تحميل رواية «طلاق بائن» PDF
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
امتى بقى يا حبيبي تطرد البومة اللي عندك دي ونتجوز أنا زهقت! متقلقيش يا حبيبتي خلاص أنا قربت امضيها على ورثها من أبوها الله يرحمه وأول ما تمضي وكل حاجة تبقى بتاعتي هطلقها وأرميها ونتجوز. نفخت بضيق: بقالي فترة بتقولي كدة أنا جبت أخري، امتى بقى! توسلها قائلاً: خلاص هانت والله يا حبيبتي المشكلة علشان أبوها اتوفى من قريب الدنيا كانت زحمة ومعرفتش أقعد أتكلم معاها اصبري عليا النهاردة بس. أغلق معها الهاتف وهو يعتزم تنفيذ ما خطط له اليوم فلقد مل من هذا الوضع ويرغب في التخلص منه في أسرع وقت ممكن والحصول ع...
رواية طلاق بائن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ديانا ماريا
سألتها إسراء بفضول: فكرة إيه قوليلي؟
قالت حلا بنفاذ صبر: مش وقته هتعرفي وقتها بس لازم شادي يكلم مالك ضروري مبقاش فيه وقت يا إسراء الأيام بتعدي.
قالت إسراء بروية: حاضر هقوله يكلمه يجي الصبح.
أغلقت معها الهاتف وهي تنتظر طلوع الصباح بفارغ الصبر، هبطت لأسفل فوجدت بسام يتناول الإفطار مع عمه ووالدته.
دعاها فهمي لتنضم لهم: تعالي افطري معانا يا بنتي واقفة عندك ليه.
ذهبت لتجلس بجانب بسام وبدأت تأكل في صمت فنقل فهمي بصره بينهما وقال بنبرة غامضة: صحيح أنا لقيت بسام نايم هنا امبارح حصل حاجة بينكم؟
ارتباك بسام وترك طعامه فإذا علم عمه أنه نام عندهم بسبب فأر فلن يتردد عن تحقيره.
نظرت حلا لبسام ثم حدقت لفهمي وقالت بثبات: امبارح كنت عصبية وحاسة بالضغط وبسام نزل يبات هنا علشان متحصلش بيننا مشاكل.
رفع فهمي حاجبه وهو يحدق لبسام كأنه لا يصدق ما يسمعه عن تصرفه ثم وجه نظراته لحلا وقال بحزم خفيف: على العموم يا بنتي لازم يبقى عندك حُسن تصرف أحسن من كدة مينفعش الراجل يبات برة بيته أبدا خصوصا لو فيه مشاكل.
تحكمت حلا في لسانها حتى لا تسأله بسخرية ماذا سيقول إذا عن الرجل الذي يقضي الليلة عند عشيقته!
نظر بسام لحلا من زاوية عينه وشعور من الامتنان يجعله يرغب في شكرها لأنها أنقذته مرة أخرى أمام عمه وتذكر معاملة جالا التي قللت من شأنه وشخصيته.
علمت حلا ما يفكر به ناحيتها لذلك بدأت في تناول طعامها بهدوء وابتسامة خفيفة تتكون على ثغرها، إنها تشعر أن الخطة التي تتبعها الآن هي أنجح من أي طريقة هجوم يمكن أن تُمارسها على بسام أبدا وهذا ما سيسهل لها الوصول لهدفها كثيراً.
كانت جالا جالسة تفكر بأنها يجب عليها مصالحة بسام ولا تترك له الفرصة ليفكر حتى لا ينقلب ضدها لذلك اتصلت به على الفور.
رن هاتفه بينما كان يأكل لذلك توقف وأخرجه، كاد الطعام يقف في حلقه حين رأى إسم جالا على الشاشة ونظر للأشخاص على الطاولة بتوتر، شعرت حلا بتوتره وأحست بأنها جالا من تتصل به لذلك نظرت له باستغراب مصطنع: في إيه يا بسام ما ترد.
رد باضطراب ونسى أن فمه ملئ بالطعام: ااه اه هرد أهو.
نظر له فهمي بإشمئزاز بسبب الطعام الذي تناثر من فهمه على الطاولة وقال بعتاب: من أول ما الطفل بيبقى يفهن بنعلمه ميتكلمش والأكل في بوقه، شوف اللي أنت عملته دلوقتي.
نظر له بسام بضيق ونهض ليرد بينما نظرت حلا لفهمي وقالت برقة: معلش ياعمي اعذره أنت عارف أنه بسام عفوي شوية.
هز فهمي رأسه بيأس: وهيفضل لحد امتى!
قالت والدة بسام بدفاع: أنت شايفه بقاله فترة مش بيعمل حاجة تضايقك متبقاش قافش عليه أوي كدة يا حاج.
نظر لها فهمي بصرامة: أنا بعلمه علشان يبقى راجل، لو كان متعلم كان زماني ريحت نفسي من وجع القلب.
قال بسام ببرود: نعم عايزة إيه؟
ردت جالا بصوت باكي: بسام لو سمحت ممكن تيجي بسرعة؟
تعجب من نبرة صوتها وقال بقلق: فيه حاجة؟ مال صوتك؟
توسلته قائلة: تعالى الأول وهتعرف كل حاجة.
تنهد وأجاب: ماشي مسافة السكة وجاي.
استأذن منهم بسام وأخبرهم أنه ذاهب لصديق له لأمر عاجل ثم غادر فابتسمت حلا ببرود لأنها تعرف وجهته الحقيقية.
قال لها فهمي بتعاطف: والله يابنتي ربنا يعينك.
اتسعت ابتسامتها وهي تنهض حتى تغادر بدورها لبيت إسراء: يارب ياعمي بس صدقني بسام متغير كتير.
بينما تعطيه ظهرها أحست وكأنها تصل لهدفها فأمام فهمي والذي بلا شك سيخبر كل العائلة هي الزوجة المعطاءة التي تتفهم طيش زوجها وهذا أهم عامل أرادت تحقيقه.
وصل بسام لشقة جالا ففتحت له الباب وسحبته من ذراعه وهي تقول بسرعة: أدخل بسرعة يا بسام.
أغلقت الباب بقوة فنظر لها بسام بدهشة، استندت على الباب بابتسامة عريضة وقالت بدلال: وحشتني.
نظر لها بسام وتفحص مظهرها بدهشة فقد كانت ترتدي فستان جميل طوله فوق الركبة وتضع مساحيق التجميل بعناية ولا يدل مظهرها على حدوث شيء مقلق.
عقد حاجبيه باستغراب: أنا فكرت فيه حاجة.
اقتربت منه وتلاعبت بأزرار قميصه وهي تقول بعبوس: يعني فيه حاجة أكتر من أنك وحشتني وعايزاك معايا.
رفع حاجبه باستهزاء: امبارح مكنش عاجبك غبائي.
رفعت عيونها إليه بعبث محبب له: أنت عارف إني عصبية شوية لأني كنت خايفة خطتنا تبوظ وأحنا بقالنا سنين مستنيين.
ثم وضعت رأسها على صدره وتابعت: بس رجعت فكرت في غلطي مينفعش أسيبك تزعل مني أبدا أنا بحبك من سنين يا بسام.
شعر بالتشتت ثم لف ذراعيه حولها وابتسم: وأنا مقدرش أزعل منك أبدا.
لمعت عيونها بالنصر لنجاح خدعتها، جلس بسام براحة: طب بقولك فيه حاجة نشربها سوا؟
ضحكت جالا: عيوني كل اللي تطلبه.
ذهبت للمطبخ وأحضرت بعض المشروبات ثم عادت لتجده ممسك هاتفه ويقول بحنق: أنت إيه حكايتك أنا شكلي لازم أجيب تليفون جديد.
سألته بتعجب وهي تضع الصينية أمامه ثم تجلس بجانبه: فيه إيه؟
قال لها بسام بانزعاج: التليفون من امبارح مش عارف ماله فيه حاجة عمالة تختفي زي صور ومحادثات ومش لاقيه شكله هنج.
فكرت جالا فيما يمكن أن يكون الخطب ثم توسعت عيونها بذهول، اختطفت الهاتف من بسام على الفور وفتشت فيه للحظات قبل أن تنهض وتلقيه على الأرض، دعست عليه بقوة عدة مرات حتى تحطم لأجزاء.
نظر بسام بصدمة لما فعلته ثم نهض وقال بعصبية: إيه اللي عملتيه ده!
صرخت جالا في وجهه باهتياج: إيه اللي عملته! إيه اللي أنت عملته ده هتودينا في داهية! أنا أنقذتنا طالما طول عمرك هتفضل مستهتر تليفونك متهكر يا بيه!
رواية طلاق بائن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ديانا ماريا
نظر لها بسام بعدم تصديق: متهكر إزاي يعني؟
كادت جالا تنفجر من شدة الغيظ من سذاجته: يعني متهكر يا أستاذ! يعني كل حاجة عليه متراقبة وعند حد تاني بيتجسس عليك وعارف كل أسرارك! طالما فيه شاتات وصور مختفية يبقى حد سحبهم!
عقد حاجبيه لأنه لا يستوعب من يمكن أن يهكر هاتفه هو ولماذا سيفعلها؟ ماذا سيستفيد من ذلك؟
قال لجالا باستغراب: طب ليه؟ أنا أصلا يعني معنديش حاجة تهم حد!
فكرت جالا بانفعال حتى توصلت لاستنتاج معقول نظرت لبسام بحدة: لا طبعًا مين قال ده أنت عندك حاجة مهمة أوي! أنت نسيت أنه حلا عارفة أنك بتخونها يبقى أكيد هي اللي عملتها علشان تعرف أنا مين!
فكر بسام لبعض الوقت هل يمكن أن يكون ذلك حقيقي؟ حلا تلعب من ورائه وتظهر أمامه بنية غير التي بداخلها؟
قالت له جالا بحدة: أنت لازم تروح دلوقتى وتلاقي طريقة تعرف بيها الحقيقة ولازم ننفذ خطتنا في أسرع وقت ممكن أنت فاهم؟
نظر لها بعبوس ولم يجب وهو يفكر أحقا حلا تكون قد فعلتها؟
ضرب مالك بقبضه على المكتب أمامه بعنف أنه لا يعلم متى أغفل ووقع في خطأ كلفه الآن انقطاع اتصاله بهاتف بسام! لابد أنه علم الآن أنه كان مخترق لذلك عليه تحذير حلا لتتصرف.
برغم أن لديه رقم هاتفها إلا أنه لم يرد الاتصال به من قبل حتى لا تنزعج ولكن الآن ليس لديه خيار آخر فلا وقت حتى يخبر شادي وينتظر إخباره لحلا.
اتصل بها على الفور فردت حلا باستغراب لأن الرقم غريب عليها: السلام عليكم مين معايا؟
قال مالك باستعجال: أنا مالك يا مدام حلا بعتذر أني بتصل عليكِ بس فيه أمر ضروري لازم تعرفيه.
دُهشت حلا حين سمعت صوته فرددت بدهشة: مالك؟ فيه إيه؟
رد مالك بجدية: أنا فقدت السيطرة على تليفون بسام وغالبا كده اكتشفوا أنه متهكر، أنا اتصلت أحذرك لأنه أكيد ممكن يشكوا فيكِ علشان محدش له مصلحة لكده غيرك.
ذعرت حلا مما سمعته وردت بتوتر: طب أنا المفروض أعمل إيه ده أنا حتى لحد دلوقتي ملقيتش الورق!
تنهد مالك يحاول التفكير حتى يعطيها حل لتهدأ: أنا هكلم حسام النهاردة لو الورق ده لازم وضروري بس أنتِ أهدي أنا قولتلك علشان تعملي حسابك.
شعرت بالعصبية من الموقف فهي بالكاد وجدت فكرة لتساعدها فوجدت نفسها تغرق من جديد.
تذكرت الخطة فقالت بسرعة: مالك أنا كان عندي فكرة علشان الورق ده بس مش عارفة دلوقتي هتفيد ولا لا يمكن بسام يرجع البيت في أي لحظة!
طرأت فكرة على باله فقال بثقة: أنا كمان عندي حل كويس لو تقدري نتقابل دلوقتي عند شادي وده هيفيدك أكتر قبل ما بسام يرجع.
ردت على الفور: تمام أنا جاية دلوقتي.
غادرت حلا قبل أن يأتي بسام بسرعة لبيت إسراء ومن شدة توترها نسيت حتى أن تسأل مالك من أين أتى برقم هاتفها.
قال شادي بدهشة حين اجتمعوا: عرفوا أنه متهكر؟ يعني كده ممكن يأذوا حلا؟
ابتسم ابتسامة جانبية وتابع بنبرة شقية: كده نقدر ناخد حقنا منه بإيدنا.
وجه له مالك نظرات حازمة: مش وقته الكلام ده يا شادي لازم نتصرف بحكمة.
فركت حلا يديها بعصبية: أنا كان عندي فكرة علشان الورق بس مش عارفة ليها لازمة دلوقتي ولا لا.
استمع لها مالك باهتمام: قولي مهما حصل أكيد الورق له لازمة.
علمت أن التوتر لن يفيد بشيء فاستجمعت هدوئها: أنا امبارح لما كنت بدور بسام دخل فجأة وكان لازم أفكر في حل علشان الأوضة كان مكركبة أوي فقولتله أنه فيه فار وهو بيقرف نزل يبات تحت، فكرت أنه ممكن حد يدخل بدل البيت بحجة أنه بيرش البيت من الفيران ويدور هو على الورق بشكل أحسن مني وأنا ألهي بسام بعيد لحد ما يخلص.
تدخلت إسراء قائلة بهدوء: بس لازم نلاقي حد ثقة للأسف مالك مش هينفع علشان بسام عارفه ولا حتى شادي.
أطرق مالك رأسه مفكرًا حتى نظر لهم جميعًا وقال بثقة: سيبوا الموضوع ده عليا.
عادت حلا تقول بقلة حيلة: طب وأنا هعمل إيه أما أروح؟
نظر لها مالك بابتسامة استغربتها وقال ببساطة: أنتِ موبايلك اتسرق.
نظرت له باستنكار: اتسرق إزاي يعني ماهو معايا أهو!
ضحك مالك بخفة صحة صغيرة قبل أن يقول بهدوء: مينفعش ترجعي بالموبايل ده البيت لأنه أكيد هيكون شاكك وممكن يفتش موبايلك أو يستغل أي فرصة ويفتحه علشان كده أنتِ هتسيبي موبايلك هنا كأنه اتسرق وتروحي من غيره.
رمقته حلا بتعجب وهي معجبة بالحل الذي خرج به فهو مناسب للغاية ولن يستطيع بسام تتبع الهاتف أو حتى التفكير في هكذا فكرة.
نهض مالك وهو يقول: أنا هتصل بحسام أقوله برضو على خطتنا علشان يبقى عنده علم بكل حاجة.
تحدث معه قليلاً على الهاتف ثم عاد ليقول لها: هو قال لو ملقيناش التنازل هنقدر نتصرف إنما هو كان عايزه علشان ميبقاش فيه حاجة في إيد بسام ضدك.
عادت حلا للمنزل وبنظرة سريعة في أرجائه استنتجت أن بسام لم يعد بعد لذلك دخلت على الفور وجلست بملابسها تنتظر عودته سريعاً، لم تمر خمس دقائق حين سمعت صوت الباب يفتح فحاولت أن تتصنع البكاء.
توقف بسام بدهشة وهو يراها تبكي بصوت عالي فتقدم منها قائلاً بتساؤل: إيه في إيه؟
التفتت له وهي تقول بخرقة: التليفون بتاعي اتسرق يا بسام!
ارتفع حاجبيه بذهول: اتسرق؟ امتى وإزاي؟
نظرت أمامها حتى لا تتوتر من النظر لوجهه: كنت عند إسراء ومروحة لسه بطلع التليفون وهتصل على ماما حد كان راكب موتوسيكل خده مني وجري علطول ملحقتوش ولا حد لحقه.
نظر بسام لها بشك وهو يفكر فهي تبدو صادقة ولكنه عاد يتسائل بينه وبين نفسه إن كانت جالا على حق؟ الآن الهاتف ضائع فلا سبيل ليتبين إن كانت هي من فعلتها أم لا ولكن حلا ليست بذلك الذكاء حتى تفكر بتهكير هاتفه! بالتأكيد ليست هي من فعلتها!
ابتسم وهو يربت على كتفها: متزعليش أنا هجيب لك واحد غيره إن شاء الله.
ابتسمت ونظرت له بامتنان: شكرا يا بسام أنا بجد كنت مقهورة أوي بس متخيلتش تراضيني كده.
ابتسم بسام بزهو لنفسه: ولا يهمك يا حبيبتي وبعدين أنا قولتلك هعوضك عن كل حاجة وأخليكِ تثقي فيا تاني.
ابتسمت حلا وهي تخفض عيناها لأسفل وأجابت بتأكيد: طبعًا يا حبيبي طبعًا!
قالت له حين تذكرت: صحيح كان فيه موضوع كنت هقولك عليه بس الموبايل خلاني أنسى.
رد بسام بنبرة عادية: موضوع إيه؟
قالت حلا بعفوية: موضوع الفار! أنا فكرت طالما لقينا واحد يمكن فينا تاني وأحنا مش عارفين نخرجه قولت نكلم الناس اللي بتعرف وتيجي ترش شقتنا.
انتفض بسام حين سمع ذكر الفأر ثم قال لحلا بموافقة سريعة: طب مستنية إيه اتصلي بسرعة يا حبيبتي أنتِ معاكِ حق!
فردت حلا يديها الفارغتين أمامه: أنت نسيت مبقاش معايا موبايل.
أخرجه هاتفه وأعطاه لها يحثها بإصرار: خلاص اتصلي من عندي لو تعرفي لهم رقم المهم يجوا أنا مش هعرف أبات تحت تاني.
قالت حلا بخفة: طيب إسراء اللي عارفاهم أنا هتصل عليها تتصل بيهم يجوا بالليل.
أومأ برأسه بعدم اهتمام فاتصلت حلا برقم إسراء وقالت بنبرة ذات مغزى: إسراء أنا قولت لبسام وهو موافق، اتصلي على الناس وأحنا مستنينهم بالليل.
أتى الليل وحلا تجلس بجانب بسام بملل فهي ليس معها هاتفها حتى لتلعب به قليلاً بينما هو مشغول كليًا في هاتفه.
رن جرس الباب فقالت له حلا: أكيد دول الناس روح أفتح على ما ألبس.
نهض بسام بينما دلفت حلا لتضع حجاب على رأسها وخرجت، توقفت مكانها بصدمة وعيونها متسعة بشدة وهي تحدق أمامها، كان يقف أمامها رجل طويل يرتدي الزي الخاص بشركات رش الحشرات ويضع قناع وقاية على وجهه، عرفته حلا حين نظرت له على الفور، نظرت بعدم تصديق لعيونه التي تحدق إليها لقد كان مالك!
رواية طلاق بائن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ديانا ماريا
توترت حلا بشدة ونظرت لبسام الذي كان يتكلم مع العامل الآخر، ثم لمالك بخوف. إلا أن مالك نظر لها بثقة يحثها بعيونه أن تهدأ.
أسرعت لبسام تشده من ذراعه وهي تقول بتوتر:
"بقولك يا بسام ما تيجي ننزل تحت."
أدار لها وجهه باستغراب:
"ننز ل ليه؟"
أظهرت الاشمئزاز على وجهها وهي تقول:
"على ما يرشوا ويصطادوا الفار ويشوفوا فيه فران تاني ولا لا."
رد بسام بحيرة:
"بس كده هنسيب الناس لوحدها؟"
عقدت حاجبيها باستنكار:
"ما إحنا أصلا لازم نسيب الشقة علشان الرش، أنت مش شايف الماسك اللي هما لابسينه!"
تفحصهم بسام وقال بانزعاج:
"معاكِ حق."
نظر لهم بسام وقال:
"هنستناكم تحت لحد ما تخلصوا."
سحبته حلا بسرعة وألقت نظرة أخيرة على مالك قبل أن تهبط. فوجدت عيناه تبتسمان لها فأحست بشعور من الاطمئنان يتسرب إليها.
هبطت معه لأسفل، تاركة كل الحرية لمالك. الذي حين تركوا الشقة، ذهب وأغلق الباب بإحكام. ثم خلع القناع قائلاً لزميله بصرامة:
"قدامنا ١٥ دقيقة بالضبط، مش عايزين نضيع دقيقة منهم يا كريم، فاهم؟"
أنزل كريم القناع وغمز مالك بمرح:
"في دقيقتين كمان يا معلم لو عايز."
بدأوا على الفور في البحث دون تضييع ثانية، حريصين ألا يحدثوا أي فوضى تثير الشك.
في نفس الوقت، كانت حلا تجلس مع بسام في الأسفل بملل لأنها لا تجد شيء تفعله.
كان بسام يلعب بهاتفه، فقالت له بعفوية مقصودة:
"ما تديني تليفونك كده شوية يا بسام."
توتر بسام وأخفض الهاتف قائلاً بابتسامة مصطنعة:
"ليه يا حبيبتي فيه حاجة؟"
عقدت حاجبيها بشك واقتربت. وعلى حين غفلة اختطفت الهاتف قائلة بمزاح:
"إيه مالك، لازم يكون فيه حاجة؟ عايزة ألعب شوية."
حدقت للهاتف في يدها واستغربت لأنها تلاحظ لأول مرة أنه ليس هاتف بسام. وهي لم تنتبه حين أخذته لتتحدث مع إسراء في وقت سابق.
قالت بتساؤل وهي تحدق إليه:
"إيه ده يا بسام؟ ده مش تليفونك، أنا لسه واخدة بالي."
شحب بسام ولم يعلم بما يجيبها وحاول يفكر في حل سريع، فقال بارتباك:
"ا ااه ما أنا نسيت أقولك يا حبيبتي، ده تليفون واحد صاحبي."
رفعت حلا حاجبها بعدم رضى وقالت بريبة:
"وتليفونك فين؟"
ابتلع ريقه بصعوبة:
"تليفوني هنج فجأة وما كانش بيفتح، عديت على محل موبايلات وأنا جاي علشان يتصلح وقالي هاخده بعد كام يوم. كلمت صاحبي سلفني تليفون معاه زيادة مش بيستعمله."
علمت حلا تلقائياً من ذلك "الصديق" الذي تحدث عنه بسام. بالتأكيد جالا هي من أخذت هاتف بسام حين اكتشفت أنه تعرض للاختراق وأعطته هاتف آخر.
فكرت حلا فجأة بإدراك. هل يمكن أن جالا بطريقة ما أعطته هذا الهاتف حتى تعلم ما يدور هنا وتستفيد منه مثلما فعلت هي؟
يجب أن تعلم على الفور وتأخذ حذرها. قم قالت لنفسها بمكر وتستغل الفرصة جيداً لصالحها.
لم يعد بسام يتحمل حتى لا تكتشف أن هذا الهاتف لجالا، فأخذه منها بضيق:
"مالك يا حلا، إيه الاستغراب في كده يعني؟"
استندت على ظهر الأريكة ورائها وهي تقول باسترخاء:
"لا عادي، أصلك نسيت تقولي. طبيعي أستغرب لما أشوف تليفون غير تليفون في إيدك، ولا إيه؟"
أومأ بسام برأسه وعاد ليحدق إلى الهاتف. استرق بزاوية عينه نظرة لحلا التي كانت تركز عيونها عليه، فعاد يعبث بالهاتف بلا هدف حتى لا يثير شكوكها.
كان مالك يبحث في كل أرجاء البيت، حتى أنه لم يترك أي مكان حتى لو كان صغير وغير مهم. زفر بنفاذ صبر حين لم يجد شيء. وضع يديه في خصره ونظر أمامه، لم يتبق غير غرفة النوم وهو لا يعلم هل من الصحيح دخولها أم لا. ولكنه يجب عليه إيجاد تلك الأوراق بأي ثمن. فخطى إليها ودخلها.
نظر مالك في أرجائها وشعور من الضيق يطبق على صدره. هنا تتشارك حلا مع بسام حياتها. لا يعلم لماذا فكر في ذلك الآن ولم يفكر به حين دخل للشقة. حاول أن يطرد ذلك الشعور وتغافل عن الأشياء التي توحي بوجود حلا في الغرفة وهو يبحث بكد عن تلك الأوراق. فتح الخزانة الخاصة ببسام وفتشها بدقة دون أن يعثر على الأوراق. قاوم اليأس الذي يتسرب إليه ورمى الملابس على الأرض باندفاع من الغضب.
لفت نظره في تلك اللحظة زاوية من الخزانة لا تبدو كما مفترض. فاقترب ومد يده يتفحصها. وجد أن الخشب الموجود في هذا الجزء يتحرك. فحاول خلعه بقوة أكبر حتى تحرك من مكانه. فنظر مالك بدهشة حين وجد الورق مخبأ في تلك الزاوية. لقد وضعه بسام الورق في مكان أشبه بالمخبأ السري!
أمسكه مالك وفتحه بنفاذ صبر ليتأكد إن كان هو أم لا. وابتسامة انتصار عريضة ارتسمت على شفتيه حين تأكد أنه وجد أوراق التنازل أخيراً!
نظر للفوضى حوله ولم يعرف كيف سيتصرف، ولكنه بالتأكيد لن يلملم ثياب بسام! لذلك ارتدى القناع مرة أخرى وخرج وهو ينادي على زميله ليخبره بانتهاء مهمتهم.
كانت حلا تنظر للساعة بترقب. فهل وجد تلك الأوراق أم لا؟
ثم نظرت لبسام بخوف. ماذا أن علم بسام أن مالك يوجد فوق؟
وقفت وهي تقول بعبوس:
"إزاي إحنا قاعدين لحد دلوقتي مسألناش لو هيشربوا حاجة ولا لا."
رفع بسام بصره لها بتعجب:
"إحنا لازم نقدم لهم حاجة؟"
قالت حلا باستنكار:
"طبعا، أمال يقولوا علينا ناس بخيلة؟ أنا هطلع أسألهم حالا."
صعدت بسرعة دون انتظار رده خوفاً من أن يعرض هو الصعود مع علمها أن بسام لن يفعل ذلك. ولكنها توترها حثها على توقع كل شيء.
دلفت للشقة وهي تلتفت حولها بحثاً عن مالك. ثم انتفضت مكانها حين وجدته أمامها فجأة.
قالت باستياء:
"إيه خضتني!"
ابتسم مالك بخفة وهو يخفض القناع. فقالت بترقب:
"ها؟ لقيت حاجة؟"
نظر لها مالك بصمت لثواني قبل أن يرفع أمام وجهها الأوراق التي في يده قائلاً بثقة:
"إيه رأيك؟"
نظرت حلا للأوراق التي في يده بفرح وارتياح عارم يغمرها. زفرت بشدة وهي تكاد تبكي من السعادة التي تشعر بها. تلك الأوراق التي بها سلبها بسام كل ما تملك أخيراً هي في يدها الآن!
نظرت لمالك بعيون دامعة وقالت بامتنان كبير:
"شكرا.... أنا مش عارفة أقولك إيه غير شكرا بجد!"
ابتسم مالك ابتسامة لطيفة:
"لا شكر على واجب."
عادت قسمات وجهه للجدية متابعاً:
"إحنا لازم نمشي حالا بس المكان مكركب جوا معرفتش أعمل فيه حاجة."
طمأنته حلا بنبرة واثقة:
"أنا هلاقي بس لازم تمشي دلوقتي علشان بسام مياخدش باله."
أومأ برأسه وقال لها بينما يعيد ارتداء القناع:
"أنا هكلم حسام علشان أسلمه الأوراق وهو يتصرف."
هبطت حلا بسرعة تقول لبسام باستهجان:
"شوفت طلعت لقيتهم خلصوا، حتى ملحقتش أقدم لهم حاجة."
نهض بسام بينما يهبط كريم ومالك. تقدم بسام وهو يخرج حافظة نقوده قائلاً بابتسامة:
"شكرا تعبناكم معانا، الحساب كام؟"
نظر مالك لكريم بطرف عينه، ففهم وتحدث هو لبسام:
"مفيش شكر يا فندم، الحساب وصل مع الآنسة اللي اتفقت معانا."
عقد بسام حاجبيه بشدة ثم أدار وجهه لحلا التي قالت بضحكة:
"أكيد إسراء اللي حبت تعمل معايا واجب، إحنا لازم نشكرها."
في تلك الأثناء كان يحاول مالك طوال وقوفهم سوياً تجنب النظر لعيون بسام حتى لا يكتشف أمره.
هز بسام رأسه وهو يعيد النقود للمحفظة، فقال كريم:
"نستأذن إحنا هنمشي."
استدارا ليغادرا، فشعر بسام بغموض وغير مفهوم فيما يحدث. وفكر وهو يعيد محفظته مكانها. رفع رأسه وحدق إلى ظهر مالك باهتمام.
تجمدت حلا من الرعب مكانها بينما تسمع بسام يقول:
"أنت! استنى عندك!"
رواية طلاق بائن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ديانا ماريا
توقف مالك مكانه. عقد بسام حاجبيه لأنه شعر بشيء مألوف وغريب في الشخص الذي أمامه.
ابتلعت حلا ريقها بخوف وهي ترى بسام يتوجه نحو مالك. حاولت التفكير في حل سريع حتى تخرج من هذا المأزق، فإذا نظر بسام لمالك بالتأكيد سيعرفه على الفور.
اضطربت أنفاسها ونادت على بسام بصوت لاهث: "بسام الحقني!"
التفت بسام ومالك ليجدا أن حلا على وشك الوقوع. أسرع لها بسام ليمسكها. وحين تحرك مالك، لا شعورياً وضع كريم يده على كفته لينبهه، فتوقف مكانه.
أسندها بسام وهو يمسكها من خصرها فقالت بصوت واهن: "حاسة إني دايخة أوي، قعدني."
أومأ برأسه: "طب تعالي اقعدي، وشك أصفر."
في تلك الأثناء، وحين لم يكن بسام منتبهاً، أشارت حلا بعينيها لمالك حتى يغادر. ففهم ما تفعله وابتسم وغادر مع كريم.
أسندها بسام حتى جلست على الأريكة، فجلس بجانبها وهو يقول بتعجب: "مالك حصلك إيه؟"
هزت رأسها بتعب: "مش عارفة، حسيت أن هيغمى عليا فجأة كدة، مش عارفة ليه."
تنهد ثم نظر حوله ولم يجد مالك ولا كريم، فقال بدهشة: "إيه ده! دول مشيوا!"
جارته حلا قائلة بذهول مصطنع: "آه فعلاً."
ثم وضعت يدها على كتف بسام: "أكيد مشيوا لما شافوني تعبانة يا بسام، الناس عندهم ذوق."
عقد حاجبيه بحيرة كبيرة بتفكير: "حسيت أنه فيه حاجة غلط، خصوصاً اللي مبيتكلمش ده غريب جدا."
فكرت حلا في تبرير لإقناعه: "ما يمكن أخرس يا حبيبي. أصل كمان لما طلعت أسألهم واتكلم معاهم، هو متكلمش خالص وزميله هو اللي كان بيرد عليا."
هز رأسه وقد حاول الاقتناع برأيها وتمرير الأمر. ثم نهضوا بفزع حين سمعوا صرخة والدته الآتية من المطبخ، فركضوا إليها ليجدوها ممددة على الأرض وواضح على وجهها الألم الشديد.
أسرعوا إليها يسندونها حتى تجلس، فتأوهت من الألم وهي تمد يدها لساقها.
سألها بسام بقلق: "مالك يا ماما حصل إيه؟"
قالت والدته بألم: "اتزحلقت على رجلي، مش قادرة يا بسام."
قالت حلا لبسام: "أسندها معايا لحد أوضتها وبعدين أتصل بالدكتور."
أومأ برأسه وساعداها على الوقوف بصعوبة، حيث كانت تتألم بشدة، ثم أوصلاها لغرفتها. كانت حلا تساعدها على التمدد بينما يتصل بسام بالطبيب ليأتي.
قام الطبيب بفحصها وأخبرهم أن إصابة قدمها هي مجرد التواء، ولحسن الحظ لم يصل للكسر، ولكن يجب عليها الراحة وعدم التحرك لمدة أسبوع على الأقل حتى تُشفى.
أتى فهمي على الفور حين سمع ما حدث ليطمئن إلى زوجته، واتصل بباقي أبنائهم وإخوة بسام، والذين هم ثلاث فتيات، منهم واحدة متزوجة وتعيش مع زوجها بالخارج، وأخ أكبر من بسام. حضر الثلاثة سريعاً.
كان عادل الابن الأكبر يجلس بجانب فهمي. ورغم أنه عمه، فقد كان يناديه "بابا" لأنه هو من رباه بعد وفاة والده. رغم تربيته الصارمة للغاية، إلا أنه أحبه.
نظر عادل لفهمي: "الدكتور قال إيه يا بابا؟"
قال فهمي بهدوء: "قال ترتاح ومتتحركش، وبإذن الله بعد أسبوع هتقدر تمشي عليها، المهم متتعبش نفسها وتدوس عليها."
أمسكت سارة بيد والدتها بقلق: "حاسة بأيه يا ماما؟"
ابتسمت لها والدتها بوهن: "كويسة الحمد لله يا حبيبتي."
ابتسمت رنا التي كانت تجلس بجانب حلا في زاوية الغرفة: "والله يا ماما الحمدلله أنك بخير، أنا جيت بسرعة حتى قولت لجارتي تخلي بالها من فرح لو جت من المدرسة."
نظرت لها والدتها بتعب: "تعبتكم معايا يا ولاد، معلش."
حين نهضوا ليغادروا بعد قليل، قال فهمي بحدة: "إيه يا بنات محدش فيكم هيفضل مع أمكم علشان يساعدها؟"
نظرت سارة ورنا بتوتر لبعضهما ثم لوالدهما.
قالت سارة بارتباك: "الله يا بابا أنت عارف أنه جوزي جاي من الشغل النهاردة وكان مسافر بقاله شهر."
تابعت رنا بنفس الارتباك: "وأنا سايبة فرح لوحدها، وزمان مازن رجع دلوقتي يا بابا."
عقد فهمي حاجبيه وهو ينظر لهم بعدم رضى وفتح فمه ليتكلم، حين سبقته حلا وقالت: "أنا قاعدة معاها هنا يا عمي وهساعدها."
نظرت لسارة ورنا بابتسامة وتابعت: "كل واحدة فيهم ليها بيت وأكيد أمورها هتتلغبط، وبعدين يا عمي معقولة أنا موجودة معاها هنا في البيت ومساعدهاش؟"
ابتسمت فهمي لها رغم عدم رضاه عن ابنتيه. وحين غادر الجميع، سألها بسام بسذاجة: "ليه قولتي أنك اللي هتفضلي؟ ما كنت تخلي سارة ولا رنا هنا وخلاص، وبعدين إصابة ماما مش كبيرة أنه حد يفضل معاها أصلاً!"
قالت له حلا بحدة: "بسام أنت بتقول إيه!"
رفع كتفيه بلامبالاة: "مش بقول حاجة، يعني قصدي أنه عادي تعمل بنفسها."
قال فهمي بصوت غاضب: "و بتكرر كلامك الخايب زيك تاني!"
نظر له بسام بتعجب: "ماله كلامي مش فاهم؟"
نظرت لهم حلا دون أن تتكلم، فهي تعلم حين يغضب فهمي بشدة لا يجب أن يتدخل أحد. ولكن رغم ذلك، حاولت والدة بسام التبرير له بتوتر: "يا حاج مش قصده....."
نظر لها فهمي نظرة حادة أخرستها: "أنتِ سبب فساد الواد ده، طول عمرك بتدافعي عن غلطه لحد مبقاش عارف يفرق الغلط من الصح، وأنتِ دلوقتي أول واحدة يجي عليها بسبب أنانيته!"
ثم رمق فهمي بسام بنظرات الاستهجان: "أمك التعبانة دي بدل ما تقعد تحت رجليها تخدمها وهي تعبانة، قاعد تسأل مراتك هي ليه عايزة تقعد بدل أخواتك البنات! طول عمرك غبي وهتفضل غبي!"
استشاط بسام من الغيظ وقد طفح الكيل من إهانات عمه له. نهض ليقف أمامه: "أنا مش غبي يا عمي وأنت عارف كدة كويس."
نهره فهمي بشدة: "لا غبي ومستهتر وقليل الأدب كمان بترد عليا يا ولد!"
حدق إليه بسام بتحدي وكأنه نسي خوفه من عمه وعدم قدرته على عدم مواجهته طوال السنين، ليقول: "أنا لو قليل الأدب كنت رديت الرد اللي المفروض أرد بيه عليك من البداية!"
اتسعت عيون فهمي من الدهشة: "بتقول إيه؟"
تابع بسام بوقاحة: "أيوا زي ما سمعت كدة، أنا لحد دلوقتي محترم نفسي قدامك، وإلا كنت قولت كلام تاني!"
رفع فهمي يده لتهبط على خد بسام صفعة قوية أمالت رأسه للجانب، فشهقت كل من حلا ووالدته بصدمة.
نظر له فهمي بعصبية وقد احمر وجهه من الغضب وقال بأنفاس ثقيلة من شدة الانفعال الذي يشعر به: "لو في يوم من الأيام كنت شكيت أنك هتقف قدامي بكل الوقاحة وتبحج فيا كدة، أنا كنت كسرت ضلوعك لحد ما تعلمت الأدب وبقيت محترم من نفسك! كان نفسي تطلع راجل، طلعت العيال الصغيرة أرجل منك!"
نهضت حلا بسرعة وتوجهت لفهمي تتمسك بذراعه وقالت برجاء: "لو سمحت ياعمي أهدى، العصبية مش كويسة علشان صحتك، بسام ميقصدش كل ده صدقني، تعالى معايا ياعمي يلا."
كان فهمي مازال ينظر بغضب لبسام الذي مازال يحدق للأرض بنفس وضعيته، ثم استجاب لحلا ببطء وخرج معها من الغرفة.
قالت والدة بسام بشفقة: "بسام تعالى عندي."
لم يستجب لها، فرفعت ذراعيها له وناشدته بتوسل: "تعالى يا حبيبي بالله عليك."
تقدم لها ببطء، ثم عندما وقف أمام سريرها، ركع أمام السرير فضمته لأحضانها تقول بحزن: "متزعلش يا حبيبي، عمك مش قصده، أنت عارف أنه عايز مصلحتك، بس أنت غلطت فيه يا بسام وفيا؟ زعلان أنه حلا بتساعد أمك، ده كدة بنت كويسة وزوجة مطيعة عايزة تسعدك."
شعرت به يبكي فمسحت على شعره بحنان. قال بها بسام بعتاب: "ليه عملتي كدة؟"
قالت باستغراب: "عملت إيه؟"
تابع بسام بصوت مكتوم: "ليه اتجوزتيه؟ ليه اتجوزتيه بعد وفاة بابا ليه!"
تجمعت الدموع في عيون والدته: "يابني ده كان الصح، أنا عملت كدة علشان مصلحتكم، أنا بعد وفاة أبوك بقيت مطمع للناس والحل أني اتجوز عمك، هو هيحافظ على ورثكم ويساعدني في تربيتكم."
رفع بسام عيونه له بلوم: "أنتِ السبب في كل حاجة!"
نظرت له بذهول لا تستطيع أن تصدق ما تسمعه منه: "أنا يا بسام؟"
ابتعد عنها بحدة ونهض وأردف بحقد: "أيوا أنتِ، علشان اتجوزتيه وخلتيه يعمل معايا كدة ويحرمني من ورثي! أنتِ السبب في كل ده وكل حاجة حصلتلي!"
لم تستطيع والدته تصديق أنه يلومها، فقالت بعدم تصديق: "أنت بتتهمني يا بسام!"
لم يجب وهو ينظر لها بغضب تشوبه الضغينة، فقالت بنبرة باكية: "يابني عمك مسرقش ورثك، هو بيحافظك لك عليه وبيديك نصيبك كل شهر، أنت ناسي يا بسام أنت كنت هتضيعه إزاي وهو كل مرة ينقذك؟ ناسي النصاب اللي كان هينصب عليك لولا أنه لحقك؟ عمك مش قاسي، هو كان بيعاملك كدة من كتر المشاكل اللي بتعملها، اشمعنا أنت بتكرهه، ما أخواتك كلهم بيحبوه، أنت من صغرك بتكره."
صاح فيها بسام بكراهية: "علشان ظالم وجبار!"
بكت والدته بشدة: "مش ظالم يابني، بس حاول يحميك من نفسك، وأنت كنت بترفض كل حاجة يقولك عليها، تعمل عكسها، كل حاجة يحذرك منها تروح تعملها!"
وقف أمامها بسام بشموخ: "علشان أنا أعمل اللي أنا عاوزه ومش من حقه يقولي أعمل إيه ومعملش إيه، ومش من حقه ياخد فلوس ويحرمني منها!"
تابع وقد تغيرت قسمات وجهه ونظرات عينيه وظهر فيهما الرغبة الانتقامية بشكل أخاف والدته: "وحقي هيرجع، وأنا عارف إزاي هرجعه، ومحدش هيقدر يتكلم معايا بعد كدة نص كلمة!"
خرج من الغرفة بسرعة دون أن تستطيع أن توقفه، فظلت تبكي بحسرة. شاهده من بعيد عمه وحلا التي كانت جالسة معه، فهو رأسه بيأس منه.
ربتت حلا على يده بمواساة: "متزعلش نفسك يا عمي، غلط عليك كدة."
قالت فهمي بنبرة متعبة: "هقول إيه يابنتي، هو دون أخواته كلهم تاعبني وتاعب قلبي، طول عمري بيخترع المشاكل من مفيش علشان بس يعصبني! مستهتر ومهمل وعديم المسئولية طول عمره!"
ابتسمت حلا في سرها، فهي رغم أنها تحب عم بسام رغم صرامته واختلافها معه في آرائه ووالدته لطيبة قلبها، إلا أنها سعيدة بما آلت إليه الأمور لتكون هذه فرصتها لتستغل ما حدث لصالحها.
قالت له حلا بهدوء: "يا عمي متتعبش نفسك، بإذن الله بسام بكرة يعقل ويفهم، المهم أنت متزعلش نفسك."
تنهد فهمي ثم نهض: "أنا هقوم أنزل علشان أهدى شوية، منه لله حرق دمي."
حين خرج من المنزل، جلست حلا وهي تبتسم. لقد شارفت اللعبة على النهاية أخيراً وقد انقلبت الموازين لصالحها تماماً. إن غداً هو اليوم الأخير من اتفاقهما، وسيتذوق بسام وجالا من نفس كأس المرارة التي شربت منه، وستحرص هي تماماً على ذلك!
رن هاتفها لترى أنها والدتها. شعرت بالضيق من نفسها لأنها لم تعط والدتها الإهتمام الكافي هذه الأيام، وها هي ستعتني بوالدة بسام، ولكنها أرجعت ذلك لانشغالها هذه الأيام، وبعد ما ينتهي ما تفعله لن يشغلها شيء عن والدتها أبداً.
كان بسام غاضب للغاية، فاتصل بجالا حتى يحاول التهدئة من غضبه.
أجابت جالا بدلال: "أيوا يا حبيبي؟"
قال بسام باحتدام: "أنا زهقت يا جالا، امتى هاخد فلوسي من عمي وأعيش مرتاح بدل الذل اللي معيشني فيه ده!"
قالت له جالا بمكر: "أهدى يا حبيبي، مفيش حاجة مستاهلة، انت بس طلق حلا ونتجوز، وأنا هجيبلك حقك لحد عندك، متقلقش."
قطب بسام وتذكر حلا، ثم تذكر كلام والدته عن كيفية أن تطوعها لخدمتها تجعله زوجة جيدة ومطيعة. فسأل جالا فجأة: "جالا هو لما نتجوز أنتِ هتخدمي أمي؟"
صمتت جالا بذهول من سؤاله ثم قالت له: "أنت مجنون؟ بتقول إيه يا بسام؟"
ألح عليها قائلاً: "بأسألك يا جالا بعد الجواز لو ماما تعبت مثلاً هتخدميها؟"
قالت له جالا بحنق: "لا، ده أنت شكلك مش طبيعي دلوقتي خالص، وبعدين أمك مين اللي أخدمها؟ أنا كنت بتجوزك علشان أروح أخدم!"
رد بسام بانزعاج: "ما تردي عدل يا جالا، مالك!"
قالت جالا بنفاذ صبر: "ما تتكلم أنت عدل الأول وشوف بتقول وأعقل كدة، علشان شكل حد لعب في دماغك، ولما تعقل أبقى كلمني!"
أغلقت الهاتف في وجهه، فنظر له بذهول قبل أن يلقيه أمامه على الأرض بضيق.
تذكر حلا وقارن بينها وبين جالا خصوصاً في الأيام الأخيرة. إن حلا لم تقلل من شأنه كما تفعل جالا دائماً وتعتبره شخص غير جدير بالمسؤولية مثل عمه. لقد أحب جالا، ولكنه سأم من أفعالها ومعاملتها له! كما أن حلا لا تجد أي مشكلة في خدمة والدته وإطاعة أوامره، فهي تجعله يشعر بأهميته.
بعد تفكير طويل، حسم الأمر أخيراً وهمس لنفسه بخبث: "أيوا، أنا هختار حلا أكمل معاها، هي اللي بتسمع كلامي مش زي جالا، هختارها بس فلوسها وورثها هيفضلوا معايا وباسمي أنا، مش هرجع لها حاجة، الفلوس هتبقى ملكي وحلا تحت إيدي!"
شعر برضى لما توصل إليه، فقد ضمن زوجة كما يرغب، كما أنه سيحتفظ بالمال لنفسه ليتمتع به، وسيجد طريقة ليخدع حلا، وقد كسب الأمرين معاً بضربة واحدة!
كانت جالا تجلس بقلق بعد مكالمة بسام الغريبة. فكرت يديها بغيظ: "الغبي ده مش عارفة ناوي يضيع كل حاجة ولا إيه! بس أنا مش هستنى، لازم الخطة تتنفذ في أسرع وقت!"
أمسكت هاتفها لتتصل على سعيد وتأمره بصرامة: "سعيد التنفيذ هيكون بكرة بالليل وتنفذ كل حاجة قولتهالك بالحرف الواحد، أنت فاهم؟"
وضعت الهاتف أمامها بارتياح وقد اطمئنت أن كل شيء سيسير كما ترغب، وستتخلص من بسام وتحصل على المال كله لها بضربة واحدة!
سهر بسام مع صديقه تلك الليلة ولم يعد إلى المنزل، فاتصلت به حلا.
رد بصوت ناعس: "أيوا مين؟"
قالت له حلا بقلق مصطنع: "أنت فين يا بسام؟ مرجعتش امبارح، قلقت عليك."
تنبه بسام من نومه لينهض ويرد عليها: "أنا بخير يا حبيبتي، بس عند واحد صاحبي."
لم تصدقه حلا طبعاً، إلا أنها قالت: "طب هترجع امتى؟"
رد بسام بضيق وقد تذكر ما حدث البارحة: "مش عايز أرجع البيت اليومين دول يا حلا."
قالت حلا برجاء: "أنا عارفة أنك مضايق، بس ارجع النهاردة علشان خاطري يا بسام."
زفر بعمق فتابعت بإصرار: "هستناك ها؟ مع السلامة يا حبيبي."
أغلقت دون انتظار رده، فقال بدهشة لنفسه: "حبيبي؟"
ابتسم لنفسه بزهو وقد فكر أن حلا لانت أخيراً، فوجد أن عليه العودة الليلة واستغلال تلك الفرصة.
عاد في المساء وفتح باب المنزل ثم توقف مكانه بذهول. لقد كان المكان مظلم إلا من عدة شمعات تشع ضوء بسيط وحالم في المكان، فدلف وأغلق الباب ورائه ينادي بحيرة: "حلا!"
اتسعت عيونه بصدمة حين أتت حلا وهي ترتدي قميص نوم طويل فوقه الرداء الخاص به، وقد زينت وجهها بمساحيق التجميل وتركت شعرها منسدلاً على كتفيها. كان ذلك المظهر كفيل بإبهار بسام من جمالها.
وقفت أمامه مبتسمة بدلال: "حمدا لله على السلامة يا حبيبي، إيه مالك واقف كدة ليه؟"
ابتلع ريقه بصعوبة وقال بعدم استيعاب: "حبيبي؟"
تقدمت منه حلا وعبثت بأزرار قميصه بمرح: "آه حبيبي، أنت مش حبيبي ولا إيه؟"
نظر حوله بعدم تصديق: "أنا.... أنا بس مش مصدق، أنتِ سامحتيني؟"
اقتربت منه حلا ووضعت رأسها على صدره قائلة بابتسامة: "الصراحة، أنا فكرت كتير جدا الأيام اللي فاتت، بس لما مرجعتش البيت امبارح فهمت فعلاً أني سامحتك ومقدرش أعيش من غيرك، وقولت ليه ميبقاش لينا فرصة مع بعض."
أرجعت رأسها للوراء لتنظر إلى وجهه: "ولا أنت إيه رأيك؟"
قال بلهفة على الفور: "طبعاً معاكِ حق يا حبيبتي، أنا مش مصدق من فرحتي بس."
ضحكت حلا بصوت منخفض: "لا صدق."
سحبته من يده حتى الطاولة التي أعدتها وقالت ببهجة: "أنا عملت لك الأكل اللي بتحبه، إيه رأيك؟"
ابتسم لها بسام وقد شعر بمدى صواب قراره: "أي حاجة من إيدك لازم تبقى جميلة يا حبيبتي."
ابتسمت بخجل: "طب يلا أقعد نأكل."
تناولا الطعام في جو ملئ بالانسجام والاسترخاء على ضوء الشموع التي على الطاولة، بينما كان بسام سعيداً بتحول الأمور.
مدت له حلا بكأس العصير الذي أمامه: "خد يا حبيبي العصير اللي بتحبه، أنت لحد دلوقتي مشربتش حاجة."
أخذه منه وشربه وهو ينظر إليها مبتسماً. بعد دقيقة جلسوا على الأريكة بعد أن انتهوا من تناول الطعام. شعر بسام بشيء غريب ودوار خفيف يجتاحه واسترخاء تام ينتشر في أطراف جسده، حتى بعد قليل لم يعد يعي على أي شيء.
استيقظ بسام في الصباح وقد وضع يده على رأسه، فهو يشعر بصداع خفيف. فتح عيونه ثم نظر جانبه.
فتح فمه من شدة الذهول لرؤيته حلا تنام جانبه في نفس السرير، وانتفض جالساً على الفور. فكر في ليلة أمس وحاول التذكر هل حدث بينهما شيء أم لا؟ ولكن هذا ما يبدو من وضعهما الآن!
كان يحاول استيعاب الأحداث، وعلى حين غرة منه انفتح الباب بقوة ودخلت منه جالا التي توقفت بصدمة وهي تجد بسام وحلا نائمين معاً.
نظر لها بسام بصدمة مماثلة، فكيف دخلت جالا لشقته؟ بل لغرفة نومه! وكيف حصلت على المفاتيح ولماذا أتت!
صرخت فيه جالا وهي تستشيط من الغضب: "إيه اللي بتعمله ده يا بسام!"
نهض بسام من السرير بارتباك، فيما نهضت حلا بهدوء ووضعت رداء القميص الذي كانت ترتديه عليها.
حاولت التبرير لها بارتباك: "جالا اسمعي بس...."
قاطعته صارخة بجنون: "أسمع إيه؟ ما أنا شايفة كل حاجة قدامي، أنت قايل لي إنك مبقتش تقرب منها من شهور، بتخوني يا بسام!"
ابتسمت حلا بسخرية وقالت بصوت منخفض متهكم: "بيخونك مع مراته! أول مرة تحصل في التاريخ!"
نظرت لها جالا بحقد ثم عادت تنظر لبسام بعيون حمراء من الغضب: "أنت نسيت كل حاجة بيننا؟"
لم يعرف بسام بما يجيبها، فتقدمت حلا وكتفت يديها بثقة: "مالك يا حبيبتي داخلة كدة ليه؟ أنتِ لقتينا في شهر مفروشة! واحد ومراته وقرروا يتصالحوا، أنتِ مضايقة ليه؟"
ثم ابتسمت وهي تُلقي شعرها للوراء بيدها بدلال أغاظ جالا: "قررنا نرجع لبعض، إحنا حُرين."
نظرت جالا لبسام وهي لا تصدق أنه على وشك إفساد كل ما عملت على تحقيقه وتخريب كل الخطط التي خططت لها طويلاً.
هزته من ذراعيه بقوة وهي تقول بغل: "ما ترد وتكلمني ساكت ليه؟"
قالت حلا باستياء: "لا لا، أنتِ أسلوبك وحش خالص، أنا مش عارفة إزاي أنت كنت متحملها يا حبيبي."
ودت جالا لو تهجم عليها، ولكنها عادت تصرخ في وجه بسام بجنون: "ما ترد ساكت ليه!"
ذهبت حلا وأحضرت له شيئاً من على الطاولة ثم استدارت لهم وهي تمسك بيديها أوراق وتمدها لهم حتى يروها بوضوح، بينما تقول بغُنْج: "يعني متعصبة كل ده علشان رجعنا لبعض، أمال لما تعرفي أنه بسام حبيبي امبارح مضى لي على أوراق تنازل جديدة منه ليا ورجع لي ورثي!"
رواية طلاق بائن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ديانا ماريا
كادت عينا بسام وجالا تخرجان من محجريهما عند رؤيتهما لتلك الأوراق في يد حلا التي ترفعها أمامهما بتفاخر ونظرة الانتصار في عينيها.
تقدم لها بسام وعيناه شاخصتان في تلك الورقة: "إي..... إيه ده؟"
رفعت حاجبها وابتسمت بتهكم: "إيه يا حبيبي ماهو قدامك أهو مش بتعرف تقرأ؟"
ابتلع ريقه بصعوبة ونظر إليها: "بس أنا موقعتش على حاجة."
جن جنون جالا التي اقتربت تحاول الهجوم على حلا فأدركها بسام ليمسكها وهو مازال ينظر للورقة التي في يد حلا بشعور من الخدر.
حاولت جالا الإفلات منه فصرخت بعصبية: "سيبني! بقولك سيبني عليها ياغبي دي خدت مننا كل حاجة!"
نظرت لها حلا ساخرة: "لا لا يا بسام مش معقول كدة كويس أنك ماسكها يعني يرضيك تضرب مراتك حبيبتك."
وضعت يدها على بطنها ثم تابعت: "ده أنا حتى ممكن أكون حامل دلوقتي يرضيك تأذي ابنك اللي جاي؟"
نظر بسام لبطنها بصدمة أكبر بينما فغرت جالا فاهها من شدة المفاجأة، ابتعدت عن بسام وضربته على صدره وهي تصرخ به بعدم تصديق: "كمان! يعني بعد ما كنت بتديها حبوب منع الحمل السنين دي كلها جاي تبوظ كل ده دلوقتي وتدمر كل خططنا!"
في تلك اللحظة شعرت حلا كأن قلبها توقف للحظة ثم عاد ينبض مجدداً ارتفعت عيونها تحدق إلى بسام، كان عدم التصديق الذي يسكن عيناها يتخلله خيبة الأمل التي تحرق قلبها مما سمعته للتو.
هو من كان يضع حبوب منع الحمل لذلك لم تتمكن من الحمل أبدا خلال كل هذه السنوات وهي من كانت تظن أن المشكلة بها هي! طوال السنوات الماضية كانت تتعذب وتتحرق شوقاً حتى يصبح لديها طفل لأنها تحب الأطفال وترغب في طفل خاص بها وكانت تسأل نفسها لما تأخر حملها حتى أن بسام لم يبد قلق من ذلك التأخير أبدا أو من احتمالية وجود مشكلة عن أحد منهما وحين حدثته طمأنها بأنه ليس قلق وأن وجودها يكفي وليس بحاجة للأطفال قد سبب ذلك أن شعرت بالذنب لأنه ربما يكون العيب لديها وهي سبب حرمانه من أن يصبح أب وأمضت ليالي عدة لم تذق طعم النوم خلالها، لكن سماعها ذلك الآن من جالا قد أشعل النار في قلبها من القهر.
نظرت له حلا وملأ الكره قلبها تجاهه لدرجة أنها لم تطق حتى النظر إليه.
أخفض بسام رأسه فرمقته حلا بإشمئزاز: "صحيح أنا مستغربة ليه؟ هتوقع إيه من واحد كان بيخون مراته السنين دي كلها وبيخطط علشان يسرق ورثها ويتمتع بيه هو وعشيقته!"
نظرت لها جالا باستهزاء وضحكت وهي تشبك ذراعيها أمام صدرها بغرور: "هو أنتِ اعتبرتي نفسك مراته بجد يا حلوة؟ لا فوقي دي كانت جوازة مصلحة بالأمر أمري أنا وطلاقك برضو بأمري أنا، كل ده كان متخطط من سنين أنا أخطط وهو ينفذ فمتنسيش نفسك يا حلوة أنتِ مجرد لعبة في إيدي أنا!"
هزت حلا رأسها وقالت بإحتقار: "المشكلة أنك شايفة نفسك ذكية وأنتِ مجرد حقيرة كان عندي حق لما مرتحتلكيش رغم أنك حاولتي تعملي نفسك صاحبتي وناوية تغدري بيا ماهو طبيعي من صفات الناس اللي ملهاش أصل زيك."
قبضت جالا على يديها وهي تكاد تنفجر من الغيظ فأسرعت نحو حلا لتهاجمها إلا أن بسام حال بينها وبين حلا مرة أخرى وهو يفكر في كلماتها عن إحتمال حملها.
دفعها وهو يقول بنفاذ صبر: "كفاية يا جالا لحد كدة اسكتي خالص وسيبيني أتكلم."
نظرت له جالا بذهول لأنه لأول مرة يدفعها ويصرخ في وجهها بهذا الشكل.
عاد بسام يحدق إلى حلا وإلى الأوراق التي في يدها: "حلا فهميني أنا مش فاكر أني وقعت على حاجة إزاي ده حصل؟"
ضحكت حلا بشدة حتى نظر إليها كل من بسام وجالا بتعجب، فور أن تخلصت من نوبة الضحك التي امتلكتها نظرت إليه وقالت بثبات: "علشان أنت غبي يا بسام."
ارتفع حاجبيه بدهشة فتابعت بشعور من الشماتة وهي ترى أثر تردد كلمات عمه على مسامعه منها على وجهه: "أيوا غبي زي ما عمك دايما بيقول وهتفضل غبي اللي يخون مراته ويغدر بيها ويرجع بكل سهولة متوقع أنها تصدق لعبته وترجع علشان يضحك عليها تاني ويرميها يبقى أكبر غبي في الدنيا!"
تغيرت قسمات وجهها وقالت بدهاء: "أنت فاكر هيكون مين اللي هكر تليفونك يا بسام؟"
ازداد ذهوله فتابعت باستهزاء: "أيوا تليفونك اللي قولتلي عليه يا حرام أنه بايظ عارفة أنه اتهكر علشان أنا اللي هكرته."
ضحكت بخفة حين رأت صدمته العميقة: "إيه؟ مش متوقع صح؟ معاك حق حتى أنا متوقعتش كدة من نفسي بس الضرورة تحكم طبعا."
اقتربت منه ونظرت في عينيه مباشرة بثبات: "من أول ما عرفت بخيانتك وأنا كان لازم أعرف ناوي على إيه ومين دي اللي بتخوني معاها وعرفت كل حاجة قذرة كنت بتعملها."
نظرت لجالا التي بادلتها التحديق بتكبر فأردفت بفتور: "وعرفت أنك بتخوني مع الهانم لا وكمان من سنين وكل ده بتخدعوني علشان تعملوا مصلحة على قفايا."
ابتسمت ابتسامة أشبه بالتكشيرة: "وعرفت عن سعيد كمان اه لا متستغربش أوي كدة يعني حتى ده هتيجي عليه ومش هعرف؟ يا راجل ده حتى دورك البطولي كان في الهوا."
أخذت نفساً عميقاً وقالت بمرارة وهي تنظر لكلاهما: "وساعتها كان لازم أفوق لنفسي وأرجع حقي اللي أنا خدته بالكدب والغش لا وراجع مفكرني هصدق لعبتك الهبلة تاني! لا أنا طيبة بس مش هبلة ولا يمكن كنت أسامحك على اللي عملته أبدا وسرقتك ورثي من بابا الله يرحمه حقي اللي خدته واعتبرته بكل ندالة حقك كان لازم يرجع لي!"
تنهدت ثم أردفت ببرود وهي تلوح بالورقة أمام وجهه: "أما بالنسبة لده حصل إزاي فهو بسيط يا حبيبي لأنك غبي تاني وبتحب الألعاب لعبت معاك لعبة بسيطة خالص، امبارح العصير اللي شربته كان فيه دوا مهدئ فلما أنت شربت وبدأت تهلوس جيبت الورق وخليتك توقع عليه يعني ده توقيعك يا بسام مش مزور ولا حاجة أصل الحركات دي متطلعش إلا منك."
كان بسام في تلك اللحظات في دوامة من الصدمة وعدم الاستيعاب مما سمعه منها حتى أنه لم يرد عليها بينما هي تنظر له بتشفي واضح.
قالت جالا بسخرية: "لا طلعتي ذكية وبتعرفي تفكري يا حلوة بس أنتِ فاكرة بقى أنت كدة كسبتي؟"
نظرت لها حلا بملل فأمسكت جالا بذراع بسام وهزته بعنف: "بسام فوق إحنا لازم نرجع حقنا شوفت استغفلتك إزاي؟ إحنا لازم نعلمها الأدب يا بسام لازم!"
انتظر كل من جالا وحلا رد فعل بسام بترقب حتى حدق بسام إلى حلا وقال بصوت غاضب: "لعبتيها صح يا حلا بس نسيتي النهاية والنهاية دي هتبقى بتاعتنا إحنا."
ابتسمت جالا بارتياح لأنها كانت خائفة من ألا صفها أخرى ثم نظرا هما الإثنان لحلا، بسام بسخط وجالا بخبث، تقدما نحوها ببطء فأحست حلا بالخوف وهي تتراجع للوراء وتحدق إليهم بريبة لأنها شكت في نيتهم نحوها.
توقفا فجأة على صوت إسراء التي اقتحمت الغرفة وهي تهجم على جالا بشراسة: "اقفوا عندكم اللي هيقرب خطوة واحدة منها هأكلوا بسناني أنتوا هتتلموا عليها ده أنتوا يومكم مش معدي!"
حاولت جالا أن تقاوم هجوم إسراء المفاجئ عليها فيما استغلت كلا دهشة بسام من وجود إسراء وأسرعت لترتدي ملابس أخرى وحجاب فوق ملابسها لأنها تعرف ما سيأتي بعد قليل.
حاولت جالا أن تقاوم إسراء التي كتفت ذراعيها دون فائدة وهي تصرخ بها قالت إسراء لحلا بنبرة عابثة: "ده الحفلة النهاردة هتبقى حلوة أوي."
التفت بسام لحلا واقترب منها باحتدام قائلاً بنبرة ثائرة: "أنا نفسي أعرف أنتِ قدرتي تعملي كدة؟ إزاي يا حلا؟ رتبتي وخططتي ونفذتي كل ده إزاي! أنا عارف ومتأكد أنك مش هتعملي ده لوحدك يبقى مين اللي عمل معاكِ كل ده؟ مين اللي ساعدك؟ مين اللي كان معاكِ في لعبتك دي مين!!"
ارتفع صوته في آخر جملة بشكل هستيري وهو لا يجد إجابة على أي من أسئلته التي تحيره، نظرت له حلا ببرود ولم تجبه ثم ابتسمت ابتسامة غامضة زادت من ثورته وجنونه.
ارتفع في تلك اللحظة صوت من وراء بسام يقول بثقة: "أنا."
توجهت نظرات حلا لما وراء بسام بنفس الابتسامة بينما استدار بسام ببطء وعقله يخبره بتشوش بأن ذلك الصوت ليس بغريب عليه حتى تجمدت نظراته على الشخص الذي يقف أمامه، كان آخر شخص يتوقعه بسام على الإطلاق فردد بعدم تصديق: "مالك!"
رواية طلاق بائن الفصل السادس عشر 16 - بقلم ديانا ماريا
بقيت نظرات بسام شاخصة في مالك الذي يقف مكتوف الذراعين، ثم ابتلع ريقه حين رأى النظرات التي يوجهها إليه مالك. وقد أدرك أخيراً ما كان يحدث حوله. عاد يحدق إلى حلا بأنفاس مضطربة وقال بتيه:
"مالك؟ أنا مش مصدق اللي شايفه!"
رفع مالك حاجبه باستهزاء:
"تحب أعملك نضارة نظر عشان تتأكد؟"
عاد ينتقل بنظراته بين حلا ومالك بذهول، ثم ضحك بعدم تصديق:
"هي دي؟ هي دي اللعبة اللي كنتِ عاملاها؟ انتوا الاتنين اتفقتوا عليا؟"
توقف وفكر لثانية قبل أن يقول:
"كنتِ بتتقفي عليا مع عدوي؟ بتخونيني معاه؟"
تحفز مالك ليهاجم بسام، ولكن قبل أن يتحرك، طال خد بسام صفعة قوية من حلا وهي تقف أمامه بكل غضب تحمله داخلها:
"ليه فاكرني قليلة الأصل زيك؟ خاينة للعيش والملح والعِشرة! أنت عارف كويس أن عمري ما هوصل لليفل القذارة اللي وصلت له أبداً يا بسام!"
صرخت به بكل الحرقة التي تملأ قلبها:
"أي حاجة أنا عملتها عمرها ما هتوصل لحقارة اللي عملته أبداً! تحب أبدأ بعمايلك منين؟ من سعيد اللي أجرته من سنين عشان تعملوا عليا لعبة أنت وهو تدخل بيها حياتي؟ ولا اتفاقك عليا مع الزبالة اللي وراك دي؟ ولا سرقتك ليا؟"
توقفت حتى تستطيع تمالك نفسها وإيقاف الدموع التي تهدد بالانهمار على وجهها، ثم تابعت بقهر يظهر بوضوح في صوتها وملامح وجهها:
"عارف كل اللي فات ده ولا حاجة بجد ولا حاجة جنب أنه راجل يقرر يعمل أوطى حاجة ممكن تخطر على بال حد ويطعن مراته في شرفها!"
توسعت عيون بسام بصدمة، فكيف علمت عن ذلك؟ فهمت حلا ما يدور في رأسه فابتسمت بألم:
"إيه؟ مصدوم إني عارفة؟ تخيل والله متوقعتهاش منك، متخيلتش توصل للمستوى ده أبداً! إزاي واحد يتقال عليه راجل يقبل على مراته حاجة زي دي؟ ده أنا حتى شرفي هو شرفك يا أخي، كرامتي هي كرامتك وسُمعتك من سُمعتني! إزاي قبلتها على نفسك إزاي؟ قدرت تعملها إزاي دي!"
قالت جملتها الأخيرة مرفقة بضربة قوية على صدره، فلم يحرك بسام ساكناً. تقدم مالك في تلك اللحظة ثم توقف عند جالا التي مازالت تُمسكها إسراء بقوة. نظر في وجهها بإشمئزاز وقال ببرود:
"بالمناسبة سعيد اتقبض عليه امبارح لو بتسألي نفسك هو مختفي فين لحد دلوقتي."
حدقت إليه جالا بذهول، فرمقها مالك بتهكم ثم وجه حديثه لبسام:
"تعرف يا بسام أنه مهمة سعيد اتغيرت وبقت أنه يلبسك تهمة قتل حلا عشان الشرف بأمر من حبيبة القلب؟ وأنها هتدي له نصيب أكبر لو نفذ المهمة وأنت اللي لبستها؟"
وقعت كلماته كوقع الصاعقة على بسام الذي التفت لجالا بسرعة، فأردف مالك بابتسامة:
"سعيد اعترف بكل حاجة امبارح وأنها اتفقت معاه بعد ما أنت ما مشيت وغيرت خطتها عشان تاخد الفلوس كلها لنفسها."
نظرت له جالا بفزع وحاولت التبرير بارتباك:
"ب...بسام متسمعش حاجة منهم...دول بيحاولوا يوقعوا بيننا."
نظر لها بسام بألم وغضب من الخيانة التي يحس بها الآن. أما حلا فلم تبالي، فهو وجد من يطعنه في ظهره كما سبق وفعل معها بدون تردد.
هجم بسام على جالا التي صرخت لتفلت منه، فقام مالك بإبعاد بسام عنها بالقوة، وبالفعل رجع بسام للوراء حتى كاد يقع. نظر له بسام بغيظ لأنه أبعده عن جالا، فاندفع نحوه بتهور:
"أنت بتتدخل في اللي ملكش فيه ليه، راجع بعد كل السنين دي تنتقم عشان خدتها منك!"
لم تفهم حلا مقصده، فعقدت حاجبيها بحيرة. فيما أمسك مالك ببسام مرة أخرى ودفعه حتى سقط على الأرض قائلاً باحتقار:
"أنا لو كنت عايز انتقم منك كنت انتقمت من زمان، إنما أنا كنت بساعد حلا عشان ترجع حقها منك وتشوف حقيقتك بنفسها."
ابتسم بقسوة وتابع:
"جهز نفسك لأنه البوليس في السكة."
في تلك اللحظة حضر شادي الذي قال باعتراض:
"لا، هي جت عليا يعني!"
تقدم شادي الذي ابتسم لبسام ابتسامة مريبة، فنظر بسام له باستغراب. قال شادي وهو يحك يديه ببعضهما بنبرة عابثة:
"كنت مستني اللحظة دي من زمان يا بسام، تعالى يا حبيبي عشان لينا حق لسة."
هجم شادي على بسام يضربه قدر ما استطاع. وبسبب أن بسام مازال متأثراً بسبب المخدر الذي شربه في الليلة الماضية، لم يستطع مقاومة شادي. وبعد عدد من الضربات، قام مالك بإبعاد شادي بكل هدوء، ثم نظر له وقال بنبرة عملية:
"عيب يا شادي، مش بنضرب كدة."
وجه نظراته التي تحولت للكراهية إلى بسام وقال بنبرة جدية يشوبها الحقد:
"بنضرب كدة."
ثم لكم بسام بشدة وتوالى عليه بالضربات التي لم تكن تشبه ضربات شادي الخفيفة في شيء. وفي تلك الأثناء كانت إسراء تضرب جالا التي لم تستطع الإفلات منها. كانت حلا تراقب ضرب مالك لبسام، ولأول مرة لا تشعر بالشفقة عليه حتى من صرخات استغاثته. نادتها إسراء بحماس:
"تعالي خدي حقك، أنتِ هتسيبيها تمشي كدة من غير تذكار!"
اندفعت حلا نحو جالا بحقد وتعاونت مع إسراء على ضربها وهي تتذكر ما كانت تخطط له من أجلها. أمسك مالك بياقة بسام الذي كان ينزف من أنفه وفمه، والكدمات التي تلقاها واضح أثرها في سائر أنحاء وجهه. قال مالك لحلا بجدية:
"عايزة حاجة تاني؟"
وقفت حلا ورائهم وهي تنظر لوجه بسام الدامي، وقالت بصوت جامد:
"يطلقني، عايزة يطلقني دلوقتي."
هزه مالك من ياقة ملابسه وقال بصرامة:
"طلقها."
نظر له بسام ثم ضحك بصوت منخفض، فعقد مالك حاجبيها باستغراب منه. قال بسام بخبث:
"عايزني أطلقها؟ لسة عندك أمل بعد السنين دي كلها؟ حتى لو طلقتها المهم أني عملت اللي أنا عايزه وحرقت قلبك السنين دي كلها وكسبتك."
ابتسم مالك بقسوة:
"لو كنت أنت حرقت قلبي السنين اللي فاتت، فدلوقتي قلبك هو اللي هيتحرق. الباقي من عمرك وأنت بتقضيه في السجن، ولو أنا خسرت مرة فأنت خسران دلوقتي كل حاجة طول عمرك!"
ثم لكمه حتى أن بسام بصق الدم من فمه، فعاد مالك يقول بحدة وهو يهزه بقوة أكبر:
"طلقها!"
نظر بسام لحلا بعيون زائغة وقال:
"أنتِ.... أنتِ طالق."
أغمضت حلا عيناها بشدة ودمعة تسللت من جفنها لتنهمر على خدها وهي تشعر بالخلاص أخيراً من كل شيء كان يحاوطها. فتحت عيونها على اقتحام رجال الشرطة مع حسام الشقة، وقد أشار لهم حسام:
"دول يا حضرة الضابط المتهمين، ومعايا كل الأدلة والإثباتات اللي تثبت تورطهم في خداع موكلتي في كل التهم الموجهة ليهم."
نظر كل من جالا وبسام بفزع لرجال الشرطة قبل أن يأخذوهم، فاستندت حلا على الطاولة ورائها بتعب وهي تشرد لتتذكر ما حدث حين غادر بسام المنزل بعد مشاجرته مع عمه. فقد اتصل بها مالك ليخبرها بخطة جالا وبسام مع سعيد، وأنها يجب أن تحذر، ثم أحضر لها عن طريق شادي أوراق التنازل الجديدة التي كانت يحب أن يوقع عليها بسام في أسرع وقت. وقد تم القبض على سعيد في نفس يوم تنفيذ الخطة حتى لا تستطيع جالا الوصول إليه وكشف ما يحدث. ثم تذكرت حين وقع بسام على تلك الأوراق نتيجة الهلوسة من تأثير المخدر. حينها أتت إسراء وأخذت النسخة الأصلية لتعطيها لحسام، ولكنها أصرت على الاحتفاظ بنسخة حتى تتفاخر بها أمامهم حين تحين هذه اللحظة. زفرت بعمق وهي لا تصدق أن كل شيء انتهى أخيراً ونهاية لصالحها أيضاً. أفاقت من شرودها على يد إسراء التي وُضعت على كتفها وهي تقول بفرح:
"وأخيرا يا حلا، الحمد لله حقك رجع لك."
أومأت حلا بابتسامة باهتة، ثم نظرت حولها بتنبه، فأين ذهب مالك؟ فجأة تذكرت كلمات بسام وركزت فيما قاله. فمن التي أخذها بسام من مالك للانتقام؟ ولما أراد مالك الانتقام أساساً؟ شعرت بشيء غريب وراء تلك الكلمات وحاولت دفع الاحتمال الذي يدور في بالها بعيداً وهي تسأل إسراء بسرعة:
"مالك راح فين؟"
هزت إسراء رأسها:
"مشي دلوقتي."
ركضت حلا بسرعة حتى تلحقه متجاهلة نظرات إسراء وندائها المندهش. وجدت يسير وحيداً على مسافة منها، فلحقته بسرعة حتى أدركته. نادت بصوت عال:
"مالك!"
توقف مالك مكانه ثم التفت ببطء وسأل بتعجب:
"فيه حاجة؟"
أومأت حلا برأسها بقوة وقالت بريبة:
"مين اللي بسام أخدها منك يا مالك؟"
تجمد مالك مكانه وقد تحجرت قسمات وجهه، مظهرة رفضه الكامل للإجابة. ازداد الشك داخلها ولم تستطع تحمل الأسئلة التي تدور في خلدها، فطالبته بإصرار:
"ليه كنت عايز تنتقم من بسام؟ إيه سبب العداوة اللي بينكم كل السنين دي؟ وليه ساعدتني من البداية؟ وإيه الكلام الغريب اللي كان بينكم جوا؟ مين اللي أخدها منك عشان يحرق قلبك؟ رد عليا مين!"
ظل صامتاً وقسمات وجهه جامدة حتى ظنت للحظة أنه لن يجيب، ثم حدق إليها بمرارة تلتمع داخل عينيه رغم وجهه الذي لا يُظهر أي تعبير، وهو يقول بصوت هادئ:
"أنتِ."
رواية طلاق بائن الفصل السابع عشر 17 - بقلم ديانا ماريا
اتسعت عيون حلا بصدمة وهي لا تستوعب ما تسمعه منه. هزت رأسها بعدم تصديق.
ليؤكد لها مالك بهدوء: "أيوا، أنتِ. كان عايز يوجعني فيكِ أنتِ، لأني..."
حاول أن يجد الكلام المناسب ليعبر عما يريد قوله، ثم تنهد بقلة حيلة: "لأني حبيتك."
كانت ترفض تصديق ما تسمعه، بالتأكيد الحقيقة ليست ما يقوله مالك الآن.
ابتسم مالك بألم: "عارف إنك مش مصدقة اللي بتسمعيه، بس دي الحقيقة واللي حصل من سنين."
عاد مالك بذاكرته للوراء. رغم أن عدم الارتياح بينه وبين بسام يعود لسنوات طوال تشمل طفولتهم ومراهقتهم، إلا أن الأمر احتد عند بلوغ مرحلة الشباب. فقد كان بسام يكره بشدة سماع المديح لمالك من جميع من حوله، لأنه رغم صغر سنه، فقد كان مسؤولاً عن إعالة نفسه ووالدته بعد وفاة والده. وقد تحمل المسؤولية منذ صغره، عكس بسام الذي كان عمه يؤنبه دائماً بسبب انعدام مسؤوليته واستهتاره الدائم، على الرغم من أنه ومالك في نفس العمر. ولكن حب بسام للعبث واللهو كان المسيطر على حياته، وقد سئم عمه وجميع من حوله من نصحه لتغيير نمط حياته. وعلى الجانب الآخر، فقد كان جميع من في منطقتهم يمدحون مالك وأخلاقه دائماً، لذلك كرهه بسام، رغم أن مالك لم يتطرق له يوماً بسوء. إلا أن جاء ذلك اليوم.
حين كان بسام قد اشترى ثياباً جديدة بالنقود التي أعطتها إياه والدته خلسة من وراء عمه بعد أن منع عنه النقود عقاباً على مشكلة افتعلها. فارتداها ثم هبط من المنزل ليلحق بموعده مع جالا.
كان هناك عدة أولاد يلعبون الكرة، ولسوء حظ ذلك الولد، فقد ركلها بقوة فاصطدمت بصدر بسام وتركت بقعة كبيرة من الطين عليها.
نظر بسام لملابسه المتسخة بذهول، ثم عاد يحدق بغضب للطفل الذي يبادله التحديق برهبة.
خطى بسام بسرعة وعصبية نحو الطفل الذي شعر بالخوف، حتى أنه تراجع ليمسكه بسام من ياقة ملابسه صارخاً بغضب: "إيه اللي أنت عملته يا حيوان! أنت عارف القميص ده بكام علشان تبوظه؟"
كان الطفل ينظر إليه بخوف ولم يجب. فهزه بسام بقوة أكبر، هو يتابع بغيظ: "أنت غبي ومتربيتش علشان تعمل كده!"
كان مالك عائدًا من عمله في ذلك الوقت ورأى ما حدث حين كان يعبر من الشارع. فاقترب يقول باستغراب: "إيه ده؟ أنت ماسكه ليه كده؟"
لم ينظر له بسام وهو يقول بحنق: "ملكش دعوة، أنت متدخلش."
وضع مالك يده على كتف بسام وقال برزانة: "مش شايف نفسك مسخرة وأنت عامل عقلك بعقل طفل وماسكه بالشكل ده؟"
ترك بسام الطفل ليهرب خوفاً، بينما يلتفت لمالك وينظر له بحنق: "أنت قلت إيه؟"
نظر له مالك من أسفل لأعلى بسخرية خفيفة وقال ببرود وهو على وشك الذهاب لأنه ترك الطفل أخيراً: "شوف طولك وطوله قبل ما تتخانق معاه."
أمسكه بسام من ياقة قميصه بشدة وهو يحدق إليه بغيظ. فنظر مالك لموضع يده ثم لبسام بطريقة جعلت بسام يرخي من قبضته عليه.
أبعد مالك يده كأنه ينفض شيئاً عن ملابسه واستدار ليغادر. فتملك بسام الغضب الشديد ونظر حوله ليجد أنظار الجميع مسلطة عليه. معنى ذلك أن مالك أهانه أمام الجميع ويجب أن يرد على إهانته حالاً، وإلا سوف يفقد كرامته.
قال بسام بصوت عالٍ: "رايح فين ولا خايف تقف قدامي؟"
أكمل مالك سيره بلامبالاة. فنظر بسام حوله وهو يبتلع ريقه بصعوبة لشدة الإحراج الذي يشعر به.
ارتفعت زاوية فم مالك بابتسامة لأنه يعلم أن ذلك أقصى ما عنده. ولكن بسام كان يحاول إيجاد أي شيء يحفظ ماء وجهه، لذلك انطلقت الكلمات التالية من فمه دون تفكير: "طبعاً لازم تخاف، هستنى إيه من عيل يتيم بيجري على أمه الفقيرة علشان يعرفوا ياكلوا، وأبوك معلمكش تقف زي الرجالة، هتقف إزاي قدام اللي أعلى منك!"
توقفت مالك في مكانه فجأة وثبتت عيناه أمامه دون تعبير. أما بسام نظر له بانتصار بعد أن علم أن كلماته أصابت هدفها. وانتظر الجميع بترقب رد فعل مالك على تطاول بسام عليه.
التفت مالك ببطء ووجه نظرة من عينيه لبسام نظرة جعلت بسام يتراجع للحظة عن موقفه. ثم قال بصوت جامد: "موتك على إيدي النهاردة."
وفي ثلاث خطوات كبيرة كان قد وصل لبسام ولكمه بشدة حتى أن بسام وقع على الأرض. لم يتوقف مالك للحظة بل مال عليه ورفعه ليلكمه من جديد. وتتابعت الضرب بتلك الطريقة. هناك من رأى وخاف الاقتراب بسبب الغضب الظاهر على وجه مالك، فقد خاف أن ينال شيئاً من بطشه إن تدخل. وهناك من وقف متفرجاً بلامبالاة، وبعضهم بتشفي لأن من نظرهم يستحق بسام ذلك على كلماته الحقيرة.
حين رأى البعض أن مالك يكاد يفتك ببسام، تدخلوا وحاولوا إبعادهم عن بعضهما، أو بالأحرى إبعاد مالك عن بسام الذي أشبعه مالك ضرباً دون أن يرد له واحدة حتى من ضرباته. كان مالك يمسك بسام بقوة حتى أن الأمر تطلب مجهود بضعة رجال ليبعدوه، وذلك لا يعود لقوة مالك الجسدية حينها، بل لشعوره بالحرقة من حديث بسام عنه وعن والديه.
أتى في تلك اللحظة عم بسام وأخواته. فقال فهمي بتساؤل: "إيه اللمة دي؟ في إيه؟"
لمح بسام الملقى على الأرض بطرف عينه، فنظر له بصدمة وتقدم إليه: "إيه اللي عمل فيك كدة؟"
قال مالك ببرود: "أنا اللي عملت فيه كده."
نظر له فهمي بدهشة، فتابع مالك بنفس البرود: "ولو كان بإيدي كنت شوهت ملامح وشه كلها."
نظر مالك لفهمي وقال بهدوء: "ولو عايز تعرف اللي حصل، اسأله."
ثم استدار وغادر. فتلفت فهمي حوله بحيرة ليسأل: "إيه اللي حصل؟ حد يرد عليا!"
تطوع أحد الرجال الواقفين وشرح ما حدث سريعاً وما قاله بسام لمالك، فتسبب في إثارة غضب مالك.
تحول وجه فهمي وتغيرت قسماته بسبب الذهول، ونظر لبسام بعصبية.
نظر لعادل وقال بحدة: "هاته ورايا على البيت!"
كان غضب فهمي يتأجج، ولم يدخر قولاً في توبيخ بسام عن فعلته الشنيعة، حتى عادل وبقية إخوة بسام حاولوا تهدئة فهمي دون فائدة. وقد جلس بسام مطرق الرأس وازدادت كراهيته لمالك وتوعد له بالانتقام. ففي المساء هبط من المنزل وترقب خروج مالك من منزله.
حين خرج مالك، اختبأ بسام حتى لا يراه وتبعه منتظراً فرصة لينفرد به ويأخذ حقه. سار ورائه حتى وصل مالك لمكان وانتظر. فانتظر بسام هو أيضاً باستغراب.
اعتدل مالك عند خروج فتاة من المكان وراقبها مبتسماً، ثم تبعها حتى وصلت لمنزلها. وقد استنتج بسام أن هذه الفتاة هي التي يحبها مالك. وبعدما عاد لمنزله، ظل يفكر كيف يمكن أن يأخذ حقه بأكثر طريقة مؤلمة ممكنة. علم مكان سكن تلك الفتاة، فذهب في اليوم التالي وجمع عنها بعض المعلومات. ولم تكن فكرة بسام في البداية أن يتزوجها، ولكن حين تحدث أمام جالا عن مالك وما فعله، ثم المعلومات التي عرفها عن الفتاة وأنها ابنة وحيدة لرجل مقتدر، فكر في البداية في إخافتها. ولكن جالا أعطته الحل الأنسب، فقد رأت في ذلك فرصة لا تعوض. إن تزوج بسام من تلك الفتاة الغنية، سيتوفر لهم المال الذي يمنعه عنهم عم بسام. ورغم ذهول بسام في البداية ورفضه، إلا أنه اقتنع وأسرع يعرض الأمر على عمه، معتبراً ذلك الطريق الذي سيتمكن من تقويمه وإصلاح حياته. فوافق عمه لعل ذلك يكون الطريق لنضجه. وبدأ بسام وجالا في تنفيذ خططهم لدخول حياة حلا.
وبعد فترة علم مالك بخطوبة حلا، ولكن لم يعلم من العريس. فكان ذلك صدمة له وألم لقلبه. ولكن الصدمة الكبرى أتت حين علم من العريس في يوم عقد القران. فذهب إلى هناك لا يرى أمامه من شدة الغضب وطلب من أحدهم استدعاء بسام. فحين رآه بسام ابتسم بخبث. ليتقدم مالك ويضربه بجنون. ورغم أن مالك يضربه، كان بسام يضحك في وجهه، فقال له: "شوفت خدت حقي إزاي؟ آه، مش قدام الناس زي ما كان نفسي، بس حرقت قلبك العمر كله."
جن جنون مالك ليضربه بقوة أكبر وبسام يتظاهر بالاستسلام. حتى أن من يراهم يظن أن مالك يعتدي على بسام وبسام لا حول له. وقد كان في تلك اللحظة التي هبطت بها حلا لترى ذلك المشهد.
كان مالك ينظر لها وهي تصرخ عليه لأجل بسام. وقد أصبحت زوجته هو، ولا شيء يمكن أن يعبر عن قلبه الذي يحترق بداخله. ثم غادر. وقد غادر مالك تلك المنطقة مع والدته التي توفيت بعد فترة.
عاد مالك للحاضر وهو يحدق لحلا التي كانت تجد صعوبة كبيرة في تصديق ما سمعته الآن. رغم كل ما علمته عن بسام، ورغم ظنها أنه وصل الحد النهائي من الحقارة، تعلم أمراً جديداً يثبت خطأها.
رأى مالك صدمتها، فقال بنبرة مشتدة مغلفة بالحزن: "أنا عارف أنك مصدومة وبتسألي نفسك ليه رجعت بعد كل ده؟ بس أنا بجد بحترم نفسي وبحترمك. أنا عملت ده علشان أساعدك وبس ومش عايز أي حاجة تانية."
انهمرت دموعها على وجهها وتسارعت أنفاسها، فهزت رأسها بشدة وهي تتراجع للوراء. تقدم مالك خطوة وهو يرفع يده لا شعورياً ويقول برجاء: "حلا....."
نظرت له للحظة ثم استدارت وهي تركض بشدة. فنظر مالك ليده المعلقة في الهواء وأغلق يده على قبضته بعجز. نظر لها بنفس العيون الدامعة كما فعل منذ سنوات في يوم زواجها، بينما تبتعد وتختفي عن ناظريه. فابتسم بمرارة والتفت ليغادر.
عندما عادت حلا للمنزل، وجدت عم بسام ووالدته قد عادوا بعد زيارة المستشفى للاطمئنان على قدمها، لأن حلا قد أقنعتهم أن ذلك أفضل حتى يروا مدى تحسن حالتها. وقد وجدوا الأمر غير طبيعي، فاضطرت حلا أن تشرح لهم ما حدث.
جلس عم بسام على الأريكة مصدوماً، بينما صرخت والدة بسام بفزع: "مستحيل! مستحيل يعمل كده!"
نظرت لهم حلا بإشفاق: "للأسف يا ماما، الكلام كله صح وبالأدلة كمان."
نهض فهمي وضرب بعصاه الأرض وهو يقول بصلابة: "خديني هناك حالا."
خافت حلا فأطاعت أمره. كانت والدة بسام على وشك مرافقتهم، حين رفع العصا في وجهها وأمرها بحدة: "خليكي هنا لحد ما أرجع، وعلى ما أرجع أقعدي وفكري إيه اللي عملناه في حياتنا علشان يطلع لنا ولد كدة."
وصل فهمي لمركز الشرطة وانتظر بينما تنتهي التحقيقات مع بسام وجالا، وطلب أن يحظى بفرصة ليتحدث مع بسام.
دخل مع حلا إلى غرفة التحقيق التي كان بسام يجلس فيها مقيد اليدين. نظر له بسام بلامبالاة، بينما وقف فهمي يرمقه بإشمئزاز جلي.
نفخ بسام بملل: "ناوي تقف كده كتير؟"
نظر له فهمي بعدم تصديق: "وكمان بجح! أنت إزاي كده؟ طلعت كده إزاي وامتى؟ قصرت في إيه معاك علشان تطلع زبالة كده!"
نظر له بسام بكره: "وأنت عملت إيه معايا علشان أطلع غير كده؟ طول عمرك حارمني من حقي ومن كل حاجة حلوة في حياتي!"
أمسكه فهمي من ياقة ملابسه ليقف أمامه. بصق فهمي في وجهه، فشُهقت حلا وأغمض بسام عينيه بقوة ليسيطر على غضبه.
هزه فهمي وهو يقول بانفعال شديد: "حارمك من حقك اللي كنت عايز تبعثره يمين وشمال وبحافظ لك عليه! كل حاجة حلوة زي إيه؟ صحابك الصيع! ولا البت اللي كنت ماشي معاها وعايز تتجوزها وسمعتها سابقتها في كل مكان! حياة الصياعة والاستهتار وقلة القيمة، هو ده اللي حرمتك منه؟ علشان كنت عايزك تبقى راجل وبدل ما ترفع رأسي، وطيتها وكسرت ضهري وفضحتنا!"
أنهى كلامه بصفعة قوية على وجه بسام من شدة غضبه وخيبة أمله اللذان يشعر بهما.
نظر له بسام بكره ودفعه وهو يصيح بحنق: "كفاية بقى، أنا بكرهك وبكره كل حاجة عملتها معايا، ولو كنت أطول كنت خدت حقي منك ومنكم كلكم ورميتك في الشارع، بس أنا هوريك وهتشوف!"
أسرعت حلا بذعر وأمسكت بفهمي قبل أن يقع على الأرض، فاسندته بقلق: "أنت كويس يا عمي؟"
نظر فهمي لبسام بعدم استيعاب مما حدث، فحثته حلا برفق وهي تنظر لبسام باحتقار: "تعالى يا عمي أقعد بره وارتاح."
عادت حلا مجدداً وجلست أمام بسام الذي جلس بفعل إجبار العسكري.
قالت ببرود: "أحكي."
فهم مقصده، فاعتدل وهو يضع يديه على الطاولة وقال بمشاكسة: "أحكي إيه يا قلبي؟ من بداية حبي ليكي؟"
رمقته حلا بتقزز من أسلوبه وقالت بحزم: "لا، من بداية حقارتك مع مالك."
رفع حاجبه: "كمان بتناديه مالك؟ ده واضح الموضوع متطور أوي."
ضربت على الطاولة بعنف: "الحركات دي بتاعتك، أنت دلوقتي تتكلم وتقول كل حاجة، فاهم؟"
زفر بضيق ثم بدأ الكلام: "مالك ده أنا كنت بكرهه طول عمري، كان دايماً عامل نفسه أحسن مني، لحد ما حصلت خناقة بيننا وكنت عايز آخد حقي ومشيت وراه، لقيت واقف بيراقبك وبعدها عرفت عنك كل المعلومات. جالا هي اللي كان صاحبة فكرة أني أتزوجك، كده هقدر أقهر وأخد حقي منه، وفي نفس الوقت نستفيد علشان أبوكِ غني."
لم يتابع كلماته، فتابعت حلا بابتسامة ألم: "علشان لما بابا يكون، تعرف تستغلني وتسرق الورث زي ما عملت؟"
لم يجب وهو يشيح بوجهه عنها، فقالت حلا بأسى: "ياخي سبحان الله، أنا كل مرة بتفاجئ، أنت ممكن توصل لأقصى مستويات الحقارة علشان خاطر الفلوس."
كان الألم الذي بداخلها هائلاً، فهي كانت مجرد دمية في لعبة قذرة طوال الوقت.
ابتسمت له وقالت بتشفي: "بس شوفت الدنيا بتدور إزاي؟ اللي أنت عملت علشانها كل ده، كانت ناوية تغدر بيك علشان الفلوس، وأنت خسرت كل حاجة، حتى الفلوس."
نظر لها بسام بغيظ شديد، فتابعت حلا بشماتة: "خسرت كل حاجة، أنا رجعت حقي وأطلقت منك، وأنت هتقضي وقت كبير أوي من عمرك في السجن، ومالك اللي قهرته قبل كده هو دلوقتي اللي قهرك وفاز عليك."
لمعت عيون بسام وقد أثار جنونه ما تقوله. نهضت هي بثقة وكانت على وشك الذهاب وهي ترميه بنظرات انتظار. حين استدارت، نهض بسام وقال بنبرة هستيرية: "اللعبة لسة مخلصتش يا حلا، مش بسام اللي يخسر!"
وقبل أن تدرك، أسرع وضرب العسكري الذي في الغرفة بقوة وسرعة وخطف منه مسدسه. فصرخت حلا بصوت عالٍ وهي تضع يدها على فمها.
وجه المسدس ناحيتها، كان الحنان يسيطر على قسمات وجهه ويظهر في عينيه التي يحدق بهما إليها، بينما حلا تقف مشلولة ولا تقوى على إبداء أي رد فعل.
قال بهوس: "لا أنتِ ولا مالك هتكسبوا عليا أبداً!"
حدث كل شيء في لحظات معدودة، وكأنه استسلام لمصيرها الحتمي. رفعت يديها تغطي وجهها فيما يضغط بسام على الزناد وتنطلق الرصاصة خارجة من المسدس.
رواية طلاق بائن الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ديانا ماريا
كانت حلا ساكنة تماماً بينما عم الهرج المكان. سقطت يديها بجانبها وعيناها تنظر أمامها، ولكن في نفس الوقت كانت لا ترى شيء مما يحدث وكأنها في عالم آخر. فلم ترى الشرطة تقتحم ويمسكون ببسام أو فهمي الذي دخل ووقف بجانبها ينظر لها بصدمة.
كانت تتسائل هل ما حدث حقيقي؟ ربما لم يطلق بسام النار؟ فهي لا تشعر بأي ألم.
انخفضت عيونها بتمهل حين شعرت بشيء يسيل من كتفها. فنظرت له لتجد أنها تنزف دماً. ابتلعت ريقها برعب وبدأت الرؤية تتشوش أمامها وأنفاسها تثقل فعلمت أنها ستفقد الوعي. كانت أذنيها صماء عن كل ما حولها إلا من صرخة باسمها سمعتها من خلفها.
كانت على وشك الوقوع حين التقطتها ذراعين بقوة. رفعت عيونها وقد وجدت نفسها تنظر لعيون مالك الذي يحدق لإصابتها برعب. حينها استسلمت كلياً للظلام الذي أحاط بها. أغمضت عيونها ورأسها يقع للوراء فاقدةً للوعي.
كانت نائمة باسترخاء كأنها لم تنم من زمن طويل. وهذا هو ما تشعر به أنها كانت ترتاح بعد عناء طويل وخروج بسام وعشيقته من حياتها.
عقدت حاجبيها عند ذكر تلك النقطة. بسام! إن آخر ما تتذكره هو القبض عليه ثم الذهاب لمركز الشرطة و..... وإطلاقه النار عليها!
فتحت عيونها وهي تنظر حولها بهلع. تحول شعورها للاستغراب حين أدركت أنها في غرفة مستشفى. نظرت لكتفها لتجده مضمد في حمالة للذراع.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة. لم يكن هناك أحد في الغرفة. حاولت النداء بصوت ضعيف على أي أحد حتى فُتح الباب فجأة ودخلت الممرضة لتتفاجئ بها مستيقظة.
ابتسمت لها: إيه ده أخيرا صحيتِ.
سألتها حلا بتعب: هو إيه اللي حصل؟
أجابت الممرضة بينما تفحصها بشكل سريع: اتصابتِ برصاصة في كتفك بس الحمدلله جت سليمة. المشكلة أنه مكناش لايقين فصيلة دمك خالص لأنك نزفتِ كتير. بس الأستاذ اللي معاكِ كتر خيره فضل يدور ويلف على المستشفيات لحد ما لقاها.
قطبت حلا بتعجب: أستاذ؟ أستاذ مين؟
أشارت الممرضة لمكان خارج الغرفة: الأستاذ اللي نايم برة.
رفعت حلا رأسها ودهشت حين رأت مالك ممدد على كراسي الانتظار أمام الغرفة ويضع يده تحت رأسه ويبدو عليه التعب.
نظرت لها الممرضة بابتسامة بينما تتفحص كتفها: أنا معرفش هو خطيبك ولا جوزك بس عايزة أقولك أنك محظوظة وربنا بيحبك. ده كان قلقان عليكِ جدا وفضل يدور على دم كتير أوي وكمان اتحايل على الدكتور يسمح له يبات معاكِ ورفض يروح بعد ما بقية أهلك مشيوا. وكل شوية يسألني على صحتك.
كانت حلا تستمع لحديث الممرضة بصمت فيما تحدق لمالك النائم وتذكرت حين أُصيبت وكانت على وشك الوقوع ومالك هو من أمسك بها قبل أن تسقط وتفقد الوعي.
أبعدت نظراتها وهي تسأل الممرضة: لو سمحتِ هو الدكتور هيجي امتى؟
أمعنت الممرضة النظر بها: فيه حاجة بتوجعك؟
كأن في تلك اللحظة قرر كتفها التعاون حتى لا تضطر للكذب فتجعد وجهها بألم حقيقي: أيوا بيوجعني أوي.
أسرعت الممرضة وقامت بتعبئة إبرة: الإبرة دي هتريحك وتخليكي تنامي للصبح لحد ما الدكتور يجي بإذن الله.
أراحت حلا رأسها على الوسادة وبينما يتسلل إليها النوم ذهبت عيناها بشكل تلقائي إلى مالك. وكان آخر مشهد رأته قبل أن تغط في نوم عميق.
استيقظت في اليوم التالي لتجد الطبيب في الغرفة. فحصها وتحدث معها بلطف وأخبرها أن في خلال أسبوع ستتمكن من الخروج من المستشفى.
قبل أن يخرج قال فجأة كمن تنبه لأمر: صحيح الشاب اللي برة بات هنا وكان قلقان عليكِ جدا. أنا معرفش صلة القرابة لكن أعتقد هو حابب يشوفك يقدر يدخل؟
ترددت حلا للحظة وهي تحدق أمامها. لكن لم يبدو من العدل أن بعد كل ما قدمه لها ترفض مقابلته خصوصاً وهي تريد أن تشكره على ما فعله من أجلها.
عدلت من جلستها وهي تنتظر حتى دخل مالك وهو يرمقها بنظرات كم يتأكد إن كانت بخير حقا أم لا. تقدم حتى وقف أمام السرير وقال بابتسامة باهتة: حمدا لله على السلامة.
أجابت حلا بهدوء: الله يسلمك.
نظر حوله بتوتر ثم عاد يحدق إليها: شكلك أحسن الحمدلله. حاسة بأيه؟
أومأت حلا: الحمد لله بخير.
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت وهي ترمقه بامتنان: أنا مش عارفة أشكرك إزاي على اللي عملته معايا. بجد شكرا ليك. الممرضة قالتلي أنت تعبت أد إيه على ما لقيت الدم.
ابتسم ابتسامة جذابة وقال بصوت عميق: مفيش شكر أبدا. أنا عملت واجبي.
أظلم وجهه وتابع بنبرة حادة: أصلا كل اللي حصلك ده بسببي.
نظرت له بدهشة فتابع وهو يوجه اللوم لذاته: بسام عمل معاكِ كل ده علشان ينتقم مني وعرفك عن طريقي. لولا كدة مكنش حاجة من دي حصلت. أنا آسف بجد.
لم تعرف كيف ترد في البداية وفكرت هل معنى هذا أنه فعل ما فعله البارحة بسبب شعوره بالذنب؟ لا تدري لما لم تلق لديها هذه الفكرة أي ترحيب.
رفعت وجهها له وقالت برقة: مفيش داعي للكلام ده أبدا. كل اللي حصل كان قدر والحمدلله عدى على خير. وبعدين أنت ساعدتني كتير أوي ولولاك بعد ربنا مكنتش هعرف أرجع حقي ولا أعمل حاجة لوحدي.
خف العبوس من وجه وعاد ليبتسم فبادلته ابتسامته. في تلك اللحظة دخلت والدتها التي كانت تبكي وأسرعت إليها لتضمها قائلة بقلق: مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصلك. أنا لسة معرفش حاجة إلا دلوقتي.
دلف ورائها إسراء وشادي فقالت إسراء: إحنا مكناش عايزين نقلقها لحد ما نطمن عليكِ. علشان كدة مقولناش حاجة امبارح ودي كانت نصيحة مالك.
نظرت حلا لمالك بامتنان فأومأ بتفهم ثم انسحب بهدوء حتى يتركهم على راحتهم. فقالت حلا بهدوء تطمئن والدتها: أنا كويسة الحمدلله يا ماما متقلقيش.
نظرت لها والدتها بحسرة: بخير إزاي يا بنتي وأنتِ في حالتك دي. إزاي تخبي عليا كل ده ومتحكيش؟ كنتِ قوليلي على الأقل أشاركك همك.
أغمضت حلا عينيها بقوة وقالت بتعب: بالله عليكِ يا ماما بلاش السيرة دي. أنا مش عايزة أتكلم دلوقتي.
نظرت لها والدتها بقلق: مالك فيكِ حاجة أنادي الدكتورة؟
هزت رأسها: لا بس مرهقة شوية.
تقدمت إسراء منها وعانقتها بحنان: حمدا لله على سلامتك يا حبيبتي. كنا هنتجنن عليكِ.
قال شادي بمرح: تخيلي مقعداني جنبها طول الليل ومش راضية تخليني أنام. طب أنا مالي!
نظرت له إسراء بتوبيخ وكانت على وشك أن تضربه فتراجع بخوف لتضحك حلا بخفة. ثم تنهدت أخيرا ارتاحت من حِمل ثقيل.
دق الباب فذهبت إسراء لتفتح. ذُهل الجميع فقد كان فهمي وزوجته أي والدة بسام هم من يقفوا هناك.
قالت والدة حلا بغضب: جايين هناك تعملوا إيه. مش كفاية اللي هي فيه؟ بقى يرضيك اللي عمله ابن أخوك يا حاج؟ هي دي الأمانة اللي سيباها عندكم!
وضعت حلا يدها على ذراع والدتها: ماما مفيش داعي للكلام ده دلوقتي.
تقدم فهمي وقال بهدوء: عندك كل الحق يا أم بس. دلوقتي أنا جاي اطمن على صحة حلا وبس.
دخلت ورائه والدة بسام بصمت ولمحت حلا من طرف عينها مالك ينظر لهم بريبة قبل أن تغلق إسراء الباب.
قال فهمي لحلا باهتمام: عاملة إيه يا بنتي؟
أجابت حلا بخفوت: الحمد لله يا عمي.
كانت والدة بسام تقف قربه صامتة فنظرت لها حلا بتوتر: عاملة إيه يا ماما؟
رمقتها والدة بسام بنظرات غريبة وقالت باستهجان: بتسأليني عاملة إيه؟ هكون عاملة إيه بعد كل اللي عملتيه في ابني!
هدر فهمي بحنق: أنتِ بتقولي إيه! اسكتي!
انفلتت أعصاب والدة بسام فارتفع صوتها: بقول الحقيقة. هي السبب في كل حاجة حصلت لابني ودلوقتي اترمى في السجن وعمره هيضيع جوا بسببها!
رواية طلاق بائن الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ديانا ماريا
نظر الجميع بصدمة، فيما امتقع وجه حلا من الاتهامات الموجهة إليها من والدة بسام.
صرخ بها فهمي: "أنتِ جرا لعقلك حاجة! بتقولي إيه وهي كان مالها إنه ابنك فاسد وغدار؟"
نظرت والدة بسام لحلا وعيناها تحمل الضغينة: "هو غلطه يستاهل كل ده! هو غلط آه بس ميستاهلش بقية عمره يضيع جوا السجن ويا عالم هيخرج امتى!"
نظرت لفهمي بلوم: "كل اللي حصله غلطك أنت، هو كان دايماً يشتكي وأنا أقوله استحمل، أنت علطول كنت بتضغط عليه وبتهزقه ومن كتر الضغط مستحملش!"
زجرها فهمي بحدة: "كلمة كمان ويمين الطلاق اللي عمري ما حلفت بيه أبداً هيترمي عليكِ النهاردة، أنتِ فاهمة!"
توترت ونظرت للأرض بضيق، فتنهد فهمي وقال لحلا: "معلش يا بنتي اعذريها، هي مهما كان أم وقلبها واجعها على ابنها."
عاتبته والدة حلا بحرقة: "وبنتي يا حاج فهمي كانت عملت إيه علشان ابنك يعمل فيها ده كله؟ هي محروق قلبها طب أنا أعمل إيه لما أعرف أنه بنتي حصل فيها كل ده؟ ابنك مجرم وبنتي كانت ضحية، وكل ده جاية بكل بجاحة تلومها أنها بتاخد حقها، ده كلام عاقلين يا ناس! ده ربنا حرم الظلم!"
تابعت بغضب وهي تنظر لوالدة بسام: "جاية تلومي بنتي وهي راقدة في المستشفى بدل ما تروحوا تشوفوا ابنكم اللي معرفتوش تربيه ومعرفش يحافظ على بنات الناس وكان ماشي مع واحدة شبهه على مراته، يرضي مين ده يا أم عادل؟ ده لو حكمنا الشيطان هيقول مليش دعوة!"
أخفض فهمي رأسه، فقد كانت محقة في كل كلمة.
فيما دق الباب ودخل مالك قائلاً بهدوء: "أنا آسف بس صوتكم عالي وسمعت كلامكم."
وقف أمام والدة بسام وأردف: "أنا عارف ومتفهم غضبك وحزنك كأم، بس أنتِ لازم تعرفي وتفهمي كويس أنه مش من حقك تلومي حد أنه بياخد حقه، وعلشان تبقى الصورة واضحة قدامك أكتر أنا هحكي لك كل حاجة."
سرد لها مالك تفاصيل مشاجرته مع بسام منذ سنوات، والتي أدت لانتقام بسام منه في الزواج منه حلا بالاتفاق مع جالا، ثم خداعها ومحاولتهم الإيقاع بها وحياكة المؤامرات ضدها.
كان الجميع يستمع في صدمة، إلا حلا، اخفضت رأسها لأنه سماع مالك يتحدث عن تلك المعاناة مرة أخرى يجعلها تشعر بالاختناق.
سقطت دموع والدة بسام وهي تهز رأسها غير مصدقة لما تسمعه من مالك عن ابنها، نعم تعرف أنه مستهتر وطائش، لكن لم تتخيل أبداً أن يصل لهذا المستوى من الدناءة وانعدام الضمير!
أدارت رأسها تحدق لفهمي الذي شحب وجهه بشدة، فقد أخبرتهم حلا عن خيانته وسرقته لها، ولكن لم تتحدث عن الباقي.
اقتربت من فهمي وهي تهز رأسها بعدم تصديق: "لا لا يا فهمي أكيد مش بيقول كدة عن بسام، أكيد بيتكلم عن حد تاني صح؟ رد عليا يا فهمي رد عليا!"
نظر لها فهمي للحظة قبل أن يمسك بقلبه ويتأوه، ترنح، فأسرع مالك وشادي إليه قبل أن يسقط ليسندوه.
صرخت والدة بسام: "مالك يا فهمي حصلك إيه؟"
أمر مالك شادي: "روح نادي للدكتور بسرعة."
وقف البقية يحدقوا إليه بخوف، بينما تبكي والدة بسام بذعر، حتى أتى الطبيب مع ممرضين ونقلوا فهمي للفحص.
ضربت والدة حلا يديها ببعضها: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
طلبت منها حلا برجاء: "لو سمحتِ يا ماما روحي وخليكي هناك مع طنط وطمنيني على عمي."
كانت والدتها على وشك الاعتراض بشدة، حين قالت حلا بتعب: "مهما كان يا ماما هما في ظروف صعبة دلوقتي، أنا الحمد لله كويسة ورجع لي حقي، إنما صدمتهم كانت أكبر، علشان خاطري اسمعي الكلام."
نظرت لها والدتها بعدم رضى، وعلى مضض خرجت من الغرفة لتذهب، فبقيت لوحدها مع إسراء.
ظلت حلا تنظر للأسفل، فالتزمت إسراء الصمت، حتى رفعت حلا عينيها المليئة بالدموع إليها وهمست: "إسراء."
أسرعت إسراء لتجلس بجانبها وتضمها، فيما انهارت حلا وأخرجت كل الحزن الذي في داخلها، والذي لم تجرؤ على البوح به أمام والدتها حتى لا تضايقها أكثر.
سمعتها إسراء تهمس بصوتها المبحوح بألم: "ليه؟ ليه أنا؟ ليه كل ده!"
شددت إسراء من حضنها وقالت بحنان: "بس يا حبيبتي متعمليش في نفسك كدة، الحمدلله حقك رجع، وبإذن الله ربنا هيعوضك بكرة."
قالت حلا بنبرة معذبة: "تعبانة يا إسراء تعبانة أوي."
مسحت إسراء على رأسها بعطف، وهي لا تملك الكلمات التي سوف تخفف من عذابها، لذلك ظلت تضمها حتى هدأت حلا أخيراً.
حاولت تغيير الموضوع فقالت بمرح: "بس مالك طلع وراه حكاية طويلة أوي، أنا مكنتش أتوقع كدة."
نظرت لها حلا باستغراب: "قصدك إيه؟"
غمزتها: "طلع بيحبك من زمان وبسام خدك منه، ده حتى هو اللي أصر يبات في المستشفى."
تحركت حلا بعدم ارتياح: "الكلام ده كان زمان يا إسراء، هو دلوقتي ساعدني علشان كان حاسس بالذنب، ده الموضوع مش أكتر."
ظلت إسراء تنظر لها بتشكك، فأردفت حلا بصرامة: "وياريت يتقفل وميتفتحش تاني."
خرجت حلا بعد بضعة أيام، وقد ذهبت للعيش مع والدتها، ظلت فترة منغلقة على ذاتها حتى تستطيع تخطي ما حدث لها، وفي تلك الفترة لم تتركها إسراء أو ابنة خالتها التي أتت خصيصاً لتبقى معها، حتى هديل التي كانت تتواصل معها من حين لآخر، فلقد أتت هديل لزيارتها في المستشفى وبعد أن علمت الحقيقة وتخطت صدمتها، كانت تتواصل معها لتطمئن عليها.
علمت بعدها أن فهمي خرج من المستشفى بعد شفائه من الجلطة التي أصيب بها، فارتاحت. بعد مرور ثلاثة أشهر بدأت تتعافى وتخطط لبدء حياتها مرة أخرى، في البداية فكرت في البحث عن العمل، ولكن اكتشفت أنها لا تريد أن تعمل عمل تقليدي، بل شيء تحبه ويناسب شغفها. اقترحت عليها إسراء افتتاح متجر للإكسسوارات المصنوعة يدوياً، فأعجبت بالفكرة على الفور لأنها طالما كانت محبة لها، وبمساعدة مساعدة الذي أوصلها بأخصائي مالي لترتيب أمورها، استطاعت بعد شهرين من البحث والتخطيط إيجاد المكان المناسب والترتيب لافتتاحه، وقد تبقى أسبوع على الافتتاح وكانت متحمسة للغاية.
كانت تستعد لحضور احتفال ميلاد التوأم، لقد قامت هديل بدعوتها وأكدت عليها عدة مرات للحضور، ارتدت فستان جميل مناسب وحجاب بسيط واكتفت بأحمر شفاه وردي وبعض الكحل.
كانت تنظر للحضور بتوتر وهي واقفة على باب الشقة، حتى لمحتها هديل التي كانت تتحدث مع صديقة لها، فاقتربت منها بترحيب: "أهلا يا حلا نورتِ."
ابتسمت حلا بخجل: "بنورك، كل سنة وهم طيبين."
ابتسمت هديل بخفة: "وأنتِ طيبة يارب يا حبيبتي."
نظرت حولها ثم قالت لحلا بقلة حيلة: "كان نفسي تشوفيهم بس هما متجننين باللعب مع صحابهم."
ضحكت حلا: "ولا يهمك ربنا يعينك عليهم."
أومأت هديل بامتنان: "يارب يا حبيبتي تعالي ادخلي."
بعد مرور عدة دقائق بدأت حلا تسترخي وذهب عنها التوتر، فتعرفت على عائلة هديل وبعض صديقاتها وبادلتهم الحديث والمزاح.
كانت تضحك حين وقع نظرها على مالك الذي كان ينظر إليها، فتجمدت مكانها واختفت ضحكتها وهي تنظر له بصدمة.
خطى مالك إليها، فنظرت حلا ليديها بتوتر.
قال بصوت رخيم: "ازيك يا حلا عاملة إيه؟"
قالت بتوتر: "الحمد لله بخير، وأنت؟"
ابتسم مالك: "زي ما أنتِ شايفة قدامك."
نظر حوله وقال برزانة: "مكنتش أعرف أني هشوفك هنا، أنا حسام عزمني من كام يوم وجيت علشان خاطره."
قالت حلا بهدوء: "أنا وهديل بنتكلم من وقت للتاني وهي اللي عزمتني."
أومأ بتفهم ثم قال بود: "على العموم صدفة سعيدة، آخر مرة شوفتك كان من شهور، أخبارك إيه دلوقتي؟"
فكرت في المتجر الذي كانت على وشك افتتاحه، فقالت بعفوية: "أنا كويسة جداً الحمدلله وكمان هفتتح محل صغير للإكسسوارات الهاند ميد."
قال بتلقائية: "اه ما أنا عارف."
اتسعت عيونها بدهشة، فأسرع يصحح حديثه: "قصدي يعني أنا مبسوط علشانك، كنت سمعت هديل بتقول حاجة زي دي لحسام مرة بس معرفش تفاصيل."
ظلت تنظر إليه بشك، إلا أنها وجدت تفسيره منطقي فاقتنعت. بعد قليل انسحب ليتحدث مع حسام، وأتت هديل للوقوف معها، كانت تشرب العصير حين كان يركض أحد الأطفال الذي اصطدم بها فوقع بعض من العصير عليها.
نظرت لفستانها بذعر، بينما قالت هديل بكياسة: "روحي الحمام بسرعة وأنا هحاول أشوف لك حاجة تلبسيها بداله."
أسرعت إلى الحمام وحاولت تنظيفه قدر المستطاع ونجحت لحد ما، حين تأكدت أن البقعة أصبحت شبه مختفية، خرجت من الحمام لتبحث عن هديل وتخبرها أنها قامت بإصلاح الفستان ولا داعي لتحضر لها بديل.
كانت تمر من أمام غرفة المكتب حين توقفت لسماعها أصوات عالية، فوقفت رغماً عنها تستمع بصمت.
قال حسام بنفاذ صبر: "مينفعش اللي أنت بتعمله ده، هتبوظ كل حاجة، قولتلك لازم تصبر!"
رد مالك بتوق: "أنا هفضل صابر لحد تاني امتى! أنا صبرت سنين ومش عارف هل فيه أمل أصلاً ولا لا يا حسام، أنا بحبها وبحبها من زمان أوي، وعملت كل حاجة ممكنة علشان تحس بيا ومنفعش، أنا مبقتش عارف أعمل إيه تاني!"
رواية طلاق بائن الفصل العشرون 20 - بقلم ديانا ماريا
جمدت مكانها وهي تستمع لكلمات مالك.
لم ترد الاستماع للمزيد فابتعدت عن الباب على الفور وسارت عدة خطوات إلى الأمام باضطراب.
قابلتها هديل التي قالت مبتسمة:
“كنت بدور عليكِ، ها عملتي إيه؟”
رفعت حلا بصرها بشرود، فلاحظت هديل وجود خطب ما بها فسألتها بقلق وهي تلاحظ وجهها الشاحب:
“مالك؟ حصل حاجة؟”
كانت حلا مضطربة للغاية، فأجابتها بتوتر:
“أنا… أنا….”
وصمتت لأنها لم تجد ما تجيب به، فشعرت هديل أن هناك ما حدث، فقالت لها بجدية:
“طيب، مش هينفع نتكلم هنا. تعالي نتكلم في أوضة الضيوف بعيد عن الدوشة.”
أمسكت حلا بيد هديل، وجرّتها حتى غرفة الضيوف.
كانت الغرفة تتوسطها سرير ضخم، بجانبه أريكة مريحة استقرت عليها الفتاتان.
شعرت حلا بشيء من الشحوب، فسألتها هديل برفق:
“أجيب لك حاجة تشربيها؟”
هزت حلا رأسها بالرفض، لكن نظرة شرودها دفعت هديل للسؤال مجددًا:
“طب حصل إيه؟ شكلك مش مطمئن بجد.”
أخذت حلا نفسًا عميقًا، لكن الغصة في حلقها منعتها من النطق.
نظرت إلى هديل، فصُدمت الأخيرة بدموع حلا المتجمعة في عينيها.
اقتربت منها، تربت على يدها بقلق:
“قلقتيني بجد، مالك؟”
فتحت حلا فمها، لكن صوتها ارتعش وهي تتحدث:
“أنا…سمعت م..مالك وهو بيقول أنه…”
أغمضت عينيها، تسترجع ما سمعته، ونبضات قلبها تتسارع بشدة داخل صدرها.
تابعت بارتباك:
“أنه بيحبني.”
استرخت ملامح هديل القلقة، وهي تنظر بثبات إلى حلا.
بادلَتها حلا بنظرة مشوبة بالقلق، وسألت بتساؤل:
“إيه مالك؟”
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي هديل وقالت بهدوء ممزوج بالتعجب:
“كل الحالة اللي أنتِ فيها دي علشان عرفتِ أنه مالك لسة بيحبك؟”
عقدت حلا حاجبيها، مُدركةً عدم استغراب هديل وهدوئها الغريب الذي بدا وكأنه يتناقض مع مشاعرها المضطربة.
تحركت بعدم ارتياح، وأجابت بصوت منخفض:
“أيوا، طبعًا… أنا متوقعتش أنه لسة بيحبني بعد كل ده.”
ارتفع حاجبي هديل في دهشة وبدا على وجهها تعبير من الفكاهة.
زفرت حلا بضيق:
“هديل أنتِ عارفة اللي حصل لي من بسام مش هين! أنا قولت هبدأ حياتي من جديد وأركز على نفسي قولت أنه خلاص نساني وكان بيساعدني بس لأنه حاسس بالذنب.”
عادت ملامح هديل للهدوء، ثم أمسكت بيد حلا بين يديها، وصمتت للحظة وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.
أخيرًا، قالت بصوت عميق وحنون:
“حلا يا حبيبتي، يمكن متتخيليش، بس أنا أكتر واحدة حاسة بيكِ في الدنيا.”
ظهر الاستغراب على وجه حلا، فوقعت عينا هديل على نظراتها المتسائلة، فتابعت بابتسامة شابها مرارة:
“أنتِ متعرفيش أني كنت متجوزة قبل حسام، صح؟”
اتسعت عينا حلا من الذهول، فاستطردت هديل بصوت خافت مليء بالذكريات المؤلمة:
“كانت أسوأ خمس سنين في حياتي كلها… سنين من العذاب والقهر والظلم، لدرجة أني كنت فاكرة مش هخرج منها أبدًا. أنا وحسام كنا بنحب بعض من زمان، لكن الظروف فرّقت بينا غصب عننا. ولما وقعت في محنة كبيرة، وكان سببها جوزي الأول حسيت أن الدنيا كلها ضدي… محدش مد لي إيده غير حسام. كان الوحيد اللي وقف جنبي، يحارب عشاني، ويساعدني بأي طريقة يقدر عليها.”
تنفست هديل بعمق، وأكملت بابتسامة دافئة:
“الحمد لله خرجت من المحنة دي على خير، وكنت وقتها أرملة. حسام مضيعش أي وقت، عرض عليا الجواز على طول. تفتكري كان ردي إيه؟”
رفعت حلا حاجبيها بفضول واللهفة واضحة في عينيها تتطلع إلى إجابة هديل التي فاجأتها بضحكة قصيرة، قائلة:
“رفضت!”
بانت الصدمة على وجه حلا، وتصاعدت حيرتها، فسارعت هديل لتهدئتها بابتسامة هادئة، والعاطفة تتوهج في عينيها وصوتها.
تابعت قائلة:
“كنت خايفة جدًا، يمكن أكتر منك، رغم أني لسة بحبه. كل اللي مريت بيه كان واقف بيننا، خصوصًا أن ثقتي بنفسي كانت معدومة، وكنت حاسة أني لو وافقت هظلمه، هو يستاهل واحدة أحسن مني.”
ازدادت أنفاس حلا توترًا، فقد لمست كلمات هديل أعماقها، إذ كانت تلك هي نفس المخاوف التي تجتاحها حيال مالك.
زفرت هديل بشدة، وأخذت نظرة حزن خفيفة تعلو وجهها، ثم تابعت:
“بس هو مستسلمش. كان عارف وفاهم كل مخاوفي، كان بيحبني وعايزني، علشان كدة كان قابل بيا بكل شكوكي ومخاوفي، لأنه عارف أني مكنتش خايفة منه قد ما كنت خايفة من نفسي. مكنش عايزنا نضيع وقت تاني بعيد عن بعض.”
توقفت للحظة، ثم أضافت بصوت منخفض وكأنها تكشف سرًا عميقًا:
“تعرفي… هو كمان كان عارف أني مستحيل أخلف.”
تجمدت حلا في مكانها، وشعرت بدوار طفيف، كما لو أن هديل اختارت هذا اليوم لتقلب موازين أفكارها رأسًا على عقب، وتكشف حقائق لم تكن يوماً تتخيلها!
تابعت هديل بصوت دافئ:
“بس حتى ده مكنش هامه وصمم أننا نتجوز.”
نظرت هديل لحلا، عيناها مليئتان بالثقة والحنان، وسألتها:
“تفتكري تقدري ترفضي حب زي ده؟”
بدا التردد يلمع في عيني حلا، وقد أثرت كلمات هديل في أعماق قلبها، فصوت هديل المليء بالإصرار والصدق جعلها ترى الأمور من منظور آخر.
قالت حلا بعد لحظة من التفكير:
“بس هديل، أنا خايفة… مش خايفة بس، أنا مرعوبة. الصراحة، مالك شخص كويس جدًا، بس افرضي أنا اللي مقدرتش… مقدرتش أحبه ولا قدرت أدي له اللي يستحقه.”
انخفض صوتها بشكل ملحوظ، وكأن الكلمات تتعثر في حلقها، وأردفت:
“افرضي مقدرش أكون الشخص اللي هو عايزه.”
تابعت هديل النظر إلى حلا بعينيها المتفهمتين، وهي تشعر بمدى حيرة صديقتها لكنها أرادت أن تعيها للواقع فقالت ونبرة التحدي تظهر في صوتها:
“تفتكري لو مكنتيش الشخص اللي هو عايزه كان فِضل مستني السنين دي كلها؟”
شعرت حلا بضغط هذه الكلمات عليها، وكأنها تسلط الضوء على مخاوفها، لكنها كانت تغرق في حيرتها فربتت هديل على يدها بتفهم:
“فكري يا حلا ومتتسرعيش، حاولي تفكري في مستقبلك لو مالك موجود فيه، هو بيحبك بجد.”
تلاعبت ابتسامة تسلية على ثغر هديل:
“وهو كان عارف أنك جاية علشان كدة جه النهاردة وأقولك كمان هو اللي كان بيزن ليل نهار عايز يعرف عزمناكِ ولا لسة ويتأكد أنك هتيجي علشان يقدر يشوفك ويتكلم معاكِ.”
بعد كل الصدمات التي تلقتها، أحست وكأن هذا الأمر لم يدهشها كثيرًا، فظلت صامتة، تغرق في أفكارها.
قالت هديل بخفة، محاولة كسر الصمت:
“لو حاسة نفسك أحسن، يلا نطلع علشان محدش يقلق.”
نظرت حلا إلى هديل، وأحست بشيء من الراحة في وجودها، خف الحِمل الذي تشعر بثقله على قلبها قليلاً لذلك نهضت معها.
وقبل أن يخرجوا أكدت لها هديل بعطف:
“مترهقيش نفسك كتير وفكري براحتك وصدقيني مش هتندمي.”
ابتسمت حلا برفق لها، وشعرت بالاضطراب يزول من عقلها.
لكن حين خرجت، وجدت مالك يقف مع حسام على مسافة قريبة منهما، مما جعل الاضطراب يعود إليها فجأة.
ظهر التوتر على وجهها، وبدأت أنفاسها تتسارع وهي تنظر إلى هديل، تضغط على يدها بشكل غير إرادي.
كانت عيناها تبحثان عن دعم في وجه هديل، كأنها تريد أن تستمد منها القوة لمواجهة مالك بثبات.
ردت هديل بضغط يدها بتعاطف، وعيناها تشجعانها بثقة.
بينما كانت حلا تقف هناك، مشاعر مختلطة تتصارع داخلها.
تقدم مالك وحسام نحوهما، لمحت حلا في عينيه تلك النظرة التي جعلت قلبها ينبض بسرعة.
قال حسام باستغراب لهديل وهو يقف بجانبها ويضع يده على ذراعها:
“كنتوا فين يا حبيبتي؟ وإيه الغياب ده كله؟”
ابتسمت هديل حتى لا تثير شكوكه وقالت بمرح:
“بنتكلم في شوية حاجات يا حبيبي وحلا حست أنها تعبانة شوية فقولت لها تقعد لحد ما تحس نفسها كويسة.”
تقدم مالك خطوة للأمام لا إراديا، قال وعيناه تبحث في وجه حلا بقلق:
“أنتِ كويسة؟”
أجابت حلا بصوت خافت تتعمد عدم النظر إليه:
“أيوا الحمد لله بقيت أحسن.”
إلا أنه كان يظهر عليها العكس تماماً وكأنه واضح حدوث شيء عكر مزاجها أو ضايقها.
شعر مالك بشيء غير طبيعي فقال بلطف:
“محتاجة حاجة أجيبها من الصيدلية؟”
أحست بأنها إن لم تنظر إليه ستلفت انتباهه لوجود وضع غير طبيعي فرفعت بصرها وقالت بابتسامة ضعيفة:
“لا شكرا أنا بخير.”
لكن ابتسامتها كانت باهتة ولم تنجح في إخفاء التوتر من عينيها.
تنقلت نظرات حسام بين مالك وحلا بتفحص وفطن لوجود شيء ما غير معتاد في الأجواء، أخبر نفسه أنه سيستخلص الحقيقة من زوجته حين يكونان وحدهما.
حاول تلطيف الأجواء قائلاً:
“طب يلا علشان نقطع التورتة البنات مستنين وكانوا بيدوروا على هديل.”
لكن نظرة حسام لم تفلت من مالك، الذي شعر بتوتر الموقف.
تبادل نظرة سريعة مع حلا، التي بدت وكأنها غارقة في أفكارها، مما زاد من قلقه.
مرت بقية السهرة بسرعة، كأنها ضباب يلتف حول عقل حلا.
كانت مشاعرها تتأرجح بين التوتر والانشغال بأفكارها.
وعندما حان وقت الذهاب، تقدم مالك نحوها، تتلألأ في عينيه الرغبة في المساعدة، ولكنه بدا مترددًا.
“تحبي أوصلك؟” سأل بصوت هادئ.
حلا، التي ظهرت بوادر الرفض على وجهها، شعرت بيد هديل تضغط على ذراعها ولم تترك لها فرصة للرد.
“اه، ياريت والله علشان متروحيش لوحدك دلوقتي، وممكن متلاقيش تاكسي.”
نظرت حلا إلى هديل بعتاب، وكأنها تلومها على ورطتها في هذا الموقف المحرج.
كان قلبها ينبض بشكل أسرع، وعقلها يصرخ بأن هذا هو آخر ما كانت تحتاجه.
مشاعرها كانت متضاربة: من جهة، كانت تخشى أن وجودها مع مالك قد يجعل الأمور أكثر تعقيدًا، ومن جهة أخرى، لم تستطع التفكير في أي حل للخروج من هذا الموقف المحرج الذي وضعتها فيه صديقتها.
أخيرا، أومأت بصمت وتبعت مالك للخارج، حيث فتح لها باب سيارته بلطف ووجه هادئ لا يظهر تعبير.
استشعرت نسمات الهواء البارد تلامس وجهها، مما جعلها تشعر بارتباك أكبر.
ركبت السيارة بهدوء، محاولة تجاهل نظرات مالك المتفحصة.
بينما أغلق الباب خلفها، تساءلت في داخلها:
“ماذا سيحدث الآن؟”
استدار مالك حول السيارة ليركب في مقعد السائق، مما زاد من توتر حلا.
كانت لا تعرف كيف سيكون الوضع بينهما طوال الطريق.
جلست مشدوهة، محاطة بصمت غير مريح.
قال مالك فجأة مما أفزعها لأنها كانت شاردة:
“متأكدة أنك كويسة؟”
أومأت برأسها عدة مرات ورغم أنها تعرف مدى بلاهة موقفها إلا أنها لم تتمكن من إبداء رد فعل أخر.
قالت بارتباك:
“أيوا الحمدلله بس يمكن مرهقة شوية علشان كدة مش مركزة.”
رغم عدم الاقتناع البادي على وجهه إلا أنه صمت إزاء إجابتها، بدا أنه يفكر بعمق في أمر ما فكانت تراقبه خفية من تحت جفونها.
بدأ الحديث بجدية:
“حلا أنا عايز أقولك حاجة مهمة.”
انتظرت حديثه بترقب والخوف يملأ قلبها لأنها لا تعرف كيف ستكون إجابتها أو ردة فعلها إن صرح لها بحبه.
ابتلع ريقه وقال:
“أنا….”
إلا أنه صمت عن الكلام وضغط على المكابح بشكل مفاجئ حين لمح شجرة كبيرة واقعة في منتصف الطريق.
نظرت لها حلا بتيه وقال مالك بانزعاج:
“إزاي الشجرة تكون في نص الطريق كدة أنا هنزل أشوف لو أعرف احركها.”
هبط من السيارة بسخط واضح وتقدم نحو الشجرة وهو يضع يديه في خاصرته ويفكر كيف سيزيحها عن الطريق.
راقبته حلا بفضول ثم اتسعت عيونها بشدة حين ظهر فجأة مجموعة مكونة من ثلاثة أشخاص حول مالك ويمسكون بعدة أسلحة بيضاء.
ارتفع صدرها وهي تتنفس بسرعة من الخوف، حدقت إليهم برعب وقلبها يدق بعنف وعقلها لا يستوعب ما يحدث في اللحظة التالية وبكل مفاجئ ضرب أحدهم مالك بعصا على ظهره.
اتسعت عيون حلا بصدمة وفي لحظة من الرعب صرخت بنبرة مفعمة بالفزع:
“مالك!”