تحميل رواية «ثري العشق و القسوة» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ثلاثون عاماً . في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل: – بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟ قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص ال...
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية العربي
في معرض مميز يحتوي على الكثير من السيارات الفاخرة المعروضة للبيع تقف آسيا وابنتيها وعمر الذي هاتفته كي يأتي إليهن ويختاروا سيارتين لنارة ومايا.
اختارت نارة سيارة (Hyundai) بيضاء بينما تقف مايا حائرة بين نوعين لا تعلم أيهما تقرر، ظلت هكذا لمدة مما جعلهم يتأففون.
أخيراً نظرت لهم قائلة بملامح طفولية وخليط من المكر الأنثوي:
– خلاص هاخد دي.
قالتها وهي تشير على إحداهما من نوع (Mazda). أومأ صاحب المعرض الذي زفر أخيراً وتحدث بقليل من الضيق بسبب تأخرها:
– تمام حالاً هجهز العقود، اتفضلوا استريحوا.
قالت بدلال مبالغ فيه وهي تطالعه بعيون تشبه عيون القطط الوديعة:
– ينفع أجربها لحد ما تمضوا العقود؟
ويبدو أن نظرتها أصابت هدفها حيث ابتسم لها قائلاً:
– أكيد طبعاً بس بتعرفي تسوقي كويس؟
نظرت فجأة لعمر بابتسامة ناعمة وماكرة وتحدثت بوداعة زائدة:
– ممكن تيجي معايا نجربها علشان هخاف أسوق لوحدي؟
تعجب من جرأتها بينما تبدلت ملامح آسيا حرجاً. ولكن يبدو أن طريقتها الناعمة أحرزت أيضاً هدفاً عند عمر الحنون الذي لم يصله خبثها حيث نظر إلى آسيا قائلاً بهدوء:
– تمام يا آسيا هانم متقلقيش، هتسوق في مكان كويس قريب من هنا ونرجع علطول.
زفرت آسيا تومئ باستسلام بينما كانت مايا قد قفزت داخل السيارة بحماس طفولي تجلس خلف المقود. واتجه عمر يستقل الجهة الأخرى جوارها ليبدأ بإرشادها على بعض التعليمات التي لم تنفذ أي منهما. بل ضغطت فجأة على دواسة الوقود وانطلقت كمن تقود صاروخ فضائي وليست سيارة.
ومع حركة السيارة السريعة صدر منها صرخة قوية تدل على استمتاعها أمام أعين عمر الجاحظة بصدمة من أفعال تلك المراهقة المدللة.
تنهدت آسيا بيأسٍ منها واتجهت هي ونارة مع الموظف وصاحب المعرض ليتمموا أوراق البيع وتنتظران مايا وعمر حتى يعودا.
***
كانت تقود بحماس وتضحك بصخب وهو يجاورها قائلاً بحذر:
– هدي السرعة شوية الطُرق هنا مش فاضية زي إيطاليا، ممكن تظهرلك أي عربية فجأة.
هزت رأسها تعانده ثم نظرت تجاهه وأخرجت لسانها له ثم قالت بتمرد وانتقام:
– نووو، مش إنت قولت إنك بتقدم خدمات وقبلت تيجي معايا، يبقى براااااحتى بقااااا.
قالتها وهي تزيد من سرعتها بينما هو قضم شفتيه بغيظ من تهورها وجلس يراقب الطريق بحذر.
تقود وتدندن أغنية إيطالية حماسية وتهز رأسها بصخب فتتطاير خصلاتها مع حركتها المفرطة. بينما هو يجلس يحاول أن يتجنب النظر إليها، غاضباً من نفسه أنه صدق وداعتها وتحرك معها. جسده يهتز بقوة من سوء قيادتها حتى كاد يلتصق بها أكثر من مرة لولا حذره وتحفظه وثباته.
ظلت هكذا لدقائق إلى أن انتهت أغنيتها فهدأت من سرعتها. لذلك زفر هو بقوة حتى توقفت تماماً على جانب الطريق. ثم تنهدت بسعادة افتقدتها حقاً منذ فترة طويلة، أو ربما تناست قليلاً ما تمر به.
التفتت تطالعه ويبدو عليه الغضب ولكنه يتجاهلها ناظراً للأمام.
شردت قليلاً فيه، دوماً ملامحها الجميلة وشعرها الأحمر محط أنظار جميع الشباب. دوماً تتباهى بملامحها التي تضخ تمرداً وجمالاً، دوماً تحظى بالاهتمام ممن حولها لذلك تتدلل. أما هو فيتعمد تجنبها تاركاً لديها شعوراً بالنفورِ وهذا ما تخشاه. هو وسيم جداً ويبدو ككتلة صخرية لا تتحرك، ردود أفعاله باردة حتى بعد أن تعمدت القيادة بهذه السرعة لترى غضبه أو حدته ولكن هذا لم يحدث.
تحدثت بضيق وجرأة:
– إنت ليه مش بتبص ناحيتي؟
زفر بقوة ثم تحدث بضيق وهو على وضعه:
– اتفضلي دوّري ولفي علشان نرجع.
نظرت له بغيظ وأرادت أن تنفذ أي فعل شاذ ليعطي أي رد فعل. أرادت أن تستفزه أكثر فما كان منها إلا أنها تحركت قليلاً تميل عليه محاولة وضع قبلة على صدغه.
ليلف رأسه سريعاً بعدما استوعب ما تنوي فعله والتفت مبتعداً بجزعه يطالعها بصدمة وعيون غاضبة مردفاً وهو يدفعها من كتفيها:
– أنتِ مجنونة؟
عادت أدراجها ثم قلبت عينيها وهزت كتفيها تردف ببرود كأن ما فعلته أمراً عادياً:
– ليه يعنى عادي، أنا معملتش حاجة غلط، كنت عايزة أشكرك على خدماتك.
صُدم من حديثها وظل ينظر لها لثوانٍ، حتى أن جمالها تبخر أمامه وهو يفكر في أفعالها. يعلم أنها كبرت وترعرعت في دولة غربية ولكن هذا ليس مبرراً أبداً لتهورها وتماديها بهذا الأسلوب.
تحدث بجَلد وحدة:
– بما إنك شايفة أنه عادي فتمام مافيش حاجة أقولهالك، بس بالنسبالي مش عادي. بالنسبالي أنا ديني بيمنعني أصلاً أجتمع أنا وانتِ في مكان واحد لوحدنا زي كدة. بس أنا اللى غلطت وجيت مع عيلة مستهترة تعمل الغلط وتقول عادى. ودلوقتي لو سمحتِ لفي وارجعي حالاً لأن للأسف مش هقدر أنزل وأسيبك ترجعي لوحدك، مش أخلاقي يا بنت الناس. بس من هنا ورايح لو هكمل في الشغلانة دي ملكيش دعوة بيا نهائي.
انتهى وزفر يطالع نظراتها له حيث تبدلت تماماً. التفت ينظر للأمام وظلت هي تطالعه لثوانٍ بعيون عاد لهما بريق الحزن مجدداً قبل أن تلتفت وتدير المحرك عائدة بصمتٍ تام بعد أن صدمها حديثه. عن أي دين يتحدث؟ أهو نفس الدين الذي يؤمره بالقتل والعنف وإهانة المرأة؟ نعم بالطبع فهي تشعر بالإهانة الآن. هو محق هذا هو دينه الذي يفتخر به، ولكن حسناً إن لم أجعلك تظهر على حقيقتك أيها المتدين لن يكون اسمي مايا. أنت مثلهم، جميعكم متشابهون، لا أحد يستطيع معرفة ما يعتلي صدري، حتى أنا.
من بعدها ظل الصمت هو ضيف المكان إلى أن وصلت وترجلت وترجل هو أيضاً بملامح تبدو غاضبة وهذا ما لاحظته نارة عندما تمعنت في شقيقتها التي وقفت بالقرب من آسيا ثم تحدثت بهمس وبنبرة حزينة:
– ميرسي ع العربية.
تعجبت آسيا من ملامح ابنتها وأدركت أن أمراً مزعجاً قد حدث معها خصوصاً وأن عمر لم يتفوه ببنت شفة وملامحه واضحة.
***
في شركة صقر يجلس خلف مكتبه يتحدث مع ماركو عبر مكالمة مرئية من حاسوبه قائلاً بملامح حادة عندما وجد ماركو قد استيقظ لتوه:
– يبدو أنك قضيت ليلة صاخبة، متى ستلتزم يا رجل؟ هيا أفِق وأذهب إلى العمل حتى لا يغضب منك ميشيل.
قال الأخيرة باستفزاز فابتسم ماركو بتهكم يردف ساخراً بنبرة يشوبها الضيق والغضب الذي يلازمه بعد سفر صقر:
– دعنى وشأني أيها الأحمق، أولم تغادر وتتركني فما شأنك بي، ثم من متى وميشيل لا يغضب، هو ألة غضب متحركة.
نظر له صقر عبر الشاشة قائلاً بملامح غير مبالية كأنه لا يحمل أي مشاعر. كل ما يشعر به أنه يكره أن يرى ماركو مهزوماً وضعيفاً هكذا، ولكن مستحيل أن يظهر عاطفة أو مشاعر له.
أولم يعلم هذا الصقر أن الكره والغضب يعدان من أقوى المشاعر أيضاً؟
تحدث صقر بقوة يعنفه قائلاً:
– يبدو أنك تستقطب طباع الفتيات اللاتي تعاشرهن، ما تلك النبرة البائسة أيها الأحمق هل تظن أنني سأبكي؟ هيا قف واذهب لأعمالك، أولم أترك شركتي في عهدتك، إن لم تلتزم سأقتلع رأسك من مكانها، والآن أغلق لا وقت لدي لك.
أغلق معه وشعر بالرغبة في التنفيث عن غضبه الذي نادراً ما يحدث ولكن حقاً أغضبه ضعف هذا ماركو واستسلامه وهذا سيجعل منه ألة يحركها ميشيل على هواه ولن يسمح صقر بذلك.
أخرج سيجاره وأشعله ثم سحب منه شهيقاً معبأً بالدخان السام إلى رئتيه لتتضخمان وتمتصان هذا الكم الهائل من الغضب والكره محولتين إياه إلى زفير قوي حاد يحمل دخاناً ضبابياً انتشر حوله كشبحٍ مبتسمٍ وسعيد بحالته تلك.
ويبدو أن الترياق الوحيد من هذا السُم النفسي أصبح رؤيتها لذلك قبض على مفاتيحه ووقف يتحرك مغادراً المكان لينزع تلك القبضة التي تلتف حول عنقه.
***
بعد ساعة تجلس آسيا في بهو المنزل تتحدث مع عمر الذي يجلس شارداً بعدما لاحظ صمت مايا منذ ما حدث. يؤنب نفسه ربما تحدث معها بطريقة فظة ولكن حقاً ما فعلته يعد بالنسبة له خطأً فادحاً. انتبه بعد أن تحدثت آسيا قائلة:
– السيكيورتي برا أنا فهمتهم النظام الجديد، وإنت يا عمر هتبقى مسئول زي ما قولتلك عن البنات، هما لسة ميعرفوش أي حاجة هنا، خصوصاً مايا. هي هتتعبك شوية أنا عارفة بس أتمنى منك تكون صاحب حكمة معاها، اللي عرفته عنك إنك شهم وجدع وكمان لبنى هانم بتشكر فيك جداً وده اللي خلاني أثق فيك وعارفة إنك هتكون قد الثقة دي. طبعاً فيه ملحق برا تقدر تعتبره بيتك، تحب تستفسر عن أي حاجة؟
ابتلع لعابه ونظر لها يردف بهدوء وما زال عقله شارداً بسبب تلك المراهقة وأفعالها التي على ما يبدو ستأخذ منه مجهوداً شاقاً:
– لا يا آسيا هانم، كدة تمام، عن إذنك أنا بس هروح أجيب حاجتي من شقتي وأرجع علطول.
أومأت له مبتسمة فوقف يغادر ليحضر أغراضه وقطته ويعود.
أما في الأعلى في غرفة مايا فتجلس على فراشها منذ أن أتت تحمل صورة والدها وتبكي. هي الآن في صورتها الأصلية، ضعيفة هشة تشعر بالوحدة والتخلي. ترتدي رداء التمرد والتسلط وقذف الكلمات الحادة لتخفي خلفهم ضعفها وحزنها القائم وتشتتها الظاهر الآن.
نظرت للصورة ولعين والدها تردف بحزن ودموع وغضب:
– أنا طلبت منه يسيبك ليا، قولته مياخدكش، عملت زي ما كنت بتقولي لو عايزة حاجة قوي أدعيه، بس هو أخدك بردو، سبتني ليه يا باااابي، سبتني ليه لوحدي ومحدش فاهمني، أنا كنت عايزاك معايا، إنت اللي كنت بتفهمني دايماً.
تحشرجت بقوة ثم انحنت على الصورة تتابع بهمس كأنها أرهقت:
– أنا عايزة أناااااام، عايزة أنام علطول يا بااابي.
ظلت تبكي وهي تحتضن الصورة وتكتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد.
***
بينما تجلس نارة في غرفتها على مقعد أمام مرآة الزينة تمشط شعرها بعد أن أخذت حماماً دافئاً لتوها، تفكر في أمرٍ ما. الآن بات عليها تحقيق جزءاً من أحلامها، لتبدأ في كتابة كتابها الأول والبحث عن دار نشر آمنة لتستطيع نشره.
فهي منذ أن كانت تدرس تحلم أن تصبح أديبة مشهورة، تتمنى أن تترك أثراً مفيداً ببعض قناعاتها. فات الكثير من الراحة والآن عليها العزم والبدء في تحقيق هذا الحلم، فالوضع الآن أصبح منتظماً نوعاً ما واستطاعت التغلب على حزنها قليلاً.
مرّ على عقلها فجأة هذا الصقر، لقد أخبرت والدتها أنها تود رؤيته. نعم عليها أن تحسم هذا الأمر حتى تمضي قدماً بعقلٍ منتبه ودون تشتت.
وهذا ما فعلته آسيا، وها هي تهاتفه وتنتظر رده.
كان يجلس في غرفته يحاول رؤيتها من خلال شرفته ولكن شرفتها مغلقة وحتى الستائر تحجب الرؤية عنه، لهذا زاد غضبه وزادت سجائره حتى ملأ الدخان الغرفة. يبدو أنها تتعمد ذلك، أو ربما تتلاعب بأدواته.
انتبه لإهتزاز هاتفه فتناوله وعندما وجده اتصالاً من آسيا ابتسم ونفث دخاناً قوياً.
وبالفعل فتح الخط وأجاب بترقب قائلاً:
– مرحباً سيدة آسيا!
تنهدت وقالت بهدوء ورتابة:
– مرحباً بك سيد صقر، أود أن أُعلمك أننى تحدثت مع ابنتي وهي أخبرتني أنها تود لقاءك.
ابتسم بخبث فهذا ما كان يتوقعه تماماً لذلك تحدث بثبات:
– حسناً على الرحب والسعة، فقط أخبريني المكان والزمان التي تفضلهما.
تحدثت آسيا بتمهل:
– هي تريد أن تراك هنا في المنزل، فابنتي لا تفضل اللقاءات الخارجية، وبالنسبة للموعد تستطيع أن تحدده أنت حسب وقت فراغك.
شرد قليلاً، ترددت على عقله جملة (لا تفضل اللقاءات الخارجية) تلك النارة مميزة في الكثير من الأمور، وهذا ما يجذبه دوماً إليها، فمؤكد أن المميزات للمميزين. ابتسم بجانب فمه، فهذا يعد قانوناً عادلاً بالنسبة له. تحدث بعد أن عزم أمره قائلاً:
– حسناً ليكن بعد ساعة من الآن إن كان مناسباً لكما!
أومأت قائلة:
– حسناً مناسباً بكل تأكيد، سنكون في انتظارك.
زفر وشعر بشعور جديد يتسرب إليه، ربما كل أمرٍ خاص بها يعد هو الملاذ الآمن الوحيد الذي يحصل عليه من بين كل سيئاته. حان وقت اللقاء، سيراها عن قرب إذاً وسيتحدث معها، لذا قال بهدوء:
– سآتي بعد قليل.
أغلقت معه وتحركت للأعلى كي تخبر نارة بالأمر.
بينما وقف هو يهندم حاله ويستعد لهذا اللقاء الذي ينتظره ويخطط له منذ أشهر.
***
بعد ساعة يقف عمر مع رجلي الأمن عند بوابة الڤيلا يتحدث معهما بعد أن جلب أغراضه وعاد. رآى أحدهم يتقدم آتياً من الفيلا المجاورة، رجلاً شاباً يبدو عليه الثراء والغموض.
تقدم منهم صقر وتحدث بغرور وبالإيطالية قائلاً وهو ينظر في عين عمر بقوة:
– لدي موعد مع السيدة آسيا والآنسة ناردين.
كان عمر على علم بهذا اللقاء فقد أخبرته آسيا منذ قليل. ولكن بدا له هذا الرجل غامضاً، وبرغم أن عمر لم يفهم لغته إلا أنه لم يظهر ذلك وفسح له المجال قائلاً:
– اتفضل.
دلف صقر يخطو في الحديقة وتبعه عمر حتى وصل أمام مبنى الڤيلا. كانت آسيا قد خرجت لاستقباله تبتسم وهي تقف عند باب الفيلا مرحبة ثم مدت يدها قائلة برتابة:
– أهلاً سيد صقر، تشرفنا بمجيئك إلى منزلنا.
ابتسم وانحنى برأسه قليلاً قائلاً بثبات ورتابة:
– الشرف لي سيدتي.
أشارت له بيدها قائلة:
– تفضل.
دلف الفيلا بينما وقف عمر ينظر لأثره بشعور غير مطمئن ولكن عليه التمهل قليلاً في الحكم على الأشخاص، لذا قرر التحلي بالصبر والعودة لعمله.
أما آسيا التي اصطحبت صقر إلى الصالون الفاخر الذي يتوسط بهو المكان وجلس وجلست أمامه تردف متسائلة:
– أخبرني ماذا تحب من ضيافة؟
أردف بهدوء وثقة:
– حسناً ليكن فنجان قهوة سادة.
ابتسمت ووقفت تردف:
– حسناً عن إذنك ثواني.
تحركت للمطبخ لتخبر العاملة بتحضيرها وعادت إليه تجلس مقابلة له ثم تحدثت:
– ثوانى وستأتي ناردين.
ابتسم وأردف بملامح منفرجة:
– حسناً كما تشاء.
كانت هي في غرفتها تحفز نفسها حيث تتنفس عدة مرات لتهدأ من نبضها المتسارع. لا تعلم لمَ تشعر بالتوتر فهذا مجرد لقاء تعارف وعليها أن تظهر واثقة وثابتة.
كانت ترتدي dress ذو لونٍ مائل للأبيض مع بعض الخطوط المشبحة باللون الوردي. يلائم جسدها وينزل من بداية الخصر باتساع إلى قدميها، أكمامه طويلة وياقته تخفي معالم رقبتها كاملة.
بينما خصلاتها شبكتها بقابض شعرٍ على شكل فراشةٍ وانسدلوا البقية على كامل ظهرها بشكلٍ رائع.
وعن وجهها فلم تضع به سوى نوعٍ من كريم الترطيب الذي أظهر نضارتها فبدت جميلة ناعمة طبيعية.
ارتدت حذاءاً كريستالياً ذو رباطٍ حول كاحلها وخطت للخارج ومنه للأسفل. تنزل درجات السلم ويستمع هو إلى خطواتها التي تشبه نبضات قلبه مع اختلاف السرعة.
لم ينظر تجاهها بل يستمع فقط إلى خطواتها التي اقتربت منه. يظهر ثباته الذي كاد يتبخر حينما وقفت أمامه ورآها تردف بثقة وابتسامة هادئة دون مد يدها قائلة بلهجة مصرية:
– أهلاً يا صقر بيه نورتنا.
ترك فنجان قهوته على الطاولة الجانبية له ووقف يقابلها وانكبت عينه عليها وصمت لثوانٍ حتى أنه لم يجد ما يقوله بعدما تخلت عنه فصاحته المعهودة.
فقط ثوانٍ مرت عليه كساعات يبحث عن الرد ولأول مرة يراوده التلعثم لذلك أخفض نظره قليلاً حتى يعود إليه تركيزه وآخيراً وجد نفسه يتحدث مثلها قائلاً بعمق وعيون بهما بريق ملامحها:
– المكان منور بيكِ إنتِ.
ابتسمت قليلاً بتوتر وتساءلت برتابة وهدوء:
– ممكن نقعد برا في الجنينة؟
عاد إليه تركيزه قائلاً وهو يطالعها بثبات كان بعيداً عنه من لحظات:
– زي ما تحبي.
أومأت ونظرت لوالدتها قائلة:
– بعد إذنك يا ماما.
ابتسمت لها آسيا وأومأت بينما تحركت هي للخارج تصطحبه حتى وصلت إلى الحديقة الخلفية.
أشارت له ليجلس على مقاعد خشبية محيطة بطاولة مستطيلة من نفس النوع قائلة:
– إتفضل هنا.
جلس وجلست هي مقابلة له ثم نظرت للزهور من حولها تستجمع طاقتها حتى يتسنى لها بدأ الحديث والأسئلة.
نظر لها بعمق أثناء تأملها الزهور، رآها عدة مرات من مسافات متفرقة ولكن ملامحها عن قرب مختلفة، أجمل وأنقى وأكثر صفاءاً وهدوءاً. وما يجملها هو رتابتها وثقتها في نفسها، نعم وهذا ما جذبه إليها، فقد رآى جميلات يشبهن النعيم ولكن حالتها الشاذة والمختلفة عن كل هؤلاء هي من سحبته إليها كنداهة في بحيرة ملعونة.
أما هي فرتبت حديثها داخل عقلها ولفت تقابله متسائلة بهدوء واستفسار:
– ممكن أول حاجة أعرف منك ليه حطيت على شباكي في إيطاليا وردة ورسالة واختفيت بعدها؟
تنهد يرجع ظهره للخلف ثم تحدث بهدوء مماثل وثبات بعدما رتب حديثه مسبقاً لعلمه أنها ستسأله هذا السؤال قائلاً بلهجة مصرية تبدو ثقيلة قليلاً على لسانه:
– لأني عرفت إنك بتحبي الورود والقراءة والرسايل الورقية والقهوة، فحبيت أوصلك بأقرب طريقة ليكِ.
كيف علم عنها كل هذا؟ هذا ما تردد على عقلها ولكن إجابة السؤال هذه تكمن في شخصيته لذلك دققت جيداً في ردوده وهي تسأله مجدداً:
– طيب ليه اختفيت بعدها؟
هز منكبيه يجيب بثبات وهو ينظر لـ عينيها:
– أختفيت إزاي وأنا قدامك دلوقتي! كل ما في الأمر إني كنت بحاول أضبط أموري. أكيد عرفتي إني صاحب شركة ومسئول عن أعمال كتير، علشان كدة كان لازم أحدد أهدافي قبل ما أخد خطوة جد، لأني كنت متأكد إنك مش من النوع اللي بيحب التلاعب.
حسناً جوابه جيداً جداً، حتى أنه حصل على علامة امتياز داخل عقلها. ولكن لمَ لا تستطيع تفسير حركاته وملامحه، كأنه يفهم جيداً ما تحاول التركيز عليه فيبدو أكثر ثقة وخفاءاً لشخصيته، فهو يرتدي قناعاً خفياً يحجب معالم الحقيقة عنها وهي التي دوماً عُرفت بتحليل شخصية من يجلس أمامها.
أبعدت نظرها بعدما توترت هي بدلاً عنه ثم أومأت تقول بترقب:
– طيب ممكن تكلمني عنك؟ وطبعاً أحب أعرف إنت شوفتني فين أول مرة!
سحب نفساً هز منكبيه واعتدل يتحدث بطريقة دبلوماسية كرجل قانون مخضرم قائلاً:
– شوفتك في ملهى ليلي في إيطاليا ملك ابن خالي، كنت متواجد معاه هناك لما رحتي تجيبي أختك الصغيرة، وطبعاً أنا واثق في ذكائك في معرفة الباقي.
شردت قليلاً تتذكر هذا اليوم وأحداثه. نعم فهمت ذلك ولكن شعرت بالضيق من تلك الصدفة. كانت تتمنى أن يكون رآها في أي مكان غير هذا، ولكن تأتي الرياح دوماً بما لا تشتهي السفن.
شعرت بالإحباط وظهر ذلك له فتحدث بعدما علم أفكارها قائلاً بدهاء وبلغة إيطالية يجيد التحايل بها:
– جمعنا لقاء عمل مشترك مع عملاء أمريكيين هناك، ولحسن الحظ أنّي ذهبت، فبرغم أن اللقاء لم يثمر شراكة عملية إلا أنه أثمر بما هو أثمن من ذلك بكثير.
أيضاً ملامحه وثباته يجعلها لا تستنتج تفسيراً لأقواله. فهي دوماً تعتمد على علم النفس لتعلم الكاذب من الصادق، ولكنه غامض وهذا يثير إعجابها بالإضافة إلى اقتناعها بإجابته.
أما هو كان متباهياً بأدائه الرائع من وجهة نظره، يعلم أنها أُعجبت به لذلك تابع متسائلاً بنبرة مؤثرة:
– هل لديكِ مانع في إرتباطنا بشكلٍ رسمي؟
نظرت له بتمعن وتعجب من سرعة طلبه ثم تحدث بهدوء:
– بس أنا لسة مكلمتكش عني، مش عايز تعرف أكتر عن الإنسانة اللي عايز ترتبط بيها؟
تحدث بثبات وثقة:
– أعتقد أنني علمتُ عنكِ ما يكفي لطلبي الزواج منكِ في الحال وليس فقط الإرتباط، وما لم أعلمه عنكِ يمكنني معرفته أثناء ارتباطنا.
– ولكني لا أعلم عنك شيئاً بعد.
قالتها بضيق من نبرته التي تشوبها الأنانية ليعود لخبثه ويردف باستعطاف ماكر:
– لقد جئتُ اليوم لأخبركِ عني، حقاً أود ذلك كثيراً.
تنفس بعمق ليبدأ في سرد القليل قائلاً:
– أنا والدي مصري مسلم ووالدتي إيطالية مسيحية، قضيتُ جزءاً من طفولتي هنا في مصر، ثم سافرنا إلى إيطاليا لزيارة عائلة والدتي، ولكن توفى والدي هناك واضطررنا أنا ووالدتي أن نبقى هناك مع عائلتها، لقد كبرت بينهم إلى أن توفت والدتي أيضاً، ثم بدأت أُأسس شركتي الخاصة بي وها أنا أمامكِ الآن.
لأول مرة منذ أن جلست معه تلاحظ عليه رد فعل غير الثبات والغموض. حديثه السريع وعيونه الزائغة وحركة يداه تدل على هروبه من الماضي، جريه في الحديث يدل على جريه من ذكريات مؤلمة يخشى مواجهتها، وهذا آثار انتباهها وأنشأ داخلها تساؤلات، ولكن حاولت إلهاؤه عن حالته تلك التي على ما يبدو آلمته لذا قالت:
– أنا مثلك تماماً، قضيتُ جزءاً من طفولتي هنا في مصر وبعدها سافرنا إلى إيطاليا، شقيقتي وُلدت هناك وأكملت حياتي هناك ولكن دائماً كان يراودني حنين العودة لمصر، هناك شيئاً ما يربطني بها ولا أعلم ما هو، ربما دفء شوارعها وربما إحساس الأمان، حقاً لا أعلم.
تمعن فيها قليلاً، تتحدث بعفوية وصدق وراحة، لا تخاف ولا تخشى شئ، شفافة تماماً وهو ممتلئاً بالشوائب.
يمكنه أن يكون هو مِصرها حيث يعطيها الدفء والأمان، حتى أنه شعر بالتملك والغيرة من هذه مصر التي تتحدث عنها بكل هذا الحب. زفر وتحدث قائلاً بترقب يخفي شعور التملك الذي راوده:
– جيد، هناك أموراً كتيرة مشتركة بيننا، وهذا يجعلني متفائلاً لچوابك.
تنهدت وتحدثت بصدق قائلة:
– هذا القرار الوحيد الذي يجب أن نفكر فيه جيداً قبل اتخاذه، لذا أترك لي متسعاً من الوقت من فضلك، ولنعتبر لقاءنا هذا تعارفاً بيننا، وبالنسبة لي فقد تشرفتُ بمعرفتك حقاً.
حسناً كان يعتقد أنها ستوافق أو ربما وثق في قدراته زيادةً عن اللزوم ولكن لا بأس، سيتحلى بالصبر إلى أن تقرر. لذلك وقف يغلق زر بدلته ويردف وهو على وشك المغادرة:
– ليس لدي مانع في انتظارك، فكري جيداً بتمهل وسأنتظر منكِ اتصالاً، ولكن فضلاً لا تضعي حاجزاً بيني وبينكِ أو ستاراً، أقصد على شرفتكِ.
ابتسم بمكر وتركها والتفت يغادر بينما هي وقفت حائرة لا تعلم كيف استشف ذلك فهذا بالفعل ما فكرت به وهو وضع حائط زجاجي حول شرفتها، ولكن لم يعد له أهمية الآن، عليها أن تفكر في عرضه جيداً.
***
مساءاً في شقة سامح وبعد أن اصطحب زوجته من منزل أهلها.
توجهت زينب إلى فراشها بعد أن نامت صغيرتها وصعدت تجاور سامح الذي يستند على ظهر الفراش شارداً لتتنفس بعمق وتنظر له متسائلة بهدوء وراحة بعدما استقرت حالة والدتها الصحية:
– مالك يا حبيبي بتفكر في إيه؟
انتبه لها فسحب يده من خلف رأسه يتمسك بمعصمها ويسحبها إليه ليضمها فجأة بقوة إليه مرتكزاً برأسه على كتفها.
استكانت في عناقه المفاجئ وربتت بيديها على ظهره تردف مبتسمة بحب:
– طب ممكن أعرف إيه مناسبة الحضن الحلو ده؟
تنفس رائحتها وهو يكمل عناقه ليردف بحب عند أذنها:
– إمبارح مرضتش أطلع أنام هنا من غيرك، نمت تحت عند أمي أنا وريما، ربنا ما يحرمني منك يا زينب، إنتِ جيتي خليتي لحياتي طعم ولون، ربنا يبارك لي فيكِ.
اللمعت عينيها بدموع السعادة لتردف بحب وهي تبادله نفس المشاعر:
– وانت كمان يا سامح، أنت حبيبي وجوزي وأبو بنتي وسبب فرحتي، وأقولك على حاجة!
تمهل يبتعد عنها قليلاً ثم نظر لوجهها بحب وابتسم يردف:
– قولي يا زينب.
ابتسمت وجففت بكفها عينيها من غيومها السعيدة لتردف بصدق:
– أنا كمان معرفتش أنام امبارح في بيتنا، وفضلت سهرانة جنب ماما لحد ما النهار طلع، معرفتش أبدأ أغفل برا حضنك.
طالعها بحب وتمعن. هي التي أتت فانتزعت ذلك الجزء الأسود من حياته السابقة ولونته، كانت خير رفيقة لأيامه الفائتة، تحملت والدته وآلامه واستمعت لتراكماته التي تسعى لتنتزعها ويعلم ذلك جيداً ولكن يأتي عند هذا الأمر الخاص بوالده وشقيقه ويجد أن التسامح ثقيلاً جداً عليه.
تحدثت عندما طال تحديقه بها لتنتشله من شروده قائلة:
– قولي عملت إيه في البضاعة اللي اشتريتها؟
ابتسم بعدما انتبه على سؤالها ليعود لمشاعره معها ويسحبها إليه مردفاً بخبث لم يعرف به:
– سيبك من البضاعة دلوقتي وتعالي قوليلي القميص الحلو ده جبتيه إمتى؟
ابتسمت على جملته وهي تنظر لقميصها الذي ابتاعته هي وشقيقتها منذ يومين بينما وجدت يده مبتغاها وانحنى يقبلها بحب لينعما معاً بأوقات ممتعة كانت هي المرهم لآلام اليوم وكل يوم.
***
في اليوم التالي نزلت مايا متجهة للخارج تحمل حقيبتها تنوي المغادرة بعدما قضت ليلتها في البكاء والعزلة برغم محاولات آسيا ونارة لإخراجها من غرفتها ولكن باءت جميعها بالفشل.
تقدمت حتى وقفت أمام عمر الذي خرج للتو من الملحق الخاص به، تحدثت وهي تطالعه بغضب غير مبرر:
– عايزة أروح مشوار، هتيجي توصلني ولا أروح أنا؟
طالعها بتعجب من حدتها، فهي قد قررت الذهاب لشراء أدوات رسم جديدة علها تخرج من حالتها تلك.
تعمق في عينيها اللامعة فعلم أنها كانت تبكي وتعجب من هذا. لوهلة شعر بالرأفة تجاهها ولكنه تجاهل شعوره متسائلاً بنبرة عادية:
– آسيا هانم عندها خبر؟
أردفت معارضة بصياح:
– وأنت مااالك، إنت ليك توصلني وبس.
نظر لها لبرهة ثم تجاهلها ضاغطاً على أعصابه حتى لا يوبخها مجدداً، رفع هاتفه يهاتف آسيا ليسألها وبالفعل سمحت له باصطحابها إلى المكان الذي تريده.
استقل مكان القيادة وصعدت هي جواره تغلق الباب وتتطلع للأمام بصمت بينما هو نظر لها متسائلاً:
– عايزة تروحي فين؟
لم تلتفت له بل تحدثت قائلة وهي تشبك ذراعيها عند صدرها:
– أطلع على أي public library (مكتبة عامة).
زفر وتحدث بهدوء:
– اتكلمي عربي لو سمحتِ، فين بالضبط؟
نظرت له بقوة قائلة بحنق:
– مكتبة عامة.
تجاهلها وبدأ يتحرك مغادراً الفيلا ليوصلها إلى المكتبة.
لم تتحدث بل ظلت صامتة طوال الطريق، ربما انتظرت حديثه أو تمنت ذلك ولكنه لم يفعل. أيقنت أنه مجبر على رفقتها، فمؤكد لو ود ذلك لتحدث معها. ولكن هي تريد التحدث الآن لذا وقبل أن يتوقف أمام المكتبة تحدثت بتفاجؤ:
– إيه رأيك نروح نشرب كوفي في أي مكان قريب؟
توقف أمام المكتبة وقال متجاهلاً حديثها:
– المكتبة، انزلي اشتري حاجتك وتعالي، هستناكي هنا.
نظرت للمكان من النافذة، تبدو مكتبة كبيرة ومزدحمة وهي تخشي الزحام أو ربما تعاني من فوبيا منه، لذا عادت بنظرها إليه تردف بتوتر:
– طيب تعالى معايا، الدنيا زحمة أوي.
زفر ونظر لها بترقب ثم أومأ وترجل معها يوصد السيارة بعد أن صفها أمام رصيف المكتبة وتحركا للداخل سوياً.
كانت مكتبة عامة مقسمة لعدة أجزاء، جزءاً خاصاً ببيع الكتب، وجزءاً خاصاً ببيع اللوحات وعرضها، وجزءاً خاصاً ببيع أدوات الرسم وهذا ما اتجهت إليه مايا ويجاورها عمر.
وقفت تنتقي أدواتها بحيرة وتردد، تلتقط نوعاً ثم تتركه وتبحث عن بديل وعمر يتابعها بنفاذ صبر.
كانت تتعمد إثارة حنقه وتدعي البراءة. ظلت هكذا لعدة دقائق لذا تحدث بضيق:
– ياريت تنجزي شوية يا آنسة مايا، بقالك نص ساعة بتختاري أقلام وترجعيها.
تعجبت وتركت ما في يدها تلتفت له متسائلة عن مصطلح إحدى الكلمات التي لم تفهمها قائلة:
– أنجز؟ يعني إيه أنجز؟
زفر ثم تحدث يوضح:
– يعني خلصي بسرعة شوية، ركزي كويس وحددي إنتِ عايزة إيه واختاري اللي هيفيدك، وده مش للألوان بس، ده لحياتك كلها.
وقفت تطالعه بصمت لثوانٍ وتفكر في جملته، لربما اقتنعت بها ولكن الجزء العنيد داخلها عاد يطفو للسطحِ عندما تحدثت:
– ياريت تخليك في حياتك أنت وملكش دعوة بحياة غيرك.
تبادلا صراع النظرات لتلتفت وتعود لتنتقي ألوانها بينما هو قرر تجاهلها والتفت ينظر حوله على المكان. رأى على مرمى نظره بعض اللوحات التاريخية عن شخصيات إسلامية فأخذته قدماه إلى مكانها.
تحرك وتركها وهي لم تراه حيث انشغلت بالأدوات. كان المكان مزدحماً فهو دوماً يمتلئ بالزوار سواء من داخل مصر أو خارجها كمقصد سياحي لرؤية اللوحات وشراء الكتب وأدوات الرسم.
وقف عمر أمام لوحة تعود للقرن التاسع عشر حيث رسم فيها حي من الأحياء الشعبية لمدينة القاهرة حيث المحلات التجارية التي تبيع المشغولات اليدوية سواءاً كانت من النحاسِ أو الفخار أو غيرهما وهناك ثلاثة رجال يقفون عند إحدى المحلات يحمل أحدهم سجادة شُغلت يدوياً ويبدو من ملامحه أنه يُفاصل في سعرها مع التاجر.
ظل يتأمل تلك اللوحة وتفاصيلها التي أبدع فيها الرسام ليبدأ في تتبع لوحة أخرى وقدميه تأخذه إلى غيرها وهكذا حتى غاب عن أنظار مايا.
انتهت بعد دقائق قليلة من اختيار ما تريده وابتاعته ثم التفتت لتنظر له فلم تجده، وقفت تبحث عنه عند مرمى عينيها فلم تجده أيضاً.
بدأ التوتر يتوغلها خصوصاً مع هذا الكم من البشر وتحركت تبحث بعينيها في كل مكان.
تناولت هاتفها لتحاول الوصول إليه بعد أن سجلت رقمه أمس من والدتها ولكنه لم يجيب على اتصالها.
بدأت تشعر بالذعر والرهبة لتقرر الخروج من هذا المبنى قبل أن تأتيها الحالة التي تراودها واتجهت للبوابة الخاصة به وبالفعل خرجت تتنفس بقوة، تنظر حولها فلم تجد سوى السيارة فارغة ومفاتيحه معه.
جالت محيطها بعينيها لتجد نفسها في مكان لم تعرفه وسط أناس لم تعرفهم.
بدأت دموعها تأخذ مجراها وعادت لحقيقتها، هادئة وديعة كطفلة صغيرة فقدت أبويها، تحركت عند السيارة لتستند عليها وتلتفت بوجهها مقابلاً لبوابة تلك المكتبة كي تراه عند خروجه.
أما هو فيبدو أنه انسحر بتلك اللوحات، حتى أنه نسيَ أمر مايا وانشغل عقله في التفكير عن كيفية الرسم بأدق التفاصيل هكذا.
ليرتطم بعد دقائق بشخصٍ ما أفقده تركيزه وهذا جيد حيث تذكر تلك المايا أخيراً يردف بعيون متسعة وهو يخطو تجاه مكانها:
– يا خبر أبيض أنا نسيت البت.
وصل إلى مكان بيع الأدوات فلم يجدها، تعجب وانتابه القلق حيالها واتجه يسأل البائع عنها فأخبره أنها غادرت منذ حوالي 15 دقيقة.
زفر بضيق من نفسه، هي تعد أمانته التي لم ينتبه لها.
أسرع يتحرك للخارج تجاه السيارة، كان يركض وعندما وجدها تقف عند السيارة تستند عليها وتطالعه بنظرات غاضبة زفر بارتياح وتوقف ثم بدأ يتقدم منها ببطء حتى وصل أمامها قائلاً باعتذار:
– معلش أنا أسف أصل انشغلت بس بـ
– إنت أصلاً إزااااي تسيبني وتمشي! إنت المفروض تفضل ورايا لحد ما أخلص، دي شغلتك أصلاً.
قالتها بنبرة حادة وعيون لامعة فالتفت ينظر حوله ليرى عيون بعض المارة التفتت تجاههما، أخفض رأسه يستدعي ثباته حتى لا يحتد عليها فهي توبخه للمرة الثانية أو الثالثة ولم يعد يحتمل.
أخرج من جيبه جهاز التحكم وفتح قفل السيارة يردف من بين أسنانه بنبرة باردة متوعدة:
– اركبي حالاً.
رأت هيأته ولم ترى عينه حيث كان يخبأهما وللعجب فقد شعرت بالخوف منه ولكن ادعت التمرد فدبت الأرض بقدمها بطريقة طفولية دالة على حنقها قبل أن تتحرك وتستقل السيارة.
صعد مكان القيادة واغلق السيارة وبدأ يتحرك من هذا المكان بصمت وقاد حتى وصل إلى منطقة أخرى هادئة قليلاً، توقف جانباً وتحدث وهو ينظر للأمام قائلاً:
– عليتِ صوتك عليا في الفيلا وعديتها، إنما تكلميني كدة قدام الناس! ليه إن شاءلله؟
تحدثت ببرود وهي تقلب عينيها:
– لإنك غلطت، سبتني في وسط الزحمة ومشيت.
تحدث موبخاً بعد أن انفلتت منه حكمته:
– بصي بقى يا إسمك إيه إنتِ علشان نبقى على نور من الأول كدة، أنا وافقت ع الشغلانة دي علشان أسيا هانم طلبت مني ده ولأني بقدرها، وأصلاً كنت مفكر إني هأمن أختك ناردين مش إنتِ، ولو كنت أعرف إنهم هيجبولي عيلة تبهدلني بالشكل ده كان أكرم لي أفضل في شغلي عن البهدلة دي، سعادتك كنتِ عايزانى أقف زي الألف لما تختاري حاجتك اللي بقالك 3 ساعات مش عارفة تختاريهم؟ وإنتِ أصلاً قاصدة تعملي ده وتستفزيني؟
استمعت لحديثه الحاد وآلمها بعضه، لذا أحس بغيوم لامعة تتحرك في مقلتيه فتوتر ورفرف بأهدابه عدة مرات يبعد عينه عنها ليقول مستغفراً:
– استغفر الله العظيم وأتوب إليه.
التفتت هي تنظر للأمام ثم تحدثت بنبرة منكسرة لأول مرة تبرر ما حدث:
– أنا زعقتلك لأن عندي فوبيا من الزحمة، بحس مش قادرة آخذ نفسي خصوصاً لما ببقى لوحدي، وأيوة أنا كنت بتعمد أستفزك لأنك مش بتتكلم معايا خالص، ولو شايف إني عيلة أنا هكلم ماما وأقولها تعفيك من حراستي.
أغمض عينه وابتلع لعابه، يمتلك قلب حنون رق لسماع نبرتها المنكسرة، ويبدو أن ما يحمله قلبه يطفو على لسانه حيث قال بنبرة هادئة قليلاً يراضيها:
– خلاص يا مايا حصل خير، إنسي اللي حصل دلوقتي ومتقوليش لآسيا هانم حاجة، أنا أصلاً كنت بعتذرلك لأني غلطت لما سيبتك لوحدك، بس مرة تانية بلاش تعلي صوتك عليا نهاااائي.
نظرت له بمكر وابتسمت، هذا ما أرادته تماماً، لا تنكر أنها أحبت حنانه ولكن ليست هي من ترضخ لذا تحدث:
– موافقة بس تعالى نروح نشرب كافيه في أي مكان.
زفر وتحدث بثبات:
– مينفعش، جبتي حاجتك يبقى هنروح علطول، إحنا مش أصحاب يا مايا ولا ينفع نقعد مع بعض في مكان عام لوحدنا.
تعجبت من تفكيره الذي يبدو رجعياً من وجهة نظرها وزفرت بحنق لتنظر أمامها بضيق وصمت ويقود هو عائداً إلى المنزل.
***
يقود صقر متجهاً إلى شركته وعلى بعد مناسب يقود خلفه رجل ميشيل حيث يندس وسط السيارات معتقداً أن صقر لن يراه.
ابتسم صقر ساخراً وأسرع في قيادته كي ينهي هذا الأمر الآن، بدأ المراقب يسرع ليلحق به حتى وجده ينعطف يساراً تجاه إحدى الطرق الفرعية مع الحذر على إبقاء مسافة مناسبة بينهما.
أما صقر فانطلق بسرعة قصوى حتى فقد أثره هذا المتتبع كالعادة فزفر بضيق وتوقف على جانب الطرق الفرعي يلكم طارة القيادة ويخرج غضبه بها، يعلم أنه سيتلقى توبيخاً حاداً من ميشيل ولكن ماذا يفعل.
كاد يتحرك ليغادر من هذا الطريق ولكنه وجد سيارة يعلمها جيداً تأتي من خلفه مسرعة كما رحلت.
انحبست أنفاسه وهو يراها تتوقف فجأة أمامه لتعيق حركة سيارته، نظر لقائدها الذي يطالعه بابتسامة خبيثة ثم ترجل يخطو ببطء ليزيد من خوف فريسته الذي ينظر له بصدمة.
نزع سلاحه من خصره واتجه إليه يفتح باب السيارة ويجرهُ من تلابيبه ليوقفه مرتداً على حافة السيارة ويصوب سلاحه على رأسه مردفاً بنبرة جليدية مخيفة:
– هل أفرغ طلقاته جميعها في رأسك الخرقاء هذه أم نرسلها لميشيل سليمة؟
تحدث الآخر بتلعثم عله يفلته:
– ت توقف سيد صقر اقسم لا ذنب لدي، سيد ميشيل هو من أمرني بتتبعك.
كشر عن أنيابه وتحدث بفحيح:
– أعلم أيها الغبي، هل ظننت أنني لم أرك منذ اللحظة الأولى؟ والآن إسمع ما لدي ونفذه برغبتك أو أرسل هذه الرأس إلى موطنها دون جسدك النتِن هذا.
ارتعش فك الرجل وهو يتخيل تلك العقوبة ليومئ عدة مرات قائلاً:
– حسناً سيد صقر سأفعل كل ما تريده.
أومأ صقر مؤكداً:
– بالطبع ستفعل وهل لك ألا تفعل؟ والآن استمع جيداً لما سأقوله ونفذه بالحرفِ الواحد.
***
بعد مرور أسبوع.
تجلس نارة تقلب هاتفها بين يديها، شاردة بعدما حسمت أمرها وفكرت جيداً، حتى أن آسيا استعانت بأصدقائها في إيطاليا للسؤال عن صقر وأخبروها أن لا غبار عليه وهذا ما يظهر للجميع، فلا أحد يعلم ما وراء الجدار سوى من يتسلقه.
ربما حياة الرفاهية والبذخ اللتان يعيشهما تسببت في شخصيته تلك ولكن لا تنكر إعجابها بقراره في الإرتباط منها وهذا يؤكد لها جديته، لذلك قررت أن توافق على هذا العرض وتعطي فرصة لقلبها وله، ربما كان هو الحب الذي كانت تنتظره.
زفرت بقوة ثم قررت مهاتفته بعد أن حصلت على رقمه من والدتها.
كان في هذا الوقت يجلس في مكتبه يتحدث مع ميشيل عبر موقعاً إلكترونياً خاص بهم للتنظيم لأولى المهام لحلفائه والتي عبارة عن شحنة خبيثة من الأسلحة متجـسدة في سيارات مشحونة إلى جمهورية مصر العربية.
رن هاتفه الخاص بها فلمحه ثم تحدث لميشيل قائلاً بجمود:
أغلق معه دون تردد وتناول هاتفه يجيب بثبات ينافي نبضاته قائلاً:
– مرحباً جميلتي، كيف حالكِ؟
تعجبت من معرفته بها ولهذا تساءلت:
– هل تعلم رقمي؟
ابتسم بثبات متباهياً يقول:
– أخبرتكِ أنى أعلم عنكِ الكثير، وكنت أنتظر اتصالكِ فأنا أتوق لسماع قراركِ منذ أسبوع؟
توترت قليلاً لذلك تنفست بعمق ثم قالت:
– حسناً أنا موافقة، موافقة على الإرتباط بك.
للحظة شعر بانتصارٍ عظيمٍ غير مسبق، حتى عندما قَتل قاتل والده لم يشعر بهذا الإنتصار حينها، إنتصاراً لا يدركه حتى، ربما كان هذا الإنتصار قارب نجاته وأغلال غرقها في نفس اليم المظلم.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية العربي
هل ستغير فكرتك عني إن علمت أنني طفلة جداً؟
وإني لستُ كما يبدو عليّ؟
وإن الهدوء الظاهر في الصور ما هو إلا ظاهراً؟
وأن دموعي قريبة جداً، وضحكتي لا تفارق خدي، وإني أعاني من الحرمان وأدعي النسيان؟
وأن شخصيتي تتبدل كل سنةً جديدة؟
هل ستغير فكرتك عني؟
إن علمت أن خيالي واسعٌ جداً؟
وأن هناك دوماً في مخيلتي من أحادثه؟
ولا أرى الأمر جنونياً أبداً بل إني أحياناً أبكي وأبكي إن جال بخيالي أمرٌ حزين؟
هل ستغير فكرتك عني إن علمت؟
أني لا أرتدي إلا ما يليق بي وليذهب العالم للجحيم، ولا أهتم لأقوالهم عني؟
وأني أقفز من البيت وأركض وأرقص وأغني؟
وأني أفضل الآخرين على نفسي وأني مزاجيةٌ جداً وليس لدي قراراً ثابتاً.
وأني لستُ قاسية ولكن عقلي يفعل وبكثرة؟
وأني لا أطيق صيغة الأمر أبداً بل أفعل العكس دوماً؟
واني أكره الكذب وأدرك الكاذب ولكني أسايره وأتحدث بعفوية؟
وأني أؤمن بصلة الروح أكثر من صلة الدم؟
وأنى لا أقتنع بالعادات والتقاليد أبداً؟
وأني أغضب فجأة وأهدأ فجأة وأنهم يرونني مجنونة وأرى نفسي منطقية وعفوية ليس أكثر؟
هل ستغير فكرتك عني؟
للأسوأ أم للأفضل؟
هل هذا يجعلك تقترب أم تبتعد؟
إن علمت أني طفلة جداً وبشرية جداً ولستُ ملائكية أبداً وأني أخطئ وأخطائي في الأغلب لا تغفر؟
وإني لستُ قديسة وإن لي عقلٍ طاغٍ؟
هل ستفعل وتحبني؟
***
منذ أن اخبرته بموافقتها على الزواج منه وهو يجلس شارداً يخطط للقادم بتمهل وخبث حتى يحصل على ما يريده معها.
حسناً ليبدأ أولاً بمنحها الحب، ليغرقها حباً وليريها عشق الأثرياء ولترتوي من نهر عشقه حد الظمأ وليسكرها بسحره حتى إذا ظهرت حقيقته تقبلتها بترحاب.
ليكن وجوده بالنسبة لها إدمان كي لا تستطيع الإبتعاد بعد ذلك.
ها هو يعود إلى عمله بعدما تلقى خبره المنتظر ويتحدث مع ميشيل عبر الكاميرا قائلاً:
– حسناً لا داعي للتكرار، فهمت ما قلته وسيتم التجهيز لاستقبال الشحنة.
تحدث ميشيل بجمود وحذر:
– إحذر جيداً من أن يكشف أمرك، نحن لا نريد أي شوشرة في الشرق الأوسط، ما زال لنا أعمالاً عدة هناك.
زفر صقر وشرد قليلاً، ليمر الندم سريعاً على عقله ولكن تقنعه نفسه الخبيثة سريعاً بأنه مضطر، وأن الضرورات تبيح المحظورات.
وكان من الضروري الوصول إليها.
ليعود لجمود ملامحه ويتحدث بثبات:
– أعلم جيداً ما علي فعله، يكفى أن يضعها رجالك في الأماكن المتفق عليها وبالطريقة التى أخبرتهم بها، والآن أعطني ماركو.
لف ميشيل الحاسوب تجاه ماركو الذي كان يجلس يتابع مع العائلة فقال صقر وهو ينظر لعينه بتمعن:
– قف أنت فوق رأس هؤلاء الرجال وهم يخبئون الأسلحة، نحن فقط من نعلم كيف توضع، وبما أنى لست هناك فأنت موجود، لا أريد خطأً واحداً.
شعر ماركو بلذة انتصار أمام العائلة وتحدث بثقة وحماس وهو ينظر لصقر:
– لا داعي للقلق أخي، أعلم ما علي فعله جيداً، ولن تجد أخطاء.
مد صقر يده يطبق الحاسوب ويزفر بقوة ثم فك ربطة عن عنقه قليلاً بعدما شعر بالضيق وشرد يفكر مجدداً في القادم عامةً ومعها خاصةً.
والآن ليبدأ في التجهيز لخطبتها.
***
تقف نارة في شرفتها تتحدث عبر الهاتف وعينيها منكبة على شرفته، تنظر بأريحية بعدما تأكدت من رحيله قائلة:
– أوكي يا ديچا يبقى ننزل على 6 كده، إيه رأيك؟
اعترضت خديجة قائلة بتروي وأدب:
– مش هينفع يا نارو، لإن أنا وبابا وماما وأخويا بنصلي المغرب جماعة وبنفضل قاعدين في حلقة ذكر لحد العشا، ممكن نطلع بعد العشا؟
شردت نارة في جوابها، سافرت عبر أفكارها التى جسدت لها المشهد.
يصلون ثم يجلسون يذكرون الله فترة تزيد عن 90 دقيقة يومياً وحتى أنهم يرفضون الخروج لأجل هذا.
نعم هي تحب دينها جداً وتؤمن بأركانه ولكن هي ليست ملتزمة، وتعلم ذلك جيداً، وتتمنى الالتزام.
طال صمتها فتساءلت خديجة بقلق:
– نارو روحتي فين؟ هو إنتِ مش بتصلي يا نارو؟
أفاقت على سؤال خديجة لها فأسرعت تجيب:
– لأ أكيد بصلي يا ديچا بس أنا مش ملتزمة، علشان كدة استغربت شوية إنك رفضتي وقت خروجنا بسبب كدة، بس أكيد ده الصح طبعاً.
ابتسمت خديجة بملامح ناعمة تقول:
– بصي يا نارو، بابا وماما عودوني إن أمور الدنيا كلها ممكن تتأجل المهم مقصرش في أمر إلهي مكلفة بيه ومدخراه لآخرتي، وأنا فخورة بديني جداً إنه دين سلام ورحمة ولين، وصلاتي هي لقائي مع ربنا، مقدرش أبداً أأجل لقائي مع ربنا علشان أي لقاء تاني.
تأثرت نارة بحديثها حتى أن عينيها التمعت خجلاً وخشيةً وهذا ما استشفته خديجة لذلك تابعت لتهوّن عليها قائلة بصدق:
– وعلى فكرة إنتِ ربنا بيحبك جداً يا نارو، لإن قلبك أبيض ورقيقة وحنونة جداً وخلوقة وده من علامات حسن المسلمة.
تنهدت نارة بقوة ثم أردفت بنبرة مؤثرة متسائلة:
– ديچا هو أنا ينفع أبقى أنضم ليكوا؟ لو أهلك يسمحوا طبعاً؟
انفرجت أساريرها وأردفت بحماس وسعادة:
– طبعاً يا نارو دي ماما هتفرح جداً جداً، خلاص أوكي هستناكي.
تنفست براحة ثم تحدثت قائلة:
– تمام أنا هنزل دلوقتى أروح الدار أعرف منهم التفاصيل أكثر وأشوف طباعتهم بنفسي ومش هتأخر عليكي إن شاءلله.
تحدثت خديجة بقبول قائلة:
– تمام يا حبيبتى زي ما تحبي، لا اله الا الله.
– محمد رسول الله.
قالتها نارة وأغلقت الهاتف واتجهت تستعد لتذهب إلى دار نشر كانت قد تواصلت معها.
***
في شقة نهى الجارح
عاد محمود زوجها من عمله فأسرعا عليه صغاره يرحبان به بسعادة.
انحنى يقبلهما وناولهما الشوكولاتة كالعادة.
أخذاها وعادا أدراجهما بينما جاءت نهى من الداخل تردف مرحبة بوجهٍ بشوش:
– حمدالله على السلامة يا حبيبي.
تقدم منها يقبل جبينها بحب ثم قال بحماس:
– الله يسلمك يا حبيبتى، عندي ليكِ خبر، خبر مهم جداً.
مالت برأسها قليلاً وتساءلت بترقب وهي تبتعد عنه خطوة لتتمعن فيه قائلة:
– خير يا محمود؟ طمني.
نظر لأطفاله اللذان انشغلا بأكل الحلوى ثم مد يده يسحبها من معصمها لداخل غرفتهما حتى لا ينتبه صغاره ثم وقف أمامها يردف بهدوء:
– النهاردة وأنا براجع سجلات الشهر العقاري بتاعت الشهر اللى فات شوفت حاجة غريبة جداً.
توترت ونهشها القلق قائلة:
– شوفت إيه يا محمود؟ قول.
تمسك بكتفيها وابتسم قائلاً بترقب:
– عقد ڤيلا في التجمع بإسم صقر ناصر الجارحي.
فرغ فمها واتسعت عيناها التى امتلأت فوراً بالدموع وهي تهز رأسها بعدما شعرت برجفة حنين تتوغلها.
نطقت بتلعثم بعد دقيقة من صدمتها:
– صقر أخويا؟ صقر أخويا هنا في مصر؟
ابتسم لها بحب وأومأ يردف مؤكداً:
– أكيد، لإن السن هو وكمان الأم إيطالية.
تحدثت بلهفة ورجاء وهى تتمسك بذراعيه التى تحاوطها:
– عايزة أشوفه يا محمود، علشان خاطري خليني أشوفه.
أردف بحنو وتروي:
– حاضر يا حبيبتى أكيد هتشوفيه بس اهدي، خلينا نبلغ سامح وتروحوا تشوفوه سوا!
هزت رأسها مسرعة تردف بقوة قائلة:
– لاا سامح لاء، أوعي تقوله يا محمود علشان خاطري، سامح عقدة حياته هو صقر، أنا عايزة أروحله لوحدي الأول يمكن أعرف أخليه هو اللي يروح يتكلم مع سامح.
أومأ قائلاً:
– حاضر، خلاص اصبري بس شوية وهوديكي.
تنهدت بقوة تنظر له وقد عادت الدموع تملأ مقلتيها قائلة وهي تجلس على مؤخرة فراشها:
– طول عمري بتمنى أشوفه يا محمود، بقول معقول نكون أخوات وعمري ما شفته؟ يمكن سامح فعلاً اتظلم من بابا بس سامح أنا وماما وأخوالي حواليه وربنا عوضه ببنته ومراته، إنما صقر دايماً بحس أنه وحيد، بابا مات ومامته كمان ماتت وهو لسة صغير وبعدها معرفش عنه أي حاجة، تعرف لو كان بإيدي كنت سافرتله إيطاليا، بس انا عارفة إنى جبانة.
جلس يجاورها ويلف يده حولها ووجه يقابل وجهها قائلاً بهدوء ورتابة:
– لاء مش جبانة، بس هو بردو كان مفروض يدور عليكي، اللى عرفته إن عيلة مامته تعتبر من أشهر عائلات إيطاليا، يعنى هو عنده كل الإمكانيات اللى تخليه يعرف يوصلك بسهولة، لكن إنتِ مش غلطانة.
هزت رأسها بشرود ثم تابعت بحنين:
– بردو هروح وأشوفه، ولو مش عايز يشوفني خلاص بس يبقى إسمي شوفته، وديني ليه يا محمود.
أومأ يردف متعهداً:
– أوعدك هاخدك ونروحله بس خلينا نعرف الأول مواعيده أو نسأل عنه أكتر، وبعدين بصراحة أنا جاي ميت من الجوع، يرضيكي كدة؟
وقفت مسرعة تردف بحنو:
– حاضر يا حبيبي هروح حالا اجهز الأكل علشان نتغدا وانت علشان خاطري حاول تعرف عنه أي حاجة ونروح.
غادرت وتركته يحاول الوصول إلى أحد أصدقائه في العمل ليسأله عن صقر الجارحي.
***
خرجت مايا من حمامها تلف حول خصلاتها منشفة بعد أن صبغتهم باللون البرتقالي.
وقفت أمام المرآة وبدأت بتشغيل مجفف الشعر لتجفف خصلاتها بترقب وحماس لرؤيتهم ولكن يبدو أن اللون لم يرق لها لذا شعرت بالإحباط قليلاً وكلما جفت خصلاتها زاد إحباطها فاللون ليس كما أرادته بل شاذاً أثار حنقها.
زفرت بضيق ووقفت تنظر لهيئتها في المرآة ثم أردفت معنفة نفسها كأنها تتحدث مع أخرى:
– عجبك كدة؟ أهو بقيتي شبه باربي دلوقتي، كان فيها إيه لو بطلتي عند وأخدتي اللون اللي البنت قالتلك عليه!
قلبت عينيها ثم شردت قليلاً تفكر في حلٍ ما لتصدر صوتاً بإصبعيها بعد ثواني دل على إيجادها حل.
تحركت لخزانتها تبحث عن شئٍ ما ثم بدأت تضعه على خصلاتها لتغطيها، كان وشاحاً شفافاً نوعاً ما ولكنه مناسباً ليخفي شعرها كما أرادت.
خبأته وتحركت للخارج ومنه للأسفل حيث قررت أن ترسل عمر ليبتاع لها لوناً جديداً تستعمله.
وصلت إلى الحديقة وبحثت عنه فلم تجده، تحركت تسأل أحد رجال الأمن قائلة:
– فين عُمر يا عمو.
ابتسم الحارس عليها خصوصاً وإنها تناديه عمو وهو لم يتخطى الأربعون بعد وتحدث موضحاً:
– راح مشوار قريب وجاي يا أنسة مايا، محتاجة حاجة؟
كانت تتمسك بغطاء رأسها وتحاول تثبيته حيث ينزلق دوماً لتزفر باحباط وتقول:
– خلاص لما ييجي بقى، أصل أنا محتاجة حاجات بنات ومينفعش أقولك عليها.
تعجب الحارس ولكنه أومأ حيث أصبح يدرك جنانها ليردف بهدوء:
– تمام أول ما ييجي هقوله يكلمك.
أومأت والتفتت تعود للداخل وتحركت عدة خطوات لتشعر فجأة بوجوده لذا التفتت تنظر للخلف مجدداً وبالفعل كان يهم بالدخول من باب الڤيلا.
انفرجت أساريرها لا تعلم لماذا والتفتت تركض تجاهه وتنادي بإسمه وقد تناست أمر غطاء رأسها حيث تركته فانزلق وانكشفت خصلاتها أمام عين الحارس وعمر الذي وقف مصدوماً قبل أن يضحك بقوة بعد أن وصلت أمامه.
بعد أن كانت تبتسم أدركت سخريته على شعرها لذا احتقن وجهها وتساءلت بغضب طفولي وغيظ:
– بتضحك على إيه؟
تحمحم يحاول أن يقف ثابتاً ليعود لهدوءه ويتجنب النظر إليه قائلاً:
– أصل أول ما شُفتك فرحت فكرتك اتحجبتي، أحم طلع السبب منطقي.
قالها ساخراً فقلبت عينيها وتحدثت بحنق من سخريته:
– أكيد منطقي، أنا لقيت لون ال hair dye ده مش مناسب فقُلت أغطيه لحد ما أغيره.
زفرت ثم نظرت له لتعود لتمردها وتتابع:
– أنا أصلاً واقفة أبررلك ليه إن شاءلله، أنا كنت عايزاك تروح تجبلي حاجات بنات من أي pharmacy.
نظر للحارس الذي يجاهد أن لا يبتسم عليهما ثم عاد لها يتحدث من بين أسنانه:
– طيب يا أنسة مايا اتفضلي البسي وتعالي معايا واشتري اللي انتِ عايزاه بنفسك.
شهقت وتحدثت باستنكار وهي تطالعه:
– مستحيييل، إنت عايزني أطلع برا كدا؟
قالتها وهي تشير على شعرها ليردف بخبث جديد عليه مشيراً إلى الوشاح الذي سقط أرضاً:
– غطيه بالطرحة دي زي ما كنتِ مغطياه دلوقتي، كان شكله حلو عليكي.
أنارت الإبتسامة وجهها لتسأله بوداعة جديدة:
– بجد.
أومأ لها لتردف بحماس طفولي:
– طيب هروح اضبطه وأجي نروح سوا، طلع العربية بقى.
التفتت تلتقط هذا الوشاح وتحركت للداخل لتستعد للذهاب معه بينما هو نظر للحارس الذي هز رأسه متعجباً من تلك المشاغبة ليتنهد ويتحرك يحضر السيارة.
***
بعد وقتٍ
خرجت نارة من الدار بعد أن تأكدت بنفسها من نزاهتها واتفقت معهم على إصدار كتابها الأول في معرض الكتاب لهذه السنة.
استقلت سيارتها وبدأت تقود عائدة إلى منزلها ويتبعها رجل صقر الذي يهاتفه قائلاً وهو يقود خلفها بحذر:
– إنها أمامي سيد صقر، خرجت لتوها من دار النشر عائدة إلى المنزل.
تحدث بجمود وهو في سيارته يقود عائداً أيضاً إلى منزله:
– كن حذراً، أنا قريبٌ منك، تتبعها إلى أن أصل إليك.
كانت في تلك اللحظة تسير في طريق صحراوي بسرعة مناسبة لا تتعدى ال 100 وعينيها مرتكزة على الطريق وعقلها يفكر في صقر وحديثه وطلبه، هذا الذي هبط عليها فجأة واستحوذ على أفكارها وجعلها تنشغل به وبأفعاله التى تشعرها بالتميز.
الطريق شبه خالٍ فقط هناك سيارات تمر مسرعة من جانبها.
أرادت تشغيل بعض الموسيقى المهدأة للأعصاب لذا حاولت تشغيل ما يناسبها وبدأت تختار من الشاشة الصغيرة التى أمامها ولم تنتبه لذلك الذي ظهر من العدم والقى بنفسه فجأة أمام سيارتها صارخاً بصوت حاد جعلها تصرخ معه بصدمة.
توقفت مسرعة وتوسع بؤبؤيها، وظلت غير مستوعبة لثوانى ثم أسرعت تفتح باب السيارة وتترجل منها وتلتفت لهذا الذي يصرخ مدعياً أنه تم كسر ساقه.
وقفت أمامه منتفضة وتسائلت بلهفة وتعجب:
– إيه اللي حصلك، وإنت ظهرت منين الطريق كان فاضي!
أردف الرجل المتسول وهو يتمسك بساقه ويصرخ بادعاء كاذب:
– ااااه ألحقوووني، رجلي اتكسرت.
نظرت لساقه التى يساندها بيديه وتعجبت وبدأت تشعر بخبثه لذا تساءلت مجدداً بذكاء:
– إنت عايز إيه بالضبط؟
ترك المتسول ساقه وأردف موبخاً بحدة وقد لمعت عينه بالطمع بعدما رأى سيارتها وهيأتها:
– عايز إيه يعنى إاااايه؟ انتوا تخبطوا الناس وتجروااا، ولا هو علشان إحنا غلابة وعلى باب الله أروحنا ملهاش أهمية عندكوا؟ عالم ظلمة، ااااه يا رجلاااااي، ألحقوووني يا نااااس.
تأكدت من تسوله بعد حديثه لذا تحركت من أمامه والتفتت تعود لسيارتها واستقلتها ثم أغلقت الباب وأخرجت رأسها قليلاً من النافذة المجاورة تردف بثبات وتهديد كاذب:
– طيب يالا قوم من قدام العربية بدل ما أكسرهالك بجد.
بالطبع هي أبعد ما يكون عن إحداث أي أذى لأحدٍ ولكن قالتها لتخيفه ويبدو أنها قد أخطأت خصوصاً وأن الطريق شبه خالي.
علم هذا المتسول أن لا مفر من الحصول على بعض المال منها وفشل خطته، لذلك وقف يستند على ساقه التى ادعى كسرها وأخرج من جيبه سكين ويشهرها أمامها ويردف مهدداً بنبرة إجرامية قاسية:
– ماشي يا حلوة، طلعي اللى معاكي بقى علشان تمشي سليمة بدل ما ترجعي مدشدشة.
ابتلعت لعابها ونظرت له بتوتر ظهر على ملامحها للحظات فقط، التفتت حولها فلم تجد أحداً لتستغيث به والإشتباك مع هذا المجرم أو محاولة رده تعد فكرة ساذجة لذلك وجدت نفسها ترفع يدها اليمنى وتدعى استسلامها حتى لا تثير غضبه وتحدثت بهدوء برغم اهتزازها:
– تمام، هديك اللى انت عايزه، بس نزل السكينة دي.
صرخ بها بغضب وهو يقترب من مكانها ويده كادت تخترق نافذتها:
– أااااخلصي.
انتفضت إثر صوته الحاد وأومأت عدة مرات ثم مدت يدها للكرسي المجاور تتناول حقيبتها لتعطيه إياها ولكن بمجرد أن لفت وجهها سمعت صوت صفير إطارات تابعة لسيارة توقفت فجأة خلف سيارتها تبعه ترجل أحدهم منها يتجه إليها وقبل أن يستوعب هذا المتسول ما يحدث حيث تشتتت نظراته بينها وبين هذا الآتي، اندفع صقر يهجم عليه ويلكمه بقوة في وجهه ثم قيد حركته وهو ينزع منه تلك السكين ويوقعها أرضاً بسهولة من قبضه هذا الذي بات يصرخ كالجبناء.
سحبه معه وما زال هذا المجرم تحت تأثير الصدمة ثم ناوله لرجله الذي تقدم منه والذي أبلغه بما يراه ليسرع قيادته ويصل إليها قبل أن تتأذى.
تمسك به الرجل جيداً بينما انحنى صقر عليه يردف بفحيح مخيف حتى لا تسمعه نارة التى تتابع بذهول ودهشة من وصوله في أنسب لحظة:
– ألقيه في مكانٍ قذر وأكسر ساقيه الإثنين وليكن له ما تمنى.
أومأ الرجل وسحب المتسول الذي يصرخ ويطلب العفو ولكن الأمر قد انتهى عند هذا الوحش العاشق.
سحبه الرجل وغادر بينما تقدم صقر من نارة التى تجلس في سيارتها وما زالت لا تستوعب ومتعجبة من سرعة تواجده وتصرفه.
وقف على نافذة باب سيارتها يطالعها بعيونه ويتفحص ملامحها وهيئتها متسائلاً بغضب يسعى لإخفائه:
– أنتِ بخير؟
أومأت له تطالعه بعمق ثم تحدثت متسائلة بشك وهي تقبض بكفيها على طارة القيادة بعد أن هدأت قليلاً:
– كيف أتيت ومن أين علمت؟
زفر وقال بجمود:
– حسناً هذا ليس المكان المناسب للإجابة عن الأسئلة، الآن قودي وأنا سأسير خلفكِ لنصل أولاً للمنزل وهناك نتحدث.
شردت في ملامحه قليلاً، مؤكد كان يراقبها وهذا لا يروق لها أبداً، ولكن حسناً لتعود للمنزل ومن ثم يأتي الحديث.
أومأت له وبالفعل أدارت محرك سيارتها وتحركت تنطلق بصمت بينما هو تتبعها بنظراته وهي تقود ثم توجه يستقل سيارته ويقود خلفها بملامح غاضبة.
***
في شقة عفاف
تجلس تتحدث مع نهى عبر الهاتف.
ترددت نهى في إخبارها ولكن في الأخير قررت مشاركتها فيما علمته قائلة بترقب:
– ماما عايزة أقولك على حاجة عرفتها.
ترقبت عفاف وتساءلت بقلق:
– خير يا نهى، إيه اللي حصل؟
تنفست نهى وأردفت بتمهل وقلق:
– هو بصراحة محمود عرف حاجة من شغله، حاجة عن صقر أخويا.
انقبض قلب عفاف عند تلك السيرة التى في لحظات أخذتها لذكريات مؤلمة ولعزيز قلبٍ أفتقدته حتى لو كان ظالماً، لتردف بعد ثواني من الصمت قائلة:
– عرف إيه يا نهى؟
تنفست نهى بقوة وقالت بهدوء:
– صقر هنا في مصر، اشترى ڤيلا في التجمع ومحمود عرف من العقد المسجل بإسمه.
شردت عفاف تفكر في هذا الذي كان سبباً في بؤس حياتها بعدما اتخذه ناصر إبناً رسمياً له واغرقه بالرفاهية على عكس أطفالها وبدلاً من القاء اللوم على ناصر نفسه لم تجد سوى هذا الطفل ووالدته.
تحدثت بعد فترة مرت عليها كالأعوام لتقول بنوعٍ جديدٍ من القسوة:
– وده جاي ليه ده؟ نازل مصر ليه؟ يغور يرجع بلده وبلد أمه.
ندمت نهى على إخبارها وشعرت بالضيق لتردف مدافعة:
– ليه كدة يا ماما؟ هو ذنبه إيه في كل اللي حصل زمان، هو ضحية زيه زينا، متنسيش إنه يتيم.
– إنتوا كمااان أيتام يا نهى، اتربيتوا أيتام واتحرمتوا من أبوكوا وأنا اتحرمت من جوزي وطلقني بسببه هو وأمه، ولا إنتِ حنتيله يا بنت قلبي؟
قالتها عفاف بقهر تحتفظ به منذ سنوات لترد نهى بحنين يغلفه التوتر:
– يا ماما مهو أخويا بردو، بيجمعنا دم واحد، وانتِ عارفة من زمان إني نفسي أشوفه ونفسي نعوض بعض عن اللي فات.
تحدثت عفاف بتهكم وحدة:
– تبقي بتحلمي يا نهى، لو كان فيه الخير ما كان رماه الطير، ده واحد قاسي زي أمه ولو أمركوا يهمه كان سأل عليكوا من بدري، بس هقول إيه، أنا عارفاكي كويس يا نهى.
تحدثت نهى بهدوء وتروي:
– يا ماما يمكن إحنا فاهمينه غلط، مش يمكن يكون محتاج لينا، ليه متحاوليش تفتحيله قلبك؟ علشان خاطري يا ماما على الأقل فكري إنه من ريحة بابا؟
تنفست عفاف بقوة لتستغفر سراً وصمتت لوقتٍ، كانت قد استمعت لحديثها زينب التى أتت من المطبخ تتساءل بملامحها واتجهت تجلس مقابلها وتنتظرها إلى أن تنهي مكالمتها.
تحدثت عفاف بهدوء ونبرة يشوبها الحزن:
– تمام يا بنتي، إعملي اللي يريحك يا نهى، بس أنا قلبي عمره ما هيرتاح للبني أدم ده.
أغلقت الهاتف وخانتها دموعها لتسرع زينب إليها قائلة برتابة وحنو وهي تربت على كتفها:
– مالك يا طنط روقي بس يا حبيبتي، خير إن شاءلله.
نظرت لها عفاف لتبوح لها بما يؤلمها منذ سنوات قائلة:
– إبنه رجع يا زينب، إبن ناصر اللي أخد سعادتي وسعادة عيالي رجع تاني هنا، رجع بعد ما كان السبب في موت ناصر هو وأمه، عمري ما هسامحهم.
تعجبت زينب من ضعفها الذي لم يظهر أمامها من قبل ولكنها الآن أيقنت أنها تعاني من عقدة مثيلة تماماً لعقدة زوجها، بل تلقي باللوم كله على هذا الولد وأمه وترفض رؤية المذنب الحقيقي أو إتهامه، إلى الآن تحبه.
ما كان من زينب إلا أن تحاول تطييب خاطرها قائلة بحنو:
– وحدي الله يا طنط الموت أمر ربنا يا حبيبتي، وتعددت الأسباب والموت واحد وهو عمره انتهى لحد كدة، متزعليش يمكن نزل فترة مؤقتة وأكيد هيرجع تاني هو مالوش حد هنا يستقر علشانه، أو يمكن نازل في شغل، حاولي متتعبيش نفسك في أفكار لا هتودي ولا هتجيب.
أومأت عفاف وهي تجفف دموعها لتنظر لزينب بحذر قائلة:
– أوعي يا زينب، أوعي سامح يعرف إنه هنا، أنا مش عايزة إبني يشوفه أو يعرف بدل ما يحصل مشكلة.
شردت زينب وتوغلها القلق، حقاً يمكن إن علم زوجها بوجوده ربما حدث ما لا تحمد عقباه، لذا أومأت ولأول مرة تؤيد قرار عفاف خوفاً على زوجها لذا قالت:
– مش هقول يا طنط، مش هقول يمكن فعلاً جاي في شغل ويرجع تاني إيطاليا.
***
وصلت نارة إلى الڤيلا وعبرت من البوابة بسيارتها.
سارت إلى أن وصلت للمكان المخصص لصف سيارتها وركنتها ثم ترجلت منها ووقفت تنتظر مجيئه فهي على يقين أنه سيأتي خلفها.
وبالفعل ما هي إلا ثواني ووجدته يدلف متجهاً يخطو إليها بعدما ركن سيارته خارجاً.
كان يتقدم وقد لمح نظرة الغضب منها تجاهه وهذا لم يرق له أبداً لذا تحولت نظرته لها من العادية إلى نظرة الصقر المعهود بها وقد نجح في تسريب التوتر إليها فرمشت بأهدابها عدة مرات بسبب تلك النظرة.
زفرت بقوة ثم تساءلت بضيق بعدما أصبح أمامها:
– ممكن تقول لي إنت ليه كنت بتراقبني؟
زفر يغلق عينيه لثوانى ثم عادت نظرته العادية وهو يطالعها قائلاً بثقة وثبات:
– اسمعي ناردين وليكن هذا الحديث موصوماً في عقلكِ، ما أشعر به تجاهكِ ليس مجرد إعجاب، بل هو أكثر من ذلك بكثير، أنا أحبكِ ولن أخفي هذه المشاعر وكنت صريحاً معكِ في كل الأمور، ولتعلمي أن قوانين حبي ربما تختلف قليلاً عن غيري، أنتِ منذ أن أدخلتكِ حياتى وأصبحت حمايتكِ عهداً علي وإن تطلب الأمر حياتي في المقابل سأقدمها بكل ترحاب، لذلك فضلاً تقبلي قوانيني ولا تدعي أن ما فعلته مراقبة، بل حماية، حسناً جميلتي؟
لا تمتلك حتى حق الاعتراض، نعم فهو يخبرها بحبه وحمايته فكيف لها تعترض؟ هذا دوماً ما كانت تريده، هذا دوماً ما حلمت به، أولم تتمني تجربة قصة حب أشبه بالخيال؟ هاهي يا نارة تقدم إليكِ بكل سهولة.
أومأت عدة مرات ثم قالت بهدوء ورتابة بعدما أستقر حديثه في قلبها:
– شكراً لك، كان يفترض أن أشكرك هناك ولكن حقاً كنت مشوشة، والآن أخبرني ماذا فعلت مع ذلك المتسول؟
ابتسم إبتسامة خبيثة وهو يردف بثبات يحسد عليه قائلاً:
– أرسلته للشرطة، هيا أراكي على خير في أقرب وقت جميلتى.
ودعها والتفت يغادر وتركها تلتقط أنفاسها التى حبستها أمامه، حوله طاقة غريبة لا تستطيع اختراقها، كمن يحصن نفسه من تعويذة سحرية، تريد أن تخترق جدار شخصيته لتعلم كيف يفكر.
وهي التى عُرفت دوماً بحصانتها ضد المشاعر المفاجئة، لقد أخبرها بحبه كمن يخبرها بحالة الطقس دون أي أجواء رومانسية ومع ذلك كان لها تأثيراً قوياًاً عليها، تأثيراً جعل يديها باردتان تحاول تدفأتهما وهي تقبض عليهما بقوة، قلبها ينبض راقصاً كطفلٍ حصل على جائرة لرحلة في مدينة الألعاب، عينيها سلطت عليه وما زالت ترى هيأته حتى بعد أن غاب عنها.
أخيراً نفضت رأسها وعادت تتنفس بقوة ثم قررت الصعود لغرفتها وتبديل ثيابها ثم الذهاب لفيلا صديقتها خديجة لتنضم إليهم كما أخبرتها.
أما هو فوصل إلى ڤيلته ودلف يضيق عينيه القاسية، للحظة كاد يتخلى عن هدوءه أمامها، بصعوبة تحكم في غضبه النشط حتى لا يكسر ال 360 عظمة الموجودة عند ذلك المتسول.
يهددها بسكين وهو حبيبها؟ كيف تجرأ؟ ولكن عذره الوحيد جهله بهويتها.
بصعوبة منع نفسه وترك لرجله حق التصرف معه فقط أمامها.
صعد غرفته والقى بجسده على المقعد يفكر، عليه أن يتدرب على التحكم في غضبه قليلاً، عليه أن يكن أكثر ثباتاً أمامها، لا يجب أن ترى الجزء المظلم منه الآن، لا يجب أن تخشاه، لا يجب أبداً.
وقف يخلع سترته ويتجه للحمام ليأخذ حماماً بارداً يهدئ به غضبه المتبقى.
***
انتهت نارة من تبديل ثيابها واتجهت لتتوضأ.
عادت بعد دقائق تحمل دلو سقي الزرع التى كادت تنساه واتجهت إلى شرفتها لتسقيه.
دلفت تخطي بإتجاههُ لتبدأ في سكب الماء عليه وهي تبتسم له بحب كأنها تتغزل به بعد أن ترعرع وأصبح خلاباً ذو ألوانٍ زاهية.
في تلك اللحظة خرج صقر من حمامه يرتدى سروالاً فقط وجذعه عارياً.
مر من أمام شرفته فلمحها تسقي الورود فتوقف مكانه يتابعها، للمرة التى لا يعلم عددها يشعر بشئٍ ما بداخله يتركه ويسرع إليها، يبدو أن قلبه الذي كان يبحث عنه يسكن الآن عندها، لها قوة جذب أقوى من الجاذبية الأرضية، قوة تسحب جسده وكيانه وعقله وكل حواسه إليها دون أن يتحرك إنشاً واحداً.
رفعت نفسها تنوي الدلوف ولكن التقت العيون ببعضها فجأة فتصمنت نارة تطالعه بصمت والدلو الصغير في يدها ساكنًا متجمداً كحال جسدها حتى كاد الماء المتبقي داخله أن يتجمد أيضاً.
رفع أصابعه يحييها فأدركت للتو أنه عارياً الصدر فاحمرت وجنتيها خجلاً وتحركت مسرعة للداخل بخطى مبعثرة وأسرعت للحمام تضع الدلو مكانه ثم نظرت للمرآة التى تعتلي الحوض قائلة بعتاب تعنف نفسها ووجنتيها بلون حبات البندورة:
– ينفع كدة وانتِ راحة تصلي؟ اتوضي تاني، اتوضي تاااني.
وبالفعل أعادت وضوءها وخرجت تأخذ معها إسدالاً وسجادة صلاة وتنطلق إلى وجهتها.
***
وصل عمر بعد وقتٍ أمام إحدى الصيدليات وتوقف يردف بهدوء لتلك القابعة بجواره:
– انزلي يا مايا يالا اشتري اللي انتِ عايزاه بس متتأخريش.
نظرت له بترقب وتحدثت:
– روح إنت يا عمر وأنا هستناك هنا، شعري شكله وحش أوي.
التفت يطالعها وتحدث بنفاذ صبر:
– مهو إنتِ اللي مش عارفة تضبطي الحجاب عليه، وبعدين أنا هدخل أقوله إيه بس أومال أنا جبتك معايا ليه؟
زفرت بحنق ثم فتحت الباب تترجل واتجهت تخطو تجاه الصيدلية ودلفت فوقف الشاب الذي كان يجلس أمام الحاسوب يدون شيئاً ما.
اتجه إليها قائلاً بابتسامة وديعة:
– إتفضلي يا فندم؟
نظرت له ثم تحدثت بنعومة:
– عايزة Hair dye لونها red بس نوع كويس لأني اشتريت نوع من هنا ولونه طلع بشع.
تعجب الشاب فبضاعته التجميلية تتميز بالجودة العالية لذا نظر لبداية خصلاتها التى تظهر من أسفل الوشاح قائلاً بإعجاب ظاهري ليمدح منتجه:
– بالعكس يا أنسة أنا شايف إن لونه حلو جداً ولايق عليكي أوي.
غضبت ونظرت له بتهكم قائلة:
– وانت مالك هو شعرك ولا شعري.
شعر بالحرج وتحدث بضيق قليلاً:
– أوكي أنا أسف، ثواني هجبلك اللون.
تحرك لجهة مخفية عن عينيها وغاب لدقائق يبدو أنه يعاقبها على طريقتها الفظة معه.
كان عمر في الخارج يراها تقف تنتظر هذا الشاب ويبدو عليها الضيق، لذا قرر الذهاب إليها.
ترجل وخطى إليها فوجدها تتأفأف فتساءل بترقب:
– في حاجة ولا إيه؟
نظرت له بملامح غاضبة وتحدثت:
– دخل يجيب الصبغة ده ولا بيصنعها!
ابتسم عليها ثم التفت ينظر صوب المكان الذي اختفى الشاب خلفه يردف بصوت عالٍ بعض الشئ:
– لو سمحت!
خرج الشاب يحمل في يده نوعاً جيداً من صبغة الشعر قائلاً وهو ينظر لعمر بابتسامة هادئة:
– أيوة يا فندم؟
تحدثت مايا بحدة:
– على فكرة أسلوبك ده غلط، أنت قاصد تعمل كدة.
ادعى الشاب التعجب وتساءل:
– قاصد أعمل إيه يا أنسة هو أنا أعرفك أصلاً!
تحدثت بانزعاج من مكره:
– تمام أنا مش عايزة حاجة منك وده أخر مرة هشتري من عندكوا حاجة لإن حقيقي سواء إنت أو البنت اللي كانت هنا إمبارح طريقتكم غلط مع الزباين.
نظرت لعمر الذي يتابع بصمت وتحدثت بضيق:
– يالا يا عمر.
أوقفها عمر وقد انزعج من غضبها الغير مبرر ليتساءل بترقب:
– استني بس هو عمل إيه دلوقتي؟
نظرت له بعيون مترجية أن لا يسخر منها أمامه فربما حقاً لا داعي لغضبها لذا تحدثت بهدوء:
– قلتله يجيب نوع صبغة كويس عن اللي أخدته من هنا إمبارح راح قايل لي ده لونه حلو جداً ولايق عليا اوي ولما قلتله إنت مالك اعتذر أه بس اتعمد يتأخر جوة ويوقفني هنا.
كانت تنتظر كلمة معنفة من عمر لها ولكن ذهلت عندما نظر عمر تجاه الشاب بغضب وتحدث بصرامة:
– الأنسة طلبت منك طلب محدد يبقى تجيبه من سكات وملكش دعوة بيها، وفعلاً ده أخر تعامل لينا مع المكان ده، يالا يا مايا.
ابتسمت بسعادة وأومأت له وتحركت خلفه للخارج تشعر بلذة انتصار جديدة وفخر بعدما نصرها عمر أمام هذا الشاب المنحرف كما أطلقت عليه فقد لمحت المكر المرتسم في نظراته لها، ليستقلا السيارة بعد ذلك ويبحث عمر عن صيدلية أخرى تبتاع منها ما تريده.
***
بعد وقتٍ
توقف محمود بسيارته أمام ڤيلا صقر التى علم عنوانها.
كانت نهى تجاوره وتتطلع إلى الڤيلا بقلبٍ نابض متسائلة بحنو ولهفة:
– هو هنا يا محمود؟
أومأ لها وهو يردف بترقب:
– أيوة موجود جوة، يالا ننزل؟
لفت نظرها إليه وتحدثت مترجية:
– معلش يا محمود، سبني أدخل له لوحدي الأول، صدقني لو احتجت حاجة هبلغك فوراً.
زفر يفكر قليلاً، عقله لا يتقبل تركها بمفردها خصوصاً هو لا يعلم عن ذلك الأخ أي شئ ولكنه ودّ راحتها لذلك قال:
– تمام يا نهى، بس أنا هقف استناكي هنا على جنب لو حصل أي حاجة أو زعلك بالكلام رني عليا علطول.
أومأت له تربت على يده بحب وترجلت تتجه إلى بوابة الڤيلا حيث كان يقف خلفها مجموعة من الحرس الذين تبدو ملامحهم غربية إلا واحداً تقدم عندما رآها وتحدث قائلاً:
– مين حضرتك؟
توترت نهى من هيأتهم وشعرت أنها تقف أمام منزل شخصية سياسية هامة وليس شقيقها، ولكن لتحقق ما جاءت لأجله وتغادر لذلك نظرت له قائلة بتوتر:
– عايزة أقابل صقر، بلغه إن نهى ناصر الجارحي عايزة تشوفه.
دقق الرجل نظره فيها ثم أردف باحترام بعد أن أدرك أنها شقيقته من إسمها قائلاً:
– ثوانى يا هانم.
رفع الهاتف وطلب سيده الذي يجلس في مكتبه يتابع الكاميرات ويراها وهي تقف تنتظر بعدما كان يراقب منزل بهجت وينتظر خروج نارة منه، رفع الخط يستمع دون حديث فقال الحارس:
– صقر باشا فيه هنا واحدة عايزة تقابل حضرتك بتقول إسمها نهى ناصر الجارحي.
علم أنها شقيقته، علم قبل أن يخبره الحارس بعدما استمع إلى إسمها، ربما هو مِن مَن لا يمتلكون عاطفة ولكن أحياناً كان يتساءل عنها وعن شقيقه، كانا يمران على عقله عندما يتذكر والده، ومع ذلك لم يبادر أبداً بالسؤال عليهما.
لا يعلم سبب قدومها إليه، ولا يهتم، ربما تريد بعض المال أو الكثير منه، فقط سأل ميشيل ذات مرة عنهما وأخبره أنهم في صغره طالبوه بإرثهم في أملاك ناصر التى لم تكن سوى ڤيلا والقليل من الأسهم، وقد أعطاهم ميشيل ما أرادوا عبر محاميين، وكانت تلك كذبة ميشيل له ليخلق داخله قناعة بأنهم لا يبحثون سوى عن المال.
تحدث بعد وقتٍ قائلاً بجمود:
– دعها تدخل.
وبالفعل أسرع الحارس يفتح لها لتدلف تخطو بحذر وهو يصطحبها إلى الداخل حتى توقف أمام مبنى الڤيلا يشير بيده قائلاً:
– اتفضلي.
تركها وعاد فهنا فقط حدوده بينما هي تقدمت تصعد الدرجات وحتى وقفت أمام الباب الذي وجدته مفتوحاً لذلك دفعته بهدوء ودلفت بحذر تبحث بعينيها عنه.
خرج من مكتبه ينظر لها بتمعن، تقدمت منه ذاهلة حتى وصلت أمامه تتعمق في ملامحه التى تشبه والدها كثيراً، جسدها اصبح متجمداً بينما مشاعر الحنين تتوغلها، وقفت أمامه وعادت الدموع تخنق عينيها وتحجب رؤيته عنها قائلة بنبرة مؤثرة:
– إنت شبه بابا جداً.
تعجب من جملتها فحقاً هو ورث ملامح والده ولكنه تفاجأ بها تعانقه بعد أن حركتها عاطفتها تجاههُ مردفة بنبرة متحشرجة:
– وحشتنى يا صقر، وحشتنى أوي، كان نفسي أشوفك أوي.
إهتز شيئاً ما بداخله وتحرك تجاهها لذلك لم يبعدها ولكن لم يبادلها حيث وجد نفسه يرحب بذلك العناق، لم يعترض بل طالبته روحه به، شيئاً ما بداخله كان بحاجته وحاجتها أيضاً.
بكت تتابع باشتياق وألم وهي تلف يدها حول رقبته بينما يديه تتدلى بجانب جسده:
– كنت خايفة مشوفكش خالص، الحمد لله إني قابلتك.
ابتعدت عنه فشعر بالبرودة وهو ينظر لها متعجباً من نفسه قبلها بينما هى تتفحص ملامحه بسعادة قائلة:
– عامل إيه يا أخويا؟
ابتلع لعابه وحاول التحلي بالثبات وهو يردف ببرود ظاهري:
– أهلاً نهى هانم، اتفضلي.
تحمحمت نهى وهدأ اشتياقها بعد أن رأت ترحابه الأقل من العادي ولكن لايهم المهم أنها رأته.
جلست تنظر له وتبتسم وجلس مقابلاً ووضع ساقاً فوق الأخرى قائلاً بترقب دون مقدمات:
– ممكن أعرف سبب الزيارة؟
تفاجأت من جموده ولكنها تنفست تردف بحنين وصدق:
– محمود جوزي بيشتغل في الشهر العقاري وجه النهارده قالي إنه قرأ إسمك في العقود اللى بيجردها، أول ما قالي مصدقتش نفسي وطلبت منه يجيبنى ليك فوراً، أنا بقالي سنين نفسي أشوفك يا صقر.
عاد لقسوته ولم يثق في حديثها، يحاول ربط حديثها وطريقتها مع ما مر به وما علمه وما تربى بداخله.
ليزفر بقوة بعد ثواني ثم قام بإخراج دفتر شيكاته من جيب جاكيته ووضعه على الطاولة أمامها ثم دفعه تجاهها وتبعه لقلمٍ وعاد ينظره لعينيها يترقب ملامحها وردود أفعالها.
لم تفهم حركته في بادئ الأمر ولكن أستوعبتها أخيراً فنظرت له متألمة وقالت:
– إنت مفكرني جيالك علشان فلوس؟
هز منكبيه يدعي عدم المعرفة ولم يتحدث بل ظل ثابتاً فوقفت نهى تومئ عدة مرات متألمة وأردفت وهي تنظر لعينه:
– لا يا حبيبي أنا مش محتاجة فلوسك أبداً، أنا بس كنت حابة أشوف أخويا واتعرف عليه، ويكفيني أنى شوفتك كويس، عن إذنك علشان جوزي مستنيني برا.
تحركت تغادر قبل أن يخونها دموعها أمامه، لم تتوقع أن يكون هذا لقاؤه لها، لقد تأملت أنه سيسعد بها وربما عانقها ومزح معها، ولكن يبدو أن إشتياقها وحنينها لسنوات كانت من طرفها فقط، حقاً لقد كُسر خاطرها.
خانتها عبراتها التى حاولت تجفيفها بظهر يدها وهى تتمنى الوصول مسرعة إلى سيارة زوجها وبالفعل أصبحت خارج حدود الفيلا بعد ثواني متجهة لزوجها الذي يقف ينتظرها.
كانت في تلك اللحظة تخرج نارة من ڤيلا خديجة بعد أن انتهوا ورأتها تخرج من ڤيلته باكية.
تعجبت من دموع تلك السيدة ومن خروجها من ڤيلا صقر بتلك الحالة وظلت تتبعها بعينيها إلى إن استقلت السيارة مع زوجها وغادرت.
وقفت حائرة تنظر تارة لڤيلته وتنظر تارة أخرى لها بفضول ليس من طبعها.
أما في الداخل فيجلس صقر الذي لأول مرة يدق الندم باب عقله، ربما أخطأ في إستقبالها، حتى أن ودت المال كان عليه أن يظهر رقيه وذوقه معها قليلاً، صدمتها من فعله حقاً لمست عاطفته التي نادراً ما تظهر على ملامحه.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية العربي
في سيارة محمود زوج نهى.
جل منزعجاً من نفسهِ ونادماً على اصطحابها لرؤية هذا الأخ الذي أبكاها.
تحدث بضيق وهو يحاول معرفة ماذا حدث:
– فهميني بقى يا نهى حصل إيه؟،، وعلشان خاطري كفاية عياط بقى، حقك عليا أنا اللي جبتك هنا.
جففت دموعها بالمحارم الورقية وهزت رأسها تردف بحزن:
– لا يا محمود أنا مش ندمانة إني جيت له، أنا بس كنت متعشمة في مقابلة تانية غير كدة، كنت مفكرة دايماً إن أول ما أشوفه ويشوفني خلاص كدة كل حاجة اتحلت، بس أنا عبيطة أوي، لا هو ولا سامح هينسوا بسهولة.
تنفس وهو يقود وقد هدأ قليلاً ليردف بتفهم:
– هو قالك ايه يعني؟
شردت قليلاً تعيد ما فعله معها لتهز رأسها مردفة بنبرة ضعيفة:
– مقالش، متكلمش معايا كلمتين على بعض، بس فكر إني ريحاله علشان فلوس.
انزعج محمود وتحدث بغضبٍ:
– فلوس إيه ده؟، واحنا كنا مستنيين سعادته لما ينزل من إيطاليا ونروح نطلب منه فلوس، ده غبي.
شردت مجدداً، لا تريد إثارة حنق محمود تجاهه خصوصاً بعدما شعرت به معه، عليها فقط أن تهدأ وتفكر جيداً قبل اتخاذ قرار لذا قالت بتروى:
– معلش يا محمود، مهو بردو ميعرفنيش، العيب مش عليه العيب ع الماضي واللي حصل زمان وفرقنا، هو ضحية زيه زينا.
نظر محمود لزوجته التى تمتلك قلب لين هين متسامح، زفر والتفت يكمل طريقه وتركها تفكر في صقر مجدداً بعد أن توقفت عن البكاء،، في ملامحه ونظرته واستقباله البارد الذي برغم برودته إلا أنها لم تشعر بجمود قلبه.
في اليوم التالي مساءاً عند نارة.
يشغلها كثيراً مشهد تلك السيدة التى ولجت أمس من منزله تبكي،، لم يخبرها عن معارفه ولكن تُرى من هذه ولمَ كانت تبكي؟
وجدت نفسها تفكر بفضول فزفرت بضيق،، هذه ليست شخصيتها فهي لا تهتم بأمور لا شأن لها فيها، لتشغل عقلها بشيئٍ أخر الآن،، نعم لتعود وتتذكر حديث والد خديچة الممتع والمؤثر،، إنه يتحدثت عن الإسلام بطريقة محببة ولينة تجعلها فخورة به أكثر وأكثر.
اتجهت تحضر كتاباً لتبدأ في قراءته على مقعدها الموضوع في الشرفة.
ارتدت منامة حريرية راقية وعصجت خصلاتها على شكل كعكة فوضاوية وارتدت في قدميها خفٍ رقيقٍ ونزلت للأسفل لتحضر فنجاناً من القهوة ترتشفه اثناء قراءتها.
عادت بعد دقائق تحمله وصعدت لتمر من أمام غرفة والدتها فاستمعت إلى شهقات مكتومة آتية من الداخل.
توقفت لتتأكد من الصوت وبالفعل كانت آسيا تبكي في الخفاء، وقفت تستمع وقد ظهر على ملامحها الحزن،، تعلم جيداً أن والدتها تبكي حزناً على فراق توأم روحها، فهذا يحدث دوماً.
فكرت قليلاً هل تراها وتحدثها أم تعطيها مساحة لتهون عن نفسها ولكن قلبها الحنون لا يتحمل تركها في تلك الحالة لذا طرقت الباب ولفت مقبضه تدخل رأسها وتطالعها بحنو قائلة:
– ماما؟،، ممكن أدخل؟
توترت آسيا التى لا تحب أن تراها إحدى إبنتيها في تلك الحالة لذلك أسرعت تغلق الهاتف الذي يحمل صور زوجها ووضعته جانباً ثم قالت وهي تحاول تخبئة عيونها وتجفيف دموعها:
– تعالى يا نارو.
دلف وأغلقت الباب واتجهت تضع كوب القهوة على الطاولة ثم تحركت إليها وجلست أمامها تردف بحنو دون مراوغة:
– أنا عارفة ومتأكدة إن بابا يستاهل إنك تحزني عليه دايماً، بس أنا مش بقدر اتحمل زعلك،، موت بابا أثر فينا كلنا يا ماما،، كلنا حصل في قلوبنا شرخ ولو إنتِ استسلمتِ لحزنك يبقى كدة العمود الوحيد اللى ساندين عليه هينكسر ووقتها الدنيا هتتلغبط معانا،، أنا محتاجاكِ جداً ومايا محتاجة كل تركيزك واحتوائك ليها لإنها بتمر بمرحلة صعبة جداً، خليكي معانا يا ماما وأوعي تنهاري.
تحمحمت آسيا التى كانت تستمع لها وتحدثت وهي تتمسك بكفها لتستمد منها الدعم:
– كلامك كله صح يا نارو،، وعارفة إنى أحياناً بتصرف بطريقة غلط مع مايا،، بس أنا تعبت،، أحياناً بتخنق وبيضيق صدري ف بدخل أوضتى وأعيط لوحدى لأنه كان شايل عنى مسئولية كبيرة، كفاية إنى كنت مطمنة ومش خايفة من بكرة، كنت سيباكوا تقعدوا في مدينة تانية غير اللى كنا فيها وأنا واثقة في ربنا ثم فيه هو، كانت كل حاجة سهلة وهو جنبي، برغم إننا هنا في مصر بس أنا حقيقي خايفة،، وبالأكتر على مايا لأنها لاغية عقلها ومش بتستوعب أي نصيحة، أنا وشفيق دلعناها زمان ومحسبناس حساب دلوقتي، كل يوم بقينا نقول لما تكبر هنفهمها، دي لسة صغيرة، وسبناها تعمل الغلط وسكتنا، كان لازم على الأقل أعمل معاها زي ما عملت معاكي، كان لازم أصدق إن فعلاً التربية في الصغر زي النقش على الحجر أما التربية في الكبر زي النقش على المية، وده بالضبط اللى بيحصل دلوقتي.
تنهدت نارة بأسف،، فوالدتها محقة،، ولولا الأُسس التى زرعتها بها السيدة لبنى والتى راعتها آسيا لما أصبحت نارة بهذا الحال، ولكن هي تعلم شقيقتها وتعلم أنها تمتلك قلباً رائعاً وعقلاً طفولياً يحتاج ويبحث عن الأمان.
تساءلت نارة بترقب عندما تذكرت أمراً ما:
– ماما هو حضرتك تعرفي عمر ده؟،، إزاي وثقتي فيه بسهولة كدة وأمنتيه على مايا؟
توترت آسيا قليلاً وأدركت نارة هذا وتعجبت خصوصاً بعدما أجابت آسيا قائلة:
– أيوة يا نارو زي ما قلتلك قبل كدة عمر يبقى إبن قريبة صحبتي وهي اللى رشحتهولي،، هو كويس جداً ومحترم،، متقلقيش منه.
شردت قليلاً في رد فعل والدتها،، تتذكر من قبل قولها عندما أخبرتها أنه إبن صديقتها وليس قريبتها، هناك ما تخفيه عنها ولكن لمَ؟،، تحمحمت ووقفت قائلة بهدوء لتترك ما تخفيه الآن طالما أنها لا تريد الإفصاح عنه:
– تمام يا ماما،، أنا هروح أوضتي وأسيبك تنامي،، تصبحي على خير.
وقفت أسيا تعانقها بحب وتربت على ظهرها قائلة:
– خليكي معايا يا نارو، وخدي بالك من مايا، أنا عارفة إنك قد ثقتي فيكِ.
ابتعدت تبتسم لوالدتها وتومئ بصمت ثم انحنت تحمل الكوب والتفتت لتغادر، اتخدت خطوة ولكن أوقفتها آسيا بسؤالها بعدما تذكرت قائلة:
– مافيش جديد في موضوع صقر يا نارو؟،، يعنى إنتِ بلغتيه بموافقتك،، مش المفروض إنه يقول حاجة؟
عادت نبضاتها تسرع ككل مرة يذكر فيها إسمه مؤخراً، والتفتت تنظر لوالدتها قائلة بتوتر خوفاً من أن تفضحها لمعة عينيها:
– الموضوع لسة من يومين بس يا ماما،، أعتقد التهمل في الأمور دي بيكون أحسن بكتير من السرعة،، ثم إني قابلته إمبارح وقال إني انتظره قريب، متقلقيش يا ماما مش هعنس يعنى.
قالتها مازحة فهزت آسيا رأسها تردف لاغية تلك الفكرة قائلة:
– مافيش حاجة إسمها تعنسي،، الكلمة دي كلمة عنصرية ومؤذية ملهاش أي قيمة،، بس فيه حاجة إسمها لو شريك حياة هيسعدك ويشاركك حياتك ويحبك ويعينك على أي صعب تواجهيه يبقى واجب تختاريه، الحياة لازمها مشاركة يا نارو علشان يبقى ليها طعم،، الوحدة صعبة،، الإنسان اتخلق واتخلق بعدها شريكته علطول، هي دي طبيعتنا يا حبيبتى.
ابتسمت لها وشردت في كلماتها التى راقت لها،، وخلطت الكلمات بشخصيته الغامضة،، هل يمكن أن يكون هو هذا الشخص الذي تتحدث عنه آسيا؟،، هل حقاً سيشاركها ويحبها ويعينها ولن يخيب آمالها؟
زفرت تومئ مبتسمة ثم قالت قبل أن تغادر:
– تصبحي على خير يا ماما.
تجلس مايا في غرفتها ترسل الرسائل عبر الهاتف لأصدقائها الإيطاليين،، نعم فقد عادت تحادثهم وبدأت تخبرهم بنفورها ورغبتها في العودة، وبدأوا يشجعونها على ذلك، حتى أن بعضهم أخبرها بالهرب ولكن لسوء حظها كما تظن أن سنها لا يسمح بعد.
بسبب حديثهم ودسهم للأفكار الخاطئة في عقلها شعرت بالضيق والغضب،، لديها رغبة في التمرد ورفض كل ما هو محيط بها، وقفت تتجه لشرفتها علها تجد الأوكسجين الذي على ما يبدو ينسحب من حولها.
ولجت إليها واتجهت تقف مستندة على حافة الإطار المعدني، كانت ترتدي منامة حريرية وردية وشورتٍ قصيرٍ جداً أظهر ساقيها.
بدأت تلتقط أنفاسها رافعة رأسها للأعلى تنظر للنجوم بملل،، بدأت ترفع سبابتها لتعدهم وقد اندمجت معهم قليلاً.
بعد دقيقة أو أقل زفرت بتأفأف فلم تستطع جمعهم لذلك لفت نظرها فلمحت الملحق الخاص بعمر الذي يأخذ حيزاً من الحديقة.
دقت النظر قليلاً لتتعجب من ما تراه،، واقفاً في الداخل خلف نافذته يؤدي فرضه،، يقف ويركع ويسجد أمامها بخشوع،، وقفت لثوانى تتأمله،، أعجبت به منذ أن رأته ولولا صده لها لربما كانت تصادقه الآن كما كانت ترى صديقاتها يفعلن في إيطاليا.
ابتلعت لعابها ثم انتبهت على قطته التى تجلس على النافذة بهدوء،، قطة ناعمة بيضاء مشبحة باللون الرمادي من النوع الشيرازي المحبب،، وهذه الأنواع تعد نقطة ضعفٍ لها.
باتت تريد مداعبتها ولكن الفكرة في الذهاب إليه الآن ربما مخطأة.
نهرت نفسها سريعاً وقررت التحلي بالجرأة فهي لن تخشاه،، لتذهب ولتفعل ما تريده فهو لا يحق له الاعتراض أبداً.
تحولت نظرتها لأخرى متحدية ثم التفتت تعود لغرفتها ومنها إلى الأسفل بتلك الملابس الغير مناسبة.
على الجهة المجاورة من الفيلا تجلس أيضاً نارة عند شرفتها تقرأ كتابها بتمعن لتلتقط منه بعض المعلومات والمعرفة التى ستفيدها في مسيرتها الأدبية،، حتى أنها تحدد النقاط المهمة في الكتب التى تقرأها.
اهتز هاتفها برسالةٍ نصية فشتت تركيزها لعلمها هوية المرسل،، حاولت تجاهلها ولكن خانها عقلها ومدت يدها تجلبه لتنظر لمحتوي الرسالة الذي لم يكن سوى كلمةً واحدةً فقط كتبت بالعربية ( إشتقتُ )
توقفت أنفاسها لثوانى برغم تسارع نبضها وقد بدأ اللعب على أوتار مشاعرها العذراء،، زفرت نفساً طويلاً ثم رفعت أنظارها على شرفته فرأته.
يجلس مثلها في نفس الوضعية ونفس المكان وحتى أنه يحتسي القهوة مثلها ويقرأ كتاباً أيضاً!، تعجبت من أمره فهي لم تنتبه له.
يطالعها بعيونه التى تأخذها عبر رحلةٍ ساحرةٍ في البندقية الإيطالية دون أن تتحرك،، ابتسم لها بجانب فمه ثم عاد يتناول هاتفه ليرسل مجدداً رسالة محتواها.
( أكملي قراءة ودعيني أتأمل )
كان يتابعها إذاً،، كان يتأملها مثلما قال،، ولكن كيف ستكمل وتستطيع التركيز بعد أفعاله تلك؟، قررت الرد على رسالته برسالة نصية فلسفية محتواها
( إن إستطعت التركيز بعد الآن فهذا يعنى تجاهلك،، وأنا لم أعتد تجاهل من يحبني )
راقت له رسالتها، ولكن للحظة فقط قبل أن تصل لعقله المشكك في أفكاره لذا تحولت نظرته الهادئة إلى أخرى حادة غيورة متملكة لعينة.. ومخيفة لم تراها بعد،، رد بأخري مترقباً ومتفحصاً لرد فعلها بعينيه
( وهل هم كُثر )
للحظة لم تفهم مغزاها ولكن ما إن نظرت لعينه أدركت مقصده،، تبخرت فقاعات سعادتها التى كانت تحلق داخلها منذ ثواني فقط،، هل هذه غيرة أم شك أم إختبار لعين هو؟، تنفست عدة مرات لتهدأ من العاصفة التى اجتاحت داخلها وابعدت عينيها عنه لثوانى حتى عاد إليها هدوءها وثباتها، ثم ردت برسالة محتواها
( أولى وأهم قوانين الحب هي الثقة )
وقفت بعدها بهدوء تحمل كوبها وكتابها وتدلف دون أن تعيره أي إهتمام،، وبالفعل دلفت وأغلقت الباب وسحبت الستائر دون حتى النظر إليه وهذا ما أثار جنونه،، لم يتجرأ حتى أقوى رجال المافيا على تجاهله،، حتى ميشيل لم يفعلها،، وتأتى تلك الجميلة وتفعلها بكل بساطة هكذا؟
لم يرى نفسه مخطأً،، سؤاله هذا يعلم إجابته مسبقاً حينما تفحص عنها وعلم أن ليس لها تجارب حبٍ مسبقة وأنها لا تفضل تلك الأمور وكانت تصب كامل تركيزها على دراستها ورسالتها وبرغم كل ذلك تساءل بمَ أزعجها،، ولكنه لم يخطئ،، هو لم يستطع الغوص في أعماقها وأفكارها بعد، يمكن أن تكون قد انشغلت أفكارها بشخصٍ قبله وعليه أن يتأكد.
الوصول لتلك النقطة من الشك جعلته على وشك الإنفجار،، ولكن بدلاً عن ذلك انفجر كوب القهوة بين يده القابضة بقوة،، تهشم بين جلده محدثاً جروحٍ بها بعدما أخترقت قطع الزجاج الممزوجة بالقهوة بشرته فاندفعت الدماء من بينهما وبدأت تقطر أرضاً على بقايا الزجاج والقهوة.
ومع كل ذلك ظلت عينه ثابتة على شرفتها يفكر كيف يتأكد من عدم مرور أحدهم على عقلها قبله،، فإن أتى هو فيجب أن لا يكون قبله ولا بعده،، وهذا قانونه العادل في الحب هو لم يفكر في أنثى غيرها ولن يفكر في أنثى بعدها لذا فلتكن مثله.
وقف ينفض يده لتسقط ما بها من دماء وقطع زجاج ثم التفتت عائداً إلى غرفته ومنها إلى حمامه حيث غسل جرحه دون ظهور أي ملامح دالة على تألمه، يبدو أن شعور الألم فارقه منذ زمن.
أغلق المياة وعاد إلي الداخل يضع عليها بعض المحارم الورقية التى نزعها من عبوتها بعنف ثم اتجه يتمدد على الفراش ويفكر في هذا الأمر الذي قلب حالته المزاجية رأساً على عقب.
في تلك الأثناءوصلت مايا إلى الملحق واتجهت إلى النافذة التى تنكمش عليها القطة.
وقفت بالقرب منها حيث لا تريد أن يراها عمر،، رأتها القطة فتململت من مكانها تطالعها بحذر فابتسمت لها مايا تمد يدها وتشجعها على المجئ نحوها ويبدو أن القطة شعرت بمحبتها لذا أصدرت مواءاً هادئاً وأرادت أن تذهب إليها.
حاولت مايا مد يدها أكثر حتى تمسكت بالقطة وكادت تسحبها لولا يد عمر التى تمسكت بيدها دون قصد ظناً منه أنها شخصاً آخر.
تفاجأ بها هي من تقف أمامه فسحب يده مسرعاً من فوق يدها ووقف خلف نافذته يردف متسائلاً بتوتر:
– بتعملي إيه هنا دلوقتي؟
نظرت له بتمعن،، ملامحه حقاً وسيمة تريح الناظر إليه،، قضمت على شفتيها بشرود ثم قالت ببراءة ونصفها السفلي يختبئ خلف النافذة:
– جيت أشوف القطة.
نظر لها بتعجب ثم حمل قطته وملس عليها بيده بحنو ثم مدها لها قائلاً:
– تمام شوفيها،، بس الوقت اتأخر،، الأحسن تطلعي تنامى والصبح تبقى تنزلي تلعبي معاها زي ما تحبي.
تناولتها منه وبدأت تدللها وتفرك شعرها بحماس وفجأة ابتعدت عن النافذة وهي ترفع القطة إلى وجهها وتدور بها أمامه لتكشف عن ساقيها دون قصد مما جعله يلتفت مسرعاً حينما تفاجأ بها بعد أن كان يخفي الجدار نصفها قائلاً بصدمة كرد فعل على ما رآه:
– يخربيتك.
التفتت برأسها إليه تنظر لظهره بتعجب بعد أن لف نظره عنها ثم عادت تقف عند النافذة من الخارج قائلة وهى تحتضن القطة:
– إنت بتقولي أنا؟
تحدث بضيق وهو على حاله:
– لو سمحتِ أطلعي دلوقتى،، والأفضل بلاش تنزلي باللبس ده الجنينة علشان الحرس اللى هنا،، ميصحش كدة.
نظرت له بتعجب ثم اخفضت نظرها لساقيها ولم تبالِ،، عادت بنظرها إليه ثم قالت بتهكم ونبرة حادة:
– هو إيه اللى ميصحش؟،، إيه التخلف ده؟،، على فكرة ده تفكير الناس اللي عقولهم ضيقة،، بتعتبروا جسم البنت مثير وبيحرك غريزتكوا الذكورية بس في نفس الوقت بتعطوا لنفسكوا الحق تلبسوا أي حاجة.
أغمض عينه يتنفس بقوة حتى يهدئ من غضبه منها،، إنها تجهل الكثير والكثير،، إنها حتى لا تعلم الخطأ من الصواب، تخلط الحق بالباطل وتلوث الفطرة.
ولكن لحظة عمر،، فهذا ما نشأت عليه،، ربما الذنب الأكبر ليس عليها، يبدو أن تربيتها كانت مختلفة عن نارة بكثير، فهو في تلك المدة البسيطة لاحظ فرقاً شاسعاً بينها وبين نارة،، يبدو أنها مغيبة بإعجاب الغرب وتقليدهم دون أي تدبر،، ولكن هناك سؤال يراوده معها، هل يستطيع أن يرشدها أو أن الأمر أشبه بالمستحيل؟،، حسناً ليحاول.
تحدث عمر بهدوء ولين تلك المرة قائلاً وهو ما زال يواليها ظهره:
– انتِ فاهمة غلط،، مش مسموح للراجل يلبس أي حاجة طبعاً،، فيه أمور كتير في الدين يا مايا إنتِ محتاجة تفهميها صح، القرآن الكريم بالنسبالنا هو منظومة حياتنا كلها، وزي ما أمر البنت إنها تلبس محتشم وتتحجب بردو أمر الشاب إنه يغض بصره ويتحكم في نفسه، كلنا لينا عقل اتميزنا بيه عن أي مخلوق تاني، بس للأسف إنتِ سمعتِ عن الإسلام من مصدر خبيث، كان ممكن تسألي آسيا هانم كانت هتفيدك،، وعلى العموم لو حبيتي تعرفي أي حاجة ممكن أفيدك على أد معرفتي المحدودة أو نسأل أهل علم.
شردت في حديثه،، في طريقته،، في ظهره الذي يقابلها، حديثه عن الملابس وعن الدين ربما يبدو كثيراً على عقلها الغير ناضج بعد،،، إلى الآن لا تستوعب فكرة أن تغطى جسدها كاملاً،، لديها ما تتباهى به،، هي تحب التباهي بجمالها والكثير أشادوا بذلك،، هو مخطئ لأن جسدها مثل تلك القطة من مخلوقات الله أيضاً وعليها التباهي به كما تريد، ما سبب أن تخبأه حقاً لا تستوعب.
تشتت عقلها الصغير بعد حديثه وقررت تركه والعودة إلى غرفتها نادمة على نزولها إليه لذا وضعت القطة عند النافذة والتفتت تعود بضيق.
بينما هو بعد أن تأكد من رحيلها التفت يزفر بحزن عليها، كلما تقرب منها يجد انها مجني عليها وليست جانية، تمتلك قلباً نبيلاً وتستحق فرصة أفضل ولكن لو تتخلى عن هذه المكابرة قليلاً!
تقدم يغلق نافذته وتحرك لغرفة نومه ليذهب للنوم ولكن بعقل مشتت أيضاً.
في شقة عفافحيث ذهبت لها نهى بعد أن هدأت من حالتها التى أصابتها بالحزن ولولا دعم محمود لها الذي هوّن عليها كثيراً.
كانت عفاف تجلس ساكنة على غير عادة، حيث إستقبلتها ببرود، يبدو أن حديثها عن صقر ليلة أمس أحزنها.
تحدثت نهى بترقب متسائلة بهدوء:
– ماما هو إنتِ زعلانة مني؟
تحدثت عفاف دون مراوغة:
– أيوة يا نهى، زعلانة لإنك معملتيش خاطر لزعلي، وروحتي تشوفي البني أدم ده بردو، يبقالنا إيه ده أصلاً ونعرفه منين ومالنا وماله؟
تنفست نهى بقوة، الآن وبعد ما فعله صقر أصبحت مشتتة، تحدثت بحزن:
– يا ماما أنا عمري ما أقدر ازعلك، أنا بس كان نفسي أشوفه، طب تعرفي طلع شبه بابا الخالق الناطق.
نبض قلب عفاف وظهر ذلك على ملامحها التى ترقبت باهتمام وصمتت لثواني ثم جاهدت لتخفي ما أصابها متسائلة:
– وقالك إيه إبن الإيطالية؟،، فرح زيك كدة ولا استقبلك إزاي؟
توترت ملامح نهى ولم يخفى ذلك على زينب التى كانت تجلس مقابل لها تستمع حيث قال نهى بترقب دون مراوغة:
– قابلني كويس، بس كان مفكر إني رايحاله علشان فلوسه.
تملك الغضب من عفاف حيث تحدثت بنبرة حادة ولم تنتبه لفتح الباب ودلوف سامح للتو:
– فلوس إيه أبو فلوس؟، بعد العمر ده كله هنعوز من ده فلوس؟، يغور هو وفلوسه ويرجع بلده مش محتاجين له.
شعر سامح بأن المقصود بهذا الحديث هو شقيقه الذي يبغض سيرته ليسرع للداخل حيث تفاجئن به وقال بحدة وصوتٍ عالٍ:
– بتتكلموا عن مين؟،، إبن ناصر صح؟، هو هنا في مصررر؟
وقفت زينب تتجه إليه مسرعة وتحاول امتصاص غضبه قائلة بتروي:
– إهدى بس يا سامح وتعالى اقعد واسمع.
نظر لها بغضب وتحدث بحدة:
– استني إنتِ بس، قصدك على صقر الجارحي ياما مش كدة؟
قالها موجهاً سؤاله لعفاف التى أومأت بصمت وتوتر ليتحول سامح من شخص عقلاني لوحشٍ ثائر وهو ينظر لشقيقته قائلاً بحدة وغضب:
– وإنتِ روحتيله؟
شعرت نهى بالخوف منه ونظرت له بتوتر تومئ بحذر فصرخ بها قائلاً بغضب:
– لييييه؟ تروووحي لكلب زي ده ليييه؟،، ناقصك إيه يا نهى؟
قالها وعقله لا يستوعب ما فعلته شقيقته، بينما هي تهز رأسها بعد أن عُقد لسـانها عن الدفاع، ليعاود التحدث بحدة وغضب قائلاً:
– قصرت معاكي في إيه أنااااا؟، محتاجة أخ يا نهى؟،، مش مكفيكي أنا مش كدة؟،، طول السنين دي مكنتش أخ مناسب ليكي ولا قدرت أجبلك اللي إنتِ عايزاااااه، عرفتي إنه جه طلعتي تجري عليه ومعملتيش أي خاطر لياااا، للدرجادي زعلي مالوش قيمة عندك؟
شعرت بقبضة تعصر قلبها لتقف تقابله وتردف أخيراً بحزن وصدمة:
– إيه الكلام ده يا سامح؟،، أنا يا ساااامح؟،، أنا تشوفني كدة؟،، دانا بفتخر بيك قدام الدنيا كلهاااا، دا أنا ممكن أكل اللي يقربلك بأسناني، بس ده أخونا يا سااامح، أخونا مهما حصل.
قالت الأخيرة بجهد مضاعف وبكاء ليعود لغضبه ويصرخ بقوة رافضاً سماع أي صوت داخله أو منها عن هذا الأخ قائلاً:
– ملنااااش إخوااااات، إحنا ملنااااش إخوااات، ولو قلتي كدة تاني يبقى روحليه وملكيش دعوة بيا بعد كدة.
نظرت له بصدمة لتسرع زينب وتقف حائلة بينه وبينها قائلة بحدة تشوبها الحكمة وهي تنظر لعينه:
– سامح أطلع فوق دلوقتي علشان خاطري، متتكلمش مع أختك وإنت متعصب، أطلع دلوقتي.
نظر لزوجته بعمق وانفاسه مهدورة، يخبرها بنظراته أنه يعاني الآن، أنه بحاجة لشخصٍ يخبره سبب غضبه لتفهم عليه فوراً وتبادله نفس النظرة مرددة:
– اطلع دلوقتي يا سامح علشان خاطري.
لف نظره يطالع والدته الحزينة ثم التفت يغادر مندفعاً دون إضافة المزيد لتتنفس زينب بحزن وتلتفت لنهى الباكية مردفة بتروي:
– إهدي يا نهى، متزعليش من سامح إنتِ عارفة إن الموضوع ده بالذات مبيحبش يتكلم فيه.
لترتد نهى على الأريكة وتتحدث بحزن ودموع:
– أنا غلطت يا زينب؟، غلطت إني نفسي أشوفهم سوا وقريبين من بعض؟، غصب عني يا زينب، أنا مش قادرة أكرههُ، مش عارفة أكرههُ وحاسة إنه محتاج لنا.
تحدثت زينب بتروي:
– عارفة يا نهى وإنتِ إحساسك صح بس بتتصرفي بطريقة غلط، روقي بس وإن شاء الله هنلاقي حل.
زفرت نهى وأومأت لها تجفف دموعها بينما نظرت زينب لعفاف الجالسة تضع رأسها بين كفيها بحزن على ما وصلوا إليه.
تنهدت زينب بأسى ثم تحركت لتصعد وترى زوجها وتحاول معه برغم يقينها أن محاولة حل هذه المعضلة أمرٌ مجهد عليهما.
صعدت للأعلى وفتحت باب شقتها تبحث عنه، تحركت لغرفتهما لتجده يجلس على فراشه يتنفس بغضب.
نظرت له بحزن ثم تحركت تجلس جواره بترقب لينظر لها قائلاً بحدة ونبرة حاقدة:
– شوفتي يا زينب؟، شوفتي اختي اللي بعتبرها بنتي الكبيرة؟،، تعرف إن الواطي ده نزل مصر تجري عليه؟،، لا يا زيييينب ليه عملت كدة؟
نظرت له بشفقة، تلك النقطة السوداء التى تسكن قلبه ليتها تستطيع نزعها، ليته يفكر بحكمة كعادته ليصل إلى أن هذا العدو الذي يكره ذكر إسمه ما هو إلا شقيقه والمذنب الوحيد هنا هو ذاك الوالد المتوفي الآن.
زفرت بقوة وتحدثت بتروي علها تنجح في تهدأته:
– مش يمكن مرواحها ليه ده يا سامح قاصدة إنها تجمع بينكوا؟
نظر لها بحدة وعيون جاحظة لتتوتر ولكن قررت اكمال حديثها قائلة:
– لازم من هنا ورايح تواجه الحقيقة بقى يا سامح، أخوك مش هو اللي اخد حياتك وحقوقك زمان، أخوك أصغر منك، يعنى وقتها مكنش يعرف ولا يدرك أي تصرف علشان تحمله كل الظلم اللي واجهك إنت ونهى، لو كان كبير وفاهم كنت وافقتك الرأي، لكن إنت كدة ظالم يا سامح وأنا محبش أبداً جوزي اللي بحبه يبقى ظالم، كفاية بقى كدة يا سامح، إنت عندك عقل يوزن بلد معقول تيجي عن النقطة دي وترفض تشغله صح؟
لف نظره عنها ينظر أرضاً بصمتٍ تام ينافي ضجيج عقله، الآن هو يصارع وحش أفكاره الثائر ليردف بهدوء خلفه عاصفة على وشك الحدوث:
– انزلي تحت دلوقتي.
نظرت له قليلاً بحزن، اغمضت عينيها لثواني ولأول مرة تجد نفسها عاجزة عن إحتواءه لذا أومأت ووقفت تغادر لربما واجهه أفكاره وانتصر.
في اليوم التاليرن هاتف آسيا برقم صقر الذي قرر شيئاً ما بعد تفكير عميق.
أجابت وهي تجلس في بهو الفيلا تحتسي قهوتها الصباحية قائلة:
– مرحباً سيد صقر،، كيف حالك؟
تحدث صقر برتابة:
– بخير سيدتي،، كنت أود أن أدعوكن لتناول العشاء معي الليلة،، ولنجعله عشاءاً مميزاً مصحوباً بتلبيس خاتم الخطبة،، فما رأيكِ؟
انفرجت أساريرها وأحست بسعادة قائلة:
– ليس لدي مانع، ولكن دعني أسأل ناردين اولاً.
أجاب بهدوء وهو يقف في الغرفة خلف باب شرفته يراقب شرفتها المغلقة:
– حسناً سيدتي،، أخبريني بقراركما،، وأتمنى أيضاً أن تأتى مايا الصغيرة لأتعرف عليها.
أومأت آسيا قائلة:
– حسناً سأخبرها.
أغلقت معه ونادت على نارة حيث خرجت من الغرفة التى اتخذتها ملهمةً لها وجهزتها لتناسب أجواء الكتابة.
فقد وضعت بها مؤثرات صوت لتصدر موسيقى هادئة ومكتب يحتوي على أباجور يعطى إضاءة مناسبة لكتابة رواية رومانسية وبعض الروائح الصناعية التى تصدر من المبخرة الكهربائية والتى قررت أن تستبدلها بروائح طبيعية.
أغلقت باب الغرفة وتساءلت بترقب وهي تتجه إليها:
– نعم يا ماما؟
تحدثت آسيا بسعادة وترقب:
– صقر كلمني حالاً وعزمنا على العشا،، وقال إنه عايزكوا تلبسوا خواتم الخطوبة النهاردة،، إيه رأيك؟
فاجأها الخبر،، لم يخبرها حتى ويبدو لها أنه تعمد تجاهلها،، وما صدر منه ليلة أمس أغضبها،، ولكن هي ليست من النوع المتسرع،، هي تأخذ قراراتها بهدوء وبعد تفكير،، لذلك وقفت تفكر قليلاً،، اتتجاهل دعوته لتظهر غضبها واستيائها منه أم تقبل وتعطى مجالاً للحديث بينهما؟
وكان الإختيار الثانى هو جوابها حينما قالت:
– تمام يا ماما معنديش مانع،، بس ممكن تبلغيه إن أنا اللى أختار المكان؟
ابتسمت آسيا لها قائلة:
– أوكي يا حبيبتى،، زي ما تحبي.
أومأت لوالدتها وعادت لتلك الغرفة وتركتها تعاود الإتصال به فأجاب وقد انتابته لهفة داخلية لجوابها فقال:
– أسمعكِ سيدة آسيا؟
قالت أسيا بترقب تبلغه رسالتها:
– أخبرتُ ناردين وليس لديها مانع ولكنها أرادت إختيار المكان بنفسها.
فهم مخططها فابتسم وأعجب بمكرها قائلاً:
– لها ما تشاء.
تحدثت قبل أن تغلق:
– شكراً لك.
أغلق معها وفكر قليلاً،، هل يستجيب لرسالتها المُشفرة أم يتجاهلها،، ولكن هو الآن في مرحلة إثبات حبه الذي اعترف به لذا قرر الإستجابة لرسالتها وإثبات صحة مقولتها ( لا يصح تجاهل من نُحب )وها هو يقرر مهاتفتها تلك المرة والتخلي عن الرسائل النصية.
لمحت إسمه فابتسمت،، هذا ما أرادته،، مكالمته لها،، لتعلمه ثاني دروسها في الحب وهو الإهتمام.
أجابت بهدوء وثقل قائلة:
– صباح الخير.
أجاب بنبرة هادئة تحمل عشقاً خفي:
– صباح الخير،، هل الأمر مهماً لتلك الدرجة؟
هو يقصد إتصاله بها أولاً وعدم دخول واسطة بينهما حتى لو كانت والدتها،، لذا أجابته بعد أن فهمت عليه قائلة:
– بالطبع.
أومأ متسائلاً بتسلية:
– حسناً،، هل تقبلين دعوتي على العشاء يا أنستي الجميلة؟
ابتسمت وتوغلتها المشاعر اللذيذة التى تفضلها عن القهوة قائلة بنعومة:
– ليس لدي مانع،، هناك مكان أحببته من صوره،، يطل على النيل ويبدو ساحراً ليلاً إسمه ( Unforgettable dinner ) (عشاء لا ينسى)،، ولكن مشكلته أنه مزدحم دوماً،، والحجز فيه مسبقاً بأيام،، فهل تستطيع حجز طاولةٌ لنا اليوم هناك؟
ضحك بخفة من هذا التحدي،، هل هذا يعد أقوى تحدياتها؟،، هو بالنسبة له منتهي قبل أن يبدأ،، لذلك تحدث بغموض:
– حسناً دعيني أرى ماذا أستطيع أن أفعل.
استشفت الثقة بل الغرور من نبرته فتنهدت قائلة:
– حسناً،، نراك مساءاً إذاً.
أغلقت وزفرت مطولاً تبتسم ثم عادت تتمسك بقلمها وتدون ما بدأته قبل مكالمته بحالة مزاجية تحسنت عن قبل دقائق.
بعد ساعة أو يزيد
صعدت آسيا إلى غرفة مايا،، طرقت الباب ودلفت فوجدتها نائمة بطريقة فوضاوية على الفراش.
اتجهت تزيح الستائر لتدخل أشعة الضوء إلى الغرفة ثم تحركت تجلس جوارها ثم حاولت إيفاقتها قائلة بحنو وهي تمس على خصلاتها الحمراء التى صبغتهم بشكلٍ رائعٍ تلك المرة:
– مايا؟،، حبيبتى يالا اصحي،، بقينا بعد الظهر.
تمللت في نومها والغطاء يعيق حركتها بسبب تكوره حول ساقيها فزفرت بضيق تحاول نفضه ثم قالت بتهكم:
– يوووه بقى يا مامي،، اقفلي الستاير عايزة أناااام.
تنفست آسيا بعمق ثم تحلت بالهدوء قائلة بحنو:
– بس أنا قاعدة لوحدي بقالي فترة وناردين قاعدة في مكتبها بتكتب،، يالا بقى عايزاكى في موضوع.
تبخر نعاسها وبدأت تستفيق لذا زفرت ثم حاولت التحرك ساحبة بجسدها للأعلى قليلاً حتى إستندت على مقدمة السرير قائلة وهي تتثاوب بعد أن أرغمتها معاملة آسيا على الهدوء:
– خير عايزاني في إيه؟
نظرت لها آسيا بحنو ثم تحدثت بترقب:
– إنتِ عارفة صقر اللى اتقدم لأختك،، هو عزمنا النهاردة على العشا علشان يلبسوا الخواتم،، وحابب يتعرف عليكي،، وأنا قولتله هسألك لو حابة تيجي،، إيه رأيك؟
تحدثت بتمرد كعادتها:
– وأنا مالي يا مامي؟، هو هيخطب نارو مش هيخطبني،، روحوا أنتوا يا مامي.
قالت آسيا بتروي:
– بس نارو أختك وبتحبك جداً وهتفرح لو كنتِ معاها في لحظة زي دي،، وكمان تتعرفي على صقر هو هيبقى فرد من العيلة،، ولا إيه؟
اقتنعت آخيراً فهي حقاً تحب شقيقتها جداً حتى وإن باتت لا تظهر ذلك ولكنها الأقرب إليها لذلك قالت:
– أوكي يا مامي هاجي خلاص،، ممكن أنام شوية بقى.
وقفت آسيا ثم مدت يدها تسحبها قائلة بمزاح:
– لاء مافيش نوم،، فوقي علشان تفطري وتقعدي معايا.
تعجبت مايا من أسلوب آسيا الجديد معها ولكنها أحبته لذا وقفت بالفعل مستسلمة لتبدأ يومها معها.
أتى المساء
تقف نارة في غرفتها تضع سلسالها الرقيق حول عنقها بعد أن ارتدت فستان رائع من اللون الأسود الذي يزينه فقط لؤلؤات مرصوصة على طرفي أكمامه تعطي بريقاً ولمعاناً چذاباً.
أما شعرها فربطته على شكل جديلة تركية ساحرة،، لم تضع مساحيق تجميل سوا مسكرا وأحمر شفاه وردي فقط،، جلست بعدها على المقعد لترتدي حذائها الشفاف ذو الأشرطة المتلألأة.
وقفت بعد أن انتهت تنظر لهيأتها بثقة ثم تحركت للخارج حيث تنتظراها آسيا ومايا.
نزلت للأسفل فنظرت لها آسيا بإعجاب وابتسمت لها كذلك مايا التى أسنت على هيأتها قائلة بإطراء غير معهود:
– بيتهيألي صقر مش هيركز في حاجة تانية غيرك النهاردة.
ابتسمت لها نارة وسعدت كثيراً بهذا الإطراء،، ليس بسبب التباهي ولكن سعادتها لعودة شقيقتها كما كانت معها،، لذلك ردت عليها بحب قائلة:
– بس فيه اللي أجمل مني.
ابتسمت لها مايا بينما قالت آسيا وهي تنظر في ساعتها:
– يالا يا بنات إتأخرنا.
تحركن للخارج حيث كان ينتظرهن عمر بسيارة آسيا ليقود بهن، حيث جلست آسيا في المقعد المجاور لعمر بينما نارة ومايا في الخلف.
أدار محرك القيادة وتحرك ليخرج من بوابة الڤيلا إلى الطريق ويسلك وجهته.
وصلوا بعد حوالي ساعة إلى ذلك المطعم الذي تحمست نارة لرؤية ماذا استطاع صقر أن يفعل في مسألته.
نظرت آسيا لعمر قائلة قبل أن تترجل:
– عمر تقدر تمشي وتاخد العربية معاك وإحنا لما نخلص هكلمك.
أومأ لها فترجلن جميعهن وتحركن تجاه المطعم حيث كان في استقبالهن شخصاً يقف خارجاً دلهن على الطريق.
وصلوا إلى ساحة كبيرة بسقفٍ مغلق وحوائط زجاجية تطل جميعها على النيل الساحر حيث أضواء المراكب السابحة.
ساحة واسعة كانت دوماً ترى صورها عبر الانترنت معبأة بالطاولات الفارهة والمزينة بعناية ورقي ومقاعد تشببها ممتلئة بالبشر،، ولكن ما تراه الآن لم تلمحه في أي صورة بل ما سمعته عن هذا المكان يجعلها لا تستوعب ما تراه،، دوماً عُرف بزحامه وحتى إن تم حجزه لمناسبة خاصة فعليهم الحجز قبلها بشهرٍ على الأقل،، ولكنه حقاً فاجأها.
فالمكان خالي من أي طاولات سوى واحدة فقط تتوسط المكان كله مجهزة كالعروس ليلة زفافها والمقاعد كالوصيفات ملتفين حولها بشكلٍ رائع.
إضاءة هادئة، موسيقى إيطالية رومانسية راقية، وروداً جورية رائعة،، كل شئٍ تم تجهيزه بشكلٍ ممتاز.
بينما يقف هو عند مقدمة الطاولة يرتدي حلّته السوداء القاتمة التى تضخ غموضاً وثراءاً مثله، عينه منكبة عليها وقد سُحر بطلتها تلك، أصبحت نداهته التى يفضل الغرق معها.
تقدم منهن ومد يده لها فناولته يدها مسحورةً بكل ما يفعله،، دنا يقبل يدها بطريقة سربت إليها رجفة كمن لفحتها نسمة هواءٍ في صيفٍ حار.
اعتدل يطالع عينيها قائلاً يتحكم في مشاعره بطريقة أصعب من تحكمه في غضبه:
– هل أعجبكِ المكان وهو خالِ أم تفضلينه مزدحماً؟
افاقت من بعثرة مشاعرها قائلة بإبتسامة آسرة:
– أصبح مبهر عن ذي قبل.
ابتسم لها ثم ترك يدها بهدوء ليرحب بآسيا ومايا اللتان حالتهما بالمكان كحال نارة.
تحركوا إلى الطاولة وجلسوا جميعهم ثم جاء النادل ليترك لهم قائمة العشاء ويبتعد قليلاً إلى أن يقرروا.
بعد دقائق غادر النادل ليحضر طلباتهم.
انشغلت نارة بالنظر إلى النيل والمراكب وتلك الأجواء التى كانت تفتقدها بينما إنشغل صقر بالنظر إليها وآسيا تحدث مايا وتشرح لها معلومات عن تلك المراكب ونظامها بعد أن سألتها.
التفتت نارة تنظر لصقر فوجدته يطالعها بعيون بارقة فابتسمت له قائلة بهدوء:
– يبدو أن حياتُك مليئة بالمفاجآت.
قالتها قاصدة تعجبها من تجهيزه للمطعم في هذا الوقت الضيق ولكن جملتها أخذته لحياته المظلمة التى لا تعلم عنها شئ،، للحظة شعر بإنقباض وضيق، دوماً يتجنب التفكير في رد فعلها إن علمت، دوماً يقنع نفسه أنها لن تعلم بأمره الآن وبالوقت الذي ستعلم فيه ستكون لا تمتلك حق الإختيار في الرحيل،، ستكون مجبرة على البقاء.
لاحظت غياب نظرته عنها وأدركت أنه يصارع فكرةً ما فتابعت لتخرجه منها:
– هل تحب الملوخية مسبقاً مثلي أم أردت تجربتها؟.
استطاعت انتشاله من ظلماته بسؤالها الغريب بعد أن لاحظت طلبه للطعام فنظر لها بتمعن ثم عاد بذاكرته لزمنٍ ودّ لو لم يخرج منه أبداً قائلاً بنبرة متأثرة يغلفها البرود:
_ وقعتُ في عشقها منذ أن كان عمري خمس سنوات،، كانت أمي تحبها وتحضرها بشكلٍ جيد.
ابتسم ابتسامة رائعة نابعة من داخله فهي تثبت له وقوعها في حبه بطريقة غير مباشرة.
دثر يده في جيبه وأخرج علبة صغيرة لونها أحمر قاتم وملمسها كفاكهة الدراق.
فتحها ثم نزع منها هذا الخاتم ذو الماسة البراقة بيده اليمنى ومد لها اليسرى لتناوله كفها الأيمن ففعلت.
تعمق في مقلتيها ثم ألبسها الخاتم في خنصرها بتمهل تحت أنظار آسيا ومايا السعيدتان.
انتهى واعتدل وسحبت هي يدها تنظر للخاتم بإعجاب بينما هو يطالعها قائلاً بغموض مختلط بالعشق:
– مبارك عليكي دخولكِ عالمي أيتها الجميلة.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية العربي
منذ ما حدث أمس وبعد أن خمد غضب سامح قليلاً حاول أن يعتذر من زوجته التي ربما كان وجودها معه وفي حياته ظُلماً لها.
ولكن يبدو أن زينب قررت استعمال وجهاً جديداً لم تجربه قط منذ أن ولجت لمنزله. يبدو أنها حقاً أرادت اتخاذ رد فعل غير مألوف، لذا فهي صامتة منذ ليلة أمس.
ومنذ أن طلب منها أن تغادر وبالفعل نزلت للأسفل وحاولت بحكمتها تبسيط الأمور على كلاً من نهى وعفاف، ومن ثم صعدت هي وصغيرتها واتجهت لتراه. وعندما وجدته نائماً أو يدعي النوم قررت تركه وتحركت إلى غرفة صغيرتها لتنام معها لأول مرة منذ زواجهما.
ويبدو أنه أصيب بالأرق التام، لذا تحرك ليصطحبها بعد أن نامت صغيرته وذهبت معه. ولكن حين حاول سحبها إلى عالمه لم يجد منها تبادل مشاعر، لذا قرر النوم بعد أن عانقها بصمتٍ تام لعل النهار يأتي وتأتي معه السكينة مجدداً.
وحين استيقظ صباحاً لم يجدها في فراشه، حيث استيقظت قبله واتجهت توقظ صغيرتها وتحضر وجبة الفطور وهي في حالة سكون وهدوء لا يبشر بخير. حاول التحدث معها أثناء تناول وجبتهما ولكنها قررت تجاهله، لذا غادر منزله ونزل لورشة عمله وهو يفكر في حالتها، ليجد حلاً سريعاً معها قبل أن تسوء الأوضاع بينهما، فهو لا يفضل أبداً الخصام، يحب احتوائها له ولا يريد سوى الهدوء والراحة، ولكن حقاً يقف عند مسألة شقيقه عاجزاً عن تخطيها.
وها هو يصعد ليلاً إلى شقته بعد يوم عمل شاق ليجدها قد انتهت من روتينها اليومي مع والدته وصعدت مبكراً دون أن تنتظره على غير عادة. دلف شقته يلقي السلام فابتسمت له صغيرته التي كانت على وشك النوم وردت زينب السلام بهدوء.
تحرك صوب الأريكة يجلس عليها وينظر لصغيرته الهادئة ليردف بحنو:
– إيه يا ريما عايزة تنامي؟
أومأت له الصغيرة تردف بحب:
– أيوة يا بابا بس كنت مستنياك.
وقفت تقبله على وجنته ثم تحدثت بنعاس ونبرة طفولية محببة:
– تصبح على خير.
ابتسم لها وعانقها بقوة حانية يردف بحب وتأثر:
– وانتِ من أهله يا حبيبتي.
تحركت إلى غرفتها ووقفت زينب تلحقها فأوقفها بيده التي تمسكت بكفها يردف بهدوء وترقب:
– زينب عايز أتكلم معاكي.
سحبت يدها ببطء من بين كفه وتحدثت بنبرة باردة:
– هنيم البنت وجاية.
تركته وتحركت خلف ابنتها فزفر بضيق وقرر انتظارها في غرفتهما.
عادت له بعد دقائق وتحركت تقف أمام مرآة الزينة لتتهيأ لنومها جواره. كان يستند على ظهر الفراش يتابعها ويتأملها وهي تفعل روتينها الشخصي اليومي. جميلة في عينه تغنيه عن كل النساء، هادئة وناعمة وحنونة امتلكت قلبه وجسده وعقله، يحبها ولكن أحياناً الحياة لا تسير كما نتمنى.
انتهت بعد دقائق ووقفت تتحرك تجاهه ثم جلست مجاورة له وتنفست بعمق لتنظر له قائلة بتساؤل ونبرة جادة لم تصل لعينيها:
– خير يا سامح سمعاك؟
نظر لعينيها بعمق يبحث عن لمعة الحب، يخشى انطفائها ذات يوم، لا يحب ولا يفضل هذا البرود لذا زفر وتحدث قائلاً:
– أنا عارف إني إمبارح اتعصبت عليكي شوية بس غصب عني يا زينب، إنتِ عارفة موضوع البني آدم ده بيحرق دمي، خصوصاً لما عرفت أن أختي اللي بعتبرها بنتي راحت له، كنت هتجنن، متزعليش مني.
سحبت شهيقاً قوياً ثم زفرته ونظرت لعينه بتمعن ثم قالت بملامح يغلفها الجمود برغم قلبها النابض بعنف من قوة حبه:
– وطبعاً مطلوب مني كالعادة إني أطبطب وأقول ولا يهمك يا حبيبي وحصل خير واطيب وجعك، مش كدة يا سامح؟
قالتها بنبرة مضاعفة ليتعجب منها. نعم كان ينتظر منها كلمات التسامح التي دوماً تغرقه بها، كان ينتظر كلمات الحب والإحتواء الذي هو بحاجتهم الآن، ولكن يبدو أنها حقاً وصلت إلى مرحلة يخشاها.
لتكمل حديثها وهي تنظر له بقوة قائلة:
– وأنا فين يا سامح؟ أنا وجودي إيه في حياتك؟ أنا موجودة بس علشان اطبطب عليك وأشيل وجعك واتحمل كلام طنط عفاف واطيب خاطر نهى واتحمل كرهك لأخوك؟ أنا فين من حياتك يا سامح؟ حقوقي فيين؟
صدمة حديثها، هل حقاً تبحث عن حقوقها معه؟ هل هي تعطى لهذه العلاقة أكثر مما تأخذ؟ وماذا عن حبه؟ ماذا عن….؟
يبدو أنها محقة، ربما ما يفعله معها هو واجبه تجاه علاقتهما. ربما حبه واهتمامه بها ودفاعه عنها كل هذه أموراً مفروضة عليه، لذا تحدث بتشتت وتيه وخوف من حالتها قائلاً:
– إنتِ كل حاجة في حياتي يا زينب؟ إنتِ وريما كل حياتي، بس أنا بحب أشاركك تعبي، بحكيلك على أي حاجة مزعلاني أو مفرحاني لإنك نصي التاني، مكنتش أعرف إني فارض نفسي عليكي أوي كدة.
التمعت عينيها بالدموع وقالت بنبرة متحشرجة وهي على وشك البكاء:
– إمبارح أنا جيت وراك علشان تشاركني تعبك، جيت أتكلم معاك ونحكي لإنك نصي التاني، بس إنت حكاية صقر عامية قلبك وعيونك يا سامح، والنقطة دي بدأت تعكر حياتنا، لأول مرة أحس أني غريبة عنك، أول مرة أحس إني قليلة أوي لما قلتلي إنزلي.
قالتها بضعف وكأنها كانت ترتدي قناع قوة وسقط، لذا فهو لم يتحمل ما أصابها فأسرع يسحبها إليه ويعانقها بقوة وخوف وندم. لا يجب أن تصل بأفكارها إلى تلك النقطة، هي مركز حياته وإن شعرت أنها مهمشة فمؤكد هذا خطأه.
ليعتصرها بقوة ويردف بصدق وحب:
– حقك عليا، عمرك ما كنتِ غريبة أبداً، أنا بس كنت خايف عليكي من حالتي، أنا كنت مخنوق أوي ولقيتك بتدافعي عنه ومتحملتش.
مستكينة داخل صدره ولكن عيونها تبكي، أجهدها هذا الوضع، منذ أن تزوجته وماضيه يعيق سعادتهما.
ليكمل حديثه بنبرة مؤثرة:
– خلاص يا زينب أوعدك إني مهتكلمش في موضوع صقر ده تاني، ولا هفتحه وهسيب نهى تعمل اللي يريحها، المهم متزعليش.
ابتعدت عنه قليلاً تعاود النظر لعينه وقالت بهدوء وتروي:
– أفهمني يا سامح لو سمحت، مش ده اللي أنا عايزاه، أنا نفسي تفهمني وتفكر في كلامي، نفسي تسيبني أشيل النقطة السودة اللي جواك دي، خليني أحاول.
عاد يسحبها له ويتحدث كما لو كان اتخذ قراره:
– لاء يا زينب، من هنا ورايح مافيش نقط سودا أصلاً، خلاص أنا مش عايز لا فلوس ولا ورث ولا انتقام، هنمحي كل ده ونكمل أنا وانتِ وريما وكل واحد يعمل اللي هو عايزه.
تنفست بعمق واستكانت عند موضع أنفاسه. هذا الوضع ليس تماماً ما تريده ولكن لتتقبله مؤقتاً، لذا لفت ذراعيها حول خصره تبادله أخيراً ليزفر براحة وينحني يقبل جبينها بقوة ويعتصرها بتملك وراحة. يمكنه التنازل عن كل شئ سواها، ليس بعد أن أتت ورممت جروحه.
بعد دقيقتين ابتعد عنها إنشاً واحداً يطالعها بعيون عاشقة ومشاعر تستيقظ حباً لها. بادلته النظرات والمشاعر لينحني يلتهم شفتيها في قبلة ناعمة، قبلة تشرح لها مدى عشقه وخوفه واحتياجه لها. دوماً ما كانت لحظاتهما تلك تشرح لها كم هو يحبها، تؤكد لها صدق حديثه لذا تستقبل كل مشاعره بمشاعرها الحنونة التي تنسيه أياماً وسنيناً عجاف، تجعله يجرب حياة سليمة لم يعيشها في طفولته، تشعره كما لو كان طفلها المدلل ليعطيها مكافأة تلك المشاعر والتي لم تكن سوى الوصول لقمة سعادتها.
في ذلك الوقت في المطعم المجهز. وبعد الإنتهاء من تناول الطعام. بدأ صقر يتحدث عن تنظيمات الزفاف حيث أراده بعد شهر واحد من الآن، ولكن اعترضت نارة بشدة على هذه المدة وبدلاً عن ذلك ستستمر خطبتهما عدة أشهر حتى يستطيعان دراسة طباعِ بعضهما جيداً. وأيدتها في هذا القرار والدتها وحتى مايا كانت مثلهما، لذلك أُجبر صقر ولأول مرة على القبول، أجبر ليستمر في إظهار رقيهُ وتفهمه. كان يخطط لسرعة الزفاف قبل أن يعلم ميشيل ولحتى يضمن وجودها معه، ولكن الآن ليس عليه سوى الرضوخ لرغبتها لهذا عليه تنظيم أموره بشكلٍ آخر لتناسب طلبها هذا.
انتهوا من اتفاقهم لذا هاتفت آسيا عمر ليأتي إليهم وبالفعل أتى خارجاً. فوقفت هي ومايا تردف برتابة:
– عن إذنكوا، أنا هروّح أنا ومايا وإنتوا اتكلموا شوية مع بعض، وميرسي يا صقر على العشا اللذيذ ده.
وقف صقر يودعهما بينما نظرت آسيا لنارة قائلة:
– نارو أبعتلك عمر بالعربية يوصلك؟
احتدت ملامح صقر وتحدث بنبرة متملكة وثبات:
– لا داعي سيدة آسيا، أنا هنا سأوصلها آمنة بعد قليل لا تقلقي.
نظرت له آسيا بترقب ثم نظرت لنارة التي أومأت لها بإطمئنان فودعتهما وغادرت مع مايا للخارج حيث ينتظرهما عمر.
عاد صقر يطالع نارة بتعمن ثم تحدث قائلاً بنبرة متلهفة يغلفها الثبات:
– أرى في عينيكِ الكثير من الأسئلة، هي أخبريني.
قالها وهو يعود للخلف ويستعد لإستجوابها بترحاب فأُعجبت بذكاؤه في فهمها وأومأت تقول دون مراوغة:
– حسناً لأبدأ من حيث الترتيب الزمني إذاً، لقد رأيتُ أول أمس إمرأة تخرج من فيلتك باكية، ولأول مرة يغلبني فضولي ولكن أعتقد أنني أستحق التفسير.
زفر بقوة، يعلم أنها رأتها ورأى ذلك عبر كاميرات المراقبة بعد أن تفحصها ليلاً، لذلك سيخبرها فهذا ليس سراً وعليها أن تعلم لذلك قال:
– إنها شقيقتي، في هذا اليوم رأيتها للمرةِ الأولى، علمت بقدومي فأتت.
تفاجأت من حديثه مرددة:
– شقيقتك؟ كيف؟ هل لديك أشقاء؟
تحدث بثبات:
– نعم لدي أخ وأخت من والدي، والدتهما مصرية، ولكني لم أراهما أبداً، طفولتي معقدة قليلاً، سأخبركِ عنها في كل لقاء.
تحلت بالهدوء وسبحت قليلاً بأفكارها ثم عادت تتسائل بترقب:
– ولمَ كانت تبكي؟ هل أحزنتها؟
تبدلت ملامحه الهادئة بأخرى قاسية وهو يردف بنبرة جليدية:
– كبرتُ دون أشقاء في أقسى الظروف والآن لم أعد بحاجة لشخصٍ يدعي الحب والحنان الزائف.
نظرت له برأفة برغم جليد صوته، إنه يعاني من فقدان الثقة وهي مشكلة كبرى، وهذا يبرر لها رسالته أمس، ولكن هل تستطيع التعامل مع تلك الصفة؟
تحدثت في محاولة منها لتحريره من نظرية المؤامرة التي يتبعها قائلة:
– ولكني أعتقد أنها صادقة، لقد رأيت أحدهم ينتظرها خارجاً، لو كانت تدعي الحب الزائف لجاءت إليك مع من كان ينتظرها ولكنها دلفت إليك بمفردها ثم ركضت مسرعة تبكي، أعتقد أن بكائها ناتج عن صدمتها في استقبالك لها، هي توقعت أن تبادلها نفس الشعور، أظنها تحبك حقاً.
استطاعت أن تجعله يتراجع حقاً عن نظريته بل ويفكر هل حقاً شقيقته يمكن أن تحبه؟ ولكن كيف تحبه وهي لم ترهُ أبداً؟ هذا ليس منطقي، هو لا يؤمن بالمشاعر عن بعد.
تابعت وكأنها تجيبه على ما يدور في عقله:
– يمكن أن تتأكد من ذلك، إن كانت تحبك بصدق ستحاول دائماً الوصول إليك والسؤال عنك دون التطرق لمواضيع اخرى، إن كانت تحبك ستتجاوز ما حدث ولكن في المرة المقبلة إن رأيتها لا تحزنها، لا تكن سبباً في دموع أحدهم.
تعمق في ملامحها قليلاً وجملتها تتردد على عقله، (لا تكن سبباً في دموع أحدهم!). وجد أنه سيغرق في دوامة أفكار يبغضها لذا قرر تغيير مجرى الحديث حيث قال:
– دعك من هذا الأمر وأخبريني لمَ أردتِ مد فترة الخطبة؟ أعتقد أنه لا داعي لذلك.
نظرت له باستنكار مرددة:
– لا داعي لذلك؟ لا داعي لأن يستكشف كلٍ منا الآخر؟ حسناً حينها لا داعي للزواج أيضاً.
تفحصها بثقب ثم تحدث بثبات ظاهري:
– أمنية العاشق الإجتماع بمن يحبهُ وأمنية العاقل استكشاف من يحبهُ، إذاً كلانا على صواب، ولكن لأخبركِ شيئاً، يمكن أن تكتشفيني في تلك الجلسة ولستِ بحاجة أشهر لذلك، فقط عليكي توجيه الأسئلة الصحيحة وسأجيبكِ بكل صدق، وإن كان الكذب طريقي فلن تكتشفيني لو مر على خطبتنا مئة عام.
اقنعها بحديثه، فهو محق في ذلك، حقاً هو غامض ويصعب كشف شخصيته، ولكنها ليست من النوع المتسرع في قراراتها، هي متمهلة وتعطي لكل حدثٍ مساحته، لذا قالت برتابة وهدوء:
– أؤيد حديثك ولكن دعنا لا نتسرع، فلنقل أنه الأنسب بالنسبة لي.
برغم ضيقه ورغبته في إتمام الزواج بأسرع وقت، وسيفعل إلا أنه أومأ قائلاً:
– حسناً لكِ ما تشائين.
أومأت بارتياح ثم سحبت شهيقها لتبدأ في شرح ما رتبته ليلة أمس قائلة:
– والآن أريد أن أخبرك أمراً عنى، ربما أبدو غير ملتزمة وربما ارتدي ملابس لا تمثل ديني ولكني أحاول أن أستقيم، أسعى لذلك حتى وإن كان سعيي بطيئاً، ولهذا فأني لم أتطرق إلى أي علاقة مسبقة تماماً حتى وإن كانت مجرد إعجاب، قضيت سنوات دراستي أتجنب العشق والوقوع به وأركز فقط على هدفي الأساسي وهو أن أصبح في يومٍ ما أديبة ذات سمعة طيبة، ولكن جئتُ أنت وخالفت قانوني بأفعالك التي استطعت من خلالها التأثير على حواسي، ويبدو أنك لصاً ماهراً فقط تسللت إلى مشاعري بأفعالك التي كنت أقرأها في القصص الرومانسية، ولهذا فأنت أول اللصوص الماهرين في حياتي.
– وأخرهم.
نطق بها بثقة وحزم وسعادة، نعم هناك شعورٍ حديث الولادة يراوده، حتى أنه لا يعلم أن هذا الشعور هو السعادة فهو يجهلها ولكن يفسره كمن لا يحكمه قوانين ولا قيود، كالصقر الحر في سماء صافية، شعور كما لو كان تحرر في حياته المظلمة تلك.
أما هي فقد رأت الغيرة والتملك في عينه وهذا ما يريده تماماً، لو إستطاع حتى أن يقيدها ويأسرها بنظراته لفعل، زفرت مطولاً ثم عادت تتحدث بعد تبادل تلك النظرات قائلة:
– إذا فليكن بيننا معاهدة ثقة، أنا أثق بكَ وأنت تثق بي.
مد يده اليمنى لها فتوترت لثواني ثم ناولته كفها الأيمن فقبض عليه بحنو يردف بنبرة مؤثرة:
– اتفقنا جميلتى.
ابتسمت بخجل وحاولت سحب يدها من قبضته ولكنه تمسك بها ورفع يده يشير لأحدهم فعادت الموسيقى تلطف الأجواء فقال بترقب:
– أتسمحين لي؟
هل يتعمد وضعها في موقف حرج أم أن ما قالته لا يستوعبه بعد؟ كيف سترقص معه، ستخجل حتماً خصوصاً في هذا المكان العام، ثم أنه ما زال غريباً بالنسبة لها.
طال صمتها فنزع يده بهدوء يتناول كأس الماء المقابل له ويرتشف منه جرعةً تهدئ من ثورة غضبه الذي لمحته في نظرته فتحدثت بتروي وشفافية:
– بحثتُ عن أصغر تفاصيلي وعلمت صفاتي وكل ما أحبه وأكرههُ فكيف لا تعلم أنني أخجل؟
لانت ملامحه قليلاً، حسناً لقد علم تلك الصفة أيضاً ولكنه لم يتخيل أن تصل بها إلى هذا الأمر البسيط، بالنسبة له.
نظر للنيل قليلاً ثم عاد إليها متسائلاً بترقب:
– إذاً، هل نذهب في رحلة نيلية على متن قاربٍ أم أيضاً ستخجلين؟
لفت نظرها تتعمق في النيل، يبدو أنه قرأ أفكارها فهذا ما كانت تفكر به منذ قليل لهذا عادت له تبتسم قائلة:
– ليس لدي أي مانع.
أزاح مقعده للخلف ووقف ثم اتجه لها ومد يده بحب وبطريقة رومانسية راقية قائلاً:
– إذا هيا جميلتي.
ناولته كفها ووقفت معه وتوجها معاً إلى درج في نهاية المطعم وسط ذهولها، نزلا معاً حتى وصلا سوياً إلى رصيف صخري مؤدي للنهر، ترتكز عنده عدة مراكب شراعية وقوارب بموتور ولكن من بينهم يوجد قارباً واحداً مميز وأنيق عن غيره.
قفز صقر على متنه بسهولة ومد يده لها فناولته يدها بانبهار من ما تراه وخطت داخله ثم جلسا سوياً يقابلان بعضهما ثم تحرك بهما المراكبي في رحلة نيلية قصيرة.
حولهما الأضواء تنعكس على المياة فتبدو كنجوم سابحةٍ في الفضاء وهما ينظران لبعضهما، ينظر لها بعينِ السعادة والراحة وهي تنظر حولها باندهاش وحالمية.
جالا النيل بالقارب سوياً واستمتعا إلى ما يقارب النصف ساعة، دار بينهما حديثاً عن حياتهما في إيطاليا، تفاصيل عنها يعلمها مسبقاً وتفاصيل عامة عنه كحياته العملية وأفراد عائلته الذين يتجنبهم إلا ماركو المقرب له.
عاداً إلى المرسى أسفل المطعم واستقر القارب فعبر صقر وساعدها لتعبر من عليه ثم صعدا سوياً إلى المطعم ليأخذ صقر سترته ويغادران المكان ولتستقل معه نارة السيارة ويغادرا عائدان إلى منزليهما.
في ذلك الوقت كانت آسيا تستريح في غرفتها بعد أن عادت بينما قررت مايا النزول للحديقة لترى قطة عمر.
بالفعل وصلت إلى ملحقه الخاص وطرقت بابه بخفة عندما وجدت النافذة مغلقة، فتح الباب فوجدها فتساءل بترقب:
– خير يا آنسة مايا؟
تحدثت وعينيها تجول داخل الملحق بتفحص:
– فين القطة بتاعتك؟
التفت يناديها ولكنه وجد من تسرع للداخل لتأخذها قبل أن يستوعب، صُدم من فعلتها حيث وجدها تقف في منتصف الصالة تحمل القطة وتملس عليها بنعومة.
كانت ترتدي منامة حريرية أيضاً ولكن بسروال طويل يغطى ساقيها.
تذكر شيئاً ما كان قد نوى فعله لذا تحرك لغرفته بعد أن ترك الباب مفتوحاً.
عاد بعد قليل يقف أمامها وهي تدلل القطة فانتبهت له فتساءلت بنظراتها.
مد يده يخرج من جيبه قطعة من الشوكولاه غير مغلفة ويناولها لها فتعجبت منها ونظرت لها بتردد ثم رفعت رأسها تطالعه متسائلة:
– إيه دي؟
هز منكبيه قائلاً يدعي البراءة:
– دي شوكولاتا، طعمها حلو جربيها.
انكمشت ملامحها باشمئزاز قائلة وهي تعود للخلف خطوة مع قطتها:
– نو، شكراً مش عايزة، هو إنت شاريها كدة أصلاً؟
ابتسم قائلاً بمكر:
– أيوة، واثق منها متقلقيش.
نظرت للشوكولاتا في يده بتردد ثم هزت رأسها برفضٍ تردف:
– لاء ميرسي مش عايزة.
تركها وتحرك لغرفته ثم عاد مجدداً يمد يده بأخرى مغلفة بعناية قائلاً بترقب:
– طيب اتفضلي دي.
نظرت له بشك وحملت القطة على يد واحدة وبالأخرى تناولت الشوكولاتا تتفحصها وعندما تأكدت من تغليفها جيداً نظرت له بعدم فهم متسائلة:
– انت تقصد ايه؟
ابتسم قائلاً بمراوغة:
– أبداً، بس الغلاف مهم لصلاحية المنتج، ولا إيه؟
قالها وهو يترقب ملامحها فشردت قليلاً تحاول فهمه ولم تفعل، بينما هو تحرك للخارج ليجلس في الحديقة فتركت القطة تقفز من يدها وتركض خلفه ووقفت هي ثابتة تحاول استيعاب لعبته إلى أن استشفت مقصده ففرغ فاهها وشردت تفكر في الأمر، يستحيل أن تأكل شيئاً مكشوفاً لا تعلم مصدره، مؤكد سيكون غير صالحاً، ولكن هي ليست شوكولاتا، هي غير قابلة للالتهام، هي لا تقبل هذا التشبيه، لذلك أسرعت للخارج تقف أمامه وهو يمسد على فراء قطته وينتظرها.
رفع نظره إليها مبتسماً فوجدها غاضبة تردف بحنق:
– أنت تقصد تشبهنى بالشوكلت صح؟ أحب أقولك أنى إنسانة مش سلعة، تشبيهك غلط جداً على فكرة.
وقف يحمل قطته ثم هز منكبيه يردف قبل أن يخطو داخل ملحقه:
– انا مقصدش حاجة، أنتِ حرة في اختياراتك، لإنك زي ما قلتي إنسانة مش سلعة.
تركها ودلف وأغلق الباب ووقفت هي تنظر لأثره غاضبة منه ومن نفسها ومن الجميع.
في منزل نهى تجلس بين طفليها يشاهدون التلفاز بينما هي شاردة تفكر في شقيقيها، شقيقها الذي عاملها بجفاء وظنها طامعة وسامح الذي حزن منها ولكن طمأنتها زينب قليلاً.
يشغلها صقر الذي يشبه والدها كثيراً ولكن يمتلك ملامح قاسية، ترى من أوصله إلى تلك النقطة؟ وهل سينتهي سعيها معه هنا؟ عليها أن تثبت له أنه مخطئ في استنتاجه، عليها أن تحاول مجدداً معه وتظهر حسن نيتها وحبها له، ربما تربى بشكلٍ سئ جعله لا يثق بأحدٍ، هي لا تعلم ظروف نشأته، لتحاول مجدداً إن كانت حقاً تحبه.
خرج محمود من الحمام يتجه إليهم بعدما انتهى من تبديل ملابسه وجلس بينهم ينظر لملامح زوجته الشاردة ثم تحدث متسائلاً برغم عمله بما يشغلها:
– مالك يا نهى بتفكري في إيه؟
نظرت له بحنو ثم نظرت لطفليها المشغولان بمشاهدة افلام الكرتون ثم قالت بنبرة هادئة:
– حاسة إن المفروض أحاول تاني مع صقر يا محمود، الرابط اللى بينا أقوى من كدة، معقول بعد السنين دي كلها وأنا نفسي اشوفه واتعرف عليه ينهد كل ده بسبب مقابلة مقالش فيها كلمتين على بعض؟ حتى لو هو فاهم غلط أنا لو بعدت عنه هأكدله إني كنت رايحاله طمع، المفروض إنى أحاول تانى معاه يامحمود، صح ولا أنا غلطانة؟
نظر لحزنها وحيرتها، هو حزين على حالها ولو ترك الأمر له لما أرسلها مجدداً أبداً، ولكن يشعر أنه مكلف بتحسين علاقتها بأخيها، ربما لأن هذه رغبتها منذ سنوات، لذلك تحدث بتعقل:
– معنديش مانع تجربي تانى يا نهى لو ده هيريحك، بس تفتكري هيفرق معاه؟ إفرضي زعلك تانى؟
تحدثت بهدوء قائلة:
– أنا بس هحاول أشرحله تفكيري أنا ومش هنتظر منه أي حاجة، هقوله على اللى جوايا وهمشي، يمكن يصدقني، أنا حاسة إن جواه حزن كبير أوي، أنا كنت مفكرة إنه إتجوز وخلف بس ده لحد دلوقتي عايش لوحده.
أومأ محمود وشرد يفكر ثم تحدث باقتناع:
– معاكى حق يا نهى، بس خلينا منستعجلش بردو، اصبري كمان يومين كدة وحاولي تانى، بس لو المرة دي زعلك يبقى تنسيه تماماً، كدة إنتِ عملتى اللى عليكي وزيادة وهو الله يسهله بقى.
أومأت له ثم تمسكت بيديه تردف بامتنان وحب:
– شكرا يا محمود، شكرا إنك معايا وبتدعمني، سامح أول ما عرف إنى روحتله اتعصب عليا وزعل منى، بس أنا حاسة إنى هقدر أرجع صقر لينا ويبقى بينه وبين سامح ود، صقر في الأول والأخر أخونا حتى لو اتربى بعيد عننا، لازم أحاول تاني.
وصل صقر أمام منزل نارة وأوقف سيارته ثم التفت لها يردف بتفحص:
– هل نذهب صباحاً لتناول الفطور سوياً؟
فكرت قليلاً ثم نظرت له قائلة:
– حسناً ليس لدي مانع، ولكن لا تعتد على ذلك، أنا لا أفضل اللقاءات المتكررة.
تعمق فيها وفي طباعها، مع كل موقف يكتشف بها أموراً جديدة تثير تعجبه لذا تحدث بغرور قائلاً:
– هذا كان قبل أن تقابليني، ومن الآن وصاعداً ستطلبين أنتِ لقاءاتي المتكررة.
ابتسمت عليه وعلى غروره ثم تحدثت وهي تستعد للنزول:
– تصبح على خير.
مد يده يوقفها حيث تمسك بيدها فعادت تلتفت إليه لتطالعه بترقب وتعجب ولكنها وجدته ينحني عليها يود تقبيلها فابتعدت فجأة تردف بصدمة وهي تدفعه:
– توقف.
وبالفعل تثبت مكانه ينظر لها بثقب ثم نظر للمكان من حوله فلم يجد أحداً فعاد إليها يقول ساخراً:
– لا داعي للخجل، نحن بمفردنا الآن!
اغمضت عينيها حتى لا تغضب، حسناً يبدو أن أمامها الكثير لتشرحه له، عادت تنظر له ثم تحدثت بهدوء عله يفهم عليها:
– نحن لسنا بمفردنا صقر، ثم أنى عندما أخبرتك أنني أخجل كان هذا ليس بسبب أشخاص حولنا، ولكن خجلي نابعاً من نفسي، تلك الأمور لا تجوز بيننا الآن، لنتمهل إلى أن نصبح زوجين، أتمنى أن تتفهمني حتى نكون متفقين دوماً، من الآن وصاعداً سيكون بيننا حدود.
يجلس يستمع إليها ثابتاً مكانه، ينظر للا شئ أمامه، كل ما قالته لم يزده إلا غضباً، لم يعتد الرفض ولا الأوامر أبداً، لا يقبل أصلاً هكذا احتمال، كل ما تقوله بالنسبة له هراءاً وغير مقنعاً خصوصاً بعدما ألبسها خاتم الخطبة ويجد أن له الحق في تقبيلها على أقل تقدير، ولكن رفضها كان كصفعة وهو لم يصفع أبداً ولم يتجرأ أحدهم على فعلها.
لم ترى عينيه وهذا جيد ولكن قبضته حول طارة القيادة وبروز عروق يده أكد لها شدة غضبه وهذا آثار دهشتها، لا يحق له أن يغضب من هذه الأمور، ولكنها قررت تركه يصارع أفكاره لربما فهم عليها.
لفت تفتح الباب وتترجل ثم أوصدته بهدوء والتفتت تغادر دون المزيد من الحديث.
اختفت عن مرمى بصره فرفع عينه ينظر لأثرها نظرة حادة مخيفة ثم تحرك بسيارته إلى منزله وكل الذي قفز إلى عقله أنها رفضت قبلته وأمرته بإقامة حدود منذ بداية ارتباطهما.
بعد ساعة نزل صقر إلى حديقة منزله حيث حمام السباحة.
توقف على حافته وخلع مأزره ليسقط أرضاً، وقف ينظر للمياه ثم قفز بمهارة داخلها حيث ظن أن بإستطاعتها إبتلاع موجة غضبه الذي يتأجج داخله الآن.
ترك نفسه للمياه تبتلعه دون مقاومة حتى وصل لقاع المسبح وجلس كأنه يتكئ في أرض ملعب كرة قدم وليس مسبح وتغمره المياه، كل ما يتردد على عقله كلمتها حينما دفعته قائلة (توقفي).
تلك الكلمة التي ظنتها بسيطة أعادت إليه شريط حياته كاملاً، حياته المظلمة التي يعيشها، أموره الخفية التي لا تعلم عنها شيئاً ويحاول بصعوبة أن يظهر لها أفضل وجوههُ رقياً حتى لا تُفجع، بات يخشى عليها من غضبه بعدما كان أكثر ما يخشاه هو علم ميشيل بها.
لقد وصل إلى مستوى أنه أصبح هو حاكم الغابة الذي يعطي الأوامر للجميع دون اعتراض فكيف تأتي هي وتعطيه أمراً بالتوقف؟
متعجباً من حالته معها، متعجباً من حبه لها، لا يعترف بأن حبها يضعفه ويبرر أنه يسايرها فقط، لذا فعزاؤها الوحيد هو جهلها بهويته الحقيقية، نعم لربما تظن أن باستطاعتها توجيهه إلى ما تريده.
لا يعترف بكل ما قالته ولا يقتنع به خصوصاً بعدما ألبسها خاتم الخطبة وأصبح الأمر رسمياً، ولكن ليهدأ وليتروى إلى أن يصل لمبتغاه، حينها سيكون لكل مقامٍ مقال.
أحس أن رئتيه على وشك الإنفجار فأسرع يقفز بقدمه ليسبح للأعلى حتى وصل لسطح الماء ليلتقط أنفاسه بقوة ويهدأ أخيراً ثم ابتسم إبتسامة خبيثة وبدأ يسبح بهدوء ذهاباً واياباً وسط المياه الباردة غير مبالياً بحرارة جسده وبالبرودة من حوله.
أما هي فتجلس متمددة على سريرها تنظر لسقف غرفتها وتفكر، اليوم لم تقرأ كتاباً كعادتها فيبدو عليها الإرهاق بعد عودتها، لربما حصلت على قدر كافٍ من السعادة الحقيقية فلم تعد بحاجة سعادتها الخيالية اليوم.
ولكن عقلها مزدحماً بالأفكار في عدة أمور محورها هو، غموضه، ثقته الزائدة بنفسه، فصاحته وقوته وغضبه الذي رأته مقيداً منذ قليل، سبحت بأفكارها للبعيد تتخيل هل يمكن يوماً أن يحرر غضبه هذا ويتسبب في أذيتها؟ أم أن قوة حبه لها ستكون درعاً واقياً من غضبه؟ عليها أن تبحث عن الإجابة خلال فترة ارتباطهما وقبل أن تصبح زوجته رسمياً، لتعيش معه الحب ولكن لتجعل عقلها ينظم قصة حبهما.
زفرت مطولاً ثم التفتت على يمينها تحتضن وسادتها الناعمة وتنام على الفور.
في اليوم التالي تململت نارة عندما أنبهها رنين هاتفها على اتصالاً من أحدهم، ظنته صقر يوقظها ليفطرا سوياً كما قال لهذا مدت يدها تلتقط الهاتف وتجيب بعيون ناعسة لا تتضح الرؤية بيهما قائلة بنعومة:
– ألو؟
أجابتها خديجة بمرح:
– سلام عليكم يا نارو هانم، شكلك كنتِ سهرانة إمبارح، يالا فوقي علشان نويت أخدك معايا النادي.
استفاقت بعد أن استمعت لصوت خديجة واعتدلت تردف بترقب:
– ديچا! هي الساعة كام دلوقتي؟
اجابتها خديجة بهدوء:
– الساعة ١١ يا نارو، يعنى اتاخرتي في النوم، يالا فوقي علشان تيجي معايا.
تنهدت نارة بحرج ثم أردفت معتذرة:
– أنا أسفة يا ديچا، مش هينفع لأن صقر عازمني على الفطار دلوقتي.
تحدثت خديجة بهدوء وتفهم برغم يقينها بأن خروج نارة مع صقر لا يجوز ولكن لتتحدث معها بهذا الخصوص في وقتٍ لاحق لذا قالت:
– تمام يا نارو ولا يهمك، خلاص يا حبيبتى تتعوض وقت تاني، يالا أسيبك تفوقي علشان تلحقي مشوارك، في رعاية الله.
زفرت بإرتياح لتقبلها للأمر قائلة:
– مع السلامة.
أغلقت معها ونظرت لهاتفها لربما هاتفها أثناء نومها ولم تسمعه ولكن لم تجد شيئاً لذلك مطت شفتيها ووقفت متجهة للحمام لتبدأ يومها وتنتظر إتصاله كما أخبرها أمس.
في الحديقة تجلس مايا على المقعد وأمامها لوحة رسمٍ بيضاء معلقة على حامل خشبي وها هي تنوي رسم تلك القطة الجالسة على العشب حتى أنها ناولتها كرات صغيرة لتتلاعب بهم يتسنى لها رسم تلك المنظر المفضل لديها.
بدأت بالفعل تحدد خطوط رسمتها باندماج وتركيز في هذا الجو الرائع.
بينما عمر كان قد ذهب ليرى السيدة لبنى ويطمئن عليها.
وآسيا تجلس ترتشف قهوتها على طاولة مقربة من مايا تراقبها بصمت وسعادة فيبدو أنها تعود لنشاطها رويداً.
بعد ساعتين تعجبت نارة من عدم إتصاله، اتجهت لشرفتها لتتفقد شرفته من خلالها ولكنها وجدتها مغلقة ولا يظهر منها شئ.
فكرت قليلاً هل تهاتفه هي لتطمئن أم تتجاهل، قررت تجاهل الأمر فيبدو أنه غاضباً منذ ليلة أمس وفي تلك الحالة هي ليست مخطئة في أي شئ، فليفعل كما يحلو له.
وبالفعل مر اليوم كاملاً دون أن يهاتفها حتى أو يظهر في الأرجاء.
في اليوم التالي. أيضاً لم يظهر أو حتى يراسلها، لذلك تخلت عن قرارها وقررت الإطمئنان عليه وإن كان هذا رد فعل لما حدث وقتها ستأخذ موقفاً جاداً ولكن لتطمئن أولاً.
لذلك تناولت هاتفها وحاولت الإتصال به فوجدت هاتفه مغلقاً وهذا ما آثار ريبتها وتعجبها.
حل المساء وغابت الشمس وزيّن القمر السماء ولم يظهر أيضاً حيث ظلت تراقب شرفته، لتقرر الذهاب لڤيلته وسؤال الحرس عنه.
تحركت بالفعل حتى وصلت إلى ڤيلته فوجدت ثلاثة من الحرس يقفون متفرقين.
اتجهت لأحدهما وتحدثت متسائلة بترقب:
– صقر فين؟ عايزة أشوفه.
تحدث الحارس المصري باحترام لعلمه هويتها قائلاً دون النظر إليها:
– صقر باشا من أول إمبارح مطلعش برا الڤيلا.
صُدمت من إجابته الباردة فقالت معنفة نظراً لبروده:
– يعنى إيه من أول إمبارح مطلعش برا الڤيلا؟ وانتوا إزاي متدخلوش تشوفوه؟
تحدث الحارس بثبات:
– دي أوامر الباشا ومحدش يقدر يخالفها يا هانم.
وقفت تنظر له بذهول، أي أوامر تلك التي تمنعهم من رؤيته والإطمئنان عليه، الآن تشعر بالندم.
حاولت التحلى بالهدوء، ولكن هناك شعوراً سيئاً يراودها لذا حسمت أمرها وقالت بحدة:
– إفتح البوابة.
أومأ يطيعها وفتح البوابة بالفعل وعبرتها تتجه للداخل وهو يتبعها حتى وصلت إلى باب الڤيلا وطرقت عليه عدة مرات ولكن لا رد وهذا أكد شكوكها وتفاقم قلقها لذلك نظرت له بقوة قائلة:
– معاك مفتاح؟
هز رأسه بلا فزفرت بضيق واتجهت تخطو للإتجاه الخلفي من الڤيلا حيث الباب الزجاجي المطل على المسبح ولكنها وجدته موصوداً أيضاً.
وقفت حائرة تفكر ثم نظرت له قائلة:
– ينفع تكسره؟
وقف متردداً بخوف من رد فعل سيده الذي مؤكد لن يرُق له ما حدث، والأدهى أن عصيانها أيضاً لن يرُق له، لذا هو لا يعلم أي الخيارين أرشد.
وعندما طال شروده نظرت حولها فوجدت على مسافة مقربة شواية طعام معلقاً بها عدد من السيوخ فأسرعت تخطو تجاهها وتلتقط إحداهما وتعود للباب الزجاجي قاصدة كسره فأوقفها الحارس قائلاً بتوتر:
– ثوانى يا هانم، أنا هكسره.
توقفت وناولته السيخ الحديدي الذي استطاع كسر الباب الزجاجي به وفتحه لها فعبرت للداخل بحذر بعدما تناثر الزجاج أرضاً، مرت ونظرت له ولكنه خشى أن يعبر مثلها فحدوده فقط الحديقة.
أما هي فتركته وخطت للداخل تنظر حولها بحذر وتنادي عليه ولكن لا رد، المكان هادئ يضخ بالفخامة والغموض كشخصيته تماماً.
نظرت للدرج ولم تجد مفراً من الصعود للأعلى والتوجه إلى غرفته التي علمت مكانها من تصميم الڤيلا الذي يشبه تصميم ڤيلتها مع اختلاف بسيط في الديكور وبالطبع الأثاث.
توقفت عند باب غرفته تطرقها وتنادي بحذر وتوتر قائلة:
– صقر، إنت سامعنى؟
لا رد ولا تفكير لديها فأسرعت تقتحم الغرفة لتجده ممتداً على فراشه ذاهباً في نومٍ كهفي عميق.
نظرت له بصدمة وأسرعت إليه تنظر لملامحه ثم وضعت يدها على جبينه تتحسه وما حسبته وجدته حيث كانت حرارته مرتفعة جداً ويبدو أنه يعاني من حمى حادة نتجت عن مكوثه في المياه الباردة لوقتٍ طويل.
شهقت وآلمها قلبها حزناً على حالته ووحدته وحاولت إفاقته قائلة بنبرة متأثرة:
– صقر رد عليا، صقر سامعني؟
فتح عينه يطالعها بنصف عين وببطء شديد وإعياء تحدث مبتسماً كأنه يردد كلمتها الأخيرة التي لم تتزحزح من عقله:
– توقفي.
عاد لنومه مجدداً فزفرت ووقفت حائرة تنظر له بشفقة ثم قررت الولوج إلى حمامه وملء حوض الإستحمام بالمياه الباردة فلن تقف هكذا وهي تراه في تلك الحالة المزرية.
خرجت مسرعة ونزلت للأسفل لتطلب المساعدة من هذا الحارس أو من غيره.
ولكن ما إن وصلت إلى الحديقة حتى تفاجئت بتلك السيدة التي رأتها مسبقاً والتي علمت أنها شقيقته تحاول مع الحارس ولكنه يرفض دخولها.
وصلت إليه ونظرت له بقوة قائلة بنبرة آمرة:
– أفتح لها.
تحدث الحارس بقلق لما يمكن أن يحدث معه:
– صقر باشا منع دخولها.
نظرت له نظرة حادة بسبب حالة هذا الملقي في الأعلى وأردفت بنبرة لا تقبل نقاش:
– افتح وعلى مسئوليتي.
لم يجد مفر سوى طاعتها وبالفعل فتح البوابة ودلفت نهى تطالعها بترقب ولكن فاجئتها نارة بالقبض على يدها وهي تسحبها وتعود للداخل مردفة:
– تعالى معايا بسرعة.
قالتها ثم نظرت مجدداً للحارس قائلة بأمر:
– أطلب دكتور فوراً.
تفاجئت نهى بهذه الجميلة ولكن لم يسعفها الوقت لتسأل من هي حيث أسرعتا كلتاهما للأعلى للتفاجأ بشقيقها يتمدد على الفراش ويهذي ببعض الكلمات الغير مفهومة.
تساءلت نهى بقلق وهي تطالع نارة:
– هو ماله؟ تعبان ولا إيه؟
أومأت نارة تردف وهي تحاول مساندته ليصحو:
– أيوة تقريباً عنده حمى، ساعديني بس ناخده على الحمام، لازم ياخد دش بارد ينزل حرارته كدة غلط عليه.
ساعدتها نهى بالفعل واستطاعتا الإثنتين أن تسندانه وهو في حالة لا يعي ما يدور حوله.
دلفتا به إلى الحمام ثم حاولتا وضعه في حوض الإستحمام وما إن لمست المياه جسده حتى شهق وفتح عينه ينظر بوهن لهما ليبدأ بالإدراك رويداً رويداً حتى استعاد وعيه قليلاً.
جلس وغمرته المياه ووقفت نارة تنظر له وهو ينظر للأمام لا يعطي رد فعل بينما نهي توزعت نظراتها بينه وبينها وتساءلت بفضول:
– حصله كدة من إيه؟ وإنت تبقيله إيه؟
لفت نارة وجهها تطالعها بتوتر ثم تحدثت بهدوء:
– أنا خطيبته.
عادت تطالعه وعندما وجدته ساكناً انحنت قليلاً ثم سألته بتوتر:
– صقر إيه اللى حصل؟
لم يجبها بل أغمض عينه، يشعر أن رأسه على وشك الإنفجار وجسده بالكامل مفكك كسيارة تم دعسها.
ولكن وجودهما هنا وهو بتلك الحالة المزرية لم يرق له أبداً لذلك تحدث بوهن وهو مغمض العينين:
– أخرجا الآن.
لم تفهمه نهي بينما أدركت نارة أنه يشعر بالضيق من وجودهما لذلك تساءلت بترقب:
– هتعرف تقف لوحدك؟
أومأ دون حديث فتنهدت ونظرت لنهى قائلة:
– تعالى معايا نستناه برا.
أومأت لها وتحركتا معاً للخارج ثم نظرت نارة حولها فوجدت غرفة ملابسه الملحقة فقالت وهي تتحرك صوبها:
– ثوانى هحضرله هدوم نظيفة وننزل نستناه تحت.
تعجبت نهى من طريقتها وهي ليست سوى خطيبته، شردت تفكر تبدو معتادة على الوضع وعلى الڤيلا ولكنها لم تراها في المرة الأولى لذلك اعتقدت أنه وحيداً.
أسرعت نارة تبحث بين أغراضه لتنتقي له ملابس مناسبة.
أثناء بحثها وجدت خزنة تحتل جزءاً كبيراً من أحد الرفوف ولكن بالطبع لم تهتم وخرجت حاملة لقطع الملابس ثم وضعتها على طرف السرير ووقفت تزفر ثم نظرت لنهى التي تطالعها بتعجب فابتسمت لها وأردفت بعد أن فهمت نظرتها:
– أنا وصقر اتخطبنا من يومين، وأول مرة أدخل هنا بس لأنه بقالوا يومين غايب وموبايله مقفول قلقت، خصوصاً إن ڤيلتي هنا قصاد ڤيلته، بس لما طلعت لقيته بالمنظر اللي شوفتيه ده.
تنهدت نهي بارتياح وابتسمت لها مردفة:
– اه يا حبيبتى، مبروك لخطوبتكم، أنا أخت صقر، بس دي تانى مرة أشوفه، بس أنا بحبه جداً من قبل ما أشوفه أصلاً.
استشفت نارة صدق حديثها ثم تحركت معها قائلة:
– طيب تعالي ننزل تحت ونتكلم براحتنا.
وبالفعل نزلتا للأسفل وجلستا سوياً في بهو الفيلا لتبدأ نهى في إخبارها عن لقائها السابق مع صقر وعن أمورٍ عامة عنها وعن شقيقها وأموراً تتعلق بالماضي.
في الأعلى خرج صقر بعدما جرد نفسه من ملابسه المبتلة والتف بمنشفة يخطو بخطوات ثقيلة يترنح تكاد رأسه تتضخم من شدة الصداع.
اتجه يجلس على طرف الفراش ثم نظر ليمينه فوجد الملابس التي أعدتها له نارة.
زفر وبدأ يرتديها بوهن ونجح في ذلك بعد مدة، كاد يعاود الوقوف ولكن خانته قدمه لذا مد يده للكومود وتناول علبة دخانه وأخرج سيجارة يضعها بين شفتيه ليشعلها بالقداحة ويبدأ في سحب سمها إليه بشرود.
في الأسفل جاء الطبيب الذي أحضره الحارس فوقفت نارة تفتح لهما الباب الأساسي للڤيلا واستقبلته ودلف ثم نظرت لنهى قائلة:
– عن إذنك يا نهى هوصل الدكتور وارجعلك.
أومأت لها نهى بينما اتجهت هي والطبيب للأعلى حيث غرفة صقر فمؤكد قد انتهى من حمامه الآن.
طرقت الباب ونادت عليه فرد قائلاً:
– أدخل.
فتحت الباب ودلفت تردف وهي على عتبته:
– صقر الدكتور جه علشان يكشف عليك.
اغمض عينيه بضيق، حالته الآن لا تسمح بالجدال، يشعر برغبة في قتل الطبيب والحارس الذي سمح بدخولهم وجميع من حوله، حتى هي أخطأت حينما استدعت طبيباً ولكن عليه الآن تقبل أخطاؤها بترحاب.
تحدث وهو ينظر للأمام ويدخن:
– حسناً.
وضع سيجارته في المطفأة على الكومود واتجه يتمدد على الفراش ودلف الطبيب ليفحصه بينما خرجت نارة تنتظره إلى أن ينتهي.
بعد الفحص خرج الطبيب حيث تنتظره وأملاها التعليمات وكيفية التعامل معه لحين معافاته من تلك الحمى الحادة التي أصيب بها نتيجة مكوثه في حمام السباحة لمدة طويلة وضاعف تأثيرها وحدته دون طعام أو دواء لمدة يومين.
غادر الطبيب والتفتت تحضر له حساءاً قبل تناول الأدوية التي سيحضرها الحارس.
أما هو فقرر النزول للأسفل، وقف يستند على أعصابه ويتحامل ليخطو للخارج ومنه للأسفل.
وصل حيث تجلس نهي تتحدث مع زوجها بعد أن ظل جالساً مع طفليه ينتظرها فقررت مصارحته بما حدث.
نظر صقر على يمينه فوجد ناره تقف في المطبخ تعد طعاماً له وعلى يساره تجلس شقيقته تحادث زوجها فتعجب من وضع منزله ومن هاتان الإثنتان اللتان احتلتا حياته فجأة، إحداهما بتخطيطه والآخرى بتخطيط القدر.
أغلقت نهى مع زوجها لتنتبه لوقوف صقر خلفها يطالع ناره التي انشغلت في إعداد الطعام تحدثت بحنو وهي تقف لتساعده:
– تعالى يا حبيبي اقعد متقفش كدة أكيد لسة تعبان.
تعجب من طريقتها بينما انتبهت نارة لتلتفت فتقابله، نظرت له قليلاً ثم ابتسمت ليبعد وجهه عنها ويتجه يجلس على الأريكة المقابلة لنهى.
زفرت نارة والتفتت تكمل طعامها بصمت بينما جلست نهى مجدداً ونظرت له متسائلة بحنو وترقب:
– أحسن شوية؟
تعمق في ملامحها التي تبدو مألوفة له، ليس لأنه رآها مسبقاً بل هناك شيئاً ما يجذبه إليها ويبدو أن هذا الشئ هو رابط الدم بينهما.
أومأ بصمت فابتسمت بهدوء ثم تحدثت بترقب:
– صقر أنا كنت جاية أشوفك وأتكلم معاك شوية بس لقيت ناردين مخضوضة ولقيتك تعبان، علشان كدة أنا هأجل الكلام وقت تاني، بس أنا عايزاك تعرف حاجة واحدة بس، أنا بحبك أوي من قبل ما أشوفك وكان نفسي أوي أقابلك دايماً ولولا ظروف حياتي أنا كنت سافرتلك إيطاليا أدور عليك، وصدقني يا صقر أنا لا بصة لفلوسك ولا لمنصبك ولا لكل الكلام ده غير إنك أخويا، ونفسي إنت وسامح وأنا نعوض بعض عن اللي فات وننسى الماضي يا صقر.
استمع لها برأس منخفض، يعيد كلماتها ويقارنها بكلمات نارة مسبقاً عن كونها تحبه.
ثقته مهزوزة ولن يثق في حديثها بسهولة ولكن ليعطي لها فرصة ويأخذ كل إحتياطاته منها.
رفع نظره يطالعها قليلاً بصمت وكأن عينه أشعة فوق بنفسجية تفحص داخلها ليقرر أخيراً تحرير لسانه قائلاً:
– تمام.
كانت تلك الكلمة هي رده على ما قالته، وبرغم بساطتها إلا أنها أسعدت نهى كثيراً ووقفت تردف باطمئنان:
– ماشي يا حبيبي، أنا همشي دلوقتى علشان الأولاد وياريت لو احتجت أي حاجة تكلمني، أنا كتبتلك رقمي هنا في الملاحظة دي.
قالتها وهي تسير على نوت صغيرة موضوعة على الطاولة ويجاورها قلم، ليومئ لها بصمت أيضاً.
تحركت باتجاه المطبخ لتودع نارة التي استمعت لحديثها وسعدت به، وقفت نهى تبتسم لها قائلة:
– عن إذنك يا ناردين همشي أنا بقى، واتشرفت بمعرفتك، خدي بالك من صقر.
التفتت نارة تبتسم لها وقد تملكها التوتر قليلاً فهي لا تحبذ بقاؤها معه بمفردها لتقول بترجي يشوبه الود:
– خليكي شوية أنا قربت أخلص ممكن نطلع سوا؟
ويبدو أن نهى فهمت عليها وكادت أن تتحدث لولا تدخل هذا الجالس الذي قال بنبرة خبيثة دون النظر إليهما:
– أولادها أكيد محتاجينها.
تنفست نارة بقوة بعدما فهمت مقصده بينما شعرت نهى بالإحراج لتقول مودعة:
– أيوة فعلاً محمود مش بيسلك معاهم، هشوفك إن شاء الله مرة تانية، يالا سلام.
تحركت تغادر تحت أنظار صقر الذي تتبعها إلي أن خرجت ليلتفت ينظر حيث تقف نارة التي ادعت انشغالها في تفريغ الطعام وهي تواليه ظهرها.
كانت تشعر بنبضات قلبها تتقافز بسرعة عالية وتريد أن تنتهي لتغادر على الفور، يبدو أن قلقها عليه هو من حركها ولكن تعلم أن وجودها هنا يعد خطأً ولا يصح لذا انتهت من صب الحساء في صحنه ووضعته على صينية معدنية والتفتت لتقدمه للتفاجئ به قد وقف خلفها مباشرةً يستند على حافة الحاجز الجرانيتي الذي يفصل بين المطبخ وبهو الڤيلا الواسع.
شهقت وارتدت وكادت الصينية تسقط منها لولا يده التي تمسكت بها ليردف بتعجب خبيث وبلغة إيطاليا هي الأسهل على لسانه:
– إهدأي جميلتي؟ لم أقتحم خلوتكِ بل أنتِ من اقتحمتِ منزلي، وكسرتي الباب أيضاً.
قالها وهو يميل برأسه صوب مكان الباب الزجاجي الذي أمرت الحارس بكسره لتقف تطالع عينه الماكرة بتمعن ليعود لها ثباتها الإدعائي وقد تركت الصينية بين يده وشبكت يديها لتخفي توترها قائلة بهدوء:
– فعلت ذلك بدافع قلقي عليك، أنت تعيش بمفردك ولم أرَك بعد خطبتنا وحتى لم تهاتفني، لذا كان يجب أن أتأكد من سلامتك قبل إصدار الأحكام فأنا لستُ من النوع المتسرع أو المسيئة للظنون.
تابعت النظر له لتستعير منه تلك النظرة الخبيثة وتردف:
– والآن أراك بحالٍ أفضل وتستطيع تدبير أمورك لذا لأصحح خطأي وأعود للمنزل في الحال، وفضلاً حينما تنتهي من طعامك ودوائك سأكون في انتظارك في حديقة منزلي، عن إذنك.
تحركت تخطو بخطوات سريعة تدل على توترها الذي لم يخفى عليه لذا حررها، ود لو قبض عليها ولقنها درساً حاداً ورومانسياً على ما فعلته به خلال اليومين المنصرمين ولكن حينها لن يكون نفسه صقر الذي عرف بذكائه وصبره، حينها سيكون خسر جزءاً من حبها له.
غادرت هي وزفرت براحة كمن أخذت حريتها عندما وصلت للحديقة أما هو فنظر للصينية التي بين قبضتي يده ثم للمكان من حوله ليبتسم على رتابتها حيث لم تترك فوضى في مطبخه.
وضع الصينية على الحامل وسحب إحدى المقاعد المعدنية ليجلس عليه ويبدأ في تناول الطعام مستمتعاً بمذاقه الطيب وعقله يفكر في كيفية إقناعها بسرعة زواجهما دون إثارة أي شكوك، فكلما كانت قريبة منه يجد قوة غريبة تمتلكه في سحبها إليه ليكسر عظامها ويسحق شفتيها الثرثارة تلك.
بعد وقتٍ خرج من باب ڤيلته الرئيسي يرتدي ملابس تليق به كمن يذهب للقاء شخصية هامة وهل لديه أهم منها؟
تحرك حتى توقف أمام الحارس الذي كسر الباب وأردف بعيون حادة ونبرة مخيفة:
– رأيتك من خلال الكاميرات تكسر باب منزلي.
تحدث الرجل وعينه لا تفارق الحشائش في أرض الحديقة ليبرر قائلاً:
– لقد كنتُ مجبراً سيد صقر ولو لم أكسره لكانت الآنسة ناردين كسرته بنفسها.
انحنى قليلاً ليهمس له بفحيح يشوبه الغضب:
– كنت أود ذلك لأجد سبباً يجعلني أقتلك، ولكن أصبح تصرفك معها يعيقني، لذا فلتدعو لها دوماً.
تركه وتحرك للخارج بعدما هندم نفسه يخطو بثبات تجاه ڤيلتها حيث تنتظره في حديقتها كما قالت.
عبر الفيلا دون عناء فقد بات من ضمن أهلها نسيباً وتحرك للجهة الخلفية بعدما أخبره الحارس أنها تنتظره هناك.
كانت منشغلة بـ ري الزهور التي زرعتها بنفسها ترتدي فستاناً محتشماً غير الذي رآها به منذ قليل.
هذا أجمل، يليق بها اللون الازرق، بل تليق بها كل الألوان، لم تخلق الألوان للطبيعة بل خُلقت لتليق بها.
يبدو أنها في مزاجٍ جيد بعد أن اطمأنت عليه، تنحني قليلاً عند زهورها لتباشرها بينما خصلاتها تتدلى وتنتشر حولها بطريقة ساحرة ليقف يتابعها ويتأمل نعومتها لثواني.
اعتدلت تضع سقي الماء مكانه بعدما توغل عطره لأنفها لتلتفت تطالعه بهدوء وثقة قائلة:
– حسناً لنتفق على شئٍ ما، إما أن تضع عطرك هذا دوماً أو تتحدث عندما تأتي.
تقدم قليلاً بخطوات ثابتة وتحدث وهو يهز منكبيه:
– حسناً فعلت أحدهم دون إتفاق والآن دعينا نجلس ونتحدث، فأنا ما زلت متعباً.
قالها بمكر وهو يجلس على تلك الطاولة لتتنفس بعمق وتتجه تقف أمامه قائلة برتابة:
– دعني أضيفك أولاً، ماذا تحب أن تحتسي؟
ابتسم لعينيها وتحدث بعمق:
– أحتسيتُ منذ قليل حساءاً مميزاً صُنع لي بحب، ولا أود أن أتناول شيئاً يزيل أثره من فمي، ليبقى قليلاً بعد.
استطاع أن يسكر مشاعرها لتطالعه بعمق وتردف مبتسمة:
– شكراً لك، بالصحة والعافية.
أومأ إيماءة بسيطة وتحدث بثبات وهو يعدل من وضعية جلوسه:
– والآن أسمعكِ؟
تنفست بقوة ونظرت لعينه بثقة لتبدأ في قول ما رتبته بعد تفكير:
– حسناً مثلما قلت سابقاً هناك أمور كثيرة مشتركة بيننا، ومن ضمن هذه الأمور هو نشأتنا في دولة غربية، ولكن لأخبرك عني أمراً ما لا أعلم إن كنت تعلمه أم لا.
– أعلمه.
قالها بثقة ليؤكد لها معرفته بكل أمورها ولكنها ابتسمت بثقة لعدم معرفته به قائلة:
– لو كُنت تعلمه ما فعلت ذاك الشئ يوم خطبتنا.
احتدت نظرته وتمعن فيها لتتابع برتابة ورقي:
– حسناً ربما لستُ ملتزمة دينياً كما أخبرتك سابقاً، ولكني أحب ديني وأسعى لاستكشافه بنفسي بعيداً عن أي تعصب، وكلما تعمقت في استكشافه زادني هذا تعلقاً به، نعم كنتُ محظوظة بإرثه وبولادتي مسلمة ولكن كان علي البحث بنفسي في تلك المسألة حتى يطمئن قلبي، لذا فإن رفضي لقبلتك يومها نابع من قناعاتي بأن هذه الأمور لا تصلح بيننا الآن.
استمع لها بصمت، لم يحدثه أحداً من قبل عن الدين بهذه الطريقة، ربما مر حديث والدته على خاطره الآن ولكن كان هذا منذ سنوات عدة دفنها ميشيل تحت أوهام أن الإسلام دين الإرهاب.
لتلاحظ رحيل عقله عنها فتتابع بهدوء:
– حسناً أعلم أنك مسلمٌ ولكن تبدو لست ملتزماً أيضاً، ولأخبرك باعتقادي وهو أنني لم أكن أنتظر زوجاً متديناً ولكن دوماً رغبتُ بزوجاً متفهماً يزن الأمور بعقلٍ سليم، رغبتُ في مغامرة فكرية أصل بها أنا وشريك حياتي إلى مرسى آمن، ولكن تقلقني حقيقة نشأتك في حياة مختلفة تماماً عن مساري، فهل لديك ما يطمئن قلبي؟ هل ستكون متفهماً وعقلانياً لنخطي معاً نحو مسارٍ دينيٍ أفضل؟
بدى حديثها مملاً بعض الشئ بالنسبة له، بدى ليس له داعي ولكن هي تحاول تبرير تصرفها، تحاول أن تضع حدوداً لعلاقتهما، لديها قناعة هو ليس مقتنعاً بها تماماً ولكن ليكن لها ما تريده ظاهرياً، ليحقق رغباتها ويعلق طعمه المسموم إلى أن تدخل مصيدته حينها يكن لكل مقامٍ مقال.
تحدث بنبرة مخادعة يغلفها الإطمئنان وكم كان بارعاً في ثباته حينما قال:
– دعيني أخبركِ أن برغم ديانة والدتي إلا أنها كانت حريصة على تعليمي للإسلام، وربما ماتت وتركت لي تساؤلات عدة دفنت منذ زمن، ولإعادة إخراجها من بين أتربة الحياة العملية والغربية يجب أن تقنعيني، ولن يحدث ذلك إلا عندما تكون علاقتنا قوية وقريبة جداً فأنا رجلاً أحب الشرح المفصل والدقة المقدمة بطريقة رومانسية ساحرة وأنتِ إمرأة جميلة وناعمة وملتزمة، لذا فأنا أجد صعوبة في حدوث ما تريدين إلا إذا أصبحنا زوجاً وزوجة.
يا له من ثعلبٍ بشريٍ ماكر، حقاً شوش أفكارها وهي التي نادته لتطمئن، هل هو الآن يريد الإيقاع بها في شباكه ثم التمرد أم حقاً يريد علاقة احتواء تساعده على فهم ما يجهله؟
ليلعب على تشتتها ويتابع بنفس النبرة:
– دعيني أخبركِ شيئاً آخراً عني، أنا ذلك المتفهم والعقلاني، كوني مطمئنة، وهذا ما سيثبته لكِ الزمن، سأحاول فهم ما تشرحيه.
تنفست بقوة لتردف بعد ثواني بثبات:
– حسناً إذا، هذا دليل أن فترة خطبتنا هي أسلم قرار، ليرى كلاً منا جوانب الآخر.
تنفس ونظر لها بعمق ليردف بنبرة حانقة يغلفها البرود:
– حسناً، يبدو أنكِ ثابتة على قراركِ بشأن مد فترة الخطبة، لذا دعينا نضع حدودنا بطريقتي إذاً.
– كيف ذلك؟
تحولت نظرته من الهادئة إلى أخرى غامضة وتحدث بثبات وثقل:
– لتكن تلك أول وأخر مرة تأتين فيها إلى منزلي، ولتكن تلك أخر مرة آتي فيها إلى منزلكِ، لنجعل لقاءنا الدائم في شرفتينا مساءاً وحديثنا عبر الهاتف.
تعجبت من شرطه وشردت تفكر، يبدو أمراً غريباً حقاً، كيف ستقبل ولمَ؟
تابع بخبث يوضح مقصده:
– أسمعي ناردين، أنتِ أول إمرأة تقتحم حياتي وتمتلكها، وأنتِ أخر إمرأة أيضاً، لذا رغبتُ في عيش حياتي معكِ منذ أن رأيتكِ، أردّتُ التعبير عن حبي لكِ بطريقتي، وبما أن طريقتي لا تناسب قناعاتكِ ليكن بيننا حدود، حدود لنفسي فقط.
تنفست بعمق كأنها من كانت تتحدث وليس هو، قلبها يقفز بسعادة من إعترافه بامتلاكها لقلبه، وفهمت مقصده جيداً، لذا أومأت تردف بقبول:
– موافقة.
بعد عدة أشهر حيث وصلنا لواقع أحداثنا وانتهينا من سرد الماضي وظل فقط أسبوعٍ على زفاف صقر ونارة.
لنرى ماذا ينتظرهما.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية العربي
يبدأ الإنسان حياته بكمّ هائل من الأحلام والأماني حتى أن ذاكرته لا تُسعفه في تذكرها كاملة، شيئًا فشيئًا يصبح حلمه الوحيد أن يكون مُطمئنًا لا أكثر.
أسبوعاً واحداً فقط يفصلنا عن حفل زفاف صقر الجارحي.
صقر المعروف بتربصه وهدوءه وذكاؤه استطاع اجتياز تلك الفترة بامتياز دون إدخال الشك إلى قلب نارة بل بدلاً عن دخول الشكوك فهو وضع حبه في قلبها وبدأ يغذيه يوماً بعد يوم حتى احتل القلب كله.
نعم وضع شرط عدم لقائهما إلا عن طريق شرفتهما وربما لأسباب تتعلق بحمايتها ولكن أحياناً تخونه مشاعره ويلتقيان خارجاً لقاءاً يعد صدفةً بالنسبة لها ولكن بالطبع هو من تدبيره.
وساعده في ذلك خطواته المدروسة بعناية خصوصاً وأن من كان يراقبه أصبح يعمل لحسابه وينقل لميشيل ما يريده صقر فقط.
التزم بعدم اللمس أو التقارب الجسدي وكان هذا يعد من أقسى أنواع التدريب للتحكم في نفسه.
تدريباً لم يتعرض له طوال حياته ولكنه دوماً يعشق التحديات، ليتحدى نفسه ويلتزم بالثبات أمامها حتى لو كان داخله بركاناً ثائراً.
لم يخبر شخصاً عنها، حتى ماركو الذي يعد المقرب إليه لم يخبره عنها، برغم قدرته على حمايتها ولكنه يخشى علم ميشيل بها قبل زواجه منها، فحمايته لها تتطلب قربها منه ومعرفتها لحقيقته لذا فجاهد ليبعدها عن عيون ميشيل الآن.
والآن يستطيع التنفس براحة فبعد أيامٍ ستصبح زوجته وبين يديه وفي بيته تشاركه حياتها ويشاركها حياته.
يعترف أنها أتت وتسللت فأحدثت فوضى صاخبة في شخصيته معها، لا يعلم لمَ هي فقط من يتنازل لها، لا يعلم إلى الآن ما سبب خضوعه لقوانينها، لا يعلم ما تلك الطاقة المجهولة التى تقيده من وحش غضبه وقسوته أمامها، لا يعلم لمَ يلين معها فقط أو ربما مع شقيقته أيضاً ولكن بمقدارٍ أقل.
شقيقته التى أكدت له حبها، شقيقته التى باتت تهاتفه وتطمئن عليه بين الحين والآخر.
لم يظهر ترحيبه بذلك الود ولكن هناك راحة جديدة سكنته ويقابلها قلقاً وخوف.
لذا ولأول مرة يترك الأمور ثابتة إلى أن يتم زفافه.
وها هو يجلس في شركته يتحدث مع ماركو عبر الحاسوب قائلاً بثبات:
– أخبر ميشيل أن الشحنة وصلت بسلام،، ولن أقبل شحنات جديدة طوال الفترة القادمة،، سأحدد أنا موعدها وأخبره.
تعجب ماركو وتساءل مستفسراً:
– ماذا حدث؟،، لمَ ستوقف الشحنات هذه الفترة؟
زفر صقر ونظر لماركو عبر الشاشة بغموض يتأرجح أيخبره أم لا، ويبدو أن لماركو حق عليه لذلك قال بثبات وحزم:
– سأخبرك،، ولكن لا تكن ثرثاراً.
تنبه ماركو لمَ سيخبره به فقال صقر بنبرة متحمسة غلفها البرود:
– سأتزوج الأسبوع المقبل، جِد طريقة ماكرة وتعال.
جحظ ماركو وفرغ فاهه للحظات ثم ضحك وأردف بصوتٍ عالٍ:
– أووووه، أخيرااا يا رجل،، أخيراً ستفعلها، ولكن كيف ومن تلك التى ستقع في شباكك، أو ربما هي من أوقعتك في شباكها، يبدو أن للمصريات سحرٌ خاص.
ينظر له ببرود وملل ثم تحدث بثبات:
– إن علم ميشيل قبل زفافي سأقتـ.لع رأسك، هيا أغلق.
أغلق صقر حاسوبه وأرجع ظـ.هره على مقعده يزفر مطولاً ويفكر فيها،، تلك التى بعثرت قواعده وجعلته يستسلم لرغباتها ويخطو على درب قوانينها، تلك التى جعلت من الأشهر الماضية سنة دراسية له درس فيها شخصيتها وحركاتها وحفظ تعابير وجهها وجميع أنواع ضحكاتها وما تفضله وما لا تفضله،، وبرغم عدم علمه بحالته الجديدة تلك إلا أنه يقنع نفسه بانحنائه لأوامرها طوال تلك الفترة ليحصل على طاعتها لاحقاً، ربما رضخ لرغباتها وقيد مشاعره معها ليحصل على غايته بعد ذلك،، وقد اقتربت اللحظة،، اقترب اليوم الذي ستقلب فيه الموازين وسيحرر كل ما سعى لتقييده معها.
استعان بأثمن أنواع الزهور وأرقى الخدع ليزين لها طريق عالمه المظلم،، وقد إقترب تحقيق حلمه،، سيمتلكها وسيغرقها عشقاً حينها لن يكون بإستطاعتها الإبتعاد عنه،، ستفضل الموت عن تركه كما يفعل هو، هو بات لا يمتلك إرادة الإبتعاد عنها، بات قربها جبرياً سواءاً له أو لها، كُل خططه كانت مثمرة وستستمر هكذا دوماً، لن يفشل أبداً.
تنفس بعمق وتناول هاتفه وقرر الإتصال بها حيث كانت تجلس مع خديجة عندما رن هاتفها فأجابت بحب وعيون لامعة:
– أهلاً صقر.
تحدث بثبات متسائلاً بلغته الإيطالية:
– ماذا تفعلين جميلتي؟
تحدثت بثقة وهي تقف تبتعد قليلاً عن خديجة:
– أجلس مع خديجة،، كنا نبحث عن فستان زفاف معاً،، وأنت ماذا تفعل؟
نظر بملل لمكتبه ثم وقف يخطو خطوات واثقة، وتحدث بثبات وهو يقترب من نافذته:
– لا شئ،، وأشعر بالملل،، ما رأيكِ إذا جئت إليكِ واصطحبتكِ في رحلة نيلية مجدداً،، فمنذ خطبتنا لم نفعلها وبما أن زفافنا أقترب لنفعلها إذاً؟
كانت تود كثيراً ولكن أصبحت تدرك أنه لا يجوز الخروج سوياً بمفردهما، ويرجع الفضل في ذلك لخديجة وأموراً كثيرةً تعلمتها ومازالت تتعلم منها لذلك أجابت بتروي وحنو حتى لا تحزنه:
– كنت أود كثيراً، ولكن سيكون غير لائقاً أن أترك خديجة وأغادر، ثم إننا بعد أيامٍ قليلة سنصبح سوياً إلى الأبد، فقط تحلى بالصبر حبيبي.
أصبح لا يغضب بل أصبح يتقبل رفضها المؤقت بترحاب لذلك قال بغموض:
– حسناً، لا مشكلة جميلتي،، استمتعي بوقتكِ، بقى أسبوعاً فقط.
أغلق معها وتركها في توترها وانكماش معدتها،، ولكن انتشلتها خديجة من خوفها قائلة بعدما لاحظت انتهاء المكالمة المصحوب بشرودها:
– لاء مش وقت سرحان خالص، انجزى يا بنتى لسة هنختار هدوم ياما.
ابتسمت نارة واتجهت تجلس معها لتختارا ملابس لها من خلال صفحة الكترونية لإحدى المحلات الشهيرة.
تعترف أنها أحبته ومع ذلك أحياناً تخشى من هذا الحب، تخشى من قوة حبها له الذي لا تعلم متى وكيف توغلها هكذا، ربما قبوله بكل شروطها وربما حنان صوته وجناح قوته الذي يفرده فوقها كمظلة تحميها من كل مَن حولها، كانت تبحث دوماً عن الأمان والإحتواء ووجدتهما في نظرته لها، بحثت طوال سنينها عن الإستقرار وها هو يقدمه لها على كفوفِ الراحة.
ربما كانت تعتقد أنها ستدرس شخصيته ولكن تعترف أنها فشلت في بعض النقاط فما زال هناك جانباً غامضاً في حياته تعلم أنه يخفيه عنها، ربما تعرض لخيبات من عائلة والدته فهذا لاحظته عندما حاولت الغوص في معرفتهم فكان دوماً يجد مخرجاً من تلك الأسئلة، وباتت تعلم أن الوحيد المقرب له من بينهم هو ماركو.
وربما هناك ماضٍ مؤلم وغامض تجاه شقيقه ولكن يطمئنها حب نهى له، فقد علمت منها الماضي الخاص بها ولكن لم يخبرها صقر عن جهته ولم تصر هي على ذلك وأجلت معرفة كامل الحقيقة إلى ما بعد الزواج لظنها أن هذه الأمور لن تعيق سعادتهما ولن تؤثر على حياتهما.
وها هي تستعد لزفافها بسعادة وحماس وتشاركها فرحتها خديجة الجميلة.
في كلية الفنون الجميلة التى أصبحت مايا تدرس فيها حسب رغبتها.
انتهت محاضراتها وجمعت أغراضها لتغادر ولكن أوقفتها إحدى الفتيات مردفة بنبرة هادئة مترجية:
– مايا ممكن توصليني في سكتك،، أنا بيتي على طريقك،، بس عربية ماما في التصليحات ومش هتعرف تيجي تاخدني.
هزت مايا كتفيها مردفة بتعجب وسخرية:
– طيب ما تركبي تاكسي؟،، عادي يعنى.
خجلت الفتاة التى تدعى (ميار) وتلعثمت قائلة بحرج:
– أص أصل،، تمام أنا أسفة.
قلبت عينيها بملل ثم قالت ببرود:
– أوكي تمام خلاص هاخدك في سكتي بس بسرعة.
انفرجت أساريرها وأردفت بإمتنان يخفي غرضاً ما:
– شكراً يا مايا،، هرجعلك حالاً.
زفرت مايا بضيق بينما أسرعت ميار تجلب أغراضها وهي تتحدث مع رفيقتها الأخرى التى أوصتها بتلك الخطة قائلة:
– وافقت أركب معاهم،، أخيراً هشوفه من قريب يا نسرين.
أردفت الفتاة الأخرى والتى تدعى (نسرين) بخبث وترقب:
– يابنتى اتجرأي شوية،، ده بدل ما تقولي اتكلم معاه وأجيب رقمه كمان،، هتفضلي لخمة كدة، أنا حطيتك على أول الطريق أهو وانت استغلي الفرصة بقى، الفتي نظره ليكي دي فرصة مش هتتعوض.
أومأت لها ميار وهي تجمع أغراضها ثم أردفت وهي تغادر على عجالة:
– أوكي يا نسرين يالا سلام.
خرجت تتبع مايا التى وقفت تنتظر عمر ككل يوم حيث يوصلها ويأخدها بسيارتها إلى أن تستطيع القيادة دون قيود.
في بادئ الأمر أعترضت وبشدة نظراً لخجلها أمام رفاقها ولكن بعد ذلك اقتنعت حيث وجدتها فرصة للتقرب منه،، فقد بات يتجنبها ويحاول الإبتعاد عنها،، حتى أنه أصبح يعود إلى منزله مساءاً حتى لا تذهب إليه ليلاً كما باتت تفعل في الفترة الماضية، ولكنها تعلقت به، أحبته وكانت دوماً تحاول توصيل هذا له، حتى أنها لم تعد ترتدى ملابس قصيرة أو متعرية لترضيه.
ولكن منذ تلك اللحظة التى أخبرته فيها بإعجابها به وقد تبدلت حالته بعد أن بدأ يتعامل معها بود وراحة، عاد لجموده ولا مبالاته معها، بكت وغضبت وسألته ولكنه أخبرها أن له حدود يستحيل أن يتخطاها، هي تعد أمانة لديه ووصية والدتها ولن يخون الأمانة أبداً، لذلك ابتعد عنها.
وقررت هي تجاهله بعد رفضه لها، ورحب هو بذلك ولكنه التزم بحمايتها وايصالها يومياً إلى جامعتها وأي مكان تريده، أما عن نارة فهو يرى كيف يحميها خطيبها وكم هو يحبها،، لذلك يصب كامل اهتمامه المهني على مايا.
وصل عمر أمام باب الكلية ورأته فأسرعت تخطو إليه شاعرة بانتعاش في مشاعرها يتجدد كلما رأته حتى لو مر على رؤيتهما ثواني.
وصلت إليه وكادت أن تصعد بجواره متناسية أمر صديقتها التى وصلت خلفها قائلة كي تلفت انتباهها:
– مايا مش قُلتي هتوصليني؟
لفت تطالعها متذكرة أمرها ثم عادت تنظر لعمر الذي يطالعهما متسائلاً فأخبرته بضيق:
– هنوصل ميار في سكتنا يا عمر.
أومأ لها وابتسم لميار بهدوء وهذا لم يرق أبداً لمايا التى صعدت تجلس جواره بينما صعدت ميار في الخلف وتحرك عمر يقود بتمهل.
كانت ميار تنظر لهيأته وتفاصيل ظـ.هره ورأسه بهيام وهو يقود غير منتبهاً لها بينما مايا تجلس على موقد حارق بعدما رأت نظراتها له في المرآة الأمامية المعلقة.
تحدثت مايا لتشغلها عن النظر إليه قائلة بحدة ملحوظة:
– إيه يا ميار،، هوصلك بكرة بردو ولا عربية مامتك هتكون اتصلحت؟
تحمحمت الفتاة بحرج بينما انتبه عمر لحديث مايا ونظر للفتاة عبر المرآة نظرة عابرة ولكنها أردفت بحرج:
– لا يا مايا متشكرة النهاردة بس.
شعر عمر بخجل الفتاة فغضب من طريقة مايا الفظة معها وتحدث برتابة قائلاً وهو يقود:
– عادى يا أنسة ميار تقدري تيجي معانا ونوصلك مادام طريقك في سكتنا.
تهللت أساريرها بسعادة حينما وجه لها حديثاً وقالت بلهفة وحماس:
– متشكرة جداً يا أستاذ عمر،، هو بصراحة أنا مش عايزة أزعجكوا.
اغمضت مايا عينيها لتتحكم في غضبها الذي يتضخم ولكن لم تستطع لذلك التفتت تردف بحدة:
– ملكيش دعوة بأستاذ عمر يا ميار، إنت سألتيني وأنا قبلت النهاردة بس.
تفاجئت ميار من غضبها وعاد التلعثم يتملكها ونظرت إلى عمر بحرج ثم أردفت بملامح غلفها الحزن:
– أنا أسفة،، خلاص أنا ممكن أنزل هنا لو سمحت.
نظر عمر لمايا بغضب لما فعلته مع تلك الفتاة الخجولة وقابلت مايا نظرته الغاضبة بأخرى مثيلتها لا مبالية بغضبه بينما هو تحدث وهو ينظر إلى ميار من خلال المرآة:
– اهدى بس يا أنسة ميار متزعليش من مايا هي بس ممكن يكون يومها مكنش كويس، خليكي زي ما إنتِ مش هتنزلي إلا عند بيتك.
لفت مايا نظرها تطالعه بغضب وتوعد وقابلها هو بلا مبالاة وأسرع قيادته قليلاً ثم عم الصمت المكان إلى أن أوصل ميار التى غمرتها السعادة بعدما استطاعت أن تتحدث معه.
أصبحا بمفردهما في السيارة لذلك امتنع عن الحديث ولكن هذا لم يرق لها لذا نظرت له متسائلة باستفهام:
– بتعمل كدة ليه؟،، دي بنت مش محترمة عملت كدة علشان تقرب منك،، ليه بتديلها فرصة لدة؟
توقف فجأة جانباً بالقرب من الڤيلا ثم لف نظره إليها يطالعها بتفاجؤ قائلاً:
– إنتِ إزاي تتكلمي عن صاحبتك كدة؟
نظرت للأمام وشبكت ذراعيها أمام صـ.درها تردف بحنق وغيرة وحزن من تجاهله لها:
– مش صاحبتي، ومش بستلطفها، مجرد زميلة بس هي طلبت أوصلها ومحبتش أرفض مع انى عارفة أنها عايزة تركب معانا علشان تلفت نظرك ليها،، تبقى هي كدة مش محترمة وأنا غلطانة إنى قبلت.
نظر لها مطولاً،، يعلم ما تشعر به ويرفض تلك المشاعر، تلك المشاعر لا تجوز لكليهما،، هي ما زالت صغيرة جداً وتتصرف بطيش وتهور،، وتلك المشاعر ما هي إلا مشاعر مراهقة ستذهب من حيث أتت عندما تصل لمرحلة النضج الفكري، عليها أن تبتعد عنه، ففتاة أحلامه التى دوماً أرادها لا تمثلها أبداً وكذلك هي مؤكد لم تتخيله كحبيب يوماً، على كلٍ منهما الإبتعاد حتى لا يتأذيان.
زفر مطولاً ثم تحدث حديثاً قاسياً بالنسبة لها:
– أنا شفتها محترمة جداً،، وملاحظتش خالص أنها حبت تلفت نظري،، بس واضح إن الكل يرى الناس بعين طبعه.
صُدمت من جملته ونظرت له نظرة حزينة تسأله بها ألف سؤال لذلك لف وجهُ عنها وعاد يقود حتى وصل للڤيلا بينما هي لم تعد تشعر بشئٍ من حولها بعدما احتلت جملته عقلها.
دلف الڤيلا بالسيارة وتوقف لتترجل، نظرت له بعيون ثاقبة تردف بنبرة صادقة وثبات:
– أنا مش بحاول ألفت نظرك ليا يا عمر، أنا بحبك بس أوعدك إني مش هفرض نفسي عليك تاني أبداً، ودي أخر مرة هتوصلني فيها للكلية أو تاخدني منها.
ترجلت من السيارة وخطت للداخل أمامه ليتنفس بقوة بعدما حبس أنفاسه من حديثها ونظراتها، هناك قلبٍ داخل صـ.دره ينبض لها لذا فهو غاضب الآن، غاضباً من نفسه قبلها.
في إيطاليا
عاد ميشيل للقصر وتحرك صوب مكتبه الخاص ليجلس على مقعده ويفتح حاسوبه ويتفحص ويراقب ما حدث في القصر دون علمه ككل يوم.
فكل ما يدور في القصر يعلمه، وكل الحواسيب الخاصة بمن حوله مراقبة إلا حاسوب صقر وغرفته، فنظراً لذكاء صقر في مجال الالكترونيات لم يستطع اختراق حاسوبه أو هاتفه.
فقد تفوق على الكل في كل الأمور التى درسها، لذلك فهو المفضل لدى حلفاؤه والذي يشعر ميشيل أنهم على وشك توليه منصب كبير عائلة موراكو بدلاً عنه حتى لو لم يكن من صلبها.
جلس يتابع بتركيز وإنصات جميع الحواسيب لأفراد العائلة إلى أن وصل لحاسوب ماركو ورأى وسمع المحادثة التى دارت بينه وبين صقر، وكالعادة توقع أن الأمر ممل قائم على صداقتهما، ولكن سمع ما جعله يصدم وعلم بخبر زواج صقر.
رفع نظره للأمام ولم يعد يريد أو يتفحص باقي الملفات،، ما علمه كافياً، صقر سيتزوج؟،، ومن عربية؟، ويخفي عنه، هذا الخبر يعد أول سقوط امبراطورية موراكو، فلو كان زواجاً عادياً لكان أخبره به ولكن بما أنه أخفى عنه مؤكد هناك أمراً مرعباً.
زواج صقر بتلك الطريقة مخيف حقاً وعليه أن يبحث عن تفاصيل تلك العروس التى استطاع إخفائها عنه، كيف لم يكتشف ذلك برغم كل أخبار صقر التى تصله؟، هل يمكن أن يكون رجله خائن؟، نعم مؤكد كذلك، مؤكد عمل لصالح صقر ولكن ليس هذا المهم الآن.
لم يسمح له بالانحراف عن الطريق الذي رسمه له منذ طفولته، لن يسمح بشخصٍ ما ينزعه من مستنقع موراكو، وكل من يمكن أن يسحبه سيجد حتفه بكل تأكيد وهذا تعهد ميشيل له.
أخرج هاتفه الخاص وطلب رقماً يلجأ إليه للمهام الخفية ووضع الهاتف على أذنه متحدثاً بملامح شيطانية باتت لا تنتمي للبشر قائلاً بقسوة وحقد:
– جهز حقيبتك،، ستذهب إلى مصر غداً، هناك مهمة ستنجزها وتعود.
مر الأسبوع سريعاً قضاه العروسان في التحضيرات
بينما علم ميشيل هوية تلك العروس وعلم عنها ما جعله يأمر بتصفيتها قبل الزفاف وإلا حدث ما يخشاه دوماً وهو لن يسمح بذلك، فقد استعان بنسخة مترجمة من كتابها الذى أصدرته منذ شهرٍ من خلال دار النشر الورقية وحقق نجاحاً وشهرةً لها حيث يتحدث محتواه عن (تاريخ العرب واللغة العربية وفصاحتها وبعض الإعجازات القرآنية) وهذا لم يرق له أبداً.
سيقام الحفل في حديقة الڤيلا الخاصة بنارة حيث لا يوجد الكثير من المدعووين نظراً لحدود معارفهما القليلة.
ولهذا استطاعت نارة التواصل مع خبيرة تجميل تتابعها عبر حساب انستجرام وقد اتفقت معها أن تأتى إليها.
كما أنها اختارت فستان زفافها كما أرادت تماماً،، كان رائعاً ومحتشماً في نفس الوقت.
تكفل صقر بكافة المصاريف برغم اعتراضها ولكن تلك المرة الأمر منتهي بالنسبة له.
أما صقر فيجلس في ڤيلته مع ماركو الذي أتى منذ قليل ليحضر عرسه،، تحدث ماركو بمرح ساخراً:
– لا أصدق أنك ستودع عزوبيتك الليلة، لقد هرمت يا رجُل.
نفخ صقر وهو يجلس يتفحص كاميرات المراقبة من حوله بعيون الصقر قائلاً باستفزاز:
– أتظننى مثلك؟،، بعثرتها في كل مكان إلى أن انتهت صلاحيتك.
استطاع استفزازه فقفز من مكانه بعدما كان يجلس مستريحاً وتحدث مدافعاً:
– اخرس،، كل ما فات كان مجرد بث تجريبي،، لنرى ليلتك يا إبن الجارحي.
صُمّت أذن صقر عنه عندما لاحظ شيئاً ما يحدث خلف فيلا نارة،، حيث وضع كاميرات مخبأة في كل مكان حولها.
هناك رجلان يتحدثان في الخفاء ويلتفتان حولهما،، كبّر صقر الصورة ليرى ملامحهما بتفحص،، لم يتعرف على أحدهم فقط كان يرتدي ملابس خاصة بطاقم تنظيم حفل الزفاف ولكن الآخر ملامحه تبدو مألوفة نوعاً ما.
ما أن وضحت الرؤية حتى ضيق عينه وأردف متسائلاً بنبرة قاسية متوعدة:
– هل أخبرت ميشيل بالعرس؟
تفاجأ ماركو من سؤاله ولكنه اعتدل يردف بصدق:
– بالطبع لا،، أخبرته أننى ذاهب إلى فرنسا لقضاء عطلة الصيف.
وقف صقر منتفضاً يركض مسرعاً ثم صعد الدرج في لحظات وتحرك صوب غرفته ودلفها يخطو بسرعة حتى وصل إلى غرفة ملابسه وفتح خزنته يخرج سلاحه منها ويخبأه داخل سترته ليخرج فوراً.
نزل الدرج وماركو يتبعه ويسأله ولكنه بدى كرصاصةٍ خرجت من مصدرها ولن تقف إلا عند مقـ.تل هدفها.
عبَر الحديقة وعبر الطريق المؤدي لڤيلا نارة حتى وصل إليها ودلف الحديقة الخاصة بها والتى يزينها منظمون الحفل وماركو يتبعه بينما هو يبحث بعينه عن تلك الملامح التى رآها فلم يجد أحدٍ منهما.
اقتحم الڤيلا وسط بعض الحضور ولحسن حظه أن آسيا لم ترَهُ حيث كانت هي ومايا في الحديقة الخلفية مع عمر يتابعون التحضيرات.
صعد على الفور إلى الطابق الثانى وماركو يتبعه.
وصل الطابق ليتفاجأ بواحداً من الرجلين يقف مع فتاة بالقرب من غرفة نارة ويناولها شيئاً ما في الخفاء.
وقف أول الردهة وخلفه ماركو، ينظر لهذا الرجل الذي لف لهما وليته لم يفعل،، فعندما رآههُ هو وتلك الفتاة تجمدت الدماء في عروقهما.
خصوصاً عندما ابتسم لهما إبتسامة قادرة على تحويل العظام إلى رماد،، ملامح نُقش عليها الإنتقام بريشة فنان بارع في الإجرام، ملامح لا تظهر إلا عند إعلان الحرب.
وبعدما كان يركض ويسرع خطواته أصبح يخطو خطوات بطيئة ليدب في قلوبهما الرعب أكثر.
حتى وصل إليهما ومد يده لتلك الفتاة التى أصبحت ترتعش وتردف بتلعثم مشيرة على من يجاورها:
– أنا ماليش ذنب،، هو اللى قالي أحطلها حاجة في العصير.
كشر عن أنيابه كأسد جائع يحرك أصابعه دون حديث فقامت بوضع تلك الزجاجة في يـ.ده والتي تحتوي على مادة تتسبب في زيادة نسبة الإدرينالين في الجسم بقوة ثم تؤدي إلى الوفاة بسكتة قلبية مفاجئة لا يعلم لها تفسير.
أحكم صقر قبضته على تلك الزجاجة وعينه منكبة عليهما ثم أخرج هاتفه وطلب رقم حارساً ضمن حراسه وتحدث معه ليأتيه وأغلق بعدها.
نظر لماركو الذي يقف مترقباً ما يحدث بتسلية ثم أردف بنبرة آمرة:
– ستأخذهما مع آوس في سيارة إلى مكان ليس بالبعيد، هو يعلم ما عليه فعله، وعد سريعاً لتحضر الزفاف.
كادت تلك الفتاة أن تترجاه ولكن قبل أن تفتح فمها قال بفحيح مرعب ولهجة مصرية لتفهم عليه:
– كلمة واحدة وهشرّبك اللى في الإزازة دي، لو عايزة تعيشي روحي معاهم.
أومأت عدة مرات وهي تبتلع لعابها بحسرة ويأس وذعر، أما هذا الرجل فهو يعلم جيداً عواقب فعلته تلك ويعلم قوانين من يعمل لصالحهم،، وكأنه فقد الإدراك حيث بات الترجي مستحيلاً لذا تحرك هو والفتاة مع ماركو وآوس الذي أتى لتوه.
أما الرجل الآخر الذي ظهر من خلال الكاميرات والذي لم يكن سوى رجل من رجال ميشيل، فهو يعلم جيداً كيف يجلبه.
غادروا الڤيلا مصطحبين الفتاة والرجل بخفة وسرعة دون انتباه أحدٍ لهما، بينما طلب صقر رقم أحدهم وتحدث بثبات وجمود:
– سيارة BMW سوداء أرقامها 52883 غادرت من الطريق الخلفي لڤيلتي منطلقة إلى الطريق العام، معك ساعة واحدة فقط وتأتيني بمن فيها.
أغلق الهاتف عندما لاحظ فتح باب غرفة نارة لتظهر هي منها وتتفاجأ به قائلة بتعجب:
– صقر؟،، بتعمل إيه هنا؟،، حصل حاجة ولا إيه؟
في لحظة تبدلت ملامحه تماماً ليحل محلها ملامح أكثر سلاماً وسعادة وهو يبتسم لها ويعرض ذراعيه قائلاً بالايطالية:
– إشتقتُ.
انعشت تلك الكلمة البسيطة قلبها وأردفت بلغة مماثلة:
– وأنا كذلك.
التفتت حولها تبحث عن شئ ما يعلمه جيداً لذلك تساءل بترقب:
– هل تبحثين عن شئ؟
أومأت قائلة وعينيها تدور في المكان:
– نعم أبحث عن مساعدة خبيرة التجميل،، لقد ذهبت لتحضر مشروباً لنا وإلى الآن لم تعد.
بدى وكأنه يبحث معها ثم قال وهو يضيق عينيه ليبدو متذكراً:
– عندما كنت أصعد الدرج قابلتُ فتاة سمراء تتحدث عبر الهاتف ثم ركضت باكية،، يبدو أنها تلقت مكالمة حزينة.
اقترب قليلاً منها ثم دقق في عينيها قائلاً برومانسية ومشاعر رجلٌ عاشق بعيداً تماماً عن ذلك الرجل الذي كان عليه منذ قليل:
– أتحتاجين إلى مساعدة جميلتى؟،، ها أنا ذا.
تحمحمت بخجل وتوردت وجنتيها وهي تبتعد خطوة للخلف ثم قالت بتوتر:
– حسناً دعني أخبر السيدة سيمون أن مساعدتها ربما رحلت لأنها تنتظرني وأنت اذهب وتجهز حتى لا تتأخر على كتب الكتاب.
دار عينيه على ملامحها وخصلاتها وعيناها ثم أومأ مبتسماً كحملٍ وديع قائلاً:
– حسناً جميلتي،، أراكِ بعد قليل.
غمز لها بعينه والتفت يغادر لتتحول ملامحه بعدها ويعود لجموده بينما هي زفرت بقوة ودلفت حيث تنتظرها خديجة والسيدة سيمون خبيرة التجميل.
يجلس ميشيل في مكتبه يضحك بقوة ظناً منه أن خطته نجحت وهو يتحدث مع رجله عبر الهاتف قائلاً:
– أووو يا للحزن، مؤكد سيصدمون من موت العروس المفاجئ، ولكن لا بأس، سيكن كتفي جاهزاً لمواساة صغيري.
تحدث الرجل وهو يقود متجهاً للمطار ليغادر على الفور:
– نعم سيد ميشيل لا تقلق مؤكد الآن قد فارقت الحياة، برغم أنني وجدت صعوبة في الوصول إليها طوال تلك الفترة فهو يضع حولها حراسة من جميع الإتجاهات، والآن أنا في طريقي إلى المطار لأعود إيطاليا في الحال.
تحدث ميشيل بجمود وحقد:
– أعلم ذلك، ولذا فقد ضاعفتُ لك المبلغ يا فتى لا تكن ثرثاراً، والآن هيا أغلق، أراك عندما تعود.
أغلق ميشيل وعاد بظـ.هره على مقعده يتنفس براحة، موتها بتلك الطريقة لن يتسبب في إثارة شكوك، فتسفسر على أنها أزمة قلبية مفاجئة، لقد أنتقى تلك الطريقة التى يستعملها مع الشخصيات الهامة خصيصاً حتى يتجنب عداوة صقر وغضبه.
أما الرجل الذي كان على وشك الإقتراب من المطار تفاجأ بسيارة تقطع طريقه وتمنعه من إكمال سيره.
نظر بصدمة حوله فلم يلاحظها ويرجع الفضل في ذلك لمكالمته مع ميشيل.
ترجل شخصاً ما من تلك السيارة يحمل سلاحاً بين يديه ويخطو صوب هذا الذي علم جيداً مصيره.
في منزل عفاف.
تجلس ليلاً تشاهد التلفاز هي وزينب وطفلتها حيث ما زال سامح في عمله.
كانت تتابع ولكنها شاردة تفكر في أمرٍ ما بعدما أخبرتها نهى بخبر زفاف صقر اليوم.
لاحظت زينب شرودها وعدم اندماجها مع تلك الأخبار التى تعرض، زفرت زينب ونظرت لصغيرتها المنشغلة بالألعاب ثم لفت نظرها صوب عفاف متسائلة بترقب:
– مالك يا طنط بتفكري في إيه؟
انتبهت لها عفاف لذا عدلت من وضعية جلوسها وتحدثت:
– النهاردة فرح صقر إبن ناصر، ونهى راحة هي وجوزها، وأنا خايفة سامح لو عرف يزعل.
تحدثت زينب بتروى وحسم:
– يبقى بلاش تقوليله يا طنط، مش لازم يعرف لإنه بيحاول يبين إن الموضوع ده مبقاش يهمه بس هو فعلاً بيضايقه، لما هو يحب يعرف عنه حاجة هيسأل وقتها نحاول نصلح ما بينهم غير كدة بلاش نفتح الموضوع ده.
زفرت تومئ بهدوء واقتناع ثم تحدثت بضيق:
– طيب وبنتي يا زينب؟،، هو ينفع اللي هي بتعمله ده؟
تحدثت مجدداً بتعقل:
– هو ده الصح يا طنط، كل ما نهى تقرب من أخوها صقر هيكون فيه أمل إن علاقته بسامح تتحسن، وحضرتك لازم تفرحي بده لإن سامح مش هيرتاح طول ما جواه كره لأخوه، خلاص يا طنط الماضي راح لحاله وأكيد إنتِ دلوقتي عارفة إن صقر مالوش ذنب في اللي حصل زمان.
شردت عفاف تفكر قليلاً، ربما زينب محقة في حديثها، ربما تحاملت على هذا الإبن قليلاً.
خصوصاً بعد حديث نهى معها عنه، وعن وحدته وسكونه وحالته التي اشعرتها بالقليل من الرأفة عليه، لذا فيبدو كلام زينب مقنع لها ولا يوجد داعي لإخبار سامح بذلك.
بعد ساعة في ڤيلا صقر
أغلق هاتفه بعدما تأكد من جلب رجل ميشيل إلى وكره،، لو كان هناك متسعاً من الوقتِ لذهب إليهم الآن ليطفئ لهيب غضبه وليقتص منهم ويحاسبهم بقانونه هو، ولكن تنتظره حبيبته وعليه إتمام كتب الكتاب بعد قليل،، فليتركهم يتذوقون شعور الرعب قبل عقابهم.
ارتدى بدلة سوداء من ماركة سيزار اتوليني المصنوعة يدوياً بحرفية عالية وتصميم رائع كلاسيكي تضخ بالفخامة والثراء.
قميصه الأبيض وربطة عنقهُ السوداء مع حذائِهِ الكلاسيكي الأسود الفحمي جعله غاية في الوسامة.
حتى خصلاته المائلة للون العسل هندمت بعناية ثم أكمل طلته برذاذات من عطره المميز من ماركة floris london.
زفر مطولاً ثم التفت يحمل علبةٍ ما ويدثرها في جيبه ثم خطى للخارج ومنه للأسفل حيث ينتظره ماركو الذي ما إن رآه حتى أطلق صفيراً بإعجاب من هيأته.
قلب صقر عينيه بملل قائلاً:
– لن تكف عن أفعالك الصبيانية تلك!
تحدث ماركو بحماس ومرح:
– لا لن أكف، ولن أصبح مثلك أعيش في العصر الجليدي، هيا يا قطعة الثلج تفضل أمامي كان الرب في عون تلك الفتاة.
تحرك لا مبالياً بحديثه وخرج لحديقته فتفاجأ بشقيقته تنتظره خارجاً مع زوجها وصغارها وقد أتت لتحضر زفافه.
سعد برؤيتها حقاً،، فهو مهما أظهر عدم احتياجه لأشخاص حوله ولكنه بحاجة لدعمٍ له خصوصاً في هذا اليوم المميز، لذلك طلب من ماركو الحضور.
تقدم منهم ومد يـ.ده لزوجها يبادله السلام ثم رحب بها ثم بالطفليين.
تحدث بنبرة هادئة لينة تنافي شخصيته:
– شكراً إنكوا جيتوا.
ابتسمت له نهى بحنو وأردفت بصدق:
– لازم أحضر فرح أخويا الصغير.
اومأ لها بملامح ثابتة ثم أردف وهو يتقدمهم:
– تمام، يالا بينا.
تحركوا جميعهم إلى الڤيلا المجاورة ثم دلفوا حيث يقف في انتظارهم عمر ومحمد الصديق القديم لشفيق والذي جاء بدعوة من آسيا هو وابنتيه ليكون وكيل العروس.
رحبوا بهم وتوجهوا للجهة الخلفية حيث الحفل القائم وبعض الحضور الذين يتمثلون في عائلة خديجة والسيدة لبنى التى دعتها آسيا لتشهد على زفاف نارة ولتعرفها على أنها صديقتها.
كما تم دعوة جيرانهم وبعض صديقات مايا اللاتي تفضلهن.
كانت الأجواء رائعة ومبهجة، جلس الحضور حول الطاولات المنظمة بطريقة كلاسيكية خاطفة للأنظار.
يجلس المأذون على طاولةٍ مستطيلةٍ ويجاوره السيد محمد وينتظران وصول العروسان.
أما صقر فاتجه لآسيا يمد يـ.ده مرحباً بها ثم تساءل بترقب:
– هل انتهت نارة؟
أومأت له بملامح نقشت عليها السعادة فابتسم ومر من جوارها متجهاً لداخل الڤيلا ثم للأعلى ليصطحبها.
كانت تجلس في غرفتها بعدما انتهت السيدة سيمون من عملها وغادرت،، فستانها أبيضاً ناصعاً كقطعة سحابٍ سقطت من السماء،، مشغولاته رقيقة وبسيطة فبدى كرداء الأميرات،، أكمامه طويلة وصلت لكفها واخفت منتصفه، صدريته مزجزجة لا تظهر شيئاً سوى عنقها،، خصلاتها الطويلة التى أخذت وقتاً طويلاً لتصبح ملتفة في شكل زهرةٍ جورية دقيقة منسدلاً منها طرحة شفافة بأطراف منقوشة وورود تطريزية توزعت على أرضيتها التى تملأ منتصف الغرفة.
وأما عن ملامحها فلم تتغير،، فقط تزينت بالمستحضرات التى برزت جمالها،، مع رسمة عينٍ ساحرة وأحمر شفاه قانى فظهرت في هيئة مهلكة يغلفها الهدوء والرقي.
كانت مايا وخديجة تجلسان معها بعدما تجهزتا وتتحدثان عن تلك السيدة سيمون وعن دقة عملها.
طرق الباب فأسرعت مايا تركض وتفتحه فظهر صقر بوسامته يبتسم لها قائلاً برتابة:
– جئت لآخذ جميلتي، فهل ناديتِها من فضلك؟
نظرت خلفها تطالع شقيقتها بسعادة ثم قامت بفتح الباب على مصراعيه قائلة وهي تشير بيـ.دها بحماس لرد فعله:
– ها هي تفضل.
تسمرت قدميه في مكانهما يطالعها بنظرة ناطقة، نظرة تخبرها كم هي ساحرة القت تعويذتها على قلبه فبات عاشقاً لها للأبد، نظرة تثرثر بالكثير وتؤكد على جمالها دون التحدث ببنت شفة.
وقفت تفرك كفيها ببعضهما بحرج من نظرته ووسامته التى جعلت من قلبها طفلاً مشاغباً بينما وقفت خديجة تتجه لمايا وتسحبها معها للخارج لتعطي لهما الخصوصية قائلة:
– تعالي ننزل إحنا يالا.
بالفعل نزلتا سوياً وتقدم صقر يخطو بإتجاهها ثم وقف أمامها يبتسم وعينه لم تتزحزح من عينيها ثم أردف بحبٍ تملك كيانه:
– أحببتكِ وأحبكِ وسأحبكِ دوماً.
توغلتها تلك المشاعر الآسرة وتحدثت بقلبٍ متراقص سعيد:
– وانا أحبك بكل جوارحي، وسأظل أحبك للأبد.
إبتسم لها ثم ابتعد قليلاً ولف ذراعه لتضع يدها به وتحرك معها إلى الأسفل.
نزلا الدرجات بتهمل وقلبيهما يسبقانهما للخارج ثم خرجا سوياً من الباب المؤدي للحديقة الخلفية حيث الحضور فتعالت التصفيقات والتصفيرات وانفجرت الأضواء في سماء الڤيلا تعلن عن سعادة تكتمل وتوثق.
جلس صقر على طاولة كتب الكتاب وجلست نارة تجاوره وبدأ المأذون في إلقاء الخطبة عن العلاقة الزوجية في الإسلام وكيفية التعامل بينهما،، استمعت له نارة بتركيز واعجاب بينما صقر كان يود لو أنه يسحبه من عنقه ليسرع.
نظر لها فجأة نظرة متملكة، ينفث حريته التى قيدها لأشهر ليقف ويساعدها تقف أيضاً متسائلة عن سبب ذلك وقبل أن تدرك مقصده انحنى عليها فجأة يقبلها أمام جميع الحضور قبلة يثبت بها ملكيته بعدما خطط لها ولتوقيتها جيداً، قبلة عاشقة من رجل الظلام يؤكد لها أن القادم ليس هيناً أبداً.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية العربي
لم أغدر يوماً بأحدٍ أو أخون ولن أفعل، دوماً كنتُ محل ثقةً لمن قصدني، دوماً سعيتُ لسعادة من حولي، لذا ظننتّ أن الجميع مثلي ونسيتُ أن بعد الظن إثم.
تفاجأ الحضور من جرأته وفعلته، أما هي فحاولت الإبتعاد وقبل أن تفعل وجدت رأسها مكبلة بيده، يقبلها بنهم وهو في حالة خدر كأنه يتذوق فاكهة الخلود.
في بادئ الأمر أراد أن يثبت لها وللحضور ملكيته فيها ولكن ما إن لامست شفتيه خاصتها وجدت نفسه يغرق مقيداً في تلك القبلة، مجبوراً على تذوق المزيد، فالتوقف الآن ليس في استطاعته.
أما هي تشعر وكأن أحدهم جردها من ثيابها أمام الجميع، لم تتخيل أبداً فعلته تلك والتى سيكون لها عقاباً رادعاً، فحتى أنه أضاع عليها لذة المشاعر لقبلتها الأولى بسبب خجلها ولن تغفر له ذلك.
أما خديجة فأسرعت تدير وجهها عنهما بعدما توردت وجنتاها خجلاً تحت أنظار ماركو الذي صب تركيزه عليها منذ أن نزلت إلى الحديقة يحسبها هينة وفي الحقيقة بينها وبينه كمن يقف على الأرض ويشاهد نجماً في السماء.
حتى عائلتها جميعها شعروا بالحرج ولفوا وجوههم ليتجنبوا النظر لتلك القبلة التى يفترض أن تكون خاصة بهما دون وجود أحد.
حتى آسيا شعرت بالحرج من فعلته.
الوحيدة التى تصفق لهما بسعادة هي تلك المتمردة مايا، تلك الجميلة التى تقفز كالأطفال وتصفق وتصفر كأن سعادتها ارتبطت بسعادة شقيقتها.
يتابعها عن بعد عمر الذي تراوده أفكاره للذهاب إليها وسحبها للداخل ويلزمها بتبديل هذا الفستان شبه العاري الذي غضب عندما رآها ترتديه.
يعلم أنه أحبها ولكن عليه سحق هذا الشعور الغير جائز لكليهما، لذا فهو يقف يتابعها ويدعي الثبات وهو أبعد ما يكون عنه.
أما نارة فلم تجد سبيل للخلاص إلا بالضغط على قدم صقر بحذائها ليعود لرشده، وبالفعل ضغطت بقوة على حذائه فتألم فاستعاد وعيه لذا بدأ يحل وثاق شفتيها من بين خاصته ليبتعد ببطء وينظر بعيون شبه مغلقة من فرط المشاعر لملامحها التى تشتعل بخليط من الخجل والغضب.
ابتسم على هيأتها وتحدث لا مبالياً أمام عينيها:
"مبارك زوجتي الجميلة."
اخفضت نظرها عنه ووقفت تخجل من النظر في عين الحضور، لولا حكمتها في وزن الأمور لكانت تركته ودلفت وليحدث ما يحدث، كيف يفعل تلك الحركة الخاصة أمامهم هكذا دون خجل؟ لقد أحزنها حقاً منذ اللحظة الأولى التى أصبحت فيها زوجته.
"إهدئي الآن يا نارة حتى لا تنتزع سعادة الجميع ولتتركي الحساب لاحقاً."
أما هو فلف ذراعيه حول خصرها المتصلب ومال عليها يردف بهمس ومغزى وجرأة غير معهودة:
"لا داعي لتصلب جسدكِ جميلتي، أعلم جيداً كيف أجعله يلين."
أصطبغت وجنتيها حمرةً وصُدمت من جرأته التى يبدو أنه أدخرها لهذا اليوم، تنهدت بقوة ثم مالت على أذنه تردف بالقليل من الحدة:
"أنت تسببت في إحراجي وحزني، فليمر الحفل بسلام وسيبقى لكل مقالٍ مقام."
هل تهدده أم هيئ له؟ تمنى أن يكون فهمها بطريقةٍ خاطئةٍ وأنها فقط تمازحه، فتصرفه طبيعياً جداً في تلك اللحظة.
أخرج العلبة من جيب سترته ولف يقابلها ثم تناول بهدوء كفها الأيمن ورفعه لفمه يلثم موضع خاتم الخطبة ثم نزعه برقة وهي مستسلمة تنظر لعينه بترقب.
تناول كفها الأيسر يلبسها الخاتم في خنصرها الأيسر ليؤكد أنها باتت زوجته.
لثم كفها الأيسر أيضاً واعتدل يغمز لها بعينه لتتنفس بقوة وتحاول لف عينيها الملتمعة عنه.
فتح العلبة أمام الحضور وأخرج منها قلادة تابعة لوالدته، قلادة تعد من أثمن الأشياء لديه ليس بسبب هذا الحجر النادر الذي يعد ممن أندر الأحجار ويدعي (حجر السيرينديبايت) ولكن لأنه ذكرى من والدته الغالية.
يبدو أن هذا الحجر الكريم صمم خصيصاً لمارلين فقط نقش إسمها عليه ولهذا فهي أحق البشر به. هي التى ستأخذه إلى العالم التى تمنت مارلين أن يذهب إليه، يعترف داخله مهما كابَر أنه أضاع بوصلة مساره ولكنه وجد من تمتلك خريطة المسار الصحيح، لذا فهى أحق الناس بتلك القلادة.
تناول السلسال بين يديه ووضع العلبة على الطاولة المجاورة ثم نظر لها بحب ليردف بترقب:
"هل تسمحين لي جميلتي!"
تنفست بقوة وهي تنظر للقلادة بتعجب، تعلم أنها ثمينة فقد قرأت عن تلك الأحجار وتعلم ندرتها، لتسأله عن ذلك ولكن ليس الآن.
أومأت له تحاول إزاحة طرحتها ليتسنى له تلبيسها وبالفعل مالت عليه قليلاً برأسها ليلف يديه حول عنقها ويلبسها تلك القلادة بهدوء أمام عيون الحاضرين.
ابتعد ينظر للقلادة بعمق ثم لها، نظرة فسرتها هي على أنها احتياج مختلط بالإنتصار، نظرة جديدة تراها الآن منه ولكن تبدو ناطقة وكأنه يريد قول شئ تعجز لسانه عن نطقه.
بدأ الحفل يأخذ مجراه وتناسا الحضور تلك القبلة وجاهدت هي لتتصنع السعادة بينهم ولكنها ما زالت محرجة خصوصاً وأن قبلته لم تكن عادية، أما هو فيقف مجاوراً لها لا يتركها أبداً حتى عندما اتجهت لترحب بالحضور مع والدتها.
بعد دقائق استأذنت أسرة خديجة لتغادر الحفل وقد سمح بهجت لإبنته أن تظل لبعض الوقت وبالفعل وقفت تتحدث مع مايا عن فستان نارة وتفاصيله بعدما غادرت صديقات مايا.
لفت عينيها تجول المكان وهي تتحدث فتوقفت عند ذلك الذي كان يصوب نظره عليها، غمز لها بعينه وابتسم ابتسامة جعلتها تشمئز وتبعد وجهها عنه مرددة:
"استغفر الله العظيم."
تعجبت مايا ولفت تنظر لمرمى بصرها فرأته فعادت بوجهها إليها متسائلة:
"مالك يا ديچا؟ عمل إيه المز ده؟"
نظرت لها بحنق قائلة:
"مز إيه بس صلي على النبي، ده واحد شكله مش مضبوط خالص، ربنا يكفينا شره."
ضحكت مايا عليها عالياً أمام عين عمر الحانق وقالت بمرح:
"إنتِ فظيعة يا ديچا، ده قريب صقر، ومش مسلم، يعنى اطمني مينفعكيش، بس متنكريش إن هو مز."
قلبت خديجة عينيها وهزت رأسها بعدم اقتناع من حديث مايا ثم زفرت قائلة بضيق:
"مايا أنا هروح أسلم على نارة وأمشي، يالا سلام."
ودعتها ووقفت تتجه حيث تقف نارة ترحب بإبنتي السيد محمد.
مالت عليها قائلة بهمـ.س:
"نارو أنا همشي بقى علشان إنتِ عارفة إني بنام بدري، ألف مبروك يا حبيبتى."
دارت نارة تجاهها ثم عانقتها فجأة بحنو قائلة بامتنان:
"شكراً يا خديچة، شكراً على كل حاجة عملتيها علشاني."
ابتعدت خديجة عنها تردف معنفة بعيون لامعة تبادلها الحب الأخوي:
"شكر إيه بس هو أنا عملت إيه يا نارو، يالا أشوفك على خير."
أومأت لها نارة بينما نظرت إلى صقر تردف باحترام وهدوء:
"مبروك يا صقر بيه."
أومأ لها مبتسماً فتحركت تغادر الحفل وتبتعد عن أنظار هذا الذي صُدم من تجاهلها له بل ومغادرتها الحفل بسببه وهذا يحدث معه للمرة الأولي.
بعد وقتٍ وقف عمر يتابع مايا من بعيد، يبدو أنها تتعمد تجاهله، فمنذ بداية الحفل وهي حتى لم تنظر إليه، ربما أخطأ في حديثه الأخير معها ولكنه أراد أن يبعدها عن طريقه، هي بالأساس تخطو في طريق مختلف، طرقهما لا يلتقيان.
اتجهت إليه السيدة لبنى لتودعه قبل أن تغادر مع مساعدتها السيدة نادية بعدما ودعت آسيا وشكرتها على دعوتها حتى لو عرفتها على أنها صديقتها يكفيها حضور فرح تلك الصغيرة الجميلة نارة.
تحدث باحترام وود لتلك السيدة التى هي بمثابة أمٍ له:
"لسة بدري يا أمي، خليكي كمان شوية."
ربتت على كتفه مردفة بحنو:
"مينفعش اتاخر برا أكتر من كدا يا عمر علشان الدار، عن إذنك يا حبيبي، وعقبال ما افرح بيك مع بنت حلال تحبك زي ما فرحت بنارة وشوفتها عروسة، ربنا يسعدكوا يا إبنى يارب."
نظر لها بامتنان ثم تحدث بهدوء:
"تسلمى يا أمي، بس ثواني هاجي أوصلكوا."
أوقفته تمنعه قائلة:
"مافيش داعي أبداً، السواق معانا برا، يالا يا حبيبي مع السلامة."
اتجه معها حتى أوصلها لسيارتها ثم عاد مجدداً للحفل الذي قارب على الإنتهاء بعدما غادر معظم الحضور.
بعد وقتٍ آخر تقف نهى وأسرتها تودع شقيقها وزوجته نارة بعد أن باركت لهما ثم غادرت مع زوجها وطفليها ولم يتبقى سوى آسيا ومايا وعمر وماركو فقط مع العروسين.
نظرت نارة إلى آسيا بعيون لامعة، ها قد حانت اللحظة التى ستترك فيها منزلها وتذهب لمنزله، ستستيقظ دون وجود والدتها وشقيقتها ولكن ستجده هو ما إن فتحت عينيها.
نزلت دموع آسيا واحتضنت إبنتها الغالية تعانقها بقوة شديدة، كأنها لا تود تركها.
مال ماركو على أذن صقر وأردف بهمـ.س ساخراً:
"أولم تنتقل للفيلا المجاورة يا رجل؟ ويلٌ لهؤلاء النسوة يعشقن البكاء حتى في لحظات السعادة، إنهن مصدر الكآبة حقاً."
لم يعره صقر إهتمام بل نظر لآسيا وتحدث حتى يفك حصارها من حول زوجته قائلاً بثقة:
"أعتقد أنكِ تبالغين سيدتي، يكفي أن تفتحي نافذتكِ صباحاً وستريها."
ابتعدت بالفعل عن نارة التى بكت أيضاً وهذا ما أزعجه، ظهور دموعها لأول مرة أمامه كان لها تأثيراً سلبياً على مشاعره.
تحدثت آسيا بحب وهي تنظر إلى إبنتها:
"صقر معاه حق يا حبيبتى، حقك عليا خليتك تعيطي يوم فرحك، يالا روحي مع جوزك."
أومأت لها نارة واتجهت تعانق مايا التى التصقت بها بقوة، بادلتها نارة ثم ابتعدت تبتسم لها فوجدتها تبكي أيضاً كالأطفال مردفة:
"نارو هو إنتوا مينفعش تيجوا تعيشوا معانا هنا؟"
ابتسمت نارة عليها بينما تحدث صقر بثبات:
"إيه رأيك لو نعكس الوضع؟"
نظرت له مايا بتفكير ثم تحدثت بتحشرج:
"مش هينفع طبعاً."
هز كتفيه لها بمعنى أن الأمر مماثل له بينما نظرت نارة إلى عمر تردف بامتنان:
"شكراً يا عمر على وقفتك معانا وعلى التحضيرات اللي باشرت عليها، حقيقي تسلم."
نظر لها بود وسعادة فقد تزوجت من هي بمثابة أختٍ له دون حتى أن تعلم أنه هو أخوها عمر ولكن يكفي أن تكن سعيدة دوماً، تحدث برتابة قائلاً:
"متقوليش كدة أنا معملتش غير واجبي."
وأخيراً نظرت له تلك المتمردة، نظرة فخر به وبحديثه وبمساندته لهن، بادلها بنظرة هادئة لتبعد عينيها عنه وتدعي اللا مبالاة مجدداً.
تنفست نارة بقوة لتهيئ نفسها للقادم بينما لف صقر ذراعه حول خصرها يردف بحب وغموض:
"لنذهب الآن جميلتي؟"
أومأت له واتجها إلى ڤيلته وتبعهما ماركو بناءاً على تعليمات صقر الخفية.
أما عمر فتحمحم ونظر إلى مايا فوجدها تدعي الإنشغال عنه لذا تحدث إلى آسيا قائلاً بتروي:
"عن إذنك يا آسيا هانم، تصبحوا على خير."
أوقفته آسيا قائلة بنبرة حنونة:
"خليك هنا النهاردة يا عمر؟ مافيش داعي تروح دلوقتي ادخل نام في الملحق وكدة كدة إنت هتكون هنا بدري."
تنفس بقوة، لا يود ذلك ولكن حقاً سيكون هنا صباحاً ليوصل تلك المتمردة إلى جامعتها لذا نظر في ساعته فوجدها قاربت على منتصف الليل فرفع نظره إليها قائلاً:
"مافيش داعي يا آسيا هانم الوقت مش متأخر أوي، عن إذنكوا."
أومأت آسيا وتركته على راحته، لا تعلم لما عاد لمنزله مجدداً ولم تسأله ولكن بعد زواج نارة هي تحتاج إليه أكثر من ذي قبل، فهى رأت التغيير الإيجابي الذي ظهر على مايا خلال تلك الأشهر وتخشى عودتها لما كانت عليه لذا فوجوده حولهما أنسب قرار خصوصاً بعدما أثبت حسن أخلاقه وتعامله معهن.
غادر وظلت مايا تنظر عليه حتى غاب عن عينيها لتتنفس بقوة ثم تلتفت للداخل مع والدتها.
في ڤيلا صقر
وصلوا ودلفوا الحديقة بينما دار صقر لينظر إلى ماركو قائلاً بغموض:
"انتظرني هنا."
أومأ بثبات وتوقف مكانه وأكمل صقر طريقه مع نارة حتى وصلا إلى باب الڤيلا ثم فتحه ودلفا سوياً وأغلق خلفه.
تمـ.سك بكفها يطالعها بحب وسعادة وتطالعه هي بتوتر وخجل.
صعدا معاً إلى غرفتهما، تتحرك معه بجـ.سدٍ على وشك الإختفاء، ولو تعلم كيف تختفي الآن لفعلتها، نبضاتها تدق بعنف من شدة توترها وخجلها، يشعر بها جيداً ويقدر حالتها، ولكن عليها أن تهدأ وتطمئن فلن تجد بشراً أحن عليها منه.
فتح باب غرفته ودلفا سوياً ثم توقف في منتصفها يلفها إليه قائلاً بهدوء ليبث فيها الطمأنينة بعدما رأى شحوب ملامحها:
"أشعر في هذه اللحظة أنني ذئبٌ مفترس، اهدئي غاليتي فلم ولن أمسسكِ بسوءٍ أبداً، فقط سأحبكِ دوماً."
هي تحاول، تحاول أن تهدأ ولكن تخالفها أفكارها ومشاعرها، حتى أن فكها أصبح يرتعش ولا تستطيع السيطرة عليه.
أنزل بصره إلى فكها ليقابل شفـ.تيها التى تتحرك لا إرادياً فباتت كنداهة تناديه ليلبي طلبها على الفور وينحني متذوقاً إياهما مجدداً بتهمل وعشق.
تلك المرة لم يكن داخـ.لها ذرة غضب، بل خجل ودهشة من تلك المشاعر، اتخذت هذه كقبلة أولى لها عن تلك الأخرى المخجلة، شعور غريب أشبه بتذوق قطعة نادرة من الشوكولاتة السويسرية.
كفيه احتضنت وجهها وغاص معها داخل تلك الدوامة الرائعة، يحاول مجدداً أن يبتعد ولكن تجذبه قبلتها كأرضٍ تحتضن سكانها.
ابتعد أخيراً بعدما شعر بحاجتهما للتنفس وبالفعل تنفسا بعمق ثم ابتسم يردف وعينيه مغلقة وجبينه مستنداً على جبينها يقابل عينيها المغلقة أيضاً:
"الآن يمكنني بسهولة الإقلاع عن التدخين، لتحل قبلتكِ المُخدرة تلك محل سيجارتي اللعينة."
مبعثرة هي الآن وتائهة بين مشاعر جديدة وأفكار صاخبة وحديثه الممتع، تريد أن تتحدث بأي كلام ولكن خانها لسانها فلم تستطع النطق.
ابتلع لعابه وجاهد للتحكم في مشاعره التى اشتعلت ثم قال بهدوء:
"ناردين، انظري إلي."
فتحت عينيها ببطء لترفعها إلي عينه فابتسم على هيأتها ثم تحدث بتروي:
"إسمعيني، الآن سأذهب لمدة ساعة، سأوصل ماركو للمطار فكما تعلمين تلك زيارته الأولى لمصر وعليّ أن أوصله بنفسي، لن أغيب عنكِ سوى ساعةً واحدةً، هل تقبلين؟"
تعجبت من حديثه حتى أن مشاعرها تبخرت لترتطم بواقعها، أيود تركها الآن؟ ولسببِ تراه غير مقنعاً، عن أي توصيل يتحدث أيعد هذا الماركو طفلاً صغيراً؟
ولكن ربما كان محقاً، فماذا عليها أن تفعل سوى القبول، ولتعتبر تلك الساعة هدنةً لها لتتخطى هذا التوتر والخوف ولتضبط أمورها، ولكن أولم تكن تلك مهامه، هو من عليه تهدئتها، هو من يجب أن يحتويها ويطمئنها؟
أدرك حيرتها وتعجبها فتابع محاولاً إقناعها بنبرة أكثر سحراً:
"حسناً هناك مفاجأة ولكن لن أتحدث عن تفاصيلها الآن، فقط سأذهب ساعةً واحدةً وأعود على الفور."
أومأت له بعد أن استطاع إقناعها ثم تحدثت بهدوء ونعومة وصوتٍ متحشرج:
"حسناً سأنتظرك، ولكنك أحزنتي اليوم بسبب تلك القبلة، لتضع هذا في حساباتك."
وضع سبابته على شفتـ.يها يتلمـ.سهما ببطء لتغمض عينيها تأثراً من فعلته ثم قال وعينه معلقة عليهما:
"إن أخبرتكِ أنني لم تكن نيتي التمادي هل ستصدقين؟ فقط كنت أود تقبيلكِ قبلة عابرة أعبر بها عن سعادتي بدخولكِ إلى حياتي ولكن ما إن لامـ.ست شفتاي خاصتك وجدت نفسي أسيراً بهما، ولهذا ليس على الأسير حرج."
هو بارع باللعب على أوتار مشاعرها، فقد استطاع حل الأمر بكلمتين، تلك النارة التى دوماً حكمت عقلها أولاً واتخذت قراراتها بالمنطق والتأني ها هو يسحرها بكلماته لتومئ برأسها وتبتسم له قائلة بهدوء وحب:
"عد سريعاً."
أومأ إيماءةً واحدةً قائلاً:
"لكِ ما تريدين."
تحرك مجبراً من أمامها ليتركها في غرفته ويغلق الباب ثم ينزل للأسفل ومنه للخارج ثم أوصد باب الڤيلا الأساسي واتجه إلى ماركو الذي ينتظره وقد تبدلت ملامحه ليحل محلها الوجه المظلم له وتحركا للخارج حيث البوابة.
نظر للحارس الإيطالي وتحدث بنبرة جليدية مخيفة:
"إن مرت ذبابة للداخل فسأدفنك معها في قبرٍ ضيق، كن حذراً."
أومأ له بثقة وثبات ووقف الحارس المصري يطالعه بتوتر وقد ارتعب من نظراته.
استقل صقر سيارته وجاوره ماركو وتحركا لوجهتهما.
تحدث صقر بثبات يتساءل ليؤكد ظنونه:
"قلت أنك لم تخبر ميشيل ولا غيره؟"
لف ماركو له قائلاً بتأكيد:
"بالطبع لم أخبر أحداً."
أومأ ثم نظر له مع التفاف سيارته قائلاً بابتسامة خبيثة:
"إذاً حاسوبك تحت مراقبته."
تعجب ماركو يضيق عينيه لثواني ويفكر ثم تحدث قائلاً:
"حاسوبي أنا؟ تقصد ميشيل؟ كيف يفعل بي هذا."
ابتسم صقر ساخراً ثم تحدث بمكر مترقباً رد فعل ماركو:
"لنستغل هذا لصالحنا، فمنذ تلك اللحظة وميشيل أصبح على عداءٍ معي، خطط لقتل زوجتي بدلاً عن أن يبارك لي، إذاً هو من قرر اللعب ولستُ أنا، والآن عليك اختيار جهتك، معي أم معه."
ضحك ماركو وتحدث باستنكار وحسم:
"أجننت يا رجل؟ وتتساءل؟ أنت تعلم جيداً أنني أكرهه، بالطبع أنا معك."
أومأ صقر يبتسم بغموض ليبدأ عقله في ترتيب الأحداث القادمة وزاد سرعته بينما عاد ماركو إليه يتساءل بعد أن تذكر أمر تلك الفتاة:
"كان هناك فتاةً محجبةً تجاور زوجتك، من هي؟"
تحدث صقر بجدية محذراً:
"إبتعد عنها تماماً، هي بالنسبة لك كالشمس لمصاصي الدماء، ستفنيك."
لف يطالعه ويتعمق في تشبيهه، ربما لأنها متدينة، ربما لأنها مسلمة، ولكن ليس هناك مستحيلاً في الحياة، ليس هناك مستحيلاً في قاموسهم.
في منزل بهجت والد خديجة
يجلس بشرود يفكر فيما حدث في تلك الحفلة وأصحابها، عاداتهم وطباعهم ليست مناسبة لعائلته.
هو يسعى لرضا الله ورآى في نارة الفتاة الخلوقة والصالحة لذلك رحب بها وسط عائلته حتى ولو لم تكن محجبة.
ولكن ذاك العريس لم يرق له أبداً، لم يسترح لنظراته، وما فعله في الحفل زاد من قلقه منه.
جاءت خديجة من غرفتها بعد أن انتهت من تلاوة وردها اليومي، جلست مجاورة لوالدها تردف بحنو وترقب:
"اعمل لك فنجان قهوة يا بابا؟"
نظر لإبنته بعمق، أصبح في زمن يخشى عليها وعلى شقيقها منه، هو استودعهما عند الله الذى لا تضيع ودائعه ولكن نفسه البشرية توحي له بالخطر الحائم حول أسرته، لذلك عليه أن يحجبهما عن أي خوفٍ أو شبهات.
لاحظت شروده في ملامحها فتابعت بتساؤل:
"مالك يا بابا؟ حصل حاجة زعلتك؟"
استغفر قائلاً بتروي:
"الجدع اللى اتجوز ناردين ده مرتحتلوش يا ديچا، نظرته غريبة، ده غير صاحبه اللى ظهر النهاردة جنبه، لابس سلسلة وعامل وشم في دراعه، الناس دي مش زينا يا بنتي."
مدت يدها تلتقط يده بين راحتيها بحنو ودلكتهما قائلة بدلال أم لأبيها:
"فهماك طبعا يا بابا ومقدرة قلقك، بس صقر وقريبه حياتهم كلها كانت برا، وكمان باباه ومامته متوفيين من فترة طويلة وخاله اللى مربيه، ده غير إنهم مش مسلمين والوضع ده عادي عندهم."
هز رأسه رافضاً تحليل إبنته يردف بثقة:
"لا يابنتب، اللى عايز يمشي صح بيمشي، طب ما ناردين عايشة طول عمرها برا هي كمان بس هي بنت خلوقة ومحترمة، دي عملت كتاب أنا نفسي استفدت منه جداً، وجنبنا هنا جيراننا الأقباط ناس طيبين جداً ومتدينين، بس الجماعة دول فيهم حاجة مختلفة، حتى الحراس اللى على ڤيلته شكلهم يخوف، ربنا يستر على صاحبتك بس الأحسن يا بنتي خليكي بعيد عنهم."
تنهدت بعمق وحاولت تبادل النقاش فهي أصبحت لا تستطيع الإبتعاد عن ناردين لذا قالت بهدوء وصوتٍ منخفض ورتابة:
"حضرتك طبعاً أكتر خبرة منى، بس مش يمكن ربنا أراد أن الناس دي نتعرف عليهم ونشوفهم علشان هو عايزهم أفضل، يمكن نكون سبب أنا أو نارو أو حضرتك في إنهم يحاولوا يعدلوا مسارهم، ليه نبعد لما ممكن نقدر نعمل حاجة صح؟ مش ربنا أمرنا بكدة لما قال في سورة النحل بسم الله الرحمن الرحيم (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)."
صدق على كلام الله وأومأ يردف بقلق:
"بس إحنا مش ملزمين بإصلاحهم يا بنتي، أنا مش ولي ولا عالم علشان أقدر أقيمهم، هما لو عايزين يتغيروا هيتغيروا، أنا قدرتي تشمل عيلتي بس، علشان كدة أنا خايف عليكم."
تنفست بقوة، تقتنع بحديث والدها ولديها قناعة أيضاً بأن كل حدثٍ يحدث حولها له حكمة لا يعلمها إلا الله لذا تحدثت بحنو:
"متقلقش يا بابا، إحنا في رعاية ربنا إن شاء الله، وبنصدر بأخلاقنا وتربيتنا الوجه الحقيقي للإسلام، علشان كدة اطمن وتأكد إن ربنا ليه حكمة في تنظيم الأمور، ثم إن ناردين عاقلة وأنا متأكدة إنها هتقدر تخلي صقر يلتزم لأنه فعلاً التزم بشروطها طول فترة خطوبتهم، وبعدين مش حضرتك دايماً تقول إن يا بخت اللي ياخد بإيد حد عاصي؟"
نظر لإبنته لثواني ثم أومأ يردف بهدوء:
"أيوة يا حبيبتي، يمكن معاكي حق يا خديجة، بس للأسف بقينا في زمن يخوف، غصب عني يابنتى خايف عليكوا من الفتن."
مالت تنظر لعينه قائلة بيقين وثقة:
"متقلقش يا بابا، ربنا إن شاء الله يكفينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن."
ابتسم لها يطالعها بفخر لما وصلت إليه من حكمة وإيمان داعياً الله أن يزودها بعلمه دوماً.
بعد مدة في مكان صحراوي مظلم توقفت سيارة صقر وترجل منها هو وماركو يسيران باتجاه هذا المنزل الذي يحيطه سور نهايته وبدايته عند بوابة حديدية.
دلف ليجد عدداً من رجاله ينتشرون حول المكان.
نظر صقر بعينه لأحدهما فأومأ وخطى لداخل المنزل الذي يحتوى على بهوٍ واسع وغرفتين.
يوجد في البهو رجل يبدو عليه الرتابة يرتب أغراضاً ما وضعت بعناية على طاولة جانبية والذي لم يكن سوى (جرّاح متخصص).
وفي منتصف المكان ثلاث مقاعد قُيد عليها كلاً من الرجلين والفتاة.
أحكمت أذرعهم للخلف مقيدة بشدة وبطريقة مؤلمة وهذا يظهر من بكاء تلك الفتاة التى كانت ستساهم في قتل زوجته.
بينما أرجلهم قيدت بحبال متينة مؤلمة.
رأته تلك الفتاة فزاد نحيبها وتحدثت بشهقات تدل على تألمها مردفة بترجي وتوسل:
"أبوس إيديك أنا ماليش دعوة، هو أداني فلوس ومعاهم إزازة وطلب مني أحطها في العصير، أنا حتى معرفش في الإزازة دي إيه، أبوس إيدك خليني أروح."
ضحك ساخراً ووقف ينظر لها نظرة سوداء غير مبالياً بتوسلاتها قائلاً باللهجة المصرية حتى تفهم عليه وبنبرة تدب الخوف في قلب من يسمعها:
"تحبي تجربيها بنفسك؟"
قالها وهو يخرج الزجاجة من جيبه ويحركها أمامها لترتعش وتهز رأسها عدة مرات بعدما أدركت أنه لا يمزح.
نعم هي تعلم جيداً ما في هذه العبوة قبل أن تراها حتى، علمت ووافقت على وضعها في عصير العروس لتحصل فقط على القليل من المال.
زاد نحيبها وهي تحاول تحريك ذراعيها وقدميها بتألم لتجد مخرجاً آخر قائلة:
"لاااا، لا يا باشا أبوس إيدك سامحني، هما اللى غصبوا عليا وهددوني."
كان الرجلان يتابعان ما يحدث بصمتٍ تام وهما يدركان جيداً المصير الذي ينتظرهما فأحدهما مجرم متسلسل يعمل لحساب ميشيل والآخر منفذ لأي أمر من أجل المال.
تحدث صقر وهو يقترب منها ليعود للغته ونظرته المرعبة قائلاً:
"توقفي عن الكذب والثرثرة."
لم تفهم عليه ولكن نظرته كانت كفيلة لتخرسها.
أومأ يبتسم قائلاً بتوعد:
"جيد جداً، والآن لنجعل عينيكِ ترى هذا الحدث."
تحرك حتى وقف أمام الرجلين ثم وضع الزجاجة على طاولة أمامهما عليها كوباً من عصير البرتقال وأخرج من حول خصره سلاحه ووضعه بجانبهما ثم رفع نظره إليهما وابتسم قائلاً بتشفي:
"والآن سأبدو عادلاً، وأجعل كلٍ منكما يختار طريقة خلاصه."
تحدث رجل ميشيل الذي فهم عليه جيداً يقول بجمود برغم علمه أن مصيره هو القتل:
"ليكن لك الإختيار، واعلم أنك ستواجه نفس المصير، فكل الأشرار نهايتهم واحدة."
ضحك عالياً ليكشر عن أنيابه ثم قال بتباهي ينافي هذا الخوف الذي مر عليه سريعاً وغادر:
"هناك نهايات عظيمة حتى للأشرار ولكن بالطبع لن تكن نهايتك."
تبع جملته بتناول سلاحه المعلق به كاتم للصوت وقام بإطلاق رصاصة في منتصف صدر هذا الرجل دون تردد ليلقى مصيره في الحال.
صرخت الفتاة بانهيار فأشار لها صقر بعيون جاحظة واضعاً مقدمة المسدس على فمه في حركة تعني الصمت فأومأت عدة مرات وجـ.سدها أصبح يرتعش بينما الرجل الآخر كان شبه ميتاً.
فتح صقر تلك الزجاجة وأفرغ محتواها في كوب العصير ثم قام بتقليبه واتجه لهذا الرجل يقرب العصير من فمه قائلاً بتشفي وغضب:
"هيا، اشرب."
نظر له الرجل نظرة كره وحقد فلم ينتظر صقر المزيد من الوقت حيث ضغط علي فكي الرجل بيده اليمنى ثم أفرغ داخل فمه محتوى العصير كاملاً وابتعد واضعاً الكوب على الطاولة ووقف يتابع تأثير تلك المادة عليه وبالفعل بدأ جسد هذا الرجل يرتعش بشدة قبل أن يفارق الحياة هو الأخر بعد دقائق ليزيد من غضبه وهو يتخيل ما كان سيحدث.
أكانوا سيفعلون هذا في من يمكنه قتل الشياطين لأجلها؟ كانوا سيقتلونها بتلك الطريقة؟ يتخيل ماذا لو لم يلحق بها كيف سيكون مصيره حينها، كيف ستكون حالته؟
أما تلك الفتاة فقد توقفت عن الصراخ بعد ما رأته، لم تعد تترجاه فيبدو أنها وقعت في يد قاسي لا يرحم.
ومؤكد ستكون نهايتها مثلهما، ولكنه اتجه يقف أمامها ثم قال بلهجة مصرية وبابتسامة بدت كأنها ودودة:
"متخافيش، مش هقتلك زيهم، بس هكتفي بقطع لسانك، أظن إنك مش هتحتاجيه في شغلك، علشان مرة تانية لو حد عرض عليكي تقتلي عروسة متعرفيهاش يوم زفافها تفتكري كويس اللحظة دي، ولو حكيتي بأي طريقة عن اللي حصل دلوقتي هترجعي هنا تاني ومش هتخرجي."
هزت رأسها ونظرت له بعيون متوسلة باكية وصوت بدى شاحباً لتترجاه ولكنه تحرك لهذا الرجل الذي يقف أمام تلك الطاولة وقال بجمود قبل أن يتجه للخارج مع ماركو:
"تعلم ما عليك فعله."
اندفع للخارج بعدها وتبعه ماركو الذي شهد على كل ما حدث ليقف أمام رجليه قائلاً بجمود:
"نظفا المكان ثم خذا تلك الفتاة وابعداها عن هنا وأرسلا لي صور هذان المخنثان."
أومئا باحترام بينما تحرك ليغادر وماركو يتبعه متسائلاً:
"لمَ تركت الفتاة؟ ماذا إن وشت بنا؟"
ابتسم بثقة وهو يستقل سيارته قائلاً بعد أن جلس وجاوره ماركو:
"لن تفعل، والآن لأوصلك إلى المطار، فلدي زوجة تنتظرني."
تحرك بالفعل يقود متجهاً إلى المطار الدولي حيث ستقلع طائرة ماركو العائدة إلى إيطاليا.
في الثانية صباحاً
تجلس نارة على مقعدٍ في غرفة صقر بعد أن أبدلت ثوب زفافها وارتدت قميصاً حريرياً مناسباً لهذه الليلة.
تنتظره بملامح حزينة غاضبة، لقد أخبرها أن تنتظره ساعةً واحدةً والآن مر أكثر من ثلاث ساعات ولم يأتي وهاتفه مغلق.
لن تنسى أبداً ما فعله معها في هذا اليوم المميز، تخشى أن تصدق أنها وقعت في فخٍ نُصب لها بعناية.
تحاول تنقية أفكارها وتسعى لفرض حسن النية ولكن تجد أفكارها تقودها إلى مكانٍ مظلم.
ولكن ماذا إن أصابه مكروه؟ جلست بعقلٍ يتآكلها قلقاً وخوفاً وغضباً لا تعلم ماذا تفعل.
لقد استعملت كل وسائل الإقناع ولكن دون جدوى، حسناً، هل تركها ورحل؟
ابتسمت تهز رأسها لتنفض تلك الشحنات السلبية منه ووقفت عازمة أمرها على الخروج إلى الشرفة وإضاعة المزيد من الوقت ليحظى عقلها معه بفرصة أخيرة قبل أن تقرر قرارها الأخير.
ارتدت مئزرها واتجهت للشرفة التى تجاور شرفتها السابقة وجلست على مقعده الذي كان يجلس عليه أمامها يتابعها وهي تقرأ بتركيز.
زفرت مطولاً ثم نظرت حولها للمكان، الحرس يستبدلون أماكنهم، تبدو ملامحهم باردة، لاحظت مسبقاً أنهم لا ينظرون إلى عينيها، شردت قليلاً في أمرهم ولكن أخرجها من شرودها فتح بوابة الڤيلا وعبور سيارة صقر منها.
عاد الغضب إليها بعد أن اطمأنت لرؤيته سالماً، يكفي أن يكن بخير ولكن هذا لا يمنعها من الأخذ بالثأر لما فعله بها اليوم.
عادت للغرفة ثم خارجها ونزلت للأسفل وقبل أن تتجه للخارج وتكتشف وصد باب الفيلا عليها كان هو قد فتح الباب ودلف يطالعها وهي تتقدم منه والغضب يتلألأ في عينيها الجميلة.
ابتسم يلف وجههُ عنها مدعياً الخوف قائلاً:
"أوو، يبدو أن أحدهم سيبتلعني."
تجاهلت سخريته ونظرت له بضيق تشبك ذراعيها أمام صدرها متسائلة:
"أخبرني عذراً واحداً يجعلني أسامحك صقر، وحتى إن أخبرتني لن أسامحك."
ضحك يهز مكنبيه ويعرض ذراعيه أمامها قائلاً باستسلام:
"إذاً الأمر منتهي، لا داعي للثرثرة."
ظهر الحزن على ملامحها، والآن بات الموقف لا يحتمل المزاح، حتى أنه لمح غيمة دموع تحاول التحرر من عينٍ شامخةٍ تأبى سقوطها.
لعن نفسه ولعن كل من حوله، حتى عالمه المظلم لعنه، لقد تسبب في إحزانها حقاً، أياعني هذا الرجل من انفصام؟ أنسيَ قسوته منذ قليل؟ حقاً أنه ثري العشق والقسوة.
تقدم منها فابتعدت للخلف تشير له بيديها أن لا يحاول مجدداً اللعب على عواطفها.
زفر بقوة، لولا تأكده أنه مخطئاً لكان له رد فعلٍ مختلف فهو يكره الرفض ولكنه يلتمس لها العذر، لذلك حاول بطريقة أخرى قائلاً بهدوء:
"حسناً لن أطلب السماح ولكن دعيني أخبركِ أمراً، فقط لا عليكِ سوى الصعود للغرفة وتبديل هذا الثوب الذى أود تمزيقه بملابس مناسبة للسفر."
حسناً اختلطت الأمور على عقلها، من خجلٍ وغضبٍ وتساؤلات، هل قال سفر؟ أي سفر.
نظرت له بعيون متسائلة فأخرج من جيبه جوازين للسفر واحداً له والآخر تابعاً لها وبينهما تذكرتان لا تعلم هويتهما.
أشار لها بيده التى تحملهما قائلاً بنبرة مؤثرة:
"هذا سبب تأخيري، كنت أعد لكِ تلك الرحلة، فهل تقبلتِ إعتذاري يا سيدتي؟"
نظرت متعجبة لجوازها فكيف حصل عليه وأدرك سؤالها فأجاب:
"الفضل يعود للسيدة آسيا هي من جلبته لي دون علمكِ، والآن أخبريني هل ستأتين معي أم أذهب بمفردي؟"
نظرت له نظرة حانقة جعلته يبتسم ويعاود التقدم منها بعد أن استشف هدوءها وبالفعل سكنت قليلاً بعدما صدقت حجته.
وصل إليها ثم أعاد الجوازين إلي جيبه ورفع كفيه يحتضن وجهها ليمرر سبابتيه على وجنتيها بنعومة وهو يتشرب ملامحها قائلاً بحبٍ كأنه شخصاً منافراً تماماً لما كان عليه:
"آسف جميلتي، حقاً أعتذر وأعلم فداحة خطئي، وأعلم أن اليوم مميزاً بالنسبة لكلينا، ولكنني أستطيع أن أجعل القادم كله مميزاً، يكفي أن تبتسمي وسأجلب العالم أجمع تحت قدميكِ."
نظرت لعينيه تتفحصهما، إلى الآن لا تستطع قراءة ما يدور في عقله، لذلك أردفت بنبرة مؤثرة وثابتة:
"أنا لا أريد العالم كله صقر، أنا اخترتكَ أنت من بين العالم كله، أرجوك لا تخذلني."
لتكن جملتها تلك أولى الجمل المرعبة بالنسبة له، حتى أنها لأول مرة تلاحظ توتر نظرته وهذا أخافها ليعود سريعاً لرشده ويثبت أنظاره عليها قائلاً بثقة وتأكيد يخفيان خلفهما أوردة انقبضت خوفاً:
"لن يحدث مطلقاً."
أسرع يضم رأسها إلى صدره حتى لا ترى عينه، يضمها كي ينتزع منها الخوف الذي لاحظه.
استكانت قليلاً في عناقه التى تجربه للمرة الأولى، عناق رجلٍ مظلمٍ عاشق، عناق متملك مُحكم، وكم كان مميزاً دافئاً يشعرها بالأمان وينسيها أفكارها كمن لجأت لدبٍ قطبيٍ يحتضنها قبل التهامها.
أما هو بمجرد ما أن لامـ.س جـ.سده جـ.سدها واحتواها وبادلته هي واحتضنت خـ.صره بذراعيها وقد شعر أنه عاد طفلاً صغيراً، تذكر عناق والدته.
عاد لموطنه الأصلي ولحصنه الآمن من كل المخاطر التى تحوم حوله، نعم أنه كاذب مخادع ومكابر يكابر حتى لا يسمع صوت بقايا ضميره التى تصرخ بضعفٍ متألمة في أعماقه.
كان يضمها ليثبت لنفسه أنها ملكه، لن يسمح لها بالابتعاد، لن يقبل أن يكون بين يديها احتمالية تركه، ليقضي على كل الاحتمالات.
ابتعد عنها قليلاً قائلاً بهدوء منافي لبعثرة كيانه:
"هيا الآن نصعد لنبدل ثيابنا ونبدأ رحلتنا."
ابتسمت تومئ له قائلة بهدوء ونعومة بعد هذا العناق:
"حسناً، ولكن إلى أين؟"
غمزها بعينٍ واحدة يردف بغموض:
"مفاجأة."
أومأت وصعدا معاً إلى غرفتهما، وصلا الغرفة وتحرك صقر إلى غرفة الملابس ثم فتح خزنته وتناول منها شيئاً ما وأغلقها ثم انحنى قليلاً يحمل حقيبةً معدة مسبقاً وهى تتابعه بدهشة فيبدو أنه أعد كل شئٍ ليفاجئها.
التفت لها يبتسم ونظر لها قائلاً:
"هيا أبدلي ثيابكِ إلى أن أجلب بعض الأوراق من مكتبي."
أومأت له فتقدم منها يقبل جبينها قبل أن يتجه للخارج ويتركها.
نزل للأسفل وخطى عبر الممر الخلفي لدرجات سلم الڤيلا الداخلي حتى وصل أمام غرفة اتخذها مكتباً له.
أخرج المفتاح الذي جلبه من خزنته ودثره في فوهة الباب ليفتحه ويدلف ويغلق خلفه.
أضاء مصباحها واتجه يجلس خلف مكتبه ليفتح حاسوبه ويبدأ بفتح الملفات التى أرسلها له رجاله عن طريق الموقع السري الخاص بهم.
فتح المكالمة المرئية فظهر ميشيل عبر الشاشة يطالعه بغضب مردفاً بنبرة قاسية:
"ما هذا؟ أتتحداني؟"
زفر صقر وتحدث بجمود وقسوة مماثلة بل أشد قائلاً:
"لست أنا البادئ، أنت الفاعل، ما حدث كان رد فعل، واعلم جيداً أنني يمكن غفران المساس بي ولكن لا يمكن غفران المساس بزوجتي، لتكن هي خطي الأحمر من الآن وصاعدا، وإلا فقد أعلن الحرب بوسائلي التى لك كل الفضل فيها، ما بيني وبينك الآن هو العمل فقط."
أغلق بعدها حاسوبه ووقف يخطو ويغلق الإضاءة متجهاً للخارج ثم أوصد الباب وعاد للأعلى حيث انتهت نارة لتوها.
لفت تطالعه فابتسم على هيأتها المهلكة لقلبه حيث ارتدت بدلة نسائية راقية ومناسبة لسيدة أعمال وجمعت خصلاتها في جديلة لا تتناسب مع هذه البدلة ولكنها تتناسب مع شخصيتها المختلفة.
تحدثت بعد أن طال تحديقه بها:
"ألن تبدل ثيابك؟"
عاد لرشده قائلاً وهو يتجه لغرفة الملابس مجدداً:
"حالاً سأنتهي."
وبالفعل أسرع يضع المفتاح مكانه ويغلق خزنته ثم أحضر ثيابه واتجه إلى الحمام تحت أنظارها.
بدأت تجمع أغراضها الشخصية في حقيبة يدها الفارهة إلى أن ينتهي وبالفعل بعد حوالي ساعة كانا يستقلان سيارتهما متجهان إلى المطار ليبدئا رحلتهما.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية العربي
في إيطاليا
ومنذ أن أغلق صقر المكالمة وميشيل في حالة غضب وتوعد، ولكنه يجلس ساكناً. وليت السكون قريب.
أيتحدّاه من أول يومٍ لها معه؟ أيضعها هي خط أحمر له؟ أسيحاربه بكل وسائله من أجل تلك العربية المسلمة؟
ماذا فعلت به ومتى وكيف مر الأمر من بين يديه مرور السحاب دون أن ينتبه؟ إنها كما ظن، ستقوده إلى ما سعى لينتشله منه.
لذا عليه إيجاد حلٌ في الحال، فلن يخسر ورقته الرابحة عند أكبر حلفاء المافيا في إيطاليا من أجل فتاة ليس لها أي قيمة.
ليخطط جيداً وليضع في حسبانه ذكاء صقر الإجرامي الذي كان له الفضل فيه، ليخطط وينفذ في هدوء إذاً.
***
يجلسان على متن طائرة متجهة إلى مطار أثينا، اليونان، في الدرجة الخاصة بالشخصيات الهامة.
والذي تم حجزه كاملاً لهما حتى يحصلان على الخصوصية والراحة.
التفتت له تطالعه بسعادة، فيبدو من بداية الطريق أن رحلتهما مميزة، ويبدو أنه أراد أن يعتذر بطريقته.
التفت عندما لاحظ نظراتها إليه وابتسم، يردف بغرور يليق به:
– هل يجب عليكِ شكري؟
ابتسمت تردف بثقة ونظرة تحدي:
– لا شكر على المصالحة.
رفع حجبيه معجباً بها ثم قال بخبث:
– أو، حسناً، إذا فليكن هناك ختم توثيق.
تبع جملته بانحنائه إليها ليحتضن شفتيها بخاصته في قبلة دافئة متمهلة، باتت إدمانه وملاذه منذ أن تذوقها للمرة الأولى.
ثابتة لا تبادله حركته المتقنة، ولكن تبادله نفس المشاعر، نبضً عاصفً يحتل صدريهما، يعلن عن سعادة مستكشفة على جزيرةٍ ممتلئةٍ بالأدغال.
ابتعد عنها بعدما احتاجت للهواء، أما هو فيستطيع الغرق فيهما أكثر، ولكن ليتمهل إلى أن يصلا.
لذا نظر لملامحها المتوردة وعيناها المغلقة بحب وإعجاب وأردف متسلياً:
– حسناً جميلتي، يكفي خجلاً، يجب أن تعتادي على تلك الحركات البسيطة حتى لا تفزعي من القادم.
نظرت له بدهشة وحرج، فضحك أمامها وكم بدا وسيماً في ضحكته التي نادراً ما تظهر.
ربما تلك المرة الثانية التى تراها، حقاً ملامح وجههُ مميزة وتزداد تميزها عند ضحكته ويزداد غموضها عند سكونه.
تحدث وهو يضغط على أحد الأزرار قائلاً بجرأة وحنو غير معهود وهو يميل عليها:
– هيا استريحي إلى أن نصل وجهتنا، فأنا أريدكِ بكامل تركيزكِ.
تحدثت بخمول بعد أن أصبحت بزاوية منفرجة ملائمة لوضع المقعد:
– كف عن تلك المصطلحات وإلا خالفت توقعاتك.
ابتسم وقرص أرنبة أنفها بأصبعيه قائلاً بثقة:
– ليتكِ تستطيعين.
أغمضت عينيها فحقاً هي متعطشة للنوم كثيراً، بينما هو نظر لها بعد أن غفت وقد بدأت أفكاره تتجمع للقادم.
***
صباحاً.
وصل ماركو إلى قصر عائلته، دلف القصر ومنه لغرفته ليجد ميشيل في انتظاره.
يجلس على مقعده ينتظره، زفر ماركو وتقدم يجلس أمامه قائلاً بإرهاق:
– أنا بحاجة للنوم ولا طاقة لدي للحديث.
ضحك ميشيل ساخراً ثم نظر له بقسوة وجمود قائلاً:
– لن تتحدث، ستسمع فقط.
زفر مطولاً وجلس يستمع لما سيقوله، فتابع ميشيل بجمود:
– صقر تمرد عليّ، تحداني وقتل رجلاي بسببِ إمرأة، والآن يهددني بكل وضوح، وأعلم أنك تؤيده في كل قراراته، وأخفيتَ عني زواجه.
ضيق عينيه يتابع بجمود:
– أياك أن تظن أنه يستطيع أن يتحداني، هو أضعف من ذلك، أنا أمتلك السلطة والقوة لردعه إن حاول، فقط عليك إختيار جهتك جيداً.
نظر له ماركو مطولاً، يعلم أن والده يخشى صقر، وحديثه هذا يؤكد ذلك، وعليه أن يستدرجه، لذلك تحدث بذكاء وهو يبعد أنظاره عنه:
– لن آخذ جهة أحد، لن يكون هناك تحديات، يجب أن تفكر جيداً كما عليه أيضاً أن يفكر، يجب أن تحلا أموركما بعيداً عن الحلفاء وإلا فالعقاب سيطول العائلة جميعها، وليكن بعلمكما لن أسمح بذلك ولن أختار جهة أحد.
وقف بعدها ماركو يتجه لغرفة ملابسه يحضر أغراضاً ثم عاد إليه وتابع قبل أن يدلف للحمام قائلاً:
– فكر في كلامي، حلفاؤنا لا يعرفون المزاح، أصلح علاقتك مع صقر في أقرب وقت.
تركه ودلف وجلس ميشيل يفكر في حديثه، لن يقبل بفكرة الصلح التي ستضعف موقفه، هو لم يخطئ، تلك المرأة يوماً ما ستكون سبباً في دمار عائلته وأولهم صقر نفسه، عليه إيجاد طريقة ليخلصه منها دون أن يعاديه، فربما أخطأ في المرة الأولى، ولكن ليخطط جيداً للمرة الثانية حتى تكن الجولة لصالحه.
***
أستيقظت مايا بتكاسل بعد الليلة الماضية، ولكن عليها أن تستعد للذهاب لجامعتها.
وقفت تتجه للحمام وتؤدي روتينها اليومي ثم عادت لغرفتها لتستعد.
كانت في الأسفل تقف آسيا تعد الفطور مع المساعدة ثم تحدثت بعدما قاربت على الإنتهاء:
– ميرا كملي إنتِ معلش وأنا هطلع أصحي مايا لإنها اتأخرت.
تركت المساعدة وتحركت للخارج قاصدة الأعلى، ولكنها توقفت عندما وجدت صغيرتها تنزل الدرج.
وصلت إليها وابتسمت تردف بهدوء غير معتاد:
– صباح الخير يا مامي.
تحدثت آسيا بتعجب وحنو:
– صباح الخير يا مايا، غريبة صحيتي لوحدك النهاردة.
تنفست مطولاً ثم تحدثت بترقب:
– أيوة يا مامي لإني من هنا ورايح أنا اللي هروح الكلية بنفسي، ومتقلقيش صحيت قبل ما عادي أهو علشان أسوق على مهلي، عن إذنك بقى يا دوب ألحق.
تحركت خطوة لتوقفها آسيا مردفة بتعجب:
– ليه كدة يا مايا؟ هو حصل حاجة بينك وبين عمر؟ حتى إمبارح لاحظت إنكوا مش بتتكلموا مع بعض، احكيلي لو فيه حاجة؟
نظرت لها مطولاً، كيف تخبرها أنها تحبه وأنه جرحها بحديثه، كيف تخبرها أنها تعلقت به منذ أن رأته أول مرة والآن باتت لا تستطيع الابتعاد ولكنه يبتعد بكل أريحية، لذا لن تبادر مجدداً.
يبدو أنه رأى وجهاً واحداً منها وهو عنادها ولهوها، ولكن لم يرَ بعد عزة نفسها.
زفرت بعمق ثم تحدثت بمراوغة:
– مافيش يا مامي، كل الموضوع إني خلاص اتعودت على هنا، يا مامي بقالنا هنا حوالي سنة وبردو لسة قلقانة عليا؟ please يا مامي أنا أقدر أعتمد على نفسى هنا وخلاص اتأقلمت على الأماكن وعرفتها.
تنفست آسيا بقلق ولكنها أومأت بقبول حتى لا تزيد من الضغط عليها قائلة بتردد:
– تمام يا مايا بس خدي بالك من نفسك، وموبايلك دايماً يبقى مفتوح علشان أكلمك.
ابتسمت لها ومالت تقبل وجنتها ثم تحركت للخارج، فنادتها آسيا عندما تذكرت:
– مايا الفطار؟
كانت قد وصلت للخارج ولكنها تفاجأت بعمر يقف أمام السيارة ينتظرها، وقفت تطالعه بنبضات متضاربة ولكن ملامحها تظهر عكس ذلك، تسأله بنظراتها لما أتيت، أولم أخبرك أنك لن توصلني بعد الآن؟
وصلت آسيا إليها ورأت عمر فابتسمت له تردف:
– صباح الخير يا عمر، جيت بدري النهاردة؟
ابتسم لها بعدما لف نظره إليها وتقدم منها يردف بمغزى:
– صباح الخير يا آسيا هانم، جيت بدري لإني توقعت اللي هيحصل.
نظر لمايا وتحدث بثبات:
– فطرتي؟
شبكت يديها أمام صدرها وتحدثت بملل يخفي حنين وحب ملتمعاً في عينيها:
– لاء، وأنا بلغتك آخر مرة إن من هنا ورايح أنا اللي هروح الجامعة بنفسي.
كادت تتحرك باتجاه السيارة فأوقفها قائلاً بصرامة كأنها لم تتحدث:
– ادخلي افطري يا مايا وتعالي هستناكي علشان أوصلك.
وقفت تواليه ظهرها وآسيا تتابع بترقب، تحدثت وهي على وضعها:
– أنا اللي هروح لوحدي.
تحركت صوب السيارة واستقلت مكان القيادة وأغلقت الباب، جلست تتمسك بالطارة وتتنفس بقوة، لأول مرة ستقود هي وتذهب بمفردها ولكن عليها أن تثبت له أنها لم تعد بحاجته.
أدارت محرك السيارة ولكن تعجبت عندما وجدته يفتح الباب المقابل لها ويستقل جوارها ويغلقه ناظراً للأمام بصمت.
استشاطت من حركته وتحدثت بضيق برغم سعادتها الداخلية:
– عمر انزل لو سمحت كدة هتأخر على الجامعة وأنا مش حضرت بقالي أسبوع بسبب تجهيزات الفرح، أنا عايزة أروح لوحدي.
تحدث بثبات وجدية وعينه للأمام:
– لما أتأكد إنك هتعرفي تسوقي كويس وتوصلي لوحدك من غير أي كوارث، وبعدين ده شغلي وإلا يبقى ماليش لزمة أستنى هنا، يالا سوقي وأبقى أقفي عند أي مكان نجيب منه سندوتشات علشان أنا كمان مفطرتش.
لفت تطالعه بتعمق ولكنه ينظر للأمام لا يبادلها ليثبت لنفسه أن تصرفاته تلك ليس إلا حماية ومسئولية فقط.
لذا غضبت ملامحها وعادت لتمردها مردفة وهى تفتح الباب وتترجل وتستقل الجهة الخلفية قائلة بتهكم:
– تمام بما إنه شغلك يبقى اتفضل سوق إنت.
لف نظره لها حيث جلست في الخلف، لم تنظر له بل نظرت أمامها وأنفاسها تعلو وتهبط أمامه.
الآن بات لا يفهم ما يحدث معه، أصبح مشوشاً ومشتتاً، كاد أن يتحدث ولكن أولم يخبرها أن هذا عمله؟
نادته آسيا بصوتٍ مرتفع لتقطع حبل أفكاره قائلة:
– عمر ثانية لو سمحت.
لف نظره لآسيا ثم ترجل من السيارة وتركها يتجه إليها متسائلاً بعدما توقف أمامها:
– نعم يا آسيا هانم؟
تحدثت متسائلة بجدية وهدوء:
– في إيه بالضبط يا عمر وإيه التصرفات دي؟ مالكوا كدة من فترة ملاحظة إنكوا على خلاف دايماً، فهمني لو فيه حاجة أقدر أعملها؟
تنفس وشعر بالضيق فلم يكن هو صاحب تلك التصرفات وكاد أن يتحدث لولا تحرك سيارة مايا التى لم ينتبهان لها وهي تقود باتجاه الخارج.
غضب وهو ينظر لأثرها لتنتشله آسيا قائلة بعدما غادرت مايا:
– عمر سيبها تروح وفهمني إيه اللي بيحصل بالضبط.
كانت تشعر بشيءٍ غير مألوف يحدث ولكن لم ترد تصديق حدسها إلا بعد أن يثبتا لها ذلك، لذا هي تنتظر منه تبرير.
نظر لها والغضب والغيرة يأكلانه وتحدث لأول مرة بنبرة عادية يخفي بها حبه:
– يا آسيا هانم حضرتك من البداية خالص كلفتيني بحماية بنتك واللازمها في كل مكان، دي شغلتي هنا ولو مش هعمل كدة يبقى مالوش لزوم أكمل، مايا ممكن جداً حد يضايقها أو يتعرض لها وأنا مش هسمح بده.
تنفست براحة وقلق في آنٍ واحد، هو يحميها ولكن تجد أنه يبالغ لتتساءل مجدداً:
– فهمتي إيه اللي حصل بينكم يخلي مايا تصمم تروح لوحدها؟
تنفس بقوة يفكر قليلاً ثم قرر إخبارها بنصف الحقيقة قائلاً:
– أخر مرة كنا راجعين جت معانا بنت زميلة ليها تقريباً عربية مامتها كانت في التصليح وطلبت من مايا توصلها في سكتها، بس واحنا ماشيين مايا اتعاملت مع البنت بأسلوب مش كويس وأنا حبيت أطيب خاطرها لإن البنت كانت هتعيط بس مايا معجبهاش الموضوع.
أومأت بتفهم، فهي تعلم إبنتها جيداً لذا تحدثت بهدوء وترقب:
– طيب يا عمر أنا هتكلم مع مايا بس ياريت تهدى شوية إيه اللي حصلك؟ هي مايا أثرت عليك ولا إيه حسيتك بقيت مندفع زيها.
زفر يومئ بهدوء، فحقاً أصبح في حالة لا يعترف بها لذا قرر التغلب عليها قائلاً برتابة:
– تمام يا آسيا هانم معاكي حق، إن شاء الله الموضوع يتحل بس لو سمحتِ ماتكلميش مايا في الموضوع ده علشان متفكرش إني بشتكيلك منها، سبيها لما تهدى وأنا هكلمها.
أومأت له وكاد يتحرك ولكن رن هاتفها في يدها فتحدثت وهي تطالعه بتعجب:
– دي مايا!
فتحت تجيب بترقب قائلة:
– مايا؟ حصل حاجة.
وصلها صوت مايا الباكي بانتحاب تردف بشهقات قائلة:
– مااامي، أنا عملت حادثة.
ذعرت آسيا وتحدثت بلهفة ورعب:
– حادثة؟ حادثة إيه؟ إنتِ فييين؟
ارتعب وسقط قلب هذا الواقف الذي لم يعد واقفاً بل أصبح يركض صوب الخارج ليراها، فهي لم تبتعد.
وصل عمر بعد دقائق حيث اصطدمت مايا بسيارة رجلٍ أدت إلى كسر مصابيحها الخلفية وتقف تحاول التبرير له قائلة بنبرة أشبه بالبكاء من أثر الصدمة:
– على فكرة أنا نبهتك كتير يا عمو بس إنت اللي سايق بالراحة خالص.
تحدث الرجل موبخاً وهو ينظر للأثر الذي تُرك في سيارته بحسرة:
– تقومي تهدي سرعتك وتراعي إن فيه حد سايق قدامك مش في سباق احنا، حرام عليكِ أنا لسة بسد في أقساطها.
زفر عمر باطمئنان بعد أن رآها سالمة فقد ارتعب ظناً منه أن مكروهاً أصابها، ولحقت به آسيا حتى وصلا إليها فقالت آسيا وهي تتفحصها باطمئنان:
– حصلك حاجة إنتِ كويسة؟
احتضنت والدتها بخوف تردف:
– كويسة يا مامي بس دخلت في عمو ده من غير قصد وهو مش راضي يخليني أمشي.
نظر لها عمر بغيظ ثم اتجه للرجل وربت على كتفه يردف بأسف:
– معلش يا أستاذ هي لسة جديدة في السواقة وأكيد مش قصدها تخبط عربيتك.
زفر الرجل وصفق على كفيه يردف بقناعة:
– لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
تحدثت آسيا برتابة ورقي بعدما رأفت لحالته:
– متقلقش يا أستاذ حصل خير وأنا هتكفل بتصليح عربيتك.
نظرت لعمر تتابع:
– عمر لو سمحت قل له على عنوان مركز الصيانة اللي تبعنا وأنا هكلم المهندس يشوف اللازم.
أومأ عمر ونظر للرجل يمليه عنوان مركز صيانة السيارات ليتنفس الرجل براحة واستسلام ثم نظر لهما وتحدث بهدوء:
– تمام يا هانم شكراً، وحصل خير يا بنتي بس بلاش تسوقي إلا لما تبقي فاهمة كويس آداب الطريق علشان سلامتك وسلامة اللي حواليكي.
نظرت له بصمت وهي تنكمش في آسيا، فتحرك يستقل سيارته ويغادر، بينما اتجه عمر ينظر لسيارتها فوجد بها بعض الخدوش وكسر في إحدى المصابيح الأمامية.
زفر بضيق واتجه إليها يطالعها بغضب من تصرفاتها الطفولية ثم تحدث معنفاً لها غير مبالياً بوجود آسيا كأن له الحق في ذلك:
– مهو لو سيادتك بتسمعي الكلام مكانش ده حصل، افرضي حصلك حاجة ولا وقعتي في واحد همجي! قلتلك مينفعش تسوقي أول مرة لوحدك كدة بس إنتِ راسك ناشفة مش بتسمعي غير نفسك وبس وبتتصرفي بتهور.
لم تنظر له بل تسمعه وتلقي باللوم عليه داخلها، لولا ما قاله لما اتخذت هذا القرار الذي لم تكن توده أبداً، فهي دائماً ودت قربه منها ولكن أبت شخصيتها ذلك بعد ما قاله لذا فهو المتسبب الرئيسي في تلك الحادثة.
لاحظ صمتها غير المعتاد لذا عاد يستعمل نبرة هادئة وحنونة يردف:
– إنتِ كويسة؟
لم تنظر له بل تحدثت إلى آسيا قائلة بنبرة أشبه بالهمس:
– مامي ممكن توصليني إنتِ للجامعة؟
أومأت آسيا واتجهت معها تستقلان السيارة، بينما أسرع عمر يستقل مكان القيادة ليقود بهما.
تحدث عمر وهو ينظر لها عبر المرآة:
– لو حاسة بتعب بلاش تروحي الجامعة النهاردة.
هزت رأسها تردف بنبرة ثابتة:
– لاء تمام هروح.
أومأ ثم تحدث بهدوء:
– تمام نوصل آسيا هانم على الڤيلا وأوصلك علطول.
زفرت باستسلام تنظر يميناً من النافذة، بينما آسيا شاردة تفكر في أمرهما، ما تراه ليس مجرد صداقة أو علاقة مهنية ولكن يبدو أن هناك ما تخشاه وعليها أن تنتبه من الآن وصاعداً.
***
عند العروسين.
شارفت طائرتهما على الهبوط في مطارها، مدة تقارب ال 150 دقيقة يفكر ويضع خططاً وقواعداً، نسبة الخطأ لا وجود لها في قاموسه.
التفت إليها وتلقائياً ابتسم، ملامحها تجبر الناظر على التأمل، عفواً ملامحها تجبره على التأمل، فلم ولن يقدر غيره على النظر إليها.
ولكن عليها أن تستيقظ الآن.
نداها بهدوء وبنبرة تحمل حناناً لا يظهر لغيرها قائلاً:
– ناردين؟ هيا استيقظي جميلتي.
فتحت عينيها ببطء لتجد عينيه أمامها، ابتسمت له ثم اعتدلت تلتفت لتنظر من نافذة الطائرة قائلة بنعومة وتحشرج:
– إحنا على الأرض ولا إيه؟
تحدث بهدوء:
– لا نحن على وشك الهبوط.
مد يده يضغط على زر المقعد ليعيده كما كان فباتت مجاورة له، لذلك قالت بامتنان وحب:
– شكراً لك.
تعمق في عينيها التى اختلف لونهما بسبب النوم قائلاً بنبرة عاشقة:
– على الرحب والسعة.
هبطت طائرتهما ونزلا سوياً يكبلان يدي بعضهما ويخطيان إلى الداخل لإنهاء الإجراءات.
بعد فترة خرجا من المطار تسبقه نارة بسعادة وحماس طفولي فابتسم عليها قائلاً:
– لمَ العجلة جميلتي، الجمال كله في التمهل.
ابتسمت تطالعه قائلة بسعادة:
– أنت لا تعلم صقر، أردت دوماً أن أزور اليونان، سمعت عن جمالها ولكنني لم أزرها يوماً، درست تاريخها وأحببتها دون رؤيتها.
تحدث بثقة وعينيه ثاقبة عليها:
– كنت أعلم ذلك، لذا اخترتها لرحلتنا.
توسعت عينيها بتعجب قائلة وهي تقف أمامه والمارة حولهم يلجون ويخرجون من المطار:
– ألم يخفي عنك شئ؟ من أين علمت؟ حتى أمي لم أخبرها.
اقترب منها حد الإلتصاق ومد يده يزيح إحدى خصلاتها المتمردة للخلف قائلاً بحب:
– كل ما يتعلق بكِ أعلمه، كل ما تتمنيه وما تعشقيه وما يأتي على عقلكِ فجأة أعلمه، ودوماً سأعمل على تحقيق أحلامكِ واحداً تلو الآخر.
تضاربت نبضاتها بصخب، مشاعر جديدة تزود عشقها وتغذيه له، تحدثت بامتنان وعيون لامعة:
– شكراً لك.
ابتسم بهدوء ثم أشار لها بيده على سيارة تنتظرهما، تعجبت منها، حتى هنا يوجد من ينفذ له أوامره؟
يبدو أن عليها التوقف عن الإندهاش معه، استقلا السيارة سوياً وقاد بهما السائق إلى مكان يعلمه جيداً.
يحتضنها في المقعد الخلفي بينما هي لم تزح عينيها من على النافذة، تجول بأنظارها المدينة وجمالها، تظن أنهما يتجهان إلى أحد الفنادق الفارهة أو ربما إلى منزلٍ تم استئجاره لهما.
ولكن عندما بدأت تتجه السيارة إلى مكان خالي نسبياً ترقبت أن خطة صقر لقضاء رحلة عسلهما لابد أن تكون أكثر تميزاً.
شهقت بذهول واتسعت عينيها حينما اقتربت السيارة من موقع طائرة هليكوبتر تدور مروحيتها بقوة شديدة محدثة صوتٍ عالٍ ورياحٍ تحوم حولها كدوامة.
نظرت له بعيونها لتسأله فغمزها بعينٍ واحدة قائلاً:
– هيا انزلي.
ترجلا من السيارة واتجها سوياً للمروحية حيث ينتظرهما القائد عند بابها، وصل إليه صقر وتساءل بترقب وصوتٍ عالِ نسبةً لصوت الرياح والمروحية:
– هل كل شئٍ على ما يرام؟
تحدث الآخر باحترام وبنبرة علية مماثلة:
– نعم سيدي،، كل شئٍ جاهزٍ هنا وهناك.
أومأ له ثم اتجه ليساعدها في صعودها والتفت ليستقل هو جهة القيادة تحت دهشتها التى تتوالى دون توقف.
أغلق الطيار الباب عليهما فلتفتت حولها تردف بذهول:
– لحظة واحدة؟ ألن يأتي معنا السائق معنا؟
تحدث بغرور لا يليق إلا به وهو يلف رأسه إليها حيث كانت تجلس خلفه مباشرةً:
– أنا سأقودها، والآن تعالي إلى جواري.
اسرعت بالفعل تتجه إلى جواره وتنظر للطائرة وله بذهول وعدم استيعاب، إلى الآن لا تتوقع ما يحدث معها.
أما هو فبدأ يقودها كما تدرب على ذلك منذ حوالي خمس سنوات عندما كان في عمر ال 30 وأراد أن يضم قيادتها إلى قائمة معرفته.
لم تشعر بالخوف، لم تشعر بالتردد، وثقت به وبدون أي اعتراض بل وبسعادة بدأت تتحمس للطيران معه.
واستشف هو ذلك، استشف شعورها بالأمان معه، حتى أنها لم تسأله إن كان واثقاً من قيادتها أم لا، وهذا إن يبدو إيجابياً ولكنه في نقطةٍ ما داخله آلمه، بدأ يخشى عليها من تلك الثقة.
زفر مطولاً ليتناسى ويبدأ في الطيران فوق المدينة ليريها إياها، كانت الساعة حوالي العاشرة صباحاً.
كانت تشاهد كل هذا بحماس طفولي جعلها تزداد جمالاً معذباً له، تحدث متسائلاً بترقب:
– خائفة؟
نظرت له باندهاش ثم قالت بصدق وسعادة:
– بالطبع لا، بل مستمتعة جداً.
تنفس بارتياح وبدأ يلتف وهو يتابع جهاز تحديد الإتجاه الذي سيسلكه ليصل إلى وجهته.
***
في القاهرة حيث شقة سامح.
استيقظ لتوه يبحث عن زينب التي لم يجدها في فراشه على غير عادة.
التفت يبحث بعينه الناعسة ثم نادى بتحشرج:
– زينب؟
خرجت من حمامها تتجه إليه وتخفي شيئاً ما خلف ظهرها وملامحها في حالة من السعادة والسكون تطالعه بصمت.
اعتدل ونظر لها متعجباً يتساءل:
– مالك يا زوزو؟ حصل حاجة؟
اقتربت منه وهو يجلس على طرف الفراش حتى وقفت أمامه وأظهرت ما تخفيه والذي لم يكن سوى جهاز اختبار الحمل الذي يظهر شرطتين واضحتين يعلنان عن وجود جنين صغير يكبر في أحشائها.
نظر للإختبار في يدها ولثواني لم يستوعب ثم بدأ يركز لتتسع عينه ويرفع نظره إليها قائلاً بدهشة وملامح رسمت عليها السعادة بدلاً عن أثر النوم:
– حامل؟
أومأت تبتسم له فوقف يطالعها بعمق وسعادة ثم تحدث مجدداً بترقب:
– إزاي؟ وامتى؟
ابتسمت عليه ثم تحدثت برتابة:
– لسة حالاً عارفة يا سامح، كنت شاكة بس محبتش أعرفك غير لما اتأكد وأهو الحمد لله طلع موجب.
تحدث بنبرة قفزت منها الفرحة قائلاً:
– يعني هنجيب أخ لريما؟
أومأت له مرددة:
– إن شاء الله يا حبيبي.
أسرع يعانقها بقوة حانية ويتنفس بقوة داخل عناقها، سعيد بشدة وهذا الخبر زاده حباً وسعادةً وراحة، تبادله العناق والحب والسعادة فهي حقاً تشكر ربها على هذه العطايا وهذا الرجل.
ابتعد عنها ولكن لم يحل وثاق ذراعيه من حولها وتحدث وعينه على ملامحها يردف بصدق:
– تعرفي، أنا بتمنى من ربنا يرزقنا بأخ ل ريما، أخ تتسند عليه وياخد باله منها وهي تاخد بالها منه ويكونوا سند لبعض.
تفهم عليه جيداً وتفهم مقصده ولكن لمَ لا تلعب على نقطة الحنين هذه؟ ها قد أتتها فرصة لتستغلها إذاً.
لذا قالت بحب وبنبرة متعمدة:
– وأنا كمان بتمنى ده يا سامح والحمد لله ربنا هيرضينا، الأخ حاجة كبيرة أوي يا سامح، حاجة متتعوضش، سيدنا موسى كان خايف من قومه ومن مواجهتهم وطلب من ربنا عز وجل يبعت معاه أخوه هارون لأنه كان أفصح منه وكمان علشان يسانده في دعوته، وفعلاً ربنا سبحانه وتعالى سمح له وقال عز وجل ( سنشد عضدك بأخيك )، الأخ هو السند فعلاً يا سامح.
نظر لها بعمق، يفهم عليها جيداً ويعلم مقصدها ولكن ليس الآن يا زينب، لن يفتح مواضيعاً أخرى الآن.
لذا عاد يحتضنها لينهي الحديث قائلاً بمراوغة:
– إن شاء الله ربنا يكرمنا.
ظلا متعانقان لثواني وهي تبادله أما هو فيفكر في حديثها حيث ذهب بعقله إلى شقيقه صقر كما أرادت تماماً.
***
وعند صقر.
بعد مدة من الطيران فوق أجمل المناطق اليونانية، بدأت الطائرة تنحرف بإتجاه البحرِ، فتأكدت نارة من شكوكها، فها هو يتجه لمدينةٍ ساحليةٍ أو ربما لإحدى الشاليهات في إحدى الجزر اليونانية.
حماس وسعادة وصدرٍ مهلل بمَ تراه وبذلك التميز الذي يجعلها تشعر به.
حلقت الطائرة فوق الجبال، وها هي تبتعد عن الزحام مما زاد من تساؤلاتها،، ابتعدت عن الأماكن التى يفترض أن تهبط بها.
تساءلت بترقب وهي تطالعه:
– أين سنهبط صقر؟ أصبحنا بعيدين عن أي مهبط طائرات.
تحدث بثبات وهو يتجه لمنطقة نائية بين جبلين:
– تمهلي جميلتي.
ها هو يصل إلى تلك الجزيرة وهذا المكان تحديداً الذي لم يصله أحد، جزيرة زاكينثوس التابعة لمدينة يونانية تحمل نفس الإسم.
تراقبة وهو يهبط بهدوء وتمهل بين هذين الجبلين،، تعجبت وشهقت فلا يوجد في الأسفل سوى المياة فأين سيهبط؟
ولكن لحظة هناك مركب؟ لا ليس مركباً بل يختاً رائعاً يشبه السفينة الصغيرة وعلى سطحه مهبط مخصص للطائرات الهليكوبتر.
نظرت له بذهول قائلة وهي تضع يدها على فمها:
– صقر؟ ماذا فعلت؟
ابتسم على هيأتها قائلاً بثقة وخبث:
– لم أفعل شيئاً بعد.
بعد دقائق توقف على سطح هذا اليخت الرائع،، توقفت الطائرة وترجل منها يلتفت ليساعدها في النزول حيث تمسك بخصرها بيديه وانزلها بخفة وسهولة.
توقفت تلتفت حولها لترى سحر المكان، لا أحد سواهما والطبيعة، كل شئٍ مميز وساحر.
لفت نظرها تطالعه بسعادة وعشق ثم قررت معانقته، عانقته تعبر عن سعادتها وشكرها لتلك المفاجأة.
نعم تفاجأ ولكن بالطبع ليت كل المفاجآت كهذا، لف ذراعيه حولها يرفعها عن الأرض ليضمها هو بقوته التى يمكن أن تبيد الجميع إلا هي.
حررها بعد وقتٍ فحسبته يتركها ولكنه مال قليلاً ليحملها بين يده لتشهق بخفة متسائلة بسعادة وهي تلف ذراعيها حول رقبته:
– هل هناك مزيداً من المفاجآت؟
نظر لها نظرة جديدة عليها، نظرة أرعشت جـ.سدها ونبهت حواسها بأن القادم حابساً للأنفاس وأكد ظنها وهو يقول بتحشرج:
– هناك الكثير، ولكن دعينا نأخذ استراحة قصيرة، أو ربما طويلة.
تحرك بها لينزل من فوق سطح اليخت الذي لا يوجد سواهما عليه.
نزلا للطابق التالي ودلف من وسط مكانٍ واسعٍ يعد بهواً استقبالياً يحتوي على مقاعد فاخرة ونوافذ زجاجية حولها ستائر راقية وفي أحد الأركان يوجد بيانو قائم للعزف عليه.
خطي بها للداخل ليظهر جزءاً مربعاً يحتوي على سُلم داخلي ويقابله مطبخ أمريكيّ واسع تتوسطه طاولة رخامية.
نزل بها الدرج وهي بين ذراعيه يحملها بخفة حتى وصل إلى الطابق الثاني لليخت، عبارة عن منزل عدة غرف يجمعهم ممراً ضيقاً بعد الشئ، تحرك بها فيه ليفتح باب إحدى الغرف.
كانت عيناها تتعلق به فلم ترَ المكان من حولها، كانت متوترة وسعيدة في آنٍ واحد.
غرفة نومٍ ترسم في كتب الأساطير، سريرٍ دائري واسع حوله قائم يأخذ نفس شكله ويعلق عليه ستائر موضوعة بطريقة مرتبة.
فوقه نافذة مربعة تظهر المياة الزرقاء الرائعة وتقابله شاشة عرضٍ سنيمائية.
على يمين الغرفة باباً لحمامٍ يحتوي على جاكوزي بالإضافة إلى محتوياته الكاملة.
وعلى اليسار غرفة تبديل للملابس التى لم تتواجد بعد يبدو أنهما نسيا الحقيبة في تلك الطائرة في الأعلى.
أنزلها أرضاً لتقابله ولم يفك قيده من حولها، ينظر لها بسحرٍ وهيام وصمت وهي كانت مأخوذة بأفعاله تائهة بين عشقه ونبض قلبه ونظراته ولمساته.
خجلة ومتوترة ولكن خجلها تغلفه السعادة التى نثرها عليها وتوترها يحتويه بأفعاله لذا هي على استعداد لهذا اللقاء الحميمي الأول.
ولمح تلك الإشارة في عينيها فابتسم قائلاً بقدرٍ من الحب لها وحدها:
– أردتُ أن أجعل كل شئٍ يليق بكِ، وإلى الآن لم أجد ما يوازي بريق عينيكِ حتى، فهل تسمحين لي سيدتي أن أقتحم مملكتُكِ وأعطيكِ مشاعري؟
أغمضت عينيها فلا تقوى على النظر في عينه حينما أماءت بالموافقة فابتسم ودنى يبدأ طريقه بقبلة من تلك الشفاة المخدرة، شفاه تقلب موازينه رأساً على عقب، يحتضن بكفيه وجهها ليتحكم في قبلته.
أبعد يده بعد ذلك لتبدأ في شق طريقها لفك زر جاكيتها وهو ينزعه بتمهل عنها وقبلته ما زالت قائمة تستكشف طعماً جديداً.
عادت أصابعه تكمل مهامها برقة وبطء، خجلت واحتمت به بينما هو يكمل ما بدأه ثم ابتعد عن شفتيها لاهثاً يأخذ شهيقاً مطولاً ليميل زافراً عند عنقها يقبله بحب ويستنشق رائحتها.
هناك تدفقات تتوغل في أوردتها من المتعة والخجل معاً، كل المشاعر ممتعة، كمن تبحر تحت المياة وترى جمال الأعماق، وهو يكمل التهامه ويتلاعب بإتقان على حواسها وتتلاعب هي بخجلها ونعومتها على حواسه، بينما يداه تستكشف ممتلكاته محدثة داخله طاقة مضاعفة من فرط المشاعر.
ابتعد يطالعها وهي لا تقوى حتى على فتح عينيها، تشعر أن ساقيها كالهلام على وشك السقوط فعاد يسندها وينحني يحملها مجدداً بين يديه ليتقدم ويضعها على السرير بهدوء وتمهل كأنها قطعة من البسكويت الناعم يخشى كسرها، مال قليلاً يكمل قبلاته المتفرقة ليقف ويجرد نفسه من عبء الواقع.
عاد إليها مسحوراً ليصطحبها معه داخل دوامة عشقٍ ومشاعرٍ يجرباها معاً لأول مرة، لحظات لم ولن تنسى، دوامة سحبتهما للقاع وهما رحبا بها بكل سرور وغرقا معها ليستكشفها أموراً جديدة في محيط الحب والمتعة، الآن اكتملا ببعضهما وأصبحا كياناً واحداً، الآن فقط تأكد صقر أنها بالنسبة له مركز الحياة وسيدتها لتؤكد هي أنه رجل القلب الأول والأخير.
لقد عاش حياةً مظلمةً جعلت متعته فقط في الإنتقام من أعداؤه، تلذذ بالإنتصار والخروج من التحديات ببراعة، كانت تلك أقصى أنواع المتعة بالنسبة له.
ولكنه كان أحمقاً حينها، لم يُدرس بين كافة علومه التى تعلمها أن هناك متعة من نوعٍ آخر، متعة الحب الحقيقي، تجربة واختبار مشاعرك وحواسك مع هذا الحبيب فقط، متعة عليه بعد عناء وبرغبته وبكل مشاعره أيضاً ليوثق مؤكداً أن هذا الوقت هو أكثر أوقاته تميزاً ويمكنه التضحية بأي شئٍ سواه، معها هي فقط دون غيرها.
ابتعد بعد وقتٍ يلتفت وينظر لنقطةٍ ما خوفاً عليها من حدوث مضاعفات أو نزيف وعندما لم يجد سوى دليل عذريتها زفر بإطمئنان، ثم تمدد ليضمها إليه ويقبل جبينها بصمتٍ تام، مستسلمة تماماً له تشعر بحاجة ملحة للنوم وبالفعل غفت على صدره بسعادة وسكينة تامة، وللحظة التهم الخوف جزءاً ضئيلاً من بين سعادته واكتماله ليفكر هل يمكن للمستقبل أن يغلبه ويفرق بينهما؟ هل يمكن أن ترى وجههُ المظلم ذات يوم؟ عند تلك النقطة وقرر الهروب وهو الذي لم يهرب قط، لذا عاد يعتصرها بقوة ليثبت لأفكاره أنه لن يسمح بذلك، احتضنها وقبل جبينها مجدداً بعمق لينام هو أيضاً مباشرةً فهو لم ينم منذ يومين.
***
بعد عدة ساعات استيقظت نارة بتكاسل تتماطأ بين ذراعيه وهو نائم، فتحت عينيها لتقابل ملامحه.
أغلقت عينيها وعادت تفتحهما لتنفض أثر النوم منها ويتسنى لها النظر لملامحه جيداً، هادئ وديع ودافئ، كل ما فيه يجذبها إليه بطريقة لا تفهمها، إلى الآن هو الوحيد الذي لا تستطيع قراءته أو تفسير أفعاله أو توقعها، دائماً يفاجئها، وكانت نوبة مشاعره منذ قليل أثمن مفاجآته لها، تنفست مطولاً تتذكر تلك اللحظات الفائتة بخجل، لا تعلم كيف تاه خجلها بين تلك الأحاسيس والمشاعر ولكنه قادراً على ذوبان تحكمها ليدير هو دفة القيادة برحبٍ وسعةٍ.
نزلت بنظرها إلي صدره لتلاحظ ذلك الوشم التى غاب عقلها عنه في تلك اللحظات الرومانسية الفائتة.
تعجبت من تلك الجملة المدونة بالإيطالية ( هنا لا يوجد قلب ) شردت قليلاً تفكر في معناها الذي لم تصل إليه، ولكن مؤكد ستسأله حينما يستيقظ.
شعرت برغبة في تناول الطعام بعدما أنبهها عقلها لذلك، فتسحبت من بين يديه بهدوء لتنظر حولها تبحث عن ما ترتديه، ملابسها ملقية بإهمال وبعيدة نسبياً عنها، نظرت تحت قدميها التى انزلتهما أرضاً فوجدت قميصه الأبيض، أرادت تجربته كما كانت تقرأ في تلك الروايات الرومانسية،، انحنت تلتقطه بيدها ثم أسرعت تتجه للحمام المقابل لها.
ولجت بعد دقائق وهي ترتديه وتغلق ثانى أزراره إلى نهايته كما حررت خصلاتها من تلك الجديلة فانهمرت على ظهرها كشلال متدلي من منحدرٍ عالٍ فبدت فاتنة، ابتسمت بثقة حينما رأت ذاتها في المرآة فهي تدرك جمالها وهو من عزز لديها هذه القناعة.
نظرت لساقيها المكشوفتان والذي يغطي القميص جزءاً منهما، بدأت تتحرك للخارج بقدمين حافيتين وتخطو بهدوء ونعومة وحماس على أرضية اليخت الخشبية.
صعدت الدرج المؤدي للأعلى لتقابل جهة المطبخ المقابلة لجهة ساحة الإستقبال.
قررت دخول المطبخ المتكامل لتبحث عن طعام، وقفت أمام الثلاجة تفتحها لتتفاجأ بكل ما لذ وطاب، عادت الابتسامة تشق ثغرها فلم ينسى شيئاً أبداً حتى أن كمية الطعام تكفيهما لشهرٍ قادم.
أخرجت علبة كرتونية تحتوي على جبن أبيض وعلبة زجاجية بها مربى الكريز التى تعشقها ثم أخرجت بضع حبات الزيتون الأسود ووضعتهم في طبقٍ التقطته من جوارها.
بحثت عن الخبز الطري حتى وجدته في سلة على إحدى الأسطح الرخامية.
وقفت بعد ذلك تعد طبق من السلطة بالطماطم الكرزية وقطع الخيار وتدندن نغمة تعبر عن سعادتها، وهل يحق لها غير السعادة؟
مدت يدها تتناول علبة المربى وتلتقط ملعقة صغيرة لتحاول فتحها ولكن يبدو أن قوة يدها الناعمة محدودة.
زفرت ووضعته أمامها بيأسٍ لذيذ لتعود وتكمل تحضير السلطة ولكن تفاجئت بمن يحتويها ويعانقها قائلاً بهيامٍ وسحرٍ من هيأتها وهو يستنشق خصلاتها:
– من سمح لكِ بارتداء ثيابي؟
نعم فقد استيقظ لتوه ولم يجدها فوقف يسحب سرواله ويرتديه ليبحث عنها، صعد بعدما سمع صوتها ولكنه تجمد حينما رآها ترتدي ثوبه الذي بدى فاتناً عليها خصوصاً بعد أن حررت خصلاتها المهلكة لحواسه،، وكالعادة يجد نفسه يلبي طلب نداهته بالذهاب إليها وعناقها وهي بتلك الحالة الساحرة.
ابتسمت تميل عليه قائلة بقلبٍ متراقص وثقة:
– لقد أصبح كل شئٍ ملكك عائداً لي.
لفها مسرعاً ثم أزاح ما على السطح الرخامي وحملها بخفة يجلسها عليه وينظر لها بغموض وتعطش قائلاً:
– وما المقابل؟
قالها وهو ينظر لشفتيها فابتسمت وارتجفت لا ارادياً من نظراته التى تثبت لها أنوثتها فزادته ارتجافتها رغبة واقترب ينهل منهما بتعطش ونهم لفت يدها حول خصلاته تتلاعب بهم ويديه تتحرك حول خصرها برغبة، أبعدته عنها بثقل عندما شعرت بانفلات الأمور لتفلت شفتيها منه قائلة بلهاث:
– أتضور جوعاً.
ابتسم لها وتنفس مطولاً ليهدئ من حرارة جسده ثم نظر حوله فوجدها تعد الفطور، بينما هي التقطت عبوة المربى تناولها له قائلة بدلال أنثوي تستعمله حديثاً:
– لا أستطيع فتحها.
أخذها منها وعينه عليها وفتحها بسهولة أصابتها بالخجل من محاولاتها البائسة، ثم نظرت جانبها لتأخذ الملعقة وتتناول منه العبوة.
غمرتها بها لتخرجها بالقليل من المربى ثم قربتها من فمها لتتذوقها بتلذذ واستمتاع أمام عينه التى تسجل كل هذا في عقله الماكر المتعطش لتذوقتها مجدداً بنهم كما تتذوق هي تلك المربى.
أخرجت الملعقة من فمها ببطء فأخذها منها ليقوم هو بغمرها في العبوة ويخرجها ممتلئة ثم تمسك بكفها الخالي وقام بوضع القليل من المربى على أصبعها ثم وضع المعلقة جانباً ليبدأ في التهامه وسحب المربى منه بتمهل مقصود وعينه لا تفارق عينيها ليصيب جسدها بلذة وقشعريرة وكأنه يسحب بشفتيه معدتها وليس سبابتها.
أطلقت زفيرها المحبوس بعد أن انتهى ونظرت لعينه الراغبة بهيام، إنه بروفسير في اللعب على أوتار مشاعرها، أوصلها للغيوم ودللها بطريقة ستدمنها إن استمر هكذا.
تنفس يردف بحب بعد أن حاول التحكم في رغبته في امتلاكها الآن قائلاً:
– دعينا نتناول فطورنا ثم آخذكِ في جولة داخل اليخت.
عادت لهدوئها لتتساءل بترقب:
– هل هو ملكٌ لك أم إستأجرته؟
ضحك عليها ثم تحدث بثبات وترقب:
– لا ليس لي، بل هو لكِ.
توسع بؤبؤيها وفرغ فاهها لا تستوعب حديثه فتابع بحب:
– ليكن هذا هدية زواچنا، لقد أصبح ملكاً لكِ.
التمعت عينيها بغيمة دموع تهز رأسها برفضٍ قائلة:
– لا، لا استطيع قبول شئٍ كهذا، لا لن أقبل.
زفر ثم حاوطها ينزلها أرضاً وسحبها معه للخارج وسط تعجبها حتى وصل إلى ساحة اليخت الواسعة التى تضم مقاعد بحرية وبركة سباحة.
توقف بها عند إحدى المقاعد فنظرت له متسائلة فلفها ليقابل ظهرها صدره ثم قال آمراً:
– أرفعي رأسكِ.
فعلت كما طلب للتفاجأ بإسمها ( Narden) منقوش على جدار اليخت العلوي بحروف أنجليزية ذهبية.
وقفت لثواني تتأمل ثم لفت لتقابله قائلة بسعادة لم تعِش مثلها:
– كفى صقر، حقاً توقف، لستُ بحاجته ولا بحاجة أي شئ سواك فقط، هذا كل ما أريده.
احتضنها يزيح خصلاتها للخلف قائلاً بثقة:
– أنتِ زوجة صقر الجارحي وحبيبته، يجب أن تتدللي دوماً، اليخت ملكاً لكي، لا أريد إعتراض.
استكانت بين صدره بسعادة وراحة لم تجربها يوماً، تذكرت أمر وشمه فابتعدت تنظر لعينه متسائلة وهي تشير عليه بأصبعها:
– لمَ توشم تلك الجملة على قلبك؟
لا ليس الآن نارة، هو لا يريد الآن العودة للماضى أبداً، لا يريد التفكير في عالمه المظلم الآن، لذلك تحدث بمراوغة وهو يعود بها إلى المطبخ:
– حسناً دعينا نتناول فطورنا أولاً ثم نتحدث.
***
بعد وقتٍ انتهيا من تناول فطورهما المدلل فوقف صقر يمد لها يده قائلاً بثبات:
– تعالي معي.
وقفت تناوله يدها فاصطحبها في جولة على اليخت ليريها كامل تفاصيله.
بدأ من تلك الساحة التى تحتوي على مقاعد وأرائك راقية، كان المكان أكثر من رائع، تركت يده وأسرعت تركض باتجاة البيانو وتتحسس إيقاعاته بكفها محدثة أصواتاً موسيقية متداخلة.
لفت تنظر له بروح طفلة قائلة بحماس:
– أود تجربته.
أشار لها بيده فاتجهت إليه ليحتضن خصرها قائلاً بهدوء:
– ليس الآن، أمامنا متسعاً من الوقت لنفعل كل ما تريدي.
أومأت له وتحركا للخارج ثم نزلا عبر الدرج ليصلا للطابق الثانى لليخت والذي هو عبارة عن ثلاث غرف نوم لكلٍ منهم حماماً خاصاً بها ولكن أكثرهم اتساعاً وروعة هي غرفتهما.
تجولا في هذا الطابق سوياً وهو يشرح لها ما تسأل عنه ثم اتجها للدرج ليكملا نزولهما إلى الطابق الأول والذي كان عبارة عن مكتبة تضم عدداً ضخماً من كتب التاريخ وعلم النفس والعلوم والفضاء والقصص الرومانسية، كل الكتب التى تفضلها والتى لم تقرأها هنا، حتى أنها تحتاج عمراً إضافيا لتنهي قرائتهم.
لفت تطالعه بامتنان لم تعد تعلم كيف تشكره فقد باتت كلمات الشكر قليلة جداً أمام كل ما تعيشه معه، ولكنه أسرع يسحبها من أفكارها لياخذها إلى الجهة الآخرى من الطابق الأول والتى كانت عبارة عن صالة رياضية تحمل معدات والعاب وشاشة عرض سنيمائية، كل هذا والجدران عبارة عن نوافذ زجاجية تعرض مياة الجزيرة الراقية أمام عين الجالس.
اتجها للدرج فوجدته مكتمل للأسفل فتساءلت بترقب:
– هل هناك مزيد من الطوابق؟
زفر يردف بلا مبالاة:
– ذاك يعد قلب اليخت والجزء الخاص بمعداته ومحركاته.
أومأت بتفهم ثم صعدا مجدداً للطابق الثانى وكادت تتحرك للأعلى فأوقفها ينظر لها بصمت وعيون مشتعلة بالرغبة.
فهمت نظرته فتعالت نبضاتها بصخب، سحبها لغرفتهما ثم دلفا وتوقف يبتسم لها قائلاً بخبث ويداه تشق طريقها إلي غايته:
– هل لي أن استرد قميصي الآن؟
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية العربي
ليلاً تنام بين ذراعيه وهو مستنداً على سريرهما يعانقها ويطالعها وعقله يقذفه بالأفكار.
كلما دخل معها في تلك المشاعر زاد عشقه وتعلقه بها وزاد معهما خوفه، لقد أخذها في رحلةٍ بعيدةٍ عن الأعين والعقول وأغلق هواتفهما وأخفاها كي يترك العالم معها ولكن العالم لا يتركه.
كان عليه ترك عقله قبل أن يغرق معها في العشق، عقله الذي يأخذه إلى ظلامه.
انحصرت أفكاره بين لحظة اكتشاف حقيقته وبين ما عليه فعله حينها، هو لا يفضل أبداً أبداً إظهار قسوته لها.
عليه أن يضع عندها رصيداً مضاعفاً من الحب، ما زال أمامه وقتاً طويلاً حتى تدمن وجوده وتتقبل عيوبه وندوبه.
مر على عقله احتمالية مصارحتها بالحقيقية ولكن برغم قوته وقدرته على أصعب المهام إلا أنه غير قادرٍ على مصارحتها الآن، لن يحتمل نظرة صدمة من عينيها تجاهه، لن يحتمل أبداً لذا فكلما ظن أن الوقت يسعفه اكتشف أنه يهيج جروحه أكثر، كلما ظن أنه رتب خطواته اكتشف أنه يخطو فوق مسارٍ ملتوٍ يقوده لحافة الهاوية.
وجد جسده وعضلاته تشتد لذا سحب نفسه بهدوء من بينها حتى لا تصحو.
تحرك يترجل ويرتدي سرواله ثم خطى للخارج بعد أن ألقى نظرة أخيرة عليها.
يخطو باتجاه الجزء المسطح من اليخت ووقف عند السياج ينظر للمياه الساكنة يخبرها بمعاناته وتزاحم الأصوات داخله.
وكأنها تناديه ليلبي ندائها ويتجه للجزء المفتوح ويقرر القفز داخلها فهي دوماً التي ترحب به دون ملل أو ازدراء وتتقبله بجميع حالاته.
ظل يسبح لوقتٍ كافٍ كي يسكن عقله ويقرر الصعود لها فبات لا يحتمل الابتعاد عنها سوى دقائق معدودة.
صعد إلى اليخت وتحرك يخطو تجاه الداخل حتى وصل للدرج وصعد للطابق التالى حيث الغرف.
تحرك صوب غرفتهما ودلف فوجدها ما زالت نائمة يبدو أن هجومه الممتع يحتوي على نوعٍ من المخدر.
ابتسم بانتشاء وتحرك يحضر سروالاً غير الذي ابتل ثم دلف الحمام ليغتسل ويبدل ثيابه سريعاً.
عاد إليها بعد دقائق وتمدد يلتصق بها ويسحبها بين ذراعيه فتماطأت بخمول ونظرت له بنصف عين ثم ابتسمت ودفنت وجهها في عنقه وعانقته قائلة بنعاس:
- كنت فين؟
إذاً شعرت بعدم وجوده، وهو الذي ظنها تنام بعمق، زاد من عناقه يردف بحب وحنان:
- ها أنا هنا، لم أعد أقوى على الابتعاد عنكِ.
رفعت رأسها قليلاً حتى قابلت وجهه واقتربت تقبل طرفي شفتيه قبلة ناعمة ومتمهلة تشكره بها على جملته ومشاعره وكادت تبتعد ولكنه منعها وأسرع يلتهم شفتيها في قبلة عميقة متعطشة يبث بها عشقه لها الذي يكبر يوماً بعد يوم.
في القاهرة
تجلس آسيا شاردة في أمر عمر ومايا لتقرر الصعود إلى ابنتها والتحدث معها.
صعدت وطرقت باب غرفة مايا حيث كانت تجلس ترسمه مجدداً وترسم عينيه حينما نظر لها عبر المرآة اليوم.
انتبهت للطارق وعلمت أنها آسيا لذا وقفت تخفي لوحتها بهذا الغطاء ثم اتجهت صوب الباب وفتحته تطالع والدتها بترقب فقالت آسيا:
- مايا، ممكن نتكلم شوية؟
نظرت لها بعمق ثم أومأت وابتعدت عن الباب تسمح لها بالمرور.
دلفت آسيا واتجهت تجلس على طرف الفراش واتجهت مايا تجلس أمامها على المقعد المجاور متسائلة:
- خير يا مامي؟
تنفست آسيا بعمق وهي تنظر لعين ابنتها نظرة مستكشفة وقالت:
- مايا هو إنتِ في حد في حياتك؟
تفاجأت مايا من سؤالها غير المتوقع وتعالت وتيرة أنفاسها بينما حاولت الهروب بعينيها من فحص والدتها قائلة وهي تنظر للبعيد:
- لأ يا مامي مافيش حد، ليه قلتِ كده؟
تنفست آسيا وعلمت من ملامح صغيرتها أنها تراوغ لذا مدت يدها تلف وجهها إليها وتحدثت بنبرة حنونة تبث بها الطمأنينة:
- بس أنا حاسة إن فيه يا مايا ونفسي تحكيلي وتعتبريني صاحبتك، وعلى فكرة أنا مش هزعل خالص ولا هتعصب بس حابة أعرف بنوتي الجميلة الشقية كبرت وبتحب ولا لأ؟
عادت تنظر لعيناها بتعمق، أتخبرها بما تشعر به تجاه عمر؟ أتخبرها بحزنها منه ورفضه لها وقوة حبها الذي يكبر يوماً بعد يوم؟
عادت آسيا تردف لتؤكد لها صدق نيتها:
- قولي يا حبيبتي وأنا هسمعك؟
زفرت مايا بقوة ثم بدأت تومئ وقد لمعت عينيها لذا تنفست آسيا مطولاً وابتلعت لعابها وتساءلت بترقب وهى تظهر الفرحة على ملامحها:
- طيب كويس جداً، كنت هزعل لو خبيتي عني، لأني حسيت بده، بس احكيلي بقى مين ده اللي قدر ياخد قلب مايا العنيدة ويخلي عيونها تلمع كده؟
نظرت لوالدتها نظرة متوترة ولأول مرة تشعر بحاجتها للفصح عن ما يعتلي داخلها، هي كانت بحاجة لشخصٍ يسمعها وربما انشغلت ناردين بزواجها خلال الفترة الماضية وآسيا بعيدة نسبياً عنها لذا فحبها الصامت هذا يعذبها، ولكن يبدو أن آسيا رتبت أفكارها بعد زفاف ابنتها الكبرى وأتت لتصحح أخطائها مع صغيرتها.
وقفت مايا بتوتر وصمت إلى الآن لم تتحدث ثم تحركت تخطو تجاه تلك اللوحة التى أخفتها ووقفت عندها وآسيا تتبعها بنظراتها متسائلة.
تنفست مايا بقوة ومدت يدها تزيح الستار عن تلك اللوحة لتظهر ملامح وعيني عمر التى كانت تتوقعه تماماً.
وبرغم توقعها له إلا أنها تفاجأت وظلت عينيها معلقة على تلك الرسمة التي تحتوي على عيناه ومقدمة أنفه وجبينه بطريقة تؤكد لها أن ابنتها تعشقه فحتى لمعة عينيه متقنة.
وقفت آسيا تتبع ابنتها وعينيها على الرسمة حتى وصلت إليها فنظرت لها قائلة:
- عمر؟، بتحبي عمر؟
أومأت مايا تبتلع لعابها بتوتر ثم تحدثت أخيراً وقد ملأت الدموع عينيها:
- بحبه أوي يا مامي، بحبه أكتر من أي حاجة.
ضعفت أمام دموع صغيرتها فأسرعت تعانقها وتربت على ظهرها، هذا ما كانت تتوقعه تماماً ولكن لم تتوقع أن ابنتها العنيدة والمتمردة تحب لتلك الدرجة، وعمر؟
نعم عمر يعد الأخ الروحي لنارة، شابٌ خلوقٌ ومسالم ولديه من القيم ما تجعلها تفتخر به، وأما عن أصله فلن تحكم عليه خصوصاً وأنها أمٍ لطفلة متبناه.
نعم عمر يمتلك ما يجعلها تسعد بحب ابنتها به ولكن حينها سينكشف ما جاهدت لإخفاؤه.
لذا ابتعدت عن ابنتها قليلاً تنظر لعينيها ثم حاولت تجفيف الدموع بسبابتيها وتحدثت:
- من غير عياط تعالي نقعد واحكيلي.
سحبتها من كفها واتجهتا تجلسان على الفراش ثم تمسكت بكفها بين راحتيها واستمعت لابنتها وهي تردف باعتراف لأول مرة تفصح عنه:
- من أول ما شفته يا مامي وأنا أعجبت به، بس بعدها لقيتني بحبه وبحب أشوفه وبحب أتكلم معاه، حتى كلامه بقيت أسمعه وأنفذه ووافقت أنه يوصلني كل يوم مع إن كان نفسي أروح الجامعة لوحدي، بس.
ضيقت آسيا عينيها بترقب فتابعت مايا وهي تبكي بحزن وقلبٍ حزين متألم:
- بس هو مش بيحبني يا مامي، قلت له إني بحبه بس قالي مينفعش، قالي إني لسة صغيرة ومش بفكر صح وإني أمانة ومش هينفع أبداً اللي بفكر فيه علشان كده رجع بيته تاني.
الآن فهمت آسيا سبب رحيل عمر وزاد احترامها له برغم حزنها على حال ابنتها، تحدثت برتابة قائلة:
- طيب مش يمكن هو شايف إنك لسة صغيرة فعلاً ومش قادرة تحددي مشاعرك؟، متنسيش إن عمر أكبر منك بكتير يا مايا، مش يمكن إنتِ مفسرة مشاعرك غلط؟
تملكها الغضب وكادت تندفع لولا تذكرها بحديثه عندما أخبرها أن عليها أن تشرح ما داخلها بهدوء حتى يتقبلها الطرف الآخر ويستمع لها لذا تنفست بقوة وتحلت بالهدوء قليلاً قائلة بصدق:
- لأ يا مامي أنا بحبه، تعرفي ليه؟
تساءلت آسيا بحنو وهي تلاحظ التغيير الإيجابي في شخصية ابنتها وتملس بيدها على خصلاتها بحنو:
- ليه؟
تحدثت مايا بحب وشرود ونبرة بدت متألمة تستفيض مشاعرها:
- لأنه زعلني جداً قبل فرح نارو وقالي إني بحاول ألفت نظره ليا، بس برغم كده كل لما بشوفه قلبي بيفرح وبلاقي عيني مش بتشوف حاجة تانية حواليه، بحب اسمع صوته وكلامه، بحة صوته وهو بينادي على عمو صادق الحارس ونظرته وضحكته، شكله وهو بيسوق العربية، وعيونه وهو بيبصلي وأنا خارجة من الجامعة، قمصانه الفاتحة اللي بيلبسها ونادراً لما يلبس لون غامق، شعره اللي بيسرحه دايماً لورا، شكله لما بيتعصب وشكله لما بيبقى زعلان.
تنفست بعمق وراحة قليلاً فهي لأول مرة تشارك أحدهم هذا الحديث لذا تابعت بحالمية وعيون تملأها الحب:
- مش بحبه يضحك مع بنت تانية، ومش بحبه يتكلم مع حد غيري، بحس إني مخنوقة وعايزة أعيط لو أهملني، ولما مشي ورجع بيته كنت حاسة إن روحي بتنسحب لأني مش هشوفه كل يوم بليل ولا هتكلم معاه.
راودها الضيق وهي تتحدث عن مشاعرها السلبية في بعده فأسرعت آسيا تحتضن رأسها وتعانقها، تشعر بالندم تجاهها فهي الآن أدركت أنها أهملتها كثيراً وتركتها بمفردها تصارع وحش مشاعرها.
مالت تقبل جبيتها مرددة:
- أنا آسفة يا مايا، آسفة يا حبيبتي، إهدي وبلاش عياط، إنتِ فعلاً بتحبيه أوي.
ابتعدت قليلاً تنظر لها بعيون لامعة وتردف:
- أوي يا مامي، بس هو مش حاسس بيا، كل شوية بيجرحني بكلامه.
زفرت مطولاً ثم عادت تحتويها وتفكر، كيف يمكنها حل تلك المسألة دون أن تظهر حقيقة عمر؟، كيف يمكنها إسعاد صغيرتها دون أن تجرح قلب كبيرتها الغالية وتذكرها بما طوته السنين؟
لم يكن أمامها خياراً سوى أن تتحدث معه.
في اليوم التالي صباحاً على متن اليخت.
وداخل حوض الجاكوزي.
يجلسان سوياً داخله، ظهره منفرجاً على حافته ويداه تحتضنها حيث تتوسطه مرتخيةً تماماً تضع رأسها على صدره مستمتعة بهذه الدغدغات من المياه والروائح العطرة التى تفوح من حولهما والرغاوي التى تغطيهما كثوبٍ صمم من قطعة سحاب.
أنساها أموراً خفية داخلها، حزناً دفيناً لازمها منذ طفولتها وظل معها إلى أن كبرت، حقيقة تربيتها في دار أيتام، تلك الحقيقة التى تخفى عن الجميع إدراكها لها حتى هو وهذا يؤرقها ويشعرها بالذنب والندم ولكنها ليست قادرة على التفوه بها، لم تعد قادرة على نطق أنها ليست ابنة شفيق وآسيا.
جاء هو ليزيح عبء الماضي من على عقلها ويغمرها بالسعادة وثراء العشق، تخيلت أن يحبها ويعوضها فقدان أبيها ولكن لم تتخيل ما فعله إلى الآن، لتعيش معه أجواء لم تقرأها في رواياتٍ قط، أجواء تستحق أن يكن لها كتاباً خاصاً بها لا يقرأه سواهما.
رفع يده يتحسس ذراعيها ثم تحدث بهدوء واسترخاء وعينيه مغمضتان يشعر بالكمال:
- أود لو لم نعد أبداً.
كان يود هذا حقاً، ود لو حذف الماضي وبدأ الحاضر معها فقط ليكمل المستقبل دون ظلام، ود لو وُلد معها وشب معها وشاب معها.
تحدثت باسترخاء مماثل ومرح:
- لنأتي كل عام فال يخت ملكاً لنا.
تمتم على حديثها ليتابع بشرود متناسياً كأنه يتحدث مع ذاته:
- كنت في عمر السابعة وكنت أحب المياه كثيراً واتمدد في حوض الاستحمام لساعات إلى أن تغضب أمي مني، وأحياناً كنت أمرض ولكني لا أبالي.
تحدثت بترقب وسعادة فها هو يتحدث معها عن طفولته:
- يبدو أنك كنت مشاغباً.
تحدث بفخر:
- كثيراً.
تحدثت بمرح وترقب:
- أوه، أخشى أن يرث أطفالي منك تلك الصفة.
تجمد جسده فجأة من بعد الاسترخاء فشعرت به متعجبة، تساءلت وهي لم تلتقي بعينه وهذا من حسن حظها:
- صقر!، حصل حاجة؟
لتتفاجأ به يقف بعد ثواني ويلتقط منشفته يلفها حول خصره ويغادر الحمام تاركاً إياها تنظر لأثره بتعجب، أأخطأت أم ماذا؟، ماذا حدث؟
ولكنها لا تعلم أنها ضغطت على ندوبٍ ظنها ليست موجودة، عن أي أطفال تتحدث، أطفال تعني نور وهو حياته تُعرف بالظلام، كيف يسعد لإنجاب طفلٍ سيكون هو والده؟ هذا الأمر منافي تماماً لما هو عليه ولكنها بالطبع لا تعلم.
لذلك خرج يتجه لغرفة الملابس يلتقط منها سروالاً ليرتديه ويتناول علبة سجائره وقداحته ويصعد للأعلى فوراً قبل أن تخرج وترى حالته تلك.
صُدمت من تغييره في الحال وجلست داخل الحوض متعجبة تستعيد الحديث علها تجد ما ضايقه ولكن لا، فحديثهما كان مثالياً.
بعد دقائق خرجت تلف حول جسدها منشفة بينما خصلاتها تقطر المياه على أرضية الغرفة.
جالت بأعينها فلم تجده، يبدو أنه أبدل ثيابه وصعد للأعلى.
زفرت مطولاً واتجهت لغرفة الملابس.
انتقت فستاناً قصيراً بعض الشيء يعطيها شكلاً طفولياً وأنثوياً معاً.
ارتدته ثم تحركت حيث مرآة الزينة التي يوجد بها كل ما يمكن أن تحتاجه.
وقفت أمامها لتأخذ مجفف الشعر وتبدأ في تجفيف خصلاتها بشرود، تفكر في سبب انزعاجه، ولمَ غادر فجأةً هكذا بعدما كان يستمتعان سوياً؟
لم تنتبه لذلك الذي دلف الغرفة ينظر لها وهي تواليه ظهرها وتجفف خصلاتها في هذا الفستان الرائع والملائم لمنحنياتها.
زفر مطولاً ليتجه إليها بعد أن هدأ بفعل تأمله في مياه الجزيرة الراقية وأدرك فداحة ما يفعله بحقها، عليه أن يعدل مسار تصرفاته معها حتى لا تكتشف أمره فهو يعلم مدى ذكائها.
أخذ من يدها المجفف ليقوم هو بتلك المهمة.
انتبهت له فتركت له الأمر تنظر لعينه التى انكبّت على خصلاتها من خلال المرآة وهو يقوم بتجفيف شعرها بتركيز.
ملامحه تبدو باردة وعينه كأنه يتعمد عدم النظر لها ولكن هي لم تعتد تجاهل الأمور ودائماً تجد أن بالتحدث تصل إلى أرضٍ صلبة وتنهي حيرتها لذلك تساءلت وهي تنظر في عينه من خلال المرآة:
- ما سبب انزعاجك صقر؟
تحدث بثبات ظاهري وعينه منكبة على خصلاتها فهو ما زال يواجه غضبه ويتحكم به قائلاً:
- لا شيء.
تعجبت من جموده ومن تبدل حالته المزاجية في لحظات واستشف هو تعجبها فتحدث لينهي حيرتها قائلاً بتعمق واعجاب:
- خصلاتكِ تلك ستكون سبب هلاكي يوماً ما.
استفزها بروده لذلك أسرعت تلتفت لتواجهه وترد باندفاع جديد عليها قائلة:
- حسناً سأقصها.
فجأة اسودت نظرته ليقول بغموض وقسوة ظهرت فجأة:
- حينها سأقتلكِ.
صُدمت من إجابته التى سقطت عليها كحجرٍ من السماء ولم تستطع النطق لثواني، فقط تنظر له بصدمة لذا أسرع يغير دفته ويبدل ملامحه بأخرى ضاحكة ليحتوي وجهها بكفيه قائلاً بترقب:
- كانت مزحة سيئة.
زفر مطولاً يتابع بعدما أدرك خوفها وصدمتها منه ليتدارك سريعاً موقفه قائلاً:
- حسناً لأخبركِ أمراً، دعينا لا نتحدث عن ماضي أو مستقبل، فقط نعيش أنا وأنتِ حاضرنا هذا بكل حب، يبدو أنني أخطأت حينما ذكرت طفولتي، لذا فأنا المذنب هنا، فقط لنستمتع بالحاضر ونترك الباقي لوقته.
تساءلت ما خطر على عقلها فوراً:
- لم صقر؟، لم لا نحلم ونتأمل؟، فقد دعنا نثق في الله بأن القادم خير، هل يوجد ماضي يؤلمك؟، أم إنك تخشى المستقبل؟، أرجوك لا تخفي شيء فقط أخبرني؟
أغمض عينيه لثواني ثم عاد ينظر إليها قائلاً بثبات ظاهري وألم دفين:
- اسمعي ناردين، فقدتُ والدي في سن الطفولة، وفقدتُ والدتي في أكثر مراحلي العمرية احتياجاً لها، ولدي أخ لا أعلم عنه شيئاً، وكبرت وسط عائلة عملية لا تعترف بالمشاعر، لهذا أنا لا أريد سوى الحاضر، فلتعيشيه معي، أنا أريدكِ أن تنسيني الماضي وتبعدي عن عقلي المستقبل، هذا فقط ما أريده.
نظرت لعينه بعمق، فهمت أنه يعانى من ذكريات مؤلمة، ويعانى من خوفٍ مجهول، هو بحاجة ماسة للمساعدة، كطفلٍ صغير يحتاج من يأخذ بيده إلى النور، الأمر صعب بالنسبة لها وهي التى تعيش على الأمل دائماً وداخلها روحٍ مفعمة بالحياة والتفاؤل، ولكن إن كانت تحبه بصدق فلتذهب معه إلى تلك النقطة التى يريدها، لترى هل يمكنها انتشاله من عالمه هذا لعالمها المزدهر؟
ألقت بجسدها في حضنه لتبث فيه الطمأنينة وليبادلها على الفور وكأنه كان بحاجةٍ ماسةٍ لهذا العناق، كان يحتاج لسحب طاقتها الايجابية إلى داخل جسده الممتلئ بالندوب، يبادلها ويدفن رأسه بين خصلاتها ليتناسى عالمه قليلاً.
ظلا لدقائق على حالهما ثم ابتعد عنها ينظر لها بحب قائلاً:
- هيا لنحضر وجبتنا.
أومأت له وسحبها معه للأعلى بعد أن طمأنته بحديثها وظن أن القادم يمكن أن يكون مماثلاً.
دخلا المطبخ وبدأ في فرز مكونات الثلاجة قائلاً:
- أتفضلين لحوماً أم أسماكاً؟
التزمت التفكير لثواني ثم قالت بابتسامة ناعمة:
- حسناً فلتكن لحوماً.
نظر لها بترقب متسائلاً:
- ألا تحبين الأسماك؟
ضحكت فها هو لا يعلم عنها أمراً وتحدثت بهدوء:
- بالطبع أحبها ولكنني أفضلها طازجة وليست مجمدة.
أشار بيده من النافذة قائلة بتسلية وهو يرفع حاجبيه:
- حسناً نحن الآن في استضافتها، ولكن دعينا نتناول الآن اللحوم وغداً سأصطاد لكِ وجبةً طازجةً من الأسماكِ وأطهوها بنفسي.
طالعته بحب ثم تساءلت متناسية طلبه منذ قليل وهي تجهز أغراض الطبخ معه قائلة:
- أين تعلمت الطهي؟
أدرك نسيانها للأمر لذا أجابها براحة وهو يحاول فك اللحم المجمد:
- تعلمت كل شيء يجعلني لا أعتمد على الأخرين، والآن أخبريني كيف تفضلينه؟
هو يعلم بالطبع ولكن يحاول أخذها بالحديث كما يريد فقالت وهي تغسل الخضروات بعناية:
- أفضلها مطهوة بشكلٍ كامل.
تحدث بحب وهو يطالعها:
- لكِ هذا.
في القاهرة
توقف عمر بسيارته أمام الجامعة وتنفس حيث ظل صامتاً طوال الطريق كما فعلت مايا التي جلست في الخلف وقررت تركه يوصلها ولكن لن تحادثه.
زفر وتحدث وهو يميل قليلاً برأسه:
- هتخلصي إمتى النهاردة؟، بيتهيألي معندكيش محاضرات كتير.
نظرت له ولظهره بشرود لثواني، تشعر بشيءٍ ما لديه تجاهها، رأت خوفه أمس وترى حنانه الذي يسعى ليخفيه، عاد يكرر سؤاله وتلك المرة التفت كاملاً ليراها تطالعه بشرود، تساءل بترقب وقلبه يعنفه:
- مايا؟، بكلمك.
انتبهت له فابعدت عينيها وفتحت باب السيارة تردف وهي تترجل:
- زي كل يوم يا عمر.
أغلقت الباب واتجهت صوب الجامعة تاركة إياه يفكر، قلبه تعلق بها ولكن عقله يلعنه ويعنفه، كيف يحب من كُلف بحمايتها، كيف أحب من هي متمردة ومتفتحة بعد أن كانت أمنيته الزواج من متدينة ملتزمة، كيف وقع في حب تلك الصغيرة التى تصغره بعدة أعوام، عليه دفن تلك المشاعر في الحال، عليه فقط إكمال مهمته وليغلق قلبه هذا الذي يلكم يساره بعنف الآن رافضاً تلك الأفكار ناعتاً إياها بالسخيفة فسطوة الحب ليس لها حاكم.
زفر وقرر التحرك ليعود للڤيلا حيث طلبت منه آسيا صباحاً أن يوصل مايا ويعود إليها فهي تريد التحدث معه، ولكن لمَ يا ترى؟
بعد وقتٍ دلف الڤيلا وصف السيارة وترجل منها، سأل الحارس عن آسيا فأخبره أنها تجلس في الحديقة الخلفية حيث المسبح.
تحرك يخطو صوبها فوجدها تحتسي قهوتها وتبدو تنتظره، تحمحم فرأته وابتسمت تردف بهدوء:
- تعالى يا عمر.
اتجه يجلس أمامها باحترام ثم تحدث متسائلاً:
- خير يا آسيا هانم؟
تحدثت آسيا بترقب ودون مراوغة:
- ممكن أسألك سؤال وتجاوبني عليه بصراحة؟
شعر أنها ستقوده إلى ما يسعى ليدفنه لذا أومأ بتوتر فتابعت:
- ممكن تقولي مايا بالنسبالك إيه؟
تعالت وتيرة أنفاسه وظهر التوتر على ملامحه ثم أجابها بسؤال بدى غير مفهوم:
- بالنسبالي إيه إزاي؟
تنفست آسيا بقوة ثم تحدثت بجدية:
- أنا ملاحظة تغيير في علاقتكوا ببعض يا عمر، مش زي الأول وحسيتك إمبارح بتتكلم معاها بخوف وحدة شوية، حتى بنتي لاحظت تغيير طريقة كلامها ولبسها ودي حاجة كويسة بالنسبالي بس عايزة أفهم هي بالنسبالك إيه بالضبط؟
ابتلع لعابه ويسعى ليظهر ثابتاً ولكن كفيه قابضان على طرفي المقعد كأنه يستمد منهما القوة ليتحدث:
- لو حضرتك فهمتي عتابي ليها إمبارح على إنه تحكم أو حدة فـ أنا آسف طبعاً بس أنا حاسس بالمسئولية ناحية مايا زي ما كنت بحس بيها ناحية نارة وعلشان كده اتصرفت بدافع خوفي عليها.
شعرت بالإحباط والحزن على صغيرتها فيبدو لا يبادلها مشاعرها لذا عادت تتساءل:
- يعني بتتعامل معاها كإنها أختك زي نارة؟
دقق في عينيها، كان هذا أشبه بالطلب عن أنه سؤال، كأنها تطلب منه أن يعترف بحبه، ولكنه خالفها عندما نطق كاذباً وقلبه يريد الصراخ ولكنه يقيده قائلاً:
- بالضبط يا آسيا هانم.
زفر بيأس وأومأت تنظر له بإحباط قائلة بهدوء:
- تمام يا عمر، بس ياريت متزعلش مايا، مايا هشة وبتتأثر بسرعة، غير نارة، مايا ممكن ترد بكلام يزعل بس لإنها مش بتكون عارفة تهون على نفسها الزعل، حاول على قد ما تقدر تتعامل معاها بحذر يا عمر، واعتبره رجاء.
تعجب من طلبها وتحدث بترقب:
- آسيا هانم هي مايا قالت لك حاجة؟
هزت رأسها تجيبه بسؤال مماثل:
- هو حصل حاجة؟، إنت عارف إن مايا مش من النوع اللي بيشتكي.
أومأ لها وتحدث باطمئنان ظناً أن مايا لم تخبرها حقاً:
- متقلقيش يا آسيا هانم، اليوم اللي ممكن أحس إني زعلت مايا فيه همشي تماماً، وثقي إني حقيقي بتصرف معايا بكل حذر.
أومأت بهدوء وشردت تفكر في مشاعر ابنتها التي وقعت في حب هذا الذي يعتبره عمل ومسئولية، نعم لقد رأت مسئوليته تجاه نارة مسبقاً لذا فهي تصدقه، لم تلاحظ لمعة عينه ولا توتره الذي يؤكد حبه لصغيرتها ولكنه ينكره.
في الرابعة مساءاً عند صقر وناردين.
يجلسان على سطح الطابق الثالث لليخت، حيث المقاعد البحرية وحوض السباحة الأزرق.
كانت قد أبدلت فستانها المنقوش بآخر لونه أحمر بحمالاتٍ رفيعة يلتصق بجـ.سدها وفوقه قطعة بيضاء من القماش الدانتيل الشفاف تظهر ما تحتها.
أما هو فيرتدي شورت فقط،، يتمددان على المقاعد المنفرجة وكلٍ منهما يضع نظارته الشمسية ويغلق عيناه ناظراً للأعلى.
تحاول الاسترخاء والتمتع بالطبيعة ولكن لا، أتترك البحر نفسه؟، ما أمامها ليس بحرٍ بل هي بركة سباحة صغيرة على متن يخت، إذا كلها مناظر صناعية ناهيك عن الطبيعة التى تحتضنهما، يبدو أنه دللها كثيراً حقاً.
أما هو فوقف ينزع نظارته ويحرك ضلعه للأمام والخلف استعداداً للقفز داخل الماء.
وبالفعل قفز يسبح كالدولفين باحترافية بينما هي فتحت عينيها على صوت قفزته لتعتدل تتابعه بإعجاب وهو يذهب ويعود سابحاً بمهارة لعدة مرات.
عاد يستند على حافة المسبح قائلاً وهو يطالعها بخبث:
- ألا تودين تجربة المياه؟
خلعت نظارتها قائلة بنعومة ودلال:
- أود كثيراً، ولكن ليس في هذا المسبح بل في مياه الجزيرة.
تحدث وهو يقفز خارج المسبح ويتجه يجلس مجدداً بجوارها والمياه تتساقط من جـ.سده بغزارة:
- حسناً هي اذهبي وأبدلي ثوبك بآخر مناسب، ستجدين في الأسفل ملابس سباحة جلبتها لكِ.
نظرت حولها للمكان ثم عادت بنظرها إليه قائلة:
- رأيتهم صقر ولكن لا يجوز ارتدائهم هنا ربما رآني أحدهم.
تحدث بغموض وثقة:
- لا يمكن لأحدٍ أن يمر حتى بالقرب من هنا كوني مطمئنة فالمكان هنا تم حجزه بالكامل لنا فقط.
نظرت له بتعجب ثم أردفت وهي تقف قائلة:
- يبدو أن ثروتك طائلة جداً،، لكن مع ذلك لا أستطيع السباحة الآن بحرية، لنتركها ليلاً.
تفاجأ بجرأتها لذلك تساءل:
- ليلاً؟، ألا تخافين؟
نظرت له باستنكار تردف بثقة أحياناً تنغزه:
- وأنت معي؟، بالطبع لا، أم أن هنا أسماك قرشٍ مفترسة؟
ضحك عليها وهو يقترب منها حد الالتصاق قائلاً بمكر وهو يقضم أذنها هامساً:
- لا يوجد هنا مفترس غيري.
مالت مرتعشة تبتسم بعدما أشعل حواسها فسحبها معه لمسكن سعادتهما ليعيشا معاً أوقات ستحفر في ذاكرتهما.
في القاهرة في شقة عفاف.
تقف زينب تباشر الطهي بينما تجلس عفاف في الخارج مع ريما الصغيرة، جاء سامح من عمله ليتناول طعام الغداء.
دلف يلقي السلام ويبحث بعينه عن زوجته فوجدها تقف في المطبخ لذا تحدث بحنو قائلاً:
- هغسل إيدي يا زينب وآجي أساعدك.
تحدثت عفاف مسرعة بغيرة:
- أنا كنت معاها يا سامح ولسة قاعدة أهو، تعالى يا حبيبي ارتاح إنت طالع هبطان من شغلك.
تحدثت زينب بارهاق وحب:
- ارتاح إنت يا سامح أنا كويسة.
تحرك يغسل يده ثم عاد إليها متجاهلاً حديثهما وهو يطالعها مردفاً بهمس:
- قلتي لأمي ع الحمل يا زوزو؟
هزت رأسها تردف بهدوء:
- أستنيتك لما تيجي ونقولها سوا.
أومأ وبدأ يأخذ منها الأطباق للخارج ويضعهم على السفرة تحت أنظار عفاف التى تتابع بصمت ولكن ينتابها شعور بالضيق تحاول التغلب عليه واقناع ذاتها بأن ما يحدث يعد مودة وحب بينهما.
تجمعوا حول المائدة وبدأوا في تناول الطعام فنظر سامح لزوجته بمغزى لاحظتها عفاف فتساءلت بترقب:
- في حاجة ولا إيه؟
تحدث سامح بسعادة مفصحاً عن الخبر:
- هيجيلك حفيد جديد يا حجّة عفاف.
تفاجأت عفاف وسعدت بهذا الخبر كثيراً ثم نظرت لزينب وتحدثت بلوم:
- كده يا زينب ومخبيا عني؟
تحدثت زينب بتروي:
- لا أبداً يا طنط أنا مقولتش لأي حد لسة، وقلت أستنى لما سامح يطلع ونقول لك سوا.
أومأت وابتسمت تردف بسعادة:
- ألف مبروك يا سامح، يتربوا في عزك يا حبيبي، وانتِ يا زينب ربنا يكملك على خير يا بنتي.
أردفت زينب بابتسامة ناعمة:
- آمين يارب.
نظرت عفاف لريما الصغيرة التى أخبرتها والدتها صباحاً بهذا الخبر الذي أسعدها، تحدثت بحنو ودلال:
- هيجيلك أخ يا ريما؟، بس بردو هتفضلي إنتِ قلب تيتة من جوة.
ابتسمت الصغيرة وتحدثت بسعادة:
- هسميه مهند يا تيتة.
أومأت لها عفاف بسعادة ثم نظرت لزينب قائلة:
- من هنا ورايح بقى يا زوزو تاخدي بالك من نفسك وأنا هبقى مسئولة عن ريما حبيبة تيتة.
تحدث سامح بحنو:
- كلنا مع بعض أهو يا ست الكل.
أصبحت الساعة التاسعة مساءاً وإلى الآن هي نائمة بعد جولة عشقٍ عميقة، أما هو فيجلس على جانبه مستنداً على مقدمة الفراش يجاورها ويتأملها ويمرر أصابعه على شعرها بصمت.
اليوم عندما تركها وصعد للأعلى لم يتوقف عقله عن حالتها وعن ما تشعر به ووجد نفسه يعود إليها ليراضيها بطريقته الحنونة التى لم يكن يعلم أنه يمتلكها، لقد ظن أنه دفنها مع موت والدته، لقد ظن أن القسوة باتت نظام حياته، ولكن أتت هي لتخرج منه ربيعه المدفون، يستعمل معها أسلوباً خاص لن يظهر لبشرٍ غيرها.
ربما إن علمت حقيقته تغضب أو تثور ولكنه سيمتص غضبها وثورانها بكل الحب، نعم أصبح لديه علم بالطريقة التى تؤثر عليها، هي عاطفية ويمكنه التحكم بتلك النقطة بكل حرفية، ولكن لم ولن يسمح لها بالرحيل، بعد كل ما وصلا إليه لن يكن لأيٍ منهما مخبأً آخر غير بعضهما.
خرج من بحر أفكاره عندما أحس بتململها، انحنى عليها يلتهم شفتيها مقبلاً إياهما بنهم فباتت تبادله بعدما انتبهت لقبلته وارتفعت يداها تتوق رقبته ورأسه باستمتاع.
ابتعد بهدوء يردف أمام شفتيها بترقب ومكر:
- هل تودين السباحة الآن؟، أصبحت الساعة التاسعة ليلاً، أم أنكِ تفضلين النوم هنا مثلي؟
ابتسمت له وهي تحاول التسلل من بين يديه قائلة بتحشرج والنوم ما زال معلقاً في عينيها:
- لأخذ حماماً سريعاً ثم نسبح ولنترك النوم قليلاً أيها المنحرف.
ابتسم على هذا الإطراء وابتعد سامحاً لها أن تتوقف وتلتفت لجهة الحمام لتدلفه ولكن قبل أن تغلق بابه كان يتبعها للداخل بخطوات بطيئة وخبيثة وهي تضحك بنعومة عليه.
بعد وقتٍ نزلا للطابق الأول سوياً وتحركا للخارج حيث الجزء المسطح الذي ينحدر منه مرسى داخل البحر تعلوه المياه وتختفي بفعل الفتحات التى صممت به.
وقفا على حافة هذا المنحدر ونظر لها كانت ترتدي ثوب سباحة عبارة عن قطعة واحدة وتخفيه بالروب الحريري وتغطى شعرها بغطاء بلاستيكي واقي.
تحدث وهو ينزع عنها الروب ويلقيه بعيداً:
- الآن سأنزل أنا أولاً لأرى حرارة المياه.
أومأت له بحماس والقليل من التوتر ولكن التوق للتجربة يتحكم في توترها.
بالفعل قفز في المياه ليشعر بالبرودة قليلاً أو ربما بروده جسده المعهودة كان لها فضل في تقبله لها.
بدأ يسبح محركاً يديه ليتمدد على ظهره باستمتاع قائلاً أمامها:
- إنه حقاً شعوراً رائعاً.
تحمست للنزول بعد أن أغرتها المياه التى تحتضنه وبالفعل بدأت تنزل بهدوء ولكن بسبب المنحدر تزحلقت لتسقط كاملة وتصرخ بفعل برودة المياه التى فاجأتها.
ضحك عليها وهو يرفعها إليه قائلاً باستنكار:
- تمهلي، لما الصراخ؟، المياه رائعة.
حاولت التقاط أنفاسها وهي تتمسك بكتفيه ويده حول خصرها ثم قالت بدهشة من برودته:
- رائعة؟، إنها باردة جداً، ألم تشعر بذلك.
ابتسم عليها وقال بثبات:
- قليلاً فقط.
بعد ثواني بدأ جسدها يعتاد على حرارة المياه قليلاً ويد صقر لا تتركها فقالت بحب وهي تنظر في عينيه التى يلتمع بها العشق:
- أتعلم شيئاً، دوماً تمنيت أن أعيش قصة حب، دوماً أردت تجربة مشاعري مع شخصٍ يستحقها، ولكن حقاً ما فعلته لي أكثر مما كنت أتمنى، أنا أحبك صقر.
تعمق في عينيها الصادقة والتى ينهمر منهما الحب مثله، قلبه ينبض بعنف قائلاً:
- وأنا أحبكِ، أحبكِ بالقدر الذي يمكنني فيه إبادة كل شيء من أجلكِ، أحبكِ بالقدر الذي يجعلني طفلاً في ثوب رجلٍ يتجرد أمامكِ من كل حياته ليصبح معكِ كما كان يتمنى دوماً.
اللمعت عينيها بحب وسعادة من كلماته وقابلتها بالصمت ولكنه رفع يمناه يتمسك بكفها ويقبل باطنه بنعومة وتمهل ثم شبكه في كفه قائلاً بترقب وغموض:
- هل تعديني بأن لا يفرق بيننا شيئاً مهما كان؟، لنتحدث ولنصل لنقطة تفاهم عند أي خلاف ولكن لا نترك بعضنا أبداً، حسناً؟
انتظاره لإجابتها كانتظار طالب نجيب لنتيجته، أما هي فانقبض قلبها من جملته تلك، استشفت خلفها غموضاً وسراً يمكنه أن يدمر علاقتهما.
زفر بضيق يتابع ليغير دفة الحديث بعدما أدرك أن عواطفه بها تجعله يخطئ قائلاً:
- أعلم أنى أحيانا أبدو حاد الطباع وغالباً ما أعقد الأمور قليلاً وربما متقلب المزاج، لذا أردتُ منكِ تعهداً بتقبل حالاتي.
تحدثت ويدها تستند على كتفه قائلة بصدق وهدوء لتبث فيه ثقتها به:
- لست بحاجة وعد مني، أنا لن أتركك صقر، أنا لن اتركك لأنك لن تخذلني ولن تخونني أبداً.
هنا عقله ترجم كلمة خيانة لنوعٍ واحدٍ وهو خيانتها مع أنثى أخرى لذا زفر بارتياح وتحدث بثقة وثبات:
- لن يحدث أبداً.
ابتسمت له ثم حاولت تغيير مسار الحديث المثقل هذا قائلة بالمصرية وبترقب:
- ليه مش بتتكلم مصري؟، أنا بحب اللهجة المصري جداً على فكرة.
تحدث مثلها قائلاً بتمهل:
- معنديش مشكلة، بس يمكن تعود، خصوصاً إنك بتبادليني الإيطالي وأنا بحب اتكلم بيه.
أومأت تردف بهدوء:
- تمام يبقى نتكلم شوية مصري وشوية إيطالي.
نظر لها بحب قائلاً بثبات:
- كما تشائين.
ابتسمت عليه فيبدو أنه معتاد حقاً وأكملا سباحتهما التى لم تخلوا من بعض القبلات التى يتفنن هو في توزيعها.
صباحاً
استيقظ صقر ونارة واتجها سوياً للأعلى يتناولان فطورهما ثم استعد صقر حيث سيصطاد لها سمكاً طازجاً كما وعدها.
يقف على السياج المعدني لليخت وتتدلى منه صنارته للأسفل وهو يتحكم بها باحترافية بينما تجاوره نارة تعطي ظهرها للسياح وتقابله وتتحدث عن مايا وآسيا التى اشتاقت لهما كثيراً.
تحركت الصنارة لتعلن عن صيدٍ بها فتحمست نارة لرؤية هذا الصيد بينما هو بدأ يسحب خيطها للأعلى عن طريق لف بكرة الخيط حتى ظهرت الصنارة التى علق بها سمكةٍ متوسطة الحجم ربما تكفي لشخصٍ واحد لذلك وضعها في تلك السلة التى ترتكز أرضاً ثم عاد يلقي بالصنارة مرة أخرى في المياه وينتظر وهو يتحدث مع نارة باستمتاع عن معلومات عن الجزيرة وسكانها.
وللمرة الثانية وبعد وقتٍ قليل أعلنت الصنارة عن صيدٍ آخر فرفعها صقر ليجد سمكة أكبر حجماً من السابقة ليأخذها ويضعها في السلة مع مثيلتها.
رفع صنارته ونظر لنارة يردف مبتسماً:
- يكفي هذا القدر، والآن لأحضرهما لكِ بطريقةٍ شهيةٍ.
صفقت بيدها بحماس واتجها سوياً للمطبخ.
بدأت نارة في إخراج الخضروات التى سيحتجانها بينما وقف صقر يغسل السمكتين ثم أحضر سكيناً حاداً ليبدأ في تنظيفهما ببراعة.
أحضر قطاعة خشبية ووضع عليها إحدى السمكات التى تهتز بقوة بين يديه وكاد أن يبدأ بتقطيعها ولكنه تفاجأ بنارة تأتي من خلفه مردفة بنبرة مؤنبة وعالية:
- استنى بس بتعمل إيه دي لسة فيها نفس، أصبر عليها لما تموت وبعدين ننظفها لإن دي روح، حرام نعذبها أو نشويها قبل ما تموت.
تركته وتحركت تحمل السمكة بتوتر من حركتها والقتها في مصفاة الحوض مع الأخرى لتتركه وتعود تحضر باقي الأعراض متجاهلة عن هذا الذي لأول مرة في حياته يشعر بالخوف.
لأول مرة يدرك بشاعة عالمه، هل تخشى على مشاعر سمكة؟، لأول مرة يشعر أنه بحاجة ماسة لحذف الماضي ويخشى لحظة اكتشافها لهويته الحقيقية.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية العربي
احتدت نظرته فجأة وتجمدت ملامحه. ما فعلته الآن يعد قانونها ومبادئها التي تحتفظ بها، ولكن هو انسحب في لحظات إلى بئر مظلم عميق.
لذا، فإنه تحرك بهدوء يغادر المطبخ وتركها تتحدث إليه وهي تواليه ظهرها وغير منتبهة على رحيله ليصعد للأعلى فوراً.
تحدثت متسائلة بهدوء:
- بتحب السبايسي؟
لم يجيبها. فالتفتت تنظر حولها فلم تجده، لذا تعجبت ونادته فلم يجب. تركت ما في يدها وغسلتها ثم جففتها وتحركت للخارج تبحث عنه في ساحة الاستقبال فلم تجده.
وقفت مندهشة تحاول معرفة سبب رحيله، فلم تصل لشئ. اتجهت للأسفل حيث طابق الغرف تناديه قبل أن تستمع فجأة لصوت ارتطام قوي في الماء.
أسرعت تصعد للأعلى وتخرج لسطح اليخت متجهة للمكان الذي كانا يصطادان عنده منذ قليل لتجده يسبح بمهارة للبعيد قليلاً عنها.
وقفت حائرة من تبديل حالته المزاجية بتلك السرعة القصوى. لم تتذكر أي فعل قد يكون أزعجه، حتى أنها لم تتطرق للحديث عن ماضٍ أو مستقبل كما طلب. إذا ما الأمر؟
وقفت تتطلع إليه وهو يسبح حول اليخت، لعل المياه تهدئ من حالته تلك. لقد صعد للأعلى ليقفز مرتطماً في المياه علها تزيح عنه ذلك الشعور بالخوف الذي يراوده لأول مرة.
خطط لكل شئ بمهارة وإتقان، ولكن لم يحسب حساب القدر. لم يكن يعلم حينها أنها ستصبح نقطة ضعفه. لم يكن يعلم أنه سيواجه مخاوفه التي تجمعت كلها في شئ واحد فقط وهو رحيلها عنه. لقد عاش حياته وحيداً لا يخشى شيئاً، لتأتي هي وتحتل عالمه فيلازمه الخوف من أجلها كأم تخشى الموت فقط حتى لا تترك صغارها.
كل ما فكر فيه هو الاستحواذ عليها وتملكها، بينما هي تفكر في حياة متكاملة معه. أطفال وماضٍ ومستقبل. تريد حياة طبيعية هادئة بعيدة عن الشغب.
ويعد الشغب هو قانونه الأول. لقد ظنها مختلفة عن غيرها حتى في تلك الأمور، أو ربما تأمل ذلك. ولكن أن تخشى على مشاعر سمكة؟ إنه أمر يفوق استيعابه ويثير ريبته.
عندما طال انتظارها له وهي تطالعه وتفكر في أمره، قررت العودة للمطبخ لتبدأ هي في طهي الطعام بدلاً عنه ولتبدأ في تجاهله أيضاً.
عادت للمطبخ وشرعت في تحضير المقبلات، ثم اتجهت لتجد أن السمكتين توقفتا عن الحركة.
ارتدت قفازات وبدأت تنظفهما بطريقة اعتادتها أثناء تواجدها في مدينة بولونيا بمفردها.
انتهت منهما واتجهت تحضر تتبيلة مميزة لهما، ثم وضعتهما في صينية وحولهما الخضروات لتضعهما في الفرن بعدما ضبطت درجة حرارته.
***
في الجامعة.
تجلس ميار مع صديقتها نسرين في منتزه الجامعة تحتسيان العصير الفريش وتطالعان مايا وهي تجلس على طاولة أخرى تضحك مع صديقتها جنى التي تعرفت عليها حديثاً.
تحدثت ميار بملامح حزينة حانقة:
- أعمل إيه يا نسرين، واضح إن مايا بتحبه وهي اللي قريبة منه وممكن يحبها هي.
تحدثت نسرين بصخب معنفة:
- إنتِ حقيقي هتجننيني، هو إيه اللي ممكن يحبها؟ مهي قدامه طول الوقت محبهاش ليه؟ وبعدين مين قالك إن هي بتحبه؟ هتحب السواق بتاعها؟
هزت ميار رأسها تردف:
- لا يا نسرين مش السواق، لإنه لما زعقت لي المرة اللي فاتت كان هيتعصب عليها. هو تقريباً قريبها.
شردت نسرين قليلاً ثم تحدثت بعد ثوانٍ تردف:
- طيب إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟
تحدثت ميار بحالمية وترجي:
- عايزة أتكلم معاه تاني يا نسرين بس مش عارفة أبدأ إزاي، عايزاه هو اللي يكلمني.
تحدثت معنفة:
- مهو لو كنتِ أخدتي رقمه، إنما إنتِ بجد أوفر أوي. خليكي واثقة في نفسك وأقفي قدامه ثابتة كدة وبطلي جبن.
أومأت ميار تحفز حالها ثم تحدثت متسائلة:
- طيب قوليلي أعمل إيه بقى؟
شردت تلك الداهية تفكر وتفكر وتضع أساليبها الملتوية، ثم ابتسمت بعدما استدلت على خطة مناسبة تقول:
- لقيتها، هخليه هو اللي يكلمك المرة دي، بس هنحتاج مساعدة من حد.
ضيقت ميار عينيها وتساءلت:
- إزاي يا بسمة فهميني؟ ومين اللي هيساعدنا؟
جالت نسرين المكان بعينيها لتتوقف عند ذاك الشاب الذي يقف يبتسم مع أصدقائه قائلة:
- أمير، أمير هو اللي هيساعدنا، هو اللي هيموت ويكلم مايا.
تعجبت ميار وتساءلت باستفهام:
- إزاي يا نسرين؟ هتعملي إيه؟ لاء يا نسرين مش هنعمل حاجة غلط.
نهرتها بتهكم قائلة:
- حاجة غلط إيه إنتِ كمان، هو إحنا في فيلم هندي؟ أنا بخدم أصحابي يعني بعمل عمل إنساني. هخلي أمير يتكلم مع مايا وهخلي عمر يكلمك، بس سبيني أدورها في دماغي.
***
عند صقر.
الذي تعب جسده وطالبه بالتوقف عن السباحة. وصل للمرسى الخاص باليخت وقفز إليه ليقف بعدها متجهاً للداخل حيث غرفة الرياضة ومنها للأعلى ثم دلف غرفته ليستحم ويبدل ثيابه. أصبح يلجأ للهروب كثيراً حتى لا تراه وهو في تلك الحالة. عليه أن يتوقف عن تقلب المزاج هذا، يظهر ثباته المعهود. عليه أن يحتوي الموقف كالسابق.
أما هي فقد انتهت من التحضيرات وقررت النزول لأخذ حمام وتبديل ثيابها بأخرى.
تعلم أنه عاد وسمعت صوت غلق الباب، لذلك فهي مطمئنة. دلفت الغرفة فسمعت صوت المياه من الداخل، لذلك توجهت لغرفة الملابس تخرج منها ثوباً مناسباً ترتديه.
خرج هو يلتف بمنشفة حول خصره ورآها تأتي من غرفة الملابس، فنظر لها بتفحص يستشف حالتها ولكنه تعجب من هدوئها ولامبالاتها حيث مرت من جانبه كأنها لم تره.
دلفت الحمام وأغلقت خلفها، بينما هو زفر مطولاً ووقف ينظر لأثرها بحيرة قبل أن يقرر الذهاب لتبديل ثيابه.
أبدلها واتجه يتمدد على الفراش، ولأول مرة يلتقط هاتفه من درج الكومود المجاور ويفتحه بعدما أغلق هواتفهما منذ أن أتيا إلى هنا ليبعد عن عقله تلك الأفكار.
تفحص عدة أمور من بينها رسائل لماركو يخبره ماذا فعل مع ميشيل.
خرجت من حمامها فأغلق الهاتف وتركه جانباً يتابعها وهي تتجه لمرآة الزينة، ثم نزعت الغطاء الواقي عن شعرها ليسقط كما هو على طول ظهرها، ثم بدأت في تمشيطه أمام عينه التي تسجل كل حركة لها.
انتهت منه وهي على يقين أنه يتابعها دون أن تلتقي بعينه، فقد قررت تلقينه درساً في التجاهل.
نظرت بخبث لزجاجة العطر، التي اختارتها لتنثرها في اللقاءات الحميمية بينهما، حيث أن رائحتها تثير الحواس لدى من يشمها. لذلك تلاعبت بمكرها الأنثوي على تلك النقطة وتناولتها تدعي نثر القليل منها بإهمال على معصمها وفستانها، فيبدو أنها تستعمل عقاباً خاصاً دون نطق حروف.
التفتت تنظر له بابتسامة باردة وتردف قبل أن تصعد للأعلى:
- الغدا جاهز، هحضره واستناك.
صعدت وتركته يتعجب ويفكر في أمرها. ماذا كان يريد؟ أيريد أن تبكي وتعتذر عن خطأ لم ترتكبه؟ هو المذنب هنا وعليه أن يصلح أخطاءه معها وإلا فهو في طريقه إلى خسارة مشاعرها اتجاهه.
زفر بقوة بعدما حبس أنفاسه من رائحتها وهيئتها وطريقتها التي تلاعبت بحياته البائسة.
نهض يتحرك للخارج خلفها وصعد للأعلى حيث جلسا على طاولة في المطبخ يتناولان طعامهما بصمت، ولكن رائحتها توتره كلما توغلت إلى أنفه محدثة داخله ثورة شغف للمسها، فبات يجلس على موقد من نار.
ليقرر هو قطع الصمت قائلاً وعينه منكبة على طبقه:
- هذا أفضل سمك تذوقته في حياتي.
رفعت وجهها تقابله وترد مبتسمة بهدوء شديد:
- بالصحة والعافية.
عادت تأكل بلا مبالاة حتى انتهيا سوياً لتقف تجمع الأغراض، بينما هو زفر بضيق وقرر الذهاب لسطح هذا الطابق ليهدأ من تلك الحالة الغريبة التي تسيطر عليه.
جلس يفكر في طريقة أخرى يستعملها معها بدلاً من تحوله المفاجئ. فيبدو أنها منزعجة وهو لا يحق له اللوم عليها.
أما هي فقررت إكمال لعبتها الانتقامية بوسائلها الحسية، لذا اتجهت إلى ساحة الاستقبال حيث البيانو القائم.
جلست أمامه على ذلك المقعد لتبدأ في تحريك أصابعها على إيقاعاته مصدرة صوتاً وصل إليه في الحال.
تنفست بعمق وبدأت تعزف نغمة أغنية رومانسية أجنبية سمعتها وأحبتها، لتقرر الغناء بكلماتها التي تخترق أذنه قائلة بمغزى ومكر أنثوي ويداها تعزفان بإتقان:
( أنت النهار أنت الليل، أنت لون دمي)
( أنت الشفاء أنت الألم، أنت الشئ الوحيد الذي أريد لمسه)
( لم أعلم أبداً أن هذه المشاعر قد تعني الكثير هكذا)
( أنت الخوف؟ لا يهمني لأني لم أكن في هذه السعادة من قبل)
( اتبعني إلى الظلام، دعني آخذك أبعد من أقمارنا الصناعية)
( لنرى العالم الذي بعثته للحياة، إذا أحبني كما تريد)
( إذا احبنى كما تفعل، أحبني كما تفعل)
( ألمسني كما تريد، المسني كما تريد، ماذا تنتظر)
( ندخل إلى ونخرج من على حافة الجنة)
( أنت الوحيد الذي يمكنه إشعال النار بقلبي)
( نعم سأدعك تقود وتحدد علاقتنا، لأني لا أستطيع التفكير بوضوح)
( رأسي يدور ولم أعد أستطيع الرؤية بوضوح، ماذا تنتظر؟)
( إذا أحبني كما تفعل، أحبني كما تفعل)
( ألمسني كما تريد، ألمسني كما تريد، ماذا تنتظر)
انتهت من الغناء الذي اكتشف هو أنها تمتلك صوتاً ناعماً.
زفرت مطولاً لتقرر الوقوف ولكنها تفاجأت بمن يقف أمامها لتشهق، فلم تشعر بوجوده.
يطالعها ببريق تعلمه جيداً، لذلك ادعت الجهل وهي تبتسم مردفة بتوتر تجاهد لإخفائه:
- هل تريد شيئاً؟
اقترب منها بخبث يتلاعب بأدواتها قائلاً:
- أنتِ ناديتني؟
ادعت الاستنكار قائلة:
- أنا؟ لا أتذكر ذلك.
لف يده حولها يجذبها لصدره بتملك ليغمض عينه ويتنفس ببطء تلك الرائحة التي اخترقت أنفه وأشعلت لهيب عشقه قائلاً بسحر:
- إذاً ماذا تعني كلمات تلك الأغنية؟
جاهدت مشاعرها التي تغمرها من لمساته وقالت بهمس وهي تحاول المقاومة:
- مجرد أغنية فقط.
نظر لعينيها التي يرتسم فيهما المكر قائلاً باعجاب ومكر مماثل:
- وماذا عن العطر؟
نظرت له نظرة واثقة تردف بثبات مزيف:
- مجرد عطرٌ فقط.
رفع حاجبه بإعجاب من تلاعب امرأته الذي يراه لأول مرة، ثم تحدث بثقة:
- حسناً ليكن كل شئ مجرداً.
انحنى يحملها بين يديه، ثم نظر لها بحب وصمت، بينما هي تعلقت في رقبته بسعادة تتملكها واضعة رأسها على صدره تستشعر دفئه الذي افتقدته.
اتجه بها لغرفتهما وفقاعة عشقهما لينزلها أرضاً ويتحرك لغرفة الملابس.
تساءلت بنظراتها عن ذهابه ليعود ومعه ربطتي عنق يتلاعب بهما أمام عينيها بمكر.
ابتلعت لعابها وتعالت وتيرة أنفاسها، فتقدم منها يلفها ليقابل ظهرها صدره، ثم قام بإغماء عينيها بإحدى الربطتين ليلفها إليه قائلاً بهمس مثير:
- الآن لا داعي للرؤية، فقط اتركي العنان لحواسكِ.
تعالت نبضاتها ويظهر ذلك على صدرها الذي يعلو ويهبط بعنف كحال نبضه تماماً وهو يحركها معه إلى الفراش ويمددها عليه، ثم جلس يلتقط ذراعيها ويرفعهما فوق رأسها ليربطهما بالربطة الثانية في مقدمة السرير.
تحدثت بتوتر وفرط مشاعر قوي كماسٍ كهربائيٍ قائلة:
- صقر ماذا تفعل.
انحنى عليها يهمس بالقرب من أذنها بنبرة مثيرة وخبثٍ قائلاً:
- ششش، مجرد لعبةٍ فقط.
قبل أذنها وهمس بجملة يقصدها وتعمد نطقها في تلك اللحظة حتى لا تدركها قائلاً بعشق يحرقه:
- أنتِ ناري وجنتي ناردين، أنتِ كلاهما.
***
بعد انتهاء المحاضرات بدأ الطلاب يجمعون أغراضهم حتى يغادروا، ومن ضمنهم مايا.
تحركت نسرين صوبها كي تنفذ ما نوته وحتى تؤخرها كما نوت حتى يتسنى لصديقتها ميار التحدث مع عمر كما تتمنى.
وقفت نسرين أمام مايا وهي تجمع أغراضها قائلة بترقب وخبث:
- مايا ازيك، ممكن أشوف الـ colors اللي معاكي علشان اشتري زيهم بما إن الدكتور عجبه رسمتك جداً.
تنفست مايا بحنق فهي لا تستلطف هذه نسرين ولا تلك ميار التي تقف تراقب، لتنظر لها قائلة بنبرة بدت مملة:
- مش الـ colors المهمة في الرسمة، أهم حاجة الأداء يا نسرين.
تحمحمت نسرين بضيق من غرورها لتحاول التحلي بالهدوء وتردف باستعطاف ومكر:
- معلش يا مايا اعتبريني عايزة اتعلم منك. يعنى إنتِ لوحاتك بصراحة روعة جداً، ف خليني أشتري نفس الـ tools زيك.
زفرت مايا وأومأت، وكان قد غادر معظم الطلاب حتى ميار خرجت كي تنتظر عمر الذي من المؤكد أنه على وشك الوصول.
بينما يقف أمير ينتظرهما في المكان المتفق عليه.
أخرجت مايا علبة بلاستيكية تحتوي على العديد من أنبوبات الألوان الأكريلك التي تستخدمها في الرسم وناولتها لنسرين التي ادعت تفحصهم وبدأت تأخذ إحداهم وتتساءل بترقب:
- باين عليهم غاليين جداً، ياترى جبتيهم منين يا مايا؟ أنا معرفش غير النوع اللي الكل بيستخدمه.
زفرت مايا وتحدثت بترقب وهي تشبك ذراعيها بضيق:
- من المكتبة العامة اللي في التجمع، وياريت بسرعة شوية علشان متأخرش.
فتحت نسرين إحدى العبوات تدعي تفحصها لهذا اللون، ثم فجأة نفثت اللون على بلوزة مايا التي كانت تنظر حولها لتتفاجأ مايا أن بلوزتها البيضاء قد اصطبغ جزءاً منها باللون الأزرق الغامق.
شهقت مايا ونظرت بحدة لنسرين تردف معنفة:
- إنتِ مجنونة؟ إيه اللي عملتيه ده؟
ادعت نسرين الأسف وهي تحاول مسح الألوان بالمحرمة الورقية التي كانت في يدها، ولكن على العكس فهي تزيد من انتشارها قائلة:
- أنا آسفة جداً يا مايا، أنا كنت فكرته فيه شوية معرفش إنك لسة مش استعملتيه، بجد آسفة.
نظرت مايا لمكان البقعة بضيق، ثم نزعت من بين يدها الألوان وجمعتهم لتقول نسرين بتوتر:
- طيب تعالي الحمام وأنا اغسلهالك!
لم تجبها بل جمعت أغراضها وتحركت لخارج القاعة ومنه إلى الحمام لتبدل بلوزتها بأخرى تكن معها دوماً كاحتياط.
دلفت الحمام وأغلقت الباب واتجهت تبدلها سريعاً لتخرج، فمن المؤكد أن عمر قد أتى، ولكن يبدو أن أحدهم لم ينتبه لها وأوصد الباب من الخارج، وهذا ما يحدث يومياً بعد مغادرة الجميع.
في الخارج يقف عمر ينتظرها وقد انتابه التعجب من تأخرها. رأى ميار تتقدم منه تدعي عدم رؤيته كما أخبرتها نسرين، ليناديها عمر مردفاً بترقب:
- آنسة ميار؟
التفتت تطالعه بقلبٍ نابضٍ بقوة من ندائه، ثم تقدمت منه تردف بابتسامة مشرقة وهياماً بدا واضحاً:
- أهلاً يا عمر أزيك.
شعر بالضيق من نظراتها، ولكنه تجاهل هذا وتساءل بترقب:
- هي مايا لسة جوة بتعمل إيه؟
تحدثت وهي تتقدم منه:
- مايا شوفتها بتتكلم مع نسرين صاحبتنا، تقريباً بتوريها حاجة.
أومأ ووقف يزفر، فتساءلت بتوتر وهي تبتلع لعابها:
- عمر هو ممكن آخد رقم تليفونك؟
تعجب من طلبها وجرأتها متسائلاً باستفهام:
- رقمي؟ ليه خير؟
توترت وشعرت بالحرج ولعنت نسرين لتقول بتلعثم أول ما خطر على عقلها:
- كان فيه حاجة بخصوص مايا عايزة أبقى احكيهالك.
ضيق عينيه يردد بتعجب:
- بخصوص مايا؟
أومأت وظهر التوتر على ملامحها ليردف بجدية وثبات:
- معلش يا آنسة ميار الأفضل تتكلمي مع مايا نفسها لو فيه حاجة بخصوصها.
لف وجهه عنها لتقف تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها وتقرر حمل ما تبقى من كرامتها وتغادر في الحال.
أما في الداخل عند مايا التي تحركت لتفتح الباب وتغادر، ولكنها تفاجئت بإغلاقه. تعجبت وانتابها الخوف فجأة وحاولت الطرق عليه ومناداة أحدهم، فجاء أمير الذي يردف من خلف الباب بمكر وتوتر:
- مين اللي جوة؟
زفرت باطمئنان لتردف من خلف الباب:
- لو سمحت الباب اتقفل عليا ومش عارفة أفتحه ممكن تساعدني؟
تحدث أمير بسعادة وهو في طريقه لإنقاذ من هو معجباً بها منذ أن بدأت السنة الدراسية ليقول:
- مايا؟ أنا أمير، حالاً هفتحلك متقلقيش هروح بس أدور على عم محمد لأنه تقريباً قفل من غير ما ياخد باله إنك جوة.
تنفست بعمق وتحدثت:
- تمام يا أمير.
لم يكن المفتاح مع عم محمد كما ادعى، بل كان معه بعد أن حصلت عليه نسرين من وداد عاملة النظافة مقابل مبلغ مالي بسيط وأعطته إياه، فهو كان يتطوق بشدة لذلك حيث سيظهر في ثوب المنقذ.
في تلك الأثناء شعر عمر بشئٍ غير مألوف يحدث، لذا تحرك للداخل يبحث عنها.
وصل للقاعة يبحث بها فوجدها خالية تماماً من الطلاب. شعر بالضيق والقلق ورفع هاتفه يحاول الوصول إليها، ولكن يبدو أن الحمام لا يوجد به شبكة.
خرج يسرع من القاعة يلتفت حوله فسمع صوتها آتياً من مكانٍ قريب ويبدو تتحدث مع أحدهم.
تحرك للداخل حتى وصل إلى الردهة التي تؤدي إلى الحمام فوجدها تقف عند بابه تتحدث مع هذا الذي يبتسم لها ويردف بعيون لامعة يفهمها جيداً، هذا الذي استشاط غضباً وتحدث بحدة بعدما تملكته غيرته:
- إيه اللي بيحصل هنا؟
لفت مايا وجهها لتقابل عينه التي رأت النيران تتقافز منهما، بينما تحدث أمير بتوتر:
- الباب اتقفل على مايا بالغلط وأنا كنت بساعدها.
لم يعره اهتمام بل باغته بنظرة حارقة، ثم لف ينظر لتلك التي تعجبت من نظراته، وعندما لاحظ تبديل بلوزتها اشتعل جسده بالغضب ودارت في رأسه الأفكار السلبية، لذا تحدث وعينه عليها يردف بشك:
- والباب اتقفل إزاي وليه؟
استشفت نبرته المشككة لذا التفتت تنظر إلى أمير مجدداً دون أن تعره اهتماماً وتحدثت ممتنة بابتسامة هادئة:
- شكراً يا أمير، عن إذنك.
تحركت تمر من جواره وهو يتبعها بنظراته الغاضبة، ولكنها لا تبالي. نظر إلى أمير فوجده ينظر عليها بحالمية وهي تخطو للخارج. باغته بنظرة تحمل تهديداً من نوعٍ خاص وملامح مقتضبة غاضبة، ثم تحرك يتبعها حتى خرجا ووصلا للسيارة.
اتجهت تستقل السيارة من الجهة الخلفية فتحدث بصرامة ويده تمنعها من فتح الباب الخلفي قائلاً:
- اركبي قدام.
نظرت له بحنق وأجابته بعناد:
- لاء، هركب ورا.
كادت تعاود فتح الباب وبالفعل فتحته، ولكنه أسرع يغلقه ويردف بنبرة حادة:
- اسمعي الكلام واركبي قدام، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي.
وجدت نفسها تطيعه وتتجه للجهة الأمامية وتستقل جواره بحنق وتأفف، بينما هو ركب يضغط بقبضتيه على طارة القيادة يحاول تهدأة أفكاره السيئة ويؤكد لنفسه أنها ليست تلك الشخصية غير الأخلاقية. مؤكد هناك سوء تفاهم، لذا تحرك بالسيارة يقود في طريقه.
لحظة عمر! وما شأنك أنت؟ أنت فقط تحميها وليس لك سلطان على مشاعرها؟ أولم ترفض حبها إذا لمَ النيران تتآكلك هكذا؟ ما شأنك إن أحبت أحدهم؟
لااا، لا يمكنها أن تفعل ما يحلو لها. لا يمكنها أن تكن هي صاحبة الأفعال الغير أخلاقية تلك. لا يمكن أن تحب أو يحبها غيره ويقف هو يبتسم ويبارك كالأبله.
لم يستطع تهدأة غضبه لذا توقف جانباً جلس يتنفس بقوة ثم تحدث وهو يتطلع للأمام، وهي تتساءل بنظراتها:
- إيه اللي حصل؟
لا تعلم سبب غضبه ولا تستطع تفسيره، لذا تحدثت بحنق:
- زي ما أمير قالك بالضبط، باب الحمام اتقفل عليا وهو ساعدني، ممكن بقى تروحني.
-والبلوزة اتغيرت ليه؟
نطقها باندفاع وهو يطالعها، لتتعجب من ملاحظته فالبلوزتان تحملان نفس اللون مع اختلاف التصميم، لذا انتابتها السعادة وقامت بفتح حقيبتها اليدوية لتخرج منها الأخرى المتسخة وتعرضها عليه قائلة بهدوء وترقب:
- لإن دي وقع عليها لون أزرق ودخلت بدلتها، علشان كدة استعملت الحمام.
نظر لها لثوانٍ ثم لف نظره عنها وغضب من نفسه. ها هو يتبع مشاعره ويندفع مخالفاً عقله وحكمته للأمور. لقد أساء الظن وسبح بأفكاره وجعل غيرته تتحكم به وتظهر لها بعد أن اتخذ عهداً على نفسه بالالتزام.
زفر وتحدث بهدوء وهو يتحرك مجدداً:
- تمام يا مايا حصل خير، بس خدي بالك لإن اللي حصل ده مش طبيعي، ومينفعش أبداً تستعملي الحمام بعد ما الطلاب كلهم روحوا، علشان محدش يتعرضلك بأذى لا سمح الله.
نظرت له بحنين واطمئنان قائلة بصدق وحب يفيض من عينيها:
- لو كنت لوحدي كنت عملت كدة فعلاً، بس أنا عارفة إنك واقف برا ولو حصل أي حاجة هتلحقني.
نظر لها متعجباً رافعاً حاجبيه وقد شعر بالسعادة بعدما أحس أنه أمانها، لذا تحدث بمرح لأول مرة منذ زمن:
- ليه بقى أنا جاكي شان ولا إيه؟
ابتسمت وتوغلها شعور بالسعادة والراحة وهي تردف بصدق:
- لاء مش جاكي شان بس إنت فعلاً هتلحقني وأنا واثقة في كدة يا عمر.
طالعها بعمق لأول مرة. حقاً يلاحظ تغييرها وتحول شخصيتها الإيجابي. يلاحظ طريقة ملابسها وجديتها والتخلي عن تمردها.
يزداد تعلقه وحبه لها ويزداد معهما خوفه. بات لا يعلم كيف عليه أن يتصرف. هل يخاطر بحبها أم يخاطر له؟
***
اقتحم ميشيل غرفة ماركو فجأة ليجده مستلقياً يذهب في سبات عميق.
اتجه إليه بغضب يوقظه فتملل ماركو ينظر له بنصف عين قائلاً بتهكم:
- ماذا تفعل؟ اخرج الآن.
احتدت ملامح ميشيل بعد أن حاول الوصول إلى صقر عدة مرات دون جدوى وقال بقسوة وغضب:
- أين هو، أعلم أنك تعلم مكانه، أخبرني أين هو.
زفر ماركو بملل ثم نظر له قائلاً ببرود وأثر النعاس معلقاً على ملامحه:
- لا أعلم ولا أريد أن أعلم عنه شيئاً، أخرجاني من بينكما، والآن أخرج لأكمل نومي.
كاد أن يعود لفراشه ليعود ميشيل يحركه بعنف قائلاً:
- لا نوم بعد الآن، هناك صفقة مهمة يجب أن تدخل مصر خلال يومين وصديقك يقضي شهر العسل ولا يبالي. كنت أعلم أن تلك الفتاة ستقود عائلتنا إلى حافة الهاوية.
جلس ماركو يطالعه بترقب ثم تساءل باهتمام بعد أن تركه النوم:
- أي صفقة؟ أولم نتمم صفقة الشهر الماضي؟ هل هناك جديد؟
جلس ميشيل أمامه يردف بجمود وخبث:
- أجل، وعليه أن يكن في استقبالها. حاولت الوصول إليه دون جدوى. عليه أن يعلم جيداً بمن يتلاعب. أنا أحميه من غضب الحلفاء ولكن إن قمت بإفلات يدي عنه سيهلك فوراً.
تحدث ماركو بترقب بعدما شغله التفكير في أمرٍ ما قائلاً:
- يمكنني أن أذهب إلى مصر وأباشر على دخولها بنفسي، فأنا لدي صلاحيات بالشركة.
صمت ميشيل يتابعه بترقب، فعاد ماركو يتابع بضيق وهو يلف وجهه عنه:
- حسناً، أنت لا تثق بي، لذا هيا ارحل ودعني أنام. أنا لا أعلم أين هو ولم يخبرني بمكانه.
تحدث ميشيل بعدما شعر أنه على وشك خسارة جنوده الماهرين وكروته الرابحة قائلاً:
- حسناً ليس لدي مانع، اذهب إلى مصر وتمم الصفقة بدلاً عنه، أو جدهُ لي، واعلم أنني يمكنني الوثوق بك.
اقترب منه قليلاً يتابع بخبث:
- ولكن اثبت لي أنك تستحق ثقتي بك يا بني. كن أنت عيني على صقر هناك، وتأكد أن هذا سيعود عليك بالنفع والمهام الكثيرة. فقط أخبرني مساراته ولك مني ما تشاء. وهذا لصالحه. دعنا لا نسمح لتلك الفتاة أن تسحبه لدائرتها من بيننا، يبدو أنه أحبها ولهذا يجب عليك أن تقلق بشأن صديقك. لنوقفها حتى يعود لنا صقر!
شرد ماركو قليلاً يفكر في حديث والده، ثم تحدث بتهكم وهو ينظر في عينه بثبات:
- حسناً، سأفعل.
***
في اليوم التالي.
تجلس نارة في الطابق الأول لليخت تقرأ كتاباً للكاتب المصري الدكتور طه حسين، ويقابلها صقر يمارس تمارينه الرياضية.
صبت كامل تركيزها على الكتاب، بينما هو تركيزه عليها. عاد بذاكرته إلى شغفه لمراقبتها عندما كانت تقرأ عند النافذة. لا يعلم خطة القدر في دخولها كالهجوم النووي إلى حياته لتصبح هي القوى العظمى لديه.
فجأة نظرت له من بين اهتمامها قائلة بتروي:
- صقر كان فيه حاجة مهمة ناوية أعملها لما أنزل مصر إن شاء الله وعايزة أعرفك بيها.
تنبه لذلك الأمر وترك الآلة ووقف يتجه ليجلس أمامها متسائلاً باهتمام:
- إيه هي؟
أغلقت الكتاب تضعه جانباً، ثم زفرت ونظرت له قائلة بثقة:
- أنا نويت أتحجب.
صمت ولم يظهر عليه أي رد فعل، فقط يطالعها، فتعجبت متسائلة:
- ساكت ليه؟
صامتاً لأنه لم يرق له أن تقرر أمراً بمفردها، خصوصاً إن كان أمراً يتعلق بشعرها. ولكن ربما راقت له تلك الفكرة، لذا فصمته يعني التفكير في الأمر.
تحدث بثبات متسائلاً بلهجة مصرية كما رغبت:
- وإيه سبب القرار ده؟
زفرت ثم تحدثت بجدية وثبات:
- شوف يا صقر أنا من وقت نزولي مصر وأنا بحاول أصحح الأخطاء اللي كنت عليها في إيطاليا، وأولهم الأخطاء اللي بتتعلق بديني، خصوصاً لما اتعرفت على خديجة وأهلها.
أبعدت عينيها عنه لتكمل بشرود:
- أنا كنت وما زلت بحب شعري جداً، وكنت بفرح وبتباهى بيه. فكرة إني أتحجب كانت بالنسبالي معقدة شوية، علشان كدة كنت بحاول أعرف إيه سبب الحجاب في الإسلام ولقيت أن ربنا بيختبرنا في أكتر الأمور اللي بتثير شهواتنا وعايزنا نتحكم فيها مش العكس. حط لينا نظام معين مش أي حد يقدر يلتزم بيه. اختبر الأنثى في أنوثتها وأكثر حاجة بتحب تتباهى بيها وهو شكلها، واختبر الرجل في رجولته وحواسه وخصوصاً بصره. أنا كنت غلطانة وقتها، كان لازم أكون قد الاختبار ده وبما إني بحب شعري أوي يبقى لازم أحافظ عليه وأحميه وبالنسبالي الحماية كلمة معناها الأول والأخير هو حاجز بيبعد الشئ ده عن أي أذى أو ضرر. علشان كدة أنا دلوقتي مقتنعة جداً إن الحجاب هو وسيلة حماية ليا ربنا فرضها عليا لمصلحتي أولاً وأخيراً.
استمع لها بتركيز واهتمام ولأول مرة يؤيد قراراً إيجابياً، ولكنه ما زال صامتاً، فتساءلت بترقب لتجعله يتحدث:
- طيب مثلاً لو لقيت حد بيبص على شعري ومعجب بيه قدامك هتعمل إيه؟
استطاعت تحريك لسانه أخيراً ليردف بصرامة وثبات وتملك وهو يعود للهجته:
- سأقتلع عينه.
ابتسمت لظنها أنه يمزح برغم نظراته الجادة وتحدثت بتروي قائلة:
- طيب وليه المشاكل، يبقى قراري صح، وإن شاء الله لما أرجع مصر هنفذه.
أومأ بصمت وشرد قليلاً ثم عاد إليها يتساءل بترقب بعدما أحس بفطرةٍ تأخذه إلى المعرفة:
- وماذا تعرفين أيضاً عن الإسلام؟
ابتسمت له بسعادة. فقد لاحظت أنه بعيداً عن دينه، وربما لا يصلي ولهذا وضعت خطة بينها وبين ذاتها لتحاول بجانب محاولتها لنفسها أن تأخذ بيده إلى التعمق ودراسة هذا الدين جيداً ودون تشدد أو تحرر، فقط التزام.
تحدثت بهدوء وحب:
- قدامنا وقت طويييل أوي هحاول أقول لك اللي عرفته بنفسي وطبعاً ده غير اللي اتعلمته من بابا الله يرحمه وماما.
أومأ يردف بهدوء:
- حسناً، لنخصص وقتاً لهذا عند عودتنا.
تساءلت بترقب:
- هو إحنا هنرجع إمتى؟
تساءل بترقب وهو يقرب وجهه منها:
- هل تودين العودة؟
اقتربت منه قائلة بحب:
- أود المكوث في أي مكان تكن أنت فيه.
ابتسم لها وأحب جملتها. زفر ووقف يعود للآلة الرياضية ويجلس عليها ليكمل رياضته قائلاً بثبات:
- سنعود بعد يومين من الآن.
أومأت له وعادت تتناول كتابها لتكمل قراءته أمام عينه، بينما ذهب عقله في رحلةٍ بعيدة في حديثها عن الإسلام الذي لا يعلم عنه سوى اسماً في الهوية فقط وباقي معلوماته يفسرها بطريقة منافرة تماماً لحقيقتها.
***
مساءاً في فيلا آسيا.
قررت الصعود إلى مايا والتحدث معها مجدداً. فمنذ آخر حديث بينهما وهي استشفت أن صغيرتها تريد البوح بالكثير. أيقنت أنها تحب عمر كثيراً ولا تعلم كيف عليها أن تجعلها تتخطى هذا الحب الذي على ما يبدو من طرف واحد، لذا فها هي متجهة إليها علها تحاول بطريقة ما حل الأمر معها.
طرقت باب غرفتها فسمحت مايا لها. لفت مقبض الباب وفتحته تنظر لصغيرتها حيث وجدتها تجلس على الفراش وأمامها حاسوبها تتلاعب به.
اتجهت إليها بعد أن أغلقت الباب وابتسمت لها وهي تجلس جوارها مردفة بهدوء:
- بتعملي إيه يا مايا؟
كانت مايا تبحث عن تفسير ما فعله عمر اليوم من خلال قراءة مقالات إلكترونية عن علم النفس. لذا تنفست وطبقت حاسوبها تنظر لوالدتها مردفة بملل:
- حصل معايا حاجة يا مامي ومش عارفة أفسرها.
ترقبت آسيا وتحدثت بتروي:
- طيب لو حابة تحكيلي عنها يمكن أعرف أفسرهالك؟
زفرت مايا تنظر لوالدتها ثم أومأت قائلة:
- أيوة حابة، هي عن عمر.
تنفست وبللت شفتيها بلسانها ثم اعتدلت وتحفزت للحديث تتابع قائلة:
- النهاردة فيه بنت معايا فالمدرج وقعت على بلوزتي لون، طبعاً هي قاصدة لإنها رخمة بس مش مشكلة أنا كان معايا واحدة تانية، علشان كدة روحت الحمام أغيرها بس لما خلصت روحت أفتح الباب لقيته أتقفل عليا، وطبعاً الطلاب روحوا وأنا خوفت جداً ينسوني جوة لإن التواليت مش فيه شبكة، المهم خبطت على الباب لقيت واحد زميلي إسمه أمير كان لسة موجود وسمعني وفعلاً ساعدني وفتح لي الباب، بس وأنا بشكره جه عمر وكان باين عليه إنه غضبان جداً وسألني إيه اللي حصل ف أمير قاله إن الباب اتقفل عليا.
زفرت بحنق وهي تتذكر وتسرد ما حدث قائلة:
- يقوم يعمل إيه يا مامي تخيلي؟
كانت آسيا تستمع إليها والشك يتوغلها في أمر مشاعر عمر، لذا أردفت بحماس:
- عمل إيه؟
تحدثت مايا بملامح وجه تشبه ملامح عمر آنذاك قائلة:
- يقوم يبصلي بشك كدة ويقول لي والباب اتقفل إزااااي؟
قالتها مثله تماماً فضحكت آسيا عليها، فابتسمت مايا أيضاً تتابع بفخر:
- روحت سيباه وخارجة ولا عبرته، بس جه ورايا وقال لي اركبي العربية قدام جنبه، طبعاً فرحت بس مرضتش أبين له كدة ولقيته متعصب وبيقولي إن عفاريت الدنيا بتطنطط في وشي، طب ما تطنطط وأنا مااالي.
ازدادت الشكوك داخل نفس آسيا وتساءلت بترقب:
- ها وبعدين؟
زفرت مايا وتحدثت بنبرة يشوبها الهيام قائلة:
- ركبت قدام فعلاً يا مامي وسألني تاني إيه اللي حصل، بس اللي فاجئني بقى وحيرني أنه سألني ليه غيرت البلوزة مع إن الإتنين نفس اللون والشكل تقريباً، يعني حاجات بسيطة هي اللي مختلفة، طيب يبقى ده معناه إيه يا مامي؟ تفتكري هو زيي كدة بياخد باله من هدومي ولا أنا ببالغ لأني بحبه؟
تعمقت آسيا في عيني ابنتها الهائمة. حقاً سؤال مهم. هل بالفعل هو مثلها وانكر ذلك لخوفه من مجهول أم هي حقاً تبالغ؟
ولمعرفة الجواب عليها التحدث معه مجدداً.
قاطعت أفكارها مايا وهي تردف بيأس:
- معقول يا مامي إنتِ كمان مش عارفة تفسري اللي عمله!
زفرت آسيا ونظرت إليها ثم تمسكت بكفيها تردف بحب وحنو وابتسامة جميلة:
- التفسير إن بنوتي اتصرفت صح، وعايزاكي دايماً كدة أهم حاجة عندك كرامتك. طول ما إنتِ معتزة بنفسك ومكانتك وشخصيتك ده تلقائي هيظهر للي بيتعامل معاكي وهتجذبي مشاعره ليكِ بس واحدة واحدة يا مايا، أهم حاجة أوعي تحاولي تقللي من نفسك علشان خاطر حد.
أومأت تنظر لوالدتها براحة بعد هذا الحديث الذي فهمت من خلاله أنها كي تحصل على حب عمر عليها أن تعتز بمكانتها.
***
في اليوم التالي.
تقف في مطبخ اليخت تعد حلوى التشيز كيك.
يقف يستند على الرخامة يتابعها بعيون متفحصة. ترتدي كاش قصير بأكمام قصيرة وفتحة صدر منحنية وظهر مكشوف تغطيه خصلاتها.
كان يتابع حركة يدها المتكررة والتي تساعد في اهتزاز منحنياتها أمامه فيبتسم بخبث.
نظرت له نظرة خاطفة لتتحدث متسائلة دون أن تتفحص عيناه:
- بتفكر في إيه؟
ابتسم على أفكاره المنحرفة، ثم اعتدل في وقفته ثم تحرك يخطو إليها ببطء ويردف وهو يتعمق فيها:
- لا يشغل عقلي سواكِ.
ابتسمت وعادت تحرك الجبن الكريمي بالملعقة، ليأتي ويعانقها مستنداً بفكه على كتفها ينظر في طبقها قائلاً وهو يلف يده حول معدتها:
- يكفي تحريك، توقفي وإلا فسدت الحلوى، لأنى لن اترككِ تكمليها.
فهمت عليه وقضمت شفتيها ثم التفتت لتقابله قائلة بحب وعينيها منكبة على شفتيه يبدو أنها تطالب بهما:
- حسناً أيها المشاغب،، دعني انتهي منها وانتظرني خارجاً، بقى فقط القليل.
أومأ برأسه إيماءة واحدة يردف بحب ومشاعر متضخمة بالعشق:
- حسناً،، سأتحلى بالصبر لأجلكِ.
مال يلبي طلبها ويقبلها بنهم ويحتضن وجهها بكفيه بتملك وحنو ليتعمق في قبلته أكثر وأكثر ولتكن تلك تصبيرته قبل التهام وجبته الأساسية.
فصل قبلته بصعوبة وابتعد يلهث وتحرك للخارج ينتظرها.
وقفت هي تهدئ من ثورتها بالشهيق والزفير لتلتفت عائدة بعد ذلك تكمل ما بدأته بسعادة وعشق ينمو باستمرار.
أما هو فتركها وتحرك للخارج يقف مستنداً على سياج اليخت يبتسم عليها. يعيش معها أياماً كان يظنها ليست لها وجود. لحبها سطوة غريبة احتلت أعماقه.
وعند ذكر أعماقه نظر للمياه لتعود وتهاجمه أفكاره مجدداً.
سيعودان غداً إلى مصر ومؤكد هناك صفقة جديدة. مؤكد هناك رسائل تنتظره.
هو على يقين أن ميشيل غاضباً بشدة من اختفاؤه ولا يهمه غضبه مثقال ذرة سوى عليها هي فقط.
اختل توازن عقله فبات بين شقي الرحى. إحداهما هي معرفتها بحقيقته والآخرى هي كيف عليه أن ينجو بها من براثن هؤلاء الذين لا يعرفون للرحمة سبيلاً.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل العشرون 20 - بقلم اية العربي
كنّا متناسقين كالخشب وقماشٍ مُخرمٍ.
كالمطرِ ورائحةِ التراب.
كالقهوة ومساءٍ معتم.
أصابتنا عينٌ وفككت جِسرنا.
تقف عند مرآة الزينة في اليخت تستعد لمغادرته والعودة إلى مصر.
انتهت من تبديل ثيابها وها هي تمشط خصلاتها على شكل كعكة رتيبة.
دلف صقر الذي كان يجهز الطائرة للإقلاع، خطى باتجاهها ليراها وعانقها وهو ينظر لها عبر المرآة قائلاً بتنهيدة حارة وتوتر أصبح يلازمه مؤخراً:
– هل إنتهت جميلتي؟
ابتسمت له عبر المرآة وتحدث وهي تناوله تلك القلادة التي كانت تنوي ارتدائها والتي كانت تابعة لوالدته قائلة بنعومة وحب:
– ممكن تلبسني دي.
نظر للقلادة في يدها ثم أبعد يده من حول خصرها ليأخذها منها ويبتعد قليلاً مردفاً بحب:
– على الرحبِ والسعة.
لف يده حول رقبتها وألبسها إياها بهدوء ونعومة وأصابعه تلامس رقبتها ببطء متعمداً إثارتها مما جعلها ترتعش لتتوغله جموح رغبته بها وينحني يطبع قبلة متمهلة عند موضع أصابعه وبالقرب من قفل القلادة لتصبح مشاعره كحال هذا السلسال متداخلة في بعضها يغلقها قفل عشقها.
مالت برقبتها عليه تردف بنبرة متحشرجة مختلطة بعدة مشاعر جميعها تندرج تحت قائمة السعادة:
– صقر، كدة هنتأخر على الطيارة.
زفر بقوة وفتح عينيه بعد أن أغلقهما عقله ثم اعتدل ينظر لها في المرآة بعمق وحب لتبادله نظراته ويدها تتلاعب بهذا الحجر الكريم الذي يتوسط صدرها ثم أردفت كي تشتت انتباهه:
– القلادة دي خاصة بوالدتك صح؟
ابتسم عليها وعلى تغييرها للحديث ثم أومأ قائلاً:
– أجل، كانت لها، والآن هي لكِ، تستحقيها ناردين، تستحقي كل ما هو رائعاً ومميزاً ونادراً.
التفتت لتقابله ثم رفعت كفيها تعانق وجهه بحنو قائلة بلغته:
– ولهذا أنت معي، أنت رائعاً ومميزاً ونادراً.
تعمق في عينيها أكثر وتاه بهما ليبحر بسفينة قلقه وماضيه مجدداً ولمحت ذلك لتتساءل بترقب وهي تنزل بكفيها إلى صدره:
– لمَ أهديتني إياها؟، هل تلك وصية والدتك أم فعلت ذلك بنفسك؟
تحدث بصدق جديد عليه:
– كانت أمي أكثر الناس قرباً لقلبي، كانت هي النور لحياتي، بعد موتها حل الظلام، إلى أن رأيتكِ فكانت عيناكِ كالمصابيح التي اخترقت هذا الجزء الأيسر لتعيد له الحياة بعد أن كان يضخ الدماء لجسدي فقط، لذا فأنتِ أحق الناس بها.
حديثه يبعث في نفسها الطمأنينة و الخوف في آنٍ واحد، خصوصاً مع هذه النظرة من عينيه، لذا تساءلت وعينيها تعمل بدقة على التقاط أي شبهة ويداها ترتكز على صدره:
– صقر، أشعر أن خالك ذاك كان يعاملك بسوء، هل آذاك؟
عند ذكر ميشيل هُدمت كل سعادته وفهم سريعاً ما تنوي استدراجه إليه لذا تحولت نظرة عشقه إلى نظرته المعهودة بالجمود وتحدث وهو يسحبها للخارج:
– قلتِ أننا سنتأخر ومعكِ حق، هيا بنا الآن وسنتحدث لاحقاً.
تعجبت ولكن تحركت معه للأعلى حيث الطائرة وصعدا سوياً على متنها وبدأ صقر يهيئها للإقلاع بعد أن وضع بها أغراضهما وأتما أمورهما من قبل.
في القاهرة.
غادرت مايا جامعتها مع عمر كالعادة وأوصلها ثم توجه ليرى السيدة لبنى ويطمئن عليها ثم عاد إلى الڤيلا.
كانت آسيا تنتظره بعد أن نوت التحدث معه، رأته يقف مع الحارس يتحدث فتناولت هاتفها لتحادثه.
أجابها مترقباً:
– نعم يا آسيا هانم.
تحدثت بهدوء وهى تراه:
– عايزة اتكلم معاك يا عمر، استناني عند البي سين لو سمحت.
أغلقت وتحركت لتقابله، وبالفعل بعد دقيقتين كانا يجلسان متقابلان وينتظر عمر حديثها.
كانت ترتب الكلام الذي نوت قوله، فلأول مرة ستستعمل أسلوباً خبيثاً ولكن لتفعلها لأجل صغيرتها ربما استشفت حقيقة مشاعره.
تساءلت بتفحص لملامحه:
– عمر هو إنت تعرف شاب إسمه أمير؟، هو مع مايا في الجامعة.
في لمح البصر تبدلت ملامحه من الهدوء إلى الانتباه والتوتر حينما تساءل بقلبٍ ينبض بصخب:
– مالو يا هانم؟، اتعرضلها ولا إيه؟
فاجأها اندفاعه لتقول بتروي:
– لاء أبداً أنا قلت أسألك علشان اطمن بس.
توترت جلسته ونظراته وعاد يتساءل:
– طيب حضرتك عرفتي أمير ده منين؟، هي مايا حكتلك عنه!
كان ينتظر إجابتها بقلبٍ عنيف وعقلٍ مشتت وصراع فكري حاد، وهي تجلس وتلاحظ كل هذا، لذا تحدثت بنبرة هادئة يشوبها الخبث:
– لا أبداً أنا سمعتها صدفة وهي بتتكلم في الموبايل مع صاحبتها عنه، تقريباً أنقذها وفتح لها باب الحمام!
انتابه الضيق ليومئ ويردف بغيرة تنهش عروقه يفكر هل يمكن أن تتعلق وتحب هذا الأبله؟
تحدث بحنق يجاهد ليخفيه أمامها:
– مش بالضبط يا هانم، أنا كنت هناك وأكيد هي مسألة وقت وهوصلها بس أنا شاكك أنه عمل كدة عن قصد، وعلى العموم أنا هعرف حصل إيه يومها.
ادعت ورسمت على ملامحها القلق لتردف مترقبة:
– معقول يا عمر؟، قصدك إن الولد ده ممكن يكون هو اللي قفل عليها باب الحمام؟
زفر يهدئ من ثورة غيرته وتحدث ليطمئنها:
– متقلقيش يا آسيا هانم، لو في نيته أي حركة كدة ولا كدة أنا مش هسمحله، اطمني وأنا هتكلم مع مايا.
زفرت مطولاً وقد أصبحت شبه متأكدة من شكوكها لذا تحدثت بمكر:
– ياريت يا عمر ترجع الملحق تاني، مايا كانت بتتكلم معاك وأنا كنت مطمنة لوجودك هنا، حاول لو سمحت وفكر، مايا محتاجة لدعمنا خصوصاً بعد جواز ناردين، أنا بخاف عليها جداً ومش عايزاها تتوجع، خايفة لقلبها يتعلق بحد ويخذلها.
نغزه قلبه وأصبحت أفكاره تتسارع لتستعيد ترتيبها بشكلٍ آخر، ربما عليه أن يكن شجاعاً ويجابه مخاوفه ويعترف بحبه، هل عليه ذلك حقاً أم سيندم على هذا القرار.
تحدث وهو يقف ويستعد للمغادرة:
– متقلقيش على مايا يا آسيا هانم، مايا مع الوقت بتكبر وأفكارها بتنضج ودي حاجة تطمنك، وأكيد حضرتك ملاحظة ده، وعامةً أنا ممكن أرجع الملحق تاني لو ده هيريحك.
هل حقاً فعلتها لتريحها أيها العمر أم فعلتها من أجلك، أنت أصبحت في وضع لا تحسد عليه، لتحدد أهدافك يا رجل وإلا أرحل ولا تعود أبداً.
تحدث بذلك لنفسه بينما آسيا ابتسمت مستبشرة وهي تقول:
– ياريت يا عمر، هبقى مرتاحة جداً بوجودك معانا هنا بشكل دائم، إنت بقيت مننا فعلاً وأنا اعتبرتك إبني.
انتابته راحة وسعادة غريبة فجأة ونظر لعينيها نظرة مشككة لتؤكد لها بنظرتها وابتسامتها الحانية صدق قولها لذا شعر بالبرد والسلام يغلف قلبه المنهك، الآن يمكنه التنفس بالقليل من الراحة.
مساءاً في عيادة دكتورة النساء والتوليد.
تتمدد زينب على سرير الفحص ويجاورها سامح واقفاً ومتمسكاً بكفها بحنو بينما تعاينها الطبيبة حيث تضع على بطنها جهاز السونار وتنظر لشاشة العرض التي تظهر جنيناً صغيراً أشبه بحبة الفول السوداني قائلة بنبرة ودودة:
– الجنين زي الفل والوضع تمام يا مدام زينب، الأمور كلها تمام الحمد لله.
تحدث سامح متسائلاً وهو يدقق النظر في تلك الشاشة:
– هو فين الجنين يا دكتورة!
ابتسمت عليه زينب كما فعلت الطبيبة وهي تشير بيدها على تلك البقعة قائلة:
– هو ده يا أستاذ سامح، بس طبعاً لسة مش مكتمل ولا هيظهر دلوقتي.
تحدثت زينب بتعجب:
– معقول يا سامح مش شايفه؟، نسيت أيام ما كنت لسة حامل في ريما؟، هو زيها كدة.
ابتسم وعاد ينظر للشاشة قائلاً باستنكار:
– لاء ريما كانت ظاهرة عن كدة، واضح إن ده هيطلع حجمه صغير.
وقفت الطبيبة بعد أن انتهت من الفحص ثم ناولت زينب منديلاً ورقياً وهي تردف بتروي:
– الجنين عمره 7 أسابيع يا أستاذ سامح وحجمه طبيعي متقلقش، وأكيد ريما كانت زيه بس إنت اللي نسيت.
ساعد زينب في القيام واتجها يجلسان خلف مكتب الطبيبة وهي تدون في الروشتة بعض المقويات والفيتامينات قائلة وعينيها منكبة على ما تدونه:
– أهم حاجة يا مدام زينب الراحة ثم الراحة ثم الراحة، إنتِ في الشهور الأولى وزي ما إنتوا عارفين دي أهم شهور الحمل وأصعبهم.
تحدث سامح بحب وحنو:
– أيوة يا دكتورة أكدي عليها لو سمحتِ علشان تاخد بالها من نفسها، لإنها بتستنى لما أنزل شغلي وتقلب البيت فوق وتحت.
رفعت الطبيبة انظارها تطالع زينب قائلة بعتاب:
– لاء يا مدام زينب لازم تكوني حذرة، مش معنى إن الوضع طبيعي وكل حاجة تمام يبقى نستهين بالأمر، حاولي تقللي مجهود الفترة دي، وأشوفك بعد شهر إن شاء الله.
تناول سامح منها روشتة الفيتامينات ووقف هو وزينب يردف بهدوء وامتنان:
– شكراً يا دكتورة.
تحدثت الطبيبة ببشاشة:
– على إيه أنا معملتش غير واجبي، ولو فيه أي استفسار كلميني على الواتس.
أومأت زينب تردف بابتسامة ناعمة:
– إن شاء الله، عن إذنك.
غادرت مع زوجها حتى وصلا للخارج واستقلا سيارتهما ثم كاد يقود ولكن رن هاتفه برقم والدته.
أجاب بترقب:
– سلام عليكم يا حجّة عفاف.
تحدثت عفاف بحنو:
– وعليكم السلام يا سامح، طمنى عملتوا إيه والدكتورة قالت إيه؟
تحدث وهو ينظر لزينب بحب:
– كله تمام يا حجّة الحمد لله، إحنا جايين دلوقتي.
زفرت بارتياح ثم تحدثت:
– طيب يا حبيبي أنا أخدت ريما وروحت لنهى، متقلقش أنا واخدة بالي منها كويس.
تعجب وتساءل بقلق:
– طيب مقولتيش ليه يا حجّة؟، نهى كويسة!
تحدثت عفاف بنبرة حنونة:
– كويسة يا حبيبي متقلقش، أنا قلت ريما تقعد مع أولاد عمتها شوية لإنها كانت زهقانة.
أومأت ونظر لزينب التي ابتسمت له ثم تحدث إلى والدته بنبرة بارة قائلاً:
– تمام يا حجّة سلمي عليها، ولا أقولك هنعدي عليكوا نروح سوا.
زفرت عفاف قائلة:
– طيب يابني هستناك.
أغلق معها ونظر إلى زينب متسائلاً بنبرة ماكرة يملؤها الحب:
– طب بما إننا لوحدنا بقى إيه رأيك لو نروح نتعشى سوا في مطعم السمك اللي روحنا أول جوازنا قبل ما نروح لنهى، فكراه؟
انفرجت أساريرها قائلة بسعادة:
– طبعاً فاكراه وهو ده يتنسي.
ابتسم لها وتحدث:
– تمام يالا بينا، وأهو يبقى هدية النونو الجديد.
مدت يدها تربت على يده قائلة بحب وحنو:
– ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً.
تمسك بكفها يرفعه لفمه ويلثمه بحب قائلاً بنبرة متبادلة:
– ويخليكي ليا يا حبيبتي.
في مطار القاهرة.
يخرج صقر ونارة بعد رحلة دامت لساعات.
كان الصمت هو رفيقها حيث قرر صقر الهروب بادعائه النوم ليهرب من الحديث معها، فمنذ أن سألته عن ميشيل وقد تبدلت ملامحه فعلم أنها ستسأل لذا قرر الهروب في النوم إلى أن نامت هي بالفعل لذا فتح عينه وظل ينظر لها بصمت وشرود.
ها هما يتمسكان في يدِ بعضهما ليقابلهما رجله الذي ينتظرهما بيسارته لينقلهما إلى الڤيلا.
استقلا السيارة وغادرا عائدين إلى منزلهما وأثناء العودة كانت شاردة، مؤكد هناك ما يخفيه عنها وكلما حاولت أن تعلم تهرب، لذا فهى متوترة.
تحدث بترقب كي يشتت تركيزها عمّا تفكر فيه حيث كانت تنظر من النافذة المجاورة:
– هل أشتقتِ لمصر جميلتي؟
لفت نظرها إليه تبتسم ثم أومأت وعادت تنظر للنافذة فعاد يتحدث مدعياً الشرود:
– تعلمين، أنا مثلكِ أحب هذه البلد، هنا يوجد شيئاً مميزاً بها لم أجده في إيطاليا، هنا الأجواء دافئة والبشر على طبيعتهم، لا داعي للتجمل أو التصنع، كما أنهم مترابطون سوياً وهذا يجعل من إنفكاكهم شبه مستحيلاً، أجد نفسي محظوظاً بجنسيتها.
استطاع أن يحصل على انتباهها لتعاود النظر إليه حتى كادت أن تسأل عن الماضي ولكنها تراجعت تردف بهدوء وتأني:
– نعم هي كذلك، جميلة حتى في حزنها، صادقة حتى في غضبها، حنونة حتى وإن قست.
– مثلكِ تماماً.
قالها بصدق، فبرغم أنه لم يرى غضبها ولا قسوتها بعد ولكنه أصبح يعلمها جيداً لذا قال هذا.
ابتسمت له فبادلها وسحبها بيده لتتوسط صدره وبالفعل استراحت برأسها على قلبه تتنفس بعمق والقليل من الراحة.
وصلا بعد وقتٍ وترجلا فالتفتت له قائلة بحماس بعد أن رأت ڤيلتها وكم كانت تشتاق لوالدتها وشقيقتها:
– صقر أنا هروح أشوف ماما ومايا وحشوني جداً.
كادت تتحرك للخارج ولكنه أوقفها بيده قائلاً وهو يسحبها إليه:
– لا داعي لذهابكِ، لتأتيا هما إليكِ.
تعجبت منه ثم اعترضت قائلة برتابة:
– هما لا يعلمان موعد وصولنا، ثم أنني أتطوق لرؤيتهما، سأعود سريعاً لن أتأخر عليك.
يبدو أن التملك سيطر عليه لدرجة أنه يمنعها من الذهاب إلى لعائلتها، إذا ذهبت لن يكن هادئاً أبداً، سيُعمِل عقله في كل الاتجاهات، إن رآها أحدهم ونظر لها سيجن، خصوصاً هذا المدعو عمر، ها هو يعود لعهده بعد وصولهما إلى هنا.
ظل متمسكاً بيدها رافضاً تحركها وعينيه نظرتهما صارمة لتتفاجأ بجديته التى تحاول تفسير أسبابها ثم قالت بتروى:
– طيب تعالى معايا؟
سحبها معه إلى الداخل وسط ذهولها قائلاً بثبات ونبرة لا تقبل نقاشاً:
– هما من ستأتيان أفضل.
بالفعل دلف وأغلق الباب ووقفت هي تطالعه بتعجب لتحاول التحلي بالهدوء ولتفسر الأمر على أنه تعلق أو قلق وأكده لها بقوله بعدما أدرك تساؤلاتها:
– لقد أتينا للتوِ من سفرٍ طويل، لذا دعينا نستريح أولاً وأنعم بكِ وتنعمين بي ثم نهاتفهما لتأتيا ونستقبلهما في منزلنا سوياً، أعتقد هذا أفضل.
زفرت تومئ برغم عدم اقتناعها وبرغم إشتياقها ثم سحبها معه للأعلى ودلفا غرفتهما ليلتفت لها فجأة ويلتهم شفتيها بتملك وانفراد، تفاجأت من غزوه عليها لتحاول مبادلته ولكنه يفوقها سرعةً وقوة آلمتها.
سحبها معه إلى فراشهما ليعبر لها عن اشتياقه الغير مبرر فهما كانا سوياً طوال الوقت ولكن ليكن كل شئ متاحاً له، ومن لديه حق الرفض، لربما تلك طريقته في التعبير عن خوفه وقلقه منذ أن وطأت قدميهما مصر.
بعد وقتٍ يتمدد على الفراش ويتحويها ويتلاعب بأصابعها بين يديه بتسلية وكمال يتوغله كلما كان معها في لقاءٍ روحي.
أما هي مرهقة وناعسة تتوسط صدره وعلى وشك النوم ليبتسم عليها قائلاً بترقب:
– كنتِ تودين الذهاب لعائلتكِ، أراكِ متعبة وبحاجة للنوم.
تحدثت بخمول وعتاب قائلة:
– كنتُ بخير قبل قليل، وإلى الآن لا أعلم سبب رفضك، أنا لا أريد منك إلا الحب الذي تغمرني به، الحب صقر لا القسوة.
حسناً يبدو أنه كان قاسياً معها ولكن حقاً ينتابه شعوراً بالتملك حينما خطى أرض مصر، فهناك على اليخت لم يكن لها سواه، كان ملجأها الوحيد من البشر، أمّا هنا فيوجد عائلتها وأصدقائها وهو لا يريد ذلك، ليكن موطنها الأول والأخير هو، لا يتقبل فكرة لجوئها لغيره، يخشى عليها من أي دعم محيط فتركض مبتعدة عنه وقت الحقيقة، ليكن هو جنتها ونارها في آنٍ واحد كما هي جنته وناره،، لقد بدأ يصل إلى منطقة محظورة وتملك مؤذي، ولكن أحياناً السجن يكن أكثر آماناً من الخارج وهذه قناعاته ونسيَ أن من معه فراشةً حرة تأبى القيود.
مال يقبل رأسها قائلاً بنبرة باتت حنونة:
– حقاً لا ولن أتعمد إيذائكِ أبداً، فقط إشتياقي إليكِ يدفعني لذلك، حسناً أعتذر منكِ.
تنفست مطولاً لتقول وهى على وشك النوم:
– حسناً لا بأس.
غابت بعدها لتنام ويجلس هو يفكر ويده ما زالت تتلاعب بأصابعها لثواني.
رن هاتفه الخاص فتناوله من فوق الكومود بحذر قبل أن يتسبب في قلقها ليجيب بصوتٍ هامس قائلاً:
– ماذا هناك؟
تحدث ماركو ببرود قائلاً:
– حان وقت العمل، هيا يكفيك عسلاً إلى هذا الحد، ميشيل في أشدّ حالات غضبه ويبحث عنك منذ أيام في البر والبحر، ال Founder تحدث إليه عن صفقة جديدة مهمة ستدخل مصر، و….
أغلق صقر الهاتف قبل أن يكمل ماركو حديثه لينظر لتلك النائمة بتفحص وريبة وعندما لاحظ انتظام أنفاسها هدأ قليلاً وحاول التملل ونجح وعينه عليها ثم اتجه لغرفة الملابس يحضر مفتاح مكتبه من خزنته ويرتدي سروالاً ويغادر الغرفة لينزل إلى الأسفل ويدخل مكتبه ويغلق عليه.
بينما في الأعلى فتحت نارة عينيها بتعجب، لقد استمعت إلى تلك المكالمة بعد أنبهها رنين هاتفه، واعتبرتها مكالمة عمل عادية إلى أن أغلق وشعرت بنظراته تتفحصها، وهذا أثار ريبتها، عن أي صفقة جديدة يتحدثان؟
زفرت بضيق لربما تكن مخطأة ثم وقفت تترجل متجهة للحمام بعد أن رحل النوم عن عقلها.
يجلس خلف مكتبه يتحدث مع ماركو بعدما أعاد الإتصال به قائلاً بحدة وتعنيف:
– احفظ لسانك هذا وإلا قصصته لك، ولا تتحدث إلا عندما أخبرك بالتحدث.
غضب ماركو وتحدث بنبرة مماثلة بعدما أدرك وجود زوجته بجواره:
– وما أدرانى أن زوجتك تجاورك، هذا خطؤك فلا تلومني.
تنفس مطولاً ليهدأ ثم تحدث متسائلاً بضيق:
– هل نفذت ما أخبرتك به؟
تحدث ماركو بتباهي:
– لا تقلق، الآن ميشيل في قبضتنا، ولكني سآتي إليك قريباً، هو يريدني في مصر لتبقى عيني عليك.
التوى فمه بابتسامة ساخرة وتحدث بثقة:
– أهلا بك في بلدك الثاني،، سأكون في انتظارك.
تحدث ماركو بثبات:
– حسناً والآن أغلق معي وتحدث معه، فهو على وشك الإنفجار.
أغلق معه ووضع الهاتف على مكتبه ليبدأ بفتح حاسوبه وليتفحص موقع التواصل الخاص بهم.
وجد بالفعل إتصالات عدة من ميشيل ثم تبعه إتصالاً منه ليفتح ويجيب ببرود:
– أولم يخبروك بأنني كُنت في شهرِ العسل، لمَ لا تهدأ؟
تحدث ميشيل بنبرة جعلها هادئة حتى لا يثير غضبه:
– مجالنا بعيداً عن حياة الترف، وأنت تعلم هذا جيداً، ومع ذلك أدخلتها عالمنا، لذا لا تتوقع أن تعيش معها بسلام.
تحدث بجمود وثقة وهو ينظر داخل عينه عبر الشاشة:
– سأعيش كما يحلو لي، أما هي فمرة أخرى لا تذكرها على لسانك هذا، يكفي ما كنت تنوي فعله، فلم ولن أغفره.
احتدت النظرات بينهما ليكمل ميشيل متغاضياً عن أسلوبه حتى لا ينقلب الأمر عليه قائلاً:
– دعك من كل هذا واترك الخلافات الشخصية في الزاوية والأن انتبه جيداً لما سأقوله، هناك شحنة أسلحة في طريقها إليك،، وتعد تلك شحنة هامة من الشحنات التى تموّل سنوياً، لذا سأرسل لك ماركو، الحلفاء لا يريدون خطأً فكن حذراً، سأرسل لك الآن التقارير وأنت ادرس الأمر جيداً.
شعر بقبضة تلتف حول عنقه، قبضة قوية لأول مرة يشعر بها كأن أحدهم يريد خنقه، لذا وجد نفسه يردف بتوتر داخلي تغلفه القسوة:
– من الآن وصاعدا لا تملي علي أوامراً ولا تخبرني عن صفقات، سأرى ما هو مناسباً لي وسأفعله.
صعق ميشيل من رده لذا تحدث بعيون ونبرة يملؤها الجحيم:
– سأعتبر ما قلته مزحة وإلا فستكون أنت جسر جهنم لأحبابك، وهذا ليس كلامي بل كلام رؤساءنا، أفهمت أم تريد التجربة؟، أنا أجاهد لحمايتك من براثنهم أيها الغبي.
أغلق صقر المكالمة المرئية ولم ينتظر المزيد من التهديدات الواضحة، ثوانى وقد أرسل ميشيل التقارير الخاصة بتلك الشحنة كي يتفحصها ولأول مرة ينتابه شعوراً بالنفور.
لأول مرة يجد صوتاً داخلياً يخبره أنه سيئاً، صوتاً لطالما أخرسه ليأتي الآن بعد أن تحرر من قبضته وينطلق داخله محدثاً فوضى جديدة عليه، حقاً أصبح صقر يخاف بعد أن كان الخوف هو من يخشاه، ولكن أتى تهديد ميشيل واضحاً وصريحاً ليعاود كتم صرخات ضميره ويسحق خوفه، لن يخاطر بها، ليس الآن، ليفكر جيداً.
في الأعلى انتهت نارة من حمامها لتقف أمام مرآتها تفكر، آخذها شكها لنقطة تخشاها، تخشى تحوله بعد أن آلفها بجانبه، لا تستطيع تفسير تحوله المفاجئ هذا خصوصاً عندما رفض ذهابها لرؤية والدتها وشقيقتها وهو يعلم جيداً أنها تشتاق إليهما.
انتهت وزفرت ثم قررت النزول لتراه فهي تعلم أنه في مكتبه الآن، تحركت ونزلت لتتجه خلف الدرج حتى أصبحت أمام غرفة مكتبه.
طرقت بابها ثم حاولت لف مقبض الباب لتفتحه ولكنها وجدته موصداً من الداخل لتتعجب وتنادي:
– صقر؟
فُتح الباب بعد ثوانى وظهر هو ينظر لها مبتسماً ولكن لأول مرة ترى في عينيه تلك النظرة، نظرة خوفٍ وحيرة يسعى لسحقها.
تحرك للخارج ليغلق باب مكتبه ويردف بابتسامة لم تصل لعينه:
– ألم تنامي؟
أجابته بما يتمنى سماعه قائلة بمراوغة نجحت فيها نسبةً لتوتره:
– محستش بيك جنبي فقلقت، خلصت شغلك؟
تحرك يقف أمامها وبدأت أصابعه تتحسس ملامحها قائلاً بحب:
– أجل انتهيت،، هل نطلب طعاماً أم نذهب لتناوله سوياً في الخارج.
تحدثت بهدوء:
– تمام نطلب أحسن، ماليش مزاج للخروج.
وهذا ما أراده تماماً لذلك قال:
– أؤيدكِ جداً، أي الطعام تفضلين؟
فكرت قليلاً وكذلك هو يفكر ويديه تحاوطها بتملك، ليته ينتشلها ويبتعد عن كوكب الأرض ومن فيه، ليته قادراً على العودة بالزمن للوراء ليأخذها طفلةً صغيرة ويبتعدا عن العالم كله، لمَ الحياة ليست عادلة، لمَ لا يستطيع تحقيق بعض أحلامه بعدما ظن أن لا شيئاً يقف في طريقه.
انتشلته من شروده قائلة بحماس:
– نطلب بيتزا؟
ابتسم يردف وهو يلتقط هاتفه:
– حسناً،، كما تشائين، ولنخبر عائلتكِ بالانضمام إلينا.
لمح السعادة ترتسم على وجهها قائلة بحب:
– تمام يا حبيبي.
مساءاً استيقظت مايا بعد قيلولة دامت لساعتين منذ أن أتت من الجامعة، تحركت إلى حمامها لتغسل وجهها كي تستفيق وتبدأ في إنجاز مهامها.
خرجت وقررت النزول للأسفل كي تعد لنفسها فنجان قهوة محلاه، اتجهت إلى المطبخ ووقفت تعدها ولكنها تفاجئت بإضاءة آتية من الملحق الذي تقابله نافذة فوق المقود الذي تقف أمامه.
تفاجئت من تلك الإضاءة فالملحق مغلقاً منذ أن تركه عمر، ولكن اتسعت عينيها بذهول وهي تراه يقف في نافذته ينظر حوله ويحتسي كوباً من الشاي.
شهقت تردف بصوتٍ هامس وصل لقلبه:
– عمر!
لا يعلم كيف شعر بندائها لذا رفع عينه ينظر للأمام فرآها تنظر له بعيون متسعة وفاهٍ مفرغ.
ابتسم لها ثم رفع يده يلوح لها فأغمضت عينيها وفتحتهما عدة مرات للتأكد وعندما تأكدت أغلقت الموقد على القهوة وأسرعت تركض للخارج متجهة إليه كي تسأله لمَ هو هنا.
وصلت إليه حيث وقفت تستند على النافذة وقالت بحماس وتعجب:
– عمر إنت رجعت هنا؟
ضحك عليها ثم تحدث ساخراً:
– لاء لسة هناك.
احتقن وجهها وقالت بحنق:
– عمر متهزرش بقى، قول بجد إيه اللي حصل؟
نظر لعينيها وتحدث مترقباً:
– أبداً، آسيا هانم طلبت مني أكون معاكوا هنا وأنا أقتنعت، ولا إنتِ مش حابة كدة؟
تحدثت بسعادة وصدق:
– لا أنا مبسوطة طبعاً، بس اتفاجئت، طب فين كيتي؟
لف وجههُ ينادي قطته من الداخل حيث كانت تحتسي اللبن ولكن أسرعت تلبي نداؤه وتصعد إلى النافذة لترحب بها مايا بسعادة وهي تتحسس فراؤها ثم نظرت لعمر قائلة:
– متمشيش تاني يا عمر، خليك معانا علطول، أنا ببقى مطمنة وإنت هنا.
تنفس بعمق وسعادة ثم تحدث برتابة:
– ربنا يسهل يا مايا، بس خلينا نرجع نتكلم زي الأول، لو حاجة أو حد ضايقك في الكلية تعالي احكيلي، اتفقنا؟
أومأت له ثم عادت تنشغل مع قطتها ولكن قاطعها نداء آسيا عليها لذا أسرعت تجيب بعلو:
– أنا برا يا مامي واقفة مع عمر.
خرجت آسيا تطالعها، دارت بينهما النظرات ذات المغزى، يبدو أن صغيرتها تشكرها على تواجد عمر هنا مجدداً.
وصلت آسيا إليهما وتحدثت بحماس وسعادة:
– نارو جت يا مايا، صقر كلمني دلوقتي وقال نروح نتعشى معاهم.
صرخت وهي تقفز كالأطفال مردفة:
– ناااارو، جت إمتى؟
أردفت آسيا بحنو:
– من شوية، يالا اطلعي غيري هدومك علشان نروح لهم.
أومأت والتفتت تنظر لعمر وتلوح بيدها مردفة بنبرة تغمرها السعادة بعد أن تلقت مفاجئتين سارتين:
– باباي يا عمر، لما نرجع نبقى نتكلم، أوعى تنام.
قالتها محذرة ثم ركضت للداخل ليومئ لها بشرود وعقله يسأله ماذا أحب في تلك المشاغبة بينما قلبه يعنفه مردداً أنها تمتلك قلب طفلة وصبية وإمرأة معاً.
بعد ساعة.
تجلس نارة بين والدتها ومايا بحماس وهما تعانقانها ثم قالت آسيا:
– ليه مقولتوش أنكوا جايين، كنت استنيتكوا.
تحدثت نارة بحنو ورتابة قائلة:
– حبينا نخليها مفاجأة يا ماما.
ابتسمت لها آسيا قائلة بنبرة فرحة خصوصاً بعد رؤيتها لوجه إبنتها المشرق:
– أحلى مفاجأة، متتخيليش أنتِ كنتِ وحشاني إزاي يا نارو، خصوصاً إني حتى مش عارفه أكلمك، بس كنت مطمنة لإنك مع صقر.
كان يجلس أمامهن يتابع ما يحدث بصمت بينما قالت مايا بحماس طفولي:
– يالا احكولي رحلتكوا كانت إزاي،، ورحتوا فين في اليونان.
نظرت لها نارة ثم قالت مترقبة رد فعلها:
– جزيرة زاكنتثوس.
شهقت مايا قائلة بصراخ:
– لاااا خياااانة، ماليش دعوة يا مامي أنا عايزة أروح أقضي الصيف هناك.
تحدثت آسيا معترضة:
– لا يا حبيبتى إن شاء الله تروحيها مع جوزك، أنما لوحدك لاء طبعاً.
زفرت بحنق ثم نظرت لصقر قائلة بمرح لم يعتاده:
– صقر إنت متأكد إن ملكش أخ صغير؟
ضحكوا عليها بينما هو تحدث بثبات وهدوء:
– من الأفضل وجودي منفرداً في تلك العائلة.
نظرت مايا لشقيقتها قائلة بمزاح:
– مغرور أوي.
أومأت لها نارة تبتسم بينما وقف صقر يردف بالمصرية:
– عن إذنكم ثواني.
تحدثت آسيا بإيماءة:
– اتفضل خد راحتك.
تحرك للأعلى وتركهن يتحدثن سوياً لتخبرهن نارة عن سعادتها في تلك الرحلة وقوة حب صقر لها لتحلق مايا بخيالها مع من أحبته ولا يبالي متمنية أن تعيش معه ما عاشته شقيقتها مع زوجها.
عاد صقر يحمل بين يديه علبتين ثم مد يده يناولهما قائلاً برتابة:
– دي حاجة بسيطة يارب تعجبكم.
تناولتا منه العلبتين لتفتح مايا علبتها أولاً ثم تشهق منبهرة بتلك القلادة اللامعة التى تراها بينما آسيا كانت هديتها عبارة عن ساعة حريمي سويسرية فاخرة.
شكرته آسيا بامتنان وكذلك مايا وأكملتا جلستهما مع نارة ثم تناولوا جميعاً العشاء الذي وصل بعدها وغادرتا عائدتان إلى منزلهما بعدما قضيتا وقتاً ممتعاً مع نارة وصقر.
ليلاً تتمدد نارة مستندة على الفراش قليلاً وتنظر للأمام بشرود وتلك المرة هو من يسكن حضنها لذا تحدثت متسائلة بحب:
– صقر؟،، إمتى جبت الهدايا دي؟،، إحنا كنا طول الوقت سوا.
تحدث وهو يعانقها بذراعيه وساقيه ويدفن رأسه في عنقها قائلاً بخمول وسُكر نسبةً لرائحتها:
– أحضرهم شخصاً تابعاً لي،، هذا الذي أوصلنا إلى مطار أثينا، هل أعجبوكي؟
تحدثت بحب وامتنان:
– جداً،، شكراً يا صقر.
قبل عنقها بنعومة قائلاً بهمس وعيناه في طريقها للنوم:
– شكراً على وجودكِ معي.
نام بعدها وتبعته هي تعانقه بحماية وتحتويه تلك المرة لتبدو كأمه له وكم أحب هذا الشعور منها، شعوراً يفتقده منذ سنوات عدة.
في إيطاليا.
يجلس ميشيل خلف مكتبه يتحدث مع هذا الرجل الذي أخيراً استطاع إقناعه بالعمل لحسابه قائلاً:
– الآن أصبح أمامك، مؤكداً سيكون هناك لعبةً جديدةً.
ها هو ينتظر أي حدثٍ جلل يقوم به صقر ليستطيع السيطرة عليه مجدداً، فهو منذ أن فشلت خطته في التخلص من نارة يسعى لاستعمال طريقة أكثر خبثاً دون إثارة غضب صقر وعدوانه، لذا جاهد خلال فترة غياب صقر ليجند أحد رجال صقر لصالحه ونجح في ذلك.
تابع حديثه عبر الهاتف لهذا الذي قبل بتلك المهمة التي تعد انتحارية بعدما أدرك أن النهاية في كلا الأمرين مشابهة:
– أريد منك دليلاً مرئياً ومسموعاً، لا أريد صوراً، أفهمت؟،، أرسله لي ثم أتلف الهاتف تماماً وامحي ما سجلته من ذاكرتك.
تحدث الرجل بجمود قائلاً:
– حسناً سيد ميشيل، سأفعل، ولكن عند تصفيتي سترسل المبلغ المتفق عليه إلى عائلتي.
ابتسم ميشيل بخبث يردف مؤكداً:
– سأرسله دون تصفيتك، لا تكن متشائماً، لن يعلم صقر بك، ثق بي.
شرد الآخر قليلاً يعاود التفكير في الأمر ولكن عرض ميشيل لا يرفض لذا تحدث مؤكداً:
– حسناً سيد ميشيل، كما تريد.
صباحاً استعد صقر للذهاب إلى شركته ليرى أعماله الأخرى المتراكمة بعد أن تناولا فطورهما واحتسيا قهوتهما سوياً.
يقف يهندم حاله فوقفت نارة أيضاً تتجه إليه قائلة بترقب:
– صقر، كنت عايزة أخرج اشتري حاجات مع خديچة وأسلم عليها، إيه رأيك؟
عاد تملكه يتملكه قائلاً وهو يعقد ربطة عنقه أمام المرآة:
– لتأتي هي لكِ، أرى أن لا داعي لذهابكِ معها جميلتى،، يمكنكِ طلب ما تريدنه من خلال التسوق عبر الإنترنت.
شعرت بالضيق وظهر ذلك في صوتها عندما قالت بهدوء نسبي:
– مش شايف إنك بقيت غريب شوية من وقت ما جينا؟،، مش معقول هفضل جوة البيت يا صقر، فيه إيه؟
لف نظره إليها قائلاً ببرود وهو يبتسم:
– أنتِ ظالمة، أولم أقل لكِ أمس لنخرج سوياً وأنتِ من رفضتي؟
استفزها بروده لتجيب بضيق:
– صقر أنا مش طفلة متضحكش عليا لو سمحت.
زفر يتقدم منها ثم توقف أمامها قائلاً وعينه تجول على ملامحها:
– حسناً دعينا نتفق على أمراً، أنا لا أحب خروجكِ بدوني، لنخرج سوياً عند عودتي، لكِ مطلق الحرية داخل هذا المنزل، وتستطعين إستضافة صديقتكِ وقتما تشائين ولكن تفهمي قلقي عليكِ.
صُدمت من حديثه وظهر ذلك في عينيها لتبتعد عنه قائلة باستفهام وذهول تبادله لغته:
– كيف هذا؟،، أتريد تقييدي؟،، لامعذرةً فلن أقبل بهذا الأمر أبداً.
تحولت نظرته الباردة إلى معاكسة من عصيانها وتحدث بنبرة صارمة:
– لا تعانديني جميلتي، قلت لكِ مطلق الحرية داخل هذا المنزل،، وتستطعين الخروج معي أينما تشائين، ليس هناك مجالاً للنقاش، لننهي الأمر هنا.
التفت ليغادر فأوقفته قائلة وهي تشبك ذراعيها أمام صدرها:
– أنا لا أعاندك صقر، ولا أتطوق لعصيانك، فقط أريد أن أفهم كي لا يتملكني الشك، أراك تتحول لشخصٍ أنا لا أود أن أراه أبداً.
التفت إليها يطالعها بصمت لثواني، صمت وخوف منه عليها، نعم هو يلاحظ تحوله اللا إرادي معها منذ أن عادا، يجاهد ليحافظ على سعادتهما دون دخول التملك والخوف بينهما.
زفر مطولاً، صوتاً داخله يحثه على بث الطمأنينة فيها ومحاولة إرضائها ولكنه اعتاد سحق ضميره لذلك التفت يغادر مندفعاً للخارج وتركها تقف تطالعه بحزن وصدمة.
– احرص على أن لا تغادر سيدتُك المنزل، امنعها دون النظر إليها.
أومأ له الحارس فتحرك يغادر إلى شركته.
بعد وقتٍ.
تجلس في شرفتها تقرأ كتاباً لتحاول تشتيت عقلها عن التفكير في ما حدث، وليتها تستطيع.
فعقلها يعمل في كل الاتجاهات، وقد أدركت أنه متملك غيور يعاني من عدم الثقة، ربما يستطيع إغراقها حباً وحناناً عندما يشعر أنه كل محيطها، ربما إن أعطته إحساساً بثقتها الكاملة فيه وسلمته زمام أمورها حصلت على حبه ودلاله، ولكن هي ليست خاضعة، لها حقوق وعليها واجبات وتلك هي الحياة الزوجية الطبيعية التى تريدها، لمَ الخوف فهي تعلم جيداً أنه رجلها الأول والأخير ولن تحب سواه، عليه أن يثق بنفسه أولاً ثم بها، عليه أن يطمئن وعليها أن تجد معه حلاً وسطياً لذلك، ربما يعاني من ماضٍ قاسٍ، ربما كانت أزمة الثقة تلك من حدث جلل في حياته، ليته يتحدث ويشاركها ما بداخله دون خوف، هي لن تتركه.
اهتز هاتفها معلناً عن وصول رسالةٍ ما.
زفرت مطولاً بعد تفكير عميق لتترك كتابها الذي لم تركز فيه وتتناول هاتفها لترى المرسل.
رسالة من رقمٍ غير معروف كُتب محتواها بالإيطالية
( هل تعلمين عمل زوجكِ الخفي أم أنه يخفي عنكِ )