تحميل رواية «ثلاث صرخات وحدها لا تكفي» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد ما والدتي ماتت وقبل ما العزاء يخلص، والدي دخل عليّ بعروسته الجديدة. بنت يدوبك أكبر مني بسنة. مقدرش يديني فرصة حتى أحزن عليها. وبسرعة المشاكل بدأت بيني وبينها. مكنتش طايقة نفسي ولا الشقة ولا حتى أبص في وش أبويا. ولما أول عريس خبط على بابنا، وافقت من غير تردد. كنت عايزة أخرج من الوضع ده، يبقى لي شقة لوحدي. مكنش فارق معايا شكل العريس ولا شغله ولا حتى مؤهله. مراية أبويا كانت عايزة تخلص مني كمان. يدوبك ما صدقت الراجل وصل عندنا واقنعت والدي يوافق من غير مهر ولا دهب ولا أي حاجة. واتجوزت بسرعة في شق...
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسي
إنها خدعة بصورة ما يا تمارا!؟
ما تتحدثين عنه يشبه الزواج الإلكتروني، هكذا دون حب، دون خطبة وبهدلة؟
قلت لك يا عوني الساعة تختار لنا ونحن نشعر بذلك.
صمت للحظة مفسحاً لأفكاري أن تترتب، ما تخبرينني به تمارا أكبر من أن يصدقه عقلي.
اسمعي، قلت وكأنني وجدت السر، الأمر بسيط يتم الزواج حسب العمر عن طريق شهادات الميلاد، أي أن لك عمر ما يقابله.
ليس هكذا يا عوني، هناك فتيات وشبان يحضرون لحفل العرس كل ثلاثة أشهر ولا يصيبهم الدور، بعضهم تعدت أعمارهم الأربعين عام.
إنها قوانين مجحفة، ظالمة! إذا كان الأمر حقيقي لماذا لا يجد كل شخص رفيقه الروحي الخاص به.
لأنه غير موجود أصلاً. أنهيت كلامي بضيق.
موجود يا عوني، لكنه تهرب عن الحفل رفضاً للقوانين، لشكل الوليف الروحي الذي يشعر بوجوده قبل يوم من الحفل!
أتدرين لماذا يصر أولئك الأشخاص الذين لم يصبهم الدور على الحضور كل ثلاثة أشهر والوقوف بعزلة في حفل العرس؟
صراحة لم أعد أعرف شيئاً!
يحضرون هنا كل عرس على أمل أن تكون الشرطة قد قبضت على وليفهم الروحي الهارب. يترقبون بكل لهفة لحظة القصاص، عندما يصرخ القاضي، خائن، فتسلب فترة الخيانة وتضاف لوليفه وما تبقى من عمر يسلب منه حتى الموت أمام عينيه.
تقصدين الفترة التي هرب خلالها من العرس وحتى القبض عليه؟
بالضبط يا عوني، من عمر العشرين عام وحتى لحظة القبض عليه تضاف تلك الفترة لعمر وليفه إلا في حالة واحدة!
وأنا أتأفف قلت أكملي.
إذا كان ذلك الشخص غير موجود أصلاً بمدينة الساعة أو أن الساعة لم توافق على زواجه بعد، فمن هذا المنطق يمكن أن يتعدى عمره العشرين دون زواج، بل والسادسة والعشرين مثل أورا ابنة صاحب الشرطة!
مالها؟
أورا كل عرس تقف بحفل العرس وتخبر القضاة أن رفيقها الروحي لم يظهر بعد حتى تعدى عمرها السادسة والعشرين!
لماذا لا تتزوج أي شخص آخر؟
لا يمكن، مستحيل، ستحل عليها لعنة الساعة، ستصبح خائنة ومطارَدة طوال حياتها حتى يتم القبض عليها.
ثم همست، أغلبنا سعداء بما حدث لأورا، تلك الفتاة متكبرة، رعناء وشريرة.
كنا قد وصلنا بائع الخبز، ابتاعت تمارا الكثير من الأرغفة ورفضت محاولاتي لدفع الثمن من عمري.
بداخل ذهني كان هناك العديد من التساؤلات التي تتصارع متدافعة، لماذا يقام عرس الساعة منتصف الليل؟ من هم الرهبان، القضاة، كيف يعلمون تلك الحقائق الغيبية؟
كنت قد وصلت لحالة من الشك جعلتني أسألها، كيف يتم اختيار الرهبان؟
الرهبان تختارهم الساعة يا عوني!
يولد كل راهب وعلى يده ختم الساعة، ذلك الختم الذي يعني أنه مؤهل لتنفيذ إرادة الساعة بأرض الساعة وأنه تم تشريفه ليكون ابن الساعة.
قلت يبدو أنهم يتمتعون بقدرات خاصة!
الأمر بدا ممتعاً لما راحت تمارا تشرح بانسجام.
الرهبان يقيمون بالمعبد المقدس بالقطاع الثامن من أرض مدينة الساعة، قطاع مغلق ومحظور، يمتلك مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية والحقول والغابات، إذا تجرأ أي شخص على دخوله غير عمال المعبد وهم موشّمون أيضاً بختم الساعة يتم سلب أعمارهم على الفور بعد أول خطوة داخل القطاع تلقائياً!
الرهبان يمكنهم سلب العمر بسبب أو دون سبب، يمكنهم منح العمر أو الحكم ببراءة مجرم مدان ولا يستطيع أي شخص الاعتراض.
بتولون لا يتزوجون ولا ينجبون ذلك ضمان لحيايدية قراراتهم ولا يتعدى عددهم الستة.
إنهم الحكام الحقيقيون لمدينة الساعة ولكل واحد منهم قسم وجناح خاص به. ثم أنهت كلامها بقول، كل ما يصل إلينا عنهم مجرد حكايات تناقلتها الألسن فنحن لا نراهم إلا يوم عرس الساعة عندما يصدرون القرارات.
على فكرة؟ قالت تمارا وهي تنظر نحوي، هناك عرس الليلة يمكنني أن أصطحبك لهناك!
موافق طبعاً قلت بسعادة، مع تمارا أنا لا أمانع الذهاب إلى الجحيم ذاته.
وصلنا بائع الفاكهة، كان شاب نحيف يعلو وجهه دمامل متقيحة، البثور منتشرة بوجهه كسوسة الخشب. بدر منه ابتسامة مقيتة وهو يرمق قوام تمارا ولاحت أسنانه الصفراء المتعفنة.
وضعت تمارا خلفي ووقفت أمامه، يمكنك أن تحملق بي أنا؟
لم يرد الشاب، أولاني لامبالاته، وضع الفاكهة بالسلة، دفعت أنا هذه المرة الثمن من عمري!
كنت قد أوليت تمارا ظهري وعندما التفت وجدتها ترمقني بنظرة إعجاب مستعرة مفضوحة.
كان مضى وقت طويل وكان علينا العودة، لذلك سلكنا طريقاً مختصراً موحلاً، مليئاً بالحفر القذرة.
سبقتنا لورا بالعودة راكضة نحو الكوخ، عندما وصلنا كانت فريدة واقفة على باب كوخها حاشرة خصرها بين يديها واحد حاجبيها مرفوع.
دلفَت تمارا للداخل لتعد لنا الطعام وكانت فريدة تحلق بي.
عوني لو سمحت أحتاجك في كلمة.
رميت أحمد عبد الهادي المكتوم فوق كومة من قش الشعير. أطلب الإذن فأومأ لي برأسه دون أن يتحدث.
لماذا تأخرت؟ قالت، أين قضيتم كل ذلك الوقت؟
قبل أن أرد أردفت، يقع على عاتقي أن أذكرك دوماً سبب وجودنا هنا، البحث عن عمك والرجوع إلى مدينتنا، لم نحضر هنا لنزوة عابرة يا عوني. بنبرة خجلة أردفت، إذا كنت تبحث عن علاقة كان يمكنك أن تفعلها بسهولة هناك بمدينتنا قبل أن تلطخنا معك بالوحل.
رفعت يدي بتذمر، ما الذي جعلك تعتقدين ذلك بحق الله؟ ثم أنت لست وليّة أمري!
لست وليّة أمرك فعلاً لكن لدينا مهمة وعلي أن أذكرك بذلك!
شكراً لك، قلت ذلك وأنا أوليها ظهري!
تجمعنا حول الطعام، التهمت أنا وأحمد الطعام بنهم بينما كانت فريدة تأكل بصمت شاردة تحملق بفراغات جدار القش المقابل لها.
بالمساء سأذهب لمشاهدة عرس الساعة، ألقيت الكلمة وأنا لا أنتظر ردهم.
حفلة؟ خاطبني أحمد عبد الهادي متسائلاً.
أجل حفل الساعة حيث يعاقب المجرمون ويتزوج فتيان وفتيات الساعة.
متى تبدأ الحفلة؟ سألتني فريدة وكانت قد انتبهت للتو.
يبدأ حفل الساعة حدود العاشرة وعندما تدق الساعة الثانية عشر ليلاً يبدأ عرس الساعة. أجابت تمارا آخذة بناصية الحديث.
كانت فريدة تستمع لها وهي تحدق نحوي بابتسامة ودودة تائهة.
الليلة تبدأ رحلتنا إذا. قالت فريدة.
أي رحلة؟ سألتها تمارا.
رحلتنا يا عزيزتي. ردت فريدة بنبرة متزحلقة تحمل أكثر من معنى. لم نحضر هنا للإقامة. أردفت فريدة، كل غايتنا البحث عن عم عوني ونعود مرة أخرى. نحن لا نخطط مطلقاً للإقامة بتلك المدينة القميئة المتعفنة!
سرحت نظرة حيرانه من عيون تمارا نحوي سرعان ما وارتها.
كيف ستعودون لمدينتكم؟
لا أحد يستطيع الخروج من مدينة أبناء الساعة!
مثلما دخلنا. قالت فريدة، لقد تركت علامات خلال الطريق خلفنا!
علامات؟ سألتها.
نعم علامات إرشادية خلال سيرنا. قلت لك على أحدنا أن يتذكر السبب الحقيقي لوجودنا هنا.
صرخت لورا: سأذهب معكم!
قبلتها فريدة وضمتها لحضنها، طبعاً يا حبيبتي، أنا وعوني لن نتخلى عنك.
قالت تمارا: مستحيل! وتبدلت ملامحها، لم تعد راغبة بمواصلة الحديث.
مر الليل فوق القرية وألقى وشاحه الأسود عليها وبدت أكواخ القرية المتناثرة بمصابيحها الزيتية نجوماً بسماء مظلمة.
كان أهل القرية قد ارتدوا ملابس الأعياد والأفراح وتوافدوا على بوابة مدينة الساعة القريبة بينما تلكأنا نحن لبعض الوقت ريثما انتهت فريدة من زينتها.
بطريقنا نحو البوابة استوقفني رجل مسن بمعالم عشوائية كان يمضغ عشبة تتكور. انحنى ووضع يديه فوق ركبتي، سامحني يا رئيسنا كنا ننتظر وصولك لكن السناتريين غدروا بنا!
رفعته من على الأرض، قلت، آسف لكني لا أعلم ماذا تقصد، لست الشخص الذي تقصده!
مضينا نحو البوابة وسمعته يصرخ خلفنا باضطراب: عندما يبزغ نجم أركازيا ستعرف الحقيقة.
وصلنا البوابة المفتوحة الساعة التاسعة ليلاً كانت المدينة مضيئة كشعلة حرب، وكان لها سور طويل ومرتفع تتخلله أبراج الحراسة المحصنة بالمتاريس والتي يقف داخلها جنود بأجساد ضخمة وقسمات وجه مخيفة.
سمحوا لنا بالدخول دون عناء ولا تفتيش، دلفنا من البوابة إلى فسحة كبيرة ذات أرضية من الجص، على مقربة لاح ميدان تشعب الطرق انتصب خلاله تماثيل خرافية من الجير والحجارة لكائنات خرافية، بشر وحيوانات!
أوقفت تمارا حوذيين وطلبت منهم توصيلنا لساحة العرس، جلست أنا وتمارا ولورا بإحداهم بينما استقل أحمد عبد الهادي وفريدة العربة الأخرى. رفع الحوذيين سياطهم فرفرت في الهواء قبل أن تلسع الجياد التي هبت راكضة وسمعنا طقطقة حوافرها على الطريق الصلب.
ستصل قبل الموعد، لا تقلق. طمأنتني تمارا.
بصعوبة دلفنا للداخل وجلسنا جوار بعضنا أعلى الناحية اليمنى من الساحة.
كانت المدرجات من الحجارة المطلية باللون الياقوتي تطل على باحة واسعة لا تكاد ترى الجالسين بالطرف الآخر، الأرضية من الجص الأزرق والأحمر. بكل ركن من أركان الساحة تنهض مسلة مرتفعة عليها ساعة ضخمة من الذهب تحمل نفس الشكل.
منتصف الساحة، أسفل مدرجات السادة وتحت قبة مزخرفة من الفضة والياقوت والذهب جلس القضاة والرهبان، إلى جوارهم من باب سري كان يخرج الحرس يقتادون المجرمين لينالوا عقابهم.
يصطف المجرمون مقيدين بالسلاسل في صف واحد، يبدأ حارس يجلس على مقعد أمامه طاولة ودفتر يذكر بصوت واضح اسم كل مدان وجرمه، بعدها يطلق القاضي الحكم إذا لم يكن للرهبان رأي آخر.
بالبداية كانت الجرائم صغيرة وعقوبتها تتراوح بين فقد ستة أشهر إلى عشرة أعوام.
كان القاضي يصدر حكمه فيظهر الأثر فوراً على جسد المدان، ينحف جسده، يبيض شعره، ينحني ظهره، يسقط أرضاً لعدم قدرة الجسد على تحمل فقد العمر الفجائي.
بعد كل حكم، يهلل العامة وتصيح بغوغائية مزعجة، ثم بدر صوت موسيقي حماسية مجلجلة من بوق عملاق، اقتاد الحراس صف طويل من المجرمين وقفوا بمنتصف الساحة.
زعق الحارس الجالس على المقعد بنوع الجريمة فأصدر القاضي حكمه بفقد العمر، راحت الأجساد تتساقط خلف بعضها متلاحقة وقد أصبحت هيكل عظمي.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسي
ارتدت فريدة بظهرها للخلف وعلاها الاشمئزاز.
لا يمكنني أن أصدق ذلك أبداً. كيف ماتوا بتلك الطريقة؟
لكن الأحداث مضت متسارعة. تم اقتياد فوج آخر وتم إصدار حكم فقد العمر عليهم. ترنحت أجسادهم وسقطت أرضاً. هلل الحشد واختفينا بين الأصوات الزاعقة.
في ما تبقّى من الليل لم أرَ إلا الأجساد المترنحة تتساقط ميتة.
قرعت أجراس عملاقة بصوت أصم آذاننا. انطلقت الأبواق والدفوف تصدح. انهالت جموع لا متناهية من فتيان وفتيات نحو ساعة العرس. الكل يعلم طريقه ويركض نحوه. اصطفت الفتيات بصف طويل بمحاذاتهم. الشباب يفصل بينهم مسافة قدرها عشرة أمتار.
صمت كل من بالساحة. لم يعد يُسمع إلا صرير الرياح التي ترفرف أعلاماً تحمل صورة الساعة فوق المسلات وصفيرها بأحد الأبراج المرتفعة.
"ماذا ينتظرون؟" سألت تمارا.
"إشارة الساعة، دقتها. عندما ينتصف الليل سيعرف كل شاب وفتاة وليفه الروحي."
كان الكل من حولنا يترقب. بعض العائلات لديها فتية أو فتيات بالساحة ينتظرون أقرانهم. كان القلق بادٍ على ملامحهم.
نطق راهب بالعد التنازلي من عشرة لواحد. قبل أن تدق الساعة بمنتصف الليل تماماً. استمر صوت دق الساعة لدقيقة كاملة. وعندها بدأت حالة أول عرس بالساحة. انطلقت فتاة يافعة تجاه أحد الشبان مهرولة. فركض نحوها قبل أن يصله بمترين. انطلقت الزغاريد والأفراح. ثم توالت الزيجات. شاب يقصد فتاة، فتاة تقصد شاب. يمسكون بيد بعضهم ويقفون تحت قبة الساعة.
استمر ذلك الأمر أكثر من ساعة. حتى اصطف الفتيان والفتيات زوجين، زوجين أسفل قبة الساعة. ظلت هناك فتاة وحيدة بمنتصف الساحة. وعلى ما يبدو كانت مشهورة. كان البعض يسير إليها ويصرخ: "هذه أورا، أورا!"
كنت قد سمعت ذلك الاسم من قبل. فلكزت تمارا الشاردة.
"أورا؟"
"ابنة صاحب الشرطة."
"آه تذكرت الآن. لماذا تقف هكذا وحيدة بعد أن تزوج الجميع؟"
"اصمت يا عوني. على ما يبدو هناك مصيبة."
قبل أن يشرع القاضي بتلاوة قسم الزواج بأرض مدينة الساعة. رفعت أورا يدها وصرخت: "سيدي القاضي، وليفي الروحي موجود هنا لكنه لم يتقدم نحوي. لم ينزل الساحة أصلاً."
"متأكدة؟" سألها القاضي. وكانت أول مرة نسمع فيها صوته الجهوري.
"تعلم سيادتك أن هذا الأمر يجري بدمائنا. كم أن الراهب يعلم ذلك."
حملق القاضي بالراهب الصامت. فأومأ له بالإيجاب.
طلب القاضي رئيس الشرطة الذي كان يعلم ما عليه فعله. انتشر الحرس بأروقة ساحة الساعة بسرعة. عالقين كل الطرق والمنافذ التي تؤدي للخروج.
استغرق الأمر أكثر من ساعتين. حتى تم إخضاع كل قاطني مدينة الساعة الحاضرين للفحص. ولم يتبقَّ إلا العامة. والنغول.
جرح فحص العامة أيضاً. بعدها سمح للنغول بالرحيل.
عندما خرجنا من بوابة الساعة. كان الصبح قد انبلج. وأشرقت شمس حارقة من الشرق صافعة وجوهنا. الأشجار، العشب الأصفر واحالت الأرض لبقعة ساخنة.
كانت الأسئلة لا تتوقف. وتمارا ترد على قدر استطاعتها. "كل ما في الأمر أن وليف أورا زوجها كان حاضراً بالساحة ولم يتقدم نحوها. كان جالس بالقرب لكنه لم يرغب بها. ذلك يعني أنه خائن ومصيره الموت."
"لكنهم فحصوا كل الأشخاص المشتبه بهم." شرحت فريدة. قبل أن تردف: "لكنهم لم يعثروا على شيء."
حدقتها تمارا بابتسامة وهي تقول: "ليس الكل. كان هناك النغول والغوغاء. السناتريين ربما كانوا حاضرين بعضهم أيضاً."
"لكنها ابنة صاحب الشرطة. أحد السادة المرموقين. ولم يتقبل عقله ولا عقلها أن وليفها قد يكون نغل أو غريب. شعوري يقول إنه أحد الأنغال!"
وأنا أطوح ذراعي وقد تملكني الحنق قلت: "أريدك أن توضحي لي ذلك؟"
تنهدت تمارا. قالت: "يعني من الممكن أن تكون أنت أو حتى أحمد عبد الهادي!"
"وهل ذلك ممكن يا تمارا؟"
قالت: "من زمن بعيد. قبل ثلاثين عاماً. قبل أن أولد أنا أو أنت. أخبرتني والدتي أن ذلك حدث مع شخص غريب كان قد حضر للتو لمدينة الساعة. وللمصادفة كان وليف والدة أورا قبل أن تتزوج صاحب الشرطة بأمر الرهبان."
"وماذا فعلوا به؟"
"قتلوه. حكموا عليه بالموت بفقد العمر على خشبة الساعة."
ضحكت تمارا وهي تقول: "لكن لا تقلق. أنا لن أسمح أن يحدث لك ذلك يا عوني."
اتفقنا أنا وأحمد عبد الهادي على العمل بمدينة أبناء الساعة. فلم يكن ممكناً أن نضيع مزيداً من العمر دون مقابل. عندما وصلنا الأكواخ المتلاصقة. ودعت أحمد عبد الهادي لأخذ قيلولة صغيرة. وعندما مشيت تجاه كوخي. صرخت فريدة بغيظ: "لماذا لا تذهبون الآن؟ أم تنتظرون مني أن أعمل بدل منكم؟"
"لن تفقدي دقيقة واحدة قبل أن تلتقي رفيقك الروحي يا فريدة. أعدك." قلت بنبرة ضاحكة.
صكت الباب بوجهي ومضت بصمت.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسي
شرحت لي تمارا أنه بالنظر للظروف الراهنة وبالنسبة لوضعي شخصيًا، فإن الوظيفة المثالية هي حمال.
اعترضت وأنا أزرع الغرفة جيئة وذهابًا.
قلت: أنا مهندس!
بدت الكلمة غريبة على أذنها، فهزت كتفها بلا اكتراث.
حمال، وظيفة جيدة لك؟
لا، ليست جيدة. لقد تعلمت أن أبني مدارس، أشيد مصانع، قاعات. لا أن أحمل أجولة الدقيق والغلال من الميناء لدكاكين التجار. أنا لا أرى أي فخر أن تحمل أمتعة الناس.
من أخبرك أننا نحتاج لبنائين؟ الكهنة يضعون رسومات المباني، الساعة تلهمهم.
أدركت أنه لا فائدة من جدالها، فتركت الكوخ وخرجت.
كانت لورا تلعب مع أطفال بمثل عمرها أسفل زخات المطر التي أغرقت المدينة فجأة بغير موعدها.
كاد الفكر يقتلني، لذا مشيت تجاه أحمد عبد الهادي وأيقظته.
قلت: تمارا تعتقد أن الوظيفة المثالية لكلينا هي أن نصبح حمالين.
قهقهت فريدة. كنت أكره تلك الفتاة، لكن لا أنكر أن لديها وجهة نظر معتبرة.
ماذا يعني ذلك؟ يا عوني، أنا لم أحمل قشة من الأرض منذ عشرين عامًا.
يعني أننا سنحمل طاولات الأسماك، أجولة القمح والقاذورات من الميناء للدكاكين، وكل شيء يتسنى لنا حمله من أجل عيشنا.
لا، لم نتفق على ذلك يا عوني.
كم تصف، فإنها لن تكون قصتنا الخاصة التي سنخبر بها العالم، بل هلاكنا أسفل تلك الأجولة الثقيلة التي ستهري أكتافنا. لدينا من العمر ما يكفي للعيش معززين قبل رحيلنا. كل ما علينا فعله أن نصل للسجلات المركزية، نبحث عن عمك إن كان لا يزال حيًا ونرحل.
كيف سيحدث ذلك دون أن نختلط بسكان المدينة ونستدل على الطريق؟ سألته.
فكر للحظة ثم قال: بالرشوة.
لا يوجد مكان واحد بالعالم لا يعترف بالرشوة. ربما تلكم الأوغاد تحكمهم الساعة، لكن أؤكد لك أن أي شاغل منهم لن يرفض عدة ساعات أو يوم بالمجان.
فكرة جيدة، أجبته.
كل ما علينا فعله العثور على ذلك المكان وننهي تلك المسألة العفنة. ألا أستحق لفافة تبغ؟
طالبني أحمد عبد الهادي بجدية.
منذ وصلنا هنا، أنا وأحمد عبد الهادي نحافظ على علب التبغ أكثر من أنفسنا.
منحته سيجارة وأخفيت باقي العلبة.
ها؟ فكرت؟
بادرتني تمارا ما إن لمحتني أدندن وأهز رأسي وأنا أمشي خارج الكوخ.
عليك أن تبحث عن عمل بالصباح حتى لا ينتهي بك الحال عجوزًا هرمًا خلال أقل من عام.
انظري، أريد أن أؤكد لك أن لا رغبة لدي بالموت هنا، وأنني سأحافظ على شبابي لمائة عام قادمة.
الكل يقول ذلك يا عوني وينتهي بهم الأمر في المقبرة. الحياة هنا ليست سهلة مثل الحال بمدينتك التي قدمت منها.
أردت أن أخبرها أن حياتي هناك كانت عفنة بصورة ما، وأن لا رغبة عندي بالعودة لمدينتي حتى لوحة الرسم.
رحت أتأمل تلك الملامح النابوليتانية الغجرية.
أبعد عينك عني يا عوني.
لماذا؟ تزعجك؟
لا، لكن الأمل بداخلها يرعبني.
بدت حزينة، فرحلت وتركتها على راحتها. لدي وقت طويل، لم تضع الفرصة بعد.
عندما فتحت تمارا عينيها، كنت واقفًا فوق رأسها.
قلت: أنا جاهز. سأذهب للعمل معك.
لن يوافق رئيسي بسهولة، لكن لدي فكرة. اتبعني.
دلفنا من بوابة الساعة، وكنت أول مرة ألحظ ضخامتها. بالداخل، المدينة نظيفة ومنظمة. شيدت المنازل من القرميد الأحمر، وكل منا يمتلك حديقته الخاصة. يقطع المدينة شارع عملاق يمتد إلى ما لا نهاية، تتفرع منه شوارع جانبية ضيقة. رغم كثافة السكان، تشعر أن المدينة بلا روح.
تركتني تمارا وعرجت لحي راق.
قالت: الوداع. استمر بالسير حتى تصل السوق، وهناك ستجد عملًا.
اللعنة، لم أخطط أن تجري الأمور بتلك الطريقة. كم أنت محظوظ يا أحمد عبد الهادي.
كان السوق ضاجًا بالباعة والمشترين. العربات تحمل البضائع القادمة من بلاد غريبة.
رأيت تجارًا بعربات يجرها عبيد، وأخرى تجرها ثيران وأحصنة.
طلب مني تاجر، وقد لاحظني أتسلق، أن أنقل له بعض البضائع.
قلت: لا بأس أن أكون رجلاً. حملت الجوال الثقيل وأنا أترنح.
وأنا أمشي تجاه المخزن، كان هناك شخصان يحدقان بي. كان أحدهم العجوز الذي رأيته بالأمس. هرولا تجاهي وتشبثا بالجوال.
كيف تحمل الأجولة ونحن هنا؟ أزاحوا الحمل عني ونفض أحدهم كتفي.
أنت لست مضطرًا للعمل يا رئيس، كلنا في خدمتك.
كنت مرتبكًا، لذلك صرخت بهم أن يتركوني بحالي وأسقطت الجوال من فوق أكتافهم وحملته مرة أخرى. ابتعدوا عني، لكن ظلوا يراقبوني من بعيد.
نلت أجرتي، كانت قليلة جدًا. أكثر ما أسعدني أنني شعرت بالوقت ينسكب بداخلي كشيء ملموس.
تعلمت بعدها أن لا أقبل عملًا قبل أن أتفق على الأجرة. البضائع التي كانت معروضة معظمها أطعمة، توابل، أقمشة، طيور وغلال. رأيت الأنجال يعملون بالسوق.
قال لي شخص مثقف عندما جلست في حانة الاستراحة: إن الأنجال يضيعون حقنا، إنهم يعملون بأجر بخس، يستنفذون عمرهم في النزوات ثم يضطرون لقبول أي أجر. إنها مهزلة. أنهى كلامه.
كنت على وشك الرحيل، لكني رأيت تاجر أقمشة يلوح لي.
أنت؟ أنا، سألته.
نعم أنت، تعالي هنا.
مشيت تجاهه.
سأل: أين تقيم؟
خارج سور المدينة، أجبت.
نغل؟ لست نغل، حضرت للمدينة للتو، منذ يومين تحديدًا.
تخضع لقوانينها؟ نعم.
حسنًا، أريد أن أوظفك بدكاني.
لماذا أنا؟ سألته.
لأنك تمتلك كل عمرك ولست كباقي الأنجال، لن تحاول سرقتي.
مشيت خلف التاجر الخمسيني، وكان أصلع الرأس، يرتدي بنطال قماش واسع من الحرير الأحمر وسترة خضراء من الكتان، وينتعل حذاء بأشرطة زرقاء. وأنا أمرح في فكرة أنني حصلت على وظيفة ورحت أتوقع رد فعل أحمد عبد الهادي وفريدة. تمارا خاصة، عندما يعلمون أنني شخص مميز وأن التجار يتكالبون علي للعمل عندهم.
فتح التاجر دكانه المغلق وراح يشرح لي أنواع الأقمشة ويوضح لي أسعارها وكيف أتفاوض مع الزبائن.
قال: أنت جاهز، سأجلس هنا وأشاهد نباهتك في أول عملية تقوم بها.
قمت بعمليتي بيع وربحت من خلالهما مكسبًا أرضى صاحب الدكان. كان سعيدًا جدًا أنه وجد أخيرًا عاملًا ذكيًا يمكنه إدارة الدكان، وكان على وشك قول شيء آخر، لكن فجأة ارتفع دوي صوت الساعة وارتفعت أبواق تزعق بأصوات حربية.
أغلق الدكان. طلب مني التاجر، وكان الجميع يغلق دكاكينهم ويركضون تجاه ساحة الساعة.
قلت في نفسي: ربما حلّت مصيبة، أو غزو مثلما شاهدت في مملكة الخواتم.
سرت خلف الجموع وأنا أمني النفس بمقابلة تمارا. تزايدت أعداد الناس. المنازل تفتح وتخرج منها فتيات، نساء، أطفال، عائلات كاملة.
وصلت الحشود باحة الساعة التي تتوسطها ساعة عملاقة، أسفلها لوحة جدارية مكتوب عليها بماء الذهب قوانين مدينة أبناء الساعة. بالأمس، عندما كنت في صحبة تمارا، لم ألحظ ذلك.
جلس الناس بسرعة بوجوه واجمة، عكس الأمس، وانطلق عزف فريد. خليط بين موسيقى الفايكنج والتانجو، تتراقص على نغماته فرقة مختلطة. الرجال عراة الصدر، والنساء يرتدين صدرية ضيقة وتنورة قصيرة أعلى الركبة مفتوحة الجانب. النساء بقصة شعر أرفو وأحذية زرقاء لياقة عنق طويلة.
انتهت الرقصة عندما تقدم أحد القضاة بيده أوراق كثيرة. وقف بكل بهاء تحت الساعة. انحنى مرتين، ثلاثة، ثم بدأ عزف كئيب صاخب، على أثره دخل مجموعة كبيرة من المجرمين معصوبي الوجه والرأس.
أشار القاضي بيده، فصمت جميع الحاضرين بعد أن وقف المجرمون في صف واحد.
قال القاضي: إن قوانين مدينتنا التي سنها آباؤنا وأجدادنا المؤسسون لهي سبب رفعتنا، تقدمنا، استمرارنا. تلك القوانين التي أنقذتنا بعد الكارثة. أي مساس بها لن يقابل بالتسامح تحت أي ذريعة كانت. أولئك المتمردون كان لهم مخطط وهدف واحد: إسقاط مدينة الساعة. لكن حراسنا الشرفاء باغتوهم وألقوا القبض عليهم.
إنهم يطالبون بالمساواة، العدل، بينما أحدهم غير قادر على قضاء حاجته من الكسل. طامعون بحق الغير ويستحقون.
رفع القاضي يده، وراحت الساعة تدق، تدق، تدق.
في الدقة العاشرة، صاح الجميع: سلب العمر!
لوح القاضي بيده، فصمت الحاضرون مرة أخرى.
بالسلطة المخولة لي من الرهبان، من الساعة، أنا القاضي أسلب عمر أولئك المتمردين وأمنحه للرهبان الذين يعملون على إحقاق العدالة والاستقرار.
بتلك اللحظة، رأيت المجرمين ينهارون أرضًا. هلل الحضور وراحوا يصفقون ويصرخون. كنت أحدق بأحد المجرمين والذي تأخر موته. كان يلوح بإشارة النصر. جعلت أتابعه حتى ارتخت يده وانتهى مثل كل شيء نحبه.
انفض الحفل الفجائي وتبعثر الناس نحو بيوتهم وأعمالهم. وارتأيت أن أعود للقرية. لم تكن لدي رغبة بالعمل.
سرت بمنتصف الطريق.
أين كنت؟ عليك اللعنة.
وجدتها هناك بمنتصف الطريق، تحدق بالأفق. خشيت أن يكون قد سلبوك عمرك بالقضاء العشوائي.
على أساس أنك أوضحت لي الأمور قبل أن ننفصل.
ابتسمت. لم أتوقع أن يحدث ذلك. ما حصل اليوم شيء نادر ما تراه عيوننا. منذ ثلاثين عامًا لم يحدث. ثم إنني لم أثق أنك ستجد عملًا. خلتك ستقفل عائدًا من فورك.
حالفني الحظ وحصلت على بضع دقائق.
لم أخبرها عن الدكان، أجلت ذلك.
بداية موفقة يا عوني. إذا بإمكانك دفع كلفة السكن.
استأجرت عربة أقلتنا للقرية خارج أسوار المدينة. دلفنا بين البيوت حتى وصلنا أكواخ الأنجال القشية التي لون الحزن السرمدي وجوه قاطنيها.
سمعت نواح عدة نسوة فتألمت وبدأ ذلك واضحًا على وجهي.
لما لاحظت تمارا ذلك، قالت: بعضهن فقد أزواجهن بسلب العمر لجرمهن، والبعض الآخر طاله الاختيار العشوائي.
عشوائي؟
نعم، يتم سلب عمر بعض الرجال والنساء اليائسين من حياتهم الأكثر فقرًا.
وأين تذهب أعمارهم؟
لحكام المدينة حتى يتمكنوا من أداء واجباتهم بصورة مثالية.
لكن ذلك ظلم، صرخت.
اصمت ولا تنبس بكلمة أخرى يا عوني. وجذبتني لداخل الكوخ. معارضة القوانين عقابها سلب العمر دون محاكمة. البعض هنا، وأشارت للخارج، مستعد للوشاية بك نظير ثمن وجبة.
الأمور لا تختلف عن وطني. هناك تتهم بالخيانة وتتعفن بالمعتقلات والسجون.
ألقيت بجسدي على جدار القش.
لماذا لا تحاولون أن تغيروا حياتكم؟ أن تصبحوا مثل سكان مدينة أبناء الساعة؟
إنهم لا يسمحون بذلك. ليس عن طريق القوانين، لكن بالحصار الاقتصادي. من يولد فقيرًا، يعيش ويموت فقيرًا.
سرحت بخيالي. أنا لم أحضر لهنا لأعيد نفس الحياة.
لم أر أحمد عبد الهادي ولا فريدة. كان كوخهم خاليًا. رقدت خارج الكوخ حيث الناموس يطن من حولي والبعوض يزحف فوق وجهي، وتمنيت أن أنام إلى ما لا نهاية، وحتى ينتحر العالم وتجف المحيطات.
عندما أفقْتُ من النوم وتسللت خيوط الشمس المائعة على وجهي الخمري، لم أجد تمارا.
قلت: لن أذهب للدكان اليوم، لدي ما يكفي من الدقائق لابتياع الطعام والشراب.
على مقربة كان الصبية يلعبون بالطمي، يتقافزون ويصوبون على بعضهم ويتشاتمون بألفاظ بذيئة وغريبة.
كان أحدهم يلاحقني بعينه قبل أن أصل إليهم.
هل يمكنك أن تبتاع لي الطعام؟ سألني وقد وصلت إليه. كان مجرد طفل صغير ضعيف.
قلت له: اتبعني.
سار الصبي بجواري بفخر وهو يرمقني كل لحظة تقريبًا بطرف عينه.
أنت الغريب الجديد؟ تجرأ وسألني بعد فترة من الصمت.
أجل، أنا.
حدق بي وكأنه التقتني للتو.
كل القرية تتحدث عنك.
لماذا؟ سألته.
لأنك منحت لورا عمرًا جديدًا. أقراني يطلقون عليك الحامي. لقد أنقذت حياتها، لم يفعل ذلك أحد من قبلك.
ثم سألني بنبرة متوترة: لو كنت أنا، هل كنت ستساعدني؟
أجل، بكل تأكيد.
تنهد الطفل، وصرخ: أنا لا أريد طعامًا. هل يمكنني أن أكون حارسك؟ أعني برفقتك.
وهكذا؟
لما لا، أنت طفل شجاع.
سأكون رفقة الحامي، قال ذلك وهو يركض مبتعدًا، مخلفًا غيمة من التراب أزكمت أنفي.
ابتعت طعامًا وشرابًا. بطريق عودتي، رأيت لأول مرة شباب وفتيات أهل القرية يحدقون بي.
عندما عدت، وجدت لورا تلعب أمام الكوخ مع هر صغير. وقفت أتأملها وأنا أسأل نفسي: هل منحتها الحياة فعلًا أم مزيدًا من الألم؟
بعد عام ستموت ولن أستطيع أن أمنع ذلك إلا إذا منحتها جزءًا آخر من عمري. كانت جميلة ورقيقة.
عندما لاحظتني، ركضت نحوي. احتضنتني وعانقتني.
كنت أظنك بالعمل.
قلت لك: يجب أن تعمل يا عوني، أن تكسب الدقائق. أنا لا أرغب أن تموت مثلي.
ألهمتني سياط كلماتها.
قولي لي أيتها الطفلة الشقية، أين اختفيت؟
آها، كنت مع فريدة وأخيها. ذهبنا لزيارة الترسانين.
خطفت الطعام مني، تركته لها ومشيت تجاه كوخ فريدة وأحمد. كانوا يتناقشون بصوت عال.
قلت وأنا أجلس: ماذا فاتني؟
أين اختفيت يا عوني بالأمس؟
ذهبت للعمل، ألا تتذكر أنك طلبت ذلك مني؟ وتركت أحمد خلفك؟
نحن فريق واحد يا عوني، لا تنس ذلك أبدًا. رحلتنا واحدة.
وأنتم؟
كنا...
تهيأ أحمد عبد الهادي للحديث، لكنه صمت فجأة وأطلق ابتسامة.
راودتنا فكرة وعملنا على تحقيقها.
أي فكرة؟ سألته.
قال وكأنه اكتشف علاج الأنسولين: لماذا نبحث عن العمل داخل أسوار المدينة، بينما هناك قرى أخرى مبعثرة خلف التلال يمكننا أن نعمل بها؟
تقصد التارسانيين؟
من أخبرك؟ تلك الفتاة الشقية؟
أجل يا عوني، التارسانيون لا يعملون في المدينة ولا يدخلونها إلا نادرًا. مع ذلك، هناك ببعض الحيل يمكنك أن تكسب من الوقت أكثر بكثير من عملك بالمدينة.
كنت أعلم أنه صادق، لكن بالنسبة لي كان البقاء جوار تمارا كل غايتي. على أحدنا أن يكون داخل المدينة يا أحمد من أجل محاولة البحث عن عمي. من ناحية أخرى، أن نكون مطلعين على آخر المستجدات. ثم قصصت عليهم ما حدث بالأمس، المحاكمات التي طالت المتمردين.
معك حق، قال أحمد عبد الهادي. علينا بذل كل جهودنا للخروج من تلك المدينة بأقصى سرعة.
تركتهم للراحة وعدت للكوخ ورحت ألعب مع لورا وأحكي لها قصة سندريلا الجميلة والوحش.
عادت تمارا وكانت الشمس تتسلل خلف التلال. مقطبة، قالت: لم تذهب للعمل؟
فعلاً لم أذهب.
يبدو أنك مستهتر على كل حال يا عوني.
لم تكمل. عانقتها لورا.
قص لي حكاية سندريلا.
سندريلا من يا لورا؟ قالت تمارا وهي تضيق حاجبيها.
تركتهم يتسامرون وجلست خارج الكوخ متكئًا بظهري على جدار القش، أفكر بما يمكن أن أفعله لأجعل حياتهم أجمل.
لو تبرعت بكل عمري للورا، سأفرط بحب حياتي الوليد تمارا، التي كلما نظرت إليها أشعر أنني ولدت من جديد. إذا كان هناك سبب منطقي لحضوري هنا، فأنه لملاقاة تلك الشهباء الجميلة.
ادخرت لك طعامًا يا تمارا. قلت ذلك وأنا أحني رقبتي تجاههم.
بعد أن تناولت طعامها، جلست تمارا بجواري. كان وجهها تجاه القمر والنجوم كحبات لؤلؤ لامعة تقبل خدها.
لماذا تفعل ذلك يا عوني؟ أعني أنك لست زوجي وكل ذلك الهراء.
ماذا تقصدين؟ سألتها بنبرة ماكرة.
أقصد ما يخص موضوع الطعام.
ابتسمت رغما عني. من حيث أتيت، يوزعون الطعام بالمجان.
شردت تمارا لدقيقة، بعدها تنهدت.
هل يمكنك أن تصحبني لمدينتك عندما تعود؟
على قدر علمي، فإن ذلك مستحيل يا تمارا، أليس كذلك؟
أجل، مستحيل. أنهت كلمتها ودلفت للداخل.
رقدت جوار لورا النائمة، تمتمت بحزن: هذا ما أخبرونا به ولا أعرف غيره.
استيقظت اليوم التالي مبكرًا قبل الجميع. كنت قد قضيت ليلتي أفكر بما علي فعله.
قصدت السوق. كان الدكان مغلقًا. تسكعت بالسوق لساعة، لكن ولا شخص واحد طلب مني العمل أو المساعدة.
ثم سمعت هرجًا ومرجًا. حراس يفسحون الطريق أمام عربة مطرزة أجرها الخيول.
ابنة مسؤول الشرطة، قال شخص بجواري.
التصقنا بالجدار وأفسحنا الطريق الضيق. العربة التي مرت ببطء سافل.
كانت أورا، ابنة صاحب الشرطة، تشير لتحفة، بضائع، حيوانات، جواري، فيقوم الحراس خلفها بجمع تلك الأشياء ونقلها لعربات مرفقة بالركب.
كانت تلك الفتاة من أجمل ما رأت عيني، لكن غرورها أضفى على مظهرها نوعًا من القباحة حجبت جمالها الصافي.
بعد أن عبرتني، أمرت الحوذي أن يتوقف. استمرت هكذا وهي مغمضة العينين لأكثر من خمسة دقائق دون حراك، والحراس صامتون لكن على أهبة الاستعداد.
مستحيل! صدحت بتلك الكلمة بكل ما أوتيت من قوة بنبرة تحمل كل قرف الدنيا وعفنها.
بدأ الأنجال العاملون في السوق بالهرب عندما شعروا بالخطر، بينما تسمرت أنا بمكاني غير مدرك بما علي فعله.
ثم رأيت مجموعة من العمال يجرون آلة مغطاة بالقماش ويمرون بجوار عربتها غير مبالين بها ودون أن يعترضهم الحراس.
لكزت الشخص الواقف بجواري، فأخبرني أنهم عمال المعبد، لا أحد يعترض طريقهم.
تسللت بخفة ورحت أجر الآلة معهم واختفيت بينهم.
بعد عشرة أمتار، رأيت عربة أورا تتحرك والحراس من خلفها يخضعون كل الأشخاص لفحص الساعة.
تبلل جسدي كله بالعرق. عندها وصلنا المعبد العتيق.
أنت ماذا تفعل هنا؟ كان شخص يشير إلي بيده.
أحضروه هنا!
اقتادوني الحراس وأنا أرتعش.
اكشف ذراعك، أمرني.
كرمشت كم قميصي لينظر إليه.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسي
تبلل جسدي كله بالعرق، عندها وصلنا المعبد العتيق.
انت ماذا تفعل هنا؟
كان شخص يشير الي بيده.
احضروه هنا!
اقتادوني الحراس وانا ارتعش.
اكشف ذراعك أمرني؟
كرمشت كم قميصي لينظر اليه.
أين علامتك سألني؟
ثم ارجف انت ليس من عمال المعبد غير معقول قال باندهاش!
لا لست منهم اجبت!
كيف لم يمت؟
ارتفع صياح حارس من خلفي!
ما الذي اتي بك للمعبد هنا؟ الا تعلم أن ذلك محرم وممنوع لغير الموشمين من قبل الرهبان وعقوبته الموت بسلب الحياه؟
وجدتهم منهكين فقلت اساعدهم اجبت بذل وانكسار وحسره وكنت قد اكتشفت للتو حجم المصيبة التي وقعت بها.
كان هناك راهب يرمقنا من شرفة المعبد الجانبية المطلة علي مخزن الآلات والمعدات.
يجب أن اسلمك للشرطة رغم مشاعرك النبيلة.
التف حولي حراس مدججين بالسلاح وارتفع ضجيج صوتهم.
كيف لم يمت لقد دخل القطاع المحرم؟
لوح لهم الراهب من شرفته فطلب قائدهم ان يتركوني.
أرحل ولا تحضر هنا مره اخري قال ذلك وهو يلكزني في صدري.
ابتعدت وعيون ذلك الراهب تلاحقني كلما التفت.
ثم توقفت أمام مكان محفور بالجبل علي هيئة مغاره يحرسه عدد لا نهائي من الجنود.
أرحل من هنا يا حثالة قال احد الحراس وهو يبصق علي وجهي.
تابعت سيري وانا العن نفسي.
عندما عدت للسوق كانت اورا رحلت وعادت حركة البيع والشراء مرة اخري.
كان الدكان الذي اعمل به مفتوح أيضا لكن جسدي كان مرتعب ولم أكن قادر علي تمالك نفسي.
مضيت بطريقي نحو البوابة وصادفني شخصان يشيران الي وكان من ضمنهم ذلك العجوز المخبول.
سمعته يقول لقد عاد من هناك ألم أخبرك انه الحامي؟
اوليتهم ظهري وتابعت طريقي الطويل نحو القرية.
فور رؤيتي غمرتني لورا بسيل من التساؤلات ووجدتني مضطر ان اشبع فضولها.
كم دقيقه كسبت من أجلنا؟
ولا دقيقه يا لورا لكني رأيت المعبد.
المعبد المقدس؟
لا تمزح يا عوني.
اجل يا صغيرتي.
ولم يسلبوا عمرك؟
قالت وهي تضيق حاجبيها بلا تصديق.
قصصت علي لورا ما حدث بيومي واستمعت لورا لي وهي تضحك وتضرب قدميها بالأرض.
أين فريدة واحمد عبد الهادي؟
ذهبوا عند السانتريين كالعادة.
يبدو أن هناك سر علي اكتشافه قلت في نفسي.
لم تحصل على ولا دقيقة واحدة أليس كذلك؟
بادرتني تمارا فور وصولها وهي تطلق ابتسامه ساخرة.
اجل، صادفني سوء حظ عثير وكدت ان أقتل.
اطرقت تمارا برأسها و رمقتني بتركيز.
فأردفت كانت اورا بالسوق وقصصت عليها ما حدث حتي وصلت للمعبد.
وماذا حدث سألتني تمارا باهتمام!
احد الرهبان أشار بيده فتركوني.
منحك حياة جديدة؟
لا كل ما فعله ان أشار بيده!
افهمك يا عوني بتلك الإشارة منحك حياه جديده.
ثم صمتت كأنها لا تراني.
من النادر ان يذهب اي شخص لتلك المنطقة ويعود حي.
انها منطقه محرمه علي العامة.
هناك يحتفظون بالسر الاعظم وتتمتع بقدسية كبيرة.
سر مدينة أبناء الساعة والذي يميزها عن غيرها من المدن الأخرى.
تلك المنطقة تتمتع بحكم ذاتي وقوانين مختلفة عن باقي المدينة.
هناك يوجد اقوى الحراس واشدهم بطش يتم اختيارهم من كل ارجاء المدينة ويتم وشمهم بشارة المعبد المقدسة.
قلت لها لقد رأيت كل ذلك.
كانت هناك فرقة كاملة تحرس ممر الجبل.
ماذا تقصد ياعوني؟
اقصد انهم كانوا هناك أمام الممر كل هذا بحيث لا يمكن لذبابه ان تمر دون أن يروها.
ممر جبلي؟
واثق انت؟
اجل لقد رأيت مثله بموطني انه يشبه نفق طويل.
اصغت تمارا باهتمام اكبر ودهشه.
لا أعلم عن ماذا تتحدث.
لا أحد يعلم ذلك علي الأطلاق.
ماذا تفعل تلك الإنفاق يا عوني؟
تسمح بانتقال الأشخاص والبضائع من منطقة لأخرى!
هذا يعني ان لها مخرجين؟
اجل فوهه للدخول واخرى للخروج.
صمتت تمارا وراحت تحملق بالأرض.
هاي انت؟
ولكزتها بكتفها.
لدي سؤال محرج؟
اتسعت حدقتي عين تمارا ورأيت بؤبؤي عينيها اللامعين.
ضمت شفتيها بتكشيره تورد خديها وقالت تفضل!
أرغب لفافة تبغ أين يمكنني أن ابتاعها؟
ضحكت تمارا ولورا وظننت اني ارتكبت حماقه ما!
لا تباع تلك الأشياء الا للساده بمدينة الساعة وكلفتها كبيرة جدا.
يجب أن احصل علي واحدة قلت ذلك وانا أسير تجاه أسوار المدينة.
انت مجنون؟
التجول بالمدينة ليلا في غير يوم عرس الساعة خطير جدا.
التفت نحوها فأردفت كن حذر!
عندما اقتربت من أسوار المدينة حدجني الحراس بريبه اوقفوني.
اين تذهب؟
أرغب بشراء لفافة تبغ!
بذلك الوقت؟
قلت اجل.
عدت يا عوني؟
جأني صوت تمارا من داخل الكوخ.
أجل عدت!
وقفت تمارا علي باب الكوخ وضيقت عينيها ثم قالت.
انا لا اري اي لفافة تبغ؟
اجبروني علي تركها قلت وانا اتميظ غيظ!
عادي أجابت تمارا وهي تعاود الدخول للكوخ.
كيف ذلك؟
انه ابتزاز، ظلم ، تعدي علي حقوق الغير!
حقوق؟
سألت تمارا.
لكني كنت بحالة من الحنق لا تسمح لي بتوضيح اي شيء.
قضيت ليلتي خارج الكوخ وانا اندب حظي انتظر احمد عبد الهادي وفريده.
كان هناك ما عليهم اخباري به.
اورا
كانت اورا جالسه بشرفتها تحدق بالسماء الغائمة وبرأسها الف عقربه سوداء تلدغها.
كان مقدر لها أن تتزوج ذلك اليوم عندما دقت ساعة الباحة، ان تكون في منزل زوجها الان.
لكنها عوضا عن ذلك تجلس بشرفتها ترقب صديقاتها المقربات الاتي تزوجن.
انها تدرك ان وليفها كان هناك بالباحة، شعرت بذلك، كان قريب.
مثلما كان قريب بالأمس عندما عبرت بالسوق.
انها لا تدرك لماذا يتهرب منها مع انه يعلم أن عقاب ذلك هو الموت.
ما الذي يزعجه منها لذلك الحد الذي يدفعه لفقد عمره علي ان يتزوجها؟
تعلم انها عصبيه اكثر من اللازم لكنها جميله مثل باقي الفتيات.
كل غايتها الان هو الانتقام، ان تري ذلك الشخص منزوع العمر.
لكن ذلك لا يرضي غرورها، سأجعله يعيش لحظة طلوع الروح باقي حياته ولا ينالها.
سيري الموت بعد أن اسلب عمره الا دقيقه واحده، وقبل ان تنتهي تلك الدقيقة امنحه دقيقه اخري وهكذا.
لقد حكم علي ان اظل هكذا دون زواج، دون أطفال.
كانت الظنون تأكل رأسها عندما دلف والدها لحجرتها.
لقد فعلت كل ما باستطاعتي يا اورا قال ذلك وهو يجلس على اريكه من خشب الصندل.
اخضعت كل من كان بالسوق للفحص ومن قبلها كل من كان بالباحة مع ذلك لم يحدث توافق!
هل من الممكن أن يكون من الانغال؟
تعلمين مثلي يا اورا ان ذلك مستحيل.
زواج الانغال من الساده لا تتعدي نسبته واحد بالمليون وزواج الانغال من العامة حالات نادره جدا تأتي بعد موافقة المعبد.
لماذا لم تستطيعوا القبض عليه إذآ؟
صاحت لورا بعصبيه.
ثم راحت تنتحب وهي تصرخ.
افعل شيء يا أبي؟
اطلب مساعدة المعبد الراهب الاعظم ام تريد أن اظل هكذا طوال حياتي؟
سنقبص عليه يا اورا أعدك بذلك وحينها سأجعل الغربان تشبع من عيونه!
انا وحدي من ستحدد عقوبته، هل تفهم؟
انا وحدي قالت اورا وهي تجز علي أسنانها وعيناها تشع غضب.
انتابتها نوبة غضب فراحت تركل المقاعد، الطاولة والفناجين لاعنه حظها الذي وضعها في ذلك الموقف المخزي.
عانقها والدها ليهدائها.
اصبري يا حبيبتي لم ينتهي الأمر بعد.
لدي خصومات سياسيه، متربصين، كارهين، اذا كان أحدهم خطط لذلك تعلمين ان القضية تصبح باطله حدث ذلك مرات كثيره.
اذا كان الشخص الذي كتبته لي الساعة غير موافق علي الزواج بي هرب، فربما ميت الان بالحاجز الضبابي او هرب من.
رمقها والدها بنظره صارمه فلم تكمل كلمتها.
اسفه يا والدي، الجنون تملك عقلي منذ ما حدث انا لم اقصد ذلك طبعا فلا احد يمكنه ان يصل هناك اصلا.
ثم انا متأكدة انه كان في السوق والباحة اقسم لك يا والدي كان قريب جدا.
كان يمكنه لمسي، حتي ونظرت لوالدها بخجل ثم اردفت قد حدث.
يجب أن نقلب المدينة كلها اذا مادام هنا بذلك القرب يجب أن نكتشف السر الذي يدفعه للهرب.
ينهض اغلب بنيان المعبد داخل الجبل، استخدمت التجويفات والنتوءات الصخرية بطريقه مبتكره أضفت علي البناء المستطيل روعه وهيبه.
يمتد المعبد لعدة كيلو مترات خلاف الملحقات التابعة له وبيوت الحراس والخدم ومخازن الصناعة.
يقطن المعبد تسعة كهنة تختارهم الساعة عند ولادتهم.
فكل طفل يولد بوشم الساعة يكون من الاخيار ويكون مصيره المشرق ان يصبح أحد كهنة المعبد العظيم.
كل أسر مدينة أبناء الساعة بلا استثناء يتمنون ذلك، ان يصبح من بينهم كاهن مقدس يسن القوانين ثم يخترق القوانين التي سنها وله القدرة علي منح الحياه.
كهنة المعبد لا يتزوجون ويقضون حياتهم من أجل قضيه واحده وهي استمرارية قدسية مدينة الساعة.
كان لبعضهم نزواته الخاصة والتي تحدث سرا فقد داوم بعضهم وعلي فترات منتظمة استقدام فتيات بكر، سيدات، خادمات الي غرفهم الخاصة ولا يخرجون الا بعد فتره طويله.
وقد سرت اشاعه مفادها ان كل من حاولت أن تفتح فمها من تلكم النسوة وجدت ميته مسلوبة العمر بالمقبرة الجماعية او تري جثتها طافيه فوق سطح مياه النهر الأخضر الذي ينبع من الساعة نفسها ويمضي بالجزء الغربي من المدينة.
ليس ذلك فقط بل قيل ان هناك راهب لا يرضي لأي فتاه لمسها ان تكون بحضن غيره لذلك تخرج من غرفته ميته.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسي
كثير من العارفين والعامة يرون أن ذلك مرجعه لقدسية الرهبان ومكانتهم، وأن الإله بذاته يدافع عنهم، فتحل لعنته على كل من رغب بتلطيخ سمعتهم بالأكاذيب. وإلا كيف يفسر اختفاء كل شخص يعارضهم أو ينتقدهم؟ أليست تلك حماية إلهية؟
وكانت غرف الرهبان موزعة على أطراف المعبد التسعة، بقسم خاص لكل واحد منهم يعمل على راحته. جيش من الخدم، كل راهب يمكنه سلب الحياة أو منحها، أبطال قضية أو فض نزاع، والذي يحدث بالعادة لمصلحة أحد أبناء المسؤولين عندما يتوسل لمنح أحد أبنائه حياة جديدة.
لذلك كانت واقعة منح ذلك الفتى الذي حضر بالأمس لأرض المعبد غريبة بعض الشيء وأصبحت حديث أغلب العمال. منح الراهب الأعظم الحياة لواحد من العامة. إنها نادرة وتاريخية.
جلس الكاهن على مقعد مخملي من الجلد اللبني، طلبه خصيصًا من الأراضي المنخفضة، يقلب أوراقه وهو شارد الذهن.
هل من الممكن أن يكون هو بذاته وشخصه؟
أيمتلك ذلك القدر من الغباء الذي كنت أمتلكه؟
ولا يوم بحياتي اخترت أن أكون كذلك. أنا ألعن اللحظة المباركة التي اختارتني فيها الساعة لأحمل لوائها. لقد كانت بادرة عفنة بصورة ما من الساعة لتختارني أنا بالذات وهي تعلم أني أكرهها.
لكن من قال إنها اختارتني؟
حملق بالوشم الذي يميز الرهبان عن غيرهم، والذي من المفترض أن يولدون من رحم أمهاتهم يحملونه.
هذا الوشم يثبت أني شخصية مباركة، مقدسة ومبجلة، فخر عائلتي.
الرهبان بالغالب ينتمون لسبعة عائلات كبرى بمدينة الساعة، من كل عائلة شخص. ليكون ذلك من عدالة الإله؟ ألا يوجد شخص واحد من العامة منذ حكم الساعة يستحق أن يصبح راهب؟
تلك الأفكار التي تنهشني ستنتهي بي جثة عفنة بمقبرة الساعة.
ثم شرد وهو يدخن غليونه وسار تجاه شرفته. تابع عمال المعبد وهم يدفعون الآلات والمعدات القادمة من النفق، ممر مدينة الساعة السري المخفي وسر عظمتها.
لكنه رغم عنه تذكر ذلك الشاب الذي حضر بالأمس مرة أخرى. إنه يذكره بشخص يعرفه بطريقة ما، شخص قدم من زمن بعيد من الأراضي المنخفضة وقاده حظه العاثر للموت أسفل منصة الساعة. وقتها لم أكن أصبحت كاهنًا بعد ولم أستطع أن أدافع عنه. كان جرمه الذي لا يعرفه أن هرب من وليفة روحه والتي أصبحت زوجة صاحب الشرطة بعدها.
كنت مهتمًا به جدًا بعد أن سمعت صرخاته: "بريء، بريء". علمت بعد موته أنه غريب حضر من الأراضي المنخفضة للبحث عن السعادة، لكننا لا يمكن أن نبحث عن السعادة. السعادة هي التي تبحث عنا عندما نخلقها بداخلنا وبقناعتنا.
لفظ أنفاسه وهو يصرخ!
بعدها تزوجت تلك الفتاة صاحب الشرطة بعد أن حصل على استثناء من كهنة المعبد. يبدو أن التاريخ يكرر نفسه، أورا تتعرض لنفس الموقف، هرب وليفها الروحي.
عندما لمحت ذلك الشاب من الشرفة قلت: لابد أنه هو ذلك الشخص، يجب أن يكون كذلك. اندس بين العمال كما أخبرني خادمي، وكل ما فعلته أني منحته حياة، عله يستطيع أن يغير ما لا أستطيع تغييره.
كان اجتماع الكهنة لم يأت بجديد، اللهم إلا علاقتنا بالمدن المجاورة والحفاظ على سرنا الأعظم. فمنذ دفنت تلك المدينة أسفل نيزك عملاق وأصابتها لعنة الزمان، وكل وظيفة الكهنة حماية ذلك السر الكبير.
بعد أن دمر النيزك المدينة ودفنها أسفل التراب، وجد الناجون أنفسهم أمام ظاهرة غريبة: أعمارهم تتناقص نظير كل خدمة يطلبونها. احتاج منهم الأمر مدة طويلة ليدركوا ماهية المعضلة التي يتعاملون معها. وهنا بدأ دور المؤسس الأول لمدينة الساعة، هرشيم الأكبر، والذي أملى صوره الجدارية ومنحوتاته في كل أنحاء المملكة.
جمع ما تبقى من قاطني المدينة، أسس مجلسًا مصغرًا أخذ على عاتقه إعادة إعمار المدينة. سن المجلس القوانين التي يعمل بها حتى الآن وتخضع لها كل نفس تقطن المدينة.
تم إنشاء المعبد بالبداية للحفاظ على السر، بعد ذلك السور الضخم الذي يعزلها عن العالم. لم يكونوا تلك اللحظة تفطنوا للحاجز الضبابي الذي حكم عليهم بالبقاء داخل حدوده مهما طالت السنوات.
أن تكون راهبًا فذلك يعني أن تحصل على كل شيء إلا امرأة. يقولون إن الراهب إذا تزوج وأنجب فإن عمله لن يكون حياديًا، خاصة وهو يمتلك هبة منح الحياة.
أنا لم أختر ذلك. فرقوا بكل قسوة بيني وبين حبيبتي. كان علي أن أتابعها وأنا محتجب بالباحة وهي واقفة بصف طويل تنتظر وليفًا غيري. أجبرت أن أتابع حلم حياتي يذهب لأحضان شخص آخر. الحب لعين. رغم كل شيء أنا لم أستطع نسيانها. أنا أفكر بها ولتسامحني الآلهة بطريقة شهوانية، فجسدها يحضرني كل ليلة. عيونها الواسعة الخضراء، شعرها الأسود الطويل، بشرتها البيضاء ونهدها النافر.
وهل طلب منك أحدنا أن تشرح لنا سيادتك سبب تسكعك في المدينة مع تلك الحسناء كل يوم؟
أحمد؟
حملقت بأحمد عبد الهادي لينقذني. أطلق ابتسامة ساخرة أعرفها وقال: معها حق، لقد تغيرت تمامًا يا عوني!
بحق الله أخبروني ماذا يحدث؟
لديك وقت؟ سألتني فريدة وهي تضيق حاجبيها!
أنا لا أملك غيره أصلًا!
اجلس طيب، أم ستطلب إذن السنيوريته أولًا؟
تركت كلمتها تمضي، فخير وسيلة للتزحلق على فتاة أن تنحي مجادلتها تمامًا وأقسم لك أنها ستقبل بعدها كل الأمور التي رفضتها سابقًا.
أحمد أخي، قالت فريدة بفخر، يعمل على صناعة طاولات ومقاعد، أرائك وخزانات ملابس حديثة مثل الموجودة في مدينتنا. بقرية السانتريين الأخشاب متوفرة لقربها من الغابة ولدى أحمد مخيلة رائعة تبتكر أشكالًا جديدة غير موجودة هنا بالمرة!
الناس هناك يرحبون بنا، ثم همست: ويكرهون مدينة الساعة وأهلها. يقولون إنهم اغتصبوا حقهم الطبيعي بحكم المدينة. طبعًا لم نصدق كل ذلك. المهم بالنسبة لنا أن نكسب مزيدًا من الوقت يساعدنا في رحلة البحث عن عمك والعودة مرة أخرى.
لن يشتري أحد منكم مدينة الساعة مملوءة بالبضائع والتي تأتي من الخارج أصلًا.
قلت بلا اهتمام!
تأتي من الخارج كيف؟
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسي
لقد رأيت نفقاً واعتقدت أنهم يستخدمونه لجلب البضائع.
أين؟
حكيت لهم ما رأيته، هناك جيش كامل يحرس النفق.
إذاً هناك مكان يمكننا أن نغادر المدينة من خلاله؟
لا أعلم أين ينتهي النفق، لكن لماذا لا؟
عوني؟
ورمتني فريدة بنظرة متوسلة، أرجوك استقصِ عن ذلك المكان، إنه تغير جذري في رحلتنا!
وهل ظننتِ حقاً أن الحاجز الضبابي لن يتركنا نرحل وكل ذلك الهراء؟
لا أريد أن أصدمك، لكن أجل.
ماذا تعني يا فريدة؟
أنا...
قالت بتلعثم، أنا وأحمد حاولنا تقصي طريق الرجوع خلال الحاجز الضبابي، ذهبنا هناك ثلاثة مرات خلال الليل.
قلت لك أني تركت علامات تساعدني على معرفة الطريق؟
أتذكر ذلك طبعاً!
تبعنا تلك العلامات وسرنا مسافة طويلة حتى اعتقدنا أننا كدنا نصل، لكن عند نقطة معينة لا يسمح لك الحاجز الضبابي بالتقدم ولا عبوره!
تدور بك الدنيا وتشعر أنك مجذوب للخلف بمغناطيس، تسري قشعريرة بجسدك ولا تدري بنفسك إلا وأنت مطروح على الأرض، لولا العلامات طبعاً التي ساعدتنا على العودة لكنا ميتين الآن.
ثلاثة محاولات يا عوني ويحدث نفس الشيء.
متى كنتم تنوون إخباري بذلك إن شاء الله؟
لم نرغب بإحباطك يا عوني صدقني، كنا نعدها مفاجأة لك!
أطرقت إلى الأرض بحزن، مضيت كل تلك الفترة وأنا أعتقد بسهولة عودتي، أن أقضي وقتاً سعيداً وأعود بأي وقت.
ورطة، سنتعفن هنا فعلاً.
لا تفقد الأمل يا عوني، قلت أن هناك نفق، حاول أن تذهب هناك مرة أخرى وتراقبه!
قال أحمد عبد الهادي، لدي فكرة!
ما رأيك أن تنقل الأثاث الذي أصنعه للمدينة؟ بذلك يكون لديك سبب مقنع للتسكع في المدينة وكسب بعض العمر أيضاً؟
رغم عدم ترحيبي بما أقدمت عليه أنت وفريدة، إلا أنها فكرة رائعة.
اتفقنا أن أذهب بالغد إلى قرية السانتريين مع أحمد وفريدة وأن أستأجر عربة أنقل عليها الأثاث لبيعه داخل أسوار المدينة.
قرية السانتريين لا تختلف عن قرية الانغال، إلا أنها متعمقة داخل الغابة، بالجزء الغربي منها وعلى مسافة نصف يوم يعبر النهر الأخضر.
وضعت الأرائك والمقاعد التي قام أحمد بصنعها ومضيت نحو قرية الانغال، كانت فريدة تنتظرني لترافقني لداخل المدينة.
كانت العربة التي تحمل الأثاث المطلي بألوان زرقاء وحمراء وصفراء ويجرها حصانين تقطع الطريق نحو وسط المدينة.
تمارا تجلس بجواري بعد أن أصرت أن أقلها لمكان عملها، بينما أجلس أنا في مقعد الحوزي وعلى رأسي عصابة أرجوانية.
كنا على وشك الوصول عندما أجبرنا الحراس على التوقف لانتظار مرور موكب أورا ابنة صاحب الشرطة، وأنا ألعن الحظ السافل الذي يوقعني بطريقها كل مرة.
رحت أمزح مع تمارا وأخبرها بما سوف أفعله بعد أن أبيع الأثاث عندما توقفت عربة أورا بمحاذتنا.
بعد لحظات من توقفها نزلت أورا من العربة وأشارت للحراس أن يشكلوا سياجاً ولا يسمحوا لأحد بالمرور أو الهرب.
اقتاد الحراس بعض الأشخاص لفحص الساعة وتركوههم يرحلون، بعد ذلك سمعت أورا تصرخ بجنون: لا تتركوا أي شخص، تاجر، بائع، متسول، إلا بعد إخضاعه للفحص.
مضت ساعة ولم يتبقى إلا أنا وتمارا، حينها ركبت أورا عربتها وكان الحارس سمح لنا بالتحرك.
مجرد خطوتين وسمعت أورا تصرخ: أنت توقف عندك!
اهرب يا عوني!
ماذا تقصدين يا تمارا؟
اهرب بأقصى سرعة سيتم القبض عليك!
لماذا؟ سألتها.
اهرب، قالت وهي تدفعني، سأشرح لك لاحقاً!
وأنت؟
قلت لك اهرب، لن يؤذوني.
قفزت من العربة وركضت بين المارة والحراس يتبعوني.
لم أتوقف عن الركض ولا الحراس الذين يصرخون: مجرم، خائن!
فجأة جذبني شخص لداخل زقاق وألقى فوق جسدي وشاحاً غطاني كلي.
كان نفس الرجل العجوز الذي يلاحقني كل مرة.
اسلك ذلك الطريق ولا تتوقف عن الركض حتى تصل البوابة الشرقية، هناك لدينا أعوان سيسمحون لك بالخروج من المدينة، سنحاول أن نشغل الحراس، اركض ودفعني!
أحكمت على الوشاح الذي غطى وجهي وتابعت ركضي.
تفرق الحراس وبعد ساعة لم يعد أحد يلاحقني!
كنت مقطوع الأنفاس، الهث ككلب وجسدي عرق يكفي لاستحمامي.
انحنيت أسترد أنفاسي ووضعت يدي على ركبتي.
كان قلبي يأكلني على تمارا، وحتى بعد أن ابتعدت بعيداً جداً لم أصدق أنني ارتكبت تلك الحماقة وتخليت عنها.
راحت المدينة تصمت والشوارع تطرد المارة وراح القلق يتملكني.
البوابة الشرقية، سألت أحد العابرين وتبعت الإشارات حتى اقتربت منها.
سأسلم نفسي للشرطة، هناك سوء فهم أنا لم أرتكب أي جرم، سيحققون معي وبعد أن يكتشفون براءتي سيطلقون سراحي وسراح تمارا.
اقتربت بحذر من البوابة وكان هناك حارسين يمران بجواري، سمعتهم يتحدثون عن رفيق أورا الروحي الذي ظهر بالسوق وهرب فجأة، اسمه عوني تصور!؟ وقهقه الحارسان.
أنت ماذا تفعل عندك؟
قلت كان لدي عمل وأجبرني صاحب المنزل أن لا أرحل حتى أنهيه.
منحك أجرك؟
أجل يا سيدي، أجبت بتردد.
منحته أكثر مما طلب وفتح البوابة، سمح لي بالخروج تحت عيون زملائه الساخرة.
غريبة، عمره طازج جداً لم يستعمل من قبل، هذا النغل كاذب، وراح يضحك معهم ليصرفهم عني.
صاحب الشرطة يريده حياً أو ميتاً، هناك مكافأة على رأسه، قال أحدهم وهو يربت على كرشه.
عرفت أنهم يتحدثون عني، كنت خارج البوابة لحظتها تابعت سيري وأنا أسمع حديثهم الذي راح يخبو.
تصور، أورا ابنة صاحب الشرطة يكون رفيقها نغل أو شخص من العامة، ليس ذلك فقط بل إنه لا يرغب بها.
بعد أن ابتعدت رحت أركض مرة أخرى، يحملني الأمل تلك المرة أن أجد تمارا كالأيام الخوالي تنتظرني، كنت سأعانقها، أقبلها حتى لو كلفني ذلك كل حياتي.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسي
قلت كان لدي عمل واجبرني صاحب المنزل ان لا أرحل حتي انهيه.
"منحك أجرك؟"
"اجل يا سيدي" اجبت بتردد!
"امنحني جزء منه اذا" أمرني وهو يغمز بعينه فادركت ان الشخص الذي سيساعدني.
منحته اكثر مما طلب وفتح البوابة، سمح لي بالخروج تحت عيون زملائه الساخرة.
"غريبه عمره طازج جدا لم يستعمل من قبل هذا النغل كاذب" وراح يضحك معهم ليصرفهم عني.
"صاحب الشرطة يريده حي او ميت هناك مكافأة علي رأسه" قال أحدهم وهو يربت علي كرشه، عرفت انهم يتحدثون عني كنت خارج البوابة لحظتها تابعت سيري وانا اسمع حديثهم الذي راح يخبو.
تصور اورا ابنة صاحب الشرطة يكون رفيقها نغل او شخص من العامة، ليس ذلك فقط بل انه لا يرغب بها.
بعد أن ابتعدت رحت اركض مره اخري يحبوني الأمل تلك المرة ان اجد تمارا كالأيام الخوالي تنتظرني كنت سأعانقها، اقبلها حتي لو كلفني ذلك كل حياتي.
كان نحيبها الذي وصل الي من بعيد نزير شؤم حلق حول اذني التعيستين لورا كانت أمام الكوخ تبكي بحرقه وهي تقضم اظافرها، رغم الظلام لمحتني ركضت نحوي، ألقت بنفسها في حضني وسألت دموعها الساخنة.
"لقد قبضوا علي تمارا ولن نراها مره اخري"
"من أخبرك بذلك" سألتها بحنق!
"انهم يبحثون عنك انت ايضا لقد قلبوا كل الاكواخ رأس علي عقب"
شعرت بالقلق ووصلت لمسامعي الجلبة القادمة من بعيد وراحت عصابات قرية الانغال تهرب جماعات من سطوة فرقة تفتيش الشرطة، كنت أعلم انهم لا يبحثون عن عصابات ولا قتله ولا سارقين بل حضروا للبحث عني.
"كوني حذره يا لورا" قلت وانا اعانقها، "فريده ستعتني بك، سأرحل ألان"
كان الحراس لمحوني وبدءوا يركضون خلفي.
"لا تتخلي عنها يا عوني" سمعت صوت لورا ثم قام احد الحراس بركلها فسقطت أرضا.
دارت بي الأرض، فكرت بسرعه المكان الوحيد الذي يستحيل عليهم العثور علي فيه الحاجز الضبابي، تابعت الركض فوق السهب وهم يرشقوني بالنبال، صعدت التلة وهم خلفي، اختفيت بين الضباب وانا الهث، قلت لن يعبرون الحاجز الضبابي.
من خلفي سمعت قائدهم يصرخ بهم "خلفه يا لعناء صاحب الشرطة سيقطع اعناقنا اذا عدنا من دونه"
سمعتهم يصرخون خلفي "نحن لا نري شيء" يسبون ويلعنون، بعد نصف ساعه اختفت الأصوات وساد صمت قاتل، جلست علي الأرض وفردت جسدي وسمعت مفاصلي تطقطق، البقعة التي جلست فيها تلك المرة أثارت انتباهي، كانت تشبه درب ترابي دكته الأقدام، خطر ببالي ان اتبع ذلك الدرب فسرت خلاله وقت طويل ثم تذكرت فريده وانها قالت إن الحاجز يرفض مغادرتنا، التهمني اليأس، ثم انها كانت مقامره فربما لا أتمكن من العودة مره اخري واتعفن هنا.
وقفت دقيقه وقبل ان التف الي طريق العودة هيء لي اني رأيت طفله صغيره اختفت بين صخرتين مشيت تجاه المكان القريب ولم اجد الا صخره عملاقه علي شكل بوابه، مره اخري لعنة نفسي وتابعت طريق العودة متتبعا الدرب، وصلت نهاية الحاجز قبل الفجر، من حسن حظي كانت فرقة التفتيش رحلت او ماتوا داخل الحاجز الضبابي وذلك ما تمنيته.
كانت القرية نائمه ولم اسمع اي صوت بشري، تسللت نحو الكوخ كلص ارقب كل حركه، وجدت لورا تنتحب مثلما تركتها وكانت الدماء سائحه من رأسها قلت هذا السبب، راح صوت بكائها يخنقني، طلبت منها ان تصمت لكن كأنها لم تسمع شيء.
"لورا" صرخت غاضبا، "اصمتي بحق الله!؟"
عوضا عن ذلك راحت لورا تنتحب اكثر، علمت انها تعاندني، "لماذا تفعلين ذلك" سألتها!؟
"لأنك تركتها هناك وحيده وهربت"
كيف اشرح لها انني كنت مضطر وانا لست مقتنع اصلا!
اورا &فور عودتها بنوبة غضب اعصاريه جعلت اورا تصرخ بغضب، تشتم، تلعن، تتقافز، تركل الأثاث، تمزق اللوحات الجدارية وتهشم الثريات، تشد شعرها كمجنونه، ركلت كلب علي مؤخرته وعذبت خادمه.
والدها حاول تهدئتها، رفعت يدها بتذمر واعتراض، "لا تطلب مني ان اهدأ حراسك الاغبياء السبب"
"لكن ! يا اورا لم نترك شبر بارض الساعة الا واخضعناه للتفتيش ماذا نفعل اكثر من ذلك؟"
"ما فعلته ليس كاف يا والدي، مؤكد ان الارض لم تنشق وتبتلع ذلك السافل، كان قريب مني، لقد رأيته" ثم دون أن تلتفت لوالدها سارت تجاه السجن.
الحراس لم يعترضون طريقها، اورا عندما تغضب تصبح كالضبع ولا احد يرغب بالتعنيف او الطرد.
"ما قصتك ايتها الحسناء؟أين وليفي؟ الي اين هرب؟"
"انا لا اعرف ذلك الشاب، عرض علي ان يقلني دون اجر ولا يمكن لأحد بمدينة الساعة ان يفوت تلك الفرصة"
"اف، اف، رائحة الكذب كريهة! إليك الاتفاق، ستخبرينني بما أرغب به وسأمنحك حياه جديده، أو حياتين وزيجه لائقة تغنيك عن العمل بمنازل الساده!"
"وإلا سألت تمارا؟"
"ليس هناك إلا، اذا لم تنطقي يا نغله يا حقيرة سترين بعينك حراسي يتناوبون علي مضاجعتك كل ليله، كل يوم، الا ما لا نهاية وحتي تتعفني"
"لا يمكنك فعل ذلك، لستي قاضيه او راهبه هناك قانون"
"قانون؟" قهقهة اورا، "وضع القانون من أجل الساده ليحميهم من الأشخاص القذريين مثلك"
"تحدثي" اردفت اورا بنبره خبيثة، "أعدك بطعام وان امنحك سنين ينوء بها جسدك"
غرقت تمارا بصور وذكريات وشردت لبرهه، "افتحي فمك يا عاهره ليس لدي وقت!"
كانت تمارا لحظتها تنعم بالسلام الداخلي فصمتت ولم تنطق، يمكنها ان تفقد عمرها، حياتها، لكنها لن تتخلي عن عوني!
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسي
تنهدت أورا وضحكت.
"إنه أمر ممتع، بدأ الأمر يعجبني."
وقفت على باب الزنزانة.
"سأعثر عليه، لا أحد يهرب من مدينة الساعة."
بعد أن خرجت، اجتاح الفزع قلب تمارا. شعرت لحظتها إلى أي حد تحب عوني، لكن حبها وحده ليس كافياً لينقذه. إنها تتمنى أن يكون تمكن من الهرب الآن، ولا يهمها ما سوف يحدث لها.
بعد عودتها، بدت أورا أكثر رزانة. طلبت من الخدم أن يعدوا حمام الزهور. نَعِمَت بحمام دافئ وارتدت أحلى ملابسها، فستان ضيق بلون الموف أبرز خصرها النحيف، وانتعلت حذاء بأشرطة. خرجت بفستانها الموف تفوح منها روائح العطور. كان صديقاتها بانتظارها، فتيات من علية القوم مثلها، يتسامرون ويضحكون، يستمعون للموسيقى ويستمتعون بالنميمة.
"أورا، هل هرب وليفك الروحي فعلاً؟ أم أنها إحدى ألاعيبك الماكرة؟"
وهي متكئة بظهرها على كرسي متأرجح، تهز قدميها، قالت أورا بنبرة متكبرة وهي ترمق صديقتها بنظرة مهزوزة:
"ماذا تعتقدين؟"
"أعتقد أنها مسرحية اختلقتيها لغرض واحد، قتل الملل!"
"لكنهم قبضوا على فتاة كانت معه."
أجابت صديقتها التي تكره أورا، قبل أن تردف:
"يقولون إن تلك الفتاة جميلة جداً، لها غمازتي الورد، وقد ممشوق."
حاولت أورا أن تتحلى بالهدوء ولا تفضح نفسها. بالنهاية، لا أحد يشعر بما في داخلنا. لكن صديقتها كانت أكثر تصميماً على إغضابها، فأضافت:
"قالوا إنه اختارها لأنها أجمل منك، حتى إنه مستعد للتضحية بعمره من أجل الزواج منها."
انهارت قدرة أورا التحملية. قبل أن تنفجر، تركت المجلس مستاءة وهي تتمتم بكلمات بذيئة.
دخلت منزلها والدموع تقترب على زيارة عينيها. أغلقت على نفسها باب غرفتها وهي تتذكر قسمات تمارا الجميلة، تسأل نفسها:
"هل حقاً اختارها لأنها أجمل مني؟ اختار الموت بحضنها على العيش برخاء معي؟"
على أن ذلك لم يزدها إلا رغبة بالانتقام. اعتبرت أن الوصول إلى ذلك المدعو عوني مطلب ملح من أجل كرامتها المسلوبة.
قضيت ساعتين في حزن وشرود.
"أنا هارب في بلد غريب وقوانين جائرة، حتى الرحيل غير ممكن. ما رأيته من بقايا جثث وعظام بمنطقة الحاجز الضبابي كافٍ جداً لسحق الفكرة."
كانت أورا نامت أخيراً، ويبدو أن حلماً مزعجاً تلبسها. فراحت تئن. أيقظتها، فرمقتني بعيون دامعة وأولتني ظهرها.
"معها حق،" قلت. "ما الذي فعلته أنا حتى الآن لا يصمني بالعار؟ تمارا حبيبتي ملقاة في زنزانة تتعرض للتعذيب وأنا هنا أتملص من واجبي وأنسحب كلص قذر. قبل أن أحضر لهنا، لم يكن لحياتي معنى، وعندما وجدت حبي أخيراً، تخليت عنه في أول ورطة."
ثم دارت في رأسي فكرة. بعد أن أدرتها بعقلي، قررت أن أقدم على الخطوة الأكثر حماقة بحياتي.
"يجب أن أهرب تمارا من السجن."
بدلت ملابسي وتلحفت بوشاح يخفي وجهي. اندسست بين جموع المارة ودخلت مدينة الساعة. مشيت بخفة وأنا أتلمص من حولي. لم يكن لرواد السوق حديث إلا عن ابنة صاحب الشرطة وما حدث لها. البعض شامت، والبعض الآخر يتسلى ولا يعنيه كيف ينتهي الأمر.
التصقت بجدار وانتظرت عمال المعبد بأوشمتهم المعروفة. دخلت بين العمال ورحت أدفع معممهم العربات المحملة بالبضائع. عندما وصلت أرض المعبد المحرمة، قصدت ضابطاً ذا رتبة عالية وطلبت منه أن يصلني بالراهب الذي يقطن تلك الشرفة، وأشرت لها.
أمر الحراس أن يقبضوا علي، وكان أحدهم قد تعرف علي من المرة السابقة.
"انتهكت حرمة المعبد وتستحق العقاب."
ظهر الراهب بشرفته. رحت ألوح له وأنا أصرخ، لكنه بدا غير مهتم ولا مبالٍ.
"ألقوني في السجن حتى أعرض للمحاكمة في ساحة الساعة."
كنت أعلم عقوبتي وما ينتظرني.
"ستتعرف علي أورا وسيسلب عمري."
مع ذلك، كنت أشعر بطمأنينة. ربما فشلت خطتي. سيحكمون علي بالموت، لكنهم سيطلقون سراح تمارا لأنها بريئة.
كان قد مضى أسبوع كامل استنفذت خلاله الكثير من سنيني من أجل الطعام والتبغ.
"إذا كنت ميتاً على أي حال، فلن أترك لهم سنين ليأخذوها مني."
الليلة السابقة للمحاكمة، عندما انتصف الليل، رأيت ذلك الراهب يقترب من زنزانتي. كان الكل نياماً، وبدأ أن لا أحد يشعر به.
"أنت؟" وأشار إلي.
"ماذا كنت ترغب مني؟"
سرت نحوه بأغلالي التي أحدثت صوت جرس. شرعت أقص عليه حكايتي وهو يستمع بصمت. بعد أن انتهيت، انتظرته ليتحدث، لكنه تركني ورحل.
لعنته بصوت مسموع.
"أنا أكره القضاة بكل مكان وزمان، إنهم مجرد أشخاص بخدود متورمة وأكراش متدلية يطلقون الأحكام بأفواه تفوح منها رائحة العفونة!"
"ستموت يا عوني،" صرخ صوت في عقلي. "ستموت يا عوني!"
طوال عمري انتظرت تلك اللحظة، الموت ليخرجني من حياتي البائسة، لكن الآن وقد لاح
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسي
الأمل الجميل في حياتي، فآخر ما أرغبه رؤية سنوات عمري توزع على أولئك السفلة المنحطين!
آه، كم أشتاقك يا تمارا، وأشتاق مزاجك. يا ليتني أخبرتك من قبل أني أحبك. إن الذين يؤجلون الكلمات المفرحة، الطيبة، للوقت الملائم لا يستحقون السعادة أبدًا.
ألقيت بجسدي المملوء بالبراغيث والبعوض في الوحل. قبل الفجر غفوت حتى سمعت صوت الحارس.
"استيقظ. حان الوقت؟" سألته وأنا أفتح عيني. وجدت حارسًا واحدًا فقط، نحيف الجسد، ملثمًا لا يظهر وجهه، يقف أمام الزنزانة. إنهم يمزحون معي، كنت أتصور كتيبة حربية بأيديهم السلاسل الحديدية والسياط.
"ماذا تريد؟" سألته.
"حان وقت المحاكمة يا مدان."
فتح باب الزنزانة وقادني خلال ممر طويل لا آخر له. سرنا لأكثر من ساعة دون أن ألمح بشرًا، نفق يمتد إلى ما لا نهاية.
"إلى أين تأخذني؟" قلت وقد نفذ صبري.
"إلى طريق هروبك. ارحل من هنا ولا تعود لتلك البلاد المتعفنة التي تحكمها آلهة. هل تفهمني؟"
"وتمارا؟" سألته.
"ماذا يعنيك أنت بتمارا؟ ألم تتركها مرة من أجل الهرب؟ يمكنك أن تفعلها مرة أخرى، صدقني، الأفعال العفنة تكرر نفسها. ليس هناك أكثر من النساء، اختر غيرها وتزوجها، أنجب أطفالًا، عش حياتك بسعادة ولا تذكر لهم شيئًا عن ما حدث هنا."
"لكني أحبها ولا أستطيع التخلي عنها. لا يمكنني التعايش بصورة مرضية مع ذلك الألم."
"تحبها للدرجة الكافية أن تمنحها كل عمرك؟"
"أحبها للقدر الذي يجعلني أتمنى أن يكون لدي أكثر من عمر لأفديها به."
"تلك فرصتك الوحيدة. عليك أن تدرك أن طريق حبك نهايته بركة قذرة كلها عظام ودم."
"أنا لم أحضر هنا للهرب أو طلبًا للنجاة، جئت هنا من أجل إنقاذ تمارا. تمارا بيد صاحب الشرطة وربما بتلك اللحظة تخضع للمحاكمة. صرخت، لكنها لم ترتكب أي جرم؟"
"سيخلقون لها جرمًا مناسبًا كفيلًا بسحب كل سنين عمرها!"
"يجب أن أنقذها!"
"إذا عدت مرة أخرى، رغم قصصك الحالمة، فأنا لن أستطيع مساعدتك."
"من أنت على كل حال؟ أنا لا أعتقد أنك حارس عادي؟"
رفع الوشاح من على وجهه. "الراهب؟"
أجبني، "نعم! اعتقدت أنك رحلت إلى الأبد ولن تساعدني؟"
"أنا أيضًا يا عوني اعتقدت أنك الشخص المناسب لإنقاذ تلك المدينة، لكن الحب دومًا يفسد خططنا السامية. إنه البقعة السوداء بثوب البشرية."
قادني لنفق جانبي. خدش الجدار بأظافره. سقط الطلاء مخلفًا بابًا فتحه. وسرت خلفه.
بعد وقت قليل بدأت أصوات صياح العامة تصل إلى أذني، ترتفع رويدًا رويدًا لتشعل الرعب بقلبي.
"تعتقد أن المحاكمة انتهت؟ تمارا ماتت؟"
"ليس بعد، لكن غير مهم."
"سر بهذا الطريق حتى نهايته ستجد بابًا مفتوحًا. اخرج واغلقه خلفك، لا تجعل أحدًا يلاحظك ولا تحاول رؤيتي مرة أخرى!"
"ألست راهبًا؟"
"أجل." رد بعجالة.
"سأمنح تمارا سنوات عمري كلها، سأفديها بروحي، أليس هذا ممكن؟"
"تمتلك سنوات كافية؟"
"أجل، الكثير من العمر!"
"ما اسمه؟"
"شكري!" أجاب شكري وهو يختفي بأحد الأنفاق الجانبية.
"شكري عبد الناصر؟" صرخت!
لم أتلق ردًا ولم أسمع إلا صدى صوتي. "شكري عبد الناصر عمي؟ إنها مصيبة لم تخطر على بال، ورطة عفنة بصورة ما."
دلفت من الباب المفتوح وأغلقت خلفي. اندسست خلف عربة يجرها حماران محملة بالعشب والبرسيم حتى وصلت مدخل ساحة الساعة. سأنقذ حياتها بأي صورة كانت.
كان الجنود يجرون خلفهم مجموعة كبيرة من المجرمين، صف طويل مكبل بالأغلال. انخرطت بين المدانين وأنا أمسك بالسلسلة الحديدية.
أحد الحراس لاحظ أن يدي طليقة، فلَطمني بكفه على وجهي وركلني بقدمه على الأرض.
"يا سافل، يا كلب، ترغب بالهرب؟"
كبلني مع المجموعة واقتادونا لسجن يقبع تحت الأرض. جلسنا ملتصقين تفوح منا رائحة عفونة نتنة.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسي
بدأت المحاكمات تنطلق، حينها رفع السجانون أكتافهم وأكلوا أطراف شواربهم وهم يهمون بمشية عسكرية لتوصيل المجرمين للمحاكمة.
كان كل ما يصل إلى أذني كلمة مدان، مدان، ثم عقوبة الإعدام بسلب العمر، صياح العامة وصراخهم مستمتعين بمظهر الجسد وهو ينمحق، الجلد وهو يتساقط، الشعر وهو يرفرف في الهواء ثم لا يتبقى إلا هيكل عظمي بلا روح، كنت أنتظر دوري بفارغ الصبر ليس حبًا بالموت لكن طمعًا بنظرة أخيرة إلى تمارا.
كان المدانون يتناقصون من حولي وكنت أنا آخر شخص موجود، سألني الحارس عن اسمي، قلت عوني.
لكن اسمك ليس مسجلًا بالدفاتر؟
لا أعلم، اقتادوني مع المجرمين.
يبدو أن هناك خطأ ما، رد الحارس بعد أن أغمض أحد عينيه، تركني دقيقة وعاد بعد أن راجع قائده، ليس لك اسم هنا، أنت غير مدان.
راح يفك قيدي، حان الآن وقت محاكمة النساء.
أيمكنني الصعود لمنصة الحكم؟ سألته.
لا طالما لست مدانًا!
أنا مدان سيادتي.
لكن الدفاتر تقول غير ذلك، أجاب بحذر.
أنا رفيق ابنة صاحب الشرطة الروحي الذي هرب منها!
ضيق الحارس حاجبيه وأطلق سبة، أنت؟
وأشار إلي بيده!
نعم أنا؟
أعاد القيود ليدي بسعادة ثم انطلق يعدو، لكن تلك المرة ليس نحو قائده بل لمكان آخر.
انتابني القلق بعد أن طال غيابه، أيها القائد، صرخت بأعلى صوت.
رمقني بنظرة قذرة قبل أن يسير نحوي.
ماذا تريد؟
أخبرني الحارس أنه لا توجد تهم ضدك.
يا أنت ذلك الشخص؟
لقد طلبت منه أن يفك قيودك، أين رحل ذلك الملعون؟
فك قيودي مرة أخرى، هيا ارحل من هنا، سر حتى نهاية ذلك الطريق وستجد الباب.
تحركت خطوتين حتى اطمأن وتركني بعدها بكل سرعة.
ركضت نحو الباحة قبل أن يلحق بي أي حارس، كنت على المنصة أسفل القضاة والرهبان، راحوا يحملقون بي وأشاروا الحراس أن يتركوني، كان الراهب الذي حاول تهريبي من بينهم.
ماذا تريد؟ بادرني أكبرهم سنًا.
أطالب بحقي طبقًا لقوانين أرض الساعة!
عن أي حق تتحدث؟
أريد أن أتنازل عن عمري لشخص سيعرض للمحاكمة الآن!
تقصد امرأة؟
نعم يا سيدي!
ما اسمها؟
تمارا.
ما جريمتها؟
أنا لا أعلم جريمتها يا سيدي، لكن أعلم أنها مدانة وكانت محبوسة في منزل صاحب الشرطة.
كان العامة يحملقون بي وينقلون كلماتي لبعضهم والفصول يأكلهم، ثم سمعت صوت الحراس وهم يبعدون العامة والنغول عن طريق صاحب الشرطة وابنته أورا.
لكنهم لم يتقدموا من المنصة واكتفى بالنظر من الصف الأمامي.
لا تعلم جرمها؟
لا يا سيدي.
لكننا هنا نتبع قوانين محددة، كل مدان يعلم جرمه والعقوبة أيضًا.
جرمي وجرمها أننا نحب بعض!
إنه رفيقي الروحي، صرخت أورا وهي تزيح الحراس وتتقدم من المنصة.
تقصدين زوجك المستقبلي؟ سألها القاضي وهو يشير إلي، الذي كان من المقرر أن يكون زوجي سيادتك لكنه هرب، نعلم جميعًا عقوبة الهارب من حفل زفاف الساعة.
همهمت الجموع، الموت!
قال صاحب الشرطة: سيحكم عليه بفقد كل سنين عمره.
ثم برزت أسنانه النتنة المتعفنة وهو يطلق ابتسامة.
أين تمارا؟ سألت أورا.
تمارا من؟
أنا لا أعلم عن ماذا تتحدث!
تمارا حبيبتي التي ألقيت القبض عليها بالسوق؟
لست شرطية أو قائدة لأقبض على الناس.
هنا تدخل والدها بالحديث، اسمع يا نغل إذا كنت تريد أن تخلق مسرحية فأريد أن أخبرك، العرض انتهى.
لست نغل وكل ما أطالب به محاكمة عادلة، روحي مقابل روحها.
إذا كان اسمها مسجلًا بالدفاتر فأن محاكمتها ستكون بعد قليل.
كان القاضي يتابع حديث صاحب الشرطة باهتمام يوضح العلاقة السافلة التي تجمعهما معًا.
أحضروا دفاتر المدانين الآن، أمر القاضي!
من أسفل المنصة أزاح حارس يحمل دفترًا ضخمًا بعض المتطفلين ووضع الدفتر أمام القاضي.
تمارا؟ تمارا؟
الاسم مقيد هنا، قال القاضي وهو يرمق صاحب الشرطة بابتسامة.
ألم أخبرك سيادتك أننا لا نقبض على أي شخص دون جرم، وضح صاحب الشرطة بثقة.
أحضروا تمارا، صدح صوت الحارس فور أن لوح له القاضي بيده.
من قبو مظلم اقتاد حارس تمارا خلفه وهي تلهث ترضخ في القيود، ملابسها ممزقة تفوح منها رائحة العفن.
ماذا فعلتي بها يا مجرمة، فكوا قيودها، صرخت ما إن رأيتها.
اصمت، أنت مجرم هنا.
كنت أعلم أنني ميت وكل ما كان يعنيني تمارا.
هرولت تجاهها والقيود الحديدية تصطك ببعضها حتى تمكنت من لمس يدها، لا تخافي يا حبيبتي سأفديك بعمري.
لماذا لم ترحل كما طلبت منك؟ قالت تمارا بنبرة هزيلة.
لست ذلك الندل الذي تعتقدينه يا تمارا ولن أتخلى عنك مرة أخرى.
قضيت على كلانا بتهورك يا عوني، قلت لك ارحل ربما حينها كان من الممكن أن نلتقي مرة أخرى.
أنا لا أفهم ما تقصدين يا تمارا، كل ما يهمني هو حياتك، كنت حثالة قبل أن أحضر لهنا وسأموت حثالة!
لا لست حثالة يا عوني لا تقل ذلك، أنت الحامي، همست بصوت سمعته بالكاد، اهرب يا عوني!
إن كنت تحبني فعلاً يا عوني افعل ذلك!
لذلك قلت لك اهرب ربما حينها كان يمكنك أن تعثر علي مرة أخرى وتنقذني!
كيف أنقذك؟
أنا لم أعد أفهم أي شيء، إذا حكموا عليك وكنت مدانة ألن تموتي؟
قد لا أموت، لكن سأصبح كهلة تنتظر الموت، تعني سيضيفون سنين عقوبتك على عمرك؟
أجل يا عوني!
كيف لم أدرك ذلك أنا غبي بصورة مريعة.
بعد أن دقق القاضي بدفتره صرح بأن عقوبة تمارا ثلاثين عامًا تضاف لعمرها، وطبقًا لقوانين مملكة أبناء الساعة إذا كان عوني يمتلك ذلك العمر فإن تمارا سيطلق صراحها.
وضعوا جهازًا صغيرًا فوق ذراعي وأنا أبتسم، لا تقلقي يا تمارا أنا أملك أضعاف ذلك العمر، تسعة وعشرون عامًا أحد عشر شهرًا وتسعة وعشرون يومًا أحد عشر ساعة.
غير كافٍ.
ماذا تقصد هناك خطأ لا محالة!
الحكم ثلاثون عامًا وأنت لا تملك هذا العمر.
تذكرت العمر الذي صرفته في السجن على الطعام والتبغ ولعنت نفسي.
هناك ساعة ناقصة، أجاب الحارس بمتعة.
سيادة القاضي أرجوك إنها مجرد ساعة؟
طلبت عدالة الساعة وقد نلتها يا مجرم.
والآن يطبق الحكم على تمارا، يضاف لعمرها ثلاثون عامًا ربما تموت ربما تصبح كهلة سنترك ذلك لعدالة الساعة، أما عوني فنحكم عليه بسلب كامل.