تحميل رواية «ثري العشق و القسوة» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ثلاثون عاماً . في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل: – بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟ قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص ال...
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اية العربي
كل ما نحتاج إليه أننا..!
نحتاجُ لـِ من يبعثُ السلام بـِ أرواحنا وَ نحن بـِ ذروةِ الشدة!
نحتاجُ لـِ من يُزيح عنا ضباب هلوسات التفكير لـِ تُبصر عقولنا أكثر..!
نحتاجُ لـِ من يرسم لنــا الحيــاة بـِ ألوانٍ هادئةٍ وَ يُبشرنـا أن الحيــاة ليست بـِ كل تلك القسوة..!
نحتاجُ لـِ من يسمعنا بـِ قلبهِ ثم يعودُ غريباً كما كان!
نحتاجُ لـِ من يساندنا وَ يدعمنا ولو بـِ كلمةٍ!
نحتاجُ لـِ من يشعر بـِ همس أحزاننــا بين ضجيج ضحكاتنا العالية!
نحتاجُ لـِ من يحطم جدار وحدتنـــا لـِ يشعرنا أن هناك من يهتم لـِ أمرنــا حتى ولو لم يفعل شيئاً!
فَـ قد نحتاجُ لـِ الحبِّ مرة واحدة..
لكنّنا نحتاجُ لـِ الأمان وَ الطمأنينة آلاف المرآآآت..
وصل ماركو إلى مطار القاهرة وبعد إتمام الإجراءات خرج يستقل سيارة أرسلها له صقر واتجه إلى الشركة ليقابله.
بعد وقتٍ وصل إلى مقر الشركة وصعد على الفور إلى مكتب صقر الذي رحب به ببرود كأنه رآه صباحاً.
جلس يخلع نظارته قائلاً بمغزى وعينه تجول المكان:
– أووو، تعلم أنني اشتقتُ لبلدكَ ومن فيها.
طالعه صقر بنظرة ثاقبة ليبعد عينه من عليه بملل قائلاً وهو يتابع حاسوبه حيث أخر المستجدات بينما عقله شارداً في أمرها:
– هذا لن يفيدك بشئ، لا تحاول حتى.
تحدث ماركو بثقة:
– دعني أتولى أمورى بنفسي، والآن متى موعد وصول الشحنة؟
تحدث صقر ببرود ظاهري بينما يتأجج داخله بشعورٍ من الضيق والانزعاج:
– بعد أسبوعٍ من الآن، أي لم يكن هناك داعٍ لمجيئك اليوم.
نظر له ماركو يردف ساخراً:
– وهل أجلس فوق رأسك؟،، ليس لك شأنٌ بي، والآن أخبرني متى سنعود للمنزل.
زفر صقر قائلاً بثبات وثقة:
– أنت تحلم، أنا فقط سأعود للمنزل وأنت ستبحث عن أي فندق تقضي فيه أجازتك.
قال ماركو بخبث وثقة:
– أأجلس في فندق وبيت أخي موجود؟
أومأ صقر يردد بتأكيد:
– نعم تجلس في فندق وبيت أخيك موجود والآن هيا غادر.
تحدث وهو يعتدل في جلسته غير مبالٍ بطلب صقر:
– لا ليس الآن، هناك ما أود معرفته منك.
أقفل صقر حاسوبه وتنفس يفرد ظهرهُ للخلف ثم تحدث بجمود:
– ماذا هناك؟
تنبه ماركو ليجيبه قائلاً:
– حدثني عن قصتك أنت وزوجتك، كيف أوقعتها في شباكك وكيف جعلتها تحبك؟
نظر لنقطةٍ ما وتحدث عقله داخله (استعملتُ جميع وسائل السحر في الحب لأجعلها أسيرتي والآن انقلب السحر على الساحرِ وبت أنا أسيرها ولم أعد أعلم كيف النجاة)
وأخيراً نطق لسانه يردف بشرود وعينه على نفس النقطة:
– كنت أتأملها دوماً، كنت أحيطها من كل اتجاه، كنت أتابعها من نافذتي وهي تقرأ وأتعمد أن تراني، وقد حصلتُ على حبها؟
تلبست ملامح ماركو الجدية وتساءل بترقب:
– ومتى ستخبرها بحقيقتنا؟، أظن أنه يجب عليك مشاركة هذا الأمر معها، مؤكد أنك لن تدع الأمور دون تخطيط.
لف نظره إليه يطالعه بعيون ثاقبة، الآن عاد إليه شتات عقله، لقد فكر في إخبارها بحقيقته بنفسه ولكن كلما نظر في عينيها يخشى رؤية الخذلان فيهما كخشيان العاصي للموت.
لذا احتدت ملامحه فجأة ليغير دفة الحديث قائلاً بحدة:
– غادر الآن واتركني.
وقف ينظر له بعمق ثم تحدث قائلاً وهو على وشك المغادرة بنبرة تحمل مرحاً متعمداً:
– حسناً سأذهب لأوقع عقد منزلي الجديد وأعود، وربما رأيتُ زوجة أخي تقف في شرفتها وأنا أمر من هناك.
ضيق عينه وبدأ بخلط الجملة حتى استنتج مغزاها ثم قال محذراً:
– حسناً إذاً لتكن جاراً ملتزماً حتى لا أهدم بيتك الجديد فوق رأسك.
ضحك ماركو عليه ثم أشار له بيده وهو يغادر فاسترسل صقر بدهاء:
– ابتعد عن المحجبات، ليس لك شئناً بهن.
لف نظره إليه يطالعه بترقب ثم قال قبل أن يغادر:
– ليختار كلٍ منّا طريقه أيها الخبير.
غادر وتركه يعود إلى عمله لتأتي هي وتحتل عقله، ما فعله معها صباحاً يعد شيئاً جديداً عليها، وربما جديداً عليه أيضاً، يعلم أن خروجها مع رفيقتها يعد أمراً طبيعياً، ولكن يبدو أن عشقه لها وخوفه عليها وصل لمرحلة متملكة يخشى منها.
يخشى اختلاطها بالخارج، ليكن هو عالمها وليجد حلاً في أسرع وقت.
أما هي فتجلس في بهو الڤيلا تنظر لشاشة هاتفها منذ أن وصلتها تلك الرسالة، تقرأها مراراً وتكراراً وتربط عدة أمور بها، حاولت تجاهلها وجاهدت لترمم جدار الثقة الذي ربما تشقق بفعلته صباحاً وبتغيير حالاته المزاجية وهالة الغموض التي تحيطه.
ولكن يخونها الشك كلما ربطت الأحداث ببعضها، فمن أين جاء بكل هذا الثراء، حسناً لتكن عائلته أغنى العائلات في إيطاليا ولكن لمَ هذا الغموض والإتصال صباحاً وعن أي صفقة تحدثا هو وماركو ولمَ غرفة مكتبه مغلقة دائماً.
أسئلة ستصيبها بالجنون وهي من عرفت بالحكمة والتأني دوماً، ولن يجيب على تلك الأسئلة سواه.
قررت مهاتفته لتغلق الرسالة وتقوم بالاتصال به، أجاب بعد ثواني يردف بنبرة تحمل عشقاً وتملكاً:
– هل جميلتي اشتاقت لي كما أفعل؟
زفرت مطولاً ثم تحدث بهدوء ينافي صخب أفكارها:
– متى ستأتي صقر؟،، أجلس بمفردي منذ وقتٍ طويل، لتأتي الآن، هناك ما أود إخبارك به.
قال بثبات يحسد عليه:
– حسناً جميلتي،، اضبطي ساعتكِ على 120 دقيقة وستجديني عندكِ.
أغلقت فجأة دون أن تجيبه فاسودت نظرته بغضب، تتعامل معه بطريقة يخشى رجال المافيا التعامل بها معه، لا يمكنها أن تعامله هكذا.
عاد يفتح حاسوبه ليتابع حديثه مع عائلة موراكو الذين قطع الاتصال معهم كي يجيبها.
في طريق العودة من جامعة مايا.
تجلس بجوار عمر في سيارتها وهو يقود عائداً إلى المنزل، يراوده سؤالاً يريد طرحه عليها ولكن يتردد.
تلاحظ شروده لذا تحدثت متسائلة:
– مالك يا عمر؟، حصل حاجة؟
أجابها بمَ خطر فجأة على عقله:
– هو إنتِ وميار أصحاب ولا عادي؟
وقع قلبها كمن يسقط من منحدرٍ عالٍ وتساءلت بضيق وغيرة:
– وانت بتسأل ليه؟
لف يطالعها ثم تحدث بتوتر ليبث فيها الراحة بعدما لاحظ جمودها:
– أصل واضح إن كان معاكي حق بخصوصها.
استكانت قليلاً تضيق عيناها وتساءلت:
– إزاي، هي عملت إيه؟
قرر إخبارها بما حدث ذاك اليوم ليستدرجها في الحديث عن هذا الأمير قائلاً:
– لما اتقفل عليكي باب الحمام يومها، هي كانت خارجة ونديت عليها أسألها عنك بسسس.
– بس إيه يا عمر قول؟
قالتها بحنق وغيرة ليقرر إخفاء باقي القصة عنها ويقول بإيجاز:
– يعني محبش طريقتها، حسيت إن معاكي حق.
اكتشفت إخفاؤه لأمرٍ ما لذا تنفست بعمق وأومأت تنظر للأمام ليكمل هو بانتباه:
– هو اللي إسمه أمير ده بيكلمك؟
هزت كتفيها بلا مبالاة تردف بعفوية:
– بيحاول يكلمني من وقت ما فتح لي الباب بس أنا بحاول اتجاهله، شيفاه مش لطيف، بصراحة يا عمر أنا معنديش أصحاب في الجامعة كتير غير واحدة بس، أصحابي كلهم كانوا في إيطاليا وبتواصل معاهم على فترات.
برغم ضيقه من محاولات أمير للحديث معها إلا أنه استكان بعد أن علم بتجاهلها له، ولكن عاد لقلقه بعد علمه بحديثها المستمر مع أصدقائها الغربيين، لذا لف يطالعها ويردف بهدوء ونبرة لينة مؤثرة:
– وليه تتواصلي مع أصحابك الإيطاليين وأنا موجود، خلينا أصحاب.
نظرت له بتعجب وصدمة لثواني، لقد أخبرها من قبل أنه لا يجوز صداقة بين ولد وفتاة ولا يجب أن يكون، وبرغم سعادتها من عرضه إلا أنها سألته بصدق:
– بس إنت قلت قبل كدة مينفعش، إيه غير رأيك؟
أغمض عينه لثواني ثم عاد يطالعها ويردف بتوتر يجاهد ليخفيه:
– بس إنتِ مبقتيش مايا بتاعة زمان، فخلينا نبدأ من أول وجديد، تحكيلي اي حاجة تزعلك أو تفرحك وأنا كمان هحكيلك، قلتي إيه؟
تعمقت في عينه لثواني ثم تحدثت بنبرة مستفهمة:
– عمر هو إنتِ بتعمل كدة علشان خاطر مامي قالتلك؟، لو علشان خاطر مامي أنا هكلمها تعفيك من الحمل ده و..
– بعمل كدة علشانك انتِ، بعمل كدة لإني عايز أعمل كدة يا مايا وانسي كل كلمة أنا قلتهالك وزعلتك مني.
قال هذا بصدق وصل إليها لتبتسم بسعادة ويتوغلها الأمل في بداية قصة حبٍ بينهما لذا أومأت تردف بحماس:
– تمام أنا موافقة.
وقع ماركو عقد ڤيلا قريبة من ڤيلا عائلة خديچة وفي نفس الشارع الذي يقطن فيه صقر.
غادر المحامي والبائع ووقف هو ينظر حوله بابتسامة ماكرة، اتجه للأعلى ومنه لغرفةٍ ما ودلف يخطو لنافذتها يفتحها ويقف بها يتطلع للأمام حيث ڤيلا خديچة.
تحدث وعينه تبحث عنها قائلاً:
– لنجرب طريقة صيد الصقر أيتها المسلمة، هيا اظهري أين أنتِ؟
لم يكد يغلق فمه حتى وجدها تخطو مع والدها خارج المنزل، ترتدي شيئاً يخفي كامل جسدها، كأنها نزعت إحدى الملاءات ولفت نفسها بها، يشكر الرب أن وجهها لم يُخفى حتى يتسنى له رؤيتها.
تابع حركتها مع والدها وابتسامتها له وهو يبادلها ويطالعها بنظرة فخر قبل أن يستقلا سيارتهما ويغادران.
وقف حتى بعد أن اختفت سيارتهما يتأمل أثرها، يتعجب من حياتها، ما تلك السعادة التى تغمرها وكيف ومن أين حصلت عليها؟، يجزم أن تلك الإبتسامة التي زينت ثغرها ووصلت إلى عينيها لم يجربها يوماً، دوماً كانت ضحكاته مصطنعة وحياته باردة وعلاقته بوالده مشمئزة، هل كان صقر محقاً عندما نصحه بالبعد عنها؟، فهي حقاً كالشمس بالنسبة لمصاصِ دماء.
زفر بقوة بعد أن حبس أنفاسه وبعثر أفكاره وقرر العودة للداخل حتى يرتب أغراضه ويأخذ حماماً ثم يعود إلى صقر مرةً أخرى.
حاولت إلهاء ذاتها في صنع حلوى ما لذا وقفت تتجه للمطبخ لترى محتواياته.
قررت صنع فطيرة التوت البري وأحضرت وصفتها من الهاتف لتبدأ في صنعها إلى أن يأتي.
هاتفتها آسيا فأجابت بهدوء قائلة:
– أهلاً يا ماما، عاملة إيه؟
تحدثت آسيا بحنو قائلة:
– بخير يا حبيبتي،، بتعملي إيه؟
تحدثت وهي تعد القالب بتمهل:
– بعمل فطيرة توت بري، قولت أكون ست بيت شاطرة.
إبتسمت آسيا قائلة بحب:
– إنت طول عمرك شاطرة يا نارو، وصقر عندك؟
زفرت قائلة بهدوء نسبي:
– لا لسة في الشغل، زي ما حضرتك عارفة كنا في ال honeymoon والموبايلات كانت closed وفيه شحنات هتوصل قريب.
تفهمت آسيا الوضع ثم قالت بترقب:
– طيب تعالي اقعدي معانا لحد ما ييجي، ليه قاعدة لوحدك؟
حاولت إيجاد عذرٍ مقبول لتقول بضحكة مصطنعة:
– قولتلك عايزة ابقى ست بيت شاطرة، بعمل لجوزي حبيبي فطيرة وبستناه، متقلقيش لو اتأخر عن معاده هجيلكوا، مايا عاملة إيه؟
زفرت بملل ثم قالت:
– من وقت ما جت من الجامعة وهي نايمة وأنا قاعدة لوحدي.
تحدثت بحنو وترقب قائلة:
– طيب تعالي اقعدي إنتِ معايا يا ماما، ليه قاعدة لوحدك؟
قالت آسيا بحرج:
– لا يا نارو ميصحش علشان لو صقر جه فجأة، خلصي إنتِ يا حبيبتي ولو اتأخر ابقى تعالي، يالا أنا هقفل علشان تركزي في الفطيرة.
أغلقت معها وعادت نارة تكمل فطيرتها حتى انتهت منها ثم قررت الصعود للأعلى لتبديل ثوبها بآخر تستقبله به.
انتقت فستاناً زاهياً بنقوشٍ مزخرفة لونه أزرق وارتدته، ثم عصجت شعرها على هيئة جديلة فرنسية تمردت منه بعض الخصلات على وجهها ووضعت أحمر شفاة ونثرت عطرها لتكن فاتنة.
أكملت طلتها بحذاء منزلي رائع من نفس لون الفستان.
نظرت في ساعتها لتجد أن مر على الوقت المحدد أكثر من 20 دقيقة، زفرت بضيق فهي اعتادت الإنضباط في المواعيد.
خصوصاً أن الليل أسدل ستائره وهو منذ الصباح في العمل، حقاً الأمر محزن، يبدو أن سعادتها التى كانت تظنها ستدوم انقطعت منذ نزولهما إلى مصر، أيمكن أن يكون حبه لها مؤقتاً وغير حقيقي؟، لاااا تخشى التطرق إلى هذه الأفكار فتدخل الطاقة السلبية على حياتها دون داعي، لذلك فلتتحلى بالهدوء لربما كان لديه ظروف عمل خارج إرادته.
بعد وقتٍ
يجلس هو خلف مكتبه ويجاوره ماركو الذي عاد إليه، زفر ماركو قائلاً بضيق:
– اذكر لي سبباً واحداً لبقائنا هنا إلى الآن؟،، لقد غادر جميع الموظفين، هيا يا رجل ألست عريساً جديداً؟
تحدث صقر وعينه منكبة على حاسوبه يدعي التعمق في العمل قائلاً ببرود:
– أخبرتك أن تغرب عن وجهي وتذهب لبيتك الجديد، لمَ تجلس هنا وتشكي حظك العاثر؟
تحدث ماركو متسائلاً بعدما استشف تقلب مزاجه:
– هل هناك أمراً ما بينك وبين امرأتَك؟
لف صقر نظره إليه يتحدث بنبرة صارمة قائلاً:
– لا تتدخل فيما لا يعنيك، والآن هيا اذهب واتركني أحل أموري فربما لا آتي غداً إلى الشركة.
هدأ ماركو ووقف يتحدث:
– أوه حسناً، إذاً أنت تستعد لجولة رومانسية جديدة، ليكن لي نصيباً من سعادتك يا رجل.
قالها وغادر يتركه ليزفر صقر مطولاً، لقد أراد التأخير ليعاقبها على تلك الطريقة التي حدثته بها، ثم ليأتي حبه وعشقه بعد ذلك، حيث يرتب لقضاء يوم غد كاملاً في الخارج هو وهي فقط، وها هو يبحث عن مكانٍ مناسبٍ لتلك النزهة معها.
أما هي فأوشك صبرها على النفاذ، لذا تناولت هاتفها لتعاود الإتصال به ولكن ما سمعته قد أثار غضبها عندما أخبرتها مسجلة الصوت بغلق هاتفه.
لتقف بعدها متخذة رد فعلٍ ربما لن يرق له، صعدت للأعلى لتبحث عن شيئٍ أكثر تحفظاً ترتديه وبالفعل ارتدت فستاناً واسعاً ذو أكمام ثم التقطت وشاحاً شفافاً ووضعته على رأسها حيث نوت ارتداء الحجاب ولكن ليس لديها الآن ولم تشترِ بعد.
نزلت للأسفل ومنه للخارج متجهة إلى البوابة الرئيسية حيث يقف الحرس بانتظام.
تقدمت منهم وتحدث بالإيطالية لهذا الحارس الإيطالي قائلة بالقليل من الهدوء:
– افتح هذه البوابة.
لم يرفع عينه عليها حيث تحدث باحترام:
– معذرةً سيدتي، غير مسموحٍ لي بفتح تلك البوابة إلى أن يأتي السيد.
ضيقت عينيها تطالعه بذهول ثم تحدث بقوة تملكتها:
– افتح هذه البوابة وإلا حدث مالا تحمد عقباه.
وقف صامتاً ينظر أرضاً كأنه لا يسمعها ليتضخم غضبها وتتجه للبوابة تحاول فتحها ولكن بالطبع باءت محاولاتها بالفشل.
عادت إليه تتحدث بنفاذ صبر وهي على وشك الدخول في حالة غضب حادة:
– إن لم تفتح تلك البوابة اللعينة أقسم لك سيكون عقابك جسيم، هيا افتح.
قالت الأخيرة بصراخ جعل الحارس المصري يتحرك ويحاول الاتصال بسيده خفيةً ليخبره بما يحدث،تحدث الحارس الإيطالي بقلق ونبرة راجية يسعى لإخفائها:
– من فضلكِ سيدتي ارجعي للداخل إلى أن يأتي السيد صقر، إن فتحت لكِ تلك البوابة سيكون عقابي مضاعفاً، لذا من فضلكِ ارجعي وتحدثي معه.
أدركت أنها سجينة هذا القصر، نظرت حولها بتشتت، لأول مرة يتوقف عقلها عن التفكير، لأول مرة تشعر بحالة من الغباء، هل حقاً كَفَت عينيها عن رؤية ظلامه فقط من أجل الحب؟، ماذا يفعل بحق الله؟،، هل ما كان في الأمس حلم أم أن ما تعيشه الآن كابوس؟
ظلت مكانها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، تنظر للحرس تارة وللحديقة تارة أخرى، أصبحت في حالة متأججة من الغضب الذي لأول مرة تتملكها.
انتشلها من سوء أفكارها ضوء سيارته القادم، تأهبت عندما علمت بعودته لتقف مشبكة ذراعيها أمام صدرها وهي تقف مقابل البوابة على مسافة مناسبة تنتظره.
فتح الحارس البوابة فوراً يزفر براحة، دلف بسيارته حيث تسلطت أضوائها عليها، تبادلوا النظرات بينهما برغم عدم استطاعتها لرؤيته بسبب مصابيح السيارة ولكنها تعلم أنه يطالعها لذا تنظر صوبه بثبات.
نظراتها حادة مشتعلة يقابلها بنظراتٍ باردة، توقف حيث تقف هي تعيق حركة السيارة.
ترجل يخطو إليها قائلاً وهو يحاول احتضانها بتسلية كأنه يعيش في جزيرة نائيةٍ:
– يبدو أن زوجتي غاضبة.
ما إن لمسها حتى ابتعدت للخلف تنفض يده وتطالعه بنفس النظرة الغاضبة وتقول بحدة وصوتٍ عالٍ:
– ابتعد، ماذا تظن نفسك فاعلاً.
تصنم مكانه وأسدل ذراعيه التي ارتفعت لتعانقها لتتحول نظرته من باردة إلى أخرى مخيفة ثم تحدث بنبرة قوية جعلتها تنتفض بذهول حينما قال:
– اختفوااااا الآن.
أسرع الحرس يركضون من أماكنهم ليختفوا من حوله ويقف وهو عينه ثابتة عليها ثم تقدم منها لتتخد خطوة متوترة للخلف ثبتها بيده قائلاً بهمسٍ مخيف:
– التحذير الأول لكِ، لا ترفعي صوتكِ مرةً أخرى في حضوري.
سلطت بؤبؤي عينيها عليه بذهول، كأنها ترى شخصاً مختلفاً تماماً عمّن تزوجته وأحبته وسلمته زمام أمورها.
لمح نظرتها التي اخترقت جدار قلبه كسهمٍ صائب لتخزه خيبة الأمل في عينيها.
توترت نظرته لذلك أبعد عينه عنها سريعاً ثم تمسك برسغها يسحبها معه للداخل ويغلق الباب خلفه.
تركها ووقف يواليها ظهره يحاول أن يهدأ، يجاهد لينتصر على موجة غضبه المدمرة فهو يكره أن يحدثه أحداً بصوتٍ عالٍ أو غضب أمام رجاله، ولكن ليس معها صقر، ليس معها، تذكر جيداً من هي، هي استثناء.
ظل يردد تلك الكلمات داخله بينما هي تقف تواجه أفكارها بصدمة، تحدث وهو على وضعه حيث كليهما يواليان ظهريهما لبعضهما:
– أخبرتكِ أن عملي متراكماً جداً، وأغلقت هاتفي كي أنهيه وأعود لكِ، لمَ كل تلك الفوضى؟،، أولم تحاولي الإلتزام بتعاليم دينكِ، هل هذا جزءاً من إلتزامكِ تجاه زوجكِ؟
ابتسمت بسخرية بعدما تكونت غيمة دموع في عينيها استطاعت تجفيفها قبل أن يراها ولفت تقابل ظهره مردفة بهدوء ونبرة مؤلمة:
– دعنا لا ندخل الدين في الأمر، فأنا وأنت ما زلنا نخطو أولى خطواتنا تجاههُ، لا تتحدث باسمه وأنت لا تفقه قواعده.
لف لها ليقابل عينيها، دقق فيهما وبرغم اخفائها لدموعها إلا أنه لمحهم بعين الصقر خاصته ليلعن نفسه وعقابه وعمله وشركته وكل رجال المافيا.
باتت هذه الدموع نقطة ضعفه الأولى،، باتت رؤيتها كرؤية الجحيم.
تقدم منها قليلاً ثم أومأ لها قائلاً بهدوء وثبات:
– حسناً لننهي هذا النقاش، يبدو أن كلانا متوتراً، دعينا نطلب طعاماً ثم نهدأ ونشاهد فلماً سينيمائياً رومانسياً.
نظرت له باعتياد، باتت لا تفاجئها تغيير حالته المزاجية، ولكن حقاً تحسده عليها، هي مختلفة تماماً عنه، لا يمكنها الهدوء فوراً بعد نوبةِ الغضب، ولهذا فهي نادراً ما تغضب، خصوصاً إن كان غضبها نابعاً من شكٍ هو يؤكده بأفعاله.
نظرت له بثبات ودققت النظر في عينيه حينما قالت:
– لقد وصلتني رسالة اليوم.
مال برأسه مستفهماً يتساءل:
– أي رسالة؟
تحدثت وعينيها تتابع وتتمعن فيه قائلة:
– أحدهم أرسل لي (هل تعلمين عمل زوجكِ الخفي أم أنه أخفى عنكِ)
ارتعبت حينما لاحظت توتر نظرته،، قُبض على قلبها من توتره الذي ظهر لثواني ثم أخفاه ببراعة قائلاً وهو يبتسم ويدعي السخرية:
– وهل هذا ما يزعجكِ، وجعل صوتكِ يرتفع علي في وجود رجالي؟، أم أن الشك تملك منكِ؟
هزت كتفيها تردف بخوف وترقب:
– ما أدراني، ربما أنت رجل عصاباتٍ وأنا لا أدري؟
برغم غضبه من معرفة هوية المرسل وتوعده له ولكن ربما جملتها ونطقها بتلك البساطة أراحته قليلاً ظناً منه أن باستطاعتها تقبل الأمر لذلك اقترب منها حتى التصق بها ثم رفع يده يزيح وشاحها من فوق رأسها بلمسة حنونة قائلاً وعينه تدقق النظر حول وجهها باستثناء عينيها:
– وهل يعشق رجل العصابات؟
ثبتت أنظارها عليه لتومئ وتتحدث بخوفٍ قائلة:
– يعشق بطريقة مدمرة.
هز رأسه يردف بثقة وقد سلط عينه عليها أخيراً:
– الدمار على من يحزنكِ.
مال فجأة على شفتيها لينهي هذا الخوف والألم والحيرة والشك وكل ما يشعران به.
يقبلها لربما تختفي كل المشاعر السلبية ولتحل محلها الآن مشاعر الحب فقط، مشاعر لطالما انتشلته من ظلمته وجملت الحياة في عينه، مشاعر كانت لها كالجنة وحلقتها بجناحات الأحلام.
يقبلها بنهم ليقضي على كل فرصها في الحديث كأنه بذلك يغلق فمها وعقلها، هذه هي الطريقة الوحيدة الذي يمتلكها الآن، يهرب منها إليها.
حاولت التملص من هجومه لتنجح في إبعاد شفتيها ببطء من خاصته قائلة بهمس وتحشرج:
– صقر توقف.
وكأن صقر قد صُمّ حيث ترك شفتيها ليبدأ في تقبيل كل إنشٍ من وجهها بتمهل ليسكرها ويسكر معها، لتخونها مشاعرها معه وتبدأ في الإستجابة اللاإرادية له حيث بات له على قلبها وعلى مشاعرها سطوةً تعد من أكبر سطوات العشق.
اتجهت يداه إلى ممتلكاته وانحنى بوجه وشفتيه على رقبتها ليقبلها بتملك وسحر حيث تخدرت حواسه ونسي لمَ بدأ في نوبةِ العشق هذه ونسي العالم كله الآن.
وصل لأذنها ليهمس بها بمشاعر نشطة:
– أنتِ تفقديني صوابي.
تحدثت بالقليل من المقاومة والحزن:
– صقر دعنا نتناول طعامنا أولاً.
تحدث وهو على حالته:
– الحب أولاً.
انحنى يحملها بين ذراعيه، هو يعشق تلك الحركة حين تلف ذراعيها حول رقبته وتضع رأسها على صدره، تلك الحركة تشعره بثقتها به وبتوليه مسئوليتها برغم أنه مديراً فاشلاً فهو لا يعلم ما تشعر به الآن برغم حبها الشديد له.
صعد بها حيث غرفتهما ليعيشا معاً لحظاتٍ خاصة ربما كانت هي الدواء لغضبهما.
بعد وقتٍ لاحق يحتضنها بشرود وهي تخفي وجهها في صدره، ما زال حزنها قائماً، ليست نادمة على تلك المشاعر نهائياً ولكن نادمة على عدم معرفتها بالشخص الذي شاركته حياتها، للآن تتردد هيأته وتوتر نظرته على عقلها حينما علم بالرسالة لذا فهي تدعي النوم.
أما هو فعاد يحتله غضبه من ميشيل الذي يتلاعب به وبحياته، لو تُرك الأمر له لعمل على عقابه بشكلٍ يصعب تخيله ولكن ليكن هو غطائه عند هؤلاء الكبار، ليكن بينهم وبينه ستار ميشيل، ليس خوفاً عليه بل عليها.
انتبه لها لذا تحدث متسائلاً ببحةِ صوتٍ هامسة يغلفها الحنان:
– ناردين؟،، هل نمتي جميلتي؟
تمتمت كأنها على وشك النوم فتابع بحنو:
– ولكنكِ جائعة؟
أخرجت وجهها من صدره لتلتفت للجهة الأخرى دون النظر إليه قائلة بنبرة جعلتها خمولية:
– دعني أنم صقر، سأتناول الطعام لاحقاً.
رفع الغطاء الخفيف عليها يدثرها به ويردف بحب:
– حسناً جميلتي.
أقنعته بنومها الذي هو بعيداً تماماً عنها، كيف تنام بعد كل ما حدث اليوم، لتجد حلاً لتلك الضوضاء التي تحتل عقلها، فهذا ما يحدث معها عندما تحزن، تفقد قدرتها على النوم كما حدث معها في أيام موت والدها.
بعد وقتٍ وحين ظنّ أنها غفت تحرك بهدوء من جوارها ليتجه لغرفة الملابس يحضر مفتاح مكتبه من خزنته.
جلبه وخطى للخارج ينظر لهيأتها الساكنة ثم تحرك خارجاً من الغرفة يغلق بابها لتشعر هي به وتفتح عينيها بخوفٍ.
ابتلعت لعابها داعية الله جهراً أن يكون كل ما تشعر به مجرد وهمٍ فقط، أن يكون هو ملجأها البشري من الخوف كما كانت تعتقد.
نزل للأسفل ودلف مكتبه يغلق خلفه ثم اتجه إلى مكتبه يجلس على مقعده ليفتح حاسوبه الخاص.
فتحه ودلف موقع التواصل الخاص بحديثه مع ميشيل الذي لم يكن متاحاً الآن ولكن كان لابد من إرساله لتلك الرسالة الآن.
رسالة توعد محتواها(أخبرتك أن تبتعد عن زوجتي ولكنك ظننت أنني ما زلت ذلك الفتى المطيع، لترى إذا رد فعلي في أقرب فرصة، كن مستعداً)
أغلق الحاسوب وزفر بملامح مظلمة يفرد ظهره للخلف ويفكر، يبدو أن عليه إخبارها بنفسه.
تعالت وتيرة أنفاسه من مجرد التفكير في لحظة إخبارها ولكن في كل الأحوال سيكن هذا أفضل الطرق معرفة، لذا فغداً وبعد قضاء رحلتهما سوياً والتي خطط لها سيحاول تمهيد حقيقته لها وعليها أن تتقبله، ليس لديها خيارٌ آخر، ولكن كيف يا صقر، كيف ستخبرها بوحشيتك؟، هل ستكن قادراً حينها على رؤية خيْبتها وصدمتها؟
زفر نفساً عميقاً كان قد حبسه ثم وقف يتجه للخارج ويغلق الباب ويصعد للأعلى ليعود لغرفته بعقلٍ متفككٍ لم يجد حلاً بعد.
وضع مفتاحه مكانه وأغلق خزانته وعاد يتمدد مجاوراً لها ثم اقترب منها يعانق خصرها ويقرب أنفه من ثنايا عنقها لينام عند ذلك المكان الذي أصبح بيته الآمن، تشعر به جيداً ولكنها في حالة فوضى داخلية برغم سكونها الظاهر.
ليلاً يقف ماركو في شرفة غرفته يتطلع على جميع نوافذ ڤيلا عائلة خديچة، الوقت أصبح منتصف الليل وإلى الآن لم يظهر لها أثراً.
تحدث بحنق متعجباً:
ألم تقرأي كتاباً عند شرفتكِ كما فعلت صديقتكِ، هيا اخرجي الآن.
وكأنه يأمرها وكأنها ستأتي سمعاً وطاعة، لا يدري أنها الآن تظن أن النهار أتى، فخديجة وعائلتها من هؤلاء الذين ينامون مبكراً.
ظل ينتظر وينتظر وحينما طال انتظاره قرر الدخول زافراً بحنق وهو يردد بأسلوبه المعهود:
– ما شأني أنا بهذه الأفعال البهلوانية، أنا رجل عصابات يمكنني اختطافها وانتهى الأمر.
صباحاً.
استيقظ ليستمع إلى صوت خرير المياه.
علم أنها تغتسل فزفر واعتدل يجلس مستنداً على الفراش ينتظرها.
خرجت بعد دقائق ترتدي مئزرها وتجفف خصلاتها بمنشفة صغيرة، تلاقت أعينهما فابتسمت له ابتسامة فاترة بينما هو أردف:
– نعيماً زوجتي الجميلة.
تحدثت بهدوء غير معتاد قائلة:
– شكراً لك.
وقف يخطو إليها حتى توقف أمامها ثم دقق النظر في عينيها الذابلة وحينما لاحظ الإرهاق المرتسم بهما أردف باهتمام:
– ألم تنامي جيداً؟
هزت رأسها تتحدث بهدوء وهي تحاول إبعاد عينها عنه قائلة:
– لا أنا بخير.
زفر بضيق صدرٍ ثم أومأ قائلاً بحب:
– اليوم كله أنا لكِ، سنذهب سوياً في رحلةٍ نيليةٍ رائعةٍ، ثم سنذهب للتسوق لتبتاعي كل ما تريدنه، ثم سنعود ليلاً نقضي ليلتنا بحب.
نظرت لعينيه بعمق لثواني ثم تحدثت بهدوء:
– دعنا نذهب للتسوق أولاً كي أشتري ملابس وحجاب، لم أعد أرغب في الخروج هكذا.
أومأ يردف بقبول:
– حسناً كما تشائين،، والآن دعيني آخذ حماماً سريعاً ثم نتناول وجبةً خفيفة قبل أن نغادر.
أومأت وتحرك هو لغرفة الملابس يحضر ثياباً ثم دلف الحمام ليستعد.
في منزل سامح.
يقف في ورشته يباشر عمله وحوله الصبيان ينتشرون، لمح والدته تخرج من بوابة منزله وتتمسك بيد صغيرته لذا تحرك للخارج يناديها متسائلاً بترقب:
– إيه يا حجّة على فين كدة ع الصبح؟
ابتسمت له عفاف ثم نظرت لحفيدتها بحنو وأردفت:
– راحة أنا وريما السوق نشتري طلبات، مش هنتأخر.
أومأ يتحدث بحنو وهو يمد يده في جيبه ويخرج بعض الورقات النقدية:
– طيب يا حجّة، خلي دول معاكي، وانتِ يا ريما متسبيش إيد ستك.
أومأت له الصغيرة التي كانت تلتفت حول يد عفاف بينما تناولت عفاف النقود من سامح وقالت قبل أن تتحرك مع الصغيرة:
– زينب نايمة شوية، علشان كدة قلت أخد ريما.
ابتسم لها بود قائلاً:
– تسلمي يا حجّة، يالا متتأخروش.
استيقظت مايا صباحاً بحماس ونشاط فاليوم يوم إجازتها وقد قررت قضاؤه مع عمر خارجاً بعدما قررا أن يصبحا صديقين.
أدت روتينها وارتدت بلوزة قد أشمرت أكمامها ليظهرا نصف ذراعيها فقط وارتدت فوقها جيب قصيرة بعض الشئ وانتهت من تحضير نفسها ثم حملت حقيبتها وأسرعت تخرج من غرفتها وتنزل الدرج لتبحث عن آسيا.
وصلت للأسفل ونادتها فجاءت آسيا من المطبخ حيث كانت تتحدث مع المساعدة ولكنها تعجبت من حال صغيرتها مردفة:
– على فين يا مايا كدة؟
اقتربت منها وابتسمت قائلة بهدوء ونبرة حماسية:
– هخرج أنا وعمر شوية يا مامي بليز، إحنا إمبارح اتفقنا نبقى صحاب، والنهاردة أجازتي، موافقة؟
القت نظرة تقييمية عليها ثم أومأت باستسلام قائلة:
– معنديش مانع بس إنتِ مفطرتيش، وكمان مش شايفة إن الجيب قصيرة شوية؟، كنتِ بطلتي تلبسي قصير يا مايا إيه حصل؟
زفرت مايا بملل ثم نظرت لوالدتها قائلة بدلال طفولي:
– مامي بليييز، هي مش قصيرة أوي، يالا سلام وأوعدك إني أخر مرة هلبسها، وهفطر برة مع عمر.
مالت تقبل وجنتها ثم تحركت تلوح لها وتركض للخارج لتتجه إلى عمر الذي كان يقف مع الحارس أحمد يتحدثان.
وصلت إليه ثم ابتسمت قائلة بنبرة حماسية يغلفها الحب:
– عمر يالا نخرج.
تحمحم عمر وطالعها بتعجب ثم نظر للحارس الذي لم يعد يتعجب من أفعالها ثم قال:
– عن إذنك يا أحمد.
نظر لها نظرة ذات مغزى وتحرك عدة خطوات فتبعته إلى أن وصلا لمكانٍ مناسب ثم توقف يشبك ذراعيه قائلاً:
– نخرج فين يا مايا؟
تحدثت بهدوء بعدما لاحظت ضيقه:
– نطلع شوية يا عمر، مش قلت لي امبارح نبقى صحاب؟
زفر مطولاً ثم تحدث بتروي:
– مينفعش يا مايا نخرج لوحدنا، مينفعش نروح نقعد أنا وإنتِ في أماكن عامة.
زفرت بإحباط وشردت تفكر لثواني ثم تحدثت مترقبة:
– طيب إيه رأيك لو كلمت نارة وصقر ييجوا معانا؟
لم يرد ردها ولكن عليه وضع حدود مناسبة لعلاقتهما لذا قال:
– ماشي يا مايا، كلميها وشوفي هتقولك لك إيه، بس لو مش هتخرج إحنا كمان مش هنخرج، خلينا نقضي اليوم هنا في الجنينة.
نظرت له بضيق ثم أومأت واتجهت لتطلب من آسيا إقناع نارة بالخروج معهما ولكنها توقفت عندما ناداها فالتفتت تطالعه بترقب فتحدث بهدوء:
– غيري الجيبة دي يا مايا لو هنخرج، الهدوم الطويلة بتبقى أجمل عليكي.
ابتسمت له وأومأت بعدما أقنعها بتبديلها دون أي مجهود فهي أصبحت تعشقه وتطيعه ليقينها أنه محقاً.
في أحد الأسواق الشعبية تقف عفاف تنتقي الخضروات من على العربة وتجاورها حفيدتها وحولها أناسٌ يبتاعون مثلها.
وقفت تجمع حبات الطماطم في الكيس ثم اتجهت للجهة الأخرى من العربة لتنتقي نوعٍ آخر.
انتهت واتجهت لتزنهم وتدفع حسابها بعد نوبة فصالٍ بينها وبين التاجر ثم حملت الأكياس وانحنت ببصرها لترى حفيدتها ولكنها لم تجدها.
جالت بأنظارها حول العربة تناديها ولكن لا أثر للصغيرة وكأن الأرض ابتلعتها.
بدأ الخوف ينهشها لتصرخ مناديةً بإسمها حيث تجمع الناس حولها متسائلين بينما هي بدأت تدخل في نوبة هلع وصراخ وهي تناديها وتبحث مهرولة ويساعدها في بحثها البعض والبعض الآخر وقفوا محوقلين والصغيرة ليس لها أي أثرٍ.
في أحد المولات الضخمة
يخطو معها وعينه تجول المكان كالصقر، يجاهد لإخفائها عن العيون، تمنى لو يستطيعان التسوق داخل بالون إختفاء عن تلك النظرات التي تستهدفه هو وليس هي.
ربما طريقه احتوائه لها ولف ذراعه حول خصرها وعيونه الحادة لمن أمامه جعلته يبدو في حالةٍ شاذةٍ يُنظر لها بتعجب من قبل الآخرين وكأنه خاطفها.
أما هي قد ابتاعت عدة فستانين تصلح للمحجبات كما ابتاعت حجابات ملائمة لكل فستان اختارته.
توقفت أمام صيدلية لتتذكر أمر ذلك المنوم الذى ودت شراؤه لتستطيع النوم براحة ولكن بالطبع هو لن يقبل بذلك.
التفتت تطالعه بهدوء قائلة:
– هل يمكنك إنتظارى هنا؟،، أريد أن ابتاع أشياءاً خاصة من هنا.
قالتها وهي تشير إلى تلك الصيدلية فأردف وهو يحثها على الدخول:
– حسناً هيا، لا يوجد خاص بيننا.
ابتسمت بتوتر وأومأت ثم دلفا سوياً الصيدلية لتبدأ في طلب أغراضاً خاصة أمامه ولكن رن هاتفها فتناولته تنظر له لتجدها والدتها.
أجابت وعقلها يفكر سريعاً قائلة:
– أهلاً يا ماما ازيك.
ردت آسيا بحنو متسائلة:
– نارو؟،، إنتوا خرجتوا ولا إيه؟،، مايا كانت عايزة تخرج معاكوا.
نظرت إلى صقر ثم مدت يدها تناوله الهاتف قائلة تدعي العجلة:
– صقر لو سمحت كلم ماما لحد ما أطلب الحاجات.
– لو سمحتِ عايزة أقراص (Ramelteon) أنا باخدهم بوصفة طبية بس نسيت ال prescription في البيت.
نظرت لها الطبيبة بترقب فوجدتها تبتسم بثبات لذا أومأت لتأكيدها أن هذا النوع من المنوم ليس مضراً واتجهت تحضره بينما صقر كان ما زال يتحدث مع آسيا.
خرجا بعد دقائق يتجهان حيث موقف السيارات ليستقلا سيارتهما ويبدئا نزهتهما النيلية.
في تلك الأثناء قرر سامح ترك عمله والصعود للأعلى ليرى زوجته ويطمئن عليها.
أوصى العمال على العمل وتحرك يصعد للأعلى ودلف شقة والدته ينادي بنبرة حنونة:
– زينب؟
كانت قد استيقظت واتجهت لتتوضأ وها هي تؤدي فرضها، تحرك للداخل فرآها تصلي فجلس على الأريكة ينتظرها.
رن هاتفه برقم والدته فتناوله يجيب قائلاً بهدوء:
– نعم يا حجّة؟
استمع لصوتها المنتحب والباكي بقوة وهي تقول باختناق وانقباض حاد في حلقها:
– الحقني يا سااامح، ريما مش لقياها، دورت عليها في كل مكان مش موجودة، الحقني يابني.
وقع قلبه وانحبست أنفاسه وظهرت الصدمة على ملامحه كأنه فقد الإدراك ولم يعد يشعر بشئ إلا عندما هزته زينب التي انتهت لتوها متسائلة بريبة من حالته:
– سامح فيه إيه؟
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اية العربي
نحتاج إلى لحظة هدوء، إلى هدنة مع الحياة، إلى صمت يكتم ضجيج الروح، إلى وسادة سلام تسند أحلامنا المتعبة، إلى نغمة هادئة تغمرنا بالسكينة، سحابة عابرة تغسل ما بداخلنا.
أو.. عزلة.. نعيد فيها حساباتنا، ننصت لصوت العقل والقلب معًا لنشعر ببعض السكينة، ونستعيد أنفاس الأمل.
نحتاج خلوة انفرادية طويلة المدى.
***
بعد ساعتين في قسم الشرطة.
تجلس عفاف تبكي بشدة وسامح يكاد يجن، واضعًا كفيه حول عقله، لا يستوعب أن صغيرته قد خطفت.
أما زينب فحالتها كمن أشعل لهيب القهر في قلبها ولم ينطفئ إلا برؤية صغيرتها، أنفاسها تكاد تختفي وعقلها يعمل بشكلٍ عكسي، تكاد تجن من هول ما يراودها.
لم يجدوا تلك الصغيرة إلى الآن والشرطة تتابع كاميرات المراقبة التي لا توضح شيئًا بسبب الزحام.
أسرعت نهى تركض إليهم متسائلة ببكاء حاد وصدمة:
– عرفتوا حاجة؟ قالولكم أي حاجة؟
نظر لها سامح بضياع وأسدل كفيه يردف قائلاً وهو يهز رأسه:
– لااااء مبيقولوش حاجة، أنا عايز أعرف بنتي رااحت فييييين.
قالها بحدة، فأسرعت نهى إليه تهدئه قائلة بنبرة يغلفها الأمل برغم قبضة صدرها الحادة:
– هيلاقوها، استهدى بالله يا حبيبي وقول يارب، إنتِ عارف إن ريما شقية شوية يمكن قالت على واحدة تانية إنها ماما ومشيت وراها، إن شاء الله خير يا حبيبي.
يحاول تصديقها مرددًا بحزن شديد:
– يارب يااارب.
وحال زينب كما هي، لا تعطي رد فعل على كلام أحدهم سوى البكاء الصامت والقهر المغلف بالجنون الذي تشعر به، تدعو الله سرًا وتتوسله قبل أن تنهار وينهار معها كل شيء.
خرج الضابط إليهم وعلى وجهه ملامح الأسف قائلاً:
– فيه كاميرا قريبة من السوق ظهرت راجل شايل بنت صغيرة نايمة على كتفه وتقريباً نفس مواصفات البنت اللي قولته عليها، بس ملامحه مش باينة لأنه لابس كاب والكاميرا مش جايباه كويس.
صرخت زينب بقوة عند سماعها لهذا الحديث، بينما هو هز رأسه يردف بحسرة:
– يعني إيه؟ يعني بنتي اتخطفت؟ طب مييين، هاتووولي بنتي، هاتوهااالي الوقتي هي مرعوووبة، هاتوهاااالي أبوس إيديكم.
وقف الضابط يطالعه بحزن خصوصًا بعد أن سقطت زينب مغشيًا عليها، فلحقها هو ونهى وعفاف تكاد تموت عجزًا وقهراً وقلة حيلة. تشعر أنها المتسببة في كل هذا ومقيدة لا تستطيع فعل شيء.
تحدث الضابط برأفة وهو يرى حالتهم ويشعر بحسرتهم:
– هعمل أقصى ما عندي وهرجعلك، هدور في كل الكاميرات القريبة وهوصله، بس خلي تليفونك مفتوح لإن ممكن يكلموك لو هما قصدهم فدية.
يقف يساند زينب التي تجاهد لتظل واعية ويستمع إلى حديث الضابط بضياع، داخله وحش ملعون يريد أن يتحرر ولكن يقيده عدم معرفته بداية الخيط.
تركهم الضابط وعاد إلى مكتبه ووقف هو ونهى يسندان زينب التي باتت في حالة تتمنى الموت ولكنه لم يأتِ.
وأخيرًا تحرك سامح يركض للخارج ليبحث هو، ليحاول إيجادها بأي طريقة.
ظلت نهى تبكي وهي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، ثم مر صقر على عقلها لتقف تاركة زينب في حالة يرثى لها وتجاورها عفاف.
توجهت إلى الخارج وهي تتناول هاتفها من حقيبتها لتهاتفه.
كان في تلك الأثناء يجلس في مركب هو ونارة يتناولان غدائهما سوياً وسط رحلة نيلية رائعة، وبرغم ذلك فهو يلاحظ صمتها وهدوءها الذي يقبض على صدره.
رن هاتفه، فترك شوكته وتناوله من جيب سترته ليجدها شقيقته نهى.
زفر مطولاً ليتفح الخط ويضعه على أذنه دون حديث، فوجدها تبكي بشدة قائلة بنبرة ضائعة وصلت إليه:
– صقر الحقنا يا صقر.
انتفض جسده وتنبهت حواسه متسائلاً:
– في إيه؟
تحدثت تسرد له ما سمعته وهى على وشك الانهيار:
– بنت سامح اتخطفت، كانت مع ماما في السوق وفجأة ملقتهاش، ولما الشرطة فحصت الكاميرات لقت راجل شايلها وهي نايمة بس ملامحه مش ظاهرة، بالله عليك يا صقر لو تقدر تعمل أي حاجة أعملها، أمها هتموت وسامح هيتجنن.
تحولت نظرته ليسأل بغموض تحت أنظار نارة المستفهمة:
– حصل فين بالضبط الكلام ده؟
أردفت باكية بنحيب وقلبٍ يكاد يتوقف:
– في سوق —– بس هما شافوا كل الكاميرات اللي هناك، حاول يا صقر علشان خاطري،، حاول توصلهم يمكن يكونوا عايزين فلوس.
أغلق معها، فوقفت نارة متسائلة بقلق:
– فيه إيه يا صقر؟
تحدث بجمود وهو يتناول أغراضه من فوق الطاولة:
– علينا العودة في الحال.
بعد قرابة النصف ساعة وصل صقر إلى منطقتهم بعد قيادة سريعة، أوقف سيارته أمام فيلا عائلة نارة وترجل يلتفت لها.
ترجلت بتعجب تطالعه متسائلة بقلق:
– صقر فهمني فيه إيه؟ طول الطريق ساكت، فهمني إيه اللي حصل؟
نظر لها بتمعن قائلاً بملامح متوعدة يخفيها عنها:
– حسناً، أخبرتني نهى أن إبنة سامح الجارحي قد اختطفت، وطلبت مساعدتي.
شهقت بصدمة وجحظت عينيها ثم تحدثت بحزن:
– بنت أخوك؟ مش كدة؟
أومأ لها قائلاً بثبات:
– الآن ستظلين هنا مع والدتكِ إلى أن أعود، لن أكرر خطأ أمس، هيا جميلتي ادخلي كي أذهب.
أومأت بحزن من أجل تلك الطفلة المختطفة ثم قالت بنبرة مترجية:
– طيب ابقى طمنّي يا صقر لو سمحت.
أومأ لها، بينما فتح الحارس البوابة ودلفت وظل حتى تأكد من دخولها الفيلا ثم عاد يستقل سيارته، يستقلها وتناول هاتفه يطلب رقم ماركو قائلاً بعد أن أجاب الآخر:
– أين أنت؟
أجابه ماركو وهو يتماطأ:
– استيقظتُ للتوِ، ماذا هناك؟
تحدث بصرامة وقسوة:
– انتظرك في الخارج، انزل فوراً.
***
وصل سامح إلى السوق الذي تم خطف الصغيرة فيه وبدأ يبحث هنا وهناك كالمجنون ويسأل الجميع مرةً ثانيةً، وهم في حالة من الأسف عليه فهو قد سألهم منذ ساعات وأخبروه بما رأوه.
وقف بينهم يلتفت بضياع ثم بدأ ينادي بصوتٍ حاد باسم غاليته ودموعه تنساب قائلاً:
– ريماااااا، بنتـــــي.
أسرع بعض الرجال يحاولون مساندته قبل أن يسقط ويجاهدون لبث الطمأنينة فيه، ولكن قلبه يصرخ قهراً باسمها.
وحال زوجته مثله، حيث ظلت جالسة أمام قسم الشرطة ورفضت بشكلٍ قاطعٍ العودة إلى المنزل دون ابنتها، ستنتظرها هنا إلى أن تعود.
كانت عفاف تطالعها ولا تقوى حتى على نطق كلمة مساندة واحدة، كل ما تشعر به أنها المتسببة في كل هذا الألم.
***
كانت قد دلفت نارة إلى والدتها التي رحبت بها متعجبة، ولكن زال تعجبها بعدما أخبرتها نارة بما حدث ليحل محله الصدمة والدعاء لهؤلاء الذين لا تعرفهم.
كانا في الجهة الخلفية من الحديقة يجلسان عمر ومايا على العشب الأخضر وحولهما تركض القطة ومايا تلاعبها.
كانت مستمتعة جداً وسعيدة بالحديث مع عمر حيث تحدث معها عن عمله في الصالة الرياضية وبعض المواقف التي قابلته، ولم يخلُ الحديث من بعض التعليمات الدينية التي يلقيها خفيةً من بين حديثه بمغزى.
ملست على فراء القطة التي استكانت بجوارها لتسأله بعد أن سردت له عن حياتها في إيطاليا قائلة:
– وإنت يا عمر؟ مكلمتنيش عن باباك ومامتك خالص؟
تبدلت نظرته من الهادئة إلى أخرى صادمة، فقد فاجأته، نعم لم يتطرق للحديث عن ماضيه أبداً، كل ما تظنه أنه الابن الوحيد لصديقة قديمة لوالدتها، ولكنها حتى لا تعلم اسم عائلته، ولكن الآن وبعد أن قرر ونوى إعطائهما فرصة كيف سيشرح لها هذا الأمر، ماذا سيفعل إن نظرت له نظرة مختلفة عن تلك التي تطالعه بها الآن.
لم يكد ينطق حتى ظهرت آسيا لتنجده قائلة بصوتٍ عالٍ وهي تقف في شرفة الفيلا:
– مايا تعالي نارو هنا.
انفرجت أسارير مايا واعتدلت تقف قائلة وهى تنظر إلى عمر بحب:
– عمر هروح أسلم على نارو ونبقى نتكلم وقت تاني، يالا بااااي.
قالتها وهي تلوح بيدها ثم خطت للداخل لترى شقيقتها.
***
بعد وقت.
استطاع صقر وحارسه المصري أن يحصلا على تسجيلات من مناطق أخرى، مناطق معينة وأزقة ضيقة يستعملها المجرمون والخارجون عن القانون للتخفي بها، وها هو يجلس مع ماركو وفايز حارسه يتابعون السجلات بتمعن ودقة خصوصًا هو، يدقق النظر كي يلاحظ ما يمكن أن يلتقطه ويصل به إلى شيء.
رأى هذا الرجل الذي يحمل الطفلة النائمة وهو يغادر متلفتاً حوله بقلق، ركز جيداً في يده التي تحاوط الصغيرة حتى أنه قال:
– كبّر تلك اللقطة.
أومأ له فايز وضغط زر التكبير والإيضاح لتظهر له إسورة سوداء في يد هذا الرجل، إسورة مميزة رفيعة سوداء ذات نقش أحمر في منتصفها.
تأكد من شكوكه حيث أن خاطفيها هم عصابة تجارة الأعضاء وليس كما ظن الباقيين للمساومة على مالٍ.
وقف يضغط على هاتفه ليطلب رقم الجراح الذي يحتاجه في المهام الخاصة كيوم زفافه.
أجابه الجراح قائلاً بنبرة استفهامية:
– أسمعك سيد صقر؟
تحدث بقسوة ونبرة مرعبة يغلفها التوعد:
– هل لك يد في تجارة الأعضاء؟
تفاجأ الجراح لينفي فوراً قائلاً:
– بالطبع لا، لو كانت لي يد لكنت علمت ذلك، ولكن أخبرني ماذا حدث؟
تحدث صقر بثبات ونبرة مخيفة وعينه منكبة على الإسورة أمامه عبر الشاشة:
– أحدهم اختطف طفلة تخصني، وعند الفحص تبين لي أنه رجلاً تابعاً لمافيا الأعضاء، والآن أخبرني شيئاً مفيداً.
تساءل الجراح مترقباً:
– في أي منطقة تم خطفها؟
أخبره صقر بالمنطقة ليعاود التحدث بثبات وانتماء:
– حسناً أعلم من يقوم بتلك العمليات، هو يعد زميل مهنة، يمكنني أن أدلك على مكانه.
أردف صقر بجمود وهو يقف:
– قل مكانك وانتظرني.
أغلق معه بعدما أملاه الرجل مكانه وتحرك على الفور هو وماركو وفايز، استقلوا سيارته وغادروا.
رفع صقر هاتفه يطلب رقم أحد من رجاله قائلاً بملامح قاسية حيث الآن يظهر الوجه الآخر لشخصيته:
– أحضر كيفين وتعالا معاً إلى العنوان الذي سأرسله لك وأخبر ليون أن يجهز للحفلة.
أغلق معه ثم طلب رقم نهى التي أجابت تتساءل ببكاء ولهفة:
– ها يا صقر عرفت حاجة؟
تحدث بجمود قائلاً:
– أرسلي لي صورة الطفلة.
أغلق بعدها فوراً وثواني وأرسلت له نهى صورة الطفلة التي ما إن رآها ولمح نظرتها حتى تأكد أنها تابعة له، نظرتها تشبهه كثيراً، تأملها لثواني ثم أغلق الهاتف وانتظر القادم بذرة من الصبر وأما عن الرحمة فوجودها الآن يعد ضرباً من ضروب المستحيل.
***
وصلت السيارة إلى هذا المكان النائي الذي يصعب على المارة الوصول إليه.
تحدث الطبيب مشيراً:
– هنا منطقتهم، وهنا تتم عمليات نزع الأعضاء وحفظها إلى أن تباع لمشتريها.
نظر صقر لهذا المبنى الذي يبدو عليه التآكل وأومأ، كان قد أرسل الموقع إلى رجاله ليتبعوه في الحال.
نظر للطبيب قائلاً بجمود:
– أنت ستذهب مع فايز تنتظرني في بيت الصحراء، وجهز أدواتك.
أومأ الطبيب وترجل صقر وماركو وجاء رجاله بسيارتهم ثم بدأوا في رفع أسلحتهم جميعاً وخطوا بطريقة مدروسة جيداً اتبعوها لسنوات.
صعدوا هذا المبنى حتى وصلوا إلى الطابق الثاني بحذر وهدوء يدب الرعب في من يترقبه.
ليركل صقر الباب بقدمه فجأة فيفزع من في الداخل.
كان يوجد رجلاً يمتلك ملامح شيطانية وآخر يبدو أنه الجراح وآخر عندما رآه صقر عرفه فوراً من معصمه فهذا هو الخاطف الذي ظهر في كاميرات المراقبة.
كادوا أن يخرجوا أسلحتهم ليطلقوا عليه ولكن صقر وماركو ورجاله انتشروا بطريقة تشبه الأشباح حول المكان وسيطروا على حركتهم وقيدوهم قبل أن يستوعبوا ما يحدث، يحاولون الفكاك من قبضة رجال صقر القوية ولكن هذا لا يفيد في شيء حيث حسم الأمر وانتهى.
لف صقر نظره حول المكان، تلك الغرفة معدة لتبدو كغرفة عمليات في إحدى المستشفيات.
سرير رفيع مبطن ومغطى بالجلد وتجاوره طاولة تحمل أدوات جراحية وتشريح وثلاجة لحفظ الأعضاء ولوازم أخرى كثيرة يحتاجونها لهذا العمل الإجرامي البشع.
نظر باشمئزاز لهم، هذا المكان وما يحدث فيه جعله يشعر كم هو مظلم، يشعر كم هو قاسي، جعله يشمئز من عالمه كله.
نظر صوب هذا الخاطف قائلاً بنبرة مرعبة استطاعت أن تهز جسده:
– أين الأطفال؟
لم يتحدث الرجل برغم رعبه بل نظر له نظرة حاقدة لو تجسدت لالتهمت صقر ومن معه.
غضب صقر لذا أخرج سلاحه المعلق به كاتم الصوت وصوب نحو ساقه وأطلق دون تردد فصرخ الرجل متألماً تحت أنظار البقية فعاد صقر يردد سؤاله بنبرة أشد ظلاماً وتقطع:
– أيــن الأطفـــال؟
أشار الرجل بيدٍ مرتعشة إلى إحدى الغرف ليسرع صقر إليها ويحاول فتحها حيث كانت موصدة، زفر بنوعٍ من الملل ثم دفع الباب بقدمه لمرةٍ واحدةٍ كانت كافية لتفتحه على مصراعيه.
خطى للداخل ليجد ما يقرب العشرين طفلاً وطفلة مقيدون ينتظرون مصيراً غير معلوم، كل ما يعلمونه أن البكاء بات ميئوساً منه، براءتهم ونقاء ملامحهم ينافي تماماً هذا المكان ويبدو أن قدر الله هو نجاتهم.
نظر للركن الآخر ليري تلك الطفلة التي تجلس باكية ومرتعبة، ترتعش حينما رأته، لأول مرة يشعر بوخزة في قلبه، لا يتقبل فكرة المساس بأطفال، يعلم أنهم أنقياء العالم، يعلم أنهم يستحقون الأفضل.
أردف وعينه عليها بصوت عالٍ ليطمئنهم:
– متخافوش، كلكم هتروحوا بس متتحركوش من هنا.
عاد للخارج وتركهم لتعود له ملامحه المرعبة ويردف بقسوة:
– أفحصوا المكان جيداً وتأكدوا أن لا أحد سيبقى هنا سوى الأطفال.
بالفعل تحرك رجل له يفحص المكان جيداً وعندما تأكد من خلوه عاد يخبره ويؤكد له فتحدث صقر:
– حسناً، هيا بنا.
تحرك للخارج وماركو ورجاله خلفه يسحبون هؤلاء الشياطين.
وصلوا لسياراتهم واستقلوها ثم أخرج صقر من درج سيارته الأمامي علبة تحتوي على عدداً لا بأس به من الخطوط الهاتفية وتناول أحدهم ثم التقط هاتفاً يدوياً يحتفظ به في سيارته وقام بوضع شريحة الاتصال الجديدة به وطلب رقم الشرطة قائلاً بلغة مصرية سعى كي تبدو صحيحة في نطقها:
– بيت قديم في شارع **** في منطقة التلة، فيه عشرين طفل وطفلة مخطوفين، ياريت تلحقوهم بسرعة ومن ضمنهم أطفال متبلغ عن خطفهم.
أغلق ثم نزع الشريحة ليقوم بكسرها وينطلق فوراً هو ورجاله.
***
وصل بعد وقتٍ إلى منزل الصحراء الذي اتخذه مكاناً لتنفيذ عملياته وانتقاماته، دلفوا يسحبون من أتوا بهم إلى الداخل حيث تم تجهيز الحفلة التى كانت عبارة عن سرير طبي رفيع يشبه الذي كان في ذاك البيت وأدوات طبية مناسبة للعمليات الجراحية وأمبولات تخدير وغيرها من معدات تلزم مستخدميها والجراح يقف عندهم ينتظره.
قيدهم رجال صقر في تلك المقاعد بنفس الطريقة المعتادة ثم وقف صقر وماركو ينظران لهم بتشفي.
تحدث ماركو متسائلاً بنبرة جليدية:
– والآن ماذا تنوي؟
نظر صقر في عينه ثم تجاهله ولف نظره يطالعهم ببرود ظاهري وتحدث بنبرة يغمرها الغضب:
– والآن بأيٍ منكم نبدأ؟ هل بالطبيب الفاعل؟ أم باللص الصياد؟ أم بالتاجر؟
قالها وهو يشير على كل واحدٍ بطريقة تثير الرعب داخلهم فلم يجب منهم أحداً فكيف وأفواههم مغلقة بفعل لاصق قوي والكل أدرك مصيره ليتابع وهو يقف بقسوة:
– حسناً، لاختار بنفسي، يقولون أن طاهي السم يتذوقه، إذا لنفعل نفس الأمر، لننزع أعضائكم النتنة ونوّردها لمستحقين، ما رأيكم؟ أظن أن ذلك منتهى العدل.
كانوا يحاولون الفكاك من قيودهم وأصواتهم مكتومة ولكن لا جدوى حيث نظر لماركو يردف بابتسامة مرعبة:
– لنبدأ بالتاجر إذاً يا صديقي.
وبالفعل استطاع رجال صقر أن يمددوا هذا الرجل ذو الملامح الحادة على هذا السرير ليبدأ الجراح بتخديره أمام أعين الآخرين المرعوبة.
***
وصلت الشرطة المكان المنشود واقتحموه مستعدين للاشتباك ولكن تفاجئوا من خلوه ليتجهوا لغرفة الأطفال المرعبين والمقيدين.
فكوا أسرهم وأخذوهم إلى قسم الشرطة التابع للمنطقة كي يستدل على ذويهم حيث كانوا مرتعين ويبكون بشدة.
وصلت سيارة الشرطة إلى القسم وترجل منها الشرطيون وبدأوا ينزلون الأطفال فرأتهم نهى التي كانت تجلس تساند زينب وعفاف.
جحظت عينيها وهى تردف بأمل يتوغلها:
– زينب، لقيوها يا زينب، ريمااا معاااهم.
ليتحول لهيب قلبها إلى رطب في لمح البصر وتقف على قدميها تنظر صوب السيارة فتجدهم ينزلون أطفالاً صغاراً ومن بينهم ابنتها.
رأتها فتجمدت لثواني وكأن قدميها التصقت بالأرض قبل أن تصرخ باسمها وتركض بقوة لا تعلم من أين أتتها.
وصلت إليها ونهى وعفاف تتبعانها وقبل أن يستوعب الشرطي نزعت من يده صغيرتها الباكية تعانقها بقوة تكاد تفتك العالم إلا هي، تعانقها وتبكي والصغيرة تتعلق بها وتبكي أيضاً في مشهدٍ يبكي الحجارة ويفكك القلوب.
ترجل الشرطي يتنفس براحة وسعادة فهو يدرك تماماً حالتها لذا تحدث بهدوء:
– الحمد لله ربنا بيحبكوا، فاعل خير بلغنا ووصلنا لمكانهم في الوقت المناسب تماماً، حمدالله على سلامتها بس ياريت تيجوا معانا إنتِ وباباها علشان نقفل المحضر.
لم تسمعه، من سمعه نهى وعفاف التي سجدت أرضاً شكراً لله، سجدت لعودة حفيدتها سالمة، أما نهى فتحدثت إلى الضابط قائلة برتابة وسعادة:
– حاضر يا فندم، حالاً هكلم أخويا أطمنه.
تناولت هاتفها وطلبت رقم سامح الذي كان يجول الشوارع كمن فقد عقله وقلبه يبحث عنها بيأس.
تناول هاتفه وأجاب بحسرة:
– مش لقيها يا نهى، حاسس إني هموت.
أسرعت تردف بنبرة تتوغلها السعادة والحماس:
– لقنيها يا سامح، رجعت يا حبيبي تعالى حالاً عن القسم.
استطاعت أن تجبر انكسار قلبه بجملتها التي ردت إليه الروح ليتنفس بعمق كأنه كان منقطع النفس ويردف متسائلاً ببكاء:
– بجد يا نهى؟ طب خليني اسمع صوتها؟
أسرعت نهى تناول الهاتف لزينب التي ما زالت متعلقة بصغيرتها وقالت:
– زينب ده سامح، عايز يسمع صوت ريما.
التقطت زينب الهاتف ووضعته على أذن ابنتها التي هدأ بكائها تحثها بنظراتها على التحدث فقالت الصغيرة بصوتٍ متحشرج ضعيف:
– بابا؟
أغمض عينه وشكر ربه وانسابت دموعه ثم قال بوهن وسكينة:
– نعم، نعم يا عمري.
لم تقل سوى هذه الكلمة وعادت تنام على كتف والدتها التي تناولت الهاتف منها وتحدثت بدلاً عنها قائلة بهدوء ينافي ما كانوا عليه:
– سامح تعالى يا حبيبي.
***
ليلاً عاد صقر بسيارته التي أوقفها أمام فيلا السيدة آسيا.
رفع هاتفه وطلب رقم نارة التي أجابت بلهفة متسائلة:
– صقر،، لقيتوا الطفلة؟
تحدث بثبات وصوتٍ مثقلٍ بالهموم:
– أنا في الخارج أنتظركِ.
أغلقت معه ووقفت تودع والدتها ومايا فتساءلت آسيا بترقب:
– مقالكيش لقيوها ولا لاء؟
هزت رأسها بلا فأومأت آسيا بتفهم وودعتها إلى أن خرجت من البوابة واستقلت بجواره وتحرك بها صوب فيلتهما.
وصلا إلى منزلهما ثم صف السيارة وترجلا ودلفا سوياً إلى الفيلا فتساءلت بترقب:
– طمني يا صقر لقيتوها؟ إنت ليه مش بتتكلم؟
زفر قائلاً بضيق ومراوغة:
– لا أعلم، أنتظر اتصالاً لأطمئن ثم أطمئنكِ.
خطت تجلس على الأريكة واتجه يجاورها ويرفع رأسه مستنداً على ظهر المقعد ليغمض عينيه بعدها، يشعر أنه معبأ بالهموم، لم يعد يشعر بلذة الانتقام بل يشعر بمدى سوءه وسواده.
نظرت له فلاحظت حالته وإرهاقه لتقول بنبرة حنونة معتقدة أن حزنه على فقد الصغيرة:
– أعملك قهوة؟
هز رأسه يردف بضيق:
– لا شكراً لكِ.
أومأت لتصمت بعدها لثواني ثم أعلن هاتفه عن اتصالٍ ينتظره، اعتدل وفتح يجيب على شقيقته بغموض:
– فيه أخبار؟
أردفت نهى بسعادة وفرحة وهي لا تعلم أنه منقذها:
– أيوة يا صقر رجعت الحمد لله، الشرطة رجعتها هي وأطفال تانية كتير، الحمد لله كنا هنموت، معلش يا حبيبي تعبتك معايا بس مكنتش عارفة أعمل إيه وقتها.
شعر بالارتياح يتوغل رويداً رويداً ثم تحدث بهدوء:
– تمام، تصبحي على خير.
أغلق معها ثم نظر لنارة وابتسم قائلاً بارهاق:
– الطفلة رجعت.
ابتسمت بسعادة قائلة وقد انفرجت ملامحها:
– الحمد لله، أنا كنت زعلانة علشانها وعلشان أهلها أوي.
نظر لها ولعينيها بتأمل، كم هي شفافة ونقية تحمل قلباً ليناً ينافي جمود قلبه، تحدثت وهي تقف متجهة للمطبخ:
– خليني أجهز عشا سريع وارجعلك.
أومأ لها وتحركت هي صوب المطبخ لتحضر بعد دقائق وجبة سريعة أحضرت معها عصير الكيوي الذي يفضله.
تحركت باتجاه الحوض لتضع الملعقة وتغسل يدها لتتفاجأ به يعانقها ويلف يده حول معدتها وفكه يستند على كتفها قائلاً بنبرة ثقيلة مجهدة لأول مرة تسمعها منه:
– أنا متعبٌ جداً، أشعر أني أحمل فوق رأسي حجراً ثقيلاً، فقط عانقيني لأرتاح.
التفتت إليه تردف بحزن لما آلت إليه الأمور بينهما قائلة:
– ربما أنت بحاجة للطعام، فمؤكد لم تأكل منذ أن تركتني، هيا تعال لتتناول وجبةً خفيفةً وهذا العصير وبعدها ستشعر بتحسن.
تحرك معها بينما حملت هي الصينية واتجهت إلى الخارج تضعها على طاولة تحيطها الأرائك.
جلسا سوياً لتبدأ في إعداد اللقيمات له وهو يتناول منها برأسٍ مشوشة، ناولته كوب العصير وارتشفه ليبدأ الصداع يختفي تدريجياً بعد دقائق.
– صقر تعالى نطلع فوق.
قالتها بحب كأنه صغيرها فأومأ لها وتحرك معها للأعلى حيث غرفتهما، دلفا سوياً بينما هو اتجه إلي غرفة الملابس ليفتح خزنته ويحضر مفتاح المكتب الخاص به كالعادة، خطى للخارج يردف وهو ينظر لها مبتسماً بهدوء:
– سأذهب إلى المكتب وأعود سريعاً.
أومأت له بتعجب، فهو كان يعاني من صداع الرأس منذ قليل، ألم يكن يمكن تأجيل العمل أو أي شيء آخر إلى الصباح؟ لمَ يذكرها بغموضه وهي التي لم تتخذ قراراً بخصوصه بعد، ولكن عليها أن تبحث داخله عما تريده.
تركته يغادر وتناولت إحدى الأقراص التي أحضرتها لحاجتها للنوم أو ربما للهروب منه.
أما هو اتجه لمكتبه ودلف يغلق خلفه ثم تحرك حيث جلس خلف مكتبه ليفتح حاسوبه ويبدأ بفحص بعض الصور التي أرسلت له من قبل رجاله كالعادة.
زفر مطولاً بارهاق ثم نسخها في ملفٍ وأرسله لميشيل وتبعها برسالةٍ محتواها صارماً ومتوعداً:
( لنعتبر هذا رداً مؤقتاً لم أسعَ له، لقد قضيت لك على فرعٍ من فروع تجارة الأعضاء في مصر، وأحذرك للمرة الأخيرة، ابتعد عن زوجتي )
أغلق بعدها ووقف يغادر، صعد للأعلى ودلف وجدها تستعد للنوم، زفر واتجه يعيد مفتاح مكتبه ثم انتقى سروالاً قصيراً واتجه للحمام ليخرج بعد دقائق عاري الصدر يريد أن ينسى عالمه معها.
لمحها تنام كملاكٍ منعم في حضرة شيطانٍ آثم فخطى للمرآة ونثر عطره ثم عاد إليها بخصلاته الرطبة وتمدد يلتصق بها ويعانقها بقوة حنونة خاصة بها، همس بشفتيه قرب من أذنها بنبرة يغلفها التعب:
– هل نمتي جميلتي؟
كان المنوم قد أعطى مفعوله معها لتمتم دون وعي، تعجب منها فهي تعد من صاحبات النوم الخفيف ولكن مر على عقله الأمر نسبةً لعدم نومها بشكلٍ كاملٍ الليلة الماضية، زفر يقبل عنقها ويستنشق رائحتها التي يدمنها ليقرر النوم دون التنعم معها بالمشاعر التي تعد بالنسبة له الدواء من داء ظلامه ولكن ليكن في الصباح لقائهما.
***
فجراً عند ميشيل الذي يجلس يشاهد الصور التي أرسلها صقر ويردد رسالته، تجهمت ملامح وجهه بنظرة شيطانية متوعدة، لقد بات حقاً يتلاعب به وإن لم يلقنه درساً سيسهل عليه تصفيته.
لذا رفع هاتفه يطلب رقم رجل صقر والذي لم يكن سوى المدعو ليونيل أو ليون الذي جنده لحسابه.
أجاب الرجل بجمود قائلاً:
– أسمعك سيد ميشيل.
تحدث ميشيل بجمود مماثل بل أشد متسائلاً:
– هل أحضرت لي دليلاً؟
صمت الرجل لثواني ثم أجاب بالقليل من القلق:
– نعم لدي.
انفرجت ملامحه البغيضة ثم تساءل بهدوء واستدراج:
– إذا لمَ لم ترسلها لي؟ هيا إنني في انتظارها منذ وقتٍ، وإن أعجبتني حينها سأضاعف المبلغ لعائلتك.
تحدث الرجل باقتناع بعد حديثه الخبيث قائلاً:
– حسناً سيد ميشيل سأرسلها لك فوراً.
أغلق معه لينتظر ميشيل بتأهب وبالفعل أرسل له ذلك الرجل مقطع فيديو تم تصويره بكاميرا ذكية ودقيقة على شكل ساعة يد ارتداها هذا الرجل ليوثق لحظة قيام صقر هو ورجاله بعملية نزع أعضاء رجال المافيا التي قام بها اليوم.
ضحك ميشيل ضحكةً نزعت من فم شيطان ملعون بعد أن شاهد المقطع قائلاً بانتشاء وتوعد:
– لتعود لمكانك ومكانتك أيها الصغير، ولترى ماذا يستطيع ميشيل فعله، هل ظننت أنني سأتركك لتلك الساقطة؟ أنا لم أفعلها قديماً وانتشلتك من يد أبيك وشقيقتي، وستعود إلي دوماً، ليس لك سبيلاً سواي.
***
صباحاً استيقظ صقر ليجد أن نارة ما زالت نائمة على نفس وضعها، حالتها غير مألوفة بالنسبة له، بدأ يشك في كونها تناولت شيئاً يساعدها على النوم.
حاول إيقاظها ينادي بهدوء:
– ناردين؟ يكفي نوماً إلى هذا الحد.
تململت بالفعل فهي لم تأخذ جرعة كبيرة، بدأ عقلها في الإدراك واتضحت الرؤية، يجلس على الفراش يطالعها بتفحص.
اعتدلت لتستند على حافة الفراش تبتسم له قائلة بهدوء وتحشرج:
– صباح الخير.
تعمق في عينيها يحلل وضعها الصحي بعين الصقر خاصته ثم ابتسم قائلاً بترقب:
– صباح الخير جميلتي، ما كل هذا النوم.
تعلمه جيداً وتدرك نظرته الاستكشافية لذا تحدثت بصدق:
– أشعر بالأرق منذ أول أمس لذا تناولت حبة منوم سريع المفعول ولكن تركيزه خفيف، لا تقلق.
احتدت نظرته ليسأل بترقب:
– ومن أين حصلتِ عليه؟
تحدثت بثبات مماثل وهي تهز كتفيها:
– طلبته أثناء تواجدنا في الصيدلية وأنت كنت تجاورني، ولكن ربما أنت انشغلت بمكالمة ماما ولم تنتبه، ثم أن لا داعي لحدتك صقر أنا كنت أتناوله بعد وفاة بابا بسبب الأرق.
إذاً هناك ما يحزنها، هناك ما يشغل عقلها ومؤكداً تلك الرسالة التي بعثها هذا الحقير ميشيل، إذاً أصبح وجودها معه يطغي على روحها الحزن، كيف يمكنه أن يمحو الألم والحزن والضيق والشك من ذاكرتها، إن علمت الحقيقة يوماً لتعلمها منه هو فقط.
تلمس وجهها بكفه يردف بحنو:
– وما سبب الأرق الآن؟ هل أنا أحزنتكِ دون قصد؟
نظرت له بتعمق ثم تحدثت بتروي لربما أصلحت ما كسره:
– حسناً أنا لا أريد حياةً وردية خيالية صقر، أنا كل ما أريده حياةً هادئةً سعيدة، وإن كانت تحمل خلافات لتكن خلافاتٍ طبيعية تحدث بين المتزوجين عامةً، ولكني أرى أنك تتجه بي لطريقٍ متملك أنا لم أعتده، طريقاً مجهولاً يملؤه الشك وينزع العلاقات، لتثق بي ولتترك لي العنان وتأكد أني لن أخذلك أبداً، لن أتركك أبداً، ولكن ثق بي، لا يجب تقييدي صقر، أنا لم أعيش مقيدة طوال حياتي، إما الثقة أو فسخ هذا العقد.
كان يسمعها بهدوء إلا أنّ جملتها الأخيرة أيقظت وحش غضبه ليردف فوراً بملامح مخيفة:
– احذري من نطقها مرةً أخرى، حياتنا معاً نهايتها الموت، العقد الذي بيننا ليس ورقة كتب عليها توقيعنا، بل هو رباطٌ أصبح فكاكه درب من دروب المستحيل.
لا تعلم أتفرح أم تحزن بحديثه الذي ما زال يحكمه التملك، ولكن لتعتبر هذا نابعاً من حبه، تحدثت لتثبت داخله ثقتها به:
– وأنا لا اريد أبداً الابتعاد عنك، أنا أثق بك صقر.
نظر لها لثواني بصمت ثم قرر توثيق لحظتهما بعشقه لياخذها ويسافر عبر الزمن في رحلةٍ لطالما باتت هي متاعه الوحيد.
مال عليها يقطع الحديث قائلاً:
– إذاً أتركي الأمور كلها لي، لا تحزني مجدداً، وسأعمل دوماً على نشر ابتسامتكِ.
أنهى جملته وانهال على شفتيها يقبلهما بتلذذ واستمتاع، ليعلوها ويغيب معها في نوبة العشق هذه التي ما إن أصابتهما حتى غابت العقول وتجمعت الإثارة والمتعة معاً.
بعد وقتٍ يقبل جبينها قبلاً عدة وهو يستند بظهره على السرير قائلاً بسكينة وتخمة من فرط المشاعر:
– ربما أصطحبكِ ذات يوم لمنزل نهى شقيقتي.
انفرجت ملامحها قائلة بحب:
– حسناً أود هذا كثيراً، وأود إصلاح علاقتك بشقيقك.
زفر ثم تحدث مغيراً دفة الحديث:
– والآن لا أريدكِ أن تتناولي هذا المنوم، إن أردتِ النوم أخبريني وخلال ثواني ستكوني نائمة بين ذراعي.
ابتسمت تومئ له ثم تحدثت وهي تتململ من جواره:
– حسناً سأذهب لأغتسل وأعود.
تحركت للحمام أمامه وزفر وكاد أن يلحق بها لولا رنين هاتفه بمكالمة عمل لذا اعتدل يجيب بملل على مسئول التسويق الخاص بشركته.
بعد دقائق انتهت وخرجت سريعاً لتجده في الشرفة يقف وما زال يتحدث مع أحدهم، تنهدت وكادت تتناول هاتفها ولكنه دلف يبتسم لها ويردف وهو يضع هاتفه بجوار مفاتيحه على الكومود قائلاً:
– سأذهب لأغتسل وأعود لكِ ثم سنحضر فطوراً شهياً ونقضي الصباح عند المسبح.
أومأت له تبتسم قائلة بهدوء:
– حسناً أنتظرك.
تحرك إلى الحمام وأغلقه وجلست هي تزفر وتبتسم بسعادة على نقطة التفاهم التي وصلا إليها.
أعلن هاتفها عن رسالةٍ لتتناوله وتنظر لها فتجدها من شركة الاتصالات ولكن لاحظت إشعاراً برسالةٍ أخرى وصلتها منذ ثلاث ساعات.
تعجبت حيث أنها عبارة عن مقطع فيديو مع رسالة نصية محتواها:
( هذه حقيقة زوجكِ الذي يخفيها عنكِ )
مدت يدها تفتحه وعقلها يترجاها أن لا تفعل، يتوسلها أن تحذفه ولا تبالي بها ولكن جزءاً ما داخلها أجبرها على فتح المقطع.
فتحته ليبدأ الفيديو بعرض رجلٍ ممدٍ على سرير طبي يبدو كمريض وأحدهم يقوم بنزع أحشاؤه بطريقة مدروسة والإحتفاظ بها عبر عبوات زجاجية معقمة بسائلٍ معين يساعد على حفظها ثم يضعها في صناديق بلاستيكية مبطنة تحتوي على ثلجٍ.
حبست أنفاسها وجحظت عينيها لا تصدق ما تراه، لا تستوعب أي شيء يحدث، تظن أنها تتوهم وتخدعها عيناها، ما تراه الآن لا تقبله عيناها، دوماً كان مشهد الدماء يرعشها وبالفعل قد كان وأصبحت ترتعش وفكها يهتز لا إرادياً، بشاعة المشهد أدخلتها في نوبة ذهول وكأنها فقدت الإدراك.
ولكن فجأة دارت الكاميرا بهدوء لتظهر وجه شخصٍ كان منذ قليل يغرقها بعشقه، لتظهر ملامح شخصٍ يفصل بينها وبينه باباً فقط بينما منذ قليل كانا لا يفصل بينهما شيء، آخر ما تمنت هو رؤيته الآن وفي هذا الفيديو.
تنميل حاد بدأ من رأسها لينتشر في سائر جسدها ويسقط منها الهاتف على الفراش بفعل تلف تحكمها بأعصابها.
أذنيها تسمع صوت المياه الصادرة من الحمام وعينيها ترى صورته وهو يقف يباشر على نزع أعضاء الرجل كأنه ينزع أحشاء سمكةٍ ما وعقلها يردد مستنكراً أنها زوجة قاتل وسفاح؟ وأما باقي حواسها فكانت في حالة صدمة وتصنم.
لتشعر كما لو كانت على حافة الموت، وليت الموت يلبي ندائها الآن، ليتها لم تولد ولم تكبر في تلك الحياة أبداً، ليتها أي شيءٍ آخر عدا الإنسان، لا تتحمل ما رأته، لا تستوعب أبداً.
علقة متحجرة تقف عند مجرى تنفسها الذي جف تماماً كما لو كانت تركض في صحراءٍ قاحلة.
عقلها يجبرها على النهوض والركض ولكن تخونها أعضاؤها جميعها، كل ما بها مخدرٌ ويبكي، كل عضوٍ يشتكي لأخيه وينزف ألماً.
صرخ عقلها يعنفها إن لم تركض الآن لن تركض أبداً، سيصبح مصيرها كمصير هؤلاء، اهربي نارة واركضي بأقصى سرعتك، كل شكوككِ كانت حقيقة مفزعة، اركضي إلى أبعد نقطة تستطيعين الوصول إليها.
لتتحرك بسرعة ضئيلة وجسدٍ مرتعش تنزع إحدى ثيابها ثم لمحت مفاتيحه على الكومود لتنزعها وتركض للخارج ومنه للأسفل، تركض بسرعة وجنون نزع عنها الحكمة والتروي، سرعة قصوى لم تكن تعلم أنها تمتلكها، وصلت للباب الخلفي الخاص بالطوارئ وفتحته بمفاتيحه بيدٍ مرتعشة ولكن نجحت.
يبدو أن القدر أراد مساعدتها حتى وصلت للباب الخلفي للحديقة والذي أُصد بأمره لتحاول فتحه أيضاً وعينيها لا تتوقف عن البكاء ونحيبها يؤلم حلقها.
فتحته بصعوبة ولكن نجحت وانطلقت بعدها تركض بعبث وتبعثر في الشوارع الخلفية التي لم تطأها قدماها أبداً.
لتلهث وتركض وتبكي وتسقط دموعها شاهدةً على خطوات مبعثرة، نبضها سيتوقف من سرعتها ولكن هذا سلاحها الوحيد الآن لذلك فهي تركض لأبعد مكان حتى أحست بمن يتبعها لتقف أخيراً بعدما فقدت قوتها وتلتفت تواجهه.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اية العربي
بعض الخيبات كانت ضرورية، وإلا كنت ستبقى معتقداً أن كل من حولك سند.
بعضها أتت لتنهي فصول مسلسل مللت من تكراره وأنت تنتظر نهايات مختلفة.
وبعضها كانت لتعرف قدر نفسك.
بعض الخيبات كان لابد من ظلامها لتعرف قيمة النور في حياتك.
***
تغمرك المياه وأنت تسقط في القاع مقيداً، قاع مظلم لا تدرك نهايته. جسدك شُل وتصنم برغم أنك سباح ماهر. في قدمك ثقل يسحبك للأعماق، والأنفاس تتلاشى شيئاً فشيئاً، وشعاع الشمس يختفي شيئاً فشيئاً. والأصوات متداخلة، وفقاعات الأوكسجين تتركك وتنجو بنفسها للأعلى بينما أنت تسقط باستسلام تام للأسفل. والظلام ينتشر من حولك، وتواجه أسوأ مخاوفك بمفردك في ملعبه. وبينك وبين الموت مسافات، فلا تشعر بالحياة ولا تصل إلى الخلاص، فقط روحك معذبة ومعلقة.
أصوات أنفاسها حادة وهادرة، تسابق الزمن وتركض. دموعها تأبى التوقف فتسقط منها أرضاً لتشهد على خطوات مبعثرة. لولا أضلعها لخرج قلبها من مكانه. صدمة قوية ربما مميتة تحجب عقلها عن المنطق والتفكير. كلما حاولت تخيل الأمر فشلت فشلاً ذريعاً. ليتها تستيقظ وتجد أن كل ما حدث ما هو إلا كابوس مرعب. ليتها تعود إلى ذلك اليوم عندما أعطاها مفاتيح السعادة كلها وتظل هناك دوماً.
ابتعدت بالقدر المناسب لترتاح، ولكنها لم تعد تعرف للراحة سبيل. من الآن وصاعداً لا راحة ولا أمان. كل شيء حولها كذب، كل شيء وهم. كل شكوكها تجسدت حقيقة أمامها.
شعرت بأحدهم يتبعها، وصوتاً مداخلاً يأتي من بعيد. عقلها يرفض تمييزه. توغلها الرعب ولكن لم تساعدها قدميها على التواصل بعد أن استنفذت كامل طاقتها في الركض. بل توقفت بيأس وهي تهز رأسها بعجز ودموعها تتطاير مع اهتزاز رأسها. تظن أنه أتى خلفها، لتلتفت مستسلمة في حالة لم تصل لها يوماً.
أغمضت عينيها والتفتت، تاركة نفسها للمجهول. لتجد من يلهث حتى توقف أمامها قائلاً بصدمة من هيئتها:
"فيه إيه يا ناردين بتجري كدة ليه؟"
اخترق صوته عقلها لتفتح عينيها تواجهه. كان عمر ولم يكن سواه. زفرت أنفاسها التي حبستها، تنظر له وهو يتحدث ولكنها لا تسمعه. يسألها بريبة وقلق مجدداً:
"فيه إيه؟،، فهميني مالك؟"
كل ما تفوهت به جملة واحدة نطقتها بضعف:
"خدني من هنا أرجوك."
توقف يستوعب ما بها ثم قال وهو يحثها على المشي دون لمسها:
"طيب اهدي بس وتعالي نروح الڤيلا، أنا كنت رايح اشتري فطار وشوفتك بتجري، تعالي أوصلك وارجع تاني."
هزت رأسها تردف برعب خوفاً من لحاقه بها:
"لااا، الڤيلا لاء، أنا عايزة أي مكان تاني بعيد، مكان بعيد عنه."
ضيق عينيه يتساءل بتعجب:
"قصدك صقر؟،، هو عملك حاجة!"
نظرت له بخوف ولم تستطع النطق. كيف تخبره بما رأته!
لتعود وتردف بوهن ولهاثها يهدأ بينما نبضها لم يعرف للهدوء سبيل:
"لو سمحت ساعدني، أنا محتاجة أي مكان بعيد ابعد فيه عن هنا."
مؤكد لن يتركها. في البداية هو وافق على هذا العمل من أجلها هي، وافق ليحميها ولكن عندما رأى حب زوجها وحمايته لها اطمأن. أما الآن فما يراه الآن بعيداً تماماً عن الحب والحماية. لذا تحدث وهو يحثها على التحرك:
"طيب تعالي معايا."
وكأن هذا آخر الآمال لها، فأسرعت تخطو معه في شوارع لم تطأها قدمها يوماً وهي شبه واعية. كل ما تريده هو الوصول لمكان آمن بعيداً عنه والنوم فقط. لا تريد لعقلها أن يبذل أي مجهود آخر الآن.
***
خرج من حمامه يتجه فوراً إلى غرفة الملابس المجاورة للحمام. ارتدى ما يناسبه وعاد إلى الغرفة كي يتفقدها فلم يجدها.
بضع ثوانٍ فقط ليكتشف أنها هربت. فقط نظرة من عينيه على هاتفها الملقى بإهمال على الفراش ومفاتيحه التي ليست موضوعة في مكانها.
للحظة تمنى أن ما يراه خدعة، وإلا فقد سقط قناعه. ولكن لسان عقله يخبره بحقيقة رحيلها. تحرك في لمح البصر يتناول هاتفها ويفتحه ليجد الفيديو مثبتاً على صورته. صورته الحقيقية التي سعى ليخفيها عنها. ظلمته وظلمة عالمه التي جاهد حتى لا تمسها. ولكن الآن فهي والجميع سواء. لقد هربت بعد أن وعدته أنها لن تتركه أبداً. لقد خانت ثقته فيها. ثقته التي دامت لدقائق فقط. ليعلن حربه إذاً.
تحرك يلتقط هاتفه ويركض إلى الأسفل ومنه إلى الخارج حيث يقف حراسه حول بوابة الڤيلا الرئيسية غير مدركين ما يحدث.
توقف أمام البوابة الحديدية التي فتحها الحارس مسرعاً وقال له والجحيم في عينه:
"لقد غادرت زوجتي من باب الڤيلا الخلفي، تمنوا أن أجدها الآن وإلا فلن يجد الذباب جثة لكم."
تحرك للخارج واتجه فوراً إلى ڤيلا آسيا. يخطو خطوات سريعة ولكن لا يركض. لا يركض لأن بالنسبة له إيجادها مسألة وقت فقط. ووقت محدد جداً.
وصل الڤيلا ودلف ولاحظ أثناء مروره عدم وجود عمر كالعادة بين الحراس. دلف حيث الباب وطرقه ففتحت آسيا تبتسم له.
تلك الابتسامة الهادئة منها كانت كالجمرة التي سقطت على قلبه. فقد أيقن أنها ليست في الداخل، فلو أنها أتت راكضة إلى هنا لما استُقبل هكذا. تحدث والجحيم في عينيه لم يستطع حجبه:
"أين ابنتكِ؟"
أكدت له ظنه حينما تعجبت قائلة:
"مايا؟،، خير حصل حاجة؟"
نظر لها نظرة أخيرة قبل أن يتركها ويلتفت يغادر فوراً. والآن بات يركض ليعود لحراسه قائلاً بلغة آمرة متوعدة:
"ابحثوا في الأرجاء فوراً."
أسرعوا يركضون بينما هو ركض للداخل ومنه للأعلى ثم دلف غرفته واتجه إلى خزنته ليحضر مفتاح مكتبه ويعود للأسفل سريعاً.
يتحرك بثبات وغضب يمكن توزيعه على جنود وطن محتل ليثأروا له. ومع ذلك يخفي غضبه ببراعة تدرب عليها لسنوات حتى لا يكن مضغة في فم أعدائه.
دلف مكتبه وأسرع إلى حاسوبه يفتحه ليبدأ في فحص كاميرات المراقبة الخاصة بالجزء الخلفي للحديقة.
رآها تركض في حالة انهيار. تفتح الباب الخلفي بكل ما أوتيت من قوة لتندفع خارجه وتركض. وقلبه يركض أسرع منها لاحقاً بها. ولكن ليس الآن وقت حبه لها. بل سيستعمل كل الوقت في إيجادها أولاً.
ضغط على الكاميرا التالية لتظهر وهي تسرع باكية في الشارع الخلفي. ظل يتنقل من كاميرا إلى أخرى وعينه تتفرسها حتى انتهت كاميرات المراقبة الخاصة به عند نقطة ما لم توصله لشيء.
أغمض عينيه قليلاً ليرتب من أين يبدأ. ثم تحرك بعد ثوانٍ إلى الخارج وأغلق باب مكتبه وخطى بهدوء ينافي سواد أفكاره.
اتجه يجلس على مقعد في بهو ڤيلته ويضع ساقاً فوق أخرى ببرود تام. أظنت أنه تاركها؟
ليفكر أين يمكن أن يأخذها عقلها. يعلم أنها الآن في حالة فوضى. وهذه سيحاسب عليها المرسل بشكل قاطع هذه المرة. ولكن أين يمكن أن تذهب إن لم تركض عند والدتها؟ فقد أيقنت أنها لا يمكنها مقاومته هناك.
وفي الحقيقة هي لا يمكنها مقاومته لا براً ولا بحراً ولا جواً. وهذا ظنه بعد أن عاد لقسوته الثرية وغضبه الخفي.
فتح هاتفها على ذلك الفيديو ليفحصه بعينه مجدداً وبدقة مدروسة تميز بها.
الفيديو مصور بكاميرا ذكية وعلى مستوى البطن. علم فوراً أنها من النوع الذي يبدو كساعة يد. ليعود تركيزه إلى تلك النقطة عند إظهار وجهه ليعلم الخائن فوراً. هذا الخائن الذي كان يقف مقابلاً له هناك. إنه ليونيل.
أغلق الهاتف يدسه في جيبه. فهذا ليس وقت حسابه. سيتلذذ بحسابه لاحقاً. توقف وخطى للخارج ليجد أحد حرسه يركض لاهثاً ويردف وهو يهز رأسه بخوف:
"ليس لها أثر سيدي."
وقف ينظر له نظرة قادرة على إذابة الجلد البشري كمياه النار. ولكن تبدلت حينما لمح آسيا تدلف متجهة إليه ثم وقفت تتساءل بقلق بعد أن هاتفت ابنتها ولم تجب:
"أنت تقصد ناردين؟،، بنتي فيين؟،، يعني إيه بتدور عليها هي مش كانت معاك؟"
وقف يتحدث بثبات يحسد عليه:
"اهدي سيدة آسيا، يبدو أن ابنتكِ أرادت اختبار حبي."
هزت رأسها ترفض تماماً حديثه قائلة بقلق بات ظاهراً على ملامحها:
"لااا، ناردين مش صاحبة التصرفات المراهقة دي أبداً،، بنتي حصل معاها حاجة كبيرة ولازم افهم فوراً."
نعم يا أمها أنتِ تعلمينها جيداً. لقد حدث معها ما هو أسوأ من الكوابيس. لقد اكتشفت حقيقتي وهذا ما يجعلني الآن أود إحراق العالم.
تحدث بذلك داخل عقله ولكن نطق لسانه بهدوء:
"فضلاً اهدئي، سنجدها ثم سنفهم سوياً ماذا حدث."
تركته والتفتت تندفع للخارج بغضب. هي تعلم ابنتها جيداً ولن تقف مكتوفة الأيدي. عادت لڤيلتها تبحث عن عمر وسط حراسها فلم تجده.
سألت أحدهم عنه فأخبرها أنه غادر منذ وقت ليحضر لهم فطوراً سوياً ولكنه تأخر عن كل يوم.
لتزفر بضيق واختناق وتشعر أنها في تلك اللحظة بحاجة ماسة إلى رفيق حياتها. وقفت حائرة تزفر بعمق ثم رفعت رأسها عالياً لتلجأ إلى خالق الرفيق قائلة بقلب مفطور:
"يارب، ردلي بنتي يارب، يارب سلم."
***
بعد وقت، توقفت سيارة أجرة أمام إحدى العمارات المشيدة حديثاً. سكانها محدودون جداً وكلٌ منهم لا يختلط بالآخر.
ترجلا وصعدا الدرج سوياً حتى وصل عمر أمام شقته. ولكن رن هاتفه برقم آسيا فتناوله وفتح يجيب بثبات ظاهري:
"اتفضلي يا آسيا هانم سامعك."
تحدثت آسيا بلهفة:
"إنت فين يا عمر؟،، تعالى بسرعة لو سمحت ناردين مختفية وجوزها بيدور عليها."
هزت نارة رأسها تترجاه أن لا يخبرها بوجودها معه فأومأ لها وقال عبر الهاتف:
"حاضر يا آسيا هانم أنا جاي حالاً."
أغلق الهاتف فنظرت له برعب متوسلة بروح ممزقة:
"لو سمحت اوعى حد يعرف مكاني."
أومأ لها بقبول ثم فتح باب شقته يردف برأفة وحزن لحالتها:
"متقلقيش، بس ادخلي إنتِ وأنا هرجع لهم علشان محدش يشك. في جوة في درج البوفيه تليفون قديم افتحيه وأنا هتواصل معاكي عن طريقه، والمفتاح معاكي أهو اقفلي على نفسك من جوة."
أومأت له والتقطت منه المفتاح ودلفت تغلق خلفها لتتجه فوراً إلى أقرب أريكة رأتها وتمددت عليها لتنام متكورة على نفسها بصمت تام. كل ما تريده الآن هو الهرب، الهرب من التفكير في الماضي والحاضر والمستقبل.
***
في إيطاليا، يجلس ميشيل يتابع الصور ومقاطع الفيديو التي أرسلها صقر إليه.
صور جنود حلفاؤه الذين ينتشرون حول البلدان كي يتاجروا في الأعضاء البشرية.
صوراً لا يتحمل رؤيتها أناس طبيعيون. ولكن هذا الجالس ماهو إلا شيطان بشري. حيث ضحك بلا مبالاة يردف محدثاً نفسه كأنه يتحدث مع صقر:
(تأخرت كثيراً يا صغيري، لقد علمت حقيقتك الآن كما أنك سترى حقيقتها هي أيضاً وحينها سأرحب بصورها وهي مثل هؤلاء وبيدك أنت. الآن بدأت اللعبة يا صغيري، فيبدو أنها أحيت جزءاً داخلك كان يجب أن أسحقه، ولكن لم يفت الأوان بعد. ليست مشكلة، ستصبح أنت جحيمها لتكن بعدها شيطاناً مثلي.)
***
في شقة سامح.
يجلس متمدداً على فراشه وتجاوره زوجته زينب وتتوسطهما ريما النائمة بهدوء بعد يوم تحتاج إلى ممحاة سحرية كي تنساه.
تسقط دموعه وهو يملس بيده على خصلاتها بحنو. لا يصدق أنه كاد أن يفقدها. لا يتخيل ما كان على وشك الحدوث معها. حيث أخبرهم الضابط بما حدث وبما وجدوه في ذلك البيت.
إلى الآن لم ينم لا هو ولا زينب. حيث خشيا النوم لعل أحدهم عاد واختطفها من بينهما. شعوراً مفزعاً يراودهما كلما تخيلا الأمر. لذا فالنوم بعيداً عنهما الآن.
تحدث بهمس وقلب منشطر:
"لازم نطلع صدقة ونعمل مائدة يا زينب على رجوعها سالمة. أنا لحد دلوقتي مش قادر استوعب اللي كان ممكن يحصل لولا ستر ربنا."
أومأت له ورفعت كفها تجفف دمعتها الفاترة التي تلحقها مثيلتها قائلة بإيماءة هادئة:
"الحمد لله دائماً وأبداً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك."
كانت هذا فقط كل ما تجيب به منذ أن ردت إليها صغيرتها. لا تتفوه بشيء آخر منذ أمس. فقط تصلي وتشكر الله. لينظر سامح إليها بحنو قائلاً بندم:
"حقك عليا يا زينب، حقكوا عليا أنا، عيشتك امبارح في وجع وقهر غصب عني."
تناولت كفه ثم رفعته إلى فمها تلثمه بنعومة ثم احتضنته بين راحتيها قائلة بصدق ونبرة مؤثرة لتسحب منه الأمان:
"كلنا كنا في حالة قهر وحسرة يا سامح، كلنا كنا موجوعين أوي وكنا بنموت بالبطيء وربنا لطف بينا لإنه عالم اللي في قلوبنا. مكنتش هتحمل أبداً يا سامح، مش هقدر على فراق حد فيكوا أبداً."
ربت بيده الأخرى على كفيها وتحدث بحب وهو يطالعهما:
"الحمد لله يا زينب، قدر ولطف. بس مش عارف اتصرف إزاي مع أمي. أنا عارف إنها حاسة بالذنب بس غصب عني مش قادر اريحها وانا في الحالة دي."
هي الأخرى في نفس الحالة تماماً. حيث لا تعلم كيف سيمر شعورها هذا ولا تعلم كيف ستتعامل مع عفاف بطريقة طبيعية كأن شيئاً لم يحدث. ولكن الشئ الوحيد الذي تعلمه جيداً هو أنها لن تسمح مجدداً لها باصطحاب صغيرتها معها.
لذا تحدثت بنبرة مرهقة:
"سيبها للوقت يا سامح، الوقت كفيل يحلها."
***
بعد ساعتين.
يجد أنهما وقتاً كبيراً جداً بالنسبة لقدراته وهذا يضعه في حالة لا يود الوصول إليها الآن. هو لا يريد إحراق كل من يقابله. يتحرك بخبث وذكاء دون إثارة شكوك حوله ولكنه بدأ يفقد هدوئه.
أما في منزل آسيا فيقف عمر شاهداً على حالتها هي ومايا بعجز وضيق. لا يستطيع التفوه بما يطمئنهما. يغلبه عهده لها ولكن عليها أن تطمئنهما حيث أن حالتهما مبعثرة وحزينة.
فقد أتت مايا لتوها من جامعتها وعلمت ما حدث لذا فهي في حالة غضب حاد.
اندفعت إلى الخارج فجأة ومنه إلى ڤيلته ليتبعها عمر مسرعاً وهو يناديها وخلفه آسيا تخطو لتوقفها ولكنها لن تتوقف إلا أمامه.
وصلت لڤيلته ووجدته يقف مع ماركو الذي جاء إليه منذ قليل بعد اتصاله به.
نظرت له بغضب وتحدثت باندفاع مفتقدة أي ذرة تروي:
"أختي فييين؟،، عملت فيها إيييه؟،، أختى مستحيل تمشي فجأة كدا إلا إذا عملت فيها حاجة كبيرة، انطق عملت فيها إيه."
نظر لها والغضب يتراقص في عينيه. يسعى للحصول على أعلى درجات الثبات الانفعالي أمامهم. يسعى ليظل صقراً الذي يعرفوه.
تحدث بهدوء يحسد عليه:
"أقدر لهفتكِ على شقيقتكِ ولكن انتظري حين نجدها ونعرف سوياً لمَ رحلت."
نظرت له بغضب. لا أحد يعلم أين هي وهو يتحدث بكل هدوء؟ أهذا هو حبه لشقيقتها! كيف يقف بارداً هكذا؟
نظر له عمر بضيق وتعجب. حيث يتساءل أيضاً كيف له أن يقف هكذا ثابتاً وبارداً كالثلج. تقدم من مايا يسحبها معه للخارج فتحركت معه والغضب يتآكلها بينما آسيا وقفت تنظر إليه بدموع ويبادلها هو بنظرات خفية ثم التفتت تغادر خلف عمر ومايا بقلة حيلة.
عادوا لمنزلهم ووقف هو ينظر إلى ماركو قائلاً بجمود وغضب يظهر على قبضته وعروقه. غضب يكتمه حتى كاد يفجر جسده:
"نهاية ميشيل اقتربت، لن ينجو بفعلته تلك."
تحدث ماركو بترقب:
"حسناً إهدأ وسنجدها، هي مسألة وقت فقط."
تحدث بقسوة وثبات وهو ينظر في بؤبؤي عينه بحدة:
"الوقت عدواً لي، وأرى أنه انتصر عليّ. وهذه النتيجة لن تروق لأحد ولن تستثني أحداً قط."
زفر ماركو بقلق وشرود فهو يعلمه جيداً ويخشى تحوله الذي سيكون عبارة عن حرب جميع أطرافها خاسرون. لذا فعليهم إيجادها في الحال.
***
أثناء عودة آسيا ومايا وعمر إلى الڤيلا حيث كانت ملامحهم مشدودة رأتهم خديجة من نافذتها وتعجبت مما يحدث كما شعرت ببعض القلق. فهي لم تعلم شيئاً عن نارة منذ أن تزوجت سوى من بعض الرسائل الإلكترونية التي تتواصلان بها عبر الإنستغرام.
قررت الدخول وتناولت هاتفها لتهاتف نارة وتطمئن عليها ولكنها تفاجئت بهاتفها مغلق.
شردت قليلاً تفكر ثم قررت مهاتفة مايا التي أجابت بصوت بدا عليه الحزن قائلة:
"أهلاً يا ديچا ازيك!"
تحدثت خديجة باهتمام يغلفه التوتر متسائلة:
"سلام عليكم يا مايا، عاملة إيه؟، مايا هي ناردين كويسة؟، لأني شفتكوا صدفة دلوقتي طالعين من عندها بس إنتِ كنتِ متعصبة شوية؟"
زفرت مايا مطولاً وهي تنظر إلى والدتها وعمر ثم تحدثت بضيق:
"نارو مختفية يا خديجة، مش عارفين هي فين وموبايلها مقفول."
شهقت خديجة بحزن وقلق وتحدثت بنوع من الفضول:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طب ازاي بس وليه كدة؟"
تحدثت مايا وآسيا تشير لها أن لا تفعل:
"أنا معرفش أي حاجة يا خديجة، بس أول ما اعرف هطمنك."
زفرت خديجة ثم تحدثت بنبرة حنونة مهتمة:
"طيب بعد إذنك يا مايا أنا ينفع أبقى آجي أشوف طنط آسيا واطمن عليها؟"
أردفت مايا بترحاب يغلفه القلق:
"طبعاً يا خديجة تنوري."
أغلقت مايا معها واتجهت تجلس بجوار والدتها وتنظر صوب عمر نظرات مبهمة قلقة.
***
في شقة عمر.
تتمدد كما هي، مستيقظة منذ نصف ساعة لا تفارق مكانها. أفاقت على شبح إيجاده لها.
تتكور على أريكة في منزل لا تعلمه وفي مكان غريب عنها بعدما كانت منذ ساعات تتمدد في فراشها ويعانقها من ظنت أنه شريك الحياة ورفيق الروح.
عقلها لا يعمل ولا يرى سوى أنه قد قتل بيدِه التي تحتويها. تلك اليد التي دوماً التفت حولها تحميها وتتلمسها بكل حب. رأته بعينيها التي تتمنى لو أصابهما العمى قبل أن تراه.
كل ما بها يبكي. هربت حتى دون أن تأخذ هاتفها أو أوراقها. كل ما خطر على عقلها وقتها هو الابتعاد. الابتعاد عنه فقط. حتى الابتعاد عن أهلها ليكونا بمأمن من شره.
تعلم أنه الآن يبحث عنها بجنون وهذا يراودها بأسئلة ستفجر عقلها. لمَ هي! لمَ أغرقها بكل هذا الحب حتى ظنته يملك حنان العالم كله وهو في الحقيقة الوجه الآخر للقسوة؟ لمَ خدعها وخان ثقتها به؟ لمَ هي لمَ هي لمَ هي؟ حقاً ستصاب بالجنون.
رأته منذ قليل في كابوسها يبحث عنها بوجه مقتضب لم تره من قبل. كانت ملامحه مرعبة لذا استيقظت منتفضة.
تخشى التفكير في نتيجة بحثه عنها. ليتها تلجأ إلى أحد يساعدها. ليتها تعرف شخصاً قادراً على مواجهته.
ليدلها عقلها فوراً على قوي القوى. ليكن ملجأها الأول والأخير إلى ربها. بكت بنحيب. بكت بصوت حاد يمزق داخلها.
لتتحرك وتجلس على الأريكة وهي تبكي وتجهش وتخفي وجهها بين كفيها. تبكي وتردف وتهدر بصراخ مكتوم بين شهقاتها بعجز:
"ياااارب، ياااااارب،، اااااااه."
تصرخ بضعف وصوت يخرج نازعاً في طريقه صدرها. لتعود الصور تهاجمها بضراوة. عشقه وأفعاله وكلماته ولمساته وأخيراً حقيقته المظلمة. كل أمر يسقط على عقلها وقلبها كمطرقة حديدية تكاد تفجرهما. هي الآن في ذروة صدمتها فلتأخذ حقها.
***
يجلس هو وماركو أمام حاسوبه يحاول اختراق كاميرات المراقبة الخاصة بالڤلل المجاورة دون إثارة أيه شكوك.
كلها مسألة وقت فقط وسيجدها. ولكنه لا يريد ذلك. لا يريدها مسألة وقت بل يريدها مسألة صقر فقط.
نجح في اختراق الكاميرات المجاورة نسبة لمهارته العالية في مجال التكنولوجيا. ليبدأ العد التصاعدي في تحميل الملف. وليبتسم هو كثعلب ماكر. حسناً، لقد وصل إليها.
على الجهة المقابلة، وقفت مايا تردف بحدة:
"إحنا هنفضل ساكتين كدة؟،، قوموا نبلغ البوليس،، أنا قلقانة جداً عليها."
كانت آسيا في حالة مشتتة بينما عمر يتابع حزنهما بأسف. يريد التحدث ويصمته وعده.
نظرت له قائلة بغضب وهي تقف باندفاع:
"تعالى معايا إنت يا عمر، هنروح نبلغ عنه،، لازم نلاقي ناردين."
حاول تهدئتها لكسب مزيد من الوقت:
"اهدي يا مايا، يمكن حصل حاجة خلتها اختفت علشان تريح دماغها وتفكر بهدوء. وبعدين في الحالات دي الشرطة مش بتتحرك غير بعد 24 ساعة. اطمني ناردين ذكية وهي أكيد هتظهر."
زفرت مطولاً ثم اتجهت تجلس بجوار والدتها التي تؤيد حديث عمر ولكن لتعلم فقط ما أوصل ابنتها إلى ذلك. مؤكد هناك سبب قوي. هي تعلمها جيداً. كل ما تريده هو الاطمئنان عليها.
***
خرجت من الحمام الذي وجدته بعد بحث عابث بخطوات حزينة. اتجهت للخارج تبحث عن سجادة صلاة ووجدتها.
تناولتها لتحاول الاستدلال على جهة القبلة ولكنها لم تستدل. إذاً، فلتكن قبلتها هي قلبها. فردتها أرضاً لتبحث عن غطاء للرأس بعينيها الباكيتان المنتفختان.
لم تجد شيئاً مناسباً سوى مفرش قطني على إحدى الطاولات. سحبته ووضعته على رأسها بيد مرتعشة لتقف بين يدي الله تصلي بعد أن ضاقت بها جميع السبل وغلقت أمامها كل الأبواب إلا بابه.
وقفت تستجمع عقلها. هي تعلم جيداً كيف تصلي ولكن وكأن الأحرف تبخرت من ذاكرتها. لتعصر عينيها فيسقط ما تكونت بهما من دموع. عادت تفتحها وبدأ لسانها يتحرك تالياً فاتحة الكتاب التي ربما طهرت هذا الفؤاد من الخوف والهلع.
لتركع بعد ذلك وتسبقها دموعها في السجود. عادت تقف رافعة يدها إليه ثم سجدت سجدة تخبره فيها كل ما تحمله من ألم وهو العليم. تشكو إليه ضعفها وقلة حيلتها ليطمئن قلبها وقد كان. شعرت بضيق صدرها ينحدر مع انحدارها لترفع رأسها بدونه.
أكملت صلاتها على نفس الوتيرة، ولم تتوقف دموعها لحظة. اختلطت دموع الألم بالتوبة، دموع العجز بالذنب، ودموع الصدمة بالمغفرة.
سلمت وجلست أرضاً ليحل عليها السكون الداخلي. ليبدأ عقلها في التروي وترتيب أفكاره، وتتضح الرؤية بعد أن ابتعدت عن صدمتها.
هناك حقيقة باتت ظاهرة بوضوح لها وهي أنه رجل عصابات. أحبها رجل عصابات وعلم عنها كل شيء لذا استطاع التسلل بمهارة إلى قلبها وإخفاء حقيقته عنها. مؤكد سيخفيها فهي لم تكن يوماً قاسية. ولكن لمَ أحبها هي، وهل يعشق رجل العصابات؟
ابتسمت بألم ودموع تتذكر إجابتها على هذا السؤال. لقد أخبرته أنه يعشق بطريقة مدمرة وقد كان. هي شبه مدمرة. هي أحبته لدرجة تجعلها مدمرة كمدينة شامخة حل عليها زلزال مفاجئ.
الآن باتت تفهم لمَ أغرقها بحبه، وسبب تملكه وتقييده، وهداياه وعشقه. كلها أموراً كانت في قائمة خطته لتسلب عقلها عند اكتشاف حقيقته فلا يحق لها الابتعاد.
ولكنه يجهل أنها ليست من هؤلاء اللاتي تخدعهن العطايا. هي رقيقة لا تريد سوى حباً حقيقياً. وهل كان حبه خادعاً مزيفاً؟
ليته بدأ معها صريحاً. لربما ساعدته. وهل هو يود المساعدة؟ كيف يودها وهو نزع أعضاء أحدهم لتوه؟ ومن هي لتساعده حتى؟
زفرت مطولاً لتعاود التفكير في أهلها. والدتها وشقيقتها. عليها أن تطمئن عليهما. لتتأكد أنه لن يمسهما بسوء. لابد وأنهما الآن في حالة سيئة. ولكن كيف ستطمئن؟
لتتذكر وعمر يخبرها عن هاتف. ولكن أين قال؟
وقفت تفكر وتحاول تذكر المكان الذي قال عنه عمر. نظرت حولها فوجدت البوفيه الخشبي فاتجهت إلى أدراجه تفتحهم وتبحث عنه حتى وجدته.
كان مغلقاً فأعادت تشغيله لتنجح في ذلك. ثم قررت طلب رقم والدتها الذي تحفظه.
كانت آسيا تجلس حزينة تفكر حين رن هاتفها برقم غير مسجل. تناولته تفتحه على الفور لتردف بلهفة وقد أحست بها:
"ناردين؟"
تحدثت نارة بحنو وحذر:
"ماما لو صقر جنبك ما تقوليش أنه أنا."
ابتسمت آسيا تزفر بارتياح وتتحدث مطمئنة بلهفة:
"لا يا حبيبتي مش جنبي، إنتِ فين يا نارو، كدة تمشي من غير ما تقولي حاجة؟، أنا ومايا هنموت عليكي."
تحدثت نارة بوهن وحنين مختلط بحزنها:
"متقلقيش يا ماما أنا كويسة الحمد لله، بس بعدت شوية."
تساءلت بترقب ومايا تجاورها تحاول السمع:
"هو صقر زعلك؟،، لو زعلك تعالي وهنلاقي حل يريحك، بس تعالي يا حبيبتي."
تنهدت بقوة. ليت الأمر مجرد حزن. ليته أحزنها فقط. تحدثت بهدوء لتطمئنها:
"متقلقيش عليا يا ماما أنا كويسة بس معلش أنا مش هينفع ارجع النهاردة، هتواصل معاكوا تاني."
تنهدت آسيا تجيب بحنو وانفطار:
"طيب إنتِ فين؟،، ومع مين؟ طيب أكلتي حاجة؟،، ريحيني علشان اطمن."
ابتلعت لعابها ثم تحدثت:
"مش هينفع أقول مكاني يا ماما، بس اطمني أنا كويسة، وهرجع لما أقدر أجمع طاقتي وأفكاري. المهم أنتوا اطمنوا ومتقلقوش عليا."
أغلقت معها لتعود لبكائها. تفكر ماذا ستفعل. وهل يمكنها مواجهته. ولكن في كل الأحوال ستواجهه. تعلم أنها مسألة وقت فقط وسيجدها. لذا عليها التحلي بالقوة والثقة والهدوء لتعلم منه أجوبة جميع أسئلتها.
***
"عمر."
نطقها وهو ينظر عبر تسجيلات المراقبة التي اخترقها ليشاهدها وهي تركض ثم يأتي أحدهم ويناديها لتلتفت تطالعه بخوف والذي لم يكن سوى عمر.
رآه ماركو أيضاً لينظر إلى صقر الذي باتت ملامحه لا تفهم. تحدث ماركو بترقب متسائلاً:
"ماذا سنفعل الآن، هل نذهب ونجلبه؟"
هز رأسه يردف بثقة وهدوء:
"إهدأ ماركو، باتت زوجتي في قبضتي الآن. هذا لن يتفوه بحرف حتى وإن أُحرق حياً. تحلى بالهدوء فقط."
تحرك ماركو خارج الڤيلا وتركه يعيد مقطع المراقبة مراراً وتكراراً ليراها وهي تتحدث معه. يبدو تترجاه. تبدو شاحبة كالموتى. خائفة ومشتتة. كل ما بها يقبض على قلبه وأنفاسه. دموعها التي هي نقطة ضعفه تسقط الآن بسببه. ولكنها لجأت لغيره لتحتمي به منه. وهذا لا يروق له أبداً. ليريها إذاً حقيقته.
أما ماركو الذي تحرك للخارج ليقف مع الحراس يتحدث إليهم ولكنه تصنم مكانه عندما لاحظ خديجة وهي تخرج من ڤيلتها بمفردها حتى دون سيارتها كالعادة.
نسي صقر وزوجته الهاربة وقرر التحرك وتتبعها ليرى أين هي ذاهبة. لربما وجد فرصة للتحدث معها برغم عدم إجادته للعربية.
تفاجأ بها تتجه إلى ڤيلا آسيا ليسرع من خطواته قبل أن تلج من البوابة قائلاً بلهجته كي يوقفها:
"معذرةً آنستي."
تنبهت لصوته فوقفت تلتفت وتطالعه بتعجب مضيقة عينيها. في بادئ الأمر لم تتعرف عليه ولكن ما إن دققت حتى عرفته لذا قالت بملامح مقتضبة:
"إنت!"
ابتسم لها كأنها تمدحه ثم تحدث بترقب ولأول مرة يجد قلبه ينبض بعنف في حضورها. فـ على ما يبدو أن لها رهبة كأنها تحاط بهالة فريدة من نوعها يصعب عليه اختراقها لذا قال بترقب وبلهجته:
"كنت أود لو نتعرف ونصبح أصدقاء؟، لقد أصبحنا جيران هنا."
قالها وهو يشير بيده على منزله. كانت تفهم قليلاً عليه فهي درست لغته ولكن كل ما قاله بالنسبة لها يعد عبثاً لذا زفرت مطولاً ثم لفت بصرها عنه وتحدثت بضيق:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، مجنون ده ولا إيه؟"
قالتها واتجهت تخطو داخل الڤيلا بعدما فتح لها الحرس البوابة وتركته يقف يطالعها بتعجب وبالقليل من الغضب نسبة لعدم فهمه ما قالته ولكن مؤكد تجاهلته. لذا فهو علم أن الطريق إليها ليس هيناً أبداً ولكنه في نهاية الأمر سيصل. وليصل بشكل أسرع عليه تعلم العربية أولاً.
زفر مطولاً والتفت يعود لصديقه الذي تذكره للتو وليرى ماذا يفعل.
***
مساءً.
بعد أن اطمأنت آسيا ومايا على نارة وغادرت خديجة عائدة إلى منزلها شبه مطمئنة على صديقتها، قرر عمر الاتصال عليها بحذر وهو يتجه للجهة الخلفية من حديقة الڤيلا.
أجابت بعد وقت قائلة بهمس حزين:
"ألو؟"
تحدث بلطف:
"أنا عمر يا ناردين، إنتِ كويسة."
تحدثت بهدوء بينما تشعر بثقل جفنيها وألم في جسدها:
"الحمد لله."
زفر ثم قال بحنو:
"طيب أنا هخرج دلوقتي اشتري أكل واجبهولك، مسافة الطريق بس."
هزت رأسها تردف برفض قاطع:
"لا شكراً مش عايزة أكل، خليك بس جنب ماما ومايا."
تحدث بتروي:
"متقلقيش عليهم، مكالمتك طمنتهم، يالا ارتاحي إنتِ."
أغلق معها وقرر الذهاب لجلب طعام لها فمن المؤكد أنها جائعة ولكنه لم يرد مجادلتها. خرج من الڤيلا ينظر حوله بحذر. الأمور هادئة هدوءاً مريباً ولكنه انخدع به.
تحرك يسير على قدميه حتى وصل إلى الطريق العام ليوقف سيارة أجرة ويستقلها وينطلق بعد أن تأكد أن لا أحداً يتبعه.
***
ترجل بعد وقت من سيارة الأجرة بعد أن ابتاع بعض الأطعمة. تحرك لداخل العمارة بعدما غادر السائق.
صعد للطابق الذي يقطن فيه ووقف أمام شقته يطرق بابها بهدوء.
كانت في الداخل مستيقظة عندما سمعت طرقات على الباب لتنتفض فزعاً ويتوسع بؤبؤيها.
تحدث هو من الخارج ليطمئنها:
"ناردين افتحي أنا عمر، خدي الأكل مني بس وهمشي علطول."
تحلت بالهدوء بعدما استمعت لصوته ثم وقفت تتجه صوب الباب ومدت يدها تتمسك بالمفتاح وتديره لتفتح.
فتحت بهدوء فوجدته يقف أمامها يردف برتابة وأدب:
"أنا قلت أكيد جوعتي وعارف إن مافيش هنا أكل، خدي دول لحد الصبح بس."
مدت يدها لتتناول منه الأكياس بملامح حزينة ولكن تجمد جسدها حينما ظهرت من خلف ظهر عمر تلك العينين.
عينين التقت بعينيها لتعلن لها عن قيامتها. ولأول مرة تشهد على نظرته السوداء.
التفت عمر عندما شعر بحركة ما خلفه ليتفاجأ به قائلاً بتعجب:
"صقر؟"
لم ينظر له بل كانت نظراته مثبتة عليها، ليبتسم ابتسامة لا تمت للتبسم بصلة وهو يقول بنبرة جليدية مغلفة بالجحيم:
"مرحباً زوجتي الجميلة."
وقف عمر بعرض الباب ظناً أنه يستطيع حمايتها منه. بينما هي تحركت بفطرة لا إرادية لتحتمي بظهر عمر ولم تعلم أن حركتها تلك كانت بمثابة إشعال فتيل مدفع الحرب ليخرج سلاحه من جيبه ويشهره في وجه عمر قائلاً بنبرة جليدية لا تقبل نقاشاً:
"ابتعد عنها."
صُدم عمر مما يراه. ولكن صدمته لم تزحه عنها بل تمسك بالبقاء أمامها كحامٍ أكثر لها. بينما هي تترقب القادم برعب وصدمة وتصنم لا إرادي. ودت لو تحركت لتسرع وتنزع منه السلاح حتى لا يصاب أحدهما بمكروه ولكن خانها جسدها الذي تجمد مكانه.
كانت عيون صقر تطالعهما وتحترق كحال جسده الذي لا يتقبل فكرة حمايتها في رجل آخر غيره. بينما فمه يبتسم وهو يرفع حاجبيه قائلاً وكأنه فعل كل ما بوسعه لمساعدته:
"حسناً، كما تشاء."
صوب فوهة مسدسه لجهة اليمين من صدر عمر. نقطة يعلمها جيداً ويتقنها ويعلم أنها ليست قاتلة خصوصاً من هذا السلاح. ثم أطلق عليه ليرتد عمر ويسقط أرضاً في الحال تحت أنظار تلك التي كانت تقف خلفه. ليتهاوى قلبها أرضاً وتتعلق عيونها به وهي تهز رأسها برفض تام للواقع فقط لثوانٍ قبل أن تسقط مغشياً عليها أخيراً.
التقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض وخطى بها من فوق جسد عمر الذي يئن بوهن والدماء تندفع من مكان إصابته.
تحدث بجمود إلى سائقه:
"خذ من في الأعلى واذهب به إلى جرّاحنا ليتولى أمره، أريده في حالة جيدة."
أومأ السائق وصعد ينفذ ما أُمِر به. بينما هو تحرك بها ليستقل سيارة ماركو الذي يستند على طارة القيادة ثم نظر له متسائلاً:
"إلى أين؟"
نظر لها حيث توسطت قدميه كطفلة تقطن في حضن وحشها. نظر لملامحها وكل إنشٍ بها. نظر ليدها المتدلية على صدرها بإهمال ليعدل من وضعيتها. زفر مطولاً بأنفاس الراحة والتعب معاً ثم رفع نظره للأمام قائلاً بغموض:
"تحرك وسأخبرك."
تحرك ماركو بسيارته كما أخبره. بينما هو ينظر للأمام بصمت ويفكر. القادم ليس هيناً خاصة مواجهتها. فهو لم يعتد أن يكون متهماً خلف قضبان عينيها.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اية العربي
تسرق الحياة منّا هدوءنا، ولهفتنا للكثير من الأشياء دون أن نشعر. أنضجتنا الأحزان وكبرنا مع كل صدمة. أصبحنا نتعايش مع كل شيء ونتكيف مع أي ظرف. اعتدنا أن نرافق آلامنا حتى أصبحت جزءًا منا. حتى انهياراتنا ليست سوى لحظات اعتاد القلب عليها.
***
تصدر الأمواج هديرها حينما تأتي لتصطحب معها الرمال وتعود مجدداً بتناسق. وهناك أيضاً بعض طيور النورس تصدر نعيقها.
منزل ساحلي أمامه البحر وخلفه الصحراء وفوقه السماء فقط. لا شيئاً آخر حوله.
في غرفةٍ تخترقها أشعة الشمس من خلف نافذةٍ زجاجية شبه مفتوحة، تغطيها الستائر المتطايرة بفعل الهواء، ينكسر شعاعٌ يحمل ذراتاً متطايرة داخل الغرفة لتتسلط على وجه تلك النائمة ممددة على جانبها فوق سريرٍ واسعٍ يحتل جزءاً صغيراً من الغرفة.
ليظهر هذا الشعاع تفاصيل وجهها الناعم ونقاؤه أمام عيني هذا الجالس على مقعده يقابلها. يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر لها فقط. منذ أمس وهي غائبة عن الوعي، ومنذ أن أتى بها هنا وهو يجلس يتأملها ويدخن لفافات تبغٍ فقط. هذا كل ما يفعله.
استعانتها برجلٍ غيره، هذا كل ما يتردد على عقله. هيأتها وهي منكمشة خلف ظهر هذا العُمَر تتردد على عقله فتجعل منه وحشاً مقيداً ينتظر لحظة تحرره. كيف أصبح فجأة وحشها وهو الذي لا يمكنه مس شعرةً واحدةً منها؟ كيف لها أن ترتعب منه لمجرد فيديو قام فيه بالانتقام من حياته ومديرها الخبيث؟ لمَ تركته وفرت هاربة بدلاً من أن تسأله؟ هل هذا حبها الكبير له كما أخبرته؟ ماذا تعلم هي عن الحب؟ أتجاهله تلك الجميلة برغم كل ما جعلته يعيشه معها من مشاعر لم يجربها قط؟ ألا تعلم أن الحب يعني التضحية وعدم التخلي مهما كان؟ بالنسبة له هو كذلك، فهو يمكنه بسهولة التضحية بحياته لأجلها واستحالة تركها.
ليس لها الحق في التخلي عنه. لا يحق لها أن تتركه وحيداً في هذا المستنقع كما تُرك قديماً من قِبل أحبابه. هي أخطأت في حقه وعليه أن يحاسبها، ولكن كيف سيكون حسابها؟
أما هي فغائبة عن الوعي أو هاربة من الواقع أو تحتمي بالنوم منه. عالمها انهار بين قبضتي القدر. يحفزها عقلها الباطن على التحامل، يذكرها بقوتها وشموخها واعتزازها بشخصيتها، ولكن يأتي مشهد سقوط عمر على عقلها فيجعلها تعاود الهرب من المواجهة.
خيوطٍ متشابكةٍ تحاول فكاكها، ويبدو أن تلك الخيوط ما هي إلا أهدابها التي تسعى لتحريرها من هذا العناق الذي طالت مدته. ولكن أشعة الشمس تمنعها وكأنها تخشى عليها من هذا الجالس.
لتعاندها هي وترفرف عدة مرات ثم تبصر بانكماش بسبب الضوء المسلط عليها فتتلألأ رماديتها معلنةً عن استيقاظها أخيراً.
دارت بعينيها حولها لتكتشف أنها في مكانٍ مجهولٍ بالنسبة لها، ولكن بدأت تسمع هدير الأمواج لتتيقن أنها في منطقةٍ ما تطل على البحر. ظلت ثابتة تماماً لم تتحرك إلا عينيها التي تنظر لمصدر الضوء. سلطت على تلك النافذة ولم تتزحزح. تستعيد كل ما حدث، صدمة تلو الأخرى، وآخرهم سقوط عمر أمامها بعد أن أطلق عليه هذا الوحش طلقة نارية بكل دمٍ بارد. لم يتردد، لم يتراجع، حتى أنه لم يكن هو نفسه صقر الذي عشقته.
عقلها لا يتوقف ولا يهدأ، بل يتسارع بالأفكار التي تمزق فصوص مخها من قوتها. تحاول استيعابها ولكن حقاً لا تفلح. هل ما عاشته حقيقة؟ هل حقاً أحبت شخصاً يقتل وينزع أعضاء بشرية كمن يفرغ دجاجة قبل طهيها؟
هل قتل عمر حقاً؟ لا، مؤكد لم يمت. تتمنى أن يكُون بخير، حتى وإن حاولت تكذيب ما رأته في هذا الفيديو، فكيف تكذب ما رأته أمام عينيها؟
"يكفي نارة، لقد استهلكتِ طاقتكِ العقلية، يكفي أفكاراً تستنزف روحكِ. واجهي نارة وألقي بجميع الأسئلة التي تتردد في رأسكِ الآن، واجهي فلم يعد النوم أو الهروب متاحاً."
بدأت تُحرك أطرافها لتحاول القيام. استندت بصعوبة على ساعديها لتسحب جسدها للأعلى قليلاً وتستند على مقدمة الفراش دون النظر لمن أمامها، فهي اشتمت رائحته منذ اللحظة الأولى التي استيقظت فيها وعلمت بوجوده أمامها، ومع ذلك لم تعطِ أي ردة فعل.
لتستجمع طاقتها أولاً، تتنفس ببطء لتحاول الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأوكسجين لتهدأ. وأخيراً، وبعد وقتٍ مر عليه كدهر يتابعها فيه، رفعت أنظارها إليه. تلاقت عيونهما في لقاءٍ صامتٍ لمدة لا يعلماها.
كلٍ منهما ينظر للآخر بخيبة، ولكن مؤكد نظرتها هنا كانت الأقوى. خذلانها أعمق، خيانته لها أعظم.
ليبعد عينيه عنها أخيراً ويقف يلتف ويواليها ظهره. فصل نظرته حتى يظل على حالته القاسية، حتى لا تؤثر عليه عينيها ولو مقدار ذرة.
خطى خطوتين مبتعداً عن المقعد ليلف خلفه ويتكئ بساعديه على ظهره، ثم عاد يطالعها بجمود وقسوة مرسومة قائلاً:
"أرأيتِ ماذا تفعل الثقة بنا؟ تأتي فتدمر الأخضر واليابس."
ظلت كما هي فقط تنظر له بعينٍين غريبتان. إنطفأ لمعان الحب فيهما. أنطفأ بعد أن أكد لها إجرامه بقتله لعمر أمامها.
ليتابع وهو يقف ويتحرك مبتعداً بخطواتٍ ثابتة:
"وثقتُ بكلامكِ لدقائقَ فقط. قلتِ أنكِ لن تتركيني أبداً، لن ترحلي أبداً، تحبينني. وماذا فعلتِ عندما وهبتكِ ثقتي وأدرتُ لكِ ظهري؟ خذلتِ كل الثقة. إنطلقتِ هاربة عند أول صدمة."
داخـ.لها يبتسم ساخراً، يبتسم متألماً، يبكي متجرعاً كؤوس الحسرة. أهو من يحاسبها على خذلانها له! أهو المصدوم فيها الآن؟ أهو من سحقت قلبه بحقيقتها المظلمة والمشوهة؟
ليتابع وهو يتحرك ذهاباً وإياباً أمامها بثبات بينما قلبه يوخزه متألماً:
"وثقتِ في شخصٍ آخر، رجلاً آخر غيري، وذهبتِ معه واختبأتِ مني في بيته، واتخذتيه درعاً لتحتمي به مني."
قالها وجـ.سده في مرحلة الانصهار، يستعيد خوفها وحمايتها خلف ظهر عمر. جـ.سده يشبه بركان فيزوف الإيطالي الشهير، فكلاهما يحملان نفس الجنسية والغضب.
توقف ثم عاد ينظر لعينيها متسائلاً بقسوة يتقن نقشها على ملامح وجهُ:
"ماذا أفعل بكِ الآن، أخبريني؟"
نظرت لعينيه بعمق، تحاول البحث عن أي شئٍ كان وقد لمحته. خانها لسانها وظلت فقط تطالعه وهو كذلك، ليعود هذا الفيديو وتمر أحداثه مجدداً على عين عقلها وتزيح الصدأ من لسانها ليتحرر متحدثاً أخيراً بصوتٍ فاقد لشغف الحياة قائلة ببطءٍ مميت بعد أن ظنته يتاجر بأعضاء البشر:
"افعل كما فعلت مع ذاك الرجل، أخرج أعضائي واحداً تلو الآخر وبعهم لتحصل على الأموال."
خانتها دمعة لعينة كادت أن تسقط من عينها ولكن عنفتها ومنعتها لتبقى معلقة أمامه وتكمل بنبرة أكثر ألماً تغلفها القوة:
"ولكن انزع قلبي واسحقه تحت قدميك، اسحقه بقوة فلم يعد صالحاً للإستعمال."
لا يريد أن يظهر على ملامحه التأثر أبداً، ولكن كلامها ونبرتها ونظرتها ودمعتها المعلقة أصابت هدفها وقد اخترقت قلبه كسهمٍ مسموم. إنها تضربه بالكلمات، تخبره بخيبة آمالها به وبعشقه. ليخفي تأثره ببراعة ويردف مبتسماً ببرود على عكس حطام روحه:
"لا أعتقد أن خطأكِ يستحق ذلك، هو كان عضواً في مافيا تجارة الأعضاء وكاد أن ينزع أعضاءً لأطفالٍ صغار، لذا فكان جزاءه من جنس عمله. أما أنتِ فكنتِ دوماً كالفراشة، دوماً تسعين للاستكشاف، دوماً ترفرفين حرة، لذا فإن هذا البيت سيكون سجنكِ. هنا ستجلسين وتفكرين كيف ذهبتِ مع رجلٍ غيري واحتميتِ به، هنا ستدركين خطأكِ جيداً."
انتهى من حديثه وتعمق بالنظر إليها. كانت ثابتة تطالعه بغضب. تحرقه نظراتها التي لم تعد كالسابق.
كان يريدها أن تصرخ أن تعترض أن تلحق به وهو يتقدم من الباب ليخرج، ولكنها خالفت توقعاته بصمتها. خرج يغلق الباب خلفه ويوصده ليقف أمامه لثواني بصمتٍ يردد كلماتها على عقله. فقط تخيل ما قالته يحرق جسده، يجعل صدره ضيقاً. لن يتحمل موتها. لقد عانى بعد موت أمه ووصل لمَ هو عليه ولن يتحمل فقدها أبداً، ليسقط العالم وتبقى هي.
خطى صوب الأريكة وتمدد عليها زافراً بقوة. ربما أوهمها أنه سيتركها بمفردها، ولكن بالطبع لن يغادر. فوجوده بجانبها أصبح إجباراً لا اختياراً.
***
منذ أمس وعُمر غائباً وظنت مايا أنه غادر لمنزله، ولكنه لم يأتِ صباحاً لاصطحابها للجامعة مما أثار قلقها.
تقف في الحديقة تحاول الوصول إليه ولكن هاتفه مغلق. زفرت بضيق وتحدثت بصوتٍ سمعته آسيا التي أتت من خلفها:
"إنت كمان هتختفي يا عُمر، يووو بقى."
تحدثت آسيا بتروي برغم قلقها أيضاً فما يحدث مريباً حقاً:
"اهدي يا مايا، أكيد هو كويس بس يمكن حصل عنده ظرف طارق ولا حاجة، متقلقيش هيظهر أكيد."
نظرت إلى آسيا بصمتٍ وأومأت تحاول التحلي بالهدوء ولكنها لا تستطيع. لقد غادر ليلاً على أن يعود إليهما مجدداً وها هو لم يعد. تشعر أن هناك أمراً ما أصابه، ولكن كيف ومن أين تبدأ بالبحث عنه.
تحدثت آسيا بترقب قائلة:
"إيه رأيك أوصلك أنا للجامعة؟"
هزت رأسها ثم تحدثت متسائلة:
"مامي أكيد إنتِ عارفة بيت عمر، تعالي معايا نشوفه."
شردت آسيا لثوانٍ. هي لا تعلم عنوان منزله، ولكن يمكنها سؤال السيدة لبنى عنه لذا أومأت تردف بهدوء:
"تمام يا مايا، استنيني هجيب شنطتي وراجعة."
التفتت لتعود إلى الداخل كي تتواصل مع لبنى وتسألها عنه أو عن عنوانه.
***
كان يجلس خلف حاسوبه في بهو ڤيلته يتابع كاميرات المراقبة التي تبث له الشارع وخاصة واجهة منزل خديجة. ينتظر لحظة خروجها وقد كان.
فها هي تخرج بسيارتها من بوابة الڤيلا الخاصة بها، تقود وحدها تلك المرة لذا تحمس وكفيه يحتضنان بعضهما قائلاً وهو يقف بنبرة يملؤها الحماس:
"هيا يا ماركو، هيا يا بطل، ستفعلها هذه المرة."
تحرك يغادر الڤيلا ويستقل سيارته ليتبعها. وصل لبوابته التي فتحها الحارس الذي أشار إليه بشئ فتوقف ماركو أمامه ينظر له ثم فتح نافذته يطالعه وهو على عجلةٍ من أمره فقام الحارس بمد ورقةٍ إليه تحتوي على رقم هاتف خديجة قائلاً بثبات:
"هذا الرقم الذي طلبته يا سيد ماركو."
تناوله ماركو وابتسم قائلاً له بانتصار:
"أوه أحسنت صنعاً يا فتى، ذكرني عند عودتي بأن أكافئك."
تحرك بسيارته يغادر الڤيلا ويقود خلفها كي يلحق بها إلى المكان الذي ستذهب إليه.
***
بعد وقتٍ، حمل صينية الطعام وزجاجة المياه وتوجه عائداً إلى الغرفة. يعلم أنها لم تتناول أي طعام منذ ليلتان وهذا يضعه في مأزقٍ مع قلبه.
لم يصدر منها أي صوت، ولكن ما يطمئنه هو هيأتها من خلال تلك الكاميرا التي وضعها في الداخل.
فتح الباب ودلف ليجدها تقف عند النافذة تنظر إلى البحر وخصلاتها تتطاير بفعل الهواء. حالها كحال تلك الأمواج لا تعلم على أي شاطئٍ تستقر، تائهة وتسعى لإيجاد مخرج من هذا المستنقع الوحِل. لم تعتد الاستسلام، عرفت دوماً حرة وحكيمة برغم صغر سنها، عرفت بالتأني في قراراتها. ولكن أي قرار الآن بعد ما علمته عن الوحيد الذي يفترض أن يكون نصفها الثاني وتوأم الروح والقلب؟ أي قرار يمكن أن ينصفها وهي في كل الأحوال خاسرة لذا فهي تبحث في قاموس حكمتها عن حلٍ يمكنها استخدامه كي تنجو معه بأقل الخسائر.
خطى يضع صينية الطعام على طرف السرير وزجاجة المياه على الكومود ثم تحدث وهو يقف بثبات ينافي بعثرته الداخلية التي تسببت بها هيأتها:
"لتعلمي أني لستُ قاسياً، فعلتُ مثلما فعل هذا المخنث عُمر، جلبتُ لكِ الطعام."
ظلت كما هي تواليه ظهرها كأنها لا تسمعه، وتلك الطريقة تغضبه وتشعل جسده منها فيود لو يعاقبها بطريقته.
تحدث ليحصل على انتباهها قائلاً بترقب ومكر وهو يقف ينظر لهيأتها:
"شقيقتكِ صرخت في وجهي أمام رجالي خوفاً عليكِ، وددتُ لو اقتلعت لها لسانها الذي صرخت به، ولكنني لم أفعلها لأجلكِ."
حصل على انتباهها كما توقع عندما التفتت تقابله بملامح باهتة مرهقة نُحِت فيها الحزن قائلة بعيونٍ حادة:
"لن تقترب من عائلتي، لن تمس إحداهما، هما خطوطي الحمراء."
ابتسم لرد فعلها القوي برغم حالتها الواهنة ورفع حاجبيه يردف بتحدي وهو يضع كفيه في جيبيه:
"وإلا ماذا؟"
تحدثت بثبات رغم إرهاقها نسبةً لاحتياجها إلى الغذاء قائلة:
"ربما لا أمتلك نقطةَ ضعفٍ لك ولكن انتقاء رجل عصابات مثلك لي يجعلني أتباهى بنفسي قليلاً، هذا يشعرني بالتميز قليلاً، فأنا لا أستسلم أبداً، لا أنحني أبداً، ومن الآن وصاعدا لن أخافك أبداً، لذا فكل ما ستفعله بي أو بعائلتي لن يزيدني إلا تمرداً."
كانت تتحدث بمنتهى الشجاعة برغم شحوبها الواضح. ربما ظنت أنه لا يمتلك نقطةَ ضعفٍ ولكنها لا تعلم أنها هي تلك النقطة، فلو لم تكن هكذا لما تعامل معها بهذا الكم من الحنان الذي لا يعلم كيف يمتلكه. ولكن برغم كل ما حدث إلا أنها لم تشعر بالخوف أمامه. تحاول إيجاده داخـ.لها ولكن لم تجده. هيأته تساعدها على أن تقف أمامه قوية. عينيه التي رأتها منذ أن استيقظت تحمل نفس النظرة التي عهدتها، ولكن عقلها بالطبع يعنفها لتتوقف عن هذا الشعور. عليها أن تقلق وترتعب بشرط أن لا تظهر هذا. هي الآن بحوزة رجل عصابات لا يستهان به.
أما هو فقد ازداد إعجاباً بقوتها. هذه هي امرأته، هي تلك التي أرادها. أومأ يبعد نظره عنها ليردف بثبات وثقة ظاهرية:
"إن أردتُ أن أجعلكِ تخافين سأفعلها، لا شيء يمكنه التمرد علي، لا شيء على الإطلاق، أنا خرجتُ من الجحيم وسأعود إليه لذا فكل شيء مباحاً لي."
جبورته يثير تساؤلات داخلها. تحاول استيعاب أمره ولكن لا تفلح. جملته تلك تثير ريبتها. كيف لبشرٍ أن يتفوه بهذا الكلام وأن يصل لتلك النقطة؟
لذا تساءلت بما خطر على عقلها قائلة:
"ألا تخاف؟"
نظر بعمق يردف بجمود لظنه أنه يخشى شيئاً ملموساً:
"أبداً."
"حتى من الله؟"
قالتها بذهول لا تستوعب هذه النفس الخبيثة التي تسكنه.
ليخونه جسده فجأة وينتفض، وكأنها ألقت تعويذة على روحه. خانته أوردته وارتعشت. تلك النفس الخبيثة التي تسكنه توسوس له أن لا يخاف، ولكن صوتاً فُطِرَ عليه يحدثه أن يتمعن في سؤالها، أن يبحث داخله عن خوفٍ وسيجده. من المؤكد سيجده. نعم هو يخشاه.
لذا تحدث كأنه يبرر لنفسه قبلها أو ربما تحدثت نفسه مدافعة عن أفعاله:
"أنا لم أقتل بريئاً قط، يفترض أن أُبشر لا أن أخاف. أنا قتلتُ كل من هم مجرمون وقـ.تلة. طوال حياتي لم أنهِ حياة شخصٍ صالحٍ، كلهم فاسدين، هم من جعلوني مظلماً مثلهم."
حسناً يا نارة، هو الآن في صراع. لقد وصلتِ لنقطة مخبأة داخله، لذا أكملي، أكملي لربما كان استنتاجكِ صحيح نظراً لتربيته ومعتقداته.
حفزت نفسها بتلك الكلمات لتتابع بحزن وعيونها مصوْبة تجاه عينيه مباشرةً:
"أنت تقتل الذين كلفتهم بقتل الأبرياء، أنت اليد المحركة، لا تنتشل نفسك من القاع لأنك غارقاً فيه، ومن أنت لتحكم وتقتص؟ من أنت لتسلب البشر أرواحها؟"
يقف ثابتاً ينظر لها فقط دون أن يجيب بينما عقله يردد حديثها ويحلله لتتابع حديثها بحزنٍ شديد كأنها تود وضعه أمام حقيقته التي رأتها:
"أنت أطلقت النار على عُمَر، هل عُمر مذنباً، هل هو قاتلاً، هل هو فاسداً؟"
إلى هنا وانتهى النقاش. إذاً المسألة عُمر؟ ليعود لجموده ولقسوته حينما علم أن حزنها سببه هذا الشجاع وقال بغضب وتملك:
"بالنسبة لي فهو اقترف أكبر ذنبٍ في قانوني، وقف يحميكي مني. اعلمي أن لا سبيل لكِ سواي، لا خلاص لكِ مني، ستجاوريني حتى الموت."
ابتسمت بألم لتجيبه بعيونٍ ذابلةٍ:
"ربما الموت قريباً، أقرب إليّ منك، لا تكن واثقاً."
تعالت أنفاسه وهو يطالعها بغضب قبل أن يلتفت ليغادر ويتركها موصداً الباب خلفه بعنف.
أما هي فنظرت لأثره بحسرة ثم لفت تنظر إلى الطعام الذي أحضره لتبعد عينيها عنه وتعود تتطلع من النافذة وتنظر للبحر بسكونٍ ظاهري وعقلها يعمل على وضع خطة إنقاذ.
***
وصلت آسيا بسيارتها أمام العمارة التي يقطن بها عمر التي علمت عنوانها من السيدة لبنى حيث هاتفتها لتسألها وكم قلقت لبنى عليه وسألتها متلهفة عنه فأرادت آسيا بث الطمأنينة فيها لذا أخبرتها أن هناك سوء تفاهم حدث بينه وبين ابنتها وتسبب في إغلاق هاتفه لذا فهي ستذهب لمراضاته.
نظرت للأعلى ثم تحدثت إلى مايا:
"تقريباً هي اللي فوق دي يا مايا، تعالي نطلع نشوف."
ترجلت مايا وكذلك آسيا وأغلقت سيارتها وتحركتا الإثنتين باتجاه الداخل ثم استعملتا المصعد وصعدتا للدور المنشود بتوتر يظهر واضحاً على ملامح مايا.
وصلتا إلى الطابق وأسرعت مايا تطرق الباب وتناديه بقلبٍ مفطور:
"عُمر!"
كانت تطرق طرقات متتالية فأوقفتها آسيا قائلة بتروي:
"اهدي يا مايا، شكله مش جوة."
زفرت باختناق وكادت أن تبكي وهي تقول:
"أومال راح فين بس يا مامي، أنا حاسة إن حصله حاجة."
قالتها بألم وغصة متحجرة تكونت في حلقها لتشعرها أنها على وشك الاختناق لذا ربتت آسيا على كتفها بحنو قائلة:
"اهدي وصدقيني هيظهر، أكيد حصل معاه ظرف طارئ، إن شاء الله خير."
تنفست بعمق ثم شردت قليلاً ثم تحدثت بأمل:
"طيب هو قال لي على الجيم اللي كان بيشتغل فيه، تيجي نشوفه هناك؟"
أومأت لها آسيا تبتسم ابتسامة باهتة قائلة:
"تمام تعالي يالا."
تحركتا عائدتان للأسفل مجدداً حيث ستتجهان إلي الصالة الرياضية للسؤال عنه.
***
عودة للبيت الساحلي
كان يجلس على الأريكة يتابعها بتركيز عبر الحاسوب. ترك كل شيءٍ مؤقتاً لأجلها وليته يترك كل شيء للأبد ويظل معها.
يتأجج غضباً من عدم تناولها للطعام وبرغم ذلك لا تظهر ضعفها، تقف شامخة برغم إرهاقها الواضح.
تحركت بوهن إلى الحمام الملحق بالغرفة لتعود بعد دقائق تبحث عن شيءٍ ما. لم تجد سوى غطاء الوسادة فقررت نزعه لتغطي به شعرها وتقف بالقرب من النافذة تؤدي صلاتها بهدوء.
تفاجأ من فعلتها. في أشد حالاتها عجزاً ويأساً ولكنها تصلي. هذه المرة الأولى الذي يراها فيها تصلي.
ظل يتابعها من خلال شاشة حاسوبه إلى أن انتهت ووقفت بعدها تتجه للفراش وتتمدد عليه لتنام دون تناول أي طعام.
لم يجد نفسه إلا وهو يقف ويتجه مندفعاً نحو الغرفة ثم اتجه إليها ليوقظها قائلاً بصراخ وحدة بعدما نفذ صبره:
"إن لم تستيقظي وتأكلي طعامكِ لا تلومي إلا نفسكِ."
لم يفلح تهديده ولم تتحرك بها شعرةً واحدة ليقف عاجزاً لثواني أمام عنادها. باستطاعته استعمال كل وسائل العنف معها ولكن يجد جـ.سده مقيداً بسلاسل عشقها.
ليبتسم حينما أتته تلك الفكرة وهو يقول بقسوة أتقنها:
"ربما أنتِ بحاجة إلى والدتكِ لتطعمكِ، حسناً دعيني أجلبها لكِ بطريقتي."
التفت وتحرك خطوتين بترقب لتعتدل بعد أن كانت لا تبالي وتردف قبل أن يغادر بنوعٍ آخرٍ من الألم:
"ولكنها ليست والدتي."
توقف مكانه يواليها ظهره ويستوعب جملتها لثوانٍ ثم التفت لها يضيق عينيه نحوها. يعلم أنها لا تنطق كلاماً من العدم، يعلم قيمة كل ما تتفوه به لذا عاد يقف أمامها متسائلاً باهتمام:
"كيف؟"
حسناً، ربما الآن موعد إظهار الحقيقة التي كانت تظن أن لا داعي لانكشافها. ربما إخباره بها سيجعل والدتها وشقيقتها في أمان. لذا تحدثت بألمٍ لا يترك إنشاً في جـ.سدها إلا ويسحقه قائلة:
"هذه هي الحقيقة، هي ليست والدتي ولا هم عائلتي، هما تبنياني عندما كنت طفلة ذات خمسة أعوام، أنا ابنة ملجأ."
ابتسمت ابتسامة باكية تغلفها السخرية وهي تتابع بحزنٍ شديد:
"يبدو أن كلانا أخفى عن الآخر حقيقته."
لا يصدق أو لا يستوعب تلك المعلومة الهامة، وكيف لم يعلمها. لا يمكن أن تكن ابنة ملجأ. ليردف مستنكراً بحدة:
"أنتِ تكذبين."
عادت تميل على الفراش وتردف وهي تحتضن نفسها وتغلق عينيها:
"يمكنك التأكد من ذلك بنفسك، اسمي الحقيقي نارة وكنت في ملجأ يدعى الرحمة والعطاء."
وقف ينظر لها بصدمة. عندما بحث عنها لم يبحث عن طفولتها في مصر، بل بحث عن لحظة تواجدها في إيطاليا. لذا فربما هي محقة. ليتأكد بنفسه، فهي لا تنطق أشياءً هوائية.
تركها وتحرك للخارج بخطى مبعثرة بعد تلك المعلومة واتجه يلتقط هاتفه يتحدث مع شخصٍ تابعٍ له قائلاً بنبرة آمرة:
"ابحث لي عن ملجأ يدعى الرحمة والعطاء، ثم ابحث في أرشيفه عن ملفٍ يحمل اسم فتاة تدعى نارة عمرها الآن خمسة وعشرون عاماً."
***
وصلت خديجة أمام المكتبة التي تقصدها دوماً كي تنفصل عن العالم قليلاً وهي تقرأ.
أعلن هاتفها عن اتصالٍ من رقمٍ غير مسجل فتناولته تنظر له ثم أغلقت المكالمة متجاهلة هذا الرقم الذي لم تتعرف على هويته ثم تحركت إلى الداخل تحت أنظار هذا الذي يتبعها وتعجب من عدم ردها عليه برغم أنه لا يعلم ماذا كان سيقول.
زفر مطولاً ثم قرر تتبعها للداخل حيث صف سيارته وترجل يخطو داخل المكتبة.
يخطو وعيناه تبحث عنها في المكان وقد قرر إعادة اتصاله بها.
رآها تجلس على طاولة وقد انتقت كتاب وها هي تقرأه بتمعن وهاتفها يرتكز على الطاولة أمامها وينير صامتاً وهي لا تبالي له.
تحرك صوْبها ثم وقف ينظر لهاتفها الذي ينير برقمه وقال بلهجته وبصوتٍ عالٍ:
"لمَ لا تجيبي على اتصالاتي يا خديجة؟"
انتفضت حين سمعت نبرته ورفعت رأسها تطالعه بتعجب كما فعل الجميع حيث كان الهدوء يعم المكان وشقه هو بصوته.
لم يبالي بتلك الفوضى التي أحدثها لذا عاد يردف مبتسماً:
"هل يمكن أن نتحدث في الخارج قليلاً يا خديجة؟"
يبدو أنه معجبٌ باسمها فها هو ينطقه للمرةِ الثانية لذا فقد أتى رئيس المكتبة ينظر لخديجة وتحدث بانزعاج من هذا الغريب الغربي:
"آنسة خديجة لو سمحتِ ياريت تاخدي الأستاذ وتتكلموا برا علشان القراء يركزوا."
وقفت خديجة تنظر له بخجل ثم تحدثت بصدق مببرة:
"لاء حضرتك أنا معرفوش أصلاً."
تعجب الرئيس وقال بنبرة مشككة:
"متعرفيهوش إزاي دانا مفهمتش من كلامه غير اسمك؟"
تورّدت وجنتيها بينما عادت طباع المافيا تلتهم هذا الواقف لذا انحنى قليلاً عليها قائلاً بصوتٍ هادئ يحمل تهديداً في نبرته:
"هل هذا الرجل يزعجكِ؟"
ابتعدت عنه ونظرت له بتعجب وضيق وكادت أن تعنفه لولا تذكرها بمكان تواجدها لذا حملت أغراضها ونظرت للجميع قائلة بهدوء:
"أنا بعتذر عن اللي حصل."
تحركت بضيق إلى الخارج وتبعها هو ينظر إلى رئيس المكتبة نظرة غاضبة لظنه أنه عنفها بينما هي وقفت بالقرب من سيارتها تنتظره إلى أن وصل إليها يبتسم فقالت بملامح جادة معنفة:
"إنت مين وعمال كل شوية تظهرلي ليه؟ ابعد عني يا جدع أنت بدل ما أوريك الوش التاني."
كان يسمعها ويبتسم، تبدو غاضبة ولكنه يبتسم لعدم فهمه لحديثها بينما هي استقلت سيارتها وادارتها وانطلقت مبتعدة عن مرماه.
أما هو فوقف ينظر لأثرها بعمق ويردد بثبات:
"لا يجوز هكذا أبدو كالأحمق وهي تتحدث، يجب أن أتعلم العربية."
تحرك صوْب سيارته هو الآخر وهو يردد اسمها بنغمة قائلاً:
"خديجة، خديجة، خديجة."
***
في صباح اليوم التالى، وبعد أن وصل إليه ما يثبت صحة كلامها وتأكد أنها ليست ابنة عائلة الدقاق.
يجلس في حالة تدبر بعدما حصل على معلوماتها كاملة. إذا هي ابنة زوجين ماتا في حادث سير. هي مثله أو أشد يتماً. هي فقدت والديها قبل أن تحفظ ملامحهما، ولكنها أكثر حظاً منه في حصولها على أبوين يحبانها. أبوان استطاعا أن يوقفاها على أرضٍ صلبة لتكن بتلك الشخصية التي يعشقها.
أما هو فكان حظه أكثر سوءاً وقسوةً. هو لم يذق اليتم فقط بل وقع في يد من لا يرحم، ليصبح أكثر قسوةً منه.
ولكن كل ما عرفه عنها لم يغير مقدار ذرة حبٍ تجاهها. ستظل هي كما هي وستظل مكانتها قائمة في قلبه. لذا عاد يراقبها ليجدها ما زالت نائمة والطعام كما هو لم تمسه حتى.
زفر مطولاً ثم وقف يعود إليها ليرى ماذا يمكنه أن يفعل حتى تأكل.
دلف يتجه إليها وينادي قائلاً بنوعٍ من القسوة التي تخبئ داخلها الحنين:
"هيا استيقظي."
لم تستجب له فشعر بالقلق، لذا نزل بنظره لوجـهها ليجده شاحباً جداً. اتجهت يده تتحسها ليكتشف أنها فاقدة للوعي بعد أن نفذت نسبة الجلوكوز في جسدها مفتقداً العناصر العذائية لذا فقد غابت عن وعيها.
أردف وهو يتحرك للخارج مسرعاً بغضب:
"اللعنة."
خرج يتناول هاتفه ويحادث أحداً من رجاله الذين يأمنون المكان من بعيد قائلاً:
"اذهب واجلب لي glucose و canola في الحال."
أغلق واتجه إلى المطبخ الملحق يحضر كوباً ويملأه بالماء ثم وضع به ملعقتين من السكر وعاد إليها وهو يقلبه ليمتزج بالمياه.
جلس جوارها على الفراش يملأ الملعقة بالمياه المسكرة ويقربها من شفتيها الجافة مردداً:
"اشربي ناردين، هيا الآن."
فرجت شفتيها ببطء وهي في حالة تائهة ومجهدة لتجد الملعقة طريقها ويبدأ في إشرابها عنوةً لتلك المياة حتى عادت تغلق فمها وتقطب جبينها بإجهادٍ واضح.
وقف بعدها ونزع جاكيته يلقيه باهمال ثم انحنى يحملها فشعرت به لتقاوم بضعفٍ قائلة بنفور منه وهي تحاول التحرر:
"أنزلني، لا تلمسني، ابتعد."
ثبتها جيداً بيده فهي لم تستطع ردعه حتى لو كانت بكامل صحتها وتحرك هو يدلف الحمام قائلاً بصرامة:
"كفي عن المقاومة، جسدكِ مجهد بالكامل، تحتاجين للاستحمام الآن."
لم تكف وظلت تقاوم بضعف أمام قوته لينجح في تحريرها أسفل رذاذ المياه العلوي وفتحه لتنسدل عليها المياه وتغمرهما سوياً.
شهقت بفعل برودة المياه وكادت أن تسقط نسبةً لضعفها ولكنه أحاطها وبات يحتضنها، يثبتها بذراعيه التى التفت حول معدتها.
وقفت وقد عاد الوعي لها لتشعر به خلفها يحاوطها، ولكن شعوراً بالنفور يراودها وليتها تستطيع المقاومة. جسدها مخدرٌ بالكامل ومستسلمة لقيوده حولها. نعم قيوداً وليس عناقاً كالسابق. لم يعد كل شيء كالسابق.
وربما ذلك شعورها، ولكن شعوره مختلف. هو بحاجة إلى هذا العناق الآن، داخله يعود طفلاً صغيراً كلما لمسها، كلما كانت بين يديه، تجعله يتجرد من قسوته وظلمته ويعود صغيراً بحاجتها.
بدأت دموعها تذرف وهى تحاول وتسعى للتملص منه ليستفيق ويحررها. وقف يستجمع ثباته ثم قال وهو يغلق المياه دون النظر إليها حتى لا ترى حنينه:
"لا تتحركي."
أسرع للخارج يسيطر على مشاعره ويبدل ثيابه سريعاً بثياب جاء بها ماركو ثم انتقى لها ما رآه مناسباً وعاد إليها فوجدها قد تحركت للخارج وجلست على طرف الفراش مبتلة.
ناولها الثياب فأردفت بوهن وهي ترتعش:
"اخرج الآن."
نظر لها قليلاً ثم قال قبل أن يتحرك للخارج:
"حسناً يا زوجتي."
قالها ليؤكد لها أن كل ما فيها عائداً إليه. تركها ليجلس خارجاً ويجد نفسه يراقبها من خلال حاسوبه. اشتاق لتفاصيلها، اشتاق لخصلاتها، اشتاق لامتلاكها، واشتاق لتقبيل كل إنشٍ فيها.
انتهت من تبديل ثيابها ثم التقطت الأخرى المبتلة ونزعت الملاءة واتجهت تضعهما في الحمام لتعود وتتمدد على الفراش مجدداً.
أما هو فانتظر إلى أن جاء الحارس بطلبه ثم دلف يتجه إليها ويردف آمراً:
"أعطيني يدكِ."
كانت واعية ولكن جسدها مرهق لذلك قالت برفض:
"ابتعد عني، أكره لمساتك."
ابتسم قائلاً ببرود ليستفزها:
"لم يكن هذا رأيكِ منذ يومين."
لم ترد عليه، ولكن تذكرت ما عاشته معه منذ يومين. ليتها ظلت هناك، ليت الموت التهمها قبل معرفة حقيقته.
جلس يتناول يـ.دها اليمنى ويبدأ بالبحث عن وريد. وجده بصعوبة ليبدأ بإدخال الإبرة المعذية به بطريقة حانية مخصصة لها، ثم قام بتعليق الجلوكوز في الأعلى عن طريق أحد المسامير لإحدى اللوحات التي انتزعها يلقيها بإهمال أرضاً.
ثبته في وريدها حيث بدأ يأخذ مجراه في جسدها بينما هو وقف قائلاً ببرود:
"لينتهي هذا وستأكلين."
تحرك يجلس على المقعد أمامها ليثبت أنظاره عليها خوفاً من احتمالية نزعها لهذا المغذي الوريدي. أما هي فعادت لتنام مجدداً.
***
في وقتٍ لاحق، انتهى المحلول وتحسنت حالتها قليلاً لذا فهي وقفت تصلي مجدداً بينما رفضت تناول الطعام تماماً. وكيف تأكل وهى في تلك الحالة؟ ربما تعمدت الإضراب عن الطعام لتصل لغاية تريدها، غاية عزمت الأمر على فعلها بعد أن استجمعت أفكارها ورتبتها بشكلٍ دوماً عُرفت به.
كان هو في الخارج يتحدث مع ماركو عبر الهاتف حيث تساءل ماركو بترقب:
"هذا يعني أنك لن تكون موجوداً عند استلام الشحنة؟"
عاد إليه شروده. للحظة تذكر كلمتها عندما سألته هل لا يخشى الله؟ لذا فهو الآن يفكر. ليلاحظ ماركو صمته فيعاود السؤال قائلاً:
"هل تسمعني صقر؟ أسألك عن الشحنة يا رجل، اسمع أعلم أنك غاضباً جداً من ميشيل ولكن لا تكن أحمقاً، أي ردة فعلٍ ستأخذها الآن ستعرضك للهلاك، دعنا نفكر جيداً في خطة مناسبة نقضي بها عليه دون أن يمسنا سوء، تصرف كما عهدتك يا صديقي."
انتبه إلى حديث ماركو. نعم هو محق. الآن كل الطرق التي سيسلكها ستعرض حياتها للخطر. كيف له أن يخرج من تلك الحلقة التي باتت تقترب منه بل تخنقه. تحدث أخيراً بنبرة غير مألوفة تلك المرة قائلاً:
"حسناً تولى أنت أمرها ماركو، سأعود حينما أحل مسألتي."
أومأ ماركو ثم تحدث بترقب:
"وماذا سنفعل ما هذا الفتى، مؤكد ستسأل عنه والدة زوجتك."
تذكر أمر عُمر لذا أجاب بثبات:
"دعه يتحدث إليها، ولكن كن حذراً، ليخبرها بسببٍ مقنعٍ يبرر غيابه إلى أن أعود."
تحدث ماركو بثبات وثقة:
"حسناً لا تقلق، والآن أخبرني ماذا فعلت معها."
تحدث بنبرة غاضبة من سؤال ماركو خاصة نعته لها بكلمة (معها):
"ليس من شأنك."
أغلق معه ليقف ويعود إليها مجدداً وقد وجد الطعام كما هو بينما هي تجلس القرفصاء على الفراش. زفر مطولاً من عنادها الذي يوازي عناده.
اتجه يجلس أمامها ويضع ساقاً فوق الأخرى قائلاً بثبات ليحقق لها ما تريد حيث يعلم مبتغاها:
"حسناً، لنتحدث إذاً."
وهذا ما تريده حقاً وتنتظره لذا رفعت أنظارها إليه لتسأل سؤالها الأول بثباتٍ مماثلٍ له:
"لمَ أنا؟"
(لأنكِ الوحيدة القادرة على إضافة النور إلى حياتي)
قالها داخل نفسه بينما نطق لسانه بهدوء:
"يفترض أن تمتلكي أنتِ إجابة هذا السؤال، لتبحثي عن مميزاتكِ."
ابتسمت ساخرة لتعاود طرح سؤالها بطريقةٍ أخرى:
"لمَ خنتني؟"
تحدث بما فهمه من سؤالها:
"يمكنني أن أتصف بكل ما هو سيء عدا الخيانة، فصداقتي عهد، وحبي ميثاق غليظ، لذا أنا لم أخنكِ أبداً، ولن أخون."
هزت رأسها تردف بثقة وتوضح مقصدها:
"أنت لم تحبني قط، أنت فقط أردتَ امتلاكي، رغبتَ في السيطرة علي، أعجبتَ وخططتَ ونفذتَ لتوقع بقلبي وتتلاعب بمشاعري، أنت خنت ثقتي بك، خنت عقد زواجنا، خنت أمانة الله لك، لذا لمَ أنا؟ لمْ أجد بي ما يناسبك، أبحث عن شيء داخـ.لي يلائم شخصيتك ولكني لا أجد."
أومأ يردف بثبات مؤكداً:
"وهذا تماماً السبب، اختلافكِ التام عني، حالتكِ الشاذة التي لم أرَها طوال حياتي."
زفر يتابع بصدق وعينه منكبة عليها:
"انتشالكِ لشقيقتكِ ذلك اليوم تلاعب بعقلي، بأفكاري، بالإضافة إلى هيأتكِ وجرأتكِ مع ذلك الشاب، كما تعلمين أنا رجل عصابات من الطراز الأول ومحيطي كله متدني، لذا فكنتِ أنتِ النجمة العالية في عالمي."
استمعت له بتركيز. الآن تحاول فهم شخصيته، تتلاعب بحيل علم النفس التى تعلمتها لتستدرجه وترى دواخـ.له بعد أن رفع الستار عن حقيقته. الآن يعد متعرياً أمامها لتقرر إن كانت ستنجح مع تلك الحالة وتستطيع أن تنجو بها أم لا لذا تحدثت قائلة كأنها معالجة نفسية تستمع إلى زائرها:
"ولم أخفيتَ عني حقيقتك من البداية؟ أولم تتباهى بأنك رجل عصابات من الطراز الأول؟"
هذا السؤال الذي لا يعلم إجابته. ولكن ربما لأنها لن تقبل به حينها. ولكنه كان قادراً على إجبارها بكل الطرق. لمَ اختار تلك الطريقة الصعبة وهي التخفي. تحدثت بالقليل من الحيرة:
"هذا يؤكد تميزكِ."
نظرت له بتعمق. ترى أمامها حالةً تعاني من اضطراب أو ربما انفصام لا تستطيع التحديد بالضبط فهي ليست معالجة حقيقية. ولكن سؤالاً يتردد داخـ.لها. هل يعشق رجلاً مثله؟ وإن كان الجواب لا فما تفسير كل أفعاله أفعاله معها؟
"هل أحببتني حقاً، أم أن هذا كان جزءاً من خطة تملكك لشيءٍ مميز؟"
دقق في عينيها. نظرات شعاعية ثابتة. ليقول بثقة وتأكيد وصدق متناهي:
"أحببتكِ بكل أنواع الحب، أحببتكِ حباً غير مشروطاً ففضلت سعادتكِ على نفسي، وأحببتكِ حباً رومانسياً ففقدتُ سيطرتي حين لمستكِ، وأحببتكِ حباً عاطفياً فبات الحنين إليكِ يتملكني وتبددت قسوتي معكِ، وأحببتكِ حباً جسدياً فبات جسدكِ هو ملجأي، وأحببتكِ حباً متملكاً فبات وجودكِ معي هو أوكسجيني."
"إذا فلتثبت لي حبك."
قالتها مسرعة قبل أن تتأثر باعترافه هذا، أو ربما قالتها لتهرب من تأثرها بحديثه الذي إن قاله لها في وقتٍ سابقٍ لركضت الآن وقبلته وارتمت في أحضانه واختبأت في صدره. نعم فكل ما يخبرها به هي عاشته معه. هو صادقاً في هذا، لذا فهي تبكي. ولكن بدلاً من أن تسقط دموعها أمامه تسقط داخلها في حرارة عالية لتنسحب متخذة معها أجزاءً من روحها.
تحدث وعينه عليها يتابع ملامحها:
"لست بحاجة لذلك."
لتجيبه بثبات وثقة وشموخ ظاهري:
"وقتها إما انفصالنا أو موتي، لا يمكن وضع احتمالية البقاء معك إلا إذا أثبت حبك لي، ولن يثنيني مخلوقاً عن قراري."
ليتغاضى عن ذكرها مجدداً للانفصال ولكنه يلاحظ جيداً ثباتها ونبرتها الصارمة. وهل هو قادرٌ على تحديها؟ نعم قادر، ولكن آخر ما يريده هو كرهها له. لذا تساءل بتأهب:
"ماذا تريدين؟"
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اية العربي
في شركة صقر
يجلس ماركو خلف مكتبه يتحدث مع ميشيل، الذي ما زال غاضباً بعد أن حاول الاتصال بصقر ولم يصل إليه. لذا فهو الآن في أشد حالات غضبه، حيث لم يجد سوى ماركو أمامه قائلاً:
– أعلم أنك تعلم مكانه، قل أين هو. الشحنة على وشك الوصول وهو مختبئ. أقسم إن حدث خطأ ما سأقتلكم جميعاً.
تحدث ماركو بغضبٍ مماثل واندفاع:
– كف عن تهديدي وعن الصراخ. قلت لك لا أعلم مكانه، لقد أصبح يخفي عني أموراً عدة منذ زواجه.
لا يصدقه. يعلم أنهما مقربان، والدليل على ذلك هاتفه الذي لم يعد باستطاعته اختراقه، وهذا أكبر دليل على أن صقر وضع عليه برنامج حماية مماثل له. ليعود ويصرخ مجدداً بغضب وحقد:
– تلك الساقطة هي التي أحدثت هذه الفوضى. منذ أن دلفت حياته وهو متباطئ، لم يعد كالسابق.
تحدث ماركو صارخاً:
– لذا أرسلت لها فيديو عن عمل صقر؟ أجننت؟ ماذا إن ذهبت وأبلغت عنا؟
ضحك بشر يردف بتأكيد وقد تبدل غضبه بالجمود:
– لا، لن يسمح بذلك. لن يدعها تخطو خطوةً واحدةً بعد أن علمت حقيقته. الآن فقط أتمنى أن يكون سبب اختفاءه هو إنهاء تلك المسألة بيده.
يستمع إليه ماركو بصمت، بينما هو أكمل متسائلاً:
– استعد لاستلام الشحنة أنت، كن حذراً وإلا..
– لا تهددني مرةً ثانيةً.
ضحك ساخراً يردف باستفزاز:
– أووه، كبرت يا فتى وأصبح صوتك يعلو عليّ. يبدو أنك تتعلم من خليلك. حسناً، دعني أرى مهاراتك إذاً.
أغلق ماركو معه وزفر وهو يعود بظهره للخلف، يفكر أيضاً في طريقة للخلاص من هذا البغيض دون أن يمسهما سوء.
ولأن التفكير في هذا الأمر يوصله إلى طريقٍ مسدود، قرر مغادرة الشركة والذهاب إلى بيت الصحراء كي يرى هذا العُمر.
في البيت الساحلي
وبعد أن سألها بترقب وعينه مسلطة عليها:
– ماذا تريدين؟
سحبت نفساً طويلاً إلى رئتيها وزفرت بهدوء وهي تقول بنبرة صارمة وواضحة كالشمس:
– أريد زوجي الذي أحببته وظننت به خيراً، أريدك أن تكون أباً صالحاً، أن تبتعد عن عالمك وتطهر ذنوبك وماضيك بمستقبلك، أريدك شخصاً أفتخر به دوماً.
ألقت طلبها عليه فشرد يفكر ناظراً أرضاً. هل تراه فاسداً لتلك الدرجة؟
ابتسم ساخراً من نفسه. أيظن أنه صالحاً؟ أيظن أن شخصيته يُفتخر بها؟ لذا تحدث بنبرة هادئة تحمل بين طياتها الكثير من الحزن:
– أولم تفتخري بي أبداً؟
تحدثت بثبات وحزم:
– الفخر يولد من النجاح في الخير والفائدة التي تعم على البشر. هل ترى أنك تفيدهم بمَ تفعله؟ ماذا استفدت من هذا العالم المظلم؟ قل لي فائدة واحدة ملموسة في حياتك. ألا ترى حالتك؟ لمَ لا تتخلى عنه؟
هل يمكنه التخلى عن عالمه! ربما هي ترجمت له ما يشعر به دوماً. الأمر يعد مستحيلاً، ولكنه قادر على تحقيق المستحيل إن أراد. ولكن هل سيفيد ذلك وهو يظن أن الأوان قد فات؟
تحدث بعد وقتٍ بقناعة مثبتة لديه دائماً:
– كيف يمكنني فعل ذلك؟ ما تطلبيه أمراً حدوثه مستحيلاً. أنا غارقاً في الوحلِ، أنا المعنى الحقيقي للون الأسود. الأمر منتهي وقصتي نهايتها معروفة.
استشفت حالة من اليأس في صوته، والتمست له العذر نسبةً لجهله بدينه. تذكرت أمراً ما فتسائلت بترقب:
– حسناً، من أرسل لي ذلك المقطع؟
اسودت عينيه عند تذكره لميشيل ولم يحن موعد عقابه بعد، لذا أردف بغضب خامد:
– ميشيل، قاتل برائتي.
إذا هذا هو رأس الأفعى. مثلما توقعت، هو لم يختر تلك الحياة، هو فقط أجبر عليها ثم اتخذها وسيلة للعيش دون قيود تحكمه.
صمتت قليلاً تفكر. يظن أن أمره منتهي؟ إذاً لماذا اختارها لتكمل معه حياته! مؤكد هناك رغبةً داخله يريد تحقيقها.
زفرت ثم رفعت نظرها إليه تردف بهدوء:
– هل يمكنني أن أطلب منك شيئاً؟
ثبت أنظاره عليها قائلاً بمساومة:
– وستأكلين.
أومأت تردف بعيون دامعة وتمهل:
– أريد سجادة صلاة، وإسدالاً ومكبر صوت إلكتروني وهاتف،، ومصحفين، إحداهما باللغة العربية والآخر مترجم بالإيطالية.
نظر لها بعمق مطولاً ثم وقف دون التفوه ببنت شفة واتجه خارجاً يتناول هاتفه ليخبر حارسه بجلب ما طلبته. لم يعترض حتى على الهاتف لقدرته على السيطرة عليها، لذا سيجلب ما طلبته دون تردد ودون معرفة أسبابها. يكفي أنها ستأكل وهذا كل ما يريده الآن.
أغلق وقد تذكر أمر عائلتها. يجب أن تحادثهم حتى لا تتدخل الشرطة في الأمر. هو في غنى عن حالة شوشرة تحدث الآن.
عاد إليها مجدداً يحمل هاتفه قائلاً بنبرة آمرة:
– ستهاتفي والدتكِ الآن، وتخبريها أننا معاً، وأن كل شئٍ على ما يرام. إبذلي قصارى جهدكِ كي لا تشعر بشئ، وإلا…
– لا تهددني.
قالتها بثبات وهي تمد يدها له ليناولها الهاتف، فقام هو بالاتصال وشغل مكبر الصوت وناولها إياها وعينه عليها، ليأتي صوت والدتها متلهفاً تردف:
– صقر، عرفت حاجة عن ناردين؟
تحدثت هي بصوتٍ مشتاقٍ وحزن قائلة:
– ماما أنا نارو، اطمني أنا بخير.
تحدثت آسيا بحنو:
– إنتِ فين يا نارو، كدة يا حبيبتى تعملي في ماما كدة؟ أنا هموت من القلق عليكي.
تحدثت وهي على وشك البكاء تأثراً بصوت والدتها الدافئ واشتياقها لهما:
– أنا كويسة يا ماما متقلقيش، أنا كلمت صقر وهو جه أخدني، بس دلوقتى إحنا في منطقة سياحية، جينا نغير جو يومين كدة وهنرجع إن شاءلله، أنا بس قلت أطمنك.
أومأت آسيا تردف بحب وارتياح:
– ماشي يا حبيبتى، الحمد لله إنى اطمنت عليكي، مايا عايزة تسمع صوتك.
ناولت الهاتف إلى مايا لتتحدث بلهفة واشتياق:
– نارو؟
تحدثت نارة بحنو:
– حبيبتي،، وحشتيني يا مايا.
بكت مايا لتردف بفرحة نصف مكتملة بعد أن وجدت أحد أحبابها:
– وانتِ كمان وحشتيني جداً، أنا كنت هتجنن عليكي، الحمد لله قلبي ارتاح من ناحيتك.
ليزداد بكاؤها وتتابع بحزن:
– بس لسة عمر يا نارو، عمر مختفي ومنعرفش عنه حاجة.
أسرع صقر ينزع منها الهاتف ويغلقه لتتفاجأ وقد تكونت دموعها بعد سماع صوت شقيقتها وبعد تذكيرها بعمر الذي لم تنسه. لمح دموعها فقال بغيرة وتملك وغضب محذراً:
– لا تبكي أمامي على هذا المخنث.
هزت رأسها تردف بنظرة متمردة لا تخشاه:
– هو فقط ساعدني أثناء خوفي وهلعي منك، هو حتى لا يعلم سبب هروبي. أكان من الأفضل بالنسبة لك أن يتركني ألجأ لمن لا أعرفه؟ هو لم يخطئ أبداً.
تحشرج صوتها أمامه وما زالت غيرته تتملكه لتتابع متأملة بدموع تملأ مقلتيها:
– ربما لم يمت، من فضلك تأكد،، ربما أنقذه أحدهم؟
يستطيع إخبارها أنه حيٌ وبحوزته، ولكن أبداً هو لن يظهر تأثره بحالتها، لن يظهر تعاطفه معها، لن يظهر رحمته لهذا العُمر أمامها. لذا عاد يتحدث بوحشية نسبةً لبكائها حزناً على رجلاً آخر قائلاً بحدة:
– توقفي عن البكاااااء.
جففت دموعها وسحبت نفساً عميقاً لتهدأ، ليس خوفاً منه ولكن حتى لا تفقد محاولتها في الهدنة معه، فهي ستتغاضى عن الماضي الآن لتحاول المضي إلى المستقبل معه.
نظفت حلقها لتتحدث بهدوءٍ نسبي وهي تنظر بعيداً عنه:
– حسناً، هل ستجلب ما طلبته منك؟
نظر لها بحيرة. هي تخطط لأمرٍ ما، ولأول مرة يجهل تفسير أفكارها، ليقول قبل أن يغادر للخارج:
– في طريقها إليكِ.
في ڤيلا آسيا
تجلس مايا تفكر بعد أن اطمئنت على نارة، ولكن يبقى قلبها معلقاً بعُمَر الذي لم تصل إلى أي خبرٍ عنه يطمئنها إلى الآن.
تجاورها آسيا تحمد ربها على سماع صوت إبنتها بخير برغم شعورها أن هناك أمراً كبيراً حدث بينها وبين زوجها، ولكن يكفي أن تكون بخير ويتصالحان.
نظرت نحو مايا فوجدتها شاردة ودموعها معلقة، أدركت على الفور سبب حزنها لذا تحركت قليلاً نحوها لتتمسك بكفها بحنو قائلة:
– متقلقيش يا حبيبتي أنا حاسة إنه كويس. للأسف أنا مش عارفة اعمل إيه بس أكيد هيظهر.
سقطت دموعها مع حديث والدتها وهي تقول بضعفٍ يتوغلها في بعد حبيبها:
– أنا عايزة بس اسمع صوته يا مامي، أو أي حد يطمني إنه بخير. اختفى فجأة إزاي بس، حتى كيتي سايبها هنا وهي مش بتفارقه، أنا قلبي واجعني عليه أوي.
في تلك الأثناء كان قد وصل ماركو إلى بيت الصحراء ليراه ويفعل كما أوصاه صقر. دلف يبحث بعينيه عنه فوجد الجراح يقف يحضر دوائه فسأله بلهجته:
– أين هذا الشجاع؟
تحدث الجراح وهو يشير بعينه:
– في تلك الغرفة، وبصحة جيدة كما أخبرنا السيد صقر.
أومأ له ماركو ثم تحدث وهو يتحرك صوب الغرفة المشار إليها:
– تعال معي.
تحركا صوبها وفتح الجراح الباب ودلف وتبعه ماركو. كان عمر ممدداً على فراش صغير يشبه أسرة المستشفيات، جذعه عاري ويلتف حول كتفه الأيمن رباطاً طبي، نائماً بفعل المنوم الذي يضعه له هذا الجراح حيث يفضل نومه بسبب حدته وغضبه عندما يستيقظ.
نظر ماركو له بلا مبالاة ثم نظر إلى هذا الواقف وتحدث:
– أريد التحدث إليه، اجعله يستيقظ.
أومأ الطبيب وتحرك للخارج يحضر شيئاً ما ثم عاد إليه يُمسك بحقنة وريدية تجعله يستيقظ واقترب منه وأعطاه إياها في وريده ووقفا ينتظران استيقاظه.
استيقظ عُمر بعد ثوانٍ ينظر حوله بتشوش ثم اتضحت الرؤية ليجد ماركو يطالعه بملل.
انتابه الغضب وحاول التحرك ولكن آلمه كتفه بسبب الحركة كما أنه مقيداً بأحزمة في هذا السرير.
تحدث الطبيب بلهجة مصرية قائلاً:
– اهدى واسمع ماركو بيه عايز يقولك إيه.
نظر له بغضب وتحدث بعيون مشتعلة:
– يقول إيه؟ دانتوا طلعتوا كلكوا عصابة، ناردين فين، عملتوا فيها إيه.
كان ماركو يتابعه ولا يفهم عليه، بينما ترجم له الطبيب ما يقوله لذا تحدث ماركو بلهجته وهو يقف ببرود ويديه تختبئ في جيبي بنطاله:
– لا تقلق، هي مع زوجها. لا شأن لك بها، والآن يجب أن تتحدث مع السيدة آسيا وتخبرها أنك بخير. لا تحاول حتى التلميح بأي شيء وإلا سأفجر رأسك قبل أن تكمل.
ترجم الطبيب حديث ماركو كي يفهمه عمر الذي لم تهتز به شعرةً بل نطق بحدة بعد أن سمع تهديده:
– مفكر دي رجولة؟ فكني وأنا اعرفك يعني إيه راجل.
قلب ماركو عينيه ثم أخرج من جيبه هاتفاً ما ونظر له يكمل حديثه قائلاً:
– هل ستهاتفها أم ستظل تثرثر؟
زفر عُمر مطولاً، ولكن حقاً عليه أن يحادثها كي تطمئن، يعلم الآن أنهما في حالة عبثية ومؤكد مايا حزينة لذا تحدث بثبات:
– هات الموبايل.
قام ماركو بالاتصال على رقم آسيا وفتح مكبر الصوت أيضاً وناوله له ثم أخرج سلاحه يشهره عليه كي يضمن عدم تفوهه بأي شيء آخر.
كانت آسيا تجاور مايا حيث رن هاتفها فتناولته وفتحت الخط تجيب بترقب:
– ألو؟
أتاها صوت عمر يردف بنبرة جاهد لتكون هادئة قائلاً:
– آسيا هانم أنا عُمر.
أردفت آسيا وهي تنظر إلى مايا بسعادة ودهشة:
– عُمر؟
قفزت مايا فجأة ثم أسرعت تنزع الهاتف من على أذن والدتها وتضعه على أذنها مردفة بقلبٍ ينبض بعنف قائلة باشتياق ينهش داخلها:
– عُمر، إنت فيييين؟
قالتها بصوتٍ باكي وصل إليه فجعله يهدأ من حالة غضبه ويتنهد بقوة ثم تحدث بحب وحنو كي تهدأ:
– اهدي بس بتعيطي ليه؟ أنا كويس أهو.
تحشرح صوتها وشعرت باختناق يتوغل حلقها ثم رفعت كفها تزيل دموعها قائلة بنبرة طفولية:
– أنت كداب يا عُمر، حصل معاك حاجة صح؟ قولي حالاً انت فين وإزاي تغيب فجأة كدة من غير ما تقول وموبايلك مقفول ليه؟ وكمان سايب كيتي جعانة ومقولتش وروحنا بيتك وخبطنا كتير محدش رد وكمان روحنا الجيم محدش عارف عنك حاجة.
كانت تثرثر بنبرة فرحة ومتلهفة إليه وهو يستمع لها وحتى أنه نسى أن ماركو يقف أمامه يهدده بسلاحه حيث تحدث بتروى بعد أن أتته تلك الفكرة:
– يا مايا أنا كويس جداً بس فيه واحد صاحبي من أيام الكلية كان ساكن في قرية بعيدة شوية، والده اتوفى واضطريت أسافرله أقف معاه والمكان هنا مافيش فيه شبكة. الموضوع حصل فجأة وهو كانت حالته سيئة، متقلقوش عليا يومين كدة وراجع إن شاء الله، بس طمنيني عرفتوا حاجة عن ناردين؟
سألها بترقب وعينه منكبة على هذان الواقفان يترقبان السمع فتحدثت مايا بنبرة هادئة بعد أن اطمأنت عليه:
– أيوة نارو كويسة وهي مع صقر دلوقتي.
شعر بالقلق حيالها ثم تحدث بنبرة هادئة:
– طيب يا مايا ممكن أكلم آسيا هانم قبل ما اقفل علشان لازم ارجع لصاحبي لازم أبقى جنبه اليومين دول.
ناولت مايا الهاتف إلى آسيا وتنهدت بعمق وارتياح فتحدثت آسيا بحنو وراحة بعدما اطمأنت ابنتها عليه:
– الحمد لله إنك بخير يا عمر.
تحدث قبل أن يغلق بترجي:
– آسيا هانم ممكن تكلمي أمي لبنى تطمنيها عليا لإن الشبكة هنا واقعة خالص.
تحدثت آسيا بنبرة متوترة من نظرات مايا:
– حاضر يا حبيبي متقلقش.
أغلق معها فتحرك ماركو ينزع منه الهاتف وتحدث وهو يعيد سلاحه إلى خصره بنبرة ممازحة لا تمت للموقف بصلة:
– تثرثرون كثيراً أيها المصريون، ولكن أظن أنك عاشقاً لذا تركتك تتحدث قليلاً. هيا عد لنومك وانتظر صقر.
بعد وقت
دلف يحمل حقيبة ورقية في يدِ وفي اليد الأخري صينية طعام صغيرة غير تلك التي كبت محتوياتها في النفايات.
كانت تقف عند النافذة تتفقد البحر بهدوء وحزن، خصلاتها تتطاير أمامه مجدداً حيث وقف يطالعها. التفتت إليه عندما شعرت بوجوده ثم نظرت لما يحمله.
اتجه إليها يناولها الحقيبة فمدت يدها تأخذها وتتفحص محتوياتها لتجد ما طلبته كاملاً.
اتجه يضع الصينية على الفراش قائلاً بصرامة:
– الطعام أولاً.
تنهدت بقوة تنظر له. هل حقاً هذا الاهتمام والخوف حقيقي أم لغرضٍ ما؟ ابتسمت بألم فلم تعد تشعر بالثقة معه بعدما وضعت كل ثقتها به.
التفت ليغادر فنادته بهدوء قائلة:
– صقر؟
نبضة مخالفة لنبضاته عند نطقها لاسمه، نبضة عشقٍ وأمل، لذا التفت كالمسحور ينظر إليها بحنين دون حديث.
لتخرج من تلك الحقيبة المصحف المترجم للإيطالية ثم اتجهت إليه وهي تمد يدها له به قائلة بنظرة جاهدت لتبدو حنونة ومؤثرة:
– هذا من أجلك، طلبته باللغة الإيطالية كي تفهمه جيداً.
توقف يطالعها بجسدٍ مشدود. هل هذا ما نوته؟ يفكر هل يمكن أن يغير هذا الكتاب شيئاً بداخله؟ هل يمكن لكتابٍ أن يبدل حياته البائسة تلك؟ هل حقاً تعتقد ذلك؟ هل يكمن داخل هذه الصفحات نوراً قادراً على تفتيت ظلمته.
زفر ينظر لها بصمت رافضاً لمسه، يرى أن تلك محاولة بائسة منها، لتشعر بالحزن لما وصل إليه. إنه حقاً ممتلئ باليأس، ولكنها ستجاهد لتنجح خطتها، ستسعى لانتشاله وتعليمه درساً عن الحب الحقيقي. نعم أحبته لذا فهي ستحاول سحبه إلى أأمن طريق ربما ساعدها في ذلك، ربما نجحت.
مدت كفها الأيمن تضعه بهدوء على قلبه قائلة بنبرة مترجية:
– خذه واقرأه بقلبكَ.
انحنى بعينه ينظر ليدها الموضوعة على قلبه، والآن فهم خطتها، فهم لمَ تسعى، ليبتسم ويخفي تأثره بلمستها قائلاً وهو يبعد يدها عنه ببرود:
– أنا ليس لدي قلب.
تبع جملته بتمزيق قميصه بعنف وتطاير أزراره ليردف وهو يشير على وشمه بحدة:
– لا يوووجد هنا قلب، لا تحاااولي،، أنا غارقٌ ولا توبة لدي، ما فعلته تخطى حدود التوبة، أنا الشيطان بنفسه، لا تحاولي عبثاً.
تركها واندفع للخارج يتنفس بغضب. لماذا تسعى لتحويله لملاك؟ لمَ لا تحبه كما هو؟ لمَ عليه أن يعاني ليصل إليها؟ هو أرادها لتوقف معاناته لمَ تزيدها عليه؟ أولم يوفر لها كل سبل الراحة ووسائل المتعة والرفاهية كي تقبل به، كي تحب عيوبه وأخطاؤه وقسوته؟ أولم يخطط لهذا منذ أن رآها؟ لمَ تحاول تبديله؟ ما تفعله لا يمت للحب بصلة، ما تفعله به أنانية.
شعر بالضيق وغضبه يتفاقم، لذا تحرك للخارج. اتجه يقف أمام البحر، فدوماً كانت المياة هي الوحيدة التي تتقبل حالاته السيئة، هي الوحيدة التي احتوت ظلمته وغضبه.
أما هي فكانت تبكي، تعلم أن طريقها كله منحنيات ربما أودت بها إلى الهاوية، ولكن حتى وإن سقطت لن تستسلم. لقد اتخدت قراراً ربما هو الأصعب في حياتها ولكن لتكن قادرة على تنفيذه. هي دوماً تفتخر بحكمتها، عرفت دوماً وسط جامعتها بتحدياتها الصعبة، وكم اثبتت أنها شامخة لن يحنيها ألم، لذا فهي لن تستسلم عما نوت.
اتجهت تخرج محتوايات الحقيبة وتفرزها على الفراش، تناولت علبة الهاتف تفتحها لتخرجه منها. فتحته للتو، هاتف جديد لا يحتوى على أي مصدر اتصالات.
ابتسمت ساخرة بحزن من أفكارها. هو يأسرها في منزلٍ بعيد عن البشر ويضع لها كاميرا مراقبة في الغرفة وتظن أنه سيعطيها هاتفاً مزوداً بوسيلة اتصال؟ أنه صقر الجارحي رجل العصابات النادر الذي استطاع إقناعها بعشقه.
زفرت لتهدئ أفكارها وتجد طريقة أخرى. توقفت تتجه للحمام لتبدأ في تنفيذ مهمتها.
تجلس خديجة في غرفتها تنظم ملابسها في مكانها بعد أن أخرجت ما لم يعد يناسبها لتتبرع به ككل عام، حيث تنتقي ملابس من يراها يظنها جديدة من شدة الحفاظ عليها.
زفرت وقد مر على عقلها هذا الماركو لتحاول نفض أفكارها تلك وتعنف نفسها قائلة:
– جرالك إيه يا خديجة؟ عمالة تفكري فيه ليه؟ ده واحد مجنون إزاي يخطر على بالك أصلاً، استغفري ربك كدة وانسيه تماماً.
ولكن تلك الجملة لم تزدها إلا حيرة. تعلم أنه ليس على ديانتها، وهيأته تدل على عدم التزامه تماماً، وشومه وما يفعله ونظراته، هو بعيداً تماماً ومنافراً لها، ولكن لمَ دوماً يحاول التحدث إليها واعتراض طريقها؟ ماذا يريد منها؟ وهل هو أبله؟ ألا يعلم أن ما يفعله لا يجوز بأي شكلٍ من الأشكالِ؟
عادت تعنف نفسها قائلة بصوتٍ مسموع:
– وبعدين بقى يا خديجة، مينفعش كدة، المرة دي لو حاول يعترض طريقك لازم توقفيه عند حده، ده واحد مجنون ومفكر إنه هيعرف يضحك عليكي، ابعدي عنه تماماً.
عاد بعد قليل يجلس على أريكته ليبدأ بتفحصها عبر الحاسوب حيث بات هذا عمله مؤخراً وكم هو عملاً ممتعاً بالنسبة له. رآها قد انتهت لتوها من الصلاة.
اتجهت تجلس على الفراش تتناول الهاتف وتضغط على مسجل الصوت ثم فتحت المصحف العربي لتتنفس بقوة وتحاول عصر عقلها كي تتذكر تلاوة والدتها لها والقليل من تلاوة خديجة أمامها. لم تتعلم التجويد جيداً ولكن لا بأس بها، لذا بدأت تقرأ بصوتٍ هادئ حنون أولى أيات المصحف الشريف. قرأت سورة الفاتحة ثم تبعتها بآيات من سورة البقرة بدفئ، حتى أنها تناست أن الهاتف يسجل واندمجت في القراءة بتدبر ودموع.
يتابعها من خلال الحاسوب ويسمع صوتاً هامساً لا يفسره جيداً يأتي من الداخل، ولكن يأخذه فضوله لمعرفة سبب بكائها. لم يفكر في تركيب ميكرفون في الداخل لأنها وحيدة لن تتحدث مع أحد.
يفكر هل يذهب إليها أم يظل على ثباته ولا يظهر أي تأثير، ليقرر أخيراً أن يظل على جموده.
مر الوقت ومرت هي بآيات الرحمة والإعجاز اللغوي والعلمي وقصص الأوليين وآيات التوبة. ساعتان من الزمن حتى انتهت، قرأتها بخشوعٍ وتأثر، قرأتها وفاضت دموعها حزناً وحباً وطمعاً في رحمة الله.
جففت دموعها ثم توقفت تشغل مكبر الصوت عن طريق وصلة الكهرباء ثم قامت بتشغيل البلوتوث الخاص بالهاتف ليتقارن مع المكبر وتبدأ في تشغيل مقطع الصوت الخاص بها.
وعلى الفور اخترق الصوت أذن هذا الجالس يتابعها بتركيز. وصل إليه صوتها الذي استمع له من قبل عندما كانت تغني تلك الأغنية الرومانسية التى اشعلت لهيب عشقه أثناء تواجدهما على اليخت.
ولكن الآن الأمر مختلف كليا، فالصوت الصادر برغم علوه إلا أنه يحمل دفئاً غريباً وكأنها تحتضنه وتربت على قلبه بحنو، ليبدأ يستمع أولاً إلى صوتها ثم يحاول فهم ما تقوله. كلمات لا يفسرها جيداً برغم معرفته للعربية، كلمات أحبتها أذنه وطالبت بالمزيد منها.
ليعم صوتها المنزل، كانت تعاود الاستماع إلى صوتها وداخلها شعوراً بالراحة ومتعة إيمانية جديدة. كانت تذرف دموع الفرح، تعلم جيداً أنه يستمع، وهذا ما أرادته تحديداً.
إن لم يرغب في قراءة القرآن بإرادته ليسمعه عنوةً إذاً، ولنرى هل هو حقاً شيطان كما يطلق على نفسه أم في قلبه مثقال ذرة من إيمان لترويها.
ليت أحدهم يفسر له بعض الكلمات التي تمر على سمعه، يحتاج لهدنة ليعرف معانيها وعلى ما تدل.
بعد وقتٍ أغلقت المكبر واتجهت تقف أمام النافذة، تشعر أنه سيأتي وتتمنى أن لا يخونها حدسها. وبالفعل دلف بعد ثوانٍ يحمل طعاماً أتى به رجله للتو، فهو حريصاً كل الحرص على تغذيتها.
تحرك يضعه على طرف الفراش بصمت ثم خطى يقف مماثلاً لها لينظرا اثنانهما إلى البحر من خلال النافذة.
صامتان لفترة قطعها هو بحديثه الذكي:
– لأول مرة يجبرني أحدهم على شيئٍ لا أريده، فعلتِ ما تودين فعله.
أجابته بهدوء وثقة والقليل من الراحة:
– لو أردت إيقافي لفعلت، أنا لم أجبرك، أنت فقط لم تمنعني، إذاً أنت لست شيطاناً كما ادعيت.
توتر جزءاً خفياً داخله ليردف بثبات ظاهري:
– ولكني لست ملاكاً، أنتِ تركضين في حلقةٍ مغلقة، لن تصلي لشيء.
لفت تقابله لتردف بترقب ونبرة يغلفها الهدوء:
– انظر إليّ صقر.
لم يكن يريد ذلك، لربما خانته عينيه أمامها، ولكن لف لها يقابلها بعيون ثاقبة مثبتة لا يظهر فيهما تفسير، لتتحدث هي متسائلة:
– لمَ لم تمنعني؟ لمَ لم تدخل الغرفة وتنزع هذا المكبر وتلقيه أرضاً عند سماعك لهذا الصوت؟ لمَ أحضرت كل ما طلبته منك؟ وأعلم أنك ذكي ومؤكد فهمت سبب طلبي لهذه الأغراض، لمَ تركتني أفعل ما أريد؟
لم يجبها، لا يملك إجابة أساساً، فقط صمت ونظرة ثابتة لتجيب هي قائلة:
– لأن حواسك مُسخرة، كل ما فينا مُسخراً لله، الله يريدك، يناديك، يعطيك الفرصة، فقط اكتسبها، لا تكابر صقر، احذر من الكبر.
يحاول تصديقها، يحاول ضميره أن يستيقظ من غيبوبته، لتعود نفسه وتبيد ذلك الصوت الداخلي وهو يقول بتكبر:
– إن كان يريدني لانتشلني منذ زمن، لو كان يناديني لفعلها وخلصني، هو (جل علاه) من وضعني هناك، هو (جل علاه) من اختار لي هذا العالم، لا تحاولي.
شعرت بوخزة في قلبها، تخشى الاستسلام، عليها بذل مجهودٍ أكبر، لتحاول بكل ما تعلمته طوال حياتها، لتتلألأ رماديتها بالدموع وتتخلى عن هدوئها قائلة بحدة:
– إذاً ابتعد عني، لا تسحبني معك لظلامك، هو (جل علاه) يريدنى، هو (جل علاه) أرسل لي إشاراتٍ عدة، هو (جل علاه) يشرح قلبي له، ووجدتُ في كتابه ما كنت أبحث عنه دوماً، أتركني أعود إليه وابتعد.
لااا، لا يقدر على ذلك، لا يستطيع تركها، لن يتخلى عنها أبداً. أصبح مشتتاً، الآن تهاجمه أفكاره، هو يريدها معه ولكن لا يريد لها الجحيم مثله.
لتنظر له بغضب وتضغط على حيرته التي تلاحظها ثم تقول وهي تضغط بسبابها على صدره:
– أنت جبان صقر، أنت تختبئ خلف ظهري منه (جل علاه)، أنت تخشى مواجهته، تتخذني سبيلاً للشفاعة وأنا أضعف من ذلك بكثير.
قالت الأخيرة بانهيار وحزن ليشعر بالنيران تحرقه، جسده ينصهر، يعلم أنه أرهقها، يعلم أنه استهلك طاقتها، ربما هي محقة، ربما هو يختبئ خلفها منه (جل علاه)، ربما يعتبر حبها هو فعل الخير الوحيد من بين ذنوبه جميعها.
الآن باتت توقفه أمام مرآته، لتضعف نفسه ويعاود ضميره في المقاومة، هو خائفٌ منه، هو يخشاه.
تساءل بحيرة:
– لمَ لا توفري طاقتكِ وطاقتي وتتقبليني كما أنا،، لأظل أنا في ظلامي ولتكوني أنتِ في طاعتكِ، لن أعترض، فقد تقبليني كما أنا وأتركيني كما أنا، لمَ تحاولين تغييري؟
صرخت لتوقظه وكأنها هي من تحارب تلك النفس الخبيثة التي تسكنه قائلة:
– لأنى أحبك، أحبك أكثر من حبك لي، أحبك ولا أتمنى حاضراً ولا مستقبلاً سواك، أريدك معي في الخير وفي الموت وبعد الموت وفي الخلود.
لتتابع بنبرة أقوى وهي تستهلك كامل طاقتها:
– لأنني أحبه، أحبه وأسعى لرضاه، وهو أمرنى أن آخذ بيدك وأساعدك، هو أعطاني قوةً كي أسحبك معي، هو زودنى بالتغلب على صدمتي فيما رأيته وما علمته كي آخذك إليه، صدقني صقر هو يريدك، فقط أحيي ذلك القلب الميت واسمع صوته، أرجووووك حاول، إن لم يكن من أجلي فمن أجلك أنت، فقط حرر صوتك الداخلي واسمعه، لن تخسر شيئاً، الخسارة الفادحة في تخليه عنك، هو للآن يتولاك برحمته، لا تجعله ينساااااك (يخرجك من رحمته)، حينها سيكون الندم لا قيمة له.
ينظر لها بحزن، يريد أن يريحها، معاناتها تعذبه، انكسارها يوخزه، ورجائها يجبره على القبول، ليتحدث بعد صمتٍ طال.
– حسناً كفى، اهدأي، لأعطيكي مقابل هذا الحب هدنة، لأنفذ لكِ ما تريدين.
عاد الأمل ينعشها وهى تنظر له بعيون الفرحة لتسرع تتناول المصحف المترجم ثم عادت إليه وناولته إياه قائلة:
– هذا هو، فقط إبدأ في قرائته، وإن وقف عليك شيئاً سأحاول تفسيره لك بعلمي المحدود، حسناً يا حبيبي؟
قالتها كأنها تحدث طفلها العنيد ليبتسم عليها وهو يتناول منها المصحف قائلاً بسخرية:
– أشعر أنى إن لم أفعل ستعاقبيني.
هزت رأسها تردف بثبات وإرهاق:
– لاا لن أعاقبك، سأعاقب نفسي التي عادت تثق بك مجدداً.
استطاعت إقناعه ونجحت في الحصول على طاعته، ثقتها به مجدداً كانت بالنسبة له ضرباً من ضروب المستحيل.
تعمق في عينيها ثم قال قبل أن يغادر:
– أنهي طعامكِ، أشعر أنني شخصاً سيئاً للغاية كلما لاحظت ذبول ملامحكِ.
تركها وغادر الغرفة لتتنفس بعمق وراحة وتلتفت تنظر للطعام ثم قررت تناول القليل حتى يطمئن.
تابعها وهي تأكل، ليعود للخلف فارداً ظهره يفكر، جاءت عينه على هذا المصحف الذي وضعه على الطاولة أمامه، ينظر له بعينين متعجبتين ليبعدهما عنه ويزفر بقوة ثم وقف بعدها يتجه إلى الحمام، هو بحاجة لأخذ حماماً بارداً بعد هذا الجهد والصراع الذي يراوده.
ليمر عدة ساعات وهو حائراً بين مراقبتها والنظر للمصحف والخروج لرؤية البحر.
مساءاً يجلس شارداً إلى الآن لم يفتحه حتى، ينظر له بين الفنية والأخرى كأنه يخشاه.
زفر يفكر، لقد أعطاها وعداً، لذا هو مجبراً على قراءته، مد يده يتناوله ليبدأ بفتحه وقراءته بثقل فقط لأنه وعدها.
في القاهرة في شقة سامح
وبعد أن عاد من عمله واطمئن على عفاف التي باتت دوماً هادئة وحزينة تشعر بالذنب مهما حاول التخفيف عنها.
دلف شقته ينادي على صغيرته التي أتت راكضة تستقبله.
انحنى يلتقطها ويعانقها بحنو ثم ارتفع يعتدل وهو يحملها ويقبلها ثم ناولها الحلوى الخاصة بها وأنزلها بعد ذلك.
طوال يومه يفكر في أمرٍ ما وصعد كي يستشير زوجته التي من المؤكد ستسعد من هذا الأمر.
أتت زينب من الداخل تبتسم في وجههُ مردفة بملامح مرهقة نسبةً لشهور الحمل الأولى:
– حمدالله على السلامة يا حبيبي.
نظر لها بعمق، يعلم أنها تمر بأيامٍ مجهدة ويقدر ذلك جيداً، يكفي ما عاشته عند غياب ريما، زفر وتحدث بحب:
– الله يسلمك يا زينب، لسة تعبانة بردو؟
ابتسمت له قائلة بنبرة هادئة مطمئنة كي تريحه:
– لا تمام متقلقش، احضرلك العشا؟
هز رأسه ثم تحدث وهو يخطو إلى الحمام:
– لاء متتعبيش نفسك، أنا هدخل أغسل واجي اتكلم معاكي في موضوع مهم عايز آخد رأيك فيه.
بعد عدة دقائق جلس سامح وجاورته زينب في صالة منزلهم على بعد مناسبٍ من ريما التي كانت تتابع الكرتون عبر التلفاز.
تحدث سامح بعد أن انتبهت له زينب قائلاً بترقب:
– بقالي يومين بفكر يا زينب، من وقت اللي حصل معانا وأنا حاسس إن دي إشارة أصلح أخطائي، أنا كنت سايب اللي حصل زمان يتحكم فيا علشان كدة كنت دايماً مخنوق وكاره أي حاجة من ريحة أبويا اللي رمانا وظلمنا، بس إنتِ كان معاكِ حق، صقر مالوش ذنب في ظلم ناصر الجارحي لينا، صقر ضحية زيه زينا، أنا حكمت عليه بسبب كرهي لناصر بس نسيت إن هو عاش حياته من غيره زيي، هو اه كانت ظروفه المادية أحسن مني مليون مرة بس الفلوس عمرها ما تعوض الإنسان عن سند حقيقي يقف في ظهره ويحميه ويقويه ويعينه على الأيام، الفلوس عمرها ما هتشتري أخ ولا حد يحبك من قلبه.
سحب نفساً ثم زفره يتابع بصدرٍ مشروح:
– اللي حصل مع ريما عرفني قيمة الأخ والسند، يمكن جه الوقت اللي أصلح علاقتي بأخويا الصغير يا زينب، أنا عايز أشوفه واتكلم معاه، عايز أعرف هو فعلاً زي ما نهى قالت عنه وإنها بتحس إنه دايماً مهموم وزعلان ولا نهى بتبالغ زي عادتها، المهم إني عايز أتعرف عليه وننسى الماضي الملعون ده.
استمعت له والسعادة تغمرها، حديثه أطفأ نيران قلقها، ربما ما حدث لهم يعد اختباراً عظيماً وابتلاءً قوياً ولكنه أثمر عن ذلك بالعفو عن أخيه بعدما ظنت أنه مستحيلاً.
لذا تحدثت مؤيدة بحماس:
– أنا معاك طبعاً وموافقة جداً على كلامك يا سامح، كلم نهى وهي تكلم صقر أخوك وتتقابلوا.
زفر بعمق يومئ لها مبتسماً ثم مد يده يسحبها إليه ويعانق رأسها بحنو ثم طبع قبلة على جبينها وتحدث بنبرة مريحة:
– ربنا يخليكوا ليا.
فجراً توقف عن القراءة بعد أن سحبته الآيات سحباً كأن بها قوة مغناطيسية عالية.
آية استوقفته يريد تفسيرها، لقد استوقفته آيات عدة ولكن تلك تتكرر بصيغة مختلفة عن غيرها.
ليقرر سؤالها بطريقة غير مباشرة بعدما رآها تصلي، تحرك يتجه إليها، كانت قد انتهت لتوها ووقفت تنظر له بترقب. زفر لا يريد أن يظهر عليه أي اهتمام.
فهمت شخصيته التى يغلفها التكبر لذلك قالت بهدوء:
– هل جئت لتمنعني عن الصلاة؟
استطاعت أن تنشئ حديثاً ليتجه يجلس على المقعد أمامها قائلاً بثبات:
– قلت لكِ لن أفعل ذلك،، تستطعين التعبد وقتما تشائين، هذا لن يؤرقني في شئ.
ابتسمت واتجهت تجلس على الفراش لتقابله قائلة:
– هذا لطفاً منك، هل قرأت الكتاب؟
هذا ما كان يريده، أن تسأله هي وقد حققت ما أراد ليقول بتعالي:
– القليل فقط، هناك آيات تتحدث عن القتال وملك اليمين وغيرها من الأمور التى كنت أعلمها مسبقاً.
زفرت قائلة بهدوء ويقين تام:
– أنت بحثت في ٣٪ منه فقط، أو ربما هذا ما سمعته من كارهي الإسلام، وهذه النسبة وضعت بشروطٍ معينة أنا لا أفقه تفسيرها، ولكني على يقين تام أنها وضعت لتصلح أموراً أفسدها البشر، أولم تقرأ آيات التوبة؟ والعقاب؟ والتوعد للظالمين؟
نعم قرأها واستوقفته وجاء ليفسرها ولكنه يكابر، لا يحب أبداً أن يظهر في ثوب باحث علم، دوماً ارتدى ثوب العالِم.
تحدث بترقب ليخفي تساؤلاته:
– حسناً وما هو تفسير آيات التوبة؟ مثلا في سورة البقرة يقول (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وسورة آل عمران يقول (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وغيرها بصيغة مختلفة، هل هذا يعنى أن للشيطان توبة؟
سعادة توغلتها من سؤاله وتلاوته للآيات التى وجدته حفظها وألقاها دون أن يدري، وهذا إن دل على شيء فأنه يدل على إهتمامه بها.
هزت رأسها تردف بقناعة:
– لااا، الشيطان تكبر، لا توبة للمتكبرين، هؤلاء الذين يفعلون دوماً الفواحش والظلم ثم يتكبرون وينكرون أخطائهم، هؤلاء لا توبة لهم، إلا إذا تخلوا عن تكبرهم، أولم تعلم أن التكبر والعصيان هما من أوديا بنا إلى هنا وإلا كنا من سكان الجنة؟ التكبر هو الذنب الأعظم يا صقر.
شعر بالخوف وارتعش جسده مجدداً، هو من أولئك المتكبرين، هو دوماً يعاند.
تابعت بحب لتطمئنه:
– أراكِ تمدحين نفسكِ يا زوجتي الجميلة، ألا يوجد في ذلك نوعاً من التكبر؟
هزت رأسها تردف بثبات:
– لا أتحدث عني تحديداً، أتحدث عن تدبيره في جمعنا، عالمنا مختلفاً برغم أننا جمعتنا مدينة وحيدة، ومن المؤكد لهذا اللقاء حكمة، وأراها تحدث الآن.
وقف بعدها يومئ قائلاً لينهي هذا النقاش:
– حسناً، تصبحين على خير.
تحدثت متسائلة قبل أن يغادر:
– هل يمكننا العودة؟ لا داعي لنظل هنا.
تحدث بثبات دون النظر إليها:
– بعد أن انتهى من قراءة هذا الكتاب سنغادر.
غادر وتركها تشعر بالراحة ولو قليلاً، ما زال الطريق طويلاً أمامها ولكن مجيئه الآن وسؤاله يعد إنجازاً عظيماً.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اية العربي
نحتاجُ لـِ من يبعثُ السلام بـِ أرواحنا وَ نحن بـِ ذروةِ الشدة!
نحتاجُ لـِ من يُزيح عنا ضباب هلوســــات التفكير لـِ تُبصر عقولنــــا أكثر!
نحتاجُ لـِ من يرسم لنـــــا الحيــــــاة بـِ ألوانٍ هادئةٍ وَ يُبشرنـا أن الحيــــــاة ليست بـِ كل تلك القسوة!
نحتاجُ لـِ من يسمعنا بـِ قلبهِ ثم يعودُ غريباً كما كان!
نحتاجُ لـِ من يساندنا وَ يدعمنا ولو بـِ كلمةٍ!
نحتاجُ لـِ من يشعر بـِ همس أحزاننــــا بين ضجيج ضحكاتنا العالية!
نحتاجُ لـِ من يحطم جدار وحدتنـــا لـِ يشعرنا أن هناك من يهتم لـِ أمرنــا حتى ولو لم يفعل شيئاً!
فَـ قد نحتاجُ لـِ الحبِّ مرة واحدة..
لكنّنا نحتاجُ لـِ الأمان وَ الطمأنينة آلاف المرآآآت.
مر يومان على نفس وتيرة الأحداث.
كان يقرأ ويدوّن الآيات التي تستوقفه ليتجه فجراً إليها يتناقشان بها، ليَتأكد أن هذا الكتاب ليس هيناً أبداً كما كان يعتقد.
رن هاتفه ليأخذه من قراءته، ليجد أنه رقم رجلٍ من رجاله.
فتح الخط يجيب بثبات:
– ماذا هناك؟
تحدث الرجل باحترام:
– هذا الرجل يريد رؤيتك سيد صقر.
زفر بصمت لثوانٍ، المقصود بهذا الحديث هو عمر، لذا قال بثبات:
– ليس الآن، فقط احرص على أن يكون بصحة جيدة.
أغلق معه ثم زفر مطولاً يعاود النظر للمصحف، أين كان هو من كل تلك الأمور؟، كيف قرأ كتب لا تُعد ولا تُحصى ولم يفكر مرة في قراءة هذا الكتاب السماوي؟
لف نظره ليراها عبر الكاميرا تصلي الفجر، كم كانت جميلة في هذا الزي، بدت ناعمة بريئة وشفافة.
ظل يتابعها إلى أن انتهت ليقف متجهاً إليها كي يبدأ جولة مناظرة بات يحبها وينتظرها ويقتنع قلبه بها شيئاً فشيئاً.
ظهراً.
دلف إليها ليجدها نائمة، ما زالت نائمة.
التفت نحوها ليتفحص ملامحها، ظل ثابتاً لبضع دقائق يتأملها ثم ناداها:
– ناردين.
فتحت عينيها ببطء لتدرك وجوده أمامها، رفعت نظرها له بصمت فتابع بثبات ونبرة هادئة تغلفها الحزن جديدة عليه:
– هيا رافقيني.
تعجبت متسائلة بنعاس وهى تنسحب بجسدها للأعلى:
– إلى أين؟
وضع يديه في جيبيّ سرواله يردف بهدوء:
– للخارج، لدي ما أخبركِ به.
اعتدلت تجلس قائلة وهي تجمع خصلاتها في اتجاهٍ واحد:
– انتظرني في الخارج حتى أبدل ثيابي.
زفر بضيق، تظن أنها قادرة على إعطاء أوامر له، لو أراد امتلاكها الآن لفعل، ولكنه يريد حقاً امتلاكها فلمَ لا يفعل؟، ربما لأنه عندما يبدأ معها جولة عشقٍ يريدها متبادلة، يريد رؤية سعادتها ومتعتها ليشعر باللذة، لذا فهو يتحامل على نفسه لعلمه أنها الآن لن تكن متبادلة برغم قدرته على تخدير حواسها ولكن ستبقى روحها مستنفرة.
تحدث بثقة قبل أن يتجه خارجاً:
– سأغادر لأني أريد ذلك، لا تملي علي أوامركِ.
لم تجبه بل زفرت مطولاً وتركها تترجل من الفراش ثم توجهت إلى الحمام تغسل وتعود.
بعد وقتٍ تحركت لأول مرة خارج تلك الغرفة تنظر حولها إلى المكان، نظرت لتلك الأريكة المنكمش فراشها فعلمت أنه ينام عليها.
نظرت لحاسوبه وبقايا طعامه ثم عادت تنظر له وهو يواليها ظهره ويتحدث عبر هاتفه بجمود.
شردت في هيأته وعضلات ظهره ووقفته الثابتة ويده الموضوعة في جيبه والأخرى الممسكة بالهاتف، تعشق كل تفاصيله وتحب روحه المشتتة تلك لذا فهي معه إلى الآن ولن تكل ولن تمل إلا بتنقيته.
لف لها بعدما أنهى اتصاله يردف بهدوء بعدما أدرك تأملها به الذي أنعش داخله:
– هيا بنا.
تحركت خلفه ولكنه توقف قبل أن يفتح الباب يمد يده إليها قاصداً احتضان كفها.
ترددت قليلاً قبل أن تناوله يدها ليحتضنها بين منحنى ذراعه ويتجهان إلى الخارج كحبيبين في رحلةٍ رومانسية.
تحركا قدماً حتى وصلا إلى المياة، نظرت حول المكان تتفحصه، حتى أنها لا تميز إن كانت داخل مصر أو خارجها، لا شيء يدل على هوية، صحراء وسماء ومياة فقط وهذا المنزل الوحيد، حتى وإن فكرت في الهرب فستكون خطة فاشلة.
وكأنه قرأ أفكارها فقال بثقة وهما يسيران على رمال الشاطيء:
– لا تفكري، لا خلاص لكِ مني.
زفرت تنظر إلى المياة بعمق ثم تحدثت بنبرة مؤثرة:
– ليت الخلاص خلاص البعاد، حتى في البعاد تهاجمك الأفكار ويأسرك الحنين لمن آذاك، حتى وإن خلصتُ نفسي منك فلن أشفى، أنت صنعتَ لي أجنحة وعرفتني طريق السماء لأحلق، ثم قصصت أجنحتي فجأة فوقعت أرضاً أنزف، هدوئي هذا لا يعني أنني نسيت أو رضيت، ولكن إن لم أتعايش مع ما رأيته فالموت أهون لي حينها، إما المواجهة والتحامل أو الخلاص، ما زلت لا تعرفني جيداً، وأنا كنت لا أعرفك.
زفرت مطولاً لتتذكر سرداً كانت قد قرأته في إحدى القصص التي تقرأها فتابعت بتأثر:
– خُضتُ من أجلك ألف معركة وقتلتني أنت، فكم كانت البدايات جميلة.
– لنتعرف إذاً، إن كانت البدايات وحدها جميلة فدعينا لا ننتهي أبداً، دعينا نبدأ ثم ننسى أننا بدأنا فنعيد البداية وننسى إلى اللانهاية.
قال هذا رداً عليها، فقد قرأ نفس القصة واستوقفته نفس الكلمات ليرد بنفس رد بطل تلك القصة.
لفت تقابله وتتعمق في عينيه الصافية صفاءاً يعكس نقائها، لتردف متسائلة بترقب:
– هل اتخذتَ قرارك؟
انحنى ليجلس أرضاً يضم ساقيه لصدره ويشبك ذراعيه حولهما، زفرت وجلست تجاوره وهو ينظر إلى الأفقِ قائلاً بشرود للبعيد كأنه يرى شريط حياته يمر أمامه:
– كُنت طفلاً طبيعياً جداً، كنت أحظى بالحب والاهتمام من أمي وأحياناً أبي، كُنت سعيداً بمَ أنا فيه وكم شعرتُ أني محظوظٌ بهما، إلى أن قررنا السفر إلى إيطاليا لرؤية جدي الذي يحتضر، تلك كانت النقطة الفاصلة لكل شيء.
لم أكن أعلم أنني سأواجه تلك الحياة دون أبي الذي قُتل على يد رجال المافيا لأنه قرر أن يبتعد عن عالمهم، لم أكد أستوعب صدمة وفاة والدي حتى أصيبت والدتي بالشلل، وبات مصيري كله في يدِ ميشيل.
عائلة موراكو جميعها اتفقوا على أنني سأكون الراعي الرسمي لأعمالهم الإجرامية، سألعب دوراً هاماً في حياتهم، لذا فكنت أنا المميز بينهم، لم يبخلوا عليا بشيء، ولا بأي شيء، كانوا يسفقون لي عند الخطأ ويعاقبونني إذا فعلتَ الصواب وأنا كنت صغيراً ولم أجد سبيلاً للخلاصِ.
أدخلوني أعرق المدارس وأثراها، لأتعلم فيها كل ما يمكن أن يتخيله العقل من مهارات عقلية وجسدية قاسية، وبدأ هو في زرع سمومه داخل عقلي، مرة بعد مرة وهو يبعدني عن طبيعتي حتى نزع من قلبي اللين وألبسني ثوب القسوة الذي فضلته كي أكون قوياً حيث وجدت فيه الخضوع ممن حولي.
كان يشير لي على من يعترض طريقه ويخالفه لأركض وأقتله في الحال وأعود فأرى رد فعلهم المميز جزاء ما فعلت، كنتُ بدأت أصدق أننا الصواب والكل خطأ.
سحب نفساً طويلاً ثم زفره وكأن روحه تخرج معه حينما تابع:
– ليتركني فجأة النور الوحيد الذي كان يؤنس ظلمتي، جاءت وفاة أمي لتقضي على أي أمل في عودتى، جاءت مثل الصاعقة التي حولت الوحش إلى شيطان، لأنسى بعدها إنسانيتي، تجردتُ من كل المشاعر، فقد ماتت من كانت تحييها بداخلي، لذا نزعتها وارتديتُ القسوة للأبد، تدثرت بالقوة والجبروت، لأصبح أنا المثالي لديهم، وليتباهوا بي وسط حلفائهم، وليصل اسمي إلى قلوب أعدائهم يفزعها، جعلوني رجل المهام الصعبة ليزيد تكبري ويقسو فؤادي، أقتل قتلة وأمزق خونة وأحرق الشياطين بنيرانهم، لأكون الورقة الرابحة في يد ميشيل والعائلة جميعها.
زفر مطولاً يتابع بعيون مثبتة على الأفق ولكن نبرة صوته تكاد تبكي الحجر:
– أردتُ دوماً يداً يمكنها انتشالي، يداً يمكنها سحبي، تمنيت أن تعود والدتي، وليت الأماني تتحقق، دعوت الله قبل وفاتها أن يتركها معي، طلبت منه ذلك ولكنه أخذها، لذا اقتنعت أنه يريدني شيطاناً، ليؤكد لي ميشيل أن جميعهم شياطين، وأن الأرض خُلقت لهم، وأن البقاء للأقوى وللأكثر شراً، أثبت لي أن المسلمين إرهابيون وقتلة، ورأيتُ بعيني داعش وهي تفعل كما نفعل، كل شيء كان مظلماً، كل شيء ساعدني لأتوحش.
لف نظره لها آخيراً ليقول بنظراتٍ مبهمة مثبتة عليها وهي كذلك وأشد حيث كانت دموعها متلألأة في مقلتيها وروحها تتمزق حزناً عليه:
– لتأتي أنتِ ذلك اليوم وأجد أن حولكِ طاقة تجذبني إليكِ، وكأني رأيتُ فيكِ والدتي، طريقتكِ مع شقيقتكِ وخوفكِ عليها من هذا الوسط ذكرني بخوفها علي من عائلتها، لذا فعزمت على أن أسحبكِ إلي، خططتُ لأحصل عليكِ وقد كان، ولن أندم يوماً على هذا وإن عاد بي الزمن سأفعلها مجدداً وأخطط بكل الوسائل كي أحصل عليكِ، أنتِ كنتِ الشيء الوحيد الجيد الذي أخترته في حياتي.
سقطت دموعها أمامه فأسرع يلف وجههُ مجدداً وينظر للأفقِ حتى لا يظهر تأثره بها وهو يكمل:
– لقد قرأتُ عدة سوراً من القرآن، استوقفتني آيات المغفرة والتوبة، أشعر بالندم لأنني أخذتُ الإسلام من ميشيل بدلاً عن هذا الكتاب، لربما كان هناك أموراً كثيرة تبدلت، سأكمل اليوم قراءته، وسأخبركِ بقراري غداً.
نظرت له بأمل، دموعها حتى لو كانت تسقط ألماً عليه فهي تشعر بأنه يتعافى، لديه النية لذلك وعليها أن تعينه، لتأخذ بيده إذاً، ما مر به ليس هيناً أبداً، ما رآه من المؤكد ترك داخله ندوباً عليها أن تداويها.
ولكنه قال أمراً ما ربما عادياً بالنسبة له ولكن بالنسبة لها مفزعاً، تساءلت بريبة وخوف:
– قُلت أن والدك أراد الابتعاد عن طريق المافيا لذا قتلوه، هل تقصد أن من ينوى التوبة يقتل في قانونهم؟
كانت تعلم بعض قوانينهم ولكن تأملت أن يكون هناك استثناء لأنه من العائلة، ربما هناك حلاً.
أما هو فابتسم بألم ينظر لها متسائلاً:
– هل تشعرين بالقلق من أجلي؟، أنا لا أهتم بحياتي، هي بالنسبة لي كلفافة تبغٍ يمكنني سحقها في أي وقت.
وخزها قلبها ونظرت له تردف بحزنٍ وخوفٍ شديد:
– إذا ماذا أعني لك أنا؟، بما أنك رجل المهام الصعبة فلمَ تستسلم؟، ألن تحارب من أجلنا؟، ألن يحن الوقت لنمضي قدماً سوياً دون خوفٍ؟، إن كانت حياتك بالنسبة لك كلفافةِ تبغٍ فهي بالنسبة لي الأمان، جد طريقة لتبتعد دون أن يصيبك مكروه، واعلم من الآن وصاعدا أن ما يصيبك شطراً سيصيبني أضعافاً.
تعمق في عينيها، رفرفات تنشط قلبه، تعلن أنها تدعمه، تؤكد له أنها لن تتركه وأن وجوده بالنسبة لها يعني الأمان، إذاً عادت تثق به، عادت تتخذه مأمن لها، ليحارب إذاً من أجلها، ليحاول من أجلهما.
زفر بقوة وراحة لم يجربها قط، أسقط من على عاتقه حملاً ثقيلاً ببوحه لمَ مر به، وقف على قدميه يطالعها بصمت لثوانٍ ثم تحدث بهدوء:
– عمر لم يمت.
تحرك يخطو ويواليها ظهره لتنظر لأثره بذهول، لم يمت، لم يقتله إذاً، كانت تشعر، حقاً كانت تشعر، لتتنفس براحة وتنظر إلى المياه بأمل.
التفت لها يردف بثبات:
– يكفي تأملاً، هيا لنعود.
استندت تقف بعدها وتتجه له ليعودا إلى المنزل، دلفت تلك الغرفة وتوجهت لتتوضأ وتصلي فرضها بينما هو ظل خارجاً يجري عدة اتصالات.
عند ميشيل الذي طال انتظاره لخبر قتلها ولم يأتِ.
لقد كان على يقين أن صقر لن يتساهل مع الخائن، لقد كان على يقين من تصفيته لليونيل وتلك المرأة التي تشكل خطراً عليه، هو خطط ونظم وأرسل لها ذاك المقطع كي تثور، كي تغضب، كي تخطئ ليعاقبها هو بنفسه، لينهيها بيده.
ولكن ما يحدث الآن يثبت له أن هناك صقراً جديداً يولد او ربما يعود، صقراً لم يراه من قبل، صقراً عاشقاً يخشاه، فعند اتحاد القوة والعشق معاً يجب على المذنب أن يختبيء.
رن هاتفه فأجاب بجمود وثبات متسائلاً:
– هل عرفت مكانهما؟
تحدث ليون قائلاً:
– أبذل قصارى جهدي سيد ميشيل، كنت أظن أنه سيجلبها هنا ولكن من بحوزتنا هو من ساعدها على الهرب فقط، لقد أخبرنا أنه يريده حياً، ولكن هي معه ولا أحد يعلم مكانهما.
تحدث بخبث شيطاني يردف بهدوء:
– ولكنك ستعلم ليون، ها هو صقر لم يصل إليك ولم يقتلك كما كنت تظن، وهذا يعني أن مكانتك ارتفعت عندي، أنت ربحت يا ليون، لذا لننتقل إلى التحدي الثاني وهو الأصعب، جد لي مكانهما، ودعني أساعدك، يمكنك اختراق هاتف ماركو، من المؤكد هو يعلم مكانهما، أو ربما كان لك صديقاً يحرسهم؟
في شقة عفاف.
يجلس سامح معها حيث نوى إخبارها بمَ يود فعله.
تجلس مترقبة السمع ولكن ملامحها باتت هادئة يشوبها الحزن منذ ما حدث مع ريما الصغيرة، تشعر بالذنب يكاد يلتهمها، خاصةً وهي تشعر جيداً بخوف سامح وزينب الملحوظ.
زفر سامح ثم تحدث بهدوء:
– أنا نويت أقابل صقر يا حجّة واتكلم معاه، بقول ننسى الماضي وكفاية أوي اللي راح من العمر، مبقاش فيه أد اللي فات فيبقى نصفي النفوس لإن الدنيا متستاهلش.
كان يعتقد أنها ستعترض وتثور ولكنه تفاجأ حين أدمعت عينيها وأردفت مؤيدة:
– كنت هتكلم معاك في الموضوع ده يا سامح، معاك حق في كل اللي قلته، الدنيا متستاهلش إن حد يعادي أخوه بسببها، روح له يا حبيبي واتكلم معاه وافتحوا صفحة جديدة، أتمنى إن هو كمان يكون ده إحساسه وقلبه يحن لك وميبقاش قاسي زي قلب ناصر.
قالتها متألمة بنبرة يشوبها الحنين برغم الوجع لتزفر مجدداً وتكمل بعيون ملتمعة:
– أنا مش مرتاحة يا سامح، قلبي واجعني يابني، حاسة بالذنب من ساعة اللي حصل وانت ومراتك بتحاولوا تتعاملوا معايا عادي بس أنا عارفة إنكوا موجوعين وخايفين على ريما مني، ريما اللي هي أعز عندي منك، بنتك دي حتة من روحي واللي حصل مهما قلت فهو غلطتي ومش هسامح نفسي عليها، بس مش عارفة أعمل إيه، أنا مبقتش عارفة أحضنها ولا أبص في عينيها وحاسة إنها بدأت تكرهني.
زاد بكائها فأسرع سامح يهدهدها قائلاً بحنو بعدما لاحظ ألمها:
– أنا عارف يامّا ومتأكد إنك بتحبي بنتي وبتخافي عليها أوي وان اللي حصل ده حصل غصب عنك، متحمليش نفسك الذنب اكتر من كدة هو بس الموضوع مأثر عليا وعلى زينب لإن اللي الضابط قاله عن اللي كان ممكن يحصل مبيروحش من دماغنا، ومهما شكرت ربنا قليل، الحمد لله إنه ردهالنا سالمة وعدت على خير.
أومأت تتحشرج وهي تقول متسائلة:
– يعني بنتك مش هتكرهني يا سامح؟
ابتسم عليها وتحدث بحنو:
– تكرهك إيه بس يا حجّة دي زينب بتسرحها الصبح قالتلها أنا هنزل لتيتا بتسرحني أحلا.
انشرح فؤادها وقالت مؤيدة بعدما أنساها حديث سامح حزنها:
– أيوة أنا بسرحها أحلا من مراتك.
نظر لها يبتسم ويومئ ثم توقف يودعها قائلاً:
– هنزل أنا بقى الورشة، وإنتِ إبقي رني على نهى وقوللها تكلم صقر وتعرفه إني عايز أقابله.
أومأت له تردف بالقليل من الراحة بعد حديثها معه:
– حاضر يا حبيبي، هكلمها وأشوف هتقول إيه.
فجراً.
وبعد أن ختم قراءة القرآن، دلف عليها تلك الغرفة حيث كانت تؤدي صلاتها بخشوع، كانت تكاد تنتهي منها.
وقف ينتظرها إلا أن سلمت وظلت كما هي تستغفر سراً.
خطى باتجاهها حتى وصل إليها ثم جلس أرضاً يجاورها فتعجبت لقد اعتادت أن يجلس على المقعد.
تعمق في عينيها قليلاً ثم انسحب بجسده للأسفل حيث تمدد أرضاً يضع رأسه بين قدميها وجسده ممتداً أمامها لتُصدم من فعلته.
أصبح مثل طفلاً حزيناً لجأ إلى حضن أمه كي تزيح حزنه وتنزع آلامه، ظلت ثابتة ومصدومة من فعلته حتى قطع الصمت بحديثه قائلاً بنبرة تحمل الآلام والندمٌ الحارق:
– أخرجيني من هذه الظُلمة،، لتسقط المكابرة، لم أعد أحتمل، روحي يمزقها هذا الصوت داخلي، أنا أسوَد وظالم وقاتل وقاسي، أنا أناني، أردتُ أن أسحبكِ معي لعالمي، أردت أن أدنس بياضكِ وأقتل براءتكِ وأستغل مشاعركِ، أردت أن أحبكِ بطريقتي، وخططتُ لذلك، ولكنني أتألم، أشعر أن صوت ضميري يكاد يمزق خلايا عقلي ويفجر هذا الأيسر، ضميري الذي لطالما سحقته وكتمت صوته، الآن أصبح وحشاً قاسياً ويهاجمني بقوة.
تنفس مطولاً ثم زفر بقوة عله يريح ويخفف من ضيق صدره ثم تابع بنفس النبرة بل أكثر ألماً:
– انتشليني من نفسي، أنتِ الوحيدة التي تستطيع مساعدتي، إن كان يهمكِ أمري فافعليها، سأحاول من أجلكِ فقط، ساعديني ناردين.
شعرت بسائل دافئ يبلل ثوبها عند رأسه فأدركت أنه يبكي، ولمَ لا وهي أيضاً تنهمر دموعها، ولكن دموعها كانت فرحةً بعودته، كلماته ونبرة صوته ووضعية جلوسه تفطر القلب بل تشطره نصفين، إنه مذنب يريد التوبة.
كانت سابقاً تظن أنها تستطيع مساعدته، ظنت أمره هين وأنه مجرد شخصاً تخلى عن الالتزام، ولكن الآن عليها الاستعانة بأشخاصٍ مختصين، هي طاقتها وعلمها أضعف من أن تأخذه لطريق الالتزام، ستساعده وستحاول بكل ما أوتيت من قوة، لن تتركه حتى ولو كان نهاية هذا الطريق الموت.
لم يكن منها إلا أن تملس على شعره بمنتهى الحنان لتعطيه مفتاح الراحة وتؤكد له أنها لن تتركه دون حديث ليطلق العنان لعينيه بفرز المزيد من دموع الندم، الآن فقط أصبح في مأمن.
في صباح اليوم التالى.
عائدان بسيارته إلى مدينتهما وخلفهما سيارة حارساه، شتان بين الذهاب والإياب.
هي تنظر من النافذة بشرود، الوضع أصبح معقداً، واللون الوردي نُزع من حياتها، وكل شيءٍ مهدداً، ومع ذلك فهي لن تتركه، سيصلحا سوياً كل شيء، يكفي أنه يريد ذلك.
أما هو فيقود بصمتٍ تام، هدوء ملامحه تعكس صراع أفكاره، هناك بعض الآيات ما زالت عالقة في ذهنه يرددها عقله عليه، عليه التركيز وحساب كل الخطوات، عليه أولاً وأخيراً حمايتها، يعلم أن القادم أصعب وكلما كان طريق العودة آمن كلما زادت التكلفة.
لف عينيه ووجه مثبت ليراها شاردة كحاله، بكاؤه الأول كان عندها، حنينه الأول كان لها، ضعفه الأول كان معها، نبضة عشقه الأولي كانت من نصيبها، هي أتت لتصنع معه أموراً لم يجربها قط، أتت لتصنع منه شخصاً جديداً.
تحدث وأنظاره على الطريق قائلاً بهدوء:
– هل تشعرين بالجوع؟
انتبهت له لتلف وجهها للأمام وتنظف حلقها قائلة:
– أنا بخير، دعنا لا نتوقف.
هز رأسه يردف بغموض ومغزى:
– لاا، دعينا نتوقف عند كل استراحة، دعينا لا نصل الآن، فليكن بيننا أطول وقتاً ممكناً قبل العودة، العودة مزدحمة ومليئة بالعقد التي يتوجب عليّ حلها.
نظرت له بعمق، لتقول وهي تمد يدها متمسكة بيده تدعمه:
– نحن معاً، وهذا يكفي.
نظر بصمت وأومأ لتتابع بهدوء وهي تسحب يدها:
– حسناً، لنأخذ قهوة إذاً.
أومأ لها ليتوقف بعد قليل على جانب الطريق، يشعر بالقليل من اليأس، ويهاجمه الذنب لتلك الشحنة التي دلفت البلاد أمس، لقد تم كل شئٍ بعلمه، لم يكن باستطاعته إيقافها، لذا فليجد حلاً ذكياً يخلصه.
ترجل من سيارته ونظر خلفه ليلاحظ عدم وجود سيارة حرسه، تعجب ولكن ربما بسبب سرعته سبقهم.
خطى داخل محطة الوقود الوحيدة في هذا المكان الصحراوي ليبتاع منها القهوة والأطعمة، يقف ينتظر إنهاء القهوة ليسمع صرير إطارات سيارة سريعة قادمة من بعيد.
يحتاج فقط إلى لحظات ليربط خيوط سمعه مع عقله مع إحساسه فحتى وإن تاب سيظل صقراً متصيداً، التفت ينظر بعين الصقر خاصته ليجد نارة تجلس في السيارة لا تعي شيئاً، وسيارة سوداء تتقدم حتى أوشكت على الاقتراب.
حسناً إنها مستهدفة، إنها المقصودة، لقد تخلصوا من سيارة حرسه بعدما علموا مكانه، هو المخطيء، هو الذي لم يعاقب الخائن إلى الآن، هو الذي تركه ليزيد من عقابه ولكن نسى أن ميشيل يريد قتلها، اهتم وصب كل تركيزه معها، هو أخطأ والخطأ في قانونه مرفوض، لذا فهو غاضب بشدة وغضبه هذا لابد أن يسحقهم.
تحرك للخارج بخطوات ثابتة وسريعة ينزع سلاحه من خصره ويشهره تجاه هذا الذي يفتح نافذته السوداء ليستهدفها قائلاً وهو يصوب عليه بتركيز:
– ناردين اخفضي رأسكِ الآااااان.
لم تفهم أو تستوعب ما يحدث إلا بعد سماعها لإطلاق رصاصته التي أصابت هدفها واخترقت رأس هذا القناص في الحال وقبل لحظة من استهدافها.
ثم أسرع يستقل مكان القيادة ليبدأ في الضغط على دواسة البنزين وينطلق بها بأقصى سرعة بينما تلك السيارة التي أطلق على أحدهم بها تتبعه لتنفذ مهمتها التي أتت من أجلها.
كان يقود بيدٍ وباليد الاخرى يحمل سلاحه وكذلك يحمي رأسها المتدلي بجواره حيث انخفظت بعرض المقعد لا تستوعب ما يحدث.
بدأ يرفع سلاحه ليحاول التصويب عليهم وهو يقود في الطريق الصحراوي، كل ما يخشاه هو خسارتها ولن يسمح بذلك.
صرخ بها قائلاً بأمر:
– خدى هاتفي واطلبي ماركو في الحاااال.
ترتعش ولا تقوى على الحديث ولكن فعلت مثلما قال بيدٍ مرتعشة بعدما أملاها شفرة هاتفه السرية لتضغط بعدها على رقم ماركو الذي أجاب قائلاً بسخرية:
– أخبرني يا رجل، هل أصلحت علاقتك بزوجتك أم ما زلت لا تستطيع تقبيلها.
ليصرخ صقر بغضب قائلاً:
– سأقتلك أنت وأباك، قابلني الآن مع رجالي في الطريق الصحراوي، هناك من يستهدفنا.
أردف ماركو مسرعاً وهو بالفعل يتحرك ويتجه إلى الأسفل حيث سيارته:
– حسناً آتٍ.
السيارة تجاوره تارة ويسبقها تارة، كان يتحدث ويقود ويصوب سلاحه عليهم ويحمي زوجته المنبطحة ورأسها على ساقه، استطاع إصابة رجلاً آخر ليصبح رجلان فقط هما من يهاجماه بعد أن كانوا أربعة في تلك السيارة.
ما لبث أن شعر بالقليل من الراحة حتى وجد سيارة أخرى تظهر من طريق فرعي لتجاور شقيقتها وتهاجمه أيضاً.
لعن بغضب يحاول حلها قبل أن يتمكنوا منه إلى أن يلحقه ماركو، الطريق أمامه خالٍ إلا من شاحنة نقلٍ كبيرةٍ تسبقهم ليسرع هو قيادته حتى لحقها كي يخلف مسارهم ويصبحوا خلفه بدلاً من جواره.
استطاع خلال تلك الثواني أن يخرج سلاحاً آخراً يحتفظ به في طابلون سيارته ويناولها إياه صارخاً بقوة:
– خذي هذا، صوبيه ناحية الخلف واطلقيه دون توقف.
هزت رأسها تردف بانهيار وخوف ورعشة ودموع من هذا الحدث:
– لا أستطيع، لن أفلح.
نظر لها نظرة غضب قائلاً بقوة:
– إما تفلحي أو يقتلونا.
تناولته منه بيدٍ مرتعشة لتجد وزنه ثقيلاً على يدها وكاد يسقط، بدأت تبكي وبدأ هو يلعن ليردف وهو على استعداد للتحرك:
– بادليني القيادة الآن.
أومأت مرات عدة بذهول فالقيادة أهون من لمس السلاح لذا تحركت تلتصق به لتلتقط منه الطارة ثم نزع قدمه لتستبدلها سريعاً بقدمها التي وضعتها على مزود السرعة وانطلقت.
أما هو فحمل السلاحين وأخرج نصفه العلوي من النافذة بعد أن ابتعدت الشاحنة قليلاً ليبدأ في إطلاق الرصاصات من كلا المسدسين في اتجاههم ليصيب معظمهم في مقتل خصوصاً السائقان حتى يشتت انتباه البقية فيتسنى له قتلهم ومع ذلك لم تصبه طلقة واحدة فهم مأمورون بعدم مسه هو، فقط قتلها هي.
كانت تقود كأنها داخل إحدى أفلام الحركة والأكشن التى تعرض وتراها على قناة MBC action.
لا تصدق أنها تقود سيارة ويلاحقها سيارتان معبئتان برجال مسلحين يحاولون قتلهما هي وزوجها رجل العصابات.
لتنفجر ضاحكة بطريقة هستيرية تثبت عدم استيعابها أو تقبلها للأمر، إن لم تضحك بتلك القوة ستنهار وهذا ليس وقت الانهيار، لتظل تضحك ببكاء وتقود بسرعة عالية.
أما هو فأخيراً زفر بارتياح بعد قتل آخر فرداً منهم، لتغير إحدى السيارتين مسارها وسط الرمال بعد أن مات من بها والأخرى تتوقف مكانها بعد موت راكبيها أيضاً.
عاد لمكانه يزفر مطولاً ثم طالعها متعجباً، كانت تقود بتمايل وانحناء كأنها في إحدى ألعاب المحاكاة وليست في سيارة حقيقية، تضحك بقوة ثم تلتفت له وتعود للأمام وتقود ضاحكة.
أدرك حالتها الانهيارية وحزن لمَ آلت إليه الأمور ثم تحدث بهدوء:
– حسناً ناردين انتهى الأمر، إهدأي نحن في آمان الآن.
لتعاود النظر له ثم للسلاحين في يديه ثم التفتت تنظر للخلف لتجد الطريق خالِ، كانت حركتها يملؤها التوتر والصدمة حتى استوعبت حديثه، لتبطئ سرعتها وتتوقف على جانب الطريق ويداها قابضتان على طارة القيادة بقوة.
نظرت للأمام لثوانٍ ثم التفتت له ليدرك تشتتها، ترك الأسلحة وتحرك باتجاهها حيث ألقت بجسدها داخل جسده لتتحول ضحكاتها إلى بكاء، بكاء قوياً حاداً أحرقه وجعله يلعن كل من تسبب فيه حتى لو كان هو.
كانت تبكي على ما مر بها، كانت طوال تلك الفترة تدعي أنها صامدة وقوية ولكن أتى ذلك الحدث ليهدم حصون قوتها المزعومة، لتعلن عن قهرها وخوفها، هي لا تتمنى سوى الهدوء والسلام، وهذا ليس بالكثير، هي تحبه حقاً ولكن لم تتخيل أبداً أن يصل بها المطاف إلى هنا معه.
كان يحتويها بحنو ويهدهدها كطفلة أبيها المدللة، أردف بغضب وتوعد لحزنها قائلاً:
– اهدأي جميلتي، فكل من أبكاكِ معاقب، وأنا أولهم.
ظلت كما هي لوقتٍ غير معلوم حتى هدأت ثم أخرجت رأسها من صدره تحاول تجفيف دموعها لتردف دون النظر إليه:
– أريد النوم الآن.
أومأ لها ثم وصل ماركو إليه بسيارته ومعه رجلان.
توقف أمامه وترجل متجهاً إليهما يردف بثباث:
– كنت أعلم أنك ستقضي عليهم ولست بحاجتي، كل ما تريده هو إهدار صحتي.
التفت ينظر له بغضب ثم ترجل من السيارة والتفت يساعدها لتنزل، سحبها معه إلى سيارة ماركو بعدما أصيبت سيارته بخدوشٍ وكسر في الزجاج الخلفي والجانبي.
فتح الباب الخلفي للسيارة وأدخلها قائلاً بثبات:
– هيا استريحي، سأعود إليكِ في الحال.
تمددت على الفور لتنام منكمشة على نفسها بينما هو أغلق الباب عليها وعاد إلى ماركو الذي يقف يتابع، يمسكه من تلابيبه قائلاً بغضب وهو يهزه بعنف:
– كيف علموا مكاننا، أولم أضع لهاتفك برنامج حماية يستحيل اختراقه؟ أم أنك الغيت تفعيله؟
ادعى التفكير قليلاً ليفرغ فاهه قائلاً ببرود:
– أووو، يبدو أنني نسيت دفع الإشتراك الخاص به، لقد انشغلت مع تلك المحجبة، لا تضخم الأمر يا رجل لقد قتلتهم دون خدشاً واحداً بك،، لمَ أنت حاد هكذا، هذا جيداً لترى زوجتك نبذة عن حياتنا.
نعم هو اعتاد على تولي صقر حماية نفسه دون مساعدة أحد، دوماً كان مستهدف من رجال المافيا المنافسين ولكنه كان يقف لهم بالمرصاد بمفرده ولكن الآن الأمر يتعلق بها، بحياتها، بحمايتها، لذلك تحدث بغضب وعنف:
– ميشيل يتلاعب بك مجدداً، اخترق هاتفك أو جعل أحدهم قريب منك يخترقه، ومؤكد أنه ليونيل، وهذا بسبب غبائك.
احتدمت ملامح ماركو الذي كان كلوح ثلجٍ منذ قليل ليقول بحدة:
– لستُ غبياً، الغبي هو من ترك عقاب الخائن ليقضي وقتاً ممتعاً مع زوجته.
اشتعل صقر وثار بركان غضبه ليكور قبضته ويلكم ماركو في وجههُ بقوة مسبباً ترنحه ونزيف في أنفه ليقرر ماركو رد الضربة له ولكن استطاع صقر الإفلات منها ليغضب ماركو قائلاً بتهكم:
– حتى بعدما خرجت من مطاردة شاقة تستطيع التغلب علي؟، هل أنت رجلاً فولاذياً أم ماذا؟
تجاهله ونظر لرجلاه اللذان يتابعان ما يحدث بصمت ليقول بنبرة آمرة:
– خذا تلك السيارة وأصلحاها.
قالها وهو يشير على سيارته ثم نظر لماركو ليتابع بنفس النبرة:
– وأنت تعال معي لتقود.
تحرك يستقل الجهة الأمامية من السيارة وتحرك ماركو خلف تارة القيادة بينما تنام نارة في الخلف أو تهرب بالنوم.
التفت يطالعها بصمت ثم عاد ينظر للأمام وماركو يقود عائداً بهما إلى المنزل.
بعد وقتٍ.
توقفت سيارة ماركو أمام باب الڤيلا الداخلي التابعة لصقر.
ترجل يتجه للباب الخلفي ليفيقها بهدوء قائلاً:
– ناردين، هيا استيقظي.
استيقظت تنظر حولها لتجد نفسها في منزلها، ترجلت وهو ساعدها في ذلك، تحركا للداخل ووقف ماركو ينظر له ينتظر أن يحدثه ولكن طال انتظاره بل وتعجب عندما دلف صقر وأغلق الباب في وجههُ.
ليقف يتلفت حوله خشيةً من رؤية أحدهم له في تلك الحالة المخجلة.
استقل سيارته يغادر الڤيلا الخاصة بصقر ويتجه لڤيلته.
في غرفة صقر وبعد عدة دقائق.
خرجت نارة من حمامها ترتدي منامة قصيرة وتجفف خصلاتها بملامح باهتة حزينة، دلف صقر غرفته بعدما كان يتحدث مع أحدهم في الخارج.
نظر لها وتنفس براحة، عادت له ومعه بعد أن علمت كل شيء، لم يعد شيئاً مخبأ، هي الآن معه بإرادتها، إذاً هي حقاً تحبه.
تقدم منها فنتبهت له ثم توقف أمامها ينزع منها المنشفة التي تجفف بها شعرها قائلاً وهو يحرر خصلاتها من بعضهم بتأمل:
– اتركيهم هكذا، في كل الحالات أنتِ رائعة.
كانت في حالة لا تسمح لها بالتجاوب معه، ما زالت في صدمتها، في عدم استيعابها، لتردف بخمول وهدوء غير معتاد:
– أريد النوم صقر.
تحدث بحب وعينه تجول على ملامحها:
– ولكنكِ كنتِ نائمة طوال طريقنا جميلتي، دعينا نطلب طعاماً شهياً ثم أطعمكِ من حبي قليلاً، فأنا مشتااااق.
حقاً ليست في حالة جيدة، لن تعطيه الآن أي تجاوب، هي فقط تريد لعقلها أن يهدأ وينعم بالسكينة فهو إلى الآن يصارع ما حدث.
رفعت نظرها تطالعه قائلة بملامح متعبة:
– أعطني متسعاً من الوقت كي اتخطى ما حدث صقر، يبدو أن طاقتي قد نفذت، حقاً أنا لستُ بحالة جيدة، ما حدث معنا منذ قليل إلى الآن لا أتقبله، لذا فضلاً أعطني فرصة لأتخطى كل تلك التراكمات.
رفع كفيه يحتضن وجنتيها ويملس عليهما بإبهاميه بحب لتسقط عينيه على شفتيها الوردية، اشتعل لهيب العشق في عينيه وانحنى يطبع قبلة على شفتيها، اشتاق لمشاعرهما سوياً، هو حقاً يريدها ويريد تجربة جديدة معها بعد أن زالت الأقنعة، يقدر ما مرت به أو ربما يحاول تقديره ولكن شخصاً مثله يصعب عليه فهم ما تمر به مهما حاول.
وها هو لم تكن في نيته قبلة مطولة ولكن تناسى ما نواه ليتعمق فيها وينسحر بمذاقها، راودتها المشاعر معه ولكن حقاً لا طاقة لديها وشعر هو بذلك لذا ابتعد يزفر بقوة، يحاول التحلي بالتفهم والهدوء برغم الصعوبة في ذلك، أومأ يتحدث بملامح مقتضبة:
– حسناً، كما تشائين.
التفت على الفور يتجه إلى الحمام وتركها تتحرك نحو الفراش وتتمدد عليه لتنام متكورة وتغلق عينيها ولكن عقلها يعمل، يبدو أنها زُوّدت بالطاقة كي تحاول إقناعه بالتوبة وما إن اقتنع عادت لتعيش صدمتها في ما وصلت إليه.
خرج بعد دقائق، لم يتأخر في الداخل حيث خشى هروبها،، خشى فقدانها مجدداً، ما زال يعاني من عدم الثقة، لذا خرج مسرعاً وعندما رآها متمددة على الفراش زفر بارتياح ثم اتجه يجاورها ويتمدد خلفها.
شعرت به فظلت ثابتة تدعي النوم ولكنه كان يعلم جيداً أنها لم تنم بعد.
احتضنها يأسرها بذراعيه وساقيه ويستنشق بأنفه خصلاتها ليردف بحب:
زفرت مطولاً، وجدت نفسها تلتف إليه لتقابله بعينيها الرماديتين، تنظر له لثوانٍ ووجههما متقاربان جداً لدرجة أن أنفاسهما اتحدت، لتقول له بحب وثقة:
– أنت لا تأسرني صقر،، أنا معك بإرادتي، لو كنتُ أريد الرحيل لفعلتها، حتى ولو كان رحيلي هو العيش معك دون حياة، ولكن أنا اخترت البقاء وإعطائك فرصة، اخترت أن أحبك، وأعلم أنك تستحق ذلك، وأكدتَ لي هذا باعترافك أمس، أنت من الآن وصاعدا ستصلح ما أفسدته صقر، ستنهي تلك الأعمال وستبتعد عن هؤلاء وستعود لفطرتك السليمة، ستعالج ندوبك وسنعيش سوياً مع أطفالنا القادمين في سلام.
وهذا ما سيفعله، ربما هي تظن الأمر هين وهو يعلم جيداً أنه انتحاري ولكن سيحاول، سيجد طريقة للخلاص، عليه أن يخطط لذلك بكل حذر، ليبدأ في اتخاذ خطواته من الآن.
التقط كفها يقبله ويتنهد ثم أومأ يردف:
– حسناً، سأفعل ذلك.
ابتسمت له ثم اغمضت عينيها بارتياح لتنام هذه المرة، غفت بعدما وثقت به مجدداً، غفت وتركته يتأملها ويفكر، حان الوقت لمقابلة ميشيل والتحدث إليه، حان الوقت لاتخاذ أصعب قرار في حياته.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اية العربي
في طريقه هو وماركو إلى منزل الصحراء بعد أن تركها نائمة، المدة المسموح بها لإنهاء أعماله والعودة إليها هي فترة نومها.
تحدث وعينه على الطريق:
– قم بالاتصال بميشيل الآن.
أومأ ماركو وأخرج هاتفه ليهاتف ميشيل وبالفعل أجاب بعد ثوانٍ قائلاً بجمود وغضب خامد بسبب فشل خطته للمرة الثانية:
– ماذا هناك؟
تحدث صقر بثبات وهدوء:
– أظن أنك فهمت ماذا تعني هي لي، تلك محاولتك الثانية لقتلها، ويبدو أنني كلما هددتك تماديت لذا انتظرني، أنا آتٍ إليك.
تحدث بنفس الوتيرة ولكن أقل غضباً بعدما علم بقدومه:
– حسناً سأكون في انتظارك.
أغلق ماركو وتساءل بترقب:
– هل ستذهب إلى إيطاليا؟
تحدث بثبات وغموض:
– سنذهب معاً، أو ربما سبقتني أنت أولاً.
أومأ ليكمل طريقهما حتى وصلا بعد وقت.
ترجلا سوياً ودلف حيث كان ينتظرهما عدد لا بأس به من الرجال وليونيل الذي ما إن وقعت عينيه على صقر حتى أدرك أن نهايته قد حانت.
اقترب منه صقر ثم كشر عن أنيابه قائلاً بفحيح حارق:
– هل ستدخل بنفسك أم أجعلهم يجلبوك كما نتعامل مع الخونة.
كان يقف يشبك كفيه أسفل معدته وينظر أرضاً بصمت، لا يقوى على النظر له ليقول صقر بجمود:
– أدخلوه.
سحبه رجاله للداخل ثم قاموا بتقييده على أحد المقاعد ليدلف هو وماركو إلى الغرفة.
تحدث صقر لأحدهم متسائلاً بترقب:
– أين الشجاع؟
اتجه أحد رجاله إلى إحدى الغرف يجلب منها عُمر الذي ينتظر لقاء صقر بفارغ الصبر والغضب.
يمشي ببطء وهناك ضمادة تغطي مكان الإصابة وعينيه تنظر تجاه صقر بغضب بينما الآخر يبتسم باستفزاز.
أجلسه رجل صقر على مقعد مجاور لهذا الليونيل لينطق عُمر بجرأة وثبات وغضب عاد يتملكه:
– إنت مين؟، وعملت في نارة إيه؟
تحولت نظرة صقر من الاستفزازية إلى الجحيمية وهو يقترب منه ويقبض على خصلات شعره بقوة قائلاً بفحيح مخيف ولهجة مصرية:
– اسمها ميجيش على لسانك مرة تانية لو باقي على حياتك.
نزع عُمر رأسه بعنف من قبضة صقر يطالعه بحدة ولم يؤثر تهديد صقر به حيث تابع بثبات:
– لو آخر يوم في حياتي بردو هحاول اخلصها من واحد مجرم زيك.
نظر له بعمق، تعجب لثباته وجرأته وعدم خوفه منه، تساءل بحدة وسخرية:
– وأنت مين علشان تخلصها مني؟
تحدث عمر بثبات برغم تألمه من جرحه:
– أنا أخوها اللي اتعهدت احميها بأي تمن.
ضيق صقر عينيه لثوانٍ يستوعب جملته ثم نظر حوله ليجد المكان معبأً برجاله، مد يده يسحب عمر من ذراعه ليوقفه ويجره خلفه والأخر يحاول نزع ذراعه ولكنه لم ينجح حيث دلفا غرفةً خاليةً جانبيةً وأغلق صقر بابها ينظر له بجمود قائلاً:
– احكيلي إزاي أخوها؟
لم يجبه عمر، لا يجب أن يبوح بسرها، واستشف صقر ذلك ليقول له بوضوح:
– انا عارف إن ناردين مش بنت الدقاق.
تفاجأ عمر من معرفته ليتابع صقر بتربص:
– أنت مين بقى؟
زفر عمر مطولاً، حسناً، لقد انكشف الأمر إذاً لذا تحدث بثبات:
– أنا أخوها من الدار، وأنا اللي اتعهدت إني احميها من وقت ما كانت لسة طفلة عندها 9 شهور، بس هي سافرت مع أهلها وانا صغير ومعرفتش اعمل حاجة، رجعت تاني مصر ورجع عهدي بحمايتها تاني، بس لمّا أنت دخلت حياتها وخدعتنا إنك بتحبها اطمنت وقولت إنت تقدر تحميها، لكن دلوقتي أنا هحميها منك على أد ما أقدر، ولو أنت راجل بجد متتحماش ورا سلاحك وواجهني بنفسك.
شرد صقر في حديثه، إذاً هذا قضى معها طفولتها، هذا عاهدها منذ الصغر، إنه محظوظٌ إذاً، ولكنه ابتسم ساخراً على ثقته العالية بنفسه، أعجبه ثباته برغم ضعف موقفه ولكن حقاً أيظن أنه قادراً على حمايتها منه؟، نظر له مطولاً يفكر ويفكر ثم تحدث بغموض:
– اسمع كلامي وركز فيه كويس أوي.
نظر له عمر بغضب ولكن بدأ يتنبه عندما بدأ صقر يتحدث.
بعد وقتٍ خرجا سوياً إلى الصالة ليعود عمر إلى مكانه بينما وقف صقر أمام هذا الخائن ثم أخرج سلاحه من جيبه ولف حوله كاتم الصوت قائلاً وهو يضعه على رأسه ويستعد لإطلاقه:
– والآن أخبرني، هل أطلق عليك ثم آمرهم بالانقضاض على عائلتك من صغيرها إلى كبيرها؟، أم تنفذ ما آمرك به؟
تفاجأ ليونيل من عرضه، هو يهدده بعائلته الذي خانه لأجلها؟، ويعلم جيداً أنه قادراً على تنفيذ تهديده، ليردف دون إهدار المزيد من الوقت في التفكير قائلاً:
– حسناً سيد صقر، سأنفذ ما تطلبه.
ابتسم يردف بثقة:
– كنت أعلم هذا، والآن حان وقت زراعة شئ مميز أسفل جلدكما، كي أضمن عدم خيانتكما لي.
لم يفهم عمر حديثه إلا عندما أشار للجرّاح قائلاً:
– هيا أيها البروفسير، تعلم ما عليك فعله.
أومأ له وتحرك تجاه ليونيل ليبدأ في قص قميصه حتى ظهر ذراعه كاملاً ثم مسح على منطقة العضلة بقطنة بيضاء مغمورة بمطهر طبي ثم وضعها على الطاولة وتناول مشرطه الطبي ليقوم بعمل شق صغير في طبقات جلد ذراعه تسبب في تسرب الدماء منه وتألم ليونيل ولكنه لا يبالي ليكمل بعد ذلك ويتناول شيئاً ما يشبه شريحة الاتصال ولكنها معقدة أكثر ثم قام بغرسها أسفل طبقات الجلد بحذر وتركيز تحت أنظار صقر ليقوم بعدها بضم طرفي الجلد ولضمهم بخيط سحري رفيع حتى أغلقه ثم وضع عليه لاصقاً طبياً.
نظر صقر إلى ليونيل قائلاً:
– أتعلم ما هذه أم لم تصل لها بعد؟، إذاً دعني أخبرك أن تلك شريحة إلكترونية ذكية والمتحكم الوحيد بها هو أنا، كل خطواتك وتحركاتك ومكالماتك سأعلمها، حتى وإن فكرت في نزعها سأعلم، حتى أفكارك سأعلمها، لذا فأنت مأمور بما سأخبرك به.
نظر ليونيل إلى صقر قليلاً ثم أومأ له بثبات لينظر صقر نحو عُمر ثم يلتفت إلى الجرّاح مجدداً قائلاً:
– والآن حان دور الثاني.
أومأ وتحرك بطاولته صوْب عمر الذي انتفض معترضاً ولكن هذا بالطبع لن يعيق صقر فيمَ نوى.
خرج بعد وقتٍ هو وماركو ثم أشار لأحد رجاله الذين يقفون في الخارج قائلاً:
– خذ المدعو عُمر وأوصله إلى المكان الذي يريده.
أومأ الرجل وتحرك صقر مع ماركو يستقلان السيارة، ركباها وانطلقا ثم سأله ماركو قائلاً:
– إلى المنزل؟
نظر صقر للأمام بثبات وتفكير ثم تحدث بغموض:
– لا، هناك ما يجب أن نفعله قبل العودة إلى المنزل.
في شقة عفاف.
يجلس سامح ينتظر شقيقته نهى التي أخبرته أنها ستأتي إليه لتصطحبه معها إلى صقر.
تجاوره زينب وابنته ريما اللتان ستذهبان معهما أيضاً.
بينما تجلس عفاف تتحدث مع ريما تتحدث معها الصغيرة عن بعض مهارات الروضة التي تعلمتها.
طُرق باب المنزل فوقف سامح يتجه نحوه يفتحه لتظهر نهى ببشاشة وجهها حيث ابتسمت مردفة وهي تلج إلى الداخل:
– سلام عليكم، أزيك يا سموحة.
رحبت به واتجهت ترحب بوالدتها ثم زينب ثم دنت تقبل الصغيرة ثم جلست تتحدث بأنفاسٍ لاهثة من أثر صعود الدرج قائلة بنبرة تغلفها السعادة:
– سبت الأولاد مع محمود وجيت، إحنا أكيد مش هنتأخر صح؟
تحدث سامح بهدوء ورتابة قائلاً وهو يتحرك يجلس أمامها:
– أيوة يا نهى مافيش تأخير طبعاً بس هو إنتِ كلمتيه الأول؟
تحدثت وهي تهز رأسها قائلة:
– رنيت عليه كتير يا سامح بس موبايله مقفول، وحتى ناردين مراته هي كمان موبايلها مقفول، حتى أنا أستغربت وقلقت عليهم، بس كلمت مامت ناردين وهي طمنتني، علشان كدة نروح ونسأل عليه لو لقيناه يبقى خير، وبصراحة أنا شايفة إن الأحسن تبقى مفاجأة.
زفر بضيق، كان يريد أن يعلم صقر أولاً خشيةً من رفضه له ووضعه في موقف مخجل، ولكن نظرت له زينب وتحدثت بهدوء:
– خلاص يا سامح مافيش مشكلة، بمَ إن نهى مش عارفة توصله فخلينا نروح وتقابله ومهما كان رد فعله تبقى إنت عملت اللي عليك.
أومأ بترقب ثم وقف يردف:
– تمام، يالا بينا.
في غرفة مايا.
تجلس منشغلة بالتفكير في عُمر الذي اشتاقت له، حزينة على عدم مبالاته في السؤال عنها، كلما حاولت خلق الأعذار له وجدت صوت غريمتها الداخلي يعنفها قائلاً لو ود مهاتفتك لفعل مهما كانت الصعاب.
ليعود الحزن يعتلي ملامح وجهها لذا فهي تقوم برسم لوحة عن فتاة ترتدي قناعاً ضاحكاً وهي في الحقيقة تبكي.
رن هاتفها فوقفت تخطو تجاه الكومود لتتناوله وترى اسم المتصل.
جحظت عينيها حينما لمحت اسمه وقد تناست كل ما فكرت به وأسرعت تفتح الخط وتجيب بنبرة مشتاقة وهي تجلس على مقدمة الفراش:
– عُمر، عامل إيه؟
تحدث عُمر بحب وحنو بعد أن أوصله الحارس إلى شقته وصعد ودلفها ثم جلس وتناول هاتفه الذي كان بحوزة رجالِ صقر ثم قرر مهاتفتها وها هو يجيب بحب وجرأة غير مسبوقة بعد أن التهمه الاشتياق:
– وحشتيني يا مايا.
انفرجت أساريرها وتفاجئت من كلمته ثم تحدثت بهيام وسعادة غير مسبوقة:
– وانت كمان يا عُمر وحشتني أوي، وكنت زعلانة منك أصلاً علشان مكلمتنيش كل ده، بس خلاص نسيت الزعل، إنت كويس؟
زفر مطولاً بشرود يتذكر ما مر به وما أخبره به صقر وما هو قادم ثم تحدث بمراوغة جديدة عليه:
– أنا كويس جداً، بس حصل حوار كدة مع صاحبي بعد ما أبوه مات وأهل أبوه كانوا عايزين ياخدوا أرضه منه وكان لازم أقف معاه.
تحدثت بحنو ولهفة متسائلة:
– وبعدين؟، حصلك حاجة؟
تحدث بملامح حزينة نسبةً لكذبه عليها ولكنه مجبر حيث قال:
– يعني جرح بسيط كدة في صدري بس الحمد لله عدت على خير.
شهقت بهلع وتحدث وهي تنتفض قائلة:
– إنت بتقول إيه يا عُمر؟، جرح في صدرك إزاي، ومين ده الهمجي المتخلف اللي مد إيده عليك.
ابتسم عليها ثم تحدث بحنو قائلاً كي يحوز على إعاجبها:
– متقلقيش أنا بردو ظبطتهم، المهم دلوقتي أنا نفسي أشوفك.
تحدثت بحب وعيون لامعة قائلة:
– وأنا كمان، نفسي أشوفك جداً، هترجع إمتى؟
أجابها مترقباً:
– أنا جيت شقتي دلوقتي وصاحبي معايا نزل القاهرة يخلص ورق ويومين كدة وهرجع معاه تاني، هاجي أشوفك واطمن عليكِ وعلى آسيا هانم قبل ما ارجع معاه.
تحدثت معترضة بتملك وخوف قائلة:
– لاء يا عمر مش هترجع هناك تاني، كفاية اللي حصلك.
تحدث بتروي يخفي السبب الحقيقي قائلاً:
– مش هينفع يا مايا، يرضيكي اتخلى عن صاحبي في محنته وهو وحيد؟، مش طبعي وانتِ عارفة كدة.
تنفست مطولاً بعمق ثم تحدثت بقلق حياله:
– عارفة، عارفة إنك شهم وبتحب تساعد الناس كلها، بس أنا قلقانة عليك.
تحدث مطمئناً بحب:
– متقلقيش كلها كام يوم وأخلص الموضوع ده وارجع علطول، المهم دلوقتي أنا هقفل معاكي علشان أقوم أغسل وأغير هدومي وأجيلك علطول.
تحدثت بحماس وحب:
– تمام بس أنا هروح أشوف نارو لإنها وحشتني، هي جت النهاردة، مش هتأخر هناك، هرجع علطول.
تنفس بارتياح بعدما علم بعودة نارة سالمة وشرد يفكر في حديث صقر الذي دار بينهما في منزل الصحراء لتناديه مايا وتنتشله من أفكاره قائلة:
– عُمر؟، إنت معايا؟
تحمحم وتحدث بتروي قائلاً بحذر بعدما تذكر أمر الشريحة:
– تمام يا مايا، روحي شوفيها وأنا كدة كدة ورايا مشوار كنت ناسيه هخلصه وجاي، علشان كمان كيتي وحشتني.
تحدثت مايا بنبرة هائمة:
– كيتي تحت في الجنينة بتلعب، خلاص أنا هروح ولما تيجي رنّلي، يالا سلام.
حل المساء في ڤيلا صقرحيث اتجهت آسيا لترى ابنتها بعدما علمت بقدومها، تجلس معها بعدما استيقظت نارة منذ قليل ولم تجده.
تنظر لها بقلق، فابنتها شاردة ووجهها شاحباً برغم أنها تحاول إخفاء ذلك،، تساءلت آسيا بقلق:
– مالك يا نارو، عرفيني بس إيه اللي حصل؟، هتخبي عن ماما؟، إنتِ وصقر اتخانقتوا ليه؟، وإيه اللى يوصلك إنك تسيبي البيت وتمشي؟
تنفست نارة بعمق ثم تحدثت بهدوء وملامح باهتة وهي تجاهد كي لا تظهر المزيد من حزنها:
– أبداً يا ماما، صدقيني الموضوع مش مهم، المهم إن أنا وصقر حلينا الأمور بينا والدنيا بقت تمام.
زفرت آسيا توميء، إذا هي لا تريد التحدث واحترمت هي ذلك مردفة:
– تمام يا حبيبتي، بس اعرفي أني دايماً معاكى وعمري ما هتخلى عنك أبداً، ولو في يوم حصل وزعلتي مع صقر تيجي عليا علطول وأوعي تروحي مكان تاني، متتخيليش أنا كنت هموت من القلق إزاي وأنا معرفش عنك حاجة.
اتجهت نارة تعانقها بقوة، ظلت في عناقها تستمد منه الطاقة وآسيا تبادلها وتربت على ظهرها بحب وحنو، لتلمع عينيها تأثراً وهي تقول:
– ربنا يخليكي ليا يا ماما، وأنا أسفة أني قلقتك عليا، بس كان من الأفضل إني أبعد لإن صقر مكنش هيسبني عندكوا.
ابتعدت آسيا عنها ثم تمسكت بكفيها تبتسم وتردف بحنو:
– لأنه بيحبك، بيحبك أوي، وليه حق يحبك، بنتى مافيش زيها، مافيش في عقلها ولا حنيتها ولا تفاهمها، أنا فخورة بيكِ أوي يا نارو.
انحنت نارة تقبل يدها بحب ثم اعتدلت تردف بتأثر مماثل:
– أنا اللي فخورة إن حضرتك أمي.
ابتسمت آسيا بينما رن جرس الباب الداخلي للڤيلا فوقفت نارة تفتحه لتجدها مايا تصرخ وتعانقها باشتياق مردفة:
– نااااارووو، وحشتيني أوي.
بادلتها نارة تبتسم بسعادة، حقاً هما إنتشلتاها من حزنها وطاقتها السلبية التي راودتها، ظلت مايا متعلقة بها كالأطفال لتردف نارة بحب وابتسامة:
– مش هتعقلي أبداً.
ابتعدت عنها تردف بسعادة:
– أعقل إيه بس، مكونتيش تشوفي الجنان الحقيقي اللى كنت فيه لما اختفيتي إنتِ وعُمر، والحمد لله ظهرتوا سوا.
انتبهت نارة لجملتها لتسأل بترقب:
– هو عُمر ظهر؟، شوفتوه؟
هزت مايا رأسها تردف بهدوء:
– لا مشوفتوش، بس كلمني في الموبايل من شوية وجاي.
أومأت نارة وزفرت بارتياح لتنظر لهما بعدما حلت عليها السعادة قليلاً قائلة:
– طيب الحمد لله، إيه رأيكوا بقى لو نعمل حفلة شوي برا في الجنينة لحد ما صقر ييجي.
صفقت مايا بحماس مؤيدة بعدما غمرتها السعادة لعودة نارة وعُمر بينما هزت آسيا كتفيها تردف بهدوء:
– معنديش مانع.
أومأت وتحدثت برتابة:
– تمام أنا هطلع اكلم صقر، وإنتِ يا مايا طلعي اللحوم المتبلة من الفريزر.
أسرعت مايا تركض نحو المطبخ بينما صعدت نارة غرفتها وتناولت الهاتف الخاص بها والذي زودهُ صقر بشريحة اتصال بعد عودتهما لتجلس على مقعد جانبي في غرفتها وتحاول الاتصال به.
بعد ثوانٍ أجاب بحب قائلاً:
– أهلاً جميلتي، أعلم أني تأخرت ولكنني في طريقي إليكِ، أتودين شيئاً ما؟
أردفت بهدوء وحب:
– لا، انتظرك، ماما ومايا هنا وسنجهز لحفلة شواء في الحديقة إلى أن تأتي.
أومأ يردف بحب وترقب:
– حسناً، ولتهاتفي صديقتكِ خديچة لتأتي هي أيضاً.
قالها وهو ينظر صوْب ماركو الذي يقود بينما شعرت نارة بالضيق لفهمها مغزى حديثه، ربمَ استشفت إعجاب ماركو بها وتعمده السكن جوارها، ولكنها لا تتمنى لصديقتها ما عاشته، خصوصاً خديچة فهي أنقى وأرقى من أن تعرضها لأي سوء، وماركو هذا لا يناسبها تماماً وتراهُ عابثاً دوماً لذا تحدثت بثبات:
– لا داعي لذلك، هي لن تقبل أن تأتي لإنها تنام مبكراً.
زفر ينظر لماركو الذي يجاوره واستمع لحديثها ثم قال:
– حسناً جميلتي، سلام.
أغلق معها ونظر له قائلاً باستفزاز:
– زوجتي تخشى على صديقتها منك، تراك سيئاً ومعها حق.
نظر له ماركو بحنق قائلاً باستفزاز مماثل:
– لست أسوء منك، زوجتك تغار، تخشى أن تحظى صديقتها بحياة أفضل من حياتها معك.
لوى صقر جانب فمه بابتسامة ساخرة يردف بثقة وثبات:
– نعم هذا ما تخشاه حقاً.
زفر ثم تابع بهدوء:
– حسناً، سنجد لك حلاً، وسأحاول أن أجمعك بها، ولكن الآن دعنا نرتب لمَ سنفعله، غداً يجب أن تذهب إلى إيطاليا وتتحدث مع ميشيل والعائلة.
أومأ ماركو قائلاً بترقب:
– أتعتقد أنه سيصدق؟
تحدث صقر بثبات:
– هذا يعتمد عليك، ستبذل قصارى جهدك ليصدق، الأمر يستحق منك ذلك، ولتصل إلى تلك المحجبة عليك فعلها.
نظر ماركو إلى الأمام بعيون يملؤها التصميم والإرادة بعدما حفزه صقر لفعل ما اتفقا عليه قائلاً بشرود وهو يتذكر ماضٍ مؤلم:
– ليس هذا الهدف فقط، الهدف الأساسي هو القضاء على موراكو.
في منزل بهجت والد خديجة.
تجلس العائلة حول مائدة الطعام يتناولون وجبة العشاء.
تحدثت نسرين والدة خديجة بترقب:
– فيه موضوع مهم كنت عايزة أفاتحكوا فيه يا بهجت إنت وخديجة.
ترقبت خديجة وكذلك بهجت الذي قال بعدما أنهى طعامه وحمد ربه:
– خير يا نسرين، اتكلمي؟
زفرت مطولاً ثم نظرت لابنتها ثم إلى زوجها قائلة بتوتر:
– داليا بنت خالي كلمتني النهاردة، وكانت عايزة تيجي مع ابنها يحيى علشان يطلبوا إيد خديجة.
حبست خديجة أنفاسها بتعجب بينما اتجهت أنظار بهجت إلى ابنته ثم تحدث بهدوء:
– يحيى؟، مش ده الشاب اللي كان مع خديجة في الجامعة؟
أومأت نسرين بينما نظرت خديجة إلى والدها وتحدث بتوتر:
– أيوة هو يا بابا، بس أنا بصراحة مكنتش بستلطفه.
أرادت نسرين فتح مجال إلى النقاش لذا تحدثت مستفهمة:
– ليه بس يا ديچا؟، ده شاب طيب ومحترم وشغلته كويسة.
اعترض بهجت قائلاً بقلق:
– منعرفش كويسة ولا لاء يا نسرين، شغل البنوك ده أنا بقلق منه، خصوصاً اللي في مجال القروض.
تعجبت خديجة من سبب رفض والدها دون إبداء رأيها في تلك المسألة تحديداً وتحدثت باحترام:
– بابا أنا بقول لحضرتك إني مش بستلطفه، ممكن حضرتك تفكر في النقطة دي؟
تحدثت نسرين بنبرة مؤنبة:
– ليه بس يا خديجة؟، ده شاب طيب وابن حلال، مش يمكن لو شوفتيه واتكلمتي معاه ربنا يجعل بينكم القبول؟
شعرت خديجة بالاختناق والضيق لذا تحدثت وهي على وشك البكاء نسبةً لأنها تحترمهما وتبرهما:
– هو انسان كويس جداً ومحترم بس يا ماما أنا مش أول مرة هشوفه، أنا عارفاه بالفعل ومافيش بينا قبول أصلاً، لو سمحتوا افهموني.
تحدث بهجت الذي ظهر الانزعاج على ملامحه قائلاً لينهي هذا الحوار:
– خلاص يا نسرين اقفلي على الموضوع ده وبلغي بنت خالك إن كل شئ قسمة ونصيب، أكيد مش هنغصب على خديجة حد هي مش قبلاه.
لف نظره تجاه خديجة وتحدث بترقب ونبرة تغلفها الجدية:
– بس يا خديجة اتمنى منك قبل ما ترفضي حد إنك تفكري كويس يابنتي علشان منظلمش حد، أنا لولا اتعراضي على شغله كنت سمحت إنه ييجي وتشوفيه وتتكلموا مع بعض، يمكن فعلاً زي ما والدتك قالت ربنا يجعل بينكم القبول.
نظرت خديجة إلى والدها بملامح حزينة ثم تحدثت بهدوء يخفي تعجب:
– أنا مش بظلمه يا بابا، زي ما قلت لحضرتك كل ما في الأمر إني مش حاسة بنحيته بقبول.
أومأ بهجت ووقف يتحدث بطريقة مستجدة عليه:
– تمام يا خديجة، بس القبول والمشاعر دي يابنتي بتيجي بعد الارتباط مش قبله، فهماني؟
برغم تعجبها إلا أنها أومأت تردف بهدوء:
– تمام يا بابا.
في حديقة صقر.
تقف مايا تمسك بريشة مخصصة للتهوية على المشويات وتحركها يميناً ويساراً على المشويات التي وضعتها نارة على شواية الفحم.
بينما تعد نارة سفرة خارجية مرتبة وتساعدها في ذلك آسيا، استمعت إلى صوت سيارة ماركو فأسرع الحرس بفتح البوابة لتعبر السيارة إلى الداخل.
توقفت وترجل صقر وماركو وتحركوا للجهة الخلفية من الحديقة حيث زوجته.
وصل صقر وصوْب أنظاره عليها حيث بدت أفضل من الصباح وهذا راق له جداً ليتجه إليها يحتضنها بحب ويقبل رأسها متسائلاً بهمس:
– تبدين بخير، ترى هل يجب علي أن أغادر دوماً حتى تبتسمي؟
رفعت وجهها تقابله ثم ابتسمت قائلة بصدق وثقة:
– يجب عليك أن تكون بخير دوماً حتى أطمئن.
ابتسم لها ثم اتجه ليرحب بآسيا ومايا التي نظرت له بحرج بعد ما فعلته ذلك اليوم ولكنه تجاهل الأمر فقط من لأجل نارة.
رحب بهن ماركو أيضاً واستعدوا للجلوس ولكن قاطعهم الحارس الذي جاء يضع عينه أرضاً قائلاً باحترام:
– سيد صقر لقد جاءت السيدة نهى شقيقتك ومعها شخصاً آخراً غير زوجها وسيدة وطفلة صغيرة.
تنبه صقر لحديثه وتحرك معه ليرى الضيف الذي شعر بهويته على الفور، اتجه نحو البوابة ليجد نهى تقف ويجاورها شخصاً لأول مرة يراه ولكنه شعر به، ابتسمت له نهى وتحدثت بحب قائلة:
– صقر، عامل إيه يا حبيبي، جبتلك سامح ومراته وبنته، هو عايز يقابلك.
نظر صقر لشقيقه بعيون ثابتة وجسد ثابت، أعضاؤه ثابتة إلا من هذا اليسار الذي ودّ لو ركض إلى هذا الواقف ولكن يمنعه جمود صاحبه.
يبادله سامح نفس النظرات بصمت، تبادل نظرات وأفكار، كلاهما لا يستوعب أن من أمامه هو شقيقه، كلاهما يتعجبان من رؤيتهما لبعضهما، ليشعر سامح بالحنين إليه، ويبدأ يتوغله الندم على كل تلك المدة في الخصومة، دقائق مرت وعيونهما لم تزح من على الآخر، كلاهما يفكران في نفس الشخص الذي تسبب في هذا الجفاف، كلاهما عادا للماضي عبر رحلةٍ عقليةٍ سريعة، كلاهما ضائعان بين قرارات أبٍ أناني خلّف رحيله آلام يصعب محوها.
تحدث سامح أخيراً بعد تنهيدة حارة:
– أزيك يا صقر، عامل إيه.
تحركت عين صقر تغادر سريعاً حتى لا يظهر تأثره، نظر إلى تلك الطفلة التي تنظر له بتفحص يبدو أنها عرفته أو تحاول التركيز أكتر.
ابتسم لها ثم أشار للحارس بفتح البوابة، فتح الحارس ودلفت نهى تسرع إليه وتربت على كتفه بحب قائلة:
– موبايلك دايماً مقفول وقلقت عليك وجيت لك هنا قالوا مسافر،، عامل إيه يا حبيبي؟
لم يكن يوماً من ذوي المشاعر إلا مع نارة فقط، ولكن وجد نفسه يريد احتضانها، لذا أسرع يخفي حنينه قائلاً بهدوء:
– أنا كويس، اتفضلوا.
دلفت زينب تنظر صوْبه برهبة، غموضه يرهب من يراه للمرةِ الأولى، هيبته تستحوذ على انتباه الجميع.
لتمد يدها له قائلة بتوتر:
– أزيك يا صقر بيه، أنا زينب مرات سامح.
مد يده يبادلها قائلاً بثبات:
– أهلا بيكِ.
ابتعدت خطوة للخلف تجاور سامح الذي وقف يتمسك بيد صغيرته التي ما زالت تتأمل صقر.
تقدم حتى وقف أمامه، عاد كلٍ منهما يتفحص ملامح الآخر عن قرب، ملامح صقر التي تشبه والده كثيراً، بينما ملامح سامح تشبه والدته أكثر ولكن عيناه فقط بدت كعينِ ناصر.
قطع صمتهما سامح وهو يمد له يده ليبدأ بالسلام قائلاً مجدداً:
– أنا جيتلك علشان يمكن نعوض اللى فات، عارف إني اتأخرت كتير، بس الحق مش عليا صدقني، كل واحد فينا شاف حاجات خلته يبعد أكتر، وبمَ أني الكبير فأنت ليك حق عليا إني أجيلك وأبدأ معاك من أول وجديد، وكفاية أوي اللي ضاع، وحقك عليا.
توقف صقر ثابتاً، فقط نظرات ولا شيئاً آخر، يقلب حديثه في رأسه، ويسأل نفسه سؤال يتكرر دوماً، هل هو بحاجة إلى أخٍ أو عائلة؟، هل يحتاج إليه حقاً؟
أما نارة فبعد أن شعرت بتأخره تحركت لتراه لتجد نهى التي أسرعت ترحب بها وتخبرها بهمس أن هذا الواقف هو سامح شقيق صقر، اتجهت نارة ترحب بزينب بود بعدما عرفتها نهى عليها ووقفت تنظر إلى صقر وسامح بترقب.
ظلت يد سامح ممدودة حتى ظن أن صقر لن يبادله ليقرر سحبها بحزن ولكن أسرع صقر يمد يده إليه قبل أن ينفذ سامح قراره.
يبادله السلام قائلاً بملامح هادئة تشوبها فرحة مخفية:
– أهلاً بيك، إتفضل.
ابتسم سامح وتوغلت السعادة قلب نهى بينما نظر سامح لابنته قائلاً بالقليل من الراحة:
– سلمي على عمو صقر يا ريما.
مدت الصغيرة يدها بصمت فانحنى صقر يبادلها السلام بهدوء وابتسم لها ثم اعتدل فجاءت نارة من خلفه وجاورته قائلة بترحاب وود:
– أهلاً يا أستاذ سامح نورتنا أنا مدام ناردين صقر الجارحي.
ابتسم لها سامح يردف باحترام:
– أهلاً بيكِ، اتشرفت بمعرفتك.
أومأت قائلة برتابة أمام عين صقر المتملكة:
– الشرف ليا.
نظرت للصغيرة تبتسم لها ابتسامة عفوية بينما تحدث صقر بهدوء وهو يلف ذراعه حول زوجته بتملك ثم أشار بيده الأخرى على الجهة الخلفية من الحديقة:
– اتفضلوا معانا.
دلفوا معه إلى الجهة الخلفية ليحضروا معاً هذا العشاء بعدما جلب الحرس المزيد من المقاعد وتوسعت الطاولة بأخرى.
كاد سامح أن يعترض على تناول العشاء ولكن لم يفلح ذلك مع إصرار صقر.
جلسوا جميعهم بعد أن تعرفوا على البقية وبدأوا يتناول الطعام لتتحدث ريما بصوت عالٍ أمام الجميع بعد أن تأكدت أنه هو نفس الشخص قائلة:
– بابي عمو ده هو اللى قبض على الناس الشريرة اللي خطفوني، وقالي متخافيش.
نظروا جميعهم صوْب صقر الذي انكبت عينه عليها بثبات وهو يرتشف القليل من المياة ليخفي توتره ببراعة ويقول بابتسامة هادئة ونبرة متمهلة:
– خطف إيه؟، واضح إن الطفلة بتحب تتفرج على المغامرات، بس الأفضل ليها بلاش تتعود على الأفلام دلوقتي، كويس أنها شبهتني بضابط أحسن ما كانت تشبهنى بحرامي.
ضحكوا عليه بينما انحنى سامح إلى ابنته يردف بهدوء وحنو:
– لاء يا حبيبتي ده عمو صقر أخويا.
نظرت له الصغيرة وصمتت وأكمل الكل طعامه عدا نارة التي كانت تقابله، نظرت له بعمق وهي على يقين أن الصغيرة لم تكذب أو تتهيأ، هو من خلصها وأعادها، لتشعر بالراحة والآمان ويتجسد ذلك في نظرتها، علم أنها تطالعه برغم أنه ينظر للجهة الأخرى، ليقابلها بعمق، نظرة كان فيها ألف حديث بينهما فقط، قطعها برفع كوب العصير خاصته يشير لها كتحية فابتسمت له بحب وأكمل كل منهما طعامه.
بعد دقائق انتهى العشاء وجلسوا يتحدوث عن أمورٍ عامة.
استأذن سامح وأسرته حيث أخبرهم أن هذه الزيادة لمجرد تعارف فقط.
بعد وقتٍ
في غرفة صقرتجلس نارة على فراشها تنتظره إلى أن يخرج من الحمام، بدأ اليوم بفزعها وخوفها وانتهى بالأمان والراحة، لتشعر بتجديد الحب والعشق له.
خرج يرتدي شورت قصير ويجفف شعره بمنشفة أمامها، تحركت عيناها لا إرادياً مع حركاته لتتعمق في تفاصيله وتنظر له بعشق وهيام وهو يدعي انشغاله بتجفيف شعره ولكنه يدرك جيداً نظراتها لذا فهو يتعمد لمس مشاعرها حيث بات يستعرض جسده أمامها بطريقة خبيثة تبدو تلقائية.
نزع المنشفة وألقاها جانباً ثم إتجه يتمدد جوارها ويتكئ على الوسادة واضعاً ذراعيه خلف رأسه وعينيه مصوبةً على سقف الغرفة ليقول بعدها:
– هل تتأملين وسامتي؟
ابتسمت عليه قائلة وهي تبعد أنظارها عنه:
– مغرور.
التفت يقابلها ويردف بثقة وفيضٍ من المشاعر:
– عيناكِ هي من تقول هذا، أراها تتحرك على تفاصيل جسدي حتى أكاد أشعر أنها تلتهمني.
توغلتها نفس المشاعر التي افتقدتها معه حيث باتت كلماته تسلبها عقلها لتقول وهي تقضم شفتيها:
– ربما تود هذا فعلاً ولكنها تخجل.
ابتسم لها وعينه سلطت على شفتيها المقضومة ليقول وهو يبتلع لعابه بأنفاسٍ تود لو تنقض على عنقها وتختلط بأنفاسها:
– لنطفئ الإضاءة إذاً، حينها لن يكون هناك داعٍ للخجل.
وصلت مشاعرها لذروتها لتقول بهمس وتحشرج:
– أراها فكرةً جيدةً.
سحب جسده للأعلى إليها ليحاوطها كلياً ثم امتدت يده تغلق الإضاءة الجانبية ليعم الظلام المكان وليختفي الخجل ولتبدأ شفتيه في تناول وجبتها المفضلة بعدما صام عنها ليالٍ كانت بالنسبة له أعواماً من المشي في الصحراء، بينما بدأت شفتيها تقبل ما كانت تراهُ وتعجب به منذ قليل.
يسقيها من أنهار عشقه، مشاعراً متفجرة لكليهما، لحظات لن تنسى، نبضات تتراقص فرحاً بعودتهما، وحبٍ حقيقي يتخطى كل الصعاب.
بعد وقتٍ تتمدد على ذراعه تتلاعب بأصابعها على وشمه بعدما أعاد تشغيل الإضاءة في الغرفة.
شارداً هو في نقطةٍ ما يفكر، يشعر بالسعادة وكمال المشاعر، أعطته من حبها ومشاعرها حتى امتلأ، لذا فهو حقاً سعيد.
تحدثت هي بهدوء:
– يجب إزالة هذا الوشم صقر، لأنك تمتلك أندر القلوب، قلباً عاشقاً حتى الموت، قلباً يفي بالوعود، قلباً يصادق بإخلاص، وقلباً لم يتحمل اختطاف طفلة أخيه وسعى لإنقاذها، لذا يجب نزع هذا الوشم نهائياً.
مال يقبل جبينها قائلاً وهو يمسد بكفه على ذراعها ببطء:
– حسناً، لأنتهي من عبء ميشيل وعائلته أولاً وبعدها أنا ملكٌ لكِ، سأسلم أمورى لكِ ديريها كما يجب أن يكون.
تحركت لقلبه وقبلته بنعومة وحب لتقول وهي ترفع نظرها إليه بثقة:
– سنسلم سوياً أمرنا لله، هو خير من يدير الأمور ولستُ أنا، سنذهب إلى معالج نفسي أولاً، ليرمم ندوب ماضيك، ثم سنذهب سوياً إلى أحد شيوخ الأزهر، ليفسر لك ما تريد معرفته عن الإسلام، سنذهب معاً إلى حياتنا الجديدة.
يشعر بالسلام من الآن، سلاماً نفسياً لم يجرب مذاقه من قبل، هي حقاً نور حياته، لذا قال بهدوء وسكينة:
– لنفعل ذلك إذاً.
زفرت براحة لتسأله بترقب وهي تتكئ على صدره:
– كيف أنقذتَ ابنة أخيك؟، وكيف عرفتُ مكانها؟
تنفس بعمق ثم تحدث بهدوء وعينه توازيها ويده تغوض في خصلاتها:
– اختطفها أفراد تابعون لعصابة تجارة الأعضاء، وليس من الصعب عليّ إيجادهم، فالعصابات تحن لبعضها، وحين ذهبتُ وجدت بحوزتهم الكثير من الأطفال، كانوا يرتعشون خوفاً، حينها وددتُ لو أنني فجرت رؤوس الخاطفين في الحال، ولكنّي تمهلت إلى أن سحبتهم وذهبت إلى وكري، ونزعت عنهم أعضائهم وتم إرسالها كي يستفاد بالنافع منها الطيبون.
برغم أن حديثه ذكرها بذلك المقطع وقد أدركت الآن سببه ولكنها أغمضت عينيها وتنفست بقوة لتتناسى ما رأته وتردف بدعابة كي يتجاوزا الأمر:
– حسناً دعني أخبرك شيئاً لأول ولآخر مرةً في حياتي سأفتخر أن زوجي رجل عصابات.
ابتسم لها ليسحب رأسها إليه ويقبل جبينها بعمق ثم زفر قائلاً بتروي وهدوء:
– والآن اسمعيني جيداً،، يجب عليّ الذهاب إلى إيطاليا كي أنهي هذا الأمر،، لذا فقد بحثت عن مكانٍ آمنٍ لكِ كي تذهبي إليه وتنتظرين عودتي.
شعرت بوخزة في قلبها فجأة وتسرب إليها خوفاً رهيباً لتقول وهي تهز رأسها برفضٍ قاطع:
– لن أذهب لأي مكان من دونك، سآتي معك.
تعمق فيها بحب ثم زفر وتحدث بصرامة يغلفها الحنين:
– لن يحدث،، لن آخذكِ إلى وكر ميشيل أبداً.
لتجيبه بصرامة مماثلة أو أشد قائلة بثبات:
– اسمعيني ناردين.
_ سنذهب سوياً ونعود سوياً، لن أتركك أبداً.
قاطعته تقولها بإصرار تام لينظر لها بعمق وغموض وخوف، ولكن لا مفر من ذلك.
أومأ لها قائلاً باستسلام لرغبتها:
– حسناً، دعيني أحجز لكِ تذكرة طيرانٍ إذاً.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اية العربي
في غرفة سامح وزينب
تمددان على فراشهما بعد أن نامت الصغيرة في غرفتها.
ملامح سامح شاردة ولاحظتها زينب لتردف متسائلة:
– بتفكر في إيه يا سامح؟ إيه رأيك في صقر؟
انتبه لها وزفر يعتدل ويقابلها قائلاً:
– زي ما كنت متوقعه يا زينب، اللي عرفته عنه من نهى وعن شخصيته يخليني ماستغربش مقابلته، بس أنا حاجة واحدة شغلاني يا زينب، اخدتي بالك من كلام ريما عنه؟ لما قالت إن صقر هو اللي أنقذها؟
تنبهت زينب وضيقت عينيها قائلة:
– أيوة طبعاً بس هو أنكر، وأنا قلت يمكن ريما شبهته بحد تاني من الشرطة ولا حاجة، إنت عارف إن وقتها هي كانت خايفة ومشوشة ويمكن مخدتش بالها.
مسح بكفيه على وجهه يردف بحيرة:
– مش عارف يا زينب، بس اشمعنى صقر اللي ريما قالت عنه كدة؟ معقول يكون ليه يد في رجوعها؟
غمرتها الحيرة أيضاً لتفكر قليلاً ثم تحدثت مترقبة:
– طيب تحب اتكلم معاها يا سامح؟ يمكن اقدر أفهم منها؟
زفر يقول بهدوء:
– مش عايزين نفكرها بالحادثة دي يا زينب، خلي الوضع يبان عادي وأنا هحاول أعرف منها بطريقة تانية، المهم لو فعلاً صقر ليه يد في رجوع بنتي يبقى أنا مُدين ليه يا زينب، وهيبقى دين كبير أوي.
في ڤيلا آسيا
تقف مايا في الحديقة الخلفية تحاول الوصول إلى عمر الذي أخبرها أنه سيأتي وإلى الآن لم يصل.
لقد عادت من منزل شقيقتها منذ ساعتين تنتظره ولكنه تأخر كثيراً عليها.
زفرت بضيق وتنبهت لنداء آسيا عليها فالتفتت تطالعها حيث تقف آسيا خلف نافذة غرفتها تردف بحنو:
– اطلعي نامي يا مايا شكله مش جاي الليلة، يمكن حصل معاه ظروف وييجي الصبح.
نظرت لها بملامح مقتضبة تومئ قائلة بضيق:
– أوكي يا مامي طالعة حالاً.
دلفت آسيا وأغلقت نافذتها وزفرت مايا والتفتت لتعود للداخل ولكنها وجدت من يردف من خلفها بنبرة مشتاقة وهو ينظر لهيئتها وينادي:
– مايا.
التفتت منتفضة لتجده أمامها، عيناه التي اشتاقت لهما، ملامحه وابتسامته التي تعذبها وتدغدغ مشاعرها.
ظلت ثابتة تطالعه مطولاً وهو كذلك يقف يطالعها ويده اليمنى تحمل الضماد واليسرى تجاوره وهو يبتسم ولكن اتسعت عينيه حين وجدها تركض نحوه قاصدة عناقه ليحل وثاق ساقيه ويسرع يركض مبتعداً عن مرماها قائلاً بذهول:
– بتعملي إيه يا مجنونة.
وقفت تحاوره وتردف مبتسمة بحب ونبرة طفولية:
– وحشتني أوي يا عُمر، عايزة أسلم عليك واحضنك.
اتسعت عينيه أكثر ليردف معترضاً وهو يحاول الابتعاد عنها:
– حضن إيه بس صلي ع النبي كدة، ميصحش يا مايا الكلام ده.
زفرت باحباط ثم شبكت ذراعيها تردف بنبرة ملوعة:
– مهو إنت السبب، هونت عليك تغيب عني كل ده.
وقف يردف بحب وعيون لامعة:
– غصب عني يا مايا.
نظرت لضماد يده وتحركت بهدوء نحوه وهو ينظر لها متوجساً ويتأهب ولكنه وجدها تقف قبالته وتتعمق في جرحه مردفة بحنو:
– هو ده الجرح اللي قلت عليه؟
أومأ لها فمدت يدها تتحسس الضماد فتحمحم بحرج وتحدث:
– أحم، يا بنتي اهدي بقى، ميصحش كدة.
زفرت بحنق وابعدت يديها عنه تردف بغيظ:
– يوووه بقى، فيه إيه يا عُمر بطمن عليك، المهم لسة بتوجعك؟
هز رأسه يردف بهدوء:
– لاء بقيت تمام، طمنيني عنك وعن آسيا هانم؟
التفتت بوجهها ورفعت رأسها لأعلى تنادي والدتها بصوتٍ عالٍ قائلة:
– ماااااامي، مااااامي عُمر جه.
بعد ثواني فتحت آسيا نافذتها مجدداً لتراه، رأته فابتسمت له بينما هو رفع يده السليمة يحييها قائلاً:
– أزيك يا آسيا هانم.
أردفت بحنو:
– حمدالله على السلامة يا عُمر، هنزلك حالاً.
التفتت تعود للداخل وتغلق النافذة بينما عاودت مايا النظر له قائلة بحب:
– عُمر إنت هتنام هنا صح؟
لف نظره يبحث بعينيه عن قطته قائلاً:
– ملوش لزوم يا مايا، أنا جيت اطمن عليكوا وعلى كيتي وأروح علشان هسافر تاني كمان يومين.
تحدثت بتصميم معترضة:
– أوكي بمَ إنك مصمم ترجع مع صاحبك تاني يا عُمر يبقى هتقضي اليومين دول معانا هنا، ومش هقبل اعتراض منك لإنك أصلاً مزعلني منك جداً.
زفر مطولاً وتعمق في عينيها وملامحها العنيدة الطفولية، نعم يحبها وجداً وينتظر أنسب وقت ليطلب يدها وتكن حلاله لينعم بها ومعها، حقاً بات لا يريد سوى تحقيق هذا الحلم الذي يعد تحقيقه صعباً ولكنه سيفعل، سيفعل كل ما يمكنه فعله ليحصل عليها، تلك المدللة التي امتلكت زمام قلبه بأفعالها وطاعتها له واثبتت حبها له بسهولة.
تحدث يومئ بهدوء ليريحها:
– تمام يا مايا، المهم متزعليش.
ابتسم وتوردت وجنتيها بحب لينتبها لخطوات آسيا التي أتت لترحب به هي الأخرى.
ظهراً في إيطاليا
خرج ماركو من مطار بولونيا في إيطاليا ليستقل سيارة عائلته ويغادر بعدما أخبرهم بضرورة لقائهم في اجتماع هام.
وصل بعد وقتٍ أمام قصر موراكو.
ترجل ودلف يخطو بثبات حتى وصل إلى مجلس تجمع العائلة، دلف ليجد ميشيل يتوسط المجلس ويجاوره أشقاؤه وأبناؤهم.
تحرك حتى جلس على مقعد مجاور لميشيل ونظر لهم جميعاً بترقب.
تساءل ميشيل بخبث:
– ماذا لديك لتخبرنا به؟
يعلم أن ميشيل لن يصدقه بسهولة، يعلم أنه يحتاج لطريقة متقنة لإقناعه، لذا فهو صمت قليلاً يستحضر جهده ثم رفع رأسه يتحدث بثبات وثقة:
– تعلمون جميعكم أن صقراً وأنا نعد شخصاً واحداً، دوماً كنا كذلك، دوماً تغلبنا على أصعب المهام ونفذنا أعقد العمليات سوياً، لم يفرقنا شيء، ولا أي شيء، حتى أن ميشيل أرسلني خلفه لأراقبه ولن أفعل، كنت دوماً مخلصاً له أكثر من هذه العائلة، دوماً فضلته هو، دوماً اخترته هو.
كان يتحدث بشرود ونبرة مؤثرة لتتحول نظرته لأخرى شرسة غاضبة وهو ينظر لعين ميشيل ويتابع:
– لتأتى تلك المسلمة وتنجح خلال أشهر قليلة في التخريب بيننا، فيصدقها هي بدلاً عني، تريد أن تسحبه لعالمها وشروطها أن يبتعد عني أولاً، فأنا شيطان سيء، فقط لتسامحه وتعود إليه وضعت هذا الشرط، ظننت أنه سيقتلها ويرفض، ولكن صدمتني موافقته، لذا فهو يتهمني أنني أبلغتك عن مكانه، أصبح يشك بي أنا، تلك المسلمة نجحت في جذبه لها، لذا فأنا الآن في أشد حالات غضبي، رغبت في إخراج مسدسي وتفريغه في رأسها، حقاً كنت على وشك أن أفعلها، ولكني أعلم حينها ستندلع الحرب بيني وبينه، لذا أتيتُ إلى هنا لنجد حلاً، أتيت والغضب يتملكني.
كانت عروق يديه ووجهه منتصبة تدل على قمة غضبه الذي أقنع الجميع به حتى ميشيل، كان بارعاً في أداء هذا الدور ليتحدث أحد أولاد أعمامه قائلاً بخبث وحقد واضحان:
– ولمَ لا تقتله هو؟ ما حاجتنا إليه؟
انتفض ماركو ينزع سلاحه من خصره ليقول وهو يشهره نحو بغضب:
– إذهب واقتله بنفسك إن استطعت، إذهب وأفعلها ولا تلقي عليّ أوامر.
وقف ميشيل يخفض يد ماركو ويشير لإبن أخيه بالتوقف ليقول بجمود بعد أن اقتنع بحديث ابنه:
– لن يقتل أحداً صقر، نحن جميعاً بحاجته، قتل صقر أو قتل تلك الفتاة لم يعد يفيدنا في شيء، بل سنخسر الكثير، هو الآن يعشقها، لذا دعونا نجد حلاً آخراً تستفيد منه العائلة جميعها.
أيدوه جميعهم ووقف ماركو ينظر لهم بترقب، عليه أن يعلم من ميشيل ما هو الحل الآخر دون أثارة الشكوك من حوله.
بعد يومين
أمام ڤيلا صقر تقف نارة تودع والدتها ومايا.
قالت آسيا متسائلة بحنو:
– هتتأخروا في إيطاليا يا نارو؟
تحدثت نارة بهدوء يخفي توتراً وهي تنظر إلى صقر:
– لا يا ماما، صقر هيطمن على خاله ويعرفني عليهم ونرجع علطول، يعني ممكن أسبوع، مش كتير يعني.
عانقتها مايا قائلة بمرح:
– يا بختك يا نارو، أنا وحشتني إيطاليا أوي.
تحركت نارة بعد ذلك مع زوجها يستقلان السيارة مع الحارس الإيطالي الذي سيذهب معهما لينضم إلى الحراس الإيطاليين الذين ينتظرونهم هناك.
في منزل خديجة
تجلس في غرفتها تقرأ وردها المسائي.
صدقت وضعت المصحف في مكانه ثم وقفت تتجه لشرفتها كي ترى النبتة التي زرعتها حديثاً.
دلفت إليها وخطت تجاهها ثم وقفت تتفحصها، ابتسمت حيث وجدتها بحالة جيدة بعد أن روتها باكراً.
رفعت عينيها تلقائياً على شرفة ماركو تنظر لها بشرود وتتنفس، لا تعلم لمَ مؤخراً أصبح يشغل حيزاً من تفكيرها.
تعلم أنه ليس هناك ورأته منذ يومين وهو يغادر ومعه حقيبة سفره، لذا فهي تتساءل وتفكر.
هل رحل أم هذا مجرد سفرٍ وسيعود؟ ما سبب أفعاله معها ولمَ يريد التقرب إليها دوماً وهو يدرك جيداً أن ما بينهما كالمشرق والمغرب؟
هل لديها قوة وطاقة كي تحاول سحبه إلى الصواب وتنتشله من سيئاته أم هذا شيئاً يعد مستحيلاً.
لتنتقل بأفكارها إلى والدها، حتى وإن تقبلته كيف لوالدها أن يتقبله، هذا ضرباً من ضروب المستحيل، لن يقبل به حتى وإن أوفى كل الشروط المطلوبة.
ولكن لحظة خديجة، وهل هو سيوفي كل الشروط للوصول لكِ، هل حقاً هو قادرٌ على فعلها أم كل أفعاله مجرد سبيلاً للتسلية فقط.
احتقن وجهها عند تلك النقطة وتحركت عائدة لغرفتها لتسرع في إغلاق نافذتها بنوعٍ من الحدة وهي تعنف نفسها على تلك الأفكار، لا يجوز لها أن تتطرق إلى عالمه والإنشغال به، هو لا ولن يصلح لها، هو منافراً تماماً لما هي عليه لذا فتفكيرها به يعد ذنباً عليها التوبة عنه.
بعد رحلة دامت لعدة ساعات
ولج صقر ونارة من مطار بولونيا واتجها للسيارة التي تنتظرهما بالسائق والحارس يتبعهما ويسحب حقيبتيهما.
استقلاها وانطقلا إلى وجهتهما، نظرت له بترقب متسائلة:
– هل سنذهب إلى منزل عائلتك فوراً أم سنذهب إلى مكان آخر؟
طالعها بحب وتحدث بثبات:
– أنتِ لن تذهبي إلى قصر موراكو ناردين، أنتِ ستنتظريني في منزل ريفي ملكاً لي، وسيأمنكِ رجالي إلى أن أعود.
فتحت فمها لتعترض ولكنه وضع سبابته على شفتيها يمنعها من الحديث قائلاً بحب تغلفه الصرامة:
– لا اعتراض، لن تثنيني عن قراري هذه المرة.
زفرت باستسلام ليتحسس شفتيها بإصبعه ثم سحبه بتمهل وانحنى يطبع قبلة صغيرة مفاجأة لها.
لكزته في كتفه قائلة بحرج وهمس وعينيها تتفحص جسد الحارس الذي يقود والآخر الذي يجاوره:
– صقر، رجالك معنا.
مال يهمس عند أذنها التي كان يغطيها الحجاب قائلاً بهيام من أثر رائحتها:
– إن التفت أحدهم سأقتلع عينيه، وهما يدركان ذلك جيداً.
ابتسمت له لتواجههُ وتهمس هي في أذنه قائلة بدعابة:
– دم رجل العصابات الذي يجري في عروقك هذه لابد أن نستبدله.
عاد يهمس لها بحب وتملك:
– لنستبدله أو لنهدره إن أردتِ ذلك، فلكِ بي ما تشائين.
رفعت يده التي كانت تحتوي يديها وقبلتها بحب قائلة:
– لا أريد سواك آمناً، لا تتحدث هكذا مرةً أخرى.
ابتسم لها واحتضنها بعد ذلك ليبث فيها الأمان ليكملا طريقهما إلى قرية ( فراسو سابينو) التي تقع في أعماق مدينة لاتيوم الإيطالية والتي ليس من السهل الوصول إليها نظراً لطرقها الريفية المتعرجة.
كان طريقاً طويلاً دام لأكثر من ست ساعات دون توقف، حتى أن نارة غفت ولكن هذا يعد احتياطاً أمنياً منه كي يطمئن عليها ويبعدها، كان يمكنه تركها في مصر ولكنه خشى غدر ميشيل به، عليه أن ينهي مسألته أولاً.
وأخيراً توقفت السيارة ليترجل منها صقر بعد أن أيقظ نارة التي استيقظت تنظر نحو المكان بتعجب، لأول مرة ترى هذه القرية، ربما سمعت عنها من قبل ولكنها لم تراها، جميلة تمتاز بأنها ذات طابع كلاسيكي من العصور الوسطى كذلك بساطتها تميزها.
بدآ يسيران في طرقها المائلة حتى وصلا إلي منزل تحتله الجبال والخضرة كباقي المنازل من حوله، مد صقر يده في جيبه ليخرج مفتاحاً لهذا الباب العريق.
فتحه ودلفا سوياً ثم التفت يتناول الحقيبة من حارسه الذي كان يسير خلفهما ثم أشار له بأن يغادر إلى مكانٍ قريب مجهزاً مسبقاً من بضعة رجال آخرين مسلحين وعلى استعداد تام لتنفيذ مطلبه.
أغلق الباب وأشعل الإضاءة الخاصة بالمنزل فأنار المكان، التفتت هي تجول بأنظارها حوله، مميز وبسيط ولا يحتوي على الكثير من الأثاث، هناك طاولة جانبية يرتص حولها أربعة مقاعد وبساطاً يدوياً وضع أرضاً، تحمحم يردف ويده تحاوط خصرها:
– يعد مكاناً رديئاً لا يليق بكِ ولكنه آمناً عن غيره، كنت آتى إلى هنا كلما أردت إثارة غضب ميشيل.
ابتسمت ثم نظرت في عينه وتحدثت بإعجاب صادق وبلهجة مصرية:
– بالعكس أنا حبيته جداً، أكتر حاجة عجبتني بساطته.
ابتسم لها ثم حثها على التحرك معه يردف بنوعٍ من أنواع السعادة وهو يغمز لها بعينه قائلاً:
– لأريكِ محتوياته إذاً.
تحركا معاً نحو ركن جانبي عبارة عن مطبخٍ بسيط لا يحتوي على أشياءً كثيرة، فقط بعض العبوات والأصحن والأكواب الموضوعة على رفٍ خشبي وتغلفها الأتربة، يجاورهما موقد مسطح بسيط، تفاصيل بسيطة وصغيرة التقطتها عينيها بحب وتعجب.
تحركا بعد ذلك نحو الحمام، واسعاً ولكن جدرانه بدائية، خالياً تماماً من أي وسيلة مرفهة، يحتوي في ركنه على خزان بلاستيكي لحفظ المياة وغيره من الأدوات والأواني البسيطة.
وقبل أن تسأله بتعجب سحبها معه إلى داخل الغرفة الوحيدة هنا.
لتجد سريراً صغيراً بعض الشيء ولا شيئاً سواه داخل تلك الغرفة المتوسطة.
نظرت له بتعجب واندهاش ثم قالت مبتسمة:
– أتمتلك هذا المكان حقاً؟ كنت أعتقد أنك لا تمتلك سوى الأماكن الفارهة.
رفع ذراعيه يحاوط كتفيها قائلاً بثبات وعينه منكبة على عينيها:
– هذا يعد مخبأي، آتى إلى هنا لأنزع صقر الصياد كما يطلقون علي.
زفرت تومئ بعيون لامعة عاشقة ثم تحدثت متسائلة بنبرة يشوبها القلق:
– وهل ستذهب لعائلتك الآن؟ أرى أن الوقت أصبح متأخراً.
طالعها بحب وتحدث بنبرة هادئة قائلاً:
– لنقضي الليلة معاً هنا، ولنتجرد من أي أفكار، أنا وأنتِ فقط، ثم سأذهب غداً أنهي هذا الأمر وأعود.
أومأت له تبتسم ليحرك رأسه تجاه السرير قائلاً بخبث ودعابة:
– هذا السرير متينٌ جداً، مصنوعاً من أجود أنواع الأخشاب هنا، يتحمل زلزالاً بقوة 6 ريختر، ما رأيكِ أن تجربيه بنفسكِ.
ضحكت عالياً عليه ونادراً ما يحدث أن تضحك بهذه الطريقة التي تستحوذ على كل حواسه وتجعله يبتسم لا إرادياً هو الآخر.
تركته واتجهت تجلس على طرف هذا السرير المتين وتتحسس متانته بيدها برقة لتنظر له قائلة بمكرٍ أنثوي:
– نعم معك حق إنه متين.
خطى باتجاهها خطواتٍ متمهلة ينظر لها بعيني مشتهية تتراقص المشاعر بهما حتى وصل إليها لينحنى ويحاصرها بين ذراعيه التي ارتكزت جنبيها قائلاً بأنفاسٍ لاهثة:
– هذه لا تعد تجربة جيدة، دعيني أريكِ كيف نتأكد من متانته.
مال يلتهم شفتيها في قبلةٍ ساحرة جعلتها تتخذر وتميل للخلف وهو معها ليأخذها عبر رحلةٍ فوضويةٍ مشاغبة.
يجلس ميشيل ينتظر اتصالاً من أحدهم.
رن هاتفه فأجاب سريعاً يقول بترقب:
– هل عرفت مكانه؟
أردف الرجل والذي يعد فرداً من رجاله قائلاً بجمود:
– نعم سيد ميشيل، وصلنا إليه من خلال جهاز التتبع الذي تم تركيبه في سيارة رجاله أمس، هو في قرية فراسو سابينو التابعة لمدينة لاتيوم.
ضحك ميشيل يردف بقسوة وتباهي:
– حسناً هذا جيد جداً، الآن انتظروا إلى أن يغادر وأحضروها لي.
أردف الرجل بتوتر:
– ولكن سيد ميشيل هذا صعباً جداً، المنزل محاط بمنازل ريفية وسط الجبال، ورجال صقر ينتشرون بين المنازل متخفيين، يصعب علينا اختراقه.
اكفهر وجههُ وقال بغضب:
– اسمع يا هذا، أنا لم أنتظر تلك اللحظة منذ مدة كي تفشلوا، جدوا طريقة واحضروها حتى لو ستبيدون القرية بأكملها.
تحدث الرجل بتروي يحاول تبرير أسبابه قائلاً:
– في تلك الحالة ستتبعها الشرطة الإيطالية سيد ميشيل وأظن أنك لا تريد ذلك، فقط لتخرج من ذلك المنزل وسنحاول.
تحدث قبل أن يغلق بجمود:
– لا تحاول، افعل فقط، أحضرها لي.
صباحاً في القرية الإيطالية
تقف نارة في الحمام التابع لهذا المنزل ترتدي قميص صقر الأبيض وتحمل في يدها إبريقاً ممتلئاً بالمياه الدافئة التي تم تدفئتها عن طريق الموقد، لتقوم بسكبه على جسد هذا الجالس على مقعدٍ خشبي متوسط الطول يستمتع بتحميمها له في تلك الأجواء الرومانسية الأقل بساطة.
ضحكت بخفة وهى تعاود أخذ المياة من هذا الوعاء حيث تغمر الإبريق فيه ثم ترفعه ممتلأً إلى رأسه التى امتلأت بالرغاوي بفعل الصابون وتسكبه فوقه بحنو لتسقط المياه على جسده ساحبة في طريقها تلك الرغاوي.
تساءل وهو مغمض العينين ويديه تدلك جسده لتزيل بقايا الصابون قائلاً بحب بعدما استمع لضحكتها:
– هل تذكرتي أمراً ما.
عادت تضحك بنعومة قائلة بنبرة مؤثرة:
– نعم تذكرتُ فيلماً سينمائياً يعرض نفس المشهد هذا وكنت أتساءل متعجبة كيف يستطيع هؤلاء الناس التأقلم مع تلك الحياة، ربما لأنني اعتدتُ حياةً مرفهةً كنت أتعجب، ولكن حقاً ما يحدث الآن هو شيئاً ممتعاً وتجربةً جديدة أود تكرارها، أحب أن أبدو كأمٍ لك وأهتم بك وبكل ما يخصك.
تحدث بحب قائلاً بثقة بعدما أزال بقايا الصابون من على عينه وطالعها:
– وأنا أحب هذا الشعور منكِ، لذا فلتفعليه دوماً، لتعتبريني طفلكِ المدلل.
أردفت بحب وسعادة وقد انتهت والتقطت منشفة لتجففه قائلة:
– بكل سرور يا صغيري.
تناول منها المنشفة ووقف ليكمل هو تجفيف جسده ثم لفها حول خصره قائلاً بترقب:
– والآن حان دوركِ.
كادت تعترض ولكنه أجلسها لتشهق محاولةً إيقافه ولكنه وجد طريقه في فك أزرار قميصه ونزعه من عليها ليفعل مثلما فعلت معه ويحممها وسط ضحكاتها وسعادتها في هذه الأجواء البسيطة.
بعد وقتٍ
يجلسان على تلك الطاولة يتناولان فطورهما، تحدثت متسائلة بتوتر:
– صقر هل يمكن احتمال عدم إقناع عائلتك بتخليك عن تلك الأعمال؟
زفر يفكر قليلاً، هي لا تعلم أن الأمر يعد مستحيلاً، هو فقط يحاول من أجلها، يحاول لينفذ وعداً قطعه لها، وليرى إلى ماذا سيصل، ليجيب بثبات مخادع مبعداً عينيه عنها حيث ينظر لكوب الشاي في يده:
– سأجد طريقةً ما، لا تقلقي، والآن أريد أن أرحل، سأغيب عنكِ ربما لوقتٍ طويل، رجالي في الخارج يأمنوكِ جيداً، وسأراسلكِ دوماً حتى وأنا أتحدث مع ميشيل.
قالها غامزاً ليزيح غمامة القلق التى رآها في عينيها لتبتسم له قائلة بحب:
– سأنتظرك.
نظر لها مطولاً ثم تحرك إلى الخارج وأغلق الباب ليجد ليونيل ينتظره بعد أن جاء إليه منذ قليل ليتحركا سوياً إلى وجهتهما.
رفع هاتفه الخاص يهاتف أحدهم قائلاً بغموض:
– هل وضعت الأسلحة كما اتفقنا؟
تحدث ماركو بخفوت:
– في المكان المتفق عليه، أحاول أن أعلم عمّا يخطط ميشيل، هو لم يخبر أحداً، ما زال يشك في أمري، ولكن سأبذل قصارى جهدي، أخبرني هل أمنت زوجتك جيداً؟
تحدث صقر بشرود والقليل من الحيرة والقلق قائلاً:
– أخشى أنّ غلبتني عاطفتي حينما أتيتُ بها إلى هنا، ربما بقاؤها في مصر كان أكثر آماناً من هنا.
تحدث ماركو معترضاً:
– هنا ستكون بالقرب منك، حتى عند حدوث خطأ يمكنك التصرف أسرع، أما هناك فستكون بدونك ويصعب عليك التصرف بشكلٍ سريع، ميشيل لا يعيقه شيئاً لا هنا ولا هناك، ما فعلته هو الصواب، لا تقلق الأمور ستسير على ما يرام.
زفر صقر يومئ قائلاً بضيق ولم تطمأنه كلمات ماركو، في كلتا الحالتين سواء كانت هنا أو في مصر لن يطمئن إلا بعد أن ينهي هذا الأمر ويعود إليها لذا تحدث ببرود:
– حسناً ماركو، هيا أغلق.
قررت هي تنظيف المكان أولاً ثم لتشرع في الصلاة ومن بعدها تجلس تقرأ كتاباً إلى أن يعود.
أرسل لها رسالةً عبر الهاتف فأسرعت تفتحها لتقرأ كلمته التى تحبها ( اشتقتُ لكِ ).
ابتسمت وأرسلت له مثلها ( وأنا ايضاً اشتقتُ).
زفرت ثم تركت هاتفها على الطاولة لتقرر بدء التنظيف من الغرفة.
أما ميشيل الذي يتحدث مع رجاله متسائلاً:
– أخبرني أخباراً سارة.
تحدث رجله قائلاً بثبات:
– سيدي لقد غادر صقر، والآن هي بمفردها في ذلك المنزل، ولكن المكان معبأ برجاله الذين يؤمنوها جيداً.
تحدث ميشيل بحقد:
– حسناً يبدو أن رجال صقر أكفأ من رجالي، أراكم ترتعشون منهم، لتختبئوا مني إذا وأجلب غيركم يحضرها لي.
شعر الرجل بالدماء تغلي في عروقه ليقول محاولاً إرضاء سيده وإثبات قوته أمامه:
– سأجلبها لك سيد ميشيل، فقط أمهلني بعد الوقت، سأجد طريقةً ما.
تباهى ميشيل بطريقته التي أقنع بها رجله وقال بجمود:
– هذا هو رجلي، أعلم أنك ستحضرها لي قبل عودة صقر وإلا فقد انتهى أمركم جميعاً.
أغلق بعدها ليقف هذا الرجل الذي يعد من أكفأ رجاله والذي يختارهم للمهام الصعبة،، يفكر في طريقة يمكن إخراجها بها من هذا المنزل بأي شكلٍ كان.
بعدما انقضت مسافة الطريق
وصل صقر أمام قصر موراكو، طوال طريقه يراسلها ويحدثها وتبادله بحب، ترجل هو وليونيل ورجلاً آخراً وخطوا بإتجاه باب القصر ليجد رجال ميشيل يعترضون طريقه وأحدهم يردف بجمود:
– علينا تفتيشكم أولاً سيد صقر.
نظر له بغضب، لو قالها في أي وقتٍ مضى لربما قتله، دوماً كانت أبواب قصر موراكو تفتح تلقائياً له وينحني حراسها احتراماً لحضوره، ولكن يبدو أن ميشيل بات يخشاه الآن، رفع ذراعيه يفتح طرفي جاكيته ليبدأ الحارس بتفتيشه بناءاً على الأوامر التي تلقاها من ميشيل.
نزع السلاح الذي كان يوضع حول خصره وكذلك تم أخذ أسلحة رجليه.
فتحوا لهم الطريق بعدها ولكن توقف صقر يلتفت لهما قائلاً:
– انتظراني هنا.
وقف رجليه ودلف هو بمفرده بخطوات ثابتة وواثقة، يخطو في الطرقات التي يحفظها عن ظهر قلب.
وصل أمام باب قاعة اجتماعات العائلة لعلمه أنهم ينتظروه، دلف يقف عند الباب ويطالعهم، ينظرون له جميعهم، وجوه تطالعه بكرهٍ واضحٍ وأخرى تنظر له بخبث وتشفي، هو يعلم جيداً أنهم يكرهونه وهذا شعوراً متبادلاً.
بينما وقف ميشيل يفرد ذراعيه مرحباً بخبث:
– أهلاً بعودتك لأبيك يا صغيري.
تعمق في عينيه الخبيثة ليردف دون أن يعيره اهتمام:
– جئت لأتحدث، لذا لا داعي لأي استعراضات زائفة.
أنزل ميشيل ذراعيه وعاد يجلس واضعاً ساقاً فوق أخرى ليقول له بجمود:
– نسمعك إذاً.
وقف صقر بينهم بمفرده ثم تقدم يجلس على مقعد يتوسطهم قائلاً بثبات:
– مؤكد تعلمون جميعكم سبب مجيئي، جئت لأنهي خدمتي معكم.
أردف ميشيل بغضب يغلفه البرود:
– هل هذا أمر زوجتك؟ أيعني أنك فضلت أن تكون ولداً مطيعاً لتحصل على رضاها؟
يعلم أنه يستفزه لذلك تحدث ببرود متجاهلاً حديثه:
– لن يتأثر شيئاً بدوني، مثلما ذهبتُ إلى مصر وأتممت مهامكم على صعيدٍ جيد، وأما عن الشركة والشحنات يمكن لإبنك الغالي أن يديرهم فقد أصبح بارعاً في إدارة الأعمال، لم أعد أريد شيئاً من عائلة موراكو اللعينة.
تحدث داروين بغضب:
– الآن بعدما شبعت واكتفيت باتت عائلة موراكو لعنة؟ أنسيت فضلنا عليك يا ابن ناصر، ومن يضمن لنا أنك لن تفشي بنا؟ هل سنظل تحت رحمتك؟ هذا لن يحدث، لا يحل عهدنا سوا الدم.
نظر له صقر بجمود قائلاً وهو يسعي ليتحكم في غضبه:
– أعلم ذلك جيداً، وأنتم تعلمون أيضاً أنني لستُ ثرثاراً، فقط لم أعد أرغب في هذا العمل وتلك العائلة.
تحدث ميشيل بخبث:
– ألم تفكر في حلفائنا؟ هؤلاء لا تلاعب معهم، ألا تخاف من انقلابهم عليك.
تحدث بثبات وشموخ:
– أنت الراعي الرسمي للعائلة أمامهم وأنا لستُ سوى فرداً مميزاً من تلك العائلة، يمكنكم إعتبارى أنني متُّ، لذا لا داعي لتضخيم الأمور.
تحدث ميشيل للمرة الأخيرة بهدوء:
– راجع نفسك جيداً صقر، فكر جيداً فيما تطلبه، قوانيننا لا تقبل التلاعب، وأنت تعلم ذلك جيداً.
زفر صقر ليتابع بترقب وثبات وهو يفرد ظهره للخلف:
– التلاعب أنت من بدأته حينما سعيت لقتل زوجتي، ثم أكمل إبنك تلاعبه بي وأخبرك مكاني، أنتم من بدأتم معي ولستُ أنا، لذا فالأمر منتهي، لتخبرونني بما يتوجب دفعه.
نظروا جميعهم إلى بعض ثم أومأوا لميشيل ليقف ويقول بخبث:
– هل ستتنازل عن كل ثروتك؟
ابتسم فهو يعلم مقصدهم تماماً لذا أخرج من جيبه قلماً وقال بثبات:
– أعلم أنكم جهزتم الأوراق، لذا دعونا ننهي الأمر، لأقرأها ثم أوقع وليبتعد كلٍ منّا عن الآخر.
نظر له ميشيل ببرود ثم أشار لإحدٍ من رجاله فناوله ملفاً يحتوي على عدة أوراق ليرى رد فعله وهو يمده إليه، تناوله صقر الذي فتحه وبدأ يفحصه ويدقق فيه ليجد أنهم لم يستثنوا شيئاً، كل ممتلكاته المعروفة مدونة هنا، ظل يتفحصه لدقائق وابتسم بتهكم ثم ضغط على قلمه ليدون توقيعه بعدها ويلقى بالملف على الطاولة التي تتوسط الغرفة قائلاً:
– هل هناك شيئاً آخراً؟
ظهر غضب ميشيل بعد حديثه، كاد أن يستخدم أمواله كورقةٍ رابحةٍ في منعه ولكنه فاجئهم بتنازله هذا، ليردف بحقد:
– أنت مثل والدك، ناكراً للجميل، أنت وهو متشابهان، يغلبكما العشق، مخنثان حقيران تنقادان خلف شهواتكما.
عروق وجههُ تتحرك وفكه يصدر أصواتاً دالة على غضبه وهو لا يريد أن يغضب أبداً الآن، لذا حاول جاهداً أن يظهر بروده قائلاً:
– ليكن كما تراه، من شابه أباه فما ظلم، ليس عيباً أن أكون مثله، أفضل من أن أكون مثلك، والآن انتهى النقاش، لينتهي كل شيء هنا.
وقف ينظر لهم جميعاً ثم تحدث بثبات يردف:
– لا أراكم على خير عائلة موراكو.
التفت يغادر القاعة، يعلم أن الأمر لن ينتهي على هنا، يعلم جيداً انتقامهم وكرههم له.
أما أندرو إبن داروين وقف يتحدث بغضب بعدما غادر صقر:
– هل ستتركه يرحل؟ هذا أصبح خطراً علينا، يجب تصفيته الآن وهو أمام أعيننا.
ليشير له ميشيل بأصبعه قائلاً بغضب:
– اهدأ، سيعود بعد قليل، سيعود ويضع رأسه تحت أقدامنا.
تحرك يغادر ويتناول هاتفه ليتحدث إلى رجله متسائلاً:
– ماذا فعلت؟
تحدث الرجل الذي يراقب الوضع قائلاً:
– ما زلت أنتظر خروجها سيد ميشيل.
صرخ ميشيل فيه بغضب حاد:
– أقسم إن لم تكن هنا قبل أن يصل إليها صقر لأقتلعت رؤوسكم جميعاً، أفهمت، لا تنتظر خروجها بل أخلق سبباً لتخرج.
أغلق ميشيل يتنفس بغضب ثم تحرك باتجاه النافذة ليرى صقر وهو يغادر وخلفه رجلان أحدهما ليونيل، ضيق عينيه مستفهماً، أولم يقتله؟ إذا هو لا يعلم بخيانته له؟ حقاً بات صقر ضعيفاً بسبب إمرأة.
ضحك بشر ليردف بقسوة:
– حسناً، لتعود إلي مجدداً وسأريك كيف تجعل تلك الفتاة خاضعةٌ لك.
غادر في سيارته مع رجليه، يفكر بشرود، لن يرتاح إلا إذا قضى على تلك العائلة، يعلم جيداً أنهم لن يتركوه يعيش بسلام، ولكن لن يستسلم.
رفع هاتفه يحدثها فأجابت مسرعة بلهفة:
– صقر، أخبرني ماذا فعلت؟
زفر براحة عندما سمع صوتها يجيب بحب:
– حسناً جميلتي، أنا الآن في طريقي إليكِ، لقد تنازلت لهم عن كل ما جمعته من تلك الأعمال.
زفرت براحة وهي تقول:
– الحمد لله، لا تعلم مدى سعادتي بسماعي لهذا.
تحدث بحب:
– لتسعدي دوماً، ماذا تفعلين الآن؟
تحدثت وهي تبحث عن غرضٍ ما قائلة:
– أعد طعاماً شهياً، والآن أريد زيتوناً طازجاً وليمون، لقد رأيتُ من النافذة أشجار زيتون وليمون في الخارج هل يمكنني اقتطاف بعضه؟
تحدث بثبات وجدية:
– لا تغادرين المنزل أبداً.
زفرت تومئ قائلة بهدوء:
– حسناً، كما تريد، هيا أنتظرك.
أغلقت معه لتعود وتكمل إعداد الطعام كما تريد.
بعد وقتٍ
وجدت من يطرق بابها لتتسائل بتوتر:
– من؟
تحدث الرجل باحترام:
– هذا أنا سيدتي، خذي هذا من فضلكِ، لقد أمرني السيد صقر أن نقتطف لكِ حباتٍ من الليمون والزيتون وها هي.
أسرعت تفتح الباب لتجده ينظر أرضاً باحترام ويتمسك بسلة تحتوي على بعض الحمضيات الطازجة لتتناولها منه قائلة بهدوء:
– شكراً لك.
كادت تغلق ولكن ظهرت فجأة سيدة مسنة تبدو من سكان القرية وكانت في حالة فقيرة تطالعها بعمق قائلة برجاء:
– كيف حالك ابنتي، هل يمكنكي مساعدتي من فضلكِ؟
منعها الحارس يردف بجمود وهو يحاول دفعها:
– غادري حالاً أيتها العجوز.
كادت تسقط فأسرعت نارة للخارج نحوها تساندها ثم نظرت للحارس بغضب معنفة:
– اتتعامل مع الكبار هكذا؟ ألم يكن لديك أم؟
ربتت العجوز على يدها وهي تتمسك بها قائلة بضعفٍ وانكسار:
– شكراً لكِ بنيتي، لم أكن أعلم أنكِ تمتلكين حراساً، أنا أسفة.
كادت تتحرك لتوقفها نارة قائلة بحنو:
– انتظري،، كنتِ تودين مساعدة ماذا تريدين؟
ليعترض الحارس وزميله الذي جاء إليه مسرعاً بعدما لاحظ حالة الشغب هذه قائلاً:
– سيدتي لا يجب أن تخطي خارج المنزل، فضلاً دعيها ترحل.
أومأت العجوز قائلة:
– هما محقان، يجب أن أغادر، سأحاول إيجاد شخصاً آخراً يساعدني.
تحركت خطوة لتلحقها نارة وتردف بعاطفة:
– انتظري.
توقفت العجوز لتلتفت نارة للرجلين قائلة بصرامة:
– أنتما فقط مأموران بحراستي وليس بتقييدي، لذا توقفا عن مضايقتي وأتما مهمتكما في صمت.
نظر الرجلان لبعضهما وخشيا من غضب صقر عليهما، لذا قررا الصمت ولكنهما يحومان حولها وباقي الرجال ينتشرون في الأرجاء والأزقة.
نظرت نارة للعجوز وتساءلت بحنو:
– والآن أخبريني، ماذا تريدين؟
ابتسمت لها تقول بانكسار ونبرة مؤثرة:
– لدي حفيدة واليوم تحتفل القرية بأكثر حدث مهماً فيها وهو عرض أزياء يقام سنوياً نرتدي فيه ملابس مصنوعة من منتجات معاد تدويرها، وإن أعجب أحدهم بها أشتراها، وحفيدتي تريد صنع واحداً بالزجاجات البلاستيكية، وأمس حاولت صنع واحداً وقد فشلت والآن تبكي وحزينة وأنا ليس لدي سواها، مررت على بيوت الجيران ليساعدني أحدهم ولكنهم رفضوا وكنت عائدة منكسرة الخاطر لأخبرها، ولكن رأيتكِ الآن قُلت لربما تستطيعين مساعدتي ومساعدة حفيدتي الغالية.
استمعت لها نارة بتأثر ثم أومأت تردف قائلة:
– حسناً بالطبع سأساعدكِ.
نظرت للحارس الذي يقف يجاورها قائلة:
– أرأيت؟ لا داعي لتضخيم الأمور، هي فقط أرادت المساعدة.
ليردف باحترام وثبات:
– لا تصعبي الوضع سيدة ناردين، السيد صقر لن يرحمنا.
زفرت تفكر قليلاً، تنظر لوجه السيدة المنكسرة تارة وتفكر في زوجها تارة، ولكن بحياتها لم تتوارى عن عمل الخير، وهذا يعد كذلك، لربمَ إن ساعدتها اأكرمهما الله.
زفرت وتساءلت بترقب:
– أين هو منزلكِ يا أمي؟
أردفت العجوز وهي تشير على نقطةٍ ما:
– قريبٌ جداً، هل ستأتين معي؟
أومأت لها ونظرت للحارسان قائلة:
– رافقاني ولا تقلقا سنعود سريعاً، ولا داعي لإخبار السيد صقر.
أغلقت بابها وتحركت مع السيدة والحارسان يتبعانها ويحاولان الوصول إلى صقر ولكن شبكة الاتصال به منقطعة.
صارت حتى وصلت أمام منزل العجوز لتفتح باب منزلها قائلة بابتسامة:
– تفضلي بنيتي، حفيدتي في الداخل.
أوقفها الحارس قائلاً:
– انتظري سيدتي.
دلف هو أولاً يتفحص المكان فلم يجد شيئاً سوى طفلة تجلس في أحد الأركان ويبدو عليها الحزن.
خرج يومئ لها فدلفت المنزل لتجد صغيرة جميلة ذات جديلتين نسجتا من خيوط الشمس.
انحنت إليها تردف بحب وتساؤل:
– لِمَ أنتِ حزينة أيتها الجميلة؟
نظرت لها الطفلة بصمت ثم لفت نظرها لجدتها التي أومأت لها لتبدأ الطفلة في إخبارها بنفس الحديث حتى انتهت فقالت نارة بحنو:
– حسناً، دعينا نعيد صنعه سوياً، ولنحضر تصميماً مناسباً من الهاتف ثم ننفذه.
أومأت الطفلة تبتسم بهدوء بينما وقفت نارة تبحث عن هاتفها في جيبها لتتذكر أنها تركته في المنزل.
زفرت واتجهت حيث يقفا الحارسان لتنظر لأحدهم قائلة:
جلست مع الطفلة أرضاً ثم تساءلت وهي تبحث بعينيها:
– أين الزجاجات البلاستيكية؟
أومأت العجوز قائلة وهي تخطو صوب غرفةً ما:
– حسناً، سأحضرهم في الحال.
لتدخل غرفتها وتتجه تفتح إحدى الستائر الموضوعة على حائطٍ ما ليتضح أنه باباً خلفياً للمنزل.
فتحته ليدلف منه رجلان انحنيا حتى يستطيعا المرور وذلك بسبب ضخامة بنيتهما.
أشارت لهما العجوز قائلة:
– هي في الخارج ومعها حارساً واحداً فقط.
أومأ أحدهم وخرج ليغطي بظله هيأتها فرفعت نظرها لترى هذا الحائط البشري.
صدمت وجحظت عينيها وانسحبت أنفاسها وقبل أن تصرخ أسرع يكمم فمها بقطعة قماشية مغمورة بمخدرٍ قوي جعلها تغيب عن وعيها في الحال ولكن كانت قد فلتت منها صرخةً مكتومة انبهت الحارس الذي اندفع لداخل البيت ليشتبك معه الرجل الآخر بينما الأول حمل نارة وخطى مسرعاً يغادر من حيث أتى قبل مجئ بقية حرس صقر.
كان حارس صقر يحاول القضاء على رجل ميشيل ليصل إليها ولكن الأخر أخرج من بين جيبه سكيناً حاداً ليشق به بطنه في الحال ويتركه غارقاً في دمائه ويغادر مسرعاً خلف رفيقه.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اية العربي
ألقاها في سيارة geeb سوداء وركبا ينطلقان وخلفهما سيارة أخرى معبأة برجال ميشيل المسلحين .
انطلقوا بسرعة نسبية في طرقات القرية المعرجة لتتبعهما سيارات رجال صقر الذين كانوا ينتشرون حول القرية .
لتكن تلك النقطة لصالح ميشيل هذه المرة فأهل إيطاليا أدرى بأزقتها ، ربمَا لم يكن ميشيل يعلم بهذا البيت الذي اتخذه صقر مخبئاً له ولكن في العموم هو يحفظ إيطاليا عن ظهر قلب ، درس خريطتها جيداً وهذا كان من أهم نقاط عمله مع المافيا .
ظلت السيارات تطارد بعضها وتصدر الأبواق بصخب وسط أهل القرية الذين يحاولون تجنبهم كي لا يصطدمون بهم ، حتى وصلوا إلى الطريق العام ليبدأ رجال صقر بمحاولة إطلاق النار على إطارات السيارتين ولكن السائقان كانا ماهران في القيادة لدرجة تؤهلهما لتفادي الطلقات .
ظلا هكذا يتبادلون الطلقات في محاولة من رجال صقر إنقاذ سيدتهم وإلا فهم هالكون .
أسرعت سيارتا ميشيل لتبتعدا مسافة مناسبة وفجأة خرجت سيارة نقل كبيرة من طريقٍ فرعي لتقطع السير على سيارات رجال صقر بعدما مر رجال ميشيل .
بعد ذلك وبعدما ابتعدت سيارات ميشيل ترجل من فيها وسحب هذا الضخم نارة الغائبة عن الوعي ليحملها وتتدلى على ظهره متجهاً بها إلى تلك المروحية التي تنتظرهم ، حيث كانت مستعدة للإقلاع بفعل قائدها وها هي تعلو لتغادر قبل عبور رجال صقر ووصولهم إليهم .
❈-❈-❈
كان يجلس ميشيل ينتظر الخبر اليقين بتأهب ، رن هاتفه فأجاب متلهفاً وجمود :
– هل هي بحوزتك ؟
أجاب الرجل بتباهي :
– أجل سيدي ، هي معنا الآن ونحن في المروحية وخلال بضع دقائق سنصل :
ضحك عاليا يشعر بلذة الانتصار وهو يتخيل ملامح صقر من الآن ليقول بجمود معهود به حتى في أوقات سعادته :
– حسناً ، أنتظرك يا بطل .
أغلق واتجه للخارج يستعد للقاء تلك التي استطاعت أن تبدل صقره الجارح إلى طائر الكناري الرقيق ليلقنها درساً لن تنساه .
❈-❈-❈
كانت سيارة صقر تسير في طريقها الجبلي ، كان يمكنه الوصول أسرع عبر مروحية ولكنه لم يرد لميشيل أن يعلم موقعه لذا فهو اختار الطريق الجبلي ليصل لتلك القرية .
ليحاول مجدداً الاتصال بها بعد أن عبر هذا الطريق الذي يعد خالياً من شبكات الاتصال ولكنه تفاجأ بهاتفها مغلق .
تشنجت أنفاسه وهو يحاول الاتصال على أحد رجاله والذي تم قتله منذ قليل فلم يجبه مما زاد من غضبه وتأكيد مخاوفه .
احتدت ملامحه واشتعل جسده وهو يتصل بآخر ليجيب الحارس قائلاً بأسف وهلع :
– سيدي لقد اختطفوا زوجتك .
سقطت تلك الكلمة على صدره كريحٍ صرصرٍ عاصفة أطاحت بكل مكنوناته وبعثرت قلبه ، أغلق الهاتف ونظر للأمام بصمت ، يلعن نفسه ، هو فقط المذنب الأول والأخير في تلك القصة ، هو الأناني الذي أدخلها في وكر الذئاب ، هو الذي ظن أنه قادراً على حمايتها وظن أنه ذكاءهُ سيساعده هنا ولكن أحياناً تخدعنا الظنون ، ليشعر بعدها بجسده كما لو كان يحترق حياً ، جسده ينصهر ويريد إحراق الجميع ، ليتقلب بين بردٍ ونار .
أشار للسائق بالتحرك والدوران والعودة ثم تناول هاتفه وطلب رقم ميشيل الذي لم يجبه ، يحاول مرات ومرات ولكن لا جواب .
ليقرر الاتصال على ماركو الذي أجابه فقاطعه صقر قائلاً بحدة وغضب :
– أقسم إن كنت قد خنتني لأقتلك وأقطعك وأطعم لحمك للكلاب ، لقد اختطفوا زوجتي ، أحاول تصديق أنك بعيداً عن كل ما يحدث ، وإلا لن أرحمك مثلهم .
ليتغاضى ماركو عن كل هذا ويعلم شعوره في تلك اللحظة ويعلم مدى عشقه لها ويتساءل بترقب :
– اهدأ وقل لي أين أنت ؟ ، أعدك بأنها لن تتأذى ، أولم تضع هذا في الحسبان ؟
نعم ربمَا وضع هذا الاحتمال وكيفية التعامل معه ولكن حدوثه بالفعل يجعله في حالة فوضوية كأبٍ اختطفت ابنته ، هو على علمٍ برجال ميشيل وما يمكنهم فعله بها ، لذا تحدث بغضب لن يهدأ أبداً حتى يعيدها آمنة قائلاً :
– أنا في طريق العودة إلى قصر موراكو كي أنزع أحشائهم بيدي .
تساءل ماركو بترقب :
– حسناً ، أين عمر ؟
تحدث بجمود برغم النيران المندلعة في صدره وفي رأسه يُحيك ألف سيناريو لنهايتهم جميعاً :
– هو حيث ينبغي أن يكون ، الكل في مكانه عدااااا زوجتي .
قالها بصوت حاد وهو يتخيل تعرض رجال ميشيل لها ولمسهم لها وإيذائها ليندلع كالبركان الذي شارف على تدمير المدينة .
ليردف ماركو ببرود مستفز :
– إهدأ واسمع جيداً ما لدي ، يجب علينا قطع هذا الطريق تماماً بعد عبورنا .
❈-❈-❈
في منزل والد زينب .
تجلس والدتها على المقعد المتحرك وتجاورها ريما الصغيرة حيث جاءت مع زينب اليوم لترى جدتها ، بينما زينب ترتب المنزل ككل أسبوعٍ .
كان بحوزة الصغيرة دفتر رسم وقلم تدون فيهما ما يأتي على عقلها ، والجدة تنظر لها ولرسمها بحب وتملس على خصلاتها الناعمة بيدها .
بعد ثوانٍ بدأت تتضح معالم رسمة الصغيرة حيث رسمت عدة أطفال يجلسون بشكلٍ عفويٍ في ركنٍ وفي الركن الآخر من الصفحة رسمت شخصاً يرتدي بدلة سبايدرمان ويقبض بيده على رجلٍ آخرٍ يبدو شريراً من ملامحه التي رسمتها الصغيرة بتلقائية .
تعجبت الجدة من الرسمة حيث أنها توقعت أن تلك الرسمة تحمل وراءها قصةً معينةً وربما كانت قصة اختطاف الصغيرة التي تعلمها جيداً .
تساءلت الجدة بحنو وترقب قائلة :
– ريما حبيبة تيتة ؟ ، مين دول يا قلبي ؟.
قالتها وهي تشير على هؤلاء الصغار المرتصين بجانب بعضهم ، زفرت الصغيرة ومالت بوجهها نحو اليمين وهو تتطلع على الرسمة وتحدثت مستعيدة تلك الأحداث بنبرة منزعجة :
– ده أنا يا تيتة ودول الأطفال اللي كانوا معايا في بيت الأشرار لما كانوا عايزين يموتونا .
تألم قلب الجدة لحديث صغيرتها وعلمت أنها لن تنسى هذا الحدث أبداً ثم عادت تتساءل بعدما لاحظت هذا البطل ظناً منها أنه شرطي قائلة :
– وده الضابط اللي خرجكوا من هناك ، صح يا عمري ؟ .
هزت رأسها معترضة تردف بنبرة واثقة برغم صغر سنها :
– لا يا تيتة ده عمو صقر ، عمو صقر هو اللي جه قبل الشرطة وقالنا متخافوش وهو اللي قبض على الأشرار ومشوا ، بس أنا لما شوفته تاني عرفته إنما هو معرفنيش بس أنا رسمته هنا زي سبايدر مان لأنه بطل خارق .
تعجبت الجدة من هذا الحديث ونادت على ابنتها زينب لتستفهم قائلة :
– يازينب ، زيينب .
جاءت زينب من الداخل حيث كانت ترتب لها غرفتها قائلة بأنفاسٍ لاهثة وحنوٍ وهي تطالعها :
– نعم يا ماما ؟ .
تحدثت الجدة بترقب وهي تشير على رسمة الصغيرة :
– تعالي شوفي ريما راسمة إيه وبتقول إيه ؟
اقتربت زينب من صغيرتها ونظرت في رسمتها بتعمن وقد علمت المقصود بها ولكن لم تستدل على هوية البطل لذا رفعت وجهها تنظر لوالدتها قائلة بغمزة مستترة :
– أيوة يا ماما شوفتها ، ريما شطورة ورسومتها كلها جميلة ، دي كمان راسمة الكلاس بتاعها وأصدقاءها في الصف .
ابتسمت الصغيرة لوالدتها ولكن تحدثت الجدة بمغزى قائلة :
– بنتك بتقول إن الراجل اللي لابس لبس البطل ده يبقى عمها صقر ، هو اللي أنقذها يومها .
تنبهت زينب لهذا الحديث المكرر للمرةِ الثانية أمامها ثم نظرت لابنتها قائلة بنبرة مترقبة :
– هو إنتِ متأكدة يا ريما إن ده عمو صقر فعلاً ؟ ، مش يمكن حد شبههُ ؟
هزت الصغيرة رأسها معترضة وقالت بتأكيد وثقة وعيون تشبه عيون عمها :
– لاء يا ماما هو عمو صقر ، أنا عارفاه كويس بس هو نسيني ، أنا عارفاه لإن هو اللي قالنا منخافش ومسك الأشرار قبل الشرطة ، علشان كدة أنا رسمته زي سبايدر مان .
تنفست زينب بعمق واعتدلت في وقفتها تنظر لوالدتها بشرود وتدبر ، تفكر في الأمر ، تعلم ابنتها جيداً وبمَ أن الصغيرة تؤكد على نفس الكلام فهي من المؤكد تقصده ، ولكن هناك سؤاليين مهمين .
لِمَ أخفى صقر تلك الحقيقة وكيف أنقذها من الأساس ؟
ولتعرف الإجابة عليها التحدث إلى سامح كي يتحدث مع صقر في هذا الأمر .
❈-❈-❈
هبطت المروحية فوق سطح القصر وترجل منها هذا الضخم يحمل نارة التي ما زالت غائبة عن وعيها بفعل المخدر ، تتدلى بين يديه كأنها ورقة في مهب الريح .
تحرك إلى مدخل القبو ونزل درجات السلم حتى وصل إلى ممرٍ طويل فتحرك به ليدخل غرفة داخلها غرفة أخرى بها فتحة درج سري لا ترى إلا عندما تفتح .
دلف منها ونزل الدرج ليجد ميشيل في انتظاره .
وقف أمامه يحملها بينما نظر لها ميشيل بتفحص وابتسم وهو يمرر إصبعيه على ملامحها وخصلاتها التى تمردت من أسفل الحجاب بعدما انزاح بفعل حركة هذا الضخم .
تحدث بوقاحة :
– تبدو فاتنةً حقاً ، ربّمَا ألتمس له العذر قليلاً .
ضحك رجله قائلاً بنبرة شهوانية مماثلة :
– وهذا ما تحدثنا به سيدي عندما كانت معنا في المروحية .
نظر له ميشيل بغضب يشير بإصبعه للداخل فاعتدل هذا الضخم وتحرك بها يضعها على سرير يتوسط تلك الغرفة السرية التي يغلب عليها اللون الأحمر حيث يستخدمها ميشيل في تعذيب ضحاياه .
وقف ميشيل ينظر لها بتأمل ثم التفت قائلاً :
– قيدها وغمم عيناها قبل أن تستيقظ ، لدي ما سأقوله لها .
أومأ له وتحرك يفعل ما أمره به بينما هي كالأموات لا تعي شيئاً .
بعد وقتٍ بدأت تتململ لتنتفض فجأة برعب عندما أدركت الحقيقة المرعبة التي وقعت فيها ، تحاول النهوض ولكن منعتها يديها وقدميها المكبلين من الحركة ، عينيها أيضاً مغممة .
لتبكي وتصرخ بصوتٍ واهن وهي تحاول فك قيودها ، حالة من الرعب والهلع والظلام والضعف تسهّل على الشيطان عمله حيث تراكمت الأفكار في رأسها .
ليكن شاهداً على كل ما تشعر به هذا الذي يجلس يتابع رعبها وصراخها بانتشاء وسعادة .
اعتدل ليقول ببرود وقسوة :
– كلما حاولتِ التحرر من قيودك تألمتي أكثر ، لذا كفي عن الحركة أو تابعي الصراخ لأتلذذ .
صوته بغيضاً يسرب الرعب إلى أوردتها ، لتتوقف عن الصراخ وتحاول استكشاف أي شيءٍ حولها ولكن دون جدوى .
توقف ميشيل وخطى باتجاهها حتى توقف أمامها وشعرت هي به وهو يقول بتشفي :
– أراكِ لا تقوين حتى على الصمود ، وتظنين أنكِ قادرة على التغلب عليّ وعلى قوة موراكو ؟
كانت ترتعش ، قلبها كاد أن يتوقف ، كل ما بها ينتفض خوفاً ، وهو غير موجود ، إذا لا آمان ، لذا تساءلت بصوتٍ مهزوز :
– أين صقر ، أريد زوجي .
ضحك بنبرة يتمثل فيها شر العالم ثم أردف بجمود :
– سيصل بعد قليل ، فقط مسافة الطريق ولكن دعيني أخبركِ أمراً ما ، ما تحاولين ترتيبه هو بالأساس لوحةً مبعثرةً ، إن رتبت لن يتأملها أحداً ، اللغز يكمن في بعثرتها ، لذا فأنتِ لن تفلحي ، لأنكِ مجرد معجبةً نظرت لها من بعيد ، أما أنا فهو الرسام الحقيقي لها ، أنا من صنع تلك اللوحة التي يتأملها الجميع ، لذا فالوحيد القادر على ترتيبها هو أنا ، فهمتِ أيتها البلهاء .
تعلم مقصده تماماً ، تعلم أنه يقصد صقر ، لقد ظنت أن الأمر انتهى ولكن ما حدث معها ونبرة هذا الرجل المرعبة يثبتان لها أنها كانت لا تفقه شيئاً عنهم .
لتتحدث بتلعثم وذعر :
– ابتعد عني ، أنا أريد صقر .
وقف يردف وعينيه تسير عليها قائلاً بعيون زائغة ونبرة مستهزأة :
– حسناً يا فاتنة ، لننتظر مجيئه إذا ، ولتعلمي أن مكانته عندي عاليةً جداً وإلا لكنتِ الآن في قاع الجحيم حيث يتغذى رجالي على بقاياكِ .
أنفاسها تكاد تتوقف وفي حالة هلع حاد من حديثه ، جاء رجله يسرع للداخل ويخبره بلهاثٍ قائلاً :
– سيدي لقد وصل صقر .
– ﭢوووو ، لقد وصل في وقتٍ قياسي ، يبدو أنكِ تمتلكين قدرة رهيبة على جذب الرجال .
قالها ميشيل وهو يتمعنها فانكمشت في مكانٍ ما لتحاول بث الآمان لجسدها فهو الآن هنا ، إما أن يخرجان سوياً أو يموتان سوياً ولكن مؤكد لن يسمح لهم بمساسها .
نظر ميشيل إلى الرجل قائلاً :
– كمم فمها حتى لا تصرخ وتعال معي .
أومأ واتجه يكمم فمها رغم انتفاضها ومحاولة منعه ولكن بالطبع هي في موقف ضعيف .
تحركا للخارج وتركاها تواجه مخاوفها بمفردها داخل تلك الغرفة المخيفة فبرغم عدم رؤيتها لها إلا أن حدسها يخبرها أنها مرعبة وهي حقاً كذلك
ترجل هو ورجاله أمام قصر موراكو ليمنعه أحد الحرس قائلاً بصرامة :
– أنت بمفردك دون اصطحاب فرداً واحداً .
أشار إلى رجاله بالتوقف وهو في حالة يجتمع فيها قوة عشقه وغضبه معاً حيث بإمكانه هدم جدران القصر فوق رؤوسهم ولكنه يخطو ثابتاً .
توجه إليهم ليبدأوا بتفتيشه فلم يجدوا معه أية أسلحة .
برغم تعجبهم إلا أنهم أفسحوا له المجال فعبر نحو الداخل وتحرك صوْب المكان الذي سيجد فيه ميشيل ، القصر صمم ليكون كالمتاهة ، ممرات وأزقة كأنك في منجم أسفل باطن الأرض .
ليصل إلى تلك الغرفة التي يقف على بابها رجال ميشيل ينظرون له بتشفي وشماتة ، الكل بات يكرههُ فقط لأنه قرر الابتعاد عن عالمهم .
فتحوا له الباب ودلف ، وجد ميشيل يجلس على مقعده وخلفه رجلين بينما الغرفة معبأة في كل ركنٍ رجل يقف كالتمثال مستعداً في أي وقتٍ للاشتباك .
توقف أمامه وتبادلوا نظرات الكره بوضوح ليردف صقر بثبات برغم ما يشعر به :
– أين زوجتي ؟.
تحدث ميشيل ببرود :
– اطمئن ، لن يمسسها أحداً بسوء ، برغم أن ما فعلته بنا سيئاً للغاية ، ولكن تبقى هي زوجة صقر الجارحي ، ليست كغيرها من النساء .
يحاول أن يسحق غيرته حتى لا تكن شرارة حرقهم ليردف بثبات يخالف ثورته :
– لأراها بنفسي .
تحدث ميشيل وهو يقف قائلاً بتأكيد :
– مؤكداً ستراها ، ولكن دعني أولاً أخبرك أمراً ، وليكن كل شيء واضحاً ، خطة اختطافها كانت الأخيرة ، بعدما فشلت كل سبلي في عودتك إلينا ، لا أنكر أني تفاجأت من تنازلك عن كامل أموالك ، ولكن حين رؤيتها تقبلت ذلك ، لذا فهناك خيارين لك ، وأنت من ستقرر إحداهما .
– قُل .
قالها بعيون ثاقبة تكاد تخترق جسده ويدان قابضتان لو تحررتا لنزعتا قلبه واعتصرتاه بل وسحقتاه سحقاً .
ليردف ميشيل وهو يعاود الجلوس على مقعده واضعاً ساقاً فوق الأخرى :
– الأول هو أن تقنعها ببقائكما هنا مثلما أقنعتك هي بالتخلي عن عائلتك ، ستعيشان معنا في هذا القصر وتمحو من عقلك فكرة تخليك عنّا ، بل وسيكون ولاؤك الأول والأخير لنا ، وستكون هي لك وتحت سيطرتك ، وأظن أنك قادراً على ذلك كما عهدتك ، من المؤكد أنك تستطيع إخضاعها .
– والثاني ؟
تساءل بها صقر بثبات قوي ليتابع ميشيل ببرود وترقب :
– قتلها في الحال وأمام عينيك ، ومن ثم تسليمك للكابو كالخونة .
سحب نفساً طويلاً وعينيه لا تفارق عين ميشيل ، ثم نظر أرضاً لثوانٍ ليعاود رفع عينيه له ليرى ميشيل تلك النظرة كأنها للتذكير ، للتوعد ، نظرة تتكلم بتهديدٍ واضحٍ وصريح ، ليردف ميشيل متجاهلاً تلك النظرة التي ربّمَا أخافته :
– أمامك ٦٠ دقيقة لتقرر ، ٦٠ دقيقة مصيرية ، استرح وفكر جيداً .
تحدث مقاطعاً :
– لا داعي للوقت ، دعني أراها ، وليكن خياري هو الأول .
ضحك ميشيل عالياً يومئ قائلاً بتعجب زائف :
– أوه ، لقد تغيرت حقاً ، ظننت أنك ستجادل لخيارٍ ثالث ، ولكنك دوماً تفاجئني .
تحدث بنبرة غاضبة متجاهلاً نبرته :
– أريد رؤيتها الآن .
ليرد عليه بنبرة ساخرة :
– أوه أحب اللقاءات الرومانسية الممزوجة بالدراما ، ولكن لننتظر قليلاً حتى توقع على معاهدة ، لربما تلاعبت بي ، باتت ثقتي بك مفقودة .
– لأراها أولاً ثم أوقع .
قالها بتصميم صارم جعل ميشيل يرضخ لرغبته ويشير إلى رجله الذي ناوله حاسوباً .
فتحه ميشيل ليلفه تجاه صقر حيث تظهر وهي منكمشة على نفسها ترتعش ، عينيها مغممة وفمها مكمم وأطرافها مكبلة ، ليعود بذاكرته لأول مرة رآها فيها ، كم كانت جميلة حيوية شفافة وجريئة والآن هي في أضعف حالاتها وأفزعها ، لذا فهو الآن شيطاناً ملعوناً .
تحدث يقول بنبرة جليدية :
– أحضر ما تود توقيعه .
أشار إلى رجاله مجدداً ليناوله أحدهم ملفاً القاه تجاه صقر قائلاً بجمود وقسوة بعدما تخلى عن بروده :
– وقع .
كان الملف ملقى تحت قدمي صقر ، انحنى بجذعه وعينيه عليه يتناوله ثم وقف يفتحه ودون أن يقرأ محتواه أخرج قلمه ووقع عليه ثم ألقاه عند قدمه وأغلق قلمه المميز يدسه في جيبه قائلاً بجمود :
– والآن ، لأراها .
وقف ميشيل مجدداً ينظر له بتشفي قائلاً :
– دعني آخدك إليها بنفسي .
تحرك نحو الخارج وصقر يتبعه ، يسيران والحرس أمام ميشيل وخلفه ، يعلم صقر جيداً أن ميشيل يخشاه ، يخشى غضبه ، لذا استخدمها ليسيطر عليه .
وصلوا إلى تلك الغرفة التي تسبق الدرج المؤدي لغرفتها ليتوقفوا بها ويردف ميشيل محدثاً رجله :
– اذهب واحضرها .
– إياك ولمسها .
قالها صقر بنبرة مخيفة ليتوقف الرجل وينظر لميشيل الذي أوقفه بإشارة من يده ثم نظر نحو صقر قائلاً :
– اهدأ يا فتى غيرتك حمقاء لا داعي لها ، فرجالي أفواههم مكممة لا يتناولون شيئاً إلا بأمري .
تحدث بنفاذ صبر وقد أصبح غضبه ظاهراً :
– أقسم إن لمسها أحدكم لثقبت رأسه .
أشار لهم ميشيل أن يفتحوا الباب السري ثم نظر له وهو يشير نحوه قائلاً :
– حسناً ، انزل بنفسك .
انطلق كالريح ينزل للأسفل ويتجه نحو هذا الممر المؤدي للغرفة التي تحتجز بها .
توقف أمامها وهو يراها تبكي وترتعش ، ليتجه إليها ويقف أمامها بروحٍ معذبة ، روحٍ أرادت أن تحيا معها في أمانٍ وسلامٍ فقط ، لتصل بها إلى تلك النقطة المظلمة ، كان عليه أن يحسب جيداً ويتوقع تلك اللحظة .
يقف صامتاً وهي تستشعر بحواسها وجود غريبٍ معها ولكن بعد ثوانٍ وبعد تأكدها أن من يقف ليس غريباً أبداً اتجهت يداها المكبلة تبحث عنه وهي تصدر صوتٍ يلحن إسمه دون نطق .
اغمض عينيه ومد يده نحوها ينزع عصبة عينيها دون النظر لهما ، ثم ينزع بيده كمامة فمها وعينيه ترى كل شئٍ بها سوى عيناها ، يخشى النظر لهما .
كانت تنظر له بتعمق كي يطالعها ، كي يخبرها أنها الآن بأمان ، كي ترى في عينيه نظرة تطمئنها ولكنه لم ينظر لها .
لتناديه بصوتٍ مهزوزٍ باكي وجسدٍ منتفضٍ وهو يحل وثاق يديها :
– صقر .
لم يتحدث بل كان يحاول نزع ذلك السوار البلاستيكي دون أن تتألم ليبحث حوله عن شئٍ حاد فلم يجد لذا انحنى يحاول قطعه بأسنانه وهي تبكي وتردف وعينيها عليه :
– صقر سنغادر الآن أجل ؟ ،، صقر انظر نحوي أرجوووك أنا خائفةٌ جداً ، أنا آسفة لأني لم أطعك وخرجتُ من المنزل ، أنا آسفة صقر انظر إليّ .
كانت تتحدث بكلماتٍ سريعة مبعثرة وهو منشغل بقضم السوار المتين هذا حتى نجح ونزعه عنها لتسرع في معانقته وتجهش بالبكاء داخل صدره .
تصلب جسده لثوانٍ ، تصلب بينما خانته ضلوعه وعانقتها ، لف ذراعيه حولها يحتويها كاملة ويهدهدها كي تهدأ ، يعتصر عينيه ويردد بعد صمتٍ طويل :
– لم أرد هذا ، لم أكن أريد هذا ، أنا الآسف هنا ، أنا من أوصلكِ إلى تلك الحالة .
ظلت متشبتةٍ به بقوة تبكي دون حديث وهو يربت على ظهرها ثم تحدثت وهي تعانقه :
– حسناً ، دعنا نرحل من هنا الآن ، هذا المكان يقبض على أنفاسي ، تعلم أنني أحبك بكل جوارحي لذا لا تعتذر ، كلانا أخطأ ، لنصلح الخطأ الآن ونغادر ! .
ربما هي في حالة هلع لذا تتحدث دون استيعاب الحقيقة ، أما هو فتحدث دون حل وثاقه من حولها يقول بجمود :
– لن نرحل من هنا ناردين ، ويجب أن تعتادي على هذا المكان قليلاً .
ابتعدت ببطءٍ مميت تنظر لعينيه ، لا لن تصدق لسانه ولكن ستصدق عينيه التي أكدت لها جدية حديثه لتنصدم قائلة بصدمة تحاول استيعاب ما يحدث :
– لا أفهمك صقر ، كيف لن نرحل ؟ ،، هل تم احتجازنا هنا ؟
لف عينيه عنها ليقول بجديةٍ مطلقةٍ :
– لقد عدتُّ إلى عائلة موراكو ، وأنتِ أصبحتِ زوجة فردٍ منهم ، لذا فلن نرحل ، سنظل هنا دوماً .
هزت رأسها هزاتٍ متتالية لتردف پعدم تصديق :
– لاااا ، مؤكد تمزح ، أنت تكذب ، ألم تعدني بالخلاص ؟ ،، ألم تخبرني منذ ساعات أن كل شيءٍ انتهى وسنبدأ من جديد ؟ .
وقف يبتعد عنها ويردف بقسوة وجمود :
– والآن أخبركِ أنني عدتُّ إليهم ، تقبلي هذا حتى لا تصعبي الأمور علينا .
جن جنونها لتقول بهيستيرية وبكاء وهي تحاول الوقوف ولكن ما زال قيد قدميها قائماً :
– لااااا ، لن أتقبل شيئاً ، ولن أبقى هنا ثانيةً واحدةً ، أخرجني الآن ، أنت لستُ صقر ، أنت لستَ هو ، أخرجني من هنا الآن .
كانت تتحدث بصراخ واهتزاز وهو يطالع انهيارها بثبات انفعالي وصل لأقصى حدود تحكمه .
ليقول ببرود :
– حاولت ناردين ، حاولت من أجلكِ ولكن إما أن أقبل أو تقتلين ، لذا فلتكفي عن الصراخ ، من الآن وصاعداً نحن هنا .
تحرك يغادر الغرفة وتركها تنظر لأثره بذهول ، لا تصدق أبداً ، هل حقاً وافق على البقاء كي لا تقتل ؟ ، ولكنها الآن ميتةً ، بقائهما هنا يعني الموت ، لا في الموت رحمة ، بقائهما هنا يعني الجحيم ، لتجد نفسها لا تقاوم ، بل ظلت تحاول استيعاب حديثه بصمتٍ وتكورٍ كأنها عادت جنيناً ساكناً .
كان ميشيل يتابع من خلال الكاميرات هذا العرض الدرامي بتشفي وتباهي بذكائه وتخطيطه المذهل كما يراه .
صعد صقر وتحرك خارج الغرفة ليراه جالساً على المقعد ويتابع الحاسوب ، نظر له ببرود قائلاً :
– عملاً جيداً يا فتى ، هذا هو صقر ، لا مشاعر تحكمه .
وقف ينظر له بغموض ثم رفع عينيه على رجله الضخم الذي أتى بنارة ليقول بقسوة متسائلاً :
– أنت من لمستها ؟
نظر الرجل لميشيل ليتحدث بدلاً عنه ولكن ضحكة ميشيل صدرت لتؤكد لصقر أنه هو الفاعل .
صمت صقر لثوانٍ يخفض نظره أرضاً ثم عاد ينظر نحو ميشيل قائلاً بثبات :
– دعني أذهب إلى لحمام ثم أعود لزوجتي ، ولنبدأ أعمالنا غداً .
وقف يردف بحماس بعدما ظن أن صقر عاد إليه :
– حسناً ، سأنتظرك لنخبر العائلة بهذا الخبر السار .
خطى صقر خارجاً وتوجه عبر بعض الممرات يتجه نحو الحمام بينما أمر ميشيل رجله أن يتبعه وفعل .
دلف صقر الحمام ودلف خلفه الرجل ليتوقف عند الباب الرئيسي بينما تحرك صقر لإحدى المراحيض المغلقة ، خرج بعد دقائق ينظر نحوه قائلاً بخبث :
– لم تجبني على سؤالي ، هل أنت من لمست زوجتي ؟
كان يتساءل ويده تجد طريقها لجيبه ليجيب الرجل ببرود :
– هذا أمر سيدي .
وقبل أن يدرك الرجل أي شيئاً كان قلم صقر يخترق رأسه لتندفع الدماء بغزارة وسط جحوظ الآخر وهو يحاول نزع القلم ليترنح جسده يميناً ويساراً بعبث .
أخرج صقر سلاحاً من خصره محكوماً بكاتم صوتٍ ليصوب على قلب هذا الذي يدور فيسقطه أرضاً في الحال .
نظر له باشمئزاز ليلكمه بقدمه قائلاً بغضب :
– قلت لك سأخترق رأس من لمسها أيها الوغد .
مر من فوقه ليتجه نحو الخارج ويخطو عائداً إلى ميشيل بعد أن أخفى سلاحه الذي أخرجه من المرحاض والذي وضعه ماركو له كذلك وضع سكيناً حاداً معه وهي الآن بحوزته أيضاً .
وصل إليه حيث يجلس ميشيل وحوله رجلاً آخر ، نظر ميشيل خلفه وتساءل بترقب :
– أين رجلي .
التفت صقر يدعي النظر وهو يتقدم من ميشيل قائلاً :
– يقضي حاجته .
قالها مع حركة متقنة وذكية ويده تجد طريقها لنزع سلاحه مرة أخرى وهو يتوقف خلف ميشيل فجأة ليشهر السلاح في رأسه قبل أن يستوعب الحارس حتى .
صُدم ميشيل الذي أصبح تحت قبضته ليقول بجمود وذعرٍ تملكه :
– هل ستقتل والدك ؟
تحدث صقر بثبات وغضب وعينه على الحارس الذي يشهر سلاحه تجاهه ولكن إشارة ميشيل منعته :
– اخرس وإلا فجرت رأسك .
كان في أعلى لحظات تركيزه وثباته فالخطأ هنا مرفوضاً تماماً ، ليمد يده الخالية في سترة ميشيل وينزع عنه سلاحه ويصوب نحو الحارس دون تردد ويقتله فيسقط أرضاً ويبقى فقط ميشيل وهو .
تحدث صقر بثبات :
– والآن سنخرج من هنا سوياً ، أنا وأنت وزوجتي .
أوقفه يدفعه معه نحو تلك الغرفة التي تحتجز نارة بها ونزل الدرج معه وميشيل ينقاد صامتاً تماماً ومذعوراً .
وصل إليها فرأته وقبل أن تستوعب ما يحدث رمى لها سكيناً وهو يقول :
– اقطعي قيد ساقيكِ الآن وتعالي إلى هنا .
لم تجد وقتاً لتفكر فأسرعت تتناول السكين وتقطع هذا السوار لتحل قيدها وتترجل سريعاً متجهةً إليه مبتسمة وهي تقول بثقة :
– كنت أعلم أنك صقر ، كنت أعلم .
ليس وقته الآن نارة لنخرج من هنا أولاً ثم نتأمل عيون بعضنا البعض ، قال هذا بنظرته بينما نطق لسانه آمراً :
– كوني خلفي دائماً ، اتخذي من ظهري درعاً لكِ ولا تبارحيه .
أومأت له عدة مرات واتجهوا للأعلى ويده اليمنى تقبض على يدي ميشيل خلف ظهره واليسري تصوب السلاح على رأسه ليخطو في الممرات بحذر ويحاول التقدم بجنبه حتى تكن نارة تجاة الحائط ويتسنى له حمايتها ورؤية الجانبين .
تحدث ميشيل بغضب وتوعد وهو يراه ينجح في خطته :
– أنت تخطيت كل الحدود ، لن تنجو أبداً .
– اخرس .
قالها صقر وهو يخطو باتجاه الدرج العلوي ناحية سطح القصر ، بينما ظهر رجال ميشيل يحاولون إصابته ليردف بقسوة وهو يخفي نارة خلفه :
– انزلوا أسلحتكم وإلا فجرت رأسه الآن .
أسرع ميشيل يشير لهم برأسه خوفاً من تنفيذ تهديده فتوقفوا مرغمين بينما يتقدم صقر به حتى وصل إلى سطح القصر وقد علم جميع حراسه أن سيدهم بحوزة صقر ولكن رجلي صقر في الأسفل بدأوا بتبادل إطلاق النار معهم ليشغلوهم عن تتبعه وإصابته هو أو زوجته .
وقف على السطح وهي خلفه يدور حول المكان بترقب لظهور أي مسلح إلى أن أتت مروحية خاصة به وهبطت أمامهم ليردف بصراخ :
– اصعدي الآن .
أومأت وحاولت الصعود لتجد عمر يمد يده لها ، تعجبت ولكن لا وقت للدهشة لتصعد ويصعد صقر وميشيل معه وسط عجز رجاله وعائلته في خلاصه .
أقلعت المروحية سريعاً بهم لتبتعد عن القصر بعد دقائق ويزفر صقر أخيراً بارتياح .
نفض ميشيل أرضاً ونظر له بكره قائلاً :
– الآن يمكنني رميك من هنا أو تفجير رأسك ، ولكن للأسف لا يمكنني فعلها نظراً لحلفائك ، لذا فأنت معي إلى أن نصل في مكانٍ آمن .
نظر له ميشيل بكره وغضب وتوعد وهو ملقى أرضاً بينما نارة تنظر لما يحدث حولها بصمتٍ تام ، فقط لا تريد لعقلها أن يعمل الآن ، ما يهم أنهما خرجا من هذا القصر .
حلقت الطائرة إلى أن ابتعدت وهبطت بهم في مكانٍ مخصصٍ لها حيث ينتظرهم عدة رجال ومعهم سيارتين سوداوتين .
نظر صقر لقائدها قائلاً بجمود :
– أعده إلى قصره .
طالعه بحقد ثم ترجل وهو يتمسك بنارة وعمر يتبعهما واستقل هو وزوجته سيارة بينما استقل عمر الأخرى وغادروا على الفور .
عادت الطائرة تقلع بمشيل لتعيده إلى قصره .
بعد وقتٍ نزل من الطائرة على سطح قصره لتغادر وتركته في حالة غضب عارم يتحرك للأسفل حيث أسرع إليه رجاله يحاوطونه ويطمئنون عليه ولكنه كي يطفئ غضبه أسرع يلكم كل من تطوله يده .
نزل إلى لأسفل مسرعاً ومنه إلى وكره ليتناول هاتفاً تابعاً له ويهاتف أحداً ما قائلاً بنبرة متوعدة بعدما أجاب الطرف الآخر :
– اثبت لي إخلاصك واقتل صقر الآن وقبل أن يعود إلى مصر .
رد الآخر عليه قائلاً :
– لا تقلق ، أنا أنتظره في المطار ، فصقر أصبح ورقةً خاسرةً الآن .
ابتسم بشرٍ يقول بخبث :
– إذا وثق لي قتله في بث مباشر ، أريد أن أراه ويراني وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
تحدث الآخر ببرود :
– حسناً لك هذا .
أغلق معه وجلس ينظر نحو الأمام بابتسامة شيطانية ينتظر مقتله ، هو من أوصله لاتخاذ هذا القرار ، هو من بات يشبه والده لذا فنهايته ستكون مثله .
وصلت السيارتين أمام المطار الخاص وترجلوا منها جميعاً ليحاول صقر أن يسرع نحو الداخل وهو يسحب نارة خلفه وعمر يجاورهما .
وقبل أن يخطو صقر داخل المطار كانت هناك رصاصة خرجت من هذا الذي ظهر بسيارته فجأة وترجل هو ورجاله يحمل في يده سلاحاً وهناك آخر يتبعه يصور ما يحدث من خلال هاتف يسجل في بث مباشر ، وصلت تلك الرصاصة إلى مبتغاها .
طلقة واحدة وأصبح كل شيء ضبابي ، وهي تراه يترنح بعدما أصابت ظهره ، نعم استهدفت ظهر صقر الذي نظر لها نظرة متألمة لأول مرة ،، يودعها الآن بعدما وعدها أن لا يتركها ، هل سيخون كل وعوده ؟ ،، لا لا لا لن يحدث هذا ، لن يحدث وداع ،، لن تتركه ولن يتركها ،، هذا ليس بخيار وإنما هو قرار .
أسرع عمر إليه يسانده ويحاول مساعدته وهي تصرخ وتبكي باسمه ذاهلةً مما يحدث .
علم صقر أن لا مفر وأن لابد من دفع الثمن فنظر إلى عمر وبأنفاسٍ مهدرة أردف وهو يحاول الصمود إلى أن تغادر فقط ورجاله يشتبكون مع رجال هذا الرجل ليقول بأنين مؤلم وغضب :
– خذها من هنا ،، خذها حالاً ، إياك أن يصيبها أذى ، افعل كما أخبرتك .
برغم عدم معرفة عمر بحديثه إلا أنه فهم عليه بينما تشبتت نارة به بقوة عنيفة ،، تعانقه بجنون وتصرخ بهستيرية قائلة :
كان يتألم ، جسده بالكامل يتألم ،، قلبه وروحه ألمهما يفوقا ألم الرصاصة التي استقرت في الجهة اليمنى من ظهره وتنزف ، ومع ذلك أبعدها عنه بغضب وصرخ بصوت حاد في عمر الذي يقف متحفزاً :
– خذها حالاً من هنا .
نظر له عمر بيأس ثم نظر لهذا الملثم الذى يقترب منهم ويصوب سلاحه ونظر حوله ليجد رجال صقر يسقطون ، لا مفر الآن ، إن بقى مؤكد سيموتون ثلاثتهم ، لذا انتزع جسد نارة الذي كان ملتصقاً في صقر يسحبها من معصمها وهى تصرخ وتحاول التيبس ناطقةً باسمه ولكن قبضة عمر باتت فولاذية على هذا الجسد الضئيل فلا رجوع عن قراره وهى تصرخ وتتحرك بجنون كي تذهب إليه بعدما شاهدته يسقط أرضاً على ركبيته أمامها وعينيه لا تغادران عينيها .
وصل هذا المقنع إليه ووقف أمام وجه صقر ليحجب رؤيتها عنه والآخر يتبعه ويصور سقوطه ويبثه لميشيل الذي يجلس يبتسم بتشفي له بينما ينظر إليه صقر بعيون زائغة .
صوب المقنع سلاحه نحو قلب صقر بتركيز وإتقان تدرب عليه وأطلق رصاصته نحوه فاردتد أرضاً تندفع الدماء منه وسقطت معه تلك التي كانت تصرخ وتحاول الإفلات من قبضة عمر .
سقطت لم تحتمل ما رأته ، هل هذه النهاية؟ ، دوماً كانت تحلم بنهاية سعيدة بل ببداية سعيدة ، دوماً كانت تظن أن الخير سينتصر كما في الروايات ،، دوماً كانت على يقين أنها تستطيع انتشاله من تلك الظلمة ليعيشا في النور سوياً ،، هل كل ما تمنته وخططت له ضاع الآن ،، أين هي وأين هو وما هذا العالم المظلم وما تلك الحياة الكريهة ،، حسناً لتسقط الآن ،، لتستسلم لتلك الغمامة التي تريد أن تبتلعها ، لتفقد وعيها أخيراً علها تستيقظ على واقعٍ آخرٍ فلن تحتمل فقده ،،، لن تحتمل أبداً أن يفارقها ، وهذا ما حدث بالفعل وسقطت ليسحبها عمر على الفور إلى الداخل ويساعده رجال صقر المتبقيين كي يصعد بها على متن الطائرة الخاصة المتجهة إلى مصر لتعود بدونه بعدما أتت معه .
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثلاثون 30 - بقلم اية العربي
بعد أن سقط جسد صقر أرضاً واحتضنته دماؤه وقُتل رجاله، بينما البقية استطاعوا تأمين سيدتهم مع عُمر حتى دلفوا المطار.
وقف هذا المقنع ينظر له، ثم نظر عبر الهاتف الذي كان يبث لميشيل كل ما يحدث، وقال مترقباً بجمود بعد أن نزع قناعه ليظهر التجهم على ملامحه، بينما هناك وميض حزنٍ في عينيه:
– والآن ماذا نفعل به؟
تعمق ميشيل في ملامحه، ثم قال مستفسراً بغضب:
– أراك حزيناً عليه.
تنفس بعمق ليجيبه بجمودٍ مماثل:
– هو من اختار نهايته. والآن لا داعي للثرثرة وأخبرني ماذا أفعل به.
ابتسم ميشيل بشر وتحدث وهو يفرد ظهره على مقعده بانتشاء:
– اسحبوا جثته إلى مقابر العائلة، وادفنوه ليرقد مجاوراً لوالده الغبي، وليكونا كلاهما عبرة لمن يخون ميشيل.
تأهب جسد الواقف يسمعه، ثم أومأ بثبات وتحدث:
– حسناً، كما تشاء.
ليردف ميشيل مجدداً بقسوة:
– وبث لي أيضاً دفنه، أريد أن تراه عيناي وهو يتوارى تحت التراب لأطمئن.
أومأ الآخر وأعطى الهاتف إلى أحد رجاله، ثم انحنى يحمل جسد صقر على كتفه ويخطو به نحو سيارته. ألقاه في الخلف وأغلق الباب، والتف مسرعاً نحو جهة القيادة يستقلها ويقود بدون حراسة بعد أن نزع الهاتف من يد الرجل وأخذه معه كي يبث الحدث إلى ميشيل.
***
بعد عدة دقائق.
انتفضت نارة من مقعدها تصرخ باسمه قائلة بفزع:
– صـــــقــــــر.
كان عُمر يجاورها والطائرة في طريقها إلى مصر بعدما أقلعت سريعاً. حاول تهدأتها بملامح حزينة قائلاً:
– نارة لو سمحتِ اهدي.
نظرت له باستنكار، ثم نظرت حولها بجنون لتحل وثاق حزامها الآمن من حولها، ثم حاولت القيام فترنح جسدها، ليسرع عُمر إليها محاولاً منعها وهو يقول:
– نارة من فضلك اقعدي مكانك، الطيارة دلوقتي في الجو، كدة هتدوخي.
لم تعِرهُ أي اهتمام كأنه لا يُرى، واتجهت تتمسك بالمقاعد وتخطو نحو باب الطائرة بملامح مذعورة ودموعها تنزلق بغزارة وجسدها بالكامل يرتعش وتنادي بوهن مرددة اسمه. جسدها بكل ما به من عروقٍ وشرايين وأوردة يغلي وينتفض ويصرخ مستنكراً موته. مجرى تنفسها أصبح كسم الخياط فباتت أنفاسها شبه معدومة.
تبعها عُمر يحاول تهدئتها ويبتلع لعابه بقلق على حالتها مردداً بحزن:
– نارة لو سمحتِ ارجعي مكانك وحاولي تهدي علشان خاطري.
التفتت صارخة بانهيار في وجهه:
– إنت ميييين؟ ميييين إنت؟ أنا عايزة صقر، لازم ارجع أجيبه، صقر مش هيموت ويسيبني، صقر عاااايش وانت خلتني اسيبه هناك لوحده.
قالتها مستنكرة بعيون جاحظة باكية وقلباً يتهاوى، ليحاول عمر انتشالها من هذه الحالة قائلاً بنبرة حزينة:
– كان لازم أعمل كدة وإلا كانوا هيقتلوكي إنتِ كمان، لازم أأمنك زي ما صقر كلفني، هو اللي طلب مني كدة.
هزت رأسها بذهول لا تستوعب ولا تتقبل هذا الحديث، ثم تركته وتابعت طريقها بترنح نحو باب الطائرة حتى وصلت إليه ومدت يدها تعبث به وتحاول فتحه وهي في حالة هيستيرية شديدة ظناً منها أنها تستطيع. كل ما تريده الآن هو العودة إليه وجلبه معها. أخطأت حينما فقدت وعيها هناك، وبرغم قفل الباب المتين الذي يستحيل فتحه بواسطتها إلا أنها كانت تقاوم لتفتحه.
لذا أسرع عُمر يمنعها ويضطر لنزع يدها من على مقبض الباب قائلاً بنوعٍ من الحدة:
– مينفعش اللي بتعمليه ده، كدة هتأذي نفسك، الباب مش هيتفتح متحاوليش.
نزعت يده من عليها حتى أن أظافرها جرحت يده قائلة بنبرة يشوبها الجنون وهي تحاول فتح الباب:
– ابعد عنــــي، محدش يقرب لي، ابعدووووا عني، أنا عايزة صقر، صقر عااايش.
قالتها بعد أن أتى رجلاً آخراً من رجال صقر ليمنعها، ولكن عمر أوقفه بيده ليبتعد، ثم التفت ينظر مجدداً إلى نارة قائلاً بنبرة مترقبة:
– نارة أنا عُمر، من الدار يا نارة، فاكرة الدار؟ ماما لبنى، أنا عُمر أخوكي.
لا يعلم لمَ قالها الآن، ولكنه ربّما أراد أن يشغل عقلها بأمرٍ كبيرٍ كهذا بسبب ما أصابها. وبالفعل تعمقت فيه لثواني بصدمة ودموع لم تتوقف، ثم ما لبثت أن تخلت عن هدوئها اللحظي وعادت تردف بنبرة منكسرة مترجية يملؤها الحزن:
– هات لي صقر يا عُمر، صقر عااايش، رجعني ليه مينفعش اسيبه، أرجوووووك رجعني عنده هجيبه ونرجع.
كانت تتوسله، لذا تنفس بعمق ثم أومأ يحاول تهدئتها قائلاً:
– طيب اهدي وخلينا الأول نرجع مصر ونشوف هنعمل إيه.
تحولت نظرتها المنكسرة إلى أخرى وحشية وهي تقول بشراسة وجسدها ينتفض بعنف:
– مش هرجع، مش هرجــع من غيـــــــــــره، رجعووووني عنده وسيبوني معاااااه، محدش ليه دعوة بياااا، محدش ليه دعوة.
التفتت تحاول مجدداً فتح باب الطائرة، لذا لم يجد عمر مفراً من أن يفعل ما نوى، حيث مد يده نحو رقبتها عند نقطة يتقنها حيث شريانها السباتي وضغط عليه بإبهامه ضغطةً مبهمةً، فضعفت حركتها وغابت عن وعيها وساعده في ذلك حالتها الانهيارية القوية، لذا فأسرع يساندها ويسحبها معه عائداً بها إلى مقعدها في الطائرة. مدّدها عليه ولف حولها حزام الأمان، ثم اعتدل ينظر لها بأسف وشرود.
***
في مقابر عائلة موراكو.
وصل هذا الغامض بسيارته وتوقف يترجل، ثم تناول الهاتف من جيبه وأعاد الاتصال على ميشيل بمكالمةٍ مرئية، فأجاب ميشيل بغضب قائلاً:
– لمَ تأخرت؟ أين كنت؟
تحدث الآخر بجمودٍ وملامح مقتضبة:
– هل تريد أن يكشف أمري؟ كنت أحاول الهرب من دوريات الشرطة يا هذا، ولا تحتد عليّ مرةً أخرى. والآن أخبرني ماذا أفعل، أنا هنا بمفردي معه ولا أعلم أماكن القبور.
تنفس ميشيل يحاول أن يهدأ، ثم تحدث:
– حسناً، احفر له قبره بجوار والده ووالدته، ستجد إسم مارلين موراكو أمامك، ليرقد بسلام.
قال الأخيرة ثم ضحك بنبرةٍ شيطانيةٍ لعينة تمثله، ليزفر الآخر وترجل يحمل الهاتف ويخطو بين قبور موراكو حتى توقف عند قبر مارلين موراكو وقبراً آخر يجاورها ليعلم على الفور أن هذا قبر ناصر والد صقر. انحنى يتناول فأساً وضعت للحفر هنا وبدأ يحفر حفرةً مجاورةً بعد أن وضع الهاتف جانباً يبث ما يحدث إلى ميشيل الذي يتابع بدقة وتمعن.
***
هبطت الطائرة على أرض مصر.
سحب عمر هاتفه وأعاد تشغيله، ثم هاتف آسيا بعد قرارٍ قد اتخذه لتأتي إليهما، فهي الوحيدة التي ستحتاجها نارة الآن. أجابت آسيا بترقب قائلة:
– إزيك يا عُمر، أخبارك إيه؟
تحدث يجيبها بنبرة حزينة قائلاً:
– آسيا هانم، ممكن تيجي على العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي، وياريت متتأخريش، لأن نارة معايا وفاقدة وعيها.
انتفضت آسيا من مجلسها تردف بلهفة وعدم استيعاب:
– نارة؟ فين ومعاك إزاااي، وليه فاقدة وعيها؟ عُمر إنت بتقول إيه فهمني.
تنفس بعمق وهو ينظر نحو نارة الراقدة لا تعي شيئاً، وتحدث:
– يا آسيا هانم هحكيلك كل حاجة بس تعالي الأول لو سمحتِ، هبعتلك العنوان حالاً.
أغلق معها وأرسل لها موقعه، فتحركت في الحال، ولكن لحقتها مايا التي استمعت إلى جزءٍ من المكالمة قائلة بلهفة:
– ملها نارو يا مامي، ملها أختي؟
سقطت دموع آسيا وهي تقول بنبرة متحشرجة وتلعثم:
– عُ عُمر بيقول، بيقول إنها، إنها معاه وفاقدة وعيها، مش عارفة فيه إيه يا مايا، هو بعتلي مكانهم تعالي نروحلهم حالاً.
اندفعتا سوياً نحو الخارج تستقلان سيارة آسيا التي باتت تقود مندفعة كي تصل إلى ابنتها الغالية لتعلم ماذا حدث ولمَ هي فاقدة للوعي وكيف وصل إليها عُمر!
***
انتهى هذا الواقف من حفر حفرةٍ مناسبةٍ تجاور قبر ناصر الجارحي، ثم حمل الهاتف مجدداً ينظر نحو ميشيل الذي بات يتابع بملل، حيث قال:
– هيا الآن أرِني جزئي المفضل، ادفنه بجوار ناصر الخائن، ليذهبا سوياً إلى الجحيم.
أومأ الآخر وتحرك نحو سيارته يفتح بابها الخلفي، ثم انحنى يلتقط جسد صقر ويرفعه مجدداً إليه يحمله على كتفه بهدوء، ثم خطى به نحو القبر وانحنى ينزله ويضعه داخله برفق، ثم اعتدل يقفز خارجه ويتجه نحو الهاتف حيث ناداه ميشيل قائلاً بتشفي وترقب:
– أرِني وجههُ.
زفر الآخر ولف كاميرا التصوير نحو وجه صقر المستقر داخل القبر، فظهرت ملامحه الشاحبة أمام أعين ميشيل. عاد بذاكرته إلى عدة سنوات، نفس شحوب وجه ناصر آنذاك حينما قتله بدمٍ بارد، نفس ملامحه، نفس عقابه، والآن نفس طريقة دفنه.
ليقول بقسوة وقلبٍ صنع من خليطٍ صلب كخرسانةٍ خصصت لبناء قاعِ الجحيم قائلاً:
– والآن ألقي التراب عليه حتى يختفي أثر صقر الجارحي من الوجود كما أخفيت أثر والده، ثم عد سريعاً فهناك مهمة أخرى تنتظرك في مصر.
أومأ له بملامح ثابتة وحادة وأردف:
– حسناً، سأدفنه وألقي بعد قليل.
وضع الهاتف مكانه مجدداً، ثم تحرك نحو القبر وحمل الفأس وبدأ في غمرها بالتراب، ثم رفعها يلقي ما بها فوق جسد صقر، وميشيل يتابع بملل وهو يتذكر لحظة هجوم صقر عليه ليبتسم بتشفي وملامح انتقامية لعينة إلى أن قرر أن ينهي الاتصال بعدما أتاه اتصالاً من مجهول قطع المكالمة المرئية.
***
بعد وقتٍ وصلت آسيا ومايا إلى المطار الذي هبطت به الطائرة، حيث أسرعتا نحوها وهما تريان عمر يقف ينتظرهما. توقفت آسيا أمامه متسائلة بلهفة:
– بنتي مالها، إيه اللي حصلها؟
كانت مايا تنظر له بصدمة وتعجب لا تعلم ماذا يحدث وكيف أتى عُمر إلى هنا وماذا حدث، بينما هو زفر بعمق ثم تحدث وهو ينظر لها بعيونٍ مجهدةٍ قائلاً بحزن:
– ناردين غايبة عن الوعي، أنا طلبتلها الإسعاف وهما جايين حالاً.
جن جنونها وتركته حيث أسرعت تصعد الطائرة وتبحث بعينين متلهفتين عنها حتى وجدتها ممددة على إحدى مقاعد الطائرة وبالفعل غائبة عن الوعي. اقتربت منها وقد ظهرت دموعها الغزيرة وهي تناديها بحنو:
– نارو، حبيبتي اصحي أنا جنبك أهو، اصحي ياعمري واحكيلي إيه اللي حصل؟
أما في الخارج فقد اقتربت مايا من عمر ببطء متسائلة بترقب وحزن:
– عمر ممكن تفهمني فيه إيه بالضبط؟
نظر لها بعمق، لابد من إخبارهما بكل ما لديه، لذا تحدث بنبرة جادة:
– تعالي معايا.
صعدا سوياً على متن الطائرة ثم اقتربا من آسيا التي تحاول إيقاظ نارة ولم تفلح، لذا نظرت نحو عمر متسائلة بحدة:
– فهمني حالاً إيه اللي بيحصل هنا وبنتي حصلها إيه؟
ابتلع لعابه ثم تحدث بتوتر وهو ينظر إليها تارة وإلى مايا تارة:
– صقر اتقتل، خاله بعت حد وراه وقتله قبل ما ندخل المطار ونرجع مصر.
شهقت آسيا وجحظت عيناها بصدمة وذهول وباتت تهز رأسها باستنكار دون نطق حرف فقد عقدت الصدمة لسانها. أما مايا فتقف غير مستوعبة ما سمعته وما يحدث وحال شقيقتها، حيث نظرت لها ثم اقتربت تحاول إيقاظها قائلة وهي تربت على وجنتيها بنعومة:
– نارو؟ فوقي يا نارو.
تململت نارة تنظر لهما بذبول، ثم ما لبثت أن عاودت تنتفض وتنظر حولها بجنون باحثةً عنه، وقفت تبعدهم عن طريقها وتتحرك بخطواتٍ مبعثرة هنا وهناك وتناديه علّه يجيبها. أسرعت آسيا نحوها تحاول تهدئتها قائلة:
– نارو اهدي، اهدي يا حبيبتي.
لم تستطع منعها حيث كانت في حالة من الضياع، لذا التفتت تنظر نحو عُمر الذي يقف مكتوفاً الأيدي وقالت غاضبة:
– إيــــــــــه اللي حصــــــــل، حد يفهمني بنتي مالها وجوزها فيــــــــــن؟
نزلت دموع مايا في هذا الموقف الغريب الذي لا تستطع تفسيره، بينما اتجه عُمر نحو آسيا وعينه كُبت على نارة التي تبحث عن صقر في أرجاء الطائرة كأنها فقدت عقلها دون نطق حرف. تحدث بنبرة خالية الوفاض قائلاً:
– صقر كان رايح إيطاليا علشان ينهي أعماله مع عيلته، لإنهم كانوا بيشتغلوا شغل غير قانوني، بس لما خاله عرف خطف ناردين وهدده، وطبعاً صقر قدر يرجعها بس خاله بعت ناس وراه وقتلوه قدامنا.
انسحب قلبها حزناً على ابنتها وعلى زوجها، بينما اندفعت نارة نحوه بعدما استمعت إلى حديثه قائلة بعيني أنثى صقر جريحة تقول بحدة وهي تضرب صدره بلكمات من قبضتي يدها:
– صقر عااااايش، صقر مماتش، أنت السبب، خلتني أسيبه لوحده هنااااااك، رجعني عنده حالااااا.
لتعود لضعفها وتبعد يديها بعدما استنفذت طاقتها، ثم انكمش وجهها بملامح متألمة وبدأت تمسح بكفها على صدرها تملس عليه ظناً منها أنها تستطيع إطفاء تلك الجمرة المشتعلة به قائلة برجاءٍ وضعف وحزنٍ شديد وهي تنظر في عين عُمر:
– علشان خاطري يا عُمر رجعني ليه تاني، هو عايش صدقني مماتش تعالى نرجع تاني ناخده من وسطهم، كدة هيموتوه فعلاً.
كانت آسيا تقف عاجزة ترى انهيار ابنتها بحالة مشابهة لها حيث باتت على وشك الانهيار هي الأخرى، بينما اندفعت مايا نحوها تعانقها فجأة بقوة وتبكي بكاءً حاداً قائلة:
– كفاية يا نارو، اهدي وتعالي نروح، اهدي وكل حاجة هتتحل.
هزت نارة رأسها وهي تعانق شقيقتها بقوة وتردف بصوتٍ واهن ودموعٍ مستفاضة:
– صقر عايش يا مايا، عايش صدقيني، قولي لعُمر يرجعني أجيبه يا مايا، قوليله هو هيسمع منك، قلبي محروووق يا مايا مش هقدر أعيش من غيره.
ليرتخي جسدها بين يدي مايا وتفقد وعيها مجدداً لا تقوى على الصمود، لذا أسرعت مايا تصرخ باسمها وركض عمر وآسيا يساندانها بحزنٍ شديد وقد أتى الإسعاف أخيراً كي ينقلها إلى المشفى.
***
حل الليل على الجميع، ليلاً يبدو حزيناً على غير عادة، يحمل في طياته الكثير، يشهد على غضبٍ وحسرةٍ اتحدا معاً ولن يمحيهما سوى الدماء.
في قصر موراكو.
وقف ميشيل وسط عائلته يحتسون نخب مقتل صقر، كان هذا آخر خيار وصل إليه بعد الذي فعله به. يبدو أنه ظنّ دوماً ووثق في العلاقة التي شيدت بينهما، يبدو أنه توهم أن صقراً خاضعاً له وسيظل دوماً تحت جناحه، ولكن ما رآهُ منه اليوم محى كل ظنونه ليقرر القضاء عليه، فهو ووالده سواء.
تحدث داروين بعد أن تناول كأسه في جرعةٍ واحدةٍ قائلاً:
– والآن دعنا نولي مهام صقر لابني سام، تعلم أنه الوحيد الذي يستحق ذلك.
نظر له ميشيل بغضب وتحدث بجمودٍ عاصف:
– وهل أنت كبير العائلة لتقرر؟ أنا هنا من يقول ويقرر ويفعل، ومن سيتولى مهام صقر هنا أو في مصر هو ماركو.
غضب داروين وتحدث معترضاً وهو يشير لابنه الغاضب بعدم التدخل قائلاً:
– كيف هذا؟ هل ستثق في إبن العـ.اهرة هذا؟ هل أنت غبي؟
أخرج ميشيل سلاحه من خصره وفي أقل من ثانية كان يصوب على تمثالٍ فخاري وضع مجاوراً لداروين جعله ينفجر، فتنبه كل فردٍ وهو يقول بجمود:
– أنا لا أثق في يدي، كما رأيت كنت أود قتلك ولكنها خالفتني وفجرت التمثال بدلاً عنك، لذا فأنا لا أثق في أحدٍ قط، ولكن الأنسب الآن هو ماركو، هو من كان يجاور هذا الخائن ويعلم كيفية العمل مثله، هو من سيمرر لنا شحناتنا بأقل خسائر، ما يهمنا أولاً وأخيراً هو المال، لذا فلن أخسر فلساً واحداً بعد الآن، سأسعى لامتلاك دول الشرق ووضع حكمها في قبضتي، سأسعى لأصل إلى عرش الزعيم، لذا فالأمر منتهي، هل فهمتم جميعاً.
تحدث الجميع في نبرةٍ واحدةٍ معلنين عن موافقتهم بقراره حتى لو لم ينل إعجابهم ورضاهم. أما هو فشرد قليلاً يفكر في أمر تلك التي فرت هاربة وعادت إلى وطنها، عليه أن ينهي أمرها في الحال، فهي رأته وعلمت عنهم الكثير لذا فالوقت ليس في صالحه، ليرسل من يقتلها قبل أن تخرج من صدمتها وتفضح أمرهم.
***
في منزل سامح ليلاً وبعد أن عاد بزوجته من منزل أهلها ورؤوا عفاف أثناء مرورهم.
تجلس معه أمام التلفاز بعد أن نامت الصغيرة، كان يتابع مباراة كروية مسجلة بانتباه وهي تفكر كيف تبدأ معه حواراً عمّا علمته. حمدت ربها عندما انتهى الشوط الأول لتسرع بالحديث قبل بداية الشوط الثاني قائلة:
– سامح كنت عايزة أكلمك في حاجة.
تنبه لها ولف نظره إليها متسائلاً بترقب:
– خير يا زينب إيه اللي حصل؟
زفرت بعمق ثم بدأت تفرك كفيها وتحدثت بنبرة متوترة:
– كان معاك حق يا سامح، الظاهر كدة إن اللي أنقذ ريما يوم الحادثة دي هو صقر فعلاً، ريما النهاردة عند ماما رسمته وهو لابس بدلة سبايدر مان وكانت متأكدة إن هو، وقالت إنها شايفاه البطل بتاعها لإنه أخد الأشرار ومشي وقالهم متخافوش، إنت عارف ريما وبمَ إنها متأكدة أوي كدة يبقى كلامها صح، بس عمل كدة ليه وإزاي وليه أنكر؟ مش عارفة، اللي أعرفه إنك لازم تقابله وتتكلم معاه بصراحة وتفهم منه، أظن ده حقك.
مسح على فمه وفكه بيده وتنفس ثم تحدث بشرود:
– أنا كنت حاسس، يومها أصلاً هو اتوتر شوية بس أنا عديت الموضوع وقلت يمكن علشان أول مرة يشوفنا والبنت قالت كدة فجأة، بس نهى قالت إنها كلمته وعرفته اللي حصل وهو طلب منها صورة لريما وبعتتله، كل ده أكيد مش صدفة، كمان أنا مش ناسي إن صقر إيده طايلة ويعرف ناس مهمة، بس أنا خايف من حاجة يا زينب، خايف منها أوي.
نظرت له بعيون متسائلة فتابع بقلق:
– أبويا اتقتل على إيد عصابة في إيطاليا، الخوف ليكون صقر ليه يد مع الناس دي، ساعتها يبقى بجد ربنا يستر.
شهقت بهلع وقالت:
– مش ممكن يا سامح، انت بتقول إيه؟ لاء أكيد فيه حاجة غلط، مش انت كنت بتقول إن عيلة مامته عيلة غنية جداً ومعروفة في إيطاليا ومعروف إن عندهم مصانع عربيات وليهم فروع في دول كتير، إيه بس اللي هيوصلهم للعصابات والناس الشر دول!
زفر بقوة ونظر لها بعمق، يخشى أن تكون تلك العائلة ذاتها هي من تدير هذا التنظيم الإرهابي، فكلما تعمق في الحقائق من حوله استنتج هذا، حتى أن هذا يفسر له لمَ أنكر صقر حقيقة إنقاذه لابنته، ولكنه يخشى التحدث بمَ في خاطره حتى لا تهلع أو تخاف لذا فكل ما عليه هو التحدث مع شقيقه في الحال، فهو الآن مدين له بحياة صغيرته.
***
في إحدى مشافي المدينة.
تجلس آسيا تجاور نارة الممددة على فراشٍ طبي ومعلق في وريدها كانولا تسرب لها محلولاً معلقاً على حاملٍ علوي بعد أن تبين أنها تعاني من انهيارٍ عصبي وضعفٍ جراء ما حدث.
تنظر لها آسيا بعيون باكية وتتمسك بكفها الخالي وتملس عليه بحسرة والأخرى نائمة لا تعي شيئاً أو ربّما فضلت الذهاب لدنيا الأحلام بدلاً عن الواقع.
أما مايا فتقف مع عُمر في الخارج الذي يحاول تهدئتها بعدما أصيبت بحالة بكاءٍ حاد، يردف بنبرة حنونة:
– مايا لو سمحتِ بطلي عياط، ناردين هتبقى زي الفل متقلقيش، اللي حصل معاها مش سهل بردو هي دلوقتي محتاجاكِ جنبها.
كفكفت دموعها وتحدثت بنبرة متحشرجة حزينة:
– أنا مش مصدقة يا عمر، مش قادرة أستوعب، صقر يتقتل معقووول، من أهله؟ وقدام أختي؟ طيب نارو هتتحمل اللي حصل ده إزاي، هتقدر تكمل حياتها بعد كدة إزاااي، دي عمرها ما هتنسى الحادثة دي طول عمرها، أنا هقدر أساعدها إزاااي بس يا عُمر، قولي.
كان يقف في حالة مشتتة، لا يعلم ما عليه فعله، نعم مايا محقة في حديثها، كيف ستتحمل تلك النائمة كل ما حدث أمام عيناها؟ كل ما يعلمه أنه لن يتركهن وسيظل داعماً وحامياً لهن، هن الآن بحاجته أكثر لذا تحدث مجدداً بحب:
– خلينا نكون جنبها وحواليها الفترة دي، منسبهاش خالص، فترة صعبة وهتعدي وربنا قادر يهون عليها، بس لازم نعمل حاجة يا مايا، وأنا معاكي ومش هسيبك أبداً لا انتِ ولا ناردين ولا آسيا هانم.
نظرت له بحب وتحدثت بضعف يغلفه الحب:
– شكراً يا عُمر، بجد شكراً.
تنفست بعمق لتتذكر أمراً ما حيث نظرت له قائلة:
– هو انت ليه كدبت عليا وقلت إنك هتسافر مع صاحبك، وإيه اللي سفرك إيطاليا أصلاً، احكيلي كل حاجة يا عُمر وإزاي رجعتوا، فيه حاجات كتير مش قادرة استوعبها.
ابتلع لعابه وتحدث بهدوء يقص لها الجزء الخاص به قائلاً:
– هو بصراحة صقر كلمني قبل ما يسافروا وطلب مني أسافر معاهم علشان أأمن ناردين لإنه مش عايز حد من رجالته يتدخل، وحكالي على وضع عيلته وأنا مقدرتش أتأخر طبعاً، بس هو حذرني إن أي حد يعرف، حتى هو قال إن لو لا قدر الله انصاب اخد ناردين واهرب وكان منظم معايا كل الاحتمالات اللي ممكن تحصل علشان كان أهم حاجة عنده إنه يأمنها، كأنه كان حاسس باللي هيحصل.
تغاضت عن كذب ومراوغة عُمر السابقة وعاودت البكاء وهي تهز رأسها مرددة:
– نارو مش هتتحمل كل ده، صعب عليها جداً، أنا لو مكانها هموووت.
قالتها بانهيار ليلعن نفسه ويقف عاجزاً عن احتوائها ومكبلاً بوعوده.
***
رأته في حلمها ورحلتها مع اللا وعي، كان يقف في المكان الذي تركته به. يطالعها بعيون آسفة وحزينة، يطالعها بنظرات تطلب عفوها فقد أخلف وعده لها.
تنفست بعمق وباتت تخطو نحوه بهدوء وترقب، ثم رفعت يمناها تشير إليه، ودت نطق إسمه ولكن فمها كأنه ملتصقاً فلم تستطع النطق، كان يتحدث إليها ولكنها لا تميز حديثه فلم تستطع السمع، فقط عيناها تراه وهو يقف ينتظر قدومها وكلما اتخذت خطوةً نحوه ابتعد هو خطوات دون حتى أن يتحرك، كأن الأرض هي من تتحرك تحت أقدامه.
تحاول أن تصرخ أو تسرع إليه ولكنها فجأة وجدت يد تسحبها للبعيد بينما هو سقط في حفرةٍ اخفته تماماً عنها، ولكنها أخيراً استطاعت الصراخ لتنادي بصوتٍ حاد اخترق الجدران وهي تقول وتستيقظ:
– صــــقـــــــــر.
كانت تتنفس بقوة وسرعة كأنها كانت تركض أو تبذل مجهوداً مضاعفاً لتسرع آسيا تحاول تهدئتها مرددة بحزن وهي تربت على يدها وتحتوي رأسها:
– اهدي يا حبيبتي، اهدي أنا معاكِ ومش هسيبك أبداً، علشان خاطري متعمليش في نفسك كدة.
تحاول آسيا ولكن عبثاً، تحاول أن تنتشلها من تلك الحالة ولكن لا أحد يعلم حالتها وما تشعر به سوى الله، هو الوحيد القادر على ربط قلبها وقد كان، فها هي تنظر حولها بعيون لامعة وتائهة حتى استقرت على وجه والدتها لتعاود النوم مجدداً بعدما تأكدت أنها كانت تحلم به.
***
في إيطاليا يقف ميشيل ينظر إلى ماركو ويبث فيه القوة قائلاً:
– الآن الأمر متروكاً لك ماركو، كل ما هو ملكي سيكون لك يوماً، كل امبراطوريتي ستكون باسمك، سيعلو شأنك في البلاد وسيهابك الجميع، كل ما عليك فعله فقط هو طاعتي، هل فهمت يا صغيري؟
رفع ماركو نظره إليه يطالعه بملامح نُقش عليها الحزن والجمود قائلاً بنبرة جليدية:
– ماذا تريد الآن، أولم تنهي كل شيء، هل هناك المزيد؟
احتقن وجه ميشيل وتجهمت ملامحه قائلاً بقسوة:
– اعتدل يا هذا وإلا جعلتك تجاور صديقك، ماذا دهاك، أتحزن على كلبٍ خائن بعدما أطعمته بيدي وفتحت له ذراعيّ، أتحزن على من باعك فقط من أجل إمرأة.
تحدث ماركو بنفس النبرة قائلاً:
– ماذا تريد الآن؟
تحدث ميشيل بنبرة مسمومة هامسة:
– طلباً صغيراً يا بني، ستعود إلى مصر وتعمل بنفس طريقة هذا الخائن، وتمرر لنا الشحنات القادمة بحذرٍ وسلام، وسأزودك برجالي وأدواتي.
زفر ماركو يردف بجمود:
– حسناً، هل هذا كل ما في الأمر؟
ابتسم ابتسامة تشبه ابتسامة الثعلب الماكر حين النظر إلى فريسته وقال بخبث:
– تلك الفتاة، أصبحت خطراً علينا، هي علمت عنّا الكثير لذا يجب قتلها، أرسل أحدهم ينهي حياتها في الحال، أو افعل ذلك بنفسك.
***
في اليوم التالي صباحاً.
استعد سامح للذهاب إلى صقر كي يتحدث معه فيما نوى. كانت زينب تهندم له ملابسه وتفكر بشرود في حديثه أمس لذا زفرت قائلة:
– سامح هو الكلام اللي قلتهولي إمبارح ده ممكن يكون حقيقي؟
تنهد يطالعها ثم ابتسم وتحدث بنبرة هادئة ليطمئنها:
– أديني هروح اتكلم معاه وأشوف يا زينب، واللي هعرفه هاجي أقولهولك، تعالي نفطر بس لحد ما تيجي نهى.
تحدثت وهي تتحرك معه خارج غرفتهما قائلة بترقب:
– بيتهيألي لو روحت لواحدك أفضل، يعني تتكلم معاه بأريحية، يمكن هو مش عايز نهى تعرف؟
زفر وشرد ثم تحدث بما يعتليه:
– يمكن معاكِ حق بس أنا لسة مش متعود عليه ولا على بيته يا زينب، مينفعش أقرر من نفسي كدة أروح واتكلم معاه، نهى واخدة عليه عني وهتسهل عليا الكلام.
أومأت له برغم عدم رغبتها في اصطحاب نهى علّ صقر لا يستطيع التحدث بأريحية عمّا فعل أمامها، ولكن من المؤكد أن سامح لديه حاجزاً ما زال قائماً تجاه صقر.
بعد ساعة كان سامح يقود سيارته وتجاوره نهى متجهان إلى الڤيلا. تتحدث نهى بكلماتٍ شتى كعادتها وسامح يستمع ويفكر ويرتب حديثه مع شقيقه. كان طريقاً طويلاً بعض الشيء وأخيراً وصلا أمام الڤيلا. صف سيارته وترجلت نهى وكذلك هو وتحركا سوياً نحو البوابة التي يقف خلفها الحرس.
تحدثت نهى بابتسامة عفوية قائلة:
– صباح الخير عليكوا، ممكن نقابل صقر لأني كالعادة برن عليه وموبايله مقفول هو ومراته.
نظر لها الحارس بعمق، تبدو لا تعلم بما حدث وبالخبر الذي وصل إليهم ليلة أمس، لذا تحدث بنبرة ثابتة حزينة قائلاً:
– صقر بيه اتوفى امبارح، البقية في حياتكم.
ضيقت عينيها تطالعه بعدم فهم وقد انسحب قلبها حتى وقع عند قدميها، بينما جحظت عيني سامح قائلاً بحدة وصدمة:
– انت بتقول إيه يا جدع إنت، اتوفى امبارح إزاي، فين صقر؟
نظر له الحارس المصري بأسف ثم تحدث باستفاضة وحزن:
– صقر بيه سافر إيطاليا هو والهانم علشان يزور عيلته بس امبارح وصلنا خبر إنه اتقتل هناك، منعرفش أي معلومات غير كدة.
تشبح وجهه بمعالم الحزن فوراً، بينما صرخت نهى ببكاء وهى تتمسك في القضبان الحديدية للبوابة قائلة باستنكار:
– لاااا، انت بتكدب، هو مش عايز يقابلنا بس هو جوة صح، مش مهم نشوفه بس هو جوة.
لتلصق فمها بين القضبان وتنادي بصوتٍ عالٍ يغلفه القهر قائلة:
– صــقــــر، يا صــــــــقـــــر، يا صقر هنمشي بس رد عليناااا، رد يا أخووووويا.
قالت الأخيرة ببكاء وانهيار، فأسرع سامح المصدوم يساندها قبل أن تسقط. صدمته جعلت لسانه مقيداً، مات شقيقه مقتولاً كوالده، الماضي يتكرر ويعاد، مات شقيقه بعد أن رآه وأنقذ له ابنته من موتٍ محتوم، قتلوه قبل حتى أن يشكره ويتحدث معه، مات صقر بعد أن انقشعت غيمة العداوة بينهما، لتسقط دموعه وهو يسحب جسد نهى الباكية ويساندها حتى عاد بها إلى السيارة وفتح بابها وأجلسها.
جلست وقدميها متدليتين للخارج تبكي وتنتحب وتهز رأسها بعدم تصديق، ويقف سامح عاجزاً عن مواساتها. وقف أمامها ثم رفع نظره نحو ڤيلا شقيقه، وقف يتأملها وسبح بأفكاره للبعيد، يتذكر جيداً اللحظة التي علم بها بموت ناصر، لم يبكِ ولم يحزن بل تحول الحقد الذي كان يغمره تجاههُ إلى صقر. بات كل قهره وحزنه وعجزه مجمعاً في قلبه نحو صقر، ولكن الآن هو حزين، هو يبكي، هو يحبه لذا تسقط دموعه حزناً عليه، الآن بات نادماً عن كل لحظة تأخر فيها في مصالحته ومعرفته، ليته ترك العناد وبحث عنه ورافقه لعل القدر اختلف، ليته تخلى عن قهره واصطحبه معه لعله كان الآن بينهما.
ازدادت دموعه حتى أصبح وجهه غارقاً فيها، ونهى تبكي بنحيب وتنادي عليه بضعف وعدم تصديق، لتكن حالتهما كحالِ من بنى بيتاً حديثاً وشيده بكل مدخراته لسنوات ثم فجأة استيقظ من نومه ليجد أنه جالساً بين حطامه.
***
في المشفى التي ترقد بها نارة إلى الآن وتتغذى فقط على هذا المحلول المتصل بوريدها. الكل حزين على حالتها الانهيارية تلك ولكن ربما النوم هو أفضل علاج لها الآن.
تركتها آسيا وتحركت نحو دورة المياة لتتوضأ وتؤدي فرضها.
فُتح باب غرفتها وتسحب أحدهم في الخفاء للداخل، تحرك نحوها حتى أخفى ظله معالمها ليكشف عن ما في يده والتي لم تكن سوى إبرة تحتوي على سائلٍ معين. كشف غطاؤها ووخزها داخل المحلول المعلق ودفع محتوياتها به دفعةً واحدةً ليندمج السائل الخارج منها مع المحلول الذي يتقطر إلى جسد نارة.
وقف يطالع ملامحها ويزفر قليلاً وينتظر دقائقاً فقط ليرى أثر فعلته.