تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم رانيا الخولي
كان يوم الفرح يوماً استثنائياً بكل المقاييس. لم تكن السرايا مجرد بيت، بل كانت خلية نحل تضج بالحياة والفرح الصادق. الكل كان يعمل بسعادة من أصغر خادمة إلى أكبر فرد في العائلة، والهدف واحد: أن تكون ليلة نغم ليلة من ألف ليلة وليلة. كانت السعادة معدية، وكأن فرحة نغم قد غسلت كل أحزان الماضي التي علقت بجدران البيت.
وعندما حان وقت ارتداء فستان الزفاف، ساد صمت مهيب في الغرفة. لقد كان الفستان معلقاً ينتظر ملكته، وكان بحد ذاته تحفة فنية. لم يكن مجرد فستان، بل كان حلماً منسوجاً من قماش التول الفاخر والساتان اللامع، مرصعاً بآلاف من حبات الكريستال الصغيرة التي كانت تلمع وتتلألأ مع كل حركة، كأنها النجوم. كان تصميمه ملكياً، وأكمام مطرزة بدقة متناهية.
عندما ارتدته نغم بمساعدة روح ووعد، وقفت أمام المرآة الطويلة وشعرت بأنها ليست هي. لقد تحولت إلى أميرة من القصص الخيالية. نظرت إلى انعكاسها مبهورة، عاجزة عن الكلام. لقد فاق جمال الفستان كل توقعاتها، وكان دليلاً آخر على أن جاسر لم يفكر فقط في إسعادها، بل في تحقيق أبعد أحلامها.
اقتربت منها الكوافير وهي تهز رأسها بإعجاب صادق.
"بسم الله ما شاء الله، قمر حقيقي. مش عارفة أقولك إيه الصراحة."
ثم ابتسمت وأضافت:
"هعمل زي امبارح ونحط لمسات خفيفة عشان نظهر الجمال ده أكتر. لازم العروسة تكون منورة."
وبينما كانت الكوافير تضع لمساتها السحرية الأخيرة، اجتمعت حولها نساء العائلة: والدتها ووالدة سند وزوجة عمها سالم. كن ينظرن إليها بفخر وحب، وعيونهن تلمع بدموع الفرح.
اقتربت منها والدتها وربتت على كتفها بحنان، محاولة أن تبدو متماسكة.
"متخافيش يا جلب أمك، ده يوم زي أي يوم. وجاسر ابن حلال وبيحبك، هيحطك في عينيه."
أضافت والدة سند بابتسامة دافئة وهي تغمز لها:
"خلي جلبك چامد اكده، إحنا كلنا مرينا باليوم ده. شوية خضة في الأول وبعدين كل حاچة بتبجى تمام."
كانت النساء الثلاث يتحدثن بهمس، يحاولن "تطمئنها" وتهدئة خوفها المفترض من "أول ليلة"، معتقدات أنها كأي فتاة تشعر بالرهبة من المجهول.
في خضم هذه النصائح الأمومية الحنونة، التقت عينا نغم بعيني روح التي كانت تقف في الجانب الآخر. لم تستطع الأختان منع نفسيهما، تبادلتا نظرة سريعة، نظرة مليئة بالأسرار والمرح، ثم انفجرت كل منهما في ضحكة صامتة مكتومة، تحاولان إخفاءها خلف ابتسامات مصطنعة. لقد كان موقفهما مضحكاً. هما فقط من يعرفان الحقيقة، يعرفان أن "الخوف" الذي يتحدثن عنه قد تم تجاوزه منذ زمن، وأن العلاقة بين نغم وجاسر قد تخطت كل هذه المراحل.
لاحظت وعد نظراتهما المتبادلة وضحكاتهما المكتومة، فاقتربت من روح وهمست لها بفضول:
"فيه إيه؟ بتضحكوا على إيه من تحت لتحت؟"
ابتسمت روح ابتسامة عريضة ولم تجب، مكتفية بالغمز لوعد، مما زاد من حيرتها. فاقتربت وعد أكثر وهمست:
"تجصدي يعني...؟"
أومأت روح برأسها إيجاباً ورفعت حاجبيها بتأكيد مضحك. هنا فهمت وعد كل شيء، واتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بالمرح.
قالت ليل وهي ترى ضحكاتهن:
"بتضحكوا على إيه يا بنات؟ سيبوا أختكم في حالها، دي العروسة زمانها مكسوفة."
هنا لم تتمالك وعد نفسها، وبمرح خالص، قلدت صوت والدة سند وهي تقول بنبرة درامية:
"شوية خضة في الأول وبعدين كل حاچة بتبجى تمام."
ثم انفجرت في الضحك مع روح ونغم، وتحول الهمس إلى ضحكات عالية وصافية ملأت الغرفة. حتى أن النساء الأكبر سناً بدأن يضحكن معهن دون أن يفهمن السبب الحقيقي للضحك، معتقدات أنها مجرد سعادة بنات وبهجة فرح لا أكثر.
في خضم هذه الأجواء السعيدة، طُرق الباب ودخل الجد وهدان، يتبعه عمها سالم وحامد. ساد الصمت للحظة، صمت مهيب مليء بالفخر والحب.
كان وهدان أول من اقترب. نظر إلى حفيدته التي أصبحت عروساً تفيض جمالاً ونوراً، وابتسم ابتسامة حنونة اهتز لها شاربه الأبيض. رفع أمامها علبة خشبية قديمة وفتحها ليكشف عن عقد ذهبي ثقيل، من ذلك الذهب القديم الذي لا يقدر بثمن. بدا أثرياً ومهيباً.
"ده كان بتاع ستك الله يرحمها. كان نفسي أجهزك بأحسن جهاز في البلد كلها يا بتي، بس ابن التهامي رفض وجال إنه عايزك بالفستان اللي عليكي وبس. ستك الله يرحمها جالت الكردان ده أمانة عندي، ولما أشوفك عروسة أدهولك. صحيح هو مش..."
أخذت نغم العقد بيدين مرتعشتين، وشعرت بثقله وقيمته التاريخية والعاطفية. انحنت وقبلت يده والدموع في عينيها.
ثم تقدم سالم الذي كانت فرحته لا تسعها الدنيا. كان وجهه يفيض سعادة وهو يقدم لها عقداً.
"ألف مبروك يا بت الغالي، دي هدية مني ليكي. الچنينة الجبلية دي كتبتها باسمك لوحدك، طالما ابو دماغ يابسة ده مرضاش اننا نچهزك."
اتسعت عينيها بندم، استيعاب.
"بس الچنينة دي بالذات غالية جوب عليك."
قبل رأسها بحنو.
"مفيش حاچة تغلى عليكي. كان نفسي أبوكي يكون عايش وحاضر فرحتنا دي، بس الحمد لله على كل حال."
لم يذكر اسم "عدي"، فجرحه لا يزال غائراً، ولم يرد أن يعكر صفو هذه الليلة بذكرى مؤلمة.
أخيراً تقدم حامد وعيناه تلمعان بالدموع وهو يقدم لها مصحفاً مغلفاً بعلبة ذهبية.
"كنت أتمنى متبعديش عن حضني أبداً، بس المهم عندي إنك تكوني سعيدة ومبسوطة. ولو سعادتك معاه، يبجى أني أسعد واحد في الدنيا. خلي كتاب ربنا رفيقك في بيتك الچديد."
لم تعد نغم قادرة على التحمل. احتضنت أعمامها وجدها واحداً تلو الآخر، وشعرت بحبهم يغمرها كحصن منيع، حب حقيقي لا يقاس بالمال بل بالذكريات والدعوات الصادقة.
بعد لحظات، تقدم سالم منها ومد لها ذراعه بفخر.
"يلا يا عروسة، عريسك مستني."
أمسكت بذراعه، وفي تلك اللحظة انطلقت الزغاريد من ليل ونساء العائلة، زغاريد عالية وقوية هزت أركان البيت. أخذها سالم وخرج بها من الغرفة وسط الزغاريد التي لم تتوقف، معلنة للعالم كله أن فرحة بيت الرفاعي قد عادت وأقوى مما كانت.
***
وصل جاسر إلى سرايا الرفاعي وقلبه يسبق خطواته. لم يعد قادراً على الانتظار. كل دقيقة تمر وهو بعيد عنها كانت تبدو كدهر. دخل البهو الواسع فوجد مالك وسند وقفا لاستقباله مهنئين إياه.
"مبروك يا عريس، نورت."
تقدم منهما جاسر وعيناه تبحثان ناحية الدرج على الطابق العلوي بلهفة.
"الله يبارك فيكم، أومال هي فين؟ خلصت ولا لسه؟"
نظر إليه مالك ببرود مصطنع وهو يجلس على المقعد ويأخذ رشفة من قهوته قبل أن يجيب.
"لسه الكوافيرة معاها بنات بجا، وانت زين العارفين."
قطب جاسر حاجبيه باستغراب.
"لسه كيف؟ أنا لسه مكلمها من شوية وجالت إنها خلصت وچاهزة."
هز مالك كتفيه بلامبالاة وهو يكبت ضحكة كادت أن تفلت منه.
"شغل بنات بجى، أنت خابر تخلص وتجولك خلصت وبعدين تفتكر حاچة، وترچع الكوافيرة تشتغل من أول وچديد. اجعد اشربلك حاچة بدل ما انت واجف مش على بعضك إكدة، قدامك ساعة ولا اتنين."
نظر جاسر إلى سند، لعله يجد عنده إجابة مختلفة، لكنه وجد سند ينظر إلى فنجانه باهتمام شديد محاولاً إخفاء ابتسامته.
"اجعد اشربلك فنچان ولا اتنين لحد ما تخلص."
لم يصدقهما جاسر، لكنه لم يستطع فعل شيء. بدأ يسير ذهاباً وإياباً في البهو كالنمر المحبوس في قفص. يلقي نظرة على ساعته، ثم نظرة على الدرج، ثم يعود ليسير مرة أخرى.
كان مالك وسند يراقبانه وهما يكادان ينفجران من الضحك. لم يصدقا أن هذا هو جاسر التهامي، جبل الثلج الذي لا يهتز. كانا ينظران إلى بعضهما البعض ويتساءلان في صمت: "ماذا فعلت به هذه الفتاة؟ كيف استطاعت أن تحوله إلى هذا العاشق الولهان الذي فقد كل صبره؟"
وفجأة، انطلقت زغرودة قوية من الطابق العلوي، تبعتها زغاريد أخرى كأنها إعلان رسمي عن انتهاء الانتظار. توقف جاسر في مكانه والتفت إليهما يحاول الحفاظ على شموخه.
"هي كده خلصت صح؟"
نهض مالك واقترب منه ووضع يده على كتفه وهو يربت عليه بمرح.
"اهدَ يا عريس، مش اكده. اتجل شوية، الناس تجول عليك إيه؟"
نظر إليه جاسر بنفاد صبر.
"طيب شوف هطلع آخدها ولا إيه الحكاية؟ الرچالة اللي مستنية برة دي."
تقدم منه سند.
"متجلجش عليهم، الرفاعية بيجموا معاهم بالواجب."
وضع جاسر يده في جيبه كي يخرج هاتفه ويتصل عليها. هنا لم يعد سند قادراً على التحمل فانفجر في ضحكة صادقة من قلبه.
"رغم كل اللي عملته فينا بس ميهونش عليا وجفتك دي. اطلع يا عم، اطلع خد عروستك."
لم ينتظر جاسر كلمة أخرى، انطلق نحو الدرج بخطوات سريعة. وما إن وضع قدمه على أول درجة حتى توقف، متجمداً في مكانه. كانت تنزل الدرج بخطوات بطيئة، كأنها تطفو في الهواء. كان عمها سالم يمسك بذراعها يسندها بفخر وحب. الجد وهدان ينزل خلفها وابنه حامد بعصاه وهيبته، يتطلعان إليها بابتسامة حنونة.
نظر جاسر إلى هذا المشهد وشعر بشيء غريب. لقد رأى قوة هذه العائلة في ترابطها، في الطريقة التي أحاطوا بها ابنتهم كحصن منيع من الحب والدعم. لقد فهم في تلك اللحظة سر قوتها هي. لكن كل هذه الأفكار تلاشت عندما اقتربت منه أكثر. لقد سحره جمالها. كانت تبدو ككائن خرافي، كحلم تجسد على هيئة بشر. الثوب، وجهها، نظرتها الخجولة المليئة بالحب... كل شيء فيها كان يصرخ بالكمال. شعر بأن قلبه قد توقف عن النبض، وأن العالم كله قد اختفى، ولم يتبق سوى هي.
وقفت أمامه، ورفع هو يده ببطء ليمسك بيدها، كأنه يخشى أن يلمسها فتختفي. همس بصوت أجش، صوت رجل وصل إلى أقصى درجات التحمل.
"يلا بينا."
لم يكن سؤالاً، بل كان قراراً. هو لن يستطيع أن يصبر أكثر من ذلك. لن يستطيع أن يشاركها مع أي شخص آخر، ولو لدقيقة واحدة. يريد أن يأخذها إلى عالمه، إلى مملكته، ويغلق عليهما الأبواب.
نظرت إليه ورأت في عينيه كل الشوق واللهفة التي تعتمل في صدره، والتي كانت تعكس ما في صدرها هي أيضاً. هزت رأسها موافقة، والخجل يلون وجهها بأجمل الألوان. أمسك بيدها بقوة واستدار بها، وبدأ يسير نحو الباب وهي بجانبه. وفي تلك اللحظة، انطلقت الزغاريد من كل مكان تملأ البيت، وتزفهما إلى حياتهما الجديدة كأجمل لحن يبارك اتحاد قلبين قدرا لهما أن يلتقيا في قلب العاصفة.
كانت الرحلة إلى بيت الجبل، والأيدي المتشابكة، والنظرات المختلسة، والابتسامات الخجولة، لغة كافية للتعبير عن كل ما في قلبيهما. انطلقت السيارة الفاخرة بهدوء، تاركة وراءها أضواء الفرح الصاخبة وأصوات الأهل الممزوجة بالدعوات والزغاريد.
في الداخل، كان هناك عالم آخر، عالم خاص بهما فقط. كانت نغم تجلس بجانبه بفستانها الأبيض الجميل، تشعر وكأنها في حلم. كانت تنظر من النافذة إلى أضواء الطريق وهي تمر بسرعة، لكن عقلها كان لا يزال عالقاً في تفاصيل الليلة الساحرة.
قطع جاسر الصمت بصوته العميق الذي أصبح الآن يحمل نبرة من الدفء والعشق الخالص.
"شايفة الجمر اللي في السما دي؟"
نظرت إليه فوجدته ينظر إليها هي، لا إلى السماء. أومأت برأسها بصمت.
"انتي عندي إكدة منورة حياتي وجلبي زي ما هو منور الببد كلياتها. انتي الوحيدة اللي بتنور دنيتي كلها."
شعرت بالكلمات تتسلل إلى قلبها مباشرة وتلون خديها بحمرة خفيفة. لم تجد ما تقوله، فكل الكلمات تبدو تافهة أمام غزله. أمسك بيدها التي كانت ترتاح على الفستان وشابك أصابعه بأصابعها، ثم رفع يدها وقبلها برقة، وعيناه لم تفارقا الطريق أمامه.
"نفسي أخطفك دلوجت، ناخد العربية دي ونسافر، نهرب بعيد... بعيد جوي عن الدنيا كلها. نروح مكان محدش يعرفنا فيه، مكان مفيش فيه غيري وأنتي وبس."
نظرت إليه بحب وهمست.
"طب وليه معملتش إكدة؟"
التفت إليها للحظة وابتسم ابتسامة حنونة.
"عشان كان لازم أهلك يفرحوا بيكي، وعشان كان لازم أهلي يفرحوا بينا. كان لازم يشوفوكي وإنتي ملكة متوجة، ويشوفوني وأني أسعد راجل في الدنيا عشان كسبتك. فرحتهم جزء من فرحتنا."
تنهدت بسعادة وأسندت رأسها على كتفه.
"لسة مش مصدجة إنك عملتلي فرح بالجمال ده كله، ليه مجولتليش؟ ليه خليتها مفاجأة؟"
قال وهو يشد على يدها برفق.
"عشان كان فيه وعد لازم أوفيه."
نظرت إليه باستفهام، فتابع بنبرة جادة وصادقة.
"وعدت نفسي يوم ما رجعتي ليهم إني هرجع آخدك تاني، بس المرة دي وإنتي راسك مرفوعة جدام البلد كلها. وعدت نفسي إن عيلتي كلها هتيچي لحد بيتك، وتطلب إيدك، وتزفك ليا كأنك أميرة. كان لازم أمسح كل ذكرى وحشة، وأكتب مكانها ذكرى حلوة تعيشي تفتكريها طول عمرك."
عند هذه الكلمات، شعرت نغم بغصة في حلقها. لم تعد قادرة على الكلام، لم تعد قادرة على فعل أي شيء. كل محاولات عقلها لمقاومته، كل شكوكها، كل مخاوفها تبخرت تماماً أمام هذا الاعتراف. لقد فعل كل هذا ليس فقط ليفوز بها، بل ليرد لها كرامتها واعتبارها أمام العالم كله. لم تتكلم، لكنها رفعت رأسها ونظرت إليه. كانت عيناها تلمعان بدموع الامتنان والحب. نظرة واحدة قالت كل شيء. قالت له "أحبك"، وقالت له "أنت عالمي"، وقالت له "لقد شفيت كل جروحي".
فهم جاسر كل ما قالته عيناها. ابتسم ابتسامة رضا عميقة وقاد السيارة نحو بيتهما، نحو حياتهما الجديدة، وهو يعلم أنه لم يفز بزوجة فقط، بل فاز بروح كانت تنتظره ليكتمل بها.
لم يوقف جاسر السيارة عند البوابة كالعادة، بل أكمل طريقه عبر الممر الحجري المضاء بالفوانيس، حتى توقف أمام باب البيت مباشرة. نزل من السيارة برشاقة ودار ليفتح لها الباب وانحنى قليلاً ليقدم لها يده، كفارس يستقبل أميرته في قلعته. وما إن خطت نغم بقدمها الأولى خارج السيارة حتى وجدت نفسها في حضن دافئ وحنون. كانت والدة جاسر في انتظارها عند الباب، والفرحة الصادقة لا تسع ملامحها الهادئة.
"حمدلله على السلامة يا نور عيني."
قالتها وهي تحتضن نغم بقوة، ثم ابتعدت قليلاً لتمسك بوجهها بين يديها.
"كده يا نغم؟ شهور بحالهم ومفكرتيش حتى تكلميني تطمنيني عليكي؟ ده أنا قلبي كان هيقف من القلق."
ابتسمت نغم بحب وشعرت بالذنب.
"غصب عني والله يا أمي، الأيام اللي فاتت كانت..."
لم تجد الكلمات المناسبة لوصف ما حدث.
"خلاص رجعت ومش هسيبك تاني، لولا وجودك في حياتي مكنتش وصلت للسعادة دي."
ربتت ونس على خدها بحب.
"أنتِ بنتي اللي ربنا عوضني بيها، والنهاردة أسعد يوم في حياتي وأنا شايفاكي منورة بيت ابني."
ثم التفتت إلى جاسر الذي كان يراقبهما بابتسامة سعيدة.
"خد مراتك يا حبيبي، بيتها مستنيها. أنا جهزتلكم كل حاچة."
أمسك جاسر بيد نغم وقبل يد والدته، ثم قاد نغم إلى الداخل. لم تكن هذه غرفة نومهما العادية، بل كانت قد تحولت إلى مشهد من قصة خيالية. كانت الأرض مفروشة ببتلات الورود الحمراء والبيضاء. عشرات الشموع المعطرة كانت تملأ المكان وتلقي بظلالها الراقصة على الجدران، مما يضفي على الغرفة جواً من السحر والدفء. وفي منتصف الغرفة كانت طاولة صغيرة عليها عشاء خفيف لهما.
أغلق جاسر الباب خلفهما وأدار المفتاح، وكأنه يغلق العالم كله في الخارج. تقدم بمكر وهو يقول:
"اهلا بيكي في سجن الجاسر."
استدارت نغم مبهورة بجمال المشهد، لكنها عندما نظرت إليه وسمعت كلماته، نسيت الورود والشموع وكل شيء. كان يقف هناك ينظر إليها بنظرة لم ترها من قبل. نظرة عميقة حارقة، مليئة بالحب والامتلاك والشوق الذي وصل إلى منتهاه. تقدم منها ببطء، وكل خطوة يخطوها كانت تزيد من سرعة نبضات قلبها. توقف أمامها مباشرة ورفع يديه ليمرر أصابعه برفق على وجهها، كأنه يتأكد أنها حقيقية.
"أخيراً."
همس بصوت أجش، صوت رجل انتظر هذه اللحظة طويلاً.
"أخيراً بقيتي هنا في بيتي وفي حضني وملكي أنا لوحدي."
لم تستطع نغم النطق، كانت الكلمات قد هربت منها، ولم يتبق سوى لغة العيون.
"تعرفي..."
أكمل وهو يقرب وجهه منها وأنفاسه تلفح بشرتها.
"طول اليوم وأنا بتخيل اللحظة دي، بتخيل إني هجفل علينا الباب ده لأنه شهد على فترة عذاب واشتياق محدش في الدنيا يجدر يتحمله، ومحدش في الدنيا دي دلوجت هيجدر ياخدك مني تاني. كنت بعد الثواني عشان اللحظة دي تاچي."
انحنى أكثر وطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم على خدها، ثم على طرف أنفها، كأنه يتذوق كل جزء منها.
"أنتِ مش متخيلة أنتِ عملتي فيا إيه. حولتي الوحش اللي جوايا لطفل، طفيتي نار التار اللي كانت بتاكل فيا، وزرعتي مكانها ورد. بجيت مستعد أحرج الدنيا كلها عشان بس أشوف الابتسامة دي على وشك."
أغمضت نغم عينيها مستسلمة لسحر كلماته ولمساته.
"بحبك يا جاسر."
همست بها أخيراً، الكلمة التي كانت تكابر طويلاً لتعترف بها. عندما سمعها، شعر وكأنه امتلك العالم. ابتسم، ثم رفع ذقنها برفق وقال بنبرة تملؤها العاطفة.
"وأنا مش بس بحبك، أنا بتنفسك."
لم يعد هناك مجال للكلمات. انحنى وطبع قبلة على شفتيها، قبلة بدأت رقيقة ثم تعمقت لتصبح انفجاراً لكل المشاعر المكبوتة، لكل الشوق، ولكل الحب الذي تحدى المستحيل. حملها بين ذراعيه بسهولة واتجه بها نحو السرير المفروش بالورود. وفي تلك الليلة، في جنتهما الصغيرة المعزولة فوق الجبل، أصبحا عالماً واحداً، لا مكان فيه للماضي أو الخوف، فقط للحاضر بكل ما يحمله من شغف، وللمستقبل الذي سيبنيانه معاً، على أنقاض الكراهية وبأساس من حب أسطوري.
كانت ليلة لا تشبه أي ليلة أخرى. في هدوء بيت الجبل وتحت غطاء من النجوم الصافية، كانت نغم تستكين بين ذراعي جاسر. رأسها على صدره، تستمع إلى نبضات قلبه المنتظمة التي أصبحت لحنها المفضل، ويده القوية تلتف حولها بحماية مطلقة. كان العالم كله قد اختفى، ولم يتبق سوى دفء حضنه ورائحة عطره التي أدمنتها.
بعد فترة من الصمت المريح، رفعت رأسها قليلاً لتنظر إليه. كان مستيقظاً، ينظر إلى السقف بشرود، لكن ابتسامة خفيفة كانت ترتسم على شفتيه.
"جاسر."
همست بصوت ناعم.
خفض نظره إليها وابتسم ابتسامة أوسع، ثم انحنى ليطبع قبلة طويلة على شعرها.
"عيون جاسر."
"ممكن أسأل سؤال؟"
"أنتِ تأمري، مش بس تسألي."
ترددت للحظة ثم قالت.
"ليه عملت كل ده؟ الفرح الكبير ده... ليه استعچلت ومستنتش حتى نخلص امتحاناتي؟"
اعتدل قليلاً ليواجهها بشكل أفضل، ورفع يده ليمررها على خدها برفق.
"عشان حاچتين. أول حاچة، عشان أرفع راسك جدام البلد كلها، عشان محدش يجرؤ يهمس بكلمة واحدة عنك. كان لازم الكل يعرف إنك دخلتي السرايا دي ملكة، وخرچتي منها لبيتك عروسة في أكبر فرح شافوه. أنتِ تستاهلي كده وأكتر، تستاهلي إن الدنيا كلها تعرف قيمتك عندي."
شعرت بقلبها يذوب من كلماته. لقد فكر في كرامتها قبل أي شيء آخر.
"والحاچة التانية؟"
هنا تغيرت نظراته قليلاً. ظهر فيها عمق غامض، لمسة من شيء لا تستطيع قراءته. أخفى هذا الشعور بسرعة خلف ابتسامة ماكرة.
"والحاچة التانية... إني خلاص مكنتش جادر اتحمل."
قالها بصوت أجش وهو يقرب وجهه منها.
"كنت كل ما الاحظ الحزن في عنيكي من إن جوازنا كان شيء مفروض عليكي، إنك معشتيش الفرحة اللي اي بنت بتعيشها. جلت لازم اعيشهالك. كلمت مالك وجدك، وهما رحبوا. وجبت عيلتي كلها معايا عشان أخدك من بيتك معززة مكرمة. كنت ديما بحس بفرحتي ناجصة لما كنت بلاحظ الحزن في عنيكي. كنت بعد الدجايج عشان أخلص من كل حاچة وأجفل عليكي باب واحد، باب التهامي، وأشيل من عنيكي نظرة الحزن دي نهائي."
لم تتخيل نغم أن تكون بتلك الشفافية أمامه، فهذا ما كان تفكر به أيضاً. ثوب الزفاف وفرحة الجميع بها وهي تزف لحبيبها، وقد حقق لها كل ذلك. لكن شيئاً في داخلها، حدسها الأنثوي، كان يخبره أن هناك المزيد. هناك سبب آخر أعمق وأكثر خطورة يختبئ خلف عينيه. شعرت به في تلك اللحظة التي تغيرت فيها نظرته. شعرت بأن هذا الفرح بهذه السرعة كان كمن يبني حصناً منيعاً حولهما قبل وصول عاصفة يعرف هو أنها قادمة. لكنها لم تسأل. لقد قررت أن تثق به ثقة عمياء.
انحنى أكثر وهمس في أذنها عندما لاحظ شرودها.
"كفاية أسئلة. الليلة دي مش للكلام."
لم تكن كلماته مجرد جملة رومانسية، بل كانت أيضاً طريقة ماهرة لإنهاء النقاش قبل أن تتعمق فيه أكثر. وبدأت قبلاته تسقط عليها كالمطر الدافئ على عنقها وكتفها، وكل قبلة كانت تمحو أي شك أو سؤال من رأسها، وتغرقها في بحر من الأحاسيس التي لا تقاوم. استسلمت له بالكامل وردت على قبلاته بشغف مماثل. لقد أدركت أن هناك أسراراً في عالم جاسر قد لا تعرفها أبداً، وأن هناك جوانب مظلمة في حياته قد لا يكشفها لها. لكن في تلك اللحظة، لم يكن أي من هذا مهماً. المهم الوحيد هو أنها بين ذراعيه، آمنة، ومحبوبة.
وبينما كان يأخذها مرة أخرى إلى عالمه الخاص، عالم لا وجود فيه إلا لهما، ظلّ ذلك الظل الخفي في عينيه، ظل السر الذي لم يُحكَا، كقنبلة موقوتة، تنتظر بصمت في أعماق رجل يفعل كل ما بوسعه ليحمي جنته الصغيرة من الجحيم الذي يعرف أنه قادم لا محالة.
***
كانت الغرفة غارقة في هدوء دافئ لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتناغمة. كانت روح مستلقية على صدر مالك، تستمع إلى نبضات قلبه القوية التي كانت كالموسيقى لروحها. شعرت بسعادة غامرة، سعادة العودة إلى وطنها، إلى حضنه الذي كان ملاذها الوحيد. لقد سامحته وتصالحا، لكنها أدركت أن هناك جرحاً خفياً لا يزال ينبض بألم خافت في أعماق قلبها. لم يكن جرح غضب، بل جرح حزن على الصورة المثالية التي تحطمت.
شعر مالك بهذا الصمت المختلف. لم يكن صمت رضا كامل، بل كان صمتاً يحمل ظلالاً من الماضي. شعر بتنهيدتها الخفيفة التي حاولت كبتها. أدار رأسه لينظر إليها ورفع يده ليمررها على شعرها المنسدل على كتفه.
"لسه زعلانة."
لم يكن سؤالاً، بل كان تقريراً لحقيقة شعر بها بقلبه. رفعت روح رأسها قليلاً لتنظر في عينيه. لم تكن تريد أن تعكر صفو هذه اللحظة، لكن عينيها لم تستطع إخفاء الحقيقة.
"هكدب عليك لو جولتلك نسيت او مش زعلانة..."
أومأ مالك برأسه متفهماً، ثم اعتدل في جلسته قليلاً وسحبها لتجلس في مواجهته، ممسكاً بيديها برفق.
"حجك وحجك عليا إني أشرحلك كل حاچة، مش كدفاع عن نفسي بس عشان الچرح ده يطيب."
نظر في عينيها بعمق وبدأ يتحدث بصوت هادئ وصادق، صوت رجل يفتح قلبه بالكامل.
"لما سافرت كنت إنسان محطم يا روح، كنت بحبك ومش شايف اي أمل ليا معاكي، وكمان بتتچوزي أخويا. كل يوم كنت بصحى وبنام على وچع واحد. والغربة كانت بتاكل فيا والوحدة كانت بتجتلني."
صمت للحظة كأنه يسترجع ألماً قديماً.
"سيدرا... ظهرت في الوجت ده. كانت زميلتي في الشغل، بنت لوحدها في بلد غريب زيي. لجينا في بعض العزاء، لانها برضه كانت مطلقة. كانت بتسمعني وأنا بشتكي وبتشوفني وأنا بتعذب. قدمتلي الونس اللي كنت محتاچه، وأنا قدمتلها الأمان اللي كانت بتدور عليه."
ضغط على يديها برفق وكأنه يرجوها أن تفهم.
"جوازنا... مكانش جواز حب صدقيني يا روح. كان اتفاق، كان صفقة بين اتنين وحيدين عشان يهونوا على بعض مرارة الغربة. مكانش فيه الشغف اللي بينا، ولا الدفا اللي في حضنك. كانت علاقة باردة عملية. كنت بحاول أهرب من صورتك اللي مش بتفارقني، وكنت بفشل كل مرة."
رأت روح الصدق والألم في عينيه لأول مرة. لم تكن ترى خيانته، بل كانت ترى وحدته وعذابه.
"كنت غلطان إني خبيت عليكي، غلطان جداً. بس كنت خايف، كنت مرعوب أخسرك بعد ما صدجت إن ربنا چمعنا. كنت جبان، وخفت أواجهك بحجيجة ممكن تدمر كل حاچة حلوة بنيناها."
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها هذه المرة كانت دموع تفهم وتعاطف.
"أنا آسفة..."
همست بصوت مختنق.
"أنا اللي حكمت عليك بسرعة، مشفتش غير جرحي أنا، ومنتبهتش لوچعك أنت."
هز رأسه بنفي ومسح دموعها بإبهامه.
"إحنا الاتنين كنا مجروحين، بس النهاردة... عايزين نطوي الصفحة دي للأبد. عايزك تعرفي إن من يوم ما رجعت وشفتك، مفيش ست في الدنيا دي كلها تملى عيني غيرك. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم بنتي وكل دنيتي، وهي بالنسبالي صفحة واتقفلت من قبل ما أرجع ومستحيل تتفتح تاني."
انحنى وقبل جبينها، قبلة طويلة، قبلة تحمل كل اعتذارات العالم.
"سامحيني يا روح قلبي."
في تلك اللحظة، شعرت بأن آخر قطعة من الجليد في قلبها قد ذابت تماماً. لم يعد هناك جرح، بل مجرد ندبة باهتة تذكرها بقوة حبهما الذي نجا من العاصفة.
"مسمحاك."
قالتها بابتسامة صافية، ووضعت رأسها على صدره مرة أخرى. احتضنها بقوة وشعر بأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهله. لقد تصالحا أخيراً، ليس فقط بالجسد بل بالروح والقلب، وفي هدوء تلك الليلة بدأت قصتهما الحقيقية، قصة مبنية ليس على المثالية بل على الغفران والتفهم، والحب الذي أصبح أقوى بعد أن تم اختباره.
***
كان مكتب صخر غارقاً في ظلمة لم تكسرها سوى إضاءة خافتة من مصباح مكتبي تلقي بظلال طويلة ومشوهة على الجدران، تماماً مثل أفكاره. لم يكن يفكر في ابنته المكسورة ولا في ابن أخيه الذي تحداه ولا في سمعة العائلة التي اهتزت. كل هذا كان ضجيجاً هامشياً. كان عقله كآلة حاسبة باردة، منشغلاً بالهدف الأسمى، الهدف الذي بدأ كل شيء من أجله.
كانت خريطة كبيرة للأراضي الزراعية مفرودة أمامه على المكتب. مرر أصبعه الخشن عليها، ليس بحب الفلاح لأرضه، بل بجشع المالك الذي يرى في كل شبر قطعة من الذهب. كانت عيناه تلمعان ببريق معدني قاسٍ. تردد، ضحك ضحكة خافتة جافة خالية من أي مرح. لم يكن تردداً حقيقياً، بل كان مجرد وقفة قصيرة، وقفة الصياد الذي يتأمل فريسته قبل أن يطلق رصاصة الرحمة. لقد كان هذا هو مخططه منذ البداية، منذ سنوات طويلة. كل ما حدث، كل الدماء، كل الدموع، كل الصراعات... لم تكن سوى خطوات مدروسة في خطته الكبرى. لقد استخدم الثأر كوقود، وحرك الجميع كقطع شطرنج على رقعته. استخدم غضب جاسر، وضعف الرفاعية، وحتى حزن ابنته... كل ذلك كان مجرد أدوات لتحقيق غايته.
"المهم... أن يكون كل شيء باسمي وباسم ولدي."
هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تهم. ولده، ابنه الذي أرسله بعيداً عن هذا الجحيم، ليعود يوماً ما كوريث لإمبراطورية بناها أبوه على حطام الآخرين. لم يكن حباً لابنه بقدر ما كان امتداداً لجشعه، رغبة في الخلود من خلال نسل يحمل اسمه وثروته.
نظر إلى صورة قديمة على الحائط، صورة تجمعه بأخيه والد جاسر. لم ير فيها أخاً، بل رأى منافساً شريكاً كان عليه التخلص منه ليحصل على كل شيء. لقد بكى عليه أمام الناس، لكنه في الخفاء كان يحتفل بسقوطه الذي فتح له الطريق. ولا أحد يعرف أن الرصاصة لم تنطلق من مسدس كارم، بل مسدس خفي أطلق رصاصته في الوقت المناسب. وعندما أنكر كارم، ذهب له في السجن وأجبره على الاعتراف كي يرفع من شأن العائلة، وهو وافق بغبائه حتى حكم القاضي بحكمه الأخير، ولم يجدي اعترافه نفعاً.
والآن جاسر. هذا الشبل الذي فاق الجميع قوة وأصبح عقبة. لكن حتى هذه العقبة سيحولها صخر إلى درجة في سلمه. فلینشغل جاسر بحبه وبفرحه، ولينشغل بالرفاعية وبصراعاتهم الصغيرة. هذا الانشغال هو أفضل غطاء لصخر لينفذ ضربته الأخيرة.
أمسك بقلمه وبدأ يضع علامات على الخريطة، يقسم ويضم ويرسم حدود مملكته الجديدة. لم يشعر بأي وخز للضمير. فالضمير ترف لا يملكه الأقوياء. لم يشعر بالذنب تجاه دماء أخيه أو دموع ابنته أو مستقبل ابن أخيه. كان يرى فقط الأراضي، الأموال، القوة. كان يبني عرشه الخاص، غير مدرك أو غير مهتم بأنه يبنيه من رماد عائلته، وأنه في النهاية سيجلس عليه وحيداً، ملكاً على خراب من صنعه. رفع كأسه في الظلام كأنه يشرب نخب انتصاره القادم، انتصار بارد وقاسٍ، ولا يرحم... تماماً مثله.
***
كانت نغم مستقرة في حضن جاسر، رأسها على صدره. كانت تشعر بسكينة وسلام لم تشعر بهما من قبل، كأنها وصلت أخيراً إلى مينائها الآمن بعد رحلة طويلة في بحر هائج. في وسط هذه السكينة، تسلل إليها شعور آخر... شعور حقيقي جداً. لقد أدركت فجأة أنها تتضور جوعاً. رائحة الطعام اللذيذ التي كانت تملأ الجناح، والتي تجاهلتها في البداية، بدأت الآن تناديها بقوة.
تحركت قليلاً ورفعت رأسها لتنظر إليه. كان مغمض العينين، وعلى وجهه ابتسامة رضا وهدوء. همست بصوتٍ ناعم.
"جاسر..."
فتح عينيه ببطء كأنه يخرج من حلم جميل.
"عيون جاسر."
"أنت مش جعان؟"
نظر إليها بعمق وابتسم ابتسامة جانبية ساحرة.
"من ساعة ما دخلتي الجناح ده وأني نسيت كل حاچة في الدنيا... نسيت الوجت ونسيت التعب، ونسيت حتى الجوع. شبعان بيكي عن الدنيا كلها."
شعرت بالخجل، لكن معدتها الخاوية كان لها رأي آخر. ضحك جاسر ضحكة دافئة وعميقة هزت صدره تحت رأسها.
"بس شكل فيه حد تاني مش شبعان."
قبل جبينها برقة ثم نهض بخفة.
"تعالي نشوف ست ونس عاملة إيه، شكلها مجهزة وليمة."
سار نحو طاولة الطعام الصغيرة الموضوعة في زاوية الجناح، ورفع الأغطية الفضية عن الأطباق. كانت والدته قد أعدت لهما بالفعل وليمة عشاء فاخرة من كل ما يحبانه. مد يده إليها.
"يلا يا ملكة."
جذبت نغم المئزار ونهضت لترتديه، وسارت نحوه، فأسحب لها الكرسي لتجلس، ثم جلس هو على كرسي بجانبها، وليس أمامها. أخذ طبقاً ووضع فيه من كل صنف قليلاً، ثم التقط الملعقة.
"خليني أوكلك بيدي."
نظرت إليه بخجل ودهشة.
"هاكل لوحدي."
هز رأسه برفض لطيف وقرب المعلقة من فمها.
"الليلة دي مفيش حاچة لوحدك، الليلة دي أني اللي هخدمك."
استسلمت له وفتحت فمها فأطعمها اللقمة الأولى. كان طعم الأكل لذيذاً، لكن اللحظة نفسها كانت ألذ. كان يطعمها بحنان ويمسح جانب فمها بأنامله برقة إذا لزم الأمر، وعيناه لا تفارقانها، تلتهمان كل رد فعل، كل ابتسامة خجولة، كل نظرة سعيدة.
بعد عدة لقم، قالت وهي تمضغ.
"طب وأنت؟ مش هتاكل؟ كل معايا."
نظر إليها بحب عميق ثم أخذ لقمة أخرى وقربها منها.
"لما بتاكلي إنتي بحس إني باكل ليكي وليا. فرحتك بتشبعني أكتر من أي أكل في الدنيا."
لم تعد قادرة على المجادلة، استسلمت لدلاله وحبه، وتركته يطعمها وهي تشعر بأنها أسعد امرأة في الكون. لم يكن مجرد عشاء، بل كان طقساً من طقوس العشق يؤكد لها فيه أنه لن يكون زوجها فقط، بل سيكون خادمها، وحارسها، ومصدر دلالها الأبدي.
***
فتحت نغم عينيها على ضوء شمس دافئ يتسلل من بين ستائر الغرفة الثقيلة. شعرت بدفء يحيط بها وأدركت أنها لا تزال في حضن جاسر. كان ذراعه يلتف حولها بحماية، ووجهه مسترخٍ في نوم عميق، خالٍ من أي قسوة، وكأنه طفل كبير. ابتسمت بحب وهي تتأمل ملامحه الهادئة. ألقت نظرة على هاتفها الذي كان على المنضدة بجانب السرير، فاتسعت عيناها بدهشة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة ظهراً.
تسللت من بين ذراعيه بهدوء وحذر شديدين، كأنها تتعامل مع أثمن كنز في العالم، حتى لا توقظه. دخلت الحمام على أطراف أصابعها، وأخذت حماماً سريعاً ومنعشاً، ثم خرجت وهي تلف منشفة حول جسدها. ارتدت بيجامة حريرية بسيطة من دولابها، وتركت شعرها المبلل ينسدل على كتفيها. ألقت نظرة أخيرة عليه فوجدته لا يزال غارقاً في نومه. لم تستطع مقاومة الرغبة في الاقتراب منه، فانحنت وطبعت قبلة خفيفة على خده، ثم خرجت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
نزلت الدرج وهي تشعر بأنها في حلم. كان البيت هادئاً ومشمساً. قادتها رائحة القهوة الطازجة وصوت همهمة خافتة إلى المطبخ. وجدتها هناك، كانت حماتها ونس، تقف بجانب "سامية" العاملة الوفية وهما يجهزان شيئاً للغداء.
"صباح الخير."
قالتها نغم بصوت خافت وحنون. التفتت ونس وابتسمت ابتسامة واسعة ومشرقة ما إن رأتها.
"صباح النور يا أجمل عروسة في الدنيا."
ثم قطبت حاجبيها بعتاب لطيف.
"بس إيه اللي نزلك دلوجت؟ كنتي المفروض تفضلي مرتاحة في أوضتك، وأنا كنت هبعتلك الفطار لحد عندك."
اقتربت منها نغم واحتضنتها بحب.
"وحشتيني ومجدرتش أفضل فوج لوحدي عشان جاسر لساته نايم جلت أنزل أجعد معاكي شوية."
حاولت ونس إقناعها بالعودة.
"يا حبيبتي ارچعي لچوزك ولما يصحى انزلوا براحتكم."
لكن نغم أصرت بعناد لطيف.
"لأ هفضل هنا معاكي، هو نايم ومش هيصحى دلوجت."
ثم نظرت إلى ما يجهزانه.
"أساعدكم في حاچة؟"
رفضت حنان وونس في صوت واحد تقريباً. دفعتها ونس برفق نحو الطاولة الصغيرة الموجودة في وسط المطبخ.
"لا اجعدي اهنه، وممنوع تلمسي أي حاچة، أنتِ عروسة."
جلست نغم وهي تبتسم وشعرت بدفء عائلي بينهم. بدأت تتحدث مع ونس، تسألها عن كل شيء يخص جاسر. ضحكت حنان بسعادة وهي ترى هذا الاهتمام في عيني نغم.
"يا حبيبتي متشيليش هم، أنا وسامية عارفين كل حاچة ومع الوجت هتتعلمي، بس عشان تبجي عارفة، هو بيعشج صينية البطاطس من إيدي، وبيكره أي حد يصحيه من النوم فجأة... شوفي بقا صينية البطاطس هتبجا أحلى من إيد مين."
وقبل أن تكمل جملتها، دخل هو. كان جاسر يقف عند باب المطبخ يرتدي طاقماً قطنياً، وشعره مبعثر من النوم، يفرك عينيه بنعاس. كان منظره مختلفاً تماماً عن صورة جاسر القوي المهيب. كان يبدو وسيماً بشكل فوضوي ومريح.
"صباح الخير."
قالها بصوت أجش وعميق من أثر النوم، وعيناه تبحثان عنها هي فقط. ابتسمت نغم بخجل، بينما ردت ونس.
"صح النوم يا حبيبي، إيه اللي صحاك؟"
لم يرفع جاسر عينيه عن نغم وهو يجيب.
"صحيت ملجتهاش چنبي جلجت."
ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وانحنى أمامها، وطبع قبلة صباحية رقيقة على خدها، غير مهتم بوجود أي شخص آخر.
"معوداني على المجالب جلت اجي اطمن."
احمر وجه نغم، بينما ابتسمت ونس بسعادة وهي ترى حب ابنها الصادق.
"طب كويس إنك صحيت. اقعدوا انتوا الاتنين دجايج والغدا يكون جاهز."
جلس جاسر على الكرسي بجانب نغم، وأمسك بيدها تحت الطاولة وظل ينظر إليها بحب، بينما كانت هي تتحدث وتضحك مع حماتها. كان مشهداً بسيطاً وعادياً، لكنه كان يحمل كل معاني السعادة. لقد أصبح هذا المطبخ الدافئ، بوجود أمه وحبيبته، هو مملكة جاسر الحقيقية.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم رانيا الخولي
في منزل الرفاعي....
كانت رائحة الطعام الصعيدي الأصيل تملأ أرجاء المطبخ الواسع في قصر الرفاعي ممزوجة بضحكات النساء وزغاريدهن الخافتة فرحاً بصباحية نغم.
كانت روح تتحرك بخفة ونشاط، رغم بطنها المستدير الذي دخل شهوره الأخيرة تساعد والدتها ليل وورد في تحضير "فطور العروس" الفاخر الذي سيحملونه إلى جناح نغم وجاسر.
لاحظت ورد أن روح بدأت تضع يدها على ظهرها بين الحين والآخر وتأخذ نفساً عميقاً.
اقتربت منها بحنان ووضعت يدها على كتفها.
"كفاية عليكي إكده يا روح يا بتي اطلعي ارتاحي شوية، وشك باين عليه التعب."
ابتسمت روح ابتسامة واسعة وصادقة وعيناها تلمعان بسعادة.
"تعب إيه بس يا مرات عمي؟ ده أحلى يوم في حياتي وأنا بچهز الأكل لأختي بيدي. دي فرحة متتعوضش."
ردت ليل وهي تقلب في إحدى الأواني الكبيرة.
"ربنا يفرح جلبك دايماً يا بنتي، بس برضه صحتك واللي في بطنك بالدنيا."
أصرت روح على البقاء فحبها لأختها كان يمنحها طاقة استثنائية كانت تتخيل فرحة نغم وهي ترى كل هذا الاهتمام، وتدعو في سرها أن يكون جاسر هو السند والأمان الذي تستحقه.
لكن بعد فترة وبينما كانت تحمل صينية ثقيلة شعرت بألم حاد ومفاجئ أسفل بطنها، جعلها تتوقف وتغمض عينيها بقوة.
رأتها ورد وليل في نفس اللحظة هرعت ورد وأخذت منها الصينية، بينما سندتها ليل بقلق.
"شوفتي! مش بنجولك ارتاحي!"
قالت ليل بحزم أمومي لا يقبل الجدال.
"يالا، على أوضتك دلوجت إحنا هنكمل كل حاچة ومرات عمك وسعدة معانا."
لم تجد روح مفراً من الموافقة هذه المرة صعدت السلم ببطء، تتنفس بصعوبة وكل ما تريده هو أن تستلقي قليلاً حتى يهدأ هذا الألم.
فتحت باب جناحها ودخلت لتجد مالك يخرج من الحمام للتو، يرتدي بنطالاً قطنياً مريحاً ومنشفة حول عنقه وهو يجفف شعره.
ما إن رآها حتى اختفت ابتسامته الهادئة وحل محلها القلق العميق ألقى بالمنشفة من يده وهرع نحوها في خطوتين.
"روح مالك؟ وشك أصفر ليه؟"
لم تستطع الرد فقط هزت رأسها بتعب وهي تتكئ عليه لم يسأل سؤالاً آخر أحاط خصرها بذراعه القوية، وسندها بحرص شديد كأنها كنز هش قابل للكسر.
قادها بخطوات بطيئة نحو السرير وساعدها على الاستلقاء برفق.
جلس بجانبها على حافة السرير ومرر يده على جبينها ليتأكد من حرارتها.
"حاسة بإيه؟ الألم لسة موجود؟"
قالت بابتسامة.
"أنا بجيت زينة متجلجش."
نظر إليها بعينين تفيضان حباً وحناناً.
"مجلجش كيف؟ لما بشوفك بتتألمي روحي بتتسحب مني."
انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة ثم نزل بنظره إلى بطنها المستدير، ووضع يده الكبيرة عليه بحنان بالغ.
"وأنتِ يا چميلة اهدى على ماما شوية مش كفاية واخد كل الدلع والحب لوحدك."
ابتسمت روح من بين ألمها، ووضعت يدها فوق يده.
"هي بتسمع كلامك أول ما حطيت إيدك هديت."
رفع مالك نظره إليها مرة أخرى وكانت عيناه تحملان كل عشق العالم.
"عشان خابرة إني مستعد أعمل أي حاچة في الدنيا عشانكم، راحتكم عندي بالدنيا كلها."
ظل جالساً بجانبها يده على بطنها ويده الأخرى تمسح على شعرها، يهمس لها بكلمات هادئة ومطمئنة حتى شعرت بالألم يتبدد تدريجياً ويحل محله شعور دافئ بالسكينة والأمان.
في حضرة حبه واهتمامه كانت تعرف أنها في حصنها المنيع، وأن لا شيء في العالم يمكن أن يؤذيها طالما هو بجانبها.
***
كان المطبخ يضج بالحياة والنشاط ورائحة الأكل الشهي تمتزج بضحكات النساء.
كانت وعد تتحرك بخفة بينهن تساعد في تقطيع الخضروات وتجهيز الأطباق وقلبها يرقص فرحاً لأجل نغم.
فجأة دخل سند إلى المطبخ وهو يحمل ابنهما "عدي" الذي كان يصرخ بأعلى صوته ووجهه الصغير أحمر من شدة البكاء، كان سند يهزه برفق ويحاول تهدئته دون جدوى.
نظر حوله حتى وجد وعد فتوجه نحوها مباشرة.
"وعد... يا وعد تعالى شوفيلنا حل في الأستاذ ده."
تركت وعد السكين من يدها ومسحت يديها بسرعة ثم اقتربت منهما بقلق.
"ماله يا سند؟ ليه بيعيط اكده؟"
أخذت ابنها منه وبدأت تهدهده بحنان أمومي فطري لكن الصغير استمر في البكاء.
سحبها سند من ذراعها برفق وأخذها إلى خارج المطبخ في زاوية هادئة بعيداً عن ضجة الأواني وأحاديث النساء.
انحنى وهمس في أذنها بنبرة ماكرة وعيناه تلمعان بخبث مرح.
"شكله زعلان عشاني مش راضي يسكت خالص."
نظرت إليه وعد باستغراب.
"زعلان عشانك؟ ليه يعني؟"
اتسعت ابتسامته الماكرة وهو ينظر إليها نظرة ذات معنى.
"عقاب، ده عقابك عشان نمتي امبارح وسيبتيني الواد حاسس بيا وبياخد حجي."
فهمت وعد تلميحه على الفور، فانفجرت في ضحكة خافتة وحاولت إخفاءها بكف يدها، واحمرت وجنتاها.
"يا سلام! بجى هو ده السبب؟"
تطلعت إليه بغيظ.
"حرام عليك يا سند اليوم كان طويل ومتعب، وكنت محتاچة أنام عشان أجدر أجوم معاهم بدري وأحضر حاچات نغم."
لم تذب ملامحه الماكرة بل اقترب أكثر حتى كاد يلامسها، وهمس بصوتٍ أعمق وأكثر إغواءً.
"وأنا ذنبي إيه؟"
نظرت إليه بعينين تملؤهما السعادة والخجل وقالت بدلال.
"ذنبك إنك حلو زيادة عن اللزوم."
ضحك بخفة ثم أصبح جاداً فجأة ونظر في عينيها مباشرة بنظرة حب صافية.
"طيب... بما إنك عارفة ذنبي، يبقى لازم تكفّري عنه."
"وأكفّر عنه كيف بجا إن شاء الله؟"
مرر إبهامه على خدها برقة، وعيناه معلقتان بعينيها.
"تعوضيني الليلة."
في تلك اللحظة وكأنها معجزة هدئ الصغير عن البكاء فجأة وأطلق تنهيدة صغيرة ثم أغلق عينيه ليستسلم للنوم بين ذراعي والدته.
نظر سند إلى ابنه النائم ثم إلى وعد بابتسامة منتصرة.
"شوفتي؟ حتى الواد موافق مستني التعويض بتاعي."
هزت وعد رأسها بيأس مصطنع، لكن قلبها كان يرقص من فرط حبه ودلاله أعطته قبلة سريعة على خده وهمست.
"مجنون."
أخذ منها الطفل النائم بحرص وقبل جبينها قبلة عميقة.
"مجنون بيكي يالا روحي كملي اللي بتعمليه، وأنا هاخده أنيمه في الأوضة بس متنسيش... اتفاقنا."
غمز لها غمزته الأخيرة وخرج من الطرقة تاركاً إياها تبتسم بحب وتشعر بأنها أسعد امرأة في العالم مع هذا الزوج العاشق والمرح.
***
قالت ونس وهي تضع طبقاً من الفطير الساخن أمامهما.
"دوجي يا نغم الفطير ده، لسة سامية خابزاه."
أخذت نغم قطعة وقبل أن تأكلها نظرت إلى جاسر الذي كان يراقبها بابتسامة هادئة.
"طبعاً حلو كل حاچة من إيدك يما ونس حلوة."
كانت نغم تشعر براحة لم تعهدها هذا المطبخ الذي كان يمثل لها سجناً أصبح الآن مسرحاً لأجمل صباح في حياتها.
وجود جاسر بجانبها وونس أمامها جعلها تشعر بأنها أخيراً في بيتها.
نظر جاسر إلى والدته وقال بمرح.
"شوفتي يا ست الكل؟ خدت مكانتي في يوم وليلة مبجاش ليا طبيخ ولا فطير."
ضحكت ونس وهي تنظر لابنها بسعادة غامرة. كانت ترى في عينيه لمعة لم ترها من قبل، لمعة الحب والرضا.
"وأنت تطول إن القمر دي تاكل اكلك؟ وبعدين هي اللي هتاكل وأنت اللي هتشبع."
ضحكت نغم بخجل من تعليق حماتها بينما شد جاسر على يدها تحت الطاولة.
كان يشعر وكأنه في حلم كل صباح كان يستيقظ على صراع أو خطة أو تهديد، واليوم يستيقظ على صوت ضحكة حبيبته ورائحة طعام والدته.
لقد حارب العالم من أجل هذه اللحظة البسيطة، وشعر بأنها تستحق كل التعب.
قال جاسر وهو يوجه كلامه لنغم، لكن عينيه كانتا تبتسمان لوالدته.
"هي شكلها هتدلع عليا جوي يا أما، وأنتي اللي هتشجعيها."
ردت ونس بثقة.
"وأدلعها ليه لأ؟ دي اللي نورت البيت ورجعتلي ابني اللي كان غايب."
كانت ونس تنظر إليهما وقلبها يفيض فرحاً. لقد رأت ابنها قاسياً ورأته قوياً ورأته حزيناً، لكنها لم تره "سعيداً" بهذا الشكل من قبل.
وجود نغم لم يغيره فقط بل أعاده إلى الحياة.
قالت نغم بهدوء وهي تنظر إلى جاسر.
"خلاص عشان متزعلش هدوقك."
وأخذت قطعة صغيرة من الفطير وقربتها من فمه بجرئة لم تشهدها في نفسها من قبل.
فتح جاسر فمه وأخذ القطعة وعيناه لم تفارقا عينيها. كانت لقمة بسيطة لكنها في عالمهما كانت تعني كل شيء.
كانت تعني القبول والمشاركة وبداية حياة حقيقية.
وهكذا على طاولة إفطار بسيطة بين ضحكات الأم وخجل الزوجة وعشق الزوج، اجتمعت ثلاث أرواح كل منها يعيش حلمه الخاص وكل منها يجد سعادته في وجود الآخرين، في مشهد عائلي دافئ كان بمثابة بداية حقيقية لحياة جديدة.
بعد أن أخذ جاسر اللقمة من يدها لم يبعد عينيه عنها بل همس بصوتٍ خفيض لم تسمعه سوى هي.
"حتى الفطير طعمه أحلى من إيدك."
شعرت نغم بالحرارة تتصاعد إلى وجهها، فسحبت يدها بسرعة وهي تحاول إخفاء ابتسامتها الخجولة متظاهرة بالانهماك في كوب الشاي.
لاحظت ونس هذا الهمس وهذه النظرات فابتسمت ابتسامة عريضة وقررت أن تمنحهما بعض الخصوصية.
نهضت وهي تقول.
"أني هروح أخلي سامية تشوف الغسيل شكل السما مغيمة النهاردة كملوا فطاركم على مهلكم."
وما إن خرجت ونس وأغلقت باب المطبخ حتى استدار جاسر بجسده كله نحو نغم ترك يدها التي كان يمسكها تحت الطاولة ورفع يده ليمررها برفق على خدها الذي لا يزال متورداً.
"معجول لساتك مكسوفة مني؟"
لم تجب بل اكتفت بهز رأسها بنفي بخفة وهي تنظر إلى طبقها.
فرفع ذقنها بإصبعه برفق مجبراً إياها على النظر في عينيه.
"أني عايزك تبصيلي عايز أشوف السعادة في عينيكي عايز أتأكد إن كل ده مش حلم."
قالت بصوتٍ ناعم.
"ولو حلم؟"
"يبقى أحلى حلم حلمته في حياتي ومستعد أعمل أي حاچة عشان مَصحاش منيه أبداً."
صمت للحظة وعيناه تتفحصان كل تفصيل في وجهها ثم قال بنبرة جادة مليئة بالمشاعر.
"عارفة يا نغم... أني عشت حياتي كلها بحارب، بحارب عشان أحافظ على مكانتي، بحارب عشان أنتقم، بحارب عشان أكون الأقوى. أول مرة في حياتي أحس إني مش عايز أحارب. أول مرة أحس بالسلام."
تأثرت نغم بصدق كلماته ومدت يدها ووضعتها فوق يده التي على خدها.
"وأني... أول مرة أحس بالأمان."
كانت هذه الكلمة "الأمان" هي كل ما يحتاجه جاسر ليسمعه لقد كانت اعترافاً منها بأنه لم يعد مصدر خوفها بل أصبح ملجأها.
انحنى نحوها ببطء وقبلها قبلة رقيقة وعميقة قبلة بنكهة الفطير ورائحة الشاي، قبلة صباحية تحمل كل وعود الأيام السعيدة القادمة.
ابتعد عنها قليلاً وأسند جبينه على جبينها.
"أوعدك... إن الإحساس ده عمره ما هيفارقك تاني طول ما أني بتنفس."
في تلك اللحظة لم يكن هناك جاسر التهامي القاسي، ولا نغم الرفاعي المخطوفة كان هناك فقط رجل وامرأة وجدا وطنهما في عيني بعضهما البعض على طاولة إفطار بسيطة، في صباح يوم جديد يحمل في طياته حياة كاملة من الحب.
بعد أن انتهيا من فطورهما الذي كان أشبه بجلسة اعترافات هادئة نهض جاسر وسحبها برفق من يدها.
"تعالي فيه حاچة عايز أوريهالك."
قادها عبر البهو الفسيح وفتح باباً زجاجياً كبيراً يؤدي إلى الحديقة الخلفية ما إن خطت نغم خطوتها الأولى للخارج، حتى توقفت مبهورة وشعرت بأنها دخلت عالماً آخر، جانب من الحديقة لم تراه من قبل.
لم تكن حديقة عادية كانت قطعة فنية طبيعية، مصممة بعناية لتكون امتداداً للجبل الذي بُني عليه البيت. لم تكن هناك صفوف من الزهور المنمقة بل كانت هناك صخور صغيرة تتخللها مسارات حجرية متعرجة، وأشجار فريدة تبدو وكأنها نمت هناك منذ زمن.
كان الهواء نقياً ومنعشاً يحمل رائحة الأرض الرطبة والصنوبر.
سار جاسر بجانبها يده لا تزال متشابكة بيدها، وبدأ يعرفها على مملكته السرية.
"المكان ده... هو الحتة الوحيدة اللي كنت بهرب ليها من كل حاچة."
توقفا أمام شجرة ضخمة ذات جذع مائل وأوراق فضية اللون كانت تلمع تحت أشعة الشمس الخافتة.
"دي شجرة الأرز الأطلسي مش موجود منها كتير في مصر أصلها من جبال الأطلس وبتحب الأجواء الجبلية زي دي. شوفي إزاي جذعها قوي وثابت... كانت دايماً بتفكرني باللي المفروض أكون عليه."
استمعت نغم إليه باهتمام لم تكن تنظر إلى الشجرة بقدر ما كانت تنظر إليه. كانت ترى شغفاً حقيقياً في عينيه وهو يتحدث، شغفاً بعيداً كل البعد عن عالم الصراعات والثأر.
أكمل سيره بها نحو مجموعة من الشجيرات ذات الأزهار البنفسجية الداكنة.
"وده اللافندر الجبلي ريحته بتهدي الأعصاب كنت باچي أچمع منه لما أكون على مضايج."
قطف زهرة صغيرة وفركها بين أصابعه ثم قربها من أنفها، أغمضت عينيها واستنشقت العطر العميق والمهدئ.
ثم أشار إلى شجرة أخرى ذات أوراق صغيرة لامعة وثمار حمراء صغيرة تشبه الكرز.
"كل الانواع دي من الشجر مش بتصلح غير في الچبل. في منها شكل چميل وحلو بس سام."
نظر إليها بابتسامة جانبية ماكرة.
"زي الدنيا إكدة... شكلها حلو ومغري بس جواها سم، لازم تعرفي إيه اللي تاخديه منيها وإيه اللي تبعدي عنيه."
كانت كل شجرة يحكي عنها قصة، وكل نبتة تحمل معنى لم يكن مجرد تعريف بأسماء نباتات، بل كان يكشف لها عن جزء خفي من روحه. كان يريها كيف يرى العالم من خلال هذه الأشجار: القوة، الصمود، الهدوء، والجمال الذي يختبئ خلف الخطر.
توقفا عند نقطة تطل على الوادي السحيق بالأسفل أحاطها بذراعه من خصرها وقربها إليه وأسند ذقنه على رأسها.
"كل الأشجار دي... أني اللي اشرفت على زرعتها بنفسي، كل واحدة فيهم كانت بتفكرني بحاچة. واحدة بالقوة، وواحدة بالصبر، وواحدة بالهدوء بس عارفة..."
صمت للحظة ثم همس في أذنها.
"من يوم ما دخلتي حياتي بجيت باچي اهنه وأبص عليهم كلهم، والاجيهم كلهم ناقصين حاچة واحدة."
نظرت إليه باستفهام فابتسم.
"ناقصين شجرة تشبهك، شجرة تكون رجيجة وچميلة، بس چذورها جوية ومتتشالش من مكانها مهما حصل، شجرة تكون هي الوحيدة اللي بتزهر طول السنة."
لم تعد قادرة على تحمل كل هذا العشق استدارت بين ذراعيه ودفنت وجهها في صدره تستنشق عطره الذي أصبح إدمانها. لم تكن بحاجة للرد فقد كان صمتها وحضنها هما أبلغ رد.
وفي تلك الحديقة الجبلية بين الأشجار النادرة أدركت أنها لم تكن مجرد زوجة لجاسر، بل أصبحت هي الشجرة النادرة والأثمن في حديقته السرية.
بعد جولتهما في الحديقة لم يترك جاسر يدها، بل قادها نحو مبنى حجري أنيق يقع على بعد مسافة قصيرة.
"فيه حد تاني لازم تتعرفي عليه."
عندما فتح الباب الخشبي الضخم استقبلتهما رائحة القش النظيف والجلد، كان الإسطبل فخماً ومنظماً لكن عيني نغم اتجهت مباشرة إلى الحصان الوحيد الذي كان يقف في الحجرة الأكبر، حصان أسود فاحم ضخم الجثة يبدو كقطعة من الليل تم نحتها. كان قوياً ومهيباً لكن ما لفت انتباهها هو شيء آخر.
اقتربت ببطء ولاحظت ما لم تره من قبل بوضوح. كانت هناك ندوب قديمة علامات باهتة لكنها واضحة على أجزاء من ظهره وجانبه مناطق بدا فيها الجلد مشدوداً ولامعاً بشكل مختلف، كأثر لحروق قديمة شفيت بصعوبة.
نظرت إلى جاسر الذي كان يراقب رد فعلها وسألت بصوتٍ خفيض مليء بالتعاطف.
"الحصان ده... اتصاب في الحريج؟"
أومأ جاسر برأسه وتقدم نحو الحصان الذي صهل صهيلاً خفيفاً ما إن رآه.
"أيوه ده بركان، اتضرر جوي وجتها، كل الدكاترة اللي چابوهم جالوا إن مفيش أمل، وإن الحل الوحيد هو "القتل الرحيم" عشان نريحه من عذابه."
اقترب جاسر من "بركان" وبدأ يملس على وجهه بحنان فأسند الحصان رأسه على كتف سيده في ثقة مطلقة.
تابع جاسر بصوتٍ هادئ لكنه كان يحمل ثقل ذكريات مؤلمة.
"أني فاكر الليلة دي كويس جوي..."
صمت للحظة ثم التفت لينظر إليها وعيناه تحملان عمقاً لم تره من قبل.
"لأنها الليلة اللي شوفتيني فيها على حجيجتي الليلة اللي بانت لكِ فيها نجطة ضعفي."
عادت الذاكرة بنغم في لحظة تذكرت حالته في تلك الليلة، ليلة زواجهما القسري. تذكرت كيف عاد من الخارج وكيف رأت في عينيه ألماً حقيقياً، وهناً وضعفاً لم تكن تتخيل وجوده في جاسر التهامي. لقد كان حزنه على حصانه هو الشرخ الأول الذي رأته في قناعه الجليدي وهو ما جعلها في تلك الليلة تستسلم له، لأن حالته لم تكن تسمح بالرفض لقد رأت الإنسان خلف الوحش.
واصل جاسر حديثه وهو لا يزال يملس على حصانه.
"رفضت أسمع كلامهم فضلت چمبه أسابيع، بعالج حروجه بإيدي وبأكّله، وبكلمه. كنت خابر إنه هيعيش لأنه مقاتل... زيي."
نظر إلى الندوب على جسد الحصان ثم نظر إلى نغم.
"بركان ده مش مجرد حصان عندي أني بشوف فيه نفسي. عنيد ومبيستسلمش وشكله من برة يوحي بالجوة والجبروت... بس من چوه لو اتچرح چرحه بيكون غويط ومبيلمش بسهولة. بيخبي وجعه ورا قوته ومبيسمحش لأي حد يشوف ضعفه... إلا اللي بيثق فيهم بس."
كان المشهد مؤثراً بشكل لا يصدق، جاسر الرجل الذي يرتجف منه الجميع يقف الآن كاشفاً عن روحه أمامها، مقارناً نفسه بحصان جريح نجا من الموت. أدركت نغم أن حبه لهذا الحصان ينبع من أنه يرى فيه انعكاساً لقصته هو: كائن قوي تعرض للأذى والحروق من الحياة لكنه رفض أن يموت وظل واقفاً بشموخ، يحمل ندوبه كجزء من تاريخه ولا يسمح بالاقتراب من روحه إلا لمن يستحق.
تقدمت نغم ببطء ومدت يدها وملست على وجه الحصان بجانب يد جاسر. لم يتحرك الحصان بل ظل هادئاً كأنه شعر بأن هذه المرأة أصبحت جزءاً من عالم سيده. وفي تلك اللحظة في صمت الإسطبل فهمت نغم جاسر أكثر من أي وقت مضى.
بعد لحظات من الصمت المؤثر في الإسطبل حيث كانت يداهما متجاورتين على وجه "بركان" استدار جاسر ليواجه نغم بالكامل. كانت المسافة بينهما شبه معدومة ورائحة القش الممزوجة بعطره الترابي تملأ الهواء.
لم يتكلم بل رفع يده ببطء وتتبع بإصبعه خط الندبة القديمة الباهتة على يدها، تلك التي تركها هروبها من السائق في ذلك اليوم. كانت لمسته رقيقة كهمس لكنها كانت تحمل ثقل العالم.
"الچرح ده..."
قالها بصوت أجش كأنه يتحدث عن جرح في روحه هو.
"كل ما أشوفها بتفكرني باليوم اللي كان ممكن أخسرك فيه جبل ما ألاجيكي. وبتفكرني إني مستعد أحرج الدنيا باللي فيها، لو فكر أي مخلوق يلمسك تاني."
لم تكن كلماته تهديداً للعالم بل كانت عهداً لها عهداً بالحماية المطلقة.
نظرت في عينيه ورأت فيهما الصدق الخام والعشق الذي لم يعد يحاول إخفاءه. مدت يدها هي الأخرى وبجرأة لم تكن تعتقد أنها تملكها لمست وجهه.
"وأني... كل ما أبص لعينيك بتفكرني بالجوة اللي خلتك تحارب عشان توصل للي أنت عايزه. وبتفكرني بالراچل اللي كسر كل القواعد عشان ياخدني."
كانت تلك هي المرة الأولى التي تعترف فيها صراحة بأن أفعاله القاسية كانت في نظرها دليلاً على حبه.
تغيرت نظرة جاسر لم تعد مجرد عشق بل أصبحت جوعاً... جوعاً لروحها لوجودها، لكل تفصيل فيها. انزلقت يده من يدها إلى خصرها وسحبها نحوه حتى التصق جسدها بجسده بالكامل، ولم يعد هناك أي هواء يفصل بينهما.
"بتعملي فيا إيه يا نغم؟"
همس السؤال في أذنها وأنفاسه الساخنة ترتطم ببشرتها مرسلة رعشة لذيذة عبر جسدها.
"كل يوم بكتشف فيكي حاچة جديدة... بتخليني أحبك أكتر. كل يوم بتوريني إن جوتك مش في عنادك، جوتك في جلبك اللي بيسامح وبيحتوي."
لم تستطع الرد كانت غارقة في عينيه في رائحته في قربه الذي أصبح وطنها.
انحنى ببطء لكنه لم يقبلها. توقف وشفتيه على بعد مليمترات من شفتيها كأنه يتلذذ بلحظة الترقب هذه.
"المرة دي... مش هسرجها منك."
كان صوته تحدياً رقيقاً دعوة صريحة. فهمت ما يريده لم يعد يريد أن يكون هو المبادر دائماً لم يعد يريد أن يأخذ كان يريدها أن تعطيه، أن تختاره هي بكامل إرادتها.
وبكل الشجاعة التي منحها إياها حبه رفعت نفسها على أطراف أصابعها وألغت هي المسافة الأخيرة بينهما. كانت قبلة مختلفة عن كل القبلات السابقة. لم تكن قبلة مسروقة ولا قبلة تحدي ولا قبلة غفران. كانت قبلة اختيار، قبلة ملكية، قبلة امرأة تعلن بجرأة أنها وجدت رجلها، وأنها ملكه بقلبها وروحها وجسدها.
بادلها القبلة بعمق وشغف ورفعها بين ذراعيه بسهولة وحملها خارج الإسطبل، متجهاً نحو البيت. لم يقطعا القبلة بل كانا يتنفسان من بعضهما البعض.
دلف من الباب الخلفي حتى لا يصادف أحد يجعله يعود لرشده الذي ضاع في حب تلك المرأة.
وعندما وصلا إلى عتبة جناحهما انزلها وابتعد عنها قليلاً، وأسند جبينه على جبينها وعيناه تلمعان بانتصار عاشق.
"من النهاردة... مفيش أسرار مفيش خوف، ومفيش هروب فيه بس أني... وأنتي."
ثم أخذها إلى الداخل وأغلق الباب خلفهما ليبدآ معاً فصلاً جديداً من حكايتهما، فصلاً لا يكتبه الثأر أو الماضي بل يكتبه عشق رجل وجد في حبيبته خلاصه، وعشق امرأة وجدت في سجانها... حارس روحها الأبدي.
***
كان قصر الرفاعي أشبه بخلية نحل تضج بالحياة والفرح انتهت النساء من وضع اللمسات الأخيرة على وليمة الصباحية الفاخرة، وتم ترتيب الصواني الضخمة بعناية فائقة، كل صينية تحمل تحفة فنية من الطعام الشهي الذي أُعد بحب خصيصاً لعروس العائلة. رائحة الخبز الطازج واللحم المشوي وعبير التوابل الأصيلة كانت تملأ كل ركن من أركان القصر، معلنة عن يوم استثنائي.
في البهو الخارجي كان الرجال قد تجمعوا، أصواتهم ترتفع بالضحكات والأحاديث الودية. كان الحاج وهدان يجلس في صدر المجلس ووجهه يشع بسعادة ورضا لم يشهدهما منذ سنوات طويلة بجانبه جلس ابنه سالم يراقبان الجيل الجديد بفخر.
خرج مالك وسند معاً من القصر، يرتديان جلابيبهما الأنيقة التي تليق بهذه المناسبة السعيدة. كان سند يحمل ابنه "عدي" الذي استيقظ لتوه وعيناه الصغيرتان تتفحصان هذا الجمع الكبير بفضول بينما كان مالك يلقي نظرة قلقة نحو الطابق العلوي ينتظر نزول روح.
بعد لحظات بدأت النساء في الخروج تباعاً كأنهن سرب من الفراشات الملونة. خرجت ليل ونادية أولاً تحملان بعض الأطباق الخفيفة، ووجوههن تملؤها الفرحة. تبعتهن وعد التي كانت تضبط شالها الأنيق وتبادلت نظرة حب سريعة مع سند الذي ابتسم لها من بعيد.
وأخيراً ظهرت روح عند مدخل القصر تسير ببطء وحذر، كانت ترتدي فستاناً فضفاضاً جميلاً يبرز حملها المتقدم، وعلى وجهها ابتسامة هادئة. ما إن رآها مالك حتى تحرك نحوها فوراً، ووضع يده على ظهرها بحنان وهمس.
"كيفيك دلوجت يا روح؟"
أومأت له برأسها ووضعت يدها على يده المطمئنة.
بدأ الشباب في حمل الصواني الثقيلة وتوزيعها في السيارات التي اصطفت أمام القصر كانت الأجواء احتفالية بحق كل شخص يتحرك بهمة ونشاط والهدف واحد: إيصال الفرحة والسعادة إلى قلب نغم في يومها المميز.
أعطى الحاج وهدان إشارة البدء بصوته الجهوري.
"يالا يا ولاد، اتحركوا مش عايزين نتأخر على العروسة."
صعد الجميع إلى السيارات ركب الحاج وهدان وسالم في سيارة، ومالك وروح وليل وورد في سيارة أخرى، وسند ووعد ووالدته في سيارة ثالثة، بينما امتلأت بقية السيارات بالشباب وبقية أفراد العائلة والطعام.
انطلق موكب السيارات ببطء من بوابة القصر، الواحدة تلو الأخرى كقافلة فرح مهيبة تشق طريقها نحو بيت الجبل. كانت الشمس مشرقة والسماء صافية والقلوب عامرة بالحب والأمل، في طريقهم للاحتفال بنهاية حقبة من الألم وبداية عهد جديد من السلام والسعادة لعائلة الرفاعي.
***
كانت نغم تقف أمام خزانة الملابس المفتوحة، وتمرر نظرها بين الفساتين والعباءات المعلقة بعناية. كانت تشعر بمزيج من السعادة والتوتر فبعد قليل سيصل أهلها ليباركوا لها في بيتها الجديد وأرادت أن تبدو في أبهى صورة، ليس فقط لتسعدهم بل لتشعر هي نفسها بأن هذه بداية جديدة وحقيقية.
لكن كلما نظرت إلى ملابسها شعرت بأن شيئاً ما ينقصها. لا شيء يبدو مناسباً تماماً لهذه المناسبة الخاصة.
في تلك اللحظة انفتح باب الحمام بهدوء وخرج جاسر منه. رآها واقفة أمام الخزانة بملامح حائرة فابتسم.
اقترب منها بخطوات هادئة ووقف خلفها مباشرة ثم انحنى وطبع قبلة دافئة على خدها وهو يهمس بالقرب من أذنها بصوته العميق.
"ملكة جلبي حيرانة ليه؟"
التفتت إليه قليلاً وقالت بتنهيدة.
"أهلي چايين كمان شوية ومش عارفة ألبس إيه. حاسة إن كل الهدوم دي مش مناسبة."
نظر جاسر إلى انعكاس وجهها الحائر في مرآة الخزانة وابتسم ابتسامة جانبية ماكرة.
"تؤ تفتكري إن حاچة زي دي ممكن تفوتني؟"
وقبل أن تفهم ما يعنيه أحاطها بذراعيه من الخلف ومد يده إلى أعمق جزء في الخزانة، في مكان لم تكن قد وصلت إليه بعد. سحب بهدوء كيساً أنيقاً كان مخبأً بعناية.
ناولها الكيس وهو لا يزال يقف خلفها وهمس.
"افتحيه."
بأصابع مترددة فتحت نغم الكيس لتسحب منه عباءة بيضاء فاخرة حبست أنفاسها من جمالها. كانت العباءة مصنوعة من قماش انسيابي بتطريز ذهبي هادئ وراقٍ يزين منطقة الصدر وأطراف الأكمام. كان تصميمها بسيطاً لكنه ملكي؛ مجسمة قليلاً عند الخصر لتبرز رشاقتها ثم تنسدل باتساع ونعومة حتى الأرض، بأكمام واسعة تضفي عليها فخامة ورونقاً خاصاً.
ظلت تنظر إلى العباءة بانبهار لم تكن تتخيل شيئاً بهذا الجمال لقد فكر في كل شيء، حتى في هذه التفصيلة الصغيرة. لقد أعد لها زياً يليق باستقبال أهلها كملكة في مملكتها الجديدة.
استدارت بين ذراعيه لتواجهه وعيناها تلمعان بالدموع من فرط السعادة.
"جاسر... أنا... أنا مش عارفة أجولك إيه."
وقبل أن تكمل جملتها أو تحاول شكره وضع إصبعه برفق على شفتيها مقاطعاً إياها.
"شششش... انظر في عينيها مباشرة، وتحولت نظرته الماكرة إلى نظرة عميقة مليئة بالرغبة والشوق. الشكر مش عايزه كلام."
انحنى أكثر حتى لامست أنفاسه وجهها وهمس بصوتٍ أجش.
"عايزه فعل... بس بعد ما أهلك يمشوا."
ثم غمز لها وابتعد عنها متجهاً نحو ملابسه تاركاً إياها واقفة في مكانها تحتضن العباءة البيضاء وقلبها يخفق بعنف من مزيج السعادة والخجل والترقب لما سيأتي. لقد أثبت لها مرة أخرى أنه يفكر في أدق تفاصيل سعادتها، ولكنه دائماً ما يطالب بثمنه بطريقته الخاصة.
***
كان أكمل يقود سيارته عائداً إلى المنزل ورأسه مثقل بتفاصيل القضايا وملفات العمل التي لا تنتهي. كل ما كان يتمناه هو أن يجد بعض الهدوء والسكينة بين جدران بيته فتح باب الشقة بهدوء ودخل، لكنه توقف في مكانه عند مدخل غرفة المعيشة متجمداً أمام مشهد لم يكن ليتخيله في أكثر أحلامه جموحاً.
كانت صبر تجلس إلى طاولة الطعام الكبيرة التي تحولت إلى مكتبة مصغرة الأوراق والكتب مبعثرة حولها بطريقة منظمة وقلم في يدها تدون به الملاحظات بتركيز شديد. وبجوارها كان يجلس والده حسين منحنياً فوق أحد الكتب المفتوحة، يشرح لها نقطة معقدة بصبر وأناة، ويشير بإصبعه إلى فقرة معينة.
كانت صبر تستمع إليه باهتمام مطلق، وتهز رأسها بين الحين والآخر علامة على الفهم.
وقبل أن يستوعب أكمل هذا المشهد الأول، خرجت والدته نسرين من المطبخ وهي تحمل صينية عليها أكواب من عصير الليمون المثلج. تحركت بهدوء ووضعت الأكواب أمامهما على الطاولة، وربتت على كتف صبر بحنان وهي تقول.
"اشربي يا حبيبتي روقي دمك شوية دماغك هتنفجر من كتر المذاكرة."
كان المشهد كاملاً أمامه الآن زوجته التي كانت تخشى من ظلها، تجلس بثقة وتنهل من علم والدهووالده الصارم دكتور الجامعة يبدو مستمتعاً بدوره. ووالدته تجلس بجانبهم تقدم الدعم والحنان.
شعر أكمل بغصة دافئة في حلقه لقد تحول بيته إلى شيء لم يكن يتوقعه أبداً، لقد أصبح منزلاً حقيقياً مليئاً بالدفء والحياة.
في تلك اللحظة، لمحته نسرين واقفاً عند المدخل فابتسمت ابتسامة عريضة ومشرقة.
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
انتبه حسين وصبر لوجوده نهض حسين من مكانه وهو يمدد ظهره بتعب مصطنع.
"أهلاً كويس إنك جيت بما إن جوزك وصل يبقى مهمتي خلصت خليه هو يكمل معاكي بقى."
ضحكت نسرين وهي تأخذ منه الكتاب.
"إيه يا حسين زهقت من ساعتين مذاكرة بس؟"
هز حسين رأسه بجدية مازحة وهو يتجه نحو ابنه.
"ساعتين إيه بس؟ أنا أصلاً زهقان منه في الجامعة، مش هيبقى في البيت وفي الجامعة كمان! كفاية عليا أشوف الوش ده هناك كل يوم."
ابتسم أكمل لوالده الذي ربت على ظهره بقوة، ثم نظر إلى صبر التي كانت تنظر إليه بخجل وسعادة، وعيناها تلمعان بامتنان. لم يقل شيئاً لكن نظراته كانت تحمل كل الكلام كانت تقول لها "شكراً". شكراً لأنكِ جلبتِ هذه الحياة إلى بيتنا، وشكراً لأنكي أصبحتي جزءاً من هذه اللوحة الجميلة.
تقدم نحو الطاولة وأخذ كوب العصير الذي تركه والده وجلس في مكانه بجوار صبر. نظر إلى الكتاب المفتوح ثم إليها وقال بابتسامة هادئة.
"ها واقفين عند أنهي مادة؟"
كانت لحظة بسيطة لكنها كانت تعني كل شيء. كانت إعلاناً صامتاً بأن هذا البيت بكل من فيه، قد وجد أخيراً إيقاعه الخاص من السعادة والتناغم.
***
كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على حديقة البيت الفسيحة عندما توقفت سيارات عائلة الرفاعي أمام البوابة الكبيرة. نزل منها وهدان الجد بشموخه المعهود، يتبعه سالم وحامد وسند ومالك.
كان جاسر في انتظارهم عند مدخل المضيفة يقف بثقة وهيبة لكن عينيه كانتا تحملان ترحيباً حقيقياً. ما إن رأوا بعضهم حتى ساد صمت قصير صمت يحمل في طياته تاريخاً من الصراع لكنه اليوم يُطوى ليبدأ فصل جديد.
تقدم وهدان أولاً ونظر في عيني جاسر مباشرة نظرة فاحصة وقوية ثم ابتسم ابتسامة خفيفة ومد يده.
"مبروك يا ولدي."
صافحه جاسر بحزم واحترام.
"الله يبارك فيك يا چدي البيت نور بوچودكم."
تبادل التحية مع سالم وحامد، ثم جاء دور سند صافحه جاسر بحرارة وقال بنبرة صادقة.
"مبروك على المولود يا سند يتربى في عزك."
رد سند بابتسامة هادئة.
"الله يبارك فيك وألف مبروك."
جاء دور مالك الذي ابتسم له كإبن عمته وعديله وليس شيء آخر.
"مبروك يا جاسر الف مبروك شكلك رايج ومبسوط."
رد جاسر بترحيب.
"الله يبارك فيك، أكيد رايج يا مالك اتفضل."
كانت جملة بسيطة لكنها كانت بمثابة اعتراف بأن كل شيء قد انتهى، وأن السعادة قد وجدت طريقها للجميع.
جلسوا جميعاً وبدأت القهوة تُقدم كان الجو في البداية رسمياً بعض الشيء، لكن سرعان ما بدأ سالم في الحديث عن الأراضي والمحاصيل، وبدأ وهدان يروي حكاية قديمة وبدأ الجليد يذوب تماماً. كان جاسر يستمع باهتمام يشارك في الحديث ويضحك أحياناً. كان رجال العائلتين يجلسون معاً، لا كأعداء سابقين بل كأنساب جدد، يجمعهم الآن رابط أقوى من أي ثأر... حبهم لنغم.
في الصالون الداخلي للنساء...
في الداخل كانت الأجواء مختلفة تماماً. كانت صاخبة مليئة بالضحك والزغاريد الخافتة.
ما إن دخلت ليل وروح ووعد والبقية حتى استقبلتهن ونس بالأحضان والقبلات الحارة.
كانت نغم تقف في وسط الصالون ترتدي العباءة البيضاء التي أهداها لها جاسر، وتبدو كأميرة حقيقية. عانقت والدتها عناقاً طويلاً وهمست ليل في أذنها.
"وشك منور يا جلب أمك باين عليه حاطك في عينيه."
ثم جاء دور روح التي عانقتها بقوة وهمست بمرح.
"العباية دي چميلة أوي يا نغم هتنطج عليكي."
ضحكت نغم، ثم احتضنت وعد التي كانت تنظر إليها بسعادة غامرة.
"ألف مبروك يا نغم، فرحتك بالدنيا كلها."
جلست النساء جميعاً وكانت ونس تتصرف كأم حقيقية للجميع، تقدم الحلوى والعصائر بنفسها، وتتحدث مع ليل كأنهما صديقتان قديمتان.
"البيت ده كان ضلمة من غيرها يا أم نغم ربنا يباركلك فيها، رجعت الروح للبيت ولابني."
كانت روح ووعد لا تتوقفان عن ممازحة نغم.
قالت روح وهي تغمز لها.
"ها لسة بتصحي بدري تساعدي طنط ونس في المطبخ؟"
ردت ونس بسرعة وهي تضحك.
"لأ ابني اللي بيصحى دلوجت يدور عليها في المطبخ."
انفجر الجميع في الضحك واحمر وجه نغم التي لم تجد ما تقوله.
كانت السعادة تملأ المكان سعادة ليل وهي ترى ابنتها معززة مكرمة في بيتها، وسعادة ونس وهي ترى ابنها قد وجد نصفه الآخر، وسعادة الأخوات وهن يرين بعضهن مجتمعات في الفرح بعد طول عناء. لم يكن هناك أي أثر للماضي الأليم، بل كانت هناك فقط بهجة الحاضر، وأمل المستقبل المشرق الذي يجمع العائلتين.
كانت ورد تتذكر ذلك المنزل الذي لم يتغير كثيراً فشعرت بها ونس وربتت على يدها بحنو.
"الباب اتفتح يا ورد مش هيكون ليكي حچة بعد إكدة."
ردت ورد الابتسامه.
"أكيد يا أم جاسر، ربنا يديم المحبة بينا."
بعد أن غادر أهلها والبيت يعج بصدى ضحكاتهم وبهجتهم، شعرت نغم بسعادة غامرة. توجهت إلى المطبخ حيث كانت ونس وسامية تقومان بترتيب الأطباق.
"أساعدكم في حاچة؟"
ابتسمت ونس بحنان ووضعت يدها على كتف نغم.
"مفيش حاچة تتعمل يا حبيبتي وبعدين عريسك فوج لوحده، روحي لچوزك ده زمانه بيعد الدجايج."
أصرت ونس عليها حتى استجابت نغم بخجل، وصعدت الدرج وقلبها يخفق بترقب.
فتحت باب الجناح بهدوء فوجدت جاسر يقف أمام خزانة الملابس، يغلق بابها للتو. كان يرتدي ملابسه المنزلية المريحة، وماسكاً في يده علبة قطيفة صغيرة داكنة اللون.
ما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة ساحرة، ابتسامة كانت مخصصة لها وحدها. اقترب منها بخطوات واثقة وكل نظرة من عينيه كانت تهمس بكلمات الشوق.
لم يقل شيئاً فقط أحاط خصرها بذراع ومال عليها ليطبع قبلة عميقة وحنونة على شفتيها، قبلة كانت تحمل كل ما شعر به من فخر وسعادة وهو يراها بين أهلها في بيته.
عندما ابتعد عنها قليلاً أسند جبينه على جبينها، وهمس بصوتٍ أجش.
"وحشتيني الشوية دول."
ذابت الكلمات في أذنيها وابتسمت بحب.
"وأنت كمان كنت مبسوطة جوي النهاردة يا جاسر. حسيت إن كل حاچة رچعت أحسن من لول."
مرر إبهامه برقة على خدها.
"ده مش هياچي حاچة چمب السعادة اللي هعيشّك فيها. كل يوم هصحى من النوم وهيكون كل همي إزاي أخليكي أسعد من اليوم اللي جبله. أنتي بجيتي النفس اللي بتنفسه يا نغم."
شعرت بقلبها يذوب من كلماته الصادقة ثم انتبهت للعلبة التي لا يزال يمسكها في يده الأخرى.
"إيه اللي في يدك ده؟"
ابتسم جاسر ابتسامة غامضة، ورفع العلبة بينهما.
"دي حاچة تخصك... ورجعت لصاحبتها."
فتح العلبة ببطء أمام عينيها.
في الداخل، على وسادة من المخمل كانت ترقد سلسلتها الذهبية الرقيقة تلك الذكرى الوحيدة المتبقية لها منه، والتي كانت قد فقدتها في بيت الجبل قبل أن تتركه وتعود لأهلها.
اتسعت عيناها بذهول وشعرت بالدموع تتجمع فيها فجأة رفعت نظرها إليه، وعيناها تسألان ألف سؤال.
"إنت... إنت لجيتها إمتى؟"
قال بهدوء وعيناه تلمعان بحب عميق.
"لجيتها في نفس اليوم اللي مشيتي فيه من بيت الجبل. لجيتها على الأرض چمب السرير. عرفت إنها وجعت منك."
مسحت دمعة هاربة قبل أن تنزل.
"طب... طب ليه مجولتليش؟ ليه مدتهاليش من وجتها؟"
"عشان كنت مستني الوجت المناسب. كنت مستني اليوم اللي أجدر أدهالك فيه وأنتي في حضني، مش وأنتي بعيدة عني وبعدين..."
أخرج السلسلة من العلبة وأمسكها بين أصابعه.
"بعتها للصايغ يكبرها شوية ويصلح الجفل بتاعها عشان لما تلبسيها تاني متجعش منك أبداً."
لم تعد قادرة على التحمل لم يكن مجرد عثوره على السلسلة هو ما أثر فيها، بل تفكيره العميق احتفاظه بها كل هذا الوقت وانتظاره للحظة المثالية وإصلاحها ليتأكد أنها لن تضيع مرة أخرى. كل هذه التفاصيل الصغيرة كانت تصرخ بحبه الذي لا حدود له.
لم تجد أي كلمات يمكن أن تعبر عما تشعر به، كل ما فعلته هو أنها ألقت بنفسها في حضنه ودفنت وجهها في صدره وعانقته بكل قوتها.
"بحبك... بحبك جوي يا جاسر."
شدد جاسر من احتضانها وشعر بأنه يمتلك العالم كله بين ذراعيه. لقد أعاد إليها ذكرى من والدها لكنه في المقابل فاز بقلبها إلى الأبد.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم رانيا الخولي
كانت قاعة الامتحان أشبه بساحة معركة صامتة بالنسبة لصبر. كانت الحرب داخلية، حرب ضروس بين عقلها الذي يحاول استدعاء المعلومات، وجسدها الذي بدأ يتمرد عليها بعنف.
بدأت بآلام خفيفة في الظهر، تجاهلتها بعناد معتبرة إياها مجرد إرهاق طبيعي كما يحدث كل مرة. لكن مع مرور الوقت، تحولت الآلام إلى طعنات حادة كسكاكين ملتهبة تغرس في أسفل ظهرها وتلتف حول بطنها.
عضت على شفتها السفلى بقوة حتى شعرت بطعم الدم المعدني في فمها.
كانت يداها ترتعشان وهي تمسك بالقلم، وكلمات الأسئلة بدأت ترقص أمام عينيها وتفقد معناها. لم يعد همها الإجابة بشكل مثالي، بل مجرد كتابة أي شيء، أي شيء يثبت أنها أكملت المهمة، أنها لم تخذل ثقة أكمل.
كانت كل دقيقة تمر بمثابة دهر من العذاب، وكل نفس تأخذه كان يخرج معه أنين مكتوم.
في الخارج كان أكمل أكثر من مجرد زوج ينتظر. كان حارساً سجيناً لقلقه. كان يسير ذهاباً وإياباً في الردهة وعيناه مثبتتان على باب القاعة المغلق، كأنه يستطيع اختراقه بقوة نظراته. كلما طال الوقت زاد شعوره بأن هناك خطباً ما. كان حدسه الذي تدرب لسنوات على الوثوق به في قاعات المحاكم يصرخ بأن هناك خطراً وشيكاً.
أخيراً انفتح الباب. رأى الطلاب يخرجون، لكن عينيه كانتا تبحثان عنها هي فقط. ثم رآها. كانت تسير ببطء شديد، تستند على الحائط، ووجهها شاحب بلون الموت ومغطى بطبقة لامعة من العرق البارد.
في تلك اللحظة توقف العالم بالنسبة لأكمل. انطلق نحوها كالسهم، ولم يكد يصل إليها حتى رأى ركبتيها تخونها وجسدها ينهار. التقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض وشعر بجسدها يرتجف بلا توقف.
"صبر ردي عليا! مالك؟!"
صرخ باسمها وصوته يرتجف بهلع لم يعرفه في حياته.
لم تستطع الرد. كل ما استطاعت فعله هو التشبث بياقة قميصه بأصابع متشنجة، بينما انطلقت صرخة ألم حادة ومكتومة من بين شفتيها، صرخة هزت كيانه. وصوت متهدج:
"الحقني يا أكمل....."
لم يعد هناك وقت للتفكير. حملها بين ذراعيه وشعر بخفة وزنها المقلقة وركض بها. لم ير أحداً في طريقه، لم يسمع دهشة الطلاب. كل حواسه كانت مركزة على هذا الجسد المتألم بين يديه.
وضعها برفق في مقعد السيارة وانطلق كالصاروخ. بيد واحدة على عجلة القيادة، والأخرى يمسك بها هاتفه ويتصل بوالدته والدكتور مجدي في آن واحد، وصوته المذعور يخبرهما بما حدث.
"صبر تعبانة أوي، شكلها المرة ولادة."
رد الدكتور مجدي بقلق:
"طيب اسبقني على المستشفي وأنا جيلكم حالا."
أغلق واتصل على والدته ليخبرها.
قالت نسرين بلهفة:
"اطمن يا حبيبي ان شاء الله هتقوم بالسلامة، أنا وباباك جايين حالا."
أغلق أكمل الهاتف وألقاه أمامه، ثم نظر لصبر التي كانت تضع يدها على بطنها وتكتم ألمها بشكل أرهق قلبه.
"معلش يا حبيبتي اتحملي، دقيقتين بالظبط وهنكون في المستشفى."
المسافة كانت قريبة، لكنه شعر بها أبعد ما يكون. كان يمسك يدها لا ليشعرها بالأمان، بل ليستمد منها الأمان الذي طغى عليه الخوف.
المستشفى كان دوامة من الفوضى المنظمة. ما إن وصل، حتى كانت والدته وفريق من الممرضين في انتظاره بالنقالة. وبعد دقائق بدت كأنها قرون في غرفة الطوارئ، نظر له الدكتور مجدي بوجه لا يبشر بالخير.
"للأسف مينفعش نستنى لحظة واحدة يا أكمل، ده تسمم حمل. الوضع خطر عليها وعلى الجنين لازم تدخل عمليات فوراً."
شعر أكمل بأن الأرض قد انشقت وابتلعته. وكيل النيابة القوي الذي يواجه عتاة المجرمين ببرود، شعر بأنه طفل ضائع. نظر إلى صبر التي كانت تتلوى من الألم على السرير، وتشبثت بيده كأنها طوق نجاتها الأخير.
"أكمل..." همست بصوت متقطع، وبالكاد يُسمع. "لو... لو جرالي حاجة... ابننا... أمانة في رقبتك."
شعر بسكين بارد يغرس في قلبه حتى مقبضه. انحنى عليها وقبل جبينها المبلل بالعرق محاولاً أن يزرع فيها قوة لا يملكها هو نفسه.
"هش... متقوليش كده! هتقومي بالسلامة وهتربي ابنك معايا. أنتِ قوية، وهتخرجيلي أنتِ وهو بألف خير سامعاني؟"
قالت برجاء يقطع نياط القلب، ودموعها تسيل على خديها.
"متسبنيش... خليك معايا جوه."
كان هذا الطلب هو الجحيم بعينه. فكرة أن يراها على طاولة العمليات، عاجزة بين أيدي الجراحين، كانت تفوق قدرته على التحمل. لكنه نظر في عينيها المذعورتين وعرف أنه لا يستطيع أن يخذلها.
"عمري ما هسيبك. أنا معاكي لآخر لحظة."
بعد دقائق معدودة كان يقف بجانبها في غرفة العمليات البيضاء المعقمة، وقد ارتدى ملابس معقمة فوق ملابسه. أمسك بيدها الباردة بقوة، بينما كانت الأضواء الساطعة فوق رأسه، والأصوات المعدنية الحادة للأدوات، وصوت الأجهزة الإلكترونية، كلها تتجمع لتصنع جواً من الرعب النقي. شعر بأنه ضعيف، عاجز، لا يملك من أمره شيئاً سوى أن يسلم روح حبيبته وطفله الذي لم يولد بعد إلى الله، ثم إلى أيدي هؤلاء الأطباء.
أغمض عينيه بقوة وبدأ يتمتم بآيات قرآنية ودعوات لم يكن يعرف حتى أنه يحفظها.
كانت كل ثانية تمر كأنها عام من العذاب. الوقت تجمد ولم يعد يسمع شيئاً سوى صوت دقات قلبه التي كانت تقرع في أذنيه كطبول الحرب. كانت نائمة مستسلمة وتركته هو في ذلك العذاب الذي لا يرحم.
كان الطبيب يشعر به وبحالته فكان يطمئنه باستمرار.
وفجأة، في خضم هذا الصمت المشحون بالتوتر، انطلق صوت بكاء حاد، قوي، مليء بالحياة والغضب والإصرار. فتح أكمل عينيه على الفور كأن صعقة كهربائية قد أصابته. لقد كان صوت ابنه.
في تلك اللحظة تبدد كل الخوف والرعب والقلق، وحلت محله موجة عارمة جارفة من الفرح النقي الذي أغرق روحه وجعله يترنح. رأى الممرضة وهي تحمل كائناً صغيراً يلوح بقبضتيه الصغيرتين في الهواء، ويصرخ معلناً وجوده للعالم.
وقبل أن يأخذوه إلى الحضانة، اقتربت الممرضة منه بابتسامة.
"مبروك يا سيادة الوكيل ولد زي القمر."
تردد أكمل للحظة، ثم مد يديه المرتجفتين وحمله. لم يصدق نفسه. كان ينظر إلى وجه ابنه الصغير، إلى شعره الأسود الكثيف، إلى أصابعه الدقيقة التي تتحرك بعشوائية، إلى فمه المفتوح وهو يبكي. شعر بحب فوري، ساحق، حب لم يكن يعرف بوجوده. نسي كل شيء. نسي ألمه وخوفه وغرق في ملامح هذا الصغير الذي هو قطعة منه ومن حبيبته. همس في أذنه:
"أهلاً بك في الدنيا يا بطل."
ثم أذن له بصوت خاشع.
لكن هذه اللحظة السماوية لم تدم طويلاً. قاطعه صوت الدكتور مجدي الجاد وهو يوجه حديثه للممرضات.
"جهزواها فوراً للنقل على العناية المركزة."
انتفض أكمل وعاد قلبه ليسقط من السماء السابعة إلى أعمق حفرة في الأرض. أعاد الطفل للممرضة بحركة آلية، واقترب من الطبيب بسرعة، وصوته عاد ليرتجف من جديد.
"عناية مركزة؟! ليه؟! في حاجة؟!"
وضع الدكتور يده على كتف أكمل ليطمئنه محاولاً أن يكون حازماً وهادئاً.
"اهدأ يا أكمل واسمعني. العملية نجحت وابنك بخير، لكن صبر نزفت شوية والضغط لسه مش مستقر. ده إجراء احترازي ضروري. هنحطها تحت الملاحظة الدقيقة والمستمرة لمدة 24 ساعة عشان نضمن إن كل وظائفها الحيوية رجعت لطبيعتها. ده أفضل وأأمن ليها."
تنفس أكمل الصعداء، لكنه كان نفساً ناقصاً، لم يملأ رئتيه بالكامل. بذرة القلق لم تذهب، بل نمت لتصبح شجرة مرعبة. لقد خرج ابنه إلى النور، لكن حبيبته والدة ابنه لا تزال تقاتل في معركة أخرى خلف جدار زجاجي.
وقف هناك في منتصف الردهة ممزقاً بين فرحته الأبوية التي لم تكتمل، ورعبه الشديد على روح حياته التي ترقد فاقدة للوعي معلقة بين الحياة والموت.
***
كانت أشعة الشمس الذهبية تودع الأفق، وتلقي بظلال طويلة دافئة على الطريق الصحراوي المؤدي إلى البلدة.
داخل السيارة كان الصمت مريحاً، لا يقطعه سوى صوت المحرك الهادئ وموسيقى كلاسيكية ناعمة تنبعث من الجهاز.
ألقت نغم رأسها على مسند المقعد وأطلقت تنهيدة عميقة. تنهيدة تحمل في طياتها كل إرهاق الشهور الماضية، وكل راحة الانتهاء من هذا الهم الكبير. لقد انتهت الامتحانات أخيراً.
التفت إليها جاسر وابتسامة حنونة تزين شفتيه. مد يده وأمسك بيدها، وشابك أصابعه بأصابعها.
"مبروك يا استاذة نغم."
ضحكت نغم ضحكة صافية وشعرت بأن جبلاً قد أزيح عن صدرها.
"الله يبارك فيك. مش مصدجة إني خلصت الترم الأول."
"أنا اللي مش مصدج إنك جدرتي تعمليها في وسط كل اللي حصل ده. بجد اثبتي انك جدها."
قالها بصدق وضغط على يدها برفق.
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مليئاً بالترقب. شعرت نغم بأن هناك شيئاً مهماً على وشك أن يقال.
وبالفعل بعد لحظات تحدث جاسر بصوت هادئ وجاد دون أن يرفع عينيه عن الطريق أمامه.
"دلوجت... بما إنك جربتي تخلصي لازم نجرر..."
قطبت نغم حاجبيها باستفهام.
"نجرر إيه؟"
"نجرر حياتنا اللي چاية هتكون فين."
التفت إليها للحظة وعاد لينظر إلى الطريق.
"أنا شغلي كله في القاهرة، وشقتي هناك چاهزة زي ما انتِ خابرة ومستنيانا بس... أنا عارف إن أهلك هنا وحياتك كلها كانت هنا عشان اكده، الجرار ده بتاعك أنتِ لوحدك."
نظر إليها مرة أخرى وعيناه تحملان كل الجدية.
"تحبي نرچع نعيش في القاهرة، ونبجى نزور البلد في الإچازات؟ ولا تحبي نخلي حياتنا الأساسية هنا في بيت الجبل وأنا أبجى أسافر كل فترة عشان أتابع الشغل؟"
فاجأها سؤاله. لم تكن تتوقع أنه سيمنحها حق الاختيار الكامل في قرار مصيري كهذا. لقد وضع حياته ومستقبله بين يديها.
صمتت للحظات طويلة تفكر. صورة حياتها في القاهرة مرت أمام عينيها. مدينة جميلة، حياة سريعة، شقة فاخرة. لكنها ستكون بعيدة بعيدة عن ضحكات روح، وعن حكمة والدتها وعن دفء عائلتها التي استعادتها بصعوبة.
ثم فكرت في والدته ونس المرأة الهادئة التي احتوتها بحب فاق حب الأم أحياناً. المرأة التي وقفت بجانبها في أصعب الظروف والتي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من شعورها بالأمان. هل تستطيع أن تطلب منها أن تترك بيتها وذكرياتها وتأتي لتعيش معهما في القاهرة؟ الإجابة كانت "لا".
نظرت إليه، وعيناها تلمعان بقرار واضح.
"هنا."
نظر إليها جاسر متفاجئاً بعض الشيء من سرعة وحسم إجابتها.
"هنا؟ أنتِ متأكدة؟ القاهرة فيها كل حاچة، حياة مختلفة تماماً."
هزت رأسها بابتسامة واثقة.
"أنا مش عايزة كل حاچة. أنا عايزة 'حاچاتي'. أنا عايزة أصحى الصبح أشرب الجهوة مع امي ونس في المطبخ، عايزة لما أحس إني مخنوجة، أركب العربية نص ساعة وأكون في حضن أمي أو بهزر مع روح. عايزة أحس إني لسه چنبهم."
ثم أصبحت نبرتها أكثر حناناً.
"ومامتك... أنا اتعلجت بيها جوي يا جاسر. مجدرش أطلب منها تسيب بيتها اللي عاشت فيه عمرها كله وتاچي معانا. مكانها هنا وأنا مكاني چنبها."
تأثر جاسر بشدة من كلماتها، ومن نضجها وتفكيرها في الجميع قبل نفسها. أوقف السيارة على جانب الطريق الخالي وأطفأ المحرك، ثم استدار ليواجهها بالكامل.
"أنتِ خابرة ده معناه إيه؟ معناه إني هضطر أسافر كتير، وممكن أغيب عنك يومين تلاتة كل أسبوع."
تعلقت بذراعه وأسندت رأسها عليه.
"وأنا هستناك كل مرة وهكون خابرة إنك بتعمل اكده عشاننا وهكون مطمنة إني مش لوحدي، إني وسط أهلي وأهلك."
لم يعد يستطع التحمل. أوقف السيارة جانباً واقترب منها، سحبًا إياها إلى حضن دافئ وقوي. وقبل جبينها بحب.
"كل يوم بتخليني أحبك أكتر. كل يوم بكتشف فيكي حتة جديدة أجمل من اللي جبلها."
ابتعد قليلاً لينظر في عينيها.
"أنا كنت مستعد أعيش معاكي في أي حتة تختاريها، حتى لو كانت في آخر الدنيا، بس اختيارك ده... أثبتلي إنك مش بس مراتي وحبيبتي، أنتِ روحي وعقلي اللي بيفكر صح."
انحنى وقبلها قبلة طويلة عميقة، تحمل كل الامتنان والحب والفخر. قبلة في هدوء الصحراء، تحت سماء بدأت تتلون بألوان الغروب.
شعر بصعوبة في الابتعاد عنها، لكن كان عليه أن يبتعد فهما على الطريق. همس على شفتيها.
"يبجى اتفجنا....بيتنا هيكون في الجبل وحياتنا هتكون هنا."
أومأت برأسها بسعادة وشعرت بسلام يغمر روحها. لقد اختارت، ليس فقط مكاناً، بل اختارت حياة. حياة هادئة، دافئة، محاطة بكل من تحبهم. ومع هذا الرجل الذي بجانبها كانت متأكدة أنها اختارت جنتها على الأرض.
***
لم يكن استيقاظاً، بل كان صعوداً مؤلماً من بئر سحيق من الظلام. بدأت صبر تطفو ببطء نحو سطح الوعي، مجذوبة بأصوات خافتة ومنغّمة. صوت صفير منتظم لجهاز، وصوت آخر أقرب وأكثر دفئاً، صوت كان همساً ودعاءً في آن واحد.
فتحت عينيها ببطء شديد، وشعرت بثقل هائل يجثم على جفونها. كان الضوء خافتاً والرؤية مشوشة. استغرقت ثواني لتدرك أنها ليست في غرفتها، بل في مكان غريب أبيض ومعقم، محاطة بأسلاك وأنابيب.
ثم قبل أن يستوعب عقلها ما يحدث، ضربها الألم. لم يكن ألماً عادياً. كان موجة حارقة، وحشية، انطلقت من منتصف جسدها وانتشرت في كل خلية. شعرت كأن جسدها قد تم تمزيقه ثم إعادة خياطته بخيوط من نار. انطلقت من حنجرتها شهقة حادة، وتجمعت الدموع الحارقة في عينيها قبل أن تسيل على صدغيها.
"أ..كـ..مل...!"
في لحظة، كان هو بجانبها. كان أكمل جالساً على مقعد بجوار سريرها. لم يغمض له جفن طوال الليل. كان وجهه شاحباً وعيناه محمرتين من قلة النوم والقلق، وذقنه تحمل ظلاً خفيفاً من اللحية. ما إن سمع شهقتها ورأى جسدها يتلوى حتى انتفض واقفاً وأمسك بيدها برفق وحنان كأنه يخشى أن يكسرها.
"صبر... حبيبتي... أنا هنا. أنا جنبك."
قالها بصوت مكسور يرتجف من الألم الذي كان يراه يعتصرها. كان كل أنين يصدر منها بمثابة سكين يغرس في قلبه هو.
نظرت إليه بعيون ضائعة، مليئة بالألم والارتباك.
"آآه... أكمل... ألم... شديد..."
همست بصوت متقطع بالكاد يُسمع.
شعر بعجز ساحق. عجز لم يشعر به في حياته. هو وكيل النيابة الذي يملك السلطة والقوة، يقف الآن مكتوف الأيدي لا يستطيع فعل أي شيء ليخفف من عذاب حبيبته.
"شش... اهدي يا روحي. ده طبيعي بعد العملية. هينادوا الدكتور حالاً. هيدوكي مسكن وكل حاجة هتبقى كويسة."
ضغط على زر استدعاء الممرضة بقوة، ثم عاد لينحني عليها ويمسح دموعها بإبهامه برفق شديد.
"استحملي عشاني... عشان ابننا. أنتِ قوية يا صبر. أقوى واحدة أنا شوفتها في حياتي."
كانت كلماته محاولة يائسة لزرع القوة فيها، لكنه كان يشعر بأنه هو من ينهار. رؤيتها بهذا الضعف، بهذا الألم، كانت تمزقه من الداخل. كان يفضل أن يتحمل هذا الألم ألف مرة على أن يراها تتألم أمامه لدقيقة واحدة.
حاولت أن تتحدث مرة أخرى، لكن الألم كان أقوى. كل ما استطاعت فعله هو التشبث بيده بقوة، وكأنها تستمد منه القوة لتتنفس. كانت عيناها تتوسل إليه، تطلب منه أن يوقف هذا العذاب.
دخلت الممرضة بسرعة.
"حمد لله على السلامة يا مدام صبر."
أومأت لها صبر ولم تستطع الرد عليها. بدأت في تجهيز حقنة مسكن. نظر إليها أكمل برجاء.
"بسرعة أرجوكي. هي بتتألم أوي."
أومأت الممرضة بتفهم وحقنت المسكن في المحلول المعلق.
"دقايق يا فندم والمسكن هيبدأ يشتغل وهترتاح."
لكن هذه الدقائق بدت لأكمل كأنها دهر. ظل واقفاً بجانبها ممسكاً بيدها، يهمس في أذنها بكلمات حب وتشجيع، ويقرأ عليها آيات قرآنية بصوت خافت. كان يشعر بكل تشنج في جسدها، وكل شهقة ألم تخرج منها وكأنها تصيبه هو.
ببطء بدأ مفعول المسكن يسري. وبدأت عضلات جسدها ترتخي تدريجياً وهدأ تنفسها المتقطع، وبدأ الألم الحاد يتحول إلى وجع خافت ومحتمل. أغمضت عينيها بإرهاق لكنها لم تترك يده.
"ابننا..." همست بصوت متعب. "متقلقش هو كويس؟"
انحنى أكمل وقبل جبينها قبلة طويلة، وشعر براحة تغمره لأنها بدأت تسأل.
"كويس زي القمر ومستنيكي تقومي بالسلامة عشان تشوفيه."
ابتسمت ابتسامة باهتة، بالكاد ظهرت على شفتيها.
"عايزة أشوفه."
"هتشوفيه أوعدك. أول ما تخرجي من الاوضة دي هجيبهولك بنفسي. بس دلوقتي ارتاحي."
ازدردت جفاف حلقها بصعوبة.
"خليك..... جانبي..... متسيبنيش..."
"مش هسيبك لحظة واحدة."
ظل يمسح على شعرها بحنان حتى استسلمت للنوم مرة أخرى بفعل المسكن، نوماً هادئاً هذه المرة خالياً من الألم. لكن أكمل ظل جالساً في مكانه ينظر إلى وجهها الشاحب وقلبه يعتصر. لقد مرت العاصفة الأولى، لكنه كان يعلم أن الطريق للشفاء لا يزال طويلاً، وأقسم في تلك اللحظة أنه سيكون ظلها وسندها وممرضها حتى تعود إليه صبر التي يعرفها، قوية، وعنيدة، ومليئة بالحياة.
***
كانت شمس الصباح قد بدأت ترسم خيوطها الذهبية على شرفة غرفة مالك وروح. كانا يجلسان معاً، يحتسيان القهوة في صمت مريح، يستمتعان بلحظات الهدوء قبل أن يبدأ صخب اليوم. رن هاتف مالك فابتسم ما إن رأى اسم المتصل.
"أكمل باشا... ألف ألف مبروك يا صاحبي. يتربى في عزك يا رب."
قالها مالك بصوت مليء بالفرح الصادق.
على الجانب الآخر، كان صوت أكمل يحمل مزيجاً من الإرهاق والسعادة.
"الله يبارك فيك يا مالك. عقبال ما تشوف اللي انا شايفه."
اقتربت روح من مالك بفضول وفرحة، فلف مالك ذراعه حول خصرها وقربها منه، ثم طبع قبلة حنونة على جبينها وهو يكمل حديثه مع أكمل.
"روح جنبي وعايزة تباركلك أنت وصبر."
"طب ثانية واحدة..."
نظر إلى صبر فوجدها تفتح عينيها دلالة على استيقاظها. مال على صبر وقال بحنان.
"صبر... حبيبتي... مالك وروح على التليفون عايزين يباركولك."
أومأت له وقد بدأت تسترد وعيها كاملاً، فأعطى أكمل الهاتف لها. ومازال يبدو عليها الوهن الشديد رغم مرور يومين على الولادة. أخذت الهاتف بيد مرتعشة، ووضعته على أذنها.
سمعت روح تقول بصوت عالي ومتحمس والفرحة تملأ نبرتها.
"مبروك يا صبر ألف ألف مبروك يا حبيبتي. حمدلله على سلامتك."
جاءها صوت صبر من الطرف الآخر، لكنه لم يكن كما توقعته. كان صوتاً خافتاً ضعيفاً وبالكاد يُسمع، وكأنه قادم من بئر عميق.
"الله... يبارك... فيكي... يا روح."
شعرت روح بقبضة باردة تعتصر قلبها. اختفت حماستها فجأة، وحل محلها القلق.
"مالك يا صبر؟ صوتك تعبان أوي. أنتِ كويسة؟"
"الحمد... لله كويسة... بس... تعبانة شوية."
كانت كل كلمة تخرج منها بمجهود واضح، كأنها ترفع حجراً ثقيلاً.
أخذ أكمل الهاتف منها برفق عندما رأى الإرهاق على وجهها.
"معلش يا روح هي لسه تعبانة شوية من العملية."
حاولت روح أن تخرج صوتها طبيعياً وتخفي ذلك الخوف الذي تمكن منها.
"انا فاهمة. حمد لله على سلامتها، وألف مبروك."
"الله يبارك فيكي وعقبالك. سلميلي على مالك."
"حاضر... يوصل حمدلله على سلامتها مرة تانية، وخلي بالك منها."
قالتها روح، وصوتها أصبح أكثر جدية وقلقاً.
أغلقت الخط وظلت تنظر إلى الهاتف في يدها بشرود. اختفت ابتسامتها وحلت محلها ملامح القلق الواضح.
لاحظ مالك تغيرها المفاجئ. وضع فنجانه وأمسك بيدها.
"في إيه؟ مالك؟"
نظرت إليه بعيون قلقة.
"صوتها... صوتها تعبان جوي يا مالك، بتتكلم بالعافية. أنا خايفة عليها شكلها مش كويس خالص."
تنهد مالك وسحبها لتجلس أقرب إليه، واحتضنها ليطمئنها.
"اهدي يا حبيبتي ده طبيعي."
"طبيعي كيف؟ هي صوتها بيجول إنها بتتألم."
"ما هو ده اللي لازم تفهميه. حالة صبر غير حالتك خالص. أنتِ ولادتك الدكتورة أكدت انها هتكون طبيعية وفي معادها ان شاء الله، إنما صبر حالتها كانت صعبة من الأول، والدكتور ولدها في الشهر الثامن عشان ينقذها هي والطفل. عمليتها كانت طارئة وخطيرة. طبيعي جداً إنها تكون تعبانة ومجهدة بالشكل ده. جسمها لسه بيتعافى من صدمة كبيرة."
كانت كلمات مالك المنطقية والهادئة كبلسم لقلقها. لم تفكر في الأمر من هذه الزاوية.
"يعني... يعني هي هتبجى كويسة؟"
"هتبجى زي الفل إن شاء الله. أكمل جنبها، وولدته دكتورة ومتابعة كل حاچة. الموضوع محتاچ شوية وجت وصبر بس."
أومأت برأسها وشعرت ببعض الراحة. لكن رغم تطمينات مالك، ظل صوت صبر الضعيف يرن في أذنيها وظلت بذرة القلق موجودة في قلبها. تدعو في صمت أن تمر هذه الفترة الصعبة على خير وأن تستعيد صديقتها عافيتها بسرعة.
***
كانت غرفة المستشفى قد تحولت إلى ملاذ صغير من الدفء والاهتمام. لم يتركها أكمل لحظة واحدة. كان يجلس بجانبها يقرأ لها بصوت هادئ أو يمسح على شعرها أو يكتفي بالصمت. مجرد وجوده كان كافياً ليمنحها شعوراً بالأمان. كان قد تعلم كيف يحركها برفق شديد عند الحاجة وكيف يتوقع احتياجاتها قبل أن تنطق بها.
في وقت الغداء انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخل حسين ونسرين يحملان أكياساً تفوح منها رائحة الطعام البيتي الشهي. كانت ابتسامتهما دافئة وعيونهما تحمل كل الحب والاهتمام.
"السلام عليكم يا أبطال."
قال حسين بصوت مرح وهو يضع الأكياس على الطاولة.
اقتربت نسرين من صبر وانحنت لتقبل جبينها بحنان.
"عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟ شكلك أحسن."
ابتسمت صبر ابتسامة باهتة.
"الحمد لله يا ماما أحسن."
"طب يلا عشان تاكلي. أنا عملالك شوربة هتخليكي تبقي زي الحصان."
قالتها نسرين وهي تفتح الأوعية، وتسكب الشوربة الساخنة في طبق.
لكن ما إن حاول أكمل أن يساعد صبر على الاعتدال في جلستها، حتى تمسكت بالملاءة بأصابع متشنجة، وقالت بخوف.
"لأ... لأ بلاش. أنا كويسة كده."
نظر إليها أكمل بحنان.
"يا حبيبتي لازم تاكلي عشان تقدري تقومي."
قالت بصوت خافت وعيناها تترجى أن يتركها.
"مش قادرة أتحرك. كل حركة بتوجعني."
هنا تدخل أكمل بحزمه الممزوج بالحنان.
"مفيش حاجة اسمها مش قادرة."
ثم نظر إلى والدته.
"هاتي الطبق يا أمي."
انزلق أكمل برفق على السرير خلف صبر ثم رفعها بحركة بطيئة ومدروسة، كأنه يحمل أثمن جوهرة في العالم، حتى استند ظهرها بالكامل على صدره. لف ذراعيه حولها كحصن ليصبح هو مسندها.
"كده مرتاحة؟" همس في أذنها.
أومأت برأسها وقد شعرت بالأمان في حضنه.
أخذ أكمل طبق الشوربة من والدته، وبدأ يطعمها بنفسه ملعقة تلو الأخرى، بهدوء وصبر. كان ينفخ في الملعقة قبل أن يقدمها لها، ويمسح شفتيها بمنديل برفق بعد كل ملعقة.
كان حسين ونسرين يراقبان المشهد بابتسامة متأثرة. كانا يريان ابنهما القوي، وقد تحول إلى زوج حنون يغمر زوجته بحب ورعاية لا حدود لهما.
بدأ حسين في الحديث ليخفف من الأجواء.
"شوفتي الواد ابنك يا صبر؟ مش سايب الممرضات في حالهم كل شوية يصرخ عايز يرضع. شكله طالع مزعج لأبوه."
ضحكت صبر ضحكة خفيفة، لكنها كانت كافية لتضيء وجهها.
أكملت نسرين الحديث وهي تبتسم.
"وصورة طبق الأصل من أكمل وهو صغير. نفس الشعر الأسود، ونفس تقطيبة الحواجب لما بيعيط. كنت لسه بوري حسين صور أكمل وهو بيبي كأنهم توأم."
شعرت صبر بدفء يسري في قلبها. كانت هذه التفاصيل الصغيرة عن ابنها الذي لم تره سوى بالصور هي التي تمنحها القوة.
"بجد يا ماما؟"
"بجد يا قلبي. وهتشوفيه بنفسك قريب أوي. بس أنتِ شدي حيلك وكلي كويس عشان تقدري تشيليه وترضعيه."
استمروا في الحديث يصفون لها كل تفصيلة صغيرة عن طفلها وعن طفولة أكمل ويحكون لها مواقف مضحكة. تحولت الغرفة من مكان للألم إلى جلسة عائلية دافئة مليئة بالضحكات الخافتة والذكريات الجميلة. ولأول مرة منذ دخولها المستشفى شعرت صبر بأنها ليست مجرد مريضة، بل هي زوجة وأم، وابنة. شعرت بأنها تنتمي إلى هذه العائلة الجميلة التي تحيطها بالحب من كل جانب. وأدركت أن هذا الدفء، وهذا الحب هما أفضل علاج يمكن أن تحصل عليه.
***
كان المطبخ في بيت الجبل قد تحول إلى ما يشبه ساحة معركة. الدقيق يغطي أجزاء من الطاولة، وقطرات من الشوكولاتة تزين خد نغم بينما كانت هي تقف في المنتصف بكامل تركيزها، وعيناها مثبتتان على شاشة هاتفها المثبت على حامل صغير.
كان صوت الشيف في الفيديو يتردد في أرجاء المطبخ: "...وبعدين بنضيف البيض واحدة واحدة مع الخفق المستمر على سرعة متوسطة..."
أوقفت نغم الفيديو وأعادت المقطع للمرة الخامسة.
كانت سامية وونس تجلسان على الطاولة الصغيرة في زاوية المطبخ تراقبان المشهد بابتسامات مكتومة، كأنهما تشاهدان فيلماً كوميدياً.
قالت سامية بحنان وهي ترى حيرة نغم.
"يا ست نغم، خليني أنا أعملها لك هتطلع زي ما الكتاب بيجول."
هزت نغم رأسها بإصرار وعناد لطيف دون أن ترفع عينيها عن وعاء العجين.
"لأ يا سلمية لازم أعملها أنا بنفسي. دي أول مرة أعمل لجاسر حاچة في عيد ميلاده وعايزاها تكون مفاچأة مني أنا."
ثم التفتت إليهما بنظرة متآمرة وخفضت صوتها كأنها تكشف عن سر خطير.
"أوعوا حد فيكم يجوله أي حاجة! أنا عايزاه يتفاچئ بالليل. أنا خططت لكل حاچة. هنطفي النور أول ما يدخل وهنحط الشموع على التورتة..."
كانت تتحدث بحماس طفولي ولم تنتبه للظل الذي كان يقف عند مدخل المطبخ يراقبها بابتسامة واسعة وعيون تلمع بالحب والمكر.
كان جاسر قد عاد مبكراً وقاده صوت الشيف إلى المطبخ. وقف هناك لدقائق يستمتع بمنظر زوجته وهي غارقة في هذه الفوضى اللذيذة، ويستمع إلى خططها السرية. شعر بقلبه يفيض حباً. لم تكن مجرد تورتة، كانت دليلاً على حبها واهتمامها بالتفاصيل الصغيرة.
قرر أن يلاعبها. انسحب بهدوء تام كشبح دون أن يشعر به أحد وصعد إلى غرفته وكأنه لم ير شيئاً.
في المطبخ استمرت المعركة. بعد معاناة طويلة مع العجين والخفق والخبز، أخرجت نغم الكيكة من الفرن. ساد صمت ترقب... ثم تحول إلى خيبة أمل. كانت الكيكة... غريبة، هابطة من المنتصف ومحروقة قليلاً من الأطراف، وشكلها لا يمت بصلة للصورة المثالية على هاتف الشيف.
نظرت نغم إلى "إنجازها" الفني وشعرت بالإحباط يغمرها. لمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مخنوق.
"بظت... شكلها وحش جوي."
اقتربت منها ونس بسرعة وقالت بحنان.
"وحشة إيه بس؟ دي أول مرة تعمليها وطبيعي متطلعش مظبوطة من أول مرة. وبعدين المهم الطعم."
لكن نغم هزت رأسها بيأس.
"لأ أنا كنت عايزة تبجى حلوة من بره ومن جوه."
ابتسمت ونس ابتسامة مشجعة.
"طب وإيه يعني؟ نرمي دي ونعمل واحدة تانية. بس المرة دي أنا هعملها معاكي. إيدي على إيدك وأنا هجولك على أسرار المهنة وأوعدك هتطلع أحلى تورتة شافها جاسر في حياته."
رفعت نغم رأسها ونظرت إلى حماتها بامتنان.
"بچد؟"
"بچد يا جلبي. يلا شدي حيلك لسه ورانا تزيين وحركات لازم نبهره."
مسحت نغم دموعها وعادت روح الحماس إليها من جديد. لقد فشلت محاولتها الأولى، لكن بوجود هذه العائلة الدافئة بجانبها، شعرت بأنها تستطيع أن تفعل أي شيء، حتى لو كان صنع تورتة مثالية لرجل لا يزال يبتسم بمكر في الطابق العلوي، وهو ينتظر بفارغ الصبر "مفاجأته" التي لم تعد سرية على الإطلاق.
***
كانت التورتة هذه المرة ناجحة وبطبقات متساوية، مغطاة بكريمة الشوكولاتة اللامعة ومزينة بحبات الفراولة الطازجة التي رتبتها نغم بعناية فائقة. وقفت تتأملها بفخر وسعادة ولم تصدق أنها شاركت في صنع هذا الجمال.
اقتربت منها ونس وربتت على كتفها بحب.
"شوفتي؟ قلتلك هتطلع أحلى تورتة."
عانقت نغم حماتها بقوة.
"شكراً أوي لولاكي مكنتش عرفت أعمل أي حاچة."
ابتسمت ونس بحنان.
"المهم إنكم تبسطوا. ودلوجت اطلعي أوضتك عشان تچهزي وتستعدي جبل ما يرچع. خلي الاحتفال ده بتاعكم انتوا الاتنين بس. في أوضتكم. ده أول عيد ميلاد ليه وأنتِ معاه. خلوها ليلة متتنسيش."
أومأت نغم بامتنان وقبلت خد حماتها، ثم صعدت إلى غرفتها وقلبها يرقص من الفرح والترقب.
فتحت باب الغرفة بهدوء لتتفاجئ بجاسر يخرج من الحمام في تلك اللحظة. تجمدت للحظة ثم ابتسمت بسعادة وركضت نحوه.
"جاسر! أنت چيت!"
اقتربت منه ووقفت على أطراف أصابعها لتقبله قبلة سريعة على خده الأيمن، ثم قبلة أخرى على خده الأيسر.
"حمد لله على السلامة يا حبيبي. چيت ميتى؟"
نظر إليها جاسر بابتسامة جانبية ماكرة وعيناه تلمعان.
"لسه واصل حالاً."
ثم رفع حاجبه وهو يمسح على خده.
"بس هي دي بوسة حمد لله على السلامة؟"
وقبل أن تستوعب سؤاله انحنى وخطف شفتيها في قبلة عميقة شغوفة جعلتها تنسى كل الخطط والمفاجآت للحظات. كانت قبلة تحمل كل ترحيبه الخاص بها.
بعد فترة ابتعد عنها ببطء تاركاً إياها تتنفس بصعوبة ووجنتاها متوردتان. واصل مكره وابتعد عنها متجهاً إلى الدولاب وفتحه ليخرج قميصاً وبنطالاً رسمياً.
نظرت إليه بحيرة وقلق.
"أنت... أنت رايح فين؟"
أجابها بهدوء وهو يرتدي ملابسه متظاهراً بالجدية التامة.
"عندي مشوار ضروري لازم أروحه واحتمال أتأخر."
اتسعت عيناها بصدمة وخيبة أمل ثم اقتربت منه بسرعة وأمسكت بذراعه.
"مشوار إيه دلوجت؟ لأ مش هتروح في حتة. لازم تفضل معايا النهاردة."
التفت إليها ورفع حاجبه بتساؤل مصطنع.
"وليه لازم أفضل معاكي؟ فيه حاچة معينة يعني؟"
تلعثمت نغم. لم تستطع أن تخبره عن المفاجأة. حاولت أن تجد أي سبب، أي حجة.
"عشان... عشان..."
رأى حيرتها فاستمتع باللحظة. وسألها بخبث.
"عشان ايه جولي."
اقتربت منه أكثر وغيرت نبرتها إلى الدلال الأنثوي الذي تعرف أنه نقطة ضعفه. لفت ذراعيها حول رقبته ونظرت في عينيه مباشرة.
"عشان الليلة حلوة... وأنا عايزاك تسهر معايا."
توقف جاسر عن ارتداء ملابسه، وابتسامة نصر ماكرة ارتسمت على شفتيه. لقد وقعت في فخه.
"اممم... أسهر معاكي؟"
مرر يده على خصرها وقربها منه أكثر.
"والموضوع ده ملهوش مقابل؟"
قطبت حاجبيها باستغراب.
"مقابل؟ مقابل إيه؟"
لم يجب. بدلاً من ذلك أمال رأسه قليلاً وغمز بعينيه وهو ينظر نظرة سريعة ذات مغزى نحو السرير الكبير.
فهمت تلميحه على الفور. كتمت ضحكة كادت أن تفلت منها وضربته على كتفه ضربة خفيفة.
"أنت وقح!"
ضحك جاسر بصوت عالي ضحكة رجولية عميقة هزت الغرفة.
"وقح عشان بطلب حجي من مرتي؟"
"مش بتفكر غير في الحاچات دي."
قالتها وهي تحاول أن تبدو غاضبة، لكن عينيها كانتا تضحكان.
عانقها بقوة ودفن وجهه في عنقها وهو يهمس.
"ولما تكون مرتي بالچمال ده تفتكري ممكن أفكر في حاچة تانية؟"
ثم ابتعد لينظر في عينيها بمكر.
"ها... جولتي إيه؟ أكنسل المشوار الضروري چداً ده... ولا معنديش مقابل يشچع؟"
نظرت إليه وقد استسلمت تماماً لجاذبيته وخفة دمه. لقد كان بارعاً في تحويل أي موقف إلى لعبة لذيذة بينهما.
"ماشي... بس بشرط."
"أؤمري."
"تسهر معايا الأول... وبعدين تاخد المقابل بتاعك."
ضحك مرة أخرى وقبلها على وجنتها.
"ده أحلى شرط سمعته في حياتي. موافج."
ابتسمت بسعادة وقالت بفرحة.
"طيب. أنا هدخل اخد شاور لحد ما سامية تخبط."
لم تلاحظ ما تفوهت به. لذا أراد هو التلاعب بها وهي تتجه للخزانة. الوقحة كما تلقبها.
"وهي سامية هتخبط ليه."
اغمضت عينيها بحنق من غباءها وقالت بكذب.
"اه هتخبط عشان تجبلنا العشا هنا."
أخذت الملابس وأسرعت للدخول الى المرحاض هاربة من حصاره.
***
كانت ليلة دافئة في منزل الرفاعي، والجميع مجتمعون في بهو المنزل الفسيح يتبادلون أطراف الحديث والضحكات. كانت الأجواء مريحة وهادئة، تعكس السلام الذي حط رحاله أخيراً على العائلة.
جلس مالك بجوار روح التي كان حملها قد أصبح ثقيلاً في شهره الأخير. كل بضع دقائق كان يميل نحوها ويهمس بصوتٍ خفيض لا يسمعه سواها.
"مرتاحة يا حبيبتي؟ عايزة حاجة؟"
وكانت هي في كل مرة تبتسم له ابتسامة هادئة، وتضع يدها على يده الموضوعة على ركبتها، وتهز رأسها مطمئنة إياه. كانت هذه اللفتات الصغيرة وهذا الاهتمام الصامت، عالمهما الخاص الذي بنياه وسط الجميع.
كانت ورد تراقبهما من بعيد. على قدر سعادتها الغامرة لروح التي تعتبرها ابنتها، وعلى قدر فرحتها باستقرار مالك الذي رأت في عينيه حباً لم تره من قبل، كان قلبها ينقبض بألم حاد. كل ضحكة، كل لمسة حنان بين زوجين كانت تذكرها بفراغها.
نظرت حولها فرأت وهدان سعيداً وسالم بجانبه وسند ووعد يتهامسان، ومالك وروح في عالمهما الخاص. كلهم سعداء، لكن ينقصهم عدي. لقد رحل عدي، ولم يترك لها حتى ذكرى حية منه. لم يترك لها طفلاً صغيراً يحمل ملامحه، طفلاً يعوضها عن فراقه ويهون عليها وحشة الأيام.
شعرت بغصة حارقة في حلقها وبأن دموعها على وشك أن تفضحها. لم تعد تحتمل البقاء في هذا الجو الذي آلمها. نهضت بهدوء ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة.
"تصبحوا على خير يا چماعة. هطلع أنام، حاسة إني مصدعة شوية."
لم يلحظ أغلب الحاضرين سبب انسحابها الهادئ، لكن سالم زوجها شعر بها. لقد رأى الانكسار في عينيها قبل أن تنهض، وشعر بثقل حزنها الصامت. انتظر لحظات ثم استأذن منهم بهدوء وصعد خلفها.
وجد باب غرفتهما مفتوحاً قليلاً، وسمع صوت بكاء مكتوم. دخل بهدوء فرآها تجلس على حافة السرير، وظهرها له وكتفاها يهتزان بعنف وهي تحاول أن تكتم شهقاتها.
تألم قلبه لألمها. اقترب منها وجلس بجانبها ووضع يده على كتفها برفق.
"ورد..."
رفعت وجهها إليه وكان غارقاً في الدموع. لم تعد قادرة على إخفاء حزنها أمامه.
"مالك يا ورد؟"
لم تستطع أن تخبي عليه. انفجرت في بكاء مرير، وقالت بصوتٍ متقطع يمزقه الألم.
"عدي... عدي وحشني جوي يا سالم. مش جادرة أصدج إنه راح خلاص. مات وسابني لوحدي بحسرتي عليه. بحاول... بحاول أكون قوية وأتأقلم، بس مش جادرة. كل ما أشوف اللي حواليا مبسوطين وهو غايب بحس بالنار في جلبي."
أخذت نفساً عميقاً وخرجت الكلمات التالية كأنها طعنة.
"كان نفسي... كان نفسي يسيبلي حتة منه. طفل يهون عليا اللي أنا فيه. بس حتى دي... روح محملتش منه."
نظر إليها سالم بحزن عميق، ثم تنهد تنهيدة طويلة وقرر أن يكشف لها سراً ثقيلاً.
"كانت هتحمل منه إزاي يا ورد... وهو ملمسهاش أصلاً."
توقفت عن البكاء فجأة ونظرت إليه بصدمة وعدم استيعاب.
"إيه؟ بتجول إيه؟ كيف ده؟"
قال سالم بهدوء وهو يختار كلماته بعناية.
"مالك حكالي يوم ما اتجوز روح اكتشف إنها لسة بنت. عدي... رفضها وجرحها."
اتسعت عينا ورد بصدمة أكبر وهمست.
"ليه؟ ... وليه مجالتش؟ ليه روح مجالتش حاچة زي دي؟"
هز سالم رأسه بإعجاب وأسى.
"عشان تحافظ عليه عشان متجللش منه في نظرنا حتى بعد ما مات. عشان تخليه في عيون أمه وأبوه راچل."
صمتت ورد تماماً وعقلها يحاول استيعاب هذه الحقيقة الصادمة. روح الفتاة التي ربتها على يديها تحملت كل هذا وحدها. تحملت رفض زوجها، ثم تحملت موته وحملت سراً كهذا لتحمي صورته أمامهم.
نظرت إلى سالم بعينين دامعتين، لكن هذه المرة كانت دموعاً مختلفة، دموع فخر وحب.
"مش غريب عليها. أنا اللي مربياها وخابرة أصلها الطيب."
في تلك اللحظة شعرت ورد بشيء من السلام. لقد كان حزنها على عدم وجود حفيد من عدي كبيراً، لكن معرفتها بأن ابنها، رغم كل شيء، لم يكسر روح بالكامل، وأن روح، رغم كل شيء، حافظت على شرف ابنها... كان في ذلك عزاء غريب ومؤلم، لكنه كان عزاءً على أي حال.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم رانيا الخولي
كان الليل هادئاً في سرايا الرفاعي والجميع يغط في نوم عميق.
لكن في غرفة مالك وروح كان الهدوء مختلفاً، كان هدوءاً دافئاً مشبعاً بالحب والمصالحة.
كانت روح نائمة بعمق في حضن مالك ويدها على بطنها المنتفخ قليلاً كأنها تحمي كنزها الثمين حتى في أحلامها.
لكن هذا السلام تمزق فجأة.
فتحت روح عينيها على ألم حاد غادر بدأ في أسفل ظهرها ثم زحف ببطء ليلتف حول بطنها كحزام من نار.
حبست أنفاسها وحاولت تغيير وضعية نومها على أمل أن يكون مجرد تقلص عابر.
أغمضت عينيها بقوة وهي تتمتم في سرها: "هيروح دلوج هيروح".
لكن الألم لم يذهب بل عاد مرة أخرى أقوى وأكثر قسوة.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها رغم حرارة جسدها.
حاولت أن تتنفس بهدوء لكن الألم كان يخطف أنفاسها.
لم تعد قادرة على التحمل، هذا ليس ألماً عادياً.
تحركت بضعف ووضعت يدها المرتجفة على كتف مالك الذي كان يغط في نوم عميق بجانبها.
"مالك."
لم يستيقظ، كان نومه عميقاً بعد ليالي من القلق والأرق.
هزته بقوة أكبر وصوتها خرج متقطعاً ومبحوحاً من الألم.
"مالك اصحى."
شعر مالك بالهزة وفتح عينيه ببطء ولا يزال في حالة ما بين النوم واليقظة.
"همم فيه إيه يا حبيبتي."
لكنه استيقظ تماماً عندما رأى وجهها في ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة.
كان وجهها شاحباً ومتغضناً من الألم وعيناها مليئتان بالدموع والخوف.
"روح مالك فيه إيه."
اعتدل في جلسته بسرعة البرق والقلق ينهش قلبه.
"بطني وضهري مش جادرة."
قالتها وهي تتلوى من موجة ألم جديدة ضربتها بقسوة.
"نادي... ناديلي أمي بسرعة."
لم يسأل أي سؤال آخر.
قفز من السرير كالملسوع وبدون حتى أن يفكر في ارتداء أي شيء فوق بنطال نومه انطلق خارج الغرفة حافي القدمين وقلبه يدق في حلقه بعنف.
ركض في الممر المظلم وفتح باب غرفة والدته بقوة دون أن يطرق.
"أمي أمى اصحي الله يرضى عليك."
انتفضت ورد من نومها مذعورة على صوته.
"مالك فيه إيه يا ولدي؟"
"روح روح تعبانة جوي."
لم تحتاج ورد لأكثر من ذلك.
نهض سالم بدوره.
"في ايه يا مالك."
ردت ورد بسرعة: "روح شكلها بتولد، جهز العربية لحد ما انادي ليل بسرعة."
دخلوا جميعاً إلى الغرفة ليجدوا روح تبكي بصمت وهي متمسكة ببطنها.
اقتربت منها ليل بسرعة وسألتها بجلج.
"مالك يا روح..."
تمتمت روح من بين بكاءها: "ألم شديد جوي مش جادرة اتحمله.."
قالت ورد بتعاطف: "اهدي يا روح يا حبيبتي خدي نفس واهدي.... الألم بييجي ويروح؟"
أومأت روح برأسها بصعوبة.
كان مالك يقف على الجانب الآخر يشعر بعجز تام يرى زوجته تتألم أمامه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.
كان وجهه شاحباً وعيناه زائغتين ويداه ترتجفان.
"هنعـمل إيه نوديها المستشفى؟"
قالت ورد وهي تربت على كتف مالك في محاولة لتهدئته: "اهدى يا مالك لسة بدري متجلجش."
قالت ليل والجلج الذي كان واضحاً في عينيها: "مش هنستنى لازم نروح المستشفى دلوج ورد ساعديني ألبسها حاچة تجيله عليها من البرد وأنت يا مالك غير هدومك بسرعة وشغل العربية."
تحرك الجميع.
ورد تساعد روح على ارتداء عباءة واسعة وليل تشعر بصعوبة في التحكم باعصابها من شدة خوفها على طفلتها.
ومالك يرتدي ملابسه بسرعة جنونية ويداه لا تكادان تطاوعانه.
كان يقف هناك الرجل القوي المهندس الذكي الذي لا يهزه شيء، لكنه الآن مجرد زوج خائف مرعوب من فكرة أن يفقد أغلى ما في حياته.
نظرت إليه ورد بحنان أموي.
"متخافش يا ولدي إجمد إكده إن شاء الله خير روح جوية وهتجوم بالسلامة."
لكن كلماتها لم تستطع أن تزيل الرعب من عينيه.
لقد حارب العالم كله من أجلها والآن عدوه هو ألم غامض لا يراه ولا يعرف كيف يحاربه.
وكل ما يستطيع فعله هو أن يكون بجانبها ويدعو من كل قلبه أن تمر هذه الليلة بسلام.
❈-❈-❈
في هدوء الفجر حيث كان الضوء الرمادي الخافت يتسلل عبر ستائر الشرفة، اهتز الهاتف على المنضدة بجانب السرير برنين متواصل ومكتوم.
فتحت نغم عينيها بنعاس وشعرت بجسدها دافئاً ومسترخياً.
التفتت لتجد جاسر نائماً بعمق بجانبها وجهه هادئ ومطمئن وذراعه ممتدة برفق بالقرب منها، كأنه حتى في نومه يحاول حمايتها.
مدت يدها بحذر وأمسكت بالهاتف، فرأت اسم "مالك" يضيء الشاشة.
انقبض قلبها على الفور بقلق حاد.
مالك لا يتصل في مثل هذا الوقت إلا لسبب طارئ.
نظرت إلى جاسر النائم ولم ترد أن يوقظه رنين الهاتف أو صوتها القلق.
بحركة بطيئة وحذرة أزاحت الغطاء الثقيل، ونهضت من السرير ثم خرجت من الغرفة على أطراف أصابعها وأغلقت الباب خلفها بهدوء تام.
وقفت في الصالة الفسيحة التي كانت غارقة في الظلال وأجابت بصوتٍ يملؤه القلق والهمس.
"ألو... مالك؟ خير؟ فيه حاچة؟"
جاءها صوته من الطرف الآخر متعباً لكنه يحمل نبرة من الفرح الخفيض.
"متخافيش يا نغم خير، روح ولدت من ساعة وچابت بنوتة زي الجمر. وهي... هي عايزة تشوفك."
في لحظة تبدد كل القلق وحلت محله موجة عارمة من السعادة النقية التي جعلتها تشهق بفرحة.
شعرت بالدموع تتجمع في عينيها دموع فرح خالصة.
"بجد؟! الحمد لله! الحمد لله وهي كيفها؟ زينة؟ طمني."
"كويسين الحمد لله هي في المستشفى دلوجت، بس هتخرچ اخر النهاردة إن شاء الله."
"أنا چاية حالاً مسافة السكة وهكون عندك متتحركوش من غيري."
أنهت المكالمة وظلت واقفة في مكانها للحظات تتنفس بعمق، تحاول استيعاب فرحتها.
لقد انجبت شقيقتها روحها.
شعرت بابتسامة واسعة وصادقة ترتسم على وجهها رغماً عنها.
لكن وسط هذه السعادة الطاغية، تسلل إلى قلبها شعور آخر... شعور دافئ وحالم حنين غريب لم تعرفه من قبل.
وضعت يدها على بطنها بشكل لا إرادي وبدأت تتخيل كيف سيكون شعورها حين تحمل طفلاً من جاسر؟
قطعة صغيرة تجمع بين ملامحها وملامحه، بين عنادها وقوته بين عينيها وعينيه.
ترى كيف ستكون فرحة جاسر حينها؟ هل ستلمع عيناه بنفس العشق الذي تراه فيهما الآن، أم أكثر؟
هل سيحمل طفله بنفس الحنان الذي يحيطها به، أم أن قلبه سيتسع ليصبح أباً حنوناً بشكل لم يتخيله أحد؟
لقد أصبح هذا الحلم فجأة هو أمنيتها الأغلى، هدفها القادم في رحلتها معه.
فجأة شهقت بخفة حين شعرت بذراعين قويتين تحيطان بخصرها من الخلف وشعرت بأنفاسه الدافئة على عنقها تلتها قبلة رقيقة وعميقة جعلت رعشة لذيذة تسري في كل جسدها.
جاء صوته الأجش كهمس في أذنها يحمل عتاباً حنوناً.
"إيه اللي جومك من چارى وسيباني لحالى؟ صحيت ملجتش ريحتك جلجت."
استدارت بين ذراعيه وابتسمت بحب وهي تنظر في عينيه التي كانت لا تزال تحمل آثار النوم، مما يجعله يبدو وسيماً بشكل خطير.
"صباح الخير لول."
ابتسم وقبلها قبلة صباحية سريعة لكنها عميقة.
"صباح النور على عيونك اللي مصحياني من أحلى نومة."
رفعت له الهاتف وقالت بفرحة لا تزال تملأ صوتها.
"روح ولدت چابت بنوتة، وبجيت خالة."
اتسعت ابتسامته على الفور ورأى السعادة الصافية تشع من وجهها كله.
"ألف مبروك يا حبيبتي ألف مبروك يا خالة تتربى في عزهم."
ثم قال على الفور دون تردد وكأن سعادتها هي أولويته المطلقة.
"لو عايزة تروحي لها دلوجت، يلا نلبس وأوصلك."
أومأت برأسها بحماس فتركها وتوجها ليغيرا ملابسهما بسرعة.
عندما نزلا إلى الطابق السفلي وجدا ونس قد استيقظت وبدأت في تجهيز الفطور مع سامية.
"صباح الخير على فين بدري اكدة؟"
قال جاسر وهو يقبل رأس والدته.
"روح أخت نغم ولدت وهوديها تباركلها في المستشفى."
أطلقت ونس زغرودة خافتة من فرط سعادتها، واحتضنت نغم بحرارة.
"ألف مبروك يا نغم، مبروك ما چاهم بس استنوا لازم تفطروا لول."
حاول جاسر الاعتراض قائلاً إن نغم تريد الذهاب بسرعة لكن ونس أصرت بحزمها الحنون.
"مفيش خروج من البيت ده على لحم بطنكم خمس دجايج بس تفطروا فيهم وجاسر يشرب جهوته وتروحوا الفرحة مبتاچيش على چوع."
استجابا لإصرارها وجلسا لتناول فطور سريع.
وبعد وقت قصير نهض جاسر وهو يقول: "جهز العربية لحد ما تخلصي."
نهضت نغم بدورها.
"انا كمان خلصت."
وفي غضون نصف ساعة توقفت سيارة جاسر أمام المستشفى.
قالت نغم وهي تفك حزام الأمان وقد عادت إليها بعض الرسمية.
"مش هتدخل معايا؟"
نظر إليها بهدوء وقرأ ما بين سطور طلبها.
"ده چَو عائلي كلهم هيكونوا هناك دي لحظة خاصة بيهم مش هيكون ليا مكان وسطهم خليكي براحتك معاهم."
حاولت إقناعه وفي صوتها رجاء.
"بس أنت بجيت من العيلة أنت چوزي أكيد هيفرحوا لو دخلت."
هز رأسه برفض لطيف لكنه حازم وفي عينيه حكمة لم تكن تتوقعها.
"هي فرحتهم بس فرحتهم ببتهم اللي ولدت مش عايز وجودي يلفت الانتباه أو يغير طبيعة اللحظة أني عندي مشوار ضروري لازم أخلصه هعدي عليكي بالليل آخدك خدي وجتك واشبعي منهم ومن بنت أختك."
قبل جبينها قبلة طويلة ثم راقبها وهي تنزل من السيارة وتدخل المستشفى بخطوات سريعة وسعيدة، وشعر بأن قراره كان صائباً.
لقد تعلم أخيراً أن الحب ليس فقط في الامتلاك والوجود، بل أحياناً يكون في الانسحاب قليلاً لمنح من نحب المساحة التي يحتاجها ليكون سعيداً.
❈-❈-❈
كانت غرفة روح في المشفى تشع بالدفء والحياة.
كانت روح مستلقية على السرير ويبدو عليها الإرهاق الممزوج بسعادة لا توصف ومحاطة بكل من تحب.
كانت روح تمسك بيد نغم بحبوك.
مالك يقف بجانب السرير يحمل طفلته الصغيرة بين ذراعيه بحذر وحب كأنه يحمل العالم كله.
كان يتأمل ملامحها الصغيرة وعلى وجهه ابتسامة بلهاء لم تفارقه منذ ولادتها.
"بصي يا نغم خدت نفس غمازات أمها."
كانت نغم تجلس على حافة السرير بجانب روح وتنظر إلى الطفلة بسعادة غامرة.
"لأ دي واخدة منك أنت عينيك يا مالك ربنا يحميها."
ضحكت ورد التي كانت تقف بجانب مالك وقالت بمرح.
"سيبكوا من كل ده المهم إنها حلوة."
ضحك الجميع في الغرفة وكان الجو مليئاً بخفة الدم والسعادة.
هذا هو بيت الرفاعي في أبهى صوره، عندما يجتمعون حول فرحة جديدة، وتذوب كل الخلافات في بحر من الحب.
دخل سند إلى الغرفة وهو يحمل صينية من القهوة ووزعها على الجميع ثم اقترب من المهد ونظر إلى الطفلة النائمة بسلام وهز رأسه بابتسامة ماكرة.
"لأ أنا جلبي مش مطمن البنت دي شكلها هتتعب عدي ابني من دلوجت."
ضحك الجميع من تعليقه وسأله مالك وهو يرفع حاجبه بمرح.
"ليه بجا إن شاء الله؟"
أشار سند إلى الطفلة النائمة وقال بجدية مصطنعة.
"يعني مش كفاية چمالها اللي هيطلع عينه ده، لأ وكمان چاية تتولد في عز الشتا، وجبل الفچر كمان دي بنت مزاجها صعب من اول يوم. الولد ابني هيشوف أيام عنب."
انفجرت نغم في الضحك وقالت.
"يا سلام! وأنت كنت عايزها تستأذن من سي عدي جبل ما تتولد ولا إيه؟"
رد سند وهو يغمز لوعد الواقفة بجانبه.
"على الأجل كانت تختار وجت مناسب، مش وجت عز البرد والنوم."
هنا تدخل سالم بصوته الهادئ والحاسم، وهو ينظر إلى سند نظرة ذات معنى.
"هو إحنا هنعيده من تاني؟ سيبوا العيال لحالها كل واحد بعد إكده يختار بنفسه اللي جلبه يرتاحله. كفاية اللي شفناه."
ساد الصمت للحظة، حيث فهم الجميع عمق كلمات سالم، ثم ابتسم الحاج وهدان وقال بصوتٍ جهوري يملؤه الفرح.
"سالم معاه حق زمن الجبر خلص زمنهم ده زمن الحب والاختيار المهم يكبروا ويبجوا سند لبعض زي ما أنتم طول عمركم سند لبعض."
اقترب مالك من روح وانحنى وقبل جبينها قبلة طويلة، ثم همس لها.
"مبروك يا حبيبتي جبتيلنا جمر ينور دنيتنا."
نظرت إليه روح بعينين تملؤهما الدموع والسعادة وقالت بصوتٍ خفيض.
"مبروك علينا يا مالك."
كانت لحظة عائلية مثالية ضحكات ومزاح وحكمة الكبار، وحب يملأ الأجواء.
كانت ولادة هذه الطفلة الصغيرة ليست مجرد إضافة جديدة للعائلة، بل كانت تتويجاً لعهد جديد من السلام والتفاهم وتأكيداً على أن جذور الحب التي زرعوها ستنمو وتزهر في الأجيال القادمة.
في المساء ووسط هذه الأجواء رن هاتف نغم نظرت إلى الشاشة وابتسمت.
"ده جاسر."
ردت عليه بسرعة وصوتها يقطر سعادة.
"أيوه يا حبيبي..."
لاحظ مالك المكالمة وبعد أن أنهت نغم حديثها السريع، سألها وهو يهز طفلته برفق.
"هو سيادة المستشار مجاش يبارك لعديله ليه؟ ولا هو مجاطعنا؟"
ضحكت نغم.
"لأ والله كان عنده مشوار مهم ولسه راچع البلد حالاً."
لم يقتنع مالك اقترب منها وفي حركة سريعة ومرحة أخذ الهاتف من يدها وأعاد الاتصال بجاسر.
"أيوه يا جاسر بيه... لأ أنا مالك... بجولك إيه، اطلع بارك لى خيك ومرته وبنت أخوك، وبطل بخل العواطف اللي أنت فيه ده مستنينك."
أغلق الخط قبل أن يسمع الرد وغمز لنغم التي كانت تضحك على تصرفه.
بعد دقائق قليلة طرق الباب فسمحوا له پالدخول، انفتح الباب ودخل جاسر.
لكن هذا لم يكن جاسر الذي تعرفه نغم في عزلتهما.
لم يكن الرجل الذي تذوب عيناه حباً وشوقاً لها.
هذا كان "جاسر التهامي" المحامي الرجل الذي تكسو ملامحه القوة والشموخ والاعتزاز بالنفس.
كانت نظراته حادة وخطواته واثقة وهالته تفرض احتراماً فورياً.
اقترب من السرير ونظر إلى مالك وروح.
"مبارك عليكم تتربى في عزكم."
رد مالك وروح بحفاوة.
"الله يبارك فيك عقبالكم."
أومأ لهم بابتسامة ثم أخرج من جيبة علبة مخملية وقدمها لروح.
"دي هدية صغيرة لـ....."
قالت نغم: "نورين."
حاول الابتسام فخرجت باهتة.
اقتربت منه ورد التي كانت تنظر إليه بسعادة وحفاوة.
"إزيك يا جاسر يا ابني."
مدت يدها لتسلم عليه فصافحها باحترام.
"يوم فرح نغم مالحجتش أسلم عليك ولا أباركلك ألف مبروك يا حبيبي، خللي بالك من بنتنا."
تلك المرة ظهرت ابتسامته صافية على وجهه وهو ينظر لعمته بحنين.
"نغم في عنيا متجلجيش."
كان جاسر يراقبهم جميعاً يرى مالك وهو يناول الطفلة لروح بحنان، ويرى نغم وهي تمسك يد أختها، ويرى ورد وهي تربت على كتف مالك بفخر.
رأى ترابطاً عائلياً حقيقياً دافئاً، لم يره في بيته قط.
في بيته لم يكن هناك سوى الرسميات، والمصالح ومؤخراً نظرات الحقد والكراهية الصريحة في عيني عمه.
شعر للحظة أنه غريب أنه دخيل على هذا العالم الدافئ.
بعد أن تبادل بضع كلمات أخرى، اقترب من نغم.
"يلا بينا؟"
نظرت نغم لروح باحراج.
"خليني مع روح شوية.."
قالت ليل برفض.
"لا يا نغم لازم تروحي مع جوزك.. متخافيش على روح كلنا معها واحتمال نروح كلنا دلوجت."
أومأت نغم برأسها عندما لاحظت نظرات جاسر الشاردة، وودعت الجميع بحب.
أخذ جاسر يدها، واستأذنا وغادرا الغرفة.
بينما كانا يسيران في الممر شد على يدها بقوة كأنه يستمد منها الدفء الذي رآه في تلك الغرفة.
لقد أدرك في تلك اللحظة أن نغم لم تكن مجرد زوجة، بل كانت جسره إلى عالم آخر عالم لم يكن يعرف بوجوده، عالم مليء بالحب الحقيقي الذي لا تشوبه المصالح.
❈-❈-❈
كانت رحلة العودة إلى بيت الجبل مختلفة هذه المرة، لم تكن هناك أحاديث دافئة أو ضحكات خافتة، كان جاسر يقود السيارة في صمت تام وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه لكن عقله كان يبحر في مكان آخر مكان مظلم وبعيد.
شعرت نغم بهذا الصمت الثقيل يضغط على صدرها حاولت كسره.
"جاسر... مالك؟"
لم يلتفت إليها بل أجاب بنبرة محايدة خالية من أي عاطفة.
"مفيش مجهد شوية من الطريج."
ثم أضاف كأنه يلقي بمعلومة عابرة.
"هسافر القاهرة بكرة الصبح، عندي شغل ضروري."
سكتت نغم لقد عرفت هذه النبرة هذا هو "جاسر التهامي" الذي قابلته أول مرة، الرجل الذي يرتدي قناعاً من الجليد ليخفي عواصفه الداخلية تعلمت أنه عندما يكون بهذه الحالة، لا فائدة من الضغط عليه.
لكن صمته تزامن مع أفكارها التي بدأت تعصف بها، مما جعلها تشعر بالوحدة أكثر.
كانت في أمس الحاجة إليه الآن ليس جاسر القوي الصامت، بل جاسر حبيبه.
منذ أن رأت "نورين" ابنة مالك الصغيرة والناعمة، استيقظ شيء بداخلها.
حنين جارف للأمومة وبدأ السؤال المرعب يطرق باب عقلها: لماذا لم تحمل حتى الآن؟
هل المشكلة فيها؟ هل لن تستطيع أن تنجب له طفلاً؟ وإذا كان هذا صحيحاً... ماذا سيفعل جاسر؟
هل حبه لها سيكون كافياً؟ أم أنه في يوم من الأيام... سيتزوج عليها ليحقق حلم الأبوة؟
هزت رأسها بعنف طاردة هذه الأفكار السامة من رأسها لا، جاسر ليس كأي رجل آخر.
عندما وصلوا أخيراً إلى بيت الجبل أوقف جاسر السيارة، لكنه لم ينزل على الفور نظر باتجاه الإسطبل المظلم.
"ادخلي أنتِ هطمن على بركان وأچيلك."
أومأت برأسها في صمت ونزلت من السيارة.
لم يكن يريد رؤية الحصان، بل كان يريد بضع دقائق أخرى من العزلة.
دخلت نغم إلى المنزل فوجدت حماتها ونس تنتظرها بابتسامة دافئة، لكن الابتسامة تلاشت فوراً ما إن رأت ملامح نغم الشاحبة وعينيها القلقتين.
"نغم؟ مالك يا بنيتي؟ فيكى إيه عاد؟"
لم تستطع نغم أن تخفي مخاوفها أكثر أمام هذه المرأة الحنونة التي أصبحت لها أماً ثانية انهار سد كتمانها.
جلست بجانبها وحكت لها عن كل شيء.
عن صمت جاسر وعن قلقها من تأخر الحمل، وعن خوفها من المستقبل.
احتضنتها ونس بحب أموي وربتت على ظهرها.
"يا حبيبتي كل دي أوهام، الحمل ده رزج من حدا ربنا، بياچي في وجته ساواعى عتيأخرهبابه من غير أي سبب. ده مش معناه إن فيكم حاچة وحشة لاسمح الله جاسر بيعشقك مستحيل يفكر في أي حاچة من اللي بتجوليها دي. هو بس أكيد فيه حاچة شغلاه في الشغل، وأنتِ عارفاه لما بيكون اكده."
هدأت كلمات ونس من روعها قليلاً.
جلستا تتحدثان حتى عاد جاسر حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه، وجلس معهما لبعض الوقت ثم استأذنا وصعدا إلى غرفتهما.
ما إن أغلق باب الغرفة خلفهما حتى تغير كل شيء.
اقترب منها جاسر وفي حركة سريعة وقوية جذبها إليه فى حضن عنيف، كأنه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
وبدون مقدمات دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحتها بعمق كغريق يتعلق بقشة نجاة.
تفاجأت نغم من قوة احتضانه، لكنها لفت ذراعيها حوله تحاول أن تهدئه.
ثم رفع وجهها وقبلها.
لم تكن قبلة حنونة كالتي اعتادتها كانت قبلة جائعة يائسة فيها حدة لم تحبها.
كانت قاسية ومتطلبة كأنه لا يقبلها بل يحاول أن يطبع ملكيته عليها، أن يؤكد لنفسه أنها هنا أنها حقيقية.
للحظة أرادت أن تصده أن تسأله عن سبب هذه القسوة المفاجئة.
لكنها رأت في عينيه ألماً عميقاً صراعاً لا تعرف عنه شيئاً.
فأدركت أن هذه ليست قسوة بل هي صرخة يأس صامتة.
فاستسلمت له وقررت أن تكون هي ملاذه حتى لو لم تفهم سبب عاصفته.
ومع مرور الوقت بدأت القسوة تخفت تدريجياً تحولت القبلات اليائسة إلى قبلات أكثر حناناً.
تحولت يداه التي كانت تمسك بها بقوة إلى لمسات رقيقة حائرة، تتفقد كل جزء من وجهها، عاد جاسر الذي تعرفه، الرجل الذي يغلف حبه لها بخوف من فقدانها.
لقد كانت ليلة غريبة بدأت بالصمت، ومرت بالخوف، وانتهت بعاطفة جياشة لكنها تركت في نفس نغم سؤالاً كبيراً: ما هو السر المظلم الذي يحمله جاسر في قلبه ويجعله يتحول من عاشق حنون إلى رجل يائس على حافة الهاوية؟
❈-❈-❈
كانت نغم مستلقية على صدر جاسر، تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة التي عادت إلى هدوئها بعد العاصفة.
كان ذراعه يلتف حولها بقوة كأنه لا يزال يخشى أن يفقدها.
كان يجب أن تشعر بالأمان المطلق، لكن صورة واحدة ظلت تتكرر في ذهنها ترفض أن تتركها بسلام.
صورة مالك وهو يحمل ابنته "نورين".
تذكرت نظرته تلك النظرة المليئة بالفخر والحب الخالص الذي لا يمكن تزييفه.
تذكرت سعادته وهو يتأملها كأنها معجزته الخاصة.
هذه الصورة أشعلت في قلبها حنيناً مؤلماً، وأيقظت كل مخاوفها التي حاولت دفنها.
لم تستطع الصمت أكثر رفعت رأسها قليلاً، وسألته بصوت خافت كأنها تخشى سماع الإجابة.
"جاسر... أنت... نفسك في طفل؟"
تغيرت نبرة جاسر على الفور.
انشغل بالحديث معها، كأنه يهرب من التفكير إلى هذا الأمر بالذات.
ولأول مرة منذ وقت طويل لم يلاحظ الحزن الخفي في صوتها، أو ربما تجاهله عمداً لانشغاله في أمر آخر.
"نفسي في طفل؟ يا نغم أنا نفسي في فريق كورة منيكى."
حاولت أن تبتسم لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها.
"بجد؟"
"بجد والله، نفسي في أطفال كتير يملوا علينا البيت ده، ستة... سبعة... اللي يچيبه ربنا المهم يكونوا منك أنتِ شبهك اكده، عشان أعرف أعيش."
كانت كلماته تهدف إلى التعبير عن حبه لها، لكنها سقطت على قلبها كالحجارة.
ستة أطفال وهو لا يعلم أنها حتى الآن لم تحمل في طفل واحد.
زاد قلقها أضعافاً مضاعفة شعرت ببرودة تسري في أوصالها.
تظاهر هو بالنعاس، وأعادها إلى حضنه وأغمض عينيه لكن النوم جافى عينيها تماماً.
ظلت مستيقظة طوال الليل والأفكار السوداء تدور في رأسها كدوامة لا نهاية لها.
عندما أذن الفجر تسللت من جانبه بهدوء توضأت وصلت ودعت ربها بقلب مثقل بالخوف.
بعد الصلاة لم تستطع العودة إلى الغرفة.
كانت تعلم أن ونس تستيقظ دائماً لصلاة الفجر وتظل مستيقظة بعدها.
توجهت إلى غرفتها ووجدتها كما توقعت، تجلس في الغرفة ومعها سبحتها ومصحفها.
ما إن رأت ونس وجه نغم الشاحب وعينيها المتورمتين، حتى أدركت أن ليلتها لم تكن هانئة.
"نغم؟ منمتيش يا بنيتي؟"
هزت نغم رأسها وجلست بجانبها، لم تعد قادرة على التحمل وحدها.
"أمي... أنا خايفة جوي."
سألتها ونس بقلق.
"خايفة من إيه يا بنيتي؟"
"جاسر... جاسر جالي انه نفسه في أطفال كتير وأنا... أنا لحد دلوجت محملتش، أنا خايفة يكون فيا حاچة تمنعني، خايفة مجدرش أچيبله الطفل اللي نفسه فيه."
ربتت ونس على يدها بحنان.
"يا حبيبتي ما إحنا اتكلمنا في الموضوع ده وجولنا ده رزج."
"خابرة والله بس أنا رايدة أطمن عايزة أجطع الشك باليقين، لازم أروح لدكتورة."
"طيب وفيها إيه؟ خدي جاسر معاكي وروحوا اطمنوا سوا."
قاطعتها نغم بسرعة.
"لأ... جاسر لأ."
نظرت إليها ونس باستغراب.
"ليه يا بنيتي؟ ده جوزك."
"مش عايزاه يعرف، يعني مش عايزاه يجلج معايا، ولو طلع فيا حاچة بچد... مش عايزة أشوف نظرة الخذلان في عينيه، هروح لوحدي لول."
فهمت ونس مخاوفها ورأت الإصرار في عينيها.
فكرت للحظة، ثم قالت بهدوء.
"خلاص جاسر هيسافر القاهرة الصبح بعد ما يمشي نروح أنا وأنتِ عند زينة بنت عمه هي دكتورة شاطرة ومحدش هيعرف حاچة. نطمن الأول وبعدين لكل حادث حديث."
شعرت نغم براحة طفيفة لم تعد وحدها في هذا القلق.
"بجد يا امي؟ هتاچي معايا؟"
"طبعاً يا حبيبتي هو أنا عندي كام نغم؟"
اتفقتا الاثنتان على الخطة.
ستنتظر نغم حتى يسافر جاسر، ثم ستواجه أكبر مخاوفها، على أمل أن تجد الطمأنينة التي تبحث عنها.
❈-❈-❈
بعد جلسة دافئة مع حماتها، صعدت نغم إلى جناحهما وقلبها يفيض بالسكينة.
كانت تتوقع أن تجد جاسر لا يزال نائماً، لكنها تفاجأت به واقفاً أمام المرآة الطويلة وقد ارتدى ملابسه بالكامل.
كان يرتدي قميصاً رسمياً داكناً وبنطالاً، مظهره يوحي بأنه يستعد للخروج لموعد هام.
اقتربت منه بابتسامة هادئة، ووضعت يدها برفق على ظهره.
"صحيت ميتى يا حبيبي؟"
لم يلتفت أمسك بفرشاة الشعر من على منضدة الزينة، وبدأ يمررها في شعره بحركة ميكانيكية خالية من أي مشاعر.
"لسة صاحي."
كانت إجابته مقتضبة حادة كشظية زجاج.
نبرة صوته كانت خالية من الدفء الذي اعتادت عليه، نبرة أعادتها بالذاكرة إلى أيام "جاسر" القديم، الرجل الذي كان يخفي كل شيء خلف جدار من الجليد.
اختفت ابتسامتها على الفور، وحل محلها جلج خفي.
اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه، تحاول أن تلتقط نظرة من عينيه في المرآة، لكنه كان يتجنب النظر إليها.
"جاسر... فيه حاچة؟"
أنهى تسريح شعره ووضع الفرشاة مكانها بقوة طفيفة غير مقصودة لكنها أحدثت صوتاً خافت في صمت الغرفة.
ثم استدار ليواجهها، وحاول رسم ابتسامة على شفتيه لكنها لم تصل إلى عينيه.
كانت عيناه تحملان ظلاً غامضاً عمقاً مقلقاً لم تره فيهما منذ زمن.
"مفيش يا حبيبتي صباح الخير."
مد يده ومسح على خدها لكن لمسته كانت شاردة، كأنه يفعلها بحكم العادة لا بحكم الشوق.
"شوية شغل بس جضية جديمة ورجعت فتحت تاني. متجلجيش."
لم تكن كلماته مطمئنة على الإطلاق.
"قضية قديمة"؟ أي قضية؟ هل لها علاقة بعائلتها؟ أم بعمه صخر؟ أم شيء آخر لا تعرف عنه شيئاً؟
حاولت أن تقرأ ما يدور في عقله، لكن وجهه كان قناعاً من الغموض المتقن.
لقد عاد ليبني الجدار بينهما، ليس جداراً من القسوة بل جداراً من الأسرار.
"شغل إيه اللي يخليك بالمنظر ده؟ شكلك كأنك شايل هم الدنيا كلايتها."
اقترب منها وقبل جبينها قبلة سريعة وباردة.
"جولتلك متجلجيش كل حاچة هتبجى زينة."
ثم التقط مفاتيحه وهاتفه من على المنضدة، واتجه نحو الباب.
"عندي مشوار ضروري احتمال أتأخر."
وقبل أن تتاح لها فرصة لسؤاله عن أي تفاصيل أخرى، كان قد خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
وقفت نغم في منتصف الغرفة، تشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى قلبها.
لم يكن هذا هو جاسر الذي نامت بجانبه الليلة الماضية.
لقد استيقظ رجل آخر رجل يحمل أسراراً ثقيلة، وعاد ليلعب لعبته القديمة في إخفاء أوراقه.
وشعرت بخوف لم تشعر به منذ زمن، خوف ليس منه بل خوف من المجهول الذي عاد ليطرق بابهما من جديد.
ما هي "القضية القديمة" التي يمكن أن تعيد الوحش النائم بداخل زوجها إلى الحياة مرة أخرى؟
ما إن انطلقت سيارة جاسر متجهة إلى القاهرة، حتى كانت نغم وونس تستعدان للخروج.
كان قلب نغم يخفق بعنف، ويداها باردتان كالثلج.
كل خطوة نحو السيارة كانت تزيد من توترها.
في الطريق لم تستطع نغم إخفاء قلقها.
"أنا خايفة."
ربتت حنان على يدها بحنان أموي.
"من إيه بس يا حبيبتي؟"
"من زينة، يعني... هي أخت شروق أكيد زعلانة عشان أختها، وممكن..."
قاطعتها ونس بابتسامة مطمئنة.
"زينة دي أنا اللي مربياها على يدي هي غير شروق وأمها خالص. عاقلة ومحترمة وعمرها ما تدخل شغلها في مشاكل شخصية، دي دكتورة جبل ما تكون أي حاچة تانية اطمني خالص."
هدأت كلمات ونس من روعها قليلاً، لكن القلق ظل ينهش قلبها حتى وصلوا إلى عيادة الدكتورة زينة.
كانت عيادة أنيقة وهادئة مما أراح أعصاب نغم بعض الشيء.
استقبلتهم زينة بنفسها عند الباب بابتسامة مهنية وترحاب حار، خاصة عندما رأت ونس.
"مرت عمي نورتي الدنيا."
عانقتها بحب واحترام ثم التفتت إلى نغم بابتسامة لطيفة.
"أهلاً يا نغم اتفضلوا."
لم يكن في نظراتها أي أثر للحساسية أو العداء، كانت تتعامل معها كمريضة لا كزوجة الرجل الذي تزوج على أختها.
هذا الاحتراف خفف من توتر نغم كثيراً.
بعد أن جلسوا، نظرت زينة إلى نغم نظرة ودودة.
"خير يا نغم؟ مرت عمي جالتلي إنك عايزة تطمني بس أنتم لسه عرسان جداد، ليه مستعچلة على الجلج ده كله؟"
أجابت نغم بصوت خافت وهي تفرك يديها بتوتر.
"مش استعجال والله يا دكتورة بس... عايزة أطمن بس مش أكتر."
أومأت زينة بتفهم.
"ولا يهمك ده حجك طبعاً خلينا نعمل كام فحص وتحليل، ونجطع الشك باليقين."
قامت زينة بعملها بمنتهى الحرفية أجرت الفحوصات اللازمة، وطلبت التحاليل، وتعاملت مع نغم برقة وهدوء مما جعل نغم تشعر بالراحة والثقة.
بعد فترة من الانتظار عادت زينة وهي تحمل نتائج التحاليل والأشعة جلست خلف مكتبها، ووضعت الأوراق أمامها ساد صمت متوتر في الغرفة، ونغم وونس تراقبان تعابير وجهها باهتمام شديد تحاولان قراءة أي إشارة قبل أن تنطق.
❈-❈-❈
كان صخر يجلس خلف مكتبه محاطاً بهالة من الشر المعتاد، لم يكن يقرأ أوراقاً أو يراجع حسابات بل كان عقله يعمل كآلة تخطيط دقيقة، ينسج خيوط مؤامرة جديدة.
كان الهدوء الذي يسبق العاصفة وهو يستمتع بهذا الهدوء قبل أن يطلق العنان لدماره.
فجأة اخترق هذا الصمت رنين حاد لهاتفه نظر إلى الرقم غير المسجل بلامبالاة، ثم أجاب بصوته الأجش.
"أيوة."
صمت للحظات وهو يستمع للطرف الآخر ببطء.
بدأت ملامحه تتغير، اختفت اللامبالاة وحل محلها تركيز حاد ثم انقبضت عضلات فكه، وظهر وميض خطير في عينيه.
"أنت متأكد من الكلام ده؟"
استمع مرة أخرى وعيناه تضيقان كعيني صقر رأى فريسته.
"مين اللي خبرك؟... تمام... تمام... اسمعني زين."
انحنى بجسده إلى الأمام ووضع مرفقه على المكتب وخفض صوته إلى همس مميت، همس يحمل أمراً لا يقبل الجدال.
"يبجى مش لازمن يوصل فاهم؟ بأي تمن وعلى أي وضع، لازمن تمنعه إنه يوصل. لو وصل... كل اللي خططناله هيروح على الفاضي اتصرف."
أغلق الخط بقوة وألقى الهاتف على المكتب.
ظل جامداً في مكانه لثواني وعقله يدور بسرعة ألف ميل في الساعة.
لقد حدث شيء لم يكن في الحسبان شيء يهدد بنسف كل خططه من أساسها.
في تلك اللحظة كانت شروق قد وصلت إلى باب مكتبه، وكانت على وشك أن تطرق الباب لتسأله عن شيء ما.
لكن يدها تجمدت في الهواء عندما سمعت نبرة والدها، ووصلت إلى مسامعها كلماته الأخيرة: "مش لازمن يوصل... اتصرف."
لم تكن بحاجة لسماع المزيد لقد عرفت تلك النبرة جيداً.
إنها نبرة والدها عندما يقرر التخلص من عقبة ما.
وفهمت على الفور أن هذه العقبة هي جاسر لا يوجد شخص آخر يمكن أن يثير كل هذا الخوف والغضب في نفس والدها.
تراجعت بهدوء وقلبها يدق بعنف، لم تعد تشعر بالغضب من جاسر بل شعرت بخوف حقيقي عليه.
مهما فعل بها مهما تجاهلها يظل ابن عمها الرجل الذي كبرت وهي تحلم به.
وفكرة أن والدها قد يؤذيه أثارت فيها رعباً لم تتوقعه.
عادت إلى غرفتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها، أمسكت بهاتفها بأصابع مرتعشة وبحثت عن اسم "جاسر" وضغطت على زر الاتصال.
رن الهاتف مرة اثنتين ثلاث... لكنه لم يجب ذهب الاتصال إلى البريد الصوتي.
حاولت مرة أخرى ورابعة.
نفس النتيجة.
كان اليأس يتسلل إلى قلبها، ربما يكون في اجتماع أو ربما لا يريد الرد عليها.
نظرت من نافذتها وشعرت بأن الوقت يمر بسرعة وأن كل دقيقة تأخير قد تكون قاتلة لم يعد هناك وقت للانتظار.
بعد كل ما فعله والدها، وبعد أن يئست من أن يكون جاسر لها، لم يعد يهمها شيء سوى سلامته.
اتخذت قرارها في لحظة لن تسمح لوالدها بإيذاء جاسر حتى لو كان هذا يعني أنها ستخونه وتقف في وجهه لأول مرة في حياتها.
ألقت نظرة أخيرة على هاتفها الصامت ثم ارتدت عباءتها بسرعة وتسللت خارج غرفتها، متجهة نحو باب المنزل.
ستذهب إليه بنفسها ستحذره حتى لو كان هذا هو آخر شيء ستفعله.
❈-❈-❈
كان يجلس في سيارته المتجهة إلى القاهرة يراجع أوراق قضيته الهامة لكن عقله كان في مكان آخر تماماً، كان في بيت الجبل مع نغم، ظلت صورتها ليلة أمس عالقة في ذهنه عيناها القلقتان صمتها الممزوج بالحزن سؤالها الخافت عن الأطفال وكيف أنه في خضم انشغاله وهمومه لم يمنحها الطمأنينة التي كانت تبحث عنها.
حتى لهجته معها في الصباح الذي حاول اخفاءها لكنه فشل وأخافها منه.
شعر بوخزة حادة من تأنيب الضمير.
كيف انشغل عنها إلى هذا الحد كيف لم يلاحظ أن هناك شيئاً عميقاً يؤرقها، لقد وعد نفسه أن يكون ملاذها وأمانها وها هو يتركها وحدها مع مخاوفها ويسافر.
في منتصف الطريق اتخذ قراره هذا الاجتماع هذه القضية كل شيء يمكن أن ينتظر لا شيء أهم من نغم.
رن هاتفه فنظر به ليجدها شروق.
لم يعيرها انتباه.
رن هاتفه مرة أخرى وكان مساعده على الطرف الآخر.
"جاسر بيه، الجلسة اتأجلت للأسبوع الجاي القاضي عنده ظرف طارئ."
كانت هذه هي الإشارة التي كان ينتظرها لم تكن مصادفة.
"تمام الغي كل مواعيد النهاردة وبكرة أنا راجع البلد."
أدار السيارة وعاد أدراجه بنفس السرعة التي انطلق بها وقلبه يخفق بشعور غريب، مزيج من القلق واللهفة كان عليه أن يصل إليها أن يعرف ما الذي يخفيه قلبها أن يطمئنها ويمحو كل تلك المخاوف من عينيها.
وأن يؤجل مشواره الهام إلى الغد.
وصل إلى بيت الجبل في وقت أسرع مما توقعه أي شخص، كان البيت هادئاً بشكل مريب لا صوت لنغم ولا لونس.
وجد "سامية" في المطبخ وما إن رأته حتى تجمدت في مكانها وارتبكت بشكل واضح.
"جاسر بيه، أنت رچعت ميتى؟"
نظر إليها جاسر بنظرة حادة وقد شعر على الفور أن هناك شيئاً خاطئاً.
"فين نغم وفين أمي؟"
تلعثمت "سامية" وحاولت اختلاق كذبة.
"هما هما راحوا مشوار عند..."
لم يمهلها جاسر فرصة لتكمل، اقترب منها خطوة وبنبرة صوت باردة وحاسمة جعلتها ترتعد قال.
"سامية.."
ارتجفت العاملة من نبرته.
"نعم يا بيه."
غمغم من بين أسنانه.
"أنا شكلي هادي؟"
"لأ يا بيه."
"طيب كويس عشان مش عايز أزعج اكتر من إكدة انطوجي وجولي راحوا فين."
انهارت مقاومة سامية تحت نظراته المخيفة وقالت بصوت مرتعش.
"راحوا راحوا عند الدكتورة زينة في العيادة."
سقطت الكلمات على مسامع جاسر كالصاعقة... زينة.... العيادة.
شعر بتوقف قلبه عن النبض وسألها بلهفة.
"ليه؟ في حاچة حوصلت؟"
ازدردت لعبها بوجل.
"لأ ه مفيش بس سمعت ست نغم بتجول رايحة عند زينة وخلاص، بس كانت كويسة."
ربط الخيوط في لحظة واحدة، قلقها ليلة أمس، سؤالها عن الأطفال ذهابها إلى طبيبة نساء في الخفاء ومع والدته.
لقد كذبت عليه، لقد أخفت عنه أمراً جللاً واستغلت سفره لتذهب من وراء ظهره.
لم يشعر بالغضب بل شعر بشيء أسوأ شعر بالخيانة، شعر بأنها لا تثق به وأنها تتعامل معه كغريب، تخفي عنه أسرارها ومخاوفها.
هذا الجرح كان أعمق من أي شيء آخر.
لم ينطق بكلمة أخرى استدار وخرج من المنزل بنفس السرعة التي دخل بها، ركب سيارته وانطلق بها كالسهم نحو عيادة زينة وفي عينيه عاصفة هوجاء وقلبه قد تحول إلى قطعة من الجليد، مستعداً لمواجهة لم يتخيل يوماً أنها ستحدث.
❈-❈-❈
نظرت زينة في الأوراق بتركيز، ثم رفعت رأسها ببطء وعلى وجهها تعابير غامضة لم تستطع نغم تفسيرها.
فتحت فمها لتبدأ الحديث...
وفجأة، انفتح باب العيادة بقوة، دون طرق أو استئذان.
انتفضت النساء الثلاث على أصواتهن، والتفتن نحو الباب في حالة من الصدمة.
كان يقف هناك.
جاسر.
لم يكن جاسر الحنون ولا العاشق ولا حتى المحامي القوي، كان شيئاً آخر.
كانت ملامحه جامدة كالصخر، وعيناه تقدحان بنار باردة نظرة لم ترها نغم في عينيه منذ عودتها إليه كانت نظرة رجل اكتشف خيانة لا تغتفر.
تجمد الدم في عروق نغم.
كيف؟ ماذا يفعل هنا؟ ألم يسافر إلى القاهرة؟
نظر جاسر إليهن جميعاً بنظرة واحدة فاحصة استقرت أخيراً على نغم.
لم ينطق بكلمة، لكن صمته كان أعلى من أي صراخ، وملامحه كانت تبشر بعاصفة لا قبل لأحد بها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم رانيا الخولي
كانت الشقة غارقة في هدوء الليل لا يقطعه سوى صوت أنفاس طفلهما النائم في غرفتهما.
كانت صبر تجلس على حافة السرير بينما كان أكمل يخلع ساعة يده ويضعها على المنضدة. كان يستعدان للنوم لكنه لاحظ أنها شاردة، وأن هناك ظلاً من القلق يكسو ملامحها الهادئة.
اقترب منها وجلس بجانبها ومرر يده على ظهرها بحنان.
"مالك يا حبيبتي، من ساعة ما قولتلك إننا هنسافر البلد بكرة عشان نبارك لمالك وروح وأنتِ مش على بعضك."
أخذت نفساً عميقاً كأنها تستجمع شجاعتها لتقفز من فوق حافة الهاوية. لم تعد قادرة على التحمل والصبر أكثر من ذلك.
"أنا أنا خايفة يا أكمل."
قطب جبينه بقلق.
"خايفة من إيه؟"
"خايفة أشوف أبويا."
زاد قلقه لكنه حاول أن يطمئنها.
"وأنتِ من إمتى بتخافي منه، أنا معاكي ومستحيل أسمحله يضايقك بكلمة واحدة."
هزت رأسها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها.
"الموضوع أكبر من إكده يا أكمل، فيه حاجات أنت متعرفهاش حاجات أنا خبيتها عليك عشان....عشان خايفة من رد فعلك."
أمسك بيديها ونظر في عينيها مباشرة بنظرة جادة وحنونة.
"صبر مفيش حاجة تخبيها عني، مهما كانت هنواجهها سوا احكيلي."
شعرت بالأمان في نظرته وبدأت تروي له القصة من بدايتها، القصة الحقيقية التي لم يعرفها أحد.
"فاكر زمان لما كنت بتنزل البلد عند جدك وأبويا كان شغال هناك؟"
أومأ أكمل وهو يسترجع ذكريات بعيدة.
"أيوه."
"وقتها كان بيلاحظ نظراتي ليك كان شايف اهتمامي حتى باسمك ولو من بعيد وفي يوم جه قالي 'إيه رأيك أشغلك عنده ده باين عليه غني وتقيل لو لفتي حواليه هتعملي مصلحة حلوة'."
اتسعت عينا أكمل بصدمة وغضب لكنه ظل صامتاً وتركها تكمل.
"أنا وجتها رفضت طبعاً وزعقت معاه، بس هو فضل يزن على دماغي ولما أنت اكتشفت إنه بيسرق جدك، هو مجاش قالي الحقيقة هو قالي إنك ظلمته، وإنك عشان تسامحه لازم أنا أروح أشتغل عندك في البيت وأخدمك لحد ما أسدد الدين اللي انت لفقّتهوله."
ضغط أكمل على قبضته بقوة وقد بدأ يفهم حجم الخداع الذي تعرضت له.
"أنا مكنتش أعرف إنه بيرميني ليك كطعم عشان يرجع يشتغل تاني، أو عشان يبتزك بيا بعدين كنت فاكرة إني بساعد أبويا المظلوم."
واصلت وصوتها يرتجف من ألم الذكرى.
"ولما لما اتجوزنا، بدأت لعبته الحقيقية بدأ يبتزني."
"كان بيقولي يا إما أسرقك وأديله الفلوس اللي هو عايزها يا إما هيروح يقولك إني كنت على علاقة مع واحد غيرك قبل الجواز، وإني ضحكت عليك عشان أتجوزك قالي 'زي ما كنت سبب في جوازك منيه هكون سبب في طلاقك'."
شعر أكمل بأن الأرض تميد به، كل هذا حدث تحت أنفه وهو لا يعلم شيئاً.
لقد أخبرته صبر بأنه هو من أجبرها على سرقته بالتهديد، وعندما رفضت أخبرها بأنه سيطلقها منه ويعيدها لعذابه، لكن لم تقل كل ذلك.
"وأنتِ ليه مقولتليش يا صبر، ليه سكتي على كل ده؟"
انفجرت في البكاء، بكاء مكتوم ومؤلم.
"عشان هو أبويا يا أكمل، مهما عمل هو أبويا مقدرتش أكسره قدامك، مقدرتش أجي أقول لجوزي وكيل النيابة إن أبويا حرامي وبلطجي، كنت بحاول أداري عليه وأبعده عني وأرفض طلباته على أمل إنه يزهق ويبعد."
تذكر أكمل الآن كل شيء، تذكر تلك الليلة التي سمعها فيها تتحدث معه.
"والمرة اللي سمعتك فيها لما كان بيهددك كان عايز إيه وقتها؟"
"كان عايزني أسرق مبلغ كبير من خزنتك ولما رفضت جالي الكلام اللي أنت سمعته، قالي إنه هياجي يفضحني عندك ويخرب بيتي، وقتها أنت دخلت وطردتني."
لم يستطع أكمل التحمل أكثر، جذبها إلى حضنه بقوة ودفن وجهه في شعرها وهو يشعر بغضب عارم من نفسه قبل أي شخص آخر.
كيف كان أعمى إلى هذا الحد، كيف حكم عليها بهذه القسوة دون أن يستمع للحقيقة.
"أنا آسف، أنا آسف يا صبر سامحيني."
تشبثت به وهي تبكي بحرقة كأنها تخرج كل الألم الذي حبسته لشهور.
"أنت ملكش ذنب، أنا اللي كان لازم أكون أجوى وأجولك من لول."
رفع وجهها بيديه ومسح دموعها بأصابعه.
"لأ الذنب ذنبي أنا، أنا اللي كان المفروض أحميكي منه، مش أرميكي له تاني بس خلاص كل ده انتهى."
نظر في عينيها بنظرة حاسمة قوية لا تعرف التردد.
"الراجل ده مش هيقرب منك تاني ولا هيشوف ضفرك، من النهاردة حسان ده اتمحى من حياتك ومن حياتنا، أنا هعرف إزاي أتعامل معاه بالقانون، أما أنتِ فأنتِ في حضني وفي حمايتي ومفيش مخلوق على الأرض يقدر يأذيكي طول ما أنا بتنفس."
كانت كلماته هي الملاذ الذي كانت تبحث عنه، لم تكن مجرد وعود بل كانت حقيقة. لقد كشفت عن أعمق وأقبح أسرارها، وبدلاً من أن يدينها احتواها وحماها ووعدها بالأمان الأبدي، وفي تلك الليلة لم تلتئم جراحها فقط، بل ولدت من جديد حرة وقوية في حضن الرجل الذي أثبت لها أنه يستحق كل ثقتها وكل حبها.
***
كانت سرايا الرفاعي تتنفس فرحاً، لم تكن مجرد جدران وأثاث بل كانت كياناً حياً يترقب عودة قطعة جديدة من روحه. كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية عبر النوافذ العالية كأنها تشارك العائلة احتفالها، ورائحة المسك والبخور الفاخر تفوح من كل زاوية معلنةً عن استقبالٍ يليق بأميرة صغيرة.
عندما توقفت سيارة مالك أمام المدخل الرئيسي، كان الجميع في انتظاره. الجد وهدان الذي استعاد الكثير من عافيته بفضل هذه الفرحة، يقف شامخاً بعصاه وبجانبه ورد وليل اللتان كانتا تشرفان على كل التفاصيل الصغيرة، وحتى سند ووعد اللذان تركا "عدي الصغير" مع والدته، كانا يقفان بلهفة.
فتح مالك باب السيارة بحذر شديد كأنه يخشى أن يخدش الهواء صغيرته، ثم انحنى وساعد روح على النزول برفق. كانت روح تبدو متعبة لكن عينيها كانتا تلمعان بسعادة صافية، سعادة الأم التي تحمل معجزتها بين ذراعيها.
ما إن خطت روح أولى خطواتها داخل السرايا وهي تحمل طفلتها الملفوفة بغطاء أبيض ناعم مزين بالدانتيل، حتى انطلقت زغرودة قوية من ورد تبعتها زغاريد أخرى من ليل والخادمات لتملأ المكان ببهجة كانت غائبة عنه لوقت طويل.
اقترب الجد وهدان بخطوات بطيئة ونظر إلى وجه حفيدته الصغيرة النائمة بسلام، ارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة ومد يده المرتجفة قليلاً ليمسح على رأسها.
"نورتي بيتك يا نور عين جدك، نواره البيت انتي."
نظر إلى روح حفيدته الأغلى عنده وقال بحب.
"حمدلله على سلامتك يا روح يا بنيتي."
قبلت روح يده باحترام.
"الله يسلمك يا جدي، فضلك علينا كبير."
اقتربت ورد وليل وعيونهما تلمع بالدموع والفرح. احتضنت ورد روح بحب.
"حمد لله على سلامتك يا حبيبتي نورتي البيت من تاني."
ثم نظرت إلى الطفلة وهمست.
"بسم الله ما شاء الله قمر ربنا يحميها ويحفظها، دي نسخة منك يا روح."
أخذتها ليل من بين ذراعي روح برفق وقبلتها على جبينها.
"تتربى في عزك يا روح يا بنتي، وفي عز أبوها."
اقترب سند من مالك وربت على كتفه بقوة.
"مبروك يا أخويا، بقيت أب رسمي، مرحباً بك في نادي قلة النوم وتغيير الحفاضات."
ابتسم مالك ابتسامة عريضة وهو ينظر إلى زوجته وابنته.
"مستعد لأي حاجة عشان اللحظة دي وعشان خاطر عيونهم."
أخذت وعد الطفلة من ليل وبدأت تداعبها بحنان.
"يا روحي عليها صغيرة جوي."
نظرت إلى روح تشاكسها.
"فاكر يا سند عدي لما اتولد كان أكبر من إكده."
ردت روح بكيد.
"دي بنت يا وعد لازم تطلع رقيقة وصغيرة زيي، وبعدين دي بنت الرفاعية لازم تطلع هادية مش مزعجة زي ابنك اللي بيصحيني انا من النوم."
كانت الأحاديث تدور والضحكات تتعالى، والطفلة تنتقل من حضن إلى حضن، وكل فرد في العائلة يشعر بأن هذه الصغيرة هي ملك له، وأنها جاءت لتربط قلوبهم ببعضها البعض أكثر.
صعدوا جميعاً إلى جناح مالك وروح الذي كانت ورد قد أشرفت على تجهيزه بالكامل. كان السرير الصغير بجانب سريرهما مزيناً بالدانتيل الوردي، والغرفة تفوح برائحة عطر الأطفال المريحة.
جلست روح على السرير وأخذت ابنتها في حضنها مرة أخرى كأنها لا تشبع من النظر إليها.
جلس الجد وهدان على مقعد قريب وقال بصوت عميق يحمل حكمة السنين.
"البيت ده كان ضلمة من وجهت ما نغم خرجت منيه، ودلوج ربنا رزقنا بنورين نور من روح ونور من نغم، ربنا يجعلها وش السعد عليكم ويجعل أيامكم كلها نور وفرح."
سألته وعد بصدمة مصطنعه.
"وانا يا جدي، فين في كل ده؟"
رد وهدان بصدق.
"ربنا اللي عالم بغلاوتكم كلايتكم في جلبي قد ايه، وانتي اكتر واحدة تشبهي المرحومة عشان إكدة معزتك في القلب من جوة."
نظر الجميع إلى بعضهم البعض وشعروا بصدق كلماته. لقد كانت هذه اللحظة أكثر من مجرد استقبال مولودة جديدة، كانت إعلاناً بأن بيت الرفاعي بعد كل العواصف التي مر بها، قد وجد نوره من جديد نوراً صغيراً هادئاً لكنه كان كافياً ليبدد كل الظلام.
***
كانت زينة تمسك بالأوراق في يدها وشارفت على النطق بالكلمات التي تنتظرها نغم بفارغ الصبر. كلمات قد تحمل الطمأنينة، أو ربما تحمل الخوف.
كانت ونس تراقب وجه زينة بترقب شديد، بينما حبست نغم أنفاسها وقلبها يخفق بعنف كطائر سجين.
في تلك اللحظة بالذات انفتح باب العيادة فجأة بقوة ودون أي استئذان.
تجمدت الكلمات في حلق زينة وتجمد الدم في عروق نغم وونس معًا.
وقف جاسر على عتبة الباب.
لم يكن هذا جاسر الحبيب أو العاشق الذي يغمرها بحنانه، ولم يكن حتى جاسر المحامي الواثق بل كان شيئًا آخر تمامًا، كان ظلًا من الماضي وحشًا استيقظ من سباته العميق. كانت عيناه باردتين حادتين كشفرات الجليد تحملان غضبًا أسود مكبوتًا يجعله أكثر رعبًا من أي صراخ مسموع، لقد تحول شموخه المعتاد إلى هالة من التهديد الصامت الذي ملأ الغرفة الصغيرة وخنق الهواء فيها.
سقط قلب نغم إلى قدميها وشعرت بصدمة كهربائية تسري في جسدها كله، وشحب وجهها حتى كاد يصبح بلون ملاءة السرير البيضاء. لم تستطع أن تنطق ولم تستطع حتى أن ترمش، فقد كانت عيناها مثبتتين عليه تريان فيه الرجل الذي خطفها وعذبها، الرجل الذي كانت تخشاه أكثر من أي شيء في هذا العالم.
ونس التي تعرف ابنها جيدًا شعرت بالرعب يزحف إلى قلبها. رأت في عينيه تلك النظرة التي لم ترها منذ زمن طويل، نظرة لا تعرف الرحمة ولا تقبل النقاش. ارتبكت وحاولت أن تجد الكلمات المناسبة لتهدئة الموقف لكنها علمت أن أي كلمة ستقولها الآن ستكون كمن يصب الزيت على النار.
زينة التي لم تفهم سبب هذا الدخول المفاجئ أو هذا التوتر المشحون، حاولت أن تتصرف بمهنية ورسمت ابتسامة باهتة وهي تقول.
"جاسر مفاجأة زينه اتفضل اجعد كنت لسه هجول لنغم نتيجة التحاليل."
لم يحرك جاسر عينيه قيد أنملة عن نغم، كانت نظرته ثاقبة تخترقها وتجردها من كل دفاعاتها، نظرة واحدة سحبت الهواء من رئتيها وجعلتها تشعر بأنها عارية وضعيفة أمامه. ثم وبصوت قاطع بارد وهادئ بشكل مرعب قال دون أن ينظر إلى زينة.
"مش عايز أسمع حاجة."
تحرك أخيرًا لم تكن خطواته سريعة، بل كانت بطيئة ومحسوبة كخطوات نمر يقترب من فريسته، تجاهل ونس وزينة تمامًا ووقف أمام نغم الجالسة على المقعد. لم يلمسها ولم يقل شيئًا آخر فقط مد يده نحوها في إشارة صامتة آمرة لا تقبل أي جدال بأن تنهض وتتبعه.
لم تجرؤ نغم على الرفض، فالخوف قد شل إرادتها تمامًا. وضعت يدها المرتجفة في يده وشعرت ببرودة أصابعه وهي تطبق على يدها بقوة، ليست قوة مؤذية بل قوة تملّك مطلق.
سحبها خلفه بهدوء قاتل وهي تتعثر في خطواتها. وعندما وصلا إلى الباب توقف للحظة ودون أن يلتفت قال بصوته البارد نفسه لوالدته.
"السواج مستنيكي تحت يا أمي."
ثم خرج وهو يجر نغم خلفه، التي كانت تسير كالمسحورة لا ترى شيئًا سوى ظهره العريض الذي يسد عنها العالم كله. لم يمنحهما أحد فرصة للاعتراض أو حتى للسؤال. لقد دخل كالعاصفة وفي لحظات اقتلع زهرته وغادر تاركًا خلفه صمتًا مدويًا ورعبًا ونذيرًا بأن الجحيم الذي هربت منه نغم قد عاد ليفتح أبوابه من جديد.
كانت يده قابضة على معصمها بقوة محسوبة، قوة لا تترك أثراً على جلدها لكنها تطبع بصمتها على روحها.
سحبها جاسر خلفه عبر ممرات المستشفى الطويلة، لم تكن تسير بل كانت تنجرف في تياره الصامت. كانت رؤوس الممرضات والمرضى تلتفت نحوهم لكن هالة التهديد التي أحاطت بجاسر كانت كفيلة بأن تجعل الجميع يخفضون أبصارهم بسرعة، لم يجرؤ أحد على النظر طويلاً في وجهه الذي كان قناعاً من الغضب البارد.
كانت نغم تشعر وكأنها في كابوس مألوف، لقد عادت إلى نقطة الصفر إلى الأيام الأولى من اختطافها. هذا هو جاسر الذي عرفته أول مرة.
جاسر القاسي الذي لا يرحم الذي لا تحتاج كلماته إلى صوت لتُفهم، نظراته وحدها كانت كافية لجلدها. لم يكن هناك أثر لذلك الرجل الحنون الذي سمحت لنفسها بالاعتماد عليه، كل لمسة دافئة وكل كلمة مطمئنة تبخرت في لحظة وحل محلها هذا الجليد الحارق.
وصل بها إلى السيارة المركونة أمام المدخل، فتح الباب الأمامي ودفعها للداخل برفق عنيف، حركة متناقضة لم تؤذها جسدياً لكنها أهانت روحها. ثم أغلق الباب بقوة ودوى صوته في صمت الموقف. دار حول السيارة واستقل مقعده في ثواني معدودة.
انطلقت السيارة باندفاع عنيف جعل جسد نغم يرتطم بالمقعد. أدارت وجهها نحو النافذة تتظاهر بمشاهدة الطريق لكنها في الحقيقة كانت تهرب من مواجهة صورته المنعكسة على زجاج النافذة. كانت أنفاسها متقطعة ويداها ترتجفان على قدميها، حاولت أن تجمع شتات أفكارها أن تجد مبرراً لكن عقلها كان مشلولاً بالخوف.
كان جاسر يقود بصمت مطبق، قبضته على عجلة القيادة كانت بيضاء من شدة الضغط عليها، وعيناه مركزتان على الطريق أمامه لكن نغم كانت تشعر بنظراته الجانبية تحرقها بين الحين والآخر. كان الصمت في السيارة أثقل وأشد رعباً من أي صراخ.
بعد دقائق بدت كدهر، ابتعدت السيارة عن صخب المدينة وسلكت طريقاً جانبياً هادئاً ثم توقفت فجأة تحت شجرة ضخمة في مكان شبه مهجور.
أطفأ جاسر المحرك وعم السكون فجأة، سكون لم يقطعه سوى صوت أنفاس نغم المرتجفة.
بقي على وضعه لثواني ثم التفت إليها ببطء شديد، حركة مدروسة زادت من رعبها. لم تكن في عينيه نظرة غضب صاخبة بل هدوء مميت، هدوء ما قبل العاصفة.
"إزاي تطلعي برة البيت من غير ما تعرفيني؟"
تجمدت الكلمات في فمها، كان قلبها يقرع بعنف في صدرها حتى ظنت أنه سيقف. حاولت أن تفتح فمها لتتكلم لتبرر لكن لم يخرج أي صوت، حنجرتها كانت جافة ولسانها ملتصق بسقف حلقها. كل ما استطاعت فعله هو هز رأسها بخفة في محاولة يائسة للنفي أو الشرح.
لم يرفع صوته لكن حدة نظراته اشتدت.
"أنا بسألك سؤال."
عندما رأى صمتها وعجزها انفجر فيه شيء ما. لم يعد يحتمل صمتها الذي فسره تحدياً أو خوفاً لا يهمه، فضرب عجلة القيادة بكلتا يديه فجأة محدثاً صوتاً قوياً جعل نغم تنتفض في مكانها، ثم صرخ فيها بصوت جعل زجاج السيارة يرتجف.
"انطجي."
كانت تلك الصرخة هي القشة التي قصمت ظهر مقاومتها الهشة. انفجرت في بكاء صامت ومؤلم اهتزت كتفاها بعنف وانسابت الدموع على خديها بغزارة. تحدثت أخيراً بصوت متقطع مختنق بالبكاء.
"كنت... كنت عايزة أطمن... عشان... عشان الحمل... كنت عايزة أعرف لو فيا حاچة... حاچة هي السبب في التأخير... عشانك."
كانت تأمل أن تلمس كلماتها قلبه أن ترى دموعها شفيعاً لها، لكنها كانت مخطئة.
اقترب منها فجأة حتى كاد وجهه يلامس وجهها، ورغم دموعها التي كانت تمزق قلبه لم يتراجع. أمسك بذقنها بأصابعه وأجبرها على النظر في عينيه مباشرة، كانت عيناه لا تزالان تحملان تلك القسوة وذلك الغضب.
"مشكلتي مش في اللي كنتي عايزة تعرفيه، مشكلتي إنك اتصرفتي من ورايا، خرچتي من البيت من غير إذني وچيتي لمكان زي ده لوحدك في موضوع يخصنا إحنا الاتنين، جررتي فيه لوحدك كأني مش موچود في حياتك."
كانت كلماته كالسياط، لم يكن غاضباً لخروجها فقط بل لقرارها بالتصرف دونه، في أمر يمس حياتهما معاً. شعر بالخيانة، شعر بأنها استبعدته من دائرتها الخاصة، وهذا ما لم يستطع تحمله.
ترك ذقنها بقسوة وابتعد عنها مستنداً بظهره إلى مقعده وهو يتنفس بعنف محاولاً السيطرة على الوحش الذي أطلقته هي بتصرفها. لم تشفع دموعها له هذه المرة لأن جرح كبريائه كرجل وكسيد لحياتها كان أعمق من أي شفقة يمكن أن يشعر بها في تلك اللحظة. لقد ذكرته بأنها لا تزال تحمل تلك الروح المتمردة التي لا يمكن ترويضها بالكامل، وهذا ما أثار جنونه.
كان يتنفس بعنف، لم يكن يحاول السيطرة على غضبه بل كان يترك العاصفة تجتاحه بالكامل. أدار رأسه نحوها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صوته قد فقد حرارته وتحول إلى برودة قاسية، برودة أشد إيلامًا من أي صراخ.
"امسحي دموعك لأنها مش هتغير حاجة."
توقفت شهقات نغم للحظة ورفعت يدها المرتجفة ومسحت خديها المبللين بطاعة عمياء، لم تكن طاعة الخوف فقط بل طاعة من أدركت أنها أخطأت، لكنها لم تفهم حجم خطئها بعد.
"بصي لي."
رفعت نغم عينيها الدامعتين إليه فرأت فيهما بركانًا من المشاعر المتضاربة.
"بتعيطي ليه دلوجت، عشان زعجت ولا عشان كشفتك."
أخذت نغم نفس عميق بمحاولة فاشلة للتحكم بدموعها.
"عشان خايفة منك، شايفة جدامي جاسر الجديم."
ابتسم جاسر ابتسامة ساخرة خالية من أي مرح، ابتسامة لم تصل إلى عينيه الجامدتين.
"كويس إنك لسه بتخافي مني، ده معناه إنك لسه فاكرة أنا مين في حياتك، بس شكلك نسيتي أهم حاچة نسيتي إنك مرتي."
قالت نغم بمحاولة خاطئة للدفاع عن نفسها.
"أنا معملتش حاچة غلط أنا بس..."
قاطعها بحدة قاطعة وصوت كفحيح الأفعى.
"لأ عملتي الغلط، مش إنك عايزة تطمني على نفسك، الغلط إنك فكرتي إن ده سرك لوحدك إن دي مشكلة تحليها لوحدك، إنك استبعدتيني من المعادلة كلها."
اقترب منها مرة أخرى وكانت حركته هذه المرة أبطأ وأكثر تهديدًا كأنه وحش يطوق فريسته.
"إيه اللي كان في دماغك يا نغم هاه، كنتي ناوية على إيه، تاچي هنا من ورايا وتعرفي النتيچة لوحدك وبعدين لو كانت النتيچة كويسة كنتي هترچعي البيت كأن شيئًا لم يكن، ولو كانت وحشة كنتي هتعملي إيه؟ كنتي هتشيلي الهم ده لوحدك، هتعيشي في عذابك الخاص جوه بيتي وأنا معرفش؟"
صمتت نغم لأن كلماته كانت كالصخور أصابت الحقيقة في مقتل، فهذا بالضبط ما كانت ستفعله.
ارتفع صوته فجأة مشحونًا بالألم والغضب معًا.
"ده اللي بيجتلني يا نغم، فكرة إنك لسه بتتعاملي معايا كأني السجان بتاعك مش جوزك، فكرة إنك لسه بتخبي عني حاجات كأنك بتبني بينا جدار كل يوم."
"وأنا بعمل إيه عشان كل ده."
"بحاول أهدم الأسوار اللي بينا وأنتِ بتبنيها تاني ورا ضهري."
انفجرت نغم بصوت يائس.
"أنت اللي بنيتها في الأول يا جاسر، أنت اللي علمتني أخاف منك وأخبي عنك، أنت اللي خليتني أحس إن كل حاچة بعملها لازم تكون سر عشان معرفش رد فعلك هيكون إيه، طبيعي اني احتاچ وجت أكتر لحد ما أفهمك."
ضرب جاسر بيده على مقود السيارة بقوة محدثًا صوتًا مدويًا في صمت السيارة المشحون.
"وأنا مش بحاول أغير ده دلوجت؟! مش بحاول أثبتلك كل يوم إني اتغيرت عشانك؟! إيه لزمته كل اللي بعمله لو كنتي عند أول فرصة هترچعي تاني لنقطة الصفر وتتعاملي معايا كأني عدوك."
تراجع إلى مقعده مرة أخرى وشعرت بيداه ترتجفان قليلاً من فرط الانفعال.
ولم تكن تعرف شيئاً عن ما يدور بداخله.
ثم التفت إليها وكانت نظرته قد تغيرت، لم تعد غاضبة بل كانت تحمل خيبة أمل عميقة ومدمرة.
"أنا مش بس زعلان عشان خرچتي من غير إذني يا نغم، أنا مجهور عشان لسه مش واثقة فيا، مجهور عشان فكرتي ولو للحظة إنك ممكن تواچهي حاچة زي دي لوحدك، أنا عايز أكون معاكي في كل خطوة، في الحلو وفي الوحش، عايزك لما تحسي بخوف أول حضن تجري عليه يكون حضني، عايز لما تحسي بوچع أول إيد تمسح دمعتك تكون إيدي."
صمت للحظة ثم أكمل بنبرة تحمل تحذيرًا نهائيًا وقاطعًا.
"اللي حوصل النهاردة ده آخر مرة، آخر مرة تتصرفي من ورايا آخر مرة تحسسيني إني غريب في حياتك، المرة الچاية مش هكون بالهدوء ده."
نظر أمامه وأدار محرك السيارة التي انطلقت كالرصاصة. لم يقل كلمة أخرى طوال طريق العودة ولم تكن هناك حاجة للكلام. لقد قال كل شيء. لم يكن غضبه مجرد غيرة أو رغبة في السيطرة، بل كان صرخة رجل شعر بأن الثقة الهشة التي بناها مع المرأة التي يحبها قد تحطمت. وأن عليه أن يبدأ في جمع شظاياها من جديد، لكنه هذه المرة لن يقبل بأنصاف الحلول أبدًا.
***
في العيادة
بمجرد أن أغلق جاسر الباب خلفه، ساحباً نغم معه، عاد الهواء فجأة إلى الغرفة، لكنه كان هواءً ثقيلاً مشبعاً بالتوتر ورائحة كارثة وشيكة.
وقفت ونس متجمدة في مكانها، عيناها معلقتان على الباب المغلق، ويداها ترتجفان بشكل لا إرادي.
"يا رب استر... يا رب استر يا رب."
لاحظت زينة شحوب وجه ونس وقلقها البالغ.
لقد اختفت تماماً تلك السيدة القوية الواثقة، وحلت محلها أم مرعوبة تعرف تماماً حجم العاصفة التي على وشك أن تضرب.
تقدمت زينة نحوها ووضعت يدها على كتفها.
وسألتها بنبرة قلقة.
"في إيه يا مرت عمي؟ ماله جاسر؟ وإيه اللي حوصل عشان ياخد نغم بالشكل ده؟"
أخذت ونس نفساً عميقاً، محاولة استجماع شتات نفسها لكن صوتها خرج مهزوزاً.
"جاسر... جاسر ميعرفش إننا هنا نغم جات من وراه."
اتسعت عينا زينة بصدمة وفهمت كل شيء في لحظة، فهمت سبب البرود القاتل في عيني جاسر، وذلك الغضب المكتوم الذي كان أشد فتكاً من أي صراخ.
تراجعت خطوة إلى الوراء، ونظرت إلى ونس نظرة تحمل اللوم والعتاب.
"إيه؟ كيف تعملوا حاچة زي دي يا مرت عمي؟ كيف!"
ردت حنان بصوت دفاعي ضعيف.
"هي اللي كانت عايزة تطمن، وأنا... أنا صعبت عليا جلت أچي معاها عشان تطمن."
رفعت زينة صوتها قليلاً، وقد نفد صبرها.
"تتصعب عليكي؟ وأنتِ مش صعبان عليكي اللي ممكن جاسر يعمله فيها دلوجت؟ أنتِ أمه أنتِ أكتر واحدة في الدنيا دي خابرة جاسر لما بيغضب بيبجى عامل كيف! خابرة إن كبرياءه وكلمته عنده بالدنيا، وعارفة إنه مبيسامحش في الخيانة أو الكدب."
ونس بدموع بدأت تتجمع في عينيها.
"دي مش خيانة... دي كانت خايفة وجلجانة."
قاطعتها بحزم.
"جاسر مش هيشوفها اكده، هيشوفها إنها كسرت كلمته واتصرفت من وراه، واستغفلته، أنتِ خابرة إنه بيعتبر ده طعنة في ضهره. إزاي توافجيها على حاچة زي دي؟ كان المفروض تنصحيها، تجنعيها تكلمه هو الأول مش تاخديها من إيدها وتجيبيها هنا وتخليها تواجه غضبه لوحدها!"
صمتت ونس تحت وطأة كلمات زينة القاسية، لأنها كانت الحقيقة. لقد قادها قلبها وعاطفتها كأم ونسيت للحظات طبيعة ابنها التي لا ترحم.
تنهدت بقلة حيلة، وقد خففت من نبرتها قليلاً عندما رأت دموع ونس.
"اللي حوصل حوصل بس دلوجت البنت دي معاه في العربية لوحدهم، ربنا يستر وما يأذيهاش. أنتِ حطيتيها في وش المدفع يا مرت عمي ابنك لما بيتحول، مبيشوفش قدامه."
جلست ونس على أقرب مقعد، وقد استسلمت تماماً للقلق الذي ينهش روحها.
***
كان صخب مطار القاهرة يضج بالحياة، لكن صبر لم تكن تسمع شيئاً منه. كانت تسير بخطوات مترددة بجوار أكمل، الذي كان يحمل ابنهما قاسم النائم على كتفه بحرفية أب كأنه معتاد.
كانت عيناها تتجولان في كل الوجوه بقلق، كأنها تبحث عن خطر قادم ويداها ترتعشان قليلاً وهي تضبط حجابها للمرة العاشرة.
لاحظ أكمل توترها الشديد وضع يده الحرة على ظهرها لكنه شعر بجسدها متصلباً.
توقف للحظة ثم أمسك بيدها الباردة وضمها بين يده الدافئتين. انحنى قليلاً لينظر في عينيها مباشرة، وقال بنبرة عتاب رقيقة يملؤها الحنان.
"هتخافي وإنتي معايا؟"
رفعت إليه عينيها الخائفتين، وكانتا مرآة لكل ما مرت به.
قالت بصدق موجوع وصوتها كان مجرد همس.
"لأ بس... اللي شوفته مكنش قليل يا أكمل."
شد على يدها بقوة أكبر وكأن هذه اللمسة قادرة على نقل كل قوته إليها.
"واللي شوفتيه ده راح وانتهى دلوقتي إنتي في أمان أماني أنا ومفيش مخلوق على الأرض يقدر يمسك، طول ما أنا بتنفس."
هدأت قليلاً لكلماته لكن الخوف ظل كامناً في عينيها. خرجا من بوابة الوصول، ليجدا مالك واقفاً بجوار سيارته يبتسم لهما ابتسامة عريضة ومرحبة.
تقدم مالك وعانق أكمل بحرارة الأخوة.
"حمد الله على السلامة نورت بلدك."
ثم نظر إلى صبر التي كانت تقف خلف أكمل، متمسكة به كأنه درعها الوحيد. ابتسم لها ابتسامة دافئة ومطمئنة.
"حمد الله على السلامة يا صبر منورة الصعيد كلايته."
ثم انحنى لينظر إلى قاسم النائم في حضن أبيه.
"وإيه الجمر ده؟ لأ ده شكله هينافس ابن سند على بنتي."
ضحك أكمل لكن مالك لاحظ أن صبر لم تبتسم بل كانت عيناها زائغتين، تراقبان الطريق خلفه بقلق. فهم على الفور.
ساعدهم مالك في وضع الحقائب في السيارة ثم انطلق بهم.
جلس أكمل في المقعد الأمامي بجوار مالك، بينما جلست صبر في الخلف مع قاسم الذي بدأ يتململ في نومه.
قال أكمل وهو ينظر إلى الطريق.
"خلينا نروح بيتنا الأول يا مالك نرتاح من السفر وبعدين بالليل أجيلك أنا وصبر نبارك لروح."
كان مالك يراقب صبر في مرآة الرؤية الخلفية. رآها وهي تنظر من النافذة إلى لافتات الطريق التي تحمل أسماء القرى والمدن، ورأى كيف انقبضت ملامحها كلما اقتربوا أكثر.
كانت تتشبث بابنها النائم كأنه طوق نجاة.
قال مالك بهدوء وحكمة موجهاً كلامه لأكمل لكنه كان يقصد صبر.
"لأ اسمع مني خليها تروح عندنا الأول."
نظر إليه أكمل باستغراب، فأكمل مالك وهو يركز على الطريق أمامه.
"البيت عندكم لسة مجفول ومحتاچ وجت عشان يتنضف ويتچهز. تروحوا عندنا البيت مليان ناس وحركة روح والبنات موجودين، وأمي وعماتي خليها تجعد وسطهم الأول، تطمن وتندمج مع اللمة والجو الحلو. وبعدين بالليل لما تكون هديت وارتاحت يبجى خدها وروح بيتك براحتك، انت مش شايف حالتها عاملة ازاي."
نظر أكمل إلى مالك بامتنان. لقد فهم صديقه ما لم يقله هو، لقد أدرك أن ترك صبر وحدها في بيت هادئ الآن سيكون بمثابة تركها فريسة لذكرياتها ومخاوفها. اللمة والدفء العائلي هما أفضل علاج لها في هذه اللحظة.
أومأ أكمل بالموافقة وقال.
"عندك حق تسلم يا صاحبي."
ألقى مالك نظرة أخرى سريعة في المرآة فرأى صبر وقد التفتت إليه للحظة، وفي عينيها بريق خافت من الامتنان.
"نورتي بلدك يا أم قاسم، روح ووعد مستنيينك."
لقد فهمت هي الأخرى أنه فعل ذلك من أجلها. ابتسم لها ابتسامة أخوية صغيرة ثم أعاد نظره إلى الطريق وهو يقودهم نحو مكان آمن ودافئ، نحو "العائلة".
***
وصلت شروق إلى بيت جاسر وقلبها يخفق بعنف من الخوف والسرعة، لم تكد السيارة تتوقف حتى نزلت منها مسرعة، واندفعت نحو باب المنزل.
في تلك اللحظة، كانت ونس تنزل من سيارة أخرى عائدة لتوها من الخارج وعلى وجهها آثار حزن وإرهاق حاولت جاهدة أن تخفيهما.
ما إن رأت شروق ونس حتى جرت نحوها بلهفة وأمسكت بذراعها دون مقدمات.
"مرت عمي جاسر وينه؟ لازمن أكلمه ضروري."
نظرت إليها ونس باستغراب من لهفتها، ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله طبيعياً لكنه خرج متعباً.
"جاسر في مشوار مع نغم يا بتي."
تجمدت شروق في مكانها. "مع نغم؟" هذا يعني أنه ليس في المكتب، وليس في مكان آمن. هذا يعني أنه في الطريق هدف سهل.
زاد قلقها أضعافاً وبدا ذلك واضحاً على وجهها الشاحب.
"مشوار فين يا مرت عمي؟ طب اتصلي عليه اتصلي عليه دلوجت."
شعرت ونس بأن الأمر ليس طبيعياً، قلق شروق لم يكن عادياً، ونظراتها كانت تحمل رعباً حقيقياً.
"فيه إيه يا شروق؟ جلجتيني ماله جاسر؟"
لم تجب شروق بل قالت بإصرار وعيناها على وشك البكاء.
"اتصلي عليه بس يا مرات عمي، اتصلي الأول أني بتصل بيه من بدري ومبيردش."
أخرجت ونس هاتفها وقلبها بدأ ينقبض من الخوف. ضغطت على اسم ابنها ووضعت الهاتف على أذنها.
رن الهاتف مرة اثنتين ثلاث... لا إجابة.
نظرت إلى شروق بقلق متزايد.
"مبيردش في ايه بس عرفيني."
قالت شروق برجاء.
"حاولي تاني يا مرات عمي، بالله عليكي حاولي تاني."
حاولت ونس مرة أخرى، لكن النتيجة كانت نفسها. هنا، لم تعد ونس قادرة على التماسك.
أمسكت بكتفي شروق وهزتها برفق.
"فيه إيه يا بتي، انطجي! ولدي ماله؟ جالولك إيه؟"
لم تستطع شروق أن تخبرها بالحقيقة، فكيف تقول لها إن والدها يخطط لإيذاء ابنها؟ كل ما فعلته هو أنها هزت رأسها بالنفي، ثم أمسكت هاتفها بأصابع ترتجف، وفتحت رسالة جديدة، وبدأت تكتب بسرعة، وكأن كل حرف هو سباق ضد الموت.
"چاسر، رد عليا ضروري أبويا عرف مكانك وباعتلك ناسمتكملش في طريقك ارچع حياتك في خطر."
ضغطت على زر الإرسال ورفعت عينيها إلى السماء، تدعو الله أن تصل رسالتها قبل أن يصل رجال والدها.
بعد أن أرسلت شروق الرسالة ظلت واقفة تحدق في هاتفها، كأنها تنتظر معجزة.
لاحظت ونس ارتعاش يديها ووجهها الذي ازداد شحوباً، فاقتربت منها مرة أخرى لكن هذه المرة بنبرة أكثر حزماً.
"شروق، بصيلي إهنه أني مش عيلة صغيرة عشان تضحكي عليا الخوف اللي في عينيكي ده مش خوف من مشكلة في البيت. ولدي چرى له حاچة؟ حد كلمه وهدده؟ انطجي."
أخذت شروق نفساً عميقاً محاولة استجماع شتات نفسها. رفعت عينيها إلى ونس، ورسمت على وجهها قناعاً من الارتباك المصطنع.
"لا والله ما فيه حاچة الحكاية وما فيها إن... إن فيه مشكلة كبيرة حصلت في البيت بين أبويا وامي وأني خايفة يتخانقوا. وچاسر هو الوحيد اللي بيعرف يحلها وأبويا مش هيرضى يسمع لحد غيره عشان اكده كنت عايزاه يلحقنا جبل ما تحصل مصيبة."
نظرت إليها ونس بعينين ضيقتين، تدرس ملامحها بدقة. لم تقتنع تماماً، قصة شروق كانت منطقية لكنها لم تفسر حجم الرعب الذي رأته في عينيها قبل قليل. لكنها قررت أن تسايرها في الوقت الحالي.
"طيب طالما الحكاية أكده، يبجى متتحركيش من اهنه اجعدي استنيه معايا ولما يرچع نبجى نشوف حكاية أبوكي وامك دي."
شعرت شروق بالراحة لأن ونس لم تضغط عليها أكثر. أومأت برأسها بالموافقة.
"حاضر يا مرات عمي مش همشي."
دخلت المرأتان إلى المنزل كل منهما تحمل في قلبها قلقاً مختلفاً. ونس قلقة على ابنها من مجهول لا تعرفه وشروق قلقة عليه من شر تعرفه جيداً، وتدعو الله أن تكون قد تمكنت من إيقافه.
***
ساد صمت كثيف داخل السيارة، أثقل من كل الكلمات التي قيلت. كانت كلمات جاسر الأخيرة ترن في أذني نغم ليس كتهديد بل كحقيقة مؤلمة. لقد رأت الصراع من وجهة نظره لأول مرة. لم يكن الأمر يتعلق بالسيطرة بل بالثقة المكسورة. شعرت بالخجل من نفسها، ليس لأنها خافت منه، بل لأنها لم ترى محاولاته لم تمنحه الفرصة ليكون شريكها فعلاً.
التفتت إليه ودموعها قد جفت وحل محلها ندم عميق.
قالت بصوت خافت ومهزوز.
"أنا آسفة."
لم يلتفت إليها ظل وجهه متجمداً، وعيناه تنظران إلى الفراغ أمامه.
أعادت المحاولة بصوت أكثر وضوحاً.
"جاسر... أنا آسفة مش هتتكرر تاني أنا... أنا بس مكنتش عارفة أتصرف."
أدار جاسر رأسه نحوها ببطء، وكانت عيناه باردتين كالموت. وقال بنبرة لا تحمل أي تعبير.
"اعتذارك مش مجبول لأنك مش آسفة على اللي عملتيه، أنتِ آسفة عشان اتمسكتي، فيه فرج كبير."
أنهت كلماته أي أمل لديها في إصلاح الموقف. الآن أدارت وجهها إلى النافذة، تستسلم للصمت بينما هو ينظر إلى الطريق أمامه ليس باندفاع غاضب كما في المرة الأولى، بل بهدوء حاسم وكأنه يقود سيارته مبتعداً عن تلك اللحظة، وعن خيبة أمله فيها.
كانت نغم تراقبه من طرف عينها، يده ثابتة على عجلة القيادة وملامحه جامدة، وعيناه على الطريق. شعرت بفجوة هائلة تتسع بينهما، فجوة لم تكن موجودة قبل ساعات من الآن.
خرج من الطريق الفرعي وعاد إلى الطريق الرئيسي المظلم. كانت السرعة تتزايد تدريجياً وفجأة ومن العدم ظهرت أضواء كاشفة مبهرة من منعطف حاد أمامه.
شاحنة نقل ضخمة.
كانت تسير في الاتجاه المعاكس لكنها انحرفت بشكل خاطف وسدت عليهما الطريق بالكامل.
حدث كل شيء في أجزاء من الثانية. الزمن تباطأ وتمدد. لم يكن هناك وقت للضغط على مكابح السيارة، لم يكن هناك مجال للمناورة. كان الاصطدام حتمياً.
في تلك اللحظة التي تتجمد فيها الحياة لم يفكر جاسر. كل الغضب كل خيبة الأمل كل القسوة، تبخرت في لحظة واحدة أمام حقيقة واحدة مطلقة: حياة نغم في خطر.
بحركة خاطفة غزيزية لا يمكن للعقل الواعي أن يأمر بها، فك حزام الأمان الخاص به. لم يصرخ لم يقل شيئاً. كل ما فعله هو أنه ألقى بجسده الضخم فوق جسد نغم، رامياً نفسه عليها كدرع بشري. وفي لمح البصر لف ذراعيه حولها ودفن وجهها في صدره، بينما أحاطها بجسده بالكامل جاعلاً من ظهره حاجزاً بينها وبين الموت القادم.
سمعت نغم صوت تمزق المعدن، وشعرت بقوة الدفعة الهائلة التي جعلت جسد جاسر يضغط عليها بقوة كأنه سيصهرها في جسده. آخر ما رأته قبل أن يغمرها الظلام الكامل كان وجهه فوقها وعيناه مغمضتان بقوة وملامحه متشنجة ليس من الخوف بل من التصميم المطلق على حمايتها حتى لو كان الثمن هو حياته.
ثم دوى صوت الاصطدام المروع، الذي ابتلع كل الأصوات الأخرى، وابتلع العالم معه ولم يترك سوى الظلام والصمت.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم رانيا الخولي
كانت في بئر عميق ومظلم.
لا يوجد ألم، لا يوجد خوف، فقط فراغ أسود وصمت مطبق.
ثم بدأ الصوت يتسلل إلى هذا الفراغ، ليس كصوت واضح، بل كهمهمات بعيدة، مشوهة كأنها تسمعها من تحت الماء.
شعرت بحركة أيادي تنتشلها، ترفعها.
لم تكن أيادي جاسر القوية التي تعرفها، كانت أيادي غريبة متسرعة.
لم تستطع فتح عينيها، كان جفناها أثقل من الرصاص.
لكنها شعرت بالهواء البارد يلفح وجهها، وشعرت بقطرات لزجة دافئة تسيل على صدغها.
الأصوات بدأت تتضح قليلاً، لكنها كانت تتداخل في ضجيج فوضوي.
"...يا ساتر يا رب... المنظر صعب جوي..."
"...اطلبوا الإسعاف بسرعة... بسرعة!"
صوت آخر أقرب يصرخ بهلع.
"...ده مات خلاص... شوف الدم اللي حواليه... لا حول ولا قوة إلا بالله..."
مات.
ترددت الكلمة في عقلها الفارغ. من الذي مات؟ لم تستطع ربط الكلمة بأي وجه.
صوت آخر رد عليه بحسم.
"...لأه لأ... لسه فيه نفس... أنا شايف صدره بيتحرك... شيلوه بالراحة... بالراحة بقولك!"
شعرت بأنها تُوضع على سطح صلب.
ثم سمعت ذلك الصوت الحاد النفاذ، الذي يخترق الضباب في رأسها.
صوت صفارات سيارة إسعاف تقترب، تتعالى ثم تصم أذنيها.
كل شيء كان مزيجاً من الفوضى والهلع، لكنها كانت معزولة عنه، تطفو في بحر من اللاوعي.
غابت مرة أخرى.
عندما عادت إليها ومضات الإدراك، كانت الحركة أسرع، أكثر عنفاً.
كانت تُدفع بسرعة على سرير متحرك.
الأضواء البيضاء الساطعة في سقف طويل كانت تومض فوق عينيها كطلقات نارية، مما جعلها تغمضهما بقوة.
الأصوات الآن كانت أعلى وأكثر وضوحاً.
"حالة حادث سيارة، فقدان وعي جزئي!"
"الضغط بينزل! جهزوا غرفة العمليات فوراً!"
"النزيف من الرأس، اشتباه ارتجاج!"
كانت الكلمات الطبية تتطاير فوق رأسها كطيور نذير شؤم.
شعرت بإبرة حادة تخترق جلد ذراعها، وبرودة سائل يسري في عروقها.
"والحالة التانية؟" صوت ممرضة يسأل.
جاء الرد من مسعف يلهث.
"إصابات متعددة... الصدمة كلها كانت ناحيته... هو اللي واخد الخبطة كلها... حالته خطيرة جداً... دخل اوضة العمليات التانية."
هو.
هذه المرة الكلمة اخترقت ضباب عقلها كالصاعقة.
هوجاسر الرجل الذي ألقى بنفسه فوقها.
الرجل الذي كان ظهره هو الدرع الذي يفصلها عن الموت.
حاولت أن تتحرك، أن تصرخ باسمه، أن تسأل عنه.
لكن جسدها لم يستجب، كان ثقيلاً غريباً كأنه ليس ملكها.
لم يخرج من فمها سوى أنين خافت باسمه، ضاع وسط جلبة الأطباء والممرضين.
آخر ما شعرت به قبل أن يبتلعها الظلام تماماً مرة أخرى، لم يكن ألم جراحها، بل كان إحساساً جليدياً بالرعب.
الرعب من أن يكون الصوت الأول الذي سمعته...
"مات"...
كان عنه هو.
الرعب من أن يكون قد دفع حياته ثمناً لتهورها، وثمناً لحمايته لها.
***
كانت حديقة سرايا الرفاعي تنعم بلحظة هدوء نادرة.
جلس الرجال الأربعة كأعمدة للبيت يستمتعون بنسيم الأصيل البارد.
وهدان في مقعده المفضل يتكئ على عصاه، وبجانبه سالم وحامد اللذان كانا يتناقشان بصوت خفيض في أمور الزراعة والأرض.
وعلى مقربة منهما جلس مالك وسند بحوار خفيف كظلهم.
من بعيد ظهرت ورد وهي تحمل صينية الشاي الفضية، تسير بخطواتها الهادئة المعتادة، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة وهي تنظر إلى تجمع رجال عائلتها.
كانت هذه اللحظات هي ما تعيش من أجله، لحظات الألفة والسكينة.
وفجأة شق رنين حاد هذا الصمت، رنين هاتف مالك.
أخرج مالك هاتفه من جيبه ونظر إلى الرقم الغريب باستغراب، ثم ضغط على زر الرد ووضعه على أذنه.
"ألو."
في البداية كانت ملامحه هادئة، ثم تحولت إلى حيرة، ثم في لحظة خاطفة تجمد تماماً.
اتسعت عيناه وشحب لون وجهه، ووقف فجأة على قدميه مما لفت انتباه الجميع إليه.
"أنت بتجول إيه... مستشفى إيه؟ طب طب ايه اللي حوصل؟"
عند سماع كلمة "مستشفى"، توقفت ورد في مكانها وتجمدت الصينية في يديها.
نظر الجميع إلى مالك بقلق بالغ، وقد وقف سند وحامد على أقدامهما بشكل لا إرادي.
"ومراته معاه....طب.....كيف...إيه اللي حوصل.....حادثة؟"
كانت الكلمة الأخيرة هي الرصاصة التي اخترقت جدار الصمت.
حادثة.
سقطت صينية الشاي من يدي ورد، تناثرت أكواب الزجاج على الأرض محدثة صوتًا مدويًا حادًا كصرخة ألم.
وانسكب الشاي الساخن كأنه دموع الأرض، لكن لم يلتفت أحد لصوت الزجاج المحطم، كانت كل العيون، كل الحواس مركزة على مالك وعلى الكارثة التي حملتها كلمته.
"حادثة إيه يا مالك؟ مين اللي عمل حادثة؟"
"انطوج يا ابني في إيه؟"
أنهى مالك المكالمة ويده تسقط بجانبه كأنها فقدت الحياة.
نظر إليهم بعينين زائغتين كأنه لا يراهم.
"جاسر ونغم عملوا حادثة عربية، هما الاتنين في مستشفى دلوجت."
ساد صمت مروع للحظات، صمت أثقل من أي ضجيج، بينما كانت العقول تحاول استيعاب هول الخبر.
"ابن أخويا ونغم بنتي؟! لا يا رب... لا يا رب..."
كانت ورد تبكي وتتحدث في آن واحد، وخوفها على ابن أخيها الذي عاد إليها بعد زمن، وعلى نغم التي ربتها كابنتها، يمزق قلبها.
"بنتي بنتي يا مالك حالتها كيف؟"
"معرفش اللي اتصل بيجول حالتهم خطيرة هما الاتنين."
لم يكن هناك وقت للأسئلة أو للوم، العداوة القديمة، الكراهية، مشاعر الثأر، كل شيء تبخر في لحظة أمام حقيقة الموت التي طرقت الباب.
لم يعد جاسر هو العدو، بل أصبح زوج ابنتهم يرقد بين الحياة والموت.
"مستنيين إيه يلا بينا على المستشفى يلا."
تحول المكان في ثوانٍ، ركض سند ومالك نحو الداخل لإحضار مفاتيح السيارات، بينما حاول سالم تهدئة ورد التي كانت تنهار، وحامد الذي كان يقف يردد الدعاء واسم ابنة اخيه بصوت خافت.
لم يكن خوفهم على نغم فقط، فرغم كل ما فعله جاسر، لم يتمنى أحد له الأذى بهذا الشكل.
لقد كان مشهد قبضته على يد نغم يوم أجبرها على الزواج منه، ومشهد قوته وهو يفرض إرادته، لا يزال عالقًا في أذهانهم، لكن فكرة أن هذه القوة وهذا الشموخ قد سُحقا تحت كومة من الحديد المحطم كانت فكرة مرعبة، تذكرهم جميعًا بمدى هشاشة الحياة، وبأن رابطة الدم حتى لو غطاها غبار الكراهية، تظل أقوى من أي شيء في لحظات الفاجعة.
كانت سيارات عائلة الرفاعي تشق طريقها بسرعة جنونية، كأنها تسابق الزمن نفسه.
وصلوا إلى المستشفى في وقت قياسي، وترجلوا منها دفعة واحدة كأنهم كتلة بشرية واحدة، متحركة بالخوف والأمل.
كان بهو المستشفى يعج بالحركة والأصوات، لكنهم لم يروا أو يسمعوا شيئًا.
تحركوا كأنهم في فقاعة من الصمت الخاص بهم.
عيونهم تبحث بجنون عن أي دليل أو أي وجه مألوف.
رأى مالك مكتب الاستقبال، فاندفع نحوه والبقية خلفه.
"لو سمحتي في مصابين حادثة وصلوا من شوية، اسمهم جاسر التهامي ونغم عامر."
نظرت الموظفة في سجلاتها ببرود مهني أثار أعصابهم، ثم رفعت رأسها.
"أيوه يا فندم وصلوا من حوالي نص ساعة، هما في العمليات دلوقتي، ممنوع الوقوف هناك."
لم تكن كلمة "ممنوع" لتردع وهدان الرفاعي الذي تقدم بخطوات ثابتة، رغم قلقه وصوته الأجش يهدر في المكان.
"إحنا أهلهم ولازم ندخل نطمن عليهم."
في تلك اللحظة خرج طبيب شاب من أبواب العمليات، تبدو عليه علامات الإرهاق الشديد.
ركضوا نحوه جميعًا كأنهم غريق يتعلق بقشة.
"يا دكتور إحنا أهل الحالات اللي وصلت من شوية، جاسر ونغم طمنا عليهم أرچوك."
نظر الطبيب إلى وجوههم الملهوفة بأسف واضح، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينطق بالكلمات التي كانوا يخشونها.
"للأسف الحالتين حالتهم حرجة جدًا، الأستاذ جاسر عنده نزيف داخلي ودخل العمليات فورًا، أما المدام نغم..."
صمت الطبيب للحظة، وكأن الكلمات التالية أثقل من أن تُقال، فتعلقت قلوبهم بهذه اللحظة من الصمت القاتل.
صرخت ورد ليل بصوت مبحوح.
"بنتي مالها يا دكتور انطق."
أكمل الطبيب بصوت هادئ وحزين.
"المدام كانت حامل، وللأسف بسبب الحادثة فقدت الجنين."
سقط الخبر عليهم كالصاعقة.
حامل.. فقدت الجنين..
تجمدت ليل في مكانها ووجهها يفقد كل ألوان الحياة، فقد لاحظت الحزن الذي ارتسم على وجهها وهي في المشفى مع روح، نظرة اشتياق ولهفة.
وحامد حوقل بصوت خافت حزناً على ابنة أخيه وما تعانية الآن.
وسالم الذي لا يعرف لما الدنيا تقسى عليها بتلك الحدة.
أما مالك وسند فقد تبادلا نظرة حزينة، لم يكونا يعرفان بأمر الحمل، لقد كان سراً آخر من أسرار نغم وجاسر انكشف بأكثر الطرق مأساوية.
"وهي.... وهي عاملة إيه دلوجت؟" سأل حامد بصوت بالكاد يُسمع.
"حالتها الحمد لله مستقرة بس عندها ردود متعددة في الضلوع، إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه ادعولها."
تركهم الطبيب وعاد إلى جحيم الطوارئ، وتركهم هم في جحيمهم الخاص، واقفين في منتصف الردهة محطمين ومشتتين.
لم يكن هناك مكان للعداوة الآن، لم يكن هناك سوى الألم المشترك، والخوف من القادم.
لم تكن فاجعتهم في نغم وجاسر فقط، بل في هذا الحفيد الذي لم يروه والذي رحل قبل أن يبدأ رحلته.
رابط الدم الجديد الذي كان يمكن أن يصلح ما أفسدته السنين قد قُطع قبل أن يتكون.
جلس وهدان الرفاعي على أقرب مقعد، لأول مرة يبدو عليه الضعف والانكسار مما يحدث لأحفاده.
***
كانت السيارة تسير بهدوء على الطريق الزراعي الطويل، وأشجار الكافور العالية تلقي بظلالها المتراقصة على الزجاج الأمامي.
كانت صبر تجلس في مقعدها تضم نفسها في صمت ويداها متشابكتان على ساقيها اثناء ذهابهم إلى منزل جده.
لم تعد تتألم جسدياً، لكن هناك ألماً من نوع آخر كان لا يزال يسكن عينيها، ألم الخوف.
شعر أكمل بتوترها الصامت فمد يده ووضعها فوق يديها الباردتين برفق.
"لسه خايفة؟"
أومأت برأسها دون أن تنظر إليه، فشد على يدها بلطف.
"خايفة من إيه دلوقتي، أنا جنبك ومحدش يقدر يعملك حاجة."
"خايفة ادخل البيت ده تاني عشان مفتكرش اليوم ده."
تنهد أكمل وأدار وجهه لينظر إليها للحظة خاطفة قبل أن يعيد تركيزه على الطريق.
"مش من حقك تخافي، اللي حصل ده خلاص ماضي وانتهى، وانتي وابننا دلوقت في حضني."
رفعت عينيها إليه أخيرًا وقد لمعت فيهما الدموع.
"غصب عني والله يا أكمل."
"عارف انه غصب عنك، وأوعدك إن طول ما انا عايش مش هسمح لحد يقرب منك."
ابتسم أكمل ابتسامة دافئة وصلت إلى عينيه، وبدأت خيوط الطمأنينة تنسج نفسها حول قلب صبر شيئًا فشيئًا.
لقد كانوا على وشك الوصول للمنزل، وبدا كأن صفحة جديدة وهادئة ستبدأ أخيرًا.
وفجأة شق رنين حاد هذا الصمت الهادئ، رنين هاتف أكمل.
نظر إلى اسم المتصل "مالك".
"ده مالك بيشوفتنا وصلنا ولا لأ."
رفع الهاتف إلى أذنه.
"أيوة يا مالك."
تغيرت ملامح أكمل في ثواني.
وتحولت الطمأنينة إلى حيرة، ثم إلى صدمة مطلقة.
تجمدت يداه على عجلة القيادة واتسعت عيناه وهو يستمع للكلمات القادمة من الطرف الآخر.
"إنت بتقول إيه حادثة إزاي طب هما فين دلوقتي....... أنا خلاص داخل على البيت أهو.... مسافة السكة وهكون عندك."
أغلق الخط ووجهه شاحب كالأموات.
توقفت السيارة على جانب الطريق فجأة.
نظرت إليه صبر بقلق شديد وقد عاد الخوف ليتسلل إلى قلبها من جديد.
"أكمل في إيه؟ مين اللي عمل حادثة؟"
أخذ أكمل نفسًا عميقًا محاولًا استيعاب الكارثة قبل أن ينطق بها.
"جاسر ونغم عملوا حادثة عربية، وحالتهم خطيرة في المستشفى."
شهقت صبر ووضعت يدها على فمها بصدمة.
"جاسر التهامي، ونغم أخت روح؟"
تنهد أكمل بثقل.
"أيوة هما، أنا لازم أروح المستشفى حالًا، هوصلك البيت الأول وبعدين..."
قاطعته صبر بصوت حاسم لم يكن يتوقعه.
"لأ مش هقعد في البيت لوحدي، أنا خايفة ومش هعرف أقعد ثانية واحدة، خدني معاك."
نظر إليها ورأى الإصرار والخوف الحقيقي في عينيها، لم يكن هذا وقتًا للعناد أو النقاش.
"مينفعش آخدك المستشفى بالمنظر ده، المكان هيبقى مقلوب ومش حمل توتر زيادة."
"طب وديني في أي حتة، وديني عند روح ووعد تاني في بيت الرفاعي، بس متسيبنيش لوحدي أرجوك."
فكر أكمل لثانية، لقد كان اقتراحها هو الحل الأمثل، ستكون مع روح ووعد في أمان، ولن تكون وحدها.
هز رأسه موافقًا وانطلقت السيارة مرة أخرى تشق ظلام الليل، لكن هذه المرة لم تكن متجهة إلى بيتهما الهادئ، بل إلى قلب العاصفة في سرايا الرفاعي.
***
توقفت سيارة أكمل أمام البوابة الضخمة لسرايا الرفاعي، التي كانت مفتوحة على مصراعيها والأضواء مشتعلة في كل مكان، كأن البيت كله يصرخ من الألم.
التفت أكمل إلى صبر قبل أن تنزل.
"أنا مش هتأخر، هطمن وأجيلك على طول، خليكي مع روح ووعد ومتتحركيش من هنا."
أومأت صبر برأسها، ونزلت من السيارة وقلبها يخفق بقوة وهي ترى الأنوار الصاخبة، والجو المشحون بالترقب.
دخلت إلى البهو الفسيح الذي كان خاليًا إلا من صوت بكاء مكتوم قادم من ناحية غرفة الجلوس.
سارت نحو الصوت بخطوات حذرة، فوجدت روح تجلس على الأريكة ويبدو عليها التعب.
كانت تبكي وتنفجر في بكاء صامت يهز جسدها كله، بينما كانت وعد ونادية تجلسا على الأريكة تحتضن طفلة روح الصغيرة الذي كانا ينظران إلى والدتهما بخوف صامت لا يفهمان سبب انهيارها.
"السلام عليكم.."
التفت الجميع ناحية الصوت، فأدعت عين روح أكثر وهي تقترب من صبر وتقول ببكاء.
"نغم بتموت يا صبر، بتموت وأنا قاعدة هنا زي العاجزة."
احتضنتها صبر بتأثر.
"إهدي يا روح وأدعلها أحسن، وبعدين العياط غلط عليكي."
شهقت بالبكاء أكثر.
"خايفة عليها جوى ياصبر أنا مليش غيرها."
نهضت وعد وتقدمت منها بتأثر.
"متجلجيش عليها، سند طمني وجالي انها كويسة."
"أنا لازم أروحلها المستشفى لازم أكون جنبها مش هجدر أسيبها لحالها هناك."
قالت صبر.
"اهدي يا روح اهدي أكمل راح وهيطمنا، كلنا قلقانين عليها بس مينفعش نروح كلنا المستشفى ونعمل زحمة."
قاطعتها روح بصوت عالي يملؤه الإصرار والألم.
"لأه لازم أروح، هي محتاجاني دلوجت أنا حاسة بيها لازم أروحله."
تدخلت وعد بصوت هادئ رغم القلق البادي عليها.
"يا روح اسمعي كلام صبر عشان خاطر بنتك، وبعدين انتي لسه والدة مكملتيش يومين انتي حتى مش جادرة تقفي على رچلك."
اغمضت روح عينيها بألم، فهي حقاً مجهدة ولن تستطيع التحرك خطوة واحدة.
لذا عادت للبكاء مرة أخرى.
نهضت نادية وحملت منها قاسم.
"هاتيه انيمه وارتاحي انتي."
أومأت لها صبر بامتنان وتركت لها قاسم وجلست بجانب روح لتحتضنها بتأثر.
"اطمني متجلجيش، ربنا عالم بينا وان شاء الله يقومها بالسلامة."
قالت روح ببكاء وألم.
"خايفة عليها جوي يا صبر، حاسة روحي بتنسحب مني."
***
وصل صخر إلى المستشفى كالصاروخ ووجهه متجهم كصخرة صماء.
دخل إلى بهو الطوارئ فرأى تجمعًا بشريًا عرفه على الفور.
إنها عائلة الرفاعي، كلهم يقفون هناك، وجوههم شاحبة وعيونهم زائغة.
اشتعلت النيران في صدر صخر، فكل مآسي جاسر في رأيه تبدأ وتنتهي عند هذه العائلة.
تقدم نحوهم بخطوات عنيفة وصوته خرج كأنه احتكاك حجرين.
"إنتو إيه اللي جابكم اهنه؟ جايين تشمتوا فيه بعد ما عملتوا عملتكم."
نظر إليه الجميع بصدمة واستنكار، فكلامه كان كالصفعة في وجه حزنهم وخوفهم.
حاول مالك أن يرد عليه لكن وهدان الرفاعي أشار إليه بيده إشارة صامتة ليسكت، ثم تقدم هو بنفسه ووقف أمام صخر الذي كان ينظر إليه بتحدي واضح.
"إحنا اللي عملنا عملتنا برضك يا صخر؟"
"جاسر معملش حاچة تخلينا نعمل فيه إكدة."
"اللي بتتكلم عليه ده بقى جوز بنتنا على سنة الله ورسوله، والغلطة الوحيدة اللي عملها في حقنا، صلحها وبقى جوز بنتنا وصهرنا، هنخاف عليه كيف ما بنخاف عليها."
اشتدت نظرة وهدان وتحولت إلى لهيب حارق وصوته الذي كان هادئًا أصبح كقعقعة الرعد.
"ولو فاكر إنك بالكلمتين دول هتصحي تار قديم نام واندفن، تبجى غلطان عشان التار ده لو صحي المرة دي، أنا مش هتنازل والواحد من ولادي دول بعشرة منك ومن اللي مشغلك، اسمع الكلمتين دول وحطهم حلجة في ودنك، جاسر دلوجت واحد مننا واللي هيمسه يمسنا كلنا."
تراجع صخر خطوة إلى الخلف بشكل لا إرادي، لم يكن يتوقع هذه القوة وهذا المنطق من وهدان.
لقد جاء مستعدًا لمعركة لكنه وجد أمامه حائطًا صلبًا من رابطة الدم الجديدة.
لم يكن يريد عداءً الآن، ليس وهو لا يعرف مصير جاسر، وليس وهو يعلم أن أي عداء جديد يعني أنهم سيبدأون في البحث والتدوير خلفه وخلف أعماله وهذا آخر ما يريده.
ابتلع صخر غضبه وأشاح عينيه في هزيمة مؤقتة.
تابع وهدان.
"اللي حوصل حوصل، دلوجت كلنا اهنه عشان نطمن على ولادنا اللي بين الحياة والموت، فبلاش كلام يزود العداء بينا اكتر من إكدة."
صمت صخر تمامًا ووقف بعيدًا.
لم يقف كجزء منهم بل كعدو يراقبهم من بعيد ينتظر خروج الطبيب من غرفة العمليات، ينتظر الكلمة التي ستحدد مصير جاسر ومصيره لو علم الحقيقة.
في هذه اللحظة لم يكن هناك أعداء أو حلفاء، كان هناك فقط انتظار ثقيل كأنه جبل وخوف بارد كالثلج يسيطر على قلوب الجميع.
***
كانت الشمس قد بدأت تفقد حرارتها والظلال تمتد طويلة في الحديقة.
جلست ونس على أحد المقاعد لكنها لم تكن تشعر بالراحة.
كانت عيناها معلقتين على شروق التي كانت تسير ذهاباً وإياباً على العشب كحيوان حبيس في قفص، وهاتفها ملتصق بيدها تحاول الاتصال مرة تلو الأخرى دون جدوى.
زاد من قلق ونس حركة غير طبيعية في أرجاء المكان.
رجال جاسر، أولئك الذين اعتادت رؤيتهم كصقور صامتة وهادئة، كانوا يتحركون بسرعة وارتباك.
همسات متوترة، نظرات قلقة، وركض من وإلى بوابات المنزل.
كان هناك شيء ما يحدث، شيء كبير وخاطئ.
لم تعد تحتمل، نهضت ووقفت في طريق فواز كبير الحراس الذي كان على وشك الدخول إلى سيارته مسرعاً.
"فواز!"
توقف الرجل على الفور واستدار نحوها باحترام، لكن وجهه كان متجمداً بقناع من القلق حاول إخفاءه.
"أمرك يا ست هانم."
"فيه إيه؟ مالكم رايحين چايين زي اللي في بيته حريجة؟ وجاسر وينه لسة مرجعش ليه؟"
حاول فواز التهرب وأشاح بنظره.
"مفيش حاچة يا هانم، شوية شغل تبع البيه وهو زمانه على وصول."
لم تقتنع ونس، رأت الكذبة في عينيه، ورأت العرق البارد الذي بدأ يتكون على جبينه.
خطت نحوه خطوة وتغيرت نبرتها من السؤال إلى الأمر.
"بصلي إهنه يا فواز أني مش بسألك أني بأمرك ولدي ماله؟"
ارتبك الرجل وبدأ يتلعثم.
"يا ست هانم... البيه..."
صرخت فيه ونس وقد نفد صبرها تماماً، وشعر قلبها ببرودة الجليد تزحف إليه.
"البيه ماله؟! انوطج!"
تحت ضغط نظراتها الآمرة انهار قناع فواز، خفض رأسه وقال بصوتٍ خرج بالكاد صوت كان بمثابة حكم بالإعدام على روحها.
"چاسر بيه... عمل حادثة بالعربية... هو والهانم."
سقطت الكلمات في صمت الحديقة كصخرة سقطت من السماء.
للحظة لم تفهم ونس، بدا عقلها وكأنه يرفض معالجة هذه الجملة المرعبة.
"حادثة؟ جاسر؟"
ثم وكأن سداً قد انهار بداخلها بدأت الحقيقة تتسرب.
اتسعت عيناها بصدمة مطلقة وبدأ جسدها يرتجف بعنف، رفعت يدها إلى فمها، وخرجت منها شهقة مكتومة، شهقة تحمل كل ألم العالم.
تراجعت خطوة إلى الوراء ثم أخرى وكأنها تحاول الهرب من الكلمات التي قيلت.
اهتزت الأرض من تحت قدميها، وبدأت الدنيا تدور بها.
"چاسر... ابني..." همست بها بصوتٍ مبحوح، صوت أم ترى كابوسها الأكبر يتحقق أمام عينيها.
في تلك اللحظة كانت شروق قد سمعت كل شيء.
سقط الهاتف من يدها وجرت نحو زوجة عمها التي كانت على وشك الانهيار.
"مرت عمي!"
لكن ونس لم تعد تسمع شيئاً، لقد تحول العالم من حولها إلى ضباب أسود.
كل ما رأته هو صورة ابنها، ضحكته، قوته، شموخه.
كل هذا قد يضيع، قد يختفي.
أطلقت صرخة مدوية، صرخة أم مجروحة في أعز ما تملك، صرخة هزت أركان البيت وجعلت الطيور تطير من على الأشجار.
"ولدي!!!"
ثم هوت على ركبتيها وانهارت على الأرض تضرب صدرها بقبضتيها وهي تصرخ باسمه مراراً وتكراراً.
لم تكن تبكي بل كانت تنتحب بنحيب يقطع نياط القلب، لقد سقطت السماء فوق رأسها وتحطم عالمها في لحظة واحدة، ولم يعد هناك سوى الظلام، والألم، وصورة ابنها الوحيد وهو يصارع بين الحياة والموت.
***
مر الوقت بطيئًا وثقيلًا كأنه دهر كامل.
كانت كل دقيقة تمر كسنة، وكل ثانية كطعنة سكين في قلوبهم الواقفة في ردهة المستشفى.
لم يكن هناك صوت سوى صوت خطوات الممرضات البعيدة، وصوت أنفاسهم القلقة، وصوت دقات قلوبهم التي كانت تدق بعنف كأنها طبول حرب.
كانوا يقفون كالتماثيل، كل في زاويته الخاصة، وهدان يجلس صامتًا وعصاه بين يديه، وسالم وحامد يقفان بجانبه كأنهما حارسان شخصيان له.
أما مالك وسند فكانا يذرعان الممر ذهابًا وإيابًا غير قادرين على الثبات في مكان واحد.
ووقف صخر بعيدًا عنهم كأنه جزيرة معزولة يراقب باب غرفة العمليات بعينين لا ترمشان.
وفجأة تحرك الباب.
توقف الجميع عن الحركة وتجمدوا في أماكنهم.
حبسوا أنفاسهم، وتعلقت كل عيونهم بالباب الذي انفتح ببطء وخرج منه الطبيب نفسه الذي قابلهم في البداية.
خلع كمامته وظهر على وجهه إرهاق شديد ممزوج بشيء غامض لم يستطيعوا تفسيره.
اندفعوا نحوه جميعًا في لحظة واحدة وسبقهم صخر الذي وصل إليه أولًا.
"جاسر عامل إيه يا دكتور طمني."
تكلم الجميع في نفس اللحظة، أصواتهم متداخلة يملؤها الرجاء والخوف.
"طمنا يا دكتور."
رفع الطبيب يده يطلب منهم الصمت، فنظروا إليه بترقب قاتل.
"الحمد لله العملية كانت صعبة وطويلة بس قدرنا نوقف النزيف الداخلي."
انطلقت زفرة ارتياح جماعية من صدورهم، كأنهم كانوا يغرقون ووجدوا أخيرًا ما يتنفسون به.
لكن الطبيب أكمل بسرعة قبل أن يترك للأمل فرصة للنمو.
"بس ده ميمنعش إن الحالة لسه خطيرة جدًا، الأربع وعشرين ساعة الجاية هي أهم فترة، هتحدد كل حاجة، هو حاليًا في العناية المركزة تحت الملاحظة الدقيقة وممنوع عنه الزيارة تمامًا."
سأل وهدان بصوت أجش.
"يعني إيه يا دكتور يعني هو هيفوق امتى؟"
"العلم عند ربنا يا حاج وهدان، إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا وعلى قوته."
"هو دلوقتي في غيبوبة ومحدش يقدر يعرف هتستمر قد إيه أو هيفوق منها ولا لأ، كل اللي نقدر نعمله دلوقتي هو الدعاء."
كانت كلماته كمن يسكب الماء البارد على جمرة أملهم الصغيرة.
لقد نجا من الموت لكنه لم يعد إلى الحياة بعد، بل أصبح معلقًا في منطقة رمادية بين العالمين.
سأل سالم بصوت خافت عن ابنته.
"ونغم بنتي أخبارها إيه؟"
"حالتها استقرت نوعًا ما، نقلناها لغرفة عادية بس لسه فاقدة الوعي من أثر الصدمة والمسكنات، محتاجين نصبر عليها هي كمان."
شعروا وكأنهم في كابوس لا ينتهي، فكلاهما يرقد فاقدًا للوعي، لا أحد منهما هنا ليحكي ما حدث، لا أحد هنا ليجيب عن أسئلتهم.
بقيا هما الاثنين سرًا مغلقًا يرقد كل منهما في غرفة منفصلة.
شكر وهدان الطبيب الذي انصرف ليرتاح، وعاد الصمت ليخيم عليهم مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مختلفًا، لم يعد صمت الترقب بل صمت العجز والانتظار المرير، انتظار معجزة من السماء تعيد إليهم من يرقدون خلف الأبواب المغلقة.
دلفت ونس وشروق للردهة فتجد الجميع أمامها، وجوههم لا تبشر مطلقاً.
اوقفت الطبيب الذي تركهم فأسرعت إليه برجاء.
"طمني يا دكتور على ابني ومراته."
وجد الطبيب نفسه محاصرًا بين يدي أم مكلومة.
نظر إليها بأسف وحاول أن يجمع شتات كلماته ليعيدها مرة أخرى.
"يا امي اهدي أرجوكي أنا لسه جايلهم دلوجتي."
لكن ونس لم تسمعه.
"قايلهم إيه أنا أمه أنا اللي لازم أعرف ابني فين وديني أشوفه حالًا."
وهنا تدخل وهدان بصوته القوي رغم حزنه محاولًا السيطرة على الموقف.
"اهدي يا ام جاسر الدكتور بيجول إن جاسر خرچ من العمليات وحالته مستقرة بس هو في غيبوبة مينفعش تدخلي عنديه."
سقطت كلمة "غيبوبة" على ونس فسقطت هي على أقرب مقعد وانهارت في بكاء صامت يهز جسدها كله.
لم تعد تقوى على الوقوف أو الكلام.
ساد صمت رهيب في المكان لم يقطعه سوى بكاء ونس المكتوم، وشهقات شروق المصدومة.
وقف الجميع عاجزين أمام هول الكارثة التي لم تفرق بين أحد.
لقد ضربت الجميع في أضعف نقاطهم وتركتهم حطامًا متناثرًا في ردهة مستشفى باردة لا يجمعهم سوى الألم المشترك، وانتظار فجر جديد قد يأتي وقد لا يأتي أبدًا.
لم يتركهم أكمل وظل معهم لحظة بلحظة.
***
بينما كانت ونس غارقة في حزنها، لمحت بحركة بطيئة قدمين تقفان أمامها.
رفعت رأسها المنهك، لتجد سالم ومالك يقفان أمامها، وعلى وجهيهما حزن عميق وتعاطف صادق.
لم تكن هناك نظرة عداوة أو شماتة، بل نظرة إنسان لإنسان يشاركه نفس الألم.
انحنى سالم قليلاً وقال بصوتٍ هادئ وحنون.
"يا أم چاسر... اهدي يا حاچة اللي بتعمليه في نفسك ده مش هيفيد ادعيله، ربنا كبير."
لكن كلماته كانت كالزيت الذي يُصب على النار.
انفجرت ونس في البكاء مرة أخرى بصوتٍ مكسور يملؤه اليأس.
"كيف أهدى؟ كيف أهدى وولدي روحه بتطلع بين إيدين الدكاترة؟ مش هرتاح... مش هرتاح غير لما أشوفه بعيني."
أضاف مالك بنبرة محترمة رغم الألم الذي كان يعتصره هو الآخر.
"يا حاچة الدكتور جال الساعات اللي چاية صعبة مفيش في إيدينا غير الدعاء."
تدخل سالم مرة أخرى، مقترحاً حلاً عملياً يحمل في طياته لمسة من الرحمة.
"طيب اسمعيني... ادخلي عند نغم في أوضتها ليل وورد چوا معاها اجعدي معاهم، وأول ما يخرج الدكتور ويطمنا على چاسر هنيچي ونخبرك على طول أهوه تبقي چنب نغم تطمنيها وتطمنك."
عند ذكر اسم "نغم" انتفضت ونس وكأنها كانت قد نسيت وجودها في خضم صدمتها بابنها.
اتسعت عيناها بقلق جديد.
"نغم... هي... هي كيفها؟ چرالها إيه؟"
أجاب سالم بحزن.
"تعبانة يا حاچة بس الحمد لله حالتها مستقرة هي في أوضة عادية، بس لسة مفاجتش من أثر الحادثة."
في تلك اللحظة شعرت ونس بموجة جديدة من الألم.
نغم... ابنتها التي لم تلدها، الفتاة التي أعادت النور إلى حياتها وحياة ابنها، لا يمكن أن تخسرها هي الأخرى.
ساعدتها شروق على النهوض وسندتها وهي تسير بخطوات ثقيلة نحو الغرفة التي أشاروا إليها.
فتحت شروق الباب بهدوء ودخلت ونس أولاً.
كان المشهد في الداخل يدمي القلب.
كانت نغم راقدة على السرير شاحبة الوجه وهناك ضمادة صغيرة على جبينها، كانت تبدو كزهرة رقيقة قد داستها عاصفة هوجاء.
ليل وورد تجلسان بجانبها تقرآن القرآن بصوت خافت.
ما إن رأت ونس نغم بذلك الحال حتى شعرت بخنجر آخر يغرس في قلبها.
لم تعد هذه زوجة ابنها، بل ابنتها بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
هي التي عوضتها عن سنوات الوحدة، هي التي أذابت جليد قلب ابنها وأعادت إليه إنسانيته.
مستحيل... مستحيل أن تخسرها هي الأخرى.
تقدمت بخطوات مرتعشة وجلست على حافة السرير من الجانب الآخر.
مدت يدها المرتجفة ومسحت على شعر نغم بحنان أمومي خالص، ثم انحنت وقبلت جبينها قبلة طويلة دافئة.
وبينما هي قريبة منها، سمعت همساً خافتاً يخرج من بين شفتي نغم اللاواعيتين، همساً بالكاد يُسمع لكنه اخترق قلب ونس كالسهم.
"جاسر..."
هنا، لم تعد ونس قادرة على التحمل.
انهمرت دموعها مرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت دموع حب وألم وأمل.
انحنت وهمست لها بصوتٍ يرتجف من الوجع.
"هيرچعلك يا جلب أمك... هيرچع جاسر جوي، وهيتحدى الموت عشانك."
شعرت ورد بمدى الألم الذي تعانيه ونس فقامت من مكانها واقتربت منها ووضعت يدها على كتفها تربت عليها بحنان.
"اهدي يا أم چاسر... إن شاء الله هيبقوا زينين ربنا مش هيضيع صبرنا."
ثم قالت بنبرة قوية ومليئة بالإيمان، موجهة حديثها للجميع.
"تعالوا... تعالوا نتوضى ونصلي كلنا نصلي وندعي بنية شفاهم ونجاتهم. مفيش في إيدنا دلوجت حاجه غير رحمة ربنا."
في تلك الغرفة الصغيرة اجتمع قلب أم وقلب أخت، وقلب زوجة عم، وقلب أم لعدو الأمس، وضرة تراجع حسباتها.
اجتمعوا جميعاً تحت راية واحدة:
راية الدعاء والأمل في انتظار معجزة تعيد إليهم أحباءهم من على حافة الموت.
لكن لم يكن هناك وقت للعداوات أو للدهشة، فالخوف كان أكبر من كل شيء.
***
وقفت شروق عند باب الغرفة، لم تدخل بالكامل كانت تقف على العتبة، لا تنتمي إلى الداخل مع النساء المتوحدات في دعائهن، ولا إلى الخارج في ممر الرجال المليء بالترقب والغضب الصامت.
كانت في برزخ خاص بها، تشاهد المسرحية المأساوية التي كتب فصولها والدها بدم بارد.
من زاوية رؤيتها كانت ترى كل شيء.
ترى زوجة عمها ونس منهارة تحتضن يد نغم فاقدة الوعي، وكأنهما أم وابنتها يواجهان نفس المصير.
ترى والدة نغم وعمتها التي لم تعرفها يواسيان أم عدو الأمس.
ترى رجال أبيها ورجال الرفاعي يقفون على طرفي نقيض في الممر، لكن الحزن والخوف كان قاسماً مشتركاً على وجوههم جميعاً إلا والدها، حزنه في فشل مهمته.
وفجأة ضربها السؤال بقوة لم تعهدها من قبل.
عشان إيه؟
عشان إيه كل هذا الدمار؟
عشان إيه كل هذا الدم؟
نظرت إلى وجوه الرجال في الممر، رجال أقوياء جبابرة في أراضيهم، يقفون الآن عاجزين ينتظرون كلمة من طبيب ليحدد مصير أبنائهم.
نظرت إلى النساء في الغرفة، قلوبهن تحترق ودموعهن لا تجف.
عشان إيه؟
هل يستحق المال كل هذا الألم؟
هل تستحق الأرض أن تُروى بدم الأهل؟
هل تستحق السلطة أن تُبنى على أنقاض القلوب المحطمة؟
لأول مرة في حياتها رأت شروق حقيقة عالمها عارية من أي زيف، عالم قائم على الكراهية والطمع، والرغبة في السيطرة.
عالم ظنت أنها جزء منه، بل أميرته القادمة، لكنها الآن وهي ترى النتيجة الحقيقية لهذه "الإمارة"، شعرت بغثيان عميق.
تذكرت والدها، وهو يتحدث بقوة في الهاتف يأمر بقتل ابن أخيه ببرود، وكأنه يأمر بذبح خروف.
تذكرت والدتها وهي تحرضه وتطالبه بالمزيد من القسوة.
تذكرت نفسها وهي تبكي وتغضب لأن جاسر اختار أخرى، ولم تفكر يوماً في الثمن الذي قد يدفعه الجميع.
في تلك اللحظة كرهت كل شيء.
كرهت والدها الذي علمها أن القوة هي كل شيء.
كرهت والدتها التي زرعت فيها الحقد والغيرة.
كرهت المال الذي لم يجلب سوى الخراب.
كرهت السلطة التي أكلت قلوبهم وحولتهم إلى وحوش.
وفهمت أختها "زينة"، فهمت لماذا هربت بعيداً عن هذا الجحيم.
زينة لم تكن جبانة بل كانت الأكثر شجاعة، لقد رأت الحقيقة قبلهم جميعاً، واختارت أن تنقذ نفسها.
شعرت شروق بأنها غريبة، دخيلة على هذا المشهد.
هي ابنة القاتل تقف بين ضحاياه.
لا مكان لها هنا، لا مكان لها في عالم جاسر الذي كادت أن تدمره بغبائها وغيرتها.
لا مكان لها في هذه العائلة التي لم تعد تعرفها.
تراجعت بهدوء، خطوة خطوة، حتى خرجت من مدى رؤيتهم.
لم يلاحظها أحد، فالجميع كان غارقاً في مأساته.
سارت في الممر الطويل الفارغ وأحست بأنها تسير بعيداً عن حياتها القديمة كلها.
لقد رأت الثمن، والثمن كان باهظاً جداً.
يجب أن ترحل.
***
في صباح اليوم التالي كان قد ذهب الجميع بأمر من الطبيب، وظلت ليل مع ابنتها، وكذلك ونس التي لم يستطع أحد إقناعها بالعودة.
في غرفة نغم..
كانت نغم تسبح في محيط أسود لا قرار له، محيط من اللاوعي كان هادئًا ودافئًا ومريحًا.
لم تكن تريد أن تغادره أبدًا.
لكن كانت هناك أصوات تخترق هذا السكون، أصوات حادة كشظايا الزجاج المكسور تتكرر في رأسها كصدى مشؤوم.
"مات..."
"لا لسه بيتنفس...."
"اطلبوا الإسعاف حالًا...."
"صوت ارتطام عنيف....."
"رمى نفسه عليها عشان يحميها......"
كانت هذه الكلمات تطاردها في الظلام، تجبرها على أن تتذكر ما لا تريد تذكره.
كانت ترفض العودة إلى الواقع، ترفض الاصطدام ببشاعته.
حاولت أن تغوص أعمق في محيط الظلام، أن تختبئ في سكونه الأبدي، لكن ألمًا حادًا في صدرها كان يعيدها إلى السطح، ألم جعلها تئن بصوت خافت متقطع.
حينها شعرت بشيء دافئ يمسك بيدها، شعرت بلمسة حانية، وأصوات أخرى تعرفها، أصوات من عالم النور، عالم الواقع الذي تهرب منه.
"نغم يا حبيبتي فوجي يا بنيتي عشان خاطري.."
كان هذا صوت أمها، صوت يملؤه القلق والحب.
"نغم فوجي يا بنيتي محتاجالك."
وهذا صوت ونس، صوت يرتجف من الخوف.
كانتا تحاولان سحبها من محيطها المظلم إلى عالمهما المؤلم، لكنها كانت تقاوم، لا تريد العودة، لن تتحمل قسوة الخبر الذي ينتظرها هناك.
كانت تعرف أن هناك شيئًا فظيعًا قد حدث، شيئًا يتعلق بكلمة "مات"... وشيئًا يتعلق بالرجل الذي رمى نفسه عليها ليحميها...
فتح باب الغرفة بهدوء ودخل الطبيب الذي اقترب من سرير نغم وفحص مؤشراتها الحيوية، ثم نظر إلى ونس وليل.
"هي بتستجيب وده كويس جدًا، لازم تفضلوا تتكلموا معاها، لأن شكلها رافضة الواقع خالص.."
أمسكت ليل بيد ابنتها الباردة وتكلمت بصوت يائس.
"نغم عشان خاطري فوجي أنا محتاچالك جوي، متسبينيش لحالى مجدرش أعيش من غيرك أنتِ وأختك."
شعرت نغم بدموع أمها الساخنة تسقط على يدها، وشعرت بكلماتها تخترق حصونها شيئًا فشيئًا.
لم تعد تستطيع المقاومة أكثر، الألم في صدرها يزداد، والأصوات الحنونة تناديها بإصرار.
فتحت عينيها ببطء شديد، كان الضوء ساطعًا ومؤلمًا.
أغمضتهما وفتحتهما مرة أخرى، فرأت وجه أمها الباكي ووجه ونس القلق يطفوان فوقها كأنهما حلمان بعيدان.
نطقت ليل بلهفة.
"نغم حبيبتي أنتِ سامعاني."
حاولت نغم أن تتكلم، لكن لم يخرج من حنجرتها سوى صوت أجش ضعيف.
حركت شفتيها بكلمة واحدة، سؤال واحد، كان يحوم في رأسها منذ أن بدأت تستيقظ.
"جاسر..."
تجمدت ملامح ليل وونس وتبادلتا نظرة سريعة مليئة بالألم والحيرة.
ماذا يقولان لها؟ كيف يخبرانها بالحقيقة القاسية، وهي في هذه الحالة الضعيفة.
لم تكونا تعرفان أن سؤالها هذا ليس عن حالته، بل هو محاولة يائسة لتكذيب الصوت الذي يتردد في رأسها ويقول "مات".
بدأت تعود نغم إلى عالم الواقع على دفعات، كمن يصعد من أعماق المحيط نحو سطح عاصف.
كان أول ما استقبلها هو الألم، ألم حاد نابض في ضلوعها يذكرها مع كل نفس بأن جسدها قد تحطم.
ثم جاءت الأصوات واضحة هذه المرة، صوت بكاء أمها المكتوم وصوت أنفاس ونس المتسارعة.
فتحت عينيها بالكامل وثبتت نظراتها الضائعة على وجه أمها.
"أمي."
"حبيبتي حمد لله على سلامتك يا روح جلبي."
لكن نغم لم تكن تهتم بسلامتها، كان هناك سؤال واحد فقط يحترق في عقلها، سؤال يجب أن تعرف إجابته وإلا سيموت كل شيء بداخلها.
نظرت إلى ونس ثم إلى أمها وكررت الكلمة التي نطقتها قبل أن تغيب عن الوعي، لكن هذه المرة كانت نبرتها تحمل كل رجاء العالم وكل رعبه.
"جاسر..... جاسر...... فين؟"
ساد صمت مريع في الغرفة، صمت لم يدم سوى ثواني لكنه كان أبديًا.
تجمدت ملامح ليل بينما أشاحت ونس بوجهها غير قادرة على مواجهة نظراتها.
كان هذا الصمت هو الإجابة التي كانت تخشاها.
اخترق الرعب قلبها كشفرة جليدية.
لا مستحيل، لا يمكن أن يموت ويتركها هكذا، لا يمكن أن تكون آخر كلماتهما معًا كلمات غضب وخيبة أمل، لا يمكن أن يرحل وهي مدينة له بحياتها.
"جاسر....فين؟"
صمتهما المستمر كان يقتلها، شعرت بأن الجدران تطبق عليها وأن الهواء ينسحب من الغرفة.
"مستحيل مستحيل يموت ويسيبني بعد ما زعلته مستحيل."
حاولت أن تنهض أن تنتزع الأجهزة الموصولة بها، لكن حركة بسيطة أرسلت موجة من الألم المبرح عبر صدرها، فانطلقت منها صرخة ألم حقيقية، صرخة ممزوجة باليأس.
"آآآه."
قالت ليل بلهفة.
"اطمني جاسر كويس بس هو في العناية دلوجت."
كانت كلمة "العناية" هي الشرارة التي أشعلت حريقاً من اليأس في روح نغم.
لم تسمع كلمة "كويس" في قاموس المستشفيات.
"العناية" تعني أن الروح معلقة بخيط رفيع بين الحياة والموت.
"لأ... لأ... بتكدبوا عليا..." همست بها بصوت متقطع وهي تهز رأسها بعنف.
نظرت إلى وجه أمها إلى وجه ونس رأت الشفقة وهذا أكد لها أسوأ مخاوفها، إنهم يخفون عنها الحقيقة.
"مستحيل... مستحيل يموت ويسيبني مش هسمحله.."
قد لا تراه مرة أخرى ليسمع كلمة "آسفة".
هذا الإحساس بالذنب كان أقوى من أي ألم جسدي كان سماً ينهش روحها.
"هو عمل أكده عشان ينقذني... أنا السبب... أنا اللي جتلته..."
اندفعت ليل نحوها.
"يا بنتي حرام عليكي نفسك! اهدي يا جلب أمك."
دلف طبيب آخر ليتفاجئ بما يحدث.
"في ايه يا جماعة ازاي تسبوها تتحرك كدة."
ردت ليل.
"عايزة تروح لجوزها تطمن عليه."
قال الطبيب بقلق.
"يا مدام نغم لو اتحركتي تاني هتأذي نفسك أكتر! الضلع المكسور چنب الرئة، أي حركة غلط ممكن تعمل كارثة!"
لكن نغم لم تكن تسمع، كانت دموعها تنهمر كشلال حارق.
"لازم أشوفه... ودوني له... لازم أتأكد بنفسي..."
وافق الطبيب أمام ذلك الإصرار وإن ذهابها إليه أفضل من انهيارها وحركتها التي تضرها أكثر.
قال للممرضة.
"هتلها كرسي وخليها...."
قاطعته نغم وهي تهز رأسها برفض قاطع ونظرت إليهم بعينين تقدحان ناراً من الإصرار والألم.
"لأ... مش هركب حاچة هروح له على رجليا."
صاحت ليل.
"إنتي اتچننتي يا نغم! كيف هتمشي وأنتي إكده؟"
نظرت نغم إلى أمها وفي صوتها كان هناك قوة غريبة، قوة ولدت من رحم الألم، قوة استدعتها من ذكرياتها معه.
"هو... هو اللي علمني أكون جوية. علمني مواجهش ضعفي بالهروب مش هروح له وأني ضعيفة ومكسورة على كرسي هروح له واجفة."
كانت كلماتها جنوناً، لكنه كان جنوناً منطقياً بالنسبة لها.
أن تذهب إليه محمولة يعني أنها تعترف بالهزيمة، وهو لم يعلمها الهزيمة قط.
في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة ودخل عمها سالم.
توقف مكانه وهو يرى المشهد: نغم تحاول الوقوف والطبيب وأمها يحاولان منعها ووجهها شاحب كالموتى لكن عينيها تشتعلان حياةً وإصراراً.
"فيه إيه؟ إيه اللي بيوحصل إهنه؟"
قالت نغم بصوتٍ يرتجف من الألم والإصرار، موجهة حديثها لعمها.
"عايزة أروح لچاسر يا عمي وهروح له على رجليا."
نظر سالم إلى الطبيب الذي هز رأسه برفض، ثم نظر إلى ابنة أخيه رأى في عينيها شيئاً مختلفاً، لم يرى عناداً طفولياً بل رأى قوة امرأة تحارب من أجل رجلها.
رأى فيها صدى من قوة جاسر نفسه وأدرك أنها لن تتراجع.
تقدم نحوها بخطوات ثابتة وتجاهل كل الاعتراضات.
وقف أمامها، وقال بهدوء وحسم.
"هتروحي له على رجليكي."
ثم استدار نحو الطبيب.
"جهزوا اللازم وأني هسندها المسؤولية مسؤوليتي."
تحت نظرات الجميع المصدومة، انحنى سالم وساعد نغم على الوقوف.
ما إن استقامت قامتها، حتى أطلقت أنيناً طويلاً مكتوم وشعرت وكأن ألف سكين تخترق صدرها.
أمسكت بذراع عمها بقوة تكاد أظافرها تنغرس في لحمه، كانت ترتجف بالكامل والعرق البارد يغطي جبينها.
ووضع سالم يدها الأخرى بين يده وذراعه الآخر هو حول خصرها، ليحمل معظم وزنها.
"جاهزة يا بت أخوي؟"
أومأت برأسها ودموع الألم تختلط بدموع الإصرار.
وبدأا المسيرة، كانت أبطأ وأقسى مسيرة في حياتها، كل خطوة كانت جحيماً، كل نفس كان حريقاً في صدرها.
كانت تسير وهي تبكي بصمت، لا من الضعف بل من شدة الألم.
كان عمها يسير معها بنفس البطء، صامتاً، قوياً، يقدم لها الدعم الجسدي والمعنوي الذي تحتاجه.
كان مشهداً مهيباً ومؤلماً، ابنة الرفاعي تسير متحدية الموت لترى عدو الأمس، ابن التهامي مسنودة على كتف عمها الذي كان يوماً ألد أعدائه.
لقد محا الألم كل الخطوط ولم يترك سوى رابطة إنسانية قوية ورغبة امرأة في الوصول إلى الرجل الذي أصبح روحها، حتى لو كان الثمن هو تمزيق جسدها خطوة بخطوة.
كان هناك ألم واحد فقط تشعر به، ألم الخوف عليه.
عندما وصلوا إلى باب العناية المركزة توقفوا.
أخذت نفسًا عميقًا ودفع عمها الباب.
كان راقدًا هناك في منتصف الغرفة كجبل هادئ بعد عاصفة مدمرة.
سرير أبيض وجسد عاري الصدر، موصول بشبكة معقدة من الأنابيب والأسلاك.
كانت الأجهزة من حوله تصدر أصواتًا منتظمة، هي الدليل الوحيد على أنه لا يزال على قيد الحياة.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه مغمضتين، وهناك كدمة كبيرة على صدغه.
بصعوبة وألم لا يحتمل سارت نحوه بخطوات بطيئة متعثرة تسندها الممرضة التي أخذتها من يد سالم.
كل خطوة كانت أصعب من التي قبلها، وقفت بجانب سريره ولم تعد قادرة على التحكم في دموعها.
انهمرت بصمت وهي تتأمل الرجل الذي كان قبل ساعات كتلة من الغضب والقوة، والآن هو كتلة من السكون والضعف.
انحنت نحوه ويداها ترتجفان وهي تمدها لتلمس يده الباردة.
"جاسر.... أنا آسفة...."
كانت الكلمة أثقل من الجبال.
"أنا السبب..... أنا اللي عملت فيك اكده، مكنش المفروض أكسر كلامك... مكنش المفروض أزعلك سامحني.... عشان خاطري سامحني...."
كانت تريد أن تضع رأسها على صدره لكن الألم يزداد مع كل حركة وكل نفس.
كانت شهقاتها تهز جسدها المتألم.
"متسبنيش..... سامع أوعى تسيبني.... وتمشي...... لو عملتها......لو اتخليت عني دلوجت..... أنا عمري ما هسامحك.... ارچعلي يا جاسر أنا محتاچالك ارجع عشاني..."
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم رانيا الخولي
كان انهيار نغم يمزق القلوب.
رأت الممرضة بحالها وهي منهارة على سرير الرجل الذي يصارع من أجل حياته.
اقتربت منها بهدوء ووضعت يدها على كتفها.
"يا مدام نغم كفاية كده لازم تخرجي ترتاحي. وجودك هنا غلط على صحتك وغلط عليه هو كمان."
رفعت نغم رأسها ونظرت إليها بعينين متورمتين تائهتين كأنها لا تفهم كلماتها.
"أخرج؟ أسيبه لوحده؟ مستحيل. أنا مش هتحرك من هنا غير وهو معايا."
"بس كده انتي بتضريه وبتضري نفسك، انتي لازم ترتاحي."
هزت رأسها برفض تام.
"أنا لو طلعت من هنا هموت، ولو أنا مت هو مش هيقدر يعيش من غيري."
نظرت الممرضة إلى سالم من الزجاج الداخلي نظرة مستنجدة.
ففهم الإشارة، تقدم سالم نحوها ووضع يده على ذراعها برفق.
"يلا يا نغم عشان خاطري لازم نخرج. الدكتور قال الزيارة ممنوعة."
لكن بمجرد أن لمسها سالم، تشبثت بيد جاسر الباردة بكل ما أوتيت من قوة، وصرخت صرخة ممزقة خرجت من أعماق روحها.
"محدش هيخرجني من هنا. ابعدوا عني."
كانت تصرخ من الألم الحاد الذي انغرس في ضلوعها مع كل حركة، وتصرخ من ألم أعمق في روحها لأنهم يريدون أن يفرقوها عنه مرة أخرى.
على صوت صراخها دخل الطبيب ورأى المنظر الفوضوي.
نغم متشبثة بجاسر وسالم يحاول تهدئتها والجميع ينظرون بعجز.
"إيه اللي بيحصل بالظبط، دي مينفعش وجودها هنا، خطر على المريض وخطر عليها هي كمان، لازم تخرج حالًا."
أشار الطبيب للأمن بالتقدم.
لكن سالم وقف بينهم وبين نغم كأنه جدار.
"محدش يجرب منها، أنا هخرجها."
تقدم من نغم التي ما زالت متشبثة بيد جاسر ودموعها تنزل بغزارة.
"نغم الدكتور قال إن كده خطر عليه لازم تخرجي عشان يخف."
وضعت يدها الأخرى على صدرها بألم شديد وتمتمت بعناد.
"مجدرش أسيبه لوحده. أنا زعلته مني ومش هسيبه إلا لما يجولي سامحتك."
"بس أكده وبطريقتك دي مش هيفوق. وحتى لو فاق هتكوني أكتر واحدة محتاجة لها جنبه، وانتي بحالتك دي مش هتكوني جنبه. سيبيه عشان يتحسن وانتي كمان تتحسني."
بدأ تنفسها يثقل من شدة الألم الذي لم يعد يطاق.
لكنها واصلت عنادها، فقط يفتح عينيه ويخبرها أنه سامحها لا تطلب أكثر من ذلك.
"لأ... لأ... يا عمي... لأ... خايفة أخرج من هنا يموت ويسبني."
رد الطبيب بحدة.
"بطريقتك دي هتخليه يموت فعلا، دي مش عناية مركزة دي بقت مشكلة."
نظر للأمن وقال بانفعال.
"خرجوها بسرعة."
صاح سالم بقوة.
"قلت محدش يجرب منها."
تراجع الأمن أمامه قوته ونظر إلى نغم.
"يلا معايا وأنا أوعدك إني هجيبك عنده. هو دلوقتي نايم ومش حاسس بشيء. يلا دلوقتي وأوعدك هجيبك عنده تاني."
هزت رأسها بنفي وهي تنظر لجاسر وكأنهما في عالم آخر.
"مش هسيبه. هو حماني بروحه، وأنا مش هسيبه لوحده. ابعدوا."
تشبثت بيده أكثر رغم الألم الذي هاجمها وصاحت بهم أن يبعدوا عنها.
حينها لم يجد سالم سوى القوة.
لكن نغم كانت قد فقدت السيطرة تمامًا، كانت تصرخ وتقاوم أي يد تحاول لمسها.
أدرك الطبيب أن حالتها النفسية تنهار وأنها ليست في وعيها.
أمر بصوت حاسم.
"لازم تخرج بالإجبار دي أوامر."
عندما رأى سالم أن الوضع سيخرج عن السيطرة وأنهم سيستخدمون القوة ضدها، اتخذ قراره في لحظة.
تجاهل الأمن وتجاهل الطبيب واقترب منها هو بنفسه.
لم يلمس ذراعها هذه المرة بل شدها بقوة مفاجئة إلى حضنه محتويًا جسدها المرتجف والمقاوم بين ذراعيه.
وهمس في أذنها بصوت حاسم ومؤلم.
"لو عايزاه يرجع لازم تخرجي. لو بتحبيه بجد اخرجي عشان تديله فرصة يعيش."
كانت كلماته هي الضربة القاضية.
فظلت تصرخ وتقاوم في حضنه لثواني أخيرة كأنها طفل يائس.
ثم فجأة توقفت حركتها وارتخى جسدها بالكامل بين ذراعيه.
لقد فقدت وعيها أخيرًا، مستسلمة للألم الجسدي والنفسي الذي كان أكبر من أن يتحمله جسدها المحطم.
حملها سالم بين ذراعيه وخرج بها من غرفة العناية المركزة، تاركًا خلفه جاسر راقدًا في سكونه.
وصوت الأجهزة الذي أصبح فجأة أعلى وأكثر وحشة بعد أن غاب صوت صراخها المتألم.
مرت ثلاثة أيام كأنها ثلاثة دهور.
كانت الأيام تتشابه في ثقلها ورتابتها المؤلمة.
في غرفة نغم...
كانت تخوض حربها الخاصة.
كلما بدأت تستعيد وعيها وتتلاشى آثار المهدئات، كان أول اسم تنطق به هو "جاسر".
وأول طلب لها هو أن تذهب إليه.
وعندما كانوا يرفضون، كانت تنهار بشكل كامل.
تجبر الأطباء على إعطائها مهدئًا آخر لتهدأ وتنام وتهرب من واقعها المؤلم.
كان انهيارها المتكرر يؤخر شفاء جروحها الجسدية.
لكن لا أحد كان يملك قلبًا ليمنعها من السؤال.
كان مالك يجلس على مقعد معدني بارد في الردهة يراقب باب العناية المركزة الذي لم يتغير شيء خلفه.
كان يرى حزن الجميع وقلقهم، لكنه كان يشعر بشيء مختلف.
كان يشعر بثقل سر يعرفه وحده، سر يجعله ينظر إلى هذا الباب المغلق ويرى ما هو أبعد من مجرد رجل في غيبوبة.
تنهد مالك وأغمض عينيه للحظة.
فانسحب به الزمن إلى الوراء إلى ما قبل الحادثة بيومين.
فلاش باك.
كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما توقفت سيارة جاسر في مكان مقطوع على أطراف البلدة.
نزل منها ووقف ينتظر.
وبعد دقائق وصلت سيارة مالك الذي نزل منها بحذر وهو لا يفهم سبب هذا اللقاء السري.
"خير يا جاسر طلبت تجابلني ليه؟"
لم يرد جاسر على الفور، بل ظل ينظر إلى الأفق البعيد، كأنه يرى شيئًا لا يراه مالك.
ثم التفت إليه وأعطاه مظروفًا سميكًا.
"خد ده خليه معاك."
أخذ مالك المظروف وفتحه فوجد فيه أوراقًا رسمية.
نظر إليها بصدمة وعدم فهم.
"ده تنازل عن بيت الجبل والأرض اللي حواليه باسم نغم وباسم أمي."
نظر جاسر إليه مباشرة وعيناه تحملان جدية لم يرها فيه من قبل.
"لو جرالي حاجة الأوراق دي تظهر وتتنفذ فورًا. البيت ده والأرض دي حقهم ومحدش غيرهم ليه فيه حاجة."
أخرج مظروف آخر من سترته واعطاه له.
"وده ورقة بملكية أرض لـ عمتي. ده حقها في أرض أبوها، إنما السرايا مش بإيدي ورقتها. لو جرالي حاجة خرّجهم."
شعر مالك بقبضة باردة تعتصر قلبه.
"يجرالك حاجة؟ إيه اللي بتجوله ده يا جاسر؟ في إيه ومين اللي ممكن يأذيك؟"
ابتسم جاسر ابتسامة باهتة خالية من أي تعبير.
"الدنيا ملهاش أمان يا مالك، أنا بوصيك عليهم لو غبت، نغم وأمي أمانة في رقبتك."
حاول مالك أن يستجوبه أكثر.
"جاسر أنا مش فاهم حاجة، أنت مخبي إيه؟"
لكن جاسر لم يمنحه فرصة، استدار وركب سيارته دون أن ينطق بكلمة أخرى، وانطلق بها بسرعة تاركًا مالك واقفًا في مكانه والمظروف في يده يشعر بثقل الوصية وبأن هناك عاصفة قادمة لا محالة.
عودة إلى الحاضر.
فتح مالك عينيه على صوت باب العناية المركزة وهو يُفتح.
خرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة مرهقة لكنها ابتسامة حقيقية هذه المرة.
تجمع الجميع حوله في لحظة واحدة وقد حبسوا أنفاسهم.
"الحمد لله المريض فاق."
تعالت كلمة الحمد من الجميع.
لكن وسط هذه الفرحة العارمة، كان هناك رجل واحد لم يبتسم، رجل واحد تجمدت ملامحه وتحولت إلى قناع من الصدمة المطلقة.
صخر.
لقد كان يقف بعيدًا كعادته، وعندما سمع كلمة "فاق" اتسعت عيناه برعب حقيقي.
لم يكن هذا ما توقعه، لم يكن هذا ما يخطط له.
فـ عودة جاسر إلى الحياة الآن لا تعني انتهاء الخطر بل تعني بداية خطر من نوع آخر، خطر لا يهدد عائلة الرفاعي بل يهدده هو شخصيًا.
❈-❈-❈
كان جاسر يسبح في فراغ لا لون له ولا صوت، فراغ أسود كان يبتلعه بالكامل.
لم يكن هناك ألم ولا ذاكرة ولا حتى إحساس بالزمن.
كان مجرد وجود معلق في العدم.
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.
في البداية كان همسًا بعيدًا، صوتًا مألوفًا يخترق جدار الصمت المحيط به.
"جاسر أنا آسفة."
كان الصوت مكسورًا ومبللًا بالدموع، لكنه كان كخيط من نور تسلل إلى ظلمته المطلقة.
تشبث بهذا الخيط كأنه طوق النجاة الوحيد.
"ارجعلي يا جاسر أنا محتاجاك، ارجع عشاني."
لكنه شعر بأنه بعيد وبينهما هوة سحيقة لا يستطيع تجاوزها.
ويختفي كل شيء مرة أخرى.
بدأ الظلام يتبدد ببطء شديد وحل محله ضباب رمادي كثيف.
وبدأت حواسه تعود إليه واحدة تلو الأخرى.
شعر بثقل يضغط على جسده كله، وشعر ببرودة تخترق جلده وسمع صوتًا منتظمًا بجانب أذنه، صفير حاد ومتكرر.
ثم جاء الألم.
بدأ كشرارة صغيرة في صدره.
ثم انفجر فجأة ليتحول إلى حريق هائل يجتاح جسده كله.
ألم حاد ومميت جعله يئن دون وعي.
حاول أن يفتح عينيه لكن جفونه كانت ثقيلة كأنها مصنوعة من الرصاص.
قاوم بكل قوته المتبقية، حارب الظلام وحارب الضباب، وحارب الألم الذي كان يحاول إغراقه مرة أخرى.
لقد كان هناك صوت يناديه، صوت يجب أن يعود من أجله.
أخيرًا وبعد صراع بدا كأنه استمر دهرًا، تمكن من فتح عينيه.
كان كل شيء أبيض ومبهرًا بشكل مؤلم، سقف أبيض، جدران بيضاء، أضواء بيضاء ساطعة.
أغمض عينيه وأعادهما مرة أخرى محاولًا التأقلم مع هذا العالم الجديد.
حرك رأسه ببطء شديد فشعر بألم حاد في صدغه.
نظر إلى جانبه بوهن فرأى أجهزة غريبة وأنابيب تخرج من ذراعه.
أين هو؟ ما هذا المكان؟
حاول أن يتكلم لكن لم يخرج من حنجرته سوى هواء جاف ومؤلم.
شعر بحلقه كأنه صحراء قاحلة، حاول أن يبلع ريقه فلم يجد.
في تلك اللحظة دخلت ممرضة إلى الغرفة لتفحص الأجهزة.
فتجمدت في مكانها عندما رأته وعيناه مفتوحتان.
اتسعت عيناها بدهشة ثم ابتسمت وركضت إلى خارج الغرفة وهي تصرخ.
"دكتور أحمد المريض فاق، مريض العناية فاق."
لم يفهم جاسر ما يحدث لكنه رأى وجوهًا تطل عليه من زجاج الغرفة.
ثم انفتح الباب ودخل طبيب ومعه ممرضتان.
اقترب الطبيب منه ووضع ضوءًا صغيرًا في عينيه.
"حمدلله على السلامة يا جاسر... إنت عارف إنت فين؟"
هز جاسر رأسه ببطء شديد نافيًا وهو لا يزال يحاول فهم ما يجري.
"إنت في المستشفى، عملت حادثة كبيرة بس الحمد لله ربنا نجاك."
حادثة...
عندما نطق الطبيب بالكلمة، انفجر كل شيء في رأسه فجأة.
عادت إليه الصور كأنها ومضات برق خاطفة.
صوت صراخ نغم، صوت ارتطام المعدن، صوت الزجاج وهو يتحطم أمامه، ثم صورته وهو يرمي نفسه فوقها ليحميها من الاصطدام الأخير.
"نغم... هي... فين؟ هي... كويسة؟"
انتفض جسده فجأة محاولًا النهوض، لكن الألم في صدره كان كطعنة سكين أجبرته على التراجع وهو يلهث، والأجهزة من حوله بدأت تطلق صفيرًا عاليًا.
"نغم... هي... فين؟ هي... كويسة؟"
حاول الطبيب تهدئته.
"اهدأ يا جاسر مينفعش تتحرك، المدام كويسة وفي أمان."
لكنه لم يصدقه، لم يصدق أحدًا.
كانت عيناه زائغتين تبحثان عنها في كل مكان كأنه مجنون.
"عايز أشوفها... لا زم أشوفها... دلوقتي."
كان صوته أجشًا ومتقطعًا، لكنه كان يحمل أمرًا لا يقبل النقاش.
رأى الطبيب الإصرار في عينيه وأدرك أنه لن يهدأ قبل أن يراها، فأشار للممرضة.
"جهزوا المدام نغم عشان تشوفه بس خمس دقايق مش أكتر."
خرج الطبيب والممرضات وبقي جاسر وحده مرة أخرى مع صوت الأجهزة، ومع ألمه ومع صورها التي لا تفارق عقله.
لقد عاد من الموت لكنه لن يشعر بأنه حي حقًا إلا عندما يرى وجهها، ويتأكد أنها بخير.
فاكل هذا الألم وكل هذا الصراع لم يكن من أجله بل كان من أجلها هي فقط.
فاقت نغم هذه المرة بهدوء غريب.
لم تصرخ ولم تحاول النهوض مثل كل مرة تعود لوعيها.
كانت عيناها مفتوحتين تحدقان في سقف الغرفة الأبيض الفارغ كأنها استسلمت أخيرًا، كأن روحها قد انطفأت وتركت خلفها جسدًا فارغًا ينتظر النهاية بصمت.
كانت ونس تجلس بجانبها تحاول أن تبدو قوية من أجلها، لكن قناع القوة الذي كانت ترتديه بدأ يتشقق.
لم تعد قادرة على التحمل أكثر من ذلك.
فهذا الذي يرقد في غرفة أخرى ليس مجرد رجل، إنه ابنها الوحيد ثمرة حياتها كلها.
ليس لها غيره في هذا العالم، وفكرة أنه قد يرحل كانت تحطمها من الداخل ببطء.
مر أسبوع أرهق قلبها وروحها.
تذهب إليه لتراه من خلف الزجاج فتعود بقلب ملتاع عليه.
أما ليل فكانت تجلس على الجانب الآخر تمسك بيد نغم الباردة وتنظر إلى ونس بعينين تحملان كل التعاطف.
كانت تشعر بألمها لأنها أم مثلها.
كانت تتذكر بوضوح حزنها وغضبها من جاسر يوم أن خطف نغم.
لكن كل هذا تلاشى وتبخر في اللحظة التي جاء إلى منزلهم يعتذر منهم، وأكثر حينما فداها بروحه.
لقد أصبح غاليًا في قلبها كابنها مثل مالك وسند.
وفجأة انفتح الباب ودخلت الممرضة وعلى وجهها ابتسامة عريضة ومشرقة، كأنها تحمل معها شمس الصباح.
"مدام نغم حمدلله على سلامة، الأستاذ جاسر فاق وعايز يشوفك."
سقطت الكلمات في صمت الغرفة كأنها قطرات مطر تسقط على أرض عطشى.
فاق... كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تعيد الحياة إلى الأرواح الميتة.
نظرت نغم إلى الممرضة بعينين غير مصدقتين.
لم تستطع أن تتكلم، لم تستطع أن تتحرك.
كل ما فعلته هو أنها بدأت تبكي.
بكت بصمت ودموعها تنهمر على خديها كأنها نهر جارف يغسل كل الحزن واليأس الذي تراكم في الأيام الماضية.
لم تكن دموع حزن بل كانت دموع فرح خالص، فرح نقي كأنه فرح طفل صغير.
أما ونس فقد شهقت ووضعت يدها على فمها، ثم انفجرت في بكاء عالي.
لم تعد تحاول أن تكون قوية، لقد عادت إليها روحها وعاد إليها ابنها.
اقتربت الممرضة من نغم وساعدتها على النهوض من السرير.
"يلا عشان تشوفيه، هو سأل عليكي أول واحدة."
كان الألم في ضلوع نغم قد خف قليلًا لكنه كان لا يزال موجودًا يذكرها بالحادث مع كل حركة.
ومع ذلك لم تهتم به، تحاملت على نفسها وعلى ضعفها وسارت مستندة على الممرضة، وليل تسندها من الجانب الآخر.
كانت كل خطوة تقربها منه تمنحها قوة أكبر، وكل نفس تأخذه كان يملأ رئتيها بالأمل.
لم تعد تلك الفتاة المستسلمة التي كانت تحدق في السقف قبل دقائق، بل عادت نغم المحاربة التي ستفعل أي شيء من أجل الرجل الذي ينتظرها في الغرفة المجاورة، الرجل الذي عاد إليها من الموت.
انفتح باب الغرفة ببطء، فرفع جاسر رأسه بكل ما تبقى له من قوة.
دخلت نغم.
كانت تتسند على الممرضة، وخطواتها بطيئة ومترددة.
كان الألم واضحًا على ملامحها مع كل حركة، لكن كانت هناك ابتسامة صغيرة مرتعشة تزين شفتيها، ابتسامة كانت بالنسبة له أجمل من شروق الشمس بعد ليل طويل.
في تلك اللحظة توقف الزمن.
لم يعد هناك مستشفى ولا أجهزة، ولا ألم.
لم يكن هناك سوى هما الاثنان.
أومأ جاسر للممرضة إشارة صامتة لكنها واضحة بأن تتركها.
فهمت الإشارة وساعدت نغم على الوصول إلى الكرسي بجانب سريره، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها.
بقيا وحدهما في صمت يتأملان بعضهما البعض، وعيونهما تحكي كل القصص التي لم تُقل.
كانت عيناهما تحملان الشوق، والخوف، والندم، والراحة، والحب.
حب عميق وقوي لدرجة أنه نجا من الموت نفسه.
مد جاسر يده التي لم تكن موصولة بالأنابيب نحوها.
فوضعت يدها في يده على الفور وشعرت بدفء خفيف يعود إليها، دفء كانت تفتقده بشدة.
تشابكت أصابعهما معًا كأنهما قطعتان من روح واحدة وجدتا بعضهما أخيرًا.
كان هو أول من كسر الصمت، وصوته خرج أجشًا ومبحوحًا لكنه كان يحمل كل حنان العالم.
"وحشتيني..."
انفجرت دمعة هاربة من عينيها ومسحتها بسرعة.
"إنت كمان يا جاسر، خوفتني عليك قوي."
شد على يدها برفق.
"كنت خابر إنك مستنياني عشان كده رجعت."
صمتت للحظة ثم قالت بصوت يملؤه الأسف والندم.
"أنا آسفة يا جاسر أنا السبب في كل ده."
وضع إصبعه على شفتيها برفق ليمنعها من إكمال كلامها.
"أوعي تجولي الكلمة دي تاني، اللي حصل ده قضاء وقدر مش غلطتك إنتي."
نظرت إليه بحب وامتنان، وشعرت بأن قلبها سيتوقف من فرط المشاعر.
"أنا كمان بحبك قوي يا جاسر."
اقتربت منه بوجهها رغم الألم الذي شعرت به في ضلوعها، وطبعت قبلة رقيقة على جبهته، ثم قبلة أخرى على صدغه حيث كانت الكدمة، كأنها تحاول أن تمحو كل أثر للألم الذي عانى منه.
ظل هو ينظر إليها يتأمل كل تفصيلة في وجهها الشاحب، يمرر إبهامه على يدها برقة لا نهائية.
"لما كنت هناك في الضلمة دي كنت بسمع صوتك بينادي عليا، صوتك هو اللي رجعني."
لم تعد تستطيع حبس دموعها، فانهمرت بصمت وهي تبتسم من خلالها.
"وعدتك إني مش هسيبك."
"وأنا بوعدك إني عمري ما هسيبك تاني يا نغم، إنتي روحي ومن غيرك أنا ميت."
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات.
بقيا هكذا، يداهما متشابكتان وعيونهما تتحدثان بلغة لا يفهمها سواهما، لغة الأرواح التي كُتب لها أن تجد بعضها البعض في خضم العاصفة، وأن تنجو معًا، لتثبت أن الحب الحقيقي أقوى من الكراهية، وأقوى من الألم وأقوى حتى من الموت.
❈-❈-❈
كان صخر يقف في زاوية مهجورة من مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى، تحت ضوء مصباح خافت كان يرمي بظلال طويلة ومخيفة.
كان يتحدث في هاتفه بصوت منخفض حاد كأنه فحيح أفعى، حتى جاءه الرد.
"إزاي يعني فاق إزاي؟"
"هو ده اللي حصل يا هاشم بيه فاق وبيتكلم كمان."
أتاه صوت هاشم من الطرف الآخر، صوت غليظ يقطر غضبًا وعدم تصديق.
"أنا قولتلك نخلص عليه في المستشفى من أول يوم، إنت اللي رفضت وقولت نصبر."
ضرب صخر بيده على الحائط الأسمنتي بجانبه بقوة مكتومة.
"وأنا كان إيه يعرفني إنه زي القطط بسبع أرواح، كنت متخيل إنه هيموت لوحده في العناية من غير وش ولا حاجة، مكنتش عامل حسابي على المعجزات دي."
"أنا صبري نفد يا صخر، أنا صبرت كتير أوي ومستعد أصبر كمان بس الأرض دي أنا عايزها بأي شكل وبأي تمن، جاسر ده لازم يختفي من على وش الدنيا."
تنهد صخر بعمق، محاولًا السيطرة على غضبه وعلى الموقف الذي بدأ يخرج عن سيطرته.
"ومين جالك إني مش موافق بس مش دلوقتي. مش وهو لسه فايق والعيون كلها عليه في المستشفى، أي حركة غبية مننا دلوقتي هتفضحنا كعائلتنا."
ساد صمته للحظات يفكر بسرعة، يرتب أوراقه المبعثرة.
"اسمعني زين يا هاشم، إحنا هنستنى شوية لحد ما الأمور تهدى والكل يطمن إنه بقى زين وبعدين نتصرف."
"نستنى لحد امتى؟ أنا مش هستنى العمر كله."
قال صخر بنبرة حاسمة قاطعة، لا تقبل النقاش.
"اديني فرصة أخيرة، فرصة واحدة بس. هحاول معاه للمرة الأخيرة بالطريقة السهلة، لو رفض يبقى بعدها ملكش صالح بحاجة واصل، أنا اللي هتصرف بنفسي وهخلص عليه بطريقتي الخاصة، طريقة تخليه يتمنى الموت ومايطولوش."
ساد صمت طويل على الطرف الآخر، ثم أتاه صوت هاشم وهو يتنهد باستسلام على مضض.
"ماشي يا صخر، دي آخر فرصة ليك وليه، لو منفعتش يبقى مفيش غير الطريقة الصعبة."
أغلق صخر الخط ونظر إلى مبنى المستشفى المضاء أمامه، وعلى وجهه تعابير مظلمة.
لم يكن يخشى قتل جاسر، بل كان يخشى ما سيترتب على قتله.
لكنه الآن أصبح محاصرًا بين ولاء قديم ووعد جديد، وبين رجل عنيد لا يتنازل عن حقه، ورجل آخر أكثر عنادًا لا يتنازل عن أرضه.
وكان عليه أن يختار، والاختيار في كل الأحوال يعني أن الدماء ستسيل لا محالة.
❈-❈-❈
بدأت صحة جاسر ونغم تتحسن ببطء لكن بثبات، وانتقل أخيرًا من العناية المركزة إلى غرفة عادية بجوار غرفة نغم، كأنهما كوكبان يدوران في نفس الفلك المؤلم.
خلال هذه الفترة، كان جاسر يراقب بصمت شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا.
كان يرى عائلة الرفاعي.
كانوا هناك دائمًا كأنهم حراس صامتون على بوابات عالمه الجديد.
وهدان بعصاه وقوته الصامتة، وسالم وحامد بأسئلتهما القلقة ومالك وسند بوجودهما الدائم الذي لا يطلب شيئًا.
كانوا يتناوبون على البقاء في المستشفى، يسألون عنه وعن نغم باستمرار.
كان هذا الاهتمام وهذا القلق يربكانه، فهو لم يعتد على هذا النوع من الدفء العائلي منهم، لقد بنى حياته كلها على أساس العداء معهم والآن هم يعاملونه كواحد منهم، وهذا كان يزلزل كل قناعاته القديمة.
في اليوم الذي قرر فيه الطبيب خروجهما، تجمع الجميع للمساعدة.
كانت نغم قد خرجت بالفعل إلى السيارة مع والدتها وروح، وبقي هو مع الرجال.
عندما حاول النهوض من السرير، شعر بدوار حاد وألم في جسده جعله يترنح، وكاد أن يسقط.
في لحظة واحدة ودون تفكير، مد مالك وسند أيديهما إليه في نفس الوقت ليسنداه.
تجمد جاسر للحظة ونظر إلى الأيدي الممدودة نحوه.
طوال حياته كان يرى اليد الممدودة للمساعدة على أنها دليل ضعف وكان يرفضها بكبرياء مطلق.
كان يفضل أن يسقط ويتحطم على أن يستند على أحد.
لكن الآن وهو ينظر إلى أيديهما الممدودة لم ير ضعفًا، بل رأى شيئًا آخر، شيئًا لم يفهمه من قبل.
رأى سندًا حقيقيًا، رأى احتياجًا.
لأول مرة في حياته اعترف لنفسه بأنه يحتاج للمساعدة وأن قبولها لا يعني أنه أصبح ضعيفًا.
مد يده ببطء وبتردد ووضعها في أيديهما واستند عليهما وهو يمشي بخطوات بطيئة ومؤلمة نحو خارج المستشفى.
وشعر بغرابة هذا الإحساس، إحساس أن تكون محاطًا بمن يهتم لأمرك حقًا.
ركب في سيارة مالك بعد أن أرجع له مالك الكرسي إلى الخلف ليكون مريحًا له.
انطلقت السيارة في صمت لعدة دقائق، كان كل منهما يرتب أفكاره.
كان جاسر ينظر من النافذة إلى الشوارع التي تبدو مختلفة، كأنه يراها لأول مرة بعد عودته من الموت.
ثم كسر مالك الصمت.
"حمدلله على السلامة يا جاسر."
رد جاسر بامتنان.
"الله يسلمك يا مالك تعبتكم معايا."
"متجولش كده إنت منا وعلينا واللي حصلك ده ألمنا كلنا."
صمت جاسر وهو يستوعب معنى هذه الكلمات، شعر بها تستقر في مكان ما عميق بداخله، مكان لم يكن يعرف بوجوده.
ثم سأل مالك عن السؤال الذي كان يشغل بال الجميع.
"السواق اللي عمل الحادثة عرفوا يوصلوا له؟"
تنهد جاسر وأشاح بوجهه نحو النافذة، كأنه يهرب من نظرات جاسر الفاحصة.
"أكمل ماسك القضية وبيتحرى فيه."
تنهد جاسر.
"مش هيوصل لحاجة."
شعر مالك بأن هناك شيئًا يخفيه جاسر، نبرة صوته كانت غريبة، نبرة من يعرف النهاية قبل أن تبدأ القصة.
"ليه بتجول كده؟"
التفت جاسر إليه ببطء ونظر في عينيه مباشرة، وكانت عيناه تحملان عمقًا مظلمًا كأنهما بئر لا قرار له.
قال بهدوء يحمل ثقلًا كبيرًا.
"عشان الغلطة مكنتش منه هو، الغلطة كانت مني أنا."
اتسعت عينا مالك بدهشة وعدم فهم.
"منك كيف يعني؟ إنت اللي غلطت في السواق؟"
هز جاسر رأسه نافيًا، وابتسامة باهتة ساخرة ارتسمت على شفتيه.
"لأ مش قصدي كده، قصدي إن اللي حصل ده كان بسببي أنا. هو كان مجرد أداة في إيد حد تاني، حد أنا عارفه زين."
"ومين ده وليه مبلغتش عنه طالما عارفه؟"
أعاد جاسر نظره إلى الطريق أمامه وصوته خرج متعبًا ومستسلمًا للقدر، كأنه يحمل خطايا العالم كله على كتفيه.
"عشان مينفعش أبلغ عنه يا مالك، عشان لو بلغت عنه هفتح أبواب جهنم على ناس تانية ملهاش ذنب، عشان في حاجات في الماضي لو اتفتحت هتحرجنا كليتنا."
فهم مالك من نبرته أن الموضوع أكبر وأعقد مما تخيل، وأن هناك أسرارًا قديمة.
أدرك أن جاسر لا يحمي المجرم بل يحمي شيئًا آخر، شيئًا أهم بكثير في نظره.
لم يضغط عليه أكثر بل أكمل الطريق في صمت وهو يشعر بأن خروج جاسر من المستشفى ليس نهاية القصة بل هو مجرد بداية لفصل جديد، فصل سيكون أكثر خطورة ودموية من كل ما سبق، فصل سيجبر الجميع على مواجهة ظلال ماضيهم التي اعتقدوا أنها دُفنت إلى الأبد.
وصلت السيارات أخيرًا إلى بيت الجبل، المكان الذي شهد بداية العاصفة والذي سيشهد الآن فترة النقاهة والهدوء.
نزلت ونس وليل وروح أولًا وساعدتا نغم على الدخول إلى المنزل بخطوات بطيئة وحانية، كل منهما تسندها من جانب كأنها جوهرة ثمينة.
بقي الرجال مع جاسر.
فتح مالك باب السيارة وساعده سند على الخروج، كان جاسر لا يزال يشعر بالدوار والألم مع كل حركة، واستند عليهما بالكامل وهما يصعدان به درجات السلم نحو غرفته.
كانت المهمة صعبة في الصعود على الدرج، لكنهما كانا يفعلان ذلك بصبر ودون أي تذمر.
عندما وصلا أخيرًا إلى الغرفة، ساعداه على الجلوس على حافة السرير، ثم على الاستلقاء ببطء ورفق.
تنهد جاسر بعمق وهو يشعر بفراشه المريح تحت جسده المتألم، وأغمض عينيه للحظة.
وقف مالك وسند ينظران إليه، ثم ابتسم مالك ابتسامة واسعة وقال بنبرة مرحة وهو يرفع الغطاء ليضعه عليه.
"نام وارتاح وبلاش تعمل فيها راجل النهاردة كفاية عليك كده."
فتح جاسر عينيه ونظر إليه بنصف ابتسامة متعبة، فلم يجد ردًا مناسبًا على هذه الجملة المفاجئة.
وهنا تدخل سند الذي كان يقف عند الباب، وأكمل المزاح بنبرة أكثر جرأة وعينين تلمعان بالخبث.
"سيبه يا مالك متبجاش قاطع أرزاق، الموضوع ده بعد غياب طويل وحادثة موت بيبقى له طعم تاني."
انفجر مالك في الضحك بصوت عالي، بينما اتسعت ابتسامة جاسر رغمًا عنه وشعر بحمرة خفيفة تصبغ وجهه الشاحب.
لقد كانت لحظة غريبة، لحظة من المرح الصافي والأخوة التي لم يتخيل يومًا أنه سيعيشها مع هذين الاثنين بالذات.
لأول مرة منذ زمن طويل، لم تكن ضحكته ساخرة أو قسرية، بل كانت ضحكة حقيقية نابعة من مكان ما في قلبه كان يعتقد أنه مات منذ زمن.
هز جاسر رأسه بيأس مصطنع وهو لا يزال يبتسم.
"إنتوا الاتنين عايزين تتربوا من أول وجديد."
ضحك مالك وهو يغلق الباب ببطء.
"لما تقوم بالسلامة يا ابن خالي ابقى ربينا براحتك، دلوقتي نام واحلم أحلام سعيدة."
أغلق الباب وترك جاسر وحده في الغرفة، يستمع إلى صوت ضحكاتهما وهما يبتعدان في الممر.
تلاشت الابتسامة عن وجهه ببطء وحل محلها تعبير معقد، تعبير رجل يكتشف لأول مرة معنى أن يكون لديه عائلة، وأن يجد في قلب العداوة القديمة رابطة أخوة لم يكن يحلم بها.
لقد كانت هذه الضحكة وهذا المزاح البسيط أكثر فعالية من أي دواء، فقد لمست جزءًا من روحه كان في أمس الحاجة للشفاء.
❈-❈-❈
كانت نغم تجلس على أريكة واسعة في بهو البيت، محاطة بالنساء، عن يمينها جلست والدتها التي كانت تمسح على يدها بحنان لا ينتهي، وعن يسارها جلست روح التي كانت تمسك بيدها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، وبجانبهما جلست ونس التي كانت عيناها لا تفارقان نغم، ترى فيها امتدادًا لابنها الذي عاد للحياة.
كانت أجواء الفرحة والراحة تملأ المكان، فرحة هادئة وعميقة بعودتهما سالمين.
في هذه اللحظة نزل مالك وسند من على السلم، كانا لا يزالان يضحكان ويمزحان مع بعضهما البعض بصوت خفيض، وكانت روح الأخوة الجديدة بينهما واضحة للجميع.
عندما وصلا إلى أسفل السلم، توقفا أمام النساء.
قال مالك بابتسامة وهو ينظر إلى والدته وزوجته.
"يلا بينا يا جماعة عشان منتأخرش أكتر من كده، كفاية عليكم تعب النهاردة."
نظرت ليل إلى نغم بتردد، لم تكن تريد أن تتركها وهي لا تزال في هذه الحالة، لم يطاوعها قلبها أن تبتعد عنها بعد أن كادت تفقدها.
"بس يا مالك مش عايزة أسيب نغم لحالها وهي لسه تعبانة."
التفتت نغم لها وأمسكت بيدها الأخرى، ونظرت إليها بعينين دافئتين.
"يا أمي أنا كويسة متخافيش عليا، وأمي ونس قاعدة معايا، وبعدين لازم تروحي عشان روح وعشان بنتها اللي سايباها مع وعد ومرت عمي من الصبح زمانها قلقانة عليها."
أيدت روح كلامها رغم أنها هي الأخرى لم تكن تريد الذهاب.
"نغم معاها حق يا أمي لازم نمشي عشان البنت وكمان عشان نطمن جدي وعمي."
بعد جدال قصير مليء بالحب والقلق، استسلمت ليل أخيرًا.
وقفت وقبلت نغم على جبينها قبلة طويلة، ثم فعلت روح المثل، وهمست في أذنها.
"لو عايزة أي حاجة كلميني في أي وقت حتى لو الفجر سامعة."
هزت نغم رأسها بابتسامة.
"حاضر."
غادرت العائلة وبقيت نغم ونس وحدهما في البيت الكبير.
ساد صمت مريح للحظات ثم التفتت ونس إلى نغم وقالت بصوت هادئ يحمل امتنانًا عميقًا لوقفة عائلتها معهم.
"متشكرة قوي يا نغم، عشانك أنقذتي ابني."
نظرت إليها نغم بدهشة.
"تشكريني أنا، على إيه يا أما ده هو اللي أنقذني هو اللي فداني بنفسه."
هزت ونس رأسها وابتسامة حزينة على شفتيها.
"هو أنقذ جسمك لكن إنتي أنقذتي روحه من قبلها بكتير، إنتي اللي رجعتيه للحياة من قبل الحادثة دي يا بنتي."
لم تجد نغم ما ترد به على هذه الكلمات، وشعرت لأول مرة بأنها لم تكسب زوجًا فقط، بل كسبت أمًا أخرى أيضًا.
❈-❈-❈
كانت السيارة تشق طريقها عائدة من بيت الجبل وكانت روح تجلس بجانب مالك تنظر من النافذة لكنها لا ترى شيئًا.
كان عقلها وقلبها لا يزالان هناك مع أختها، مع نغم التي تركتها في قلب حزنها الجديد.
شعر مالك بصمتها الثقيل وبشرودها، فمد يده ووضعها فوق يدها التي كانت ترتاح على ساقيها.
"بتفكري في إيه؟"
تنهدت روح بصوت متعب والتفتت إليه.
"قلبي واكلني على نغم، حاسة إني مكنش المفروض أسيبها دلوقتي بالذات، هي محتاجاني جنبها."
نظر إليها مالك نظرة عميقة وهو يقول بهدوء.
"بالعكس يا روح، وجودك هناك كان هيبقى غلط."
نظرت إليه باستغراب وعدم فهم.
"غلط إزاي دي أختي اللي مليش غيرها وفي عز وجعها أسيبها؟"
أكمل مالك بنفس الهدوء المنطقي الذي كان يغلف حبه.
"نغم دلوقتي محتاجة لجاسر وجاسر محتاجها، هما الاتنين محتاجين لبعض عشان يداووا جرحهم سوا، وجود أي حد معاهم حتى لو أقرب الناس ليهم كان هيمنعهم من ده كان هيخليهم مش على راحتهم."
صمت للحظة ثم أكمل.
"شوفي إنتي بنفسك حتى مرات عمي والدتها معرفتش تفضل معاها مع إنها أمها، ليه؟ عشان نغم دلوقتي مش بنت ليل بس دي مرات جاسر وهو جوزها وسندها، وهم الاتنين بقوا مسؤولين من بعض في وجعهم قبل فرحهم لازم نسيب لهم مساحتهم الخاصة عشان يعرفوا يقفوا على رجليهم تاني سوا."
استمعت روح لكلماته واستوعبتها ببطء، لقد كان محقًا تمامًا.
لم تكن تفكر إلا من منطلق كونها أخت، لكنها نسيت أن نغم الآن لها حياتها الخاصة، وشريكها الذي يجب أن يواجه معها كل شيء.
شعرت ببعض الراحة لكن القلق لم يزل بالكامل.
"بس أنا خايفة عليها قوي يا مالك."
شد على يدها بقوة أكبر وقربها منه وقبلها برقة.
"وأنا كمان خايف عليها وخايف عليه، بس لازم نثق فيهم وفي حبهم لبعض، حبهم هو اللي هينجيهم زي ما نجاهم من الموت قبل سابق."
صمتت روح وهي تشعر بالهدوء يتسلل إلى قلبها بفضل كلماته ووجوده.
لقد كان دائمًا هكذا، يرى الأمور بوضوح ومنطق يريحها ويطمئنها.
التفتت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة.
وانتظرت حتى عادت إلى المنزل.
وجدت وعد تذرع الردهة ذهابًا وإيابًا وهي تحمل نورين التي تبكي بشدة.
وعند رؤيتها قالت وعد من بين أسنانها.
"وكنتي بتعايري على ابني؟! دي بنتك أمر، خدي."
ضحكت روح وهي تحمل طفلتها.
"إنتي اللي مش بتعرفي تتعاملي معاها، دي حتى هادية خالص."
دخلت ليل وسند وهي تسأل.
"مالكم في إيه؟"
قالت روح بغيظ.
"بتجول على بنتي زنانة، تروح تشوف ابنها الأول."
أيد سند رأي روح وهو يتقدم من وعد ليحيطها بذراعه.
"بصراحة هي عندها حق، أنا حرفياً من وقت ما جاه وأنا مش عارف أنام."
زمت وعد شفتيها بحنق.
"بجى إكدة؟ ماشي أرجع بقى أوضتك القديمة نام فيها براحتك."
تركته وعد وصعدت الدرج.
فنظر سند إليهم بغيظ.
"عاجبكم إكدة."
التفت إلى وعد وهي تصعد الدرج.
"أنا بهزر يا وعد إنتي مبتهزريش ولا إيه؟"
ضحك الجميع وقالت روح.
"الخوف حلو مفيش كلام."
قال مالك وهو يتثاءب.
"طيب أنا هطلع أنام لأن بقالي أسبوع مش عارف أنام زين."
اتسعت عين روح بصدمة وهي تراه يصعد الدرج دون أن يلتفت إليها.
نظرت إلى ليل وقالت بغيظ.
"شايفة؟"
قالت ليل بمكر قبل أن تتركها وتدلف غرفتها.
"هو بيهرب عشان ينام، هربي إنتي منه النوم."
بدأ المكر يزحف إلى عين روح وبرأسها خطة شريرة.
نظرت إلى نور التي غفت بين ذراعيها وقالت بغيظ.
"يعني جاية تنامي دلوقتي، فعلا بنت أبوها."
صعدت إلى غرفتها فتجد مالك بالفعل يستعد للنوم.
وضعت طفلتها في فراشها.
ثم توجهت إليه.
"إنت هتنام بجد؟"
نظر إليها بخبث.
"وإنتي تعرفي عني كده؟ أنا أقدر أنام من غيرك؟"
مد يده لها ليجذبها لحضنه وقال بنعاس.
"خلينا ننام شوية قبل نور ما تصحى."
"ربنا يخليك ليا يا مالك مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
ابتسم هو الآخر وقرب وجهه منها حتى لامست أنفاسه وجهها.
"ويخليكي ليا يا جلب مالك وروحه."
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلام.
اقترب منها أكثر وقبلها قبلة رقيقة، عميقة، كانت تحمل كل معاني الدعم والسند والحب.
قبلة في منتصف الطريق، في قلب القلق كانت كفيلة بأن تذكرها بأنها مهما خافت على أختها، فهي أيضًا ليست وحدها، وأن لها سندها الخاص الذي لن يتركها أبدًا.
ثم سحب رأسها ليضعها على صدره وينامان.
❈-❈-❈
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والهدوء يسود الشقة إلا من صوتين: صوت بكاء متقطع يأتي من غرفة النوم وصوت تقليب أوراق يُسمع من غرفة المعيشة.
كان أكمل قد عاد لتوه من مكتبه بعد يوم طويل ومرهق في النيابة.
خلع سترته ووضعها على الأريكة وتوجه مباشرة نحو مصدر صوت البكاء.
وجد ابنه قاسم في سريره الصغير يتململ ويبكي بنعاس، لا هو نائم ولا هو مستيقظ.
حمله أكمل وبدأ يهدهده برفق، مستغرباً من عدم وجود صبر بجانبه.
توجه إلى غرفة المعيشة ليجدها تجلس على الأرض محاطة بتلال من الكتب والأوراق المفتوحة.
كانت تضع رأسها بين يديها وشعرها مبعثر وملامحها يكسوها الإرهاق الشديد.
كانت تبدو كطالبة على وشك الانهيار قبل امتحان مصيري.
عندما رأته واقفاً عند الباب وهو يحمل قاسم، رفعت رأسها وكانت عيناها محمرتين وعلى وشك البكاء.
قال بهدوء وهو يقترب منها.
"سايباه بيعيط لوحده ليه؟"
انفجرت صبر في بكاء صامت، وبدأت دموعها تنزل بغزارة.
قالت بصوتٍ مخنوق يملؤه اليأس.
"مش عارفة أعمل إيه يا أكمل مش عارفة أركز. المواد تقيلة قوي ومحتاجة تركيز. كل ما أفتح كتاب قاسم يعيط. أسيبه وأروح له وأرجع تاني أكون نسيت كل اللي جريته. بحاول أذاكر وهو صاحي مش بعرف ولما بينام بكون أنا خلاص فصلت ومش قادرة أستوعب أي حاجة. حاسة إني هسقط السنة دي. حاسة إني فاشلة ومش قادرة أعمل أي حاجة صح."
كانت كلماتها تخرج سريعة ومتلاحقة، تعبر عن حجم الضغط الذي تشعر به.
نظر إليها أكمل بحنان لا حدود له.
لم يقلل من حجم معاناتها، ولم يقل لها "إنتي مكبرة الموضوع".
بدلاً من ذلك مسح دموعها بإبهامه وقال بصوتٍ هادئ وثابت كالصخر.
"ومين قال إنك لوحدك؟"
نظرت إليه بعدم فهم.
"أنا معاكي يا صبر، ذاكري إنتي وأنا هخليه جنبي وأنا براجع القضية دي، هي بسيطة ومش هتاخد وقت معايا ولو عيط هاخده وأخرج بيه في الصالة المهم إنتي تذاكري."
ثم أشار إلى الكتب المبعثرة حولها.
"روحي أوضتنا واقفلي على نفسك الباب واعتبري نفسك في عالم تاني. مش عايز أسمع صوتك غير لما تخلصي مذاكرة الجزء اللي حددتيه النهاردة."
وقفت صبر وهي لا تصدق ما تسمعه.
"بس... شغلك؟ أنت أكيد تعبان وراجع متأخر."
ابتسم لها ابتسامة دافئة أذابت كل قلقها.
"شغلي ممكن يستنى لكن حلمك... حلمك ميستناش. أنا وعدتك إني هكون في ضهرك لحد ما تتخرجي وأنا عند وعدي. يلا، روحي ذاكري."
نظرت إليه بعينين تفيضان بالحب والامتنان.
لقد كان هذا الرجل هو طوق نجاتها الدائم.
لم يكن زوجها فقط، بل كان شريكها وصديقها وأكبر داعم لها.
أومأت برأسها ومسحت بقية دموعها وشعرت بطاقة جديدة تسري في عروقها.
توجهت إلى كتبها لكنها قبل أن تجلس عادت إليه وانحنت وقبلته قبلة سريعة على خده وهمست.
"بحبك."
ثم عادت إلى دراستها بتركيز وتصميم بجوارهم بينما جلس هو يراقبها بطرف عينه وفي قلبه شعور عميق بالرضا، وهو يهدهد طفلة بيد، ويحمل أوراق قضيته باليد الأخرى.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم رانيا الخولي
كانت صبر تجلس على الأريكة في غرفة المعيشة الهادئة، تحتضن وسادة بقوة كأنها تستمد منها بعض الدفء المفقود.
كانت قد أنهت للتو من مكالمة هاتفية مع حماتها نسرين، المكالمة التي أصبحت طقساً يومياً منذ أن غادرت هي وحسين المنزل.
كان صوت نسرين الحنون لا يزال يرن في أذنيها:
"يا حبيبتي والله وإنتو وحشتوني أكتر بس أنا مش برتاح غير في شقتي وفي سريري وبعدين أنا مشغولة دلوقتي في العيادة اللي سبتها الفترة اللي فاتت، وهي واخدة كل وقتي يا دوب بلحق أرجع أعمل لقمة لحسين."
أغلقت صبر الهاتف وشعرت بفراغ كبير يملأ قلبها. لقد اعتادت على وجودهما، على صوت حسين وهو يناقشها في دروسها وعلى حنان نسرين ورعايتها التي لم تشعر بها من قبل. أصبح البيت صامتاً وبارداً بدونهما.
في تلك اللحظة دخل أكمل من الباب عائداً من يوم عمل طويل.
ما إن رآها على هذه الحالة حتى شعر بالقلق فوراً، ملامحها كانت منطفئة وعيناها شاردتان.
ألقى بحقيبته ومفاتيحه على أقرب طاولة وتوجه نحوها مباشرة وجلس بجانبها.
"حبيبتي... مالك؟"
رفعت إليه عينيها الذابلتين وحاولت أن تبتسم لكنها لم تستطع.
"مفيش."
وضع يده على خدها برفق وأدار وجهها إليه ليتفحصها عن قرب.
"لأ فيه، أنا حافظك أكتر من نفسي. شكلك بيقول إنك مضايقة. قاسم كويس؟"
هزت رأسها.
"قاسم نايم وكويس. أنا بس..."
صمتت للحظة تبحث عن الكلمات المناسبة.
"من يوم ما والدك ووالدتك مشيوا وأنا حاسة إن البيت فاضي أوي، حاسة بوحشة."
ثم قالت بحرقة صادقة كشفت عن عمق مشاعرها:
"أنا عايزة أعيش معاهم يا أكمل."
نظر إليها أكمل بدهشة وسعادة غامرة لم يكن يتوقع أبداً أن يسمع منها هذا الكلام.
كان يظن أنها قد تشعر بالراحة في الحصول على خصوصيتها، لكنها فاجأته بعمق حبها وأصالتها.
اتسعت ابتسامته وشعر بموجة من الحب والفخر تجاهها.
"للدرجة دي وحشوكِ؟"
قالت بعينين دامعتين:
"أنا حبيبتهم أوي يا أكمل، حبيت وجودهم وصوتهم في البيت. مش قادرة أتقبل فكرة إنهم يعيشوا لوحدهم بعد العمر ده كله. مين هياخد باله منهم؟ باباك ساعات بينسى ياخد دوا الضغط وماما نسرين بترجع من العيادة تعبانة ومحتاجة اللي يساعدها. مكانهم مش في شقة لوحدهم، مكانهم وسطنا."
لم يستطع أكمل أن يخفي سعادته. ضمها إليه بقوة وقبل رأسها بحب عميق.
"يا حبيبة قلبي إنتي، تعرفي أنا كمان كنت بفكر في إيه طول الفترة اللي فاتت؟"
نظرت إليه بفضول.
"كنت بفكر نشتري بيت أكبر، فيلا صغيرة كده وناخدهم يعيشوا معانا فيها. كل واحد له جناحه الخاص عشان راحته، بس نكون كلنا تحت سقف واحد. نصحى الصبح نفطر مع بعض ونتعشى مع بعض وقاسم يكبر وسط جده وجدته."
تهلل وجه صبر بفرحة حقيقية، لمعت عيناها ببريق الأمل.
"بجد يا أكمل؟ هتعمل كده؟"
"لو ده اللي هيريحك ويبسطك، أعمل أي حاجة في الدنيا. أنا كمان نفسي أكون جنبهم وأطمن عليهم كل يوم."
ارتمت في حضنه بسعادة وشعرت بأن كل الوحشة قد تلاشت. لم تكن تحلم يوماً بأن تجد عائلة بهذا الدفء، ولم تكن تتخيل أنها ستحبهم إلى هذا الحد الذي يجعلها لا تطيق فراقهم.
همس أكمل في أذنها وهو يضمها بقوة:
"ربنا رزقني بأحن وأجدع ست في الدنيا، بحبك يا صبر."
في تلك اللحظة لم يكن البيت فارغاً أبداً، بل كان ممتلئاً حتى آخره بحبهما وبأحلام مستقبل دافئ يجمع كل من يحبون تحت سقف واحد.
***
بعد أن غادرت عائلة الرفاعي، ظل جاسر ينظر للفراغ أمامه.
لم يتخيل يومًا أن يفعل عمه ذلك.
تذكر عندما زاره بالمشفى.
فلاش باك.....
كانت الإضاءة خافتة في غرفة العناية المركزة وصوت الأجهزة الطبية المنتظم هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت الثقيل.
فتح جاسر عينيه ببطء وشعر بألم حاد في كل جزء من جسده، لكن عقله كان صافياً بشكل مخيف.
كان يحدق في السقف الأبيض لا يفكر في الحادث بل فيمن يقف خلفه.
في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة بهدوء ودخل صخر.
سار بخطوات بطيئة ومدروسة وعلى وجهه قناع متقن من القلق والحزن الأبوي.
وقف بجانب السرير ونظر إلى ابن أخيه الممدد بين الأنابيب والأجهزة.
"حمد لله على السلامة يا ولدي، جلجتني عليك."
لم يجب جاسر على الفور. أدار رأسه ببطء شديد وهي حركة كلّفته ألماً هائلاً وثبّت عينيه في عيني عمه.
كانت نظراته هادئة لكنها حادة كشفرة جراح تخترق قناع القلق الزائف الذي يرتديه صخر.
"الله يسلمك... يا عمي."
قالها بصوتٍ أجش وضعيف لكن كل حرف كان يحمل وزناً وثقلاً.
جلس صخر على المقعد بجانب السرير وتنهد تنهيدة مسرحية.
"حادثة چوية... ربنا نجاك منها بمعجزة. البلد كلها مجلوبة."
صمت جاسر وظل يحدق فيه. هذا الصمت كان أشد إزعاجاً لصخر من أي اتهام.
مال صخر إلى الأمام وخفض صوته وكأنه يشاركه سراً.
"عرفت... عرفت مين اللي عملها؟ مين الچبان اللي استقصدك بالشكل ده؟"
هنا ارتسمت شبه ابتسامة باردة على شفتي جاسر المتشققتين، ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
"لسة."
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لزيادة التوتر في الغرفة.
واصل صخر لعبته، بنبرة غاضبة ومصطنعة.
"كيف يعني لسة؟ ده تار ولازم يرچع. اللي فكر يعمل أكده في كبير عيلة التهامي لازم يتمحي من على وش الدنيا. بس جولي... شاكك في حد؟"
نظر جاسر إلى السقف مرة أخرى كأنه يفكر بعمق ثم أعاد نظره إلى عمه وكانت عيناه تلمعان ببريق خطير.
"شاكك."
توقف قلب صخر للحظة لكنه حافظ على رباطة جأشه.
"مين؟"
قال جاسر ببطء وهو يختار كلماته كقطع زجاج حادة:
"شاكك... إن اللي عملها... حد جريب، حد مكنش عايزني أوصل لمكان معين... أو أعرف حاجة معينة. حد... كان فاكر إن عربية النقل... هتخلص الحكاية."
كانت كل كلمة طعنة مباشرة وموجهة. لم يذكر اسماً، لكنه وصف الفعل بدقة قاتلة.
شعر صخر ببرودة تسري في عموده الفقري. هذا ليس ابن أخيه الجريح والضعيف، هذا هو الوحش الذي ربّاه وقد استيقظ بالكامل.
حاول صخر أن يظهر الصدمة.
"جريب؟ معقول! مين ده اللي يبيع دمه ولحمه؟"
ابتسم جاسر مرة أخرى بنفس الطريقة الجليدية.
"متجلجش يا عمي، أول ما أقوم من هنا بالسلامة... كل حاجة هتبان. واللي له حق هياخده."
نهض صخر، مدركاً أن الزيارة قد انتهت وأن الرسالة قد وصلت. ربّت على كتف جاسر (الكتف السليم) بحركة أبوية زائفة.
"قوم أنت بالسلامة بس، وأنا هجيب لك الدنيا عشان نعرف مين الكلب ده. راحتك تهمنا."
رد جاسر بهدوء مميت وعيناه لم تفارقا عيني عمه:
"عارف... عارف زين إن راحتي تهمك... يا عمي."
خرج صخر من الغرفة وشعر بأنه بحاجة إلى الهواء.
لقد دخل ليرى ضحيته فخرج وهو يعلم أنه أصبح هو الفريسة. لقد أعلن جاسر الحرب، حرباً صامتة وباردة ستكون أشد فتكاً من أي مواجهة سابقة. فجاسر الآن لا يحارب من أجل ثأر قديم بل يحارب من أجل حياته التي حاولوا سلبها منه.
***
ساعدت ونس نغم على صعود السلم ببطء، خطوة بخطوة حتى وصلتا إلى باب غرفتها.
فتحت ونس الباب بهدوء فكان جاسر راقداً على السرير، وعيناه مثبتتان على الباب كأنه كان ينتظرها منذ دهر.
عندما رآها تدخل وهي تتسند على والدته ابتسم، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بحزن عميق، حزن رجل يرى حبيبته تتألم وهو عاجز عن مساعدتها.
لقد وعدها بأنه سيكون سندها في كل شيء، وأنه عندما تتعب هو من سيحملها بين ذراعيه، وها هو الآن لا يستطيع حتى أن ينهض من سريره ليمسك بيدها.
شعر بعجز لم يشعر به من قبل، عجز كان أشد إيلاماً من أي جرح جسدي.
ساعدت ونس نغم على الاستلقاء بجانب جاسر على السرير، مع ترك مسافة كافية بينهما حتى لا يتألم أحدهما.
مدت نغم يدها فورًا وأمسكت بيده. شعر كلاهما براحة فورية بمجرد تلامس أصابعهما.
نظرت ونس إليهما بحب وحنان، وهما يرقدان جنبًا إلى جنب كأنهما طفلان متعبان بعد يوم طويل.
"ناموا وارتاحوا شوية يا حبايبي على ما سامية تخلص الغدا وتجهزه."
لكنها لم تكد تنهي جملتها حتى سمعوا صوتًا قادمًا من أسفل، صوت يعرفونه جيدًا، صوت زينة وهي تنادي باسم ونس.
"مرت عمي انتي فين؟"
تنهدت ونس وابتسمت ابتسامة متعبة.
"أهي كملت دي أكيد زينة جاية تتخانق عشان خرجنا من المستشفى من غير ما نعرفها."
ضحكت نغم ضحكة خفيفة بينما ابتسم جاسر بيأس مصطنع.
"سيبيها عليا أنا يا أمي."
قالت ونس وهي تتجه نحو الباب:
"لأ خليك إنت في اللي إنت فيه، أنا هنزل أشوف العاصفة دي عايزة إيه."
خرجت ونس وأغلقت الباب خلفها، وبقي جاسر ونغم وحدهما.
التفت إليها جاسر وقال بصوت خافت يملؤه الأسف:
"أنا آسف."
نظرت إليه باستغراب.
"آسف على إيه؟"
"آسف إني مش قادر أكون جارك زي ما وعدتك، مش قادر أشيلك وأسندك وإنتي تعبانة."
شدت على يده بقوة ونظرت في عينيه مباشرة.
"مجرد وجودك جنبي بالدنيا كلها يا جاسر، إنت سندي حتى وإنت نايم على السرير أكده، كفاية عليا إنك رجعتلي بالسلامة."
لم يرد عليها، بل اكتفى بالنظر إليها بحب عميق، وشعر بأن هذا الحب هو القوة الوحيدة التي ستساعدهما على تجاوز هذه المحنة، وأن وعده لها لم يُكسر، بل هو فقط تأجل لوقت قصير.
***
لم تكد ونس تغلق الباب خلفها حتى انفتح مرة أخرى بعنف ودخلت منه زينة كالإعصار، وعلى وجهها ابتسامة مرحة وعابثة كعادتها.
"إيه يا عصافير الحب عاملين إيه النهاردة، سمعت إنكم هربتوا من المستشفى من غير ما تدفعوا الحساب جولت أجي أحصل الفاتورة."
ضحكت نغم ضحكة خفيفة رغم ألمها بينما اكتفى جاسر بابتسامة باهتة، فهو معتاد على هذا النوع من المرح مع زينة.
"كيف ده؟ اومال الرسايل اللي شغالة من وقت ما فتحت الفون لحد دلوقتي مين اللي أخدها."
اقتربت زينة منهما وجلست على طرف السرير.
"ما أنا عارفاك بخيل جلت للحاج سالم وهو بيحاسب المستشفى إنك راجل شراني ولو عرف إن حد دفعله فلوس المستشفى هيجتلني أنا، وحلفتله بالطلاق ما هينفع لحد ما اقتنع."
سألتها نغم.
"حلفتي لعمي بالطلاق؟"
أكدت زينة.
"أومال، مع إني كان نفسي يوجعني في الطلاق عشان أرتاح من وليد وعياله، بس كنت هسيبهم وأرجع لشروق، فجلت نار وليد أفضل."
وتغيرت نبرتها إلى الجدية فجأة.
"لأ بجد حمدلله على سلامتكم، جلجلتوني عليكم جوي. بس الحمد لله كلمت الدكتور وطمني إن كل حاجة تمام، وشوية كدمات ورضوض بسيطة وهترجعوا أحسن من الأول."
شعرت نغم وجاسر بالراحة لكلماتها، لكن زينة أكملت حديثها بعفوية، محاولة التهوين عليهما دون أن تدرك أنها على وشك أن تلقي قنبلة في هدوء الغرفة.
"وإن كان على الحمل اللي نزل فده قضاء ربنا، وبكرة ربنا يعوضكم بعشرة غيره. المهم صحتكم انتو الاتنين."
سقطت الكلمات في الغرفة، لكنها لم تسقط ككلمات عادية، بل سقطت كصخرة حطمت كل شيء.
"الحمل اللي نزل..."
تجمدت ابتسامة نغم على شفتيها وتحولت ملامحها إلى قناع من الصدمة المطلقة وعدم الفهم.
نظرت إلى جاسر فرأت نفس الصدمة في عينيه التي اهتزت بصدمة واضحة، وكأن أحدهم طعنه في قلبه.
في تلك اللحظة، أدركت زينة من صمتهما المروع ومن نظراتهما الضائعة أنها ارتكبت خطأً فادحًا.
نظرت إلى ونس التي كانت تقف عند الباب وقد شحب وجهها هي الأخرى وأدركت أنها لم تخبرهما.
لقد كشفت هي عن السر بأكثر الطرق قسوة.
ارتبكت زينة وتلعثمت، محاولة إصلاح ما لا يمكن إصلاحه.
"أنا... أنا نسيت موبايلي تحت في العربية هنزل أجيبه وجاية."
لم تنتظر ردًا، بل انسحبت من الغرفة بسرعة هاربة من العاصفة التي تسببت فيها، تاركة خلفها دمارًا صامتًا.
بقيت نغم جامدة في مكانها لثواني تحاول استيعاب الكلمة.
"حمل"
لقد كان بداخلها حياة أخرى، حياة صغيرة كانت ثمرة حبها هي وجاسر، وقد رحلت قبل أن تعرف بوجودها حتى.
شعرت بألم جديد، ألم لا علاقة له بضلوعها المكسورة، بل ألم يمزق أحشاءها وروحها.
قامت من السرير ببطء بحركة آلية كأنها روبوت.
"أنا... أنا داخلة الحمام."
لم تنظر إلى جاسر، لم تستطع.
دخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها، وبمجرد أن استندت بظهرها عليه، انزلقت على الأرض وانهارت.
لم تصرخ، لم تبكي بصوت عالي، بل كان بكاءً صامتًا ممزقًا يهز جسدها كله.
وضعت يدها على بطنها الفارغة وشعرت بخواء لم تشعر به من قبل، خواء لا يمكن لأي شيء في العالم أن يملأه.
لقد فقدت ابنها، ابنها الذي لم تكن تعرفه.
أما جاسر فبقي مستلقياً على السرير يحدق في السقف لكنه لا يراه.
كانت الصدمة قد شلت تفكيره.
"ابن"
لقد كان سيصبح أبًا.
كان سيحمل طفلاً من المرأة التي يعشقها، لكنه فقده. وبسبب من؟ بسببه هو.
شعر بالذنب ينهشه كالوحوش الكاسرة.
لولا تهوره، لولا غضبه الأعمى في ذلك اليوم لما حدث كل هذا.
لولا أنه أصر على مواجهة الماضي، لما فقد مستقبله. لقد قتل ابنه بيده قبل أن يولد.
كان يسمع صوت بكاء نغم المكتوم القادم من الحمام، وكان كل شهقة منها كأنها سكين تُغرس في قلبه.
أراد أن ينهض، أن يذهب إليها، أن يكسر الباب ويأخذها في حضنه ويخبرها أنهم سيتجاوزون هذا معًا.
لكنه لم يستطع. لقد خانه جسده وخانته قوته.
شعر بعجز مطلق، عجز جعله يكره نفسه أكثر من أي وقت مضى.
لأول مرة في حياته سمح لدموعه بالانطلاق.
لم تكن دموعًا تنهمر على خديه، بل كانت دموعًا تحرق روحه من الداخل، دموع رجل قوي أدرك للتو أنه تسبب في تحطيم أغلى ما يملك وأنه لا يستطيع فعل أي شيء لإصلاح ذلك.
***
مر الوقت في المرحاض كأنه لا يمر. كانت نغم لا تزال جالسة على الأرضية الباردة تحتضن ركبتيها ودموعها قد جفت على خديها، لكن شهقاتها المتقطعة لم تتوقف. لم تكن تبكي فقط على الحلم الذي لم تعشه، بل كانت تبكي على جاسر.
كانت تتخيل وقع الخبر عليه، هو الذي بدأ للتو يرى النور في حياته، كيف سيتحمل ذنبًا كهذا.
لقد كانت هي المخطئة، هي التي خرجت من ورائه، هي التي عرضت نفسها وهذا الكائن الصغير الذي لم تكن تعرفه للخطر. كان الذنب ينهشها، ليس فقط حزن الأم، بل ذنب الزوجة التي تشعر أنها خذلت زوجها بأبشع طريقة ممكنة.
في الغرفة كان جاسر لا يزال في نفس وضعيته يحدق في الفراغ. كان الصمت بينه وبين باب الحمام المغلق أثقل من أي صراخ. كان كل نفس يأخذه يشعر به كأنه يسرق الهواء من الغرفة. لقد قتل ابنه بتهوره وغضبه، لقد فشل في حماية عائلته، فشل في حماية المرأة التي أقسم على أن يكون سندها، وفشل في حماية ثمرة حبهما.
كان يشعر بأنه لا يستحقها، لا يستحق حبها ولا يستحق حتى أن يكون بجانبها في هذه اللحظة.
أخيرًا، وبعد زمن بدا كأنه دهر، انفتح باب المرحاض.
خرجت نغم، كان وجهها شاحبًا وخاليًا من أي تعابير وعيناها حمراوين لكنهما جافتان. اتجهت إلى الجانب الآخر من السرير، وسارت ببطء حتى وقفت بجانبه.
نظر إليها فرأى في عينيها حزنًا عميقًا كالمحيط، لكنه لم ير لومًا أو عتابًا.
استلقت بجانبه بهدوء ووجهها يقابله. لم تقل شيئًا، فقط مدت يدها المرتجفة وأمسكت بيده بقوة كأنها تستمد منه الأمان وتمنحه إياه في نفس الوقت.
شعر جاسر بارتعاش يدها، وشعر بالدفء الذي تبعثه رغم برودتها. لقد جاءت إليه، لم تبتعد في عمق حزنها، كانت لا تزال تبحث عنه.
قال بصوت متحشرج، صوت رجل محطم:
"أنا السبب، أنا اللي..."
هزت رأسها بسرعة ودمعة جديدة هربت من عينيها وسقطت على الوسادة بينهما وهي تقاطعه:
"لأ متجولش أكده. لو حد المفروض يتلام فهو أنا. أنا اللي اتسرعت وفكرت بغباء، بس صدقني كنت خايفة أزعلك لو اكتشفت إني عندي مشكلة وخصوصاً لما جولتلي إنك عايز ولاد كتير مني."
ابتلعت غصة مؤلمة في حلقها.
"كان نفسي أفرحك، كان نفسي أطمن إني معنديش أي مشكلة والموضوع مسألة وقت."
نظر إليها بعينين يملؤهما الألم وقد رفض أن تتحمل هي الذنب لوحدها، هو أيضاً أخطأ بتهوره.
"المفروض في الوقت ده كنت سألتك الأول أو كنت أخدتك البيت واتفاهمنا..."
غامت عينيه بالألم.
"على الأقل كنت هكون لوحدي..."
شدت على يده بقوة أكبر وصوتها خرج متقطعًا بالبكاء. هي لم تفهم معنى جملته الأخيرة فظنت أنه سيتألم وحده.
"وإنت غضبت ليه؟ مش عشاني، مش عشان خايف عليا. أنا اللي حولت خوفك وحبك ليا لكارثة."
كل واحد فيهم يبعد الغلط عن الآخر.
فإحساس الذنب الذي يشعر به كلاهما يحاولون إبعاد ثقله عن بعضهم.
صمت كل منهما للحظات يغرقان في بحر من الذنب المشترك، ثم قال جاسر بصوت مكسور.
نظر كل منهما في عيني الآخر، ورأى كل منهما صورته في عين الآخر.
صورة شخص محطم يحمل ذنب العالم على كتفيه. لم يكن هناك لوم، لم يكن هناك عتاب، كان هناك فقط حزن مشترك وألم واحد وذنب يتقاسمانه رغم أن كلًا منهما يصر على حمله وحده.
شد جاسر على يدها بكل ما تبقى له من قوة، وسحبها أقرب إليه رغم الألم الذي شعر به في جسده. لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات. لم يكن هناك عزاء يمكن أن يقال. كل ما كانا يملكانه هو وجودهما معًا في قلب هذه المأساة.
بقيا هكذا صامتين، يداهما متشابكتان وشفاههم الصامتة تحكي قصة حبهما الذي وُلد من رحم الألم، والذي يبدو أنه محكوم عليه بأن يعيش فيه. لم يكونا غريبين، بل كانا روحًا واحدة انشطرت إلى نصفين من الألم، وكل نصف يحاول يائسًا أن يداوي الآخر دون أن يدرك أنه هو نفسه ينزف.
***
عاد الهدوء الحذر ليسود قصر الرفاعي بعد أن اطمأن الجميع على نجاة جاسر.
تجمعوا في البهو الرئيسي لكن الأجواء كانت مثقلة بالترقب والقلق، والوجوه شاحبة من أثر الصدمة. كان فنجان القهوة في يد كل منهم بارداً لم يلمسه أحد.
كسر الحاج وهدان الصمت الثقيل بصوته الذي يحمل وقار السنين وقلق الجد.
"محدش عرف مين اللي عملها؟ مين اللي كان سايق عربية النقل دي؟"
نظر الجميع إلى مالك الذي أصبح بحكمته وهدوئه مرجعهم في الأزمات.
تنهد مالك تنهيدة متعبة.
"لأ يا جدي، العربية كانت مسروجة والسواق هرب، بس أكمل بنفسه ماسك القضية، ومفيش حاجة هتستخبى عليه، إن شاء الله هيوصل للي عمل أكده."
هز وهدان رأسه ببطء، وعيناه تائهتان في الماضي كأنه يرى خيوطاً لا يراها غيره. قال بنبرة واثقة ومظلمة:
"مفيش حد له مصلحة في موت جاسر غير واحد بس... صخر."
ساد الصمت للحظة ثم قال سالم باستنكار وعدم تصديق.
"صخر! يقتل ابن أخوه؟!"
التفت إليه وهدان وفي عينيه بريق حاد كشف عن معرفته العميقة بنفوس أعدائه.
"صخر يقتل أخوه نفسه لو لزم الأمر. الراجل ده مبيشوفش غير مصلحته وبس. الفلوس والسلطة عميت جلبه من زمان. جاسر كان العقبة الوحيدة اللي فاضله عشان ياخد كل حاجة، وأي حد يقف في طريقه... بيزيله على طول."
استوعب الجميع خطورة كلمات وهدان. لقد كان الأمر أكبر من مجرد حادث، كان محاولة قتل مدبرة والصراع الذي ظنوا أنه انتهى كان لا يزال يلقي بظلاله القاتمة عليهم.
***
كان الليل قد انتصف لكن أضواء غرفة المكتب لا تزال مشتعلة.
كان أكمل غارقًا حتى أذنيه في كومة من الأوراق والتقارير القانونية، كانت تفاصيل قضية معقدة تتراقص أمام عينيه، كل سطر فيها يحتاج إلى تركيز مطلق وكل كلمة قد تكون مفتاحًا لإدانة مجرم أو براءة مظلوم.
كان يشعر بثقل المسؤولية على كتفيه، فمصير أحدهم يعتمد على قدرته على فك شفرات هذه الأوراق.
في الصالة، كانت صبر تسير ذهابًا وإيابًا لا تهدأ، كانت تحمل طفلهما قاسم بين ذراعيها، تهزه برفق وتهمس له بكلمات مهدئة، لكن لا شيء كان يجدي نفعًا.
كان قاسم يبكي بكاءً حادًا متواصلًا، بكاءً لا تعرف له سببًا.
لقد فحصت حرارته، وتأكدت من أنه ليس جائعًا وغيرت له، لكن صراخه لم يتوقف، بل كان يزداد حدة مع مرور الوقت، وكأنه يعبر عن كل التعب والإرهاق الذي تشعر به هي.
بدأ صوت بكاء قاسم يتسلل إلى غرفة المكتب، في البداية كان ضجيجًا في الخلفية، لكنه سرعان ما تحول إلى إزعاج حاد، كأنه إبر تخترق تركيز أكمل.
حاول أن يتجاهله، أن يركز على الأوراق أمامه، لكنه كان يفقد خيط أفكاره مع كل صرخة جديدة.
شعر بالضغط يتزايد، ضغط القضية وضغط الضجيج في المنزل.
أخيرًا لم يعد قادرًا على التحمل.
قام من على مكتبه بعصبية، وفتح باب الغرفة ووجهه متجهم من فرط التركيز والغضب المكتوم.
"صبر ممكن تاخدي الولد وتدخلي الأوضة شوية مش عارف أركز خالص."
نظرت إليه صبر بعينين يملؤهما الإرهاق واليأس.
كانت تقف على حافة الانهيار، وجاءت كلماته الباردة كأنها الدفعة الأخيرة التي أسقطتها في الهاوية.
انفعلت بشكل لم تكن تتوقعه من نفسها، وصوتها خرج متحشرجًا بالبكاء والتعب.
"أدخل الأوضة أروح فين يعني، أرميه في الشارع؟ الولد بيعيط بقاله ساعة وأنا مش عارفة أسكته وإنت قاعد هنا ولا على بالك."
تفاجأ أكمل من رد فعلها، فرد بانفعال هو الآخر مدافعًا عن نفسه وعن عمله.
"وأنا المفروض أعمل إيه يعني أسيب الشغل اللي في إيدي وأجي أسكته؟ مش شايفه إن عندي قضية مهمة ومحتاجة تركيز ولا ده كلام مش مهم بالنسبالك."
اتسعت عينا صبر بصدمة من قسوة كلماته.
"قضيتك مهمة وأنا وابنك مش مهمين، مش كده؟ أنا اللي شايلة مسؤوليته لوحدي طول النهار وطول الليل تغيير ورضاعة وعياط وسهر وإنت كل اللي بتعمله بقالك يومين ترجع من الشغل تقفل على نفسك في المكتب وكأننا مش موجودين في البيت."
"وإنتي فاكرة إني قاعد بلعب هنا؟ دي حياة ناس، وإنتي عارفة القضية دي بالذات معناها إيه بالنسبة ليا."
كانت الكلمات تخرج منهما كأنها طلقات نارية، كل منهما يلقي بألمه وتعبه في وجه الآخر.
"وحقنا إحنا فين؟ حق ابنك عليك إنك تشيله وتلعب معاه، وحقي أنا إنك تكون جنبي وتحس بيا. أنا مش عايزة منك عدالة للناس كلها، أنا عايزة إنت معايا، عايزاك تحس بيا وبتعبي مش تحسسني إني مجرد حاجة ثانوية في حياتك بعد شغلك."
"حاجة ثانوية؟ أنا بحسسك إنك حاجة ثانوية يا صبر بعد كل اللي بعمله عشانك بتقولي كده؟"
ساد صمت مريع في الغرفة، لم يقطعه سوى بكاء قاسم الذي شعر بالتوتر المشحون بين والديه.
نظرت صبر إلى أكمل نظرة طويلة، نظرة مليئة بالخذلان والحزن، ثم استدارت دون أن تنطق بكلمة أخرى ودخلت إلى غرفة نومهما وأغلقت الباب خلفها.
بقي أكمل واقفًا في مكانه، يشعر بالذنب يعتصر قلبه. لقد فهمت كلامه بشكل خاطئ.
لم يكن يقصد أن يجرحها، لكن ضغط العمل أعمى بصيرته.
نظر إلى أوراقه المبعثرة على المكتب، فلم تعد لها أي قيمة.
لقد كرس حياته لتحقيق العدالة للآخرين، لكنه الليلة، فشل في تحقيق أبسط أنواع العدالة في بيته، العدالة لزوجته التي لم يعد يعرف كيف يصل إليها.
بقي أكمل واقفًا في مكانه لعدة دقائق يستمع إلى الصمت الذي حل فجأة بعد إغلاق الباب، صمت كان أشد إيلامًا من أي صراخ.
نظر إلى أوراق قضيته المبعثرة، فرآها مجرد حبر على ورق، بلا معنى وبلا قيمة أمام ما يحدث في عالمه الحقيقي خلف هذا الباب.
ترك كل شيء وسار بخطوات ثقيلة نحو غرفة نومهما.
فتح الباب بهدوء شديد، فوجدها تجلس على حافة السرير وظهرها له.
كانت تهز قاسم الصغير بين ذراعيها برقة، وقد هدأ بكاؤه أخيرًا وتحول إلى أنين خافت، كأنه يشاركها حزنها.
كان المشهد يقطر بالوحدة والتعب، وشعر أكمل بقلبه ينقبض من الألم والندم.
اقترب منها ببطء وجلس بجانبها على السرير. لم تقل شيئًا، لم تلتفت حتى ظلت عيناها مثبتتين على طفلهما النائم.
مد يده بتردد ووضعها على كتفها، فشعر بارتعاشة خفيفة سرت في جسدها.
قال بصوت خافت، صوت رجل يعترف بهزيمته:
"أنا آسف."
لم ترد، لكنه شعر بأنها تستمع.
"حقك عليا، أنا عارف إنك فهمتي كلامي غلط بس والله ده مش مقصدي. أنا أقصد إني مش بقصر معاكي في تربيته، مش أكتر. كنت قاسي معاكي بس غصب عني. ضغط الشغل والقضية عموني وخلوني أنسى كل حاجة، أنسى أهم حاجة."
صمت للحظة يجمع كلماته التي كانت تخرج بصعوبة.
"ساعات بنسى نفسي في الشغل وبنسى إن عندي بيت وحياة تانية أهم من أي قضية ومن أي مجرم، بنسى إن عندي كنز هنا لازم أحافظ عليه. بس في نفس الوقت لازم انتي كمان تكوني داعم لي. ايدي روح بين ايديا، مينفعش أي تهاون فيها."
عند هذه الكلمة التفتت إليه أخيرًا، وعيناها كانتا بحيرتين من الدموع الصامتة.
"وإنت كنزي يا أكمل، إنت وابننا كل كنوزي. بس أنا بحس إني لوحدي، بحس إني شايلة كل حاجة فوق كتافي وبخاف، بخاف أكون مش جد المسؤولية دي."
أمسك بيدها التي كانت لا تزال تهز طفلهما برفق، وقبلها بحنان.
"إنتي مش لوحدك يا صبر، أنا معاكي وجنبك. يمكن أكون بقصر غصب عني بس عمري ما هسيبك لوحدك أبدًا. إنتي روحي والواحد ميعرفش يعيش من غير روحه."
اقترب منها أكثر وضمها إليه بذراع واحدة، محتويًا إياها هي والطفل معًا في حضنه.
استندت برأسها على كتفه، وشعرت بالأمان والدفء الذي كانت في أمس الحاجة إليه.
"سامحيني."
همس في أذنها، فأغمضت عينيها وتنهدت بعمق، كأنها تطلق كل الحزن والتعب الذي كان حبيسًا في صدرها.
"مسمحاك يا أكمل."
بقيا هكذا لبعض الوقت في صمت لا يتكلمان، فقط يتنفسان معًا.
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات.
لقد كان اعتذاره صادقًا، وكان غفرانها حقيقيًا.
وفي حضرة طفلهما النائم، تصالحا ليس فقط بكلمات الأسف، بل بوعد صامت بأن يكونا سندًا لبعضهما البعض، وأن يتذكرا دائمًا أن بيتهما الصغير هو أهم قضية يجب أن يربحاها معًا كل يوم.
بعد وقت طويل، تأكد أكمل من انتظام انفاسها، فنهض من جوارها بهدوء وخرج من الغرفة كي يتابع باقي الأوراق.
***
كانت نغم نائمة بجانبه وأنفاسها الهادئة والمنتظمة هي الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الغرفة الثقيل.
كان وجهها يبدو مسالمًا في نومها، كأنها هربت إلى عالم آخر لا وجود فيه للألم أو الحزن.
لكن جاسر كان مستيقظًا تمامًا، يحدق في الظلام وعقله ساحة معركة لا تهدأ.
لم يكن الألم الجسدي هو ما يمنعه من النوم، بل كان ألم الروح، ألم الذنب الذي ينهشه بلا رحمة.
وفجأة اخترق اهتزاز صامت هذا السكون، اهتزاز هاتفه على الطاولة بجانب السرير.
مد يده ببطء وأخذه ونظر إلى الشاشة.
رقم غير مسجل، لكنه كان يعرفه جيدًا.
كانت هذه هي المكالمة التي كان ينتظرها، المكالمة التي ستشعل فتيل الجحيم من جديد.
نظر إلى نغم النائمة وتأكد من أنها لم تستيقظ.
ثم نهض من السرير بصعوبة بالغة متجاهلًا الألم الحاد الذي ضرب جسده مع كل حركة.
استند على الجدران وهو يسير بخطوات بطيئة وثقيلة، وخرج إلى الشرفة الواسعة وأغلق الباب الزجاجي خلفه بهدوء.
وقف في برودة ليل الجبل، وأخذ نفسًا عميقًا من الهواء النقي كأنه يستعد للغوص في وحل الماضي مرة أخرى، ثم ضغط على زر الرد.
لم يقل شيئًا بل انتظر بصمت.
أتاه صوت رجل من الطرف الآخر، صوت خشن ومكتوم.
"تم يا باشا."
قال جاسر بصوت هادئ، بارد كبرودة الليل.
"لقيته؟"
"أيوه لقيناه زي ما توقعت. كان مستخبي في شجة قديمة على أول البلد بيجهز نفسه عشان يهرب الصبح."
"كويس."
"هو دلوقتي في المخزن القديم متكتف ومستني أوامرك يا باشا."
صمت جاسر للحظة، وعيناه تحدقان في الظلام الشاسع أمامه.
كان بإمكانه أن يأمر بقتله الآن، أن ينهي هذا الفصل من حياته بكلمة واحدة، لكن شيئًا ما تغير بداخله. لم يعد الانتقام السريع هو ما يريده.
قال بصوت قاطع:
"خého حداك يومين."
"يومين يا باشا؟"
"أيوه يومين من غير أكل ولا ميه، خليه يعرف إن الموت أرحم من اللي مستنيه، خليه يحس بالخوف اللي حست بيه مراتي وهي بين الحياة والموت. أنا جاي بنفسي عشان أسمع منه كل حاجة وأعرف مين اللي وراه بالظبط."
"أوامرك يا باشا."
أغلق جاسر الخط دون أن ينطق بكلمة أخرى.
بقي واقفًا في الشرفة لبعض الوقت، يشعر بالبرودة تتسلل إلى عظامه.
لم يكن يشعر بنشوة الانتصار أو بقرب الانتقام، بل كان يشعر بثقل هائل على صدره.
عاد إلى الغرفة بنفس البطء المؤلم، واستلقى على سريره مرة أخرى.
نظر إلى نغم النائمة بجانبه، وشعر بمسافة شاسعة تفصل بينهما، مسافة من الأسرار والدماء.
لقد عاد إلى عالمه القديم، عالم الظلام والعنف، العالم الذي حاول أن يهرب منه من أجلها.
لم يستطع النوم.
أغمض عينيه فرأى صورة ابنه الذي لم يولد، ورأى صورة السائق المربوط في المخزن، ورأى ظلال أعدائه القدامى والجدد وهي تحوم حوله.
شعر وكأن القدر يعاقبه على كل ما فعله في حياته، وكأن السعادة التي وجدها مع نغم كانت مجرد استراحة قصيرة، والآن حان وقت دفع الحساب.
وأدرك في تلك اللحظة أن المعركة الحقيقية لم تكن مع من حاول قتله، بل كانت مع نفسه، مع الوحش الذي يسكن بداخله والذي استيقظ من جديد، وهو لا يعرف ما إذا كان سيتمكن من السيطرة عليه هذه المرة، أم أن هذا الوحش سيبتلعه هو وكل من يحب.
***
***
كان أول ما تسلل إلى وعي نغم هو شعور بالأمان، شعور دافئ ومألوف يغلفها بالكامل.
لم يكن هناك ألم حاد، بل مجرد وجع خفيف باهت، يذكرها بأن جسدها قد نجا من التحطم.
فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها ليست في سريرها، بل في حضن جاسر.
كان ذراعه يلتف حول خصرها برفق، ورأسه يستريح على الوسادة بجانبها، وأنفاسه المنتظمة الهادئة تلامس شعرها كأنها لحن السكينة.
تجمدت للحظة، تتأمل المشهد الذي كان قبل أيام مجرد حلم مستحيل.
هذا هو الرجل الذي اخترق الموت ليعود إليها.
الرجل الذي كان جسده درعاً لها.
نظرت إلى ملامحه الهادئة في ضوء الفجر الخافت الذي تسلل من النافذة، ورأت آثار الإرهاق حول عينيه والندبة الصغيرة التي بدأت تلتئم على صدغه.
لم تعد ترى فيه القسوة أو الغضب، بل رأت فيه ملاذها، بيتها، الرجل الذي ارتبطت روحه بروحها بطريقة أعمق من أي رابط.
غمرها شعور جارف بالحب، حب ممزوج بالخوف عليه، خوف يجعلها تريد أن تبقيه في فقاعة آمنة بعيداً عن كل شر.
تحركت ببطء شديد وبحذر فائق محاولةً أن تنسل من بين ذراعيه دون أن توقظه أو تسبب له أي ألم في جسده الذي مازال يؤلمه.
كانت حركتها أشبه بحركة فراشة تخشى إزعاج زهرة، لكنه شعر بها على الفور.
فتح جاسر عينيه ببطء وتلاقت نظراتهما في صمت الفجر.
لم يقل شيئاً، فقط شدد من احتضانه لها قليلاً كأنه يطمئن نفسه أنها حقيقية، أنها هنا.
"صباح الخير، كنت خايفة أكون بوجعك."
ابتسم مغمغمًا بنعاس.
"وجعي بيروح لما بتكوني هنا."
ابتسمت ابتسامة صغيرة وشعرت بقلبها يذوب.
مدت يدها ومسحت على شعره برقة.
"لازم أقوم عاد، مش عايزة أضغط عليك."
تنهد جاسر وأرخى ذراعه، سامحاً لها بالنهوض، ثم راقبها وهي تقف وتتحرك ببطء وحذر، ولا يزال أثر الألم واضحاً في حركتها.
لقد تغير كل شيء بينهما. لم يعد هناك حاجة للكلمات الصاخبة أو المواجهات العنيفة.
لقد تحدث الموت نيابة عنهما وأزال كل الحواجز ولم يترك سوى حقيقة واحدة: أنهما لا يستطيعان العيش بدون بعضهما البعض.
نزلت نغم إلى الطابق السفلي تبحث عن ونس وسامية.
وجدت ونس تجلس وحيدة في بهو الصالون الواسع، تحمل فنجان قهوة لم تلمسه وعيناها شاردتان في الفراغ.
كان الحزن يلفها كوشاح ثقيل، حزن الأم التي كادت أن تفقد ابنها.
عندما رأت ونس نغم نهضت بقلق.
"نغم؟ إيه اللي نزلك يا بنيتي؟ أنتِ لسه عيانة والدكتور جال لازم ترتاحي."
"زهجت من الرقدة، حسيت إني محبوسة جلت أتحرك شوية."
نظرت ونس إليها ورأت في عينيها قوة لم تكن موجودة من قبل.
تنهدت وجلست مرة أخرى.
"حمدلله على سلامتكم، أنا... أنا كل ما بفتكر اللي حصل، بحس إن قلبي هيجف."
صمتت للحظة ثم نظرت إلى نغم مباشرة وفي عينيها دموع محبوسة.
"أنا السبب يا نغم، أنا اللي حاسة بالذنب. مكنش المفروض أطاوعك وأخدك عند زينة في اليوم ده من وراه، لو مكنتش عملت أكده مكنش كل ده حصل. أنا اللي عرضتكم للخطر."
أمسكت نغم بيد حماتها بقوة، ونظرت في عينيها بحنان.
"أوعي تجولي أكده تاني يا أمي، ده نصيب، ومكتوب ربنا اللي جدر ده ومحدش فينا يقدر يغير المكتوب. وبعدين يمكن اللي حصل ده كان فيه خير واحنا منعرفش."
"خير إيه بس، أنا من وقت الدكتور ما جال إنك سقطتي وأنا قلبي بيتوجع."
"يمكن الحمل ده مكنش فيه خير فربنا صرفه عنا بالطريقة دي. الأهم من كل ده إن جاسر رجعلي ورجوعه من الموت بالدنيا كلها، كل حاجة تانية تهون."
كانت كلمات نغم البسيطة والعميقة هي البلسم الذي كانت ونس تحتاجه.
شعرت بأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها.
لقد سامحتها هذه الفتاة بل ورأت حكمة إلهية فيما حدث.
احتضنتها بقوة وهي تشعر لأول مرة أنها لم تكسب زوجة لابنها فقط، بل ابنة حقيقية.
في وسط هذه اللحظة المشحونة بالعاطفة، انقطع سكون المنزل بصوت جرس الباب الحاد.
ابتعدت المرأتان عن بعضهما، ونادت ونس على سامية لتفتح الباب.
ذهبت سامية وعادت بعد لحظات، وعلى وجهها حيرة وارتباك.
سألتها ونس.
"مين يا سامية؟"
ارتبكت سامية أكتر.
"دي... دي..... ست شروق جات."
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم رانيا الخولي
كانت السيارة تسير بهدوء في شوارع القاهرة المزدحمة، لكن داخلها كان هناك عالم من السكينة.
يجلس أكمل خلف عجلة القيادة يلقي نظرات خاطفة بين الحين والآخر على زوجته الجالسة بجانبه.
كانت صبر تنظر من النافذة لكن نظراتها كانت شاردة.
كان ابنهما الصغير نائماً في كرسيه وأنفاسه المنتظمة هي الموسيقى التصويرية الهادئة لرحلتهم.
مد يده ووضعها فوق يدها التي تستقر على ساقها، شعرت بلمسته الدافئة فالتفتت إليه وابتسمت ابتسامة باهتة.
"أنا عارف إنك مش مبسوطة أوي بالروحة عند ماما."
تنهدت صبر برفق.
"مش القصد يا أكمل. أمي ربنا يديها الصحة عمرها مزعلتني من وقت ما شوفتها، صحيح أول يومين مكنتش متقبلاني بس بعدها حسيت بحبها الحقيقي. لكن... أنا بحب بيتنا بحب أكون معاك."
ضغط على يدها برفق.
"وأنا مقدرش أعيش من غيركم. بس أنا شايفك بتتعبى إزاي اليومين دول الحمل تقيل عليكي ومحتاجة اللي ياخد باله منك ومن الولد طول الوقت. وأنا للأسف دماغي مشتتة في القضية دي ومش عارف أساعدك."
نظر إليها بحب عميق.
"كلها كام يوم بس يا حبيبتي أوعدك أول ما أخلص من الملف ده، هاخد أجازة طويلة ومش هعمل حاجة في الدنيا دي غير إني أقعد جانبكم أخدمك إنتي والباشا الصغير اللي نايم ومش دريان بحاجة ده."
ابتسمت صبر ابتسامة حقيقية هذه المرة، وشعرت بالاطمئنان يغمر قلبها.
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي وميحرمنيش من حنيتك دي."
"ويخليكي ليا يا كل دنيتي. أنا بس عايزك ترتاحي، وماتفكريش في أي حاجة. سيبي كل حاجة على ماما وهي هتدلعك آخر دلع. وبعدين الفيلا خلاص بتتشطب وأول ما تخلص هننقل كلنا فيها."
وصلوا إلى بناية والدته وركن السيارة. نزل وفتح لها الباب وساعدها على النزول برفق ثم اتجه ليحمل ابنه النائم.
صعدوا إلى شقة والدته التي استقبلتهم بحفاوة وفرحة، وأخذت الطفل من ذراعي أكمل على الفور.
بعد أن اطمأن على أنهم استقروا، وأن والدته قد بدأت بالفعل في تدليل صبر وإعداد كل ما تحبه، وقف أكمل ليستئذن بالرحيل.
احتضن صبر بقوة وهمس في أذنها.
"هتوحشيني."
"وأنت كمان متتأخرش عليا."
"عيوني ليكي."
قبّل رأسها ورأس ابنه، ثم استدار ليغادر.
بينما كان يسير عائداً إلى سيارته، كان يشعر بمزيج من الوحشة والفراغ لأنه سيبيت في شقتهما وحيداً الليلة.
لكنه في نفس الوقت كان يشعر بالراحة لأنهم في أيدٍ أمينة.
الآن، يمكنه أن يتفرغ تماماً لتلك العاصفة التي تنتظره في أوراق القضية، أن يغوص في تفاصيلها المعقدة وينهيها بأسرع وقت ممكن، ليعود إلى ملاذه الحقيقي إلى حضن عائلته الصغيرة.
***
كانت شروق.
لكنها لم تكن شروق التي يعرفانها.
لم تكن هناك نظرة متعجرفة أو ابتسامة ساخرة. كانت تقف هناك مرتدية ملابس بسيطة، ويداها متشابكتان أمامها بتوتر. كان رأسها منخفضاً.
كانت هالة من الندم والكسوف تحيط بها، هالة غريبة لم ترها عليها من قبل.
منذ أن سمعت تلك المكالمة المشؤومة، وذلك الصوت البارد لوالدها وهو يأمر بقتل جاسر انهار كل شيء بداخلها.
لقد أدركت في تلك اللحظة أنها كانت مجرد أداة في لعبة أكبر وأقذر بكثير مما تخيلت.
كرهها لنغم وغيرتها، كله تلاشى أمام حقيقة أن والدها حاول قتل ابن أخيه بدم بارد.
لم تجرؤ على الذهاب إلى المستشفى، كيف ستنظر في وجه جاسر أو نغم وهي تحمل هذا السر المروع؟ ولم تكن قادرة على المجيء إلى هنا، خوفاً من أن تزيد من ألم نغم.
لكنها لم تعد قادرة على التحمل. كان يجب أن تراه، أن تتأكد أنه بخير بعينيها.
صُدمت نغم وونس من هيئتها. لم تكونا مستعدتين لهذه النسخة المنكسرة من شروق.
رفعت شروق عينيها بصعوبة بالغة، وتلاقت نظراتها بنظرات نغم المصدومة.
حاولت ونس رفع الاحراج عنها.
"اهلا يا شروق نورتي البيت اتفضلي."
كان في عيني شروق مزيج من الخوف والرجاء والندم.
"أنا... أنا آسفة إني چيت من غير ميعاد بس... إذا سمحتي... ممكن أشوف جاسر؟ عايزة بس أطمن عليه."
كان صوتها خافتاً مهزوزاً، خالياً من أي تحدي.
نظرت ونس إلى نغم، في إشارة صامتة تقول لها إن القرار قرارها. هذا بيتها الآن، وهذا زوجها وهي سيدة الموقف.
شعرت نغم بوخزة من الغيرة وهذا طبيعي.
لكنها رأت شيئاً حقيقياً في انكسار شروق. رأت ألماً لم تره من قبل.
تذكرت كيف ضحى جاسر بحياته من أجلها، وأدركت أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام بل في التسامي فوق الجراح.
تنهدت وتغلبت على مشاعرها، ورسمت على وجهها هدوءاً حزيناً.
"أكيد طبعاً اتفضلي."
ثم التفتت إلى سامية.
"جهزي حاچة تشربها."
صُدمت شروق وونس من رد فعلها. لم تتوقعا هذا الرقي وهذه السماحة.
تقدمت شروق بخطوات مترددة وجلست على حافة أقرب مقعد، وما زالت غير قادرة على رفع عينيها بالكامل.
وقفت نغم.
"أنا هطلع أجوله إنك اهنه."
صعدت نغم الدرج بهدوء وقلبها يخفق بقوة. كانت مشاعرها متضاربة، لكنها كانت تعرف أنها فعلت الصواب.
وصلت إلى باب جناحهما وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تفتحه.
كان جاسر قد استيقظ للتو ويحاول أن يعتدل في جلسته، عندما رآها ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
"كنت لسه هندهلك وحشتيني...."
كان على وشك أن يقول شيئاً آخر، لكنه توقف عندما رأى الجدية على ملامحها.
وقفت أمامه وقالت بصوت ثابت، هادئ لا يحمل أي تعبير.
"شروق تحت وعايزة تشوفك."
***
عاد أكمل إلى شقته وأغلق الباب خلفه، ليشعر على الفور بالصمت والفراغ الذي تركه غياب صبر وابنه.
كان البيت بارداً يفتقد لدفء وجودهما.
تنهد وخلع ملابسه الرسمية التي كانت تخنقه طوال اليوم، وارتدى بيجامة قطنية مريحة، محاولاً أن يتخلص من أعباء العالم الخارجي.
توجه إلى المطبخ وأعد لنفسه فنجان قهوة أسود قوي، ليكون رفيقه في الليلة الطويلة التي تنتظره مع أوراق القضية.
حمل فنجانه وتوجه إلى مكتبه الصغير حيث كانت الملفات مكدسة، تنتظر أن يغوص في تفاصيلها المعقدة.
جلس على كرسيه وأشعل مصباح المكتب الذي ألقى دائرة من الضوء على الأوراق تاركاً بقية الغرفة في شبه ظلام.
ما إن بدأ يقرأ أول سطر، حتى انقطع سكون الشقة بصوت جرس الباب الحاد المفاجئ.
عقد حاجبيه باستغراب من قد يأتي في هذا الوقت؟ هل نسيت صبر شيئاً؟ لكن والدته كانت ستتصل به بالتأكيد.
نهض من مكانه وتوجه نحو الباب وهو يشعر بشيء من القلق الغامض.
نظر من العين السحرية وتجمد في مكانه للحظة.
ليلى.
ماذا تفعل هنا؟
فتح الباب ببطء ووقف يسد المدخل بجسده وملامحه جامدة لا تحمل أي تعبير.
"ليلى؟ خير؟"
كانت تقف أمامه ترتدي فستاناً أنيقاً وتفوح منها رائحة عطر قوي، غريب عن رائحة الياسمين الهادئة التي اعتاد عليها من صبر.
ارتبكت قليلاً من استقباله البارد لكنها تماسكت.
"أكمل... أنا آسفة إني جيت كده من غير ميعاد. أنا رحتلك مكتبك في النيابة بس الساعي قالي إنك مشيت بدري النهاردة. المهم إني محتاجة أتكلم معاك ضروري. الموضوع مهم أوي وميستحملش تأجيل."
نظر إليها بشك. لم يكن مرتاحاً أبداً لوجودها هنا، في مكانه الخاص في بيته الذي يشاركه مع زوجته.
لكنه لم يستطع أن يطردها خاصة وهي تقول إن الأمر ضروري.
تنهد وتراجع خطوة إلى الوراء، سامحاً لها بالدخول.
دخلت ليلى لكن ما أثار استغرابه وقلقه حقاً هو أنها مدت يدها خلفها وأغلقت باب الشقة. حركة صغيرة لكنها كانت كفيلة بإطلاق كل أجراس الإنذار في رأسه.
"ممكن نقعد؟"
أشار برأسه نحو الصالة بينما بقي هو واقفاً يراقبها بحذر.
جلست على الأريكة وبدأت تتحدث لكن كلماتها كانت تدور في دوائر، تتحدث عن عملها وعن ضغوط الحياة وعن شعورها بالوحدة، وعن كيف أن النجاح ليس كل شيء.
كانت مقدمات طويلة ومشتتة، كأنها تحاول أن تجد المدخل الصحيح للموضوع الذي جاءت من أجله.
كان أكمل يستمع بصبر نافد، ويشعر بأن هناك شيئاً خاطئاً شيئاً خطيراً على وشك الحدوث.
فجأة صمتت ونظرت إليه مباشرة وفي عينيها نظرة يائسة لم يرها من قبل.
"بصراحة يا أكمل أنا جاية اعترفلك بإني مش قادرة أعيش من غيرك."
وقع الكلام عليه كالصاعقة.
"أنا عارفة إني غلطت... غلطت لما اخترت الشغل والمناصب بدالك. اتخطبت لواحد عنده منصب كبير، معاه فلوس وسلطة... كل الحاجات اللي كنت فاكرة إنها هتسعدني. بس محستش معاه بأي حاجة. محستش بالأمان اللي كنت بحسه معاك. محستش إن ليا ضهر وسند زيك."
اقترب صوتها من البكاء.
"أنا كنت غبية والبعد عنك عرفني قيمة اللي كان في إيدي وخسرته. لازم نرجع لبعض يا أكمل... أنا مستعدة أعمل أي حاجة."
لم يعد أكمل قادراً على الصمت. وضع فنجان القهوة على أقرب طاولة بقوة، وانفجر فيها بغضب مكتوم.
"ترجعي لمين؟ إنتي اتجننتي؟ إنتي ناسية إني متجوز؟ ناسية إن عندي ابن وزوجة؟ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟"
نهضت ليلى من مكانها واقتربت منه متجاهلة غضبه تماماً.
تحركت نحوه بطريقة مغرية مقصودة ومدت يدها لتحاول لمس صدره.
"مراتك دي مجرد فلاحة بسيطة مش من مستواك ولا من مستوايا. أنت تستاهل واحدة تانية... تستاهلني أنا وأنا مش هقدر أبعد عنك تاني. أنا بحبك."
تراجع أكمل خطوة إلى الوراء مبتعداً عن لمستها كأنها نار.
"إنتي مريضة! اطلعي بره بيتي حالاً."
لكنها لم تستمع. تقدمت نحوه مرة أخرى وهي تهمس باسمه بنبرة لم تعد تحتمل. هي رأته يدخل بزوجته منزل والدته وعاد وحيدًا وهذه فرصتها كي يضغط عليه.
***
كانت روح تجلس أمام منضدة الزينة الكبيرة في غرفتها، تمرر الفرشاة في شعرها الطويل ببطء لكن عينيها لم تكونا تتابعان حركتها، بل كانتا مثبتتين على الانعكاس في المرآة.
كانت المرآة تعكس مشهداً أصبح يتكرر يومياً: مالك مستلقٍ على السرير على جانبه، وبجانبه ترقد ابنتهما الصغيرة "نور" التي لم تتجاوز الشهر، في نفس وضعيته كأنها صورته المصغرة. كان يتحدث معها بصوتٍ عميق وحنون، كأنه يشاركها أسرار الدولة، ويناقشها في أمور الكبار.
كانت الصغيرة تناغيه بأصوات غير مفهومة، وهو يرد عليها بجدية مصطنعة كأنه يفهم كل كلمة تقولها.
شعرت روح بوخزة حادة من الغيرة. لقد كانت هي طفلته المدللة، وأخته، وحبيبته، وكل عالمه. والآن جاءت هذه الصغيرة لتستولي على كل الاهتمام. لقد أصبح كل وقته، كل حنانه، كل كلماته موجهة لها.
لم تعد تحتمل. ألقت بالفرشاة على المنضدة بعنف مكتوم ونهضت وتوجهت نحو الباب لتخرج من الغرفة.
ما إن فتحت الباب حتى جاء صوته الحاد من خلفها قاطعاً حديثه الهام مع ابنته.
"على فين؟ وإنتي خارچة من أوضتك بشعرك اكده كيف؟"
استدارت إليه بغيظ.
"خارجة أشم هوا! وسند مش اهنه عشان تجلج."
جلس على حافة السرير، ونظر إليها بصرامة لم تفقد حنانها.
"برضه مينفعش متضمنيش ممكن يرچع في اي وجت."
أطلقت تنهيدة غيظ وجذبت أقرب طرحة من على الأريكة، ووضعتها على شعرها بإهمال وعنف ثم خرجت وصفقت الباب خلفها بقوة خفيفة.
في الردهة كانت على وشك النزول لكنها قابلت ورد التي كانت تخرج من جناحها في نفس اللحظة. رأت ورد ملامح روح المتجهمة وحاجبيها المعقودين، فابتسمت بمكر.
"مالك يا روح؟ جالبه وشك ليه؟"
نظرت إليها روح بتذمر طفولي، كأنها تشتكي لأمها.
"عاچبك اللي ابنك بيعمله ده؟"
رفعت ورد حاجبها بدهشة مصطنعة.
"ابني؟ عمل إيه مالك تاني؟"
قالت روح بغيظ وهي تشير بيدها نحو باب غرفتها.
"من ساعة ما ست نور شرفت، وهو نسي إن له زوچة أصلاً! كل اهتمامه وحبه وكلامه بجى ليها هي وبس! وأنا كأني هوا!"
انفجرت ورد في ضحكة مكتومة فهي تعرف روح جيدًا ومدى دلالها على مالك من طفولتها. ثم اقتربت منها ووضعت ذراعها حول كتفها وقالت بنبرة خبيرة.
"عشان هبلة."
نظرت إليها روح بعدم فهم.
"هبلة؟"
"أيوه هبلة عشان سيبتي حتة العيلة الصغيرة تاخده منك بالسهولة دي."
زادت حيرة روح.
"مش فاهمة أعمل إيه يعني؟"
مالت ورد عليها وهمست في أذنها بسر، كأنها تمنحها وصفة سحرية.
"هو إنتي فاكرة إنك لما بتنشغلي بيها وتهتمي بها ونسيه هو هيرچعلك؟ لأ يا ناصحة. هو كمان بيغير."
"بيغير؟ بيغير من إيه؟"
"بيغير من اهتمامك إنتي بيها. إنتي كمان انشغلتي عنه بالبنت، وبجيتي أم وبس. اسحبيه منيها تاني."
"إزاي بس يا مرات عمي؟"
ابتسمت ورد ابتسامتها الماكرة الواسعة.
"خليكي ناصحة. دلعي نفسك، البسي واتشيكي واعملي كإنك مش غيرانة منها خالص. ولما تلاجيه بيلعب معاها، روحي اجعدي چنبه مش بعيد عنه. ادخلي في حضنه وهو شايلها، وبوسيها إنتي كمان. خليه يشوفك أم وحبيبة في نفس الوقت. خليه يحس إنك بتشاركيه حبه ليها، مش بتنافسيه عليها. وساعتها، هتلاقيه هو اللي بيدور عليكي عشان يثبتلك إنك لسة الأصل... وإنها هي مجرد صورة منك."
نظرت روح إلى عمتها بذهول كأنها كشفت لها عن سر من أسرار الكون. لقد كانت تنظر للأمر من زاوية خاطئة تماماً.
ربتت ورد على كتفها.
"يالا اسمعي نصيحة اللي أكبر منك، وارجعي أوضتك وابدأي الحرب بتاعتك بس بشطارة ودلع مش بغيظ وعصبية."
ابتسمت روح ابتسامة واسعة لأول مرة منذ أيام وشعرت بأنها استعادت أسلحتها.
قبلت ورد على خدها بسرعة، وعادت إلى غرفتها بخطوات واثقة مستعدة لخوض معركة استعادة "مالك" من منافستها الصغيرة.
عادت روح إلى غرفتها لكنها لم تكن نفس المرأة التي خرجت منها قبل دقائق. لم تعد تلك الزوجة الغاضبة المتذمرة، بل كانت أنثى واثقة تخطو أولى خطواتها في معركة محسوبة.
وجدته لا يزال على نفس وضعيته مستلقياً بجوار ابنتهما لكنه كان صامتاً الآن ويبدو أنه كان ينتظر عودتها.
لم ينظر إليها عندما دخلت متظاهراً بالانشغال بالصغيرة.
تجاهلت صمته تماماً. خلعت الطرحة بهدوء وألقتها على الأريكة ثم توجهت إلى خزانة ملابسها.
فتحتها وبدأت تمرر يدها على الفساتين المعلقة، كأنها تبحث عن شيء محدد. اختارت فستاناً حريرياً بسيطاً بلون هادئ من تلك التي يعرف مالك أنها تحبها.
دخلت إلى الحمام وبعد دقائق خرجت وقد تغيرت تماماً. سرحت شعرها من جديد ليتموج على كتفيها ووضعت لمسة عطر خفيفة، ذلك العطر الذي أهداه لها في عيد ميلادها.
كان مالك يراقبها بطرف عينه، متظاهراً بعدم الاهتمام لكنه لاحظ كل تفصيل. لاحظ تغير ملابسها، ورائحة عطرها التي وصلت إليه وهدوءها غير المعتاد. كان يتوقع عاصفة من الغضب، لكنه وجد سكوناً مقلقاً وجميلاً في نفس الوقت.
لم تتجه نحوه مباشرة بل توجهت إلى سرير الطفلة وأحضرت منه غطاءً خفيفاً ثم اقتربت من السرير بهدوء تام.
لم تقل "ابعد" أو "هاتها".
بدلاً من ذلك جلست على حافة السرير بجانبه تماماً حتى لامس كتفها ذراعه.
انحنت فوق الصغيرة وقبلتها على جبينها برقة ثم غطتها بالغطاء الخفيف وهي تهمس بصوتٍ حنون.
"عشان متبرديش يا قلبي."
شعر مالك بالارتباك. لقد توقع أي شيء إلا هذا.
ثم وبدلاً من أن تنهض وتبتعد فعلت شيئاً لم يتوقعه أبداً. استندت برأسها على كتفه، وظلت تنظر إلى ابنتهما النائمة وقالت بصوتٍ هادئ ودافئ.
"شكلها شبهك أوي وهي نايمة. نفس هدوءك."
تجمد مالك للحظة. لقد حاصرته من كل الجهات. لقد دخلت إلى عالمه الخاص مع ابنته، وشاركته فيه بدلاً من أن تحاربه عليه. شعر بدفء رأسها على كتفه ورائحة عطرها تملأ أنفاسه.
لم يستطع المقاومة. استدار قليلاً ليواجهها ورفع يده ومسح على شعرها برفق.
"كنتي فين؟"
نظرت إليه بعينين بريئتين كأنها لا تفهم سؤاله.
"كنت بغير هدومي."
هز رأسه ببطء وابتسامة خفيفة بدأت ترتسم على شفتيه.
"لأ. كنتي فين من زمان؟"
لم تجب. فقط ابتسمت ابتسامتها التي يعرفها. الابتسامة التي تذيب كل دفاعاته.
في تلك اللحظة تحول اهتمامه بالكامل. لم تعد الصغيرة "نور" هي محور الكون بل أصبحت مجرد خلفية جميلة في مشهد بطله هو وهذه المرأة التي تجلس بجانبه.
همس بصوتٍ عميق، وهو يقرب وجهه منها.
"وحشتيني."
ردت بهمس مماثل وعيناها لا تفارقان عينيه.
"وإنت كمان."
لم تكن هناك حاجة لكلمات أخرى. انحنى وقبلها، قبلة كانت في البداية هادئة وحنونة ثم سرعان ما تعمقت لتصبح قبلة شغف وشوق، كأنه يعيد اكتشافها من جديد.
في خضم هذه اللحظة أدركت روح أن ورد كانت على حق. لم تكن المعركة مع ابنتها بل كانت مع نفسها. وعندما فهمت اللعبة فازت بها بسهولة، واستعادت عرشها كملكة متوجة على قلب "مالك" دون منازع.
***
كانت كلمات نغم الأخيرة معلقة في الهواء ثقيلة ومفاجئة كحجر أُلقي في مياه راكدة.
نظر جاسر إليها ثم إلى الباب المفتوح خلفها وفهم على الفور كل ما يدور في رأسها.
رأى غيرتها المكتومة خلف قناع الثبات الذي ترتديه بشق الأنفس، ورأى أيضاً قوتها وهي تتغلب على هذه الغيرة لتسمح لابنة عمه، التي كانت تعتبرها عدوتها اللدودة بالدخول إلى أقدس مكان في حياتها.
أومأ برأسه ببطء في موافقة صامتة تحمل الكثير من المعاني، موافقة لم تكن لشروق بقدر ما كانت لنغم. إقراراً منه بنضجها وقوتها الجديدة.
استدارت نغم وخرجت لكنها تركت الباب مفتوحاً قليلاً عمداً. حركة لا واعية تقول إنها لا تزال هنا، وأن هذا عرينها وأنها تراقب وتسمع.
بعد لحظات ظهر ظل شروق عند الباب.
ترددت للحظة كأنها تستجمع كل ذرة من شجاعتها لعبور هذه العتبة.
ثم دخلت. كانت خطواتها مترددة، خافتة على عكس خطواتها الواثقة المعتادة.
كان رأسها منخفضاً كأنها تحاول أن تختبئ من نظراته التي طالما عرفت أنها تخترق الدروع.
وقفت على بعد خطوات من السرير، عاجزة عن النظر إليه مباشرة، ويداها متشابكتان أمامها في حركة عصبية.
"حمدلله على سلامتك يا جاسر."
كان صوتها خافتاً مهزوزاً، بالكاد يُسمع.
لم يرد جاسر على الفور بل ظل يراقبها بنظرته الثاقبة التي تقرأ ما خلف الكلمات.
كان يرى فيها انكساراً حقيقياً. انكساراً لم يره عليها من قبل.
لقد اختفت تلك المرأة المتعجرفة ولم يتبق سوى فتاة خائفة تائهة.
"الله يسلمك. اتفضلي."
جلست على طرف المقعد كأنها تستعد للفرار في أي لحظة.
بقيت صامتة لثواني طويلة كانت أثقل من الدهر، تجمع فيها شتات نفسها ثم رفعت عينيها المليئتين بالدموع المحبوسة ونظرت إليه، نظرة مباشرة لأول مرة.
"أنا... أنا آسفة."
لم يكن اعتذاراً عن الماضي بل كان اعتذاراً عن كل شيء، عن وجودها في حياته عن الألم الذي سببته، عن الكارثة التي حلت به.
تنهدت بعمق وكأنها تزيح جبلاً عن صدرها ثم انطلقت الكلمات منها في فيضان لم تعد قادرة على كبحه.
"أنا السبب في اللي حصلك."
صمت جاسر وتركها تكمل. كان يعرف أن هذه اللحظة قادمة، وكان يعرف أن أفضل ما يمكن فعله هو أن يتركها تفرغ كل ما بداخلها.
"أبويا... أبويا هو اللي أمر بالحادثة دي. هو اللي كان عايز يقتلك."
لم تبدُ على ملامح جاسر أي مفاجأة. كان هدوؤه مرعباً، كأنه كان يقرأ كتاباً يعرف نهايته.
هذا الهدوء شجعها على الاستمرار، على كشف الحقيقة كاملة.
"أنا سمعته بالصدفة وهو بيكلم حد في التليفون... كان صوته واطي، بس أنا سمعته... سمعته وهو بيديله الأمر. اتجننت... حسيت إن الأرض بتدور بيا. حاولت أتصل بيك كتير في اليوم ده عشان أحذرك بس مكنتش بترد... معرفتش أوصلك. فضلت أتصل زي المجنونة، بس مكنش فيه رد."
أغمضت عينيها بألم وهي تتذكر تلك اللحظات من العجز المطلق، صوت والدها البارد وصمت هاتف جاسر المطبق.
"أنا عارفة إن مفيش حاچة بتستخبى عليك... وعارفة إنك أكيد كنت خابر أو شاكك، ذكاؤك ميخلهوش يفوتك حاچة زي دي. بس كان لازمن أجولهالك بنفسي كان لازم تسمعها مني."
"كان لازمن تعرف إني... إني مستحيل أكون موافجة على حاچة زي دي مهما كنت بكره نغم، ومهما كنت غيرانة منيها... أنت ابن عمي لحمي ودمي."
فتح جاسر عينيه ونظر إليها. لم يكن في نظرته لوم، بل كان هناك سؤال. سؤال عملي بارد، يتجاوز الدراما العائلية إلى قلب المؤامرة.
"مين اللي ورا عمي؟ صخر التهامي مش بالغباء اللي يخليه يعمل حاچة زي دي لوحده، ويستخدم طريقة مكشوفة زيها. هو مجرد واجهة. مين اللي بيحركه؟"
ابتلعت شروق ريقها. لقد عرفت دائماً أن جاسر يرى ما لا يراه الآخرون، أنه يرى خيوط اللعبة كلها.
"معرفش... أقسم بالله ما أعرف. هو عمره ما بيتكلم في شغله جدامي. كل اللي سمعته في المكالمة دي، إنه بعد ما خلص كلامه قال للطرف التاني إن 'الباشا الكبير' هيكون مبسوط بالخبر ده."
أومأ جاسر برأسه ببطء كأنه يركب قطع الأحجية في عقله. "الباشا الكبير..."
هذا هو الخيط الذي كان يبحث عنه. ثم نظر إليها مرة أخرى، نظرة طويلة فاحصة كأنه يقرر مصيرها الآن.
"جاسر... أنا عارفة إني دمرت حياتك من يوم ما دخلتها وعارفة إن چوازنا ده كان غلطة من الأول، وأنا اللي أچبرتك عليه."
أخذت نفساً عميقاً وقالت الكلمات التي كانت تجهزها منذ أيام، الكلمات التي كانت تظنها خلاصه وخلاصها.
"لو عايز تطلجني... أنا موافجة. ده حقك. أنا مستعدة أخرج من حياتك وحياة نغم للأبد. اتنازل عن كل حاجة وامشي من اهنه. يمكن لما أبعد، الشر يبعد عنكم. أنتم الاتنين تستاهلوا تعيشوا في سلام. أنا مش هجدر أعيش وأنا شايفة أبويا بيحاول يجتلك، وأنا السبب في وجودي بينكم."
كانت كلماتها صادقة نابعة من إحساس عميق بالذنب، ورغبة حقيقية في التكفير عن خطايا لم ترتكبها هي، بل ارتكبت باسمها.
لم يرد جاسر، بل ظل صامتاً يفكر. لقد اعترفت له بكل شيء، ووضعت مصيرها بين يديه، تاركة له القرار في كيفية إنهاء هذه المسرحية المأساوية.
***
كانت شقة نسرين، والدة أكمل، تعج بالحياة والفرح. كانت السيدة تمشي في أرجاء الشقة وهي تحمل حفيدها قاسم، تغني له تارة، وتداعبه تارة أخرى والفرحة الصافية ترتسم على وجهها.
كانت صبر تراقبها بابتسامة هادئة، وتشعر بالدفء يغمر قلبها. لقد كانت حماتها بمثابة أم ثانية لها، حنونة ومحبة.
بعد أن نام قاسم أخيراً في سريره الصغير، جلست نسرين بجانب صبر في الشرفة ومع كل منهما كوب من الشاي الدافئ.
"شفتي الواد قاسم ده؟ كل يوم بيحلو عن اليوم اللي قبله. واخد عيون أبوه وشخصيته."
ابتسمت صبر وقالت بصوت خفيض.
"واخد طيبة قلبك إنتي يا ماما."
ربتت نسرين على يدها بحنان.
"وإنتي يا حبيبتي؟ مالك؟ حاساكي مهمومة. أكمل مزعلك في حاجة؟"
هزت صبر رأسها بسرعة.
"لأ طبعاً! أكمل ده مفيش في حنيته وطيبته. أنا اللي... أنا اللي حاسة إني مقصرة معاه أوي اليومين دول."
"مقصرة إزاي بس؟ ده إنتي شايلة بيتك وابنك وحملك على كتافك."
"عشان كده بالظبط. من ساعة ما قاسم اتولد، وأنا كل وقتي وكل تفكيري معاه. ولما بدخل أنام، بكون مهدودة ومبشوفش قدامي. بحس إني مبقتش أهتم بأكمل زي الأول، وهو راجع تعبان من شغله ومحتاج اللي ياخد باله منه."
نظرت نسرين إليها نظرة عميقة، مليئة بالحكمة والتفهم.
"اسمعيني يا صبر يا بنتي. الراجل زي الطفل الصغير بالظبط، مهما كبر وعلت مناصبه بيفضل محتاج اهتمام ودلع. وأكمل بيعشقك، وشايلك فوق راسه. متجيش على نفسك، بس برضه متنسيهوش."
صمتت للحظة ثم قالت بابتسامة ماكرة.
"وأنا عندي ليكي الحل."
"حل إيه؟"
"أنا بكرة إجازة من الشغل، وقاعدة في البيت. إيه رأيك تسيبي قاسم معايا النهاردة، وتقومي تلبسي وتروحي لجوزك؟ خلي الليلة دي بتاعتكم لوحدكم. بيت هادي وعشا حلو وكلمتين حلوين. عوضيه عن كل الأيام اللي فاتت."
لمعت عينا صبر بالفكرة. شعرت بالحماس واللهفة فجأة.
فكرة أن تقضي ليلة هادئة مع أكمل، بعيداً عن مسؤوليات الأمومة بدت كحلم جميل.
"بجد يا ماما؟ مش هتقل عليكي؟"
"تقل إيه بس؟ ده أنا أبيع الدنيا عشان ساعة أقضيها مع الواد ده. يلا قومي متضيعيش وقت."
نهضت صبر بسرعة، وقبلت رأس حماتها بحب وامتنان. دخلت غرفتها، وارتدت أجمل ما لديها وتعطرت بعطرها المفضل، وشعرت بأنها عروس تستعد للقاء زوجها.
ودعت ابنها النائم بقبلة خفيفة ثم غادرت الشقة وقلبها يرقص من الفرحة واللهفة.
في طريقها إلى شقتها اشترت بعض الحلوى التي يحبها أكمل. كانت تتخيل ردة فعله حين يراها، وكيف سيفاجئ بوجودها.
كانت تخطط في رأسها لكل تفاصيل الليلة، وكيف ستعوضه عن كل لحظة انشغلت فيها عنه.
وصلت إلى باب الشقة وأخرجت مفتاحها بهدوء، تريد أن تفاجئه.
لكن ما إن اقتربت من الباب حتى سمعت صوتاً من الداخل. لم يكن صوت التلفاز. كان صوت حديث، وصوت امرأة.
تجمدت يدها وهي على وشك وضع المفتاح في القفل. من هذه التي تتحدث مع زوجها في شقتهما في هذا الوقت من الليل؟
انقبض قلبها بشدة، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها.
فتحت الباب ببطء شديد، بحركة شبه صامتة ودخلت.
كانت الصدمة.
كان المشهد أمامها كفيلم من أسوأ كوابيسها. أكمل يقف متوتراً غاضباً وأمامه مباشرة على بعد خطواة صغيرة منه تقف امرأة أخرى بكامل زينتها تبدو وكأنها على وشك احتضانه.
لم تكن غريبة. لقد عرفتها من الصور القديمة. إنها ليلى خطيبته السابقة.
كان الوضع كله يصرخ بالخيانة. قربهما من بعضهما، توقيت الزيارة، نظرة التحدي في عيني ليلى، وصدمة أكمل التي بدت في عينيها كأنها صدمة من قُبض عليه متلبساً.
سقط كيس الحلوى من يدها على الأرض محدثاً صوتاً خافتاً. كان في ذلك الصمت مدوياً كانفجار.
***
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشر ليلاً وقد اخبرها أنه سيعود في التاسعة. كانت تجوب غرفة المعيشة ذهاباً وإياباً، وقلبها يخفق بقلق مع كل دقيقة تمر. كانت تعرف أن سند في مشوار عمل بعيد ومرهق، وأن الطريق طويل وخطير في هذا الوقت من الليل.
أمسكت بهاتفها للمرة المئة تحدق في شاشته المظلمة تقاوم رغبتها في الاتصال به حتى لا تشتت انتباهه أثناء القيادة.
كانت كل الأصوات في القصر قد خمدت، ولم يبق سوى صوت خطواتها القلقة وصوت دقات الساعة التي كانت تبدو كضربات مطرقة على أعصابها.
وفجأة سمعت ذلك الصوت الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر. صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب الخارجي.
تجمدت في مكانها للحظة، كأنها لا تصدق. ثم دون تفكير ركضت نحو الباب حافية القدمين.
ما إن انفتح الباب ودخل سند متعباً ومرهقاً حتى ارتمت بين ذراعيه بقوة ودفنت وجهها في صدره، متشبثة به كأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى.
تطايرت كل كلمات العتاب والقلق التي كانت تجهزها ولم يتبق سوى كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها بصوتٍ مخنوق بالدموع والشوق.
"وحشتني... وحشتني جوي يا سند."
فوجئ سند بهذا الاستقبال العاصف لكنه سرعان ما استجاب له. أسقط حقيبته ومفاتيحه على الأرض بصوتٍ مكتوم ولف ذراعيه القويتين حولها وضمها إليه بقوة أكبر، كأنه يريد أن يخبئها داخل ضلوعه.
استنشق رائحة شعرها بعمق وأغمض عينيه وشعر بكل تعب السفر ومشقة الطريق يذوب ويتلاشى.
همس في أذنها بصوتٍ أجش من فرط الشوق.
"وإنتي وحشتيني أكتر يا جلب سند وروحه."
ابتعد عنها قليلاً ليرى وجهها فلاحظ دموعها التي تلمع في الضوء الخافت. مسحها بإبهامه برفق وحنان لا حدود له.
"كل ده جلج؟ أنا كويس يا حبيبتي متخافيش."
هزت رأسها وهي لا تزال تتنفس بصعوبة.
"جلبي كان هيجف من الخوف عليك. الطريق، والوقت..."
قاطعها بابتسامة دافئة وهو يرفع وجهها إليه بكلتا يديه.
"وأنا طول الطريج مكنتش شايف جدامي غير وشك ده. كنت بعد الدجايج والثواني عشان أرچع وأشوفك."
نظر في عينيها بعمق. ذلك النظر الذي كان يذيبها دائماً.
"تعرفي إيه اللي كان مصبرني؟ إني عارف إن فيه هنا روح مستنياني. روح لو غابت عني، حياتي كلها تضلم."
لم تعد تحتمل. ألقت بنفسها في حضنه مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن عناق قلق، بل عناق حب خالص. عناق يحكي عن ليالي من الانتظار وأيام من الشوق.
حملها سند بين ذراعيه بسهولة، كأنها ريشة وتوجه بها نحو غرفتهما. لم يقل كلمة ولم تقل هي كلمة. لم تكن هناك حاجة للكلام. كانت لغة العيون واللمسات والأحضان كافية لتروي كل الحكايات.
أغلق باب غرفتهما بقدمه. وفي تلك اللحظة أغلقا الباب على العالم الخارجي كله، ولم يبقَ في عالمهما الخاص سوى رجل عاشق عاد إلى وطنه وامرأة كانت هي الوطن كله.
***
بعد أن غادرت شروق تركت خلفها فراغاً مشحوناً بالأسئلة والتوتر وصمتاً أثقل من أي كلام.
لم تعد نغم قادرة على الجلوس في المكان. شعرت بأن الهواء أصبح خانقاً، وأن جدران البيت تطبق عليها.
لم تكن متقبلة لوجود شروق في حياة جاسر. ليس كابنة عمه بل كامرأة أخرى.
امرأة شاركته طفولته وكانت يوماً ما "مكتوبة له".
كانت ترى في عيني شروق المنكسرتين بقايا حب قديم. حب لم يمت بل تحول إلى رماد قد يشتعل من جديد بأي نسمة هواء. هذا الإحساس كان يأكل روحها.
هي تثق في جاسر. تثق به الآن أكثر من أي وقت مضى. لكن غيرتها كانت شعوراً لا إراديا. سماً يسري في عروقها رغماً عنها. يذكرها بأنها لم تكن الأولى وأن هناك دائماً "ما قبلها".
هربت إلى المطبخ كجندي جريح ينسحب من ساحة المعركة.
كانت بحاجة إلى أي شيء لتشغل به يديها وعقلها.
أمسكت بسكين وبدأت تقطع الخضروات بحركة آلية عنيفة. وكل ضربة على لوح التقطيع كانت صدى لضربات قلبها المضطرب.
كانت تعيد مشهد دخول شروق، اعترافها، نظراتها لجاسر، صمته هو... كل تفصيل كان بمثابة شوكة صغيرة تنغرس في قلبها وتتعمق أكثر مع كل لحظة.
دخلت ونس المطبخ ووجدتها على هذه الحال. رأت الشرود في عينيها ورأت يديها اللتين تعملان بلا وعي، ورأت الدموع التي تتجمع في زاوية عينيها وتهدد بالهطول.
اقتربت منها بهدوء ووضعت يدها على كتفها.
"بتعملي إيه اهنه يا نغم؟"
انتفضت نغم وسقطت السكين من يدها محدثة صوتاً معدنياً حاداً على الأرضية كأنه صوت انكسار شيء بداخلها.
"مفيش يما... بساعد سامية."
نظرت ونس في عينيها مباشرة، بنظرة حنونة وحازمة.
"بتساعدي سامية، ولا بتهربي من چوزك؟"
لم تستطع نغم الإجابة.
لقد أصابت حماتها الحقيقة بدقة مؤلمة. انهار السد الذي كانت تبنيه، وانفجرت في بكاء صامت. بكاء مكتوم يهز كتفيها.
لم تقل ونس شيئاً. فقط سحبتها برفق إلى حضنها وتركتها تبكي، تفرغ كل ما بداخلها من غيرة وقلق وخوف.
كان حضناً دافئاً. حضن أم تعرف متى تتكلم ومتى تترك الدموع تقوم بالعمل.
بعد لحظات هدأت نغم قليلاً وقالت بصوت مختنق بالدموع وهي لا تزال في حضن ونس.
"صعب... صعب جوي يما."
ربتت ونس على ظهرها.
"إيه هو اللي صعب يا بتي؟"
ابتعدت نغم قليلاً ومسحت دموعها بكف يدها كطفلة صغيرة.
"صعب... إني أسيب چوزي مع واحدة تانية في أوضتنا... وأخرج. صعب أشوفها بتبصله كيف وأعمل نفسي مش شايفة. أني بثق فيه، والله بثق فيه... بس غصب عني الچمرة اللي في جلبي دي هتحرجني."
تنهدت ونس وأمسكت بوجه نغم بين يديها، وأجبرتها على النظر إليها.
"ومين جالك إن ده سهل؟ الغيرة دي طبيعة كل ست بتحب چوزها. لازمن تغير عليه لو مغيرتيش، يبجى مبتحبيهوش. بس الفرق بين الست العاجلة والست اللي بتخرب بيتها بإيدها، هي بتعمل إيه بالغيرة دي."
مسحت دمعة هاربة من عين نغم بإبهامها.
"الهروب مش حل يا بنيتي. اللي في جلبك ده لو متكلمتيش فيه معاه، هيكبر وهياكلك من چوه. جاسر فوج مستنيكي. اطلعي لچوزك وواچهيه. جوليله إنك مش متجبلة الوضع، جوليله إنك غيرانة. صرخي فيه لو عايزة، عاتبيه. طلعي كل اللي چواكي في وشه. بس بلاش تهربي وتسيبيه يخمن إيه اللي چواكي. الراچل بيحب الست الجوية اللي بتعرف تاخد حجها منه، مش اللي بتهروب وتستخبى. الجوة في المواچهة، مش في الهروب."
كانت كلمات ونس هي الدفعة التي كانت تحتاجها. كانت كالمياه الباردة التي أيقظتها من دوامة أفكارها.
أومأت برأسها بصمت، وفي عينيها تصميم جديد. تركت المطبخ وخرجت بخطوات ثابتة، متجهة إلى الطابق العلوي. لم تعد تهرب. لقد قررت أن تواجه العاصفة، حتى لو كانت هذه العاصفة بداخلها هي.
***
صعدت الدرج ببطء وكل خطوة كانت تزيد من خفقان قلبها. وقفت أمام باب جناحهما للحظة ثم فتحته ودخلت.
كان راقداً على السرير يسند ظهره إلى كومة من الوسائد، ويتصفح هاتفه. ما إن شعر بوجودها حتى أغلق الهاتف ووضعه جانباً وعيناه لم تفارقاها وهي تقترب.
"تعالي."
كانت نبرته هادئة دافئة، لكنها لم تخفف من توترها. اقتربت وجلست على حافة السرير أمامه. عيناها في الأرض.
مد يده وأمسك يدها برفق وشعر ببرودتها.
"بتهربي مني ليه؟"
رفعت عينيها إليه وكانت مليئة بالدموع التي كانت تحبسها.
"أنا تعبت يا جاسر. مبجتش جادرة أتحمل."
"من إيه؟"
"من كل حاچة. من وچودها في حياتنا. من فكرة إنها مراتك زيي بالظبط. من نظراتها ليك ونظراتك ليها. أنا... أنا لما طلبت تشوفك لوحدكم حسيت كأن حد بيخلع جلبي من مكانه. حسيت إني بسلمك ليها بإيدي."
بدأت دموعها تسيل على خديها، وخرج صوتها متقطعاً محملاً بكل الألم الذي شعرت به.
"أنا خابرة إنها بنت عمك وعارفة إنها اعترفتلك بكل حاچة. بس أنا مش جادرة أتجبلها. مش جادرة أتجبل فكرة إن فيه واحدة تانية بتشاركني فيك غصبت عني. بحاول أكون جوية وبحاول أعدي الموضوع بس مش جادرة. الإحساس ده بيجتلني."
كان جاسر يستمع إليها بصمت ويتألم لألمها.
رأى صدق مشاعرها ورأى عمق حبها الذي كان السبب في هذه الغيرة المدمرة.
سحبها إليه برفق وجعلها تجلس بجانبه واحتضنها بذراعه السليمة.
"حجك. كل اللي بتحسي بيه ده حجك وأنا آسف إني حطيتك في الموجف ده."
"طب والحل؟ أنا مش هجدر أعيش اكده."
تنهد جاسر ومسح على شعرها بحنان.
"إنتي عارفة إن جوازي منها مؤقت، عشان الكلام اللي اتجال في البلد. وحالياً مش هينفع أطلجها واعادي ابوها لحد ما أعرف مين اللي وراه."
"طب على الأجل... على الأجل طلجها بينك وبينها. خليك چوزي أنا لوحدي. خلي الورج ده مجرد حبر، بس في الحجيجة وفي جلوبنا، أكون أنا مراتك الوحيدة."
كانت تتشبث به وتترجاه بعينيها. كانت تطلب منه طمأنينة وعداً، شيئاً تتمسك به في وسط هذه العاصفة.
نظر في عينيها مباشرة ورأت فيهما حناناً وعطفاً، لكنها لم ترى الموافقة.
فاجأها برده. كلمة واحدة هادئة، لكنها كانت قاطعة كالسيف.
"لأ."
اتسعت عيناها بصدمة وعدم تصديق. كيف يرفض طلبها البسيط هذا؟ كيف يرفض أن يمنحها هذا السلام النفسي الذي تتوق إليه؟ شعرت وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها مرة أخرى.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخمسون 50 - بقلم رانيا الخولي
كانت كلمة "لأ" معلقة في الهواء بينهما، باردة، حادة، ومدوية في الصمت الذي تبعها. اتسعت عينا نغم بصدمة وعدم تصديق، وشعرت بقلبها يهوي في فراغ سحيق. كيف بعد كل هذا الألم، وهذا الرجاء، وهذا الانكشاف الكامل لضعفها أمامه، يكون رده هو الرفض القاطع؟
تراجعت للخلف، مبتعدة عنه كأن كلمته كانت صفعة مدوية. انسحبت من بين ذراعيه وعادت لتجلس على حافة السرير، والدموع التي كانت تسيل حزناً تحولت الآن إلى دموع صدمة وخيبة أمل مريرة.
"لأ...؟!" نطقت الكلمة بهمس، كأنها تتأكد أنها سمعت جيداً، كأنها تأمل أن يكون عقلها قد خانها. "بعد كل اللي جولته، بعد ما فتحتلك جلبي ووريتك الوچع اللي چوايا، بتجولي لأ؟"
لم يرد جاسر، بل ظل ينظر إليها بهدوئه الذي أصبح الآن مستفزاً.
هذا الهدوء أشعل فيها غضباً لم تشعر به منذ زمن، غضباً نقياً حارقاً. "ليه؟ ليه يا جاسر؟ إيه اللي هيضرك لو طاوعتني؟ إيه اللي هيخسره كبرياءك لو طمنتني بكلمة؟ ولا هي صعبة عليك جوي تشوفني مرتاحة؟ لازمن أفضل طول الوجت بتعذب وبتحرج عشان تحس بجيمتك."
نهضت من على السرير وبدأت تمشي في الغرفة ذهاباً وإياباً، كوحش محبوس في قفص، ويداها تضربان الهواء بعصبية ويأس. "أنا فهمت، أنا فهمت كل حاچة دلوجت. أنت مبسوط بالوضع ده، مبسوط إن فيه اتنين في حياتك، واحدة بتحبك بجنون والتانية بنت عمك اللي بتحاول تحميها. مبسوط بلعبة السلطة دي، مبسوط وأنت شايفنا بنتجاتل عليك."
توقفت فجأة ونظرت إليه مباشرة، وفي عينيها اتهام مرير، اتهام كان يختبئ في أعماقها وخرج الآن بكل قوته. لم تعد تسيطر على غيرتها وقذفته بكلام غير مرتب ولا مفهوم.
"أنت محبتنيش، أنت عمرك ما حبيتني. أنت حبيت فكرة إني ملكك، حبيت خضوعي ليك، حبيت ضعفي، لكن أول ما طلبت منك حاچة عشاني أنا، عشان سلامي النفسي، رفضت."
عند هذه الكلمة، "محبتنيش"، تغيرت ملامح جاسر. اختفى الهدوء وحل محله ألم حقيقي، ألم حاد ظهر في عينيه وفي شدة قبضته على ملاءة السرير. نهض من السرير ببطء، متجاهلاً الوجع في جسده، ووقف أمامها. كان فارق الطول بينهما شاسعاً، لكنها لم تتراجع، بل ظلت تواجه بتحدي يائس.
وعندما نظر للألم الحاد بعينيها، عاد إليه هدوئه، ملتمساً لها آلاف الأعذار. أمسك ذراعيها برفق وأجبرها على النظر إليه.
"اسمعيني كويس يا نغم، اسمعيني بعجلك مش بجلبك اللي غيران."
قالت بعناد: "مش عايزة أسمع حاجه واصل."
حاولت أن تتحرر من قبضته، لكنه شدد عليها برفق حاسم. "لأ هتسمعي. أنا مجولتش لأه عشان أوچعك، أنا جولتها عشان بحبك."
ضحكت نغم ضحكة مريرة خالية من أي تصديق، ضحكة كانت أشبه بالبكاء. "بتحبني! دي طريجة چديدة للحب معرفهاش."
"أيوه بحبك. وعشان بحبك، مستحيل أكدب عليكي. لو جلت دلوجت أنتِ طالج يا شروق، هكون بكدب. هكون بجول كلمة أنا عارف إنها مش حجيجية، وإنها مجرد حبر على ورج زي ما جولتي. هكون بديكي مُسكن مؤقت، وهم عشان أسكتك بيه، وأنا عمري ما هبني علاجتي بيكي على الكدب أو الأوهام."
اقترب منها أكثر وخفض صوته ليصبح همساً حارقاً، همساً اخترق غضبها ووصل إلى قلبها مباشرة.
"أنا عايز لما أجولك كلمة تصدجيها، عايز لما أوعدك بحاچة تعرفي إنها هتتحجج، عايز ثجتك فيا تكون مطلقة، مش مبنية على كلمات مهدئة بجولها عشان أريحك. لحظتها أنا رفضت أكدب عليكي يا نغم عشان بحترمك وبحترم حبي ليكي."
صمتت نغم، وقد بدأت كلماته تتسلل إلى عقلها وتفكك غضبها شيئاً فشيئاً. لقد نزع سلاحها بمنطقه القاسي والصادق.
"چوازي من شروق هينتهي، ده وعد مني. وفي اليوم اللي هطلجها فيه بجد، جدام الناس كلها هيكون طلاج حجيجي مش مجرد كلمة في الهوا. بجولهالك عشان أرضيكي لحد اليوم ده ما ياچي. أنا محتاچك تكوني أجوى من اكده. محتاچك تثجي فيا وتثجي في حبي ليكي، حتى لو الوضع صعب. محتاچك تكوني مراتي بجد، شريكتي اللي بتجف في ضهري، مش طفلة بتعيط عشان عايزة اللي في دماغها يمشي."
ترك ذراعيها وعاد ليجلس على السرير بتعب، بدا عليه الإرهاق فجأة. "الجرار جرارك، يا إما تصدجي حبي وتثجي فيا وتستحملي معايا الفترة دي، يا إما تفضلي شاكة فيا، وساعتها هنكون بنضيع وجتنا إحنا التنين."
وقفت نغم في منتصف الغرفة ممزقة. لقد نزع سلاحها بمنطقه القاسي والصادق. لم يرفض طلبها ليعذبها، بل رفض أن يكذب عليها ليرضيها. لقد طالبها بأصعب شيء: الثقة المطلقة، الصبر والإيمان، بحبه دون دليل ملموس. لقد وضع الكرة في ملعبها وتركها تواجه أصعب خيار في حياتها، إما أن ترتقي لمستوى حبه وثقته، أو أن تظل سجينة لخوفها وغيرتها.
***
سقط الكيس من يدها على الأرض محدثاً صوتاً خافتاً. كان في ذلك الصمت مدوياً كانفجار. تجمد الزمن، تجمدت الأطراف، تجمدت الكلمات في الحناجر.
كانت صبر تقف على عتبة الباب، كتمثال من الملح، عيناها متسعتان بالرعب وعدم التصديق. لم تكن ترى التفاصيل، لم تكن تحلل الموقف بعقلانية. كل ما رأته هو كابوسها وقد تجسد. زوجها في شقتهما، في منتصف الليل، مع امرأة أخرى، امرأة جميلة وأنيقة، تقف على مقربة شديدة منه.
أما أكمل فشعر بأن الأرض قد انشقت وابتلعته. نظره منه إلى ليلى الواقفة أمامه بجرأة، وإلى صبر الواقفة عند الباب كشبح منكسر، وشعر بقلبه يتمزق. لقد تحققت أسوأ مخاوفه في اللحظة التي كان يحاول فيها طرد ماضيه، اقتحم حاضره ليحطمه.
ليلى، التي كانت قبل ثوانٍ تهاجم بكل جرأة، أدركت في لحظة أن اللعبة قد انتهت. نظرت إلى وجه صبر المحطم، ثم إلى وجه أكمل الذي تحول إلى قناع من الهلع والغضب، وأدركت أنها لا مكان لها في هذه المعادلة. لم تكن تريد مواجهة من هذا النوع. أمسكت بحقيبتها بسرعة وبدون أن تنطق بكلمة واحدة، اندفعت نحو الباب. مرت من جانب صبر، التي لم تتحرك قيد أنملة، واختفت في الردهة، تاركة خلفها دماراً صامتاً.
صوت الباب وهو يغلق بعد ثانية كان هو الإعلان الرسمي عن رحيلها. الآن لم يتبق في الشقة سوى أكمل وصبر والصمت. صمت أثقل من الرصاص وأكثر إيلاماً من أي صراخ.
تحرك أكمل أخيراً، خطوة واحدة بطيئة حذرة، كأنه يقترب من طائر جريح يخشى أن ينفجر في وجهه.
"صبر..."
لم ترد، لم تتحرك. ظلت عيناها مثبتتين على البقعة التي كانت تقف فيها ليلى قبل لحظات، كأنها تحاول حفر المشهد في ذاكرتها، أو ربما محوه.
"صبر أرجوكي... اديني فرصة أشرحلك. الموضوع مش زي ما..."
قاطعته بنظرة. نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتخرس لسانه. كانت نظرة فارغة، باردة، خالية من أي شعور. لقد مات كل شيء في عينيها في تلك اللحظة.
أخيراً تحدثت، وخرج صوتها أجشاً، كأنه قادم من مكان بعيد، مكان قديم جداً.
"روحي كانت بتطلع وأنا ماشية من هنا الصبح. كل خطوة كنت باخدها بعيد عنك كنت بحس إن جزء مني بيموت. مجدرتش أجعد في مكان أنت مش فيه، حسيت إني وحيدة وحسيت إنك وحيد."
بدأ صوتها يكتسب قوة مريرة، قوة الألم.
"وأول ما ماما نسرين جالتلي سيبي قاسم وروحي لجوزك... مصدقتش. جيتلك طايرة، كنت بجول لنفسي هعوضك عن كل لحظة انشغلت فيها عنك. كنت جاية أجولك إني بحبك وإني آسفة لو كنت جصرت معاك."
توقفت للحظة وابتلعت ريقها الذي شعرت به كأنه زجاج مكسور.
"يا ريتني ما جيت، يا ريتني فضلت هناك. يا ريتني فضلت عايشة في الوهم الجميل ده."
استدارت واتجهت نحو الباب بخطوات آلية، كأنها جسد بلا روح.
هنا انهار تماسكه. اندفع نحوها وأمسك بذراعها قبل أن تصل إلى مقبض الباب.
"عشان خاطري ما تمشيش. اسمعيني أرجوكي اسمعيني."
كان صوته ممزقاً، يائساً. عند لمسته، توقفت، لكنها لم تلتفت إليه. ظلت تنظر إلى الباب المغلق أمامها، ثم قالت بهدوء غريب، هدوء من وصل إلى قاع اليأس ولم يعد يخشى شيئاً.
"عارف يا أكمل؟" صمتت كأنها ترتب فكرة مروعة في رأسها. "أنا دلوجتي بس جدرت أسامحك."
نظر إليها باستغراب، لم يفهم.
"جدرت أسامحك على اليوم اللي حكمت فيه عليا من غير ما تسمعني. جدرت أفهمك لأني دلوجتي عرفت الإحساس ده. عرفت يعني إيه الصدمة بتخلي الواحد مش جادر يفكر، مش جادر يسمع، مش جادر يلتمس أي عذر. عرفت يعني إيه لما تشوف بعينك حاجة بتكسر روحك وميبقاش فيه أي كلام في الدنيا يجدر يصلحها."
سحبت ذراعها من يده برفق، لكنه كان رفقاً نهائياً حاسماً.
"أنا سامحتك على الماضي، بس مش هجدر أسامحك على الحاضر."
ثم فتحت الباب وخرجت وأغلقته خلفها. لم يكن إغلاقاً غاضباً، بل كان إغلاقاً هادئاً، كصوت كسر شيء ثمين، لا يمكن إصلاحه أبداً.
***
وقفت نغم في منتصف الغرفة ممزقة. كانت كلماته الأخيرة تدور في رأسها، منطقية قاسية وصادقة بشكل مؤلم. لقد نزع سلاحها بمنطقه الذي لا يقبل الجدال. لم يهاجم غيرتها، بل خاطب عقلها وقلبها معاً. لم يرفض طلبها ليعذبها، بل رفض أن يبني سلامهما على كذبة، رفض أن يمنحها طمأنينة زائفة.
لقد طالبها بأصعب شيء: الثقة المطلقة، الصبر والإيمان بحبه دون دليل ملموس، أن تؤمن بالوعد لا بالكلمة العابرة. لقد وضع الكرة في ملعبها وتركها تواجه أصعب خيار في حياتها.
شعرت بغضبها يتبخر ببطء، لا ليترك فراغاً، بل ليحل محله شعور أعمق وأكثر تعقيداً. شعور بالإرهاق العميق، وحزن شفاف، وفهم مؤلم.
نظرت إليه وهو جالس على السرير، يسند ظهره المتعافي بصعوبة، ورأت ما لم تره وهي غاضبة. رأت الإرهاق المحفور في ملامحه، ليس فقط من جراحه الجسدية، بل من ثقل العالم الذي يحمله على كتفيه. أدركت في تلك اللحظة أنه لا يطلب منها الثقة من برج عاجي، بل يطلب منها أن تنزل معه إلى ساحة المعركة، أن تشاركه حمل هذا العبء، أن تكون شريكته الحقيقية، درعه، كما كان هو درعها.
تنهدت تنهيدة طويلة مهزومة، مستسلمة. لم تكن هزيمة ضعف، بل كانت استسلاماً لقوة منطقه ولقوة حبه الصعب، الذي يرفض أنصاف الحلول.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، كأنها تعيد ترتيب عالمها مع كل خطوة. عادت لتجلس على حافة السرير أمامه، في نفس المكان الذي جلست فيه قبل دقائق وهي تحمل كل غضب العالم. لم تعد تبكي، لكن آثار الدموع كانت لا تزال على خديها، كجداول جافة شهدت على فيضان.
"موافجة." قالتها بصوت خفيض، بالكاد يُسمع، صوت مبحوح من البكاء والغضب، لكنه كان يحمل قراراً نهائياً. "موافجة أستنى وموافجة أثج فيك."
نظر إليها جاسر ورأى في عينيها صدق استسلامها، ورأى فيها القوة التي طالما عشقها، قوة الروح التي تستطيع أن تنهض من تحت ركام الألم.
"بس بشرط واحد." رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها رجاء أخير، رجاء طفلة خائفة تختبئ خلف امرأة قوية. "توعدني. توعدني إنها هتكون فى أجرب فرصة ممكنة. توعدني إن أول ما الخطر ده ينتهي، أول ما تحس إنك تجدر تستغنى عن الورجة دي... تطلجها. توعدني إني مش هستنى كتير يا جاسر. أنا روحي مش هتستحمل."
لم يتردد للحظة. لقد أعطته أغلى ما تملك: ثقتها، والآن حان دوره ليعطيها أغلى ما يملك: وعده.
"أوعدك." قالها بنبرة حاسمة عميقة، لا تحتمل الشك، نبرة رجل لا يخلف وعوده. "أوعدك يا نغم إن اليوم اللي هتخلص فيه القصة دي هيكون هو نفس اليوم اللي هتخرچ فيه شروق من حياتنا للأبد. ده وعدي."
شعرت بأن جبلاً قد أزيح عن صدرها. لم يكن مجرد وعد، بل كان عهداً، ميثاقاً جديداً بينهما. أغمضت عينيها وارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة متعبة، ابتسامة من وجد مرفأ آمناً بعد عاصفة هوجاء كادت أن تبتلعه.
مد جاسر يده، وبإبهامه مسح برفق آثار الدموع عن خديها. كانت لمسته حانية دافئة، كأنها تمحو كل أثر للألم والخوف والشك.
"وحشتيني." همس بها بصوت عميق أجش، يحمل كل شوق العالم، شوق الأيام التي قضاها بين الحياة والموت، وشوق اللحظات التي كادت أن تفقده فيها بسبب الغضب والغيرة.
قبل أن تتمكن من الرد أو حتى من استيعاب الكلمة، سحبها إليه برفق، متغلباً على الألم الذي شعر به في جسده، وجعلها تقع في حضنه وقبّلها. لم تكن قبلة عادية، كانت قبلة تحمل كل ما لم يستطيعا قوله بالكلمات. كانت قبلة طويلة عميقة، بدأت باعتذار صامت عن كل ألم سببه لها، وتحولت إلى وعد متجدد بالحب والأمان، وانتهت بتملّك حاسم، كأنه يطبع ختم ملكيته على روحها. كانت قبلة تقول: "أنتِ لي"، "أنا لك"، "ونحن معاً في هذا الجحيم حتى نخرج منه إلى جنتنا".
ذابت نغم بين ذراعيه وتشبثت به كأنه طوق نجاتها الوحيد. تناست كل شيء في تلك اللحظة، تناست شروق والخطر والألم والغيرة. لم يعد هناك في العالم سوى هو، الرجل الذي يخوض الحروب في الخارج، ثم يعود ليجد سلامه في حضنها. ورغم تعبه ورغم جراحه ورغم الألم الذي كان ينبض في جسده مع كل حركة، لم يكن قادراً على تركها. كانت هي علاجه، وهي قضيته، وهي ملاذه الأخير الذي يستحق أن يحارب العالم كله من أجلها.
***
كانت خطواتها على السلم ثقيلة، كأنها تحمل كل هموم العالم على كتفيها. كل درجة كانت تبعدها عن حياتها التي انهارت، وتقربها من ملاذ مؤقت لم تكن تريد العودة إليه بهذه الطريقة. وصلت إلى باب شقة حماتها ووقفت للحظة تحاول أن ترسم قناعاً من الهدوء على وجهها المحطم. أخذت نفساً عميقاً، ومسحت دمعة وحيدة خانتها وهربت من عينيها، ثم ضغطت على الجرس.
فتحت نسرين الباب وعلى وجهها ابتسامة دافئة.
"إيه ده؟ رجعتي بالسرعة دي؟"
لكن الابتسامة تلاشت تدريجياً وهي تتأمل وجه صبر. رأت الشحوب والعينين اللتين فقدتا بريقهما، والجمود الذي حل محل اللهفة التي غادرت بها قبل أقل من ساعة.
"حبيبتي... مالك؟"
دخلت صبر إلى الشقة، وتجنبت النظر في عيني حماتها مباشرة.
"مفيش حاجة يا ماما. لقيته مشغول جوي في ورج الجضية، وسهران. محبيتش أعطله عن شغله. جلت أرجع هنا عشان مابقاش لوحدي في الشقة."
كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة، كأنها قطع من الزجاج. كانت كذبة واضحة، لكنها كانت أفضل ما استطاعت أن تأتي به في تلك اللحظة.
شعرت نسرين بأن هناك كارثة قد حدثت. لم تكن هذه صبر التي تعرفها، لكنها أدركت أيضاً أن الضغط عليها الآن لن يجدي نفعاً.
"عملتي عين العقل يا حبيبتي، ربنا يقويه. طب تعالي أدخلك أوضة أكمل القديمة ترتاحي فيها، أنا فرشتها وخليتها زي الفل."
أومأت صبر بصمت وسمحت لحماتها بأن تقودها إلى الغرفة. كانت غرفة نوم أكمل القديمة لا تزال تحمل رائحته، صوره معلقة على الحائط، كتبه القديمة مرصوصة على الرف. كانت ملاذاً، لكنها الآن أصبحت مكاناً للتعذيب. كل شيء فيها يذكرها به.
"تصبحي على خير يا بنتي، لو عوزتي أي حاجة أنا في الأوضة اللي جنبك." قالت نسرين بحنان، ثم أغلقت الباب بهدوء خلفها.
بمجرد أن أُغلق الباب، انهار قناع صبر. سقطت على السرير ودفنت وجهها في الوسادة التي كانت يوماً ما ملكاً له، وانفجرت في بكاء صامت، مرير يهز جسدها كله. لم تكن تبكي على الخيانة فقط، بل كانت تبكي على الثقة التي تحطمت، على الحلم الذي تبخر، على الصورة النقية التي رسمتها له في قلبها وقد تلطخت إلى الأبد. كانت تبكي على نفسها وعلى غبائها وعلى حبها الذي قادها إلى هذا الجحيم.
في الصالة كانت نسرين تقف قلقة، تستمع إلى صوت البكاء المكتوم القادم من الغرفة وقلبها يتمزق. لقد عرفت أن الأمر أكبر بكثير من مجرد "مشغول في الشغل". أمسكت بهاتفها بتردد، ثم بحسم، وطلبت رقم ابنها.
رن الهاتف مرة، اثنتين، ثلاث. لم يرد. شعرت بالقلق يتزايد، ثم في الرنة الرابعة جاءه صوت أكمل، لكنه لم يكن صوته. كان صوتاً مكسوراً، متحشرجاً، قادماً من بئر سحيق من اليأس.
"أيوة يا أمي."
"أكمل... إيه اللي حصل؟"
ساد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط، لم يقطعه سوى صوت أنفاس أكمل الثقيلة.
"أكمل رد عليا! صبر رجعت هنا منهارة وبتقول إنك كنت مشغول. مراتك بتموت من العياط في أوضتك. عملت فيها إيه يا أكمل؟"
لم يعد أكمل قادراً على التحمل. بدأ يحكي لأمه كل شيء، بصوت متقطع تختلط فيه الكلمات بالندم والألم والغضب. حكى لها عن مجيء ليلى المفاجئ، عن كلامها السام، عن محاولاتها، وعن دخول صبر في أسوأ لحظة ممكنة. حكى لها عن نظرة عينيها الفارغة، وعن كلماتها الأخيرة التي كانت بمثابة حكم إعدام على حبهما.
"سمحت ليلى تضيع كل حاجة. كانت جاية عشاني وأنا... أنا كسرتها."
كانت نسرين تستمع بصدمة ورعب. كانت تعرف ليلى، وتعرف أنها مجروحة من ابنها، لكنها لم تتخيل أبداً أنها قد تصل إلى هذه الدرجة من الحقارة.
"طب وأنت عملت إيه؟ سيبتها تمشي؟"
"معملتش حاجة. اتشليت، وقفت أتفرج على حياتي وهي بتتدمر قدام عيني. قالتلي كلام... كلام وجعني أكتر من ألف رصاصة. قالتلي إنها دلوقتي بس قدرت تسامحني على الماضي لأنها فهمت يعني إيه صدمة. وبعدين مشيت."
تنهدت نسرين تنهيدة عميقة، تحمل كل حزن العالم.
"اسمعني يا أكمل، انت غلط لما وافقت تدخلها بيتك ومراتك مش موجودة. وده في حد ذاته غلط كبير، حتى لو بدافع شريف. بس برضه الغلط مش غلطك لوحدك، دي حية ودخلت بيتك عشان تلدغك بس. دلوقتي مش وقت لوم، لازم تتصرف."
"أتصرف إزاي؟ هي مش هتصدقني، مش هتصدق أي كلمة هقولها. أنا شفت الموت في عينيها يا أمي."
"هتجيلها الصبح وهتفضل وراها لحد ما تسمعك. هتترجاها وهتتحايل عليها، وهتعمل المستحيل عشان تصدقك. صبر بتحبك يا أكمل، والحب الحقيقي ممكن يغفر، بس محتاج منك مجهود، محتاج تحارب عشانه. متستسلمش يا ابني، متضيعش مراتك وابنك عشان واحدة متسواش."
أغلقت نسرين الخط وجلست على أقرب مقعد تشعر بالإرهاق. نظرت نحو باب الغرفة المغلق الذي تأتي من خلفه أصوات بكاء ابنة قلبها، ثم نظرت نحو النافذة التي تطل على ظلام المدينة، حيث يجلس ابنها وحيداً في شقة باردة، يبكي على أطلال حياته. وأدركت أن الليلة ستكون طويلة جداً على الجميع.
***
جاءت عائلة الرفاعي بأكملها للاطمئنان على جاسر ونغم. كان هذا التجمع يحمل طعماً مختلفاً، طعم المصالحة الهشة التي ولدت من رحم الفاجعة، كزهرة نبتت على حافة بركان.
كان المشهد في الحديقة الواسعة أشبه بلوحة فنية دافئة. سالم وحامد ووهدان وسند ومالك يستضيفهم جاسر، يجلسون معاً تحت ظلال شجرة وارفة، وأمامهم أكواب الشاي التي يتصاعد منها البخار. كانت أحاديثهم هادئة متقطعة، كأنهم ما زالوا يتحسسون طريقهم فوق جليد القطيعة الذي بدأ يذوب ببطء. سند كان يطفو على الجلسة بخفة دمه، جعلت جاسر يضحك لأول مرة بتلك الطريقة.
كانت ضحكاتهم الصافية نغمة في جو مشحون بتاريخ طويل. مال جاسر قليلاً على مالك، وبصوت خفيض لا يسمعه سواهما، وبنبرة غامضة تتناقض مع الجو الهادئ، همس:
"عملت إيه؟"
رد مالك بنفس الهمس: "كل حاچة ماشية طبيعي زي ما خططنا. الخيوط بتتسلم لبعضها، صخر بيتحرك زي العروسة الماريونيت بالظبط، كل خطوة بياخدها بيجرب من الفخ أكتر."
"وأكمل؟"
"أكمل ماسك كل التفاصيل القانونية، بيجهز الشبكة اللي هتلمهم كلهم مرة واحدة. بيجول إن الأدلة اللي جمعناها لحد دلوجت كافية، بس هو عايز الضربة الجاضية، عايز يجفل الملف ده للأبد."
أومأ جاسر برأسه إيماءة خفيفة، تحمل كل الثقة والرضا.
"خليه ياخد وجته، الصيد عايز صبر. المهم إن الطُعم يكون چاهز."
عاد ليرتدي قناع الاسترخاء، كأن هذا الحوار الخطير لم يحدث قط، ورفع عينيه إلى نغم التي تجلس مع عائلتها بسعادة.
على بعد أمتار منهم، كانت تجلس نغم مع والدتها ونساء اعمامها ووعد وروح. كان مجيء ورد لا يزال يحمل بعضاً من الغرابة. لسنوات طويلة لم تأتي إلى ذلك المكان. حتى جاسر، لم تكن هناك أي علاقة بينهما. لم تكن ورد سوى اسم بعيد مرتبط بعائلة والدها. لكن بعد ما حدث لنغم، وخاصة بعد موت ابنها عدي، تغير كل شيء، وبدأ جاسر يلملم شتات أمورهم. وبعد الحادثة وشعور ورد بالفقد مرة أخرى، تبدل كل شيء وطلبت من مالك أن يقف بجواره لأن لا أحد بجواره سوى والدته. أما صخر، فمؤكد بأنه وراء ذلك الحادث. ووقوفهم جميعاً إلى جانبه، بدأت خيوط الود تُنسج ببطء.
كانت وعد بشخصيتها المرحة تحاول كسر الجليد المتبقي.
"تصدقي يا نغم، أنا لحد كام شهر فاتوا، كنت فاكرة ابن خالي ده كائن أسطوري. بنسمع عنه حكايات، بس حكايات تخوف الصراحة." نظرت إلى ورد بابتسامة. "مش اكده يا ورد؟ كنا بنجول عليه جلبه حچر وميعرفش حاچة اسمها حب. جاسر التهامي، الاسم لوحده كان بيعمل رهبة."
ضحكت ورد وقالت: "بس يا بنت عيب."
"هو عشان بجول الحجيجة يبجى عيب. كنا بنجول ده مستحيل يحب. ولما سمعنا إنه خطفك واتچوزك غصب، جولنا خلاص البنت دي الله يرحمها. بس لم رجعت وجاه يزعج جدام بتنا ويجول عايز مراتي، أنا يومها جلت لامي أكيد البنت دي عملتله عمل، مفيش تفسير تاني."
احمر وجه نغم خجلاً، لكنها ابتسمت وقالت: "عمل؟ للدرچة دي؟"
"وأكتر. أصل إحنا عارفين تاريخه. مفيش ست جدرت تلوف عليه. بس الظاهر إنك مش أي حد يا نغم. صدج الحچ سالم لما جال محدش يعرف نغم وميحبهاش."
تدخلت ورد بحنان: "وعد بتهزر يا نغم، بس هي عندها حج في حاچة. إنتي غيرتي جاسر، رجعتيه لينا، ورجعتينا ليه. اللمة دي سببها وجودك في حياته."
واصلت وعد حديثها وهي تنظر باتجاه جاسر الذي لم يرفع عينيه عن نغم.
"وشوفيه دلوجت، أنا جاعدة براجبه من الصبح مش عارف يشيل عينه من عليكي. زمان كنا بنخاف من نظرته، دلوجت نظرته هي اللي سايحة في العسل. والله يا ورد ابن أخوكي ده طلع فيه شيء لله، ونغم هي اللي عرفت تطلعه."
رفعت نغم عينيها بخجل، وتلاقت نظراتها بنظرات جاسر الذي كان يراقبها بابتسامة دافئة وعميقة. لم تكن ابتسامة عادية، كانت ابتسامة تحمل حباً، وتقديراً وامتناناً لوجودها الذي لم يغيره فقط، بل أعاد لم شمل عائلته بأكملها. أرسل لها غمزة خفيفة جعلت قلبها يخفق بشدة وأشاحت بوجهها بسرعة وهي تبتسم، وشعرت بدفء لذيذ يسري في أوصالها.
كان يوماً مثالياً، يوماً من الهدوء العائلي، والضحكات الصادقة، والحب الذي يطفو في الهواء، كأنه هدنة جميلة ومستحقة، قبل العودة إلى العاصفة التي يعرفون جميعاً أنها لم تنته بعد.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وتلقي بظلال طويلة دافئة عبر الحديقة، عندما قاطع هدوء اللحظة صوت محرك سيارة فارهة يتوقف فجأة أمام البوابة الرئيسية. لم يهتم أحد في البداية، حتى انفتح باب السيارة وظهر منه جسد صخر التهامي الضخم، الذي بدا كبقعة حبر سوداء في لوحة الألوان الدافئة للمكان.
سار بخطوات واثقة نحو الحديقة، وعلى وجهه قناع من البرود والغطرسة، لكن عينيه كانتا تطلقان شرراً عندما رأى المشهد أمامه. لم يكن يتوقع أن يجد جاسر محاطاً بعائلة الرفاعي بأكملها. كانت هذه ضربة غير متوقعة لخططه.
وقف على حافة تجمعهم، كذئب يراقب قطيعاً، ثم قال بصوت عالي يحمل سخرية لا تخفى على أحد:
"منورين البيت، لمة العيلة دي ولا إيه؟"
تجمدت الأجواء في لحظة، وانقطعت الضحكات وتصلبت الملامح. نهض سند من مكانه وعيناه تقدحان غضباً، وقال بصوت مسموع: "بما إن الشياطين حضرت يبجى أكيد الملايكة لازم تمشي، يلا بينا يا جماعة."
وضع يده على كتف وهدان ليساعده على النهوض، لكن صوت جاسر الهادئ الحاسم أوقف الجميع كأنه أمر عسكري.
"اجعد يا سند."
نظر إليه سند باستغراب، لكنه رأى في عيني جاسر نظرة لا تحتمل النقاش.
"البيت ده بيتي، وأنا اللي أجرر مين يجعد فيه، ومين يمشي منه."
ثم وجه جاسر نظره الباردة نحو عمه.
"خير يا عمي؟ أكيد مش جاي تطمن عليا."
تقدم صخر خطوتين وأصبح في قلب الدائرة، ونظراته تتنقل بين وجوه عائلة الرفاعي بازدراء.
"واجي أطمن عليك ليه؟ هو أنت مش زي الجطط بسبع ترواح؟ أنا جاي بيتي، بيت أخويا الله يرحمه، ولا نسيت إن ليا في كل حچر هنا زيك بالظبط؟"
رد جاسر بفتور: "كان يا عمي، ودلوجت بجى بيت مراتي، وأهلها هما أهلي، يعني هما جاعدين في ملكهم."
هنا تدخل سالم بصوته الهادئ الرصين، الذي كان يحمل قوة جبل. نهض من مكانه ببطء ووقف في مواجهة صخر كأنه يمثل درعاً لعائلته.
"لا يا جاسر، البيت ده بيتك، واحنا ضيوف عندك." (نظر لصخر وتابع) "البيت ده بيت جاسر ابن أخوك، والزيارة ليها أصول يا صخر، خاصة لما تكون بينك وبين أهل البيت دم."
ضحك صخر ضحكة ساخرة.
"وأنت بتتكلم بصفتك إيه بجى يا كبير عيلة الرفاعي؟ محامي الدفاع بتاعه؟ ولا نسيت إن مراتك كان جاطع علاجته بيها زيه زيي؟ إيه اللي غير الموازين فجأة؟"
رد سالم بنفس الهدوء القاتل: "اللي غير الموازين إن الدم بيحنو. إننا في الآخر عيلة واحدة. ولما حد مننا بيجع كلنا بنسنده. وجاسر بجى چوز بنتي وواحد مننا، وده درس الظاهر إنك عمرك ما هتتعلمه. إحنا هنا عشان بنتنا اللي هي مرات ابن أخوك. أنت اهنه ليه؟"
كانت المواجهة صامتة، لكنها كانت حرباً تدور بالعيون. قوة سالم الهادئة في مواجهة غطرسة صخر الصاخبة. في وسط هذه الحرب، كانت هناك حرب أخرى أكثر رعباً وصمتاً.
وقعت عينا صخر على ورد أخته، التي كانت تجلس متجمدة في مكانها. نظر إليها بنظرة مليئة بالحقد والكراهية، نظرة تحمل كل وعيد السنوات الماضية. لقد أقسم يوماً أنه لو رآها، سيقتلها. لم تستطع ورد تحمل نظراته، شعرت بالرعب الذي كان يسكنها لسنوات يستيقظ من جديد، وبحركة لا إرادية، وجدت نفسها تزحف للخلف وتختبئ خلف جسد زوجها سالم، كطفلة صغيرة تبحث عن أمانها الوحيد في العالم.
شعر سالم بارتجافتها، فمد يده دون أن يرفع عينيه عن صخر، وأمسك بيدها بقوة، وضغط عليها ضغطة خفيفة تقول لها: "أنا هنا، متخافيش."
لم يفت المشهد على جاسر. رأى خوف عمته، ورأى حقد عمه، فقرر أن ينهي هذه المسرحية.
"لو زيارتك خلصت يا عمي، تجدر تتفضل زي ما أنت شايف، عندنا ضيوف ومش عايزين نعكر مزاجهم."
التفت صخر إليه وقد أدرك أنه خسر هذه الجولة. لقد حاصر جاسر نفسه بعائلة الرفاعي، وأصبح الوصول إليه أصعب من ذي قبل. لقد تحول من ذئب وحيد إلى قائد قطيع.
"ماشي يا جاسر، شكلك مبسوط باللمة دي، بس افتكر كويس. العيلة مش دايمة، والحيطان اللي بتتخبى وراها دي ممكن تجع فوج دماغك في أي لحظة."
ألقى نظرة أخيرة مليئة بالتهديد على الجميع، ثم استدار وغادر بنفس الخطوات الواثقة التي جاء بها. لكن هذه المرة، كانت خطوات رجل مهزوم، يخطط لجولته القادمة.
ما إن اختفى صخر من المشهد، حتى عاد الهواء ليدخل إلى رئات الجميع مرة أخرى. كان رحيله كرفع غطاء ثقيل عن صدورهم. أطلقت ورد نفساً لم تكن تعرف أنها تحبسه، وانفجرت في بكاء صامت، بينما كان سالم يضمها إليه ويمسح على ظهرها ويطمئنها بصوت خفيض أن كل شيء على ما يرام، وأن الكابوس قد انتهى... على الأقل في الوقت الحالي.
ساد صمت مهيب للحظات، صمت لم يقطعه سوى شهقات ورد المكتومة. كان الجميع ينظرون إلى بعضهم البعض، وقد أدركوا للتو حجم الخطر الذي يحيط بهم، وأدركوا أيضاً حجم القوة التي يمتلكونها عندما يكونون معاً.
في وسط هذا الصمت، نهض جاسر من مكانه. لم تكن خطواته تحمل أي تردد، بل كانت خطوات رجل اتخذ قراراً لا رجعة فيه. وقف في منتصف الدائرة، ووجهه يحمل تعابير معقدة من الأسف والقوة. لم ينظر إلى الأرض خجلاً، بل رفع رأسه وواجه الحاج وهدان مباشرة، كأنه يواجه تاريخ العائلتين بأكمله.
قال بصوتٍ عميق وصادق، صوت يحمل ثقل الجبال، لكنه يخلو من أي انكسار:
"يا حاج وهدان... يا عمي سالم... يا رجالة عيلة الرفاعي."
كان صوته كفيلاً بأن يجعل الجميع ينتبهون إليه بالكامل. حتى ورد رفعت رأسها من حضن زوجها لتنظر إليه.
"أنا عارف إن الكلام مهما كتر مش هيمحي اللي حوصل، وعارف إن فيه چرح غويط بين بيوتنا، چرح بجاله سنين بينزف. أنا مش هطلب منكم تسامحوني، لأن السماح ده حجكم ومش من حجي أطلبه."
صمت للحظة، وعيناه تتنقلان بين وجوههم بوقار واحترام.
"بس اللي رايد أجوله... إن اللي عملته زمان كان غلط. كنت فاكر إني برد حج وبصلح كفة مايلة، بس كنت أعمى، أعمى عن حجيجة إن الدم مبيجيبش غير دم، وإن الكره مبيولدش غير كره. أنا شايل على كتافي وزر كبير، وزر إني كنت سبب في ألمكم، وسبب في إن بنتكم تكون بعيدة عنكم."
ثم التفت بنظره إلى نغم التي كانت تراقبه بقلب يخفق بشدة.
"ووزر إني ظلمت جوهرة كانت بين إيديا، ومكنتش عارف جيمتها."
عاد بنظره إلى وهدان مرة أخرى، وهنا جاءت لحظة الاعتذار الشامخ، اعتذار القائد الذي يعترف بخطئه ليزيد قوة لا لينقصها.
"أنا مش بعتذر عن اللي فات عشان أضعف، ولا عشان أطلب شفقة. أنا بعتذر عشان أصحح، بعتذر عشان أجولكم إن جاسر بتاع زمان مات، والراجل اللي واجف جدامكم دلوجت، كل اللي يهمه هو إنه يبني بيت ويحافظ على عيلتة، ويحمي مراته اللي هي بنتكم. أنا بمد إيدي ليكم مش إيد طالب عفو، لكن إيد راجل بيطلب وبأصول ترضي ربنا وترضيكم نمحي العداوة دي خالص."
كان اعتذاره قوة في حد ذاته. لم يكن فيه تذلل أو ضعف، بل كان إعلان مسؤولية وتعهد بمستقبل مختلف.
في هذه اللحظة، كانت تتابعوا ورد، التي كانت تتابع الموقف من بعيد بقلب مرتجف. اقتربت بخطوات هادئة ووقفت بجانب ابنها، كأنها تدعم قراره. نظرت إلى ليل وورد ونساء العائلة، وقالت بصوتٍ حنون يملؤه الأسف الصادق:
"وأنا كمان بطلب منكم السماح. أنا أم وعارفة يعني إيه حرجة الجلب على الضنا. سامحوني إني سكت زمان، وسامحوني على كل يوم باتت فيه بنتكم بعيد عن حضنكم. والله جلبي كان بيتعصر عليها زيكم بالظبط. بس النهاردة ربنا جمعنا تاني واداكم بدل البنت اتنين. نغم بنتي زي ما هي بنتكم، وجاسر ابني زي ما هو ابني. خلونا نطوي الصفحة دي، ونبدأ من جديد عشان خاطر العيال اللي جاية، وعشان خاطر السلام اللي كلنا بنستحقه."
كانت كلمات الأم البسيطة والصادقة هي اللمسة الأخيرة التي أذابت كل الجليد المتبقي.
نهض الحاج وهدان ببطء، وسار حتى وقف أمام جاسر مباشرة. نظر في عينيه طويلاً، كأنه يقرأ روحه، ثم، وبحركة أبوية مفاجئة، ربت على كتفه بقوة.
"الراچل هو اللي يعترف بغلطه ويصلحه. وإنت النهاردة، كبرت في نظري جوي يا ولدي. الماضي راح بحلوه ومره، وإحنا ولاد النهاردة. طالما بنتي في حماك وفي وسط أهلها يبقى مفيش بينا غير كل خير."
ثم التفت إلى الجميع بصوته الجهوري الذي استعاد بهجته:
"الشاي ده برد! يا ام جاسر يا بنتي، الشاي التقيل بتاع الصعايدة عشان اللمة دي تحلى!"
انفجرت ضحكة جماعية دافئة، كسرت كل التوتر، وأعلنت بشكل رسمي عن ميلاد عهد جديد. عهد لم يعد فيه "الرفاعي" و"التهامي"، بل أصبحت هناك عائلة واحدة كبيرة، يجمعها الحب، ويحميها رجال عرفوا أن القوة الحقيقية ليست في الثأر، بل في التسامح وبناء المستقبل.
***
انطلقت السيارة كقذيفة في ظلام الطريق الجبلي، تاركة خلفها سحابة من الغبار وغضب مشتعل. في الداخل، لم يكن صخر مجرد رجل غاضب، بل كان بركاناً على وشك الانفجار. قبضتاه كانتا مشدودتين على عجلة القيادة بقوة جعلت مفاصله تبيض، وعروق عنقه ورأسه نافرة كأغصان شجرة يابسة. كانت عيناه مثبتتين على الطريق أمامه، لكنه لم يكن يرى شيئاً. كل ما كان يراه هو تلك اللوحة التي تركها خلفه... لوحة هزيمته.
كان المشهد يعاد في رأسه كشريط سينمائي ملعون: جاسر، ذلك الفتى الذي رباه على يده ليكون سلاحه، يقف الآن محاطاً بأعدائه، بعائلة الرفاعي كأنه واحد منهم. وهدان وسالم وحامد، الشيوخ الذين كان يحتقرهم، ينظرون إليه بتحدي صامت. وورد... أخته... تلك الحية التي ظن أنه دفنها في الماضي، تختبئ خلف زوجها كفأر مذعور، لكن مجرد وجودها كان طعنة في كبريائه.
"الدم بيحن..." ترددت كلمات سالم في أذنيه كطنين حشرة مزعجة. أي دم هذا الذي يتحدثون عنه؟ الدم في عروقه لا يعرف إلا الغدر والخيانة.
ضرب عجلة القيادة بقبضته بقوة وصرخ صرخة مكتومة كزئير وحش جريح:
"كلاب... كلكم كلاب..."
كان يشعر بالخيانة من كل اتجاه. جاسر الذي كان امتداداً له، انقلب عليه. ورد التي تحمل دمه، تحالفت مع أعدائه. حتى رجاله الذين زرعهم في كل مكان، لم يخبره أحد بهذا التجمع. لقد أصبح معزولاً، محاصراً.
لكن صخر لم يكن من النوع الذي يستسلم للهزيمة. الهزيمة بالنسبة له كانت مجرد وقود يزيد من شراسة نيرانه.
أوقف السيارة فجأة في منطقة معزولة تطل على الوادي السحيق. أطفأ المحرك وساد صمت مطبق، لم يكسره سوى صوت أنفاسه الغاضبة. أخرج علبة سجائره وأشعل واحدة بيدين ترتجفان من فرط الغضب، لا الخوف. نفث الدخان بقوة في وجه الظلام.
"ماشي يا جاسر... ماشي يا ابن أخوي. عجبتك لمة العيلة؟ عجبتك الحماية بتاعتهم؟"
تحدث إلى نفسه بصوتٍ خفيض كفحيح أفعى.
"فاكر إن الحيطان دي هتحميك مني؟ الحيطان دي أنا اللي ههدها على دماغك ودماغهم. فاكر إنك لما تبقى وسطيهم مش هعرف اطولك."
نظر إلى الجمر المتقد في سيجارته كأنه يرى فيه مستقبلهم.
"كنت عايز أخلص منك بهدوء، بحادثة صغيرة عشان الورث كله يرجعلي بهدوء. بس الظاهر إنك بتحب اللعب الصعب، وأنا... بعشج اللعب الصعب."
ألقى بالسيجارة من النافذة، وراقبها وهي تسقط في الظلام كنجمة ساقطة.
"كل واحد فيهم... كل واحد كان قاعد هناك النهاردة دفعته تمن الضحكة اللي ضحكها في وشي. وهدان وسالم... هخليهم يتمنوا الموت وميطولوهوش. وورد... حسابها معايا تجل جوي، والمرة دي مفيش سالم هيحميها. أما أنت يا جاسر... أنت هسيبك للآخر. هسيبك تتفرج على كل اللي بنيته وهو بيتحرج وبيتهد جدام عينك. هتتفرج على عيلتك الجديدة وهي بتتدمر واحد ورا التاني. وفي الآخر هتيجي راكع على ركبك تبوس رجلي عشان أرحمك... وساعتها بس، هقبض روحك بنفسي."
أدار محرك السيارة من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن هناك غضب أعمى في قيادته. لقد حل محله هدوء جليدي، هدوء مفترس. وجد فريسته، ووضع خطة صيده. لم يعد يقود سيارة، بل كان يقود آلة حرب، متجهاً نحو الظلام، ليبدأ في نسج خيوط الجحيم الذي أعده لهم جميعاً.