقيقة كانت زهرة، التي جلست بالخلف جوار فريدة، بعد أن احتلت نوارة المقعد الأمامي جوار أخيها، الذي انطلق بهن، حتى أنزل نوارة على أول الطريق لدار السليمانية كما طلبت، رغبة في مقابلة رائف كما تعودت.
***
جلس يونس في أريحية مطالباً هاتفه الجوال بينما قدمت سماحة لتقدم له الشاي. تناول الكوب من كفها ووضعه جانباً متطلعاً نحوها. ثم حاد بناظره نحو شاشة جواله ضاغطاً على زر تشغيل أغنية كانت باسمه وكان يعشقها صغيراً حتى أنه كان يحفظها عن ظهر قلب. ولم يكن يعلم أن كلماتها ستكون هي الوصف الأدق لحاله وحال قلبه. أخذ المطرب يتغنى بالكلمات وهو يردد معه في شجن:
يونس في بلاد الشوق.
آه يا ولد الحناوي.
بتونسني دموع العين.
وأنا سايب أهالي.
جلست سماحة أرضاً كعادتها، وهتفت به بصوتها الخشن الذي تصطنعه، لتصبح نسخة من رجل صارم، وسألت على استحياء: هو لسه جلبك متعلق بحبال العشق يا بيه؟
تطلع إليها يونس مستمتعاً بمشاكستها: بتسأل ليه يا سماحة؟ جلبك دج وعايز استشارة ولا إيه؟
انتفضت سماحة مؤكدة: لا. بعد الشر عليّ. أنا بس بسأل بطمن عليك.
ابتسم يونس مشاكساً: يهمك جَلبي جوي كده؟
أكدت سماحة تحاول أن تظهر الثبات: معلوم يا بيه. أنت تهمنا برضه.
هتف يونس متغنيا يردد مع الأغنية التي كانت ما تزال تصدح:
جَلبي ضائع مين يلاقي لي.
باين نسيته حد أهلي.
ما أن أنهى غناءه حتى انتفض يونس أمراً سماحة: تعال نحطب!
اضطربت سماحة، ووافقه، غابت لداخل الدار برهة، وعادت بالعصي من حجرة الحناوي الكبير، مسلمة إحداها ليونس وتشبثت بالأخرى.
وقف كلاهما وجهاً لوجه، وقد بدأت الأغنية تعيد نفسها من جديد.
بدأ النزال وتلاحمت العصي، وبدأ الطرق بينهما يرتفع، كأنما هي لعنات شديدة الوطأة بين طرفين متناحرين. ضغط يونس بعصاه مقترباً منها، حتى أصبح كلاهما وجهاً لوجه. وهمس مترنماً وهو يتطلع لعمق عينيها: ينفع أحبك من غير جلبي؟
لا تعرف لما اضطربت، فهي تدرك تماماً أنه يردد كلمات أغنيته المفضلة التي تتكرر اللحظة! كلفها اضطرابها هذا غالياً. فقد فقدت تركيزها تماماً. ولان تمسك كفيها بالعصا، ليدفع بها يونس بعيداً على حين غرة، وهي تقف بلا حول ولا قوة، ليعلن فوزه مقترباً منها، هامساً بصوت رخيم ذوبها:
كنت هقول أهو ده المحبوب.
ويدوب جلبي قبل ما أدوب.
وجدها تتطلع نحوه متسمرة، ليهتف بها منبهاً: سماحة.. يا ولد.
انتبهت سماحة هاتفة: نعم يا بيه؟
ابتسم يونس متسائلاً في خباثة: إيه اللي واخد عقلك يا حزين؟
أكدت سماحة وهي تندفع مبتعدة: كانت أمي بتنادي عليّ. هشوفها وأعاود يا بيه.
هتف يونس يستوقفه: سماحة!
استدارت سماحة متطلعة نحوه، ليهتف بها أمراً: جولي للخالة سعيدة، تحضر طاجن السمك بالفريك. لحسن اتوحشته.
اضطربت سماحة متسائلة: لسه جلبك على حاله ما طابش يا بيه؟ طب يبقى علاج ممنوش فايدة.
اتسعت ابتسامة يونس مؤكداً: وأنت مالك يا حشري. كنت شريكي. خليها تعمله وخلاص.
هزت سماحة رأسها موافقة، وقد ظهر على ملامح وجهها الكدر للمرة الأولى، معتقدة أنه ما يزال عليلاً، بعشق تلك التي تركها خلفه مخلفاً قلبه معها. يريد الشفاء من داء عشقها، والذي يبدو أنه داء عضال لا شفاء منه أبداً.
***
صرخ بنعمة هاتفا: يا نعمة أعمليلي شاي.
لم ترد نعمة، فلم تسمع ندائه من الأساس، فأعاد النداء في حنق: يا نعمة.. نعمة.
نهض من غرفته، باحثاً عن تلك التي تضع على أذنيها سماعات، طرق باب غرفتها فلم ترد، دفع الباب في قلق هامساً باسمها، ربما تكون نائمة، لكنه وجدها تجلس وهي تضع السماعات، فأعتقد أنها تسمع الأغاني كعادتها، فجذب إحدى طرفي السماعة، مقرراً مشاكستها، لتنتفض نعمة، متطلعة نحوه، لكنه هتف بها: سيباني أنادي عليكِ بقالي ساعة، وأنتِ قاعدة بتسمعي لي أغاني هنا!
همست نعمة وهي تبعد الطرف الآخر عن أذنها، وبعد أن ضغطت زر أغلق الصوت حتى لا يصل للطرف الآخر: أنا مش بسمع أغاني يا سيدي، أنا بكلم حسن.
اضطرب وما عاد قادراً على جمع شتات نفسه، لكنه أخيرا استجمع شجاعته متسائلاً: أزيك؟
هتفت به نعمة، مشيرة لشاشة الهاتف: زي الفل، لو شفتها مش هاتعرفها، يا بني دي كانت لسه بتفرجني على أوضتها حاجة كده قد نص شقتنا دي.
هتف نادر: هي لسه معاك على التليفون؟
أكدت نعمة: أه، هي راحت بس تشوف عمتها كانت بتناديها وراجعة.
سمعت صوت يناديها من الطرف الآخر: يا نعمة، أنتِ روحتي فين؟ هي الشبكة عملتها ولا إيه؟
هتفت نعمة وهي تجذب السماعات من الهاتف، لتفتح الميكروفون: لا يا حسن، أنا معاك أهو.
هتفت حسن: معلش، غبت عليكي، قوليلي بقى عاملة إيه، كلكم عاملين إيه؟ وحشتوني جداً، ووحشتني الحارة.
هتفت نعمة ساخرة: وحشتي مين يا بنتي! ده بعد العز اللي أنتِ فيه ده، يخليكي تنسي نفسك مش الحارة!
هتفت حسن مؤكدة: لا والله يا نعمة، محدش ينسى أصله وأهله، كتير بحن لأيام الحارة برغم صعوبتها، وبرغم أن مفيش مقارنة بينها وبين العز اللي أنا فيه.
هتفت نعمة مازحة: عشان أنتِ فقرية.
قهقهت حسن في أنوثة، بشكل هز قلبه، وهتفت مؤكدة: الظاهر إني فقرية بجد، بس هقول إيه بقى، القلب وما يريد.
هتفت نعمة مازحة، وهي تستمع في الخلفية لصوت أغنية خليجية تصدح بقوة وبصوت عال: أيوه يا عم، وبقينا بنسمع أغاني خليجي كمان!
هتفت حسن ضاحكة: ده عبد المجيد عبد الله، عمتي بتحبه قوي، هي اللي فتحاه على طول، وأنا كمان بحب الأغنية دي قوي.
هتفت نعمة: بتقول إيه بقى؟ ترجميلي، أحسن أنا عندي الخليجي بعافية شوية.
هتفت حسن ضاحكة: حاضر يا ستي، بيقول:
نفسي تجيني وأجيك.
أعاتبك وأشتكيك.
عيني بتسألني عنك.
وقلبي يسلم عليك.
هتفت نعمة: إيه ده! والله كلماتها حلوة.
لا يعلم ما الذي دفعه ليهتف: أزيك يا حسن!
صمت مطبق من كلا الطرفين، ولم يكن يقطعه إلا صوت المغني الذي يأتيهما من الخلفية، ما دفع نعمة لتهتف: حسن أنتِ معايا!
تمالكت حسن نفسها، هتفت بصوت متحشرج: أه يا نعمة، الظاهر الشبكة وحشة.
كانت حجة مفضوحة، فلو كانت الشبكة سيئة ما وصلهما صوت المغني من جانبها، صافي وغير متقطع أو حتى كان اختفى.
هتفت نعمة من جديد: مردتيش على نادر، أهو جانبي وبيسلم عليكِ.
هتفت حسن محاولة السيطرة على اضطرابها: ازيك يا باشمهندس، أخبارك إيه؟
هتف نادر، وهو يدير الشاشة نحوه، حتى يراها، عندما علم أن نعمة تدير الكاميرا من البداية، وتأكد أنها ترتدي حجابها: تمام يا حسن، كويس، مرتاحة عندك؟
هتفت حسن وهي تحاول جمع حروف الكلمات المعلقة، والمبعثرة هنا وهناك بفكرها: الحمد لله، تمام، ماشي الحال.
ابتسم نادر هاتفا: بقيتي بتتكلمي زيهم كمان أهو! طب أهم حاجة إنك كويسة ومرتاحة.
همت حسن بالإجابة، لكن صوت رجولي هتف يناديها من خارج غرفتها، ما أشعل النيران بشرايينه حنقا، فدفع الهاتف لنعمة، ونيران الغيرة تلتهم حطب صبره، ليخرج مهرولاً لا من الغرفة فقط، بل من الشقة كلها مندفعاً للسطح، ولا يعلم ما الذي دفعه ليضغط على أداة البحث بهاتفه، باحثاً عن هذه الأغنية الخليجية التي قالت إنها تحبها، والتي سمعها لتوه عندها، ليصدح صوت المغني شادياً:
انت الأماني الجميلة.
يا غايتي والوسيلة.
خلاص ما بيدي حيلة.
إلا تجيني وأجيك.
كان في عالم آخر، فقد سمع أخيرا صوتها ورأها، كان يشتاقها كثيرا، بشكل لم يكن يتوقعه.
انتفض عندما أتاه صوت بدور هاتفا: طبعاً حضرتك هنا قاعد بتسمع أغاني، ومش دريان بالمصيبة اللي أنا فيها.
تطلع نحو بدور التي تقف على أعتاب السطح تحمل كتبها، وتلتقط أنفاسها في تتابع مستطردة: أنا بضيع يا وديع.
ابتسم نادر هاتفا: وإيه الجديد؟
زمت ما بين حاجبيها معترضة، لينفجر ضاحكاً على أفعالها، أمراً إياها: تعالي يا خيبتها، فيه إيه؟
تقدمت نحوه، دافعة بالكتب على الطاولة الموجودة قبالة الأريكة التي جلس عليها لتوه، وقد مد كفه ليغلق الهاتف، ليخرس صوت الذكريات التي تنكأ جرح قلبه فيبعادها، لتهتف بدور معترضة: لا متقفلهاش، أنا بحب الأغنية دي قوي.
همس نادر متعجباً: الظاهر كلكم بتحبوها، وأنا اللي مكنتش أعرفها.
لم ترد عليه بدور، فقد استندت على حافة السور، وقد غابت في ذكرياتها وذاك الخائن الذي طعن القلب بخنجر من غدر، وفر هارباً كالجبناء، حتى أنه رفض مواجهتها.
أعاد المغني كلمات المقطع الأخير، كأنما يزيد الجرح وجيعة:
لو توقف الناس ضدي.
ما يختلف فيك ودي.
ما يعادلك حد عندي.
بالروح أنا مشتريك.
دمعت عيناها، وهتفت بنادر حانقة: ولا أقولك، أقفل الهبل ده، هيافة مش جايبة همها، وخلينا نذاكر أحسن، مستقبلنا هيضيع عشان ناس متستاهلش.
تطلع نادر نحوها، وقد أدرك أنها مجروحة حتى النخاع، كان يعتقد في وقت ما أنه يحبها، لكنه أدرك أن ما بينه وبين بدور، لا يتعدى صداقة بحكم العلاقة العائلية التي تربطهما، والتي عضدتها دراستهما المشتركة بنفس الكلية والقسم، أما القلب، فهذا شأن آخر تماماً، شأن متعلق بتلك التي غادرته في غفلة من تعقله، تاركاً إياها تبتعد عنه، مورثاً إياه لهيباً في القلب ولوعة لن يداويها إلا قربها الذي أضحى بعيد المنال، بل يكاد يكون مستحيلاً. تنهد مغلقاً الأغنية، ممسكاً بالمذكرات، أمراً إياها بنبرة أخوية، مازحاً: أنزلي هات لنا كوبايتين شاي من تحت، وتعالي أشوف إيه اللي أنتِ مش فهماه، يا فاشلة.
هتفت به بدور مهادنة: ماشي يا هندسة، هعدي التتنيكة دي بمزاجي، عشان بس المصلحة تحكم، يا رب متحوجناش، للي يسوى واللي ما يسواش.
واندفعت للأسفل تحضر الشاي، يتبعها بضحكاته، وهو يتطلع لتلك الصفحات المطوية داخل مذكراتها، والتي ترغب في فهمها.
***
طرقت أمه الباب، فلم يعد بإمكانها البقاء بعيداً أكثر من هذا، عليها التدخل لتحاول معرفة ما يفكر به، وما يجول برأسه من أفكار، من أجل تحقيق وعده لآية. دخلت تحمل طبق الفاكهة المعتاد، وضعته جانباً وتقدمت نحو مروان، الذي كان منكباً على بعض الكتب والمذكرات على غير العادة، فقد توقعت أن تجده يمسك بفرشاته، ويرسم عالمه الذي يرتضيه، لكنه خالف توقعاتها، ما دفعها لتسأله في فضول: بتعمل إيه يا مروان؟
رفع رأسه عن أوراقه، وتطلع نحو أمه مبتسما، هاتفا: هكون بعمل إيه يا ماما! هو أنتِ نسيتي إني في جامعة وفيه امتحانات ولا إيه؟
تساءلت متعجبة: هو أنت هتدخل الامتحانات السنة دي؟
أكد بإيماءة من رأسه: أيوه يا ماما، بإذن الله.
ابتسمت رابتة على كتفه، وهتفت في سعادة: ربنا يوفقك يا حبيبي، بس هو..
قطعت حديثها، ليتطلع نحوها مؤكداً: هو إيه يا ماما؟ قصدك على آية؟
هزت رأسها إيجاباً، ليستطرد هاتفا: كل اللي بعمله ده عشان خاطر آية، لازم أخلص الكلية، عشان لسه المشوار ورانا طويل.
هتفت ثريا متعجبة: مشوار إيه اللي لسه طويل؟ أنت بتفكر في إيه بالظبط يا مروان؟
أكد مروان وهو يعود للتركيز بأوراقه، هاتفا في هدوء: متقلقيش يا ماما، خير إن شاء الله.
تطلعت نحوه لبرهة، قبل أن تتركه وتغادر الغرفة، لا تعلم ما عليها فعله، لكنها هدأت قليلاً عندما أيقنت أن عليها تركه ينهي اختباراته قبل الحديث عن أي أمر آخر، فما يجول بخاطرها اللحظة، غير وارد على الإطلاق.
***
لم تخطُ نوارة خطوتين، بعد أن تركها عاصم ليلحق بقطار فريدة، حتى ظهر رائف كعادته، مترجلاً عن أدهم، ليسيرا جنباً إلى جنب، اندفع نحوهما سامر متسائلاً دون أن يلقي التحية حتى: هي فين الآنسة فريدة يا دكتورة؟
هتف رائف متعجباً: مش الناس تقول صباح الخير الأول؟
اضطرب سامر، بينما هتفت نوارة مبتسمة، ترد على تساؤله: فريدة سافرت.
هتف سامر في صدمة: سافرت! أمتى؟
أكدت نوارة: هي رسمياً لسه مسافرتش، هو لسه عاصم أخويا منزلني، وراح بها على المحطة عشان..
لم يمهلها سامر لتكمل كلماتها، بل اندفع مهرولاً، صارخاً ينادي السائق لإحضار السيارة، رغبة في الانطلاق نحو محطة القطار في التو واللحظة، متأملاً في الوصول بالموعد قبل مغادرة القطار.
تطلع كلاهما نحوه، وانفجرا ضاحكين على أفعاله، تعلقت نظرات رائف بنوارة وضحكاتها التي أشرقت معها الشمس اللحظة، وتنبهت هي، فأخفضت نظراتها حياء، ليهتف رائف بها في وجل: نوارة!
رفعت نظراتها نحوه في اضطراب، فهي المرة الأولى التي ينطق اسمها مجرداً من أية ألقاب، ليستطرد في ثبات، رغم فوضى مشاعره: أنتِ مرتبطة؟ يعني في حد في حياتك أو في قلبك؟
هزت رأسها نفياً، وهي لا تقوى على التطلع نحوه، فلم تتوقع يوماً أن تصبح في هذا الموقف، وأن تشعر بكل هذا الاضطراب الذي يشملها كلياً، ويعقد لسانها عن النطق، وأخيراً، وجدت أحرف أبجديتها، وهمست بصوت متحشرج مدعية ثباتاً وهمياً، لم يقنعه البته، وهي تسأله: ليه الأسئلة الغريبة دي كلها؟
لم يجيبها مباشرة، بل دفع كفه في سرج الأدهم، وأخرج رواية ما، سلمها لها هاتفا: الإجابة هتلاقيها في الرواية دي.
مدت كفها تتناول منه الرواية، واندفعت مبتعدة عنه، تدخل استراحتها، فما عادت تملك الجرأة على الوقوف للحظة أخرى أمامه، وهي بكل هذا الارتباك، دفعت باب الاستراحة مغلقة إياه في سرعة، تستند عليه ودقات قلبها تخلق فوضى من حواس لم تخبرها يوماً، طبول أفريقية وحشية، تعلن حرباً ضروساً، على إغفالها الاعتراف بعشقه، الذي كانت تجاهده حد الكراهية، وتنكره حد الذنب. همت بالاندفاع لتجلس وبيدها الرواية، لفتحها والبحث عن إجابة سؤالها المعلق، لكن تلك الضربات المتتابعة على باب الاستراحة جعلتها تفتح في عجالة، تسأل الطارق المتعجل: خبر إيه؟
أكد الطارق، الذي لم يكن إلا أحد أهالي المريضات، مؤكداً في اضطراب: محتاجينك يا دكتورة، الدكتورة سميحة طلباكِ حلاً.
اضطربت، فقد كان عليها ترك إجابة سؤالها معلقاً حتى تلبي نداء الواجب. أغلقت باب الاستراحة، وهرولت في اتجاه الوحدة الصحية، وعقلها معلق بإجابة مطوية بين ضلفتي رواية.
رواية زاد العمر وزواده الفصل العشرون 20 - بقلم رضوى جاويش
اطمئن كل من عاصم وزهرة أن فريدة ركبت قطارها وبدأ يتحرك في هدوء، ملوحة لهما من النافذة حتى غادر القطار محطته. تحركا سويا دون أن ينبس أحدهما بحرف واحد حتى وصلا العربة. كان عليها أن تجلس إلى جواره، فليس من اللائق أن تجلس بالخلف ليقود هو موضع سائقها. ترددت لحظة قبل أن تفتح الباب وتستقر على المقعد جواره.
بعد أن جلس هو خلف المقود، لا تعلم لما استشعرت بشفافيتها أن ذبذبات التوتر بالعربة قد زادت. أدار السيارة وانطلقا. كان يراقبها بطرف لحظه، حتى أنها ما انتبهت وهو يبتسم في سعادة، لكونها تشعر بالراحة وهي تتطلع للشوارع في حبور. كان لها فترة طويلة ما بين سرير المشفى وسرير غرفتها، منعزلة تماما عن العالم. ويوم أن فكرت تخرج، كانت غرفة القراءة هي ملجأها كالعادة. اللحظة يراقب انتشائها في فرحة داخلية غمرته، أعطته أمل يود لو كان صادق هذه المرة، بأنها بدأت تنسى كل ما مر بها، وأن ذكرى محمد قد بدأت تتلاشى بعض الشيء بداخلها.
مد كفه يشغل راديو العربة، ليصدح أحد المغنيين متأسياً:
"هوصلك حتى لو عارف إني ممكن أموت.. هوصلك ولازم تحسي باللي حبك موت..
ولو أيديكي ما لمستش أيديا.. كفاية عليا أموت وأنا شايف.. لهفتك علياااا.."
هتف عاصم مازحاً:
"أهو الأخ ده بيفكرني بالإخ التاني بطل الحب في زمن الكوليرا."
هتفت زهرة متسائلة بتعجب:
"إيه وجه الشبه بينهم؟!"
هتف عاصم وابتسامة على شفتيه:
"الاتنين فجريين."
قهقهت زهرة حتى دمعت عيناها، ما جعل سيطرته على العربة، بعد هذا الاضطراب الحادث في أوصاله، درب من تحمل مستحيل اجتازه بنجاح، وهو يسيطر على مقود العربة في احترافية. هاتفا يكمل حديثه بنبرة حاول السيطرة كذلك على ثباتها:
"والله صح.. الاتنين فجريين.. واحد عايز يوصل لما بجي بتاع تمانين سنة.. والتاني يوصل وعايز جال يموت.. مفيش حد عايز يوصل وهو بصحته.. وفعز شبابه.. وهو حي يرزج!!"
علت ضحكاتها من جديد، ليلعن ذاك الخلل في ثباته، الذي يثيره مجرد ضحكات بريئة كزلزال ضرب الأرض بغتة دون مقدمات.
هتفت فجأة تستوقفه:
"أوقف هنا بسرعة."
ما دفعه لينتقض مطروداً خارج جحيم خواطره، هاتفا في ذعر:
"إيه في؟!"
ضغط على المكابح لتتوقف السيارة جانباً. تطلعت نحوه في تعجب وهمست متأسفة:
"أنا خضيتك!! مكنش قصدي والله.."
هتف وهو يعلم أن شروده وتيهه كان السبب، فهتافها لم يكن بهذه القوة، لذا هتف مبتسماً:
"محصلش حاجة.. خلتينا نوجف ليه؟!"
أشارت لمحل على أحد جوانب الطريق، مؤكدة:
"هنزل أجيب حاجة من المحل ده وجاية على طول."
هتف يهم بالنزول معها:
"متروحيش لحالك.. أنا چاي معاك."
هتفت به معاتبة:
"عاصم.. أنا كويسة والله وهقدر أصرف أموري بنفسي.. ولو احتجت حاجة هرجع لك."
هز رأسه موافقاً، ولم يجرؤ على التفوه بحرف، منتظراً إياها خلف مقود العربة. عيناه تتبعها حتى دخلت إلى وجهتها. لا تعلم أنها نطقت اسمه بطريقة جعلته أشبه بأنشودة ترنح قلبه على أنغامها كما السكير.
أمسك بهاتفه وفتح صفحة ملاحظات يدون بها خواطره المبعثرة قبل نشرها، وبدأ يخط مشاعره اللحظة، كاتباً:
"قلبي.. كغيمة هوى حبلى بعشقها.. فمتى يا مطر العشق على أرض قلبها تهطل!"
تنهد مغلقاً الهاتف بعد أن كتب الخاطرة، لتعاود نظراته التطلع نحو موضع غيابها. لا يعلم أنها في انتظار تغليف مشترواتها. دفعت حسابها، وأسرعت للخارج حتى لا تتأخر عن عاصم أكثر من هذا. تنبه لخروجها فشعر بالراحة، وأدار العربة ليستأنفا رحلتهما من جديد. لكن بعد شارعين تقريبا، توقف مرة أخرى. تطلعت إليه مستفسرة، ليهتف مؤكداً:
"المرة دي دوري أنا.. هدخل اچيب حاچة من محل هنا ع الناصية.. وأجي بسرعة.. تحبي تاچي معاي."
قدم عرضه الأخير بلا حماس، ما دفعها لتهتف نافية، رغبة في إعطائه بعض الخصوصية:
"لا.. روح أنت شوف عايز تجيب إيه.. وأنا هستناك هنا."
هز رأسه متنفسا الصعداء، فلم يكن يرغب في قدومها معه بالفعل. اندفع إلى حيث اراد، بينما ظلت هي تتابع الناس بالشارع العامر. توقف أمامها صبي صغير، يطلب الإحسان. لم تكن تملك بعض الجنيهات، فقد قضت على كل ما كان معها بالفعل. تنبهت لموضع هاتف عاصم الذي تركه هنا، فوجدت بعض الجنيهات أسفل موضعه. رفعت الهاتف وتناولت النقود دافعة بها للصبي، الذي اقتنصها واندفع مبتعداً. وما أن همت بوضع الهاتف، حتى شعرت بالفضول نحو محتواه. ارتجفت كفها وهي تخترق خصوصيته بهذا الشكل السافر، لا وعي لديها لما تفعل ذلك، إلا أنها تفعله. كان الهاتف بلا كلمة سر، أو أي حواجز، ما جعلها تدخله بسهولة. ففتح الهاتف على أخر صفحة أغلق عليها. تطلعت في دهشة نحو صفحة الملاحظات، وتساءلت: هل يكتب عاصم مثل هذه الخواطر التي تحتوي على كلمات العشق والهوى!
أعادت قراءة الخاطرة من جديد، وأعجبتها كثيراً. يمكن أن يكون قد نقلها من أحد الصفحات، أعجبته كلماتها، فأحب الاحتفاظ بها. شعرت بمنطقية استنتاجها، فأغلقت الهاتف بسرعة، تضعه مكانه، عندما لمحت عاصم يخرج من ذاك الذقاق الجانبي، حاملاً كيس مشترواته، التي وضعها بالخلف، وهو يلقي التحية، معاوداً إدارة السيارة، منطلقاً نحو النجع. وصلا في غضون الربع ساعة، والتي كللها الصمت التام. فقد كانت مأخوذة تماماً بفكرة أن يكون عاصم محب للأشعار والخواطر مثلها، تبتسم في رضا داخلي، أن بينهما أمراً مشترك واحد على الأقل. استأذنت في هدوء، لتندفع لداخل السراي في خفة أسعدته، فقد بدأت تستعيد زهرة القديمة إلى حد كبير. أما هو فقد ترك العربة لعبدالباسط، ليصفها موضعها، قبل أن يعود بها بعد ساعتين للسليمانية، ليحضر نوارة من عملها، حاملاً كيس مشترياته الثمينة، صاعداً بها لحجرته، ليضعها في قاع أحد الإدراج، مغلقاً عليها بمفتاح احتفظ به معه، في سلسلة مفاتيحه. فما بداخل هذا الدرج لن يخرج إلا بأوانه. جلس متنهداً في راحة، وما أن فتح جواله، حتى طالعته خاطرته التي كتبها بالعربة. استعادت ذاكرة قلبه صوت ضحكاتها من جديد، ما جعله يبتسم في سعادة بالغة، ناقلاً الخاطرة لصفحته التي أهملها منذ فترة، بعد كل تلك الأحداث المتلاحقة التي مرت بهم، وضغط زر النشر، مزيلاً إياها بلقبه، شيخ العاشقين. وألقى الهاتف جانباً، ليتمدد قليلاً.
بينما هي اندفعت من داخل الحمام نحو الهاتف، عندما جاءها إشعار ما. تطلعت نحو الهاتف في سعادة، فها هو شيخ العاشقين يعاود نشر خواطره على صفحته من جديد، بعد انقطاع دام لفترة، شعرت فيها بالخواء الشديد. فقد كانت خواطره دوماً ما توافق اختياراتها إذا ما كانت مقتبسة من بعض الأعمال التي قرأتها، أو توافق هوى نفسها إذا ما كانت من وحي إبداعه الشخصي. فتحت الصفحة، وبدأت في قراءة الخاطرة، لتفغر فاها في صدمة. أليست هذه هي الخاطرة التي قرأتها منذ الساعة تقريباً في ملاحظات هاتف عاصم! .. ماذا يعني هذا!.. شهقت في ذهول.. وهي تقرأ الخاطرة للمرة الثالثة هذا اليوم.
تنهد في تعب، وهو يتطلع لها، جالسة بمقعدها جوار نافذة القطار، وأحدهم يجاورها، ما دفعه ليهتف في نبرة عاتبة:
"كده يا بت خالتي!! طب مش تقولي إنك مسافرة النهاردة!! اعرف كده من رائف فجأة.. كنت قulتي.. كنا حجزنا سوى بدل ما كل واحد فعربية كده!!"
تطلعت فريدة إلى سامر في صدمة، ما الذي أتى به إلى هنا! وها هو يمثل في براعة مدعياً قرابتهما.
هتف الرجل الذي كان يجاور فريدة، مقترحاً:
"والله يا استاذ.. معنديش مانع لو تحب نبدل كراسينا سوى!!"
هتف به سامر في امتنان:
"ده يبقى ذوق كبير من حضرتك.. اتفضل تذكرتي أهي.. وكتر ألف خيرك."
نهض الرجل في هدوء، تاركاً مقعده لسامر، الذي زفر في راحة، متطلعاً نحو فريدة في سعادة، يهتف مازحاً:
"سلامات يا بنت خالتي!!"
ابتسمت فريدة متطلعة نحوه، هاتفة في تعجب:
"كان ليه كل التمثيلية دي؟!"
هتف سامر متعجباً بدوره:
"اسيب حد غريب يقعد جنبك وأنا موجود.. طب ما أنا أولى.."
أمسكت ضحكاتها ولم تعقب، لكنها تنبهت فجأة لأمر ما فهتفت متسائلة:
"قولي صحيح.. هو أنت ليه اصلا هتسافر على إسكندرية.. عندك حاجة مهمة هناك؟!"
تطلع نحوها مبتسماً:
"أه.. رايح أزور خالتي."
هتفت ضاحكة:
"هي مش دكتورة سميحة دي تبقى خالتك برضه؟!"
أكد سامر:
"أه.. خالتي الأولانية.. أنا رايح بقى أزور خالتي التانية.. أصل أنا فصلة الرحم معرفش ياما أرحميني."
ضحكت فريدة محاولة أن تضبط مستوى ارتفاع ضحكاتها داخل القطار، فخرجت الضحكة رقيقة ناعمة، أورثته اضطراباً. لتهتف هي متسائلة:
"بس فين شنطتك!! أنت مجبتهاش معاك من الكرسي التاني على فكرة!!"
أكد مقهقها بدوره هذه المرة:
"أنا مجبتهاش معايا من النجع على فكرة!!"
تطلعت نحوه متعجبة، ليستطرد هو مؤكداً في إيماءة إيجاب من رأسه:
"ايوه مجبتهاش.. أصل أول ما عرفت إنك مسافرة.. نطيت في عربية رائف.. ورمتهاله عند المحطة.. ودخلت أجري اتاكد أن القطر بتاعك ممشيش.. حاولت احجز ملقتش للأسف حجز.. طبعا ما أنا جاي على آخر لحظة."
هتفت متعجبة:
"اومال التذكرة اللي بدلتها مع الراجل دي إيه؟!"
أكد سامر:
"ما انا ربنا بيحبني بقى.. ولقيت راجل بينده عليا وبيقولي يا أستاذ.. أنت يلزمك تذكرة.. أنا هبيع لك تذكرتي.. عشان حصلت لي ظروف ومش هقدر أسافر النهاردة.. قلت يا فرج الله.. اشتريت منه التذكرة ونطيت فالقطر.. وقعدت أدور عليك."
هتفت مبتسمة:
"كويس إنك لقيت تذكرة."
أكد مبتسماً بدوره:
"حتى لو مكنتش لقيت تذكرة.. كنت هركب برضو."
أكدت وقد اتسعت ابتسامتها:
"بس مكنتش هاتقدر تعمل التمثيلية الهايلة اللي عملتها من شوية!!"
قهقه مؤكداً:
"وحياتك أنت.. متعرفنيش.. ده أنا كنت قلبت لهم قرد هتا.. لحد ما اخد الكرسي اللي جنبك.. ويبقى اللي يقومني يفرجني."
أمسكت ضحكاتها، التي كانت تكتمها هذه المرة، ليشعر بالاضطراب اللذيذ من جديد، متطلعاً لوجهها الذي زاد تورده، ما جعله يهتف مقترحاً:
"إيه رأيك نروح عربية البوفيه نشرب حاجة؟!"
هزت رأسها موافقة، لينهض تاركاً إياها تسبقه، محاوطاً إياها، وهي تسير في ذاك الممر الضيق بين صفي المقاعد المتوازية.
قاومت كثيراً أن تفتح الرواية داخل العربة وهي قادمة من نجع السليمانية. حتى أنها ألقت بها في جوف حقيبتها حتى لا تكون في متناول يدها. تكاد تقسم ما أن وصل عبدالباسط لعتبات السراي، أنها الفترة الأطول على الإطلاق التي قضتها بالعربة، قاطعة المسافة بين نجعيهما.
دفعت باب حجرتها في لهفة، وحمدت الله أن ما من أحد بالغرفة سواها. أخرجت الرواية من قلب حقيبة يدها التي وضعها جانباً، والتقطت شهيقاً قوياً عبأت به صدرها، محاولة أن تضبط انفعالها ودقات قلبها المتزايدة في اضطراب، لكن بلا جدوى.
فتحت الرواية لتجد خطاباً بالداخل، مطوياً بعناية. فضته على مهل، وبدأت تقرأ في تمهل، محاولة التركيز على كل كلمة، بعد أن كاد يطيش صوابها مع قراءة أول كلمة.. "نوارة الروح".
"نوارة الروح،
مش عارف إزاي كتبت كده، ولا المفروض عليا إني أكتب ده من أساسه! بس كان لازم أقول لك إن ده لقبك عندي من أول مرة شفتك فيها. أيوه.. يمكن متصدقيش كلامي، لأن دايماً كانت مقابلاتنا فيها شد وجذب.. بس دي الحقيقة.
نوارة، مبقاش ينفع خلاص مقولكيش على اللي في قلبي. أنا بحبك، أيوه.. بحبك."
توقفت عند هذا الاعتراف، وما عادت قادرة على كبح جماح دموعها. لا تعلم لم تبكِ من الأساس! فهو يعترف لها بحبه، عليها أن تكون الإنسانة الأكثر فرحاً وصخباً. لكن بعض الدموع هي التعبير الأصدق عن حالة القلب المدله عشقاً. مسحت دموعها التي كانت تشوش عليها رؤية الكلمات، لتستكمل اعترافه:
"أنا عايز أتقدم لك يا نوارة. لو موافقة، ابعتي لي على الرقم ده إنك موافقة، وأنا هتصل آخد ميعاد من أهلك، وأجيب الدكتورة دلال وأجي. ولو مفيش نصيب.. مش عارف أنا ممكن أعمل إيه عشان أخليكي توافقي. بس قلبي بيقولي إنه هيكون.. يا ترى قلبي صادق ولا موهوم! في انتظار ردك أكيد."
قطعت نوارة القراءة، هاتفة في غيظ وبنبرة تحمل غيرة واضحة: "يا سلام! والست مهرة دي إيه حكايتها؟ هي مش خطيبتك؟"
أكملت القراءة لترى ماذا يقول:
"وملاحظة صغيرة. عارف إنها هتيجي على بالك أكيد. أنا مفيش بيني وبين مهرة أي ارتباط. دي كانت قراية فاتحة ومن سنين، ومتفقناش، وكل واحد راح لحاله."
ابتسمت في سعادة كبلهاء عندما أجابها على وضع مهرة بحياته، سعيدة أنه قرأ أفكارها كأنه أمامها. واستطردت من جديد:
"كده أنا جاوبتك على كل اللي جه في بالك. أنا عارف إنك مش جاية بكرة السليمانية، عشان كده قلت أديك الجواب النهارده، عشان تاخدي وقت تفكري. حلو قوي عليك يوم بحاله تفكري وتقرري. كفاية إني هستنى فيه على نار لحد بكرة بالليل. في الانتظار.. رائف."
أنهت نوارة قراءة الخطاب، متطلعة نحو أحرفه وكلماته بعدم تصديق. ولولا اسمه الذي يزيل نهاية الخطاب، ما صدقت أبداً أن رائف هو صاحبه.
ضمت الرسالة لصدرها، ثم لثمتها عدة مرات. تكاد تندفع لترسل له موافقتها، لكنها تريثت حتى تبدو بمظهر الفتاة الحكيمة. هاتفة لنفسها بصوت مسموع: "اهدّي يا نوارة، مبقيش هبلة. اتجلي شوية، خليه يستنى مواجهتك ويعرف إنها مش بالساهل. وكفاية عرفتي إنه بيحبك."
اتسعت ابتسامتها عند إدراك هذه الحقيقة.
دخل يونس إلى الدار من موضع دخوله، حيث ذاك الدرج الذي يوصله الطابق العلوي دون المرور على الطابق السفلي، حيث سماحة وأهلها، حاملاً كيساً بلاستيكياً قيماً.
فتح الباب الذي يطل على السلم الداخلي الرابط بين الطابقين، هاتفاً: "يا سماحة، يا واد يا سماحة."
ردت سماحة في عجالة: "أيوه يا يونس بيه!"
أكد عليها يونس: "أطلع عايزك."
اندفعت سماحة صاعدة الدرج حيث يجلس يونس بالداخل. تقدمت نحو مجلسه، هاتفة: "أوامرك يا بيه، نجهزوا الغدا."
هتف بها يونس: "سيبك من الغدا، وخد ده."
تطلعت سماحة نحو كفه الممدودة بهذا الكيس الأنيق، متسائلة في ريبة: "إيه ده؟"
تطلع نحوها يونس، هاتفاً في حنق: "ما تاخده وتعرف، بدل إيدي الممدودة دي!"
تنهدت ليده الممدودة إليها بالفعل، فاندفعت تتناول الكيس، وتطلعت داخله في حذر. ما دفع يونس ليهتف مازحاً: "متخافيش يا حزين، هيكون إيه يعني؟ صاروخ! طلعه وشوف."
مدت سماحة كفها داخل الكيس، لتخرج علبة قيمة، مرسوم على واجهتها صورة هاتف محمول قيم، ما دفعها لتهتف في سعادة: "ده محمول يا بيه!"
قهقه يونس مؤكداً: "والله وطلعت نبيه يا سماحة، ده إيه المفهومية دي كلها!"
زَمّت سماحة ما بين حاجبيها، ليدرك يونس أنها غضبت لسخريته منها. لكنها هتفت في نبرة مهادنة: "مبروك عليك يا بيه، تعيش وتجيب."
وهمت بأن تمد كفها نحو يونس، تعيده إليه، إلا أنه هتف مؤكداً: "ده مش ليا، ده ليك يا سماحة."
تطلعت نحو يونس متعجبة، وهتفت: "ليا أني! ليه يا بيه تكلف روحك! هعمل بيه إيه؟"
هتف يونس في هدوء: "مفيش تكلفة ولا حاجة، وبعدين ده لزوم الشغل برضه."
هتفت سماحة ساخرة في رعونة: "شغل إيه يا بيه اللي هعوز فيه محمول! هراقب الأسهم في البورصة؟ ولاه الحسابات اللي في سويسرا."
تنبه يونس أن كلماتها الأخيرة لا تخرج من امرأة جاهلة كما أوهمته. وأدركت هي خطأها الفادح، فهتفت في اضطراب، مؤكدة: "ملوش عازة يا بيه، أنت أولى بتمنه."
هتف بها يونس، محاولاً أن يبدو طبيعياً في رد فعله: "بقولك إيه يا واد! أنا مليش في المناهدة. أقولك خده تاخده، سامعني!"
توقفت بلا حراك، ولم تنبس بحرف، ما دفع يونس ليهتف متسائلاً في حنق: "خبر إيه يا واد الجناوي! إيه في!"
تطلعت سماحة نحوه، متسائلة: "البتاع ده فيه خط ومشحون رصيد، ولا هنغرموا يا بيه؟"
تطلع يونس نحوها لبرهة، ثم انفجر مقهقها حتى دمعت عيناه، وهتف أخيراً ما أن هدأت وتيرة ضحكاته: "لأ فيه خط يا حويط وعليه نمرتي، ومشحون كمان رصيد يكفيك تكلم سويسرا تتطمن على فلوسك يا فجري."
هزت سماحة رأسها في امتنان، هاتفة: "تسلم يا بيه وتهادي، نردهالك يوم فرحك يا بيه.."
تطلع يونس نحو سماحة، وهمس متخابثاً: "أنتِ هتردي لي أكتر من كده يوم فرحي يا خفيف.."
اضطربت سماحة، لا تعلم لما، واندفعت تستأذن متعللة بنداء أمها لأمر مجهول، كالعادة عندما ترغب في الهرب من أمامه. ليتبعها بقهقهاته التي لحقت بها حتى حجرتها، لتضم هديته لصدرها في سعادة لا يمكن وصفها.
خرجت من الجامعة بعربيتها بعد أن أنهت محاضراتها بآلية. كل ما كانت تفعل في الفترة الماضية كان بآلية رهيبة أشبه بجسد نُزعت منه روحه. أثار ذلك تعجب كل من يعرفها، لكن ما من أحد يعرف سر ذاك التغير العجيب. وكأنما تم استبدالها بأخرى إلا بعض المقربين منها فقط.
إن ذاك العشق الذي يمسك بتلابيب قلبها يكاد يزهق روحه وجعاً. ما عادت قادرة على التظاهر بعكس ما تشعر.
غامت الرؤية أمام ناظريها بفعل بعض الدمع الذي تجمع بمآقيها. سحبت شهيقاً قوياً لعله يهدئ بعض من ذاك الأتون المستعر بفؤادها. ومدت كفها لمشغل الأغاني ريما يلهيها قليلاً عن ذاك الوجع.
صدحت الأنغام مترنمة:
وسط الشوارع ناس كتيرة مروحين
والناس ياقلبي هما هما وهو فين؟
وأنا ماشية بتلفت وبسأل كل يوم
بيعمل إيه دلوقتي وبيحلم بمين؟
لم يعد بإمكانها الصمود أكثر، فانساب سيل الدمع وشهقت في قهر، ما دفعها لتصف عربتها جانباً لتنخرط في بكاء مرير تفرغ فيه كل أوجاع الهوى التي تثقل القلب.
أشار هو لإحدى سيارات الأجرة متلحفاً بمعطفه الثقيل وتلك القبعة الصوفية. كان يخفي وجهه خلف إحدى الكوفيات زاعماً تظاهره بالبرد الشديد في هذا الجو الماطر.
توقفت إحدى العربات ليندفع داخلها في المقعد الخلفي متنهداً. فما كان له القدرة على التحرك عار الوجه. أكد منتصر للسائق على وجهته، أومأ برأسه موافقاً ومد كفه ليرفع من مستوى صوت المذياع والذي كان يترنم بأغنية أعادت له ذكراها. عندما كان يقف مبتعداً في ركن قصي يتظاهر بأنه لا يراها، بينما كان يراقب كل تصرفاتها وجنون أفعالها مع صديقاتها.
ذكرته الأمطار بما فعلت يوم أن هطلت بشدة. اندفعت كل صديقاتها للاحتماء تحت بعض الأسطح والمظلات، إلا هي. كانت تقف في تحدٍ أسفل زخات المطر ترفع وجهها في مواجهة السماء تستقبل قبلات المطر على وجنتيها الندية في شغف. كان يقف يبهره منظرها وتأسره شقاوتها.
دمعت عيناه بلا وعي منه وكلمات الأغنية تنساب إلى مسامعه وهو يتطلع نحو الشارع الموحل:
"كنا في أواخر الشتا قبل اللي فات..
زي اليومين دول، عشنا مع بعض حكايات."
تاه في ذكرياته معها حتى أنه لم يتنبه للسائق الذي هتف به، ربما للمرة الثالثة، أنه وصل لوجهته المطلوبة. أنقذه الأجرة واندفع خارج السيارة يفر من ذكرياته التي تؤرق مضجع القلب.
لا يعلم لم لم يندفع كعادته موبخاً نعمة على رفع صوت المذياع بهذا الشكل الذي يفقده تركيزه للمذاكرة! تنهد مستنداً بمرفقيه على سطح مكتبه، لا يعلم ما دهاه. وبشكل لا إرادي مد كفه ليفتح أحد الأدراج ممسكاً ذاك التذكار الوحيد الذي يحمله منها. تطلع لذاك العقد الرخيص الذي تذكر أنه كان هدية يوم مولدها. كان قد اشتراه لأجلها من مصروفه الأسبوعي.
نهض من موضعه في اتجاه النافذة يتطلع من خلف زجاجها لذاك الجو الماطر. وعقدها الغافي على كفه كأنه جمر يحرق باطنه.
فتح ضلفتي المصحف الصدىء المدلى من العقد ليجد صورة لهما كانا قد التقطاها يوماً ما. لا يذكر متى كان ذلك. لكن يبدو أنه كان في أحد الأعياد. كانت تضع صورته بجانب وصورتها بالجانب الآخر.
ظل يتطلع لصورتهما لبرهة قبل أن يطبق على العقد كفه في حسرة ورفع ناظره ليقع على نافذتها المقابلة المغلقة منذ مدة وكأنها دهر. وبلا وعي انسابت عيناه على الطريق أمام عتبات منزلها ليذكرها تمرح في شقاوة وتجذب الفتيات لتضربهن. أدرك أنها ما كانت تفعل ذلك إلا غيرة لاهتمامه بهن دونها.
ابتسم في شجن رغماً عنه وصورتها وهي بعد طفلة تتقافز بين الأمطار اللحظة، وكذلك وهي تمسك بكفه تقفز معه جنباً لجنب، في تلك اللعبة، من أجل الوصول لنقطة النهاية وقد ربطا قدميهما سوياً. واتسعت ابتسامته وهو يبصرها بعين خياله تهلل للنصر. لا تعرف أنها انتصرت منذ أمد بعيد، وفازت بقلبه دون أن يدري حتى. بينما هو كان الخاسر الوحيد. كان خاسراً لحب بهذا العمق وقلب بهذه الروعة.
تنهد من جديد وهو يفتح كفه متطلعاً لعقدها الذي يضم صورتهما، موقناً أنه كان مخطئاً إن ظن أن هذا العقد هو التذكار الوحيد الذي يحمل منها. فقد تأكد له أنه يحمل أيام عمره كلها برفقتها. ذكرى منها تعذبه فيبعادها بشكل ما كان يتوقعه أبداً.
تنهد من جديد وكلمات أغنية المذياع المنسابة الآن إليه من حجرة نعمة تقلب عليه مواجع ما هجعت من الأساس:
"على سهوة ليه الدنيا بعد ما عشمتنا..
وعيشتنا شوية رجعت موتتنا..
والدنيا من يوميها يا قلبي عودتنا.."
لما بتدي حاجات قوام تاخد حاجات.
عاود الجلوس لمكتبه محتفظا بعقدها داخل ذاك المخبأ بداخل أحد الأدراج حتى لا تطاله يد. وقد بات على يقين إن رغب في تذكر حسن فما عليه إلا تذكر أيام عمره الماضية ليجدها ماثلة هناك، تشاركه كل ذكرى في عمره الماضي. فهل ستشاركه كذلك بأيام عمره القادمة؟
كان يجلس موضعه في تلك الردهة الطويلة، حيث ينتظر توزيع أوراق امتحانهم الأول. ظل يتطلع نحو مكان دخول الطلبة، يأمل أن يرق قلب جدتها وتتركها تستكمل امتحاناتها لسنتها الأخيرة. لكن مر الوقت وجلس الجميع، وبدأ المراقبون في توزيع أوراق الإجابات، وها هم يوزعون عليهم ورق الأسئلة. تنهد شاعراً بإحباط كبير. كان يتمنى لو حضرت. وضع رأسه في الورقة أمامه، يشعر بالذنب تجاهها. فكره بدوره قد توقف، فما عاد لديه رغبة في إكمال الامتحان. لكنه تحامل على نفسه، مؤكداً أنه كان يتوقع رد فعل جدتها. رفع رأسه يحاول أن يهدئ من روعه قليلاً، حتى يستطيع أن يكمل الإجابة على الأسئلة، ليقع ناظريه عليها، وهي تلهث مهرولة، تحاول أن تسوق الأعذار لتأخرها، حتى يسمح لها المراقب بدخول الامتحان. تنفس مروان الصعداء ما أن أدخلها المراقب، ووضع أمامها أوراقها، التي تناولتها وبدأت في الإجابة في سرعة. ولم تنس أن تلقي ببعض النظرات هنا وهناك ما بين دقيقة وأخرى، حتى ارتاحت وارتسمت ابتسامة على شفتيها ما أن أدركت موضعه، ورأته أخيراً.
على الرغم من أن ذاك الهاتف السري الذي أوصله لها عن طريق عنتر، يكفيهما شر الشوق، لكن رؤيتها له أمراً آخر. فقد شعرت أن الحياة قد دبت في أوصالها من جديد، وهو لم يكن بأقل منها شوقاً لمحياها. لكن ما أن انتهى الامتحان، حتى حاولت الاقتراب منه، لكنه ألقى لها بنظرة محذرة، خوفاً من أن تكون جدتها قد أرسلت خلفها الجواسيس لتدرك أنها بالفعل جاءت لإنهاء اختبارها فقط. ما دفعه ليمر بها، دافعاً كرسيه الدولاب، دون أن يهمس بحرف، حتى وصل لموضع بقاء خفيره، الذي ساعده في الوصول للعربة، وكذا هي سارت حتى سيارتها.
خرجت السيارتين للطريق، وكانت آية تحاول تجاهل وجود سيارته جوارها، لا تحيد بناظرها نحوه حتى لا يذهب خفيرها مبلّغاً جدتها عن كل شاردة وواردة قامت بها، ما قد يدفعها بالفعل هذه المرة لحرمانها نهائياً من استكمال اختباراتها.
كان خفير مروان، يدرك الأمر، فما أن يسبق خفير آية حتى يوازيه مسرعاً. وما أن يبطئ حتى يبطئ بدوره. لكن مروان ربت على كتفه، أمراً إياه بترك سيارة آية تمر، دون اعتراضها، ليدخلا النجع للمرة الأولى، متعاقبين، لا متلازمين خوفاً على آية من بطش جدتها، والتي حادت بناظرها تجاه عربة مروان، قبل أن تختفي في ذاك التقاطع مبتعدة، تعزي روحها، أنها ستراه خلال فترة اختباراتهما وهذا يكفيها، مؤقتاً.
هتفت سهام في تعجب: هو إيه اللي بتجوليه ده؟ كيف يعني مش بيكلمك ولا بياچيك؟ طب خليكي معايا كده يا سمية، أمي بتنادم عليا، متجفليش.
اندفعت سهام نحو سمير، الذي ظهر قبالتها اللحظة، وكأن القدر قد أرسله لتهتف به لائمة في حنق: يعني كلنا عارفين إنك رايدها، كيف يعني لا بتكلم الغلابة ولا بتروح لها؟
تطلع لها سمير متعجباً: إيه في؟
هتفت سهام: أنا اللي مفروض أسأل، إيه في؟ سمية بتجول إنك لا بتكلمها ولا بتروح تزورها، كنك نسيت إنك خاطبها، وخلاص كتب كتابكم بعد كام يوم!
هتف سمير مضطرباً: هي اشتكت لك؟
هتفت سهام مؤكدة: أيوه، واهي معايا ع التليفون، خد كلمها وطيب بخاطرها.
ألقت سهام له الهاتف، بعد أن فتحت السكة، تاركة إياه غارقاً في تيهه، قبل أن يهمس في نبرة كساها بالثبات على قدر استطاعته: السلام عليكم، كيفك يا سمية.
اضطربت بدورها، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يحادثها فيها تليفونياً، وهمست في رقة أذابته: الحمد لله، كيفك أنت؟
رد في هدوء مصطنع: أني بخير، بجولك، أني چاي لكم النهاردة.
هتفت مرحبة: تشرف فأي وجت، ده بيتك.
أكد في هدوء: طب أنا هستأذن عمي ماهر، وهكون عندكم كمان ساعة.
ردت في رقة: هنستناك، مع السلامة.
رد بدوره: الله يسلمك.
واغلق الهاتف، ملقيه جانباً، واندفع يعد نفسه لزيارتها، حاملاً معه ما لذ وطاب.
وما أن وصل لدارها، حتى استقبله عبدالله، هاتفا في حفاوة: أهلا يا سمير، عاش مين شافك يا عم، ده إحنا كنا بنشوفوك أكتر من كده جبل ما تخطب البت سمية، ولا شكلها مطفشاك من دلوجت!
جلس سمير ولم يعقب، ترتسم على شفتيه ابتسامة لمزاح عبدالله، لكن تلك الابتسامة اختفت، ما أن هلت سمية، تقف على أعتاب الباب في وداعة، ليقفز قلبه من بين أضلعه، مهرولاً إليها، يكاد يحتضنها شوقاً.
غض الطرف عنها، رحمة بفؤاده، بينما دخلت هي ملقية السلام في رقة: السلام عليكم يا سمير.
كاد أن يولي هارباً، بعد أن سمع اسمها ينطق من بين شفتيها بكل هذه العذوبة. علم الآن لم كان يتهرب من القدوم لزيارتها، أو حتى الحديث إليها هاتفياً! فهذه الوداعة والرقة تأثره كلياً، فلا يعود قادراً على الفكاك. رقة فطرية لا تصطنعها، تذيب بدمه أطنان من حمض حارق تكاد ترديه قتيلاً وهي لا تدري من أمره شيئاً.
رد السلام بصوت متحشرج، ما استطاع تبديل نبرته المشبعة بالاضطراب. ليهتف عبدالله مازحاً: طب أجوم أنا عشان مبجاش عزول، أعمل لي كام سندوتش كده لحد العشا، أعمل لك معاي يا سمير؟
ابتسم سمير، وهتف مازحاً: لو سندوتشات لحمة معنديش مانع، غير كده خليهملك.
تحسر عبدالله هاتفا: لحمة! والله أنت طيب يا نسيبي، جال لحمة جال! مااشي، والله لما انچوز لأخلي البت مرتي تعمل لي لحمة فطار وغدا وعشا وسحور كمان، أومال إيه، مش لازما نتأوتوا.
قهقه سمير على أقوال عبدالله مؤكداً في مزاح: أيوه صح، أصلك هي بتربي أسد مش بتأكل چوزها.
قهقه عبدالله، وكذا سمية، ليفقد قلبه بوصلته، وترتبك كل مفردات الكلم، وما عاد مدركاً يسراه من يمناه. إلا أن عبدالله استأذن مغادراً، تاركاً كلاهما معاً.
ساد الصمت بينهما لبرهة، وهم كل منهما بالحديث في نفس اللحظة، ليصمتا من جديد وعلى شفتي كلاهما ابتسامة خجلى، ليهتف سمير مشيراً نحوها: جولي كنت عايزة تجولي إيه؟
هتفت في هدوء، وعلى شفتيها ابتسامة باشة لا تنمحي: مفيش، بس كنت هجول، أنت بتحب إيه فالأكل، يعني أعرف.
أكد مبتسماً بدوره، وقد راقه اهتمامها: كل خير ربنا حلو، معنديش حاچة أجول عليها لاه، المهم إنه من يدك.
اضطربت خجلاً، ولم تعقب على كلماته الأخيرة، التي استشعر عليها الندم بدوره. ما كان هذا ما وطد النفس عليه. أكد لنفسه مراراً أنه سيعاملها بما يرضى الله، لكن لن يمد لها يد القلب قبل أن يتأكد أنها ستمسك بها ولن تفلتها. لن يفعل حتى يطمئن لرغبتها في ذلك. سيقمع ثورة مشاعره الصاخبة تلك، ويخمد نيرانها عنوة، حتى تشعل هي الفتيل، وتصبح بلا منازع، سيدة الثوار الأولى، بل هي الثورة ذاتها.
لا يعرف ما الذي دفعه للحاق بها وترك الورشة. شيء ما يدفعه ليفعل، رغم غياب نادر بالجامعة لتأدية امتحاناته، وكذا وجود المعلم ناصر بالأعلى مريضاً، حتى المعلم خميس جدها، قد أغلق المقهى اليوم، لموعده مع الطبيب الذي ذهب لزيارته بصحبة أمها. لكن ها هو يسير خلفها، تاركاً الورشة في عهدة الصبي.
خرجت من الحارة، ليخرج خلفها موقناً أن الأمر سيمر بسلام ما أن تصبح بالشارع الرئيسي، الذي تسلكه للوصول للسوق. عاد فقد كان كل شيء على ما يرام. وقف فالورشة يعمل، لكن خاطره كله ينصب على محياها. لا يعرف ما الذي يجعله بهذا الضعف الأحمق قبالتها هي بالذات!
انتفض مسقطاً أحد المفكات، وكاد أن يسب في حنق، عندما اندفع أحد الصبية هاتفا في عجالة: إلحقوا نعمة بت الأسطى ناصر، قدورة وصبيانه، ب...
لم يكن الصبي في حاجة لإكمال كلماته، فقد كان يكفيه أن يعلم أنها تتعرض لخطر ما حتى يهب مندفعاً لنجدتها، وخاصة في غياب أخيها الأكبر، ومرض أبيها.
وصل حيث صمّت أذنيه صرختها المذعورة تلك وقدورة، ومعه بعض من صبيانه، يحاولون التجروء عليها، ما جعلته ينتفض مسرعاً، يزود عنها، وقد غلى الدم بعروقه، يقف دافعاً إياها خلفه، لتحتمي به، هاتفاً بقدورة في ثورة: أنت محرمتش يا نچس! شكل العلجة اللي فاتت مكيفتكش.
جز قدورة على أسنانه في غضب، هاتفا: أنا كنت عارف إنك هاتيجي جري ورا السنيورة، وهتعملي فيها الواد المجدع. هي متخصنيش فحاجة، بس أنت بقى، ليك لازمة كبيرة عندي. أوعى تفتكر أن الصعايدة بس اللي مبيسبوش تارهم، وأنا كمان مبسبش تاري، وكنت مرقد للموضوع ده من بدري، وأهو جه أوانه. لا أخوها ولا أبوها هيقدر يجي يدافع عنك، ومحدش هيقدر يعارضني من اللي واقفين دول. يبقى أنت جيت لقضاك يا جميل.
كان راضي ما يزال يقف محاوطاً نعمة بجسده، حيث كانت تقف متشبثة بظهره، ترتعد رعباً. استشعره، وهي قريبة منه بهذا الشكل. فهمس بها مطمئناً: متخافيش.
هتف قدورة في غل، أمراً رجاله: عايزكم تأدبوه كويس، وبعدين ترحلوه، ياللاه.
اندفع رجال قدورة، كالثيران الهائجة، تنفيذاً لأمر ولي نعمتهم. حاول راضي، دفع نعمة بعيداً عن أرض الصراع، حتى يتفرغ لهم. لكن قدورة كان لها بالمرصاد، لتعود بعد أن همت بالخروج مندفعة من الدائرة التي تحيط بهما من رجاله، لتلوذ مرة أخرى براضي، محتمية بظهره، وقد بدأت في النحيب في ذعر.
بدأ العراك، وسدد راضي اللكمات والضربات للرجال في بسالة، لكن الكثرة تغلب الشجاعة مهما كان قدرها. أوسعوه ضرباً، بعد أن دفعوا نعمة بعيداً عنه. سقط في إعياء، لكنه هم بالنهوض متحاملاً على أوجاعه، ليستأنف المعركة. إلا أن أحد رجال قدورة، حصل على الإشارة المطلوبة، ليندفع نحو راضي، طاعناً إياه بمدية حادة، نازعاً إياها من موضعها بجسده في لامبالاة، راحلاً مع قدورة وباقي رجاله، كأن شيئاً لم يحدث. تاركين نعمة تندفع نحو راضي الذي سقط من جديد على ركبتيه، ممسكاً موضع جرحه النازف متأوهاً، لتتلقفه بين ذراعيها، وهي تصرخ في قهر، تنادي باسمه، لكن لا مجيب، وقد غامت الدنيا أمام ناظريه، وارتاحت رأسه على صدرها.