تحميل رواية «سيليا والشيطان» PDF
بقلم رولا هاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وضعت الهاتف علي أذنها تحاول التواصل مع شقيقها لكي يخرجها من تلك المنطقة المهجورة و لكن كما توقعت لم يرد عليها. زفرت بضيق. هامسة بنبرة خافتة و شعور التوتر يسيطر عليها بسبب وجودها بذلك المكان المرعب: -كان لازم يعني أروح الحفلة دي! أديني توهت! سارت بخطواتها البطيئة تحاول البحث عن أي أحد. ثم نظرت لهاتفها بتردد لتنوي وقتها مهاتفة والدتها فهي لا تملك أية حلول أخري. كادت أن تضغط علي الهاتف عدة ضغطات و لكنها توقفت تلقائيًا ليقع من بين يديها الهاتف عندما جاء رجل ما ليكمم فمها من الخلف ليهمس بنبرة مقززة و...
رواية سيليا والشيطان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رولا هاني
-موافقة.
ولما لا تنتقم كما انتقم هو! لماذا لا تنتقم لكرامتها التي تمت إهانتها على يديه! لماذا لا تجعل حياته جحيماً مثلما فعل! تلك هي الفرصة التي لا تأتي إلا مرة واحدة وهي لن تتخلى عنها. ستذيقه العذاب بلا رحمة وهي تستطيع فعلها. لذا همست هي بتلك الكلمة بعدما مرت تلك الأفكار المجنونة برأسها. فأومأ هو لها بصمته المريب قبل أن ينهض ليتحرك خارجاً من الغرفة. فهمست هي وقتها بغل وهي تضرب قدمها بالأرض بانفعال:
-إن مكسرتش قلبك يا شيطان انت زي ما عملت فيا مبقاش "سيليا".
***
-ما كفاية قعاد في الأوضة يا "رحيق". ده انت من ساعة ما جيتي وانت مخرجتيش.
قالتها "تالين" وهي تتأمل ملامح وجه صديقتها التي كانت شاحبة واهنة بصورة لا تبشر بالخير. هي حتى لم تصدق عينيها عندما رأتها للمرة الأولى بوجهها الذابل وتعابير وجهها التي فقدت حيويتها وحماسها المعهود. وفي تلك اللحظة ردت "رحيق" بنبرتها المبحوحة من فرط البكاء خلال تلك الفترة الطويلة:
-عملتي إيه في موضوع الشغل اللي قولتلك عليه؟
ابتسمت "تالين" بخفة قبل أن ترد عليها بفخر:
-مش قولتلك ثقي فيا، كده كده صاحب الشركة اللي بشتغل فيها مصري زينا وزي ما تقولي كده صحاب أوي. وأول ما عرف إن حد تبعي محتاج شغل وافق علطول إنك تشتغلي.
أومأت لها بصمت وهي تضم كلا ركبتيها لصدرها. فاقتربت منها "تالين" لتجلس بجانبها على الفراش. ثم ربتت على ظهرها قائلة بحنو وبنبرة لطيفة:
-أنا مش هتكلم في فكرة إني حذرتك كتير. ولا هتكلم في نتيجة تصرفاتك الغلط. أنا بس عايزة أقولك إن كلنا بنغلط وبنتعلم من غلطنا. وبنقابل في ناس وبنفارق فيهم. وفي الأول بنحس إن الحياة واقفة بس صدقيني هي مبتقفش على حد وبتكمل عادي جداً.
هزت "رحيق" رأسها نافية قبل أن تهمس بيأس وهي تحاول السيطرة على عبراتها التي التمعت بعينيها بتلك اللحظة:
-ميتهيأليش إنها هتكمل عادي جداً.
عقدت "تالين" حاجبيها بذهول تتعجب من انعدام الأمل الذي سيطر عليها. فلعقت هي شفتيها قبل أن تتساءل بتردد وهي تتابع تعابير وجهها باهتمام:
- "رحيق" انت حبيتيه؟
رمشت "رحيق" بعينيها عدة مرات بارتباك قبل أن تهمس بنبرة غريبة:
-تقصدي "برق" مش كده؟
أومأت لها "تالين" عدة مرات وهي تستمع لها باكتراث وهي تقول:
-يمكن لا. بس عمري في حياتي ما حسيت إني خذلت حد للدرجة دي.
ثم تابعت بأسف ظهر في نبرتها المرتجفة بوضوح. أما عبراتها فهي ظلت تحاربها بضراوة حتى انهارت على كلا وجنتيها:
-حبه ليا. وحمايته ليا حسسوني إني ليا ضهر أتسند عليه. بس في نفس الوقت حسيت إني مستاهلش ده. ولا هو يستاهل ده. هو يستاهل الأفضل يا "تالين".
ثم أكملت وهي تنتحب بحرقة ملحوظة في نبرتها التي سيطر عليها القهر:
-كلامه وكل حاجة هو عملها كانت زي القلم اللي نزل على وشي عشان يفوقني من اللي كنت فيه.
تابعت بنبرة ضعيفة وعبراتها الحارة تلهب كلا وجنتيها. بينما صديقتها تتابعها بأسى حقيقي ظهر في عينيها التي كانت تنظر لها بحزن:
-بالرغم من قسوة كلامه إلا إني ممتنة ليه إنه فوقني. تعرفي أنا عمري ما كنت أتمنى إن حد يحسسني إني رخيصة بالشكل ده. "برق" عمل كده وبالرغم من ده إلا إني عمري ما كرهته.
سحبتها صديقتها بهدوء ناحيتها لتربت على ظهرها بحنان هامسة بنبرة مغتمة على ما حدث لها:
-إنسي يا "رحيق" عشان تعرفي تعيشي. إنسي عشان ترتاحي.
***
-أخبار الشغل إيه يا "وافي"؟
قالتها "سيليا" بجدية بعدما دلفت للصيدلية الخاصة بها. لتوجه حديثها لـ "وافي" الذي يعمل معها بها. فرد هو عليها ببشاشة:
-حمدلله على السلامة يا دكتورة "سيليا". الشغل تمام.
أومأت له عدة مرات ونظراتها متعلقة بتلك الفتاة التي كانت تبتسم لها بمجاملة. فأشارت لها برأسها باستفهام قبل أن تنظر لـ "وافي" الذي رد عليها بهدوء:
-دي "ياقوت" هي جديدة هنا. أنا لقيت حد جديد معانا زي ما حضرتك طلبتي.
أومأت له بصمت قبل أن تهتف باقتضاب:
-نورتي يا "ياقوت".
ردت عليها "ياقوت" برقة وهي تفرك كلا كفيها بتوتر:
-بنورك.
كادت "سيليا" أن ترد ولكنها توقفت عندما تعلى صوت رنين هاتفها. فأخرجته من جيب بنطالها وهي تنظر لشاشته لتعرف هوية المتصل. فضغطت عليه بعدما عقدت حاجبيها بذهول وهي تضعه على أذنها قائلة:
-الو.
استمعت لرد "بيسان" والدة زوجها بتأفف قبل أن تهتف بإيجاز:
-حاضر نص ساعة بالكتير ويكون عندك.. سلام.
أغلقت الخط قبل أن توجه حديثها لـ "ياقوت" التي تابعتها بارتباك ملحوظ:
- "ياقوت" في دوا هتاخديه وتوديه على العنوان اللي هكتبهولك.
التقطت تلك الورقة والقلم من على تلك الطاولة الصغيرة قبل أن تدون عليه العنوان بالتفصيل. فألقت نظرات سريعة على "ياقوت" التي ظهر على تعابير وجهها الرفض الواضح. فصاحت وقتها "سيليا" بنبرة بثّت بعضاً من الأمان لقلبها:
-متخافيش يا "ياقوت" أنا مودياكي لحماتي يعني حد واثقة فيه.
مدت كفها بالورقة تجاهها فالتقتها "ياقوت" بكف مرتجف وهي تومئ عدة مرات بقلة حيلة. فهذا هو أول يوم لها بالعمل الذي لا تريد خسارته أبداً!
***
-انت فين؟
قالها "تميم" بنبرته الباهتة وهو يستند بجسده على ذلك الحائط. فرد عليه "برق" بنبرة مستهزئة:
-و بتسأل ليه؟
تنهد بعمق قبل أن يهتف بضيق واضح بنبرته المهتزة:
-خلص يا "برق" انت فين؟
رد "برق" بتلك اللحظة بعدما لاحظ نبرته التي لا تبشر بالخير بل تدل على وجود مصيبة ما:
-رجعت القاهرة في بيتي.
تحرك "تميم" بتلك اللحظة خارجاً من البيت لحديقته ليهتف على عجالة وهو يتجه ناحية سيارته:
-أنا جايلك دلوقتي حالاً.
أغلق الخط بعدها مباشرة وهو يصعد سيارته ليدير محركها وهو ينطلق بها سريعاً. وبداخله نيران تتأجج بصدره بلا رحمة.
***
تنفست بعمق قبل أن تطرق على الباب بعدة طرقات خفيفة وهي تضغط على الحقيبة البلاستيكية التي كانت بين يديها. وبعد عدة لحظات فتحت "بيسان" لها الباب قائلة بتعجب:
-انت مين؟
ردت "ياقوت" وقتها بنبرة مرتجفة وهو تحاول التخلص من شعور التوتر الذي داهمها بصورة مفاجئة بتلك اللحظة:
-أ.. أنا "ياقوت" شغالة في صيدلية دكتورة "سيليا" هي قالتلي أجي على العنوان ده وأديكي الدوا ده.
أكملت جملتها لتمد ذراعها بالحقيبة البلاستيكية بعدها مباشرة تجاه "بيسان" التي ابتسمت بخفة لتلتقطها منها قائلة بترحاب:
-أهلاً وسهلاً.
ابتسمت "ياقوت" بصورة هادئة وكادت أن تتحرك لتغادر المكان ولكن "بيسان" أوقفتها عندما هتفت بإصرار واضح بنبرتها:
-إيه ده انتِ هتمشي ولا إيه! مينفعش تيجي هنا من غير ما تدخلي وتشربي حاجة.
اتسعت ابتسامتها المجاملة وهي تهز رأسها رافضة:
-ميرسي جداً لذوق حضرتك بس أنا فعلاً مش هقدر ورايا شغل ولازم أرجع تاني.
قبضت "بيسان" على ذراعها برفض صائحة بنبرة صارمة لا تتحمل النقاش:
-أنا قولت مينفعش تمشي يعني مينفعش تمشي. لازم تدخلي تشربي حاجة.
تنهدت "ياقوت" بحنق عندما رأت إلحاحها العجيب. وكادت أن ترفض بعجرفة ولكنها تذكرت هوية تلك المرأة. فهي والدة زوج ربة عملها وبالتالي لن تستطيع رفض أي طلب لها وإلا ستخسر عملها الذي لن تجد غيره بالتأكيد خلال تلك الفترة. لذا وبمنتهى قلة الحيلة أومأت لها بتبرم أخفته بابتسامتها الخفيفة. لتدلف بعدها مع "بيسان" التي رحبت بها قائلة:
-يا أهلاً وسهلاً.
سارت "ياقوت" معها تجاه غرفة الصالون التي دلفتها لتجلس بعدها مباشرة على تلك الأريكة الفاخرة. وبتلك اللحظة صاحت "بيسان" بهدوء:
-أنا عاملة عصير مانجا تحفة لازم تدوقيه... تمام؟
أومأت لها عدة مرات قبل أن تهتف بلباقة:
-زي ما حضرتك تحبي.
أومأت لها "بيسان" بخفة قبل أن تخرج من الغرفة. بينما هي تهمس بنبرة غير مسموعة ولكنها تدل على غيظها الشديد من ذلك الموقف الذي وقعت فيه:
-أنا كان مالي بحماتها ولا مرات أبوها. ما كانت تروح هي ليها!
وفجأة تعلقت أنظارها بتلك الصورة الموضوعة على الحائط. فجحظت عيناها بصدمة وهي ترى ذلك البغيض الذي لم تنس ملامحه ولو ليوم. وبتلك اللحظة دلفت "بيسان" ولم تشعر بها بسبب انهيارها الذي ظهر عندما صرخت بهلع وهي تتراجع للخلف لتنكمش على نفسها برعب صائحة بتوسل وهي تبكي بهستيرية:
-إبعدوه عني لا.
اتسعت حدقتا "بيسان" وهي تتراجع بخطواتها للخلف قليلاً متسائلة بصدمة:
-حصلك إيه يا بنتي؟
وضعت كوب العصير على الطاولة وهي تنظر تجاه صورة "إياد" التي كانت نظراتها مصوبة ناحيتها. وكادت أن تتابع حديثها بتساؤل. ولكنها توقفت عندما قبضت "ياقوت" على ذلك الكوب لترميه ناحية إطار الصورة بمنتهى العنف ليتحطم زجاجه وهو يقع على الأرضية ليزداد تحطمه. بينما هي تتابع صراخها باهتياج وجسدها يرتجف بقوة. لتخبئ بعدها وجهها بكلا كفيها بارتعاب شديد:
-لا متخليهوش يقرب مني هو وصاحبه ده لا.
إنتحبت بألم وهي تحاول التنفس بصورة طبيعية، وكل ذلك وسط شهقاتها التي تتعالي بصورة سريعة. وفجأة شعرت بكف "بيسان" التي ربت على ظهرها، فإزدادت رعشة جسدها وهي ترفض صارخة بعصبية وعروق نحرها تبرز بوضوح:
- متقربيش مني، إبعدي عني.
إنتفضت "بيسان" مبتعدة وهي تلاحظ سوء حالة تلك الفتاة، لذا إلتقطت هاتفها من على الطاولة وهي تضغط عليه عدة ضغطات قبل أن تضعه على أذنها قائلة بخوف:
- "سيليا"، إلحقيني بسرعة.
***
- مش ناوي تتكلم؟
قالها "برق" بعد صمت صديقه الذي طال لعدة دقائق. فرد وقتها "تميم" وتعابير وجهه الباهتة تنكمش بأسي:
- عمري ما كنت أصدق إنه كدة يا "برق".
ثم تابع بإستياء وهو يطرق رأسه بحزن ليخفي عبراته التي إلتمعت بعينيه لتوضح مدى صدمته التي لم يستطع تجاوزها حتى الآن:
- فضلت مش مصدق كتير، بس كل حاجة ضده. كل حاجة بتقول إنه كان ***.
عقد "برق" حاجبيه بعدم فهم، وكاد أن يتسائل بفضول، ولكن توقف عندما وجد صديقه ينظر في عينيه مباشرة وعبراته تتهاوي على كلا وجنتيه. فهمس هو بتلعثم وهو يزدرد ريقه بصعوبة بالغة:
- سامعك.. ي..يا "تميم"، كم..كمل.
إرسمت على ثغره ابتسامة جانبية مريرة قبل أن يهتف بعدم استيعاب مازال يسيطر عليه حتى الآن:
- مصدقتش "سيليا" لما قالت إن "إياد" كان بيحاول يعتدي عليها، حتى "بلال" لما اعترف وقال إنه كان ناوي على كدة، عقلي مش راضي يستوعب دة.
جحظت عيناه بصدمة قبل أن يهمس بدهشة:
- إية؟
تابع "تميم" بنبرته الباكية وهو يمرر كلا كفيه على وجهه ليجفف عبراته الغزيرة:
- "سيليا" وقتها طلبت الطلاق، بس أنا رفضت وطلبت منها تفضل معايا!
فغر "برق" فمه بتعجب قبل أن يتسائل وهو يتابعه بنظراته المشدوهة:
- لية طلبت منها دة؟
رد عليه "تميم" وهناك نيران تشتعل بكلا عينيه بوميض مخيف لا يبشر بالخير، لينظر لصديقه بنظراته النارية المرعبة:
- عشان لسة مش مقتنع بإن "إياد" عمل كدة. أنا لسة متأكد إن في حاجة غلط.
رواية سيليا والشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رولا هاني
-إلحقيني يا "سيليا" البنت اللي بعتيها دي عمالة تصرخ و تصوت ومش مبطلة عياط حتي.
قالتها "بيسان" بهلع ما إن دلفت "سيليا" للبيت التي هاتفتها بإستنجاد لتساعدها في ذلك الموقف المروع.
تقدمت "سيليا" بخطواتها سريعًا تجاه غرفة الصالون حيث صوت النحيب الذي كان يعلو بصورة مفزعة، وما إن دلفت إنصدمت مما رأته، فهي وجدتها في حالة منهارة لا توصف، وهي تضم كلا ركبتيها لصدرها لتدفن وجهها بين كلا كفيها باكية بحرقة وبصوت يؤلم القلوب.
إقتربت "سيليا" ببطئ منها هامسة بحذر:
-ياقوت، إنت كويسة؟
رأت وقتها إرتجافة جسدها التي إزدادت عنفًا، فإزدردت هي ريقها بصعوبة من فرط التوتر الذي سيطر عليها خلال ذلك الموقف الذي لم تعرف فيه ما الذي يجب عليها فعله.
إقتربت منها أكثر وعلامات التردد تظهر علي وجهها بوضوح، ثم وضعت كفها علي كتفها وكادت أن تتحدث، ولكنها تفاجئت بها وهي تهب واقفة لتدفعها بعيدًا عنها، فكادت هي أن تقع بعدما تعثرت قدمها ولكن تقدمت وقتها "بيسان" في اللحظة المناسبة لتسندها.
إعتدلت "سيليا" في وقفتها لتنظر مباشرة في عيني "ياقوت" التي ترقرقت بهما الدموع، ثم تفحصت ملامحها التي كانت ذابلة بصورة عجيبة.
كادت "سيليا" أن تتحدث ولكنها توقفت عندما رأت تعابير الألم تظهر علي وجه تلك المسكينة وهي تقع أمامها علي الأرض صارخة ببكاء يصيب المرء بالقشعريرة المفرطة.
إلتفتت "سيليا" للخلف لتهتف بإرتباك وهي توجه حديثها ل "بيسان" التي كانت تتابع الموقف بخوف:
-هاتي كوباية ماية بسرعة لوسمحت.
تحركت "بيسان" بخطواتها السريعة لتخرج من الغرفة، بينما "سيليا" تجثو علي ركبتيها وهي تهمس بنبرة مرتجفة:
-أرجوكي فهميني فيكي إيه! متخافيش محدش هيأذيكي.
نظرت وقتها "ياقوت" لصورة "إياد" التي كانت مرمية علي الأرض والغل يشع من عينيها بوميض مرعب، فنظرت وقتها "سيليا" تجاه ما تنظر تلك المسكينة ليظهر علي وجهها النفور والإشمئزاز سريعًا، لتتسائل بعدها مباشرة وهي تنظر في كلا عينيها:
-تعرفيه.
ردت عليها بقهر ونبرتها تعلو لتعبر عن مدي الأسي الذي تشعر به، بينما "سيليا" تتابعها بصدمة ظهرت وبصورة ملحوظة علي تعابير وجهها:
-حياتي كلها إتدمرت بسببه، إعتدي عليا هو و صاحبه ال***.
إنتفض جسد "سيليا" برعب ما إن إستمعت لصوت ذلك الكوب الزجاجي الذي وقع علي الأرضية ليتحطم وهو يصدر ذلك الصوت المزعج، فنهضت وهي تستدير وعلامات الصدمة تظهر علي وجهها لتنفرج كلا شفتاها وعيناها تجحظ بعدم إستيعاب، لتجد وقتها "بيسان" بحالة لا تختلف عن حالتها كثيرًا، فهي الأخري إنصدمت مما إستمعته ليفغر فمها بعدم تصديق.
بينما "سيليا" تحاول تجاوز صدمتها لتهمس بنبرة متوترة وهي تلقي نظرات سريعة علي تلك المسكينة التي كانت تنتحب بهستيرية:
-عايزين نكلم حد من أهلها يجي ياخدها.
لم تجد رد من "بيسان" التي تسمرت بمكانها ما إن إستمعت لما قالته "ياقوت"، لذا إتجهت "سيليا" ناحية "ياقوت" لتلتقط هاتفها من جيبها، لتفتحه سريعًا وهي تفتح تطبيق الإتصالات وأول جهة إتصال رأتها هي (زاهر) فضغطت علي الأسم سريعًا قبل أن تضع الهاتف علي أذنها، وبعد عدة ثوان هتفت بنبرة مرتبكة واضحة:
-حضرتك تعرف صاحبة الرقم ده؟
أتاها رده بتلك النبرة المتلهفة، فردت هي سريعًا قائلة:
-حضرتك لازم تيجي تاخدها بسرعة، العنوان ***** و..
إختفي الصوت فجأة فنظرت للهاتف بتعجب، لتجده مغلق بسبب بطاريته التي كانت فارغة، لذا جزت علي أسنانها بعصبية وهي ترميه علي الأريكة بإهمال، صائحة ب:
-دة اللي ناقص.
بعد مرور نصف ساعة.
خرج من سيارته ليتجه للبيت وفجأة توقف بتعجب عندما إستمع لصوت الصراخ المخيف ذلك، لذا دلف بخطواته الراكضة وهو ينوي الإتجاه ناحية غرفة الصالون ولكن توقف عندما وجد والدته أمامه مباشرة، لتمنعه من إكمال سيره قائلة:
-إستني يا "تميم".
رد عليها بنبرة عصبية واضحة وهو يهز رأسه مستفهمًا:
-إيه صوت الصريخ ده؟...و فين "سيليا"؟
ردت عليه بنبرة مرتجفة بعض الشئ وهي تلتفت للخلف بإرتباك:
-موجودة جوا ومعاها بنت كده، تعالي إنت بس معايا وأنا هفهمك كل حاجة.
كادت أن تسحبه تجاه إحدي الغرف ولكنها توقفت تلقائيًا عندما وجدت "سيليا" تخرج من الغرفة والشر يتطاير من عينيها، وهي تصرخ بغضب جحيمي لا يبشر بالخير:
-إبن خالتك ال*** عمر ما مصايبه هتخلص، دمر حياة بنت مسكينة زي ما كان عايز يدمر حياتي، إنتوا إيه يا أخي شياطين!
جحظت عيناه بذهول، ليتابعها بنظراته المشدوهة قائلاً بعدم إستيعاب:
-إنت بتقولي إيه!
كادت أن ترد عليه صارخة بإهتياج، ولكنها توقفت عندما إستمعت لصوت تلك الطرقات علي الباب، فإتجهت ناحيته راكضة هامسة بخفوت:
-يارب يطلع هو.
فتحت الباب لتجد ذلك الرجل أمامها مباشرة، لتجده يهمس بتوتر:
-أ..أنا "زاهر" حضرتك..ك..كلمتيني عشان أجي ل "ياقوت"، ه..هي كويسة؟
لاحظت عينيه التي كانت متعلقة بنقطة ما فعقدت حاجبيها بتعجب، لتجد وقتها "بيسان" تشير لها علي عينيها بالنفي، ففهمت سريعًا لتهتف بنبرتها المرتبكة وهي تقبض علي كفه بتردد لتسحبه للداخل قائلة:
-إتفضل حضرتك هي موجودة جوا.
سحب "زاهر" كفه بحرج، صائحًا بتلهف:
-هي فين وإيه حصلها؟
فركت كلا كفيها وهي تسير ناحية الغرفة قائلة بضيق ظهر بتعابير وجهها وبنبرتها بوضوح بسبب رد فعله علي فعلتها التلقائية:
-إتفضل معايا هي في الأوضة دي.
-يتفضل معاكي فين؟...مين ده أصلًا!
قالها "تميم" بنبرة مهتاجة وهو يشبه الثور الهائج ليدفع "زاهر" وقتها بعنف جعل قدمه تتعثر ليقع علي الأرض صارخًا بنبرة هزت أرجاء المكان:
-ياقوت.
وبخت "سيليا" "تميم" صارخة بإمتعاض وهي تضرب صدره بكلا كفيها:
-إنت إتجننت!
كادت أن تستدير لتساعد "زاهر"، ولكنها لم تستطع بسبب "تميم" الذي قبض علي ذراعها بقوة ليسحبها ناحيته بصورة عنيفة، فإستدارت ناحيته تلقائيًا لتري وقتها تعابير وجهه القاتمة المرعبة التي جعلتها غافلة عن كل شئ حتي صراخ "زاهر" التي تعالي وهو ينادي بإسم "ياقوت" كانت غافلة عنه، هي فقط تري تعابير وجهه المتوعدة التي لم تراها من قبل، ولأول مرة تراه بذلك الإنفعال الذي كان متفاقم بصورة لا توصف، بالإضافة إلي قبضته التي إشتدت علي ذراعها بصورة مؤلمة، وفجأة خرجت من شرودها لتسحب ذراعها من بين يديه بصورة سريعة.
و بتلك اللحظة خرجت "ياقوت" لتبحث عنه بعينيها المتورمتين من فرط البكاء، فوجدته علي الأرض يبكي هامسًا بإسمها، لذا إقتربت منه راكضة وهي تقع علي الأرض بجانبه صائحة بإرتعاد:
-زاهر إنت كويس يا حبيبي!..."زاهر" رد عليا.
تشبث بكلا ذراعيها هاتفًا بهلع:
-إنت اللي كويسة؟...حصلك إيه ومال صوتك وإيه جابك هنا؟
هدأته بنبرتها اللطيفة وهي تساعده لينهض، ثم أخذته معها ليسيرا خارج البيت:
-متخافش يا حبيبي أنا كويسة، تعالي نمشي وأول ما نروح هحكيلك علي كل حاجة.
تابعتهما "سيليا" بكلا عينيها حتي خرجا، ثم إستدارت سريعًا لتصعد الدرج راكضة تجاه غرفتها، فكاد أن يذهب خلفها ولكن والدته أوقفته قائلة بت
أخذ فنجان القهوة الخاص به ليخرج من البيت لحديقته باحثاً عن صديقه بكلا عينيه. اتجه ناحيته بخطواته العادية وفجأة توقف خلفه مباشرة، ما إن وجده يفتح صور إحدى الفتيات ليمعن النظر بها.
فصاح هو وقتها بعفوية:
- مين دي يا "إياد"؟
أغلق "إياد" الهاتف سريعاً قبل أن يرد عليه بلطف زائف:
- دي إخت واحد صاحبي.
ارتشف "تميم" عدة رشفات من فنجان قهوته قبل أن يتسائل بفضول:
- طب وإنت كنت فاتح صورتها ليه؟
أطرق "إياد" رأسه بحرج مصطنع ليبحث وقتها على كذبة مناسبة لذلك الموقف وهو يهتف بخبث غير بائن:
- هاه.. لا ولا حاجة.
عقد "تميم" حاجبيه بتعجب ليتسائل بصدمة:
- إيه يا "إياد" إنت هتخبي عليا ولا إيه؟
رد وقتها "إياد" بمكر خفي وابتسامته الخجولة المزيفة ترتسم على ثغره بوضوح:
- دي بنت معجب بيها بصراحة وكنت عايز أصارحها بمشاعري دي بقالي فترة.
رفع "تميم" حاجبيه بسعادة قبل أن يوبخه بمزاح:
- كده بردو متقوليش!
رفع "إياد" كتفيه قائلاً ببساطة اصطنعها بمنتهى المهارة:
- مكنتش عارف أحكي حاجة زي دي.
قهقه "تميم" عدة مرات قبل أن يهتف بصعوبة من بين ضحكاته، وهو يظن الخجل يسيطر على إبن خالته ليمنعه من الحديث:
- خلاص خلاص غير الموضوع طالما مش عارف تحكي.
فغر فمه بعدم فهم ليهمس بصدمة وهو يهز رأسه بهستيرية من فرط الحيرة:
- يعني إيه؟
رواية سيليا والشيطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رولا هاني
هب واقفًا وتعابير الاهتياج تظهر على ملامحه بوضوح، فخرج راكضًا تجاه الدرج ليصعده بخطوات سريعة غير مكترث لوالدته التي صاحت بارتباك:
"تميم" رايح فين؟
تابع سيره تجاه غرفتها ليفتح بعدها مباشرة باب الغرفة، فوجدها تخرج من المرحاض وهي تجفف خصلاتها المبتلة، فلم يهتم وصرخ بنزق وهو يقبض على ذراعها ليجعلها تقف قبالته:
"إياد" عمل إيه في البنت دي؟
وبعد إكمال جملته مباشرة، أخرج هاتف "ياقوت" من جيبه ليفتحه على صورتها تلك، ثم مد ذراعه نحوها لتراها، فرمقته هي باحتقار قبل أن تتجاهله لتنفض ذراعها من بين قبضته الحديدية صارخة بتحذير وهي تضرب صدره بمنتهى العنف:
لو لمستني أو مديت إيدك عليا تاني هقتلك، إنت فاهم؟
تلاحقت أنفاسها من فرط الانفعال، فتركته وهي تتجه ناحية الشرفة وسط محاولاتها الفاشلة في السيطرة على عبراتها التي كانت تحاربها بضراوة، بينما هو يمرر كلا كفيه على وجهه بعنف قبل أن يتوسل إليها قائلاً بضعف لم تشعر به في نبرته من قبل:
أرجوكي جاوبيني، أنا دماغي هتفرقع من كتر التفكير والحيرة، قوليلي هو مظلوم ولا لأ؟ قوليلي هو عمل كل ده ولا لأ.
خرجت سريعًا من الشرفة لترد عليه بأسلوب هجومي جعله يقع في زوبعة تفكيره مجددًا:
على أساس إنك هتصدق؟.. خلاص أنا هعمل اللي إنت عايزه، إبن خالتك كان ***، حاول يعتدي عليا، واعتدى على البنت المسكينة اللي كانت هنا، "إياد" كان *** مش زي ما إنت كنت فاكره.
هز رأسه بهستيرية رافضًا تلك الفكرة، فرأت هي وقتها تلك الحيرة التي تحدث عنها، فازداد وقتها نفورها منه وكادت أن تتركه مجددًا ولكنها توقفت عندما استمعته يتساءل بأمل ما زال بداخله، أمل يخبره بأن صديق طفولته بريء، ربما أمل كاذب ولكنه يظل أمل:
ط... طب والحاجات اللي اتسرقت منه يومها؟
جزت على أسنانها بعصبية مفرطة قبل أن ترد عليه بوجه مكفهر، وهي تقبض على كفه لتسحبه معها، فانساق هو خلفها كالبهيمة:
أنا هثبتلك أكتر يا "تميم" يمكن تصدق المرة دي.
خرجت به من الغرفة فوجدت أمامها "بيسان" تنظر لها بلوم ملحوظ، فلم تكترث لها بل ظلت تسحبه حتى هبطت به الدرج، لتتجه بعدها مباشرة إلى غرفة المكتب، بينما هو يتابع سيره معها وذلك الألم يعذب رأسه بلا رحمة!
وجدها تأخذ ذلك الحاسوب من على المكتب لتفتحه بصورة سريعة، وفجأة وجدت "بيسان" تقترب من الغرفة فاتجهت راكضة لتغلق الباب بإحكام، قبل أن تفتح سجل كاميرات المراقبة أمام عينيه، فاستلتقط هو منها الحاسوب ليتابع ما يحدث بعينين جاحظتين، بينما هي تتابع تعابير وجهه المصدومة التي ازدادت عندما رأى ذلك السارق يدلف للبيت بعد قليل، ففهم هو سريعًا ما حدث!
اتسعت حدقتاها بصدمة عندما رأت عبراته تتهاوى على وجنتيه قبل أن يلقي الحاسوب على الأرض بعنف، فوضعت هو كلا كفيها تلقائيًا على أذنيها لتمنع نفسها من استماع صوت تحطم الحاسوب المزعج، رفعت عينيها تجاهه لتري رد فعله الذي أصبح غير متوقع، لتجده يبكي بهستيرية وهو يتجه ناحية المكتب ليحطم كل ما يراه صارخًا باهتياج، فابتعدت هي عنه بارتباك لتستقر في إحدى زوايا الغرفة وهي ما زالت تتابعه برعب، فقد كانت حالته تزداد خطورة بسبب عصبيته التي تفاقمت ليتابع تحطيم كل ما يراه وسط صراخه ونحيبه وهو يصرخ ببكاء مرير، واقفًا أمام صورة ابن خالته الموضوعة على الحائط:
إزاي عملت كده؟... رد عليا إنت إزاي تعمل كده؟
استدار لها لتري هي وقتها عينيه التي مالت للحمرة من فرط البكاء، وفجأة ازداد ذعرها عندما وجدته يقترب منها بهيئته التي لا تبشر بالخير تلك، حاولت التراجع للخلف ولكنها لم تستطع بسبب وجود الحائط خلفها، فظهر تلقائيًا على وجهها علامات الفزع، فانكمشت على نفسها بخوف، ولأول مرة تشعر بذلك الهلع غير الموصوف الذي جعل الارتعاد يسيطر عليها بلا رحمة، وبعدما وصل هو إليها أحاط وجهها بكلا كفيه ليقربه من وجهه صارخًا بتوسل من وسط دموعه التي انهارت بلا توقف:
أرجوكي قولي إن اللي شوفته مش حقيقي، حتى اكذبي عليا أنا هصدق أن..
توقف عندما وجدها تنظر له باستهجان، فهو وبالرغم من كل تلك الدلائل ما زال يحاول التشبث بأي دليل ضعيف، وفجأة ارتمى بين أحضانها ليصرخ بصدق وهو يتشبث بملابسها:
أنا آسف، سامحيني.
جحظت عيناها بتوتر قبل أن تطوق خصره بكلا كفيها المرتجفين، ازدردت ريقها بصعوبة وهي تشعر بدموعه تبلل ملابسها، كادت أن تبعده عنها ولكنها توقفت عندما شعرت بثقل جسده على جسدها، فعقدت حاجبيها بتعجب قبل أن تهمس بقلق وهي تربت على ظهره برفق:
"تميم".."تميم" إن..
ابتعدت عنه بعدما استطاعت وتوقفت عن متابعة حديثها بارتعاب عندما وجدته يقع على الأرضية الباردة وهو فاقد الوعي، اتسعت حدقتاها وتسمرت بمكانها من فرط التردد في اتخاذ قرار ما، وبعد عدة لحظات اقتربت منه لتجثو على ركبتيها وأخذت تهزه ببعض من العنف قائلة:
"تميم" فوق، "تميم".
لاحظت عدم استجابته لأي شيء، فهبت هي واقفة لتفتح الباب سريعًا، فوجدت أمامها مباشرة "بيسان" التي كانت تطرق على الباب بقوة ولكن لم ينتبه لها أحد، لم تهتم بل صرخت على عجالة وعلامات الانفعال تظهر على وجهها بصورة ملحوظة:
بسرعة هاتي دكتور.
تساءلت "بيسان" بوجل:
دكتور ليه؟
ردت عليها صارخة بنبرة مهتاجة:
بسرعة "تميم" وقع جوا ومش بيفوق.
تحركت "بيسان" راكضة، بينما هي تنظر للداخل تجاهه لتهمس برفض:
لا يا "تميم" مش هسمحلك لا.
بعد مرور نصف ساعة.
خرج الطبيب من الغرفة هاتفًا بجدية:
صدمة نفسية، ياريت تبعدوه عن أي حاجة تضايقه خلال الفترة دي بالذات ولو حصل أي حاجة تانية تقدروا تكلموني في أي وقت.
تحرك الطبيب ليغادر المكان، فكادت هي أن تدلف للغرفة ولكن "بيسان" منعتها صائحة بحدة:
مش هتدخليله، أنا معرفش إنت ممكن تعملي فيه إيه تاني.
رفعت "سيليا" حاجبها الأيسر باستنكار صائحة:
إنت هتمنعيني أدخل لجوزي ولا إيه؟
اقتربت منها "بيسان" صائحة بغضب:
إنت أذيتي ابني، قولتلك استني وإنت مسمعتيش الكلام، اديه بيضيع من بين إيديا أهو.
جزت على أسنانها باهتياج قبل أن تصرخ باحتدام وهي تضرب الحائط بعنف بقبضتها اليمنى:
ماليش ذنب في إنك خايفة على ابنك، أنا ذنبي إيه في كل ده؟... دمرتوا حياتي ومع ذلك شايفيني غلطانة، تعرفي أنا فعلًا غلطانة، غلطانة عشان مأخدتش حقي من بدري، وأنا فعلًا هاخد حقي يا "بيسان" سامعة هاخد حقي يعني هاخده.
هبطت الدرج بعدها مباشرة لتخرج من البيت بأكمله، بينما "بيسان" تتجاهل كل شيء لتدلف لابنها حتى تطمئن عليه!
صباح يوم جديد.
"رحيق" خليكي هنا لغاية ما أشوف "باهي" بيه فين.
قالتها "تالين" بنبرة عادية قبل أن تترك صديقتها، بينما "رحيق" تسير بخطواتها البطيئة وهي تتفحص ذلك المكان بكلا عينيها، وفجأة شهقت بخوف عندما اصطدم شخص ما بها، فترنحت في خطواتها وكادت أن تقع، ولكنها استطاعت الثبات لتهتف بانفعال:
بني آدم أعمى بصحيح.
وجدته فجأة يستدير لها ليصيح باستنكار، وهو ينظر في كلا عينيها بتوعد:
إنت قولتي إيه؟
شهقت بصدمة قبل أن تهمس بذهول:
إنت بتتكلم عربي؟
و بتلك اللحظة أتت "تالين" لتهتف ببشاشة:
"باهي" بيه إنت اتعرفت على "رحيق"!
رفع حاجبيه بدهشة قبل أن يهتف بعدم تصديق:
هي دي "رحيق"؟
بينما هي تتساءل أيضًا وقد أصاب وجنتيها حمرة الحرج:
هو ده "باهي" بيه؟
أومأت "تالين" لكلاهما بعدم فهم وهي تشعر بوجود شيء ما غير طبيعي، بينما هو يهتف بجدية قبل أن يستدير ليتابع سيره تجاه غرفة مكتبه:
تعالي ورايا.
ازدردت "رحيق" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تسير خلفه بالفعل غير مكترثة لـ "تالين" التي انهالت عليها بالكثير من الأسئلة!
وجدته يدلف لغرفة مكتبه فولجت معه للداخل وهي تلقي نظرات سريعة على المكان، وفجأة انتبهت له خاصة عندما هتف هو بثقة وغرور جعلها غاضبة بعض الشيء ليراودها شعور الحنق ذلك:
إنت أكيد عارفة إن أي حد يتمنى يشتغل هنا عندي، وأكيد "تالين" فهمتك ده.
تنفست بعمق قبل أن تهمس بمجاملة:
أكيد حضرتك.
تفحصها بعينيه لعدة لحظات قبل أن يهتف بهدوء:
الشغل هنا صعب، ومحتاج تركيز، وزي ما إنت عارفة هتكوني السكرتيرة بتاعتي وأنا مش عايز أي غلطة في الشغل تمام، لإني وقتها هحاسبك زي أي حد وهنسى خالص "تالين".
كررت جملتها الأخيرة وهي ترمقه بنظرات هادئة وربما مستفزة:
أكيد يا فندم.
عقد حاجبيه ببعض من الضيق قبل أن يهتف بنبرة خشنة:
اخرجي برا هتلاقي "مارلا" وهي هتفهمك كل حاجة خاصة بالشغل.
أومأت له باحترام قبل أن تتحرك تجاه الباب لتخرج ولكنه أوقفها قائلاً بجدية:
أول ما تخرجي ابعتيلي "تالين".
أومأت له مجددًا قبل أن تخرج من الغرفة، بينما هو يهمس بتأفف:
شكلها هتتعبني فعلًا زي ما قالت.
-"سيليا" أنا آسف يا "سيليا"..."سيليا" قولي إن ده كدب.."سيليا".
ظل يهذي بتلك الكلمات قبل أن يعتدل في جلسته سريعاً بعدما استيقظ، بينما والدته تركض ناحيته بعدما استيقظت هي الأخرى لتصيح وقتها بقلق:
- "تميم" حبيبي انت كويس؟
تلاحقت أنفاسه بصورة سريعة قبل أن يتسائل بنبرة مبحوحة:
- "سيليا".. فين؟
تفحصت ملامحه المتلهفة بتوتر قبل أن تهمس بتلعثم:
- "سيليا" هي...
و بتلك اللحظة وجدتها تدلف هاتفة بإبتسامتها الخفيفة:
- أنا هنا يا "تميم".
إقتربت منه بخطواتها البطيئة قبل أن تهمس بمنتهى الهدوء:
- معلش كنت عايزة جوزي في موضوع مهم مش لازم حد يعرفه غيري أنا وهو.
رمقتها "بيسان" بإمتعاض قبل أن تتحرك بخطواتها المتئدة لتخرج من الغرفة، بينما هي تتابعها بعدم اكتراث لعبوسها الواضح، أما "تميم" فهو ظل يتابعها بنظراته المتلهفة بشدة غير منتبه لأي شيء آخر.
جلست بجانبه على الفراش لتتسائل بإهتمام زائف:
- عامل إيه دلوقتي؟
إزدرد ريقه قبل أن يجيبها بصوت أجش وهو يمرر كلا كفيه على وجهه ببعض من العنف:
- مش عارف أنا مش فاكر أي حاجة غير إني أغم عليا و... وأنا في حضنك!
أومأت له عدة مرات بصمت لتهمس بعدها بإبتسامة واسعة لا تبشر بالخير:
- تعالي نسافر.
عقد حاجبيه بذهول قبل أن يهمس بإستهجان:
- نسافر؟
أومأت له عدة مرات هاتفة بجدية:
- منه نغير جو، ومنه ننسى كل حاجة ولو لأيام.
إرتسم على ثغره ابتسامة جانبية ساخرة قبل أن يرد عليها بتهكم:
- إحنا مبننساش ولو لمدة ثواني يا "سيليا"، هننسي لأيام!
رمقته بدهاء قبل أن ترد عليه بنبرة شبه عادية:
- هنحاول.
نهض من على الفراش ليهتف بجدية قبل أن يتجه للمرحاض:
- تمام.. جهزي نفسك عشان هنسافر النهارده.
تابعته حتى توارت عن أنظارها لتهمس بعدها بخبث وعلى ثغرها يرتسم تلك الابتسامة الماكرة:
- ومن هنا نبتدي.
كانت تداعب خصلاته الكثيفة بحنان، وأحداث أمس تراودها كشريط سينمائي، فقد كان يوم عصيب ولم يمر بسهولة عليهما.
دلفا للبيت بوجوم، وهمست هي بإرهاق واضح على ملامحها:
- "زاهر" أنا تعبانة جداً ومحتاجة أرتاح، انت محتاج حاجة مني؟
أومأ لها عدة مرات قبل أن يهمس بصدق وعلامات الخزي تظهر على وجهه بصورة ملحوظة، فجحظت عيناها بصدمة مما استمعته:
- عايز أقولك أنا آسف، آسف عشان كنت عاجز على إني أحميكي، بل كنت محتاجك تحميني لما حسيت إن حد كان هيأذيني.
ثم تابع بنبرة مختنقة وهي يطرق رأسه بحرج:
- آسف عشان مكنتلكيش ضهر تتسندي عليه، ضهر يحميكي ويخليكي تحسي بالأمان، سامحيني يا "ياقوت".
جحظت عيناها بصدمة مجدداً قبل أن تصحح كلماته الحمقاء تلك قائلة:
- انت سندي وضهري فعلاً يا "زاهر"، انت اللي بكون في أي مشكلة وألاقيك معايا علطول بالرغم من كل شيء.
ثم تابعت بصدق وهي تضع كفها أسفل ذقنه لترفع رأسه:
- "زاهر" أنا بحبك يا "زاهر".
رواية سيليا والشيطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رولا هاني
-و أنا عمري في حياتي ما حبيت قدك.
قالها و هو يسحبها ناحيته ليضمها لصدره بعنفٍ شديدٍ خشية من أن تختفي من بين يديه في أي لحظة، بالإضافة إلي عبراته التي تهاوت علي وجنتيه بقلة حيلة، إنتحب بألمٍ و هو يتشبث بملابسها كالطفل الصغير، ليهمس بعدها بأسفٍ أصابها بالصدمة:
-بعذب نفسي بطريقة عمرك ما هتتخيليها، دايمًا شايف إنك تستاهلي أحسن مني، واحد يعرف يعيشك سعيدة و في أمان مش واحد أعم..
قاطعته هي صارخة بحدة بعدما إنتفضت مبتعدة عنه:
-لا يا "زاهر" متقولش كدة، صدقني أنا عمري ما هلاقي راجل زيك مهما عملت.
إبتسم بسخرية قبل أن يرد عليها بأسي:
-أنا تعبت يا "ياقوت"، نفسي أبطل أشوف نفسي قليل، نفسي أخلص من الشعور اللي مش راضي يسيبني من ساعة الحادثة اللي حصلتلي و أنا صغير.
ثم تابع بصراخٍ و هو يضع كلا كفيه علي وجهه، ليقع بعدها علي الأرضية الباردة بإنهيارٍ بعدما لم تعد قدماه قادرتين علي حمله:
-كل يوم بفتكر كل حاجة و بفتكر أنا خسرت قد إية لما خسرت عينيا!
جثت علي ركبتيها و هي تقترب منه، لتلتقط كفه برقة و هي تقبله بحنوٍ هامسة بحنان و عينيها تلتمع بالدموع:
-كل دة مايهمنيش، صدقني أنا فعلًا شايفاك أحلي حاجة في حياتي، إنتَ الوحيد اللي قبلتني زي ما أنا، إنتَ الوحيد اللي حبيتني، إنتَ الوحيد اللي كان نفسي أبقي كويسة معاه، و صدقني بندم كل يوم علي كل لحظة مكنتش كويسة معاك فيها.
و بتلك المرة سحبته هي تجاه أحضانها و هي تنهض به من علي الأرض، لتتجه معه ناحية غرفتهما.
دلفت معه للغرفة و هي تربت علي ظهره بصورة رقيقة، ثم جعلته يتمدد علي الفراش بهدوء لتتمدد بعدها بجانبه و هي تسحبه لأحضانها، و فجأة غرق الأثنان في بحور عشقهما التي داهمتهما كرياح مفاجأة لم يكن أي طرف منهما يتوقعها!
(عودة للوقت الحالي)
-"ياقوت"!...إنتِ صاحية؟
قالها بصوته الأجش و هو يربت علي كتفها برفقٍ، فردت هي عليه بنبرتها المبحوحة:
-صاحية حبيبي.
تأمل نبرتها لعدة لحظات قبل أن يسألها بمنتهي الصراحة التي لا يستطيع التخلص منها:
-إنتِ زعلانة عشان اللي حصل!؟
هزت رأسها نافية و هي تجيبه بإبتسامة واسعة:
-لا يا حبيبي مش زعلانة.
أومأ لها عدة مرات قبل أن يسألها بتوترٍ:
-هو إنتِ هتروحي الشغل دة!؟
تنهدت بعمقٍ قبل أن ترد عليه بهدوء:
-اة هروح.
كاد أن يرد عليها و لكنها قاطعته و هي تتابع حديثها ببعض من الصرامة:
-مرضتش أسألك إمبارح علي الحرق اللي في بطنك عشان مضايقكش و لكن أنا شايفة إن دة هو الوقت المناسب..تقدر تفهمني دة إية؟
وضع كفه علي بطنه تلقائيًا قبل أن ينهض من علي الفراش، ليفرك بعدها كلا كفيه بإرتباكٍ، فصاحت هي بغضبٍ بعدما نهضت هي الأخري من علي الفراش:
-بطل توتر و صارحني يا "زاهر" إنتَ عمرك ما كنت كداب.
تنهد بضيقٍ قبل أن يبدأ في قص كل شئ عليها، بينما هي تستمع له بذهولٍ راودها بلا رحمة، لذا و بعد عدة دقائق بعدما إنتهي هو من قص كل شئ، سألته هي بعفوية لم تكن تعرف إنها ستؤلم جراح عديدة كانت بقلبه و لم تندمل بعد:
-هما أهلك لية مش بيحبوك يا "زاهر"؟
طال الصمت و لعدة دقائق حتي إنها كادت أن تكرر سؤالها و لكنه قاطعها بتلك اللحظة قائلًا:
-أنا هخرج أتمشي شوية و أرجع تاني و إنتِ روحي شغلك زي ما تحبي.
خرج من الغرفة و هو يتحسس الحائط فخرجت هي خلفه بعدما إستطاعت إستيعاب ما قاله لتهتف ب:
-لوحدك!
أومأ لها بصمتٍ فرفعت هي حاجبيها بتعجبٍ قبل أن تصيح برفضٍ:
-مش هينفع يا "زاهر" تخرج لوحدك ممكن متعرفش ترجع.
تقدم ناحية الباب ليفتحه بكفٍ مرتجفٍ و قبل أن يخرج صاح بعصبية و صوته يعلو بصورة أفزعتها:
-متخافيش أنا مش عيل صغير عشان أخرج من بيتي و معرفش أرجع تاني.
رفعت كتفيها بعدم فهم قبل أن تصيح بأسفٍ ظهر في نبرتها:
-"زاهر" إنتَ فاهم غلط أن..
لم ينتبه لها بل خرج من البيت بخطواتٍ سريعة و هو يغلق الباب خلفه، بينما هي تزفر بحنقٍ هامسة بضيقٍ:
-أول مرة أحس إنه معندوش ثقة في نفسه للدرجادي!
____________________________________________
بالأسكندرية.
-أنا هدخل أريح شوية و بعدها هبقي أخدك و نخرج مكان ما إنتِ عايزة.
قالها و يتجه ناحية إحدي الغرف، و لكنه تفاجأ بها و هي تسحبه ناحيتها بمكرٍ قائلة:
-لا مش هينفع..ق..قصدي يعني خليك و هعمل لينا غدا نتغدي و بعدها نخرج في أي حتة.
نظر لها بإرهاقٍ قبل أن يرد عليها بقلة حيلة و هو يتجه ناحية تلك الأريكة ليرتمي عليها:
-زي ما تحبي يا "سيليا".
أومأت له عدة مرات و علي وجهها إبتسامة واسعة لا تبشر بالخير، ثم تركته لتدلف للمطبخ و هي تبدأ في طبخ ذلك الطعام و علي وجهها تعابير الخبث و الدهاء ظاهرين بوضوحٍ!
____________________________________________
-إنتِ بقي السكرتيرة الجديدة؟
قالها "برق" ما إن دلف لعيادته الخاصة، لترد عليه تلك الفتاة البشوشة بعدما نهضت من علي كرسيها:
-أيوة يا دكتور أنا "أيسل"، جاية من المستشفي اللي بيشتغل فيها دكتور "تميم الحديدي" و..
قاطعها بفظاظة و هو يتجه ناحية مكتبه:
-خلاص كفاية أنا عارف الباقي المهم بتعرفي تعملي قهوة؟
صمتت لعدة لحظات بحرجٍ و هي تحاول السيطرة علي أعصابها لتجيبه بنبرة خافتة:
-أيوة يا دكتور بعرف.
لاحظ وقتها عجرفته معها، فرمقها بتأففٍ قبل أن يهتف بأسفٍ:
-متزعليش أنا بس مضغوط شوية، إعملي القهوة و هاتيهالي جوا.
و بعد إكمال جملته مباشرةً دلف للغرفة، بينما هي تنتبه لهاتفها الذي تعالي رنينه لتضغط عليه و هي تضعه علي أذنها قائلة بخوفٍ:
-أ..أيوة في إ...إية؟
إستمعت لنبرة ذلك البغيض الكريهة:
-متنسيش يا روح *** تجيبي فلوس إنهاردة و إلا مش هتدخلي البيت خالص هتباتي في الشارع، سامعة؟
إزدردت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن ترد قائلة بنبرة ضعيفة و عبراتها تترقرق بعينيها:
-أيوة ب..بس دة أول يوم ليا في الشغل مش هعرف أجيب فلوس.
إستمعت لصراخه المفزع لينتفض جسدها و عبراتها تتهاوي علي وجنتيها بلا توقف من فرط الذعر:
-قولت ماليش فيه، إتصرفي و متجيليش البيت غير و معاكي فلوس، ولا إنتِ شكلك عايزة تاكلي علقة من بتوع كل يوم؟
ردت عليه بنبرة مبحوحة و هي تجفف عبراتها بكلا كفيها المرتجفين:
-ح...حاضر.
أغلق الخط بوجهها فوضعت هاتفها بجيبها و تلك الفكرة السيئة تمر برأسها و لكنها لا تجد حل أخر!
____________________________________________
-شكلها متعبة أوي يا "تالين" و حاسس إنها هتبوظ الشغل كله.
قالها "باهي" و الإنزعاج يظهر علي وجهه بوضوحٍ، فنظرت له "تالين" بتوسلٍ قبل أن ترد عليه برجاء:
-"باهي" دة أول طلب أطلبه منك، أنا حكيتلك كل حاجة عنها و عرفتك هي الفترة دي متدمرة إزاي و محتاجة حاجة تشغلها عن التفكير، و مفيش حاجة هتشغلها غير الشغل.
زفر "باهي" بعصبية قبل أن يرد عليها بإنفعالٍ:
-أنا مش فارق معايا أي حاجة غير الشغل يا "تالين" و عشان تبقي عارفة هي لو أثرت أنا مش هعمل حساب أي حاجة.
أومأت له عدة مرات قبل أن تهتف بثقة:
-مش هتغلط يا "باهي" ثق فيا.
تنهد بعمقٍ قبل أن يرد عليها قائلًا:
-أما نشوف.
ثم تابع بنبرة تحذيرية و هو ينظر في عينيها مباشرةً:
-"تالين" أنا عارف إنها صاحبتك، بس البنت دي طباعها مش كويسة علي حسب اللي حكيتيه، و ممكن تغدر بيكي و تأذيكي في أي لحظة ف ياريت تاخدي بالك لإني مش مطمن ليها.
عقدت كلا ذراعيها أمام صدرها قبل أن ترد عليه بصرامة:
-"باهي" أنا عارفة كويس أنا بعمل إية، و بعدين "رحيق" مش وحشة أوي زي ما إنتَ فاكر.
إرتسم علي ثغره إبتسامة جانبية مستهزئة قبل أن يرد عليها بتهكمٍ:
-واحدة كانت في علاقة مع إبن خالتها اللي إتوفي، و بعدها بقت في علاقة مع صاحبه، و بعدها لما واحد كان هيكشفها راحت متهماه إنه بيتحرش بيها و وقعت بينه و بين أخوها دي أقل حاجة تتقال عنها إنها **** يا هانم.
حذرته بنبرة مهتاجة و هي تهب واقفة بإنفعالٍ:
-"باهي" مسمحلكش.
إلتقط فنجان قهوته ليرتشف منه عدة رشفات قبل أن يهتف بلا إهتمام:
-إعملي اللي إنتِ عايزاه بس متجيش تعيطي في الأخر.
خرجت من المكتب بخطواتها السريعة التي دلت علي ضيقها الشديد مما قاله عن صديقتها.
____________________________________________
تابعته بلؤمٍ و هو يتناول الطعام لتهمس بعدها بنبرة رقيقة:
-عجبك الأكل؟
أومأ لها بصمتٍ، فلاحظت هي عبوسه الذي ظل مستمر خلال تلك الفترة، فنهضت هي من علي كرسيها لتقترب منه و هي تأخد قطعة من اللحم من الصحن لتضعها بفمه قائلة بلطفٍ:
-لية متضايق؟
رد عليها بصدقٍ و هو يبتلع الطعام ببطئ:
-عشان لسة منسيتش.
ثم تابع بنبرة تهكمية و هو يمرر كلا كفيه علي وجهه بصورة بطيئة:
-الظاهر كدة إن مش من السهل الواحد ينسي زي ما قولتي، ولا حتي من السهل إنه يحاول.
نظرت في عينيه مباشرةً قبل أن ترد عليه بهدوء لا يبشر بالخير، لترمقه وقتها بقتامة عنيفة:
-مش دايمًا بيكون سهل علينا إننا ننسي، ولا سهل إننا ننسامح، بس اللي متأكدة منه إننا من السهل إننا نحس بالندم.
فهم مغزي حديثها سريعًا ليطرق رأسه هروبًا من عينيها التي كانت تراقبه بصورة جعلته يتذكر كل شئ، لذا هب واقفًا ليصرخ بإهتياجٍ:
-إحنا مش قولنا هننسي كل حاجة و مش هنتكلم في المواضيع دي تاني؟
أومأت له عدة مرات قبل أن تصيح ضاحكة:
-مالك بس يا "تميم" زعلت لية دة أنا بهزر معاك!
وضع كفه على بطنه بألم. وكاد أن يرد عليها، لكنه لم يستطع ليركض وقتها ناحية المرحاض وهو يتأوه بألم. فتقيأ بعدها مباشرة، وهو يصدر تلك الأصوات الغريبة. فركضت هي خلفه وهي تراقب لغوبه وتعبَه الملحوظين لتدمدم وقتها بقلق:
- شكلي كدة زودتها!
ثم تابعت بدمدمة مجددًا وهي تقترب منه لتساعده:
- لازم أقلل الكمية المرة الجاية.
ساعدته لينهض من على الأرضية بعدما غسل وجهه بأكمله، لتهمس بعدها بوجل مصطنع:
- حصلك إيه بس!
وضع كفه على رأسه بألم قبل أن يصرخ بإهتياج:
- صداع فظيع.
التقطت كفه لتأخذه تجاه إحدى الغرف قائلة:
- طب تعالي في أي أوضة أرتاح شوية ومش مهم نخرج.
تركها ليدلف للغرفة بمفرده، ثم تمدد على الفراش وهو يمرر كلا كفيه على رأسه ببعض من العنف هامسًا بحيرة:
- حصلي إيه!
كانت تقبض على فنجان القهوة بهدوء شديد. ثم دلفت لغرفة المكتب قائلة بابتسامة خفيفة مجاملة:
- القهوة يا دكتور.
رد عليها بلا اهتمام وهو يتابع قراءته لذلك الكتاب:
- حطيها على المكتب واخرجي.
اقتربت من المكتب لتضع الفنجان عليه بصورة خاطئة عمدًا. فوقع الفنجان بمحتواه من القهوة الدافئة على ساقه. فهب هو واقفًا بغضب صارخًا باحتدام:
- إنتِ غبية!
شهقت برعب زائف وهي تقترب منه بعدما التقطت منديلًا ورقيًا من على المكتب. لتبدأ بعدها في مسح بنطاله برفق قائلة بأسف، بينما هو يحاول إبعادها عنه:
- أنا آسفة يا دكتور سامحني مقصدش.
وفجأة دفعها بعيدًا عنه لتقع هي على الأرضية بصورة قوية ألمتها، بينما هو يوبخها صارخًا بنبرة مهتاجة:
- إنتِ غبية فعلًا. اتفضلي اطلعي برا مش عايز أشوف وشك تاني.
أدخلت تلك الورقات المالية التي أخذتها من جيبه بكم قميصها قبل أن تنهض من على الأرض صائحة باستعطاف:
- أنا آسفة يا دكتور صدقني مش هتتكرر تاني.
رمقها بصورة صارمة قبل أن يرفض صارخًا بنبرة جحيمية قاتمة:
- أنا قولت امشي اطلعي برا يعني اطلعي برا.
ركضت ناحيته لتلتقط كفه سريعًا، حتى تقبله قائلة بتوسل وهي تبكي بمرارة خشية من فقدان ذلك العمل. الذي إن فقدته لن يرحمها زوج والدتها الذي ينتظرها يوميًا لتحضر له أية أموال لينفقها على تعاطي المخدرات:
- أبوس إيدك يا دكتور متمشينيش. أبوس إيدك أنا آسفة سامحني.
سحب كفه سريعًا صائحًا بذهول وهو يبتعد عنها بعدة خطوات للخلف:
- إنتِ اتجننتي يا بت إنتِ!
رأها تقترب منه مجددًا فصاح بجدية:
- خلاص خلاص. روحي اخرجي كملي شغلك واوعي اللي حصل ده يتكرر تاني فاهمة.
أومأت له عدة مرات وهي تجفف عبراتها بكلا كفيها. ثم تركته وهي تخرج من الغرفة. لتتنهد براحة فهي استطاعت سرقة الأموال والحفاظ على عملها في وقت واحد.
دلفت لحديقة البيت بخطواتها الواثقة لتتجه ناحية البيت وعلى وجهها تلك العلامات القاتمة التي لا تبشر بالخير. طرقت على الباب عدة طرقات لتقف منتظرة لعدة لحظات. حتى أتت "بيسان" التي فتحت لها الباب وما إن رأتها هتفت بتجهم:
- إنتِ تاني!... عايزة إيه؟
رواية سيليا والشيطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رولا هاني
-بقي يا روح *** كل دة برا البيت و مترجعليش غير بدول!
صرخ بها "مسعد" بإحتدام، وهو يقبض على خصلاتها بعنف شديد جعلها تتأوه صارخة، لتتوسله بعدها هامسة:
-أبوس إيدك يا "مسعد" سيبني.
صفعها بقسوة لتقع على الأرض بصورة قوية جعلتها تتأوه مجددًا بألم، بينما هو يقترب منها ليتابع إفراغ شحنة الغضب التي بداخله عليها، فتراجعت هي للخلف زحفًا وهي تنوي الاتجاه لغرفتها، ولكنَّه منعها عندما قبض على قدمها اليمنى ليسحبها ناحيته وهو ينهال عليها بالضربات والصفعات العنيفة، ثم صرخ باهتياج وهو ينظر لها باشمئزاز والدماء تسيل من شفتيها:
-و رحمة أمك لو بكرة مجيتيش بفلوس أكتر لهقتلك و محدش هيسأل عنك.
تابعته "أيسل" بعينين متورمتين من فرط الضرب والبكاء لتراه ينهض ليدلف لغرفته وهو يخرج تلك الحقيبة البلاستيكية الشفافة الصغيرة من جيبه، والتي تعرف جيدًا بوجود ذلك المسحوق الأبيض المخدر بها، لم تهتم بل حاولت أن تستند على كلا كفيها لتنهض من على الأرضية بصعوبة بالغة وهي تنتحب بقهر والعبرات الحارة التي تذرفها تلهب كلا وجنتيها، وفجأة انتبهت لهاتفها الذي تعالي رنينه فنظرت ناحيته تلقائيًا لتنظر لشاشته، حتى تتفحص هوية المتصل الذي ما إن عرفتها التقطته سريعًا من الطاولة لتضغط عليه قبل أن تضعه على أذنها قائلة بنبرة مرتجفة لم تستطع السيطرة عليها:
-أيوة يا دكتور "برق".
استمعت لحديثه وهو يرد عليها بقتامة لتنهمر عبراتها بحرج وهي تضع كفها الصغير على قلبها بألم جحيمي لم يرحمها:
-من ساعة ما جيتي و أنا شاكك فيكي، وشكيت بردو إن إنتِ اللي سرقتي الفلوس من جيبي وعملتي الفيلم بتاع القهوة دة عشان كدة، واللي أكدلي الكلام دة كله الكاميرات.
ثم تابع بعدم اكتراث لنحيبها الذي تعالي بصراخ من فرط الحزن والأسى:
-مش عايز أشوف وشك في العيادة تاني.
أغلق الخط بوجهها فسقطت هي على الأرض مجددًا وهي تبكي بحسرة على عملها الذي فقدته بعد أول يوم لها به، وفجأة تساءلت بارتعاش وهي تضع كفها على وجهها لتخفيه باستياء:
-هجيب فلوس منين بس للي جوا دة، أعمل إيه بس!
وفجأة تذكرت نبرته القاسية التي وضعتها في موقف محرج جعلها تتمنى أن تختفي وقتها، ثم تابعت نحيبها بحرقة وهي تهمس بقلة حيلة:
-لازم أروحله بكرة تاني عشان يسامحني.
-إتبسطي في الشغل؟
قالتها "تالين" بابتسامة خفيفة وهي تنطلق بسيارتها، فردت وقتها "رحيق" باقتضاب:
-آه إتبسطت.
نظرت لها بتمعن تحاول سبر أغوارها ولكنها لم تستطع، فتنهدت بضيق وهي تفكر في صورة مناسبة لتسألها عن "باهي" إن كان هو السبب في حالتها الغير طبيعية تلك أم لا، ولكنها تخشى إن تخب ظنونها لتتسبب وقتها في لفت أنظار صديقتها ناحيته لتفتعل معه المشاجرات، وفجأة مرت تلك الفكرة ببالها، فتساءلت تلقائيًا وهي تهز رأسها باستفهام:
-إنهاردة بليل هروح مع "باهي" نتعشى وبعدها هنروح مول نشتري شوية حاجات، تيجي معانا؟
هزت رأسها نافية بصمت، فصاحت "تالين" بإصرار بعدما فهمت كل شيء:
-يبقي هتيجي.
زفرت "رحيق" بامتعاض وقد اكفهر وجهها بصورة ملحوظة، فتساءلت وقتها "تالين" بحيرة وهي تهز رأسها عدة مرات:
-مالك بس يا "رحيق"؟
ردت عليها بشوق والحنين لكل شيء يظهر بكلا عينيها بوميض واضح:
-ماما وأخويا وحشوني أوي.
ترددت كثيرًا حتى تسألها حوله ولكن فضولها جعل ذلك التردد يتلاشى لتهتف هي وقتها باستفهام:
-و "برق"؟
توقفت بالسيارة بتلك اللحظة بسبب وصولهما للبيت، فهربت وقتها "رحيق" من إجابة السؤال عندما خرجت من السيارة لتركض ناحية البيت، بينما "تالين" ترمقها بتأفف وهي تتنهد هامسة بلهجة إنجليزية متقنة:
-يجب عليها أن تنسى كل شيء، عائلتها، "بلال"، "إياد"، و"برق" أكثر الأشخاص الذي يجب عليها نسيانهم حتى لو كان خلال تلك الأيام التي ستقضيها هنا.
-عايزة أعرف الواد اللي كانت صورته متعلقة جوا فينه؟
قالتها "ياقوت" وهي تعقد ساعديها أمام صدرها بصرامة، فردت عليها "بيسان" بنزق وهي تنتفض بغضب:
-ما تحترمي نفسك!
حذرتها "ياقوت" بصورة لا تبشر بالخير وهي ترمقها بتهديد صريح:
-لو منطقتيش علطول هدخل أرميكي من الشباك، رُدّي يا ست إنتِ.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة عالية مهتاجة، فتراجعت وقتها "بيسان" للخلف ببعض من القلق قبل أن ترد عليها بامتعاض أخفت به خوفها:
-مات.
ما الذي تقصده ب (مات)؟... ما الذي تقصده بتلك الكلمة؟... لن تنتقم كما تمنت؟... خابت آمالها وبعدة ثوان!.... ازدردت "ياقوت" ريقها قبل أن تهمس بعدم فهم:
-يعني إيه مات؟
ردت عليها "بيسان" صارخة بعبوس:
-يعني مات إيه مبتفهميش.
ثم أغلقت الباب بعدها مباشرة بعنف، لتتراجع تلك المسكينة للخلف وهي تهز رأسها بهستيرية رافضة تلك الفكرة، تلاحقت أنفاسها لتضع كفها على قلبها بألم، وفجأة فاقت على رنين هاتفها الذي تعالي بصورة مزعجة، فأخرجته من جيبها وهي تتفحص هوية المتصل فوجدته رقمًا لم تعرف هويته، ضغطت على الهاتف وهي تضعه على أذنها قائلة:
-الو مين معايا؟
وجدت صوت ذلك الرجل وهو يهتف ب:
-الو حضرتك مدام "ياقوت"؟
ازدردت ريقها بتوتر قبل أن تهمس بنبرة مرتبكة:
-أيوة.. إنت مين؟
رد عليها ذلك الرجل بعدة كلمات جعلتها تخرج من البيت راكضة وهي تصرخ ب:
-أنا جاية حالًا.
باليوم التالي.
-صباح الخير، إيه لسة تعبان؟
قالتها "سيليا" بابتسامة خفيفة وهي تجلس أمامه على الفراش، فرد هو بنبرة ناعسة وهو يفرك عينيه بكلا كفيه:
-بقيت أحسن.
أومأت له بهدوء قبل أن تمد كفها تجاهه بكوب العصير ذلك قائلة بابتسامتها التي اتسعت بصورة أصابته ببعض القلق بسبب حالتها التي أصبحت غير طبيعية:
-خُد اشرب العصير دة.
التقط الكوب منها ليضعه بجانبه على الكومودينو قبل أن يهتف بجمود:
-لا مش عايز.
لاحظت نظرات الشك التي كان يتابعها بها، فابتلعت ريقها بتوجس قبل أن ترد عليه بهدوء زائف:
-زي ما تحب.
ثم تابعت بحماس وهي تحاول نسيان ذلك الخوف الذي راودها:
-هنخرج إمتي بقي! ... ولا إنت جاي هنا عشان تنام!
رد عليها بتأفف وهو يمرر كلا كفيه على وجهه:
-"سيليا" أنا حقيقي تعبان ومعنديش طاقة أعمل أي حاجة.
زفرت بغضب مصطنع، ثم نهضت من على الفراش لتتجه ناحية باب الغرفة بخطواتها السريعة، فأوقفها هو قائلاً:
-"سيليا".
استدارت له لتنظر له باستفهام وهي تقترب منه بعدة خطوات، فصاح هو وقتها وهو يتابعها بنظراته المتمعنة:
-"سيليا" أنا وافقت أبدأ معاكي صفحة جديدة وأنسى كل حاجة، أتمنى إنتِ كمان تكوني نسيتي زيي.
تفحصته بكلا عينيها قبل أن تومئ له عدة مرات قائلة:
-أكيد طبعًا، بس إنت ليه بتقول كده؟
هز رأسه نفيًا قبل أن يلتقط كوب العصير من جانبه، ليمعن النظر بملامح وجهها الخالية من التعابير قبل أن يرتشف عدة رشفات منه وهو يهمس بشك:
-أتمنى تكوني مش بتكدبي.
رأته ينهي كوب العصير، فتنهدت براحة قبل أن ترد عليه بنبرة مهتاجة وهي ترمقه بلوم زائف:
-إنت بردو مصمم تبوظ كل حاجة، مش إحنا قولنا هنحاول نبقى ناجحين في حياتنا ليه بقي التصرفات الغريبة دي؟
نهض من على الفراش قبل أن يرد عليها بقتامة:
-عشان مش قادر أثق فيكي، استسلامك المفاجئ وهدوئك الغريب كل ده مخليني حاسس إن فيه حاجة غلط.
عقدت حاجبيها بتوتر قبل أن تتسائل بتردد:
-حاجة!.. حاجة إيه؟
رد عليها بنفس نبرته السابقة وهو يقترب منها بخطواته البطيئة:
-ما هو يا إما إنتِ بتخططي لحاجة محدش عارفها يا إما بتحاولي تمثلي عشان حياتنا تمشي، وأنا الحقيقة شاكك في الأولى.
رمقته باشمئزاز قبل أن تدفعه بكلا كفيها بعيدًا عنها، ثم صرخت بانفعال قبل أن تتركه لتخرج من الغرفة:
-إنت حقيقي إنسان مريض.
تابعت خروجها بخطواتها الراكضة فأوقفها هو عندما قبض على ذراعها ليسحبها ناحيته بصورة مفاجأة، فتراجعت هي تلقائيًا وهي تصطدم بصدره، ثم رفعت رأسها لتنظر لعينيه بنظراتها الغير مفهومة، بينما هو يمعن النظرات بعينيها بتلك الصورة التي لا تبشر بالخير، ازدردت ريقها قبل أن تهمس بغل ظهر بنبرتها:
-إوعي سيبني.
اقترب منها ليهمس بجانب أذنها بنبرة شيطانية أصابتها بالرعب الشديد، بالإضافة إلى عدم استيعابها لكلماته العجيبة تلك:
-خُدي بالك يا "سيليا" عشان أي تهور منك هيزعلك وهيأذيكي.
ابتعد عنها ليتجه بعدها مباشرة ناحية باب البيت، ثم فتحه ليخرج منه بخطواته الغاضبة، بينما هي تتلاحق أنفاسها وهي تمرر كفها على ذراعها الذي ألمها أثر كفه الحديدي الذي قبض عليه بمنتهى العنف، ثم همست بوجل وهي تنظر للباب بتوجس:
-أكيد هو معرفش حاجة، أكيد يقصد يهددني ويخوفني وبس.
-إنتِ تاني، هو أنا مش قولت مش عايز أشوف وشك تاني؟
قالها "برق" باحتدام وهو يرمقها بازدراء، وهو يحاول تجاهل تلك الكدمات الواضحة على وجهها، فردت هي عليه والدموع تترقرق بعينيها:
-أبوس إيدك متعملش كده، أنا لو مشتغلتش هيحصل مشاكل كتير.
رمقها ببرود قبل أن يوبخها صارخًا:
-إنتِ ليكي عين تطلبي مني أرجع كمان، وبعدين يحصلك مشاكل أول ميحصلكيش دي حاجة متخصنيش..
قاطعته هي رافضة، وهي تنتحب بهستيرية صارخة بألم، لتقع بعدها على الأرضية الباردة بعدما لم تتحمل قدماها حملها، فرمقها هو بصدمة وهو يحاول إيقافها عن البكاء بنظراته ولكن حالتها المنهارة منعته:
-لا إنتِ هترجعيني تاني وإلا هو هيقتلني.
ثم تابعت بلا وعي وهي تضرب بكلا كفيها على الأرض بمنتهى العنف مما أدى إلى جرح كلا كفيها:
-لازم أشتغل عشان أجيبله فلوس وإلا هيقتلني.
جثى على كلا ركبتيه ليقبض على كلا ذراعيها ليمنعها عما تفعله، وفجأة فقدت هي الوعي وكادت رأسها أن تعد للخلف لتقع ولكنَّه منعها عندما سحبها تجاهه ليحملها بين ذراعيه، ثم نهض بها وبتلك اللحظة تأمل تلك الكدمات التي ملأت وجهها ليفغر فمه بتعجب، ثم أخذها تجاه غرفة مكتبه ليضعها على تلك الأريكة وهو يلتقط زجاجة المياه البلاستيكية من على المكتب، ثم فتحها ليجعل المياه تتناثر على وجهها، فشهقت هي بخوف قبل أن تعتدل في جلستها سريعًا، ثم رفعت عينيها تجاهه لترمقه بعتاب لم يتحمله ليطرق رأسه هروبًا من نظراتها، بينما هي تتابع توسلها له قائلة برجاء وهي تقترب منه لتلتقط كفه حتى تقبله، فسحبه هو مبتعدًا قليلاً:
-أبوس إيدك رجعني الشغل وأنا مش هعمل كده تاني.
رد عليها بتلك اللحظة بصرامة لا تقبل النقاش فرمقته هي برفض:
-أنا ممكن أديكي مبلغ كويس كل شهر كمساعدة مني لكن ترجعي تاني الشغل أسف مقدرش أثق فيكي.
هزت رأسها بهستيرية قبل أن ترد عليه صارخة باستعطاف:
-لا أرجوك مينفعش، أنا مش عايزة أقعد معاه طول اليوم، ده ممكن يأذيني كفاية أوي عليا الكام ساعة اللي بقعدهم في البيت بليل، أبوس إيدك رجعني.
شعر بالانفعال تجاه ذلك الرجل الذي تتحدث عنه، فتساءل هو تلقائيًا وهو يقترب منها لينظر في عينيها المتورمتين من فرط البكاء مباشرة:
-هو مين ده اللي هيأذيكي؟
ردت عليه بنبرة مرتجفة وهي تنكمش على نفسها عندما لاحظت نبرته كانت تعلو بصورة مرعبة:
-جوز أمي.
عقد حاجبيه بذهول قبل أن يتسائل بدهشة:
-و أمك فين؟
ابتلعت تلك الغصة المريرة قبل أن تجيبه بنبرة مبحوحة:
-ماتت.
ازدرد ريقه قبل أن يتسائل بتردد وهو ينظر لملامحها الشاحبة الذابلة بحيرة:
-هو اللي عمل في وشك كده؟
أومأت له عدة مرات وهي تضع كفها تلقائيًا على إحدى الكدمات التي كانت أسفل عينها، وفجأة تابع هو ليجعلها في حالة مصدومة:
-وأنا هقدر أحميكي منه.
-هو إنتِ هتفضلي متعصبة كتير؟
قالتها "تالين" بعدما توقفت بسيارتها أمام مقر عملهما، فردت عليها "رحيق" بعبوس وهي تخرج من السيارة بحركات عصبية:
-أنا متعصبة منك عشان سمحتيله يجيبلي هدية زي دي.
خرجت هي الأخرى من السيارة لتصيح باستنكار:
-إنتِ عاملة كل ده عشان إيه بس! ... هو كان جابلك إيه ده ورد يا "رحيق".
ذهبت خلفها، فوجدها تستدير فجأة لتحذرها قائلة:
-كلمة زيادة ورد فعلي مش هيعجبك.
سارت خلفها وهي تتمنى ألا تتصرف بصورة حمقاء، حتى لا تعرف بأن هي من اقترحت على "باهي" فكرة الزهور تلك حتى تكون بداية لطيفة بينهما، ولكن ومن الواضح أن البداية ستكون جحيمية لا تبشر بالخير أبدًا.
وجدتها تدلف لغرفة مكتبه بدون استئذان، فتوقفت هي زافرة بضيق هامسة ب:
-ده شكل الحوار باظ خالص.
دلفت للغرفة كالثور الهائج وهي تبحث عنه بعينيها، فوجدته على تلك الأريكة وهو ينظر لها بجمود أصابها بالغيظ، نعم فهو كان يتوقع ذلك الأمر، كان يتوقع رد فعلها الغاضب، لذلك وافق سريعًا على اقتراح "تالين" الأحمق.
صرخت هي باهتياج وهي تضرب بكفها على المكتب:
-إنتِ إزاي تجيبلي هدية زي دي!
رد عليها بنبرة هادئة أثارت حفيظتها:
-إنتِ إزاي تدخلي من غير استئذان!
ردت عليه بعصبية وعروقها تبرز من فرط الغضب:
-إنتِ متخلف وحيوان!
هب واقفًا ليركض ناحيتها بصورة مهتاجة قبل أن يصرخ باحتدام بوجهها، وقد جحظت عيناه من فرط الانفعال، بينما هي تشهق بصدمة مما استمعته:
-إحترمي نفسك، مبقاش إلا واحدة ******* زيك هتغلط فيا!
رواية سيليا والشيطان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رولا هاني
-هتقدر تحميني منه! أبوس إيدك أنا مش عايزة أي مشاكل.
قالتها "أيسل" وعبراتها تعود لتنهمر مجددًا بلا توقف، فرد هو عليها بنبرة شبه رقيقة وهو يحاول تجاهل نبرتها الباكية التي سيطرت عليها بتلك اللحظة بعض الشي:
-يعني أقدر أحميكي منه، الأول بس أنا عايز أعرف إنت ليه مسيبتيهوش وهربتي من زمان!
ردت عليه بتوتر وهي تطرق رأسها لتحاول تخبئة عبراتها التي ظلت تتهاوي على وجنتيها بلا توقف:
-هو دايمًا بياخد فلوسي كلها ف... ف مش بقدر ولا بعرف أعمل كدة ولا حتى أفكر في ده.
أومأ لها بتفهم، ثم همس بنبرة شبه هادئة:
-ميهمنيش أوي أعرف حكايتك إيه ولكن أنا هساعدك عشان تخلصي من جوز أمك ف ياريت تسمعي كلامي في كل اللي هقوله تمام.
تنفست بعمق، قبل أن تسأله بتلعثم:
-ل...ليه؟
رد عليها بسؤال هو الآخر بعدما عقد حاجبيه بعدم فهم:
-ليه إيه؟
لعقت شفتيها بإرتباك، قبل أن ترد عليه وهي ترفع رأسها لتتفحص ملامحه وتعابير وجهه بكلا عينيها:
-ليه هتساعدني؟
رفع حاجبيه بتعجب، قبل أن يرد عليها بذهول وهو يهز رأسه بإستفهام:
-هو عشان أساعدك لازم يكون في سبب؟
تفحصته مجددًا لترد عليه بنبرة مرتجفة وضحت مدى توترها وخوفها:
-أكيد، اللي أعرفه إن عشان حد يساعد حد لازم يكون في مقابل.
كاد أن يرد عليها ببعض من العصبية ولكن توقف عندما إلتمعت تلك الفكرة برأسه ليبتسم بمكر، قبل أن يهتف بدهاء:
-هو فعلًا في مقابل.
تنهدت بوجل، قبل أن تهمس بتوجس:
-مقابل! مقابل إيه؟
رمقها ببعض من التردد قبل أن يهتف بإقتضاب وهو يمعن النظر بملامح وجهها التي حاول بمنتهى الصعوبة فهم تعابيرها المبهمة:
-أنا وإنت هنتخطب.
***
رأته يدلف للبيت بوجوم، فهبت هي واقفة من على الأريكة لتتجه ناحيته راكضة، فابتعد هو سريعًا كمن لدغه عقرب، ولكن "سيليا" لا تستسلم، لذا ركضت خلفه وهي تسحبه ناحيته قائلة بإهتياج:
-تميم إنت فاهم كل حاجة صح؟
تفحصها بنظرات مطولة ولم يكترث لها، فتحرك ببطء تاركًا إياها، بينما هي تجز على أسنانها بعصبية لتحاول تجاهل نظراته النارية التي كادت أن تحرقها، لتسير بعدها خلفه وهي تصرخ بنبرة هزت أرجاء المكان:
-متسيبنيش وتمشي.
إستدار لها بصورة مفاجأة ليدفعها ناحية الحائط بعنف، ثم أحاطها بين كلا ذراعيه صارخًا بنبرة مهتاجة أصابتها بالرعب، بالإضافة إلى الصدمة التي داهمتها عندما استمعت لكلماته الحادة:
-عايزة تعرفي إيه؟ عايزة تعرفي إني كنت عارف كل حاجة، عايزة تعرفي إن كنت عارف إنك عايزة تخليني مدمن وتنتقمي مني.
تلاحقت أنفاسها لتتسائل بعدها بنبرة مرتجفة:
-عرفت إزاي؟
نظر في عينيها مباشرة، قبل أن يرد عليها بإحتقار:
-أول يوم شوفتك وإنت بتحطي حاجة غريبة في الأكل ووقتها زاد شكي، وقتها بعدت عن المطبخ ونديت عليكي وقولتلك اني هنزل اشتري حاجة، وبعد ما رجعت خبيت الأكل اللي اشتريته ولما خرجتي من المطبخ وسألتيني فين الحاجة اللي جيبتها قولتلك ملقتش، وبعدها حطيتي الأكل على السفرة وقولتلك تدخلي تعملي عصير ووقتها بدلت الأكل بالأكل اللي جيبته.
جحظت عيناها بتوتر، قبل أن تتسائل وجسدها يرتجف من فرط الذعر:
-والعصير؟
رد عليها بحدة وهو يرمقها بنفور:
-بدلته هو كمان لما لفيتي.
تهاوت عبراتها بقهر، وهي تنتحب بألم، صائحة بغل:
-إنت اللي إبتديت بالأذي يا تميم إنت اللي عملت كل ده.
قبض على كلا ذراعيها وهو يهزها بعنف، صارخًا:
-كنت مخدوع فيه وحاولت أخليكي تسامحيني لكن إنت عمرك ما هتتغيري هتفضلي بردو زي ما إنت بتدوري على الإنتقام وبس!
جحظت عيناها وهي تنفض كلا ذراعيها صارخة بنزق:
-بس ده حقي.
رفع كلا حاجبيه بصدمة وهو يسألها بذهول لا يستطيع تصديق ما تقوله:
-حقك! حقك تخليني مدمن وتدمري حياتي!
تلاحقت أنفاسها وهي ترد عليه صارخة بإزدراء:
-إنت اللي بدأت وكسرت قلبي وخلتني أندم على كل لحظة حبيتك فيها.
ظلت تضرب صدره بهستيرية وهي تلومه صارخة:
-دمرت حياتي وخلت حياتي مش مستقرة لية عملت كدة؟ رد عليا.
تنفس بعمق، قبل أن يهتف بجمود، وهو يكور قبضته بعنف، يحاول السيطرة على تلك الرغبة العجيبة التي راودته لتحثه على إحتضانها لإحتواء صدمتها وإنهيارها:
-إمشي يا سيليا، إمشي وإبعدي وورقة طلاقك هتوصلك قريب.. أنا وإنت مش هنرتاح غير لما نبعد.
تهاوت عبراتها الحارة على وجنتيها مجددًا لتلهبهما قبل أن تصرخ بأسى:
-عشان حياتي تتدمر أكتر وأكتر مش كدة؟
وعندما رأى عبراتها الغزيرة تنهمر على وجنتيها جذبها ناحيته بصورة مفاجأة ليضمها لصدره هاتفًا بأسف، وعبراته تخونه كعادتها:
-أنا آسف سامحيني.
بكت بحرقة وجسدها يرتجف بقوة قبل أن تهمس بحسرة على حياتها التي تدمرت ومازالت تتدمر أمام عينيها لتشاهدها وهي لا تجد أي حلول لها:
-حياتي إتدمرت ومعدتش عارفة الصح من الغلط، كل اللي أنا فيه بسببك، أنا عمري ما هسامحك.
ذرف دموعًا حارة لتسقط على قميصها وهي تبلله، بينما هي تراودها الذكريات الكريهة البغيضة كشريط سينمائي لتزداد معاناتها، ثم لفت كلا ذراعيها حول خصره بصورة تلقائية وهي تهمس بنبرة مبحوحة:
-نفسي أرتاح من كل ده، أنا حقيقي تعبت.
إبتعد عنها قليلًا ليهمس بقلة حيلة من بين عبراته المنهمرة:
-إدينا فرصة نحاول تاني، أنا متأكد إننا لو كنا اتقابلنا في ظروف أفضل كان زمانا زوجين ناجحين جدًا.
هزت رأسها نافية، فصاح هو بإصرار عجيب:
-لا يا سيليا هنقدر.
ثم تابع بتوسل، وهو يرمقها برجاء إلتمع بكلا عينيه:
-صدقيني هنقدر، خلينا نحاول وننسي بس المرادي بجد.
أبعدته عنها بعنف، وهي تدفعه بقوة صائحة بإحتدام، وهي ترمقه بكراهية:
-إني أسامحك ده معناه إني أتخلي عن كرامتي، وإن كنت إنت في مقارنة مع كرامتي فإتفضل مع السلامة.
عقد حاجبيه بغضب، فإقترب منها قليلًا ليصرخ بتهكم:
-كرامة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ أنا أذيتك وإنت أذيتيني خلاص خلصنا.
لوت شفتيها بقسوة لتصرخ بتحذير:
-خد بالك من كلامك أنا مأذيتكش أساسًا.
تلاحقت أنفاسه وحيرته تزداد وتزداد لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله، أيتركها؟ أم يحاول مرة أخرى؟ لأول مرة يقع في تلك الحيرة القاتلة وكأن عقله يحاربه وقلبه يظهر بذلك الشيئ الجديد الذي لا يستطيع تفسيره، وبعد عدة لحظات هتف هو بلا تفكير وهو يتابع حالة الوهن والإرهاق البائنة على وجهها بمنتهى الندم والأسف الذي راوده مجددًا ليوبخ نفسه على أفعاله التي أخذته للجحيم الذي لا يجد أي مفر منه:
-من الأخر إنت عايزة إيه يا سيليا؟
لعقت شفتيها بتردد، قبل أن تهمس بصدق، وهي تنظر في عينيه مباشرة، وكأنها تطلب منه حلول أخرى:
-مش عارفة.
إقترب منها أكثر، ثم طوق خصرها ليقربها منه، بينما هي مستسلمة لكل شي، وكأنها غير واعية، غير واعية بمن يقف أمامها! بينما هو يقترب أكثر منها ليهمس بجانب أذنها برجاء، وكل ذلك وهو يحاول بث الأمان لقلبها الذي شعر وبتلك اللحظة بألمه الذي جعلها في تلك الحالة الغير طبيعية:
-إدينا فرصة يا سيليا أرجوكي.
أطبقت كلا جفنيها بقلة حيلة، بينما هو يتابع بجدية:
-بس المرة دي بجد.
***
-"باهي".
صرخت بها "تالين" بعدما دلفت للغرفة بصورة مفاجأة، وبالطبع كانت نظراتها تحذره حتى لا يقول أي شي أحمق يخرب كل ما تفعله، ولكن لم ينتبه لها بل تابع كلماته اللاذعة التي جعلت صدمة تلك المسكينة تزداد لتتهاوي عبراتها على كلا وجنتيها وهي تلتفت للخلف لترمق صديقتها بلوم شديد:
-مبقاش إلا واحدة خانت ثقة أهلها أكتر من مرة تيجي عشان تغلط فيا، أوعي تكوني فاكراني مش عارف عنك حاجة، أنا عندي علم بكل حاجة قذرة عملتيها قبل كده.
نظرت له وهي تحاول السيطرة على دموعها التي خانتها عدة مرات لتصبح في هيئة ضعيفة لم تكن تناسبها من قبل، ثم تراجعت للخلف بعدة خطوات وجسدها يرتجف بعنف، وبتلك اللحظة لم تستطع قدماها أن تحملها، فكادت أن تقع على الأرض وهي تنتحب بقهر، ولكنه تقدم ناحيتها في الوقت المناسب ليضمها لصدره حتى لا تقع، بينما هي ترمقه والعبرات تغمر كلا وجنتيها لتكن الصورة مشوشة لديها، فلم ترى وقتها ذلك الندم الذي ظهر على وجهه بسبب كلماته الحمقاء التي أدت إلى إنهيارها الغير متوقع ذلك، أما "تالين" فكانت تركض ناحيتها صارخة برعب:
-"رحيق" إنت كويسة؟
تعالت شهقاتها لتبعده عنها وهي تخرج راكضة من غرفة المكتب، فأطبق هو جفنيه وهو يوبخ نفسه، بينما "تالين" تقترب منه صارخة بحدة قبل أن تتركه لتخرج راكضة خلف صديقتها:
-حرام عليك يا أخي لية عملت كدة؟
تابعت ركضها خلف "رحيق" وهي تصرخ باسمها لعلها تقف حتى تستطيع توضيح أسباب فعلتها تلك، ولكن صديقتها لم تعطها الفرصة، فهي أشارت سريعًا لإحدى سيارات الأجرة التي إنطلقت بها سريعًا، فضربت "تالين" قدمها بالأرض وهي تصرخ بغضب.
-بردو هتخرج تاني؟ مش كفاية اللي حصل امبارح!
قالتها "ياقوت" بعصبية طفيفة وهي توبخه بنظراتها، لتتذكر بتلك اللحظة ما حدث بالأمس. فهي ذهبت للعنوان الذي أخبرها به الرجل لتجده تائه لا يعرف كيف يعود لمنزله. وبالرغم من ذلك إلا إنه كان مبتسم وسعيد بصورة مازالت تثير الشك لديها. والآن هو يريد الخروج مجددًا، وبالتأكيد لن تسمح له.
وجدته يستدير لها وعلى وجهه علامات السرور تلك. فتنهدت بحيرة وهي تتأمل تعابير وجهه اللطيفة وهو يهمس بتوتر:
-ياقوت، في حاجة عايز أقولك عليها. هو صحيح كنت حابب أخليها مفاجأة ولكن مش قادر أخبي عليكي الحقيقة.
عقدت حاجبيها بقلق. فاقتربت منه قائلة بوجل:
-حاجة إيه يا زاهر؟
تنهد بإرتباك قبل أن يجيبها بمنتهى التلعثم:
-ليا واحد صاحبي دكتور وكده. وهو...وهو تواصل معايا وقالي إنه في عملية ممكن أعملها تخليني أقدر أرجع أشوف تاني.
رمقته بصدمة قبل أن تزدرد ريقها بصعوبة بالغة وهي تهمس بتوجس:
-والعملية دي هتنجح؟
عقد حاجبيه بذهول عندما لاحظ نبرتها التي وجدها خالية تمامًا من أي مشاعر فرح وسعادة. ليرد هو وقتها بتوتر:
-أيوة بنسبة كبيرة هو أكدلي ده. وأنا كنت عنده امبارح بس مع الأسف معرفتش أرجع.
فركت كلا كفيها بإرتباك قبل أن تصيح بنبرة باكية أصابته بالتعجب:
-مبروك يا حبيبي.
رفع كلا حاجبيه ليقترب منها وهو يسحبها ناحيته. ثم وضع كفه الآخر على وجنتها ليشعر وقتها بتلك العبرات التي تهاوت عليها. فصرخ هو وقتها بخوف:
-مالك يا ياقوت؟
ردت عليه من وسط نحيبها الهستيري، بينما هو تزداد دهشته بسبب ما قالته:
-خايفة تندم بعد ما ترجع تشوف إنك اتجوزت واحدة زيي و...
وضع كفه على فمها حتى تتوقف عن تلك الكلمات الحمقاء. ثم همس هو وقتها بصدق وهو يقترب أكثر ليقبل جبينها برقة:
-أنا لو لفيت العالم كله مش هلاقي زيك يا ياقوت. ومهما يحصل هتفضلي في عيني حاجة كبيرة أوي هفضل طول عمري فرحان إني وصلتلها.
ثم تابع بمزاح ليرتسم على ثغره تلك الابتسامة الساحرة التي أصبحت تعشقها:
-وياستي لو هتزعلي كده لما أفتح بلاش خالص أعمل عملية.
ردت عليه بتلهف رافضة وهي تلف كلا ذراعيها حول خصره لتحتضنه بحنان:
-لا طبعًا. ده أنا هكون أول واحدة تفرح ليك.
اتسعت ابتسامته ثم اختفت فجأة قبل أن يهتف بجدية:
-ياقوت، في حاجة مهمة تانية عايز أقولك عليها.
ابتعدت قليلاً لتتفحص تعابير وجهه الغير مفهومة. ثم همست بتساؤل:
-حاجة إيه؟
رد عليها بنبرة صارمة لا تتحمل النقاش:
-مش عايز أسمع منك أي كلام يخص ماضيكي. عايزك تنسي كل حاجة يا ياقوت وكأنك إنسانة جديدة. كفاية أوي اللي إحنا مرينا بيه زمان خلينا نعيش حياتنا بقى.
ردت عليه سريعًا بلا تردد وكأنها كانت تتمني أن تستمع منه تلك الكلمات:
-حاضر يا زاهر. هنسي كل حاجة.
بعد مرور عدة أيام.
-إنت إيه اللي جابك هنا؟
قالتها "تالين" بنزق عندما رأته يتقدم ناحيتها. فرد هو عليها بهدوء:
-رحيق طلبت مني أجي لها هنا زي ما تقريبًا طلبت منك.
زفرت بضيق وهي ترمقه بإشمئزاز. وكادت أن توبخه بقسوة ولكنها توقفت عندما استمعت لصوت "رحيق" من الأعلى. فنظرت تجاه صوتها لتجحظ عيناها برعب عندما رأتها تقف على سور تلك الشرفة التي كانت بالطابق السادس:
-تالين.
تلاحقت أنفاس "تالين" بذعر. بينما "باهي" تتسع حدقتاه بصدمة صارخًا بهلع:
-رحيق بطلي جنان و انزلي من عندك.
ابتسمت بسخرية قبل أن ترد عليه بتهكم وعبراتها المريرة تنهمر على كلا وجنتيها:
-وأنزل من عندي ليه يا باهي بيه؟ مش أنا أستاهل أموت كده بسبب قذراتي اللي إنت قولت عليها؟
كاد أن يرد عليها ولكنها جعلته يصمت عندما صرخت بنبرة هزت أرجاء المكان. وكل ذلك وسط نحيبها الهستيري. أما "تالين" فهي كانت تتابع الموقف بصمت من فرط الصدمة:
-كلكوا شايفين إني غلطانة ومحدش عايز يديني ولو حتى فرصة. تعرفوا أنا فكرت كتير أوي بس ملقتش حل غير ده.
صرخ هو وقتها برفض هستيري. بينما "تالين" تصرخ بإنهيار. ازداد عندما رأت صديقتها ترمي بنفسها من الأعلى. وخلال ثوان وقعت "رحيق" على الأرض وهي جثة هامدة فارقتها الحياة. لتصرخ وقتها "تالين" بعدم تصديق. بينما "باهي" يراقب الدماء التي تسيل من أسفلها بعدم استيعاب ليتمني وقتها أن يكن ذلك مجرد كابوس سيفيق منه بأي لحظة.
رواية سيليا والشيطان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رولا هاني
شهقت بعنف وهي تعتدل في جلستها، وتلاحقت أنفاسها بلهث شديد. تفحصت المكان بكلتا عينيها لتستوعب وقتها وجودها بغرفتها ببيتها، وأن ما حدث منذ قليل كان مجرد كابوس شنيع.
سحبت الغطاء عنها لتنهض ببطء وهي تمرر بكلتا كفيها على وجهها بعنف، هامسة:
"يا ترى أنتِ فين يا رحيق؟"
"ليه طلبتي تشوفيني؟"
قالها باهي بتساؤل بعدما أشعل سيجارته الفاخرة تلك. فردت هي وقتها عليه بجمود وهي تنظر أمامها:
"إنت تعرف عني كل حاجة، أنا وانت عارفين ده. تفتكر واحدة زيي ممكن يبقى ليها فرصة تانية؟"
ازدرد باهي ريقه بصعوبة بالغة قبل أن يرد عليها بصدق:
"اسمعي يا رحيق، كل واحد فينا بيغلط، وأي حد مؤكد ليه فرصة إنه يتوب عن الغلط ده. إنسي اللي قلته في المكتب، ده كان كلام وقت عصبية. صدقيني ليكي فرصة تبقي أنضف بنت في الدنيا. يمكن لو رجعتي بلدك الموضوع يبقى صعب، بس الأمل موجود."
ثم تابع بلباقة وهو يقف قبالتها لينظر في عينيها مباشرة:
"عايزك ترجعي الشغل تاني، ومتزعليش من تالين، دي كانت عايزاكي في أحسن حال وما كانتش تقصد أي أذى. ولو حبيتي ترجعي مصر في أي وقت مفيش مشاكل. بس نصيحة مني ليكي، ابعدي عن برق."
ارتسم على ثغرها ابتسامة جانبية ساخرة لتهمس باستهزاء:
"أكيد مستاهلش واحد زيه."
لعق شفتيه بتوتر وهو يبحث عن طريقة مناسبة لإخبارها بذلك الأمر. لذا أخرج هاتفه من جيبه بتلك اللحظة وهو يفتحه على صورة ما، ثم وضعها أمام عينيها قائلاً بارتباك:
"تالين بعتتلي الصورة دي، وقالتلي إن خطوبته كانت امبارح."
تفحصت صورته مع تلك الفتاة بسعادة لا توصف، فاتسعت وقتها ابتسامتها المريرة وهي تهمس بسرور، جعل تلك الدموع تلتمع بعينيه من فرط تأثره بحالتها:
"أخيراً لقيت واحدة تناسبه."
تنفست بعمق وشعور الغبطة ما زال يسيطر عليها، بينما هو يهمس بوجل على حالتها غير المفهومة:
"رحيق، أنا عرفتك عشان تبعدي عنه مش أكتر. وبعدين مينفعش اللي بتقوليه ده. أنا واثق إن جواكي حد لو لفينا العالم كله مش هنلاقي زيه."
ربت وقتها على كتفها بحنو قائلاً بثقة:
"المرة دي هتدّي نفسك فرصة مرة كمان، ولكن الفرق إنه ده هيبقى بمساعدتي. صدقيني عمري ما هسيبك إلا لما تنسي الماضي اللي مش عايز يرحمك."
ابتسمت بأمل وهي تهمس بامتنان:
"شكراً يا باهي، حقيقي من غيرك في اللحظة دي كان زماني موتت نفسي!"
ابتسم لها بصورة بثّت الأمان والأمل لقلبها، لتعرف وقتها إن هناك فرص عديدة، لذا عليها نسيان اليأس الذي رافقها لوقت طويل.
"إنت هتمشي دلوقتي؟"
قالتها أيسل بتعجب وهي تتابعه وهو يضع الحقائب البلاستيكية التي تحتوي على الكثير من الأطعمة على الطاولة. فرد هو وقتها بهدوء:
"أنا جبتلك الأكل اللي كنتي محتاجاه. متهيألي وجودي هنا معاكي لوحدنا ميصحش."
تحرك من مكانه وكاد أن يخرج من الشقة التي كان بابها مفتوحاً، فأوقفاته هي وقتها بنبرتها شبه العالية:
"برق، استنى."
استدار لها ليرمقها باهتمام، فارتجفت شفتاها لتهمس وقتها بتوتر:
"أقصد دكتور برق."
ثم تابعت بارتباك وهي تحاول الهروب من عينيه التي كانت تتابعها:
"أنا كنت عايزة أعرف عملت إيه مع جوز أمي؟"
زفر بضيق قبل أن يرد عليها صارخاً باحتدام:
"كفاية بقى الزفت السؤال ده، ميت مرة تسأليني عليه."
انتفضت بفزع لتتراجع وقتها للخلف بعدة خطوات خشية منه، فجز هو على أسنانه بغضب قبل أن يهتف بنبرة شبه هادئة حتى لا يصيبها بالرعب مجدداً:
"دفعته فلوس عشان يسيبك في حالك. ها، ارتحتي؟"
فركت بكلتا كفيها بتردد قبل أن تقترب منه هامسة بحرج، ليرتسم على وجهها بتلك اللحظة ابتسامة خفيفة مرتجفة:
"إيه مزعلك؟"
لعق كلتا شفتيه بارتباك قبل أن يرد عليها بصدق، وقد اختنقت نبرته بتلك اللحظة بمنتهى الوضوح:
"البنت اللي قولتلك إني خطبتك عشانها، عشان لما تعرف ترجع. لسة لغاية دلوقتي معرفش عنها حاجة."
تفحصته بكلتا عينيها قبل أن تهمس بارتباك وبنبرة متلعثمة:
"أنا...ح...حبيت متدخلش خالص..بس صدقني لو كانت من نصيبك أو لو كانت ليك كان زمانها رجعت من بدري...و..مكانتش سابتك خالص..وكمان..."
شهقت متوقفة عن الحديث عندما وجدته ينتحب بمنتهى الهستيرية، فالتلمعت الدموع بعينيها وهي تشعر تجاهه بالشفقة التي ازدادت عندما صاح هو بتلك النبرة الباكية التي جعلت عينيها تذرف تلك الدموع الحارة لتلهب وجنتيها:
"طب أعمل إيه عشان ترجع؟..أنا تعبت..أنا مبقتش.."
توقف عن الحديث وهو يتابع نحيبه بألم، فاقتربت هي منه مرة أخرى وهي تهمس ببعض من الأمل:
"متخافش يا دكتور، الحياة مش هتقف."
تلاحقت أنفاسه قبل أن يصيح بأسى واستياء:
"أنا أكتر حاجة وجعاني إنها أكيد عايشة حياتها ونسيت كل حاجة، وأنا هنا مستني يمكن ترجع."
ربتت على كتفه بحنو هاتفة بجدية ليرتسم على ثغرها تلك الابتسامة المريرة:
"مش دايماً كل اللي بنتمناه بيبقى بين إيدينا."
زفر بضيق وهو يبتعد عنها، ثم غادر المكان بوجوم ليتذكر وقتها كلمات صديقه التي غيرت الكثير من الأشياء بداخله.
(عودة للوقت السابق)
"أتمنى يكون كل ده بجد."
قالها تميم بنبرة ذات مغزى فهمها برق الذي رد عليه بتهكم وهو ينظر تجاه سيليا التي كانت تقف بالخارج تنتظره حتى ينتهي من الحديث مع صديقه:
"أتمنى أنا إن يكون تحسن علاقتكوا بجد."
تجاهل تميم ما قاله ليهتف وقتها بجدية وهو ينظر في عيني صديقه مباشرة:
"خطيبتك شكلها بنت كويسة يا برق. أتمنى تكون خطبتها عشان هي مناسبة ليك وعشان بتحبها، مش عشان حاجة تانية. ياريت تنسي بيها اللي راح."
ابتسم بسخرية هاتفاً:
"فاكره بالساهل إنت مش كده؟"
تنفس بعنف قبل أن يصرخ بغضب، وقد برزت عروقه من فرط الإهتياج:
"يابني فوق بقى كفاية اللي بتعمله في نفسك ده. قولتلك ميت مرة رحيق مش ليك وعمرها ما هتكون ليك. إنتوا الاتنين متنفعوش لبعض. افهم ده يا غبي."
ثم تابع باحتدام، لتجحظ عيناه بإنفعال وهو يرمقه بصورة نارية:
"خطيبتك ملهاش ذنب، وياريت بقى تنسي رحيق لإنه بالشكل ده هتعذب نفسك وهتعذب البني آدمة اللي إنت خطبتها."
رد عليه برق بتردد:
"تميم إنت فاهم غلط أن..."
رد عليه تميم بصرامة لا تتحمل النقاش وهو يوبخه بنظراته القاسية:
"مش عايز أسمع منك ولا كلمة. وهرجع تاني وأقولك متظلمش البنت اللي خطبتها يا برق. متغلطش غلطتي اللي أنا بحاول أصلحها بأصعب الطرق دلوقتي."
عقد حاجبيه بتعجب قبل أن يتساءل بذهول:
"إنتوا علاقتكوا ابتدت تتحسن؟"
أومأ له تميم، ثم صوب نظراته ناحيتها وهي تقف بالخارج، ليهتف وقتها بنبرة هائمة:
"بنحاول نبدأ صفحة جديدة. وخلال الأيام اللي فاتت دي ابتديت أشوف فيها حاجات كتير أول مرة أشوفها. وأحب حاجات كتير بردو أول مرة أشوفها. مفيش بس حاجة بتمنعنا غير الماضي."
ثم تابع بسعادة وهو يبتسم بفرح، بينما برق يستمع له والصدمة تظهر على وجهه ببطء:
"وأكتر حاجة فرحتني لما عرفت إنها مقتلتش إياد زي ما كلنا كنا فاكرين. إحنا لقينا في الكاميرات التانية راجل دخل البيت بعد ما سيليا خرجت منه. ولقينا الراجل ووقتها هو اعترف بكل حاجة. قال إنه دخل البيت لما سمع صوت حد بيصرخ جوا من الوجع ولقى وقتها إياد اللي كان تقريباً بيفوق ولكن ضربه تاني بنفس العصاية أكتر من مرة ومات وكل ده عشان يسرقه."
ثم أكمل بهدوء وهو يتفحص رد فعله باهتمام:
"على فكرة أنا سبت بلال."
رفع برق حاجبيه بصدمة صارخاً بـ:
"ليه؟"
ازدرد ريقه قبل أن يهتف بثبات:
"ده كان طلب سيليا. قالتلي إننا لازم ننسى الماضي بكل ما فيه. وبصراحة كلامها حقيقي. حتى رحيق هي أقنعتني إني أسامحها..."
كاد أن يتابع حديثه ولكن توقف عندما وجدها تدلف بملامح ممتعضة هاتفة بحنق:
"كل ده يا تميم؟"
اتسعت ابتسامته وهو يرى غيظها وغضبها، فزفرت هي بقلة حيلة هاتفة بلباقة وهي تنظر لبرق:
"مبروك يا برق."
ابتسم لها برق بهدوء قبل أن يهمس بجانب أذن صديقه:
"طب يلا خدها وامشي عشان شكلها هتبلعنا إحنا الاتنين."
تعالت ضحكات تميم وهو يتحرك قبل أن يلتقط كفها بين يديه صائحاً بمزاح:
"لا وعلى إيه؟ يلا يا روحي."
(عودة للوقت الحالي)
نظر تجاه البيت بعدما خرج منه ليهتف وقتها بنبرة غامضة:
"تميم عنده حق. أيسل متستاهلش إني أظلمها."
"أتمنى تكوني دلوقتي أحسن."
قالها تميم بإبتسامته الواسعة وهو يرمقها بهيام، بينما هي تومئ له عدة مرات قائلة براحة:
"مش قادرة أوصفلك أنا فرحانة إزاي إن ماما اطمنت عليا وإن علاقتي بأخويا اتحسنت."
التقط كفها الرقيق ليلثمه برقة هامساً بصدق، ونظراته المتيمة تشع من عينيه:
"أنا اللي مش قادر أوصفلك سعادتي بإن علاقتنا اتحسنت."
سحبت كفها المرتجف بتوتر لتهتف بعدها بتلعثم:
"ط..طب يلا عشان نروح الوقت اتأخر."
نظر لها مطولاً يتأمل خجلها بإبتسامته الهادئة، فهو اكتشف أمر حرجها وخجلها ذلك منذ فترة قصيرة، ليزيد ذلك من إعجابه بها الذي كان بتلك الفترة حقيقي بلا زيف أو اصطناع.
كانت تختبر مشاعر جديدة مختلفة، وكأنها تحب للمرة الأولى. نعم، فقد كان "تميم" كطوق النجاة لها، طوق النجاة الذي ظهر في اللحظة المناسبة. والعجيب أن طوق النجاة ذلك كان منه، نعم منه.. من "تميم" المنتقم. لترى شخصًا آخر، وكأنه تحول خلال عدة أيام ليبدي لها مدى جدية الأمر بمحاولاته العديدة في تحسين علاقتهما.
ساعدته بمحاولاتها هي الأخرى، وبالرغم من الماضي الذي يراودها كل يوم، إلا أنه كان يحتوي مشاعرها الغاضبة والمهتاجة بصدر رحب. لذا قررت إعطاء فرصة أخرى له بلا تردد، ولكن ذلك لا يمنع الخوف الذي لا يرحمها، ذلك الخوف الذي يحذرها منه ومن غدره غير المتوقع. ولكنه يثبت لها العكس ليزداد اطمئنانها تجاهه يوم بعد يوم.
"زاهر" إنت شايفني؟
قالتها "ياقوت" بتساؤل ما إن دلفت للغرفة وعلى وجهها تلك الابتسامة الواسعة.
فرد هو وقتها بذهول وحدقيتيه تتسع بصدمة:
"ياقوت".
إختنقت نبرته وهو يتابعها بعدم تصديق، بالإضافة إلى تلك العبرات التي إلتلمعت بعينيه من فرط السعادة:
"ياقوت" إنت طلعتي أحلى بكتير من ما كنت متخيل.
إقتربت منه راكضة وهي تبكي بهستيرية، لتهتف وقتها وهي ترتمي بين أحضانه:
مبروك يا حبيبي.
أخرجها من بين أحضانه ليتأمل ملامحها بنظرات مطولة هامسًا بهيام ووميض العشق يلتمع بعينيه، ليظهر وقتها في صورة جذابة شديدة الجمال:
أنا كان نفسي أفتح عشان حاجة واحدة بس، عشان أشوفك، وأحس بيكي وإنت بين إيديا. من هنا ورايح أوعدك إني هعمل كل حاجة عشان أقدر أسعدك.
رمقته بغرام، قبل أن تقترب منه لتقبل وجنته قائلة بنبرة دافئة بثت الأمان لقلبه:
"زاهر" أنا حامل يا حبيبي.
رمقها بوله وإبتسامته تتسع ببلاهة وهو يصرخ بغبطة وسرور:
يعني أنا.. أن.. أنا هيكون ليا إبن منك؟
أومأت له عدة مرات لتتهاوى عبراته على كلا وجنتيه وهو يسحبها تجاهه ليضمها لصدره بعنف، وهو يهتف بفرح لا يوصف وبنبرة مبحوحة:
كنت متأكد إنك هتعوضيني عن كل حاجة، ربنا يخليكي ليا.
ربت على ظهرها عدة مرات قبل أن يهتف بإرتياح وهو يطبق جفنيه ببطء:
أنا خلاص يا "ياقوت" بقيت مرتاح وإتخلصت من كل حاجة كانت مبوظة حياتي، أكبر حاجة خلصت منها هي نظرة أهلي اللي كانت موجودة من زمان، من ساعة الحادثة. كانوا بيشوفوني قليل ويحسسوني إني ناقص حاجات كتير. أنا مش قادر أوصفلك سعادتي يا "ياقوت".
قبلت جبينه برقة هامسة بثقة وثبات:
من هنا ورايح هننسي كل حاجة حبيبي، كل وجع، كل حزن، كل ذكرى مش عايزة تسيبنا، وهنعيش حياة جديدة، مع إبننا ومع حبنا.
إبتسم بغبطة وضحكته تتعالى من فرط السعادة التي غمرته لتجعله في عالم آخر، عالم يعمه الحب والهدوء، لا الكراهية والمصائب.
بعد مرور عدة أشهر.
سرحان في إيه يا دكتور.
قالتها "أيسل" بإبتسامة بريئة وهي تضع فنجان قهوته أمامه على الطاولة.
فرد هو عليها بنبرة جامدة جعلت ملامحها تتحول خلال ثوان للتجهم والعبوس:
"رحيق" إتكتب كتابها إمبارح.
رفعت كلا حاجبيها بتوتر، قبل أن تتسائل بنبرة مرتجفة:
وإنت زعلت؟
نظر لها بتمعن قبل أن يمد كفه تجاه كفها الرقيق الموضوع على الكرسي، ليلتقطه بين كفه بحنو، وهو يقبله برقة قائلاً بهيام:
لا.. بس عرفت إني خدت قرار صح لما إديت لنفسي فرصة عشان أحبك.
إبتسمت بخجل، وهي تحاول محاربة هواجسها التي ترافقها بلا رحمة، فهي وخلال تلك الفترة كانت تشك في مشاعره بصورة جنونية، ولكن يثبت لها العكس بعدما يثير شكوكها بذكره لإسم حبيبته السابقة "رحيق".
إتسعت إبتسامتها قبل أن تهمس بنبرة هادئة لتحاول بها الخروج من زوبعة الأفكار التي وقعت فيها لعدة لحظات:
"سيليا" حامل.
رفع حاجبيه بصدمة قبل أن يصيح بفرح:
بجد حامل!
أومأت له عدة مرات قبل أن تهتف بنبرة عادية:
أيوة وكمان عاملة إحتفال صغير كده بليل بالمناسبة دي.
أومأ لها عدة مرات قبل أن يهتف بجدية وهو ينهض من على كرسيه:
حيث كده بقى ألحق أروح العيادة عشان أشوف اللي ورايا قبل ما نروح سوا.
ردت "أيسل" وقتها بتعجب:
طب والقهوة!
رد عليها بأسف، وهو يتجه ناحية الباب على عجالة:
معلش حبيبتي مستعجل أوي مش هقدر أشربها.. مع السلامة.
رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تهتف بنبرة خافتة:
مع السلامة، خلي بالك من نفسك يا "برق".
أومأ لها عدة مرات قبل أن يتوارى عن أنظارها، بينما هي تضع كفها الرقيق على قلبها هامسة بقلق:
مش مطمنة!
"رحيق" تاني!
قالتها "سيليا" بعدما رفعت كلا حاجبيها بذهول، ثم تابعت بتوبيخ:
يا بنتي بطلي بقى التفكير في الكلام الفارغ ده، كام مرة أقولك خطيبك بيحبك، وكام مرة قعدتي تختبريه وبردو بتكتشفي إنه بيموت فيكي.
زفرت "أيسل" بحيرة وهي ترمق صديقتها بتأفف، فهتفت وقتها "سيليا" بجدية:
عارفة يا "أيسل" هتخلصي من الحوارات دي كلها إمتي؟
عقدت حاجبيها بتلهف، لتصيح بإستفهام وبلا تفكير:
إمتي؟
ردت "سيليا" بنبرة واثقة وهي تقترب منها بخطواتها البطيئة:
لما تصارحيه بمشاعرك دي، قوليله أنا دايمًا شاكة في كذا وكذا، دوروا على حل سوا صدقيني هترتاحي.
زفرت "أيسل" بإمتعاض، وهي تهز رأسها رافضة، وهي تصيح ب:
مش هينفع يا "سيليا"، أنا ما صدقت علاقتنا بقت كويسة بالطريقة اللي مكنتش أتوقعها دي.
كادت "سيليا" أن ترد عليها ولكنها توقفت عندما إستمعت لصوت صراخ "تميم" الغاضب من الأسفل، فإتسعت حدقتاها بصدمة وهي تنظر لـ "أيسل" بتعجب، قبل أن تتركها لتغادر الغرفة راكضة بخوف، وخلفها صديقتها.
هبطت الدرج بحذر، لتري أمام عينيها "رحيق" وبجانبها ذلك الرجل الذي توقعت سريعًا هويته، نعم فقد كان "باهي"، بالإضافة إلى "تالين" التي كانت معهما. أما "أيسل" فقد كانت تتابع ما يحدث بوجل واضح، لذا هبطت الدرج سريعًا لتتجه راكضة ناحية "برق" لتختبئ بين أحضانه خشية من رد فعله غير المتوقع على عودة حبيبته السابقة. أطبقت جفنيها برعب، قبل أن تهمس بنبرة باكية متوسلة لم يسمعها سواه:
إوعي تسيبني يا "برق".
ريت على ظهرها بحنو عدة مرات ليبث الأمان لقلبها وبالفعل نجح في ذلك.
وخلال تلك اللحظات كانت هناك حرب نظرات تدور بين "تميم" وشقيقته، بينما "برق" يرمقها بمنتهى الجمود وعدم الإهتمام، ليقطع ذلك الصمت "بيسان" التي صرخت بسعادة وهي تركض ناحية ابنتها:
بنتي "رحيق".
إحتضنتها "رحيق" بشوق، وعبراتها تتهاوى على كلا وجنتيها، بينما زوجها "باهي" يراقب نظرات شقيقها التي توضح مدى الكراهية التي يشعر بها، فتنهد هو بترقب، وهو يرى "رحيق" تخرج من بين أحضان والدتها لتهتف بنبرة مرتجفة:
إزيك يا "تميم؟... وحشتني.
رد عليها بنبرة جليدية أصابتها بالصدمة فهي لم تكن تتوقع رد فعله القاسي ذلك:
جيتي ليه؟... محدش هنا مرحب بوجودك.
وبخته بتلك اللحظة "بيسان" قائلة:
"تميم" إحترم وجودي.
هتفت "رحيق" بنبرة مبحوحة وهي تربت على ظهر والدتها:
- استني يا ماما، سيبيه يقول اللي هو عايزه.
ثم تابعت بنبرة حادة وهي تقترب منه بخطواتها المترددة:
- بس قبل ما تقول كدة يا "تميم"، عايزاك تفكر. "سيليا" سامحتك بالرغم من اللي عملته فيها، ليه مش عايز تسامحني وتعمل زيها؟
جحظت عيناه بصدمة وهو يصوب نظراته ناحية زوجته التي رمقته بنظرات غير مفهومة، ليفهم وقتها ما الذي تحاول شقيقته فعله. هي تحاول استغلال الماضي لصالحها. ولكنه حاول تلك المرة التفكير بصورة مختلفة. شقيقته أخطأت وهو يعرف ذلك. ولكن لما لا يغفر؟ مثلما غفرت تلك التي عشقها حد الجنون. لما لا ينسى كما نست زوجته التي تخلت عن حقها في الانتقام منه لأجله ولأجل عشقهما.
وبعد عدة لحظات فاق من شروده ليجد شقيقته أمامه وعبراتها تنهمر على كلا وجنتيها وهي تهمس بقهر:
- صدقني مش بحاول أستغل الموقف، بس بحاول أثبتلك إني أستاهل كمان فرصة.
اقتربت "سيليا" منه وهي تحتضنه قائلة بنبرة صادقة:
- "تميم"، أنا واثقة إنها محتاجة فرصة تانية. لو سمحت سامحها. وكمان هي اتكلمت صح. أنا سامحتك رغم اللي عملته، يبقى انت كمان لازم تسامحها. انت مهما كان أخوها.
استمع لعبارتها وهو يمعن النظر بعينيها، ثم فجأة سحب "رحيق" تجاهه ليضمها لصدره بشوق حرره. ليظهر بتلك اللحظة هاتفًا بنبرة باكية لم يستطع السيطرة عليها:
- وحشتيني يا "رحيق".
كان الجميع مشغول بأمرهما، إلا "برق" الذي ربت على ظهر "أيسل" قائلاً بنبرة بثّت لقلبها الأمان:
- يا عبيطة أسيب مين؟ هو انت فاكرة إني مش عارف إن اليوم ده هيجي؟ بس عارفة المختلف إيه عن زمان؟ إني مبقتش مهتم إن اليوم ده يجي لأن انت ظهرتي، ووقتها عرفت على إيدك معنى الحب. صدقيني مهما مرت السنين مش هسيبك يا "أيسل".
جففت عبراتها بكلا كفيها لتخرج من بين أحضانه بخجل وهي تهمس بنبرة مبحوحة:
- يعني انت لسة بتحبني مش كده؟
أومأ لها عدة مرات قبل أن يهتف بثقة وهو يبتسم بهيام:
- وعمري ما هحب غيرك.
وبعد قليل أتت "سندس" وابنها، ليمر اليوم وقتها بسلام وسط ضحكاتهم جميعًا، بالإضافة إلى "رحيق" التي حاولت التقرب لـ "أيسل" بمنتهى الود والحب. وبالفعل تقبلتها بعد عدة مواقف أثبتت لها مدى نقاء تلك الشخصية. بينما "برق" مازال يتعامل معها بمنتهى البرود والجمود، ولكنها كانت متفهمة لموقفه ولما حدث في الماضي. بينما "سيليا" كانت في غاية السعادة بعدما أصبح كل شيء بخير. كل شيء يغمره السلام والهدوء. أما "تميم" فقد كان شعوره لا يختلف كثيرًا عن "سيليا". فهو أيضًا لم يتوقع أن تتغير الأمور هكذا بتلك السرعة.
- مبروك يا حياتي.
قالها "زاهر" بنبرة حنونة وهو يقبل رأسها بحنان، فردت هي عليه وهي تنظر لإبنتهما بسعادة:
- شوفت "يسر" شبهك إزاي؟
كاد أن يرد عليها ولكن قاطعته بتلك اللحظة والدته وهي تصيح بغضب مصطنع:
- شبه أبوها ده إيه؟ دي شبه جدتها بالظبط.
تعالت قهقهات الجميع خاصة "ياقوت"، ثم رحبت بهم مرة أخرى بمنتهى الفرح، بينما "زاهر" تتسع ابتسامته الجذابة وهو يتذكر كيف عادت الأمور هادئة هكذا. فهو وبعد ثلاثة أشهر من عودته للرؤية مجددًا حاول إصلاح الأمور بينه وبين والديه وبين زوجته ووالديها أيضًا، وبالفعل نجح بعد محاولات عديدة بدون يأس.
اقتربت "وسيلة" منه لتربت على ظهره قائلة ببشاشة:
- ألف مبروك يا حبايبي، زي القمر وشبهكوا انتوا الاتنين بالظبط.
ابتسمت "ياقوت" بتلك اللحظة وهي ترد عليها بغبطة، لتحتضن زوجها بتلك اللحظة بسرور:
- الله يبارك فيكي يا قلبي.
اقترب منها "زاهر" ليقبل جبينها هامسًا بـ:
- بعشقك يا روح "زاهر".
اتسعت ابتسامتها لترد عليه بصدق:
- وأنا بموت فيك يا قلب "ياقوت".