تحميل رواية «سيطرة ناعمة» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
آه، كنتِ وحشاني بشكل. بكراهم. همست لونا بقهر قبلما يقهقه عاليا بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته. مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل: وأنا كمان بكرهك يا روحي. حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه. فهمس: إثبتي بقى، لسه فيكي حيل. فقالت بغضب مكبوت: سيبني. تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم. فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتف بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض. فقال: رايحة فين؟ وقفت توليه ظهرها ولم تجب. فقال: رايحة تستحمي...
رواية سيطرة ناعمة الفصل الأول 1 - بقلم سوما العربي
آه، كنتِ وحشاني بشكل.
بكراهم.
همست لونا بقهر قبلما يقهقه عاليا بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته. مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل:
وأنا كمان بكرهك يا روحي.
حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه. فهمس:
إثبتي بقى، لسه فيكي حيل.
فقالت بغضب مكبوت:
سيبني.
تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم. فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتف بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض. فقال:
رايحة فين؟
وقفت توليه ظهرها ولم تجب. فقال:
رايحة تستحمي بسرعة عشان تشيلي أي أثر مني عليكي، مش كده؟
طبقت جفناها تبكي بقهر شديد. فصرخ فيها:
ليه كل مرة أقرب منك تعملي كده؟ ليه كل مرة تبقى بالغصب؟ إنتي مراتي وأنا ليا حق فيكي وباخده.
إنتي إيه اللي جابك؟ هو مش خطوبتك بكرة؟
أظلمت عيناه وتعاقبت عليه مشاعر وئدها سريعاً. ثم اعتدل في جلسته وقال:
ماكنتيش عايزة تشوفيني، مش كده؟ جيت آخدك عشان تحضري فرحي، مش أنا ابن خالك بردو؟
على أساس إنكم معترفين إني من عيلتكم أصلاً ولا حد مهتم. حضرت أو ماحضرتش، ماحدش هياخد باله.
رفع عيناه لها بصمت، يطالعها، يراقب جمالها عن كثب. لونا ابنة عمته، صاحبة وجه الحورية والعيون الواسعة البنية وشعرها كذلك. كانت تضوي كالنور، جمالها متدلل، متدلع، متغنج. حتى لو كانت في أسوأ حالاتها، حتى وإن كانت بمزاج سيء، إنها تقتلته، تذبحه في كل مرة يراها فيها. يعلم أنها ذات أثر وحضور، يُعمل لها ألف حساب حتى لو كنت تكرهها.
نفض كل تلك الأفكار عن عقله، لابد من التماسك دوماً. فهز كتفيه وقال بيرود:
ولو... شكليات. تفتكري أهل خطيبتي هيقولوا إيه لما ما تحضريش؟ خصوصاً أم العروسة، إنتي عارفة هي مركزة معاكي قد إيه؟
مانا سبت لها البلد كلها ومشيت، أعمل إيه تاني.
وقف عن الفراش يلتقط ملابسه الصغيرة يواري بها سوأته. ثم قال بحاجب مرفوع:
أنا وإنتي عارفين إنتي سافرتي ليه، ولا ناسيها؟
اهتزت شفتيها بغضب ثم همست:
لأ، مش ناسيه.
صمتت لثواني ثم قالت:
المفروض تطلقني... إنت خلاص هتخطب أهو.
أغمض عيناه يخفي غضبه. ثم قال:
عايزاني أطلقك عشان تدوري هنا على حل شعرك، مش كده؟
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، فهي تدور معه بحلقة مفرغة لم ولن يغير فكرته عنها. فقالت:
لأ... عايزة أخلصك من عاري وإن اسمي يرتبط باسم حد محترم وله وزنه زيك.
ماحدش عارف إنك مراتي غير عمك اللي جوزك ليا والشويه اللي فاضلين عايشين من عيلة أبوكي. مالكيش دعوة إنتي بأعمامي وبطلي لعب بالكلام عشان أنا قاريك.
بسس...
قاطعها بغضب:
مابسش. إنتي مش كنتي داخلة تستحمي؟ اتفضلي ادخلي ومش عايز كلام تاني.
تحركت بكره وغضب وتركته يرتمي على الفراش خلفه يضع كفيه على دماغه كأنه يسارع أصوات كثيرة متداخلة تدور داخلها. وهي بالداخل تقف أسفل المياه تغسل جسدها بقوة شديدة ودموعها تختلط بالمياه الغزيرة المتدفقة عليها. تعيد الغسل بقوة أكبر، تمحو أثره من عليها ولكن عبثاً. تشعر بالنفور والغضب. تباً لما لا تتخلص منه، لما.
أرتدت روب الحمام بأهمال وخرجت من المرحاض تتقدم من الفراش تنتوي النوم. هكذا لن تصحو لمدة أطول تواجه فيه كابوسها. "ماهر"..."ماهر عزام الوراقي" ابن خالها هو أسوأ كابوس، أسوأ من عمها وما فعله بها هو الأسوأ على الإطلاق.
نامت على آخر مكان بطرف السرير وتكورت على نفسها تكتم صوت بكائها تخشى أن يسمعه. لتشهق بصدمة وهي تشعر بيده الغليظة تسحبها لعنده حتى استقرت في أحضانه العارية من جديد.
حاولت التملص منه، يظهر نفورها. ليأمرها بحزم:
بطلي حركة، نامي.
سكنت بأمر واحد ولم تتحرك. لتمر تلك الليلة المريرة عليها ويذهب لحال سبيله تشغله عنها حياته التي كانت هي دوماً خارجها. ويتذكرها كل حين فتتنفس هي... صبرت نفسها بهذا الأمل كي تساعد حالها على الاطمئنان ولو مؤقتاً حتى تغرق في النوم وينتهي كابوسها معه. لكنه لم يتركها بحالها وهمس:
لونا.
لم تجب، فقط صمتت. وهو يعلم أنه لو تركها ينتظر جواباً فسينتظر سنين. هي مقطوع منها الأمل. لذا أكمل:
نفسي ولو لموة تجيلي إنتي... نفسي في مرة بمزاجك.
إنت ناسي حكايتنا وناسي اتجوزنا إزاي؟
أغمض عيناه بحزن يتدفق لعقله ما حدث في وقت ماضي. قبل ثلاثة أشهر، كان يجلس بأحد مقر شركات عائلته. إنه ماهر عزام الوراقي، صاحب الأربعة وثلاثون عاماً، طويل الجذع عظيم الجرم. شعره مصفف بعناية ورائحة عطره القوية تملأ المكان. كان يشع فخامة وكأن المال يتحدث.
يتابع في اجتماع مغلق مع عمه ووالده بعض المستجدات لأحد أهم مشاريعهم. في الوقت الذي فصلهم دقات متعالية على هاتف والده. نظر عزام للهاتف ثم أغلق الاتصال الذي عاود الدق من جديد. فقال فاخر:
في إيه؟
لم يجيب. ليعود الاتصال من جديد. فينظر فاخر للهاتف ثم يعود بالنظر لأخيه ويقول:
هو وصلك وكلمك؟
ده راجل وسخ وابن كلب.
استغرب ماهر مجريات الحديث فسأل:
في إيه؟ هو مين ده وماله؟
يكمل يقول فاخر:
ده راجل نصاب كان عايز يشتغلني أنا وأبوك بس إحنا سكيناه على قفاه. يالا نكمل شغل وسيبك منه.
بتلك اللحظة انفتح الباب فانتفض ثلاثتهم بلهفة إثر ولوج رجل عجوز يتحرك بصعوبة. فأسرع إليه ثلاثتهم يساعدونه على التحرك. بينما قال ماهر:
إيه اللي نزلك بس يا جدي؟
سعل الجد وقال بصوت متحشرج:
قعدت البيت دي تقصف العمر، مش عايزها... عايز أشتغل.
ثم نظر لابنه الكبير وقال:
عملت إيه في الموضوع اللي كلفتك بيه يا عزام؟
كور عزام قبضة يده ولم يجيب. فهتف الوالد بصوت أعلى:
عملت إيه يا عزام بقولك؟
ليلتف عزام وينظر لفاخر. ثم نظر للاثنين بغضب لوالدهما. وبعدها قال فاخر:
إنت لسه يا بابا بتدور ورا الفاجرة دي؟
بنتي يا فخري... مهما عملت هتفضل بنتي.
بنتك هربت مع ابن النجار اللي كان شغال عندنا من خمسة وعشرين سنة وجابت لنا العار.
هتف الجد بغضب:
اخرس، ماتقولش كده على أختك.
ليتدخل عزام:
مايقولش إيه، ماهي دي الحقيقة. كنا هنستنى إيه من واحدة أمها دخلت بيتنا خدامة ولعبت على البيه وحملت منه فاتجوزها عرفي وجابت لنا بنت حرام. خلف الندامة اللي لما كبرت فجرت وهربت مع عشيقها.
وقف الجد يقول بغضب:
اخرس يا عزام بقولك... الحكاية مش كده واختك كانت ضحية طول عمرها.
شدد عزام على حديثه وقال بينما يلتف حول والده ولم يرحب شيبته:
ضحية؟ بنتـك دي سليلة عار وعشان تتأكد خلفت بنت فاجرة وقادرة زيها وسمعتها زي الزفت في المنطقة اللي عايشة فيها. أبوها سابهم وطفش ولا همه، وعمها مش قادر عليها كل شوية يكلمني عشان أروح آخدها وألمها.
التفت الأب وسأل بلهفة:
بجد؟!
فرد عزام:
لسه كان بيرن عليا قبل ما تدخل وكلم فاخر قبلها. تلاقيها عملت عملة جديدة وقرطتسته فبيكلمنا.
طب هي فين؟ ورحيل بنتي فين؟ روح... روح هاتها... روح هاتها يا عزام.
احمرت عينا عزام من الغضب وقال:
أجيب مين... إنت تحمد ربنا إني ماخنقتهاش بأيدي دول وخلصت العيلة كلها من فجرها وسمعتها اللي زي الزفت.
طب روح إنت يا فاخر.
ليرد فاخر بغضب:
أروح فين وأجيب مين... اسمع يا بابا أنا مستحيل أتقبل البت دي ولا أدخلها عيلتنا زي ما إنت عايز. أنا حتى أخاف على بناتي منها وأخاف كمان على سمعتهم. دي عيلة وسخة مش لاقية اللي يلمها ولا يربيها. ولا أنا هستغرب ليه؟ ماهي جدتها الخدامة اللي اتجوزت البيه عرفي وأمها فاجرة هربت مع عشيقها وأبوها راجل قبل كده. الكوكتيل ده هيجيب واحدة جنس ملتها إيه؟ أكيد صور نجاسة وكلاحة بيور.
توسلهم الجد يقول:
عشان خاطري يا ولاد... أدوهـا فرصة... والله إنتوا فاهمين غلط. عشان خاطر أبوك يا عزام تروح تجيبها.
وخاطر أمي اللي ماعملتلوش أي حساب. أمي بنت الحسب والنسب اللي جوازك منها رفعك ورقاك وحطك في حتة تانية خالص وفي الآخر رافقت عليها الخدامة وعيشتها مقهورة العمر كله. عايزني أروح أجيب خلفتها تعيش قدامي ليل نهار؟ ده لا يحصل ولا يكون.
ثم تحرك عزام وترك لهم الغرفة غير مبالي بنداء والده الذي التف لفاخر وقال:
طب روح إنت يا فاخر.
مستحيل أدخل وآخد زي دي على عيلتي والناس تعرفها. أنا عندي بنات يا بابا مستحيل أعمل كده. مستحيل أقبلها، مستحيل.
ثم تحرك مغادراً كما فعل أخيه تاركاً الأب يناديهما متوسلاً:
يا فاخر... يا عزام... بنت أختكم يا ولاد.
اهتز جسده بعجز فهرول ماهر بلهفة يسنده قائلاً:
سلامتك يا جدي.
سندني يا ماهر... سند جدك.
ساعده ماهر كي يقترب من أول أريكة ويرتمي عليها قائلاً:
سلامتك يا جدي.
اااه... عايز سلامتي بحق يا ماهر.
صمت ماهر وقد فطن القادم. وبالفعل تحدث الجد:
روح شوف بنت عمتك وهاتها لعندي... إنت الوحيد اللي تقدر تعمل كده. أنا قلبي مش مرتاح يابني. كفاية ظلمت أمها. هظلمها هي كمان وأتخلى عنها.
بس يا جدي...
ماتسمعش للي أبوك وعمك بيقولوه. رحيل مظلومة... رحيل هربت بعد ما أبوك وعمك كانوا عايزين يستغلوها وهي عايزة حاجة تانية. وأنا ربنا يسامحني كنت مطاوعهم. كانت المصلحة عمياني ماكنتش بشوف غير المصلحة والفلوس بس. أنا دلوقتي شوفت بعد ما شبعت فلوس. لو بتحب جدك وخايف عليا بحق روح وجيبها يا ماهر. طول عمرك مش بيهمك ولا بتهاب حد. مش هيهمك كلام أبوك وهتروح، أنا عارف.
يا جدي دي...
عشان خاطري يا ماهر ده أنا محمد الوراقي. عمري ماتحايلت على حد كده وبتحايل عليك.
عجز ماهر أمام توسلات جده. فقال بعدم تقبل:
حاضر يا جدي... حاضر.
هتوصلها إزاي؟
هحاول أغفل بابا وآخد رقم عمها من موبايله. شكله واقع وعايز يوصل لأي حد فينا.
ربنا يباركلك يا بني. طب روح... روح بسرعة يالا.
دلوقتي.
دلوقتي بالله عليك.
خلاص يا جدي حاضر. مش عايز أشوفك كده الله يخليك.
حاضر بس تروح النهارده. النهارده يا ماهر.
حاضر... النهارده والله.
في أحد مقار الشركات الكبرى جلست فتاة بديعة المحيا ممتلئة القوام لها طلة مميزة لكنها متوترة تفرك كفيها ببعض من شدة الارتباك. وانتفضت منتبهة على صوت قوي من فتاة في سن مقارب لها تسأل بقوة:
اشتغلتي فين قبل كده؟
أا... بصراحة... دي... أول مرة أشتغل.
نظرت الفتاة الأنيقة لزميلتها التي بادلتها النظرة بسأم وترفع. ثم اتجهت أنظارهما لتلك المهتزة التي تجلس أمامهما بتوتر ووجه شاحب. لترفع الفتاة ذات البذلة العملية والشعر المصفف بعناية حاجبها وتقول بترفع:
نعم؟ إنتي جاية تهزري؟ مش عارفة شركة إيه دي اللي مقدمة فيها والوظيفة إيه؟
انكفت "لونا" تفتح حقيبتها بتوتر وتلجلج من شدة الارتباك والإحساس بالدونية أمامهما. وحاولت أن تسرع في إخراج رزمة من الأوراق تعرضها أمامهم في محاولة منها للفخر وتقول:
أنا.... الرسومات دي بتاعتي أنا اللي عاملاها. أنا شغلي حلو قوي في التصميم والجرافيك.
نظرت كل فتاة للأوراق شزراً. ثم عاودوا النظر لها. لتلتقط إحداهن الأوراق منها وتلقيها باحتقار على الطاولة الفاصلة بينهم. ثم أكملت بامتعاض:
اتعلمتي التصميم والجرافيك فين؟
توترت لونا ثم جاوبت باهتزاز:
واحدة جارتي علمتني.
لاحظت تبادل الفتيات النظر لبعض بسخرية منها مضاف إليه الاستحقار والاستعلاء. لتقول الأولى للثانية:
أنا مش عارفة موظفين الأتش آر اللي بيدوا مواعيد للمتقدمين دول بيدوهم ويقبلوهم على أساس إيه؟!
لتوافقها الثانية الرأي وتقول مكملة:
ناقص نروح نعملهم شغلهم كمان.
لتعود الأولى والتي يبدو من فخامتها وثقتها أنها المديرة لتسأل لونا:
إنتي أصلاً خريجة إيه؟
توترت لونا وتعرقت ثم قالت بصوت متحشرج من شدة شعورها بالدونية:
لا أنا ماخلصتش ثانوية عامة عشان...
ضحكت الفتاتان وقالت الأولى باحتقار:
يعني معاكي إعدادية... هههه مش متخيلة معاكي إعدادية وجاية تقدمي على وظيفة جرافيك ديزاين في شركة كبيرة زي الوراقي. بجد مش عارفة جبتي الثقة دي منين؟
تلجلجت لونا ثم قالت:
طب بصي في التصاميم وهتعرفي إني...
آه اه خلاص عرفنا إنك جامدة جداً هههههههه اتفضلي اتفضلي.
ثم تجاهلتها وكأن رحيلها من عدمه لا يهمها. ثم بدأت تتحدث مع زميلتها باحتقار وسخرية عن الوضع وأصوات ضحكاتهم عالية. لتقف لونا بهزال وتتحرك ناحية الباب وهي مستمعة لأصواتهم الواضحة كلها سخرية لاذعة عنها.
وصلت لحيها تجر أذيال الخيبة والذل بعدما جرى معها هناك. مرت على منزل صديقتها مقررة أنها لن تفوت عليها لا تريد التحدث عما صار هناك.
أغلقت باب شقتها عليها تحمد ربها أنها لم تقابل في طريق الصعود عمها البغيض ولا زوجته ذات اللسان السليط. وقفت تتطلع لبيتها الجميل المؤثث بأثاث راقي جداً لكنه بات خالياً عليها منذ اختفاء والدها. وهي لا تعلم أين هو فتلك القصة هي هم آخر لوحدها.
أغلقت عيناها تطفئ كل الأصوات الصارخة داخل عقلها وذهبت لأخذ حمام دافئ يريحها. ثم تخرج من الفراش للنوم، ربما نسيت ما جرى.
وبعد عشرين دقيقة كاملة خرجت من المرحاض تلف روب الحمام الأبيض السميك خلف جسمها وعلى رأسها المنشفة. ثم ذهبت باتجاه المبرد الضخم ذو البابين تفتحه لتواجه الحقيقة أنها لا تملك طعام اليوم.
أغلقت الباب بغضب، فوالدها مختفي ولا تعرف بأي بنك ادخر أمواله. وما تركه في المنزل قد لملمته وعاشت عليه طوال الأشهر المنصرمة حتى نفذ.
ماذا ستأكل الآن وكيف ستعيش؟
التفت بخوف وهي تشعر بشيء وكأنه قد قذف في الشرفة المفتوحة. لتشهق برعب وهي ترى رجل عريض وضحم الجثة يخلع قميصه ثم يقترب منها. في نفس اللحظة التي فتح فيها الباب لتجد عمها "أنور" ومعه رجل آخر يصرخ بأعلى صوته عنده:
شوووفت.... شوفت يا ماهر بيه... شوفت بعينك... آهو... آهو.... الفاجرة بنت عمتك جايبة عشيقها للبيت.
وبسرعة البرق قفز الرجل من الشرفة كما دلف. وبقيت هي متسعة العين مرعوبة تقف متفززة الجسد مقابل عمها سندها سترها وغطاها وذلك الرجل الغريب الذي يقف والشر يتطاير من عينه. ثم هجم عليها يقبض على ذراعها ويلويه خلفها بغضب مقربا وجهها من وجهها يسألها بغضب عاصف:
مين ده؟ انطقي... ده كده اللي بيتقال عليكي صح؟
إنت اللي مين وماسكني كده ليه؟ سيبني.
تقدم أنور يقول بأعين لامعة منتصرة:
شوفت بنفسك أهو ياباشا ماحدش قالك. خلاص حطيت صوابعي العشرة في الشق منها. ومن النهارده البت دي لا بنت أخويا ولا أعرفها. تاخدوها تحرقوها تغوروها تودوها في مصيبة ماليش فيه.
تقدمت منه تهتف بشراسة:
إنت بتقول إيه؟ أنا مش متحركة من بيت أبويا، إنت فاكرها سايبة؟
بيت أبوكي؟ أبوكي باع لي البيت ده كله بيع وشرا قبل ما يطفش. ومن سمعتك اللي زي الهباب.
والله وفلوسه حولها لك باسمك مكافأة ليك بالمرة؟
اه وابقي روحي اسأليه ده لو عرفتي توصلي له.
لآخر مرة هسألك بالحسنى يا عمي. وديت أبويا فين؟
أبوك هوب وطفش. من سيرتك يا قادرة.
اقطع لسان أي حد يجيب سيرتي. أنا المنطقة كلها بتحلف بأخلاقي. الدور والباقي على العواطلي اللي اغتنى فجأة بعد ما أبويا فص ملح وداب.
نجحت في استفزاز أنور الذي رفع كفه بغضب يصرخ فيها:
لمي نفسك يا قليلة الأدب يا معدومة الترباية.
أستعدت لونا لتلقي صفعة قوية جديدة. فأغمضت عيناها بخوف شديد لتفتحهم مجدداً بدهشة على صوت ماهر القوي:
إنت هتمد إيدك عليها وأنا واقف؟
مش سامع قلة أدبها. البت دي مش هتقعد هنا يعني مش هتقعد هنا. يا تاخدها معاك دلوقتي يا أنا هتصرف.
هتعمل إيه يعني؟
هجوزها بقا.
صرخت لونا برعب:
عايز يجوزني راجل أصغر من أبويا بكام سنة؟
اهو راجل يسترك. ولا إنتي عشان عايزة تفضلي سايبة على نفسك؟ أنا اللي عندي قولته وإنتي عارفة بقا.
نظر لها نظرة متوعدة علمت من خلالها أن من قفز للبيت منذ دقائق كان باتفاق معه. لما لا وقد فعلها مسبقاً بل ألف قصص دار بها على كل سكان الحي حتى صدقوه وباتت بنظرهم فتاة لعوب مقطوع منها الأمل. وبدأت العلاقات بالجيران تتقطع معها حتى توقف الجميع عن محادثتها وباتت بنظر الكل "شمال" بفضل عمها.
لذا علمت أن ما حدث قد يتكرر وربما بصورة أبشع، أو أن تتزوج من رجل عجوز غني يملئ جيب عمها. حتى العمل رفضت منه.
ماذا تفعل وإلى أين تذهب؟
لترفع عيناها على صوت ماهر الذي قال:
خلاص سيبها. هاخدها. جدها عايزها.
بعد دقائق في سيارة ماهر كانت تجلس بتوتر، بات مرافقها الوحيد. ولاحظت توقف السيارة. فمدت يدها تفتحها. لكن أوقفها يقول:
ياريت تكوني عاقلة وبلاش مشاكل. كلهم مش طايقينك وسمعتك الهايلة واصلة لعندهم. سامعة.
كظمت عيظها مضطرة على البلع وتقبل الإهانة وهزت رأسها بإذعان تستعد للدخول عند آل ورّاقي. فكيف سيكون استقبالهم لها وما هو القادم وكيف اختفى والدها؟ سنرى.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثاني 2 - بقلم سوما العربي
كان أول سؤال صرخ في عقل لونا وهي تطالع ذلك البيت الواسع الكبير الملتف بحديقة كبيرة واسعة يتوسطها أكثر من حمام سباحة ومرآب للسيارات صفّ بها ماهر سيارته الرولز رويس.
طالعتها متأملة بابتسامة حزينة وعقّبت:
- عربيتك حلوة قوي.
كانت تتحدث بعذوبة وهدوء ليرمقها من أسفل لأعلى بإزدراء ثم قال:
- خليكي في حالك.
فتحت فمها وشحب لونها بعد إحراجه وكبسة لها، لو ضربها لكان أقل هوانًا، هي كانت تحدثه بحلاوة وعذوبة مقتنعة أنهم أقارب.
لكنه أيقظها من أحلامها الساذجة حيث حدثها بتجهُّم وسار أمامها يتقدّم يرِيها الطريق نحو الداخل وهي خلفه.
تتبعته بصمت تام، لا جرأة لديها على الحديث بعد ما رأته، تهزّ رأسها وتسبّ نفسها بأقذر أنواع السباب، فدومًا سذاجتها تقودها نحو الإهانة....
كيف نسيت علاقتها بهم وكيف نسيت ما قصَّتْه لها والدتها عن شقيقيها وأسرتها... ههه ماذا كانت تنتظر هي منهم وهم بالأساس لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عنها بل بالأساس لم يهتموا بالسؤال عن شقيقتهم المريضة.
راقبت ملامحه المتجهِّمة والتي لا تنكر أنها وسيمة وهو يرمقها باحتقار شديد لتهزّ رأسها بعنف.... هي غبية وباردة ومستفزَّة.. فبعد كل ما حدث معها ما زالت تنتظر الإحسان من الآخرين.
اعتقدت أنها ستذهب لأهل والدتها ليحتضنوها برعاية واهتمام.. على أي أساس؟؟؟؟ على أي أساس فكرت بذلك وانتظرتْه من أناس لم يسألوا عنها ليوم في حين أن من يعرفونها ويعتبِرونَ سترَها وغطاها قد استغلوها وسرقوها والله أعلم ماذا فعلوا أيضًا.
لما هي دومًا بحاجة للمزيد من الصفعات حتى تتعلم ولما هي دومًا تصبح رد الفعل وليست الفعل بعينها ذاته.
نظرت له من جانب عينيها راقَ القلب.... إنه فخم... فخم جدًا، نجوم السينما بجواره رُعَاع.... ييدو مقدام، مهيب، هل سيصبح أخًا لها يقف لأي شخص قد يعترضها؟ كم تمنَّت ذلك منذ كانت طفلة لا أحد يلعب معها ولا أصدقاء لها.
دَلَفَ بها لبهو عظيم يلمع من النظافة والترتيب كان مؤثَّثًا بأثاث حديث راقي.
لتتفاجأ بتقدُّم فتاة غاية في الجمال والروعة تقريبًا من نفس سنِّها ترتدي شورت قصير ومن الأعلى (كروب توب) أظهرَ معدتَها المسطِّحَة بسرَّتِها، ارتمَتْ في أحضان ماهر تردَّد:
- ماهر، إيه اللي أخَّرك؟ كلنا مستنِّينَك ع الغدا.
- ما علِّش كنت في مشوار مهم.
كانت تنظر إليهم بصمت وهي تسأل داخلها (مراتَه دي؟ بس حلوة قوي ماشاءالله).
لكنَّها تحيَّرتْ وهي تسمع تلك الجميلة تسألَه ما رحَّه:
- مين المُزَّة دي يا ميرو انت اتجوزت من ورّانا ولا إيه؟
التفت ماهر ينظر إليها بضِيق ثم قال:
- لأ طبعًا.
- أمَّالْ مين دي؟
- تعالي جوّا هتعرِّفي دلوقتي.
قادَها لتتقدَّم أمامهم لكن ذلك لم يمنعْ الفتاة من أن تلتفتْ إليها وتبتسم مرحبة:
- أهلاً وسهلاً أنا جنا أخت ماهر.
شَمَلَتْها بنظرة منبهرة وأكملتْ:
- أنتِ جميلة قوي.
غبطَتْ لونا من كلماتِها التي اخترَقَتْ روحَها فأنعَشَتْها رغم كونِها معتادَة على سماع الكثير من السناء على خلْقَتِها لكن داخل هذا البيت لم تتوقَّعْ لذا انتعَشَتْ ملامِحُها ومدَّتْ يدَها للسَّلام تقول:
- أنتِ اللي قمُورَة قوي... أنا اسمي لونا.
بينما كان ماهر يقِفْ ينفُخْ دخان سيجارَتِهِ الفاخرَة للأعلى وعيناه تمرُّ لأسفل يستمعْ لما يحدث وعيناه تسرَحْ على لونا الفاتنَة يُفَصِّصُها تندرِجْ منه على مؤخِّرتِها المستديرَة وصدرِها المنتَفِخْ ثم معدَتِها المسطحَة ووَجْهَها رائعِ التَّكْوِينِ الملتَفْ حَوْلَهُ قِصَّةُ شعرِها البنِّيِّ مَائِلْ للْعَسَلْ يَصْنَعْ مِنْهَا فِتْنَةً مُتَدَلِّيَةْ تَجْذِبْ الأَنْظَارَ.
لفَّ رأسَهُ يَسُبّْ وَيَلْعَنْ.... يَصْكْ أَسْنَانَهُ... تَبًا إنَّها بِالْفَعْلِ جَمِيلَةْ وَجِدًّا بَعْدْ.
كادَ أَنْ يَتَكَلَّمْ يَحْثُهُمْ عَلَى التَّحَرُّكْ لِلْدُّخُولْ لَكِنْ أَوْقَفَهُ سُؤَالْ شَقِيقَتِهِ الْمُسْتَعْجِبَةْ:
- وَالْحَقِيقِيّْ إِيهْ؟
ابْتَسَمَتْ لُونَا وَبَدَتْ مُعْتَادَةْ عَلَى هَكَذَا سُؤَالْ وَرَدَّتْ بِثِقَةْ مُتَدَلِّعَةْ:
- لَأْ دَهْ الْحَقِيقِيّْ.
شَمَلَهَا بِعَيْنَيْهِ... طَرِيقَتُهَا مُتَغَنِّجَةْ حَتَّى وَهِيْ تَتَحَدَّثْ تَتَعَمَّدْ إِغْوَاءْ مَنْ حَوْلَهَا، تِلْكَ الْفَتَاةْ مُنْحَلَةْ سَائِبَةْ بِالْتَّأْكِيدْ كَمَا قَالْ عَنْهَا عَمُّهَا فَصَوْتُهَا وَحْدَهُ بِيهْ مِنْ الْإِغْوَاءْ الْكَثِيرْ تَتَحَدَّثْ كَمَا لَوْ كَانَتْ (هِنْدْ رَسْتَمْ) تَقِفْ أَمَامَكْ.
تَجَهَّمَتْ مَلَامِحُهُ وَوَقَفَ يَسْمَعْ صَوْتَهَا الْمُغْوِيْ وَوَجْهَهَا الَّذِيْ بَرَعَ فِيْ تَمْثِيلْ الْكَسُوفْ فِيمَا سَأَلَتْ جَنَا بِجَبِينْ مَقْطُبْ:
- بِجَدْ؟ يَعْنِيْ إِيهْ لُونَا.
- يَعْنِيْ الْقَمَرْ.
- هَمْمْمْ أَنْتِ فَعْلًا قَمَرْ يَا لُونَا.
ضَحِكَتْ جَنَا رَغْمًا عَنْهَا تَضْرِبْ كَفْ بِكَفْ وَتَقُولْ:
- مِشْ مَعْقُولْ إِسْمَكْ مُزِيكَةْ وَأَنْتِ تِجَنِّنِيْ إِيهْ دَهْ هُوْ فِيْ كِدَهْ؟!!
احْمَرَّ وَجْهُ لُونَا وَبَقِيتْ كَمَا هِيْ دُومًا عَاجِزَةْ عَنِ الرَّدْ عَلَى كَلِمَاتْ الْغَزْلْ الْصَّرِيحْ الَّتِيْ تَغْمُرْ بِهَا مِنِ النِّسَاءْ وَالرِّجَالْ وَلَا تُحَدِّدْ مَا تَقُولُهْ لِتِلْكَ الْفَتَاةْ الْأَكْثَرْ مِنْ لَطِيفَةْ لِيَقْطَعْ عَلَيْهِمَا كُلَّ ذَلِكْ صَوْتْ مَاهِرْ:
- مِشْ يَا لَا بَقَى وَلَا إِيهْ.
بَعْدَهَا رَمَقْ لُونَا بِنَظْرَةْ مُتَجَهِّمَةْ جَمَدَتْ ضَحْكَتَهَا لِثَوَانِيْ قَبْلْمَا تَقُولْ جَنَا:
- أَيْوَهْ صَحْ دولْ حَاطِّينْ الْغَدَا مِنْ بَدْرِيْ...
عَلَى فِكْرَةْ يَا مَاهِرْ عَايْزَاكْ فِيْ حَوَارْ.
كَادَ أَنْ يَتَحَرَّكْ لَوْلَا جُمْلَتَهَا فَوَقَفَ يَقُولْ:
- حَاجَةْ حَصَلَتْ تَانِيْ؟
فَرَكَتْ كَفَّهَا ثُمْ قَالَتْ:
- بَعْدَ الْغَدَا بَقَى.
- انْطُقِيْ اخْلَصِيْ.
- خَلَاصْ يَا مَاهِرْ بَعْدَ الْغَدَا... وَاصْلَا أَنَا عَايْزَةْ أَعْرِفْ مِينْ الْمُزَّةْ دِيْ الْأَوَّلْ.
شَدَّ نَفْسَهْ فِيْ وَقْفَتِهْ قَبْلْمَا يَتَحَرَّكْ مُرَدِّدًا:
- مِشْ هَنْتَكَلَّمْ مَرْتَيْنْ تَعَالَيْ وَأَنْتِ تَعْرِفِيْ...
يَا لَاوَالْ.
الْكَلِمَةْ الْأَخِيرَةْ الْعَالِيَةْ كَانَتْ بِالطَّبْعْ مِنْ نَصِيبْ لُونَا الَّتِيْ حَاوَلَتْ التَّغَاضِيْ عَنْ كُلْ مَا يَحْدُثْ وَتَحَرَّكَتْ خَلْفَهُمَا تَدْلُفْ لِغُرْفَةْ كَبِيرَةْ تَضْمُ مَائِدَةْ طَعَامْ طَوِيلَةْ جِدًّا وَفَوْقَهَا أَصْنَافْ مُتَعَدِّدَةْ شَهِيَّةْ مِنْ الطَّعَامْ الْمِصْرِيْ.
قَالَ مَاهِرْ عَلَيْهِمْ السَّلامْ لِيَرْفَعُوا رَأْسَهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَرُدُّوا السَّلامْ حَيْثُ هَتَفَ عَزَّامْ بِحِدَّةْ:
- إِيهْ الْلِيْ دَخَّلْ الْبِتْ دِيْ هِنَا... إِنْتَ بِتْتَخْطَانِيْ يَا مَاهِرْ؟
وَقَفَ فَاخِرْ يَقُولْ:
- هِيْ دِيْ يَا عَزَّامْ... أَنَا مَاكُنْتْشْ شُفْتْهَا..
الْبِتْ دِيْ إِيهْ الْلِيْ دَخْلَهَا بَيْتْ أُمِّيْ.
دَوَّى صَوْتْ ضَرْبَةْ عِكَّازْ قَوِيَّةْ عَلَى الْأَرْضْ أَعْقَبَهَا صَوْتْ مُحَمَّدْ الْوَرَّاقِيْ:
- دَهْ بَيْتْ مُحَمَّدْ الْوَرَّاقِيْ يَا فَاخِرْ.
وَقَفَ بِصُعُوبَةْ يَحَاوِلْ أَنْ يَلْتَفِتْ لَا يُسَاعِدُهْ عِظَامُهُ الْمُهَشْهَشَةْ وَلَا ظَهْرُهُ لَكِنَّهُ التَفَتْ يُطَالِعْهَا بِإِنْبِهَارْ:
- بِسْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ اللَّهُ فِيمَا خَلَقَ... أَنْتِ بِنْتْ رَحِيلْ؟
بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ.. تَعَالَيْ... تَعَالَيْ فِيْ حَضْنِيْ يَا لُونَا.. أَنَا جَدَّكْ.
لَمْ تَتَقَدَّمْ مِنْهُ، بَقِيتْ وَاقِفَةْ مُتَيَبَّسَةْ تَنْظُرْ لَهُمْ جَمِيعًا فَرْدْ فَرْدْ مِنْ أَوَّلْ ذَلِكْ الرَّجُلْ عَزَّامْ وَالَّذِيْ رَأَتْهُ مُسْبِقًا مَعْ عَمَّهَا وَقَدْ رَفَضَ أَخْذَهَا مَعَهْ بَلْ سَبَّهَا وَأَهَانَهَا هِيْ وَعَمَّهَا وَعَائِلَتْهَا كُلَّهَا ثُمْ غَادَرْ وَلِجَانِبِهْ تِلْكَ الْمَرْأَةْ الثَّلَاثِينِيَّةْ الَّتِيْ لَا تَعْرِفْ مَاهِيَّتْهَا لَكِنْ تَرَى نَظَرَاتْ الْإِزْدِرَاءْ وَالْكِبْرْ تَفُوحْ مِنْ عَيْنَيْهَا، ثُمْ تَنْظُرْ عَلَى ذَلِكْ الرَّجُلْ الثَّانِيْ الَّذِيْ رَفَضَهَا لِلْتَّوِّيْ هُوَ الْآخَرْ وَلِجَانِبِهْ فَتَاتَانْ بِأَعْمَارْ مُتَقَارِبَةْ فِيْ مُتَوَسِّطْ الـ١٧ وَالـ١٨ ثُمْ عَادَتْ تَنْظُرْ لِمَاهِرْ وَلِجَانِبِهْ شَقِيقَتُهْ ثُمْ لِلْجَدِّ الَّذِيْ مَازَالْ يَقِفْ يَنْتَظِرْهَا بِفَرْحَتِهْ مَمْزُوجَةْ بِاللَّهْفَةْ يُرَدِّدْ:
- تَعَالَيْ يَا لُونَا.
لَاحَظَتْ نَظَرَاتْ مَاهِرْ الْحَادَّةْ الَّتِيْ أَرْفَقَهَا بِرَفْعَةْ حَاجِبْ مِنْ عَيْنِهْ وَكَأَنَّهُ يَسْأَلْهَا (الرَّاجِلْ فَاتِحْ لَكْ حَضْنَهْ يَا بَجْحَةْ).
تَقَدَّمَتْ مِنْهُ بِعَدَمْ تَقْبُولْ وَاضِحْ وَوَضَعَتْ نَفْسَهَا بِأَحْضَانِهْ دُونْ إِنْ تَنْغَمِرْ لَكِنْ مُحَمَّدْ الْوَرَّاقِيْ قَطَعْ عَلَيْهَا الْفُرْصَةْ حِينْ رَمَى عِكَّازَهْ أَرْضًا وَضَمَّهَا لَهْ بِقُوَّةْ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ وَهِيْ لَا تُبَادِلْهُ الْعِنَاقْ تَقِفْ بَيْنَ أَحْضَانِهْ مُرْغَمَةْ تَحْتَ نَظَرَاتْ مَاهِرْ الْقَوِيَّةْ الْغَاضِبَةْ وَكَأَنَّهُ يُنْهَرْهَا يَطْلُبْ مِنْهَا أَنْ تُبَادِلْهُ الْعِنَاقْ بِحَرَارَةْ... وَبِرَغْمْ ذَلِكْ لَمْ تَفْعَلْ... ظَلَتْ مُتَيَسَّبَةْ لَكِنْ الْوَرَّاقِيْ لَمْ يُبَالِ هُوَ سَعِيدْ.. يَكْفِيهِ وُجُودُهَا بَيْنَهُمْ الْآنْ.
أَخْرَجَهَا مِنْ أَحْضَانِهْ يُقَبِّلْ وَجْنَتَيْهَا بِالْمُبَادَلَةْ مُرَدِّدًا:
- أَخِيرًا نَوَّرْتِيْ بَيْتَكْ يَا بِنْتِيْ.. نَوَّرْتِيْ بَيْتَكْ... مَا شَاءَاللَّهُ.. مَا شَاءَاللَّهُ عَلَيْكِ... قَمَرْ مَاشِيْ عَلَى رِجْلَيْنْ مَا شَاءَاللَّهُ اللَّهُمَّ بَارِكْ.
تَمَّمْ عَلَيْهَا بِيَدِهْ بِصُورَةْ مُتَلَهِّفَةْ أَسْتَرْعَتْ انْتِبَاهْ الْجَمِيعْ بَيْنَمَا يُرَدِّدْ:
- أَنْتِ كَوِيْسَةْ... عَمَّكْ عَمَلَكْ حَاجَةْ.. أَنْتِ هَتْعِيشِيْ مَعَانَا هِنَا عَلَى فِكْرَكْ.. شَايْفَةْ الْعِزّْْ دَهْ كُلُّهْ... أَنْتِ لَيْكِيْ فِيهْ.. دَهْ وَرِثَكْ مِنْ أُمَّكْ.
إِلَى هِنَا وَلَمْ يَتَحَمَّلْ كُلْ مَنْ مَاهِرْ وَفَاخِرْ وَبَدَأُوا بِالصَّرَاخْ رَافِضِينْ:
- لَيْهَا إِيهْ وَوَرِثْ إِيهْ إِنْتَ بِتْقُولْ إِيهْ يَا بَابَا.
- اسْمَعْ يَا بَابَا الْبِتْ دِيْ لَا يُمْكِنْ تْعِيشْ هِنَا مَعْ بَنَاتِيْ إِنْتَ فَاهِمْ.
التَفَتْ لَهُمْ الْوَرَّاقِيْ بِبُطْءْ ثُمْ هَتَفَ:
- عَايْزَنِيْ أَرْمِيْ بِنْتْ بِنْتِيْ زِيْ مَا بِسَبَبْكُمْ رَمَيْتْ أُمَّهَا زَمَانْ.
- أُمَّهَا الَّتِيْ كَانَتْ.....
قَاطَعَهُ الْوَرَّاقِيْ بِحِسْمْ شَدِيدْ وَتَعَصَّبْ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ سِنِينْ حَيْثُ ضَرَبَ بِالْأَرْضْ عِكَّازَهْ وَهَتَفَ:
- الْبَيْتْ دَهْ بَيْتْ مُحَمَّدْ الْوَرَّاقِيْ.. أَنَا الَّتِيْ أَقُولْ مِينْ يِمْشِيْ وَمِينْ يِقْعَدْ وَلُونَا قَاعِدَةْ فِيْ وَرِثَهَا حَقَّهَا هِيْ وَأُمَّهَا.
فَهَتَفَ صَوْتْ أُنْثَوِيْ بِنَزْقْ:
- هِيْ إِسْمْهَا لُونَا؟!!!
كَانَ مِنْ تِلْكَ السَّيِّدَةْ الثَّلَاثِينِيَّةْ الَّتِيْ تَقِفْ لِجَانِبْ عَزَّامْ وَمِنْ بَعْدَهَا غَادَرْ عَزَّامْ يَتْرُكْ الطَّعَامْ بِغَضَبْ شَدِيدْ يَعْقُبُهْ فَاخِرْ بَلْ غَادَرُوا الْبَيْتْ كُلَّهْ مُحْتَجِّينْ.
التَفَتْ مُحَمَّدْ الْوَرَّاقِيْ لِيَجْلِسْ وَمَا رَاحَتْ يَدُهْ بِيَدْ لُونَا الَّتِيْ لَمْ تُكْلِفْ نَفْسَهَا عَنَاءْ مُسَاعَدَتِهْ رَغْمَ رُؤْيَتْهَا لِارْتِعَاشْ ذِرَاعَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مَاهِرْ يُسَانِدْهُ قَائِلًا:
- سَلَامَتَكْ يَا جَدِّيْ.. تَعَالَى.
حَرَّكَهَا بِيَدِهْ كَيْ يَصْبِحْ هُوَ الْقَرِيبْ مِنْ جَدِّهْ وَيَتَثَنَّى لَهْ مُسَاعَدَتُهْ لِيَجْلِسْ الْجَدّْ مُرَدِّدًا:
- تَعَالَيْ يَا لُونَا.
لَمْ تَسْتَجِبْ لُونَا وَبَقِيتْ وَاقِفَةْ لِيَقُولْ مَاهِرْ:
- تَعَالَيْ.
فَتَقَدَّمَتْ تَنْتَظِرْ لِيَرْمُقْ الْجَدّْ مَاهِرْ أَوَّلًا ثُمْ لُونَا الَّتِيْ لَمْ تَتَحَرَّكْ إِلَّا حِينَمَا أَمَرَهَا فَاقْتَرَبَتْ لِيَقُولْ:
- أَقْعُدِيْ عَشَانْ تِتْغَدَّيْ.. أَقْعُدِيْ هِنَا جَنْبْ مَاهِرْ كُرْسِيَّهْ لَسَّهْ فَاضِيْ.
قَالَ الْأَخِيرَةْ بِابْتِسَامَةْ لِيَرْمُقْهُ مَاهِرْ بِحَاجِبْ مَرْفُوعْ فَضَحِكَ الْجَدّْ بِصَمْتْ خَبِيثْ.
ضَحْكَتُهُ الْخَبِيثَةْ لَفَّتْ انْتِبَاهْ مَاهِرْ لِلُونَا يَنْظُرْ عَلَيْهَا بِنَظْرَةْ جَدِيدَةْ يَمْشُطْهَا وَيَمْشُطْ كِيْرْفَاتْهَا الْمُثِيرَةْ لِرَجُولَتِهْ لِتَتَلَاقَى عَيْنَاهْ بِعَيْنَيْ جَدِّهْ فَتَتَجَلْجَلْ ضَحْكَاتُهُ وَتَعْصِفْ عَيْنَا مَاهِرْ بِغَضَبْ فَيُبْعِدْ عَيْنَيْهِ بِسُرْعَةْ عَنْهَا وَيَحَاوِلْ الْتَّقَاطْ شُوْكَتُهْ كَيْ يَشْرَعْ فِيْ الطَّعَامْ.
تَحْتَ أَنْظَارْ الْجَمِيعْ لَا يَفْهَمُهُمْ سِوَى تِلْكَ الثَّلَاثِينِيَّةْ الَّتِيْ كَانَتْ تَجْلِسْ لِجَانِبْ عَزَّامْ قَبْلْمَا يَغَادِرْ.
وَأَوَّلْ مَنْ فَتَحَ الْحَدِيثْ كَانَتْ جَنَا الَّتِيْ قَالَتْ:
- هُوْ فِيْ إِيهْ يَا جَدُّوْ وَإِيهْ الْحِكَايَةْ؟
سَحَبَ الْجَدّْ نَفْسًا عَمِيقًا وَنَظَرْ أَوَّلًا لِمَاهِرْ ثُمْ نَظَرْ لِلْمُتَبَقِّينْ جَالِسِينْ وَقَالَ:
- دِيْ لُونَا بِنْتْ رَحِيلْ بِنْتِيْ اللَّهُ يَرْحَمْهَا وَهَتْعِيشْ مَعَانَا خَلَاصْ.
- أَمَّالْ بَابَا وَعَمُّوْ مَشَاوَا زَعْلَانِينْ لِيهْ؟
شَكْلَهُمْ زَعْلَانِينْ مِنْهَا.
- لَأْ دَهْ سُوءْ تَفَاهُمْ وَأَنَا مُتَكَفِّلْ بِيهْ..
ثُمْ نَظَرْ لِلُونَا وَقَالَ مُبْتَسِمًا:
- دولْ عَيْطَلَكْ يَا لُونَا.. دِيْ جَنَا أَخْتْ مَاهِرْ وَبِنْتْ خَالَّكْ.
نَظَرَتْ لَهَا لُونَا مُبْتَسِمَةْ لِتُبَادِلْهَا جَنَا نَفْسَ الِابْتِسَامَةْ فِيمَا أَكْمَلَ الْجَدّْ وَهُوَ يُشِيرْ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةْ الَّتِيْ يَقْفِزْ مِنْ وَجْهِهَا الْصَّفَارْ:
- وَدِيْ جِيلَانْ... مَرَاةْ خَالَّكْ عَزَّامْ.
زَمَّ مَاهِرْ شَفْتَيْهِ وَهُوَ يَرَى رَقْبَةْ لُونَا تَلُوحْ بِوَجْهِهَا تَنْظُرْ لَهْ مُسْتَغْرِبَةْ فَعُمْرْ تِلْكَ السَّيِّدَةْ تَقْرِيبًا مِثْلْ عُمْرِهْ كَيْفْ؟
لِيَقُولْ الْجَدّْ مُوَضِّحًا:
- دِيْ مَرَاةْ عَزَّامْ الْجَدِيدَةْ مِشْ أُمّْْ مَاهِرْ.. أُمّْْ مَاهِرْ مَرِيضَةْ شَوْيَهْ.
فَعَقَّبَتْ مُتَعَاطِفَةْ:
- أَلْفْ سَلَامَةْ.
لِتَهْمِسْ جِيلَانْ جَانِبًا (مَحْنُوْ).
صَوْتْ لُونَا كَانَ لَامِعْ.. مُتَغَنِّجْ وَمُتَدَلِّلْ مِثْلْهَا هِيْ وَمَلَامِحْهَا وَكُلْ ذَلِكْ يَجْلِبْ لَهَا الْمَشَاكِلْ وَيُصِيبْهَا بِالْتَّعَبْ وَيَضَعْهَا دُومًا مَوْضِعْ إِتْهَامْ.
ضَحِكَ الْجَدّْ ثُمْ قَالَ:
- دِلْوَقْتِيْ بَسْ سَمِعْنَا صَوْتَكْ؟!
وَرَمَقْ بَعْدَهَا حَفِيدَهْ بِنَظْرَةْ خَاصَّةْ وَكَأَنَّهُ يُخْبِرْهُ دُونْ حَدِيثْ (إِنْتَ عَاجِبْهَا).
جَعَلَتْ مَاهِرْ يَهْتَزْ دَاخِلِيًّا رَغْمَ الثَّبَاتْ الظَّاهِرْ عَلَيْهِ وَبِلَا إِرَادَةْ مِنْهُ بَدَأَتْ عَيْنَاهْ تَنْظُرْ عَلَى لُونَا كَامْرَأَةْ تُشْتَهَى.
جَلَسَتْ عَلَى طَرَفْ الْفِرَاشْ الْكَبِيرْ الَّذِيْ يَتَوَسَّطْ غُرْفَتْهَا وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهَا حَوَالَيْ سَاعَتَيْنْ اتَّخَذَتْهُمَا لِمُطَالَعَةْ وَإِكْتِشَافْ الْغُرْفَةْ بَعْدَ ذَلِكْ الْغَدَاءْ الْكَارِثِيْ وَالَّذِيْ لَمْ تَأْكُلْ فِيهْ بَلْ لَمْ يَأْكُلْ أَحَدْ بَعْدَ مَا صَارْ.
لَا تَعْرِفْ مَا الْقَادِمْ وَلَا كَيْفْ سَتْعِيشْ هِنَا وَإِلَى مَتَى يَوْمْ؟ يَوْمَانْ؟ ثَلَاثَةْ؟ أَمْ أَكْثَرْ؟
هِيْ غَيْرْ مُسْتَسِيغَةْ مَا جَرَى وَلَا أَنْ يُجَرِّدْهَا عَمُّهَا مِنْ كُلْ حُقُوقْهَا وَيَلْبِسْهَا مَصِيبَةْ بَعْدَ تَشْوِيهِهْ سَمْعَتْهَا لَنْ تَمْرِّرْ مَا جَرَى مُطْلَقًا.
الْتَقَطَتْ هَاتِفْهَا وَبَدَأَتْ تَتَّصِلْ عَلَى صَدِيقَتْهَا وَجَارْتْهَا لِيَسْتَغْرِقْ الِاتِّصَالْ وَقْتَهَا طَوِيلًا حَيْثُ ذَلِكْ الْمَنْزِلْ الْكَبِيرْ بِالْحَيّْ الرَّاقِيْ تَرْكُضْ سَيِّدَةْ فِيْ مُنْتَصَفْ الثَّلَاثِينْ نَحْوَ الْهَاتِفْ تَنْظُرْ لِلشَّاشَةْ الَّتِيْ تَضْوِيْ بِإِسْمْ صَدِيقَتْهَا فَتَفْتَحْ الْمُكَالْمَةْ وَتَلْتَفِتْ لِتُكْمِلْ مَا بَدَأَتْهُ فَوَضَعَتْ الْهَاتِفْ بَيْنَ أُذْنِهَا وَذِرَاعَيْهَا بَيْنَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةْ فِيْ إِغْلَاقْ أَزْرَارْ بْلُوزَتْهَا تَسْأَلْ بِاهْتِمَامْ:
- هَاوَاءْ عَمَّلْتِيْ إِيهْ؟!
- أَنَا هَنْأَكْ دِلْوَقْتِيْ.
ثُمْ بَدَأَتْ تَقِصّْ عَلَى مَسَامِعْهَا كُلْ مَا جَرَى وَالْأُخْرَى تَسْمَعْ لَهَا بِاهْتِمَامْ شَدِيدْ إِلَى أَنْ انْتَهَتْ لُونَا تَقُولْ:
- سَمَا... أَنْتِ مَعَايَا.
- مَعَاكِيْ بَسْ كُنْتْ بِلْبِسْ الْوَلَدْ عَشَانْ رَايْحِينْ لِحَمَاتِيْ.
- طَبْ إِيهْ رَأْيَكْ أَعْمِلْ إِيهْ وَهَتْصْرِفْ أَزَايْ مَعْ عَمِّيْ؟
- بَقُولْلَكْ إِيهْ بِلَا عَمَّكْ بِلَا زَفْتْ حَدْ يَسِيْبْ الْعِزّْْ دَهْ وَيِرْجَعْ لِلرَّاجِلْ دَهْ الَّتِيْ كَانَ كُلْ يَوْمْ يَلْبِسَكْ مَصِيبَةْ.
- وَبَابَا يَا سَمَا أَنَا مِشْ عَارْفَةْ هُوْ فِينْ.
سَحَبَتْ سَمَا نَفْسًا عَمِيقًا ثُمْ قَالَتْ:
- وَالَّتِيْ هُوْ ابْنْ خَالَّكْ دَهْ قُولْتِيْ لِيْ أَسْمُهْ إِيهْ؟
- مَاهِرْ.. مَالُهْ.
- بِصِيْ الرَّاجِلْ دَهْ شَكْلُهْ تَمَامْ وَلَهْ وَزْنُهْ مَا تَحَاوِلِيْ تِكْسِبِيْهْ لِصَفَّكْ.
- إِشْمَعْنِيْ يَعْنِيْ.
- يَا بَتْ فَتْحِيْ دَمَاغَكْ مَعَايَا... مِشْ مُلَاحِظَةْ إِنْ هُوَ الْوَحِيدْ الَّتِيْ جَهْ وَاخَدَكْ وَمَا خَافْشْ مِنْ أَبُوهْ وَمِنْ حِكَايَكْ بَايِنْ عَلَيْهْ شَخْصِيَّةْ إِكْسْبِيهْ مُمْكِنْ يِسَاعِدَكْ تِاخْدِيْ حَقَّكْ نَاشِفْ وَسَاعَتْهَا تْعِيشِيْ مَلِكَةْ تْدُورِيْ عَلَى أَبُوكِيْ بَعِيدْ عَنْ عَمَّكْ.
تَحَيَّرَتْ لُونَا وَبَقِيتْ تَفْرِكْ فِيْ أَصَابِعْهَا وَسَأَلَتْ:
- تِفْتَكْرِيْ؟
- أَسْمَعِيْ مِنِّيْ... قَرْبِيْ مِنْهُ وَاعْتَبِرِيهْ زِيْ أَخُوكِيْ وَصَاحِبِيهْ هُوْ وَأُخْتُهْ شَكْلَهُمْ قَوِيْبِينْ مِشْ صَعْبِينْ وَأَهْوَ يِبْقَى لَكْ قَرَايِبْ.
- بَسْ أَنَا مِشْ طَايْقَاهُمْ كُلَّهُمْ.
زَمَّتْ سَمَا شَفْتَيْهَا بِقِلَّةْ حِيلَةْ وَهِيْ تَمْشُطْ شَعْرْ صَغِيرْهَا وَتُكْمِلْ:
- قَلْبَكْ بِلَاكْ أَسْوَدْ أَنَا عَارْفَةْ بَسْ أُمَّكْ الَّتِيْ ظَلَمْهَا أَبُوهَا وَأَخْوَاتْهَا لَكِنْ الْأَحْفَادْ زَيْهُمْ زِيْكْ يَا لُونَا..
هااا-هحاول... ربنا يسهل-هو ونعم بالله وكل حاجة بس مافيش وقت حضرتك ابوكي بقاله شهور مختفي لازم نتحرك..
بصي انا هقفل معاكي عشان محمود على الوايت شكله جه تحت وهنزله لما أرجع هكلمك أشوفك وصلتي لأيه سلام.
أغلقت معها الهاتف وبقت جالسة لدقائق تفكر في نصيحة سما وخطتها.
وبعد دقائق خرجت من غرفتها تشعر بالعطش ووقفت على أعتاب غرفة ماهر تدقها بهدوء لكنها لم تتلقى رد رغم صوت الأغاني الصادحة بالداخل تخبرها بأن هناك لكنه لا يسمعها منها لذا فتحت الباب بهدوء تناديه وتقدمت بخطوات حذرة تناديه وهي تتجه نحو الشرفة المفتوحة ربما كان هناك وأخذت تردد بصوتها المسهوك المغوي:
- ماهر.... ماهر... ماهر.
كان قد خرج من حمامه المثلج للتو الماء يتصبب على طول جذعه الضخم المستور بالأسفل فقط بمنشفة بيضاء كبيرة يراها بذلك الثوب الصيفي النبيذي المجسم لجسمها الغض يهتز أمامه بليونة وهو يتقدم خلفها حيث المرحاض المقابل للشرفة يسمع اسمه لأول مرة من حسها الأنثوي الذي يزلزل كيان أي رجل مهما كانت درجة تحمله.
وهي حينما لم تجد أحد في الشرفة التفتت لتغادر لتشهق برعب وهي تراه خلفها تماماً عيناه مظلمة بقتامة هزتها.
لكن ما أثار رعبها هو وقوفه عاري لتكتشف أنه لم يجب لأنه كان يأخذ حماماً...
وضعت يدها على فمها مصدومة تسأل (ماذا سيقول عنها الآن).
نظر لها بجسد يئن جوعاً رغماً عنه وقال بصوت عميق:
- بتنادي عليا ليه؟
تلجلجت برعب وهي ترى عيناه تتدحرج منه لتنظر على نهديها الظاهرين من قميصها ثم لقدميها الملفوفتين وأحياناً خصرها ثم يعود لوجهها وشفتيها فأرتعبت وذهب تفكيرها مع الريح تقول:
- أصل... أصل.
تقدم خطوة يعدم المسافات ثم يقول بتلكئ:
- أصل إيه؟!!
وقوفها أمامه وهو عاري يشرف عليها بجذعه الضخم كان مهلكاً له بل مزلزلاً مفتآ ذلك الحجر... ومرعباً لها.
ابتلعت رمقها بصعوبة وقالت:
- كنت هسألك على حاجة بس خلاص.
همت لتغادر لكنه أوقفها يقول:
- هو إيه اللي خلاص.. انتي مش دخلتي أوضتي.
نظر لها من كل الجوانب يخصها بنظرة رجل تعجبه إمرأة ثم أكمل:
- يبقى تقولي بقى كنتي عايزاني في إيه؟
حاولت تفكيك ذراعها منه ثم قالت وهي تبعد عينيها عنه وتقول:
- لللما تلبس نتكلم.
ليكمل بلهاس:
- ليه ماكده حلو.
- للأ.
لاحظ أنه يتحرك داخلياً وهو كاب قوسين أو أدنى من ارتكاب الخطيئة خصوصاً وهو ما زال يلفها بعينيه فهتف بنفاذ صبر وتحمل:
- روحي على أوضتك بسرعة.
هرولت سريعاً تجاه غرفتها وهي تنهر نفسها على تهورها وفعلتها وهو يلتفت ويتجه للمرحاض يغلقه بغضب شديد.
وبعدها خرج من البيت يترك لها البيت كله ولجأ للعودة لعمله.
وبينما هو يجلس هناك دلف له أحد الرجال يقول:
- مسا الفل يا باشا.
رفع له ماهر عينيه يقول:
- وصلت لحاجة ولا فيستك بردو؟
- بص يا باشا... الراجل اللي اسمه أنور ده شكله كده عوق وأنا وأنا براقبه زي ما فخامتك أمرت من الصبح والله زي ما أمرت يا زعيمة لاقيته بيتخانق مع جدع كده باين عليه شمال.
- كانوا بيتخانقوا يقولوا إيه؟
- كان بيقولوا ده ماكنش اتفاقنا والفلوس كده مش كاملة.
- وإيه كان اتفاقهم؟
- علمي علمك يا ريس بس أنا صورته وقولت من صورته أكيد معاليك هتقدر توصل لحاجة.
- طب أبعتها لي.
مر اليوم عليه وعقله يعمل في كل الاتجاهات وللآن لم يقابل لا عمه ولا والده ولا يعلم أين ذهبا.
دلف للبيت بمنتصف الليل يفتح أزرار قميصه الأبيض ويحمل جاكيت بدلته على كتفه بإهمال وتعب ليقف متصنم وهو يرى........
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثالث 3 - بقلم سوما العربي
كانت طلتم خدها وهي تستمع سباب صديقتها لها عبر الهاتف حيث صرخت فيها:
- انتي غبيه يابت مابتفهميش... رايحه له أوضته!
- مش انتي الي قولتي لي قربي منهم؟
- ما عندك اخته قربي منها الأول ومنها تبقى مدخل ليه لكن ايه داخلة الغشومية دي.
انتهت المكالمة بوابل من التوبيخ والسباب الصادر عن سما وكان من نصيب لونا التي وقفت تفكر ماذا ستفعل. هي لا تملك رفاهية الوقت كما ذكرتها مراراً، فوالدها مختفي وعمها لا يرحم.
خرجت من غرفتها بهدوء واتجهت نحو غرفه چنا الكامنة بأخر الممر تدق الباب دقات متتالية خفيفة إلى أن أذنت لها جنا بالدخول. ففتحت الباب مبتسمه تقول:
- هزعجك لو قعدت معاكي شوية؟
- لا أبداً... تعالي.
تقدمت لونا وقد غيرت ثيابها لثوب آخر أبيض قطني عاري الأكتاف محبك على جسمها الممتلئ، تتقدم وهي تتهادى في خطواتها فتقول جنا مازحه:
- صلاة النبي أحسن إيه الحلاويات دي!
ابتسمت لونا بنعومه تصدر عنها دوماً ثم تقدمت تقول:
- مش احلى منك.. على فكرة أنا ارتحت لك جداً.. ممكن نبقى صحاب؟
- ده كده كده يعني... انتي عارفه انا مش عندي اخوات بنات.
- بس عندك ماهر.
اتسعت ابتسامة جنا تقول:
- ماهر.... ده احلى وأحن أخ في الدنيا... مش متخيله هو حنين عليا أد إيه بحبه اكتر من نفسي ربنا يخليه ليا وافرح بيه قريب.
تبسمت لونا وهي تستشعر صدق إحساسها... إحساس لم تذقه ولم تجربه من قبل، وتمنت... تمنت لو يصبح لها أخ مثلما هو لچنا فقالت:
- شكله كده فعلاً وشكلك متعلقه بيه.
- هو طيب وحنين عليا على فكرة أوعي يغرك انه متعصب وكلمته واحدة وكده ده كتكوته خالص وجميل من جوا.
حاولت التدخل بزيادة وان تدخل في خصوصياتها أكثر لكي تسرع التقارب فسألت:
- انتي في حاجة قلقاكي؟
رمقتها جنا بتعجب فتداركت لونا موضحة:
- أصلي شوفتك زي ما تكوني قلقانة وعايزه تكلمي ماهر في موضوع شاغلك وحصل فيه حاجة جديدة.
زمت جنا شفتيها تنظر للونا بتقييم ثم قالت:
- اه.. في... واحد قريب واحدة صاحبتي دايماً بيعترض طريقي وبيضايني.
- وساكتة له ليه أدي له فوق دماغه ولاا؟؟
صمتت لونا لبرهه وهمست مبتسمه بتساؤل لطيف:
- هو عاجبك؟
- لأ طبعاً... ده تنح وبارد.
- خلاص ادي له فوق دماغه.
- المشكلة اكبر من كده شويه اصل باباه في شغل مشترك بينه وبين بابا بس انا كلمت ماهر وهو وعدني هيتصرف.. كنت خايفه من بابا لأنه في الشغل والمصالح مابيهزرش بس خلااااص طالما ماهر أتدخل يبقى أحط في بطني بطيخة صيفي.
تبسمت لونا بحزن تحسدها... هنيئاً لها بأخ كماهر... ليته ينظر لها بالشمولية والرعايه ويتخذها شقيقه كچنا.
صمتت مفكرة، سما كانت محقه مئة بالمئة.
انتفضت متفززة على صوت چنا تقول:
- بتعرفي تطبخي؟
- نعم؟
- ماهر بيحب الباستا .. تلاقيه قرب ييجي تعالي نعملها له.
- باستا ايه الوقت اتأخر الساعة داخلة على ١١.
- وفيها ايه ما احنا سهرانين.
- لأ انا مش قلكن.
جذبتها جنا بسرعة تقول:
- انتي لسه هتفكري قومي ده هيفرح قوي لما يرجع ويلاقيها.
وقفت معها لونا موافقه، هي بالفعل تريد كسب ود وأخوة ماهر، ستفعل. ربما رأى فيها شقيقه وديعه ونقيه بخلاف تلك الصورة التي وصلته.
فوقفت في المطبخ مع جنا تعد الصلصة الحمراء وتسلق المعكرونة فيما ظلت چنا تحكي وتثرثر عن مغامرات طفولتها ولعبها مع ماهر وأبن عمهم فاخر الذي سافر منذ سنوات للعمل والدراسة. فسألت لونا:
- هو في ابن خال ليا كمان؟!!
- أممممم.. اسمه كمال اصغر من ماهر بسنه سافر يدرس طب أسنان برا وجاله فرصة شغل حلوه في مجاله ففضل هناك بس بييجي كل شهرين تلاته مش بيقطع خالص وكمان دايما بيكلمني فيديو كول... بس اييه عسسل اساساً كل احفاد العيلة عسل.
ضحكت لونا بحزن ثم نظرت لتلك الفتاة الحالمة وقالت:
- والله انتي الي عسل يا چنا وتستاهلي كل خير.
- حبيبيتي.
- وكمال ده بقا وضعه ايه متجوز ولا خاطب ولا ايه؟
- كمال ... ده بتاع بنات درجة أولى... مش عارفة ليه طالع كده مش محترم زي ماهر.. كمال ده كل يوم حرفياً مع واحدة فظيع فظييع بس عسليه ودمه خفيف انا شخصياً بحبه جداً.
تهلل وجهها تقول:
- ايه ده!! ده بيتصل .. تعالي.. تعالي نطلع نكلمه من شاشة الاب توب احسن... وبالمرة اعرفه عليكي.
- لا والصلصة الي بتتسلق والمكرونه الي في المايه دي... قولت لك الوقت اتأخر ماسمعتيش كلامي.
- هي خلاص بتخلص أهي.. يالا قبل ما يقطع الاتصال... تعالي بقا.
- أطلعي انتي كلميه وانا هفنش كل ده وأحصلك.
لم تتخذ چنا وقتاً في التفكير بل أيدت فكرتها وهرولت مغادرة لتحادث كمال فيما بقيت لونا وحيده تنهي وضع الصلصة الحمراء على المعكرونه ثم تقدمها في طبق متوسط وتزينه بأهتمام كي ينال رضاه مراعية أن العين تأكل قبل الفم.
ثم خرجت من المطبخ نحو الطاوله الموضوعه بغرفه واسعه مقابل البهو تضم أرائك كبيره وشاشة عرض ضخمه. وضعت عليها أطباق الباستا ثم عدت أكواب من المياه الغازيه ووضعتهم بجوار الأطباق في محاولة منها لتقديم سفره بسيطة ولكن منمقة.
وبينما هي منكفئة تنهي مابدأت كان قد عاد لتوه من الخارج، يخلع عنه معطفه ويحمله بإهمال وتعب فوق إحدى كتفيه، وبقى بقميصه الأبيض مشمر أكمامه وأزراره مفتوحة لما يقارب معدته.
وولج للداخل ليقف مصدومًا وهو يرى تلك الفتنة أمام عينه وكأنها تتحداه أن يقاوم... إنها بالحق فتنة... وأخذ يقترب بأنفاس لاهثة وهو يراها بذلك الثوب الأبيض المجسم على منحنياتها الكيرڤيه الجباره وقد زادت الأمر سخونة وهي منكفئة تهندم وتضبط الأطباق. ثم استقامت وهي مولية ظهرها له تنظر بتقييم للأطباق ثم التفت لتتسع عيناها متفاجئة من وصوله، لكن ما لبثت أن ابتسمت لتهديه أجمل إطلالة وهو يقف يرمق جمالها المستفز خصوصًا وقد رفعت شعرها فوق رأسها بفوضوية سامحة له بالنظر لطول عنقها الأبيض.
ورغمًا عنه تسرح عيناه على جسدها ذي الأنوثة الفتاكة، تقف منه رغماً عنه في أماكن محددة ثم تنتقل لأماكن أسوأ وأضل سبيل.
علت وتيرة أنفاسه وهو يجاهد متحكمًا بينما يسأل:
- ايه ده؟
لترد بصوتها الذي لا يعرف أهي تتصنعه أم لا، لكنه كان به من الدلال والميوعة ما يكفي حين ردت مبتسمة تنتظر إطراء على فعلتها:
- چنا قالت لي انك بتحب الباستا فعملتها لك.
انتظرت أن يتقدم ويشكرها بحبور ثم يشرع في تناول ما فعلت، لكنه لم يفعل وبقى في مكانه يطالعها بصمت مغلف بقسوة وقتامة. لا تعلم أنه يشعر بجفاف حلقه من جرعة الأنوثة والليونة التي يراها ويأخذها في اليوم أكثر من مرة بعدما دخلت بيتهم... أفكار شيطانية تملكتنه وهو ينظر ناحيتها... جمالها متحدي... مغوي... غير مقدور عليه... هي بارعة في ما تفعله على ما يبدو... وقد بدأت قوة تحمله في التداعي أمامها.
فهرول ناحية المطبخ يتركها وصب لنفسه الماء كي يروي حلقه الظمآن من شدة تأثره.
فتحركت خلفه دون تفكير مستغربة تسأل ما به وكأنها لا تعلم أن صوتها وتصرفاتها وأفعالها التي تعتقدها عفوية تزيد من جرمها دون عمد. فقد دلفت خلفه مهتمة تسأل بصوتها الذي بات مميزًا متدلعًا وهو يعرف:
- مالك يا ماهر؟!
لم يجيب ووقف أمام المبرد يوليها ظهره يحاول ارتشاف الماء والسكوت لثواني، لكنها لم تريحه وترحم حالها بل اقتربت بقلق تسأل:
- ماهر انت تعبان؟
ليلتف لها بسرعة وينظر لها صامتًا، فتبتسم له ومالبس أن شهقت عالياً برعب حين وجدته يهجم عليها ويعود بها للخلف يحصرها بينه وبين الحائط وقد نفذت طاقة تحمله ولم يستطع مقاومة إغوائها وأنوثتها، فقال بأنفاس لاهثة وهو يضع يده على عنقها وعيناه تسرح منه على وجهها الجميل:
- انتي عايزه ايه؟! عايزه توصلي لأيه بعاملي دي؟!!! هاااه!!
عض شفته السفلى وقد تمكن منه تأثيرها عليه وحكمته الرغبة حين أكمل بلهث:
- عايزه ايه قولي.. عايزه ليله في حضني؟! ولا عايزه ايه؟!
شهقت برعب وقد شق كلامه قلبها وفتحت فمها من الصدمة لتريد الأمر سواء كما تفعل في نفسها دوماً، فبفعلتها قد زادت إغواء، لكن هزت رأسها بأسى تقول:
- عايزاك أخ ليا يا ماهر.
- أخ؟!!!!
سأل بغضب واستنكار مختلط بالسخرية وقد استفزه تصريحها في حين فقد القدرة على السيطرة على نفسه وهجم على فمها المنتفخ المفتوح يقبله كما يريد وليحدث ما يحدث.
وظن أنه سيرتاح حين يقبلها، لم يكن يعلم أنها بداية اللعنة..... شعور القهر الشديد وخيبة الأمل المتكررة تمكنت منها فأبعدته عنها بقوة جعلته يرتد للخلف مصدومًا مما جرى وإلى أين وصلت الأمور.
كانت تتحكم في نفسها ألا تبكي، لكن خرج صوتها متحشرجًا وهي تقول:
- انت اتجننت؟!
وقف بأنفاس لاهثة ومازال ما يريده يتحكم فيه، فحين هتفت بحدة:
- بس الحق مش عليك الحق كله عليا أنا الغلطانة لما فكرت انك ممكن تبقى أخ ليا وتحميني.. الغلط كله عليا مش عليك.
صرخت بالأخيرة بقهر شديد ثم هرولت مغادرة تجاه غرفتها تغلقها عليها جيداً.
لكن ماهر مازال واقفًا مكانه بأنفاس متلاحقة ورغمًا عنه تمدت أنامله يتلمس شفتيه التي أقطفت منها قبله منذ قليل، ومن ضرب الجنون أنه شعر بحلاوة رفت قلبه وجعلته يبتسم.
وجلس على أول كرسي خلفه يتذكر قبلته لها ثم يعاود الابتسامة بشرود.
في غرفة جنا، جلست على السرير تتحدث في شاشة اللاب توب وقد فتحت مكالمة فيديو مع كمال ابن عمها وكانت متحمسة بشدة وهي تراه يحادثها ومعه بجواره تجلس فتاة أجنبية حسناء قد تعرف عليها مؤخرًا، لتصفر محفزة:
- الله يسلهووو.. حته جديدة دي يا كموله؟
ضحك الوسيم بجلال يناسبه ثم أضاف:
- ايه رأيك في اختياراتي؟
- جاااامدة... قولها انها جامدة.
- قولت يا چوچو قولت... انا احب قوي اعبر عن الجمال.
- وشكلها معمرة معاك.. طالما تجاوزت الشهرين يبقى في أمل تعمر.
ضحك كمال وأكمل حديثه المتقطع بسبب سوء الأنترنت، بدأ يسأل عن ماهر وان كان موجود ليحدثه، لكن قوة شبكة الأنترنت لم تسعفه وانتهى الاتصال.
في الوقت الذي دق فيه ماهر الباب وأنتظر إذنها للدخول حتى سمحت له، فدلف بخطوات هادئة لكن بوجه خالٍ من التعابير يقول:
- مساء الخير.. كنتي بتعملي إيه؟
- كنت بكلم كمال.. صاحب مزة جديدة بس بقولك.... جااامدة.. تقريباً كان يكلمك بس الفيديو كول قطع والنت هنج وهو مارجعش اتصل تاني... ههههه طبعاً ماهو مش هيسيب المزه ويقعد يكلمنا احنا.
ابتسم باقتضاب ثم قال:
- كنتي عايزه تقولي لي حاجة النهارده؟
- اه... مروان قال قدام شلة النادي انه هيتقدم لي وانا خايفه بابا يوافق انت عارف انا مش بطييقه.
تدق بإبتسامة مطمئنة يمسح على خدها قائلاً:
- ماتقلقيش مش هيحصل غير الي انتي عايزاه وبس...
ثم وقف ليغادر فقالت بلهفة:
- استنى رايح فين؟
مد يده لجيب معطفه واخرج مغلف من الحلوى ثم أعطاه لها قائلاً:
- ماتقلقيش مانستش اجيب لك حاجة حلوه زي كل يوم... الشوكولا اللي بتحبيها اهي يا ستي.
اختطفتها منه بفرحة ثم قالت متدَللة:
- كنت عارفه حبيب اخته مستحيل ينساها... بس مش ده قصدي انا قصدي نسهر مع بعض شوية و...
قاطعها واقفاً يخطو نحو الباب كي يغادر:
- مش قادر أنا هروح امسي على ماما واقعد معاها شويه عشان ماشفتهاش النهارده وادخل انام.
- ماما اما عيشتها واديتها الدوا فنامت تعالى اسهر معانا نشوف فيلم حلو.
- انتو مين؟
- انا و لونا.
رفع إحدى حاجبيه وسأل:
- ده انتو بقيتوا صحاب بقا؟!!
- اه دي طيوبة قوي.
هم ليغادر وهو لا يعجبه الحال لتتوقف قداماه وهو يسمعها تكمل:
- تعالى بقا ماتبقاش غلس ده انا اتحايلت عليها تعملك الباستا الي بتحبها وهي أخيراً وافقت.
التف لها ببطء شديد ثم سأل:
- هو انتي الي طلبتي منها؟!!
- واتحايلت عليها كمان كانت مكسلة ورافضة وبتقول الوقت إتأخر.
لمعت عيناه ببريق مفاجئ ثم تحرك يغادر الغرفة وما إن فعل حتى فتح الباب من جديد يقول:
- چنا.
- نعم.
- ماتقوليلهاش اني عرفت انك انتي الي طلبتي منها واتحايلتي عليها.
- ماشي بس ليه؟
- قولي حاضر وبس ده الشوكولاتة لسه في إيدك ماكلتيهاش حتى.
فضحكت چنا وهو غادر بصمت رهيب... دلف لغرفته يغلق الباب وهو متخبط ثم ارتمى على فراشه يفكر شارداً، مالبث أن ملس بأصابعه على شفتيه من جديد مكان قبلتها والإبتسامة السعيدة تملأ وجهه كله.
في صباح يوم جديد، استيقظت متحاملة وغيرت ملابسها بهدوء شديد، على ما يبدو أنها اعتادت على الخذلان وعدم التقبل.
فتحت باب غرفتها لتتفاجأ بچنا تقابلها خارجة من غرفتها هي الأخرى:
- صباح الخير .. هو احنا هنصطبح بالجمال ده كل يوم؟ لا كتير علينا.
ابتسمت لونا بتعب وتكلف تشعر بالغرابة، طوال عمرها كانت مرفوضة من الفتيات لكن حظها عظيم مع الأولاد إلا بهذا البير فقد تقبلتها چنا بينما رفضها ماهر.
على ذكر سيرة ماهر تجهمت ملامحها فقد ظلت طوال ليلها تبكي وهي لا تستطيع أن تنسى كيف تم سلبها حق تحويش قبلتها الأولى... بل واتهامه لها بالرخص ومحاولة إغوائه... ياله من حقير لكن هي المخطئة بالفعل كما أخبرتها سما.
بتلك اللحظة خرج ماهر من غرفته ليقف لثواني وقد بدأ صباحه بها. ثم تحرك وهو يلاحظ أنها لم تنظر حتى ناحية غرفته رغم علمها بخروجه الآن وتقدمه ناحيتهم حتى أن شقيقته التفت له مصبحة:
- يا صباح الشياكة يا ميروو مش معقول جمال على اليمين وشياكة على الشمال مش قادرة كتير عليا والله.
ضربها على رأسها وهو يقول مازحاً بينما يختلس النظرات ناحية تلك الفاتنة المغوية عله يطول نظره منها:
- صباح البكش على الصبح.. أبقي فكريني أقص لك لسانك...
تفاجأ بها تتركهم يكملان حديثهم وتتحرك هي وكأن ما يدور لا يعنيها.
لونا كانت قد استفاقت من أحلامها... واقع مر أفضل من أحلام وردية لن تتحقق ولن تجلب من خلفها سوى تهم ملفقة بالملي. لذا تحركت أمره هو بالفعل وعلى وجه الخصوص بات لا يعنيها... بل الأسوء من ذلك هو الشعور المعاكس للحب والتقبل والذي ذرعت بذرته أمس بعدما فعل وقال.
الكره شعور عظيم وضخم من الصعب أن تطلقه على أحدهم... لم تكره بعد لكنها تقسم أنها ما عادت ترجو تقبله ما دام قد رفضها ونعتها وسب شرفها وأخلاقها.
لكن على ما يبدو أن ذلك النرجسي لم يروقه ما يحدث وأوقفها كأنه ينتظر رد فعل معين ثم قال:
- لونا.
توقفت إثر سماعها صوته لكنها مازالت توليه ظهرها فقال:
- مش بكلمك ... بصي لي.
لا يعلم لما طلب... عدم اكتراثها يعينه جدًا بعد وزاد تخفزه وهو يراها مازالت لم تهتم ليترك شقيقته ويتقدم لعندها قائلاً:
- بصي لي بقولك.
إلتفت لتريه حسنها البديع الذي شق صدره وهو لا يستطيع كبت عينه عن ألا تمر عليها بشغف يتفقد كل هذا الجمال، لكنه برع في كسو وجهه بالتجهم والبرود وهو يأمرها بقسوة:
- بابا وعمي جايين دلوقتي بصعوبة وبعد محايلة مني مش عايز طولة لسان ولا تهور سامعة.
- أنا لساني مش طويل يا ماهر باشا.
ابتسم داخليًا سعيد لمجرد ردها ومجادلتها رغم كونها ترد بتهذب كأنها ترغب في الرد لا تستطيع تمرير المزيد من الإهانات وبنفس الوقت لا تريد مشاكل ليقول:
- أنا نبهت عليكي وانتي حرة سامعة.
لم تجيب عليه وإنما تحركت مغادرة تقول:
- سامعة.
زم شفتيه بضيق ثم تحرك خلفها وبالأسفل كانت الجلسة صعبة مشددة فقد عاد كل من فاخر وعزام متفقين ومتحفزين... كلمة واحدة ولا أخرى بعدها... لا مكان لتلك الفتاة بيتهم فهي فقط ليست وصمة عار بل جاءت لتأخذ حصة ليست بالقليلة من التركة... لم ولن يحدث.
- على جثتي.
كان هذا صوت عزام الذي قالها بحسم ويكمل فاخر:
- مش احنا اللي هنسيب بيتنا عشان بت شمال زي دي... ده بيتنا يعني هي برا واحنا جوا.
ليهتف محمد الوراقي:
- هتطردوا بنت بنتي وانا على وش الدنيا.
- بنتك الفاجرة اللي هربت مع عشيقها؟
- هربت منك ومن طمعك بعد ما كنت عايز تجوزها لواحد أكبر منها بـ ١١ سنة وكان متهم بقتل مراته وكل ده عشان تعلو الشراكة اللي مابينكم... بس الغلط مش عليك الغلط على أبوها اللي كان مرافقكم وكان عايز يكبر تجارته بأي شكل حتى لو هيبيع بنته.
ليقف فاخر قائلاً:
- هو لو من ناحية الغلط عليك فهو عليك اه... من أول ما غوتك البت الخدامة وخنت مراتك اللي عملتك معاها.
- اخرس... انا دراعي هو اللي عملني.
- دراعك.... هأووو... انت كنت حي الله واحد شغال على عربية موز بالليل وبالنهار بتشيل توب... جوازتك من أمي عملتك بييه وفي الأخر جزيتها بأيه روحت اتجوزت عليها الشغالة بتاعتها عشان تقهرها وتكسر مناخيرها الأرض مش كده ودلوقتي تقولي عملك دراعك.
- أخررر...
لم يستطع محمد الوراقي الصمود أو تكملة كلمته وإنما وقع أرضاً مغشي عليه.
وقفت على أعتاب باب شقة والدها لتفتحها رغم الرعب الذي يحاوطها لا تستطيع التنبؤ بما سيفعله عمها تلك المرة... لم تكن ترغب في العودة لكنها لا تملك مكان تذهب إليه بعدما وقع جدها... فبعد ما جرى أخبرهم الطبيب بحرج الحالة وأنه سيمكث بالعناية المركزة وانشغل به ماهر بينما استأثر بها كل من عزام وفاخر فطردوها شر طردة غير مبالين بوالدهما ولا أين ستذهب تلك الفتاة فلم يكن أمامها سوى العودة للبيت.
وبينما كان أنور يجلس يدخن أرجيلته بمزاج وقد خلى له البيت فإذا به ينتفض على صوت زوجته التي دلفت تعدد صائحة:
- قووم يا منيل المزغودة بنت اخوك رجعت وفتحت الشقة.
- بتقولي ايه يا وليه؟
- زي ما اتهببت سمعت... انت مش قولت انك غورتها... ايه اللي رجعها.
ليقف أنور بنفاذ صبر وقال:
- وبعدين بقاااا.. هو انا كل ما أزيحها ترجع طب مااااشي... جت لقضاها مابدهاش بقاااااا.
صباح اليوم التالي، استيقظت لونا تتمطى بتعب وخمول مستغربة الهدوء وكيف لم يعترض أو يزعجها عمها ومالبث أن انتفضت صارخة بهلع حينما أدركت الوضع الذي هي فيه.....
رواية سيطرة ناعمة الفصل الرابع 4 - بقلم سوما العربي
صرخة مدوية أطلقتها لونا بعدما وجدت نفسها وسط قبيلة من الفئران داخل غرفتها.
انتفضت واقفة برعب شديد وشعور التقزز والغثيان يتملكها، لا تعلم ماذا تفعل.
ظلت تصرخ بعزم ما فيها من قوة حتى انتحب صوتها تنادي عمها أو حتى الناس، لكن ما من مجيب.
هرولت سريعاً وهي تصرخ بعدما التقطت مأزر بأكمام على منامتها البيضاء.
وهربت باتجاه شقة عمها، وأخذت تقرع الباب وترن الجرس بأن، لكنه كان يقف خلف باب الشقة يراقب رعبها وهلعها من العين السحرية، يراهن أنها في خلال دقائق ستفر هاربة.
وكما توقع، فلونا وبعدما فقدت الأمل تحركت بسرعة تغادر البناية كلها وخرجت للشارع ترتدي المأزر فوق المنامة القطنية وبقدميها خف منزلي صغير.
والمارة بالشارع ينظرون عليها بتعجب، يحلقون مستغربين تصرفات تلك الفتاة.
على ما يبدو أن ما يشاع عنها صحيح، فلا توجد فتاة عاقلة تخرج من بيتها بهيئة كهذه.
كانت على يقين تام بنظرات الناس عليها، وهي تسير دائبة بجلدها من بحلقتهم فيها، لكن ما باليد حيلة.
وصلت بصعوبة بالغة لمنزل صديقتها الوحيدة سما، ودقت الباب.
لكنها تفاجأت بابنها الصغير يخبرها أن والدته ذهبت لعملها ولا يوجد بالداخل سوى والده.
أغمضت عيناها بتعب شديد، لا تعرف كيف تتصرف.
لقد بات من المستحيل الاحتماء ببيت رفيقتها الوحيدة.
فمحمود زوجها يرفضها تمام الرفض، وبالأساس سما تحدثها دون علمه.
لن تقدم أبداً على صنع مشكلة لصديقتها، بل هي بالأساس لن تعرض نفسها للإحراج من قبل محمود.
صكت أسنانها بخوف ورعب، ولم تجد بد أمامها سوى حل واحد.
"انت اتجننت يا راجل؟"
"بقا هو ده اللي اتفقنا عليه؟"
"رايح تجيب لها شوية فيران؟"
"بقا هو ده اللي هيخليها ما تعتبش هنا تاني يا دكري؟"
رمقها أنور بامتعاض ثم قال:
"كنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ مانا كان لازم أتصرف."
"فين الجدع اللي كان هييجي لها البيت؟"
تكلم أنور بابتسامة الأرجيلة وقال بغيظ:
"ابن الهرمة ساحب عليا عالي وعايز دوبل الفلوس."
"أديله، خلينا نغوراها خالص بدل ما هي كل يوم والتاني ناطة لنا زي فرقع لوز."
"ابن الوسخة مابيردش عليا أصلاً."
"وبعدين؟"
"هتعمل إيه ولا توصله إزاي؟"
"البت دي بنت كلب ودماغها صرمة... هترجع أنا عارفة... انت لازم توصله أو شوف غيره."
"لاااا... خليكي ناصحة... أهم من الشغل تظبيط الشغل... الواد ابن خالها جه ولمحه، مش هينفع نجيب حد غيره."
هزت زوجته كتفيها وقالت ببكاء:
"عادي... رجالتها كتير... وكل يوم والتاني مدخله راجل شكل... فاجرة بقا."
نظر لها أنور وعيناه تلمع بوميض الشر وهو يسحب أنفاس أرجيلته ثم ردد:
"خليني أستف الكلام في دماغي كده عشان مانبوظش كل حاجة."
وقف يتابع جده الذي خرج من العناية المركزة وانتقل لغرفة عادية.
نائم على سريره ذاهب في ثبات عميق، والممرضة تحقن له الأدوية في المحلول الموصل بوريده.
ثم التفتت له تقول:
"الحقنة التانية بعد ساعتين... ألف سلامة عليه."
"هو هيفضل نايم كده؟"
"أنا مش فاهم حاجة."
"فين الدكتور اللي متابع حالته؟"
"أمال لو ماكناش في مستشفى خاصة بقا."
حاولت الممرضة امتصاص غضبه وقالت بهدوء تحسد عليه:
"اهدأ نفسك يا فندم... الدكتور جاي لحضرتك دلوقتي، هو كان عنده من نص ساعة بس ماحدش كان موجود... عن إذنك."
زفر تعب سيطر عليه، هو بالفعل قد انشغل باله بالفون منذ دقائق ولا أحد معه، فوالده وعمه ذهبا لمتابعة العمل قائلين أن البركة فيه بغيابهما.
فتح عيناه منتبهاً لدقات خفيفة على باب الغرفة، فتحرك يفتحه لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى لونا تقف أمامه بتلك الهيئة.
فما كان منه سوى أن مد يده وسحبها لعنده بالداخل، ثم أغلق الباب والتف لها يطالعها بأعين متسعة هاتفاً:
"أنتي اتجننتي؟!! ازاي تمشي كده في الشارع."
بكت... بكت بحرقة كطفلة صغيرة تنظر أرضاً وتفرك أصابعها بتوتر شديد.
شق قلبه مظهرها، ولا يعلم لما وكيف فعل، لكنه اقترب منها بامتعاض يضع كفه على رأسها يدفعها داخل أحضانه الدافئة.
وللعجب، أن لونا المتمردة سكنت للحظة وهي تشهق في البكاء، بينما ماهر يمرر يده على ذراعها وظهرها وكأنه يحاول تدفئتها وتهدئتها هامساً:
"ششششششششش."
ألجمتها الصدمة وتنبه عقلها حين أدركت ما يحدث وأنها بأحضان ماهر الآن، لتنتفض من حضنه سريعاً وتبتعد عنه فتقف متوترة تنظر أرضاً.
لعن من بين أنفاسه ليدرك أنه هو من كان متدفئاً بها وقد سلبته ذلك حين ابتعدت.
اقترب منها الخطوة التي ابتعدتها وسأل:
"إيه اللي مخرجك كده."
تعالت شهقاتها وحاولت التحدث من بينها تقول:
"صحيت... صحيت من النوم لاقيت البيت كله فيران."
"نعم؟ فيران إزاي يعني؟!!"
"والله ده اللي حصل."
ربع كتفيه حوله، فبدا متحفزاً، غير مصدق، ومن ثم أردف:
"وبعدين... كملي."
"أخدت الروب عليا وطلعت أجري، روحت لجارتي بس مالقتهاش، وماكنتش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه، ف... ف... فكرت أروح البيت عندكم، بس خوفت، قولت أجي ع المستشفى أكيد مش هتطردوني من هنا."
"لا ممكن نطردك عادي."
اتسعت عيناها برعب لتقابل وجهه الجامد الذي سألها:
"ولما انتي خرجتي بالجامعة والروب جيتي لحد هنا إزاي؟"
"أخدت تاكسي و..."
قاطعها هاتفاً:
"نعم؟ وكنتي مع سواق التاكسي بالبجامة والروب اللي لازقين عليكي دول؟!!!"
هزت رأسها بخجل لتسأل بشك:
"وحاسبتيه بأيه بقا؟"
طالعته بجهل، لم تفطن مقصده بعد، لكنها جاوبت:
"ماحاسبتوش لسه، هو مستني تحت، قولت له إن أخويا مستنيني وهينزل يحاسبه."
"أخوكي!!"
قالها بضيق شديد وتحرك بعدها مغادراً الغرفة، لكن مالبث أن عاد يفتح الباب ويطل منه محذراً:
"إياكي تخرجي لحد ما أجي... بحذرك... فاهمه؟"
"حاضر."
تحرك مغادراً، وهي تقدمت تجلس على أقرب كرسي مقابل لسرير جدها، تضع وجهها بين راحتيها وقد تعبت من كل ما يجري معها، فقد باتت غير قادرة على التحمل، صد.
أصبحت خائرة القوة، بينما ما زال خلفها شوط كبير، فهي لم تفعل شيئاً.
لم تؤمّن عمل ولا بيت، ولم تستعد أموالها من عمها، ولم تتوصل أين والدها.
هي حتى لا تعرف من أين تبدأ.
وفي خضم تلك التوهة والضغوط، تم الدق على الباب دقة واحدة فقط، ومن بعدها دلف الطبيب يقول:
"صباح الخير... أخبار مريضنا إيه..."
اقتطع حديثه مرغماً وهو يواجه سحر لونا وردد بلا إرادة:
"بسم الله ماشاء الله."
وقفت مرتبكة، لا تعرف كيف تتصرف، هي لا إرادياً فقط وضعت يدها على طرفي المأزر تلملمه من عند الصدر وتحمه حول رقبتها، لكن جمالها كان لوحده صارخ، فلتداري ما تداري، هي جميلة ومغوية مهما فعلت.
تقدم الطبيب بابتسامة شخص يرى لوحة فنية بديعة الصنع لا تقدر بثمن، وحاول قياس نبض محمد الوراقي ومتابعة حالته، لكنه غير قادر، فعينه تسرح منه لعند تلك الدلوعة، فسألها:
"أنتي قريبة المريض؟"
بصعوبة خرج صوتها:
"أيوه."
"يقربلك إيه بقا؟"
"جدي."
"أنتي اسمك إيه بقا؟"
"لونا."
"بجد!!! ده الحقيقي؟"
"أه."
ابتسم بعذوبة ثم قال:
"ماتقلقيش يا لونا جدو هيبقى زي الفل."
"لا هي مش قلقانة خالص... اتفضل يا دكتور تعبناك."
شعر الطبيب بالتوتر والحرج، فلجأ لأن يغادر سريعاً، وترك تلك اللينة مع ذلك القاسي، يقف والشر يتطاير من عيناه المظلمة، يقول من بين أسنانه:
"هو أنا مش قولتلك ماحدش يشوفك بالشكل ده؟ انتي اتجننتي؟"
"انت قولت لي ما أخرجش من الأوضة، أنا كنت قاعدة لاقيته دخل و..."
فأكمل هو بغل:
"فقعدتي تتسايري معاه وكمان عرف اسمك... إنتي إزاي سهلة كده؟!"
اتسعت عيناها بغضب شديد لتقول:
"انت بتقول إيه؟!"
"بقول إيه؟ واضح إنك متعودة دايماً... ده أنا حتى نزلت مالقيتش تاكسي ولا حاجة، واضح إنه خد حقك مبلول ولا إيه؟"
تحفزت كل خلاياها وعلى تنفسها بصورة واضحة، ولم يكن بوسعها فعل شيء سوى أنها تحركت مغادرة لتترك له المكان هو وأفكاره عنها، لكنه قبض على ذراعها ومنعها يقول:
"استني عندك... انتي رايحة فين؟"
"سيب أيدي... سيب بقولك."
"لو مش عايزاني أكسرها لك هي ورجلك اللي فرحانة بيها دي تخرصي خالص وتترزعي هنا ماتتحركيش انتي سامعة."
دفعها بعنف على الأريكة الوحيدة الموجودة بالغرفة، فارتمت فوقها برعب وجلس مقابلها، يهاتف شقيقته:
"ألو... أيوه يا چنا... لا أنا كويس وجدك كويس ماتقلقيش... عايزك تجيبي لي لبس من عندك."
شمل لونا بنظرة متفحصة وقال بجرأة:
"لا أكبر من مقاسك نمرتين."
شهقت لونا بحرج شديد، بينما هو كبت ضحكته وحاول الظهور بثبات، يرد على سيل أسئلتها:
"چنا... مش عايز كلام كتير، أنا دناغي ورامة أصلاً... تجهزي اللي قلت لك عليه وتبعتيه مع السواق يا چنا، ماتنزليش وتسيبي ماما... سامعة؟ ماشي يا حبيبتي سلام."
أغلق الهاتف وألقاه بجانبه.
ماهو كتلة من الفخامة، تجلس وتتصرف بكاريزما عالية، له هالة من الهيبة تخصه وحده.
أبعدت عيناها عنه، ما كانت تتمنى أن تصبح علاقتهم هكذا.
ترى كيف بكل حنو ورعاية يعامل شقيقته، بينما هي... صمتت ولم تكمل، ترددت داخلها: (هي جت عليه يعني).
بينما جلس ماهر على كرسيه يطالعها متأملاً، فرغم عنه جمالها يستدعي الأعين لمطالعته.
حرفياً عيناه تأكلها، يمررها عليها من قدميها لرأسها ببطء وتروي، ثم من رأسها يعود لقدميها بنفس البطء الشديد، وذاكرته تشرد منه لبضع دقائق قد مرت حين خرج من المشفى يبحث عن سيارة الأجرة ولم يجدها، فأقترب منه أحد أفراد الأمن يسأل:
"في حاجة ياباشا؟"
"لا بس المفروض في تاكسي وأقف مستنيني هنا عشان أحاسبه بس مش لاقي حاجة."
ليرد الشاب بلهفة:
"يا خبر يا باشا... هو تبعك؟"
"يعني كان هنا فعلاً؟!"
"أيوه وكان مستني حسابه من الآنسة اللي كانت معاه بس هي اتأخرت قوي وبتاع الونش جه وكان هيكلبش له العربية فقال يمشي هو مش حمل تمن المخالفة، وادي جزاء اللي يعمل خير... لو أعرف يا باشا إنها تبعك كنت دفعت أنا والله."
ربط ماهر على كتف الشاب يقول:
"حصل خير حصل خير."
عاد من شروده على صوتها الذي قررت أن تخرجه وليحدث ما يحدث:
"بطل تبحلق فيا كده... عيب أنا زي أختك."
"(أختي؟)" هكذا ضحك ساخراً بداخله ولم يستطع كبتها فقال:
"بس يا عبيطة."
"عبيطة؟!!! لا ده انت زودتها قوي."
رمقها بتسلٍ وقد راقه غضبها، لينتبه للباب الذي يدق، فيقول:
"قومي ادخلي الحمام واقفلي عليكي."
لكنها ومن شدة غضبها منه لم تتحرك، فعاد:
"قومي يالا واقفلي على نفسك."
"لا هقعد عادي، مانا كده كده سهلة."
"قومي يا لونا أحسن لك."
لكنها عاندت ولم تقوم.
لهم واقفاً من مكانها كأنه ينتوي لها، فتنتفض سريعاً وتفر ناحية الحمام تغلق بابه عليها.
وأخيراً تثنى له الضحك، تشق الضحكة فمه وتملأ صدره بانتعاش.
ذهب باتجاه الباب يستلم كيس الملابس من السائق، ومن قاحته فتش فيه، ينظر على أشياءها الخاصة، ثم يبتسم بإعجاب.
على ما يبدو أن لماهر شخصية أخرى غير تلك التي يعرفها، فهو قد فتح عليها الباب لتصرخ في وجهه:
"انت ازاي كده... مش المفروض تخبط."
فرد ببرود وبابتسامة مستفزة:
"تؤ."
ناولها الكيس الكرتوني ثم قال:
"جبت لك لبس بس... صمت يزم شفتيه ثم أكمل: چنا ماعرفتش تنشن صح، شكلهم هيبقوا ضيقين عليكي بدرجة."
اتسعت عيونها الجميلة من وقاحته الفجة، تلتقط من الكيس وتصرخ في وجهه:
"انت بأي حق تكلمني وتعاملني كده... مين اداك الحق ده؟"
ليرد بتجبر وتملك:
"أنا أديته لنفسي."
ثم أمرها:
"عشر دقايق وتكوني برا... فاهمه يا .... لونا."
نطق اسمها بخصوصية... خصوصية تخصه وحده.
وذهب ينتظرها على الكرسي بالغرفة وهو شارد.
من العجب أن تتفجر بداخلك بوادر لأشياء ماكنت تعرفها عن نفسك، بل من المرعب أنك تمتلك شخصية أخرى خاصة بك لا تستطيع إظهارها للعلن.
والأشد رعباً هو ذلك الشخص الوحيد الذي تتفجر معه كل تلك الخفايا، ما إن تراه وتقابله، فتتجلى معه كل ما تخفيه وتحبذ إطلاق العنان لشخصيتك الدفينة التي اكتشفتها للتو، وللعجب بعد أن تلك الشخصية هي من تعطيك جرعة اللذة التي تحتاجها كي تحلو الأيام.
فتباً للونا.
أسند رأسه على الكرسي من خلفه متنهداً وقد أتعبه ما اكتشف، ليتعب أكثر وتنتفض كل خلاياه الرجولية بعدما فتح الباب وطل "الملبن" من خلف الباب.
المأزر وخف المنزل كان أرحم.
فقد أرسلت شقيقته فستان نهاري بلون البنفسج الناعم يتلف حول قدها المياس بروعة تفتن، وهي بالأساس تسير بخطوات متهادية تفتك به وبأعصابه.
هز رأسه وما عاد قادر على التحمل، ليأمرها بإرهاق شديد:
"أرجعي البسي اللي كنتي لبساه."
"بس."
صرخ فيها:
"مابش... سمعتي أنا قولت إيه."
"مش هروح إيه قلة القيمة دي وبعدين أنا حرة."
ثم تقدمت تجلس على الأريكة بعناد شديد، مالبث أن تحول لضيق تحت نظراته المتفحصة، وهي تحاول تحريك الملابس حول صدرها، ليسأل بضحكة وقحة:
"قولت لك المقاس ضيق."
أهدته نظرة نارية جعلته يقهقه عالياً، فقالت بجنون:
"ياريت واحد محترم زيك ما يكلمش واحدة سهلة زيي؟ ولا انت بحالات؟!"
قالتها تذكره بغضبه واتهاماته التي لم يمر عليها الكثير، ليقف من مكانه ويتحرك ناحيتها، لكن أوقفه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال من والده.
ليجيب على الهاتف:
"ألو."
"أيوه يا ماهر... جدك عامل إيه."
"والله يا بابا حقك تيجي تشوفه بنفسك."
"مانت موجود والموجود يسد، ولا مش مخلف راجل مثلاً انت في المستشفى وأنا في الشغل، ولا هو كل حاجة لازم تقف يعني؟"
رفر ماهر بتعب ثم قال بمهادنة:
"ماشي يا بابا... جدي كويس وخرج من الرعاية بس لسه نايم مش هيصحى دلوقتي وأنا معاه أهو."
"طب بقولك إيه... كلم چنا اختك ولا چيلان يجوا يقعدوا معاه وتعالى لي انت على الشركة.... مجدي أبو شقرة وعايزين نفاتحه في الموضوع إياه."
ألقى ماهر نظرة على لونا ثم همس من بين أسنانه:
"بردو يا بابا مصمم؟ قولت لك إن أنا مش صغير عشان أتجوز بالطريقة دي."
ليرد عليه والده بقوة وتصميم:
"ماهو عشان انت مش صغير فلازمك جوازة تليق بيك، ومافيش أكبر من عيلة أبو شقرة عشان نناسبها، أنا ما صدقت... ده هيعلي أسهمك في السوق، العيلة دي مش أي حد بيقدر يقرب ناحيتها... رمق ماهر لونا بنظرات غير مفهومة، هو يستمع لبقية كلام والده: بس البنت بقا عينها كانت هتطلع عليك في آخر حفلة كنا فيها وبقت عماله تتلزق فيك وتفتح معاك أي مجال للكلام، وده هيخليها هي اللي تضغط على أبوها وهيوافق، أنا عارف مش بيرفض لها طلب أبداً... وبعدين في إيه مالك كده... هو انت عايز إيه غير واحدة من نفس بيئتك ومستواك وصغيرة وغنية وتقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك، تفتكر هتبقى بتدور على إيه تاني مش فيها... اعقل يا ماهر وتعالى يالا عشان أنا كده كده لمحت له وهو فهم وشكله مرحب، فNo way نرجع في كلامنا."
فهم أغلق المكالمة مع والده، ثم نظر للونا بصمت طال وطال.
طال لدرجة أنها خافت وسألت:
"في إيه؟"
ليقول بأمر واضح شديد اللهجة:
"قومي يالا هروحك."
"إيه."
"إيه.. هوديكي بيت أبوكي."
لتقول بخوف:
"بس أنا خايفة من عمي والفيران، على فكرة أنا والله مش كده ومش زي ما بيقول عني، خليني أروح بيتكم."
رفض بأعين قاتمة غامضة ثم أردف:
"عمي فاخر هناك مش هيسيبك."
صمت لثواني وأكمل بأعين موحية:
"ولو أنا مش معاكي كله هيدوس عليكي."
رسالته كانت واضحة وضوح الشمس، فهمتها، هي ليست بغبية.
فيما أكمل هو:
"تعالي بقا نشوف في فيران في شقتكم أصلاً ولا دي كمان كذبة زي أجرة التاكسي."
نزل كلامها عليها كالكهرباء زلزلها، لكنها لم تكن تملك أي خيار، فنهضت قائلة بحزن شديد وكبرياء ينمو لها داخلها:
"لأ شكراً أنا هعرف أروح لوحدي."
نبرتها قطعت وتينه، علم ما باتت تكنه له، لكن لا يبالي، على الأقل حالياً، أجل كل شيء، هو في عجلة من أمره، وقال بحده غير قابلة للجدال:
"أنا مش بناقشك... يالا."
دلف معها للشقة التي كانت تلمع كالزجاج، رمقها بنظرة اتهام واضحة، لتقول بلهفة وتبرير:
"والله والله كان..."
"شششش أخرسي... تعرفي تخرسي... أنا لولا إني مش فاضي لك كنت دفنتك مكانك... تقعدي هنا ماتتحركيش وأنا رايح مشوار ساعتين تلاتة وهكوه هنا.... فاهمه."
لم تجب وهو لم ينتظر ردها، بل تحرك مغادراً، وذهب حيث صف سيارته بعيداً في الشارع العمومي، ليشتبه بأحدهم ومشيته... كأنه يعرفه.
همهم متذكراً، فهذا الرجل هو عم لونا، مشيته مريبة، لما يتلفت خلفه هكذا.
لا يعرف، لكنه تحرك خلفه يتتبعه حيث ذهب.
بينما كانت لونا تجلس في شقتها حيث أمرها ماهر، وهي بخوف نفذت، لا تملك أية خيارات، لكنها حاولت مهاتفة سما، ربما دلتها على حل آخر غير الانتظار وتحمل الإهانات، فقد باتت مدركة أن ماهر لن يتقبلها كأخت له، وأخوالها يرفضونها، وجدها الوحيد القادر على شملها بالحماية، فهو طريح الفراش بالمشفى، لا تعلم متى سيفيق.
لم تكد تلك المسكينة أن تكمل مكالمتها، فقد تفاجأت بدق الباب، لتصرخ برعب وهي تجد أحدهم يكمم فمها عن الصراخ، بينما يقول عمها الذي وقف بكشف وجهه لجوارها، يفح الغل ونفاذ الصبر من صوته:
"مقفلة كل الشبابيك والبلكونات، لا ناصحة يابت... هندخلك هندخلك وديني لاخلص منك."
حاولت لونا الصراخ من جديد، ليقول أنور للرجل العريض:
"شوف شغلك بس بالهداوة لحد ما أكلم اللي اسمه ماهر."
خرج وأغلق الباب، تاركاً ابنة أخيه مع رجل غريب يكممها، وهاتف ماهر الذي كان يصعد السلم بالأساس، فقال:
"ماهر باشا... كويس إنك جيت... الفاجرة رجعت تاني ومعاها عشيقها... مابتسلاهوش يا باشا ولا بتكتفي... أنا غلبت... دي كمان مش راضية تفتح لي الباب."
دفع ماهر الباب بكتفه عدة مرات إلى أن كسر، ليجد لونا تقف وقد حررها الرجل من ذراعيه، ليصرخ أنور:
"شوفت بعينك أهو يا باشا."
هرول ماهر ليهجم على الرجل، لكنه سارع بالركض نحو الشرفة، فتحها وهرب منها سريعاً، ليعود ماهر نحو لونا بخطوات متثاقلة، كأنه سينقض عليها، لكن صبر أنور كان قد نفذ، فقال:
"البت دي مش هتقعد يوم في البيت ده، وقسمًا بالله لاتخرج من هنا بفضيحة، أو أقتلها وأغسل عاري بيدي."
ليصرح ماهر:
"عنك أنت... حرام تدخل فيها السجن."
صمت بترقب ثم قال:
"اتصل هات المأذون."
"هاااااااااه؟!!!!"
فصرخت لونا:
"لااااااا.... مستحيل أوافق... مستحيل أنا بكرهك."
"مش أكتر مني."
ثم نظر لعمها يأمره:
"يالا اتصل بالمأذون قولت لك."
وضعت لونا يدها على فمها برعب تقول:
"لاااا حرام ماتعملوش فيا كده... ده عايز يجوزني لمقاول أكبر مني بـ 15 سنة ومتجوز مرتين، ماتعملش فيا كده يا ماهر."
"أهو اللي رضي بيكي وبعارك يا وسخة."
رمقه ماهر بنظرة نارية جعلته يرتجع للخلف وصمت، ليقول ماهر:
"كلم المأذون وهات الباقي من عيلتكم.... أنا العريس."
كلمة كانت الأشد رعباً للونا، التي بهت لونها وشعرت بالضياع أكثر.
يتبع.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس 5 - بقلم سوما العربي
وقف أنور مذبذبًا، لا يعلم هل ما يحدث سيسير وفق مصلحته أم لا. هو على علم بماهر وعائلة ماهر، وهو الآن سيصبح زوجها.
شعر بالتوتر الشديد، وبدأ يتلجلج أمام ماهر الذي ينظر ناحية تلك المغوية الجالسة بالفستان البنفسجي، يظهر ليونة وغضاضة جسمها.
هتف بحده:
"ادخلي وأقفلي على نفسك."
لكنها مازالت منشغلة في البكاء ولم تجب. فيما التف هو ينظر لعمها وقد نفذ صبره، فسأل:
"فين المأذون؟ ما جاش ليه؟"
ابتلع ريقه بتوتر وهو يفرك يديه معاً، ثم قال:
"ماهو ياباشا يعني... أصل."
"أصل إيه وفصل إيه؟ إيه الحكاية بالظبط؟"
"أصل بصراحة بقا عمها، وأنا أدرى الناس بمصلحتها، وهي متقدم لها عريس تاني أحسن ودافع مهر أكبر."
تجهمت ملامح ماهر، وشعور من نار يتدفق داخل صدره، لا يفطن من أين ولد. نظر لتلك المنخرطة في البكاء بجواره، وأمرها:
"انتي لسه قاعدة؟ قولت ادخلي وأقفلي على نفسك الباب."
أمره كان حادًا وعنيفًا، جعلها تتحرك دون رفض، فدلفت وأغلقت الباب كما أمره. ليتبقى أنور وحده في مواجهة ماهر، الذي وقف من مجلسه وأخذ يتقدم منه بخطوات بطيئة، بثت الرعب في قلب أنور، الذي قد تجلى التذبذب والخوف على ملامحه، يزيد مع إقتراب ماهر منه.
حين وقف أمامه، ردد بصوت بطيء أرعبه:
"كنت بتقول إيه بقا؟ أه، انت عمها وأدرى الناس بمصلحتها، مش كده؟"
رعب أنور كان واضحًا، خصوصًا وهو في مواجهة شخص كماهر. لكن الجشع والطمع كانا أكبر، فبعدما فعل الكثير والكثير للاستحواذ على مال أخيه، لن يأتي ويفرط بكل ذلك خوفًا من ماهر وتهويشاته. هو قتيل ذلك المال ولن يتركه مهما جرى، لذا تحدث بتصميم رغم خوفه الواضح:
"كده، وأنا مش موافق على الجوازة دي."
"مش موافق؟ ده حلو قوي الكلام ده. طب ما إن شاء الله عنك ما وافقت، أنا ببلغك، مش جاي آخد رأيك."
رفع أنور عيناه بعيني ماهر يتحدّاه، قائلاً:
"من غيري مش هيبقى في جواز. أنا وليها الوحيد، فمن غيري مافيش مأذون هيقدر يكتب لك الكتاب."
ابتسم ماهر بجانب فمه ابتسامة متحدية صغيرة، ثم قال:
"حلو ده... تعجبني... صح، انت وليها، مش هعرف أكتب كتاب من غيرك، بس أنا عايز أكتب الكتاب دلوقتي، أعمل إيه؟"
قال الأخيرة بحزن شديد وقلة حيلة، جعلت أنور يشم أنفاسه، يعض راحلته. مالبث أن سعل وجحظت عيناه حين قال ماهر بقلة حيلة كأنه مضطرًا:
"خلاص بقا أمري لله... كده أنا مضطر أدور بنفسي على أبوها يجوزها لي."
انخفض ضغط أنور، وتباطأت دقات قلبه، يدرك ما يقوله ماهر وما لم يقله. ليبتسم له ماهر ويضربه على كتفه كأنه يحركه بمهانة:
"شاطر... امسك العقل كده وخليك حكيم، وانزل من سكات جيب المأذون، بلاش تخليني أوريك لعبي."
أدرك أنور انفلات الأمر من يده، وأنه سيخسر تلك الزيجة والمهر لا محالة، لذا حاول التماسك والخروج بأقل الخسائر. فصلب طوله وقال بتجبر:
"لا، لو كده يبقى نتفق الأول يا باشا."
"نتفق وماله، بس تقولي الأول، وديت أخوك فين وعملت فيه كده ليه؟"
لم يجيب أنور، ليهتف ماهر بحده وغضب:
"خلص... أبو لونا فين؟ وفين فلوسه؟"
"في مصحة نفسية."
"إيه؟؟؟"
"أخويا اتجنن يا باشا ومخه فوت، بقا بيجي له خيالات وتهيؤات بحاجات مش موجودة... أعمل إيه يعني؟ كنت مضطر أدخله مستشفى ياخدوا بالهم منه."
ليبتسم مضيفًا بثقة:
"وماحدش يقدر يعرف اسمها غيري، أصلها مصحة نص كم مش مسجلة، فلف مهما تلف مش هتعرف توصله."
انشق قلب ماهر على تلك المسكينة، وسأله:
"وليه عملت كده؟ مش حرام؟! كان عملك إيه أخوك؟"
لينفجر أنور بغل وغيظ:
"ده يستاهل الحرق... الجاحد كان عايز يكتب لبنته دي كل حاجة بيع وشرا قبل ما يموت... ابن الهرمة مش عايز حد يورث معاها... شوفت الكفر ياباشا... عايز يخالف شرع الله وباع اللي وراه واللي قدامه وساب لهم فلوس وماتفضلش غير البيت ده، وكان رايح كمان يكتبوا للغندورة، عايز يطلعني بلوشي... عايز يشفط حقي في كرشه... كان هيأكلني لبنته."
فضحك ماهر ساخرًا، يسأل:
"هي فلوسك، ولا فلوسه؟ الفلوس دي جت منين؟"
"من شغله اللي لمها في شولة من السفر برة، ابن المحظوظة."
"يعني فلوسه هو، وبتقول عليه عايز ياكل حقك ويأكلك لبنته؟"
"والله بقا ده الشرع هو اللي قال العم يورث أخوه اللي مش مخلف ولد."
"وقال برضه إن كل واحد حر في ماله، يورث فيه من يشاء على حياة عينه، مش يسيب بنته تشحت من عمها ولا عمتها."
"إنت هتفتي في الدين كمان؟ بقولك إيه... عليا وعلى أعدائي، ولو عايزني أجوزهالك لازم نتفق."
رمقه ماهر بصمت تام، ثم قال:
"موافق."
مرت دقائق لا تعلم عددها، وهي تجلس في غرفتها تبكي، تحاول الاتصال على صديقتها سما، لكن هاتفها كان مغلقًا منذ الصباح. إلى أن سمعت صوت إغلاق باب الشقة، فتسحبت لتخرج على أطراف أصابعها. لكنه فاجأها وهو يفتح الباب يلج للداخل، ينظر لها بطريقة مختلفة، ارتبكت منها، واستأثرها الاندهاش وهي تراه يخلع عنه معطفه يلقيه على الأريكة، وبعدها يلقي بجسده على فراشها الأنيق، يزفر بتعب مرتاحًا كأنه بيت والده.
اندهشت من تصرفاته وأريحّيته في التصرف. باتت تراه غريب الأطوار، لكن ذلك لم يكن همها الآن، هي في تلك المصيبة التي وقعت على رأسها. لذا تشجعت، فتقدمت تقول:
"ماهر."
"همممممممهمهم" بخمول وهو يضع ذراعه على عينه. لتقول:
"عشان خاطري يا ماهر، أنا مش عايزة أتجوز، مش موافقة."
"مش لازم توافقي." يرد عليها وهو بنفس الوضعية من الخمول والكسل. لتتفزز بعصبية:
"قوم هنا وكلمني، أنت مستضعفني كده ليه؟"
لم يستجب لها ولم يتحرك، بل بقى على وضعته. لتأخذ جوابها، هو بالفعل مستضعفها. فهتفت:
"أنا مش هسكت على اللي بيحصل ده، وبعدين... إنت مش شايفني سهلة وشمال، عايز تتجوزني ليه؟"
اعتدل من نومته وجلس يواجهها، مرددًا بأعين حاول كساها بالبرود:
"عشان ألمك... ومش عايز كلام تاني. أنا بقالي يومين مطبق في المستشفى وهموت وأفرد جسمي... فمن هنا لحد ما يوصل المأذون، ماسمعش صوتك، فاهمه."
ليبتسم لا إراديًا وهو يسمعها تندب بعويل:
"إنت طلعت لي منين؟ طلعت لي منين بس."
ليغمض عينيه ويسحب نفسًا عميقًا، يسأل هو نفسه بجنون (أنتي اللي طلعتي لي منين؟). لكن فتح عينيه كالمصعوك، وانتفض جسده من فوق الفراش وهو يسمعها تقول بتحدي:
"بس أنا بحب واحد تاني."
في ثانية كان مقابلها، يقف على الأرض، يغرز أظافره في لحم ذراعها، بينما يقبض عليه ويهزها بعنف. ضرب قلبه يسألها:
"بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده؟ بتحبي؟!!!!"
احتدمت النيران في عينيه، وزادت غلظة قبضته على ذراعها، يسأل من جديد:
"هو مين؟ مين ده؟ انطقي."
خافت وارتعبت، بل ذابت في جلدها، فقالت بسرعة:
"مش بحب حد... بكذب عليك والله.. سيبني بقاااا."
لم يصدقها، وقلبه مشتعل نار. هو فقط دفعها لتسقط أرضًا، ووقف يتنفس بسرعة من شدة تلاحق أنفاسه وعلو ضغطه. ينظر عليها وهي مسجاة أرضًا، يسأل هل بالفعل تحب أحدهم؟ هذا ما لم يحسب له حساب.
كان يضع يديه على خصره ويقف ينظر للسقف، لتتحدث هي وهي تبكي:
"بلاش جواز يا ماهر... أنا زي أختك."
"اخرسي.. أنا أختي أشرف من الشرف."
لتقف على قدميها تمسح عينيها بشراسة وتهتف:
"ولما إنت شايفني مش شريفة كده، راضي إزاي على واحدة زيي تشيل اسم سعادتك والعيلة الكريمة؟ ماتسيبني... أنا بكرهك ومش بطيقك، مستحيل أتربط بيك العمر كله، ده بالنسبة لي اسمه انتحار."
استفزته ببراعة، فهتف من بين أسنانه بعدما جذبها من ذراعها، يقرب وجهها من وجهه ويقول:
"ولا أنا كمان طايق أشوف وشك، بس غصب عني، سمعتك بالنسبة لي فلوس بخسرها، واحنا تجار، راس مالنا السمعة، فخيالك ما يسرحش لبعيد، ويكون في معلومك، ماحدش من البيت عندي أو حتى معارفي هيعرف إنك مراتي... عقد الجواز ده عشان تلمي نفسك."
صمت لثوانٍ ثم أكمل:
"وعشان لو فكرتي بس، مجرد تفكير، تجيبي راجل تاني بيتك، أقتلك، ولاخدش في وسخة زيك ساعة سجن."
ألقاها أرضًا بعد حديثه السام، وختمه مرددًا:
"خلي بقا اللي بتحبيه ينفعك، ووريني كده هيقدر يقرب ناحيتك إزاي... الله في سماه أقتلك وأقتله، والقانون في صفي... فاهمه."
صرخ في وجهه بحرقة نار ناشبة في صدره، ولم يصرفه عنها سوى صوت جرس الباب ينبئه بعودة عمها ومعه المأذون.
ذهب ليفتح الباب، ليتفاجأ بالمأذون المميز بدفتره، وعمها أنور، ولجوارهم ثلاث رجال وسيدتين. فسأل:
"مين دول؟"
ليجيب أنور:
"مش قولت لك أجيب قرايبنا... دول ولاد عمي وبنات عمتي."
هز رأسه متفهمًا، ثم سمح لهم بالدخول، لتتقدم منهم لونا مندفعًة تقول:
"أنا مش موافقة على الجواز... مش هينفع أتجوز من غير موافقتي، ولا إيه يا شيخ؟"
ليهتف أنور بغل:
"آه يا فاجرة... عينك وسع كده... بقا قافشينك معاكي في الشقة وتقولي مش عايزة أتجوزوا.. مالكيش في الح...."
"بسسسسسس... ولا كلمة زيادة، خليني محترم سنك."
كان ذلك صوت ماهر الصارم، والذي أرعب أنور وكل الحاضرين. ليلتف بعدها للونا يقول:
"ادخلي جوا لحد ما كل حاجة تخلص."
"مش داخلة."
ثم وجهت حديثها للمأذون تقول:
"أنا مش موافقة يا شيخ."
"يبقى مافيش جواز يا آنسة."
نظر له ماهر بحدة يكاد يقتله، لكن المأذون هز كتفيه وقال:
"مستحيل أكتب كتاب واحدة مش موافقة على جوازه، كده العقد يبقى باطل، ولو طلعت من هنا وجبتوا غيري هبلغ عنكم."
سحبت لونا أنفاسها أخيرًا، تشكر المأذون بعينيها. ليقول ماهر:
"ولو سمعت موافقتها."
"ساعتها هعقد عليكم بأمر الله."
"تمام... دقايق وجايلك."
ثم سحبها ودلف بها لأقرب غرفة، يغلق عليهما الباب، مرددًا:
"أنا مش عايز لعب عيال... وقسماً بالله لأربيك على اللي انتي عاملتيه ده... بترفضيني قدام المأذون والناس."
فقالت بعد تفكير لثوانٍ:
"خلاص، خليها عقد عرفي عشان حجتك لو حبيت تقتلني، العقد العرفي إثبات."
"أه يا شمااال.. أه يا شماال.. عرفي وبتقوليها كده في وشي..." لتظلم عيناه وهو يكمل:
"ولا عشان تبقى ورقة وتتقطع وتروحي تجري على حبيب القلب؟ عشان أقتلك ساعتها بجد."
لحظتها استشعرت لونا شيئًا... شيئًا مختلفًا جعلها تجعد مابين حاجبيها، تنظر له باستغراب. ليلاحظ ذلك، ويعلي نبرة صوته ينتشلها سريعًا:
"اخلصي، أنا مش فاضي لك.. خليني أروح لجدك، ولا أمشي وأسيبك انتي مع عمك هنا، وتفضلي طول عمرك مش عارفة توصلي لأبوكي."
طالعته بحيرة وتعب، ليقول:
"معاكي تلات دقايق تقرري، هتخرجي معايا تقولي آه ولا لأ."
صمتت، ومر الوقت، ولم تشعر سوى بجملة المأذون يردد:
"بارك الله لكما وبارك عليكما."
وتحرك ماهر بعدها، يقترب منها، ثم يميل يجمع رأسها بين كفيه، ويقبل جبينها، وعلى بعينيه فرحة حقيقية وهو يقول لها بصوت رخيم:
"مبروك يا لونا."
"!!"
كان ذلك بالفعل هو ردة فعلها على تصرفه الأكثر من حميمي. تقسم لو كان الوضع غير الوضع، لكانت قد ذابت بين ذراعيه الآن من شدة رومنسيته وحميميته ودفء صوته... لقد كان ينظر لها وكأنه أخيرًا قد نالها... جعدت مابين حاجبيها، تسأل هل هو مجنون أم مصاب بإنفصام الشخصية.
وقال بعدها:
"جهزي نفسك عشان هنمشي من هنا."
هزت رأسها وتحركت بصمت مطيع ناحية غرفتها، ليلتف له أنور ويقول:
"أظن بقا آن الأوان نتحاسب."
ابتسم له ماهر بظفر، يطالعه بنظرة غموض وانتصار.
في سيارته كان يقود بمزاج مبتسمًا رغماً عنه، وتلك الجالسة لجواره باتت زوجته... لقد تزوج لونا وهو سعيد... سعيد جدًا.
كل دقيقتين أو أقل ينظر عليها ويفرح، ويعود بعينيه من جديد يراقب الطريق. لكنه ما إن وصل عند البيت، حتى نظر عليها قائلًا بعدم رضا:
"ماكنش في تيشيرت تاني أطول من ده شوية؟"
أسبلت جفنيها بحزن، لا تريد مجادلته الآن، يكفيها ما جرى.. لقد قضي على مستقبلها وانتهت حياتها، ولم تكن تملك أي وسيلة لتغيير كل ذلك.
تسمعه وهو يقول بعدم رضا:
"ومالك رافعة شعرك كده ورابطه التيشيرت من على وسطك؟"
"هو ستايله كده."
"يبقى يتغير.. فكيه، وما تعمليش شعرك كده تاني وأنتي برا البيت، فاهمه."
"فاهمه."
قالتها، ثم شرعت في تفكيك التي شيرت، لكن لم يعجبه، وقال:
"برضه ضيق.. ماتلبسيهوش تاني."
لم تجب عليه، بل قالت:
"هو مش أنا اتجوزتك يعني بقيت في وشك وكرامتي من كرامتك! فين حقي اللي عند عمي؟ أنا عايزاه."
سحب نفسًا عميقًا، ثم قال متهربًا:
"مش وقته... أنا لازم أنزلك وأتحرك دلوقتي على المستشفى عشان كلموني... تدخلي وتطلعي على أوضتك، ماتطلعيش منها.. يالا."
هز رأسها موافقة، وغادرت، بينما هو ظل ينظر عليها من بعيد يبتسم بفرحة يكاد يجن منها.... آآآه لقد تزوجها.
بقى يراقبها حتى اختفت بالداخل، ليحرك مقود السيارة ويتحرك وهو يتنهد عاليًا بتعب وهيام.
دلفت لونا للداخل تتلفت حولها برعب، تخشى أن تقابل أحد أخوالها، لكن حمدًا لله لم تقابل أي منهم، وأنما تقابلت مع جنا، التي قرصتها في خصرها تقول:
"هالو يا مززه... كنتي فين يابنتي؟"
"هاااه... كنت... كنت في بيتنا بجيب لي لبس."
نظرت جنا على حقيبة لونا، وقالت بتفهم:
"آه ماشي... بس إيه الشياكة والحلاوة دي؟ حذري فذري مين جاي عندنا النهاردة؟"
"مين؟" سألتها لونا بترقب، بعدما اعتادت الخوف. لتقول چنا وهي تصرخ من الحماس:
"كمال ابن عمي فاخر.. سرّع إجازته لما عرف إن جدو تعب."
"مين ده؟ ماعرفوش."
تأبطت چنا ذراع لونا وسحبتها معها، ليتحركا نحو الداخل، فيما أكملت چنا:
"تؤ... إنتي لحقتي تنسي... كمولة ده ابن عمي فاخر، يعني ابن خالك إنتي كمان، وأصغر من ماهر بسنتين، بس حاجة بقا كده إيه أوووز... لوووز... مز مزازة يخربيته... وبتاع بنات بقا ماقولكيش."
فكرت چنا لثوانٍ، ثم تحدثت بعبقرية:
"أنا بقترح نجوزكوا لبعض، تخيلي لما الشوكولاتة تتجوز المربى، هيبقى الإنتاج إيه... حاجة نايتي خالص."
ضحكت لونا بهم... آه لو تعلم آه.
وبينما هما كذلك، إذ بأحد الخدم يردد مهللًا:
"كمال بيه وصل."
لتهرول چنا بحماس تسلم عليه وهي تسحب لونا معها، ثم تترك يدها وتقترب منه، ولونا قد توقفت بفتور، غير مهتمة.
ترى چنا وهي تنتظر خروجه من السيارة، ويفتح الباب ليخرج شاب عريض، بشرته خمرية وطويل، لديه مزيد ومزيد بل مزيد من الوسامة. يبتسم بفرحة شديدة ما إن أبصر چنا، يصرخ:
"چنچونة... إيه ده؟ ده إنتي على الحقيقة طلعتي مختلفة، كبرتي يا عفريتة."
"شوفت... احلويت أخر حاجة، مش هتلاحقوا عليا من العرسان."
"ماشية معاك يا عم.. هيبقى عندهم نظر طبعًا.. إيه ده من الصاروخ العابر للقارات اللي واقف هناك ده يابت يا چنچونة؟"
"دي لونا اللي قولت لك عليها."
"لا بس عوووود وع المظبوووط.. مرتبطة بقا لونا؟"
ضحكت چنا عليه، وقالت:
"تعالى أخدمك وأعرفك عليها، ينوبك ثواب أخوكي عطشان."
ضحكت، تتقرب منها، فتقول لها:
"لونا.. ده كمال..."
قاطعها يقول هو وهو يمد يده ويسبل عينيه للونا:
"سيبك منها.. كمال فاخر الوراقي، ٣٠ سنة، دكتور أسنان شاطر خصوصًا الحشو، أعزب ووحيد ولم يسبق لي الزواج، وأبحث عن شريكة للتعارف الجاد."
لينتفض ثلاثتهم على صوت صرير سيارة ماهر وترجله السريع منها ورزعه للباب من خلفه، ثم تقدمه منهم بوجه مقفهر.
رواية سيطرة ناعمة الفصل السادس 6 - بقلم سوما العربي
تقدم منهم بوجه مقفهر كأنه مجرم غير مبالي بعودة ابن العم بعد غياب قد طال. كل همه تلك الليونة التي تقف أمام رجل بوسامة كمال. هو بالفعل على علم بوسامة كمال التي كانت ولا تزال دوماً تغرق الفتيات في غرامه. وهو كذلك على علم بأن لونا فتاة تعجب الباشا، وإلا ما كان ليقدم على كل ما فعل كي ينالها.
توقف عندهم يقول:
"حمدلله على السلامة يا كمال."
نظر له كمال بجنون، يردد:
"حمد لله على السلامة يا كمال؟! هو أنا كنت بايت في حضنك؟! إيه يا جدع أنت ده؟!"
نظر لجنا يسأل:
"هو لسه غتت زي ما هو؟"
"إخس عليك يا كمال، ماتقولش على ميمو كده؟"
"ميمو؟؟ ده شكل ميمو ده."
ظل كمال وجنا يتجادلان حول إن كان ميمو أم لا، بينما لونا تقف تحاول الهرب من نظراته المميتة المسلطة عليها. وحدها تحاول تفاديها ببرود، رغم شعورها أنه قد تكون معنية بها.
ليقدم ماهر على احتضان كمال بحرارة حقيقية، مردداً:
"حمدلله على السلامة يابن عمي، نورت البيت."
"آه كده، انت كده ممكن نسميك ميمو، ماشي أنا موافق."
"شكراً ياعم على كرم أخلاقك."
ثم أضاف من بين أسنانه رغماً عنه:
"مش ندخل احسن؟"
ضيق عيناه بتحذير ناحية لونا، يقول:
"ولا إيه؟"
نظر ناحية جنّا وسألها:
"أدخلوا انتو جهزوا السفره، وأنا وكمال هنيجي وراكم."
"حاضر... يالا بينا يا مزه على المطبخ."
وأخيراً تحركت لونا مع چنا للداخل تحت نظرات ماهو الغاضبة، وكمال الذي أضاف:
"ده الطب أتقدم قوي في مصر."
"كماااال."
انتفض كمال يقول:
"جرى إيه ياكبير، أنا كده ممكن أقطع الخلف."
"أنا بقول تتظبط بدل ما أخليك قاطع مايه ونور خالص."
حمى كمال جسده بطريقة موحية، ثم قال:
"هي حصلت كله إلا الكهربا... وبعدين في إيه ياعم بقا، هو ده استقبالك ليا، اخس عليك اخس... ماكنش العشم يا ....ميمو."
"اتلم ياض واطلع قدامي، نقعد في الجنينه على ما الأكل يجهز."
"أيوه أنا فعلاً محتاج اطلع الجنينه أفهم منك مين لونا دي وايه حكايتها."
نار نشبت في صدر ماهر من حديث كمال عن لونا، حتى رغم علمه أن كمال يمزح كالعادة. تقدم يجلس معه في الشمس يسأل:
"أيه بقا الكلام على إيه؟"
"مشاكل وحوارات... لونا تبقى بنت عمتك رحيل اللي..."
قاطعه كمال متذكراً:
"أيوه أيوه... ياخبر.. ده تلاقي أبويا وعمي مش طايقنها.. مانا عارفهم."
"هما مش طايقنها وبس؟ إحنا كل يوم خناقة، وأخر مرة جدك وقع فيها. المشكلة إن البنت حالياً مالهاش حد، وعمها راجل ابن وسخة، لأ وراميها وكل يوم ملبسها مصيبة عشان يخلص منها. أخر مرة جاب لها كتيبة فيران في البيت."
"فيران؟!!!"
"أه والله، مش بقولك ابن وسخة.. ده كمان كان ناوي يجوزها مقاول كبير في السن ومتجوز ومخلف.... مش عارف هحلها إزاي دي، هي حقها تاخد ورثها و ورث أمها خصوصاً إن عمها سرق كل فلوس أبوها ومش راضي يرجعهم، وجدك متمسك بيها كأنه بيكفر عن غلطه في حق أمها، وأبوك وعمك قايدين البيت حريقه بسببها ومش طايقنها لا في سما ولا في أرض."
تئكأ كمال في جلسته يقول:
"أنا عندي أنا حل الموضوع ده؟"
نظر له ماهر بتوجس ثم سأل:
"إزاي؟"
"أتجوزها واحل المشكلة."
تفقزز جسد ماهر رغم محاولته تحجيم ذلك وقال:
"نعم؟"
"أيوه مالك بس."
"لم نفسك يا كمال، مش عايز أتغابى عليك."
"وتتغابى ليه ياعم، هي تخصك في حاجة؟!"
بهتت ملامح ماهر ونيران قلبه جعلته ينتوي المجازفة، وهم لأن يصرح أنه نعم هي بالفعل خاصته، لكن كمال استبق يكمل:
"أنا يعني الحق عليا، كنت هحل معادلة صعبة. أنا طول الوقت مسافر ومش هنا، فتبعد عن ابوك وعمك وجدك يبقى مطمئن عليها وهتبقى في إيد أمينة.. خلينا ندلع الچيلي بقا يا ماهر."
تعصب ماهر وقال:
"كمال... إنسى الموضوع ده خالص، وبعدين أنا ولونا..."
"أحلى ورق عنب لأحلى كمولة في الدنيا."
أقتطع أعترافه الضروري دخول چنا، التي لا يريدها أن تعلم رغم رغبته في إعلام كمال كي يضع النقاط فوق الأحرف، ويتفهم أن لونا تخصه كي لا تزوغ عيناه عليها، خصوصاً وهي بالفعل جميلة، سيعجب بها أي رجل... إنها حقيقة علمية لا يمكن إنكارها، فهناك أشياء لا يختلف عليها اثنان، ولونا بمقاييس الجمال ليست جميلة فحسب، بل أيقونة.
غرق في أفكاره يبحث كيف سيخبر كمال، فهو يرى ذلك ضروري جداً، في حين كان كمال مندمج مع چنا يهلل:
"الحقيني بيه... أااااه ياقلبي... أنت كنت فين من زمان، ده أنا معدتي نشفت من غيرك يا حبيب قلبي."
تقدمت لونا كي تخرج فوق من مكانها قبلما يراها كل من چنا أو كمال ويسألوه لماذا سحبها معه للداخل. فتحرك لعندها يأمرها بغضب:
"قدامي على فوق."
"في إيه؟!"
"من غير ولا كلمة قدامي على فوق."
"لا أنا جعانة ومحتاجة أكل، ما أكلتش من إمبارح."
"أنا بقول الكلمة مرة واحدة سامعة... يالا قدامي."
تحركت معه على مضض، تصعد لغرفتها التي سكنتها مسبقاً، تدلف وهو بعدها ثم يغلق الباب ويقول بحده:
"أيه الي حصل تحت ده؟!"
"أيه آلي حصل؟!"
"هو أنا مش نزلتك من العربية وقولت لك تتزفتي تطلعي أوضتك؟"
"أتزفت؟! أنت بتتكلم معايا كده ليه أصلاً؟ أحترم نفسك بقا والتزم حدودك."
اشتعلت عيناه وهو يسمع ما تقوله ليقترب منها مردداً:
"أ..أيه؟ ألتزم حدودي... شكلك ناسيه إنك مراتي يا هانم."
لم تهتز من كلماته وقالت:
"وانا ماعملتش حاجة أصلاً تستاهل إنك تكلمني بالطريقة دي."
جذبها من كنزتها القنطنية البديعة عليها وقال:
"وهو ده لبس تلبسه واحدة محترمة، مش قولت لك تغيريه."
"مالو لبسي مش فاهمه."
"ماله لبسك.. بطنك باينة يا هانم."
"ما أنا بشوف چنا بتلبس كده عادي."
"أختي صغيرة."
"أنا أكبر منها بسنتين."
"أنا مش عايز جدال وكلام كتير، اللي بقوله يتسمع وتقولي حاضر فاهمه."
"لا مش فاهمه أنا ماعمل..."
قاطعها يقول بتحذير:
"مش عايز جدال وبلاش تخليني أقلب على الوش التاني."
"هو لسه في وش تاني أصلاً؟"
"اه في، وقسماً بالله لو ما اتعدلتي لأسود عيشتك فاهمه... واقفة تتمرقعي مع كماااال؟؟؟"
صرخ بجملته الأخيرة غاضباً بشدة، لتجحظ عيناها وترد بغضب هي الأخرى:
"بتمرقع؟! حلو... طب اسمع بقا... أنت مش متجوزني عشان تلمني زي ما بتقول... مالكش عندي غير كده، لما تبقى تظبطني معاه أو مع غيره في وضع مخل أبقى تعالى أقتلني زي ما بتقول، عشان انت شكلك لسه ماتعرفش مين هي لونا."
صرخت في وجهه بما تفوهت، لقد وضعت في وضع صعب لدرجة أنها باتت تصدق على نفسها ما يتهمها به زوراً، ومن كثرة التكرار رددته بلسانها عن نفسها، فأي ظلم أكثر من هذا. رغماً عنها أجهشت في البكاء، وقد صعبت عليها نفسها، لينشق قلبه وهو يعلم أنه سبب كل ذلك وأنها محقة.. أوصلها لأن تتفوه بما أوهمها به، لقد نجح في تشكيكها بنفسها، إنها أعلى درجات الظلم.
فتحرك جسده طواعية لقلبه ناحيتها وهو يحاول أن يحتضنها، لكنها كانت تبتعد بنفور، تبعده ثم همست بقهر:
"أنا بكرهك... وأنا اللي عمري ماكرهت حد في حياتي..."
اتسعت عيناه وهو يسمع ما تقوله لينسحب الدم من جسده فجأة، وهو يسمعها تقول بصدق حقيقي:
"انت أول شخص أكرهه، ويمكن تكون الوحيد."
لم يستطع مواجهة ما قيل، فقد كان أكبر وأعظم منه.. خرج من عندها يذهب لغرفته يغلقها عليه وهو يضع يده على فمه غير مصدق ما سمع، لا يعلم كيف سيتصرف معها ولا مع الوضع كله.
لكن رنين هاتفه أخرجه من كل ذلك، حينما وجد اتصالا من والده يقول:
"أنت فين يا ماهر؟"
"في البيت، كمال رجع، هاخده ونطلع لجدي ع..."
قاطعه عزام يقول:
"طب كويس... خلي كمال هو اللي يروح يطلع جدك وتعالى لي، حماك على وصول."
جن جنون ماهر يسأل وهو يتحرك بلا هوادة:
"إنت خليته حمايا خلاص؟!!!"
"أيوه... دي صفقة العمر... جوازه هتحطنا في حتة تانية خالص في البلد، والبت عينها منك يعني سالكة زي السكينة في الحلاوة."
"أنا مش موافق ومش عايز."
"خلاص يا كمال، مابقاش نافع، ده أنا تقريباً فاتحته."
"وانت ازاي..."
قاطعه عزام يقول:
"هو إيه اللي ازاي ومش إزاي... انت ابني وأنا شايف لك الصالح... المصلحة بتقول إنّ الجوازة دي لازم تتم، والراجل لمح كذا مرة وبنته ميالة.. فمكنش في فرصة أعمل عبيط ساعتها كان هيقلب عليا."
"يانهار مش فايت... يعني هما أمروا ومش مهم رأيي؟! خطبوني يعني؟! ترضاهالي يابابا؟!"
"أرضاهالك أه... ومارضاش بأحسن من كده لأن مافيش جوازة أحسن من كده... ماتنشف كده في إيه.. الستات كلهم صنف واحدة، فخد بقا اللي تفيدك، الستات كلهم على السرير واحد.. قدامك نص ساعة وتكون عندي سامع... سلام."
أغلق المكالمة بحسم شديد، وخلف ماهر يقف يشعر بالغضب والعجز، يردد:
"لا... مستحيل أوافق بكده.. أنا لازم أروح أمنع كل ده."
صمت يتذكر جملة والده ثم ردد:
"لا كلهم مش واحد... كلهم مش لونا."
ليغمض عيناه بألم، يسمع صدى جملتها في أذنه حين أخبرته أنه أول من كرهت بل الوحيد، وتداهمه فكرة أخرى أنه مساق للزواج بأخرى. ليشد جسده ويسحب نفس عميق... فقد فعل كل ذلك لتبقى له ومعه يضمنها، وبعدها سيهون عليه أي شيء، حتى لو أرغم على الزواج بعشرة لا يرغبهم، فسلوته أنه قد نال لونا وضمنها لنفسه حتى ولو بالزور.
مسح على وجهه وهو يقرر أن مازال الوقت معه، سينسيها ما فعل بها ويحاول تغيير وجهة نظرها عنه، يؤمن أن كل شيء قابل للتغيير، وهو بالأكيد مازال لديه الفرصة.
فخرج من غرفته وذهب لغرفتها يدق الباب، لكن لم يتلقى رد.. ليصك أسنانه بغضب وهو يفكر أنها بالتأكيد هبطت لمشاركتهم الطعام. حاول تهدئة نفسه، يقسم أن يعاملها جيداً كي يصحح ما جرى بينهما.
وصل للحديقة ليقف متأملاً بصدر منشرح جمالها وسط الورود والخضرة، وما زاد جمالها هو أنها تضحك أخيراً بإشراق.. ابتسم بداخله، فعلى ما يبدو أنها لم تتمكن من الضحك إلا بعدما أخرجت شحنة من شحن غضبها في وجهه وعبرت عنه.
لكنه شعر كذلك بالضيق، وقد فقع عينه جمالها الواضح وتأنقها، بحيث كانت بالفعل لذيذة وجذابة تسر الناظر لها، خصوصاً بعدما بدلت ثيابها من كنزه قطنية وجينز وارتدت فستان أخضر بسيط جعل منها لوحة فنية ممتزجاً مع جمال شعرها الجميل، ليهز رأسه بقلة حيلة، فماذا سيفعل وكيف سيتحكم بالأمر، ماهي بالفعل جميلة، تلك هي خلقتها وحظها، لا يملك تغيير الوضع، وكذلك لا يمكنه التحمل، فهمس:
"أعمل فيها إيه بس."
زفر أنفاسه بتعب، ثم تقدم منهم وعلى عيناه ابتسامة ينظر عليها كأنه مقرراً مراضاتها... تقدم يجلس بجوارها، فهمت بالإنتقال، فأستغل إنشغال كمال وچنا بالحديث عن ورق العنب المصري وجماله، ليهمس لها:
"أقعدي جنبي يا لونا."
لاردت بإقتضاب، فيقول متفهماً:
"عشان خاطري."
نظرت بضيق شديد من توسله، بمزاجه يسير عصبي وعنيف يلقي بالتهم جزافاً، وبمزاجة أيضاً يقرر أن يصبح الوضع رواق ويبتزها بأسلوب راقٍ كي لا يتثنى لها الرفض. كبت ضحكته وقد فهم عليها، وفهم أيضاً أنها ستصرخ في وجهه الأن بجنون، ليلحقها قبلما تفتح فمها فيقول:
"شششش.... أهدي أحسن لك بدل ما أقوم دلوقتي قدامهم وأعمل حاجات أنا هموت وأعملها."
هزت رأسها بجنون تقول:
"إستحالة تكون طبيعي."
ثم أضافت بجدية:
"يا ماهر انت أكيد عندك إنفصام، محتاج تتعالج."
"حاضر."
ثم ابتسم، لتود أن تصرخ في وجهه بجنون، من تلك الشخصية، هي بالفعل لا تعلم له وجهه محددة ولا تستطيع تحديد شخصيته، كل لحظة هو في حال.
قاطعهم صوت كمال الذي لاحظ همسهم يقول:
"بتترغوا تقولوا إيه.. يالا أنا ميت من الجوع."
"صح يالا خلص أكل عشان تروح تطلع جدك من المستشفى."
"نعم يا حبيبي؟؟ هو خلاص مافيش دم؟! أنا لسه جاي من السفر."
"جاي على جمل يعني يا كمال، ماتنشف كده في إيه؟ أنا لازم أروح الشغل لبابا دلوقتي حالاً."
زفر بتعب وألقى الشوكة من يده وهو يتذكر ما ينتظره هناك، لينظر يميناً ناحية لونا ويشعر بالضيق الشديد، فجعدت ما بين حاجبيها بإستغراب من نظراته لها، هي بالفعل محتارة في شخصيته، بينما ماهر قد أشاح بعيناه بعيداً يفكر هل سيستطيع إيجاد حيلة يتهرب من خلالها من تلك الزيجة؟
وقف من مكانه مقرراً عدم التأخر، سيذهب لهناك سريعاً يواجه، ربما استطاع تغيير مجرى الأمور، فقال:
"أنا لازم أتحرك دلوقتي... يالا يا كمال."
"و ورق العنب؟!"
"قووم يا كمال."
"أوووف."
تحرك كمال ناحية السيارة وكذلك ماهر، لكن لونا أوقفته منادية:
"ماهر... استنى."
ألتف ينتظرها وهو ينظر عليها مستغرباً تصرفها، يراها تهل عليه مسرعة ليبتسم داخله ويسأل، لما لا يتلقفها داخل أحضانه يغمرها فيها يفرح ويستمتع بها؟ فيما تقدمت لونا منه فسأل:
"في حاجة يا لونا؟"
لتتحدث بإستكانة قررت تجربتها، تنتطق بتهذيب:
"يا ماهر أنا كلمتك عن بابا وقولت لي مش وقته، بس الوقت بيعدي والوضع مش بيتغير، ياريت يا ماهر تتصرفلي في الموضوع ده عشان خاطر بابا، حتى اعتبره شخص بتعطف عليه لو أنا يعني ماليش خاطر عندك."
ليبتسم بعذوبة ويجيب:
"بس يا عبيطة... أنتي خاطرك غالي عندي قوي يالونا."
"هااااااا؟!!"
اتسعت ابتسامته من فرحتها ليضيف:
"لما أرجع النهاردة هجيب لك معايا خبر حلو... استنيتي.. أوعي تنامي."
"هستناك أكيد."
كان يود أن يقبلها حتى لو من خدها، لكن چنا تجلس قريبة وستراهم، لذا كبت رغبته وغادر بها، تاركاً لونا خلفه تردد بجنون:
"ده وافق عادي!! ده طلع الدكتورة دي عندها حق بقا..."
صفقت بيديها مهللة:
"بركاتك يا دكتورة سارة."
ثم هرولت تصعد لغرفتها تفتح جهازها المحمول تتابع فيديوهات ونصائح أخرى لنفس الدكتورة. فتحت الفيديو التالي وقد كان مفاده كيف تستغل الصوت والنظرات والجمال في إغواء من يقابلها، وتطلب منه تعلمها كيف تستغل ذلك الجمال الذي لطالما كان نقمة عليها وصوتها الرقيق والدلع المنبعث من عيناها دون أدنى مجهود.
تتذكر كم قمعت من المجتمع وكانت مرفوضه من الكثيرين، فكيف لمجتمع يطلب من البنت أن تسترجل في كل الأوضاع وتصبح خشنة كي لا يتم التحرش بها، بدلاً من تربية ذكر البطريق الذي أنجبوه، لا... يحملون شهواته على عاتق فتاة قد خلقها الله وأنزل معها حفنة من الدلال والدلع.
فكانت لونا ضحية نساء مقهورات تربين على أن الصوت المتسهوك لابد وأن يحارب أو ينبذ، فإما أن تتغير تلك الفتاة ويخشوشن صوتها كالرجال، وإلا نعتوها بقلة الأدب والحياء.
أخذت نفس عميييق تضع الهاتف جانباً تسأل نفسها تلومها كيف تركت نفسها لسنوات تحت تأثير مجتمع كهذا، وكيف كانت تأخذ صورة عن نفسها من رؤيتهم لها. ارتخت في جلستها مهمهمة بتلذذ، فتهمس وهي تبتسم:
"اااه لو وافق.. هزود العيار حبتين وأخليه يجيب لي شغل."
سرحت متأملة:
"أه لو أمن شغل كويس وبيت بعيد عن عمي... ياسلام تبقى الدنيا ضحكت لك يابت يالونا."
دلف لمكتب والده بخطى واثقة بعدما فكر كثيراً في طريقه للخروج الآمن، لكن ما أن دلف حتى تفاجأ بوالده يقول بحبور:
"أهو العريس جه أهو."
بهت وجهه.. هل فاتحه مباشرة بالفعل وبات هو العريس؟! تقدم بخطوات متثاقلة يردد:
"مساء الخير."
ليرد والده والرجل الآخر:
"مساء النور يا حبيبي... تعالى سلم على حماك.. إبسط يا سيدي، كلمتهولك ووافق وهيعمل الخطوبة قبل لونشنج المشروع الجديد، إيه رأيك.. عشان تبطل تلح عليا."
لتغاضى عن النظر لأبنه المحترق وينظر للرجل الذي يجلس أمامه يرتدي بذلة غالية، يبتسم وهو يدخن سيجارة، فيكمل:
"مش عايز أقولك يا عبد الرحيم بيه، هاريني زن... واضح إن الآنسة جميلة مطيرة النوم من عينه."
صوت قهقهات عالية مستفزة صدحت في أذنه، جعلته الأن فقط يدرك بل ويشعر بما حدث مع عمته رحيل منذ خمس وعشرون عاماً، وإذا كان هو رجل وأقوى منها يقف الأن يشعر بالقهر ملازم لقلة الحيلة، فما بالك بها.
تأخر ميعاد خروج الجد، فقرر العودة للبيت لتبديل ملابسه ثم اللحاق به هو وكمال بالمشفى. دلف للبيت بتعب شديد وأقدام متثاقلة، وكالعادة قد خلع عنه معطفه يحمله بيد واحدة على كتفه، يتذكر ما فعله والده وذلك الجدال العقيم الذي لم يثمر بشيء معه، فقد كان مصمم على ما يراه من مصالح كثيرة ستجنيها تلك الزيجة.
يتقدم وهو يهز رأسه بحزن شديد، يسأل ماذا عنه وما يريد؟! ماذا عن لونا التي هي ما يريد. بينما كانت أفكاره تتلاعب به مثل الكرة، وقف في منتصف الردهة وقد تخشب جسده بعدما أتاه صوتها الغموي من خلفه يناديه:
"ماهر."
فالتف ببطء شديد ليصدم ويسقط معطفه من يده، بعدما التف لها ورأى هيئتها كيف تنتظره...... يتبع.....
رواية سيطرة ناعمة الفصل السابع 7 - بقلم سوما العربي
سقط الجاكيت من يده لا إرادياً وقد فقد السيطرة وكذلك النطق.
لونا فتاة كما يقال عنها بالمثل الدارج تحلُ من على حبل المشنقة، وقد أضحت زوجته.
بلل شفتيه يحاول تمالك حاله وألا يفتك بها الأن وقد خرجت عليه بكامل حلّتها وزينتها وكأنها تتحداه.
لونا.. ذات الليونه العالية والعيون المغوية والصوت المسهوك تتقدم منه بخطوات بطيئة مثيرة وهي متأنقة في ثوب مذهب قصير تناغم مع قدها المياس بروعه ساحره وقد حررت شعرها بتموجاته الرائعة.
تحدثته بإبتسامة متعبة للأعصاب:
- حمد لله على السلامة يا ماهر.
وهل سيتمكن ماهر المسكين من الرد في كهذا موقف، لقد حاصرته وأسرته بنجاح.
إبتلع رمقه بصعوبه وعلت أنفاسه بل سخُنت ينتظرها أن تقترب أكثر بعدما تثبتت قدميه في الأرض إحتراماً وتقديراً لهذا الجمييييل.
ولونا تمارس عليه أقصى درجات العذاب حين قالت:
- أنا أستنيتك أهو زي ما قولت لي.
ففتح ذراعيه ببلاهة يردد:
- هاتي حضن.
رمشت بأهدابها مرتبكة، لم تكن تلك هي أهدافها مطلقاً.
ظل ينتظر بإلحاح وإحتياج، هو محتاج لذلك جدداً وهي قررت أن تنادي الكلب بسيدي حتى تقضى حاجتها لذا أقتربت بتوتر وتحاملت على ان تفعل و.... غمرته.
ما أن ضمته حتى أغمض عيناه متأوهاً بينما لونا تكمش ملامحها بضيق وامتعاض، تشعر أن قدرتها على التمثيل أوشكت على الإنتهاء ولن تتحمله زياده عن ذلك القدر.
لذا همت لأن تخرج من أحضانه وتبتعد لكنه لم يستطع بل تمادى المجرم وبدأ يسحبها نحو غرفته فصرخت:
- موديني فين؟!
انتهت جملتها مع إغلاقه لباب غرفته عليهما من الداخل ثم جاوب بإبتسامة:
- لأوضتي.. ولا تحبي يشوفونا؟! أنا عن نفسي ماعنديش مانع.
حمحمت بإدراك ثم قالت:
- لأ وعلى أيه، الطيب أحسن.
ضحك بخفه من حلاوتها بينما لونا عادت لعقلها وقررت إكمال طريق الطلب بالإغواء فهمست:
- ماهر.
رفرف قلبه بين أضلعه وإسمه من فمها بصوتها يزلزله فيردد بلا سيطرة منه على نفسه:
- يا عيون ماهر.
تشكلت داخلها علامة استفهام كبيرة فطريقته كمن يتعامل مع حبيبته وليس كما هو حالهم، لكنها أبعدت عقلها عن كل هذا لتركز على إنهاء مهمتها كونها ماعادت تتحمل المكوث معه بغرفته أكثر من ذلك فأكملت:
- قبل ما تمشي أنا كلمتك عن بابا وانت قولت لي عندك خبر حلو لما ترجع هتقولهولي.
همهم مبتسماً وسأل:
- عشان كده لابسه ومتشيكة ومستنياني.
هزت رأسها بثقة وقالت:
- انت لسه ما تعرفش مين لونا.. أنا أيقونة، ومتربية على العز، طول عمري بلبس كده جوا وبرا البيت وكل البنات كانت بتقلدني.
عض على أسنانه يضربها على ذراعها العاري مردداً بحده:
- بتطلعي بدراعاتك دي كده؟!
- ااااه... أيدي يا ماهر.
ناظرها بضيق شديد فحاولت امتصاص غضبه ريثما تحصل على ما تريد كما تعلمت مؤخراً:
- لا ده وانا صغيرة بس انا كبرت خلاص ومصيري أعقل، المهم قولي عملت إيه في موضوع بابا؟
سحب نفس عميق ثم قال:
- مستعدة يعني للي هتسمعيه؟!
ضحكت متألمة وجاوبت:
- مستعدة.
- بصي يا لونا انا مش عارف ايه حصل معاه بس هو تعبان جداً وعمك كان مدخله مصحه بس مصحه شمال من الاخر.
كانت تتابع ما يقوله بوجه خالي تماماً من الإنفعالات كأنها لديها علم مسبق، غير متفاجئة ولا مصدومة ليكمل:
- أنا عرفت إزاي أضغط على عمك وخرجته من المصحة الي كان حاجزه فيها ودلوقتي باباكي في مصحة محترمة وكبيرة.
فهمست بوجع:
- عايزه أزوره.
جعد مابين حاجبيه وسأل:
- انتي مش متفاجئه خالص!!
- عمي يعمل الأكتر من كده... بابا كان بيهلوس قدامي وبيكلم ناس مش موجودة وفجأة أختفى وانا كنت بلف حوالين نفسي.
جلست على أقرب مقعد تحاول الا تبكي فيما اقترب منها ماهر يجلس بجوارها وهمس:
- أهدي ماتعيطيش.
فقالت مباشرة:
- عايزه أروح له.
ليجيب:
- الزيارة ممنوعة عنه.
نظرت له بحده كبيرة وشك عظيم تراه لا يتخير عن عمها بشيء ليزفر بضيق ثم قال:
- من غير البصة دي انا مش بشتغلك.. الزيارة فعلاً ممنوعة عنه ولفترة كبيرة بس عشان تطمني انا هاخدك أعرفك المستشفى عشان تبقي عرفتي إسمها ومكانها وهخليكي كمان تتكلمي مع الدكاترة بنفسك وتعرفي الحالة وتشوفيه من بعيد.
تهلل وجهها تسأل:
- بجد يا ماهر؟!
مسح على شعرها بحنان يقول:
- بجد يا لونا.
أبتسمت عيناها كأنها تشكره لتتسع إبتسامته ومالبث ان إشتعلت عيناها تسأله بشك كبير:
- وانت ازاي عرفت تدخله مصحه كبيره ومحترمه من غير ما يكون لك اي سلطة عليه ولا حتى صلة قرابة.
- عمك هو الي خلص كل الإجراءات بصفته أخوه.
- وهوه ازاي عمي وافق بسهوله كده؟!
ضحك بزهو قلدها حرفياً:
- انتي لسه ماتعرفيش من هو ماهر.
فانتهزت الفرصة تحاول المضي في خطتها للنهاية:
- طب وياترى ماهر هيقدر يرجع لي فلوسي من عمي.
ضحك ضحكة خبيثه قد تشكلت على جانب ثغره فهو لن يعطيها ماقد يحررها او يساعدها على الوقوف على قدميها بدونه لذا قال:
- دي قصه كبيره قويّ ومحتاجه روقه يا لونا خلينا نمشي واحده واحدة والمهم دلوقتي نطمن على باباكي.
- بس انا محتاجه للفلوس عشان أصرف منها، بابا فلوسه ماشاءالله تكفيني العمر كله من غير ما أحتاج لحد.
اااااه... هنا مربط الفرس... المال سيغنيها عنه وعن الجميع وهو يريدها دوماً بحاجه إليه لذا قال:
- عارف... بس واحده واحدة.
- هو ايه اللي واحده واحده .. عمي ده سكير وبتاع قمار وكمان بيتعاطى يعني هيخلص على الفلوس مش هيفضل لي حاجة.
كانت تتحدث بحرقه وإشتعال أمام ذلك البارد الذي بات هو من يضع يده على أموالها وهي لا تعلم ثم قال:
- أنا هتصرف.
لعق شفته بلسانه وقال وهو متعب منها:
- بس هاتي حضن بقا.
إبتسمت له بضيق شديد فهل إشتراها هو؟! لكنها عمّدت سريعاً لتغيير دفة الحديث:
- حاضر.. بس .. أحمم.. كنت عايزه أكلمك في حاجة كمان.
سألها بنفاذ صبر، ملهوف عليها:
- إيه هي؟
- عايزه شغل.
ابتعد وقد رفع احدى حاجبيه ثم ضحك يردد:
- شغل؟
- اه.
- ليه؟
- عشان اصرف على نفسي.
- أنا هصرف عليكي.
- مانا مش هقبل بكده.
إقترب منها مجدداً يضع يده على عنقها يتحسسه بأنفاس سخينه وهو يهمس:
- ليه؟ ناسيه أني جوزك؟
بلل شفتيه بإحتياج.. رغبه قوية تملكته يريد تقبيلها لكنها هبت من مكانها سريعاً تشعر بالخطر فقد جاءت متلاعبه ولن تسمح بالتمادي لذا قالت:
- أنا جوعت هروح أكله.
وقف خلفها بسرعه ولهفه:
- لونا أستني.
يريدها بقوه وهي لا تقترب مطلقاً، تشعله ثم تفر.
لم تستمع لطلبه واتجهت للباب تفتحه:
- جعانة جداً هنزل.
- استني عندك.
وقفت برعب ليقول:
- بقولك تستني معايا يبقى تستني.
- هي أوامر.
- أه.
إتسعت عينها لكنها ما عادت تتقاجئ ليقول:
- روحي غيري هدومك ماتنزليش تحت كده.
- ليه؟
- هو ايه الي ليه... صدرك كله طالع برا.
شهقت برعب خصوصاً مع نظراته على نهديها الظاهران وخرجت من الغرفة مسرعاً تسمعه يهرول خلفها يريد كمشها وهي تهرب منه:
- قسماً بالله لو ماغيرتي وحد شافك كده لاقطعك انتي فاهمه.
وقفت متخصرة تعترض:
- أنا طول عمري بلبس كده.
فرد عليها بقوه وتحفز:
- قبل كده ماكنش في ماهر.
وقفت تبتلع رمقها بصعوبة وكانت تنتوي معاندته لكنها حكمت العقل ولو مؤقتاً وتحركت نحو غرفتها تغلق الباب خلفها وعلى وجهها علامات الإذعان، ليبتسم مردداً:
- ااااااخ... عسل بنت الجزمة.
ثم دلف لغرفته وعلى وجهه إبتسامة واسعه سعيدة لم تتلاشى.
بدلت فستانها المذهب لأخر أبيض العن وأضل سبيل.. تقريباً المشكلة ليست بالفستان، قصته أو لونه.. المشكلة تكمن فيها هي في كونها لونا.
فالأبيض الملائكي لم يبدو ملائكي عليها بل إلتف حول منحنياتها الممتلئة يفصلها، نصاعة اللون وجودة القماش أضفت هالة من الروعة والكمال للونا كي تكتمل مصيبتها المتنقلة معها.
واكبر عدو للمرأة هي مرأة مثلها، حيث جلست چيلان تتابع بضيق شديد تقدم تلك الرائعة على الدرج بخطوات لينه متدللة وتقدمت تقول:
- مساء الخير.
نظرت لها جيلان من أسفل لأعلى ثم قالت:
- انتي ايه الي رجعك هنا؟
- نعم؟
- زي ما سمعتي ايه الي رجعك.
- على ما اعتقد ان ده بيت جدي وانا ليا في البيت ده.
- انتي مالكيش اي حاجة هنا ولما تردي على جيلان هانم تردي بأدب.
كان ذلك الصوت الغليظ لعزام الذي دلف وقتها بغضب شديد يرد بعنجهية جعلت جيلان تتحفز واضعه قدم فوق الاخرى وهي تنظر للونا بإستعلاء وفوقيه... فيما أكمل عزام:
- انتي مالكيش أي حاجة هنا سامعه ولا لأ.. يالا أمشي أطلعي برا.
تخشب جسدها وانسحبت منه السخونه وبقا بارد مثلج يرتجف من الإحراج والخوف، لا تعرف كيف تتصرف وبماذا ترد عليه، وهو الأن يطردها....
تفززت بخوف أكبر وهلع حين صرخ عليها بغلظة أشد:
- انتي لسه واقفه... بقولك يالا غوري من هنا.
من صدمتها بقت واقفه لا تستطيع أن تصدر أي رد فعل ليزداد غضبه وغيظة فيتقدم منها بفظاظة تحت نظرات چيلان التي بدأت تبتسم بإنتشاء، سحبها من ذراعها:
- انتي هتفضلي متنحه لي كده... اتتحررركي... غوري من هنااااااااااا.
سحبها يلقيها بالخارج على سلالم البيت الخارجيه وهي لم تنطق بحرف او تصرخ حتى وچيلان بالخلفية تربع كتفيها حول صدرها بزهو.
بينما توقفت سيارة فاخر وخلفها سيارة أخرى... ترجل فاخر يسأله:
- في ايه؟!
- البت دي تمشي من هنا حالاً.
نظر لها فاخر وقال:
- يالا يالا امشي من هنا ... يالاااا اتحركي ماتتنحيش.
- بتعملوا ايه يا ولاد الوراقي.
صدح صوت محمد الوراقي مختلط بإغلاق كمال لباب السيارة و تقدم الوراقي بخطوات متثاقلة يهتف بغضب:
- هي حصلت... بتستغلوا تعبي... بتطردوا حفيدتي في نصاص الليالي.
- بيتنا واحنا حرين فيه والبت دي مش هتفضل فيه يوم واحد كمان يا احنا يا هي فيه.
ليهتف محمد بحزم:
- يبقى هي.
- إيه؟!!!!!!!؟؟
صدح السؤال بصدمه من الجميع يسأله فاخر بغضب:
- انت بتختار البت دي وتبديها علينا... ده بيتنااا.
- ده بيت محمد الوراقي يا فاخر.. والي حصل زمان منكم مع امها مش هسيبوا يتكرر مع البنت ويكون في علمكم لونا الوحيدة الي هتاخد ورثها مني على حياة عيني.
- نعم؟!!!!!!!!!!
- اااه... اما انا وانا لسه فيا النفس عملتوا فيها كده لما غبت عن البيت يومين لو مت ولا جرى لي حاجة بقا هتعملوا فيا ايه.
تقدم كمال يساعد لونا المزجاه أرضاً يمد لها يده:
- قومي يا لونا ماعلش.
هزت رأسها رافضه كبرياؤها مجروح لا تقوى على اخراج صوتها فعاد يردد:
- ماعلش حاولي تقومي.
ضاعف من قوته كي تتكئ عليه فيما صرخ والده:
- كمال... انت بتعمل ايه يا ولد... شيل ايدك من على النجسه دي.
- مايصحش كده يابابا.. مهما كان مايصحش تقول عليها كده.
ثم نظر للونا يساعدها بإصرار:
- قومي معايا يا لونا.
ليقول محمد الوراقي:
- يخلق من ضهر الفاسد عالم.
- هي حصلت يا كمال... بتعارض أبوك... حسابنا بعدين.
تقدم محمد خطوة مرتجفه من لونا يحسها ان تتحرك للداخل:
- يالا يا حبيبتي.
هزت رأسها رافضه ودخلت فوراً في نوبة بكاء تشق قلب الكافر الا قلب عزام وفاخر وكذلك جيلان اللذين وقفوا يرمقونها بغضب شديد.
لكن قوة كمال كانت كبيرة وكافية لأن تسحبها للداخل فيما تقدمت چنا تهتف:
- ايه ده في ايه؟! مالها لونا يا كمال؟
- تعالي يا چنا ساعديني ندخلها جوا.
تقدم محمد الوراقي بخطوات متعبه بالكاد يتحرك، فيما ساعدت چنا كمال للتقدم بلونا للداخل.
نظر كل من فاخر وعزام لبعضهما بغيظ شديد يقول فاخر:
- شوفت عمايل أبوك؟
- شكله حقيقي كبر وخرف... قال يديها ورثها قال.
- على جثتي.
- بقولك كبر وخرف وانا مش هقف أتفرج عليه وهو بيبدد فلوسنا شمال ويمين ... معاك يومين تقولي معايا في الي هعمله ولا هتقعد تتفرج على فلوسك انت وعيالك بتروح للنجسه دي.
ليقف فاخر محتار في أمره بشده بين نارين... بينما في الداخل تقدمت چنا تحمل كوب ماء بيدها تتجه به نحو لونا التي يجلس كمال بجوارها يحاول أن يهدئها:
- خلاص أهدي... ماعلش حقك عليا أنا.
تناول الماء من يد چنا وحاول ان يعطيه لها:
- خدي إشربي.. شويه صغيرين بس.
لكنها كانت تبكي وتشهق بكبرياء مجروح حتى إنشرخ صوتها. وما ان تحدثت حتى قالت:
- أنا عايزه امشي من هنا.
ليقول الجد بحزم:
- مافيش مشيان من هنا يا لونا.. ده بيتك.
فسألت چنا:
- هو ليه بابا بيعمل كده يا جدو.
- ربنا يهديه يابنتي ربنا يهديهم كلهم... خدي لونا طلعيها أوضتها وخليها تاخد دش وشوفيلي ماهر فين.
- كان نايم تقريباً.
- صحيه وخليه ينزلي.
- حاضر.
- يالا خديها تغير وانزلوا بسرعه عايز أتعشى معاكم ياولاد خصوصاً بعد رجوع كمال.
- وبابا وعمي؟
- مش مهم.
سحب نفس عميق ثم ابتسم بأمل:
- المهم دلوقتي انتو... الزمن مش هيرجع بضهره تاني يابنتي.. يالا خدي بنت عمتك معاكي وساعديها وصحيلي البيه الكبير الي سايب البيت سايب كده في غيابي.
- حاضر... تعالي معايا يالونا... يالا عشان خاطري.
بصعوبة تحركت لونا مع چنا التي رافقتها لغرفتها وجهزت لها الحمام ثم تركتها تنعم بالخصوصية وذهبت لتوقظ ذلك الغارق في ثبات عميق:
- ماهر... ماهر... يا ماهر.
- همممم.
- يا ماهر إصحى يالا الوقت اتاخر وجدك عايزك.
ليسأل بخمول ومازالت عيناه مغمضه:
- هو رجع؟
- أه وعايزك..
إستلق وعدك منه على الي الي حصل مع لونا.
مع ذكر إسمها وخطب ما مجهول حدث لها تفتحت عيناه على الفور بإنتباه شديد يسأل:
- مالها لونا؟
- مانت نايم هنا في العسل ماشوفتش البهدله الي اتبهدلتها تحت.
إستقام من نومته منتصباً يسأل بهلع:
- ايه الي حصلها؟!
حكت له چنا بالتفصيل ما حدث ليقف عن الفراش سريعاً يقول بغضب مكظوم:
- طب ... طب روحي انتي قولي لهم يحضروا لنا العشا وانا جاي.
- ايه يا ماهر ده... عشا ايه... هي ماصعبتش عليك خالص... دي حالتها تصعب على الكافر.
- روحي يالا يا جنا.
زفرت چنا بغضب شديد ثم تحركت نحو الخارج ليتحرك ماهر بلا هوادة يدور حول نفسه بجنون ملتاع عليها.
وبسرعه ولهفة خرج من غرفته نحو غرفتها يفتح الباب لجدها تخرج من المرحاض تحكم ثوب الحمّام الأبيض حولها ووجها أحمر من البكاء مازالت حالتها صعبة مزوية والدموع بعيناها.. ليلتاع قلبه عليها أكثر وأكثر ويدرك حجم ما جرى لها بغيابه.
تقدم بلهفه يزرعها داخل أحضانه يضمها بقوه وهي أجهشت ببكاء مرير ليمرر يداه على طول ظهرها بحنان يواسيها:
- ششششش.... حقك عليا.. حقك عليا يا حبيبي أنا كنت نايم ماعرفش الي حصل.
لتقول ببكاء شديد وهي بين أحضانه:
- أنا عايزه أمشي من هنا يا ماهر .. عايزه أمشي بس مش عارفة أروح فين؟
- تمشي وتسبيني؟!
قالها بضعف شديد لم تنتبه له بل لم تنتبه لمعظم كلماته، كانت منخرطة في بكائها وفجعتها وهو مدرك لذلك تماماً.. لتقول بتوسل:
- ساعدني أمشي من هنا.. أنا فكرت أرجع بيتنا بس خوفت من عمي.
- لا لا... انتي مش هتمشي من هنا لو مش عشان ده بيتك فده كمان بيت جوزك ولا نسيتي اني جوزك.
لتصرخ فيه بهياج:
- أنا همشي من هنا يعني همشي مش هقعد يوم كمان.
وامام بكاءها وتصميمها على الذهاب ضعف وتهور واضطر للتنازل ليقول:
- طب أهدي عشان خاطري وافضلي معايا.. حتى بصي.. انتي مش كنتي عايزه شغل بمرتب حلو.. أنا موافق وجاهز من بكره تنزليه.
تهلل قليلاً من الأمل أمامها فسألت:
- بجد يا ماهر؟!
مسح خدها من الدموع وهو يحتضنها ورد:
- بجد يا عيون ماهر... عشان خاطري بطلي عياط وماتقوليش همشي دي تاني.
صمتت تحاول ان تتوقف عن البكاء ليخرجها من أحضانه وجعلها تنظر داخل عيناه:
- لونا... بصيلي.
رفعت عيونها الحلوة له ليقول بأعين مليئة بالمعاني:
- طول ما أنا جنبك ومعاكي مستحيل أسيب حد يقرب لك.. شوفتي لما نمت نص ساعه حصل إيه؟
لا يعلم هل نجح في ملئ عقلها بما أراد أم لا لكن على الاغلب ان حديثه قد أخترق عقلها وأصاب هدفاً ما مع الوقت سيتضح ويكبر وتكبر معه سيطرته على لونته.
مسح على خدها وسأل:
- هتفضلي معايا مش كده؟
ليصرخ عقلها (وهل أملك حل أخر) ..... هزت رأسها فأبتسم وقال:
- يالا البسي وتعالي نتعشى ولا تحبي أساعدك!!
لم تجيب عليه... لم يكن ينقصها ليضيف:
- خليني أساعدك أنا زي جوزك يعني.
ابتسمت له بخفه كأنها ممتنة ليقول:
- هستناكي برا.. مش نازل من غيرك لو إتأخرتي هفتح الباب عليكي أي كان الوضع اصل انا لما بجوع ببقى زباله.. أوكي؟
هزت رأسها من جديد ولم تتحدث ليغادر على مضض و وقف خارج الغرفة ينتظرها بخوف قد تملكه كلما تذكر هيئتها ومافعلوه بها ورغبتها في الرحيل التي قد تفعلها ذات مرة ان تكرر معها نفس الضغط.
خرج من تفكيره على صوت فتح الباب وهل القمر... لونا الجميلة.. إنها أيه.
تقدم يشبك يده بيدها مردداً بإعجاب واضح:
- أيه الجمال ده.
سحبت يدها من يده تقول بخفوت:
- شكراً.
نظر بإمتعاض لما فعلته لكنه لم يحبذ الضغط عليها وسار معها للنزول.
حيث جلس محمد الوراقي على رأس الطاولة التي غاب عنها فاخر وعزام وكذلك جيلان يحاول المزاح مع أحفاده والجمع بين شملهم.
وفي الصباح ..... خرجت لونا مع ماهر كما وعدها تسأله:
- هستلم شغلي النهارده بجد يا ماهر؟
- أيوه يا لونا.. ماهر لو وعد يبقى أكيد هيوفي.
توقف بسيارته أمام مقر الشركه التي طردت منها شر طرده منذ قريب فسألته:
- انت جايبني هنا ليه؟
- مكان شغلك يا لونا.
لتسأله بصدمة وغضب:
- هنا؟!
ليناظرها ماهر بمكر متوراي بالجهل الشديد وإدعاء البراءة......
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثامن 8 - بقلم سوما العربي
ناظرته بتيه شديد وكذلك رفض، بات لديها حاجز نفسي كبير مع ذلك المكان.
جعد مابين حاجبيه وقال:
- يالا انزلي.
لهمست:
- أنا مش عايزة أشتغل هنا.
هز كتفيه ببرود وقال:
- لا، ماهو مافيش غير هنا.
- ليه؟
- عشان تفضلي تحت عيني.
حسها على النزول:
- يالا.
اترجلت معه من السيارة ليلفها بعينه غير راضي كلياً عن ملابسها:
- اللون ده ما يتلبسش تاني.
- لون إيه؟
- الأبيض.. ماتخرجيش بيه تاني.
- إيه؟! ده ليه ده؟
صك أسنانه بغيظ وغضب، ماذا سيقول وكيف يخبرها عن خطورة اللون الأبيض عليها حين يلتصق بمنحنياتها؟
سحبها بيد واحدة لتصبح بحضنه ثم همس بحرارة في أذنها:
- لأنه يجنن عليكي، وبلاش تخليني أفسر أكتر من كده.
اتسعت عيناها برعب من نبرته السخينة وردت مذعنة:
- حاضر.
عض على شفته السفلى وهو يهمس:
- تجنني، عايز أكلك.
قالها بشعور قاتل نابع من داخله وهو يحتضن فتاته وهي بكل ذلك الجمال والحلاوة داخل أحضانه وما يزيد شعوره ضراوة هو أن تلك الفتاة بحسنها وجمالها زوجته....
آه، عالية خرجت منه... يريدها هو.. هو يريدها.
توقفت قدماه عن التقدم، رغبته استيقظت وبدأت تستفحل بتلك اللحظة.
بلل شفتيه وقال لاهثاً:
- ماتيجي معايا مشوار مهم قبل الشغل.
التفت تناظره متعجبه وخائفة من كلامه وما تراه بعينيه ثم سألت:
- مشوار إيه؟ انت رجعت في كلامك؟
- لا... بس أنا عندي موضوع مهم قوي عايز أعرضه عليكي قبل الشغل.
قالها نادماً يسأل عقله الغبي لما لم يساومها ويعطيها العمل مقابل إتمام زواجه منها؟ ليتذكر هيئتها بالأمس ورغبتها في الرحيل، ذلك ما منعه فقط هو ليس بنبيل مطلقاً.
اقتربت منه تسأل باهتمام:
- موضوع إيه؟ بابا جرى له حاجة؟
أضاءت الكلمة بعقله (والدها) جيد جداً، إنها ورقة ضغط رائعة.
لتكمل:
- ولا أوعى يكون عمي هرب بالفلوس ولا أخد البيت وحطه؟
تابعها باهتمام وهي تعطيه أفكار، ليقول:
- بصي هو أنا ما كنتش عايز أقولك بس هو راجل وسخ وأنا لسه بحاول معاه.
أسبلت عيناها بتعب شديد، فلا شيء يسير بسهولة، لذا قررت التركيز على مابيدها من عصافير وقالت:
- طب يالا عشان ألحق الشغل، مش عايزة يقولوا إني بتأخر عشان قرايب.
- لا ما تقلقيش، ماحدش هيعرف إننا قرايب.
بهت وجهها وتخشب جسدها، تشكلت بحلقها غصة مرة وزمت شفتيها تبتلع رمقها بصعوبة، الكلمة كانت كالرصاصة اخترقت صدرها.
هرب منه الدم يشعر بألمها وما قد وصلها ليحاول التحدث مردداً:
- لونا لأ بصي ده عشان...
قاطعته بألم وكبرياء كبير تقول:
- عشان اللي عشانه... مش مهم... المهم دلوقتي أمسك شغل وأي حاجة تانية مش مهمة.
ثم تقدمت تدخل قبله لتتوقف وهي تراه مازال واقف خلفها على باله أخذها لإتمام زواجه منها وهي بهم آخر بعيد.
لتلتف له تسأله بشيء من الحدة:
- وقفت ليه؟ ولا رجعت في كلامك؟
سحب نفس عميق يستعد للقادم ثم تحرك معها لداخل الشركة والكل يجعد ما بين حاجبيه مستغربين دخول السيد ماهر مع فتاة... غريب حقاً.
تقدمت سكرتيرته منه تردد:
- صباح الخير مستر ماهر، في اجتماع رؤساء أقسام كمان....
قاطعها يشير بيده مردداً:
- استنى بس... عايزك تاخدي لونا لقسم ال...
صمت مفكراً فهو قد اصطحبها فقط ولا يعلم أين يمكنها أن تعمل ليكمل:
- عايزها تمسك أي شغلانة كويسة ومريحة يا دينا.
تجهمت ملامح دينا تسأل:
- كويسة ومريحة؟!!
- آه يا دينا كويسة ومريحة.. صعبة دي؟!!
- بصراحة آه... هو في شغل مريح يا مستر؟
- في يا دينا... اتصرفي.
قالها وهو ينذرها بعينيه بحدة لترمش بأهدابها تشعر بغبائه ثم هزت كتفيها تردد:
- هتصرف حاضر... اتفضلي معايا يا...
- لونا... اسمها لونا.
نطقها بخصوصية شديدة يقصدها لتزداد دينا حيرة فهي تعلم ماهر منذ سنوات وهي تعمل معه وطوال تلك السنوات لم يتوسط لأحدهم مطلقاً، لكنها كانت مجبرة على التحرك مع لونا تخرج بها من المكتب لكن ماهر ناداها مردداً:
- لونا.
لم ينتظرها أن تأتيه بل وقف هو تحت أعين دينا وقام بسحبها مجدداً للداخل ويغلق الباب في وجه دينا متقصداً لينعزل بها، يلتقط يديها بين كفيه مردداً:
- مش عايز أي مشاكل.. واعرفي إن عيني عليكي، وبلاش تعملي صداقات مع حد.
- حاضر.
قالتها بإذعان شديد، كان واضح عليها أنها ستقبل بأي شيء حتى تحصل على العمل بشركة كهذه.
فابتسم منشياً ثم قال:
- طب مافيش أي مكافأة لماهر بقا؟
- هااا؟!
- مكافأة.
- آه.. حاضر.. أول مرتب هقبضه هاج...
لكنه قاطعها يبتلع شفتيها بكلماتها داخل فمه، يقبلها بلهفة بيّنة ويضمها بشوق بعد طول انتظار.
أبعد شفتيه عنها بنعومة شديدة يقبلها من جديد كختم على ما فعله وهي متيبسة بين يديه، كأن على رأسها الطير تنظر له بأعين دامعة فهل يراها سهلة؟ أم يريد حساب ما دفع.
عض على شفته متلذذاً من مذاق قبلتها وهم لينتهز الفرصة ويقتنص المزيد من القبل لولا أنها ابتعدت تلوح برقبتها بعيداً وملامحها كلها منكمشة بامتعاض تجاهد لكبت البكاء.
ابتعد عن شفتيها بصعوبة يشعر بالألم لما سببه لها لكنه بالفعل غير قادر على التحكم في نفسه أمامها.
وضع يده أسفل ذقنها يطلب منها النظر له ثم قال:
- أنا جوزك على فكرة، أنتي اللي مش عايزة تتعودي.
ناظرها بجنون يقتله وسأل:
- هو أنتي ليه مش عايزة تتقبلي جوازنا؟
- هو أنت مصدق نفسك؟
قالتها باندفاع من شدة قهرتها بعدما قبلها بكل تلك السهولة لتتسع عيناه ويسأل:
- مصدق إيه بالظبط يا لونا؟
- إننا متجوزين؟
- آه... جداً... فاضل إن انتي اللي تصدقي.
صمت لثواني قليلة ثم جمد قلبه وقال وهو يضع يديه داخل جيوب سرواله:
- وعلى فكرة من أسباب إني أجيبك تشتغلي هنا هو إنك تبقي جنبي ومعايا.
- بمعنى؟!!!
دقت دينا على الباب.. كأنها تستعجلهما فقال:
- بمعنى إني جوزك وليا حق فيكي يا لونا لسه لحد دلوقتي ما طلبتكيش بيه.
اتسعت عيناها تفهم مقصده وهي التي لم تتقبل القبلة منه بينما هو يريد المزيد.
همت لتتحدث معترضة لكن دينا عاودت استعجالهما بالدق من جديد.
فاعتدلت تحاول فرض ظهرها وفتحت الباب لتخرج تحت أنظار ماهر المتخبطة ناحيتها.
جلس أنور يدخن أرجيلته المحشوة بالحشيش وينفث الدخان في الهواء برواق شديد لتدخل عليه زوجته تضع يدها في خصرها بغيظ وغضب ثم قالت:
- قوم يا ميلة بختي... قوم شوف مين على الباب مستنيك... أصل المشرحة كانت ناقصة قتلا.
- جرى يا إيه وليه؟ مالك بتتكلمي كده ليه؟ اتعدلي بدل ما أقوملك.. انتي أديلك مدة معووجة عليا وكلامك مش مظبوط معايا.
- بلا خيبة... تعرف تتوكس أكتر مانت موكوس... بقى حتة عيل زي ده يرقبك الزحليقة وياخد كل حاجة وفوقيهم كمان البت..
احتدت عينا أنور وقال بصراخ كلما تذكر ما فعله ماهر:
- ااااه... وبتجيبي لي سيرته ليه؟... قفلي على السيرة دي.
- أقفل؟!! هيهيهي... قوم يا حيلتها شوف اللي على الباب مستنيك.
- مين يا مرة؟
- اخرج وانت تشوف.
وقف بصعوبة مترنحاً واتجه بجسده النحيل نحو الباب لتتسع عيناه مردداً:
- الدوكش؟؟ إيه اللي جابك هنا؟ ما فضيناها خلاص وخلصنا.
تعالى صوت الدوكش بإجرام يقول:
- لا ما خلصناش يا با.. أنا عايز باقي فلوسي وقتي انت هتاكلها عليا ولا إيه؟
- انت مش أخدت اللي فيه النصيب؟
- لا يا با ده ما كانش اتفاقنا... أنا أخدت نص الفلوس وقولت لي خلص وتعالى خد الباقي ومن ساعتها ماشفتش وشك وبتتهرب مني فاكرني مش هجيبك طب اديني جيت لك اهو مين هيحلك مني بقا؟
- بقولك إيه فلوس مش معايا والبت ما بقتش هنا فخلاص انت ما تلزمنيش.
تجهمت ملامح الدوكش واحتدت عيناه ليلجأ لحلوله التي لا يعرف غيرها حيث أخرج من جيبه سلاح أبيض فتحه وردد بإجرام:
- عليا الحرام من ديني لو ماخدتش حقي وقتي لأكون مسيح دمك... آآه مش الدوكش اللي يكرت على قفاه لا مؤاخذة.
فصرخت زوجة أنور برعب وهي ترى رقبة زوجه تحت تهديد سلاحه:
- والله يا خويا ما معاه فلوس والبت أخدها ابن خالها... اتجوزها ومشي واخد كل حاجة حتى الفلوس وورق البيت.
- آه... الواد أبو بدلة... افتكرته.
- انت تعرفه منين؟
لمعت عيناه ثم حرر رقبة أنور وقال مبتسماً:
- مش شغلك.. أنا سبت لك المعدول أهو.. اديني أي عنوان ولا رقم تليفون توصلني بالولد ده.
- مش هيرد عليك ولا يعبرك... ده شكله واصل قوي أحسن لك بلاش تلعب معاه.
- انت فاكرني عويل زيك... هات رقمه ومالكش دعوة.. الدوكش ما بيسيبش حقه.. مش أنا اللي حتة عيل زي ده يضحك عليا.
نظر كل من أنور وزوجته لبعضهما ثم عادا ينظران للدوكش وسأل أنور:
- ليه هو فيه إيه بينكم؟! ولا تعرفه منين أصلاً؟
- مالكش فيه... هات عنوانه بس.
- ماشي.
دلف والده بخطى واسعة لعنده يردد بغضب شديد:
- هو اللي سمعته ده صح؟ انت جبت البت دي تشتغل هنا.
- آه يا بابا.
رد بهدوء بارد ثم وقف يكمل:
- ده من بعد إذنك طبعاً.
- من بعد إذني؟! هو فين الإذن اللي انت مستنيه ده يا حبيبي.. البت دي لازم تمشي حالاً.
- للأسف مش هينفع... جدي عرف خلاص.. بلاش نضايقه هو لسه خارج من المستشفى.
- تقوم تضايقني أنا؟!!!
- وهي مضايقاك في إيه؟ اعتبرها هوا.. زكاة عنك وعن صحتك.
كان الرفض الشديد واضح بعيون عزام ليكمل ماهر مضطراً:
- يعني أنا الحق عليا... قولت أجيبها تشتغل هنا عشان نهدي جدي ولا أنت عايزه يروح يكتب لها ورثها بحق وحقيقي يعني؟
سكت عزام يفكر لثواني إلى أن هتف:
- لا لا .. برافو عليك إنك عملت كده.. سيبها تستغل هنا... آه صحيح.. جهز لي نفسك هنروح آخر الأسبوع عشان نتقدم رسمي لجميلة أبو العينين.
أسبل ماهر عيناه بتعب ورفض شديد يقول:
- أنت لسه مصمم؟
- مصمم؟! هو أنت جرى لمخك حاجة؟ ما أنا مكلم أبوها قدامك.. ما بقاش فيه هزار الموضوع ده.. أنت عارف الجوازة دي هتعود علينا بنفع قد إيه؟
شرد عزام حالماً:
- ويا ه بقا يااااه لو البت أختك تقدر توقع ابن عمها... طارق مانت عارفه... وحيد أبوه وهو اللي هيورث كل ده كده يبقى مال عيلة أبو العينين كله بقى في عبنا.
زفر ماهر بتعب يقول:
- أنت بتخطط لـ چنا كمان؟ ربنا يسهل يا بابا چنا لسه صغيرة.
- أيوه طبعاً بخطط أصلك أنت مش عارف طارق ده باصص لبرا ومش بيعجبه العجب ومابيصاحبش غير أجنبيات، اللي زي ده عايز له ترتيب من مخ ديب عشان نوقعه ده حبيب أبوه... آآه لو نناسبه آآه... حسني أبو العينين أتقل حتى من أبو جميلة وبتتهز له وزرات بأكملها عرضوا عليه كذا مرة يبقى وزير وهو اللي كان بيرفض.. طبعاً بيحب يكبش في الضل إيه اللي يدخله سكة السياسة و وشها وابنه طالع ديب زيه.
مسح ماهر على وجهه متنهداً وقد تعب ومل من حياكة الخطط ليقول عزام:
- أنا ماشي.. عينك على البت دي سامع؟
- حاضر... سلام.
عاد لعمله مثقل بالهموم مشتاق للونا لكن العمل متراكم عليه منذ انشغل بتعب جده لذا ظل منشغلاً بإتمام مهامه إلى أن تعب فاستدعى لونا وأخذها وغادر.
جلست لجواره في السيارة سعيدة بعملها الجديد، لم يكن يعكر صفوها سوى قبلته لها والتي كلما تذكرتها جاهدت ألا تبكي.
لتتفاجأ بماهر يقطع الصمت الرهيب وهو يشغل موزع الموسيقى بالسيارة ليندلع صوت العندليب (ليه بيقولوا الحب قسية ليه بيقولوا شجن ودموع).
مد يده الحرة يضمها لأحضان بغتة ولم يبالي بشهقتها وتفاجئها بل جذبها يلفها بذراعه يحتضنها بحميمة مدندناً مع الأغنية (أول حب يمر عليا ألقى الدنيا فرح وشموع.. إفرح وإملى الدنيا أغاني لانا ولا أنت هنعشق تاني.. إفرح واملى الدن...).
اقتطع سيل دندنته وهو يشعر بها تحاول الابتعاد عنه فيقول:
- إيه في إيه؟
- هو إيه اللي فيه إيه؟ أنت مالك بتتعامل كده على إننا عشاق؟
زادت ذبذبات قلبه وضمه له من جديد وسألها:
- وليه مانكونش؟
- نكون إيه يا ماهر... وبعدين أبعد إيدك عني لا تتوسخ.
- تتوسخ؟!!!
- آه... ولا أنت ناسي إني واحدة وسخة وشمال وبتدخل الرجالة بيتها؟!!
زاد من ضغطه على البنزين علامة على غضبه وهو يردد من بين أسنانه:
- مش عايز أسمعك بتقولي الكلام ده تاني خلاص سامعة ولا لأ؟
- نعم؟! لا معلش قول تاني كده؟؟ ما أقولش؟! الكلام ده أنت اللي قولته مش أنا عايزني أنساه إزاي؟
صمت بضيق وهو يدخل بسيارته في فناء البيت الكبير فتحركت كي تترجل مغادرة سيارته لكنه منعها وهو يلزم يدها مردداً:
- تنسيه عادي كلام واتقال ساعة عصبية، خلصنا.
لكنها ردت بعناد:
- لا ما خلصناش يا ماهر، أنت قولت كده عن اقتناع وكذا مرة.
ربعت كتفيها تردد:
- إلا إذا كان جرى حاجة عرفتك إنك كنت غلطان لما قولت عليا كده؟
تعب من اللف والدوران خلفها ليقول مزعناً:
- ماشي تقدري تقولي كده.. خلاص ممكن بقا ننسى اللي حصل؟
لمعت عيناها وقالت بحاجب مرفوع:
- يبقى ترد لي اعتباري قدام منطقتي وتبين الحقيقة.
- نعم؟! وده أعمله إزاي؟
- الله؟! إزاي بقا ماتقولش كده؟ ده أنت ماهر عزام الوراقي ولا إيه؟
ابتسم رغماً عنه... هو يحب اسمه منها فرد:
- آه.. عجبتيني.. ماشي يا لونا.
تهلل وجهها وسألت بترقب:
- ماشي إيه؟ هتعمل كده؟
- آه... بس أنا بزنس مان وكل حاجة ليها مقابل.
- مقابل؟! على فكرة أنت عارف إن فلوس بابا مش معايا.
زم شفتيه وقال:
- لا مش هقولك دلوقتي.. ويالا انزلي بقالنا ساعة وماما قربت تنام كده.
جعدت مابين حاجبيها ولم تبالي إنما ترجلت من السيارة وتحركت بتعب تصعد السلم لتتوقف وهي تسمعه يدق بخفوت على غرفة شقيقته ويدلف بينما يردد:
- أحلى شوكولاتة لأحلى چنجونة.
نظرت عليه وعلى ما يفعله مع شقيقته بشعور مزيج بين الحنين والحسرة لكنها غالبت شعورها تتجه لغرفتها تغلق عليها الباب لتذهب للمرحاض تنعم بحمام منعش ومرطب بعد يوم عمل كان صعب جداً.
بينما بدل ماهر ثيابه بأخرى بيتية مريحة وخرج من غرفته يتجه نحو غرفة لونا يفتح الباب لتشهق منتفضة تقول:
- إيه؟ مش تخبط!
اقترب منها بأعين لامعة معجبة بفستانها الأزرق النيلي وشعرها المندي وبشرتها اللامعة من بعد الحمام، مد يده يداعب خصلات شعرها وهو يرد عليها:
- أخبط!!! بس يا عبيطة.
- عبيطة تاني؟
ابتسم لها بحنان وإعجاب بين ثم قال:
- تعالي يالا.
- أجي فين؟
- تعالي بس.
سحبها من يدها وخرج من الغرفة لتقوفه في منتصف الردهة مرددة:
- ماهر.
ابتسم يسحب نفس عميق وقال:
- نعم.
- هو أنت ليه يا ماهر مش ممكن تعاملني زي چنا؟
- عشان چنا أختي أنتي لأ.
شعرت بألم شديد في صدرها لتقول:
- يعني مافيش أمل تعتبرني زي أختك؟
- بجد أنت عبيطة.. لأ مافيش أمل أنا مش شايفك أختي خالص.
تنهد ثم عاد يبتسم ويسحبها من يدها وكاد أن يدلف لأحد الغرف لكنها أوقفته تسأله:
- أوضة مين دي؟
- ماما.
اتسعت عيناها ولم تكد تسأل أو تستفسر فهو قد دلف بها للداخل سريعاً لتبصر سيدة تنام كلياً على الفراش مدثرة بالغطاء وقد انتبهت لهما لتبتسم مرددة:
- ماهر.. كده من امبارح ماتجيش لماما؟
ابتسم يقترب منها ويدنو من سريرها مردداً:
- جيت لك الصبح والله بس كنتي نايمة.
كانت لونا تتابعه مستغربة فهو حنون جداً، له مع شقيقته ووالدته شخصية مختلفة تماماً تمنت لو نالت منها جانباً.
بينما ماهر قد لمعت عيناه وقال لوالدته:
- ماما أنا اتجوزت.
شهقت لونا بصدمة وكذلك والدته التي همست:
- إيه؟
- آه.
ثم رفع رأسه ونادى:
- تعالي يا لونا.
تقدمت لونا لتظهر أمام عينا والدته فأكمل ماهر:
- دي لونا يا ماما... مراتي.
شهقة جديدة كانت أعلى من لونا، مستغربة ومستهجنة من تصرفاته ولما قد يفعل وهو من خبأ خبر زواجه عن عائلته.
بينما والدة ماهر كانت منشغلة بمطالعتها بانبهار تردد:
- بسم الله ما شاء الله... دي حلوة قوي يا ماهر.
ضحك بخفة وقال وهو يداعب فروة رأسها بيده المغروسة داخلها:
- آه فعلاً حلوة قوي.
تبسمت والدته وهي ترى السعادة والإعجاب الشديد في عينا وحيدها لذا همست:
- تعالي يا حبيبتي قربي مني.
لم تستطع لونا فعل أي شيء سوى أن تستجيب لتلك السيدة التي على ما يبدو أنها ذات نفسية جيدة بيّنة على ملامحها الرقيقة.
اقتربت منها فقالت:
- اقعدي هنا جنبي.
فعلت وجلست لجوارها لتسأل ماهر:
- بس إزاي كل ده حصل بسرعة وأنا ماعرفش ولا عشان بقيت عاجزة يعني هبقى آخر من يعلم يا ماهر؟
تبسم واقترب يجلس بجوار لونا ويضمها لحضنه تحت صدمتها وعدم قدرتها على التصرف تسمعه وهو يقول:
- ماحدش غيرك يعرف أصلاً.
- إزاي ده؟ وده يبقى اسمه جواز يا ابني.
تنهد ماهر ثم قال:
- ماما لونا تبقى بنت عمتي رحيل.
اندهشت ملامح الأم وبدأت تنظر للونا بتفهم مالبث أن ابتسمت مرددة:
- انتي بنت رحيل؟ أمك كانت حبيبتي والله، خلي بالك من ابني أنا مسبقه وليا عندك جميلة.
تبسمت تسأل:
- إزاي؟
- صوتها مسهوك قوي يا واد يا ماهر إيه ده هههههههه.
ضحكت وقهقه ماهر عالياً تجلجل ضحكاته في الغرفة تحت حنق لونا بينما قالت والدته:
- بس عسل قوي.. هقولك جميلتي، أنا لولايا ما كان زمانك موجودة في الدنيا دلوقتي.
استغرب كل من ماهر ولونا ما سمعاه ليزيد ماهر من ضم لونا وهو يميل نحو والدته يسأل:
- إزاي ده يا ماما؟
- أنا اللي هربت رحيل من البيت وراحت لمحمد أبو لونا وقدروا يتجوزوا.
- اااايه؟
- آه... رحيل كانت طيبة وغلبانة وهما كانوا مش طايقينها وبيعاملوها بقسوة مع إنها كانت هادية ومالهاش حس ولا طلبات، كانوا رافضينها ونابذينها وكل يومين عايزين يطردوها وفجأة بقى عليها سكر لما واحد معرفه تقيل شافها وطلبها للجواز، ساعتها رحيل كانت تعرف محمد وهو كان طيب وحنين عليها قوي، وكان عايز يجيب لها الدنيا بين أيديها بس كان لسه بيشتغل نجار مع أبوه وعلى قده...
بدأت تسعل ويزداد سعالها ليقف ماهر ويذهب سريعاً يحضر بخاخ ويعطيه لها ضاغطاً على زره فينثر بعض الرزاز داخل فمها وهو يردد:
- أهدي يا ماما... كفاية كلام النهارده وابقي احكي لنا بعدين.
هزت رأسها بتعب وجفنها بدأ يثقل ليقول:
- نامي انتي دلوقتي وبكرة نكمل كلام.
ثم أراح رأسها على الوسادة وهي بالفعل بدأت تغلق عيناها بخمول وتعب ليدثرها ماهر بزيادة ثم يلتقط كف لونا بيده ليتحرك خارجاً من الغرفة وهو يتنهد بتعب ثم ردد:
- زمان جدي نزل عشان العشا.. يالا إحنا كمان.
هم ليتحرك لكنها أوقفته تسأله:
- ماهر... هو أنت ليه قولت لمامتك إنك اتجوزتني؟
ليرد ببساطة شديدة:
- عشان ناوي أدخل عليكي.
لتتفاجأ وتشبه بصوت عالي من هول الصدمة ومن بساطته في التصريح بذلك.........
رواية سيطرة ناعمة الفصل التاسع 9 - بقلم سوما العربي
جلست على طاولة العشاء شاردة تماماً، تصريحه كان فج وقوي، يبدو عازم على ما يريد، سؤال واحد بات يدور بخلدها كيف ستتخلص من كل ذلك.
غرقها الشديد في دوامة أفكارها حجب عنها نظرات الكره المندلعة من أعين عزام وفاخر وكذلك جيلان، بينما ماهر يجلس ينظر عليها بإشفاق، يرى الحيرة والصدمة بعيناها لكنه لا يملك التغيير، هو يريدها وسيأخذها، يقسم أن يفعل لا سبيل لإمتلاكها وضمانها سوى أن يدمغها باسمه وإلا ستفر من بين يديه وربما وقتها لن يتمكن من نسبها له، مشاكلها مع عائلته تحتاج للكثير وهو لا يملك رفاهية الوقت.
خرج من دوامة أفكاره على صوت محمد الوراقي وهو يقول بسعادة:
- ماتتصوروش فرحتي يا ولاد أد إيه بوجودكم حواليا... حاجه ماتتوصفش.
تبادلت وتباينت النظرات بين سعيده مثله وأخرى ساخره وأخرى عيون شاردة تحمل هماً.
لكن تنبهت كل العيون على صوت الجد حين قال:
- عارفين ايه إلي ناقص بقا وساعتها تكمل فرحتي؟
- ايه يا جدي؟
سأل كمال بإهتمام ليجيب محمد الوراقي:
- أفرح بيكم بقا على حياة عيني واجوز كل واحد فيكم الحياة الي يستحقها خصوصاً أنت يا كمال.
غص الطعام في حلقه وسأل بترقب شديد:
- الله وانا مالي بقا؟!!!
- أوعى تكون مفكر إني هسيبك للسرمحة الي كنت بتتسرمحها دي لااا... خلاص كان زمن وخلص... وحكاية جريك كل يومين ورا واحده افرنجيه ده كمان تنساه ولا تكونش حابب تتجوز منهم، يمكن تكون نسيت أصلك، وجدك صعيدي وأصلك من هناك، احنا مربوطين بالبلد دي ونسلنا مأصل عمره ما كان مخلط و....
أقطتع محمد حديثه يردد:
- من غير مسلسل ذئاب الجبل ده يا جدي، ماتقلقش أنا واخد قراري أصلاً من الي شوفته و ورد عليا برا، مش هتجوز غير مصرية، ريح نفسك.
- براوة عليك يا ولا... وأنت يا كبير إيه؟!
اتسعت عينا ماهر وحمحم بحرج، لا إرادياً ذهبت عيناه على لونته... ثم نظر للجد يردد:
- أنا؟
- هو في كبير غيرك؟
- لا أنا.. إيه بقا؟
- عايز أفرح بيك أنت أول أحفادي وعايز أختارلك ج....
قطع عزام الحديث وقال بعزم:
- لا ماهو ماهر خلاص.... عروسته موجودة وحددنا ميعاد الخطوبة... الجمعه الجايه هنروح كلنا.
عم الصمت على المكان... ونظره فوراً تحول لعندها يراقب ملامحها وتأثير ما سمعت .. تجهمت ملامحه وهو لا يرى شيئاً عليها... تتابع مايقال بصمت كأنها خارج السياق، كأن الأمر لا يعنيها... هي تتابعه كمسلسل مفروض عليها مشاهدته.
فيما تحدث محمد الوراقي بضيق شديد:
- عروسته موجوده؟! وحددتوا ميعاد الخطوبة؟! الجمعه؟! الي هي بعد بكره دي؟! يا ماشاءالله... ده أنا أروح أشوف لي تربة بقا؟!
نظر عزام لشقيقه الذي صرح مبادراً:
- احنا كنا قاعدين مع صلاح أبو العينين والكلام جاب بعضه وهو كان بيلمح ماكنش ينفع ابداً نعمل عبط.. وانت كنت في العنايه فماكنش في لا وقت ولا فرصة هي جت كده.
- أنت إيه رأيك في البنت دي يا ماهر؟ عاجباك؟!
زاد توتره و وصل للقمة، ينظر للونا برعب... يدرك أنه خائف... ماهر خائف من لونا ...... يلاحظ أنها بدأت تنتبه، مهتمة بما يقال، فحمحم مستدركاً لا يجد مايقول لكن حاول:
- أنا لسه....
- وماهر هيعوز إيه غير واحده بنت ناس مال وجمال وحسب ونسب دي كاملة من كله، مين يقدر يرفص جميلة أبو العينين؟!!!!
توقف هنا الزمن للحظة مع سماعها لصوت عزام يتحدث مقاطعاً، ليس عند الكل بل عندها وحدها وصدى صوت الكلمة يرن بأذنها (مين يقدر يرفض جميلة أبو العينين؟!)
رمشت بأهدابها ثم نظرت على المعني بكل ماسبق من حديث، نظرت للعريس... ماهر.
وجعدت ما بين حاجبيها تسأل لما يركز بنظرها عندها! لا تستطيع معرفة معنى نظراته.
ماهر كان ينظر عليها بمشاعر متخبطة بين القلق والخوف والإعتذار يتخللهم بعض العجز.
لكنها عادت تندمج مع صوت الجد الذي قال:
- يعني بقى أمر واقع؟! ليه يعني هو إحنا شويه في البلد.
وقف عزام بعدما شبع يردد:
- الكبير في الي الأكبر منه، وصلاح ابو العينين راجل أي حد يتمنى يناسبه ولا ايه يا فاخر؟
وقف فاخر ورد:
- بالظبط، يالا يا عزام ورانا شغل كتير.
- يالا.
تحركوا مغادرين وتركوا الكل يجلس بصمت تام من تلك الأخبار المفاجئة.
ووقف الجد من على كرسيه بصعوبه ليقول كمال:
- كمل أكلك يا جدي.
- نفسي اتسدت... هم كمال لأن يقف ويساعده لكنه قال:
- خليك أنت يا كمال كمل أكلك.
ثم نظر على لونا وقال لها:
- تعالي يا لونا انتي ساعديني أطلع فوق.
طالعته بملامح متجهمه، متيبسة، مازالت غير متقبله وجوده بحياتها أو معترفه بكونه جدها من الأساس، هي تشعر بعدم الإنتماء لكل المتواجدين حولها من أصغرهم لأكبرهم.
لذا ظلت بمكانها جالسه ليقف ماهر سريعاً وكأنه خائف من شئ أو أدرك شئ ليقول:
- تعالي اجي أساعدك أنا واطلعك.
لكن الجد أعترض بقوة وقال:
- لا مانت هتجيلي بس بعد ماتخلص أكلك.. لكن دلوقتي لونا هي الي هتطلعني... عايزها في موضوع لوحدها... يالا يا لونااا..
حسها بإلحاح لم تستطع صده و تحركت معه تساعده وأ إنظار ماهر معهما تتبعهما بقلق يردد:
- عايزها في موضوع لوحدها؟!!!
- ايه يا ماهر... بتكلم نفسك؟! العروسه لحست مخك ولا إيه؟
- بس والنبي يا كمال سيبني؟
- ايه ده ايه ده ايه ده؟!! هي العروسه مش عاجباك ولا ايه؟!
أقحمت جيلان نفسها في الحديث وقالت:
- وماتعجبوش ليه؟! جميلة اسم على مسمى واي حد يتمناها... ده من بخته، حلوة وصغيرة وغنية ومن عيلة و...
- تعرفي تخرسي.
نطقها ماهر من بين أسنانه بحسم وبغض شديد جعلها تقف من مكانها بصدمة تردد:
- أنت ازاي تكلمني كده؟! إنت اتجننت؟!
وقف من على كرسيه بغضب ثم قال:
- لمي نفسك واتعدلي معايا بدل ما اوريكي جناني على حق.
- والله والله لاقول لعزام.
سحبها من ذراعها بمهانة شديدة يدفعها للتحرك من أمامه قائلاً:
- يالااا بسرعه.
دبت الأرض بغل وتحركت بغضب شديد تتوعده فيما التف ماهر يزفر بتعب شديد وجلس على كرسيه أمام كمال لكن ما لبث أن تحرك لغرفة جده غير قادر على الإنتظار، وبقى كمال يبادل النظرات بينه وبين چنا الجالسة بصمت وأعتياد يسألها:
- ده عاديل
تجاوب:
- بتاع كل يوم... ماهر مش بيطيق يلمح طيفها.. بس يمكن النهارده زودها شويه؟
زم شفتيه بأسى على ابن عمه وجلس يقول:
- بصراحة عنده حق مايحبهاش.. أنا لو مكانه ماكنتش عرفت امسك نفسي زيه كده.. ده جبل.
ضحكت بخفه ليقول:
- بس فتح نفسي على الجواز.. بفكر يابت ياچنچونة أشوف عيادة أفتحها هنا واشوف بردو بنت عسوله كده وبنت ناس اتجوزها واستقر بقا...
- ده بجد؟
- بفكر لسه؟! عندك عروسه؟
- يااه.. نشوفلك هو انت أي حد يا كيمو.. دي البنات كلها هتموت عليك.
- أيوه أيوه عارف.. قوليلي بقا.. مين جميلة دي!!
سحبهم الحديث لكلام طويل عن جميله وعائلتها ونفوذهم.
***
في غرفة محمد الوراقي
دلف وهي تسنده على مضض تساعده لكي يتسطح على الفراش ثم يعتدل مردداً:
- تسلم الأيادي.
ابتسمت له بتكلف يتفهمه ليتنهد بتعب ثم يقول:
- مش متقبلاني لسه يا لونا مش كده؟ واخده من امك كتير، كان الحب والكره بيبانوا على ملامحها.
عاد بظهره للوراء يردد بتعب وأسى:
- اااه.... كأن الزمن رجع بضهره تاني.. والمنظر ده حصل من خمسه وعشرين سنه بس انا ماكنتش أنا إلي قاعد قدامك دلوقتي.... كانت لسه الدنيا لاهياني و لسه المصلحة عمياني.. نظرتك هي هي نفس نظرة أمك زمان.. لا عارفه تتقبلني ولا لاقيه حل تاني غيري... وأول ما لاقت حل مشيت من غير ما تتردد.
هنا هتفت لونا بقوة:
- أمي مشيت عشان عمرها ما اعتبرتك أبوها.... ماهو مافيش أب يوافق إن بنته تترمي سنين في ملجأ على حياة عينه بعد ما أمها ماتت وهو عارف وساكت عشان خايف من مراته ولية نعمته.
- لوناااا.
هتف بها صوت ماهر الذي دلف بالغرفة للتو يردد:
- ايه الي بتقوليه ده؟! ازاي تكلمي جدك بالطريقة دي وتقولي كلام زي ده.
- أنا متربيه كويس قوي وبعرف ازاي اتكلم باحترام لكن الحقيقة هي مش محترمه ومش مشرفه بصراحة وعشان كده وجعتكم.
- لوناااا.... أنتي أكيد غلطانة وجدي مايعملش كده ولا جدتي و...
قطع كلامه مع إغماض الوراقي لعيناه يعود برأسه للخلف وهو يردد وشعور العار يتملكه:
- عملنا .. عملنا يا ماهر كل الي قالته لونا للأسف صح وماخفي كان أعظم... لو في حد غلطان ومذنب في الحكاية دي من أولها لأخرها أنا... أنا وماحدش غيري... بس انا خلاص عايز أكفر عن الذنب الوحيد والكبير في حياتي ..
اقترب ماهر يردد بحنان:
- أهدى يا جدي.. صحتك أنت لسه خارج من المستشفى.
سعل الجد بتعب وحاول جاهداً أن يتحدث:
- أنا غلطت يا ماهر. غلطة ضيعت فيها ارواح ناس كتير.. من أول هنية الشغالة لحد لونااا... بس خلاص هكفر عن كل ده ولونا هتاخد حقها كله على داير مليم... سواء عايزاه أصول أو فلوس.
- مش عايزه منك حاجه... مش عايزة.. مش هتقدر تكفر بالفلوس عن ذنبك مع امي مش هتقدر ... هتعيش وتموت بيه...
ثم تحركت مغادرة الغرفة بغضب شديد لا تجيب على نداءات الجد الملحة:
- لوناااا... لوناااا.. أستني يابنتي....
- أهدى ياجدي... أنا هروح لها.. بس قولي لي... انت ناوي تديها حقها بجد؟
- ايوه... وده الموضوع الي كنت طالبك بعد العشا عشانه... عايزك تكلم المحامي وتخليه يحصر كل ما أملك ويقدر ورث لونا فيه...
خرج ماهر من غرفة جده بملامح خائفة مبهمة يسير ببطء شديد ناحية غرفة لونا يفتح الباب ويدخل كأن الغرفة غرفته... يراها تجلس على الفراش بضيق وحزن تضم ساقيها نحو صدرها وتبكي في صمت.
ليجلس لجوارها ويضمها لأحضانه عنوة رغم رفضها الشديد له، لكنها يأست منه وهو كالعلقة لتصمت ومن ثم تستكين في أحضانه وهو يهمس:
- ششششش.. أهدي.. ماتزعليش يا حبيبي.
اخر شئ تريد رؤيته أو سماع صوته الآن هو ماهر.
اغمضت عينيها ببغض تبعده عنها لتتسع عيناه بصدمة من فعلتها وسرعان ما قال مدركاً:
- أنتي زعلانه مني أنا عارف... على فكره والله أنا لاقيت نفسي متدبس في الجوازة دي.
تجعدت ملامحها وتوقفت عن البكاء مستنكرة، مسحت أنفها بيدها وهي تشهق متسائلة:
- جوازة إيه؟! وأنا مالي؟!!
- مالك؟!
تجهمت كل ملامحه وسأل بضيق شديد وقلب مقبوض:
- ماهو المفترض إني جوزك.
إشتعلت عيناها وكأنها أستيقظت للتو فقالت:
- صح... أظن كده بقا لازم تطلقني.
- أطلقك؟! ههه... ضحك ساخراً أرعبها... شعرت وكأنه وضعت للتو بزنزانه وصوته وهو يقول:
- أنتي متفائله قوي يا لونا... أنا عمري ماهطلقك.
إنه لهو صوت وصد باب زنزانتها بالمفتاح، لا تعلم لما؟ لكنه كان شعور قوي وسيطر عليها لحظتها.
خافت بشدة، شعور السجن يكتنفها وماهر هو السجن والسجان... بلعت رمقها في خوف ثم همست:
- قصدك إيه يا ماهر؟
علت وتيرة أنفاسه وهي تنتطق إسمه مع شعوره برغبتها في الإنسحاب من سجن يريد فرضه عليها ولو بالإجبار تحيناً مع روعة نزول شعرها الناعم على خدها وإنسدال حمالة فستانها مع كتفها المرمر مما أظهر وبين بروز نهدها الممتلئ.
ضرب الدم بدماغه ... يردد بجنون إنها خاصته .. له وحده وسيخطفها من الجميع حتى لو كانت رافضه.
فقد السيطرة تماماً... وانقض عليها بما يفوق المعنى الحرفي.. الكلمات لن توفي بحق شعور ماهر لحظتها.
لقد وصفها من قبل .... يريد أكلها.
صرخت برعب من إنقضاضه عليها وإفتراسه لها:
- ااه.. ماهر.. أنت بتعمل إيه.. إبعد عني.. اااه.
كان يقبل أي شيء يطال منها.. اي مكان منها مقبول .. لتجود وتحن عليه هي فقط.. حالته يرثى لها.. متقمص ومقتنع إنه صريع هواها.. ناسي تماماً أنه من أقبل على فعل كل شيء.... هوى لونا بالنسبة له غامض... هو لم يأخذ وقته للوقوع لها... ترى ما السر.. هل لكونها جميله أم أنها كارما الأجداد...... ......ماهر كان غارق بها... بلونا ليونا ولذه مميته.. شملها بذراعيه يحاول إسكات صرخاتها:
- لونا... أنا بحبك.
تيبس جسدها... توقفت عن الصراخ وعن الركل بقدمها لأبعاده... تخشبت تماماً.. للدرجة التي نبهت ماهر وفاق من غمرة نشوته يدرك ما نطقه بلا وعي. هو يحبها؟!!!!!!!!
إعتدل من فوقها ينظر لها بصدمة... مأخوذ بما قاله عن نفسه... مد يده يرفع فستانها يغطي صدرها الذي تهجم عليه وكشفه.. مد يده يساعدها لتعتدل وهي تمسكت بيده تسمح له بمساعدتها.
لتستوي فوق الفراش بصدمة... وهو هرب ... منها أم من نفسه لا يعلم... لكنه خرج من الغرفة بسرعة البرق.
صباح يوم جديد
نامت فيه بعمق بعد بكائها المتواصل.. لم تتوقف طويلاً عند ما قال... لم تعتبر بحديثه بالأساس وهو الذي ظل ساهداً طوال ليله يفكر بجنون كيف نطقها.
وقف عند سيارته يدخن سيجارة بشرود وهو ينتظرها حتى هلت عليه بطلتها الرائعه تسلبه أنفاسه وترغمه على رفع عيناه للباب ما ان التقطت أذنه صوت كعب حذائها وتسلل لأنفه رائحتها الناعمة مثلها .
طالعها ليبصر أجمل أشياءه.... لون هي أعظم ما أمتلك... حتى لو غصباً عنها ... شعوره ناحيتها عميق... به أواصر هو نفسه لا يعرف روابطها.
كأنه نذر يؤديه... ربما هو دين... لا يعلم حقاً.. هل لأنها متفوقة الجمال والروعة... لااا.. جميلة أبو العينين ملكة جمال... رآها كثيراً.. انها مضبوطة بالسم.. كل شيء بها مثالي وخيالي... لكنه لم يقع لها كما فعل مع لونا رغم سهولة الأمر مع جميله وإستحالته مع لونا.
تنهد بتعب وقلة حيلة.. ومالبث أن استسلم وابتسم.
أبتسم معلناً .. أن اهلاً بحياة هي فيها عمادها.
وقفت أمام السيارة تنتظر مستغربة إبتسامته البغيضة بالنسبة لها... ماهر للونا هم تتمنى لو ينزاح.. لكنها باتت تعلم أن مصلحتها معه... أينعم هي للأن لا تعلم كيف تأخذ تلك المصلحة منه لكن على الأقل علمت وبقى عليها معرفة الطريق.
طوال الطريق كان صمت.. صمت تخلله تفكير متعاكس تماماً بين أقصى الشرق وأقصى الغرب.
لكنها وصلا معاً لمحل عمل واحد... المقر الرئيسي لمجموعة الوراقي... باب تلك الشركة كما مثل رهبه للونا مثل كذلك فرحه... فرحه شديدة فقد بدأت تعمل حيث شغفها.... الجرافيك والتصميم.
ترجلت من السيارة وتحركت للداخل.. تحت نظراته المتجهمة.... باتت تعلم طريقها.. وذلك أكثر ما قد يرعبه.
ومر الوقت... مرت ساعات طوال.. وهو يجلس بلا هوادة.. يفرك كالأطفال يتلكك كي يراها... أو كما المدمنين... فقد أدمن ماهر نعومة لونا ولمعة الغنج بعيناها.... أبتسم بحلاوة... هي لا تتدلع لقد ولدت هكذا.
أما لونا فقد جلست بشغف وسعاده عارمه أمام مديرها الجديد ينظر مره لجهاز الكمبيوتر ومره لها... مره للجهاز ومرة لها ثم يقول:
- يابنت الجنية... ده بالظبط.
لمعت عيناها وقالت:
- هعديهالك.. شكل التعبير خانك مش أكتر من كتر ما أنا شطورة مش كده؟
- جداً يعني.. أنا كنت فاكرك كوسه.
- لا والله ده أنا شاطرة واعجبك.
- ماعلش ..مانا بردو معذور.. لا شهادة ولا كورس تحت بير السلم حتى ماكنش في أي حاجة تبين.. بس طلعتي شاطره لأ وبتتعلمي برافو عليكي.
جلست تتشبع وتتشرب كل تلك الكلمات بعد سنوات عجاف.
كل هذا تحت أعين أحد الفتيات تظن أنها قد رأتها قبلاً
وبسرعه متناهية هرولت نحو أحد المكاتب تردد لزميلتها:
- غادة... تعالي كده..
وقفت غاده من مكتبها تسأل بإستغراب:
- في إيه؟
- تعالي معايا بس...
ذهبت معها ووقفوا خلف الباب الزجاج للمكتب الذي يضم مجموعة من الموظفين ومن ضمنهم لونا لتقول الفتاة:
- مش بتشبهي على البنت دي؟
- اه.. شوفتها قبل كدع تقريباً... ثانيه... مش دي البت الضايعة الي كانت عايزة تشتغل في الجرافيكس...
- بالظبط... جت واستغلت.
رفعت غادة إحدى حاجبها تحركت نحو المكتب تنادي المدير:
- أستاذ طلعت..
رفع الكل أنظاره ومن ضمنهم لونا لترى نفس الفتاة التي رفضتها وقللت منها ومعها زميلتها تبدو تابع لها كظلها .
تحرك طلعت نحوها فيما سألت لونا أقرب زميل جالس لجوارها:
- مين دي؟
- دي غادى فايز.. الأتش آر... و أنا اسمي أحمد علي فكرة من التجمع.. أنتي لونا مش كده.. أسمك حلو ومميز قوي .. على فكره أنا شاطر قوي وممكن اساعدك تتعلمي ت......
تابع سيل رهيب من الحديث كأنها ضغطت على زر مذياع كان يتحين اللحظة كي يحادثها بفارغ الصبر وبسؤالها له أعطته الفرصه.
صدعها بالحديث ولم تنتبه لغادة وحديثها المتجهم مع مديرها طلعت، ولا بتحرك طلعت ناحية مكتب ماهر.
جلس ماهر بإنهاك وصداع شديد بعد ساعات عمل متواصله.. يحاول إرتشاف قهوته وقد خلع عنه جاكيت بذلته كعادته وفتح أزرار قميصه وأمامه تقف عادة بأعين متلهفه معجبه من ماهر الذي ينبض بالرجولة والفخامة غير مكترثة الأن بسبب مجيئهم لعنده... شوفة ماهر أنستها... لكن طلعت كان يتحدث وماهر لا يفهم ، فزفر بضيق يسأل:
- ماتدخلوا في الموضوع في إيه؟ مختلفين على إيه مش فاهمهم.
همهمت غادة بهيام.. فيما قال طلعت:
- على فكرة أنا بحاول اوضح لها هي الي مش عايزه تفهم.. ممكن عندها حق البنت لا هي مؤهل ولا دارسه ولا حتى واخده كورسات ف بزنس وايز غادة صح... لكن بردو البنت بصراحه موهوبه وشغوفه وبتتعلم ونفذت كل المطلوب بل بالعكس أنا متوقع أنها هتتفوق على كل الي شغالين هنا وهتبقى أكبر اضافه لشركتنا أو أي شركة تروح تقدم فيها.
رمش بعيناه... على من يعود الحديث؟! مهلاً.... أيتحدثون على لونته؟!
تجهم وجهه و وقف بخطر... تراجعت غادة بأثره خطوة للخلف فيما تحدث ماهر بترقب مخيف:
- هي مين دي الي بتتكلموا عنها؟!
- البنت الجديدة إلي حضرتك طلبت نشغلها.
رفعت غادة حاجبها... هل جاءت بواسطه منه.
فيما تجهم وجه ماهر بزيادة وهتف:
- لونا.
- ايوة هي يا مستر.
ألتف حول المكتب يسأل بعصبيه:
- وخدتها وشغلتها؟
- اه ما أنسه دينا جابتها وهي اختارت تشتغل في الجرافيك.. بصراحه في الأول اخدتها عشان واسطة وكده بس يوم على يوم لاقيت لا ييجي منها بجد.
ليهتف بضياع وغضب:
- لا وبتعلمها كمان.
- أه يامستر.
تشنجت ملامحه وهتف من بين أسنانه:
- كل ده يتلغي.. انت سامع؟
- و... طب.. يعني.. نرفدها؟
- لا.
- امال تشتغل إيه؟
- ماتشتغلش.. أقولك.. شغلها كوفي بلوجر.. تقعد تقيم لنا الشاي والقهوة.. لكن تشتغل وتتعلم لأ... فاهم..
ثم وجع حديثه لغادة مؤكداً يأمرها:
- سامعه انتي كمان.
- حاضر.
- اتفضلوا روحوا على مكاتبكم ونادولي لونا.
تبادل كل من طلعت وغادة النظرات.. لما يفعل مع تلك الفتاة هكذا ولما يشعرون بأنه وهو يتحدث عنها كأنه يتحدث عن شيء يخصه ويملكه.
تحركوا مغادرين وبعد دقائق تقدمت لونا لعنده تدلف بخطى بطيئة تسأل:
- في إيه؟
وقف يغلق الباب ويحاصرها بينه وبين حضنه يجبرها على الدخول فيه ثم همس:
- وحشتيني.
- هاااه.
نطقت بتيه شديد من نبرته الهائمة بها وعيونه الامعه بشئ لا تفهمه أو هي التي ترفض الفهم.
- لأ مش قادر.
قالها قبلما يضمها لعنده مختصراً للوقت والمسافات يعتصرها بأحضانه همت لتفتح فمها وتتحدث لكنه وضع أصبعه على شفتيها هامساً:
- ششششش.. ماتقوليش أي حاجة.
شعرت أن هناك سحر باللحظة... لم تتفهمه بعد لكن على يبدو هناك سحر... لكنها تحدثت وأمرها على الله:
- بس أنا عايزة اقولك حاجه.
- قولي يا روحي.
لمعت عيناها وطالعته بنعومه تستشعر بعض الأهتمام فأكملت ما بدأته من أيام:
- أنا رجعت في كلامي .. وعايزة استلم ميراثي من جدو زي ما قال.
نظر لها بإستهجان يعني استحالة موافقته وهمس ساخراً:
- والله؟!!
ابتعلت رمقها في خوف وحفزت كل خلاياها تهمس:
- مش أنت جوزي... يبقى لازم تجيب لي حقي.
قلب شفته يضحك مدركاً... لونا تلاعبه.. وهو سيد من يعشق اللعبة الحلوة... لذا قرصها عند خدها وقال:
- حاضر... عيون جوزك.
ضيق عيناه التي تلمع وتبرق بخبث وإستمتاع ثم قال:
- تعالي بقا معايا.
- على فين؟
- هجيب لك ورثك.
تحرك بها تحت صدمتها وغادر المكتب والشركة كلها، أخذها في سيارته وغادر بأقصى سرعة مختزلاً الطريق للبيت الذي عمه السكون وصعد بها لغرفتها يغلق عليهما الباب بعدما دفعها لتدخل امامها وهي تسأل:
- في أيه يا ماهر... أنت بتعمل إيه؟
- ولا حاجه.. هخليني وجوزك بجد ... حقي وحقك...
ثم شرع في خلغ قميصه وهي تضع يدها على فهما تكتم صرختها المرتبعه على ما تراه منه.... لكن ماهر كان عازم على مايريد... رغبته فيها قاتله وقد قرر هو الليلة قاتل أو مقتول.. اقترب منها بصدره العاري يضمها له يشرع في خلع فستنانها ثم.....
رواية سيطرة ناعمة الفصل العاشر 10 - بقلم سوما العربي
أقترب منها بعزم وإصرار كله شوق متلهف، إمتلاك لونه صار مبتغاه وأقصى أمانيه.
هجم عليها بجسده الضخم، يفوقها قوة، يكاد يجن عليها، إنها تجننه، تجعل الدماء تغلي بعروقه، توصله لمرحلة بعمره لم يصل لها.
قبلها بلهفه، أي شيء تطاله منها شفتيه، هو مشتاق، مجنون ويريدها، لا يملك أي خيار آخر.
وهي ترتجف وتصرخ لتبعده، الرعب دب في أوصالها، هي لا تريده، ولا تعترف به زوجاً.
حاول شملها بين ذراعيه، أن يشعر بها هي وليست غيرها.
ماهر يريد لونا، لا يريد الجنس للجنس. هو يريده مع لونا.
خطفها داخل أحضانه، لا يريد القسوة ولا العنف، حابب قبله ناعمة وشعور لذيذ يعيشه معها.
فخفف من حدة هجومه متذكراً إرادته في عيش لحظات ساحرة مع لونا.
يريد رومانسية ساحرة وليس مجرد جنس أو حق شرعي.
ضمها لصدره يحتضنها وهو يدغدغ عنقها وذقنها بحرارة قبلاته.
وقتها شعر برجفتها، تبكي رافضة ما يجري.
يهمس لها من بين قبلاته:
- شششش.. أهدي... ليه بتعيطي يا لونا.
- سيبني أنا مش عايز كده.
- أنا عايزك يا لونا... عايزك بجد.
- سيبني بالله عليك.
- مش هقدر أسيبك... لو سبتك دلوقتي أخاف تسبيني بعدين.
دوماً بين الكلمات القليلة جمل عميقة لا نفهمها.
لونا لم تفهم بعد مغزى كلماته.
جل همها أن يتركها بختم ربها.
وهو جل همه امتلاكها.
همس في أذنها بحرارة:
- أنا عايزك ليا.. بتاعتي.. إنتي مراتي يا لونا.
لترد بهمس:
- أنا مش عايزة أبقى مراتك يا ماهر... مش عايزة.. وبخاف منك... سيبني.. مش عايزة تلمسني كده... أنا مش رخيصة والله أنا مش رخيصة.
توقف عن تقبيله لها، ابتعد لثانية.
يدرك ماذا ظنت.
هز رأسه بجنون واقترب منها يقول:
- أنا مش شايفك رخيصة.. لو كده كنت روحت لأي واحدة... يا لونا افهمي.. انتي مراتي.. رسمي وأهلك كلهم عارفين.. أنا مش مرخصك.. أنتي ملكة البنات كلهم.. مافيش واحدة قدرت تهز كياني غيرك... أنا هموت عليكي.
ابتعدت تتمسك بفراش السرير ثم همست:
- ده مش جواز.. أنا مش عايزك.
أغمض جفناه بغضب ثم فتحهم يهتف:
- مش جواز ليه عايز أفهم.
ابتعدت عن مرمى شفتيه تبغضه وتبغض حتى أنفاسه.
شعر ببغضها، قلبه يؤلمه، لما يحبها!
همست مكملة:
- سيبني بقا سيبني.
انزاح قليلاً للوراء يستند على ظهر سريرها ثم كمل بتصميم:
- مش هسيبك يا لونا ومش بمزاجك.
سحب نفس طويل وأكمل:
- هي غلطتي عشان ما تممتش جوازي منك من أول يوم وسبتك براحتك وده خلاكي مش واخده على وضعك الجديد.
انكمشت على نفسها في السرير تسحب الغطاء تغطي جسدها لكنه كان متكئ عليه.
لاحظ فعلتها وسحب نفس عميق متعب ثم رفع نفسه ببطء يرفع الغطاء ويمد يده يعطيه لها مردداً:
- خدي وقتك.
تعلقت عيناها به متأملة.
هل سيتركها وشأنها حقاً!
كادت أن تتهلل ملامحها لكنه أحبط كل ذلك وهو يسحبها لعنده يزرعها عنوة داخل أحضانه ويسحب الغطاء عليهما مردداً:
- بس وانتي في حضني.
رفعت أنظارها له رافضة ومرتبكة، غير متقبلة موضعها الجديد تحاول الابتعاد والنهوض.
ضمها بقوة أكبر يثبط محاولاتها وهو يقول:
- أنا مش عايز بالغصب.. عايزة بالرضا يا لونا... عشان كده لازم نقرب من بعض أكتر وتاخدي عليا وبعدها نتمم جوازنا.
هزت رأسها بجنون منه:
- جوازنا جوازنا... إيه جوازنا اللي انت ماسك فيها دي.. افهم بقا إحنا مش متجوزين... ده مش جواز.
التف ينظر لها بغضب وقال:
- كلامك ده هو اللي بيخليني عايز أتمم جوازي منك في أسرع وقت.
- قصدك إيه!
زم شفتيه يحمد الله أنها للآن لم تفهم وموقفها مجرد رفض له لا أكثر.
يدرك أنه ربما عليه التقرب لها بزيادة وجعلها تعتاده وتعتاد قربه وما عدى ذلك سيعد اغتصاب وهذا ما لا يريده معها إطلاقاً.
لا يريده للونا بحق.
يريد لها إحساس مفعم.
وردي.
ممتلئ بالنشوة واللذة والرومانسية.
أن تدمن حلاوة قربه وتطلبه أحياناً.
هذا ما يريده مع لونا.
هي وحدها.
أسدل جفناه يستعد للنوم لتجحظ عيناها مرددة:
- أنت بتعمل إيه.
- هنام... مش عاجبك! أنا ممكن أصحى لك على فكرة.
- لا روح نام في أوضتك.
ضمها يغمض عيناه يردد براحة:
- أوضتك أوضتي.. أنتي هتنامي النهاردة في حضني عشان تاخدي عليا.
فتح عيناه يناظرها برغبة حارقة:
- ما أنا مش هقدر أصبر وأمنع نفسي عنك كتير.. بس أنا مش عايز آخدك بالقوة.
شدد بذراعه عليها.
يجبرها لأن تتوسد حضنه العاري عنوة:
- نامي.
- هنام فين... سيبني عشان أنام.
- نامي على صدري.... يالاااا.
أمرها بقوة وهو يلاحظ رفضها وترددها مما جعلها تقترب من صدره مضطرة، مشمئزة غير متقبلة.
ليبتسم وهو يشعر بنزول شعرها على جسمه العاري ثم ملامسة خدها الممتلئ له ومن بعده جسمها كله.
أطبق ذراعيه عليه يتنهد بتعب هي المتسببة فيه وهي لا تعلم ثم همس:
- على فكرة يا لونا... عشان تبقى المعلومة عندك وتتعاملي على أساسها.. أنتي فعلاً مراتي.. أنا مش هطلقك دلوقتي أو بعدين أي كان الوضع إيه... هفضل رابطك جنبي العمر كله.
كانت تستمع لنبرته المصره التملكية ومع كل كلمة زيادة كانت عيناها تتسع برهبة تدرك بأي وضع وضعت.
ثم همست بيأس وألم:
- أنت طلعت لي منين؟! طلعت لي منين بس؟!
ضمها بقوة مضاعفة، متملكة، يسحب مع أنفاسه رائحتها ليتشبع بها وهو يردد:
- أنتي اللي طلعتي لي منين بس يا لونا.
هز رأسه ساخراً من ثباته السابق أمام أي فتاة مهما كانت جميلة وكيف تداعى كل ذلك ما أن دخلت لونا لحياته.
كأنه قدر ومكتوب.
أو ربما شئ آخر.
مر بعض الوقت أجبرها فيهم على البقاء في أحضانه إلى أن سحبهما النوم لساعات متواصلة حتى استيقظا على صوت طرقات الباب:
- لونا.... لونا.. مش هتتعشي!
فتح كل منهما عيناه يستوعبان الوضع وان چنا شقيقة ماهر هي من تقف بالخارج يفصلها عنهما الباب فقط.
نظرت لونا لماهر الذي مازال يحتضنها له ثم همس في أذنها:
- قولي لها إنك شوية ونازلة وراها.
فهمست له بكيد:
- طب ما تقولها أنت يا جوزي.
رفع إحدى حاجبيه لها بحدة ثم همس:
- يالا يا لونا... ولا تحبيها تدخل علينا هنا دلوقتي وانتي في حضني.
زفرت بضيق شديد لكنها كانت مصرة على محاصرته تكمل لكن صوت چنا عاود:
- لونا... يا لونا.
فاضطرت أن تجيب:
- حاضر يا چنا هغير بس واجي وراكي.. أسبقيني انتي.
- أوكي.
تحركت چنا مغادرة وابعدت لونا أنظارها عن الباب تستعد لمحاصرة ماهر بالحديث من جديد لكن كان هو من فاجئها وهو يقبلها بغتة.
أخذها على حين غرة يهمهم بتلذذ.
معها يفعل كل شيء ببطء كي يستشعر بحلاوة وطعامة كل همسة أو لمسة من لونته.
فصل قبلته يحاوط رأسها بيديه ثم قال:
- تجنني.
- ما أنا أكيد هلاقي حل وهخلص منك.. أكيد في حل.
ضحك رغماً عنه.
ما قالته له هو آخر حديث متوقع أن يسمع بعد قبلاته الحارة معها.
وقال بتأكد من بين ضحكاته:
- مش هتلاقي... أنا هبقى حريص على إنك ما تلاقيش حل يا لونا.
طالعها بين ذراعيه وردد:
- يالا البسي بدل ما أفقد أعصابي اللي ماسكها عنك بالعافية... ولا أقولك.
شهقت بصدمة وهي تشعر بإزاحة الغطاء من عليها ثم سحبه لها بقوة يردد:
- حبيبي ما يتعبش نفسه... أنا أساعده.
تقدم بها لخزانة ملابسها ينظر لها بحيرة وغضب ثم قال:
- هو انتي مش عندك غير اللبس ده!
- ماله؟
- مش شايفة؟
- ده موضة جداً وبعدين أنا بلبس زي چنا أختك بالظبط تقريباً نفس الاستايل.
أغمض عيناه بغضب منها.
دوماً تجيب بنفس الرد ليسحب فستان رأه فضفاض نوعاً ما يقول:
- البسي ده.
- ولو إني مش بحبه بس ماشي.
- طب يالا غيري.
- اطلع برا وأنا أغير.
- لازم تعودي على وجودي.. يالا غيري.
- مش هيحصل أبداً.
قاطع حديثها وهو يخلع عنها كنزتها القطنية لتقف أمامه بملابسها الداخلية شاهقة تحاول مداراة جسدها عن عيناه الوقحة وهو قربها منه يلبسها الفستان بنعومة مردداً:
- وحش.. عليا النعمة وحش.
دغدغتها كلماته لثواني.
وهو متعمد.
تكنيك سيأخذ بعض الوقت لكن نتائجه أكيدة وهو يعلم.
عاملها بنعومة وسحر.
لطيف جداً وحنون.
رغماً عنها كانت عيناها تلمع بانبهار وهي تشعر به يعاملها أحسن حتى من معاملته لچنا التي تأملتها.
أغلق لها سحاب فستانها.
أجلسها أمامه بتروي يمشط لها شعرها.
أنهى ربطه ونظر عليها في المرآة يردد بحب وإعجاب واضحين:
- قمر... حبيبتي قمر.
على قدر فرحتها كانت مستنكرة.
تصرفاته المتناقضة تجننها.
لم تستطع المواراة وهمست:
- أنت أكيد عندك انفصام يا ماهر.
- ممكن.. كلنا مرضى نفسيين.
ضحكت تقول:
- طب ما تتعالج.
- اللي مضرور يتعالج وأنا مش مضرور.
ضحكت عالياً.
لم تستطع اخفاء ضحكتها وهو كذلك ابتسم يقول:
- يالا أنا خلصت... حلو كده؟
نظرت لهيئتها التي رتبها هو وقالت معجبة:
- حلو.
قربها منه يحتضنها له وقال:
- أنتي اللي حلوة يا لونا.... يالا ننزل.
خرج بها من الغرفة.
سحب يدها بيده إلى أن نزلا أمام الجميع.
فاضطر لترك يدها.
وقتها نظرت له نظرة لم ينساها.
ولم يفهمها.
لها معاني كثيرة.
وزادت حدة الصراع.
حيث قال والده:
- جهزت عشان بكرة!
- ماله بكرة!
سأل باستنكار شديد ليرد عزام من بين أسنانه:
- هي دي حاجة تتنسي.. بكرة الجمعة... معادنا مع عيلة أبو العينين عشان الخطوبة.
وقف الزمن هنا.
وتداعى معه كل شيء فعله أو حرص على فعله منذ قليل.
وعم صمت قاتل على المكان.
كل يحمل بداخله متفجرات ونوايا مختلفة.
صباح يوم جديد كله هموم على عاتق ماهر.
من الأمس وهو لا يستطيع رؤية لونا.
بعد العشاء ذهبت لغرفتها وقد ذهب خلفها عازم على المبيت عندها من شدة تبجحه لكنه تفاجئ بها توصد الباب عليها من الداخل.
الكل موجود وعلى وشك التحرك وبالفعل قال عزام:
- يالا احنا مستنيين إيه؟
- مستنيين لونا.
قالها الجد بهدوء لتحتد عينا ماهر وكذلك عزام الذي هتف بحدة:
- أنت عايز الوسخة دي تيجي معانا زيارة زي دي.. ده لو السما انطبقت على الأرض.
- وطّي صوتك يا عزام واقعد.. في إيه هتخيب.. بتعلي صوتك على أبوك.
تدخل ماهر بغضب مكظوم:
- أنا كمان شايف كده يا جدي.. خليها هنا.
وقف الجد بحدة رغم تعبه يهتف:
- حتى أنت يا ماهر.. خيبت خلاص زي ابوك.
نظر الجد لچنا وقال:
- چنا... أطلعي نادي لونا.
تحركت چنا بسرعة فيما هتف ماهر:
- أنا مش عايزها تيجي يا جدي... سيبها هنا.
تقدمت لونا على الدرج مع چنا تتوقف قدماها مع آخر كلماته وتسمع الجد وهو يقول:
- أنت كمان مستعر منها يا ماهر... كنت فاكر الأمل فيك.
لاحت لأنف ماهر رائحتها التي يعرفها جيداً فنظر لأعلى ليصدم بوجودها ولمعة الدموع بعينيها.
لا يعلم كيف يفسر لها حقيقة ما سمعت فيما هتف الجد:
- لو كلكم مستعرين منها كده مالكوش دعوة بيها... لونا هتيجي معايا أنا.
التف ماهر يدور حول نفسه يشعر بالعجز يود قضم قطعة من السماء.
فيما هتفت لونا بإنكسار:
- أنا مش عايزة أروح.
- يكون أحسن... يالا بينا اتأخرنا.
قالها عزام بغضب فيما قال الجد:
- أنا مش متحرك من غير لونا... تيجي معانا والكل يتعرف بحفيدتي.
تقدمت منهم تقول:
- أنا مش عايزة.
- هي كلمة.. هتروحي يعني هتروحي وإلا نلغي الجوازة دي.
لتتسع عينا ماهر وهو يسمعها تهتف بلهفة:
- لأاا... كله إلا كده... هروح.. أنا جاهزة أصلاً.
صك أسنانه بغيظ شديد وقد وصله مرادها.
تظن أن بتلك الزيجة خلاصها منه.
غلبانة لا تعلم شيء.
تحركت تغادر معهم رغم حنق عزام ورفضه الذي أقترب من ابنته يقول لها:
- ما كنتيش عارفه تلبسي فستان أحلى شوية وتعملي شعرك.
زوت چنا شفتيها وقالت:
- ومالي كده.
- مالك! هتفضلي طول عمرك خايبة زي أمك.
- چنا... تعالي أركبي معانا في عربيتي.
قالها كمال الذي استمع لكل ما قاله عمه وتحركت چنا بالفعل ومعها لونا تهرب من براثن ماهر وقد لاحظت نظراته القاتلة.
الوصول لقصر أبو العينين أتخذ الكثير من الوقت، فالمرور بحديقتهم الغناء ومروج الأشجار والورود وإسطبلات الخيل أتخذ وحده أكثر من ثلث الساعة.
كان قصر فخم بحق، يدل على مدى ثراء تلك العائلة.
لونا بالفعل كانت مشدوهة ومبهورة ورددت بلا وعي منها:
- واااو.. هو في مستوى الغنى ده في مصر؟
ضحك الجد وقال:
- وفي أكتر من كده كمان.. بس عيلة أبو العينين من أغنى عائلات مصر فعلاً.
ترجلت معهم من السيارة وتعثرت قدمها والتوت أثناء خروجها منها فتأخرت قليلاً.
كان على الباب في انتظار عائلة الوراقي كل أفراد عائلة أبو العينين، يستقبلونهم بحفاوة تليق بهم.
فقد وقف صلاح أبو العينين وشقيقه حسني ولجوارهم وقف شاب عريض المنكبين وطويل شعره خفيف من الأمام لكن عضلاته بارزة وعيونه زرقاء.
إنه أيقونة، تمثال منحوت ببراعة، مستفز.
مستفز لأقصى حد.
ما أن رآه ماهر حتى غار.
ماهر الآن يسب ويلعن.
طارق أبو العينين بالحقيقة أروع حتى من الصور.
ياااه.. وهو الذي ظنه فوتوشوب!
بترحاب شديد استقبلت عائلة أبو العينين الوراقيين.
وتقدم عزام يعرف العائلة حتى وصل لچنا:
- ودي چنا بنتي.. أخر العنقود ههههه.
تفزز جسد ماهر في موضعه وهو يسمع صوت صلاح أبو العينين يقول:
- ومين البنت القمر دي.
- أوووه.. عالية صدحت من طارق وساقته قدماه رغماً عنه وبادر لمساعدتها تزامناً مع صوت الجد:
- دي حفيدتي.. لونا.
رفع حسني إحدى حاجبيه وهو يرى ابنه يتقدم مبادراً لمساعدتها.
يمد يده مبتسماً قائلاً:
- ألف سلامة.. إيه اللي حصل.
فردت عليه تسمعه صوتها المسهوك لتصيبه وهو وماهر بالشلل دفعة واحدة:
- اتكعبلت وأنا نازلة.
ابتسم لها وقد نزل صوتها كالبلسم على صدره رسم ابتسامة عريضة على شفتيه وساعدها تحت أنظار الجميع.
وماهر يقف مصاب بالعجز والجنون.
شعور قاتل هو السبب فيه.
هو السبب في كل ما يجري وهو يعلم ذلك.
لكنه لم يستطع الصمود.
تحرك بلا هوادة يقول له:
- عنك انت يا طارق.
تناول يد لونا بين يديه بغلظة ثم قال:
- مش عايزين نتعبك.. تعالي يا لونا.
- ولا تعب ولا حاجة.. آنسة لونا تؤمر بس.
- اتفضلوا يا جماعة.
دلفوا جميعاً للداخل وجلسوا يتحدثون في أشياء كثيرة متفرقة تخص العمل وما شابه وماهر عيناه على لونا المندمجة في حديث متقارب مع شقيقته.
إلى أن تقدمت منهم سيدة متعدية الخمسين عاماً ولجانبها فتاة أيقونة في الجمال.
مضبوطة بالملي.
جمالها حاد وقوي.
شعرها أسود وطويل جسمها مضبوط متيبس.
تتقدم منهم وهي تتهادى في فستان مشجر ماركة فيرزاتشي.
عطرها قوي كملامحها وقوة بنيانها.
لم تكن تحتاج لتعريف.
أنها العروسة الفاتنة سليلة الحسب والنسب جميلة أبو العينين.
وقتها فقط رن بأذنها صوت عزام وهو يقول (مين ده اللي يرفض جميلة أبو العينين).
لونا لم تشعر بما فعلت.
هي ببساطة قد عقدت شبه مقارنة للتو وركزت مع كل تفاصيل العروس والنتيجة كانت أنها عروس أكثر من رائعة.
ماهر بالفعل محظوظ.
للتو استفاقت وعلى صوت والدتها التي جلست برقي تقول:
- إيه يا جميلة.. مش تسلمي على عريسك.
تقدمت جميلة تمد يدها بابتسامة مشرقة وبسيطة من ماهر الذي.
مد يده بترقب عينه تحطف نظره على لونا المأخوذة بالفعل ولا تعرف لما.
ربما لأنها تجلس وسط ناس أغراب عنها بما فيهم عائلة والدتها.
أنساق الحديث إلى حيث جائوا وقد دلف عزام بصلب الموضوع يقول:
- أحنا يشرفنا يا صلاح بيه نطلب إيد الآنسة جميلة لابني ماهر... نسب عيلة أبو العينين شرف كبير لينا.
- الشرف لينا أحنا يا عزام بيه.. عيلة الوراقي سمعتها زي الجنيه الدهب.
- الحمد لله... طب مش نقرا الفاتحة بقا.
- نقرا.
بدأ الجميع في قراءة الفاتحة حتى لونا.
جلست تقرأ فاتحة زوجها وهي لا تشعر بمدى العبث الذي يحدث.
هو فقط من كان يشعر بذلك.
لقد وضع بموقف لا يحسد عليه ولا يعرف كيف سيخرج منه.
هنا تدخلت والدة جميلة تقول:
- بس فين مامت ماهر.. هي مش موافقة علينا ولا إيه؟
فأجاب محمد الوراقي:
- والدة ماهر للأسف ماتقدرش تتحرك من السرير بقالها سنين على كده للأسف.
- لا ألف سلامة... إحنا كده لازم نزورها... وصلّي سلامي لماما يا چنا لحد ما أشوفها... ماشاء الله... چنا كبرت وبقت عروسة.
- أحلى عروسة.. خطابها مجنني.. بس أنا حالف مش هجوزها كده لأي حد.
- طبعاً طبعاً حقك يا عزام بيه.
صمتت لثواني تضيق عيناها ثم سألت:
- مين البنت الحلوة اللي جنب چنا دي.
رد محمد الوراقي:
- دي لونا... بنت رحيل بنتي.
- رحيييييل أاااه.
قالتها بنبرة ذات مغزى وترة الأجواء ولم يفصلها سوى صوت صلاح أبو العينين:
- طب إيه يا جماعة مش نقوم بقا ونسيب العرسان مع بعضهم شوية هههههه.
- صح... إحنا لازقين فيهم ولا عجائز الأفراح.
تنبهت كل خلايا ماهر وهو يرى نظرات طارق على لونا.
بعيناه لمعة.
كأنه معجب.
ولطارق سحر رهيب يوقع أي فتاة.
بالأساس ماهر يغار منه.
مسح على وجهه ولم يستطع الرد.
بكل ثانية يقع في موقف أسوأ من ماسبقه.
ولم يملك أي حيلة وهو يرى الكل مجتمع ليقف ويغادر للحديقة.
آخذين معهم زوجته.
ليجلس هو في لقاء فردي مع جميله.
كانت جميلة بالحق.
وهادئة حتى تبدو نقية.
جمالها فتاك.
جسدها يغوي الناسك.
ركز معها لدقائق طويلة.
لما لا يرغب وهي بالجمال تأخذ علامات.
لقد ظن أن ما يريده من لونا رغبة وقد وقع لها لأنها جميلة.
هو راغب في لونا بكل لحظة وكل ثانية.
مستعد لإقامة علاقة معها في أي وقت.
لكنه غير راغب في جميلة رغم كونها مكتملة الأنوثة.
رقيقة وتبدو خجولة ومهذبة.
ما الرابط بينه وبين لونا.
ولما هو واقع لها ومتعلق لهذه الدرجة.
غلى الدم بنفوخه وهو يرى طارق عبر الحاجز الزجاجي الفاصل بين الصالون والجنينة يقترب من لونا ويهمس لها بحديث خاص وبعيناه نفس نظرة الإعجاب.
لقد مارس أقصى درجات ضبط النفس منذ جاء لعندهم وظل يعد الدقائق حتى ينتهي هذا اللقاء.
وأخيراً عادوا للبيت وذهب كل منهم لغرفته حتى ماهر.
بدلت لونا ملابسها لأخرى مريحة واستعدت للنوم لكن اتصلت أولاً بصديقتها سما.
صار لها مدة لم تحدثها.
لكن من جديد هاتفها مغلق.
ساورها القلق والتوتر عليها.
سما مختفية ولم تسأل عنها حتى.
ترى ماذا حدث؟
قطع سيل أفكارها دخول ماهر عليها الغرفة يسأل بغضب:
- كان بيقولك إيه؟
- هو مين؟
- طارق أبو العينين؟
- آآآه... ابن عم عروستك؟!
ضيق عيناه.
لما تنطقها هكذا وكأنها تذكره.
هل لونته تغار عليه؟
تهلل قلبه و وجهه فرحاً واقترب منها يسأل بلهفة:
- أنتي غيرانة عليا؟
اتسعت عيناها بصدمة وهمست داخلياً تسأل نفسها.
غارت عليه؟
لحظتها دق قلبه وقلبها واقترب منها يسأل:
- ردي عليا... انتي غيرتي عليا بس بتنكري.. مش كده؟
رمشت بعيناها وهي تسأل بصدق هل بالفعل غارت؟
ابتسم ماهر وشعر أنها لحظة مناسبة ليقترب منها.
هي الأن ذائبة معه بين يديه.
لكنها هتفت:
- لأ ما غيرتش.
تيبس لثواني ثم قال:
- متأكدة؟
- أيوة.
- طب اتأخري بقا.... عايز أنام.
- روح نام في أوضتك.
- هنام هنا.. لحد ما تاخدي عليا.
مسحت على وجهها بتعب الجدال معه غير مجدي.
وجدته يخلع تيشرته وبقا عاري الصدر أقترب منها لتقول بخوف دفعة واحدة:
- لا ماتنامش هنا.... وماتقربش مني... خلاص أنا رجعت في كلامي ومش عايزة تجيب لي حقي من جدي... أنا هعرف أتصرف.
صدمته بكلامها وأيقظت عقله وكل حواسه.
لونا فكرت في بدائل.
وترى ما هي بدائلها هذه.
ولما لم تظهر كل تلك القوى إلا بعد لقائها بطارق.
ماذا حدث في كم دقيقة لقاء التي جمعتهما وهو بالداخل لا يعلم.