تحميل رواية «يونس وبنت السلطان» PDF
بقلم سعاد محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد تهديد ساره بالانتحار، ومعها الصغير يونس من فوق السطح، ب ثلاث شهور مع اقتراب موعد ولادة رشيده. نزلت إلى أسفل. أضاءت ضوء المندرة، فوجدت يونس نائمًا متكئًا على أحد المقاعد. اقتربت منه، وجدت وجهه متعرقًا بشدة يهذي. وضعت يدها على جبينه، تجث حرارته. تعجبت، ليس لديه حرارة. مدت يدها بحنان تمسد على وجنتيه، قائلة: "يونس، أصحى!" بينما يونس سمع صوتًا من بعيد يناديه، تعرف على الصوت، أنه صوتها، صوت رشيدة. استيقظ يونس بفزع، يحضن تلك التي تقف أمامه بقوة، هامسًا يقول: "رشيدة..." ابتلع ريقه بصعوبة، يعيد اسمها...
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد
بعد تهديد ساره بالانتحار، ومعها الصغير يونس من فوق السطح، بـ ثلاث شهور مع اقتراب موعد ولادة رشيده.
نزلت إلى أسفل. أضاءت ضوء المندرة، فوجدت يونس نائمًا متكئًا على أحد المقاعد. اقتربت منه، وجدت وجهه متعرقًا بشدة يهذي. وضعت يدها على جبينه، تجث حرارته. تعجبت، ليس لديه حرارة. مدت يدها بحنان تمسد على وجنتيه، قائلة:
"يونس، أصحى!"
بينما يونس سمع صوتًا من بعيد يناديه، تعرف على الصوت، أنه صوتها، صوت رشيدة. استيقظ يونس بفزع، يحضن تلك التي تقف أمامه بقوة، هامسًا يقول:
"رشيدة..."
ابتلع ريقه بصعوبة، يعيد اسمها خائفًا، رشيدة، يصارع أنفاسه المضطربة.
نظرت نرجس باستغراب، تقول:
"مالها رشيدة؟ أنا كنت معاها من شوية في الأوضة. ولما استغنينا عن رجوعك، هي كانت هتنزل تشوفك. بس أنا قلت لها خليكي أنتي مرتاحة، وأنا هنزل أشوفك بتعمل إيه. مالك؟ في إيه؟ أنت شوفت كابوس؟ أهدى كده واستغفر. وكمان أنا اللي نزلت عشان أقولك على سر عن رشيدة، مش بتذاكر وبتقرأ في كتب يونس الصغير عشان أما تذاكر له تبقى فاهمة كويس وتعرف تفهمه."
تنفس براحة، كأنه لأول مرة يتنفس بحياته. رد بابتسامة:
"لأ، متقلقيش. أنا عارف كده. إنها قالت لي وأنا مطنش. بس لحد ما تولد مش راضي أضغط عليها. بس هي هتولد قبل الامتحانات بشهر تقريبًا، وهيكون قدامها وقت تلم المنهج، وأنا هبقى أساعدها. وأنتي بقى عليكي بالصغير اللي هيشرف."
ابتسمت بمودة، تقول:
"بس هي تولد ومش هخليها تشيله. اطلع لها يا ولدي، دي قلقانة عليك من الصبح مشفتكش."
"روح لهادخل إلى الغرفة الخاصة بهم."
تعجبت رشيدة من شكل وجهه، يبدو عليه الانزعاج من شيء. وجدها تقف وتقترب منه بتلهف.
في لحظة، كان يضمها بين يديه بقوة، قائلاً:
"حبيبتي، قولي إن كنت في كابوس. حياتي من غيرك كابوس، مجدرش أتحملها."
"آنت بين يديه بألم، تمسد بيديها على ظهره، قائلة: حبيبى، أهدى. إيه اللي حصل وخلاك بالشكل ده؟"
ضمها بقوة أكثر، يهمس:
"أنا مش عايز من الدنيا غيرك أنتي وبس. أنتي أملي اللي بيحييني يا رشيدة. وجودك في حياتي بيديني القوة والأمل. من غيرك مش هقدر أكمل الطريق."
قبل جانب رقبتها عدة قُبلات.
ابتسمت وهي بين يديه، تقول بمزح:
"كل ده ليه؟ عشان قولت لك إني مش موافقة إنك تدخل يونس الصغير مدرسة داخلية وتبعده عن أهله؟ ونمت امبارح بعيد عن حضنك؟ وبعدين إيه اللي نزلك من هنا من الصبح بدري وسيبت الأوضة؟ وكمان خف يدك عني شوية، أنت ناسي إني حامل وأنت زانق بطني وجعاني."
تبسم يفُك حصار يديه عليها قليلاً، لكن مازالت بين يديه. أعاد رأسه للخلف، ينظر إلى وجهها متأملاً، يبتسم. قائلاً:
"من الليلة مش هتبعدي عن عيني ولا عن حضني يا بنت السلطان. أنتي مكانك هنا."
قال هذا وأشار إلى قلبه.
ردت بدلال:
"طب ما ده مكاني من قبل ما تشوفني في النيل، ولا نسيت يا ابن الهلالية ولا إيه؟"
تبسم، ينظر إلى وجهها برومانسية، قائلاً:
"قلبي مكانك أنتي الوحيدة يا بنت السلطان."
ظلت نظراتهم لبعضهم لدقائق.
خجلت رشيدة من نظراته لها، وأخفضت رأسها قليلاً.
لكن يد يونس رفعت وجهها، واقترب من شفاها يقُبلها بوله واشتياق جارف.
بعد قليل، وضع يونس ذالك الغطاء عليها، وهو يجلس خلفها على تلك الأريكة القريبة من ذالك الشباك الزجاجي بالغرفة. اقترب يضمها لحضنه، ينظران إلى السماء.
"لتضم نفسها إليه، قائلة: على فكرة، اللي حصل من شوية غلط. والدكتورة منعاه عشان خلاص الولادة قربت، وهي قالت لي بلاش. بس أنا مسمعتش كلامها."
تبسم، يضمها أكثر بين يديه، قائلاً:
"اللي حصل من شوية رد الحياة ليا. حسسني إنك موجودة في حياتي وإني عايش. وبعدين من امتى كنتي بتسمعي لتحذيرات الدكتورة؟ ولا جت على دي؟"
تبسمت، تنظر إلى السماء، تستنشق الهواء الآتي من الشباك. قائلة:
"القمر بدر الليلة، مالي نوره السما. وكمان الطقس بدأ يتغير، بقينا في الخريف. عادت نسماته ترطب حر الصيف. مين يصدق زي دلوقتي من سنة كنت برسم أحلام وأماني تانية، اتبدلت كلها."
همس يقول:
"وأيه هي الأماني والأحلام دي؟ ويا ترى كنت موجود فيها؟"
ضحكت تقول:
"أنت كنت أبعد إنسان عني. وجتها أحلامي كلها كانت في الستر للي بحبهم، وكمان يحققوا أحلامهم. بس بعدها بكام يوم اتحرق الرز بتاعنا. حسيت إن أمنيتي كانت وهم اتعلقت بيه."
تنهد يونس يقول:
"إلى تهميني بحرقه؟"
قال هذا وأدار وجهها إليه، ينظر إلى عيناها:
"أنتي مصدقة إني أنا اللي حرقته؟"
أخفضت وجهها، ثم رفعته، تومئ رأسها بنفي دون كلام.
تبسم يونس.
لكن ردت رشيدة:
"بس عندي إحساس مين اللي عمل كده."
تعجب يونس يقول:
"ومين ده اللي إحساسك بيقول عمل كده؟"
ردت رشيدة:
"ناجي الغريب أو مراته."
"همت بتكرهني؟"
"واتأكدت من كده لما كنت محجوزة في المركز."
نظر يونس باستغراب يقول:
"ليه؟ إيه اللي حصل يأكد إحساسك؟"
ردت رشيدة:
"وأنا في الحجز، همت بعتت لي في السجن واحدة مجرمة."
تحدث يونس بتفاجؤ:
"والمجرمة دي كانت عايزة إيه؟ تجتلك؟"
ردت رشيدة:
"لأ، كانت عايزة حاجة تانية."
نظر يونس بحيرة يقول:
"كانت عايزة إيه؟"
ردت رشيدة:
"عايزة تفضحني، وإني أسكت وأبطل أجيب في سيرة ولدها الحقير راجحي، وإلا هتفضح."
قال يونس:
"وكانت هتفضحك بإيه؟"
ردت رشيدة بخجل:
"كانت طالبة من المجرمة اللي بعتاها إنها تهتكِ عرضي."
"ووجدتها أخاف أتكلم."
نظر يونس بذهول قائلاً:
"تهتكِ عِرض؟ دا مستحيل تكون إنسانة، دي شيطان."
أكمل حديثه باستفسار:
"وأزاى ربنا نجاكي من المجرمة اللي كانت بعتاها؟"
تبسمت رشيدة:
"اللي نجاني الجن اللي مخبياه."
ضحك يقول:
"جني إيه؟ ما أنا عارف الحقيقة، أنتي بتهزري."
ردت ضاحكة:
"لأ، هو الجن اللي أنقذني."
سردت له ما حدث تلك الليلة، وعن ادعائها الكاذب على تلك المجرمة.
لم يستطع تمالك نفسه من الضحك، حتى أنه شرق من الضحك.
"يسعُلك."
"كذلك رشيدة."
تحدث من بين ضحكاته قائلاً:
"طيب، غيرت صوتك ودى سهلة. بس حمار عينيكي دا عملتيه إزاي؟"
صمتت، ثم قالت له وهي تتذكر ذالك اليوم، أنها لم تكف عن البكاء، فقد كانت تشعر بالخوف على يونس. قلبها، كانت تشعر به مسحوب منها. لم تشعر به إلا حين رأته أمامها بغرفة الضابط بالمركز.
ابتسم بزهو يقول:
"يعني بنت السلطان كانت واقعة فيا من زمان بجى، بس بدري."
ردت بخجل:
"لأ، مكنتش واقعة ولا حاجة. بس..."
قبل أن تكمل، شدها إليه، يقبلها قائلاً من بين قُبلاته:
"اعترفي يا بنت السلطان، العشق مش عيب."
ابتعد عن شفتيها، ينظر لوجهها، يهمس قائلاً:
"نامي يا ذات الخال، أنا مش هخلي أي حد يأذيكي تاني ولا يكسر آمالك."
تبسمت وهي تتمدد على تلك الأريكة، تقول:
"أنا هنام على الكنبة دي الليلة، عايزة أفضل أنظر للقمر لحد ما أنام."
رد وهو ينظر لعيناها المسلط عليها ضوء القمر:
"أنتي ساكنة القمر يا سمرة؟"
تبسمت تقول:
"دا لقب جديد ليا."
تبسم وهو ينام إلى جوارها، يجذبها لتنام بحضنه، قائلاً:
"أنتي عايزة قاموس ألقاب يوصفك يا بنت السلطان."
في ظرف ثوانٍ، كانت رشيدة تغُط في نوم عميق.
لكن يونس لم ينام، ظل ينظر لوجهها، تنهد بعشق وضمها إليه، يتذكر سبب ذالك الكابوس الذي رآه.
***
في ليلة أمس، وقفت رشيدة أمام يونس الذي يقول:
"أنا قلت لعمي غالب إني هدخل يونس مدرسة داخلية، وهو وافقني. المدرسة الداخلية هتبعده عن هنا عشان يقدر ينسى المعاملة السيئة اللي كان بيشوفها هنا."
ردت رشيدة:
"لأ، أنت كده بتنفيه عن مكانه وعن الناس اللي بيحبوه وبيحبوه. ده اللي هو محتاجه دلوقتي. حب اللي حواليه. وسارة أهيه بعدت بعد ما دخلت المصحة، وكمان نفيسة لمّت تعابينها وبعدت عنه."
تنهد يونس يقول:
"ده أفضل حل له، صدقيني. في المدرسة الداخلية هيقابل زملاء له من سنه وهيدخل معاهم في حوارات واشتغالات وهيتعلم يبقى زيهم. وكمان في المدرسة دي عندهم خبرة في التعامل مع الأطفال حسب حالاتهم النفسية."
ردت رشيدة:
"المدرسة الداخلية دي بتبقى للي فقدوا أهلهم، أو لإصلاح الطالب المشاغب. بس يونس مش مشغب، ولا فقد أهله، ولا عنده حالة نفسية. هو كل اللي عنده كان خوف من إنه يغلط غلط صغير مش مقصود، لأنه عارف إنه هيتعاقب عليه بشدة وبعنف. وهو كل اللي محتاجه الاحتواء، إنه يحس بالأمان مش أكتر."
زفر يونس أنفاسه يقول:
"رشيدة، لو سمحتي، أنا خلاص، أنا قَدّمت له في مدرسة محترمة، والمفروض يروح عشان ميتأخرش عن زمايله. الدراسة بدأت من مدة صغيرة."
ردت رشيدة بحزم:
"أنا بقول لأ، وأنت حر. مش من مصلحته إنه يبعد عن أهله في السن الصغير ده. وأنت حر، اعمل اللي بتريده."
"تصبح على خير."
قالت هذا وذهبت إلى الفراش وقامت بالنوم عليه.
زفر يونس أنفاسه وذهب إلى الفراش جوارها، حين جذبها للنوم بين يديه ككل ليلة.
تذمرت قائلة:
"أنا حاسة إني زهقانة، خليني بعيد عنك."
تضايق ولم يستطع النوم طوال الليل، وقام من جوارها فجرًا، ولم تشعر به.
ركب حصانه وسار يتجول به، يتنفس هواء الفجر العليل، يصفى ذهنه. اقتنع بما قالته.
عاد إلى الدوار مرة أخرى. مازال الوقت مبكرًا.
سمع صوت من تجلس تبكي. تتبع الصوت وذهب إليه، وجدها أنهار تبكي تحت أحد الأشجار.
وقف أمامها، وقبل أن يتحدث، وقفت له سريعًا، تمسح دموعها بكم جلبابها تقول:
"يونس بيه، جنابك عايز حاجة؟"
رد قائلاً:
"لأ، أنتي قاعدة هنا في الوقت ده ليه؟ وكمان بتعيطي؟"
ردت:
"مفيش حاجة، بس أنا افتكرت الغاليين عليّ."
رد بتأثر:
"أنا قررت إني مش هدخل يونس مدرسة داخلية، ومش هبعده عن أهله."
فرحة شديدة. انحنت أنهار كي تقبل يدهُ، قائلة:
"كتر خيرك، وربنا يفرحك بولدك عن قريب يا رب."
رد يونس:
"مش أنا اللي أستحق الدعوة دي، اللي تستحقها هي الست رشيدة، هي اللي أقنعتني. أدعي لها ربنا يسهل لها."
ابتسمت أنهار قائلة:
"والله محد مهتم بيونس قدها، دي هتبقى أم حنينة قوي. مع أن أول ما جات الدوار أنا كنت بعاملها بخشونة شوية، وكنت بستقصد أحرق دمها كيف ما الست نفيسة كانت بتقولي أعمل. جولها تسامحني يا يونس بيه، أنا كنت مجبورة."
ضحك يونس قائلاً:
"اطلبي أنتِ منها، وهي هتسامحك."
ردت أنهار بخجل:
"أستحي منها. وكمان في حاجة تانية أنا شاركت فيها، بس والله بأمر الست نفيسة."
نظر يونس قائلاً:
"وأيه هي؟"
ردت أنهار بخجل:
"الست نفيسة كانت طلبت مني وأنا بنضف أوضة ساعتك أنت والست رشيدة، أحط شريط في التسجيل اللي كان في الأوضة عشان يسجل اللي بتتكلموا فيه عشان تعرف كيف بتتعاملوا مع بعض. وأنا طاوعتها، والشريط سجل لكم وأنتم بتتحدثوا مع بعض."
نظر يونس بانزعاج قائلاً:
"وهي وصلت للدرجة دي؟ والشريط ده ولا هما كم شريط؟"
ردت أنهار:
"لأ، هما شريط واحد بس اللي اتسجل، وبعد كده محطتش حاجة. والشريط أنا أديته للست نفيسة، وسمعته، وبعدها أمرتني آخد الشريط ده أروح أعطيه للست همت. وروحت وعطيته لها. وبعدها بكام يوم الست نفيسة والست همت اتقابلوا في المقابر عند قبر راجحي بيه. وأنا كنت مع الست نفيسة."
قال يونس بانزعاج:
"وأنتي سمعتي اللي كان في الشريط طبعًا؟"
ردت أنهار بتعلثم:
"بصراحة، أنا سمعته. أصل أنا عملت نسخة تانية من الشريط، كنت شفت الست سارة مرة وهي بتسجل شريط أغاني من تسجيل تاني، وعملت زيها."
"فين الشريط التاني معاكي؟ ولا فين هو كمان؟" هكذا قال متضايقًا.
ردت أنهار:
"معايا يا يونس بيه، كنت مسجلاه عشان لو الست نفيسة غدرت بيا. بس والله من كام يوم وأنا بفكر أقولك وكنت خايفة. بس وحياة وغلاوة الست رشيدة، ما تقطع عيشي وتبعدني عن ابن بتي. أنا هنا خدامة، بنفذ اللي بينطلب مني وبس."
رد قائلاً:
"تمام، هستناكي في المندرة. روحي هاتي الشريط."
ردت أنهار:
"حاضر يا يونس بيه."
وقف يونس يتنفس الهواء بقوة، يبدو أن هناك أمور مازالت خفية عليه.
بعد دقائق بالمندرة، دخلت أنهار قائلة:
"الشريط أهو يا يونس بيه، بس والله..."
قبل أن تُكمل، أوقفها يونس عن الحديث قائلاً:
"خلاص، هاتي الشريط وروحي شوفي شغلك، وممنوع أي حد يعرف بالشريط ده تاني."
أعطته الشريط وغادرت بصمت.
وضع يونس الشريط بالمسجل. تعجب كثيرًا من محتواه.
بداخل هذا الشريط اعتراف كامل لرشيدة بما حدث مع راجحي، وأيضًا حديث جانبي بينه وبين رشيدة، كما به أيضًا أصوات لعشقهم وشغفهم ببعضهم.
أغلق المُسجل ونادى على أنهار التي دخلت بخوف تقول:
"أمر جنابك يا يونس بيه؟"
رد يونس:
"أنتي قولتي إنك أخدتي نسخة الشريط وعطيتيها لهمت، وكمان قولتي إن مرات عمي وهمت اتقابلوا بالمقابر، سمعتي حديثهم؟"
ردت أنهار:
"بصراحة يا يونس بيه، مش كله. أصل الست نفيسة كانت قالت لي ابعدي أنتي. بس أنا اتسحبت وسمعت أجزاء من حديثهم. الست نفيسة قالت لهمت إنها تقتل الست رشيدة، وتبقى بكده أنتجمت لقتل راجحي بيه، وكمان تحرق جلب جنابك. بس الست همت ردت عليها وقالت إنه تارها وهي هتاخده كيف ما تحب. ولما الست نفيسة سألتها، قالت لها ملهاش صالح. بس كده يا يونس بيه."
تحدث يونس بأمر:
"عينك على الست نفيسة، وإن قربت من الست رشيدة يكون عندي خبر. روحي دلوقتي."
غادرت أنهار المندرة.
وقف يونس يفكر. همت خبيثة، ولديها معاون داخل الدوار، وهي زوجة عمه نفيسة.
سحبه النوم وهو جالس بالمندرة دون إرادته، ليحلم بذالك الكابوس، لولا إفاقته من الكابوس نرجس، لكان شت عقله.
***
عاد من تذكره، ينظر إلى وجه رشيدة النائمة على صدره. شعر بأنفاسها بالقرب من عنقه.
ضمها إليه بقوة، وقبل رأسه.
لكن هي تذمرت من قبضة يده القوية على جسده.
تبسم وأغمض عينيه، عل النوم يزوره. لكن أتى الصباح.
شاغبت الشمس عين رشيدة، التي صحوت. ترفع نفسها عن صدر يونس، ونظرت إليه، وجدته مغمض العينين.
تبسمت، ومالت تقبل رأسه قائلة:
"حسيت بيك، أنت منمتش طول الليل. مش هتجولي إيه اللي شاغل عقل يونس الهلالي؟ أكيد في حاجة مش عايز تجول عليها. أنا بجول تجول وتزيح عن جلبك الهم وأشيله معاك."
تبسم وهو يقبل بطنها قائلاً بمزح:
"كفاية عليكِ شايلة ابن يونس الهلالي في بطنك. لزمته إيه الطمع؟ كمان مسئولية تعليم يونس الصغير، وهاملة كتب الجامعة، وتجريبًا مفتحتِيش كتاب منهم. خدي بالك إن امتحانات نص السنة هتيجي بعد ما تولدي، يعني مش هيكون في عذر، ومش هنتنازل عن تقدير جيد جدًا."
ضحكت تقول:
"وماله، مقبول جدًا. رضا وبعدين اللي في الكتب كله أنا عارفاه عملي. أنا أقدر أقولك شهور السنة القبطية، وأوقات كل زراعة ومناخها، وميعاد حصادها. علم الزراعة هنا."
وأشارت لرأسها:
"مش في الكتب."
تألمت فجأة تقول:
"آه."
انخض يونس وهو يراها تتألم، ارتجف قلبه خشية أن يتحقق كابوسه.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد
أنحنت رشيدة قليلاً، تضع يدها على بطنها تشعر بألم كبير.
أقترب يونس بلهفة قائلاً: "مالك؟ كنتِ كويسة. إيه اللي حصل لكِ فجأة كده؟ هنادي على أمي تيجي تشوفك."
ذهب سريعاً ونادى على نرجس، التي أتت معه مسرعة.
وجدت رشيدة تجلس على الأريكة تتألم بوضوح.
أقتربت منها قائلة: "حاسة بإيه؟"
ردت رشيدة بتألم: "خبط جوه في بطني وجعاني."
تحدث يونس: "يمكن هتولد؟"
ردت نرجس: "لأ، ده مش ولادة. لسه لها ييجي أكتر عشرين يوم على الولادة. خلي حد يجيب الدكتورة بسرعة."
ذهب يونس سريعاً يخبر أحد من الغفر أن يأتي بالطبيبة.
في ذلك الأثناء، ساعدت نرجس رشيدة لتتسطح على الفراش، تسألها: "إيه اللي حصل لكِ فجأة كده؟ كنتِ كويسة ليلة امبارح قبل ما أسيبك؟"
ردت رشيدة بألم: "مفيش حاجة حصلت. والخبط ده من أول الليل بس كان على خفيف، بس زاد جوه من شوية."
جاء لنرجس هاجس. ابتسمت قائلة: "هو يونس امبارح بعد ما طلع هنا عمل إيه؟"
ردت رشيدة: "هيكون عمل إيه؟"
تبسمت نرجس قائلة بخبث: "نام فين؟"
ردت رشيدة بحُسن نية: "نامنا عالكنبة جصاد القمر."
تخابثت نرجس قائلة: "جصاد القمر؟ وطبعاً انسحر ومقدرش يجامع القمر وحصل اللي في بالي؟"
ردت رشيدة بدون فهم: "إيه اللي في بالك؟"
كملت نرجس على أذن رشيدة تهمس لها. رفعت رأسها ونظرت إلى وجه رشيدة الأحمر القاني والخجل الذي يبدو عليها بوضوح.
تبسمت قائلة: "هو دا سبب الخبط اللي في بطنك. الدكتورة أنا كنت معاكي لما قالت مفيش أي علاقة زوجية تحصل الفترة دي. ليه لازم تخالفي الدكتورة؟ أشبعي بقى. هو اتبسط وأنتي اللي بتتألمي. وحالا تيجي الدكتورة نشوف هتقول إيه هي كمان."
بعد قليل، عاينت الطبيبة رشيدة. كان معها بالغرفة نرجس فقط، التي ابتسمت على حديث الطبيبة لـ رشيدة.
قائلة بحزم: "أنا سبق وحذرتك من أي علاقة زوجية الفترة دي. احنا خلاص قربنا بقينا في الشهر الأخير، مش عايزين أي أعراض جانبية تضطرنا لا لولادة مبكرة أو قيصرية. النزيف اللي حصل من كام شهر مكنش شوية، كان ممكن بسببه تموتوا انتوا الاتنين. وأظن فات الكتير. دلوقتي أنا هديكي حقنة، بس ممنوع اللي حصل ده يحصل تاني."
شعرت رشيدة بالخذلان ولم تتحدث.
بينما ابتسمت نرجس تنظر لها بتسلية.
بعد قليل، غادرت الطبيبة. دخل يونس إلى الغرفة يقول: "خير، طمنوني."
لم ترد رشيدة.
ردت نرجس قائلة بسخرية: "اللي حصل كان نتيجة تهوركم. اهدوا شوية، قدامكم العمر جاين."
نظر يونس بتعجب قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه يا أمي؟"
رتبت نرجس على كتفه قائلة: "أهى عندك، اسألها. على ما أنزل أوصيهم على أكل لـ رشيدة يغذيها هي والولد."
خرجت نرجس وتركتهم.
أقترب يونس وجلس على الفراش جوار رشيدة. يسألها: "أمي تقصد إيه؟"
نظرت بخجل قائلة: "قصدها إنك تبعد عني لحد ما أولد. واللي حصل ليلة امبارح ممنوع، زي ما جالت."
كتفهم حديثها ضاحكاً.
ليلابالدوار.
علمت نواره أن رشيدة كانت مريضة. أتت ومعها يُسر والجده. جلسوا معها بالغرفة، وكانت معهم نرجس، التي لم تستطع تمالك ضحكتها.
حين قالت الجدة: "إيه يا بتي اللي جرالك؟ إيه النسوان الضعيفة دي؟ دا أنا ولدت أمك في الغيط وشلتها طول الطريق."
ردت يُسر بسخرية: "أيوه يا ستي، البت رشيدة دي ضعيفة جوي. دي ما ساعة ما حملت بجت تمرض كتير أكتر ما بتبجي زينة. ارقيها يا ستي، يظهر الجن اللي مخاوياه هو اللي كان مقويها، ولما اتجوزت غيره زعل وبجت خرعة."
ردت نواره: "جن يركبك يعفرتك! غورى! إيه اللي جابك معانا؟"
ردت يُسر: "والله ما كنت عايزة أجي. دي ستي هي اللي جالت لي: نواره كبرت وعجزت وعايزة اللي يسحبها هي ومبجتش تجدر تسحبني وأنا ماشية، تعالي معايا يا يُسر. الله ينجحك. وأنا بحب ستي ودعاها ليا بتفائل بيه."
نظرت لها نواره بشر قائلة: "طب غورى روحي، وأنا هسحب أمي وأنا راجعة. متشكرين ليكي."
وقفت يُسر مبتسمة: "بجد يا أماي؟ طيب أنا هروح أنا بجى. رشيدة أهي بجت زينة ومتقلقوش جوي كده. دي كيف القطط، كل شوية بحال. يلا ربنا يسهل وتولد بجى ونرتاح. دي من يوم ما بجت حامل والدكتورة رايحة جاية عليها. يلا ألحق أنا أروح قبل ما تجولي لي باتي بيها وأنا عندي مذاكرة كتير، أنا ثانوية عامة. هيلا سلام عليكم."
فرت يُسر هاربة كأنها وجدت النجاة. لكن كادت أن تتصادم بذلك الشاب الذي وقف أمامها مبتسماً يقول: "مش تحاسبي وتشوفي قدامك؟"
ردت بسخرية: "معلش، أصل نظري على قدي، مش بشوف الطفيليات."
ابتسم يقول: "مين اللي طفيليات؟ واضح فعلاً إنك اتعميتي."
ردت بشر: "فعلاً العمى أحسن لي من إني أشوفك. خدلك جنب وبعد عن طريقي، خليني أعدي."
مال بجانب لتعُدي من جواره.
نظر إليها وهي تغادر مبتسماً. يبدو أن تلك الفتاة نسخة ثانية من أختها، عكس ما توقع أن تكون قطة رقيقة، لكن يبدو أنها قطة شرسة.
بالقاهرة.
على طاولة العشاء، جلس عواد وياسمين الاثنان.
قام عواد بسؤال ياسمين: "فين يوسف؟"
ردت ياسمين: "يوسف سافر النجع النهارده الصبح يا عمي."
رد عواد: "مش عارف إيه حكايته. دا من يوم ما دخل الجامعة هنا في مصر مكنش بيحب ينزل النجع كتير. مش عارف من فترة كده إيه اللي جراله بجى بيحب هناك عن هنه. يلا أهي كلها السنة دي ويعاود النجع بعد ما ياخد البكالوريوس. إنما أنتي فاضلك سنتين في الجامعة هتجضيهم معايا هنه. بكرة هروح عندي جلسة في المجلس، خلاص بجيت عضو دائم وارتحنا من الانتخابات كل شوية. تعرفي لو مكنتش نجحت في الدورة دي كنت ممكن اتقهر سنين كتير قضيتها في المجلس، بس خلاص بجيت عضو دائم."
تبسمت ياسمين: "لدرجة دي كرسي المجلس مهم عندك؟"
رد عواد: "مش عندي، بس عند الهلالية كلهم. دا ورث في العيلة من أيام جدك هاشم الكبير الله يرحمه. ا"
على ذكر اسم هاشم، ارتجف قلبها من ذلك معذب قلبها الذي يرفض حبه لها ويبتعد عنها حين تقترب منه، يعاقبها ويعاقب نفسه بعشق مستحيل.
سمعا رنين الهاتف.
ردت إحدى الخادمات عليه، ثم ذهبت إليهم قائلة: "عواد بيه، التليفون لحضرتك من المستشفى."
هب واقفاً وذهب يرد على الهاتف، يتحدث مع الطبيب إلى أن انتهى.
أغلق الهاتف وعاد مرة أخرى يجلس على طاولة الطعام شارد.
تحدثت ياسمين قائلة: "خير يا عمي؟"
رد عواد: "خير، دا الدكتور اللي بيعالج سارة طالب مني أروح له، مش عارف ليه. هبقى أروح له بكرة بعد جلسة المجلس."
صمتت ياسمين لدقائق ثم قالت: "خير إن شاء الله."
بنجع الهلالية.
منزل ناجي الغريب.
دخل ناجي وخلفه أحد أعوانه وجلسوا بالمندرة.
تحدث ناجي قائلاً بعصبية: "جولت لك حاذر، الحكومة مركزة معانا الفترة دي. النجع محدش كان بيسأل فيه، اللي بيحصل فيه. لكن من يوم واد الهلالية ما بجى عمده وهو فتح المديرية عالنجع. راجح كان معانا، إنما يونس ده مالوش في سكة المخدرات. وكمان مساعده الشيخ أيمن، والاتنين نازلين وعظ في الناس. ده مفيش خطبة جمعة إلا والشيخ أيمن يتكلم عن حرمة المخدرات. والنجوع اللي حوالينا بدأت تبجي زي النجع ده. لو الوضع فضل كده كتير مش هنعرف نصرف بضاعتنا."
رد الآخر: "ده كمان مشغل الغفر اللي عنده بيلفوا عالجهاوي لو لقوا حد مولع مخدرات بيحذرهم مرة واحدة بس."
رد ناجي بتحسر: "لو كنت نجحت في الانتخابات كان الوضع اتغير كله لصالحي. لكن جواز ابن الهلالية من بنت السلطان كان ضربة جوية وجت لصالح عواد ونجح في الانتخابات. أنا بجول إننا لازم نتخلص من واحد من الاتنين، يا واد الهلالية يا الشيخ أيمن."
ليكمل الآخر: "بس ده فيه خطورة وهيفتح عين الحكومة عالنجع أكتر من كده بكتير."
رد ناجي: "ما هو ده اللي موقفني. عين الحكومة وكمان رجالة اللي في المركز حذروني، بس الصبر شوية، بس العين تروح من علينا وبعدها مالهمش عندي الاتنين غير رصاصة طايشة."
بالأعلى، وقفت همت تستمع إلى من يتحدث معها على الهاتف، لتنهي معه المكالمة وتضع سماعة الهاتف.
تتحدث بوعيد: "خلاص هانت، وكلها أيام وأخد بتاري. سواء من حرقة قلبي على ولدي، أو من حرقة قلبي على غالب. السنين اللي فاتت كلها هتدفعي تمنها يا نرجس."
بالغرفة، تسطح يونس على الفراش ينظر لوجه رشيدة النائمة على صدره.
تبسم حين تذكر قبل قليل حين جذبها لتنام على صدره.
قالت له: "لا، بعد عني، بيكفي اللي حصل معايا الصبح وتريجة أمي نرجس، وكمان أمي نواره وجدتي لما عرفوا سبب تعبي."
ضحك يقول: "أنا آسف يا رشيدة، أنا شوقي ليكي غلبني. بس كل اللي عاوزه دلوقتي إني آخدك في حضني."
تبسمت له وهو يضمها لحضنه.
تحدثت قائلة: "مش هتقولي لي إيه سبب الحالة اللي كنت داخل بيها عليا ليلة امبارح؟"
رد يونس: "ولا حاجة، بس كنت مضايق شوية من بعض مشاكل النجع الكتير."
رفعت رشيدة نفسها من على صدره وقبلت خده قائلة: "أنتي قد المشاكل دي، بس أنا متأكدة إن فيه سبب تاني، بس مش هضغط عليك لأني مش قادرة على المناهدة معاك."
ضحك يونس قائلاً: "أنا بجول تنامي، لأن بعد البوسة دي أنا مضمنش نفسي."
ضحكت قائلة: "لأ، خلاص. تصبح على خير."
ذهبت رشيدة للنوم سريعاً بسبب بعض الأدوية التي تناولتتها سابقاً.
أما يونس، بقى ينظر إلى وجهها، يهمس لنفسه: "عايزني أقولك إني متأكد إن همت بتضمر لكِ الشر."
أتى صباح جديد.
تسحب يونس من جوار رشيدة باكراً. نزل لأسفل ونادى على أنهار، التي لبت نداءه سريعاً. كانت أمامه.
ليقول لها: "أنا هبقى طول اليوم مش هنا. الست رشيدة، خلي بالك منها ومن طلباته."
ردت أنهار قائلة: "حاضر جنابك. اطمن، هكون تحت أمره. تحب أحضر لحضرتك الفطور؟ مفيش حد في الدوار لسه صحي."
رد يونس: "تمام، حضريه وأنا هروح عند أمي على ما تحضريه."
دخل يونس لغرفة نرجس بعد أن سمحت له بالدخول. قائلاً: "صباح الخير."
ردت نرجس: "صباح الهنا. صاحي بدري جوي كده ليه؟ ولا شكلك منمتش أصلاً؟ اقعد يا ولدي، عايزة أتحدث معاك شوية."
جلس يونس أمامه لتفاجئه بسؤالها: "إيه اللي خايف منه على رشيدة؟ ليه كل ما بتقرب ولادة رشيدة؟"
"حسك خايف. أرمي حمولك على الله يا ولدي، وادعي ربنا يسهل لها وتجيب هي ولدك بخير."
آمن يونس على دعائها، قائلاً: "مش خايف من حاجة، بس يمكن توتر مش أكتر. أنا كنت جاي لك علشان أقولك إني عندي محاضرات كتير النهارده في الجامعة وعايزك تاخدي بالك على رشيدة، إنتي عارفة إنها عندية."
ردت نرجس: "لأ، اطمن. هي بعد اللي حصل لها امبارح مش هتعاند وهتلتزم السرير كيف ما الدكتورة جالت لها. دي شبعت تريجة مننا. اتوكل على الله يا ولدي واطمن. أنا هفضل معاها لحد ما تعاود من الجامعة."
قبل يونس يد نرجس قائلاً: "ربنا يخليكي لينا، وأدعي ربنا يسهل بالأيام اللي فاضلة في حمل رشيدة."
دعت لهم من قلبها بصلاح الحال.
نظرت نفيسة من شرفة غرفتها إلى خروج يونس من الدوار.
لتتحدث بسخرية: "بت السلطان بتتعامل في الدوار كيف الملكات، كأن بتي سارة ماهيش مرته هي كمان. بت السلطان هنا ملكة، وبتي مرمية في مصحة عقلية. بس خلاص بجى لازم ده يتغير وتعاود بتي وتاخد مركزها هنا في الدوار. أنا رميت أمل على همت، ويظهر إنها سلمت بالأمر الواقع كيف زمان ما سلمت بيه. سارة لازم تعاود لهنه من تاني."
بالقاهرة، أنهت ياسمين محاضراتها وخرجت من الجامعة تسير وسط صديقاتها شارده الذهن. لم تر تلك السيارة التي كادت أن تصدمها، لولا أن شدتها إحدى صديقاتها. ولكن وقعت على رأسها لتُجرح جرح لحد ما كبير.
ذهبن بها زميلاتها إلى إحدى المستشفيات. قام الطبيب بتقطيب رأسها عدة غرز. طلبت من إحدى صديقاتها الاتصال بأحد ليأتي ليأخذها من المشفى.
دخل هاشم بتلهف وبحث عن مكانها إلى أن وجدها، ولكن استطاع السيطرة على مشاعره وهو ينظر لها. قائلاً: "جدتي قالت لي إنك هنا في المستشفى."
ردت ياسمين: "أنا قولت لزميلتي تتصل على جدتك علشان تيجي تاخدني من المستشفى. أصل يوسف أخويا في النجع، وعمي عواد عنده جلسة في المجلس، وخوفت لأدوخ وأنا راجعة تاني. عشان كده ملقيتش قدامي غيرها."
نظر هاشم لها قائلاً: "طالما لسه حاسة بدوخة خليكي هنا في المستشفى."
ردت ياسمين: "لأ، مبحبش المستشفى."
نظر لها قائلاً حين أخذ باله أنها لا ترتدي الحجاب على رأسها الملفوف بشاش أبيض: "فين حجابك؟" غض بصره قائلاً: "وإنتي كنتي قدام الدكتور كده من غير حجاب؟"
ردت وهي تضع الحجاب على رأسها الملفوف: "أنا كنت دايخة ولسه واخدة بالي إن إني من غير حجاب."
ورد وهو يشعر بالغيرة: "طيب تمام، لو قادرة تقفي يلا بينا، خليني أوصلك للبيت."
تبسمت وهي تنزل من على الفراش، ولكن اختل توازنها وكادت أن تقع، لولا أمسك هاشم يدها.
شعرت بهزة قوية في جسدها وشعرت كأنها صعقت في قلبها. نظرت إلى عيناه ثم أخفضت عيناها سريعاً.
أخفض عيناه هو الآخر يشعر كأن عاصفة قوية ضربت قلبه، ولكن تمرد على ذلك الشعور قائلاً: "هنادي للممرضة تيجي تساعدك وتسندك لحد العربية."
ردت بألم قوي بقلبها قائلة: "لأ، شكراً. أنا هقدر أمشي لوحدي، وكمان تقدر تمشي. أنا خلاص بقيت كويسة."
شعر بحزن لا يعرف لما يعاملها بتلك الطريقة، لما يقاوم ذلك الإحساس الذي يشعر به تجاهها. لما لا يعترف بذلك الشعور الذي يغزو قلبه ويريحها وما الأثنان من ذلك العذاب.
بالقاهرة.
داخل ذلك المصح النفسي الراقي.
جلس عواد أمام ذلك الطبيب. تحدث الطبيب بهدوء قائلاً: "أنا طلبت إن حضرتك تيجي النهارده علشان أتكلم معاك بشأن بنت حضرتك. بصراحة، هي لما جات هنا كانت حالتها النفسية سيئة جداً، بس مع الهدوء وجلسات العلاج النفسي اللي خضعت لها نفسيتها اتحسنت، وأقدر أكد لحضرتك إنها أصبحت بعقل سوي وتقدر تخرج من المصحة."
تبسم عواد قائلاً: "بجد يا دكتور؟ يعني هي عقلها رجع لها تاني؟"
رد الدكتور قائلاً بتفهم: "هي عقلها مكنش راح منها، دي كانت مجرد حالة نفسية بتصيب البعض، ومع العلاج والراحة النفسية والبُعد عن أسباب الحالة من الأول بتشفي مع الوقت. أنا كدكتور مش شايف لازمة لبقائها هنا في المصحة."
رد عواد بسؤال: "طيب يا دكتور، هي دلوقتي أما تخرج من المصحة المفروض مترجعش للنجع تاني صح؟"
رد الطبيب بعملية: "لأ، ممكن ترجع عادي. إيه اللي يمنع؟"
تعجب عواد قائلاً: "مش حضرتك لسه قايل إنها تبعد عن أسباب الحالة اللي كانت عندها؟ والسبب كله موجود هناك."
رد الطبيب: "هي دلوقتي محتاجة إنها تشعر بالأمان والحب من اللي كانوا حواليها والأقرب لها. ولو رجعت وسطهم حالتها هتتحسن أكتر."
تبسم عواد قائلاً: "أنا هاخدها وهنفضل شوية هنه في مصر قبل ما أعود الصعيد."
رد الطبيب: "براحتك، بس هي حالتها مبقتش محتاجة لمصحة نفسية. هي دلوقتي هتجي لهنا وتقدر تعمل إجراءات خروجها من المصحة."
بعد ثوانٍ، دخلت سارة واتجهت إلى عواد وقامت باحتضانه بلهفة قائلة: "أبوي، كيفك وكيف أمي؟ ليه مفيش حد بيزورني غيرك؟"
تعجب عواد من هدوء سارة وضمها قائلاً: "أنا كويس يا بتي."
تبسم الطبيب قائلاً: "هسيبكم مع بعض، عن إذنكم."
جلست سارة وعواد وحدهما. جلست تتحدث بهدوء وعقلانية. فرح عواد كثيراً وهو يستمع لحديثها، كأنها تبدلت بأخرى تتحدث بود ومحبة، تسأل عن الجميع، حتى يوسف سألت عليه، لكن لم تذكر أي شيء عن رشيدة.
مساءً.
بنجع الهلالية.
عاد يونس متأخراً. تقابل مع والداته أثناء صعوده على السلم.
ابتسمت له قائلة: "حمدلله على سلامتك. إيه آخرك جوي كده؟"
رد يونس: "أنا هنا في النجع من بعد المغرب، بس كنت مع الشيخ أيمن بنتحدث والوقت سرقني. رشيدة كيفها؟"
ابتسمت قائلة: "رشيدة زينة، بس خدت أدويتها ونامت. فضلت مستنياك كتير، وفي الآخر النوم غلبها. يلا تصبح على خير."
رد: "وإنتي من أهل الخير."
دخل يونس إلى الغرفة وأضاء ضوء خافت. اتجه إلى الفراش ينظر إلى رشيدة. مال ليقبل وجنتها، ثم اتجه إلى الحمام. ثم خرج واتجه إلى ذلك الشباك الزجاجي بالغرفة وأزاح الستارة قليلاً، وقف ينظر إلى القمر الذي أصبح أحدب، يزفر أنفاسه.
سمع صوت.
رشيدة تقول: "إيه اللي أخرك لدلوقتي؟ خرجت من قبل الفجر وأنا نايمة محسيتش بيك."
أدار وجهه لها مبتسماً يقول: "إنتي صاحية؟"
ردت ببسمة: "أنا صحيت لما بستني من خدي."
انضم إلى جوارها بالفراش وجذبها لحضنه يقبل رأسه.
تحدثت قائلة: "مش هتقولي لي إيه اللي شاغل بالك أكده؟"
رد وهو يقبل رأسها عدة قبلات: "عاوزاني أقولك إيه اللي شاغل بالي؟"
هزت رأسها بنعم.
رفع وجهها إليه ينظر لها بعشق: "اللي شاغل بالي وقلبي هو عشق بنت السلطان." أنهى حديثه وهو يقبلها بعشق جارف.
ترك شفتيها مرغماً ينظر لوجهها قائلاً: "عشق بنت السلطان اللي مغلباني معاها، وكل يوم والتاني بتخصني عليها."
أكمل مازحاً: "بنت السلطان اللي كانت جوتها هي اللي جذبتني ليها، بس طلعت جوتها دي قشرة رقيقة، ولما قربت منها طلعت ضعيفة."
ضربت يدها على صدره قائلة: "أنا مش ضعيفة، أنت هتجول زي يُسر."
تبسم يقول: "والله يظهر الجن غضبان عليكي."
تبسمت وهي تضم نفسها بصدر يونس، الذي ضمها هو الآخر.
تحدثت قائلة: "بنت السلطان عشقت واد الهلالية، وكان هو الجن بطل عشقها الوحيد. أنا بحبك يا يونس."
تنهد وهو يضمها قائلاً: "وأنا بعشقك يا رشيدة. نامي واطمني."
نعست رشيدة، لكن يونس لم ينام. لديه فكر يشغل عقله وعشق يملأ قلبه. لديه شعور بحدوث شيء قد ينهي سعادته.
مر أكثر من أسبوعين.
كانت رشيدة تسير في البلدة وبصحبتها ذلك الصغير يونس، ومعهم عبد المحسن. تسير كثيراً لاقتراب موعد الولادة.
كانوا يسيرون يبتسمون ويتحدثون بود ومرح، غافلين عن عين تلك الحقودة. همت، التي رأتهم من بعيد. وقفت تنظر إلى رشيدة.
قائلة بفحيح: "افرحي لك يومين يا بت السلطان. صحيح تجتلي الجتيل ساحبة ولده وراكي، بس العيب مش فيكي، العيب في اللي عارف مين اللي جتل ولد عمه ومداري بسبب عشجه لها، بس ده كله خلاص كلها أيام وينتهي، وأخد بتار ولدي."
مرت عدة أيام أخرى.
عصراً.
ظلت رشيدة بغرفتها تقاوم ذلك الألم التي تشعر به، ولكن لم تعد تتحمل.
صرخت صرخة ليست قوية.
دخلت إليها في البداية أنهار، وجدتها تتألم. توترت قليلاً. ثم دخلت خلفها نرجس، التي ارتبكت هي الأخرى، لكن سرعان ما تمالكت حالها وقالت لأنهار: "روحي بسرعة، خليهم يجيبوا عربية قدام باب الدوار الداخلي."
فعلت أنهار ما قالته لها وعادت. لتجد نرجس ساعدتها في ارتداء ملابس أخرى. ساعدنها إلى أن ركبت السيارة. ركبت إلى جوارها نرجس ونظرت إلى أنهار قائلة: "يونس زمانه على وصول، خليكي هنا، وأما يجي خليه يجي لنا عيادة الدكتورة. وكمان ابعتي حد عند نواره يجولها هي كمان."
بعد قليل، بعيادة الطبيبة.
دخل يونس وجد والداته تقف مع نواره أمام تلك الغرفة التي تلد بها رشيدة. وقف جوارهن. دقائق تمر، سنوات. فكره مشغول.
لكن خروج الطبيبة مبتسمة تقول: "الحمد لله تمام. ولدت وهي والمولود بخير، بس هتفضل هنا لبكرة بعد الظهر هتخرج."
"الحمدلله على سلامتها. تقدروا تدخلوا لها، هي معاها الممرضة جوه وشوية وهتبقى كويسة."
دخلت نواره ونرجس سريعاً. دخل من خلفهن يونس، الذي ذهب إليها ونظر إلى وجهها المجهد يبتسم قائلاً: "حمدلله على سلامتك."
تبسمت بوهن.
أعطت الممرضة المولود ليونس قائلة: "المولود يا يونس بيه، يتربى في عزك."
أخذه منها بسعادة وهمس له في أذنيه بالتكبير والشهادتين. ثم توجه به ناحية رشيدة قائلاً: "حمدلله على سلامتك يا أم حسين الهلالي."
تبسمت متفاجئة، لكن سعدت كثيراً.
أخذت الطفل منه نواره تحمله بود وفرحة.
تحدثت نرجس بمزح: "يلا شدي حيلك كده علشان عالسنة تخاويه."
ردت نواره بمزح أيضاً: "دي اللي عالسنة هتخاويه دي خرعة دي مررتنا معاها طول ما كانت حامل."
ضحك يونس.
نظرت له رشيدة بتذمر قائلة: "على فكرة، أنا أصلاً كنت عاملة حسابي مش هخلف تاني قبل خمس سنين."
ردت نواره: "لأ خمسة ولا عشرة، احمدي ربنا على حسين."
ضحك يونس وهو ينظر لرشيدة. يحرك شفتيه متحدثاً دون صوت، لكنها فهمت حديثه يقول: "عالسنة يا رشيدة."
تبسمت دون حديث.
باليوم التالي.
بالدوار.
أصوات طلق ناري تعلن عن انضمام فرد جديد لعائلة الهلالي.
دخلت إحدى الخادمات إلى غرفة غالب وقالت له: "فيه ست في المندرة جالت عايزة تجابل جنابك."
رد بأستغراب: "مين الست دي؟"
ردت الخادمة: "مجالتش اسمها ومغطية وشها."
تعجب غالب ونزل ودخل إلى المندرة. وجد امرأة تقف بظهرها، ترتدي الأسود وتغطي وجهها.
قال غالب: "تحت أمرك يا ست."
استدارت له وكشفت عن وجهها.
تحدث غالب بتعجب.
همت.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد
ترك غالب يد يونس وسرعان ما أخرج سلاحاً من جيبه وصوبه تجاه رشيدة.
لكن وقف يونس أمامه قائلاً: "أنا جبلها يا عمي، لو عايز تقتلني اقتلني الأول. لأن لو قتلت رشيدة أنا مش هيكفيني دم الهلالية كلهم، قصاد شعرة واحدة منها، وبيكفي أني هتغاضى عن صفعك ليها."
تحدث غالب باندهاش: "أنت، بدافع عن اللي ساعدت في قتل ولد عمك، بدل ما تقتلها هي وشريكها وتاخد بتاره؟"
انصعق غالب حين سمع يونس يقول: "ولد عمي كان مغتصب ويستحق القتل، وأي واحدة مكانها خايفة على عرضها كانت هتعمل كده. ودلوقتي خلينا ندخل الدوار."
رد غالب بتعسف: "مرتك ممنوعة من دخول الدوار."
تحدث يونس: "ومين اللي هيمنعها من دخول الدوار؟"
رد غالب: "أنا، من دلوقتي مرتك ممنوعة من دخوله. عايز تدخل ادخل لوحدك، عندك مرتك التانية بنت عمك سارة هي ست الدوار."
رد يونس بسخرية: "سارة مش مرتي وأنت عارف كده كويس، وأن رشيدة مدخلتش للدوار أنا كمان الدوار ميلزمنيش دخوله."
نظر غالب بتعجب قائلاً: "قصدك إيه؟ أنا أقدر أنحيك من العمودية وأسحب من يدك سلطة الهلالية."
رد يونس: "متلزمنيش العمودية والهلالية كلهم."
قال هذا وأدار وجهه: "يلا يا رشيدة، يلا يا أمي."
شد غالب نرجس بقوة حتى أنها كادت تقع وهي تحمل الطفل قائلاً: "نرجس مرتي، ومحدش تحكم عليها، وأمري أنا اللي هيمشي عليها."
بكاء ذلك الصغير جعل نرجس تصمت وهي تهدهده لكي يهدأ.
أخذ غالب الطفل من بين يدي نرجس.
لثوانٍ نظر لوجهه البريء وحن قلبه.
لكن سرعان ما نفض تلك الحنية وهو يعطيه ليونس قائلاً: "خد ولد قاتلة ولد عمك، مش مرحب بيه هنا."
أخذ يونس طفله واتجه برشيدة إلى السيارة، حتى ركبت وأعطى لها الطفل. حملته على ساقيها.
ذهب إلى مقود السيارة وأدارها مغادراً أمام عين غالب.
وكذلك همت الشامتة حقاً، لم يقتل رشيدة كما كانت تريد، لكن خسر يونس سلطة الهلالية.
وأيضاً تشفت في نرجس بحرمانها من حفيدها.
***
بعد وقت.
بمنزل والدة رشيدة.
حملت نواره الطفل وجلست به جوار رشيدة التي تتسطح على الفراش.
قالت نواره: "ومتتعرفيش إيه اللي حصل خلا غالب يعمل كده؟"
ردت رشيدة: "لأ، من وجتها. ويونس جابني هنا وقالي إنه هيجي تاني ياخدني أنا وولدي."
نظرت نواره لوجه رشيدة التي أثار صفعة غالب لها واضحة جداً. قالت بدعاء: "ربنا ينتقم منه. وشك صوابعه معلمة عليه، وكمان في جرح صغير جانب شفايفك. كانت تتقطع يده، أكيد هُمّت دست سمها في جلبة. معرفش ليه هُمّت دي جارشة ملحتك من أيام المحروق راجحي."
تنبهت رشيدة لشيء من حديث نواره.
لكن بكاء الصغير بعد تفكيرها.
نظرت له.
قالت نواره: "خدي ولدك، أكيد جعان، رضعيه. والبيت بيت أبوكي يا بتي، وكمان جوزك مرحب بيه."
تبسمت رشيدة وهي تأخذ الطفل منها ورفقته لصدرها ترضعه وهي تنظر لنواره ببسمة.
***
أمام الدوار.
وقف يونس يضرب زامور السيارة.
حتى فتح له أحد الغفر باب صغير للدوار وذهب إليه قائلاً بأسف: "خذ، سامحني يا يونس بيه، أنا عبد المأمور. غالب بيه منع دخولك هنا."
ترجل يونس من السيارة قائلاً: "وصلت لكده، تمام. بعدين مالكش دعوة."
دخل يونس إلى داخل الدوار.
نادى على أنهار التي أتت له. قال لها بأمر: "حضري هدومي، وهدوم الست رشيدة، وكمان هدوم يونس الصغير، وأنتي كمان، لأننا هنتقل لبيت تاني. وخلي حد يساعدك ويطلعها للعربية. واجفة برا الدوار."
توقف حين سمع صوت غالب يقول: "جاي ليه؟ مش اخترت بنت السلطان قاتلة ولد عمك؟"
رد يونس بدفاع: "رشيدة مش قاتلة يا عمي، وأنا مش جاي عشان أفضل. أنا جاي آخد حاجاتي أنا ورشيدة، وكمان هاخد معايا يونس الصغير وأنهار معاه. وهاخد مفاتيح بيت أبويا القديم اللي زمان عاش فيه لما طرده هاشم الهلالي لما خيره بينه وبين أمي اللي مش قد مجام الهلالية."
رد غالب: "اللي ليك هنا هو خلقاتك وخلقات القاتلة. مرتك تاخدها وتمشي. مالكش هنا حاجة تانية."
رد يونس: "لأ، ليا أمي. بكفاية إني سايبها هنا. وهاخد يونس الصغير معايا يا عمي وبرضاك. لأن لو عارضت أنا هعلن قدام النجع مين هي أم حفيد الهلالية الكبير، واللي بتكون بنت الخدامة انهار اللي راجحى انتهك طفولتها."
ذهل غالب ينظر له مصدوم قليلاً ثم تحدث بتعسف قائلاً: "هتفضح الهلالية؟ دول مش أهلك. ومين اللي جالك الكلام الفارغ ده؟"
رد يونس: "أهلي اللي يساندوني في الحق ومش اللي أساندهم في الباطل يا غالب بيه. واللي جالي سارة بنفسها. ودلوقتي أنا هاخد يونس معايا، وأمي لو رضيت تيجي معايا هاخدها هي كمان."
رد غالب: "أمك تبجي مرتي بشرع الله ومش هسمح لها تروح معاك. وسارة هترجع لهنا وهي كمان مرتك. ولا نسيت؟"
رد يونس: "فعلاً نسيت وغلطت وهصحح غلطي قريب. ودلوقتي عن إذنك يا غالب بيه. لازمن أروح أخد مرتي وولدي من بيت أهلها."
أتت نرجس تُعطي مفاتيح ليونس قائلة: "دي مفاتيح بيت أبوك يا ولدي، خدها. ومتجلجش عليا."
كتم غالب غيظه من نرجس أمام يونس الذي أخذ المفاتيح وغادر غير مبالٍ مما زاد في إغاظة غالب.
***
بعد قليل.
بمنزل والدة رشيدة.
استقبلت نواره وصفوان يونس بترحيب.
دخل مبتسماً من نعت صفوان له: "أتفضل يا أبو حسين، سبقتني. كنت ناوي أسمي اسم ولدي حسين."
ضحكت نواره قائلة: "مش أما تخلص علامك الأول تبجي تفكر في اسم ولدك."
"ربنا يخلي الأسامي."
تبسم يونس قائلاً: "فين رشيدة؟"
ردت نواره: "نايمة. تعالى أدخل لها."
أرشدت نواره يونس للغرفة التي تنام بها رشيدة.
دخل وأغلق الباب خلفه.
رآها تنام وجوارها ذلك الصغير.
تبسم وهو يقترب منهما، ولكن شعر بألم حين رأى علامات أصابع عمه التي مازالت على خد رشيدة وذالك الجرح البسيط بجانب شفتيها.
مال يقبل خدها ثم جانب شفتيها.
شعرت رشيدة به واستيقظت وفتحت عيناها.
تبسم يونس حين فتحت عيناها قائلاً: "صح النوم يا أم حسين. إيه مش هتقومي عشان نروح بيتنا؟"
تبسمت رشيدة قائلة: "إحنا هنرجع الدوار تاني؟"
رد يونس: "لأ، هنروح بيتنا. يلا قومي، زمان البيت جهز عشان يستقبل أم حسين."
ردت بحيرة: "بيتنا دا فين؟"
رد وهو يشدها برفق لتنهض: "بيتنا اللي هنا في النجع الهلالية. يلا وبلاش لكاعة."
تبسمت قائلة: "ماشي، همشي وراك للنهاية."
رد وهو يقبل جانب شفتيها: "يونس وبنت السلطان مالهمش نهاية. يلا خليني أساعدك، هشيل أنا حسين."
تبسمت له وهو يحمل صغيرهم ويخرجان من الغرفة.
أتت نواره قائلة: "على فين؟ خليكم هنا يا ولدي. الدار دارك والله، أنت عندي كيف صفوان ولدي."
تبسم يونس قائلاً: "عارف والله، وأنتي معزتك من معزة أمي. بس مفيش داعي. أنا هاخد رشيدة وابني وهنروح على دار أبويا. وأنتي تبجي تنورينا في أي وقت."
ردت نواره بعدم فهم: "أنتم هترجعوا الدوار تاني؟"
رد يونس: "لأ، بيت أبويا الصغير عند أول البلد."
ردت نواره براحة: "طيب يا ابني، ربنا يرد عينكم الشر. هبجي أجي الصبح أطمن على رشيدة. بس والله يعلم ربنا إني ببجي طول ما هي معاك مطمئنة عليها. يلا ربنا يسامحه عمك."
تبسم بألم.
***
بعد قليل.
دخل يونس يحمل صغيره ومن خلفه رشيدة إلى ذالك المنزل المتوسط الحجم به حديقة متوسطة الحجم يشبه الاستراحة الكبيرة قليلاً على دوران.
دخل إلى داخل المنزل.
تبسمت رشيدة.
حين ذهب إليها يونس الصغير يندفع عليها يحتضنها قائلاً: "اتوحشتك يا مرات عمي. كنت خايف لا تسيبوني في الدوار. أنا سمعت من جدي غالب أن سارة هترجع تاني."
رفعت رشيدة وجهها تنظر ليونس دون تحدث، لكن عيناها بها أسئلة.
أتت أنهار مبتسمة قائلة: "حمدلله على سلامتك يا ست رشيدة."
تبسمت رشيدة قائلة: "الله يسلمك يا أنهار."
تحدثت أنهار قائلة: "أنا نظفت ورتبت أوضة النوم كيف ما يونس بيه قالي. وبكرة إن شاء الله هنضف باقي البيت."
أومأت رشيدة برأسها قائلة: "هبجي أساعدك أنا بجيت زينة."
ردت أنهار: "ربنا يديكي الصحة والعافية. ارتاحي انتي، وأنتي لسه نفسه. ربنا يخلي لك الصغير وتفرحي بيه."
تبسم يونس يؤمن على دعائها ينظر لرشيدة.
قائلاً: "كفاية واقفه كده. لازمن ترتاحي. وأنتي يا أنهار هاتى عشا للست رشيدة في الأوضة."
دخل يونس ورشيدة إلى داخل تلك الغرفة.
نظرت مبتسمة قائلة: "واه، ده في تخت صغير لحسين لحاله. إمتى لحقت تجيبه؟"
رد يونس: "أنا كنت موصي عليه من مدة وجبته النهارده. ما هو حسين مينفعش ينام وسطنا ليتهرس بينا."
وضع يونس حسين بتخته ونظر إلى رشيدة التي تضحك على قوله قائلة: "وأيه اللي هيهرسه بينا؟ هيبجي في وسطنا."
رد يونس وهو يقترب من رشيدة يضمها بين ذراعيه قائلاً: "زي ما قولت لك، معاكِ أربعين يوم راحة. وبعدها هتحملي في رشيدة الهلالي."
تبسمت قائلة: "لأ، أنا كيف ما جولت. وبعدين بعد عني، أنا حاسة إني ريحتي كلها كيف المستشفيات. لازمن أتحمم."
نظر يونس إلى ذالك الحمام الصغير المرفق بالغرفة قائلاً: "أكيد أنهار محضرة لك الحمام. يلا تعالي، خليني أساعدك."
ردت رشيدة بخجل: "لأ، أنا زينة. هتحمم لحالي، وخليك هنا."
تبسم يونس قائلاً: "على راحتك. بس إن احتجتي حاجة نادى عليا."
بعد قليل خرجت رشيدة من الحمام ترتدي عباءة منزلية قصيرة إلى رسغي ساقيها وبثلثي كم.
تلف شعرها بمنشفة.
تبسمت حين رأت يونس بيده المشط قائلاً: "حتى المشط جيبته من الدوار."
تبسم وهو يجذبها لتجلس وهو خلفها يمشط لها شعرها.
تنهدت تسأل: "هو إيه سبب اللي عمك عمله وأيه سبب ضربه ليا وجوله ليا يا قاتلة؟"
رد وهو يقبل عنقها: "عمي عرف كل حاجة عن مقتل راجحي."
تعجبت تُدير وجهها ليونس قائلة: "منين عرف؟ محدش يعرف غيري أنا وعم عبد المحسن وأنت."
رد بأسف وسرد لها وضع نفيسة لشريط التسجيل بغرفتهم.
تعجبت رشيدة قائلة: "للدرجة دي وصل بنفيسة الحقارة؟ تسجل راجل ومرته بأوضة نومهم. ويا ترى الشريط دا مسجل اعترافي بس ولا حاجة تانية؟"
رد يونس: "مسجل حاجة تانية. مسجل جزء من دخلتنا."
احمرت وجنتا رشيدة قائلة: "كمان؟ يعني اتفضحنا."
ضحك يونس قائلاً: "فعلاً اتفضحنا يا بنت السلطان."
***
بالدوار.
دخل غالب إلى غرفة نرجس دون استئذان.
وجدها تخرج من الحمام بكامل ملابسها عليها، ولكن كان شعرها منسدل ومندى بالماء.
أسرعت وأتت بتلك الطرحة ترتديها على شعرها.
تبسم ساخراً يقول: "كنتي بتعرفي أن رشيدة كانت مساعدة في قتل راجحي؟"
ردت نرجس: "أيوا، يونس سمعني الشريط من كام يوم."
ذهل يقول: "ما شاء الله. وكان لازمن تداري معاه على بنت السلطان؟ ما هي عشق جلبة."
ردت نرجس قائلة: "مش رشيدة اللي قتلته، وكمان رشيدة كانت بدافع عن عرضها."
رد غالب بسخرية: "بدافع عن عرضها؟ لأ والله. ليكم الحق تداروا عليها وتبجوا بصفها. طب يونس هقول سحراله بالعشق، وأنتي كمان سحرالك. أنا استغربت من الأول لما بدأتي تقربي منها، ومع الوقت عاملتيها كيف بتك. بالرغم أن سارة متربية هنا، بس عمرك ما شفتك قريبة منها زى ما قربتي من رشيدة."
ردت نرجس: "رشيدة هي اللي قربتني منها، رغم إن في الأول كنت بتجنبها. بس لما لقيتها بتخاف على يونس يوم ما كان مش قادر يجيب النفس بسبب نفيسة لما أمرت أنهار تحط له في الشاي منشطات، لو مكنش هي كان ممكن ولدي راح فيها."
تعجب قائلاً: "أنتي بتجولي إيه؟"
ردت نرجس: "كيف ما سمعت يا غالب. نفيسة وقحة، وكان كل هدفها تسيطر على كل البيت وتبجي الكبيرة ومعاها بنتها سارة. وكمان عرفت أن يونس الصغير مش ابن سارة."
رد غالب: "واضح إن يونس حكى لك العالم كله."
ردت نرجس: "ولدي وأنا أدرى بيه وبحاله. لما لقيته خايف كان لازمن أعرف السبب. ولما ضغطت عليه من خوفه على رشيدة حكالي عشان أقدر أحميها من خبث نفيسة. وهو مش هنا."
أكملت نرجس بقوة: "ولدي مغلطش لما حمى عشق قلبه. وكمان أم ولده. وأنا كنت عارفة كل شيء زيه."
نظر غالب لها بغيظ: "هو حمى عشق قلبه، وأنتي ساعدتيه. بس مين اللي هيحميكي الليلة من عشق جلبى السنين دي كلها يا نرجس؟"
قبل أن تفهم معنى كلماته، كان يدفعها على الفراش ويجثو فوقها ينزع تلك الطرحة عن رأسها يقبلها بقوته ويداه تمزع ثيابه.
قاومته بنفور ولكن ابتلع كل نفورها وانتهك جسدها.
بعد قليل نهض ينام بظهره على الفراش جوارها.
ليميل ينظر لها لا يعرف أي شعور يضغى عليه الآن.
شعور بالسعادة أنه نالها كما تمنى دائماً، أم شعور بالبغض من نفسه؟ هو تمناها ولكن ليس بتلك الطريقة.
نهض من على الفراش يلملم ثيابه ويرتديها ثم غادر الغرفة.
بينما نرجس تشعر بالدونية.
رغم أنه زوجها، لكن شعرت أنه دنس جسدها وأنتهك حرمته.
لم تقدر على القيام من فوق الفراش تنظر لسقف الغرفة، عقلها يعيد ما حدث. هو حقاً زوجها، لكن هذا يندرج تحت اغتصاب. وهي بهذا العمر لم يحترم عمرها. هي غير قادرة على الحركة، جسدها كأنه أصيب بالشلل.
***
عادت نفيسة لغرفتها مبتسمة بعد أن تصنتت على غالب ونرجس وسمعت آهات نرجس وهي تقاوم غالب.
رمت بنفسها على الفراش سعيدة، سعيدة للغاية.
نرجس كانت دائماً لها ند، فهي صاحبة العقل الراجح والحكمة بعين غالب، وأحياناً عواد، كان لابد أن تتخلص منها قبل همت. ولكن سخافة القدر.
لكن ماذا فعل لها عقلها الراجح بعد الآن؟ نرجس انتهت.
حدثت نفسها وهي تنظر للمرآة وهي تجثو فوق الفراش: "سارة هترجع، وأنا وهي اللي هنكون ستات الدوار."
***
أشرقت شمس جديدة.
لكن الجو ملبد بالغيوم.
استيقظ يونس من غفوته وجد رشيدة بين يديه. قربها منه واحتضنها بقوة.
أنتِ قائلة على فكرة أنا لسه عايشة مموتش."
ضحك قائلاً: "مكنش لازمن أحكيلك على حاجة."
وضعت يدها تمسد على وجنة يونس قائلة: "أنت كنت خايف لا الحلم يتحقق، علشان كده كنت دايماً قلقان. وكان عندك هواجس غلط. بس العمر واحد ولازمن تعيشه."
رد وهو يضع يده يرسم شفاها ثم أمسك يدها التي تمسد على خده يقبلها يقول: "أنا مقدرش أكمل من غيرك يا رشيدة. أنت الدافع اللي بيدفعني لجدام. عشقك جوتي من غيرك عتمة طريقي. أنا كنت جايب لك عايش غريب في حضنك لقيت وطن أنتمي إليه. أنا أما بكون بعيد عنك مابصدق ألاقيكي وأترمى في حضنك عشان أحس إني مش غريب وحضنك ليا وطن يا بنت السلطان."
مال يقبل شفتيها، لكن انقطعت اللحظة ببكاء ذالك المتذمر.
ترك يونس شفتيها وقام من على الفراش وذهب إلى تخت الصغير وحمله وعاد به إلى الفراش وأعطاه لرشيدة التي أخذته منه ورفقته على صدرها. للحظة خجلت أن ترضع الصغير أمامه. تبسم وهو يميل يقبل خدها ثم يقبل الصغير قائلاً: "هسيبكم مع بعض شوية على ما أستحمى."
بعد قليل خرج يونس من الحمام يلف خصره بمنشفة قائلاً: "إيه ده؟ هو نام تاني؟ باين هيبجي هادي ومش هيتعبنا معاه."
ردت رشيدة: "أمي جالت لي متطمنيش جوي كده. هما كده الصغار في أول ولادتهم بيبجوا زي السكرانين، يرضعوا ويناموا. لكن أسبوع ولا اتنين ويفوق ويظهر على حقيقته."
ضحك وهو يرتدي ملابسه قائلاً: "والله جول حماتي طمينيني."
نظرت له قائلة: "أنت رايح فين؟"
رد يونس: "عندي محاضرة واحدة في الجامعة. مش هغيب. العصر هكون هنا عشان أشوف حسين بيه الهلالي هيفضل طيب كده ولا هيتغير وياخد جوة بنت السلطان."
تبسمت قائلة: "هياخد جوة يونس، ولد الهلالي، وحكمته وعقله وخوفه على اللي بيحبهم وحمايته لهم."
تبسم بتذكر يقول: "آه، اعملي حسابك امتحانات نص السنة خلاص جربت. وحجتك بطلت المذاكرة. لازمن تذاكري في كتب الجامعة. مش عايز حجج يا ذات الخال. افتحي الكتب دي بجى."
تبسمت تقول: "سبق جولت لك كل اللي في الكتب دي أنا عارفاه. وبكرة هتشوف، هنجح وبتجدير كمان ومش بعيد أطلع الأولى على زملاتي."
تبسم وهو يميل يقبل وجنتيها ثم وجنتي الصغير قائلاً: "هسيبكم مع بعض. خلي بالكم من بعض. متتعبيش نفسك. اللي تعوزيه انهار موجودة ومش هغيب عليكم."
قال هذا وغادر.
بينما تنهدت رشيدة بعشق ثم نزلت من على الفراش وفتحت ستارة الشرفة ثم فتحت الشيش قليلاً ونظرت ترى يونس يقف يتحدث مع صبحى وبعض الغفر بالقرب من باب المنزل. تبسمت ثم نظرت لصغيرها الذي يبتسم وهو نائم قائلة: "الخير على جدومك يا حسين يا هلالي من أولها."
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد
ردت نواره: هي تشبهك سبحان الخالق، بس مفيش في دقنها الشامة اللي عندك.
تحدث يونس وهو يُملي عيناه من تلك الصغيرة: دي حلوة قوي يا مرات عمي، وكمان شعرها حلو قوي. أنا هتجوزها أما تكبر شوية.
ضحكت رشيدة ونوارة، قائلة: أه يا ولدي، عشان تعيدوا الجصة مرة تانية.
بين يونس وبنت السلطان، بس يارب الصغيرة ما تكونش عنيدة زي الكبيرة.
تبسم يونس وهو يمد يده يحمل الصغيرة، قائلاً: لأ، رشيدة بتاعتي هتكون طيبة وهتسمع كلامي.
أكمل وهو ينظر لتلك الصغيرة بين يديه، قائلاً: صح، رشيدتي الصغيورة.
ضحكوا عليه وهو يحمل الصغيرة بفرحة شديدة.
بعد العصر، بجامع النجع، جلس يونس بعد صلاة العصر مع الشيخ أيمن.
تحدث أيمن قائلاً: البلد كلها ملهاش سيرة غير أنك سبت الدوار وروحت تعيش بدار لحالك. إيه اللي حصل؟
تنهد يونس قائلاً: عمي غالب عرف بالشريط اللي حدثتك عنه سابج، لما طلبت منك رأي في مقتل راجحي، واللي حكته ليا رشيدة ليلة مقتله، لما طلبت منك رأي الشرع، وجلت لي إنّي ممكن أطلع فدية عن رشيدة، لأن ده يعتبر في رأي الشرع قتل عن خطأ، والفدية تغفره.
انزعج أيمن قائلاً: ومين اللي جاله؟
مرت عمك نفيسة.
رد يونس: لأ، مرات عمي نفيسة ساكتة، بس حاسس إن ده هدوء قبل العاصفة.
اللي جالت له همت، همت شرها زايد عن الكل، وعندها لرشيدة حاجة قديمة من جبل ما تعرف، أو بالأصح تتأكد أن رشيدة كان لها يد في قتل راجحي. راجحي اللي موته زي حياته، نفس الشر في النفوس.
عمي منع دخول رشيدة الدوار، ووافق بالعافية إني آخد يونس الصغير معايا. لو ما هددتوش مكنش هيسيبه.
أنا بجيت بصراحة خايف من عمي غالب أكتر، هو كيف الشريد بعد ما سمع الشريط. لو كان جبل سابج كنت هجول رد فعله مبالغ فيه، بس بعد ما بجيت أب، عذرتُه. بس هستنى كام يوم يهدى كده، وهرجعله تاني. أنا منساش إنه عاملني أفضل من ولاده، بتمنى إنه يرجع لعقله ويفهم اللي حصل ويعقله. مش هطلب منه إنه يتقبل رشيدة، بس على الأقل يفهم الحقيقة.
تبسم أيمن قائلاً: خير إن شاء الله. تفائل بالخير، ودلوقتي جول لي ناوي على إيه يا أبو حسين؟ هتعمل عقيقة له، ولا هتطلع تمنها لأهل الخير؟
تبسم يونس قائلاً: الاتنين يا شيخ أيمن. هطلع لله، وكمان هعمله العقيقة مع السبوع إن شاء الله، وأنت أول المدعوين. وكمان، قل لي أعمل العقيقة كيف، لأني معرفش.
ضحك أيمن قائلاً: بس كده، دي بسيطة خالص. بص يا أبو حسين، هتقدر تمن تُقل شعره ذهب وتخرجه لله. الولد بيكون له ضحية حولين، يعني خروفين، أو بقرتين، أو جملين، اللي تقدر عليه، وتكون وهب لله.
تبسم يونس قائلاً: بس كده.
رد أيمن: بس كده. بس لازم تكون للمحتاجين.
رد يونس: تمام، يبقى أنت المسؤول إنها توصل للي يستحقها.
بعد المغرب، بمنزل يونس.
دخل يونس إلى الغرفة، وجد يونس الصغير يجلس على مقعد صغير جوار ذلك التخت الصغير، ورشيدة تجلس على الفراش تمسك إحدى الكتب.
تبسم وهو يقول: مساء الخير.
وذهب إلى التخت يُلقي نظرة على صغيرته، لكن رفع رأسه بتعجب.
وقبل أن يتحدث، قالت رشيدة بمزح: دي رشيدة بتاعتك، مش كان نفسك في بت؟ أهي جت. ولدتها الصبح بعد ما مشيت.
ضحك قائلاً: فعلاً، هي تشبهك. أكيد دي بنت حسين، واد عمك.
تعجبت قائلة: وعرف منين؟
رد مبتسماً: ناسيه إني شوفتها في الحلم، وكمان أنهار لما بسألها عنك، جالت إنك هنا مع حسين ورشيدة الصغيرة. بس إيه اللي جابها هنا؟
أخبرته رشيدة بما قالته لها نواره، قائلة: ربنا يشفي سلوى عشان بتها. أنا جلت لأمي خليها هنا معايا على ما سلوى تتحسن.
تبسم يقول: وهتقدري على الاتنين، وكمان صحتك؟
ردت رشيدة: ربنا بيبعت رزق كل واحد معاه. هي ربنا رزقها بيا، تعويض عن أمها. أدعي لها تقوم بالسلامة بسرعة.
أمن على دعائها قائلاً: طيب، ويونس الصغير اللي مخليه قاعد كده؟
ردت ببسمة: من وقت ما شاف رشيدة، وهو قاعد جنبها ومستني تصحى عشان يشيلها.
ضحك يونس ينظر ليونس الصغير: الله يكون في عونك يا ولدي، وجعت من دلوقتي.
ضحكت رشيدة هي الأخرى قائلة: يونس وبنت السلطان الصغار.
بالدوار، على طاولة العشاء.
جلست نرجس على مقعدها بالسفرة، وكذلك نفيسة، التي تنظر لها باستغراب. فهي اعتقدت أن بعد ما حدث أمس بين غالب ونرجس، سيكون له رد فعل آخر، وهو أن تترك نرجس الدوار وتذهب لتعيش مع ولدها بذلك المنزل الصغير.
تبادلت نرجس وغالب النظرات.
نظرات غالب كانت كبرياء أبى الاعتذار.
نظرات نرجس كانت استحقار.
لاحظت نفيسة النظرات، تبسمت بين نفسها.
تحدثت تقول: عواد اتصل وجال إنه هيعاود لأهنا آخر الأسبوع، وسارة هتكون معاه.
تحدث غالب قائلاً: عارف بأكده. بيكفي بعد سارة أكتر من كده، هي بجت زينة، دي حالة نفسية وانتهت. لازم ترجع وتاخد مكانتها هنا في الدوار.
تحدثت نرجس بسخرية: وأيه هي مكانتها في الدوار؟
رد غالب: مكانتها مرات العمدة، وكبير نجع الهلالية.
ضحكت بسخرية: وفين كبير نجع الهلالية؟ العمده زي ما بتجول، هو ساب الدوار ومعتقدش إنه هيرجع تاني، وبالذات بعد ما اتهجمت على رشيدة وصفعتها.
نظر غالب لنرجس بغيظ وهو يقف قائلاً: هيعاود غصب عني.
قال هذا وغادر.
نظرت نفيسة لنرجس بتعالي، لتبتسم نرجس بسخرية.
بعد قليل، جلس غالب أمام أحد المحامين الكبار، يُسمعه ذلك الشريط المسجل عليه اعتراف رشيدة.
تحدث المحامي بمهنية: مش فاهم أنت عاوزني أعمل إيه؟
رد غالب: الشريط فيه اعتراف رشيدة بحقيقة مقتل ولدي. أكيد لو اتجدم للنيابة ممكن تجبض عليها وتتعاقب.
تحدث المحامي بتوضيح قائلاً: معتقدش النيابة هتاخد بالشريط ده، لأن مفيش إذن بالتسجيل. وأكمل بخبث: ثانياً، الشريط فيه جزء حميمي بين زوج وزوجة، وممكن بسهولة يتهموا اللي سجل الشريط بالتطفل والتشهير بحياتهم الخاصة. وكمان بسهولة هتكدب محتوى الشريط. وحتى محتوى الشريط مش اعتراف منها أنها اللي قتلته، بس تعتبر مشاركة في جريمة قتل، وممكن تندرج تحت دفاع عن النفس من الاغتصاب. وكمان أنت بتقول إن واحدة من المشاركين ماتت، وهي اللي غرست السيخ بجسم ولدك. والتاني معتوه، أكيد مش هيتعاقب، لأنه معتوه وضعيف العقلية.
رد غالب بغيظ: قصدك إيه؟ يعني عاوزني أبقى عارف اللي شاركت في قتل ولدي وأفضل ساكت؟ ولا أروح أقتلها وأخد بتار ولدي منها بيدي؟
رد المحامي: مش قصدي. بس أحنا ممكن نقدم اتهام ليها في النيابة، وهما يعيدوا فتح ملف القضية، ويستدعوا حضورها والتحقيق معاها.
رد غالب: وده ياخد وقت قد إيه؟
رد المحامي: معرفش، بس مش أقل من أسبوع.
رد غالب: لأ، كتير. اعمل أي شيء وافتح القضية قبل آخر الأسبوع ده.
بعد مرور عدة أيام، في الصباح.
أصوات إطلاق النار تملأ المنزل. اليوم عقيقة أصغر فرد للهلالية، ولابد أن يعلم أهل النجع لحضور العقيقة والمباركة. فهذا الصغير قد يكون عمدة النجع بالمستقبل.
ببيت ناجي الغريب، على طاولة الفطور.
جلس ناجي ينظر لهمت بسخرية، يضحك.
تحدثت همت بضيق قائلة: مالك بتبص لي وتضحك ليه؟ شايف قدامك أرجوز ولا غازية من اللي بتسهر عندهم كل ليلة لوش الفجر وترجع مسطول؟
ضحك بسخرية يقول: اللي يسمعك يجول فارق معاها سهري أو رجوعي مسطول. أنا بضحك مبسوط.
نظرت همت بغيظ قائلة باستفسار: وأيه سر انبساطك؟
رد من بين ضحكاته: أصلي عرفت إنك رحتي لغالب الدوار، وبعدها مباشر يونس الهلالي ساب الدوار هو ورشيدة مرته. أكيد بخيتي سمك لغالب وسمعتيه الشريط إياه.
تعجبت همت تقول: شريط إيه اللي بتتكلم عنه؟
الشريط اللي نفيسة أختي بعتته لكِ من كام شهر ده؟ أنا شفتك سمعتيه أكتر من مرة.
قالت همت بضيق: وأنت بتراقبني ولا إيه؟
ضحكة سخرية قوية خرجت من ناجي يقول: هراقبك ليه؟ مسجلة خطر؟ لاه، بس سمعته وأنتِ بتسمعيه بالصدفة.
أكمل بإيحاء: بس إيه، يونس الهلالي طلع راجل بصحيح وهو بيتعامل مع مرته، مش زي راجحي كانت الحبوب هي اللي بتجيبه على الحرمة تخليه كيف التور الهايج.
تحدثت همت بحدة: اللي يسمعك يجول معجب بيونس الهلالي. مش هو اللي واقف لك في تجارة المخدرات ومفتح عيون الحكومة على النجع؟
زفر ناجي نفسه يقول: هو بس الحق يتقال، وطلع راجل كمان، واتوقف لغالب. وغالب شكله أكده هيسلم ويسحب له ناعم ويرجعه تاني لحضنه. أنتِ مش سامعة ضرب النار اللي شغال من ليلة امبارح، وسمعت إنه عامل عقيقة لولده هو ورشيدة، مدعي فيها كبار المركز، وأكيد غالب هيحضر. ومش بعيد يصالح واد أخوه، ومتنسيش نرجس، غالب عاشق ولها عنده كلمة مسموعة، وده ولدها وحفيدها.
شعرت همت بغيظ وصمتت لدقيقة، ثم قالت: لاه، هتشوف. أنا أكتر واحدة عارفة غالب، وجت عصبيته. مبيفكرش مين اللي قدامه، حتى لو كانت نرجس. واللي بلغني إن غالب شايط عالآخر من نرجس بسبب زيارتها لرشيدة أكتر من مرة بدون إذنه وحذرها.
ضحك ناجي يقول: حذرها بس. والله أكتر حاجة بتضعف الهلالية هو عشق قلوبهم. راجحي كان عاشق رشيدة، وعشجه لها جَتله. وغالب عاشق نرجس، وعشجه لها نساه أم ولاده. يونس عشق رشيدة، وبعدها عن الهلالية، واتستر على قتلها لولد عمه.
تحدثت همت بكراهية تقول: وأنت مش كنت عاشق لنرجس، ولسه في جلبك؟ ما عملتش زيهم ليه؟ أنما اتغبيت مع أختك، وبدل ما تدخل أوضة نرجس، دخلت أوضتي.
رد ضاحكاً: نفيسة هي اللي دلتني على الأوضة. كانت عايزة تتخلص منك الأول، وبعدها كانت هتتخلص من نرجس. بس القدر وعقل نرجس هما اللي فازوا. ومتأكد إن القدر لسه مساعد نرجس، وهي اللي هترجع غالب لعقله، وهيصالح واد أخوه.
ردت همت بفحيح: هتشوف يا ناجي، غالب هيدفع رشيدة تمن قتل ولدي. أنا متأكدة من كده.
ضحك ناجي ساخراً.
بداخل منزل يونس.
النساء تشارك بالطبخ والغناء.
بالغرفة، تبسم يونس وهو يضم رشيدة قائلاً: في واحدة تبجي حزينة كده يوم سبوع ولدها؟ ولا ده كله عشان حسين خد رشيدة الصغيرة؟
تنهدت تقول: اتعودت عليها، وبقالها خمس أيام معايا ليل ونهار. والله حسيتها بتي. يلا ربنا يخلي لها سلوى. الحمد لله ربنا لطف بيها، يمكن عشان الصغيرة ما تترباش يتيمة الأم.
ضحك يونس قائلاً: لأ، ويونس الصغير معتكف في أوضته وبيجول مش طالع إلا لمّا ترجعوا لي رشيدتي الصغيورة. يعني كنتوا عاوزني أجول لأبوها، لاه، متخدهاش. وبعدين أنتِ كده كده بجيتي أمها بالرضاعة. كمان ناسيه إن عندك امتحانات قبل شهر، ولازم تركزي فيها. وكمان النهارده سبوع حسين، مش عايز أشوفك حزينة، خلينا نفرح بولدنا.
تبسمت قائلة: تمام، خلينا نفرح بولدنا.
رفع يونس وجه رشيدة ينظر يتأمل شفاها قائلاً: ومتزعليش كده، ادعي ربنا يبعت لنا احنا كمان رشيدة.
تبسمت تقول: مش عارفة ليه أنت مستعجل نخلف تاني.
رد باسمًا: عشان عاوز يكون عندي عيلة كبيرة من بنت السلطان، وأحكي لهم على عشجي ليها من قبل ما أشوف وشها.
أنهى حديثه يُقبل شفتيها، تبادله للحظات، لولا دخول ذلك الباكي.
يقول: هو عمي حسين هيجيب رشيدة النهارده، كيف ما قال ليلة امبارح.
ابتعدت رشيدة خجلة.
تحدث يونس قائلاً: أكيد. والله أنت صعبان عليا من دلوقتي. دي بنت السلطان هتشعلجك في نار عشقها.
عصراً، مظاهر السبوع بالدار، بين النساء الأغاني والتهنئات.
وضعت حلمية ذلك الصغير في الغربال، تهزه وهي تقرأ الماعوذتين وتقوم بقراءة الرقية الشرعية له، تحميه وتحصنه من العيون السيئة.
وضعت حلمية الصغير في الغربال على الأرض.
ابتسمت يسر تقول: والله الحمد لله، أنا كنت خايفة الواد يقع من يد ستي.
تنهدت رشيدة هي الأخرى بارتياح، فقلبها كان يرتجف أن يسقط الغربال من بين يدي حلمية.
ضحكتا عليهن كل من نرجس ونوارة.
نرجس التي تحدثت: أكده الواد هيبجى عصبي جامد، مش خرع.
تحدثت حلمية قائلة: يلا يا رشيدة، خطي على الغربال سبع مرات.
فعلت رشيدة مثلما قالت لها جدتها، وكانت مع كل خطوة ترش كل من نرجس ونوارة عليها الملح.
كانت مظاهر مبهجة كثيراً.
لكن عين الحسود أو الحاقد أصابتهم.
بالمندرة الخاصة بالبيت، دخل يونس متعجباً.
وقف ذلك الضابط قائلاً بأسف: أنا ما كنتش أعرف إن سبوع ابنك النهارده، مبروك، ربنا يرزقك بره، ويتربى في عزك.
رد يونس: ربنا يبارك فيك، ومتشكر. بس أكيد مش جاي عشان كده.
تحدث الضابط بخبث: بصراحة، أنا معايا أمر بالقبض على السيدة... رشيدة حسين السلطان، لعرضها بكرة عالنيابة.
ابتلع يونس ريقه قائلاً: وأيه سبب القبض عليها؟
رد الضابط: معنديش معلومات، هي إشارة وجات لنا. وجنابك عارف إني بنفذ الأمر اللي بيجيني.
تحدث يونس بتفهم: عارف إنك بتنفذ الأمر اللي جايلك، بس زي ما أنت شايف، أنا بطلب منك إنك تأجل الجبض على رشيدة لحد ما العقيقة تخلص، وأوعدك أنا بنفسي هجي بها لحد المركز.
خجل الضابط من طلب يونس وتحدث قائلاً: متأسف سيادتك، عارف القانون. بس أنا ممكن أعمل استثناء وأفضل هنا لغاية ما تخلص العقيقة، وبعدها أنفذ الأمر.
تبسم يونس قائلاً: وأنا متشكر لتفهمك الوضع، وأكيد مرحب بيك هنا أنت والعساكر اللي معاك.
بعد قليل، لمحت رشيدة من الشرفة خروج يونس من الدار. تعجبت، ولكن جذبتها يسر لتعود بين حديث وتهاني النساء.
بالدوار، دخل يونس سائلاً إحدى الخادمات: فين غالب بيه؟
ردت عليه باحترام: غالب بيه في المندرة.
دخل يونس للمندرة، لثوانٍ ذُهل وهو يقف مكانه، لكن أفاقه من الذهول احتضان سارة السريع له بلهفة، لم تخجل أمام الجالسين، سواء عمه أو حتى زوجة عمه نفيسة.
أبعدها عنه سريعاً، لكن عادت تحتضنه مرة أخرى.
أبعدها وعاد للخلف ينظر لعمه.
تحدثت سارة قائلة: أنا خرجت من المصحة من كام يوم، وكنت قاعدة مع أبوي في القاهرة على ما يخلص جلسات المجلس، وعاودنا من شوية.
تحدث يونس يقول: حمدلله على سلامتك.
ثم نظر لعمه غالب قائلاً: أنا جاي عايز أتحدث مع عمي غالب على انفراد.
تحدث غالب بتغطرس: أتحدث قدام اللي قاعدين، مفهمش حد غريب.
تحدث يونس: وماله. أنت قدمت بلاغ في رشيدة بتتهمها بقتل راجحي، صح؟
رد غالب: أيوه، أنا اللي قدمت البلاغ. هي شاركت في قتله، ولازم تتعاقب.
رد يونس: طيب، وليه ما قدمتش في البلاغ كمان عن عبد المحسن؟ هو كان شريك معاها.
رد غالب: عبد المحسن عجابه هيكون على يدي.
"إيه، هتقتله بيدك؟" هكذا قال يونس.
رد غالب: أنت جاي ليه؟ رجعت لعقلك وهترجع لمرتك سارة بت عمك وتطلق رشيدة؟
تحدث يونس ساخراً: سارة مش أكتر من بت عمي، وعمرها ما كانت ولا هتكون أكتر من كده. وأنا مش هتخلى عن رشيدة أم ولدي. أنا بطلب منك إنك تسحب بلاغك عن رشيدة.
هب غالب واقفاً: لاه، مش هسحبه.
نظرات التحدي بين يونس وغالب مشتعلة.
تحدث يونس: رشيدة، أنا هعرف أطلعها كيف من القضية، لكن أنت هتبجى خسرتني لو البلاغ منسحبش قبل ما رشيدة تتعرض عالنيابة بكرة.
رد غالب بتعسف: أنا مش هسحب البلاغ، ولازم تتسجن وتتعاقب. وكمان لازم تطلقها.
رد يونس: أنا مش هطلق رشيدة أبداً يا عمي، وأنت حر.
انتفض عواد يقول: واه، إيه اللي حصل؟ استهدوا بالله. واه يا يونس، ده عمك اللي رباك، بتخسره عشان عشق حرمة.
تحدث يونس: لاه، مش عشان عشق حرمة، عشان الحق. وكفاية. أنا كنت متأكد إنك هترفض يا غالب بيه، بس كان عندي أمل. بس حتى الأمل مات.
قال هذا وغادر سريعاً.
سارة عقلها غير مستوعب، هي عادت من أجله، وهو رحل وراء عشق نفس الوضعية.
تحدثت نفيسة بكيد: دي أكيد ساحراله.
سارة عقلها يؤكد قول نفيسة. يونس يحبها وسيعود من أجلها بعد أن يعلم أنها تسحر له.
عقل غالب يفور بنيران الحقد.
عواد بين كفي الرحا، لا يعرف أيهما يساند.
في المساء، بعد انتهاء العقيقة.
دخل يونس إلى الغرفة، وجد رشيدة تضع الصغير النائم بتخته. رفعت رأسها تنظر له مبتسمة، لكن وجهه متهجم.
أقترب يونس منها يقول: رشيدة، في حاجة لازم تعرفيها.
ردت بقلق: وأيه هي؟
تحدث بألم: عمي جدم فيكي بلاغ إنك جتلتي راجحي.
نظرت له باستغراب.
أكمل يقول: في قوة من الشرطة هنا من بعد العصر، بس أنا طلبت منهم يأجلوا الجبض عليكي لبعد ما تخلص العقيقة. وكمان طلبت من حماتي تبات بحسين، وهي عرفت من شوية. وأمي رجعت الدوار.
أبت الدموع أن تنزل من عين رشيدة، وتحدثت بقوة: هغير هدومي وأنزل معاك.
بعد مرور يوم كامل، ليلاً.
رفعت رشيدة رأسها من على صدر يونس، تنظر لملامح وجهه وهو نائم، تنهدت بعشق، تبتسم. تذكرت حين كانت تبغض قربه منها سابقاً. ليلة واحدة ابتعدت عنه بالأمس، شعرت بغربة. أصبح صدره موطنها. مالت على صدره وقبلت موضع قلبه، ثم تسحبت من بين يديه، وارتدت مئزراً ثقيلاً.
ذهبت إلى تخت ذلك الصغير، ونظرت إليه، هو ملاك نائم مبتسم. أحكمت عليه الغطاء.
توجهت إلى شرفة الغرفة وفتحتها بهدوء وخرجت، ثم أغلقتها خلفها.
وقفت تنظر أمامها، الظلام لأبعد مكان. شعرت بالبرد قليلاً، ولكن سرعان ما زال بعد أن شعرت بوضع تلك البطانية على كتفها من ناحية، والكتف الآخر يضمها لجسده، يغطي جسديهما البطانية.
يتحدث وهو يضمها أكثر قائلاً: إيه اللي مطلعك في البرد ده؟
تبسمت تنظر لوجهه قائلة: امبارح وأنا في محجوزة بالمركز، كنت بفكر إن لو اتحكم عليا بالسجن لسنين، ابني هيطلع يفتكرني ولا هينساني؟ هيفكر إني جاله بصحيح كيف عمك ما بيقول، ولا هيعرف الحقيقة ويدافع عني لو حد جال عليا جاله.
رد يونس وهو يزيد من ضمها: عمري ما كنت هسمح إنك تتسجني يا رشيدة، حتى لو كنتي أنتِ اللي جتلته بصحيح. اللي تدافع عن عرضها قدام مغتصب، حتى لو جتلته بصحيح، مستحجش السجن.
رفع بيده وجه رشيدة ينظر لعيناها قائلاً: وبعدين أنتِ مش جتلته، ولا على إيدك دم راجحي. أنتِ كنتي ممكن تموتي بنفس الطريقة معاه، لو مش القدر أنجدك.
تبسمت رشيدة تقول: بلغني إنك رحت لعمك، وطبعاً طلب منك إنك تطلقني قصاد إنه يسحب اتهامه ليا.
ضحك يونس قائلاً: فعلاً، ده كان طلبه، بس مكنش هيسحب اتهامك ليكي.
نظرت بتعجب، وقبل أن تتحدث، تحدث يونس: هو جالي القصاص، إن أقل شيء تتسجني.
تبسمت تقول: وردك كان إيه عليه؟
ردي وصل له بأني مش هسيب ذات الخال تتسجن أكتر من يوم. وكمان في رد تاني هيوصله بكرة أو بعد كام ساعة.
"وأيه هو الرد التاني ده؟" قالت هذا باستخبار.
رد وهو يلم بين يديه خصلات شعرها التي يبعثرها الهواء: أنا طلقت سارة.
اندهشت دون رد.
أكمل يونس: كان لازم ده يحصل من زمان، بس كل شيء بأوان.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد
رد أمجد بغضب:
مفيش، كنت بجري بالحصان ووقعت من عليه. هو تحقيق عالصبح؟ أنا طالع لأوضتي.
أمسكت همت ساعده وأوقفاته قائلة:
ومدرستك اللي بتروح تزورها بمزاجك وعايد السنة؟
رد أمجد بسخرية وهو ينظر لها:
إلى يسمعك يقول خايفة على مستقبلي جوى.
بلاش يا أماي، الدور ده ما يليقش عليكي. خليكي كيف ما أنتي. مبتسأليش على حاجة غير نفسك. أنتي ما يهمكيش غير همت وبس. لأ أنا ولا حتى ولادك التانيين في حسابك. ما كانش في غير راجحى، كانه ما خلفتيش غيره.
قال أمجد هذا وغادر بعد أن تركت ساعده.
نظرت همت لخطاه بأنزعاج هامسة:
ماشي يا واد ناجي، خليك ماشي وراه. أوعى تفكر أني مش عارفة أنت جاي منين. بنت السلطان الصغيرة أزفت من الكبيرة، ولازم بقى ياخدوا جزاتهم. أهي الكبيرة بايته في المركز، عقبال الصغيرة ما تبات في المشفى مكسرة. أخلص بس من الكبيرة والصغيرة ليها حساب عندي.
***
قبل قليل.
بالدوار، اصطدم غالب بنرجس على السلم الداخلي للدوار. وقف أمامها يقول بتعسف:
على فين بدري كده؟
صمتت وتجنبته، لكنه أمسك يدها وسحبها خلفه يدخل إلى غرفته وأغلقها خلفهم.
قبل أن تنطق، تحدث غالب:
ما رديتيش على فين؟
ردت نرجس وهي تشعر باختناق من وجودها معه بغرفة مغلقة:
أنت عارف أنا رايحة فين، ومع ذلك هقول لك وأريحك. أنا رايحة عند ولدي وحفيدي.
تحدث باستهجان:
ولدك وحفيده؟ أنا مش سبق وقلت محدش يروح له قبل ما يرجع لعقله ويعود لأهله في الدوار ويبعد عن القاتلة بنت السلطان. أنتِ بتتحديني؟ حذرتك من المرواح لهناك أكتر من مرة، ليه مش بتسمعي حديثي؟
ردت نرجس:
وأنا قلت لك سابق إن ولدي ما غلطش لحمايته لمرته وأم ولده. وكفاية بقى اتهام بالباطل. فوق وارجع لعقلك قبل ما تخسر أكتر من كده.
ضحك غالب بقوة يقول:
أخسر أكتر من كده إيه؟ خسرت ولدي الكبير بالقتل وولدي التاني موال عالقاتلة عشان عاشجها. بس أنا خلاص هاخد بثار ولدي وهرجع ولدي التاني لعقله.
ردت نرجس باستفسار قائلة:
قصدك إيه بحديثك ده؟
رد غالب:
واضح كده إنك تعرفي إن الحكومة قبضت على رشيدة عشية امبارح وأنها بايته في المركز. أنا اتهمتها بقتل ولدي. إيه ولدك داري عليكي؟ أمال مين اللي بايت مع ولده؟ أكيد أم القاتلة.
تعجبت نرجس كثيراً ووقفت تفكر، ثم قالت وهي تخلع ذلك الرداء الأسود من عليها قائلة:
اسحب اتهامك لرشيدة وبعد كده عن يونس وأنا قدامك وهكون لك زوجة زي ما كنت رايد من زمان. خلي ولدي يعيش مع اللي هوى سعيد. بلاش تهد سعادته. وافتكر إن في يوم ربيت لك ولادك يوسف وياسمين ومفرجتش بينهم وبين ولدي لما همت رمتهم لك. همت اللي راجعة دلوقتي تبخ سمها فيك. فوق يا غالب قبل ما تخسر كل ولادك. أنت كنت عارف حقيقة راجحى المرة اللي كلنا عارفينها وأنا شاركتكم وخبيتها على يونس. أنا ما عنديش غير يونس وكل اللي بطلبه منك هو تتنازل عن البلاغ وأنا قدامك وهكون لك زي ما بتريد.
نظر غالب لها بغيظ ولم يرد لدقيقة ثم غادر الغرفة.
تنهدت نرجس بقلة حيلة وانحنت وارتدت عباءتها مرة أخرى وغادرت الدوار.
منتبهة لتلك التي تظن أنها لم تشعر بها تتصنت على حديثها مع غالب.
دخلت نفيسة لغرفة سارة تقول لها:
نرجس لسه جوه. أنا فكرت بعد اللي غالب عمله معاها كسر شوكتها بس لسه واقفة له كيف النخلة.
تحدثت سارة بهزيان تقول:
يونس كان هنا وجالي إنه هيطلق الحرباية وهو ما حبش غيري وجالي إنه هيضرب راجحى كيف ما كان بيضربني.
ذهلت نفيسة تقول:
أنتي ما أخدتيش الدوا النهارده ولا إيه؟
قالت هذا واتجهت إلى أحد الأدراج وأخرجت علبة صغيرة بلاستيكية وأخرجت منها حبة وأعطتها لها قائلة:
الدكتور قال الدوا ده متنسيش تاخديه. أنتي من غيره عقله بيغيب. أنا اتفاجئت معاه يخرجك ويقول إنك بقيتي زينة. يبقى متنسيش أخد الدوا ده تاني وبعد كده أنا اللي هديهولك بإيدي.
***
بدار يونس.
وقف يونس يحمل صغيره وهو يتحدث مع نواره التي تحدثت بحزن قائلة:
يعني رشيدة كانت بايته في أوضة الظابط؟
رد يونس:
أيوه، أنا سايبها هناك الفجر وجيت على هنا عشان أقول للسواق يروح يجيب المحامي اللي قالي عليه صفوان امبارح. واتصلنا عليه وقولنا له فكرة عن الاتهام وحسين راح مع السواق وهيفهم المحامي على كل حاجة في الاتهام.
ردت نواره:
أنتي كنتي جلتى ل حسين من امتى؟
رد يونس:
أنا جلت لصفوان عشان هو بيدرس قانون وأكيد هيعرف يساعدني وهو دلني على مدرس عنده بالجامعة وبيشتغل بالمحاماة. واتصلنا عليه من بعد المغرب.
تنهدت نوارة قائلة:
كان قلبي حاسس إن رشيدة مخبية عليا حاجة من ناحية راجحى. كان عندي شك إنها تعرف إنه مات قبل ما البلد تعرف لما جولت لها في وقتها إنه مات غريق. حسيتها مش متفاجئة. بس مفيش حاجة بتداري شيء بيطلع من تحت الأرض يكشف السر. منها لله نفيسة وهمت هيكسبوا إيه أما يفرقوا أم عن ولدها وهو ابن أيام.
تحدث يونس سريعاً:
رشيدة هي اللي هتربي ولدها وبأكدلك كده. أنا دلوقتي هروح النيابة وعندي إحساس إنها هترجع معايا. بس أنتي ادعي لينا.
ردت نواره وهي تأخذ الصغير من يد يونس:
يارب يصدق إحساسك وتعودوا سوا.
تبسم يونس وهو يغادر.
***
في حوالي العاشرة صباحاً.
دخلت رشيدة إلى مبنى النيابة العامة.
بعد قليل بغرفة النائب، دخلت رشيدة ومعها ذالك المحامي.
قام النائب باستجواب رشيدة قائلاً:
سيدة رشيدة، أنتِ متوجه لكِ تهمة قتل السيد راجحي غالب الهلالي. إيه قولك فيما منسوب لكِ؟
نظرت رشيدة للمحامي الذي أومأ برأسه لها بالرد.
ثم ردت قائلة:
أنا بنفي صِلتي بالتهمة دي.
تحدث النائب:
بس في بلاغ من السيد غالب بيتهمك بقتل ابنه راجحي.
ابتلعت رشيدة ريقها قائلة:
زي ما جلت لحضرتك، أنا ماليش صلة بقتله.
نظر النائب لرشيدة قائلاً:
ممكن أعرف أنتِ عندك كام سنة؟
ردت رشيدة:
عندي واحد وعشرين سنة.
تحدث المحامي الخاص برشيدة:
ممكن أعرف سبب السؤال ده؟
رد النائب:
بدون سبب، للمعرفه فقط.
ثم قال:
أنا عرفت إنك زوجة ابن أخو غالب الهلالي وتعتبرين فرد من عائلة الهلالي. إزاي بيتهم فرد من العيلة بقتل ابنه؟
ردت رشيدة:
معرفش.
رد النائب:
هو كان غير موافق على زواجك من ابن أخيه؟
تحدث المحامي قائلاً:
وإيه لازمة السؤال ده؟ أظن ده خارج القضية.
تحدث النائب:
مش يمكن ده صُلب القضية نفسها إن يكون في عداء بين السيدة رشيدة وغالب الهلالي خلاه اتهمها مثلاً؟ طيب أنتِ عرفتي امتى إن راجحي الهلالي اتقتل؟
ردت رشيدة بثبات:
أنا معرفش إنه اتقتل غير دلوقتي من اتهامك ليا. اللي أعرفه إنه مات غريق.
رد النائب بسؤال:
طب ومعرفتيش أنتِ ليه كان مطلوب القبض عليكِ؟
ردت رشيدة:
أنا فوجئت بجوزي بعد عقِيقِة وسبوع ابني بيقولي إن مطلوب القبض عليا ولازم أنفذ الأمر ونفذته.
نظر النائب لرشيدة يبتسم بخبث قائلاً:
طيب إيه معلوماتك عن راجحي غالب الهلالي؟
ردت رشيدة:
معلوماتي كلها زي أهل النجع. كان العمدة وما كانش محبوب من أهل النجع.
تحدث النائب باختصار:
ليه كان مكروه؟
ردت رشيدة:
كان بيستعبد الناس في الشغل عنده في مصنع الطوب.
النائب:
بس كده. طيب إحنا عندنا معلومات إنه كان عرض شراء قطعة أرض عالنيل مملوكة لوالدك وأنك رفضتي.
ردت رشيدة:
حصل فعلاً. هي أرضي أنا وأخواتي ورث عن أبونا ورفضت بيعها.
رد النائب بمفاجأة:
الأرض عالنيل وراجحي اتقتل واترمى في النيل.
لم تُظهر رشيدة أي ردة فعل.
مما جعل النائب يقول بمفاجأة أيضاً:
راجحي الهلالي سبق وتقدم للزواج منك.
ردت رشيدة بهدوء:
أيوه ورفضته.
تحدث النائب:
ممكن أعرف سبب رفضك؟
قبل أن ترد، تحدث المحامي قائلاً:
ممكن أعرف سبب للسؤال ده؟ أظن إنه مش من ضمن التحقيق.
رد النائب:
تمام، بس عندي سؤال تاني. أنتِ حالياً متزوجة من يونس راجحي الهلالي ابن عم راجحي.
ردت رشيدة:
أيوه.
تحدث النائب:
مش غريبة ترفضي واحد وتتجوزي ابن عمه؟
كان المحامي سيعترض، ولكن تحدثت رشيدة بثبات قائلة:
عادي، مش غريبة. النصيب.
تحدث النائب:
النصيب. بس إيه سبب رفضك لراجحي وزواجك من ابن عمه بعد حوالي سنة من قتله. وفي هنا قدامي في الملف إن سبق وغالب الهلالي اتهمك بمحاولة قتل يونس الهلالي وهو نفى الأمر وبعدها بمدة صغيرة تم الزواج بينكم.
أكمل بسخرية:
واضح إنك غالية عند غالب الهلالي.
التزمت رشيدة الصمت، وتحدث المحامي قائلاً:
أظن دي مسائل خاصة ومش من ضمن سياق الاتهام. موكلتي جاوبت على الاتهام اللي موجه ليها.
تحدث النائب:
عندي سؤال أخير. أنتِ كنتِ سبق واتهمتي راجحي الهلالي بقتل والدك.
توترت رشيدة قليلاً ثم ردت:
أيوه، بس ده من سنين وماتأخذش بأقوالي لأني كنت قاصر وهو قدم إثبات وجوده في مكان تاني.
تحدث المحامي قائلاً:
وإيه مناسبة السؤال ده في التحقيق؟
رد النائب:
مش يمكن ده هو السؤال المهم إن رشيدة قتلت راجحي كنوع من الثأر. وده سؤال ياريت تجاوب السيدة رشيدة عليه.
تحدثت رشيدة بنفي:
أنا ما قتلتش راجحي وتاري استعوضت فيه ربنا.
تبسم المحامي لها.
وأيضاً النائب الذي قال:
بمثولك هنا قدام النيابة وكمان بعد سماع أقوالك وإجاباتك عن الاتهام المتوجه لكِ وعدم ثبوت أي أدلة للاتهام، أمرت بخروجك من سرايا النيابة بدون أي إجراء بتوقيفك. بس لازم حد يضمنك لأنك أقل من واحد وعشرين سنة بحوالي عشرين يوم.
تبسم المحامي قائلاً:
زوج السيدة رشيدة موجود بالخارج، غير إنه عمدة النجع وأكيد هتخرج على ضمانته.
تبسم النائب وكذلك رشيدة.
***
بالنيابة خارج غرفة الاستجواب.
وقف يونس وجواره صفوان.
تحدث يونس بتوتر:
أنت واثق في المحامي ده؟
تبسم صفوان:
واثق جداً. ده مدرس مساعد في الجامعة عندنا وكمان شاطر في القضايا الجنائية. وأظن إن جلوسه شوية مع رشيدة في المركز قبل ما تيجي النيابة هتبقى مفيدة ليها.
أثناء ذلك، خرجت رشيدة من غرفة الاستجواب.
بمجرد أن رآها يونس، ذهب إليها سريعاً.
تبسمت له، فأطمئن قلبه.
خرج خلفها المحامي مبتسماً أيضاً يقول:
مبروك مدام رشيدة، براءة من الاتهام.
تبسم يونس، ود لو يحتضن رشيدة، لكن ليس بهذا المكان.
اقترب صفوان قائلاً بسعادة:
بجد، الفضل لله ثم الشكر ليك يا أستاذ.
تبسم المحامي قائلاً:
الشكر لمدام رشيدة. نفذت كل اللي اتفقنا عليه في المركز وكانت هادية في إجابتها على النائب.
تبسمت رشيدة تقول:
الفضل لك يا أستاذ. كلمتك هي اللي خلتني أرد بالطريقة دي، لما جلت لي المثل بيقول: "كذب مساوي أفضل من صدق ما ينفعش". ولازم أحافظ على ثبات أقوالي قدام النائب وإنه أكيد هيحاورني في أسئلته.
ضحك ثلاثتهم وأيضاً رشيدة تبسمت.
مد يونس يده للمحامي قائلاً:
أنا بشكر قبولك للحضور مع رشيدة ومرافقتها هنا في النيابة.
رد المحامي:
الشكر لله. صفوان تلميذ عندي وهو من أفضل الطلاب المجتهدين وبيفكرني بنفسي وأنا في سنة. ويعتبر هو صاحب الفضل لما فهمني أبعاد الاتهام أثناء السكة من أسيوط لهنا. وكمان مدح لي كتير في شخصيتك. وأتمنى إننا نكون أصدقاء غير إننا نعتبر زملاء. أنت دكتور جامعة وأنا صحيح مدرس مساعد بس قريبًا هاناقش الدكتوراه.
رد يونس يقول:
أكيد يشرفني صداقة شخص محترم زيك كده. وكمان بوصيك على صفوان.
رد المحامي بمزح:
إحنا أصدقاء صحيح، بس أنا ماليش في الواسطة. ثم إن صفوان مش محتاج وصاية. ماشاء الله، يمكن أنا أقف قدامه في يوم من الأيام بقضية وهو وكيل نيابة أحتاج أنا وقتها لوسطتك له عليا.
***
بعد وقت ليس بقليل عصراً.
دخل إلى الدار يونس وبيده رشيدة وخلفهم صفوان.
استقبلهم كل من نرجس ونوارة التي سرعان ما اتجهت لرشيدة تحتضنها بقوة ثم همست بأذنها:
لينا كلام بعدين يا بنت السلطان.
تبسمت رشيدة وعيناها على ذالك الصغير الذي تحمله نرجس.
تركتها نواره بعد أن سمعت حديث من خلفها التي تقول:
بنت السلطان بقت رد سجون قد الدنيا.
تبسمت رشيدة وهي تنظر خلفها، ترى دخول يسر تسند جدتها.
اتجهت رشيدة لهن سريعاً ومالت وقبلت يد جدتها قائلة:
تعبتي نفسك ليه يا ستي؟
ردت حلمية وهي تمسد على رأس رشيدة بحنان:
أنتم مش ولاد نواره، أنتم ولادي أنا. وما بطمنش غير لما بشوفكم بعيني. بس يا بتي أنتي تعبتيني معاكي كتير الفترة اللي فاتت وآخرتها اتهام بقتل. كفاية بقى وفكري في ولدك وجوزك الراجل الأصيل ده.
ردت رشيدة بابتسامة:
حاضر يا ستي.
عادت رشيدة بنظرها لصغيرها وذهبت إلى نرجس التي احتضنتها وهي تحمل الصغير قائلة:
مبروك وربنا ما يحرم ولدك منك.
تبسمت لها رشيدة وهي تأخذ الصغير من يديها.
نظرت له قائلة:
أنا أمك، أوعى تكون نسيتني. أزعل منك.
تحدثت نواره قائلة:
لأ، منسيتكيش، طمنيني. حتى ما رضاش يرضع من سلوى لما وديته له ترضعه، ما رضاش. واللي شربه حبة كراوية صغيرين. زمانه جعان على الآخر. سبحان من سكته من الصبح. أنا أسكت فيه شوية وأم يونس شوية. مسكتش الأ ما دخلتي للدار زي ما يكون قلبه حس برجوعك. تعالي اجعدي عالكنبة دي ورضعيه.
جلست رشيدة ترضع صغيرها وجلس حولها الجميع يتحدثون بسعادة.
وكذلك أيضاً يونس الصغير الذي دخل سريعاً حين علم من أنهار بعودة رشيدة.
دخل بتلهف وجلس بجوارها مبتسماً.
***
بالدوار.
ثار غالب بغضب شديد حين أخبره المحامي عن خروج رشيدة من سرايا النيابة بعد حصولها على البراءة من الاتهام.
كاد أن يهدم الدوار على من به.
دخل على صوت تكسيره لبعض الأشياء عواد قائلاً بتوجس:
إيه؟
رد غالب:
رشيدة طلعت براءة.
رد عواد يحاول تهدئته:
اهدأ شوية.
رد غالب:
أهدأ إيه؟ واد أخوك هو السبب في براءتها. لو كان ينفع يتقدم للنيابة شريط اعتراف بنت السلطان. وكمان لو مش مساعدة يونس لها مكنتش طلعت من السجن. بقى عمرها بس هو اللي ابتدى واتحداني. خليه بقى يشوف مين هو غالب الهلالي.
نظر عواد ل غالب بخوف وهو يرى تلك النظرة القاسية في عين أخيه، هي ذاتها نفس النظرة ونفس الكلمة الذي قالها له والده يوماً ما وبعدها انتهت سعادة عواد.
***
مساءً.
تحدثت نفيسة على الهاتف بشر قائلة:
الشريط ما نفعش يتجدم للنيابة. وواد نرجس عرف كيف يطلع رشيدة من القضية كيف الشعرة من العجين.
ردت بغيظ همت:
وغالب عامل إيه دلوقتي؟
ردت نفيسة:
شايط على الآخر من واد نرجس. وكمان لغاية دلوقتي نرجس ما جتش من عند ولدها. وأكيد مش هيفوت لها. أنا مش حكيت لكِ على اللي سمعته عالصبح بينهم.
ثم أكملت بخبث قائلة:
بس نرجس لها مكان خاص عند غالب زي ما أنتِ عارفة. بقى ما بيجدرش ياخد معاها موقف قوي.
ردت همت وهي تشعر بتلقيح نفيسة قائلة:
لأ، نرجس خلاص فقدت مكانتها عند غالب وهتشوفي. واسمعي وجولي لي. هستنى تليفونك.
أغلقت نفيسة الهاتف تشعر بخيبة قائلة:
والله شكل غلطت لما ساعدتك وعطيتك الشريط اللي طلع كيف عدمه. وسارة اللي عقلها شكله هيخف تاني. زي ما تكون بنت السلطان مخاوية بصحيح كيف ما كانوا بيقولوا عليها.
على الجانب الآخر.
استمع لآخر حديثها.
تحدث بسخرية وهو يضحك:
واد الهلالي طلع مرته من براثن خبثك. جلت لك منتش قده. وبكرة تشوف غالب هيسلم له في النهاية.
ردت همت قائلة:
غالب جاي نار وهتشوف يا ناجي.
ضحك ناجي بسخرية يقول:
هشوف يا همت. صلح غالب وواد أخوه. وغالب هو اللي هيجري ويصالحه.
تبسمت همت بسخرية تقول:
لو حصل أكده. أنا بإيدي هاخد تار ولدي من يونس نفسه.
***
بدار يونس.
انتهى العشاء الذي جمع يونس ورشيدة مع نرجس ونوارة وأخوات رشيدة وجدتها وأيضاً حسين الذي أتى بالصغيرة رشيدة للاطمئنان على ابنة عمه.
متحججاً بأن سلوى لديها بعض التعب ولم تقدر على الحضور.
رشيدة الصغيرة التي حملها طوال الوقت يونس حتى أنه رفض إعطاءها لوالدها وطلب منه تركها معهم بالمنزل.
تبسم حسين قائلاً:
لأ، ده سلوى كان عقلها شت. دي بالعافية على ما سابتها. ابقى تعالي عندنا وجت ما تحب وشوفها.
أعطاها يونس ل حسين وترك المكان سريعاً وهو حزين.
تبسمت رشيدة وكذلك يونس لبعضهم.
لاحظت نرجس ذلك قائلة:
كفاية كده بقى وخلونا نسيب رشيدة زمانها حاسة بإرهاق. أنا هروح الدوار بقى اتأخر الوقت.
كذلك قالت نواره التي اقتربت من والدتها قائلة:
يلا يا أماي أسندي عليا.
ردت حلمية بسخرية قائلة:
أسند على مين؟ أنتي عايزة اللي يسندك. أنا هسند على يُسر حبيبتي.
تبسمت يسر وهي تقف جوار جدتها.
رد صفوان:
خلاص يا أماي متزعليش من ستي. أنا هسندك. هاتِ يدك يلا بينا.
ضحك الجميع وهم يغادرون.
تبدل حزن ليلة أمس لفرح اليوم.
بعد قليل بالغرفة.
جذب يونس رشيدة إليه بعد أن وضعت الصغير بمهده.
احتضنها بقوة قائلاً:
وفيت بوعدي ليكي يا بنت السلطان. جلت لك مش هتبعدي عن حضني.
لفت رشيدة يديها حول يونس تشد من احتضانه قائلة:
كنت متأكدة من أنك هتوفي بوعدك ليا يا يونس. وكمان أنا ما بعدتش عن حضنك. ناسي إنك كنت معايا بالمركز طول الليل مسبتنيش إلا الفجر.
أعادت رشيدة رأسها للخلف.
ونظرت لعين يونس.
وقبل أن تتحدث، قطع كل الكلام يقبلها بهيام.
لكن الصغير ذم وجعله يترك شفاه رشيدة يتنفس من أنفاسها قائلاً:
أنا كنت حاسس إني كيف العطشان وارتويت من شفايفك.
تبسمت رشيدة قائلة بخجل:
أنا هدخل أغير هدومي وأنت شوف حسين بيزوم ليه.
بعد قليل كانت رشيدة تنام على صدر يونس.
ولم يتحدثا.
كان الهدوء هو المسيطر.
***
عودة.
عاد يونس من شروده مازال ينظر مبتسماً.
وجد رشيدة تضع الصغير بمنتصف الفراش بينهم.
وتتسطح جواره قائلة:
شكله عايز يفضل وسطنا.
تبسم يونس وهو يسحب الغطاء عليهم الثلاثة.
***
بنهار جديد.
بالدوار.
أعطى ذالك المرسل من المأذون.
تلك الورقة لغالب.
الذي بمجرد أن قرأها.
ثارت براكين بعقله وقلبه.
هي ورقة طلاق سارة.
يونس يتحداه.
لكن لن يهدأ قبل أن يجعله يدفع الثمن.
خرج غالب إلى حديقة الدوار ينادي، أو بالأصح يصرخ، على أحد الغفراء الذي أتى إليه سريعاً.
ليقول له بأمر:
شوف لي فين المعتوه عبد المحسن ويكون عندي دلوقتي.
بعد وقت قليل.
دخل إلى الحديقة ذالك الغفير ومعه عبد المحسن الذي يرتجف خوفاً.
تحدث غالب قائلاً:
خده، اربطه في الشجرة اللي في الجنينة الورانية.
فعل ذالك الغفير ما أُمر به.
وسحب عبد المحسن خلفه يرتعش ويبكي بنواح.
ربط الغفير عبد المحسن الذي يرتجف من الخوف ومن البرودة وهو مربوط نصف عاري بالشجرة.
أتى خلفه غالب وبيده ذالك السوط الجلدي.
رفع يده عالياً ونزل على جسد عبد المحسن بجلدة قوية جعلته يصرخ.
رفع يده مرة أخرى.
ولكن قبل أن تنزل الضربة على جسد عبد المحسن.
صوت جهوري تحدث بأمر:
وجف الضرب. فك عبد المحسن يا غفير.
أعاد غالب نظره لمن يتحدث ونظر له بغلول شديد.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد
بنفس الوقت، بداخل غرفة المندرة.
دخلت سارة. للحظة، خُيّل لعقلها أن يونس بالغرفة، ولكن لم تجده.
ولكن هناك ورقة ستقع على الأرض بسبب الهواء البارد الذي يدخل من الشباك. أمسكتها سريعاً قبل أن تقع.
ليتها تركتها تقع.
قرأت الورقة. عقلها للحظة لم ينتبه لشيء حولها. هي في ملكوت آخر، ترفض تصديق محتوى تلك الورقة.
فاقت على نحيب، وأستصعاب، وأصوات بالحديقة القريبة من المندرة.
خرجت وبيدها تلك الورقة لترى ما يحدث.
رأت آخر من تود رؤيتها تقف جوار عبد المحسن. وعمها غالب يقف أمامها.
اقتربت منهم. تبسمت تقول بحده:
"أكيد جايب الوضيعه الحربايه دي هنا عشان تجلدها صح يا عمي؟ تستحق الحربايه اللي عايزة تلوف على جوزي وأبو ولدي. الحقيرة عايزاه يطلقني بس يونس رجع لعقله وبعت لها ورقة الطلاق وأهي في يدي. خُد أجرها يا عمي. بس أنا اللي هجلدها عشان تحرم تقرب من أسيادها."
اقتربت من عمها المذهول وأخذت منه الكرباج وأشارت للغفير قائلة:
"اربطها، محدش هيجلدها غيري."
وقف الغفير هو الآخر مذهولاً ولم يتحرك.
صرخت سارة بقوة كبيرة واقتربت من رشيدة ودفعتها بقوة تقول:
"أنا اللي هربطها بإيدي."
وقعت رشيدة على الأرض على إحدى يديها وجُرحت من حجر صغير كان موجود بالحديقة. ولكن سرعان ما مالت عليها نرجس تطمئن عليها.
أمسكت رشيدة يدها المجروحة بالأخرى تكتم سيلان الدماء، تنظر إلى سارة متعجبة من هزيانها. هي لم تُشفى كما قال لها يونس.
أتى على صوت سارة العالي نفيسة، التي كانت تبحث عنها بداخل الدوار وسمعت ما قالته سارة من هزيان. وقفت حائرة، ماذا ستفعل؟ سارة تهذي أمام الواقفين، ومنهم رشيدة وأيضاً نرجس.
اقتربت بخطى بطيئة وأدعت أنها لم تسمع ما تفوهت به سارة.
قالت:
"في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟"
نظرت لرشيدة قائلة:
"إيه اللي جاب القاتلة دي هنا؟ مين اللي سمح لها بالدخول للدوار؟"
لم ترد رشيدة وسحبت يد عبد المحسن وسارت تُغادر الدوار.
قالت نفيسة بصوت عالٍ وجاف:
"رايحة فين؟"
ثم نظرت لغالب المذهول مما قالت سارة وهزيانها. أكملت تقول:
"أنتي هتسيبيها قدامك الاتنين اللي شاركوا في قتل المرحوم راجحي؟"
ردت نرجس بحدة تقول:
"أكيد خروج سارة من المصحة كان لعبة منك. بتك محتاجة ترجع تاني للمصحة ومالكيش صالح بمرت ولدي وخليكي في بتك وبس."
قالت نرجس هذا ودخلت إلى الدوار. بينما غادرت رشيدة وعبد المحسن.
تحدث غالب قائلاً وهو يقترب من سارة وهي تقول له بهزيان:
"ورقة طلاق بنت السلطان من يونس أهي يا عمي. افرح، فاق من سحرها."
أخذ غالب من يدها تلك الورقة ونظر لنفيسة قائلاً:
"دي ورقة طلاق سارة. يونس طلقها. وأكيد رشيدة هتحكي له على اللي قالته سارة من شوية. مكنش لازم نخرج سارة من المصحة، كيف ما قولتي لي أنها خفت."
تلعثمت نفيسة تقول:
"أنا سألت الدكتور في آخر زيارة لها في المصحة وجالي أنها بقت زينة وبعدها جولت لك. وحتى الحكيم هو اللي طلب من عواد يخرجها."
رد بضيق يقول:
"دلوقتي خدي سارة وأدخلي بيها ومش عاوز أشوف وشك جدامي. ولا أنا اللي ماشي من جدامكم."
قال هذا وأخذ ورقة الطلاق من يد سارة ودخل إلى الدوار.
نظرت نفيسة تقول بلوم وذم:
"إيه اللي خرجك من أوضتك قبل ما تاخدي العلاج؟ مش جولت لك أنا اللي هعطيلك بإيدي في معاده؟ يلا قدامي."
تحدثت سارة بضحك:
"يونس طلقها يا أماي."
نظرت نفيسة لها قائلة بحسرة:
"دا أنتي اللي عجلك طق على الآخر."
فتح غالب باب غرفة نرجس ووجدها ارتدت ملابس أخرى. نظر لها بسخرية:
"على فين عالصبح؟ مشوار كل يوم طبعاً تروحي تفضلي بدار يونس طول اليوم وترجعي عشية."
ردت نرجس:
"يونس ولدي."
رد غالب بتعسف:
"وحدة. مفيش خروج من الدوار ولا مراح عند يونس غير لما يرجع لعقله ويبعد عن الجاتلة بنت السلطان. أنا هعطي أمر ممنوع خروجك من الدوار نهائي."
رفع تلك الورقة بوجه نفيسة قائلاً:
"الورقة دي كان المفروض تبقي لبنت السلطان الجاتلة مش لبنت الهلالية. بس أنا هعرف كيف أدفعه تمنها."
خرج بعد ما قاله يغلق الباب خلفه بقوة.
زفرت نرجس أنفاسها وجلست على الفراش تشعر بخوف على يونس وولده، وأيضاً رشيدة. غالب فقد قلبه، أصبح عقله مغيب، تسيطر عليه فكرة الانتقام فقط.
...
بدار يونس.
دخلت رشيدة بعبد المحسن الذي مازال يرتعش. نادت على صبحى وقالت له:
"خد عم عبد المحسن ودخله لأوضة الضيوف اللي في الجنينة وأبعت حد من الغفر يجيب دكتور من الوحدة يكشف على عم عبد المحسن."
تحدث عبد المحسن بتهته وتعلثم:
"لأ أنا زين. أنتي يدك لسه بتنزف منها لله. وكمان غالب منه لله. أنا بس جعان."
تبسمت رشيدة قائلة:
"خلاص يا عم صبحي، خده للأوضة وأنا هبعت له أنهار بوكل."
فرح عبد المحسن قائلاً:
"هآكل حبة صغيرين عشان أما يونس يجي يتغدى معايا. يلا يا غفير وديني أوضة الضيوف."
تبسمت له وهو يتجه إلى تلك الغرفة ودخلت إلى الدار.
...
بعد الظهر.
بالقاهرة.
انتهت محاضرات ياسمين. خرجت وبعد أصدقائها. لكن ذلك الشاب الذي فتح لها السيارة صباحاً وقف معها لدقائق ثم تركته وسارت مع أحد زميلاتها.
رآها هاشم مرة أخرى. لا يعرف ما الذي دفعه للاقتراب.
حين رأته ياسمين يقترب منها، رفرف قلبها فرحاً وتركت زميلتها وقابلته بمنتصف الطريق.
وقالت بتسرع:
"هاشم، إيه اللي جابك هنا عند الجامعة؟"
رد هاشم:
"أنا هنا بالصدفة."
شعرت بغصة في قلبها. لم لا يقول أنه أتى ليراها.
أخفت شعورها بالحزن وتبسمت قائلة:
"أزيك وإزي تيتا وجدان؟ وحشتني، من زمان مشوفتهاش بس بنتكلم عالتليفون ساعات."
رد هاشم:
"تيتا وجدان.. كويسة الحمد لله. هقولها إني شوفتك بالصدفة وأنك بتسلمي عليها."
تحدثت ياسمين:
"أنا خلصت محاضراتي والسواق مش جاي ياخدني وأحنا لسه بدري. إيه رأيك أجى معاك أشوف تيتا؟"
تبسم يقول بسعادة يحاول أن يخفيها:
"براحتك، أكيد بيتنا مفتوح لك وتيتا هتفرح لما تشوفك."
قالت ياسمين:
"خلاص يلا بينا. دي وحشتني قوي وعايزة أشوف رد فعلها لما تشوفك فجأة قدامها."
...
بعد العصر.
بدار يونس.
دخل إلى الدار متلهفاً يسأل أنهار قائلاً:
"فين الست رشيدة؟"
ردت أنهار:
"في أوضة النوم."
ذهب سريعاً وفتح باب الغرفة وجد رشيدة تجلس على الفراش بيدها كتاب وجوارها ينام ذلك الصغير. تحدث سريعاً يقول:
"رشيدة."
رفعت سبابتها على فمها قائلة بصوت واطئ:
"ما صدقت أن حسين نام."
نظر إلى ذلك الضماد الأبيض الذي يلف يدها. وضعت رشيدة الكتاب على الفراش ونزلت وأقتربت من يونس.
الذي تحدث قائلاً:
"أنا قابلت عم عبد المحسن في الجنينة وحكالي على اللي حصل في الدوار الصبح. وأن أيدك كانت بتنزف."
ردت رشيدة بهدوء:
"ده جرح صغير ويومين ويخف."
تنهد يونس بزهق يقول:
"مش عارف عمي بيكسب إيه من اللي بيعمله."
ردت رشيدة تقول:
"عمك معذور يا يونس."
نظر يونس بتعجب لـ رشيدة.
تبسمت رشيدة قائلة:
"أيوه معذور. هو سمع بنفسه حقيقة موت ولده وهو في الأول والآخر ابنه. حتى لو كان أسوأ ما خلق ربنا بس ابنه. أنا لو مكانه ممكن آكل اللي قتل ولدي بسناني."
رد يونس:
"بس أنتي وعم عبد المحسن مش اللي قتلتوه، وهو كان يستحق القتل."
ردت رشيدة:
"ده في نظرك، لكن هو ولده وأكيد مهما عمل مفيش حد يتمنى الموت لولده أبداً حتى لو كان الشيطان نفسه. وكمان طلاقك لسارة زاد في غله."
تبسم يونس وهو ينظر بإعجاب إلى رشيدة، يكتشف بها شيئاً جديداً عليه. قرب يدها المصابة من فمه وقبلها.
ثم قال:
"بس فين أمي؟ هي مجتش النهارده."
تحدثت رشيدة:
"لأ مجتش واتصلت وقالت أنها مش هتيجي. عمك غالب منعها من الخروج من الدوار. متنساش أنه أكيد شك أنها هي اللي بلغتني أنه هيضرب عم عبد المحسن."
زفر يونس أنفاسه يقول:
"يعني إيه هيحبسها؟ هي في سجن؟"
ردت رشيدة بمزح:
"بقي الدوار ده كله سجن؟ طب ياريت كل السجون كده."
تبسم يونس يقول:
"طيب تمام، أنا هنزل أتصل على الدوار وياريت هي اللي ترد عليا."
ردت رشيدة:
"طيب وأنا كمان طالما حسين نايم هنزل أساعد أنهار في تحضير الغدا. زمان عم عبد المحسن جعان ده مستنيك من بدري."
بعد قليل على الهاتف.
تحدثت يونس نرجس إلى يونس، التي ردت على سؤاله عن حالها قائلة:
"لما التليفون رن كان عندي إحساس إنه أنت وعشان كده أنا اللي رديت. أنا كويسة متجلاش عليا، أنا بخير يا ولدي."
رد يونس:
"أنا أجدر أجي آخدك من الدوار."
ردت نرجس:
"عارفة يا ولدي، بس بلاش. مالوش لازمة. صدقني أنا عايزة أفضل هنا عشان ياسمين ويوسف. لو أنا جيت عندك غالب هيمنعهم يجوا عندك وهبقى خسرتهم وهما عندي زيك بالظبط. وبالأخص ياسمين محتاجاني، حتى لو كانت بتدرس في مصر بس معايا على تواصل بالتليفون كل يوم. ولو عرفت أني مش في الدوار وسيبته أكيد هتعرف باللي حصل. ووجدتها يمكن غالب يمنعها تكلمني."
تحدث يونس قائلاً:
"تمام، بس ابقي معايا على تواصل بالتليفون يومياً لحد ما نشوف نهاية مع عمي."
ردت نرجس قائلة:
"ربنا يرجعه لعقله. وأنا أكيد هتصل عليك وكمان عشان أطمن على حفيدي اللي وحشني ويصبرني على شوية له."
...
بالقاهرة.
بشقة صغيرة بحي متوسط.
جلست ياسمين بحضن تلك السيدة الرقيقة قائلة:
"عارفة يا تيتا، أنا أما بتاخديني في حضنك بحسك زي مرات عمي نرجس. نفس الحنان."
ردت الجدة قائلة:
"أنا شفت نرجس مرة واحدة بس زمان قوي. شكلها هادية. كانت هنا مع عمك أيام ما كان عضو برلمان قبل ما يموت وياخد بعده العضوية. عواد، ربنا يسامحه هو وجدك هاشم."
تحدثت ياسمين قائلة:
"لو مش يونس ابن عمي هو اللي عرفني عليكي وعلى هاشم بالصدفة، مكنتش هعرف. قلب طيب زي قلبك. أنا أمي اتخلت عني أنا ويوسف واحنا صغيرين، حتى مسألتش فينا. واللي ربتنا مرات عمي نرجس ومفرقتش بينا وبين يونس. بالعكس، معايا صديقة وأم وناصحة كمان. كتير كنت ومازلت بتمنى أنها تكون أمي الحقيقية. أنا شفت أمي كتير في النجف بس عمرها ما قربت مني. حتى يوم جنازة راجحي أخويا كنت هناك في إجازة بالصدفة. شوفتها وقفت قدام أبويا وقالت له إن راجحي اتقتل مش غريق. رغم أنها شافتني بس مقربتش مني. كان نفسي تيجي وتاخدني في حضنها وأبكي على صدرها بس مجتش. واللي خدتني في حضنها مرات عمي نرجس. عارفة يا تيتا، أنا مش بكرهها ولا بحبها. مفيش عندي أي إحساس لها، كأنها مش موجودة. أنا فاكرة مرة قبلتها بعد طلاقها من أبويا وكنت بلعب مع العيال في الشارع جريت عليها وناديت لها بس عملت نفسها مسمعتنيش. ولما رجعت ببكي مرات عمي نفيسة سألتني عن السبب. قولت لها: 'هي رمتكم وراحت اتجوزت أنسوها زي ما هي نسيتكم. دي بتكرهكم وإلا كانت أخدتكم معاها.' وكانت أوقات كتير بتضربني أنا ويوسف. أما كانت بتخاف من راجحي. راجحي كان شاب عنده عشرين سنة لما أبويا وأمي اتطلقوا، ويوسف كان عنده حداشر سنة وأنا تسع سنين. ومع الوقت مرات عمي نرجس خدتني في حضنها. ولما كنت بخاف كنت بروح أنام معاها في أوضتها. حتى لما اتجوزت هي وأبويا فضلت معاملتها لينا كويسة. ما عدا راجحي كان بيتهجم عليها بالكلام كتير بس أبويا كان بيبعده عنها. حتى لما اتجوز من سارة، سارة كانت بتصعب عليا من معاملته لها السيئة وكان بيضربها. أنا كنت بخاف منه ومبقربش منه. بس هو كان بيضرب يوسف كتير وده السبب اللي خلى يوسف يختار أنه ينزل يكمل جامعته هنا. وبعدها أنا كمان حبيت أبعد عن النجف ونظرة زميلاتي ليا أن أمي بتكرهني زي ما مرات عمي نفيسة بتقول."
خرجت ياسمين من حضن وجدان وعيناها تدمع. أزالت يد وجدان تلك الدموع. تبسمت ياسمين قائلة:
"أنا أول مرة أحكي لحد عن شعوري."
تبسمت وجدان بحنان قائلة:
"وأنا أي حد، أنا تيتا وجدان. ثم همست بصوت خفيض: وكمان تيتا للواد هاشم اللي مغلب قلبك. بس أنا متأكدة أنه زيك وأكثر وبتمنى النصيب يجمعكم."
خجلت ياسمين وأخفضت رأسها. تبسمت وجدان قائلة:
"يا كسوف. قومي قومي. الكلام خدنا وجوعت. تعالي معايا نحضر الغدا. زمان الواد هاشم جاع وتلاقيه انكسف يخبط علينا."
بخارج الغرفة، استمع هاشم لحديث ياسمين. شعر بحزن قلبها هي الأخرى. لم تكن سعيدة بحياتها. هي هربت من النجف بجرح قسوة أم تركتها لغيرها، كما فعل معه عواد سابقاً. ترك المكان ودخل إلى غرفته سريعاً حتى لا تراه إحداهن.
بعد قليل على السفرة.
جلس ثلاثتهم. كانت تسيطر على الحديث بمرحها الجدة وهي ترى نظرات الحب المتبادل بين الاثنين. إلى أن انتهوا من تناول الطعام.
وقفت ياسمين تنظر لساعتها قائلة:
"المغرب قرب لازم أرجع. هتصل على يوسف يبعتلي السواق."
رد هاشم سريعاً:
"لأ. ليه؟ أنا ممكن أوصلك بتاكسي."
أبدت ياسمين الموافقة ومالت تقبل خد وجدان.
التي تبسمت قائلة:
"المرة الجاية ابقي هاتي معاكي الواد يوسف. وحشني هزاره."
ردت ياسمين:
"حاضر يا تيتا."
بالتاكسي.
جلست ياسمين جوار هاشم دون تحدث قليلاً. إلى أن تحدث قائلاً:
"أنا مسافر البحر الأحمر بكرة وهغيب أسبوعين أو تلاتة. ابقي زورى تيتا. أنتي عارفة شغلي في التنقيب عن البترول. إجازاتي ملهاش مواعيد."
ردت ياسمين:
"حاضر. هبقى أجي أزورها كل يوم وأطمن عليها. وكمان هبقى أجيب يوسف معايا."
فاجأها هاشم قائلاً:
"مين الشاب اللي كان واقف معاكي قدام الجامعة؟"
ردت ياسمين:
"ده معيد عندنا جديد."
رد هاشم:
"معيد بس مفيش حاجة تانية."
ردت بعدم فهم:
"وإيه هي الحاجة التانية دي؟"
تلعثم هاشم قائلاً:
"لاحظت شكله معجب بيكي."
ردت ياسمين بضيق:
"حتى لو كان. أنا مبفكرش غير في دراستي وبس. خلاص وصلنا. شكراً لك."
نزلت ياسمين من التاكسي أمام أحد الفلل الكبيرة. نزل خلفها هاشم وأوقف التاكسي جوارهن. نظرت ياسمين له قائلة بشكر مرة أخرى:
"شكراً لتعبك."
تبسم هاشم قائلاً:
"لأ شكر ولا حاجة يا بنت عمي."
شعرت ياسمين بسخريته. ياسمين بسبب قوله بنت عمي.
دخلت إلى الفيلا وهي حزينة.
بينما تبسم هاشم ينظر لخطاها يهمس قائلاً:
"خلاص الوقت قرب ينتهي. مفيش قدامي إلا شهر ونص ولازم أسافر. مش عارف رد فعلك هيكون إيه لما أقولك."
...
بعد مرور حوالي ثلاث أسابيع.
قبل الغروب بقليل.
بدار يونس.
دخل عائداً من الجامعة. شاور له من على السطح ذلك الصغير يونس، الذي يلعب بطائرة ورقية.
رد يونس له الإشارة مبتسماً يشير له بالنزول.
وقف الصغير يلم خيط الطائرة يجذبها عليه، غافل عن تلك التي كانت تراقبه وتريد اقتناصه. فهو سبيل العودة لها.
دخل يونس وجد أنهار تقف تحمل صغيرة. تبسم وهو يأخده منها مقبلاً يقول:
"فين الست رشيدة؟"
ردت أنهار:
"الست رشيدة طلعت تتحمم وهتنزل تاني. تحب أحضرلك أكل."
رد يونس:
"لأ. أنا كلت سندوتشات في الطريق. هستنى العشا. روحي أنتي كملي شغلك."
ذهب يونس بالصغير للغرفة. وجد رشيدة تخرج من الحمام.
تبسمت حين رأته يضع الصغير بمهده.
تحدثت قائلة:
"حمد لله عالسلامة."
رد وهو يقترب منها قائلاً:
"الله يسلمك. إيه اللي خلاكي تتحممي دلوقتي؟ مين اللي كان هيسرحلك شعرك؟"
ردت رشيدة:
"والله السبب ولدك. بعد ما رضع رد اللبن على هدومي كلها فأضطريت أتحمم."
ضحك وهو يجلس خلفها يمسك المشط يُسرح لها شعرها.
لاحظت رشيدة شروده قالت له:
"مالك؟ بجالك كم يوم أكده شارد ومتغير."
رد يونس:
"ولا متغير ولا حاجة. إنما على طول شارد في غرام بنت السلطان."
تبسمت وهى تدير وجهها له ووضعت يدها على وجهه قائلة:
"جولي مالك."
رد وهو يُنحي شعرها ويميل يقبل عنقها:
"مالي. قلبي عشق بنت السلطان اللي بلمسة منها بنسى تعب الدنيا كلها. مفيش هما شوية إرهاق من الشغل في الجامعة وكمان العمودية ومطالب الناس."
تبسمت تقول:
"بس حبيبي قد ده كله وقلبه شجاع ويتحمل."
مال يونس يقبلها لكن خبط الباب أبعده. تنهد وهو يقف يذهب يفتح الباب.
وجد أنهار تقف جوار الباب قائلة:
"يونس بيه، الشيخ أيمن تحت في المندرة مستنيك."
رد يونس قائلاً:
"ضيفيه وأنا جاي وراكِ."
عاد يونس لرشيدة قائلاً:
"هنزل للشيخ أيمن."
أومأت رشيدة برأسها له دون رد.
بداخل المندرة.
وقف الشيخ أيمن يسلم على يونس. ثم جلسا سوياً.
تحدث أيمن قائلاً:
"ها طمني. عملت إيه في مشيخة العمودية؟"
رد يونس:
"معملتش حاجة. روحت زي كل مرة والرئيس مجبالنيش. جابلت النايب بتاعه وقعدنا نتكلم وجالي إن في شكاوى من أهل النجف عليا كتير. وأني مش بشوف مصالح الناس وبستعمل العمودية لحسابي وتخويف الناس بالنجف."
تحدث أيمن:
"ومين اللي بيقدم الشكاوى دي؟ النجف كله أهله بتحبك."
تحدث يونس:
"معروف مين اللي ورا بيقدم الشكاوى. أكيد عمي غالب. مانع أمي تيجي لهنا لو مش بتتصل عليا تطمني عليها مكنتش هعرف عنها حاجة. مانع دخولي للدوار وأنا مش عايز أدخل معاه في مناوشات أكتر من كده. بجول مع الوقت هيهدى ويرجع عن اللي بيعمله بس مع الوقت بيزيد. وكمان عمي عواد له سلطة وأكيد بيساعده. سارة في الأول والآخر بنته."
تحدث أيمن:
"والعمل دول وقفوا تراخيص بناء الوحدة الصحية الجديدة اللي كنا هنعملها لأهل النجف وكمان بناء المدرسة."
رد يونس بتنهيدة:
"أمل. خدت ميعاد من رئيس المشيخة والعمودية وهجابه بكرة وبعدها هروح التراخيص أشوف معاهم حل."
وقف أيمن يقول:
"خير إن شاء الله. تفائلوا بالخير. ربنا يقدم لنا الخير. أسيبك ترتاح وأبقى سلملي على يونس الصغير وكمان حسين. سلاموا عليكم."
...
بعد قليل بالدوار.
دخلت سارة وبيدها طائرة ورقية. قابلتها نفيسة قائلة:
"كنتي فين بجالك تلات أيام تخرجي من بعد العصر وتعودي بعد المغرب. وإيه اللي في يدك ده؟"
شدت سارة الطيارة من يد نفيسة قائلة:
"دي بتاعة ولدي بيلعب بيها. سيبيها."
نظرت نفيسة حولها قائلة:
"ولدك مين؟ عقله كل ما يدي بيشت، حتى الأدوية مبقتش بتجيب نتيجة. أنتي بعد كده ممنوع تطلعي من الدوار لحالك."
ردت سارة:
"لأ أنا هطلع ألعب مع ولدي بالطيارة. أنا مش هسيب ولدي لبت السلطان. لازمن أرجعه لحضني يا أماي. لازمن يرجعلي معاه جوزي كمان. أنا هطلع الطيارة وأخبيها لبنت السلطان تاخدها من ولدي."
سارت سارة إلى غرفتها.
وقفت نفيسة تنفخ بغيظ قائلة:
"مش عارفة ليه دون عن الخلق ربنا يمتحني بعقل بتي اللي راح بسبب العشق. كله منك يا بت السلطان. ربنا ينتقم منك."
...
ليلاً.
ظل يونس ساهراً عقله يفكر. لم يتذوق النوم. يشعر بأنفاس رشيدة القريبة من عنقه الناعسة. أبعدها عنه لم تشعر. ونزل من على الفراش وأتجه إلى مهد الصغير. تأمل على ضوء خافت ملامحه المبتسمة وهو نائم. بسمته تعطي أملاً.
...
في الصباح الباكر.
تذمر وبكى الصغير. استيقظت رشيدة على صوت بكائه. لم تجد يونس جوارها بالفراش. تعجبت. ونزلت واتجهت إلى تخت الصغير وحملته تسكته. بعد أن أرضعته وضعته مرة أخرى بالفراش. وكانت ستخرج من الغرفة تبحث عن يونس لولا دخوله.
قائلاً:
"صباح الخير. حسين صحاكي."
ردت رشيدة:
"آه. كنت فين بدري كده وشعرك ماله منكوش."
رد يونس:
"أبداً. أنا كنت بجري بالخيل وتلاقيه من الهوا."
ردت بتعجب:
"وكنت بتجري بالخيل في الجو البارد ده بدري قوي كده؟"
رد يونس:
"أنا من زمان مجريتش بالخيل. جولت لفرستي بتاعتي تنساني فطلعت بها. وكمان الجو مفيش مطرة فده شجعني."
تبسمت عيناها بها أسئلة. لكن تجنبها يونس قائلاً:
"عندي محاضرة بدري. هدخل أستحمى على ما أم يونس تحضرلي فطور من يدها."
تبسمت. لديها إحساس أن هناك ما يخفيه يونس عنها. لكن لن تضغط عليه.
...
بعد وقت.
دخل يونس إلى مكتب رئيس المشيخة والعمودية. الذي استقبله بفتور. جلس يونس.
ليتحدث الرئيس قائلاً:
"عندنا شكاوى كتيرة من أهالي النجف عليك وأنهم مش حابين أنك تكون العمده. وإحنا حققنا بنفسنا في الشكاوى ولقينا فعلاً تقصير كبير منك في تقديم الخدمات لأهل النجف غير سوء استخدام لسلطتك كعمده. وعلشان كده يؤسفني أبلغك أن أحنا مضطرين ناخد قرار بشأنك."
رد يونس ساخراً:
"سوء استخدام لسلطتي كعمده؟ وأيه هو القرار ده؟"
تحدث الرئيس:
"إحنا هنعطيك فرصة أخيرة. بس لو جه شكوى جديدة وقتها مضطر آخد قرار أن أسقط العمودية من عليك."
وقف يونس وتحدث بجسارة:
"بس أنت مش محتاج شكوى جديدة عليا. أنا بتنحى من منصب العمودية. أنا مش محتاج لمنصب فارغ زي ده عشان أخدم الناس بالنجف."
رواية يونس وبنت السلطان الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد
وقف غالب يتحدث على الهاتف يرد على من يتحدث معه قائلاً بغرابة:
"أنت بتقول إنه هو اللي أتخلى عن العمودية من نفسه؟"
سمع رد الآخر عليه بتأكيد:
"وكمان قدم الاستقالة قبل ما يطلع من المشيخة."
رد غالب عليه قائلاً:
"طيب احتفظ بالاستقالة عندك دلوقتِ وبلاش ترفعها للمختصين. أما أقول لك سلام عليكم."
أغلق غالب الهاتف مندهشاً. أوصل يونس أن يستقيل من العمودية دون اهتمام. كل هذا بسبب عشق تلك القاتلة.
تحدثت من خلفه نرجس تقول:
"أظن كده ارتاحت. يونس ساب العمودية بسببك."
نظر غالب لها بغيظ:
"قصدك إيه؟"
ردت نرجس:
"قصدي إن خلاص يونس ارتاح من العمودية وهمها. هي ما كانتش فارقة مع ولدي من الأول، بس قبلها عشان خاطر أهل النجع. كان عنده أمل إنه يحقق لهم حلمهم في العدل والحرية. لكن في نوعية كده بتحب تفضل دايماً عبيد. ولدي ما خسرتش لما ساب العمودية، ولدي كسب والنجع هو اللي خسر."
تحدث غالب قائلاً:
"وعرفتي منين إن يونس ساب العمودية؟ بتتصنتي على حديثي أياك؟"
تبسمت بسخرية تقول:
"لأ. أنت متأكد إن ده مش طبعي، بس الصدفة. لما التليفون رن سمعته وكنت جايه عشان أرد. ولما لقيتك رديت، كنت هرجع بس فكرته يونس بيتصل عليا، مع إن ده مش معاده. وجتني الفضول وسمعت حديثك مع اللي كان معاك على الخط."
أكملت بعتاب:
"خسارة يا غالب، ما كنتش أتوقع إن الغل في قلبك ليونس يوصل بيك للدرجة دي. لو كنت أعرف كده كنت خدته من الدوار وبعدت من زمان وما كنتش وافقت أتجوزك."
نظر غالب قائلاً بغيظ:
"أنا لو أعرف إن بنت السلطان كانت هتقتل ولدي وتسحر للتاني، لكنت قتلتها بيدي من زمان. بنت السلطان اللي يونس عشان عشقها مغمض عينيه عن قتلها لأخوه."
تحدثت نرجس قائلة:
"بنت السلطان كانت بتدافع عن عرضها. أنا لو مكانها كنت هعمل كده. لو اللي مكانها كانت ياسمين، كنت هبقى على نفس الرأي."
نظر غالب بغيظ قائلاً بوعيد:
"بنت السلطان شاركت في قتل ولدي واللي حماها من العقاب ولدي التاني. وياسمين مش حقيرة ولا قاتلة."
قال هذا وغادر. ككل مرة تحاول معه نرجس أن ترجع له عقله الذي يفكر في الانتقام بأي طريقة. تنهدت بقلة حيلة.
بعد الظهر. بغرفة الإمام بمسجد النجع. جلس يونس برفقة الشيخ أيمن يتحدثان.
تحدث الشيخ أيمن باستفسار:
"ها، عملت إيه في مشيخة العمودية؟"
رد يونس:
"للأسف، قدمت استقالتي."
استغرب أيمن قائلاً:
"ليه أكده؟"
رد يونس:
"أنا حاسس إني بحارب طواحين الهوا. الناس في النجع ده محتاجة يتشال عقولها ويتزرع لها عقول تانية. تصور، متقدم فيا أكتر من عشرين شكوى بسوء استخدام سلطتي كعمده، دا غير إني بتعمد الضرر بمصالحهم."
تعجب أيمن:
"عشرين شكوى بحالهم؟ ليه بس؟ أنت اتسرعت. أنت عارف مين اللي وراء الناس اللي بتقدم الشكاوى دي وأيه غرضه؟ وتقديمك لاستقالتك كده نولت له هدفه."
رد يونس بضيق:
"للأسف عارف مين اللي وراها، بس فين عقول الناس. أنت شايفني بستخدم سلطتي عليهم؟ عارف كمان إن اللي قدموا شكاوى هما تقريباً اللي كنت بمد يدي لهم."
تحدث أيمن بتبرير:
"الناس غلابة وكل همهم لقمة العيش. وأنت عارف مين اللي ضغط عليهم يعملوا كده."
رد يونس بأسى:
"للأسف عارف إني عمي غالب هو السبب. بس فين عقولهم، فين تمييزهم بين اللي بيتمنى لهم الخير وبيساعدهم وبيساعد ولادهم إنهم يتنوروا."
تحدث أيمن قائلاً:
"بس أكده باستقالتك أنت نولت لهم طلبهم."
رد يونس:
"لأ. أنا فاهم مخ عمي كويس. عمي كان بيضغط عشان يحطني في اختيار بين العمودية وصيتها، وبين إني أتخلى عن رشيدة. وده بيجي عقاب لها."
تحدث أيمن:
"طيب وهتعمل إيه دلوقتي؟"
رد يونس:
"هفضل زي ما أنا. هقدم الخير لأهل النجع. الخير مش محتاج منصب عشان أساعد فيه. بالعكس، كده أنا اتحررت من المنصب اللي كان أوقات كتير بيقيدني. ويدي بيدك وهنساعد أهل النجع كيف ما إحنا كنا بنعمل سابق."
تبسم أيمن:
"طيب وأم حسين هتقول لها إيه؟"
تنهد يونس قائلاً:
"أهو أنا مش زعلان بسبب استقالتي إلا عشان أم حسين هتحمل نفسها المسؤولية. مش عارف أقول لها ولا أستنى شوية. هي قدمها الأسبوع الجاي امتحانات، ممكن تفقد التركيز. بفكر أجل أقول لها لبعد الامتحانات."
رد أيمن بتفهم:
"هو يكون أفضل. بس النجع بتاعنا صغير ومفيش خبر بيستخبى فيه، وبالذات لو كان خبر زي ده. أكيد هينتشر بسرعة وهيصل لها. أفضل إنك تقول لها."
تنهد يونس ولم يرد. لكن تحدث أيمن قائلاً:
"طيب سيبنا من العمودية وخلينا نتكلم بشأن التراخيص اللي اتوقفت دي."
رد يونس:
"أنا روحت للتراخيص وجابلت المسؤول. وهو قالي أفوت عليه بكرة، هيشوف أيه سبب وقف التراخيص."
رد أيمن بتفاؤل:
"خير، كل أمر ربنا خير."
بعد الظهر. بمنزل ناجي الغريب. رد ناجي على من يحدثه على الهاتف مبتسماً:
"ها، أنت متأكد من كده؟ بجى يونس الهلالي قدم استقالته من العمودية؟ ده خبر تستحق عليه ميت ألف جنيه. حلاوتك عندي كبيرة جوي."
أغلق الهاتف وأستدار ناجي. رأى ولده أمجد يقف أمامه قائلاً:
"أيه سبب الفرحة اللي على وشك دي يا أبوي؟"
اقترب أمجد أكثر وقال:
"ولا ناوي تتجوز على أمي؟"
ضحك ناجي قائلاً بهمس لنفسه:
"الوحيدة اللي تمنيت أتجوزها كانت أمك. السبب في ضياعها من يدي، وخلاص فات الأوان."
تحدث ناجي لولده:
"لأ، اللي يتجوز من أمك يكره صنف الحريم."
دخلت همت على قوله ونظرت له ساخرة تقول:
"ولما أنا كرهتك في صنف الحريم ليه كل ليلة سهران عند الغوازي لوش الفجر، وواخد معاك المحروس ولدك اللي كيفك رمرام وبيرمرم على مجصوفة الرقبة بنت السلطان الصغيرة؟ وكل يوم يستناها وهي رايحة المدرسة وبتمسخرها. ما أنتم أكده صنف ناقص بيجري وراء اللي يستحقر ويستهزئ بيه."
رد أمجد:
"دا كيف عندنا يا أمي زي المرحوم راجح ما كان بيرمرم على بنت السلطان الكبيرة. يظهر إنهم واجعين لينا في البخت."
صفعة قوية على خد أمجد ثم تحدثت بفحيح:
"حسك تجيب سيرة أخوك المرحوم. وبعد عن بنت السلطان وسكتها، وإلا أفتح جبها بيدي."
ضحك ناجي قائلاً:
"لأ، وبجي سهل قدامك بنات السلطان. خلاص اللي كان بيحميهم هو نفسه هيبجي محتاج حماية بعد اللي حصل."
نظرت همت بتعجب قائلة:
"قصدك إيه؟"
تحدث ناجي:
"قصدي إن يونس الهلالي استقال من العمودية خلاص، وأكيد سلطته هتنتهي مع استقالته."
فرحت همت قائلة:
"بجد؟ أنت متأكد؟"
رد ناجي:
"متأكد إنه قدم استقالته، بس لسه الاستقالة ما تجبلتش. المسألة كلها أيام وتتجبل. بس أياك غالب يدخل ويلغي الاستقالة ويساند واد أخوه."
تحدثت همت سريعاً:
"لأ، غالب مش هيدخل، وهتشوف. أنا واثقة في كده."
تبسم ناجي قائلاً:
"وأنا أكره. أنا مصلحتي يبعد يونس عن العمودية."
بينما ذاك الخبيث الثالث أمجد تبسم. فبهذا ستنكسر شوكة بنت السلطان الأخرى.
مساءً بغرفة يونس. وضعت رشيدة ذلك الصغير بمهده وأحكمت عليه الغطاء. ثم أطفأت أضواء الغرفة إلا من ضوء خافت وذهبت إلى الفراش تندس جوار يونس الذي يبتسم لها قائلاً:
"أخيراً نام."
تحدثت رشيدة قائلة:
"آه، هلكني. دايماً عاوز اللي يشيله حتى وهو نايم. أنا بذاكر وهو على يدي. والله بفكر أجل الامتحانات."
رد يونس:
"لأ، مفيش تأجيل للامتحانات. هشوف من بكرة واحدة تساعدك وتراعاه، وأنتي أفضى للمذاكرة."
تبسمت رشيدة:
"واحدة تساعدني ليه؟ وأنا عيلة؟"
تبسم يونس قائلاً:
"ما أنا عارف إن بنت السلطان قوية وتكدر، بس بتتحجج عشان متدخلش الامتحانات لأنها شايلة وجتها كله بين يونس الصغير وحسين وناسيه مذاكراتها. بس خلاص، يونس الصغير خلص امتحانات. الفاضل إنك بجى تركز الكام يوم الجايين في مذاكرتك، وأنا متأكد إنك تقدري تلمي المنهج فيهم."
تبسمت رشيدة، لكن شعرت أن هناك ما يخفيه يونس عنها. نظرت له قائلة:
"ما جلتليش أنت خرجت من الدوار بدري؟ روحت فين النهارده؟ ما كانش عندك محاضرات في الجامعة؟"
رد يونس:
"كان في كام ترخيص لوحدة صحية جديدة ومدرسة. كنت رايح أخلصهم."
ردت رشيدة:
"وخلصتهم؟"
رد يونس:
"للأسف لأ، وهروح تاني بكرة أشوفهم."
تبسمت وهي تقترب منه تُقبل وجنته قائلة:
"أكيد بكرة هتخلصهم، والوحدة والمدرسة هيتبنوا بسرعة."
تبسم وهو يضمها لصدره قائلاً:
"إن شاء الله."
ردت رشيدة:
"إن شاء الله. تصبح على خير."
قالت هذا وأغمضت عيناها وتذهب إلى النوم. بينما جفن يونس لما يغمضهما. حائر، أيخبرها ويتحمل لوم نفسها لما حدث، وأيضاً بشأن تلك التراخيص الموقوفة. لا يعلم، لديه شعور سيء.
في صباح نور جديد. بالدوار، بغرفة سارة. وقفت نفيسة تقول بمسايسة:
"خدي الدوا يا سارة ومتغلبنيش زي كل يوم."
سارة بطفولة:
"لأ مش هاخده يا أمي. أنا مش بحبه، بينيميني وأنا عاوزة ألعب مع يونس ولدي بالطيارة الورق قبل بنت السلطان ما تخطفها مننا."
زفرت نفيسة نفسها تقول:
"خدي الدوا ومش هينيمك. ده عشان يوعيكِ ويقويكِ. لو بنت السلطان جت تخطف الطيارة، تقدري عليها."
ظلت سارة ترفض وتتعامل كالأطفال، إلى أن استجابت لنفيسة وأخذت الدواء لتنام بعدها بقليل. نظرت نفيسة لها قائلة بحسرة:
"حق عقلك اللي طيرته بنت السلطان. هيرجع يونس خلاص، هينتهي وهيرجع لأهله تاني راكع."
بدار يونس. استيقظت رشيدة. لم تجد يونس بالغرفة. نادت عليه، يكون بالحمام، لكن لم يرد أيضاً. تعجبت. لديها شعور بحدوث شيء يخفيه عنها يونس عمداً. ذهبت إلى مهد ذلك الصغير الذي يبكي. وحملته ببسمة قائلة:
"تعالى يا حسين بيه، ومش عارف أبوك مخبي عليا إيه."
تبسم الصغير الذي كان يبكي. دخل إلى الغرفة ذلك الصغير يونس قائلاً بتذمر:
"عم صبح منعني إني أطلع من الدار، وقالي إن عمي يونس هو اللي نبه عليه بكده. وأنا كنت عايز أطلع أروح عند ستي نوارة وأشوف رشيدة وألعب معاها. أنا خلاص خلصت امتحاني."
تعجبت رشيدة من الأمر. وقبل أن تتحدث، دخلت أنهار عليهم قائلة:
"ست رشيدة، في ضيف تحت عاوز يجابلك."
ردت رشيدة:
"طيب، هغير هدومي وأنزل وراكي." ثم أكملت بسؤال: "هو يونس بيه فين؟"
ردت أنهار:
"يونس بيه خرج الصبح بالفرسة ورجع بعدها وخرج تاني من شوية. تحبي أحضرلك الفطور أنتِ ويونس الصغير؟"
ردت رشيدة:
"لأ، هشوف الضيف الأول."
بعد قليل، دخلت رشيدة وهي تحمل صغيرها إلى المندرة. تعجبت كثيراً حين رأت ذلك الضيف. ابتلعت ريقها وتحدثت قائلة:
"نورت الدار يا غالب بيه. بس يونس مش هنا."
أدار غالب وجهه ونظر إلى رشيدة قائلاً بسخرية:
"فعلاً، أنا غالب بيه وهفضل طول عمري غالب بيه الهلالي. وأنا مش جاي عشان يونس واد أخوي. أنا جاي عشانك."
تحدثت رشيدة:
"خير؟"
رد غالب بحدة وتعسف:
"ومنين يجي الخير من وراء قاتلة ولدي."
تمالكت رشيدة نفسها حتى لا ترد عليه بطريقته، وقالت:
"أنت جاي عشاني؟ خير، عاوز مني إيه؟"
رد غالب باستقلال:
"وأنتي مين عشان أعوز منك حاجة؟ أنا غالب الهلالي بكلمة مني أنسف عيلة السلطان كلها. خلاص اللي كان بيحميكي بسلطته، سلطته راحت."
رغم ضيق رشيدة من حديثه، إلا أنها ما زالت تتحكم بهدوئها أمامه لترد قائلة:
"قصدك إيه بحديثك ده؟"
ضحك غالب ساخراً:
"إيه ده؟ أنتِ متعرفيش ولا إيه؟ هو واد أخوي ما جالكِش ولا إيه؟"
ردت رشيدة بضيق:
"إيه اللي يونس ما جالهوش ليا؟"
ضحك غالب قائلاً:
"إنه خلاص مبقاش عمدة النجع، وإنه قدم استقالته. ولو مش أنا اللي واقف لقبول المسؤولين لاستقالته، كان زمانهم قبلوها."
انصدمت رشيدة مما سمعته ولم ترد. ضحك غالب قائلاً:
"واه، ده باين بصحيح إنه ما خبركِش. ليه يا ترى؟ أكيد عشان متأكد إني هستخدم قوتي وسلطة الهلالية وأخليهم يرفضوا الاستقالة اللي اتسرع وقدمها في لحظة غضب منه. بس يا ترى كان هيجي ثمن إني أساعده إيه؟ أقولك يا بنت السلطان؟ التمن إنه يتخلى عنك ويطلقك."
هنا فقدت رشيدة أعصابها وردت قائلة:
"أنا متأكدة إن يونس عمره ما هيتخلى عني ولا هيطلقني. وإن كنت جاي عشان تتشمت، أحب أقولك أنا ما يهمنيش يونس يكون عمدة أو لأ. هو في نظري كيف ما كان سيد الرجال. والراجل مش بمنصبه أو باسم عيلته. الراجل بشهامته وأخلاقه، وأنا واثقة في شهامة وأخلاق يونس وإنه مستحيل يبعدني أنا أو ولده عن حياته عشان العمودية أو اسم الهلالية. وإن كنت خلصت كلامك، أقولك شرفت يا غالب بيه."
رد غالب يغيظ:
"بتطرديني من دار ولد أخوي؟ كانت دار أبوكي أياك؟"
ردت رشيدة:
"دار جوزي، وفي غيابه أنا هنا صاحبة الدار. شرفت يا غالب بيه."
نظر لها غالب بغيظ، يشاور عقله لما لا يخرج سلاحه الآن ويقوم بتفريغ طلقاته بقلب تلك الوقحة. لكن أنقذها بكاء ذلك الصغير التي تحمله بين يديها. للحظة وقع نظره عليه، بدأت ملامحه تظهر، هو يشبه أخيه الراحل كثيراً. أبعد بصره عنه سريعاً وترك الغرفة مغادراً الدار سريعاً. بينما رشيدة تضايقت من حديث غالب وشعرت بحزن لما لم يخبرها يونس سابقاً قبل أن يأتي غالب ويخبرها متشفياً بها.
بالدوار، بغرفة ياسمين. دخلت نرجس عليها تطمئن عليها قائلة:
"مساء الخير يا ياسمين، أزيك؟ صح النوم. كل ده نوم؟ قربنا على العصر."
ردت ياسمين ببسمة:
"الله يسلمك يا مرات عمي. يظهر من تعب الطريق نمت مدريتش."
وقفت نرجس حائرة. لاحظت ياسمين حيرتها لتقول لها:
"في إيه يا مرات عمي؟ وكمان إيه اللي في إيدك ده؟"
ردت نرجس:
"دي كاميرا تصوير فيديو صغيرة. يونس كان جايبها معاه من بره لما كان في البعثة."
ردت ياسمين:
"طيب وجايباها معاكِ ليه؟"
ردت نرجس:
"أنا كنت عاوزة خدمة أو رجاء، وبتمنى إنك مترفضيش."
أقتربت ياسمين منها ووضعت يدها على كتف نرجس قائلة:
"أرفض إيه يا مرات عمي؟ قولي اللي عاوزاه وأنا أنفذه فوراً."
تبسمت نرجس بأمل قائلة:
"هقولك. أنا بقالي أكتر من تلات أسابيع مشفتش حسين واد يونس، ووحشني جوي. وأنتي عرفتي امبارح أما وصلتي المسا باللي حاصل بين يونس وغالب، وإنه مانعني أزور يونس. واتشوقت للصغير جوي. لو ترضي تروحي لدار يونس وتصوري ليا حسين فيديو وكام صورة يردوا لهفتي عليه."
ردت ياسمين:
"بس كده يا مرات عمي؟ هروح عشان خاطرك، وكمان عشان أشوف يونس الصغير والكبير، وأشوف حسين الهلالي كمان. أنا مشفتوش قبل كده."
فرحت نرجس وضمتها قائلة:
"كتر خيرك يا بتي."
شدت ياسمين يديها حول نرجس قائلة:
"أهو بتي دي طالعة منك زي العسل يا مرات عمي. والله كنت أتمنى أكون بتك في الحقيقة."
تبسمت نرجس:
"ما أنتِ بتي الحقيقية."
بعد قليل، بدار يونس. رأت رشيدة دخول يونس بسيارته من الشباك. نزلت سريعاً ونادت على أنهار وسألتها عن يونس. أجابت أنهار:
"يونس بيه ومعاه الشيخ أيمن في المندرة."
كانت رشيدة ستدخل لهم، ولكن منعها دخول تلك الضيفة التي تعجبت رشيدة من زيارتها. تبسمت رشيدة قائلة:
"أهلاً وسهلاً يا ياسمين. اتفضلي."
ردت ياسمين ببسمة:
"أنا مش جايه أضيف. أنا في مهمة ولازم أنفذها."
ردت رشيدة:
"مهمة إيه؟"
أخرجت ياسمين تلك الكاميرا من حقيبتها وقالت:
"أنا جايه أصور فيلم تسجيلي عن حسين بيه الهلالي. مرات عمي نرجس هي اللي بعتاني. وكمان معايا كاميرا فوتوغرافيا هصوره كام صورة كده. مش يلا خلينا نبدأ قبل الشمس ما تغيب."
تبسمت رشيدة قائلة:
"تعرفي، أنا مش عارفة أنتي ويوسف أخوكي تدخلوا الجلب كده من غير استئذان."
ضحكت ياسمين:
"قصدك إيه؟ إن يونس واد مدخلش جلبك هو كمان بدون استئذان واستحوذ عليه كله؟"
ردت رشيدة:
"لأ، ده اتجوزني غصب. بس مش وقته. تعالي معايا، حسين فوق. حتى أنتِ مشفتيهوش قبل كده."
تبسمت ياسمين قائلة:
"تصدقي بالله، أنا فاضل على امتحاناتي أسبوع وجاية مخصوص أشوفه. من كلام الواد يوسف عليه."
ردت رشيدة:
"يوسف جه وشافه مرة واحدة بس."
دخلت رشيدة وياسمين إلى الغرفة وبدأت ياسمين تلتقط صوراً وأيضاً صورت شريط فيديو للصغير.
بعد وقت ليلاً، بغرفة يونس. وضعت رشيدة الصغير بمهده نائماً وأدارت وجهها ليونس قائلة:
"ليه خبيت عليا إنك قدمت استقالتك؟"
رد يونس:
"كنت مستني الوقت المناسب وكنت هقول لك."
ردت رشيدة:
"وأمتى الوقت ده؟"
رد يونس:
"مالوش لازمة السؤال ده. قوليلي عمك جالك إيه لما كان هنا؟ صبحى قالي إنه كان هنا الصبح وقعد يقارب على نص ساعة."
سردت رشيدة له ما حدث من لقائها بعمه. نظر يونس لرشيدة قائلاً بفخر:
"كل ثانية بيزيد عشقك في قلبي يا بنت السلطان. أنا مش ندمان على خسارة العمودية، حتى لو خسرت الدنيا كلها. كفاية عليا كسبت عشق بنت السلطان."
بعد مرور عدة أيام. فوجئت رشيدة بيونس ينتظرها بالسيارة أمام الجامعة بعد أن انتهت من الامتحان. ركبت إلى جواره بالسيارة وجلست مبتسمة تقول:
"مفاجأة حلوة."
تبسم يونس قائلاً:
"أنا ما كانش ورايا أي حاجة وجولت للسواق أنا اللي هاجي آخدك من الجامعة. ها، جاوبتي على الأسئلة كويس؟"
تنهدت رشيدة:
"للأسف، الامتحان كان صعب، بس جاوبت كل الأسئلة."
تبسم يونس لها قائلاً:
"كويس، بكرة النتيجة تظهر ويبان كل شيء. أقل من جيد جداً مش هقبل."
ردت رشيدة:
"ما تخافش، بكرة تشوف. ودلوقتي خلينا نرجع للنجع عشان حسين وحشني جوي."
تبسم يونس قائلاً:
"طب وأبو حسين موحشكيش هو كمان؟"
ردت رشيدة:
"لأ، موحشنيش."
ضحك يونس قائلاً:
"بس أنتِ وحشتيه جوي جوي، وصابر غصب عنه."
تبسمت رشيدة قائلة:
"خليه صابر كمان شوية. اللي يصبر ينول."
ليلاً، خرجت رشيدة من الحمام وتوجهت إلى تخت ذالك الصغير، وجدته نائم. تبسمت واتجهت إلى الفراش وخلعت عنها ذلك المئزر ووضعته على جانب الفراش وحررت شعرها على جيدها لتظهر أمام عينيه بذلك الرداء الأحمر العاري قليلاً، مع لون بشرتها الخمري وذالك الشعر الأسود المنسدل على جيدها أعطاها توهجاً أخاذاً. هي حوريته. نظر إليها بافتتان. هي بهذا الرداء ملكة إغراء بعينه. صعدت رشيدة إلى الفراش وأزاحت الغطاء قليلاً. وقبل أن تضع الغطاء عليها، كان يونس يجثو فوقها. للحظة انقبضت ثم ابتسمت تدفعه عنها بيدها تقول:
"في إيه؟ أنت هتعمل إيه؟"
رد ببسمته التي عشقتها منذ أن التقت به. رغم العناد، فهي في النهاية اعترفت بعشقه من المرة الأولى، مثلما هو عشقها من قبل أن يراها. فهي كانت تزوره في أحلامه دائماً. رحل سابقاً وعاد من أجل أن يلقاها كما أراد لهم القدر. كانا على موعد للقاء بها ليعشقها. قال يونس:
"الليلة يا سمرا، مفيش أعذار."
ردت ببسمة:
"مش هينفع يا عمده، صدقني."
رد يونس:
"أنا حاسبها كويس. خلاص الوقت انتهى."
ردت بدلال:
"للأسف، لسه الوقت ممتد يومين كمان."
دفعته بيدها تقول:
"قوم بجى أنت. تجيل جوي."
أمسك يديها التي تدفعه بها ووضعهم حول عنقه، ثم انحنى يقبلها، قُبلات هائمة ومجنونة. لكن صوت تذمر ذلك الصغير الذي سمعته جعلها تفيق من سطوة العشق بينهم. دفعته عنها قائلة:
"قوم وخليني أقوم أشوف حسين."
رد يونس:
"لأ، خلاص حسين بطل لوحده. تلاقيه كان بيحلم."
انحنى يقبلها مرة أخرى، ولكن قبل بداية مطاف العشق، اكتشف ذلك الأمر. رفع وجهه ونظر لها، وجدها تبتسم. قال بضيق:
"إزاي؟ أنا حاسبها مظبوط."
ضحكت قائلة:
"بتحصل عادي يا عمده. أكيد غلطت في العد. قوم بجى من فوقي، هفطس."
رد بضيق وهو ينهض عنها، يجثو على الفراش يديرهما لتصبح هي ممدة فوق جسده ويحاصرها بين يديه بإحكام. مالت تقبل عنقه. ابتسم قائلاً:
"ودي لازمتها إيه دلوقتي؟ ولا أنتِ الجرأة عندك بتيجي في الأيام الغلط؟"
ابتسمت تقول:
"جرأة إيه؟ دي بوسة بريئة يا عمده."
ضحك بمرح يقول:
"عمدة إيه بقى؟ لغوا العمودية. خلاص، العمودية اتلغت، وزمانها انتهى."
ردت بدلال:
"ومين اللي نهى زمانها؟"
رد يونس:
"اللي لغى العمودية هو يونس الهلالي لما وقع في عشق بنت السلطان."
للحظة شعرت بحزن، فهي السبب خلف تركه للعمودية. لكن رفع يونس شعرها المنسدل على كتفيها قائلاً:
"أيه رأيك نسافر القاهرة كم يوم؟"
نظرت له ببسمة قائلة:
"قصدك نسافر مصر يعني؟"
تبسم قائلاً:
"مصر هي القاهرة. ها؟ أيه رأيك؟"
ردت قائلة:
"عارف مين اللي نفسها تسافر مصر؟"
تبسم يونس:
"مين؟"
ردت:
"يُسر. دي كل شوية تجول إنها هتدخل الجامعة في مصر."
رد يونس:
"كنت متوقع إنها يُسر. خليها تيجي معانا. إحنا هنسافر بعد ما تخلصي امتحانات، وياسمين هناك. خليهم يتعرفوا على بعض."
ردت رشيدة بترحيب قائلة:
"ياسمين طيبة وجلبها أبيض. بكرة هقول ليُسر وناخد الإذن من أمي. وإن وافقت، تبجى يُسر تيجي معانا. بس عندي سؤال، هو عمك ليه ممنعش ياسمين ويوسف إنهم يجوا هنا ويكلمونا زي ما منع أمي نرجس؟"
تحدث يونس قائلاً:
"ومين اللي قال لك إنه ممنعهمش؟ بس هما بيجوا من وراه. بالأخص يوسف."
تبسمت رشيدة قائلة:
"والله عمك ده بيصعب عليا. بيسمع لكلام نفيسة اللي بتسممه بالحديث الماسخ، وكمان غباوة همت اللي زرعت في دماغه إنها قاتلة. ربنا يشيل من على عينه الغباوة ويشيل من جلبه الحقد. أنا كنت زيه كده، بس لما جابتك ربنا شال من قلبي الحقد والكراهية وزرع مكانهم شيء تاني."
تبسم يونس:
"وأيه هو الشيء التاني ده؟"
نظرت رشيدة لعين يونس ولمت شعرها خلف أذنها قائلة:
"عشق. زرع عشق واد الهلالي."
تبسم وهو يحضنها قوياً ويقبل عنقها. لكن بكاء الصغير جعله يتركها مغصباً.
بعد عدة أيام. بالقاهرة. على ضفاف النيل. سار يونس ممسكاً بيد رشيدة. يسيران. تنظر هي إلى مياه النيل اللامعة ذات الألوان الذهبية بسبب انعكاس أشعة شمس المغيب عليها. بينما هو سارح بعشق تلك الحورية التي خرجت من له ذات ليلة قمرية من تلك المياه. ظلا يسيران دون تحدث. إلى أين وصلا لا يعلمان. كل ما يعلمان أن أصابع أيديهم متشابكة ببعضها. غابت الشمس وبدأ الظلام يحل. نزلا إلى منحدر نيلي. جلسا على أحد الصخور القريبة من مياه النيل. لم يكن القمر مكتملاً، كان أحدباً، لكن ينير المياه المظلمة. مالت رشيدة برأسها على كتف يونس الذي تبسم وهو يقول:
"أقولك سر يا ذات الخال؟"
همست دون تحدث:
"اممم."
"عارف ليلة ما طلعتيلي من النيل وشوفتك لأول مرة. قبلها وأنا نايم في القطر حلمت بيكي بنفس المنظر. ولما فتحت عيني بصيت من شباك القطر شوفت انعكاس القمر في ميه النيل كأنك أنتِ كنتِ القمر. دخل لفؤادي عطر عمر ما استنشقته. مقدرش أوصفه غير إنه عطر ورد النيل."
همست رشيدة:
"بس ورد النيل ما لوش عطر، ولا حتى له جذر بيمشي مع الميه لأي مكان. طول ما هو في مية النيل حي. لو بعدته عن النيل بيموت."
تنهد يونس قائلاً:
"زيك في حياتي يا رشيدة. طول ما أنتي جانبي حاسس إني عايش. مش عايز من الدنيا غير وجودك جنبي."
تبسمت دون رد. ظلا صامتين. أصوات أمواج النيل يسمعانها تتراقص على أنغام قلبيهما العاشقة.
بالفيلا. جلستا يُسر وياسمين بالغرفة وجوارهما ذلك الصغير النائم. كانتا تتحدثان معاً بود كأنهن صديقتان منذ زمن بعيد. لكن خبط على الباب جعل ياسمين تنهض سريعاً لتقول:
"يُسر، بسرعة. اطلعي للتور اللي بيخبط على الباب ده قبل ما خبطه يزعج حسين ويصحى ويتعبنا معانا. إحنا مصدقنا إنه نام."
تحدثت ياسمين ببسمة:
"ومين التور اللي على الباب؟"
ردت يُسر:
"أكيد يوسف أخوكي."
ضحكت ياسمين وقالت:
"والله صدقتي. هو فعلاً تور."
فتحت ياسمين الباب بمواربة تنظر ليوسف قائلة:
"عاوز إيه؟ بتخبط زي التور كده ليه؟"
نظر يوسف لها بسخط قائلاً:
"مين اللي تور؟ يظهر حنيتي لضرب زمان. على العموم، ماشي. حسابنا بعدين. دلوقتي أنا قولت للشغالة تحضر العشا. أنا جعان. مش هتنزلي تتعشي أنتِ واللي معاكِ؟"
ردت ياسمين:
"أنزل وهحصلك. أنا ويُسر. بلاش إزعاج. حسين نايم ومش عاوزينه يصحى قبل ما رشيدة ويونس يرجعوا من بره."
ضحك يوسف بسخرية:
"اتنين مش عارفين يتعاملوا مع طفل صغير! أمال هتفتحوا بيوت وتربوا عيالكم إزاي بعد كده؟"
تضايقت منه ياسمين لتغلق الباب بوجه وتعود بنظرها إلى يُسر. ينظران لبعضهن ليبتسمن. لتقول يُسر:
"والله هو تور، بس عنده حق."
بينما أمام الباب تحدث يوسف قائلاً:
"سمعتكم على فكرة. أبقوا قابلوني لو عرفتوا تفتحوا بيوت. بتقفلي الباب في وشي يا ياسمين؟ ماشي، الحساب يجمع."
نظرن يُسر وياسمين لبعضهن ليضحكن، ولكن سرعان ما صمتا خوفاً أن يصحو ذالك الصغير.
بسوء. بأحد المقاهي المشبوهة، جلس ناجي الغريب وولده أمجد. يُدخان بعض أنواع المخدرات ليتوه أمجد بعقله. بينما ناجي ما زال عقله واعياً. جاء أحد المجرمين وجلس جوار ناجي يتحدث قائلاً:
"يونس الهلالي هو ومرته وأخت مرته سافروا امبارح لمصر بالقطر."
تبسم ناجي قائلاً:
"بيعمل إيه في مصر؟ رايح يفسح الحرمة."
ضحك المجرم قائلاً:
"خليها تشوف لها يومين دلع قبل ما تودعه."
ردد ناجي:
"تودعه؟ زي زمان ما نرجس ودعت راجح ورجعش لها إلا ميت بحادثة العربية. بس يا خسارة، حتى بعد موته نرجس مرجعتليش تاني. ما كان لازم أعتمد على نفيسة ولا همت. كان لازم أخطف نرجس من البداية قبل ما تتجوز من راجح الهلالي. سامحني يا نرجس، ولدك هو اللي بيضطرني إني أقتله عشان المصلحة."
بالقاهرة. انتهت كل من يُسر وياسمين من العشاء مع يوسف وسط سخريتهن عليه طوال الوقت، والذي كان يتضايق منهن، لكن أخفى ذلك. ف يكفيه أنه شارك يُسر الطعام. بعد العشاء، صعدت يُسر إلى الغرفة وجدت صغير أختها قد استيقظ وبدأ في التذمر. حملته ونزلت به لأسفل. بدأ الصغير بوصلة بكاء. تذمرت في البداية يُسر لتعطيه لياسمين. ولكن ما زال يبكي. نهض يوسف وأخذه من ياسمين. ولكن للعجب، صمت الصغير. نظر يوسف لهن بزهو قائلاً:
"عارف إنكم شياطين، إنما أنا قلبي طيب."
نظرت له يُسر قائلة:
"كويس إنه سكت، أهو في المستقبل ضمنت لك وظيفة بدل ما كنت هتبقى صايع."
فكر يوسف: لما لا يضع الصغير جانباً ويأتي بسكين ويقطع لسان تلك السليطة. لكن تحدث:
"وأيه هي الوظيفة دي؟"
ردت يُسر:
"بيبي سيتر، جليسة أطفال يعني."
فطس من الضحك كل يونس ورشيدة، وأيضاً ياسمين. مما أغاظ يوسف. ليذهب باتجاه رشيدة وقام بإعطائها الصغير قائلاً:
"خدي ابنك، بدل ما أرمي أختك بيه. أنا طالع أنام بدل ما أرتكب جريمة في واحدة لسانها متبرى منها."
ضحكوا عليه جميعاً وهو يغادر هارباً. تحدث يونس قائلاً:
"أيه؟ حسين غلبكم في غيابنا؟"
نظرن يُسر وياسمين لبعضهن وتحدثن بنفس اللحظة قائلتين بحزم:
"أطلاقاً."
ثم تحدثت يُسر قائلة:
"أنا يا جماعة ثانوية عامة السنة دي. وجاية يومين أرفه عن نفسي. بعد كده لو خرجتوا خدوا ابنكم معاكم."
ردت ياسمين هي الأخرى قائلة:
"أنا بأيد كلام يُسر. يلا، عاوزين منا حاجة؟ تصبحوا على خير. يلا نطلع ننام يا يُسر."
لتفر هاربتين بعدها. ضحك يونس على هروبهن ونظر لصغيره قائلاً:
"جري إيه يا حسين يا هلالي؟ أنا كنت بقول هادي، طلعت لأمك مخاوي."
ضحكت رشيدة.
بعد قليل، بغرفة يونس ورشيدة. خرج يونس من الحمام يرتدي شورت فقط. نظر لرشيدة التي تنام وجوارها الصغير قائلاً بهمس:
"أيه؟ نام؟"
أومأت برأسها بموافقة. همس يونس قائلاً:
"طيب كويس. دي فرصة عظيمة."
بعد الصغير قليلاً عن رشيدة وجثى فوقها مقبلاً إياها. أمسك معها بالعشق، ليسود الصمت ولا يسمع سوى تناهيد عشق يونس وبنت السلطان.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد
بالدوار
بغرفة نرجس
جلست على الفراش تنظر إلى تلك الصور وتشاهد أيضاً ذلك الفيديو وتبتسم على بسمة ذلك الصغير. قبلت إحدى صوره التي بين يديها وأعادت النظر إلى شاشة الفيديو الكبيرة. لكن دخول غالب دون استئذان أربكها. لملمت الصور المبعثرة على الفراش سريعاً ونزلت من على الفراش واتجهت إلى الفيديو وأغلقته سريعاً. ثم نظرت إلى غالب قائلة بحدة: "مفيش باب تخبط عليه قبل ما تدخل؟"
كان غالب هائم بصورة ذلك الصغير التي كانت على شاشة الفيديو للحظة. تأمله وحن قلبه له. لكن لعب به شيطانه مرة أخرى قائلاً بحدة هو الآخر: "والله أنتي مراتي وعادي أدخل أوضتك بدون استئذان. وأنا مش جاي عشان كده، أنا جاي أسألك. هو يونس في مصر؟"
ردت نرجس: "أيوه من امبارح سافر مصر. وبعدين بتسأل ليه؟ يفرق معاك وجوده هنا أو في مصر؟"
نظر غالب باستهزاء قائلاً: "لأ ميهمنيش."
***
بالنجع
باكراً أمام قبر راجحى. وقفت همت تقرأ الفاتحة إلى أن وقف إلى جوارها الآخر. صدقت. وقبل أن تتحدث، تحدث غالب قائلاً: "خير. بعت لي وعايزة تقابليني. عايزة إيه؟"
شعرت همت بزلزلة في قلبها من حديثه. ولكن تحدثت قائلة: "عايزة أشوف ولد ولدي وكمان ولادي."
نظر لها متعجباً يقول: "مين؟ عايزة تشوفي مين؟"
ضحك بسخرية قائلاً: "من امتى افتكرتي أن كان ليكي ولاد يا همت؟ لما رميتيهم ومسألتيش فيهم؟"
ردت همت: "أنت اللي خليتني أعمل كده. كان نفسي وجودهم عندك. ترجعني تاني عشانهم. لكن أنت رحت اتجوزت نرجس وصدقت الكدبة اللي نفيسة وناجي كانوا السبب فيها. نفيسة هي اللي كان نفسها تخلص مني عشان تبقى الكبيرة بتاعة العيلة. ولكن جوازك من نرجس خسرهارد."
غالب بتعجب: "ونفيسة هي اللي دخلت ناجي أوضتنا؟"
ردت همت: "أيوه. هي عمرها ما فكرت أنك هتتجوز من نرجس. فكان لازم تبعدني عنك. صدقني ناجي كان جاي عشان نرجس. هو بيحب نرجس لحد النهارده. وكان نفسه يتجوزها من قبل المرحوم راجحى. بس هو سبقه. إلى اعترف لي. ناجي كان سكران وشارب وبيهلوس ووقع في الحديث."
شعر غالب بالغيرة من مجرد تفكير ناجي بنرجس. نفيسة رسمت خطة دنيئة قديماً لتسيطر على العائلة. وكذبت بشأن سارة وشفائها.
تحدثت همت: "أرجوك يا غالب خليني أشوف ولادي. وابن المرحوم راجحى."
تحدث غالب: "أنا مش مانع ولادك عنك. لكن ابن راجحى عند يونس في داره. ومقدرش آخده من عنده. ابقي شوفيه وهو رايح المدرسة."
قال غالب هذا وغادر. بينما وقفت همت أمام قبر راجحى تقول: "هخده كامل يا راجحى. وكمان تاري من اللي اتسببوا في حرق قلبي. يا نفيسة أنتي ونرجس."
***
بالقاهرة
كانت رشيدة نائمة رأسها على كف يد يونس الممدودة وذلك الصغير مستيقظ بينهم. يُهمهم بسعادة بينهم يعطيهم البسمة. تبسم يونس النائم على جانبه ممسك بيد ذلك الصغير واقترب يقبله قائلاً بمرح: "كتر خيرك يا حسين يا هلالي. سبت لي أمك ذات الخال حبة امبارح بالليل. مع أني مشبعتش من عشقها. بس كتر خيرك."
تبسمت رشيدة بخجل دون أن ترد. لدقيقة ثم قالت وهي تنهض: "أنا هنزل أحضر الفطور وكمان أشوف يسر. دي أمي موصياني عليها كأني هخطفها ولا هبيعها."
ضحك يونس قائلاً: "والله حماتي دي غلبانة. مش عارفة جوة بنات السلطان دول بيلعبوا بقلوب ولاد الهلالية كيف ما يريدوا."
تعجبت رشيدة قائلة: "قصدك إيه بقلوب ولاد الهلالية؟"
رد يونس مبتسماً: "يعني أنتي ويسر ملكتوا قلبي أنا ويوسف."
اندهشت رشيدة قائلة: "يوسف؟"
رد يونس: "آه. يوسف كلمني. إنه عنده مشاعر تجاه يسر وبيفكر بعد ما يخلص السنة دي تكون هي خلصت الثانوية. يتجدم لها ويخطبها."
ردت رشيدة بذهول قائلة: "وعمك يعرف بكده؟ ولا هيوافق؟ أصلاً أنت ناسي هو عامل معاك إيه عشاني. يبقى هيرضى على يسر لولده؟"
تنهد يونس قائلاً: "ما هي دي المعضلة الكبيرة. موافقة عمي. وبالأخص بعد اللي حصل مؤخراً بيني وبينه. لما عرفت أنه السبب في وقف تراخيص وقف البناء سواء للوحدة أو المدرسة. لما واجهته مأنكرش. بس أنا قلت له أن هقدر أجيب التراخيص وأتحديته. وأهو رجعت تراخيص البناء تاني."
تبسمت رشيدة قائلة: "بتمنى عمك يرجع لعقله ويبطل محاربة فيك."
رد يونس: "بتمنى ياريت. نفسي يونس الصغير يدرس في مدرسة النجع السنة الجاية. وكمان ولاد وبنات البلد والكل يستفاد من العلم وتنور العقول. ويبقى فيه ألف رشيدة بنت السلطان يقفوا قدام الشر ويتحدوه بالحق. بس لما يحبوا يسلموا للعشق من دون عناد."
وضعت رشيدة يدها على وجه يونس تمسد عليه قائلة: "طب بذمتك عنادي مش هو اللي زاد عشقي في قلبك؟"
اقترب يونس من رشيدة وقام بتقبيلها. قُبلات عاشقة. كاد أن يتوه في بحور الغرام. ولكن صوت الهمهمات السعيدة لذلك الصغير الذي بينهم والتي تعزف نغمات عشق قلبهم. عادت بهم إلى الشاطئ.
***
قبل قليل
بالمطبخ. جلست يسر وياسمين تنظران إلى الخادمة وهي تقوم بتحضير الفطور. قالت يسر بسخرية: "إيه الفطور ده؟ ولا فطور العيانين. جبنة وبيض وعيش فينو ومربى. إيه ده؟ لو ستي حلمية شافت الأكل ده هتقول ده أكل يسم البدن مش يروم. دي لو فات يومين ومأكلتش على الفطور فطير وعسل أسود تقول لأمي يا جعانة ياللي بتستخسري فينا الأكل."
ضحكت ياسمين قائلة: "فطير؟ والله نفسي فيه. مأكلتوش من مدة. إيه رأيك نعمل فطير للفطور؟"
ردت يسر: "طب إزاي؟ ومفيش هنا فرن ولا زبدة ولا قشطة ولا دقيق؟"
قامت ياسمين وفتحت فرن البوتجاز قائلة: "الفرن أهو. وفيه هنا قشطة وزبدة. عمي عواد دايماً بيجيبهم معاه من النجع. وأكيد فيه هنا دقيق. بس أنا مش بعرف أعمل فطير."
ردت يسر: "أنا بشوف جدتي وكنت بفرد معاها وعارفة بيتعمل إزاي."
ردت ياسمين: "خلاص خلينا منضيعش وقت ونفاجئهم بالفطير."
تبسمت يسر قائلة: "على البركة. خلينا نفاجئهم."
بعد وقت قليل. دخل إلى المطبخ يوسف ينادي على الخادمة. ولكن ذُهل مما رأى ووقف متعجباً. يقول: "بتعملوا إيه في المطبخ وأنتم قاعدين على الأرض كده وهدومكم كلها دقيق ومبقعة كمان؟"
انخضت الاثنتان وكذلك الخادمة التي تساعدهم. نظرت له يسر بسخرية تقول: "بيلعب في الدقيق. تيجي تلعب معانا؟"
علم يوسف أنها تسخر منه وشعر بغيظ من معاملتها الساخرة له. وقال: "لأ متشكر. كملوا لعب. بس بلاش تضربوا بعض في الآخر. أصل ساعات رش الدقيق بيقلب عداوة زي المية كده. وأنا شايف وشوشكم وهدومكم اختفت بسبب الدقيق."
ردت ياسمين: "بنعنل فطير."
تبسم يوسف قائلاً: "والله من زمان مدقتوش. بس انتي با يا ياسمين خايبة."
رمت ياسمين الدقيق الذي بيدها وعفرت به ملابس يوسف الذي تضايق قائلاً: "غباوة على الصبح. وماله. هروح أغير وأرجعلك أعرفك مقامك."
تبسمت ياسمين قائلة: "عارفة لو مش موجودة كان سلت شعري في إيده."
تبسمت يسر قائلة: "أنا وصفوان كده. وساعات رشيدة كمان. بس من لما اتجوزت واحنا مبقناش نضربها. كبرت بقى وأهي أخيراً خلفت. دي كانت كل شوية تمرض. منها لله مرات عمك نفيسة. كانت هتموتها هي وولدها."
ردت ياسمين: "مرات عمي نفيسة عمرها قاسية وغلاوية وميهمهامش غير نفسها. حتى بنتها عندها وسيلة لتحقيق أهدافها. يلا ربنا ينتقم منها."
دخلت على حديثهن رشيدة قائلة: "بتدعوا على مين على الصبح كده؟"
ردت يسر: "فين حسين؟"
ردت رشيدة: "مع يونس. أنا جيت أشوف الفطور. بس إيه الهمة دي؟ عملتوا فطير وما شاء الله المطبخ مفيش أنضف من كده. فينك يا ستي؟ كانت هتنفخكم."
بعد قليل. على طاولة الفطور جلسوا يتناولون الفطور. تحدث يونس قائلاً: "هاشم ابن عمي معزوم عندنا على الغدا."
تبسمت ياسمين قائلة: "أنا اديت للشغالة إجازة. مين اللي هيطبخ؟"
ردت رشيدة: "مش مشكلة. أحنا اللي هنطبخ. أنا ويسر بنعرف نطبخ. ستي معلمتنا."
رد يوسف بصراحة: "بعد الفطور ده تسلم إيد ستك. أكيد هي اللي علمت يسر. أنا أما أنزل النجع هطلب منها فطير."
تحدث يونس قائلاً: "اعمل حسابك مفيش خروج. هتستقبل هاشم معايا. لازم يحس أننا ولاد عمه بجد."
لفت نظر رشيدة لمعة عين وفرحة ياسمين بحديث يونس. وتبسمت لها. ردت ياسمين البسمة بخجل.
***
بعد الظهر
بالقاهرة. دخل هاشم إلى تلك الفيلا التي يمقت دخولها. ولكن هو لديه أمر هام. حان الوقت من إنهائه أو بدايته.
استقبله يونس الذي يحمل صغيره بترحيب كبير وبسمة ودودة. وكذلك يوسف. تبسم هاشم ينظر للصغير يقول: "ده ابنك؟"
رد يونس: "آه. حسين الهلالي. أول مرة تشوفه. مع أني دعيتك لحضور العقيقة بتاعته. بس قلت أنك في البحر الأحمر. أعرفكم ببعض. ده عمك هاشم."
قال يونس هذا وأعطى الصغير لهاشم الذي حمله بود وترحيب قائلاً: "أهلاً بحسين الهلالي. أتمنى تكون في يوم زي يونس الهلالي كده وأحسن كمان."
تبسم يوسف قائلاً: "لأ هيطلع لعمو يوسف كده حلو ومفرفش."
ضحك هاشم قائلاً: "يبقى ضمننا طايش تاني في العيلة. فاكر أول ما جيت القاهرة وعمايلك وسهرك في أماكن مشبوهة. سبحان من هداك."
تبسم يوسف قائلاً: "يا عم دي كانت زهوة في الأول. بس خلاص تبت وبقيت مستقيم."
ضحك يونس قائلاً: "إن شاء الله دايماً ربنا يهديك. تعالوا نقعد شوية مع بعض على ما يحضروا الغدا."
رد يوسف: "نقعد قعدة رجالة. ومعانا أصغر راجل في الهلالية. حسين بيه."
***
بعد قليل
بالمطبخ. كانت ياسمين تشعر بارتباك واضح عليها حين علمت أن يونس قام بعزيمة هاشم لتناول الغداء معهم. لاحظت رشيدة ويُسر ارتباكها. تغامزت يُسر لرشيدة التي فهمتها. تحدثت يُسر بخبث قائلة: "أنا كنت أسمع أن عمك عواد عنده ولد عايش في مصر. بس كنت مفكرة أنه صغير في السن عن كده. بصراحة اتفاجئت لما شفته النهارده في فرح رشيدة. مشفتوش. بس إيه؟ ولد حليوة وشكله شخصية مش تافهة زي يوسف أخوكي."
ضحكت رشيدة. بينما تبسمت ياسمين بتحفظ قائلة: "عارفة يوسف أخويا ناقص له تكة وهيخنقك. أنتي واخداه سخريتك ومش عارفة هو ساكت لكِ ليه. أصلك مشفتوش لما بيتعصب. مقولكيش زي أبويا مبيبقاش شايف اللي قدامه. مين أنصحك تخفي سخريتك منه شوية."
ردت يُسر: "يتعصب على نفسه. بيني وبينه إيه؟ براحتي. وبعدين أنا أما أرجع النجع لو قابلني في السكة هعمل معرفوش."
تبسمت رشيدة. وتحدثت ياسمين قائلة: "أنا بعرفك بس وأنتي حرة. فرق كبير بين يوسف ويونس. يونس باله طويل وكمان بيقدر يحتوي اللي قدامه بالتفاهم. غير لئين."
ضحكت يُسر قائلة: "فعلاً لئين. دا الوحيد اللي قدر على بنت السلطان واتجوزها."
تبسمت رشيدة: "مين اللي ضحك عليا ده؟ اتجوزني بالغصب. أنا مكنتش موافقة."
تبسمت يُسر: "مكنتيش إيه؟"
نظرت يُسر لياسمين قائلة: "أنا كنت بتصنت يوم ما جه يونس يطلب رشيدة من عمي. ولما روحت أعيد قدام الكلام اللي سمعته. شوفت عينيها بتلمع. البت دي كانت بتعشق ابن الهلالية. بس كانت بتكابر. حتى بصي في عينيها وأنتي بتتكلمي عن يونس قدامها. تلاقي نفس اللمعة."
تبسمت رشيدة قائلة: "لمي نفسك يا يُسر. لا أقول لأمي أنك مكنتيش بتسمعي كلامي."
ردت يُسر: "اعترفي يا بنت السلطان. بتحبيه ولا لأ؟ مفكراني هبلة؟ أنتي لو مش بتحبيه عمرك ما كنتي هتوافقي تتجوزيه. لو انطبقت السما على الأرض. وبالذات بعد ما طلعك براءة من قضية محاولة قتله. وكمان الواد حسين يشهد. لما كان عقله هيطير لما الدكتورة جالت أنه معرض للإجهاض. فضلتِ ملازمة للسرير. وكمان كنت ليالي ببات معاكي. كنت بسمعك تكلميه وهو لسه في حشاكي وتجولي له: أنا بحبك يا ابن ولد الهلالية. بس كنت بعمل نفسي نايمة."
تبسمت ياسمين تقول: "صراحة. ولد عمي يتحب من أول نظرة. ميتقاومش."
خجلت من حديثهن رشيدة قائلة: "بطلوا حديث وخلونا نخلص الغدا. مين اللي جالت للشغالة تاخد النهارده إجازة؟ مش أنتي يا ست ياسمين؟ اشتغلي بجى."
ردت ياسمين: "أنا مكنتش أعرف أن هاشم معزوم على الغدا. إلا واحنا بنفطر. لو كنت أعرف قبلها مكنتش اديتها إجازة وأتورط معاكم في الطبيخ."
تبسمت يُسر قائلة: "مش بتعرفي تطبخي؟"
ردت ياسمين: "بعرف شوية حاجات مش كتير. مرات عمي نرجس كانت بتدخل المطبخ وتطبخ مع الشغالين. وأنا كنت بدخل معاها. أما مرات عمي نفيسة كانت بتت أكبر على الشغالين ويحبوا المية لحد إيديها. واللي زيها سارة. رغم أن راجحى كان بيعاملها بسوء. بس كانت بتت أكبر على الشغالين في الدوار. وبالذات أنهار."
نظرت ياسمين ل رشيدة قائلة: "أنا عمري ما توقعت أن أبويا يقاسي يونس كده. ده كان بيحبه أكتر من راجحى أخويا. راجحى كان متغطرس حتى على أبويا. وأبويا كان بيفوت له كتير. أنا ويوسف كنا بنخاف من راجحى أكتر من أبونا. أنا شوفته جلد يوسف كتير. وده سبب هروب يوسف من النجع ونزوله هنا بحجة أنه يكمل تعليمه في مصر. وبعدها أنا كمان جيت هنا معاه وعشنا مع عمي عواد. أنتم عارفين أن عمي عواد كان معظم الوقت هنا عشان جلسات البرلمان. وبصراحة هو كمان طيب. بس لو مش مرات عمي نفيسة هي اللي خبيثة. مش عارفة كانت عايزة توصل لأيه. أهو بنتها سارة كل مادي عقلها بيخف. كان نفسها تتحكم في الهلالية عن طريق سارة. كيف ما كانت متحكمة في عمي. بس رأيي أنها مش متحكمة في عمي عواد. عمي عواد بيريح نفسه أو مش فارقة معاه."
همست لهن قائلة: "أقولكم على سر؟ أنا عندي شك يكاد يكون يقين أن عمي عواد مبحبهاش. بس مغصوب أو سلم بالأمر الواقع."
ضحكت يُسر قائلة: "وهي نفيسة حد يحبها؟ هي ولا أي حد من عيلة الغريب. كلهم الشر في دمهم. قبر يلمهم كلهم. بقولكم إيه؟ خلونا في الطبيخ اللي في إيدينا."
تحدثت رشيدة قائلة: "آه خلينا. هيجولوا علينا إيه أما نتأخر عليهم. وكمان زمان حسين هيجوع وهيبدأ بوصلة البُكى. وهتلاقي يونس داخل علينا بيه."
لم تكمل حديثها ووجدت من دخل عليهن به. ولكن ليس يونس. ذلك العاشق الآخر. يوسف. الذي دخل قائلاً: "خدي يا رشيدة ولدك كان بيبكي. بس مش عارف ليه. لما شلته سكت."
رفع يوسف نظره ليُسر قائلاً: "الواد ده شكله بيحبني."
نظرت له يُسر بسخرية. بينما تحدثت ياسمين: "أنت مش جيبته لأمه خلاص بالسلامة. مهمتك خلصت."
نظر لها يوسف بضيق قائلاً: "أنا بقول بلاش تخليني أقلب عليكي. أنا كنت عايز قهوة."
ردت رشيدة: "ليه؟ أحنا خلاص قربنا نخلص تحضير الغدا ونتغدى. خلي القهوة لبعد الغدا."
رد وهو ينظر ليُسر: "بس أنا مزاجي طالب قهوة دلوقتي."
ردت رشيدة: "خلاص. اعملي له قهوة يا يُسر عالسريع."
ردت يُسر بحدة: "مبعرفش أعمل قهوة. أعملك شاي؟"
ضحكت ياسمين ورشيدة التي قالت وهي تنظر ليُسر بزغر: "اعملي قهوة يا يُسر. زي اللي عملتيها ليونس من شوية. وبلاش تغليها. على ما أروح أرضع حسين وأرجع."
ردت يُسر بنفخ: "خلاص هعملها."
بعد دقائق. وقفت يُسر تُعطي القهوة ل يوسف تقول: "تفضل القهوة أهي."
تبسم يوسف لها وهو يأخذها من يدها قائلاً بخبث: "من يد ما أعدمها."
ارتبكت يُسر من حديثه ونظرته لها. ولكن أخفت تلك الربكة وعادت مرة أخرى لجوار ياسمين. التي لاحظت نظرات يوسف ويُسر. هي عاشت نفس النظرات.
***
بنفس الوقت. تحدث يونس لهاشم قائلاً: "أنت لما طلبتني وجلت لي أنك عايزني في أمر مهم مينفعش عالتليفون. أنا جلت لك لما رشيدة تخلص امتحاناتها. أنا هنزل مصر مخصوص عشانك. ها جول لي؟ كنت عايزني في إيه؟"
أجلّ هاشم حلقه بنحنة قائلاً: "هقولك. أنا مضيت عقد مع شركة خليجية للتنقيب عن البترول. ولازم أسافر في مدة أقصاها شهر."
رد يونس: "طيب كويس. ربنا يوفقك. بس ده أكيد مش السبب. أدخل في الموضوع مباشرةً."
تحدث هاشم: "فعلاً. ده مش الموضوع الرئيسي. أنا بصراحة معجب بياسمين من زمان. وهي عارفة بكده. بس سبق وصديتها من ناحيتي. وقولت لها أن عمي غالب هو اللي قاصد أنها تقرب مني عشان أرجع للهلالية."
رد يونس قائلاً: "عارف بده كله. وسبق وقولته ليا أنا كمان زمان. ولا نسيت؟ بس أنا مهمنيش. وفضلت قريب منك طول ما كنت هنا قبل ما أسافر للبعثة. وكمان أنا اللي عرفتك على يوسف. ولما قربت مني وبعدها من يوسف. أكيد اتأكدت أن دي أوهام. أحنا ولاد عم ولازم نكون سند لبعض."
تبسم هاشم قائلاً: "ده هو اللي شجعني بصراحة. أنا عندي مشاعر لياسمين. ومش أخوة. أنا عايزك تساعدني أتقدم لياسمين."
ضحك يونس قائلاً: "أخيراً اعترفت يا راجل. كنت مستني الاعتراف ده من زمان. بس للأسف جه في الوقت الغلط."
نظر هاشم برجفة قائلاً: "قصدك إيه؟ حد اتقدم لياسمين؟"
رد يونس سريعاً: "معتقدش. بس أنت عارف أني سبت الدوار. وكمان على خلاف مع عمي غالب. ولو تدخلت ممكن يعند بسببى. بس فيه حد تاني لو تدخل في الموضوع أكيد عمي غالب هيسمع لكلامه."
رد هاشم: "ومين ده؟"
تبسم يونس يقول: "عمي عواد."
رد هاشم: "لأ. ده لو آخر واحد. مستحيل أستعين بيه."
رد يونس بهدوء: "عمي عواد هو طريقك الوحيد دلوقتي لو عايز تكمل حياتك مع ياسمين. فيهاش حاجة لو اتنازلت شوية عشانها. وده مش تقليل من شخصيتك. بالعكس ده إثبات لمدى حبك لوجود ياسمين في حياتك. وياسمين تستاهل تتخلى شوية عن عنادك مع عمي عواد. عمي عواد اتظلم زيك بالظبط. عاش مع واحدة متأكد أنها كانت عقاب له عن تخليه عنك أنت ووالدتك في يوم من الأيام. أنا مش بضغط عليك. بس دي الحقيقة. صحيح عمي عواد ساند عمي غالب في حربه معايا. بس هو نسي حياته وعاش على هوى الآخرين. وصدقني لو كلمته هو هيفرح جوي وهيساعدك بكل قوته. يمكن يكون مستني منك بس كلمة. ووجدتها. هو اللي هيضغط على عمي غالب بالموافقة."
تبسم هاشم بترحيب بحديث يونس.
***
بعد قليل
فرشت كل من ياسمين ويُسر مفرش كبير تحت ظلال أحد أشجار الجنينة الكبيرة. وبدأن بوضع الطعام على الأرض. وشاركتهم رشيدة. ثم ذهبت وأخبرت يونس وهاشم ويوسف بأن الغداء أصبح جاهزاً. بعد قليل دخلت رشيدة إلى الغرفة الذي يجلس بها يونس وهاشم قائلة: "الغدا جاهز في الجنينة. وياسمين راحت تنادي ل يوسف من أوضة كان بيكلم واحد زميله. وأنا جبت أقول لكم."
وقف يونس مبتسماً يقول: "تمام. يلا بينا يا هاشم."
جلسوا جميعهم على المفرش المفروش على الأرض حول الطعام. الذي كان بمثابة مائدة جمعت قلوبهم جميعاً وسط مزاح ومودة بينهم.
***
ليلاً
بغرفة يونس. انتهى يونس من تسريح شعر رشيدة مبتسماً. لتقول له: "بجيت بتعرف تضفر شعر حلو. مش زي الأول."
رد هامساً بجوار أذنها قائلاً: "بتعلم فيكي عشان أما تيجي بنتنا أنا اللي هبقى أسرح لها شعرها. مش هسمحلك تسرحيه لها."
تبسمت قائلة: "وأنا مين اللي هيسرح لي شعري؟ وجتها هتنساني؟"
رد يونس وهو يضع يدهُ على وجنة رشيدة يقول: "أنا مقدرش أنسى الجنية اللي طلعت لي من النيل. بس ميمنعش أني هدلعها وأحبها وأنشغل بيها. زي ما أنتي مشغولة بحسين عني. كده. وكمان يونس الصغير."
تبسمت رشيدة تقول: "جول أنك بتغير علي."
رد يونس وهو يميل يقبلها قائلاً: "فعلاً بغير عليكي يا بنت السلطان. من أول مرة شوفتك جنب حسين ولد عمك. كنت بغير عليكي منه. بالذات لما عم عبدالمحسن جالي أنه كان رايدك وأنت مرضتيش."
تبسمت رشيدة تقول: "هتعمل زي مرته سلوى؟ مش بطيقني. أكلمه لحد دلوقتي. حسين بالنسبة لي زي صفوان بالظبط. أنا عايزة أسألك سؤال. أنت مفيش مرة بنت كده لفتت انتباهك قبل كده؟ أنت درست جامعة هنا في مصر وكمان كنت في بعثة بره مصر."
رد يونس: "لأ. عمر ما واحدة عجبتني ولا لفتت انتباهي ليها. إلا جنيه خرجت من المية. واتمنيتها ونولتها."
ردت رشيدة: "نولتها بالغصب."
ضحك قائلاً: "تعرفي أني مكنتش لاقي طريقة أقرب بيها منك. كل مرة أحاول أقرب كان شيء يبعدني عنك. بس عسى أن تكرهوا شيئاً. لما انضربت بالنار وجدتها. كنت هبقى مبسوط لو متت ووشك كان آخر حاجة شوفتها."
وضعت رشيدة يدها على فم يونس قائلة: "بلاش سيرة الموت. أنا اللي وجدتها. جَلبي كان واقف. وكنت أول مرة أحس بالخوف على حد غريب عني. أنا إمتى حبيتك يا يونس؟ مش عارفة."
تبسم وهو يأخذ شفتيها بقُبلات عاشقة. فاقا بعدها من العشق على صوت تذمر وبكاء ذلك الصغير. تركها يونس مرغماً ينظر لصغيره التي جملته رشيدة من جوارهم على الفراش ورفقته على صدرها. تبسمت رشيدة وهي تنظر إلى ضيق يونس وقالت له: "مقولتليش هاشم كان عاوز إيه؟ وكمان إيه المبلغ الكبير اللي سابه لحسين قبل ما يمشي؟"
رد يونس: "ده نقوط ولادة حسين. وأنه أول مرة يشوفه."
قالت رشيدة: "طب كان عاوزك ليه؟"
سرد يونس لها ما قاله له هاشم. تبسمت رشيدة تقول: "تعرف كان جَلبي حاسس بكده. لما شوفت ياسمين. لما شافته بان على ياسمين أنها بتحب هاشم هي كمان. بس أنا خايفة عمك غالب يعند معاهم."
رد يونس: "معتقدش عمي غالب هيعند معاهم. بس إيه؟ بقيتي بتعرفي تقري العيون كمان؟"
ردت رشيدة: "لأه. بس واضح جداً على ياسمين أنها بتحب هاشم. وكمان لما قعدت بعيد عنه حسيت أنه أضايق. وكان نفسه تقعد بينه وبين يوسف. يعني الغدا ده كان جامع العشاق."
ابتسم يونس قائلاً: "كان جامع الملكات اللي وقع في عشقهم ولاد الهلالية التلاتة. وأيه؟ ملكات عنيدات ومتمردات. بالأخص بنات السلطان."
***
بعد مرور حوالي عشرة أيام..
بالنجع
صباحاً. كعادته السيئة مؤخراً. وقف أمجد يقطع الطريق على يُسربحصانه. وقفت يُسر تشعر بضيق منه وقالت له: "أنت مش هتبعد عني يا أمجد."
رد أمجد بزهو: "لأ يا يُسر. أنا قدرك. كنت متوحشك الأيام اللي فاتت لما كنتي في مصر. ومصدقت الدراسة رجعت تاني."
ردت يُسر: "بعد عني يا أمجد. وده آخر تحذير. بعد كده هيكون ردي عليكِ واعر جوي. أنا بنت السلطان."
رد بسخرية: "خوفت جوي. يا ترى هتعملي إيه؟ هتقتليني زي ما رشيدة قتلت راجحى."
ردت يُسر: "مش بعيد. ودلوقتي أوعى من جدامي."
نزل أمجد من على الفرس ونظر إلى يُسر قائلاً: "وماله. أحب أشوف جوة بنت السلطان الصغيرة. خلاص اللي كنتي بتتحامى فيه فقد منصبه. ومش بعيد أبوي يكون هو العمدة الجاي."
تعجبت يُسر وكادت أن تبتعد من أمامه. لكن جذبها أمجد من ذراعها. لتصفعه على وجهه صفعة قوية. كان سيردها لها. ولكن هناك يد أخرى أطبقت على ساعده بقوة. وقف أمجد ينظر إلى من أطبق يدهُ على ساعده. وابتسم بسخرية قائلاً: "يوسف أخوي. اتوحشتك. إيه من آخر مرة كنت عندنا من كم يوم. مشوفتكش."
تضايق يوسف منه ونظر إلى يُسر التي نظرت له بلوم وعتاب. وأعقبت كل هذا بنظرة اشمئزاز وهي تغادر وتتركهم قائلة: "فعلاً ولاد همت كلهم زي بعض. داء الحقارة والخيانه والغدر في دمهم."
***
بالقاهرة
بأحد الكافيهات. وقف عواد مبتسماً مرحباً بحفاوة قائلاً: "إزيك يا هاشم؟"
تبسم هاشم يقول: "الحمد لله بخير."
رد عواد: "أجلس يا ولدي. هنتكلم واحنا واقفين."
جلس هاشم بالمقابل لعواد الذي تحدث قائلاً بود: "أنا مفطرتش. إيه رأيك نفطر سوا؟"
كان هاشم سيرفض. ولكن قبل على مضض قائلاً: "مفيش مانع."
أشار عواد للنادل الذي أتى وأخذ ما طلباه منه. تناول عواد الطعام لأول مرة مع هاشم. كم كان سعيداً. بعد أن انتهوا من الفطور تحدث هاشم قائلاً: "أنا عارف أن وقتك مش فاضي. وأكيد عندك جلسة في المجلس ولازم تحضرها."
رد عواد سريعاً: "لأ يا ولدي. الجلسة مش مهم حضورها. براحتك."
تنهد هاشم قائلاً: "بصراحة أنا عايز أتجوز."
ابتسم عواد قائلاً: "من جنيه لمليون تحت رجليك. واللي تشاور عليها تتاقل بالدهب."
رد هاشم: "وأنا مش محتاج فلوس ولا دهب. أنا عايزك تكلم والد اللي عايز أتجوزها. مش يمكن يرفضني."
رد عواد: "ومين اللي يرفض؟ ولد الهلالية ده كبرات البلد كلها تتمنى نسب الهلالية. جول لي هي مين. وأنا هروح لأهلها وأطلبها. وهتشوف."
رد هاشم: "اللي عايز أتجوزها هي ياسمين."
رد عواد بعدم فهم: "ياسمين مين؟"
تبسم هاشم قائلاً: "ياسمين بنت غالب الهلالي. اللي هو المفروض يبقى عمي."
ارتبك عواد. ولكن سرعان ما تبسم قائلاً: "وغالب عمره ما هيرفض. ده هيلاقي زيك فين بنته. وكمان ياسمين متربية زين وأخلاقها زينة. أنا من بكرة هنزل للنجع وأتكلم مع غالب. وهو بنفسه هيجيبها لحد عندك هنا."
رد هاشم: "بس أنا مش عايز هي اللي تيجي عندي. أنا هاجي للنجع أنا وجدتي ونطلب ياسمين. بس عايز موافقة عمي غالب على الموضوع الأول."
تبسم عواد قائلاً: "أنا واثق من غالب. وبكرة تشوف."
رد هاشم: "أتمنى الثقة دي تتحقق."
***
بمنتصف النهار
دخلت تلك الفتاة الصغيرة إلى دار يونس. وطلبت من انهار مقابلة رشيدة. التي أتت لها سريعاً. انحنت الفتاة على يد رشيدة قائلة: "الحقيني يا رشيدة. أنا طالبة مساعدتك ليا."
ردت رشيدة: "خير يا أزهار. فيه إيه؟"
ردت أزهار: "أبوي عايز يجوزني ل رضا. اللي كان متجوز من ماجدة أختي."
استغربت رشيدة قائلة: "بتجولي إيه؟"
ردت أزهار: "من أسبوع جالت أم رضا عندنا. وطلبتني للجواز من رضا ابنها. وأنا وأمي رافضين. بس أبوي موافق. والست أم رضا كسرت عين أبوي بماجدة. أنا مش عايزة أتجوز رضا. حشاش وبيشرب وبيروح عند الغوازى. وأبوي عارف أكده وموافق. طلعني من المدرسة وخلاني أشتغل في المصنع ووافقت. بس جوازي من رضا مش موافقة عليه. غير كمان أنه بيشتغل مع ناجي الغريب. أمي جالت لي أجيك وأجولك. وأنتي هتساعديني. عارفة لو أبوي فضل على رأيه. أنا هدبح نفسي كيف ماجدة ما عملت."
ردت رشيدة سريعاً: "لأ يا أزهار. أنا هاجي بنفسي لعندكم وهتكلم مع أبوكي. وإن شاء الله أقنعه. وكمان هخليه يرجعك للمدرسة من تاني."
تبسمت أزهار قائلة: "كنت عارفة أنك هتساعديني. وعندي أمل أن أبوي يسمع لكلامك."
تبسمت رشيدة قائلة: "خير. تفائلي بالخير."
***
مساءً
بمنزل ناجي الغريب. دخلت الخادمة إلى غرفة ناجي وجدته ينتهي من ملابسه. وقف تقول له باحترام: "چنابك في ضيف في المندرة مستني حضرتك. والغفير جالي أديك خبر."
رد ناجي: "ومين الضيف ده؟"
ردت الخادمة: "معرفش چنابك."
رد ناجي: "تمام. روحي ضايفيه. وأنا جاي وراكي."
هندم ناجي ملابسه أمام المرآة. ثم توجه للنزول إلى المندرة. دخل مبتسماً. ولكن سرعان ما زالت البسمة من على شفتيه وهو يرى ذلك الضيف. ليقول بذهول: "يونس الهلالي."
رواية يونس وبنت السلطان الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد
بذالك المنزل الصغير فتحت الباب امرأة متوسطة العمر، تحدثت بترحيب قائلة:
"أهلاً يا مرحب، أدخلي يا رشيدة. من زمان ما زرتينا، نورتي يا بتي."
مالت رشيدة تعانق تلك المرأة قائلة:
"والله مشاغل يا خالتي. مهدية، أنتِ غالية عندي وأنتِ عارفة."
تنهدت مهدية قائلة:
"عارفة يا بتي، الدنيا مشاغل. ربنا يخلي لكِ جوزك وولدك."
تبسمت رشيدة قائلة:
"إن شاء الله. أنا جاية عشان أزهار، هو عم مرتضى هنا؟"
ردت مهدية:
"لأ، بس زمانه على وصول. هييجي يتعشى ويطلع من تاني."
قالت رشيدة:
"هيطلع تاني يروح فين؟"
تنهدت مهدية بسأم:
"هيطلع يروح القهوة اللي عند آخر النجع، يسهر وييجي نص الليل. مش شايف قدامه. منهم لله يونس بيه، كان منعهم بس من لما ساب العمودية وهما رجعوا تاني أزفت من الأول. على الأقل الأول كان في الدرة، دلوقتي على المكشوف. وكمان جابوا غازية تشغلهم أكتر وتفسد شباب البلد، حتى رجالتها الكبار زي ما يكون عقلهم ذهب."
ردت رشيدة بحزن:
"خسارة، عمي مرتضى ما كانش كده. ربنا يهديه ويزيل الغشاوة دي من على عينيه. منه لله رضا، من يوم ما خطب ماجدة الله يرحمها، خده معاه للسكة دي. ياما ماجدة حاولت إنها تبعده عن رضا، بس إيه قدر ربنا بقى."
نزلت دموع مهدية قائلة:
"ماجدة أم رضا جاية ودايسة على رجلينا بسبب عَمْلة ماجدة. ربنا يرحمها ويغفر لها. حسرتني عليها وخلفت لنا عار لإخواتها التانيين. وأم رضا بتستغل الحكاية وعاوزة تجوز رضا لأزهار. أزهار كانت شاطرة في المدرسة ودخلت الدبلوم، بس مرتضى طلعها من التعليم وقال تساعد في تربية أخواتها وكفاية على كده. وأول ما رضا جاه يتجوز منها، وافق. أنا بستنجد بيكي يا بتي، ربنا يستر. ماحدش قادر على عمك مرتضى."
ردت رشيدة وهي تربت على كتف مهدية قائلة:
"أنا جاية مخصوص عشان كده وهتكلم معاه بنفسي، وربنا يهديه."
بعد قليل، دخل مرتضى ينادي على مهدية بصوت جهور.
خرجت له سريعاً تقول:
"وطي صوتك، في عندنا ضيفة في المندرة."
تحدث مرتضى بسخرية:
"ومين الضيفة دي؟ خلينا أشوف ضيوفك ومجامك العالي."
صمت فجأة.
وقفت رشيدة قائلة:
"أنا الضيفة يا عم مرتضى، يا ترى مجامى عالي ولا لأ."
تعلثم مرتضى:
"لأ، أنتِ مجامك عالي يا ست رشيدة."
تبسمت ساخرة:
"ست رشيدة، أنا رشيدة بنت حسين السلطان يا عم مرتضى. متغيرتش، وأنت مربيني وكلت هنا في بيتك قبل كده، وبينا عيش وملح."
رد مرتضى:
"وأنتِ زي بتي يا رشيدة."
تبسمت رشيدة قائلة:
"طيب ولما بتك تطلب منك طلب، هتنفذه لها ولا هتكسر بخاطرها؟"
رد مرتضى:
"لو في يدي، مش هكسر بخاطرك."
ردت رشيدة:
"لأ، في يدك يا عم مرتضى. أنا عرفت إن رضا متقدم لأزهار وعاوز يتجوزها وهي مش راضية. يبقى ليه تغصب عليها؟ وكمان رضا مش هو الراجل اللي تأتمن عليه بتك وتصونها."
تعلثم مرتضى قائلاً:
"بس..."
ردت رشيدة قائلة:
"مفيش بس يا عم مرتضى. حرام تضيع بتك وتجوزها لواحد سُكْري وبيشرب مخدرات، وكمان بيروح للغازية. كفاية يا عم مرتضى، كفاية ماجدة واللي حصل لها. أنت شاركت في ذنبها، عاوز تخسر كمان بتك التانية عشان إيه؟ ومين؟ كل شيء نصيب، واللي حصل كان قدر. حتى لو كان وصمة، إيه ذنب غيرها فيه. ومش يمكن ربنا يرضيك فيها لو خليتها تكمل تعليمها، ويكون تعليمها هو السند ليها قدام أي حد يحاول يستغل شيء قديم. ومع الوقت هيكون في طي النسيان. لو ليا خاطر عندك، ارفض رضا ورجع أزهار للمدرسة، واطمن أجرتها من المصنع هتفضل ماشية طول فترة المدرسة، وتبقي تشتغل في الإجازات. ها، إيه رأيك؟"
رد مرتضى:
"بعد اللي جلتيه يا بتي، مفيش كلام تاني. بس مش هنسلم من كلام أم رضا ولا رضا نفسه."
ردت رشيدة:
"حتى لو رضا اتجوز من أزهار، ما كنتيش هتسلمي من كلامه الفارغ، وكان هيذل أزهار طول عمرها. أما لو رفضته، هيتكلم يومين، شهر، شهرين، مش أكتر، وهينكم. لما تلاقيه مش معبر كلامه الفارغ. وكمان في حاجة تانية عاوزة أتحدث معاك فيها. أنا سمعت إنك بتروح القهوة اللي في آخر النجع تسهر هناك وتصرف مالك على المخدرات والفرجة على الغازية. ليه ما تقولش إن بيتك أولى بمالك؟ وكمان معاك خالتي مهدية دي قمر منور، وكمان حلالك. يبقى ليه تبص لحاجة تانية بشوية أحمر وأخضر ولبس خليع وتكسب من وراها سيئات؟ قدامك خالتي مهدية."
اقتربت رشيدة من مهدية ووضعت يديها على كتف مهدية قائلة بمزح:
"وليكي عليا، هجيب لخالتي مهدية أحمر وأخضر وكمان بدلة رقص، وأهي حلالك ومش هتكسب فيها سيئات."
تبسمت مهدية بخجل.
بينما تبسم مرتضى قائلاً:
"كلامك زين وموزون يا بت السلطان، وأنا خلاص مش هيهمني لا كلام رضا ولا أمه الولية الخرفانة، ومعدتش هروح القهوة دي."
تبسمت رشيدة قائلة:
"عاوزك ترجع عمي مرتضى القديم. رضا من يوم ما عرفته، كان معرفة الشؤم عليك. حاوط على ولادك يا عم مرتضى، وهما بكرة لما تحتاج لهم في شيخوختك، تلاقيهم بيتسابقوا يسندوك. بلاش تضيعهم زي ماجدة."
تبسم مرتضى قائلاً وهو يقترب من مهدية، يقبل رأسها:
"سامحيني يا مهدية، أنا مشيت ورا شيطاني. بس بوعدك أرجع أحاوط على ولادنا ونتساعد ونربيهم صح."
دخلت على حديثه أزهار التي كانت تقف جوار باب الغرفة، وانحنت تقبل يد مرتضى قائلة:
"وأنا أوعدك يا أبوي، هجدعن في المدرسة وهشتغل في الإجازات وهساعدك."
تبسم مرتضى وهو يضع يده على رأس أزهار:
"ربنا يخليكي يا بتي، اطمني، أنا مش هيهمني كلام حد الماسخ."
تحدثت رشيدة مبتسمة:
"ربنا يخليك يا عم مرتضى ويسعدك إنك سمعت حديثي وجبرت بخاطري. يلا، أنا بقى لازم أعود الدار عشان ولدي زمانه قالب الدنيا."
تبسمت لها كل من أزهار ومهدية، التي قالت:
"ربنا يخليه لكِ هو وأبوه ويسعد قلبك بهم."
ردت رشيدة:
"آمين. وأنت يا عم مرتضى، أما تعوز حاجة، الدار مفتوحة لك، تنور في أي وقت، وميهمكش كلام حد، مهما عملت مش هتعجب الناس."
تبسمت أزهار ونظرت لرشيدة بامتنان، فهي أنقذتها من مستقبل سيء كان ينتظرها مع مريض بالتشفي بجراح الآخرين.
***
بمنزل ناجي الغريب، وقف ناجي بالمندرة مذهولاً يقول:
"يونس الهلالي هنا في بيتي؟ يا مرحب."
قال هذا ومد يده له بالسلام.
تبسم يونس الجالس، لم يقف له، ولكن سلم عليه.
جلس ناجي قائلاً:
"نورت داري يا يونس. لو كنت أعرف إنك جاي لداري، كنت استقبلتك بنفسي."
تحدث يونس قائلاً:
"أنا مش جاي أضيف، أنا جاي في كلمتين هقولهم لك وهمشي."
رد ناجي:
"وإيه هما الكلمتين؟"
رد يونس:
"العمودية اللي بتجري وراها دي، تنساها لأنها عمرها ما هتكون لك. وثانياً، الماخور اللي في آخر النجع ده يتقفل برضاك بدل ما تقفله غصب عنيك. وأبلغ عن دولاب المخدرات اللي بتديره، مش بس في النجع، لأ والنجوع اللي حواليه. وكمان محاولة قتلي اللي اتهمت بها رشيدة. آه، وكمان تلم ولدك أمجد يبعد عن يُسر بنت السلطان."
نهض يونس واقفاً يقول بحسم:
"أنا جلت اللي كنت جاي عشانه، واعتبره مني تحذير أخير. ولو ما تنفذتش كل اللي جلت، عليك مش هتلاقي غيري يوقف لك، وأنت عارف أنا أقدر أعمل إيه. سلام عليك يا ناجي."
قال يونس هذا وغادر المندرة.
بينما وقف ناجي يتحدث بوعيد قائلاً:
"أنت اللي بتبدأ يا واد الهلالية. ليه بتستعجل على عمرك وجاي تهددني في قلب داري؟ كمان لأ، دي عقابها عندي كبير، كبير جوي."
دخل أمجد إلى المندرة يقول:
"أنا جاهز. هو مين اللي كان هنا؟"
تحدث ناجي:
"أنت لسه بتتحرش ببنت السلطان الصغيرة؟"
تعلثم أمجد في الحديث قائلاً:
"مين اللي جا لك كده؟"
رد ناجي بشر:
"بحذرك، بعد عن البنت دي دلوقتي، وبلاش تِهد كل اللي بعمله. أنا بوعدك إنها هتسلم لك بخطرها، بس لما أوصل للي عاوزه. هدّي اللعب شوية، مش عاوز حاجة تكون سبب في منعي إني أبقى كبير البلد وأخد العمودية من إيد الهلالية."
نظر أمجد له متفهماً، يبتسم. فربما إذا أصبح والده كبير النجع، سهل عليه الحصول على بنت السلطان الصغيرة دون عناء.
***
أثناء دخول رشيدة إلى الدار، تقابلت مع يونس على الباب.
تبسما لبعضهما ودخلا معاً.
وجدا أنهار تجلس بصغيرهم الذي يزوم.
تبسمت رشيدة وهي تأخذه منها قائلة:
"أكيد غلبك حسين."
تبسمت أنهار قائلة:
"لأ، ده لسه يدوب كان هيبدأ."
ضحك يونس قائلاً:
"فين يونس الصغير؟"
ردت أنهار:
"يونس، أنا عشيته ونام عشان عنده مدرسة ولازم يبقى فايق لها. تحب أحضر لكم العشا؟"
رد يونس:
"ماشي، حضريه."
بعد قليل، بالغرفة، وضعت رشيدة الصغير النائم بمهده.
وتبسمت ليونس الخارج من الحمام يتوجه إلى الفراش.
رد لها هو الآخر بسمة.
توجهت رشيدة إلى الدولاب وأخذت لها ملابس ودخلت إلى الحمام وخرجت بعد قليل وانضمت إلى جوار يونس بالفراش.
لكن يونس مد لها ذراعه لتندس في حضنه، متبسمة.
تحدث يونس قائلاً:
"كنتي فين؟"
ردت عليه وسردت له ما حدث في منزل مرتضى.
تبسم قائلاً:
"يعني أقنعته؟"
ردت رشيدة:
"أقنعته وهيرجع أزهار المدرسة وهيتوب عن المرواح للقهوة، وكمان هينتبه على بيته وعياله."
رفع يونس وجه رشيدة بسبابته وظل ينظر لها بإعجاب.
تبسمت تقول:
"بتبص لي كده ليه؟"
رد يونس:
"مُغرم.. مُغرم بذات الخال."
تبسمت بخجل وأخفضت رأسها بصدره.
تنهد وهو يرفع رأسها مرة أخرى، يقبل خديها، ثم لثم شفتيها بقبلات عاشق يزداد كل ثانية بقلبه العشق. بعد وقت، نعست رشيدة على صدر يونس، بينما هو لم ينم، يفكر فيما سمعه صباحاً من يوسف.
***
**فلاش باك**
دخل يوسف إلى بيت يونس يسأل أنهار عنه.
أجابه يونس من خلفه قائلاً:
"أهلاً يا يوسف، نورت يا يوسف."
أدار يوسف وجهه مبتسماً ليونس.
لكن يونس لاحظ ملامح يوسف جيداً، هو يرسم ابتسامة مجاملة.
تحدث قائلاً:
"جاي منين بدري كده؟ ولا كنت بتتمشى؟ مش عادتك تصحى بدري."
رد يوسف:
"أنا محتاج أتكلم معاك لو كنت فاضي."
تبسم يونس قائلاً:
"فاضي، النهارده معنديش محاضرات في الجامعة. تعالى نروح نقعد في المندرة. فطرت ولا أخلي أنهار تحضر لك فطور؟ أنا ورشيدة فطرنا من بدري. حسين بيه صحّانا من قبل الفجر، وفي الآخر هو نام وإحنا طار النوم من عنينا."
تبسم يوسف قائلاً:
"ربنا يخليه ويبارك فيه. لأ، مش جعان، وكمان ما نمتش من كام يوم أصلاً."
تبسم يونس قائلاً:
"اللي واخد عقلك. تعالى نروح المندرة، مش هنتكلم وإحنا واقفين."
دخل يونس ومعه يوسف إلى المندرة وأغلق بابها قائلاً:
"قولي مالك، إيه اللي مطير النوم من عينك؟ عارف بنات السلطان، عشقهم قاسي."
تبسم يوسف قائلاً:
"ده سبب من الأسباب، بس في سبب تاني. أمي، همت. طلبت من أبوي إني أنا وياسمين نقابلها. ولما رجعنا هنا معاكم أنتم ورشيدة من كام يوم، قال لنا. في البداية أنا وياسمين كنا رافضين. أنا من سنين نسيتها، هي سابتنا صغار بعد طلاقها. ما كانش حد فينا على صلة بها، إلا راجحي، يمكن من أول ما دخلت الجامعة مش شفتها مرة أو اتنين. وكان من بعيد. يمكن أكتر مرة كانت قريبة يوم جنازة راجحي، ويومها ما كلمتنيش لأنا ولا ياسمين. ما عرفش ليه فجأة افتكرت إننا ولادها. لما رفضت أنا وياسمين، أبوي أصر علينا. ياسمين قلبها طيب، قالت لي: خلينا نشوفها، مش هنخسر حاجة. وبالفعل روحنا لها بيت ناجي الغريب."
**فلاش باك**
بمنزل ناجي الغريب، دخل يوسف وياسمين إلى إحدى الغرف الفخمة.
وقف الاثنان متوتران ومرتبكان، لا يعرفان ماذا يفعلا هنا. لما وافقا على طلب والدهم؟ لما لم يصروا على رفضهم؟ ولكن الوقت قد فات.
دخلت عليهم همت ترسم ابتسامة كبيرة. اتجهت إليهم وجذبتهما الاثنان وعانقتهما بين يديها، تقبل خد كل منهم بلهفة مصطنعة. ظلت هكذا لوقت.
كان يوسف وياسمين مندهشين من فعلتها، لم يحركا ساكناً وهي تضمهما بلهفة كاذبة.
إلى أن دخل أمجد قائلاً بسخرية:
"براحة عليهم، لتكسري عضمهم بين إيديكي."
كأنها كانت فرصة لهما. نفضت عنهما يديها وتركتهم ونظرت إلى مكان وقوف أمجد، تنظر له بتحذير قائلة:
"تعالى يا أمجد، تعالى. النهارده أنا فرحانة جوي."
لكن رسمت دمعة خادعة قائلة:
"كان نفسي يكون راجحي معاكم وأضم كل ولادي في حضني. كل شيء قدر ربنا ينتقم من اللي قتلت ولدي وحرقت قلبي عليه. أعادت فعلتها مرة أخرى وضمت ياسمين في حضنها قائلة: بتي الوحيدة وحبيبة جَلْبي، بجيتي عروسة زينة. كان نفسي آخدك في حضني من زمان، بس منها لله مرات عمك نفيسة. أنا جيت لكم كتير ووقفت قدام الدوار وكنت أطلب منها إنها تجيبكم أشوفكم. كانت تقول لي إن نرجس بتكرهكم، فيا نرجس ونفيسة هما الاثنين السبب في فراقنا عن بعض. منهم لله، وبالأخص نرجس اللي عشان راحة ولدها زمان أتسببت في طلاقي أنا وغالب، وكمان الست مع يونس على اللي قتلت راجحي أخوكم. رشيدة هي اللي قتلت راجحي، ويونس عارف أكده وساكت عشان عاشقها."
وقف أمجد ينظر لها ساخراً، بينما يوسف وياسمين مصدومان، غير مصدقين.
تنهدت همت قائلة:
"عارفة إنكم مش مصدقين، بس أنا هسمعكم وأحكموا أنتم."
وضعت همت شريطاً بالمُسجل وشغلته، ليسمعوا صوت رشيدة ويونس يتحدثان. كان الشريط مُنتجاً بطريقة أظهرت اعتراف رشيدة بقتل راجحي مباشرةً مع الإصرار.
أغلقت الشريط وهي تنظر إلى وجه يوسف وياسمين المصدومين.
لكن تحدثت ياسمين:
"ليه ما قدمتيش الشريط للنيابة أو للبوليس؟ كان هيقبض على رشيدة، أو حتى أديته لأبويا كان هيعرف يفتح بيه القضية."
ردت همت ببكاء مصطنع:
"ومين جالك إن ده ما حصلش؟ بس النيابة ما أخدتش بالشريط، وكمان يونس بمعرفته من النيابة طلعها. أمال غالب مخاصم يونس ليه؟ عشان وأصى على دم ابن عمه عشان عشق بنت السلطان. حتى كمان نرجس عارفة وموالسة معاه."
رد يوسف:
"والشريط ده من اللي سجله وإزاي وصلك؟"
تعلثمت همت ثم أجابت:
"وصلني من حد من الدوار بعته ليا. وما جاليش هو مين. لقاه واحد من الغفر محطوط قدام باب الدار في جواب ومكتوب عليه اسمي، فجابه ليا."
وقفا يوسف وياسمين، عقولهم غير مصدقة ما سمعاه. هل هو حقيقة؟ شعرا الاثنان بالاختناق.
تحدثت ياسمين قائلة:
"أنا مش قادرة أصدق. أنا همشي قبل ما عقلي يشت منى. يعني هو ده السبب وراء خصام أبويا مع يونس؟"
أخفت همت بسمتها، فتلك الساذجة تصدق كذبها. وقعت بفخ همت.
لكن تحدث يوسف قائلاً:
"وأنا كمان. أحنا لازم نمشي."
ضمتهما همت مرة أخرى وأعادت ما فعلته سابقاً قائلة:
"ابجوا زوروني وبلاش تغيبوا عني، هستنا زيارتكم ليا. وأنتِ يا ياسمين يا زهرتي الحلوة، ابجي كلميني على التليفون."
أومأ الاثنان برأسيهما دون أن يتحدثا وغادرا المنزل سريعاً.
جلس أمجد على أحد المقاعد يضحك ساخراً بقوة يقول:
"لأ والله صدقتك، والدمعتين دول كانوا البرهان. اللي يسمعك يقول الأم المضحية الطاهرة. حلو تمثيلك يا أماي، تنفعي ممثلة ولا أمينة رزق في زمانها. كان ناقصك تقولي كلكم أولادي."
ردت همت بزغر:
"قصدك إيه يا واد ناجي؟ وإيه اللي دخلك المندرة دلوقتي؟"
رد ضاحكاً:
"دخلت أشوف التمثيلية الحلوة اللي كانت شغالة. بس متطمنيش يا أماي، ما أعتقدش إنهم هيصدقوكي. هما بس مذهولين من اللي سمعوه، والشريط الكداب اللي سمعتيه لهم. بس المثل بيقول: العيار اللي ما يصيب، ينوش. وأنتِ نُشْتِيهم جوي."
***
عاد يوسف وياسمين إلى الدوار ودخل كل منهم إلى غرفته مباشرةً دون التحدث مع أحد.
لمحت نرجس دخولهما وتعجبت من عدم ذهاب ياسمين إليها، فذهبت إلى غرفتها.
طرقت على الباب ثم دخلت إلى الغرفة.
وجدت ياسمين تنام على الفراش، تكف وجهها بين الوسائد.
تحدثت بود قائلة:
"كنتي فين يا ياسمين؟ أنتي ويوسف خرجتم مع بعض ورجعتم مع بعض."
تحدثت ياسمين دون أن ترفع رأسها من بين الوسائد قائلة:
"سيبيني لوحدي، عاوزة أكون لوحدي، مش عاوزة أتكلم مع حد."
اقتربت نرجس من الفراش قائلة:
"فيكي إيه؟ يوسف اتخانق معاكي؟"
ردت ياسمين بعجرفة:
"قلت عاوزه أفضل لوحدي، اتفضلي اطلعي من أوضتي وسيبني."
امتثلت نرجس لقولها وغادرت الغرفة منذهلة.
بينما رفعت ياسمين رأسها من بين الوسائد تبكي قائلة:
"يارب، أنا ما عرفش مين الصادق من الكداب، يا رب اكشف الحقيقة."
حتى يوسف لم يكن أفضل منها. هو الآخر، الكذب والادعاء مسبوكان جيداً.
***
**عودة**
انتهى يوسف من سرد ما حدث ليونس.
زفر يونس أنفاسه قائلاً:
"وصدقتها طبعاً؟"
رد يوسف بحرج:
"قولي إيه الحقيقة وهصدقك يا يونس. قولي إن همت كدابة ورشيدة بريئة من دم راجحي."
لكن قبل أن يتحدث يونس، سمعا طرقاً على الباب.
ثم دخلت رشيدة عليهم وهي تحمل بين يديها صينية عليها بعض الأكواب قائلة:
"أنهار مش فاضية، جبت أنا لكم الشاي."
نظرت لوجوههم العابسة قائلة:
"خير، مالكم؟ في حاجة؟"
رد يونس بكذب:
"أبدًا، دا عمي غالب مزعل يوسف."
ردت رشيدة:
"معلش يا يوسف، بكرة يهدى ويرجع كيف ما كان سابق. هروح أنا أشوف حسين، زمانه هيصحى من النوم."
غادرت رشيدة وأغلقت خلفها الباب.
تحدث يونس قائلاً:
"رشيدة أهي قدامك، وكمان كانت زميلتك في المدرسة. لو مصدقة إنها تقدر تقتل، قولي."
رد يوسف:
"أنا مش فاهم ولا عارف حاجة، حاسس إني في دوامة. عقلي خلاص هيشت منى."
رد يونس:
"الحقيقة واضحة. همت نجحت في زرع الشك في قلبك. من ناحيتي، أنا عندي نسخة من الشريط اللي همت سمعته لك. هسمعه لك واحكم بنفسك على رشيدة، واعرف إذا كنت موالسة أو لأ."
أتى يونس بالشريط وأسمعه ليوسف، الذي تعجب كثيراً:
"هذا شريط مخالف."
أغلق يونس المُسجل قائلاً:
"كفاية لحد كده. الباقي في الشريط مينفعش تسمعه. مش عشان إنه اعتراف تاني لـ رشيدة، لكن ده شيء خاص بينا. ولو مش عاوز تصدق، أنت حر."
رد يوسف مبتسماً:
"أنا مصدقك يا يونس. أنت عمرك ما كنت كداب أو مخادع."
رمى يوسف نفسه بحضن يونس قائلاً:
"أنت كنت أحن من أخويا عليا أنا وياسمين. أنت ما والستش على رشيدة، أنت حميت بريئة من جزاء ما تستاهلوش."
***
بنفس اليوم، قبل العصر بقليل، بدار يونس.
وقفت يُسر مع رشيدة تداعب حسين الذي تحمله رشيدة وتشاغبه، ضاحكة على تذمره.
أتى من خلفهن يونس مبتسماً، يأخذ الصغير من رشيدة وينظر لـ يُسر يقول بعتب:
"بلاش تعاندي واد الهلالية يا يُسر، ليكرهك."
تبسمت يُسر قائلة وهي تشاغب الصغير:
"حقه يا حسين، هتكرهني؟ أوعى، ده أنا خالتك الطيبة."
تبسم يونس ونظر لـ رشيدة قائلاً:
"يونس الصغير بيسأل عنك، مش عارف يحل الواجب لوحده."
تبسمت رشيدة قائلة:
"خلي حسين معاك، وأنتِ تعالي معايا يا يُسر."
قالت يُسر:
"لأ، أنا همشي، عندي مذاكرة. أنا الواد حسين جاه على بالي، جولت أما أروح أزعجه شوية."
تبسمت رشيدة قائلة:
"على راحتك، هروح أنا ليونس."
خرجت رشيدة، وكانت يُسر ستغادر، لكن قال يونس:
"أنا عارف أنتي جاية ليه يا يُسر، مش عشان حسين وحشك. خليني أوصلك لحد الباب، أنا عاوز أسمعك."
ردت يُسر وهي تسير جوار يونس:
"فعلاً، أنا كنت جاية عشان أنبهك من يوسف واد عمك، وكمان أقول لك على أمجد ابن همت."
سردت له يُسر ما حدث صباحاً أثناء ذهابها إلى المدرسة وتلاقيها بيوسف وأمجد.
تبسم يونس قائلاً:
"وفيها إيه أما يوسف يروح يزور همت؟ مش والدته؟ إيه اللي يزعجك في كده؟"
ردت يُسر بتعلثم:
"مفيش حاجة تزعجني، بس أنت عارف إن همت بتكره رشيدة، وأكيد بتكرهني أنا كمان. وكمان تيجي أم الحقير أمجد اللي مش بيبطل قطع الطريق عليا وأنا رايحة المدرسة الصبح."
تبسم يونس قائلاً:
"ده تبريرك؟ مفيش حاجة تانية؟"
ردت بحشرجة:
"هيكون في إيه؟" ثم تحدثت بتهرب من حصاره قائلة:
"أنا عندي مذاكرة، همشي بجى. خلاص بقينا قدام باب الدار."
قبلت خد الصغير ثم هربت سريعاً من حصار يونس، الذي تبسم على هروبها المفضوح.
لم يرَ تلك المتربصة التي رأت ضالتها التي فقدتها وستعيده لها بها، معترفةً بعشقها التي سرقته منها ابنة السلطان، ستجعلها تدفع ثمن سرقة ما ليس لها.
***
**عودة**
عاد يونس من تذكره لما حدث اليوم، والذي انتهى بمقابلته لـ ناجي الغريب، الذي أخبره أنه يعرف أنه هو من أراد قتله سابقاً.
تذكر زيارة عبد المحسن له بالدوار أثناء علاجه من إصابته. أخبره أنه كان قريبًا من المكان الذي أطلق عليه النار ورأى ذلك القاتل وتتبعه ورآه يدخل إلى بيت ناجي الغريب.
تنهد وهو يشعر بأنفاس رشيدة على صدره، ضمها أكثر.
وقبل رأسها وأغمض عينيه، ربما ينعس هو الآخر.
بينما رشيدة النائمة كانت في غفوتها ترى من بين أحلامها.
رأت نفسها تقف بمكان واسع ومعها يونس الذي يحمل الصغير مبتسماً. ولكن أعطاه لها ومال عليها يقبلها قائلاً:
"خذي يا رشيدة حسين، وكمان وصيتي ليكي ولادي الاثنين."
تبسمت قائلة:
"فين ابنك التاني ده؟"
رد يونس، يضع يده على بطنها قائلاً:
"ابني التاني اللي في بطنك، خلي بالك منهم الاثنين."
تبسمت، لكن فجأة ساد المكان ضباب كثيف يمنع الرؤية.
عاد يونس بظهره للخلف، يبتلعه الضباب ويختفي به.
نادت رشيدة عليه، لكن لم يرد. الضباب يمنع عنها الرؤية. دخلت بين الضباب، لم ترَ شيئاً. أين اختفى يونس؟
صحوت رشيدة فجأة، فزعة.
رفعت رأسها من على صدر يونس ونظرت له، وجدته مستيقظاً.
ابتسم قائلاً:
"إيه مخضوضة كده ليه؟ أنتي شوفتي كابوس؟"
لثوانٍ، نظرت له تتأمل ملامحه، ثم نفضت هذا الكابوس عنها وتحدثت قائلة:
"لأ، أنا فكرت حسين صحي."
رد يونس مبتسماً:
"لأ، اطمني، لسه نايم. وأنا بقول نوم الظالم عبء، وكمان كويس إنك صحيتي، كنت عاوز أقول لك حاجة سر."
ردت بعدم فهم:
"عاوز تقول لي إيه السر ده؟"
تبسم وهو يستدير بها لتصبح على الفراش وهو فوقها، يتحدث قائلاً:
"أقول لك عالسر، أنا عاوز أجيب رشيدة الهلالي."
فهمت حديثه وأبتسمت قائلة:
"كفاية عليك رشيدة واحدة. التانية هتتعبك كتير أكتر من الأولانية."
رد وهو يلثم عنقها بقبلاته:
"أنا قابل، بس عمر ما هتتعبني رشيدة قد ما تعبتني رشيدة بنت السلطان."
تبسمت رشيدة متنهدة، لا تعلم لما تشعر بشعور سيء بعد رؤية هذا الحلم، خائفة.
لكن طمأنتها قبلات يونس، حاولت أن تعانده، ولكن هو يعلم مفاتيح عشقها، أخمد عنادها بالقبلات العاشقة.
سلمت لعشقه وهي تبعد عنها ذلك الشعور السيء، لتذهب معه إلى جنة عشقهم المحفوف بضباب قد يبتلع هذا العشق.
***
في اليوم التالي، بالدوار.
رحب عواد بحفاوة بهاشم ومعه جدته التي أتت معه.
أدخلهم إلى المندرة.
أتت نرجس هي الأخرى ترحب بهم، سعيدة من أجل ياسمين، فهي علمت من يونس أنه أتى لطلب الزواج من ياسمين، التي لا تحدثها منذ عدة أيام، تتجنبها عن قصد، لا تعرف السبب، ولكنها تركتها إلى أن تهدأ وتذهب لها وتخبرها عن سبب هذا التجنب منها.
دخلت نفيسة ترحب بهم أيضاً، على مضض. تنظر لهاشم بكره شديد، وكذاك تلك المرأة المسنة التي معه.
دخل بعدهم غالب وخلفه يوسف، الذي تبسم ورحب بهم.
نظر غالب لـ نرجس لكي تنصرف هي ونفيسة.
فهمت نرجس النظرة قائلة:
"هستأذن أنا ونفيسة عشان نحضر الأكل، أنتم شرفتونا."
تبسمت تلك المرأة المسنة قائلة:
"كتر خيرك، مالوش لزوم."
ردت نفيسة بضيق واضح:
"لأ، أنتوا ضيوفنا الغاليين، ولازم نعمل الواجب."
انصرفت نفيسة ونرجس.
نظر هاشم لعواد، الذي ابتسم له.
ثم تنحنح قائلاً بصراحة:
"أنا كنت طلبت من..." قال هذا ووقفت الكلمة بحلقه.
لكن تنحنح مرة أخرى قائلاً:
"طلبت إنه يقول لك، أنا بطلب إيد ياسمين للجواز."
شعر عواد بألم يخترق قلبه، ولده استكبر أن يناديه بأبي. لكن أعطاه الحق، هو لم يكن له أباً، هو تخلى عنه منذ نعومة أظافره.
أكمل هاشم:
"طلبت إنه يقول لك. أنا بطلب إيد ياسمين للجواز."
تبسم غالب قائلاً:
"أنا عارف، بس ليا شرط، وموافقتك عليه هتحدد إن كنت أوافق أو أرفض جوازك من ياسمين."
رواية يونس وبنت السلطان الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد
في غرفة ياسمين التي تلازمها مؤخراً، قليلاً ما تخرج منها. دخلت نرجس مبتسمة.
رأت ياسمين تنام متكئة على الفراش وبيديها كتاب تقرأ فيه.
تحدثت نرجس بحنان:
"ست البنات، ليه حابسة نفسك في أوضتها مع أن عندنا ضيوف يهموها؟"
نظرت ياسمين لها قائلة بحدة:
"قليلاً ما لي مزاج أخرج من الأوضة، وأساساً هسافر مصر بعد بكرة."
أبتلعت نرجس طريقة ياسمين السيئة في التحدث معها قائلة:
"مش يمكن تأجلي سفرك ده شوية لما تعرفي من الضيوف اللي عندنا؟"
تنهدت ياسمين بسأم قائلة:
"ومين الضيوف دول؟"
رغم حزن نرجس من طريقة معاملة ياسمين لها مؤخراً، ردت قائلة:
"الضيوف هما هاشم وجدته الست وجدان، قاعدين تحت في المندرة مع غالب وعواد."
نهضت ياسمين سريعاً من على الفراش قائلة:
"وهما هنا ليه؟"
ردت نرجس مبتسمة:
"هنا عشان يطلبوكي من غالب."
لم تصدق ياسمين، ربما سمعت خطأ. تحدثت قائلة:
"قولتي إيه؟"
أبتسمت نرجس واقتربت منها قائلة:
"زي ما سمعتي، هاشم كان جاء ليونس أنه عاوز يخطبك لما كان في مصر. واتصل على يونس امبارح وجاله أنه هييجي النهارده. ويونس جاء لي من شوية عالتلفون."
نظرت ياسمين بتعجب:
"هاشم كلم يونس قبل ما يجي هنا؟"
ردت نرجس مبتسمة:
"أيوه. ويونس هو اللي شجع هاشم وجاله عمي غالب عمره ما هيرفضك."
تعجبت ياسمين، يونس هو من أقنع هاشم ليأتي ويخطبها، ويونس هو من يوالس على زوجته في قضية قتل أخيها. عقلها في صراع، ماذا تصدق؟ يونس لم يوالس على زوجته رشيدة كما أخبرها يوسف. أنه التقى بيونس وأخذ منه معلومات أخرى غير التي قالتها همت.
وقفت ياسمين تفكر. لم تمكث مع رشيدة وقت كبير سابقاً، لكن حين كانت رشيدة في القاهرة، أقتربت منها قليلاً هي وأختها يسر. تعاملا معها بود كأنهن يعرفنها منذ سنوات. عقلها وقلبها اجتمعا معاً. لما صدقت حديث همت؟ همت لم تكن لها أماً، تركتها طفلة. من اعتنت بها هي نرجس وقدمت لها الحنان الذي افتقدته من والدتها الحقيقية التي أنجبتها. همت سمت عقلها بكذب كما قال لها يوسف. همت كان بإمكانها أن تبحث عنها وتأخذها لأحضانها، لكنها اختارت البعد. ولكن لماذا الآن أرادت أن تقترب منها هي ويوسف؟
لاحظت نرجس شرود ياسمين. وضعت يدها على شعر ياسمين قائلة:
"روحتي فين؟ يلا أجهزي وألبسي حاجة حلوة كده بسرعة عشان تدخلي لهم القهوة. أنا جولت للشغالة تعملها وجيت أنادي عليكي."
دون مقدمات، ألقت ياسمين نفسها تحتضن نرجس قائلة:
"سامحيني على طريقة تعاملي معاكي الأيام اللي فاتت."
تبسمت نرجس قائلة:
"أسامحك على إيه؟ أنا بنتي. أما تكون مضايجة، أزعل منها لأ، أتحملها لحد ما تيجي تقولي إيه اللي كان مضايجها. بس مش دلوقتي. خلينا ننزل عشان لازم العروسة هي اللي تقدم القهوة."
ابتسمت ياسمين وذهبت سريعاً إلى الدولاب وبدلت ملابسها، ثم نزلت بصحبة نرجس.
***
في المندرة، قال غالب:
"أنا عواد كلمني من كام يوم في أمر طلبك لأيد ياسمين، وجولت له إني موافق أجيب لك وتطلبها مني. بس موافقتي ليها شرط."
رغم ضيق عواد، تحدث قائلاً:
"شرط إيه؟ أنت مجولتش ليا على أي شرط."
قبل أن يكمل عواد حديثه، تحدث هاشم قائلاً:
"وأيه هو الشرط ده؟"
رد غالب:
"شرطي إنك ترجع لأرض النجع وتقعد فيه وتستلم عمودية النجع اللي اتخلى عنها يونس ولد عمك."
تعجب هاشم وكذلك عواد، وأيضاً جدة هاشم التي تحدثت قائلة:
"هاشم عمره كله عاشه في القاهرة وما يعرفش حاجة عن العمودية اللي بتقول عليها. وكمان هو بيشتغل في التنقيب عن البترول، يعني مينفعش يبقى عمدة."
رد غالب قائلاً:
"أنا هبقى معاه وهعرفه، مش مشكلة. ملهاش حل."
تحدث هاشم قائلاً:
"بس أنا مش موافق عالشرط ده ومش جاي عشان أعيش هنا. أنا أطلب ياسمين ويتوافق ونتفق على ميعاد للخطوبة أو كتب كتاب والفرح يكون بعد سنة. يا ترفض، أنما اللي بتقول عليه ده يبقى جنان. أعذرني في قولي."
رد غالب بحده:
"وأشمعنى الفرح بعد سنة؟"
رد هاشم:
"أنا مضيت على عقد لشركة خليجية ولازم أسافر خلال أيام، وأول إجازة ليا هتكون بعد سنة."
نظر غالب لعواد قائلاً:
"وأنت كنت تعرف قبل كده بالحديث اللي بيقوله ده؟"
رد هاشم:
"لأ، ميعرفش بيه. حديثي ده محدش يعرف بيه غير جدتي. ويونس هو اللي شجعني أتقدم لياسمين ونتخطب دلوقتي، ونبقى نتمم الجواز بعد سنة. تكون ياسمين قربت تخلص دراستها في الجامعة، نتجوز وبعدها تسافر معايا."
ضحك غالب ساخراً:
"بقى أنا عندي بنت واحدة أجوزها وأسيبها تسافر وتبعد عني؟"
رد هذه المرة عواد قائلاً:
"أنا من رأيي أن بعد ياسمين عن هنا أحسن لها. وكفاية يا غالب، بلاش تعيد قصة سارة وراجحى تاني. بلاش ياسمين تتعذب في حياتها زي سارة. عايشة زي الميتة، لا منها عاشت مع زوج بيحترمها، ولا حتى يونس قدر يستوعب مشاعرها له ودور على سعادته بعيد عن العيلة. ليه بتعجز هاشم؟ أنا لما جولت لك رحبت بالأمر، ليه دلوقتي بتحط العقدة في المنشار؟ ليه عاوز تكسفني قدام ولدي؟"
نهض غالب قائلاً بتعسف:
"أنا جولت شرطي، ويا يوافق وتكون ياسمين من نصيبه، يا هو حر ويستحمل نتيجة اختياره."
نهض هاشم قائلاً:
"أنا متأسف إني عطّلتك. يلا بينا يا جدتي."
رد عواد بخذلان:
"على فين يا ولدي؟ الدار دارك، هتبات فين؟ أنت وجدتك هتروحوا أوتيل ليه؟ الدوار هنا واسع والأوضة اللي تختارها."
رد هاشم قائلاً:
"متشكر. أنا هبات في دار يونس. أنا عامل حسابي من قبل ما آجي وقايل له."
نظر غالب له بحقد ولم يتحدث.
***
كادت ياسمين أن تدخل إلى المندرة وهي تحمل صينية موضوع عليها أكواب القهوة، لكن فُتح باب الغرفة فجأة لتصبح وجهاً لوجه مع هاشم. الذي أدار وجهه ناحية غالب ينظر له بلوم، وأعاد نظره إلى ياسمين ينظر لها بنظرة أسف. تجنب منها وخرج من المندرة وخلفه جدته التي ربتت على كتف ياسمين ثم غادرا الاثنان.
نظرت ياسمين لخطاهم بألم، فيبدو بوضوح أنهم لم يتفقوا. لم تشعر ياسمين بيديها وسقطت منها الصينية. وقع جزء من القهوة على قدمها. لم تشعر بحرقها، فهو حرق بسيط بالنسبة لحرقة قلبها التي تشعر بها. ولم تشعر أيضاً بنزيف تلك الشظية الزجاجية التي جرحت قدمها.
نظرت إلى والداها تحدثت قائلة:
"أنا مش مسامحاك، لا أنت ولا همت. هي رمتنا واحنا صغيرين، مسألتش فينا. وأنت بإيدك هدمت آخر طوبة كنت هبني عليها سعادتي. أنا هكمل دراستي وهفضل في مصر."
قالت هذا وغادرت المندرة هي الأخرى، وتصادمت بنفيسة التي نظرت لها بتشفّي.
بينما وقف يوسف يتحدث لغالب قائلاً:
"أنت بتخسرنا واحد ورا التاني عشان إيه؟ اسم الهلالية؟ أنا كرهت اسم الهلالية. ياريت تفوق يا أبوي، اسم الهلالية ما جاب لنا من وراه غير التعاسة. من أول راجحى اللي خلى اسم الهلالية فزاعة في النجع. أنا كنت معترض لما يونس ساب الدوار وطلع من هنا، بس أنا اتأكدت النهارده إن البعد عن دوار الهلالية هو السعادة بعينها. أنا كمان هنزل مصر مع ياسمين."
زفر غالب أنفاسه قائلاً:
"اسم الهلالية ده هو اللي خلاك تركب العربية اللي معاك وخلاك وسط شلة أصحابك يوسف بيه."
رد يوسف:
"لأ مش هو. أنا اكتشفت إن اللي كنت بالنسبة لهم يوسف بيه، شلة كذابين ومنافقين. طول ما معايا هيكونوا أصحابي، بس لما مبقتش أصرف عليهم، شافوا بيه تاني واتلموا عليه. بس أنا في بعدي عنهم كسبت نفسي. واللي نبهني عالطريق الصح كان يونس ولد عمي. وكمان هاشم. هاشم اللي لقيت نفسي لما قربت منه ومن جدته اللي كانت بتحتوينا في حضنها، وضحكنا وأكلنا. اللي دخلت هنا وأنت تعتبر هنتها لما فضلت تتشرط على هاشم. أنا كمان هروح عند يونس داره وهسافر من عنده. أنا بقيت بكره الدوار ده."
غادر يوسف هو الآخر. نظر غالب لعواد وتحدث بغلظة قائلاً:
"وأنت كمان مش هتسيب الدوار وتروح عند يونس اللي طلق بتك وفضل عليها بنت السلطان؟"
نظر عواد له ولم يرد وغادر المندرة حزيناً. أخاه استخسر فيه فرصة كانت ستقرب بينه وبين ولده. ألا يكفيه حزنه على ابنته التي تفقد عقلها مع الوقت. كما أنه خذله أمام ولده حين أعطاه موافقة مبدئية.
ظل بالمندرة غالب وحده يشعر بغضب الجميع يتخلون عنه. دخلت له نرجس وتحدثت قائلة:
"أنت بأنانيتك بتخسر كل اللي حواليك يا غالب. فوق. أنا في البداية كنت مدياك عذر، لكن دلوقتي لأ. أنت بتتصرف بحماقة. بدل ما تلمهم حواليك، بتبعدهم. أنت جولت لي في يوم إنك بتعشقني وأنا جولت لك مش بإيدينا، قلوبنا هي اللي بتختار. بس النهارده هقولك أنت كذاب يا غالب. عمر قلبك ما عشق. لو كنت جربت العشق، مكنتش هتقسى على بتك وكنت وافقت على هاشم ورحمت قلوبهم هما الاتنين."
غادرت نرجس هي الأخرى وتركت غالب وحيداً.
***
لكن تلك السماوية نفيسة، هذه فرصتها الكبيرة. دخلت إلى المندرة تتحدث قائلة:
"إيه ده كله عشان هاشم؟ وأيه يعني؟ أنا سمعت حديثك معاه بالغلط وأنا معدية بالصدفة. كلامك كان زين وموزون. لازم حد من الهلالية يبقى عمدة، ولا هيبتهم هتروح."
كانت ستكمل بسمها، لكن تحدث غالب بحسم قائلاً:
"مالكيش دعوة في اللي ميخصكيش. خليكي في بتك اللي كذبتي عليا وجولتي لي إنها خفت."
قال هذا وغادر، تاركاً نفيسة خلفه تشتعل بنار غلها لما دوناً عن الجميع ابنتها معتوه بسبب عشق لم يكن لها من البداية.
***
في دار يونس، استقبل يونس هاشم وجدته بترحيب. ذهبت تلك العجوز وجدان مع رشيدة إلى أحد الغرف. تحدثت رشيدة بذوق قائلة:
"أنتِ نورتينا يا حاجة. أنا عارفة إن عمي غالب كسر بخاطركم، بس بدعي ربنا يهديه."
ردت وجدان:
"قولي لي يا جدتي، زي ياسمين وهاشم. إحنا اتقابلنا مرة في القاهرة ومن وقتها دخلتي قلبي. يونس ربنا كرمه بيكي، على قد حنية قلبه وتفهمه للي حواليه واللي بيحبهم."
تبسمت رشيدة دون رد. تحدثت وجدان قائلة:
"أكيد في هنا تليفون وأكيد عارفة نمرة الدوار اللي كنا فيه. أنا عاوزاكي تطلبي لي ياسمين."
ردت رشيدة:
"حاضر. بس إياك أمي نرجس هي اللي ترد، مش العقربة نفيسة. هروح أجيب التليفون لأهنه وأيجي."
بعد دقائق، وضعت رشيدة سماعة الهاتف على أذنها تسمع رنين الهاتف إلى أن ردت إحدى الخادمات. طلبت منها التحدث إلى ياسمين وأخبرتها أنها إحدى صديقاتها.
بعد دقيقة تحدثت ياسمين. ردت رشيدة معرفة نفسها ثم قالت:
"جدتي وجدان عاوزة تكلمك، معاكي أهي."
تحدثت وجدان بلهفة قائلة:
"ياسمينتي الجميلة."
سمعت وجدان صوت بكاء ياسمين. أكملت حديثها:
"ياسمين الرقيقة حبيبتي، متزعليش نفسك. عارفة اللي حصل في مصلحتك. الواد هاشم عندي وأنا عارفاه، مش هيستسلم. وكمان خليه يتشحتف شوية زي ما شحتف قلبك وراه. أنا متأكدة إنه هيحارب عشانك. بس أنتي كمان خليكي معايا، متزعليش. بكرة تقولي جدتي وجدان قالت."
قالت ياسمين وهاشم لبعض:
"فاكرة لما كنت بقولك هيسلم في الآخر ويجيلك عاشق؟"
تبسمت ياسمين رغم عنها قائلة:
"أنا بحبك قوي يا جدتي. أنا مش عارفة لو مش مرات عمي نرجس وأنتي، كنت أكيد هخسر كتير."
تبسمت وجدان قائلة:
"يبقى نروق كده، وأنا متأكدة إن هاشم من نصيبك، حتى لو سافر من غير ما يتمم خطوبتكم. هفضل بينكم مرسال لحد ما أجوزك. بس قصاد كده، أول بنت يجيبوها يسموها وجدان. مش تقولي لي اسم قديم."
تبسمت ياسمين:
"أحلى اسم يا جدتي. أما أنزل القاهرة، هجيلك."
ردت وجدان:
"تنوري يا روحي."
وضعت ياسمين سماعة الهاتف. تبدل حالها من الحزن الشديد إلى التفاؤل والأمل.
وضعت أيضاً نفيسة سماعة أخرى للهاتف، كانت تتجسس على حديثها. تبسمت بسخرية قائلة:
"حلو قوي قوي جو مرسال الحب ده. أما أشوف آخرتها إيه. الكل عمال ياخد حظه وأنا بتفرج. وحظ بتي اللي جبتها بطلوع الروح، العشق يخلي عقلها يروح منها."
***
بدار يونس. تبسمت رشيدة قائلة:
"والله كلامك كيف البلسم. أكيد زمانها هدّت. دي أمي نرجس كانت اتصلت عليا وأنتم داخلين على الباب وجالت إنها بتبكي. ربنا يخليكي ليهم ويجمعهم ويفرح بيهم."
تبسمت وجدان قائلة:
"الكلمة الحلوة دوا بتشفي أسرع من الطبيب."
***
في المندرة. جلس يونس يقول:
"كنت متوقع عمي غالب يرفض. مكنش لازم تقول له إنك تعرف بعقد العمل ولا إني أنا اللي جولت لك تتقدم لياسمين."
رد هاشم:
"من قبل ما أتكلم عليك، شرطه إني أرجع هنا. أرجع فين؟ حياتي كلها هناك في القاهرة. وكمان دلوقتي لازم أسافر بعد أيام ومش عارف هعمل إيه. أنا كان نفسي يكون بيني وبين ياسمين ارتباط رسمي، إن شاء الله خطوبة أو قراية فتحة."
تبسم يونس قائلاً:
"ومين قال إن مفيش بينك وبين ياسمين ارتباط رسمي؟ متنساش إنها بنت عمك. حتى لو كانت الظروف أو القدر بعد بينا زمان، بس هو نفس القدر اللي قربنا من بعض. خلى أملك في الله كبير، وأدعي عمي غالب تزول من على عينه الغشاوة ويرجع كيف ما كان قبل كده."
***
على الهاتف. تحدثت همت بفرحة تقول:
"أنت متأكدة من اللي بتقوليه ده يا نفيسة؟ يعني هاشم ويوسف الاتنين وقفوا ضد غالب؟ وطبعاً الاتنين لجأوا ليونس. وطبعاً غالب شايط."
ردت نفيسة:
"غالب مش طايق نفسه. حتى ياسمين جالت له إنها هتنزل لمصر وهتفضل هناك. حتى حبيبة القلب نرجس دخلت له تلومه، مسمعش لحديثها وساب الدوار من وجهها ولحد دلوقتي مرجعش. ونرجس مع ياسمين في أوضتها من وجهها، معرفش بتعمل إيه. يظهر ياسمين كانت عاشقة لهاشم."
توقفت نفيسة تأخذ نفساً ثم تحدثت بسخرية:
"يظهر مقابلتك لهم مكنتش ليها أي داعي. أنا لما شفت ياسمين الأيام اللي فاتت بتتجنب نرجس وبتصدها في الحديث، جولت إنها كرهتها. بس بعد اللي عمله غالب، نرجس رجعت للحضن الحنين من تاني. دا غير الست اللي اسمها وجدان كلمت ياسمين عالتليفون وهدتها وراقت نفسيتها، وأهي قاعدة هي ونرجس في أوضتها يتسايروا."
ردت همت قائلة بغل:
"لو مكنش خداعك زمان، كان من السهل عليا طرد نرجس. لكن أنتي زمان لعبتي ضدي، وها إحنا الاتنين بندفع التمن. بتك عقلها رجع ولا لسه زي ما هو؟"
ردت نفيسة بغيظ وتلبك:
"أنا زمان ساعدتك، بس القدر هو اللي خلف معانا. مالوش لازمة حديثك ده. بتي عقلها شت من عمايل ولدك راجحى فيها وضربه اللي كان بسبب ومن غير سبب. متفكريش إني مكنتش عارفة إنك كنتي بتسلطي راجحى يضربها. وأهو ربنا رد لك الضربة في قلبك يا همت. ودي آخر مكالمة بينا، وبعد كده متطلبيش مساعدتي. أنتي كل خططك فاشلة وأنا خلاص مش هساعدك تاني."
أغلقت نفيسة الهاتف بضيق قائلة بتعاير:
"بتعايريني ببتي يا همت؟ طب خلاص بقى شوف مين هيساعدك ولا هيديكِ أخبار هنا."
بينما همت زفرت أنفاسها بغيظ وتحدثت:
"دورك جاي يا نفيسة. مفكرة إني من غيرك مش هعرف إيه اللي بيحصل في الدوار؟ غلطانة. أنا ليا عين تانية عندك."
***
بغرفة يونس. وضعت رشيدة الصغير في مهده واتجهت إلى الفراش جوار يونس الذي فتح لها ذراعيه لتنام عليها. ومال عليها يقبلها قائلاً:
"أنا كل ما الوقت بيعدي، بعشقك أكتر."
تبسمت رشيدة قائلة بدلال:
"عارفة، وأنا كمان زيك. بس ليا سؤال. ليه خليت يوسف يرجع للدوار بعد ما كان مش عاوز يرجع؟"
رد يونس:
"عشان يوسف مكانه هناك في الدوار. وكمان عشان عمي غالب لو يوسف مرجعش، هيعند أكتر. أنا عارف عمي غالب، هو بيحاول يلم ولاد الهلالية، بس طريقه غلط. هاشم حياته كلها بعيد عن هنا، ويوسف لسه محددش طريقه. وأنا مقدرش أستغنى عن بنت السلطان. وحتى عمي عواد حياته تقريباً بقت في القاهرة من زمان، وإن كان بييجي هنا زيارات. هو حاسس إنه بقى وحيد وإننا اتخلينا عنه وعاوز يجمعنا. صحيح الطريقة غلط، بس هو ده تفكيره. وكمان لما جولت إن الست وجدان كلمت ياسمين وشكلها هدتها، جولت مفيش داعي يوسف يفضل هنا، خليه جنب ياسمين هناك. وكمان عمي أما هيشوفه هناك، هيهدى شوية مع الوقت."
نظرت رشيدة له مبتسمة. تبسم يونس قائلاً:
"بسمتك دي هي الأمل بالنسبة لي، وميحرمنيش منها."
مال عليها يقبلها، قُبلات ناعمة وذهبت معه لجنة عشقهم. بعد وقت جذبها لتنام على صدره. وضع يده على بطنها بحركة تلقائية، لكن لا تعرف ما سبب رجفة الخوف التي سارت بقلبها.
***
مضت أيام وخلفها أخرى. تبدل الشتاء وعاد ربيع متقلب. يوم بارد ويوم شارد. صباحاً في منزل يسر. دخلت نوارة عليها وجدتها انتهت من ارتداء زي المدرسة. تحدثت قائلة:
"وأنتِ راجعة من المدرسة، أبقى فوتي على رشيدة. بتقول من زمان مشفتكيش واتوحشتك."
تبسمت يسر قائلة:
"وهي كمان. وكمان الواد حسين من يجى شهر مشفتوش. أمتى السنة دي تخلص بقى وخلص الثانوية العامة وأرتاح."
تبسمت نوارة بحنان:
"ربنا ينجحك وتدخلي الجامعة زي رشيدة وصفوان. هروح أحط الفطور، زمان أمي صحت وهتنادي عليا وتقول إني بستخسر فيكم الأكل."
ضحكت يسر. تركت نوارة يسر في الغرفة. أكملت يسر وضع كتبها في الحقيبة وأمسكت ذلك السكين التي تضعه في الشنطة معاها منذ مدة. وضعته على الفراش قائلة:
"الحقير أمجد من مدة بطل يطاردني. ملوش لازمة آخد السكينة معايا."
وقفت تنظر للسكين لدقيقة، لكن دخول صفوان جعلها تضع السكين في الحقيبة سريعاً. تبسم صفوان قائلاً:
"يلا، الفطور جهز لبنت السلطان الصغيرة."
***
في نفس الوقت، في منزل ناجي الغريب. أخرج أمجد حصانه من الإسطبل مبتسماً يقول:
"النهاردة يا بنت السلطان هتكوني ليا. صبرت كتير، بس ها النهارده نتيجة العمودية، وأكيد أبوي هيفوز بيها وماحدش هيبقى أعلى منه في النجع. لا يونس ولا غيره. خلاص صبري انتهى. مش أمجد الغريب اللي ياخد منه يوسف الهلالي حاجة عاوزها."
***
بعد قليل، أثناء ذهاب يسر إلى المدرسة، وجدت فجأة أمامها من يقطع الطريق بعربة صغيرة تجرها حصان.
تحدثت قائلة:
"إيه؟ مش كنت بطلت خصلتك السوداء دي؟ إيه رجعك تاني؟"
رد بتكبر قائلاً:
"وحشتيني، ومن زمان متقابلناش. إيه، موحشتكيش؟"
ردت يسر:
"ابعد عني وافتح الطريق، خليني أعدي. أنا هتأخر ع المدرسة."
فوجئت يسر به ينزل من على الفرس ويقترب منها قائلاً:
"أنا مش هفتح الطريق عشان تروحي المدرسة، أنتي هتيجي معايا."
قبل أن ترد يسر، هجم عليها وأخرج منديلًا من جيبه ووضعه على أنفها، جعلها تغيب عن الوعي. حملها أمجد ووضعها بالعربة وقام بتغطيتها.
***
بالدوار. رد غالب على الهاتف ليبتسم وهو يسمع لمن يهاتفه ثم يقول بشكر:
"متشكر جداً لمساعدتك، وأكيد أتمنى المصلحة والمنفعة للنجع."
***
تعجب يونس قليلاً وهو يرد على الهاتف ويتحدث مع من يهاتفه إلى أن انتهى. وقفت إلى جواره رشيدة التي تحمل الصغير قائلة:
"مين اللي كان بيتصل؟"
رد يونس:
"ده اتصال من المشيخة والعمودية. النائب بيقول لي إنهم عاوزيني ضروري ولازم أروح أشوفهم عاوزيني ليه."
ردت رشيدة بتعجب:
"وهيكونوا عاوزينك في إيه؟ على العموم، يا خبر بفلوس، يلا خلينا نفطر وبعدها أبقى روح."
مد يونس يده وأخذ الصغير من رشيدة التي شعرت بدوخة وكادت أن تقع لولا أسندها يونس قائلاً بلهفة:
"مالك؟"
ردت رشيدة:
"مفيش، أنا زينة بس تلاجني واخده برد من تغير الجو. يوم سقعة ويوم دفء. يلا ربنا يسهل."
تبسم بمكر قائلاً:
"ومش يمكن تكوني حامل تاني؟"
ردت بنهي:
"أكيد لأ، ده برد ويومين وهبقى زينة."
تبسم يونس قائلاً:
"لو فضلت بالشكل ده يومين، أنا هاخدك للدكتورة وهتأكد الشك باليقين."
***
قبل الضهر بقليل، في مشيخة العمودية. تعجب يونس قائلاً:
"إزاي؟ يعني أنا رجعت عمدة النجع من تاني، بس أنا مرشحتش نفسي."
رد الآخر قائلاً:
"بس إحنا استقصينا في النجع ووجدنا إنك أكتر شخص ينفع يكون عمدة. ومن النهارده هترجع تستلم مهام عمدة النجع. وأتمنى لك التوفيق."
تبسم يونس وهو يمد يده بالسلام، مرحباً بعودته عمدة النجع مرة أخرى. رغم استغرابه للأمر، ولكن لا يهم، المهم هو مصلحة النجع وهو أكثر دراية بها.
***
بمنزل ناجي الغريب. غليل ووعيد. كيف رسب في تصويت العمودية؟ هو قام برشوة الكثيرين، ولكن في النهاية فشل في اقتناص العمودية له. كانت ستسهل له أمور كثيرة. الأدهى عودة يونس للعمودية مصيبة كبيرة. يونس عادت له سلطته القديمة، سيعود بكل قوته مرة أخرى. الظل الذي كان يريد أن يستظل به انتهى. لابد من وجود حل. فكر قليلاً ليهتدي للعبة نتيجتها قد تكون في صالحه.
***
فاقت يسر. نظرت حولها وجدت نفسها مربوطة من ساقيها بحبل مربوط بالحائط، وكذلك يديها. تجلس على الأرض. نظرت حولها بتتمعن لتعرف أين هي، لم تعرف، ولكن علمت أن هذا المكان هو أشبه إسطبل للخيل، يبدو مهجوراً.
صرخت:
"ألا أحد يسمعني ويأتي لنجدتي!"
لكن دخل ذلك الخبيث الوضيع أمجد يضحك عالياً. يتحدث بسخرية قائلاً:
"مهما صرختي محدش هيسمعك. مفيش في الإسطبل ده غيري أنا وأنتي."
رغم شجاعتها الواهية قالت:
"ليه خطفتني يا أمجد؟ أنت مش عارف عقاب ده إيه؟"
رد أمجد ساخراً:
"عقابه إيه؟ محدش يقدر يحاسبني."
اقترب أمجد من يسر، يضع يده على خد يسر يتحدث وهو ينظر لها باشتهاء قائلاً:
"إيه مفكراني كنت غافل عنك الفترة اللي فاتت؟ تؤتؤ، متعرفنيش. مش أمجد الغريب اللي يكون نفسه في حاجة ويسيبها لغيره. فكراني مش ملاحظ نظرات الإعجاب اللي بينك وبين يوسف ولد الهلالي؟"
ضحك عالياً يقول:
"أنتِ ليا. زمان جولت لك نضرب عرفي، مرضيتيش. بس النهارده حتى العرفي أنا مش عاوزه، مالوش لزوم."
اقترب أمجد أكثر منها ونزع الحجاب من على رأسها. انسل شعرها الحريري متوسط الطول. وضع رأسه بين حنايا عنقها يلثمه بقبلات قذرة. زحفت يسر وحاولت العودة للخلف والابتعاد عنه. ترك أمجد عنقها ووقف يضحك بسخرية:
"فين ولد الهلالي اللي كنتي بتتحامى فيه؟ محدش النهارده هيحميكي مني."
مال مرة أخرى عليها ومسك شفتيها بين يديه قائلاً:
"بس قبل ما آخد اللي عاوزه، هتسلى شوية."
كاد أن يقبل شفتيها، لكن أبعدت وجهها عنه وتحدثت قائلة:
"سيبني يا أمجد وبلاش تتعب نفسك، لأنك عمرك ما هطولني غير بموتي."
قهقه أمجد قائلاً:
"وماله، أما آخد اللي عاوزه أبقى موت بعدها."
ناجت يسر ربها أن ينقذها من براثن ذلك الحقير. الآن لن ينقذها سوى قوة إلهية.
***
بعد أن انتهى اليوم الدراسي، خرج يونس الصغير من مدرسته يسير مع أحد أصدقائه. وقف أمامه أحد الغفر قائلاً:
"يونس بيه، جالي أجي آخدك من المدرسة."
رد يونس الصغير قائلاً:
"بس عمي مقاليش. وبعدين أنت من الدوار وأنا مع عمي في دار تانية."
رد الغفير:
"ما هو عمك بعتني عشان كده. هو اتصالح مع جدك غالب ورجع الدوار وجالي أجي آخدك."
صدق الصغير حديثه متبسماً وسار معه إلى أن وقف أمام سيارة قائلاً:
"يلا أركب عشان نوصل بسرعة."
ركب الصغير السيارة. بمجرد أن دخل، تملكه الخوف الشديد وارتعش جسده. أدار وجهه مرة أخرى وأمسك مقبض باب السيارة ليهرب من نظرات سارة القاسية. لكن شدته سارة قائلة:
"على فين؟ أنت هتجي معايا. اطلع يا غفير."
حاول الصغير الصراخ، لكن وضعت على وجهه مادة مخدرة جعلته يغيب عن الوعي.
***
بذلك الإسطبل. جلس أمجد يتعاطى بعض أنواع المخدرات، ينظر ليُسر المربوطة يتسلى بدموعها واستنجادها بالله. تعاطى أكثر من نوع بين استنشاق وحبوب متنوعة. كانت تناجي ربها بأذكار وأغمضت عينيها تتخيل نفسها كما كانت تريد يوماً أن تحلق مع الطائرة في السماء، ولكن هذه الأمنية لن تتحقق. فتحت عينيها حين سمعت صوت ارتطام قوي على الأرض أمام قدمها. كان هذا الارتطام هو سقوط جسد أمجد أمام قدمها يتشنج جسده بقوة ويرتجف. يضع يديه على صدره يحاول التنفس ولكن لا يستطيع. ظل هكذا لدقائق قبل أن ينتفض جسده قوياً ثم يخمد، لا يتحرك.
نظرت يُسر له بخوف شديد تناديه قائلة:
"أمجد، أمجد."
دموعها تسيل. نظرت حولها خافت أن تصرخ فيدخل آخر يستغل وضعها. وقعت عيناها بالصدفة على حقيبتها الملقاة قريباً منها. زحفت إلى أن اقتربت منها. سحبتها بفمها وقامت بفتحها بفمها. أخرجت الكتب إلى أن عثرت على السكين. مسكته بين أسنانها وقامت بقطع الحبل المربوط حول يديها ثم حررت ساقيها بعدها. حاولت الوقوف ولكن وقعت أكثر من مرة إلى أن تمالكت نفسها. أنجنت تنظر إلى أمجد وضربت بيديها على خدي أمجد تقول باستجداء:
"أمجد، فوق، أصحى."
مالت برأسها على صدره تسمع دقات قلبه، لكن لا يعطي أي حياة. وضعت كفيها على صدره تقوم بتنفس صناعي له، لكن لا جدوى، لا يعطي أي إشارة للحياة. ارتاعت لكن فكرت سريعاً. قامت بارتداء حجابها مرة أخرى ثم لملمت كتبها في حقيبتها، لكن تركت السكين، لم تنتبه له. خرجت مسرعة نحو باب الإسطبل. نظرت حولها لم تر أحد. خرجت من الإسطبل مسرعة وهي تتلفت حول نفسها. عقلها لا يستوعب كيف أنقذها القدر اليوم من مصير مهلك. لكن فجأة وهي تسير تذكرت تلك السكين، فكرت أن تعود لتأخذها، ولكن نفضت الفكرة وسارت في طريقها عائدة للمنزل.
***
بدار يونس. قبل أن يدخل إلى الداخل وجد صبحى يقف على البوابة قائلاً:
"مبروك يا يونس بيه. والله فرحت أما رجعت العمدة من تاني."
تبسم يونس قائلاً:
"لحق الخبر يوصلك يا عم صبحى. عموماً متشكر."
دخل إلى الدار قابل أنهار وهي تحمل صغيره. تبسم وهو يأخذه قائلاً:
"فين رشيدة؟"
ردت أنهار:
"الست رشيدة في الجنينة. أنا كنت هاخد حسين لها ترضعه."
تبسم يونس:
"خلاص، هاخده أنا وحضري انتي الغدا. يونس الصغير رجع من المدرسة ولا لسه؟"
ردت أنهار:
"لسه، زمانه على وصول. بيجي يلعب مع أصحابه قبل ما ييجي. هروح أحضر الغدا يكون هو وصل."
أخذ يونس صغيره وذهب إلى الحديقة. تبسم وهو يرى رشيدة تعمل على تقليم بعض الورود وأيضاً تنظيف الحديقة وتقوم بزراعة بعض البذور. تحدث قائلاً:
"شايف يا حسين أمك بتحب الأرض جوي وبتحب تخضرها، عاوزك زيها كده تزرع ديما الخير."
أبتسمت وهى تنفض يديها من التراب وتذهب إلى مكان وقوفه قائلة:
"خلصت زراعة. بدرت نوع من الورد وكمان ريحان جديد، وقلمت شجر الورد وكمان زرعت عُقل ورد جديدة. أهو درس عملي على اللي بقراه في الكتب."
تبسم يونس قائلاً:
"كويس جوي. أهو الكتب بتزيدك خبرة. المهم دلوقتي حسين بيه جعان."
تبسمت قائلة:
"هغسل أيدي وأخده منك."
ذهبت إلى صنبور بالحديقة وغسلت يديها وعادت وأخذت الصغير منه وجلست تحت ظل أحد الأشجار. تحدثت وهي تنظر ليونس:
"كانوا عاوزينك ليه في مشيخة العمودية؟"
تبسم يقول:
"في رأيك كانوا عاوزيني ليه؟"
ردت رشيدة:
"معرفش."
رد وهو ينظر بعينيها قائلاً:
"رجعوني عمدة تاني."
نظرت له بتعجب قائلة:
"قصدك إيه؟"
رد يونس:
"يعني رجعت حرم العمده تاني يا بنت السلطان."
تبسمت تقول:
"مش فاهمه. أنت أكيد بتهزر."
رد قائلاً:
"لأ مش بهزر. مشوفتيش صبحى بره الدار؟"
تبسمت قائلة:
"بجد رجعوك عمدة من تاني؟ والله أحسن خبر سمعته من مدة."
رد بمزح:
"ليه؟ كان نفسك ينادوكِ مرات العمده؟"
تبسمت قائلة:
"لأ. أنت عارف إني ميفرقش معايا، بس أنت ومعاك العمودية هتقدر تتصرف في أمور كتير لصالح النجع."
جلسا يتحدثان بمرح ويلعبان مع صغيرهم. إلى أن أتت أنهار قائلة:
"الوقت اتأخر ويونس مرجعش."
تعجب يونس قائلاً:
"مش يمكن بيلعب مع أصحابه."
ردت أنهار:
"لأ، أنا أكدت عليه يرجع يتغدى الأول وبعدها يبجى يرجع يلعب مع أصحابه من تاني. بس هو اتأخر. أنا هروح أشوفه إن كان بيلعب أجيبه."
رد يونس قائلاً:
"تمام."
ردت رشيدة:
"متقلقيش، أكيد هتلاقيه مجابلك في السكة."
بعد قليل، دخلت أنهار تقول:
"الحق يا يونس بيه! واحد من صحاب يونس بسأل عليه، جالي إن غفير من الدوار جاله إنه بعته ياخده."
انتفض يونس قائلاً:
"متأكدة من كده؟"
ردت أنهار:
"أيوه."
خرج يونس سريعاً من الدار. ظلت رشيدة تقف مع أنهار التي تبكي تواسيها قائلة:
"متخافيش، أكيد جده غالب خده يشوفه وهيرجعه تاني، ويونس راح له وأكيد هيرجعه تاني."
بعد قليل دخل يونس إلى الدار. طلب من إحدى الخادمات مقابلة غالب بيه. دخل غالب إلى المندرة حين رأى يونس انشرح قلبه. لكن تحدث يونس قائلاً:
"فين يونس الصغير يا عمي؟ واحد من صحابه قال إن غفير من عندك خده من قدام المدرسة."
رد غالب بتفاجؤ:
"محصلش. أنا مبعتش حد للمدرسة."
نظر يونس له غير مصدق قائلاً:
"بس صاحب يونس جاله إني أنا وأنت اتصالحنا وهو ركب معاه العربية."
رد غالب مندهشاً يقول:
"ليه مش عاوز تصدقني؟ هنادي لك عالسواق."
نادى غالب على السائق، أتى سريعاً. تحدث إليه قائلاً:
"أنا طلبت منك تروح تجيب يونس بيه الصغير من المدرسة."
رد السائق قائلاً:
"لأ جنابك."
تحدث غالب وهو ينظر إلى يونس وصاحب يونس:
"معرفش مين الغفير اللي اتحدث معاه وخده."
تحدث يونس قائلاً:
"لأ، ما يعرفوش. أنا روحت له وسألته بنفسي قبل ما آجي. أرجوك يا عمي، بلاش تبعد يونس عن أنهار. معايا أفضل له عن هنا."
رد غالب:
"ليه مش عاوز تصدقني؟"
وقبل أن يكمل غالب حديثه، تحدث السائق قائلاً:
"أنا شفت الست سارة خارجة وكان في عربية مستنياها على أول الشارع وكان معاها غفير من هنا."
رد غالب قائلاً بتجول بخصوصه:
"إيه؟"
نظر غالب ويونس إلى بعضهما، ليدخل إلى قلبيهما الخوف الشديد إذا تأكد ما يظناه. فيونس الصغير بخطر كبير.