تحميل رواية «سيد القمر الأسود» PDF
بقلم زينب مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تحركت حبيبة بتعب بعد أن أنهت عملها بإحدى محلات ملابس المحجبات في أحد المولات الشهيرة، وهي تنظر إلى ساعة يدها التي تشير إلى الحادية عشر مساءً. تنهدت بضيق وهي تغلق المحل، لتلفت انتباه زميلتها بالعمل التي تساعدها في إغلاقه، قائلة بجدية: = مالك يا حبيبة، في إيه؟ قالت حبيبة بضيق: = إتأخرت يا منال.. إتأخرت، وعلى ما أوصل البيت هتكون الساعة عدت 12، وصاحبة البيت هتسمعني مرشح عن الأدب والأخلاق، وإن المفروض الواحدة المحترمة متتأخرش بره البيت لوقت متأخر كده. وطبعًا هتقعد تهدد إنها تطردني برا البيت وترميني ف...
رواية سيد القمر الأسود الفصل الأول 1 - بقلم زينب مصطفى
تحركت حبيبة بتعب بعد أن أنهت عملها بإحدى محلات ملابس المحجبات في أحد المولات الشهيرة، وهي تنظر إلى ساعة يدها التي تشير إلى الحادية عشر مساءً.
تنهدت بضيق وهي تغلق المحل، لتلفت انتباه زميلتها بالعمل التي تساعدها في إغلاقه، قائلة بجدية:
= مالك يا حبيبة، في إيه؟
قالت حبيبة بضيق:
= إتأخرت يا منال.. إتأخرت، وعلى ما أوصل البيت هتكون الساعة عدت 12، وصاحبة البيت هتسمعني مرشح عن الأدب والأخلاق، وإن المفروض الواحدة المحترمة متتأخرش بره البيت لوقت متأخر كده. وطبعًا هتقعد تهدد إنها تطردني برا البيت وترميني في الشارع، أنا خلاص أعصابي مبقتش متحملة.
منال بهدوء وهي تتوجه مع حبيبة إلى الباب الخلفي:
= معلش يا حبيبة، إن شاء ربنا هيرزقك بابن الحلال اللي هيريحك من الهم ده كله، وبكرة تقولي منال قال.
حبيبة بحسرة:
= وده هايجي إزاي؟ وأي واحد يعرف إن أنا متربية في ملجأ بعد ما عمي رماني فيه بعد أبويا وأمي ما ماتوا بيهرب ومبيرجعش تاني.
ربتت منال على كتفها بتعاطف:
= ولا يهمك، أكيد ربنا شايلك الأحسن، بس خلي أملك في ربنا كبير.
حبيبة بابتسامة مرتعشة:
= ونعم بالله.. يووه، كفاية كلام ويلا بينا عشان منتأخرش.
ثم قامت بالتخلص من الحذاء ذي الكعب المرتفع الذي يكاد يقتلها من شدة شعورها بالألم، وهي تتنهد براحة لتضعه بداخل حقيبتها وتستبدله بحذاء رياضي مريح، قائلة بتعب:
= أيوه كده.. يا ساتر، أخيرًا.. رجليا كانت هتموتني، ربنا يتوب عليا بقى.
ثم ودعت صديقتها وهي تتوجه سريعًا نحو الدرج الكهربائي في طريقها إلى الخارج، عندما استوقفها صوت رنين هاتفها القديم.
عقدت حاجبيها بتعب وهي تنظر لشاشة هاتفها الذي ظهر عليه اسم شريف ابن عمها، والذي تعده بمثابة شقيقها، فهو وعلى الرغم من معاملة والدته السيئة والقاسية معها ورفضها أن تقيم معها وإجبار زوجها الراحل على وضعها في ملجأ للأيتام، فهو كان على عكسها تمامًا، كان يعاملها بود وحنان.
تنهدت بتعب وهي تقوم بالرد عليه بمرح:
= أيوه يا اسم على غير مسمى.. عاوز إيه..؟!! وقبل ما تتكلم أنا لسه مقبضتش ومعييش فلوس، وقدامي يومين على ما أقب…
إلا أن شريف قاطعها وهو يهمس بصوت جاد لم تعتاد عليه منه:
= حبيبة اسمعيني كويس عشان مفيش قدامي وقت.. أنا عاوزك لو جرالي حاجة تاخدي بالك من ماما، ومهما حصل متسبهاش لوحدها…
ليكمل وهو يتنهد بتعب:
= أنا عارف إن ماما كانت قاسية عليكي وبتعاملك وحش، بس عشان خاطري وخاطر بابا الله يرحمه تاخدي بالك منها في غيابي.
حبيبة بتوجس وهي تشعر بانقباض قلبها بخوف:
= في إيه يا شريف، أنت بتتكلم كده ليه؟ وغياب إيه اللي بتتكلم عنه؟ في إيه؟ انطق، وقعت قلبي؟!
صاح شريف بغضب شديد:
= أنا رايح دلوقتي للكلب اللي عاوز ياخد حبيبتي مني ويتجوزها غصب عنها، هخلص عليه وهعرفه إن مش كل حاجة يقدر يشتريها بفلوسه، وإن برصاصة واحدة تمنها ملاليم هنهي حياته وكل ملايينه ونفوذه مش هينفعوه.
هتفت حبيبة برعب:
= يا نهارك أسود، عاوز تقتل وتودي نفسك في داهية.. تموت مين ورصاص إيه اللي بتتكلم عنه..؟!!
ثم تابعت بارتعاش وهي تجري باتجاه الطريق العام تحاول إيقاف سيارة توصلها لمكانه الذي مازالت تجهله:
= أنت فين يا شريف، وغلاوة أمك عندك تقولي أنت فين..؟!
صاح شريف بغضب:
= مش مهم أنا فين، المهم أنا هاخد حقي، وبعد اللي عمله فيا امبارح هقتله، ومحدش هيقدر يمنعني، وعمري قصاد عمره.
ابتلعت حبيبة ريقها قائلة بخوف:
= قتل إيه يا شريف اللي بتتكلم عنه، أنت اتجننت؟ وبعدين مش أنا كلمتك امبارح وقلت إنك كويس وبايت عند واحد صاحبك.
شريف بغضب وكراهية:
= أنا قلت كده بس عشان أمي متشوفنيش وأنا مضروب وكرامتي متبهدلة.. بس أنا هاخد بتاري منه وهرد كرامتي اللي داسها في التراب.
حبيبة بارتجاف:
= مين ده اللي ضربك وبهدلك وعاوز تنتقم منه؟ أنت بتتكلم عن مين؟ أنا مش فاهمة حاجة..!!
شريف بغضب:
= بتكلم عن الكلب اللي اسمه عمر الرشيدي.
حبيبة بتوتر:
= عمر الرشيدي مين..!! ده صاحبك ولا حد بتشتغل معاه..؟! ثم شهقت برعب واستيعاب:
= أوعى يكون قصدك عمر الرشيدي بتاع مصانع الحديد والصلب.. صاحب المصانع اللي أنت شغال فيها..!!
شريف بكراهية شديدة:
= أيوه هو.. اللي فاكر إنه ملك الدنيا كلها بماله ونفوذه، واللي نهايته هتكون النهاردة على إيدي.
نظرت حبيبة حولها برعب وهي لا تستوعب طريقته الغريبة في الحديث، لتصيح برعب:
= أنا مش فاهمة حاجة، واحد زي ده هيأذيك ليه؟ إيه اللي هيخليه يعمل كده؟ وإيه اللي عرفه بيك أساسًا؟ دا أنت واحد شغال من الألفات اللي شغالين عنده.
شريف بغضب:
= بعد ما عرف علاقتي بـ "مي" طردني من شغلي، وخلى رجّالته يرموني برا الشركة، وخلاهم يمشوا ورايا ويرقبوني، ومن غير ما أحس.. وفجأة…
ليتابع بغضب شديد:
= لقيت نفسي متكتف ومرمي في جراج قديم، وهو واقف قدامي بكل جبروته، اتهمني إني بطارد خطيبته وبفرض نفسي عليها، ولما قلتله إننا بنحب بعض.. ضحك بسخرية وهو بيعايرني بفقري، وابتدى يضرب فيا وهو بيقول: "دا جزات اللي يبص لحاجة ملك عمر الرشيدي". لحد ما اغمى عليا ومحستش بنفسي إلا وأنا مرمي في الشارع..
ومكتفاش بكده، لا دا منعها إنها تكلمني وخلاها تغير نمرة تليفونها عشان معرفش أوصلها، بس ورحمة أبويا مش هسيبه حتى لو عمل إيه، ولازم أندمه على عمره قصاد اللي عمله فيا.
حبيبة بذهول:
= يا مصيبتي السودا، أنت بتتكلم على مين..!! أوعى يكون قصدك على البت اللي كنت بتخرج وتسهر معاها كل ليلة في الديسكوهات.. هي دي تبقى خطيبته..؟!
ثم صرخت بغضب وهي تستوعب معنى كلماته:
= أنت اتجننت، رايح تعمل علاقة مع خطيبة واحد زي ده..!! بكلمة منه ممكن يمسحك من على وش الأرض، وهي إزاي تخرج وتسهر وتسافر معاك وهي مخطوبة وهتتجوز.. ومستغرب إنه ضربك وطردك من الشغل!!
لتتابع بخوف وغضب:
= ده أنت تحمد ربنا إنه سابك لسه عايش.
ثم ابتلعت ريقها قائلة بخوف وتوتر:
= اسمعني كويس، أنت مش في وعيك، واكيد اللي حصلك مأثر عليك، تعالى على البيت وآحنا هنفكر سوا وهنشوف حل.
صاح شريف بغضب:
= حل إيه اللي هنشوفه؟ بقولك طردني من الشغل وضربني وبهدلني وعاوز يتجوز حبيبتي غصب عنها، هستنى إيه تاني؟ هستنى لما أشوف فرحهم بعنيا؟ ولا لما ينفذ تهديده ويسجني؟
ثم انفعل غاضبًا:
= وبعدين أنتِ معايا ولا معاه؟ أنا غلطان إني اتصلت بيكي وكلمتك، أنتِ طول عمرك ضعيفة وكرامتك متداسة من الكل، وعاوزة الكل يبقى زيك…..
ليتابع بغضب:
= بس أنا مش زيك.. وهعرف أدافع عن كرامتي كويس.
تساقطت دموع حبيبة وهي تغلق عينيها بألم من أثر كلماته المهينة، ولكنها تغاضت عنها وهي تقرر مهادنته حتى تستطيع معرفة مكانه واللحاق به قبل أن يرتكب جريمة تقضي على مستقبله.
= أنت.. أنت عندك حق.. بس أنا كلامي ده من خوفي عليك.
ثم تابعت برجاء وهي تحاول أن تقنعه أنها تريد مساعدته:
= على الأقل قولي أنت فين وأنا هاجي أساعدك.. أنت عندك حق، اللي زي ده ميستهلش إنه يعيش، ولازم نجيب حقك منه.
شريف بتوتر وهو يشعر بالندم على كلماته المهينة والقاسية لها:
= لااا، خليكي أنتِ بعيد، أنا مش عاوز أورطك، دا طاري وأنا اللي هاخده.
حبيبة بمهادنة وهي تحاول إقناعه:
= أنا مش هتدخل، أنا بس هراقبلك الطريق عشان محدش من رجّالته يشوفك.. دول ممكن يقتلوك لو عرفوا أنت ناوي على إيه.
ثم تابعت بارتعاش وهي ما زالت تحاول إقناعه:
= قولي أنت بس على مكانك وأنا زي ما قلتلك هراقبلك الطريق وهساعدك تمشي بسرعة قبل ما حد يشوفك.
ابتلع شريف ريقه بتوتر وهو يحاول تقرير ما سيفعله، وذهنه المشتت لا يساعده على اتخاذ القرار الصحيح، إلا أن إلحاح حبيبة عليه جعله يرضخ في النهاية ويعطيها عنوان إحدى المطاعم المشهورة في إحدى شوارع القاهرة الراقية، قائلاً بتوتر:
= أنا مستنيه في الجراج، أول ما يخرج هخلص عليه.
صعدت حبيبة إلى إحدى سيارات الأجرة وهي تعطيه العنوان بلهفة، قائلة لشريف بخوف:
= شريف متعملش حاجة لحد ما أجيلك.. إحنا هنعمل كل اللي أنت عاوزه بس اصبر لحد ما أوصلك.
إلا أنه أغلق الهاتف دون أن يجيبها.
صرخت حبيبة بغضب وخوف في سائق السيارة:
= بسرعة يا أسطى.. بسرعة الله يخليك.
يزيد السائق من سرعة السيارة وهي تجلس تتساقط دموعها من شدة الرعب، وهي تدعو الله أن تستطيع اللحاق به قبل أن يرتكب حماقة تقضي عليه وعلى مستقبله.
بعد مرور بضع دقائق، وقف شريف يتحسس بتوتر السلاح الناري الذي يخفيه بداخل ملابسه، وهو يتلفت يمينًا ويسارًا بتوتر محاولًا إخفاء نفسه خلف سيارة خصمه انتظارًا لظهوره والانتقام منه.
إلا أنه تفاجأ بسماع صوت خطوات هادئة تقترب من السيارة، وبصوت خصمه عمر الرشيدي وهو يتحدث في الهاتف مع أحد الأشخاص قائلاً بجدية:
= أنا عاوز كل الترتيبات بتاعة الفرح والجواز تخلص على نهاية الأسبوع، مش عاوز عطلة……
ليتابع بملل:
= عاوز أخلص عشان أفوق للي ورايا، هبقى أخلي "مي" و"عصمت هانم" يتواصلوا معاكم عشان تخلصوا الترتيبات كلها مع بعض.
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر الرد، وهو يستدير حول سيارته ليتفاجأ بشريف يقف أمامه وهو يستشيط غضبًا بعد سماعه لحديثه في الهاتف وترتيباته للزواج من حبيبته، فرفع سلاحه الناري مصوبًا إياه تجاهه بغضب وتحدي.
رفع عمر حاجبيه بسخرية وهو ينظر ببرود لشريف الذي ينظر إليه بتوتر والعرق البارد يغرق وجهه.
عمر بسخرية وبرود:
= شريف بيه الحرامي والمختلس هنا.. إيه اللي موقفك زي الفيران في الضلمة كده..
ثم تابع وهو يقترب منه ببرود وتحدي، في حين تراجع شريف للخلف بتوتر وهو ما زال يصوب سلاحه بارتعاش نحو خصمه:
= ومدخلتش ليه المطعم جوه.. إيه الفلوس اللي سرقتها من خزنة الشغل خلصت.. طب كنت على الأقل تدخل عشان تشوفني أنا و"مي هانم" واحنا بنجهز لترتيبات فرحنا……
ثم تابع بسخرية شديدة:
= يمكن تعقل وتبطل الأوهام اللي مالية عقلك.
صاح شريف بغضب وارتباك وهو يصوب السلاح نحو صدر غريمه، في حين واصل عمر الاقتراب منه ببرود:
= اقف عندك ومتتحركش بدل ما افرغ رصاص المسدس جوه صدرك.
ضحك عمر بصوت عالٍ بارد مستفز، وهو ينظر إليه بسخرية وما زال يقترب منه بتحدي:
= ارمي يا شاطر اللي أنت ماسكه في إيدك ده بدل ما تتعور وتأذي نفسك، الحاجات دي خطر على الأطفال اللي زيك، سيبها للي يقدر يتعامل معاها..
شريف بغضب وهو يرفع سلاحه نحوه بتصميم:
= أنت مغرور وغبي وناسي إن أنا اللي في إيدي سلاح.. سلاح هاخد بيه حقي منك، استعد عشان أنا هوريك الطفل ده هيعمل فيك إيه!
ليقوم بمحاولة الضغط على زناد سلاحه بسرعة في محاولة لإصابة غريمه، إلا أنه تفاجأ به يقف أمامه مباشرة، ويده ترفع اليد التي تحمل السلاح للأعلى وتستولي عليه بحركة خاطفة.
ثم قام بركله بقوة في وجهه ثم في معدته، ركلة طرحته أرضًا.
وهو يصيح بغضب مصوبًا السلاح في اتجاه رأس شريف الغارق في الدماء والغير مستوعب ما حدث له:
= مش قلتلك متلعبش بحاجات ممكن تأذيك.. أنا دلوقتي هوريك اللي أنت كنت ماسكه ده بيتعمل بيه إيه.
ليقوم بتصويب سلاحه بدقة في اتجاه رأس شريف وهو يبتسم بسخرية شديدة.
"قبل لحظات".. دخلت حبيبة إلى مرفأ السيارات التابع للفندق الشهير، وهي تتلفت حولها بخوف وتعدل بارتباك من وضع حجابها الذي يكاد يسقط من فوق رأسها، وعينيها تدور في المكان شبه المظلم بتوتر تحاول الوصول إلى مكان شريف سريعًا قبل أن يتسبب في حماقة تنهي بحياته ومستقبله.
ليلفت انتباهها صوت جلبة ضعيفة تأتي من بعيد، جعلها تبتلع ريقها بتوتر وهي تدعي الله أن تجد شريف قد غادر المكان دون أن يرتكب الحماقة التي أخبرها عنها، ثم توجهت سريعًا إلى مصدر الصوت وهي تتشبث بحقيبتها الكبيرة بخوف محاولة ألا تحدث أي صوت يلفت الانتباه إليها.
تسمرت حبيبة في مكانها لا تستطيع الحركة، وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقتها برعب، وهي تشاهد شريف يقف بإعياء يستند إلى الحائط، ووجهه تسيل منه الدماء وملابسه شبه ممزقة، في حين يقف أمامه شخص آخر تظهر عليه معالم القوة والثراء وهو يصوب إليه سلاحًا ناريًا وهو يتحدث معه ويبتسم بسخرية.
انتفضت حبيبة وهي تزيح عنها رعبها، فتقوم بالبحث حولها عن أي شيء تستطيع به رد الهجوم عن ابن عمها، إلا أنها لم تجد، فكل ما حولها هو بضع سيارات مصفوفة بترتيب وأرض مصقولة نظيفة.
لتشعر بالعجز يستولي عليها وهي تنظر برعب للمكان الخالي وشبه المظلم من حولها، وهي تحاول إيجاد من تستطيع الاستنجاد به فلا تجد أحد. ثم شهقت برعب وهي ترى شريف ينحني بألم والدماء تقفز من أنفه وفمه من أثر ضربة قوية سددها له الرجل الذي يحمل السلاح.
اندفعت الدموع من عينيها وهي تقول بغضب:
= يا ابن الـ*……
ثم نظرت إليه بغضب مجنون وهي تحمل حقيبتها الكبيرة والثقيلة والممتلئة بكل متعلقاتها الشخصية، واندفعت بجنون إليه يدفعها خوفها الشديد على ابن عمها، فهي تراه يضرب ويعذب وعلى وشك فقدان حياته على يد الطاغية الذي أمامه.
وفي لحظة خاطفة مجنونة كانت خلفه تضربه بكل قوة لديها بحقيبتها الثقيلة برأسه التي ارتدت بعنف إلى الوراء وجعلته يختل توازنه ويفقد اتزانه، مما جعله يسقط بعنف على الحافة البارزة لسيارته، فاندفعت نافورة من الدماء من رأسه تغطي الأرض جعلته يغيب عن الوعي مباشرة.
نظرت حبيبة برعب للدماء المنتشرة على الأرض أمامها وهي تقول بذهول:
= مات.. مات.. أنا قتلته.. قتلته.
ثم صرخت بقوة وهي تلطم خديها وتنهار بجانبه أرضًا ودموعها تسيل بقوة:
= أنا قتلته.. قتلته.
لتتفاجأ بشريف يحاول رفعها وهو يقول بتعب:
= قومي.. قومي يا حبيبة خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يشوفنا.
إلا أنها لم تستجب له وهي تنظر برعب لعمر الغائب عن الوعي والدماء تسيل من رأسه.
لتقول بهستيريا وهي تبكي وتلطم خديها:
= أنا مكنتش أقصد.. كان هيقتلك وأنا كنت عاوزة أبعده عنك بس.. أنا مكنتش أقصد صدقني يا شريف والله ما كنت أقصد.
صاح شريف بغضب وهو يحاول إبعادها عن المكان:
= أنا عارف إنه مكنش قصدك بس خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يجي ونروح في داهية.
إلا أنها صرخت فجأة بأمل:
= استنى دا شكله لسه عايش، أنا شفته بيحرك راسه.
صاح شريف بغضب:
= أنتِ مجنونة، يلا بينا من هنا قبل الحراس بتوعه ما ييجوا، وادعي ربنا إنه يكون مات لأنه لو عاش مش هيسيبنا على وش الدنيا ولا حتى ليوم واحد.
إلا أنها تجاهلت حديثه وهي تقترب من عمر بأمل وهي جاثية تبكي وتقول بخوف:
= أنت عايش مش كده.. أنا والله مكنش قصدي، مكنش قصدي صدقني..
ثم مسحت دموعها وهي تنظر إليه وتقول بارتعاش:
= استنى.. استنى متخافش.. أنا هساعدك… أول حاجة.. أول حاجة أنا هربطلك الجرح ده عشان الدم يوقف.
ثم نظرت حولها بارتباك تحاول إيجاد أي شيء تربط به جرحه النازف، إلا أنها لم تجد.
فقامت بخلع حجابها دون تردد ولفه حول رأسه تكتم به الدماء الغزيرة التي تسيل من جرحه، وهي تبكي والدماء تغرق يدها الممسكة برأسه حتى استطاعت السيطرة بصعوبة على نزيف الدماء التي تخرج من جرحه.
وشريف يصرخ بها بغضب وهو يجذبها من يدها بقوة:
= بتعملي إيه يا مجنونة.. أنتِ أكيد مخك جراله حاجة.. قومي.. قومي هنروح في داهية.
إلا أن يده تسمرت وهو يشاهد جفون عمر التي ارتفعت بضعف وتركزت على وجه حبيبة الباكي لثوانٍ معدودة، ثم أغلق عينيه وراح مرة أخرى في غيبوبة ثقيلة.
وشريف يصرخ بجنون هيستيري:
= قومي يا غبية.. قومي.. ارتحتي أهو، مامتش وشاف وشك أنت كمان.. كده خلاص.. خلاص أنا وأنتِ انتهينا.
ثم جذبها بعيدًا وهي تحاول مقاومته، فاخذت تبكي قائلة:
= حتى لو فيها موتي.. مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف.
جذبها شريف للخارج بدون إرادتها وهو يرفع حقيبتها الملوثة بالدماء يحملها قائلاً بغضب:
= إسعاف إيه.. أنتِ اتجننت.. يلا بينا هنروح في داهية.
دفعته حبيبة وهي تصرخ بغضب:
= أنت إيه يا أخي ده إنسان وهيموت لو سبناه.. أنا مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف واللي يحصل.. يحصل.
تنهد شريف قائلاً بقلة حيلة:
= طيب تعالي.. تعالي نطلب الإسعاف من أي تليفون برا، لو اتصلنا من تليفوناتنا هيجيبونا عن طريقها بسهولة.
هزت حبيبة رأسها موافقة بتوتر وهي تستوعب حديثه:
= ماشي.. في محل قريب من هنا أنا شوفته وأنا داخلة نروح نتصل منه.
شريف بمهادنة:
= ماشي بس خلينا نخرج من هنا الأول.
تبعته حبيبة ودموعها تتساقط وهي تنظر بندم وحزن لجسد عمر الملقى أرضًا وهو ينزف بين الحياة والموت، وهي تشعر أنها مغيبة عن الواقع وكأنها تعيش كابوسًا بشعًا يمنع عنها الهواء، تسير على قدميها تتبع ابن عمها وهي تشعر بارتخاء عجيب وكأن روحها تصعد ببطء إلى السماء، حتى وجدت نفسها في الخارج وشريف يسحبها إلى إحدى السيارات القديمة والمركونة في شارع جانبي بعيدًا عن الأنظار، وهو يقوم بقيادة السيارة بعيدًا عن المكان.
نظرت حبيبة حولها برعب وهي تقول بغضب:
= واخدني ورايح على فين.. إحنا مش اتفقنا هنطلب الإسعاف الأول.
شريف بغضب وحقد:
= اخرسي.. كنت هتودينا في داهية.. إسعاف إيه اللي عاوزانا نطلبهوله.. ده أنا لو طولت أقتله ألف مرة هعمل كده.
حبيبة برعب:
= شريف أنت اتجننت.. الراجل لو سيبناه هيموت.
انطلقت ضحكة بشعة ساخرة من بين شفتيه:
= ما يموت وألا يروح في داهية.. زعلانة عليه ليه أوي كده.
نظرت له حبيبة بدون تصديق. وقبل أن تعارضه ارتفع فجأة رنين هاتفه وسحبه وهو يقول بهدوء غريب وهو يبتسم:
= أيوه يا حياتي.. المهمة تمت زي ما كنا مخططين.. مبروك يا قلبي.
وضعت حبيبة يدها على فمها برعب وهي تستمع بذهول لضحكاته ترتفع وهو يتابع بهدوء:
= أهم حاجة متخليش حد من رجّالته يروح عند العربية بتاعته دلوقتي.. لحد السر الإلهي ما يطلع ونرتاح كلنا..
ثم ارتفعت ضحكاته وهو يقول بتسلية:
= لا يا قلبي متخافيش محدش شافنا، وكاميرات المراقبة كلها عطلانة، هكرتها قبل ما أدخل الجراج.. يعني كله في السليم.. أنا كده خلصت دوري.. دورك أنتِ بقى تبشريني إنه خلاص غار في داهية.
ثم أغلق معها الهاتف وهو يبتسم بسعادة.
وحبيبة تنظر إليه قائلة بذهول ودموعها تتساقط دون إرادتها:
= يا مصيبتي السودة.. يا مصيبتي السودة.. هي دي "مي" اللي كانت بتكلمك وأنت وهي كنتم مخططين لكل ده.. أنت كنت مخطط تقتله.. يعني مش لحظة جنون عشان اللي عمله فيك!!؟
ضحك شريف بسخرية:
= تصدقي إنك عبيطة وغبية.. لحظة جنون إيه اللي بتتكلمي عنها، وهي لو لحظة جنون زي ما بتقولي يبقى جبت المسدس منين….؟!
ثم ارتفعت ضحكاته عالياً وهو يقول بمرح:
= إيه لقيته جنب الحيط مثلًا..؟!
حبيبة وهي تكاد تموت من شدة الرعب:
= ولما أنت ناوي تقتله قولتلي على مكانك وعلى اللي هتعمله ليه.. مخفتش أفضحك..؟!!!!
شريف بمرح:
= بصراحة يا حبيبة ومتزعليش مني، أنتِ طيبة أوي.. طيبة بغباء، وأنا كنت محتاج حد زيك كده.. حد يثبت إنه كان بيحاول يقتلني قبل ما أنا أقتله عشان يعني لو خطتي باظت واتكشفت ألاقي مخرج وألاقي حد يشهد معايا، طبعًا مفيش أحسن منك يقوم بالدور ده، بس أنتِ طلعتي جدعة ووفرتي عليا كتير وخلصتي عليه وريحتيني..
شعرت حبيبة بإنسحاب الدماء من وجهها وهي تقول بغضب:
= وأنت إيه اللي مخليك متأكد كده إن أنا مش هروح للبوليس دلوقتي وأبلغ عنك؟!
شريف بجدية:
= براحتك.. اعملي اللي أنتِ عاوزاه.. أنا أمي هتشهد إني كنت معاها طول اليوم.. وإنك بتكرهينا وبتتبلي علينا عشان بتحبيني وأنا رفضت اتجوزك عشان ولا مؤاخذة يعني تربية ملاجئ وعايشة لوحدك من غير راجل، يعني بالبلدي كده عايشة على حل شعرك.. وإنك كنتِ على علاقة بالمرحوم اللي بالمناسبة الكل عارف إنه عنده علاقات بعدد شعر راسه، يعني مش هيكون غريب عليه إنه يكون ماشي مع واحدة زيك انتقمت منه وقتلته بعد ما سابها وخطب واحدة تانية.. و"مي" روح قلبي هتأكد على كلامي، ها!! حلو السيناريو ده ولا أعملك سيناريو تاني؟!
ثم ارتفعت ضحكاته تشق المكان بسخرية.
وحبيبة تتأمله بذهول ودموعها تتساقط وهي تستوعب كلامه المهين.. والمصيبة التي وجدت نفسها بها.
رواية سيد القمر الأسود الفصل الثاني 2 - بقلم زينب مصطفى
بعد مرور شهر، وقفت حبيبة خلف باب غرفتها في المنزل الذي استأجره شريف، وحرص أن يكون في مكان آمن بعيداً عن العيون.
وقفت تستمع إلى صوته وهو يتحدث في الهاتف بانفعال، واقتربت أكثر من الباب تحاول معرفة سبب انفعاله الشديد، ولكنها فشلت.
لتتفاجأ بباب الغرفة يفتح فجأة وبشدة، جعلتها تتراجع للخلف بعنف وهي تشاهد شريف يقتحم الغرفة وهو يقول بغضب حارق:
= بنت الكـ*ـلب.. فكراني لقمة سهلة.. بعد ده كله قافلة تليفوناتها ومش راضية ترد عليا لا هي ولا الحيزبونة أمها.
تراجعت حبيبة للخلف وهي تتأمله بغضب:
= مستني منها إيه يعني.. واحدة باعت خطيبها وابن خالتها واتفقت معاك على قتله.. طبيعي تعمل معاك كده واكتر كمان.
ثم جلست على طرف فراشها وهي تشعر بالدوار يكتنف رأسها، وهي تتابع بحيرة وغضب:
= اللي أنا مش فهماه.. هي ولا أمها يعملوا كده ليه!! دا ابن خالتها وخطيبها وشكله بيحبها أوي.. إزاي جالها قلب تعمل فيه كده.
نظر لها شريف بدهشة، ثم انطلقت ضحكاته بسخرية:
= انتي مجنونة يا حبيبة.. إيه فاكرة نفسك عايشة في فيلم كارتون وجو سندريلا.. مقصر عليكي وبيحبها وبتحبه والجو الرخيص ده.
ثم تابع بجدية:
= فوقي يا حبيبة.. حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنهم.. الفلوس هي كل حاجة دلوقتي.. معاكي قرش تساوي قرش.. ودول مش قروش.. دول ملايين وقصور ومصانع.. تطير علشانهم رقاب مش رقبة واحدة.
ثم تابع بغضب مكتوم:
= بس لو كانت كل حاجة مشيت صح.. كان زماني مكانه دلوقتي.. وكل اللي ملكه ده.. بطرفة عين بقى ملكي.
شعرت حبيبة بالكراهية والغثيان من كلماته الجشعة، وهي تقول بغضب:
= طيب انت وفهمنا.. كنت عاوز تتخلص منه علشان طمعان بفلوسه.. لكن خطيبته تعمل كده ليه!! ماهي لما تتجوزه.. كل حاجة هتبقى بتاعتها وملكها.. يبقى عملت كده ليه!؟
ابتسم شريف بسخرية:
= ببساطة.. لأنها مش عارفة تعيش حياتها ولا تستمتع بيها.. عمر الرشيدي قافل عليها وبيتحكم فيها.. كل حاجة بحساب.. مفيش خروج.. مفيش فسح.. مفيش سفر.. مفيش حفلات.. إلا بأمره ومعرفته.. وهي مش قادرة تكمل حياتها بالشكل ده.
حبيبة بغضب:
= تقوم تتفق على قتله!! طيب ماتسيبه وتعيش حياتها زي ما هي عاوزة.
شريف بسخرية:
= وتصرف هي وأمها منين.. وتعيش العيشة اللي عيشاها دي منين.. بالساهل كده تفتقر وتسيب الملايين دي كلها تضيع من اديها.. وتسيبها تروح لواحدة تانية ليه.. وفي حل أسهل من كده ومش هيكلفهم حاجة.. رصاصة تمنها ملاليم..
حبيبة بكراهية واحتقار:
= بالساهل كده تنهوا حياة واحد وتتفقوا إنكم تقتلوه..
شريف بسخرية:
= أيواه.. عليكي نووور.
ثم جذبها بعنف من يدها وهو يقول بغضب:
= وهقتل أي حد يقف بيني وبين الثروة دي.. حتى لو كان الحد ده هو انتي يا حبيبة.. فاهمة!؟
ثم صرخ فيها فجأة بعنف جعلها تنتفض:
= فوقي لنفسك.. وإفهمي الوضع اللي انتي فيه.. البوليس لو قبض عليكي وإتسجنتي.. هيبقى أهون مية مرة من لو أن عمر الرشيدي اللي صعبان عليكي ده.. عرف يوصلك.. ساعتها هتتمني المو*ت.. مش هتلاقيه.
ارتعشت حبيبة وهي تقول بخوف:
= ولما انت عارف كده.. ورطتني معاك ليه.. أنا ذنبي إيه في كل ده!!
ثم انهارت في البكاء وهي تقول بخوف:
= أنا ذنبي إيه في كل ده يا شريف.. أنا كنت بعتبرك زي أخويا.. ومن خوفي عليك مشيت وراك من غير ما أفكر.. ووديت نفسي في داهية.. ومبقاش قدامي غير طريق نهايته واحدة.. السجن أو المو*ت.
جلس شريف بجانبها وهو يقول بدهاء وهو يدعي الطيبة:
= إسمعي يا حبيبة.. أنا وانتي دلوقتي في مركب واحد.. لأما إحنا الإتنين نمشي المركب ونوصل لبر الأمان.. أو المركب تتقلب بينا ونغرق ونمو*ت.. وساعتها مش هيكون لينا دية.
حبيبة من وسط دموعها التي تغمر وجهها:
= تقصد إيه.. أنا مش فاهمة؟
شريف بهدوء:
= أقصد إننا.. بالنسبة للناس دول.. نكرة منسواش حاجة.. ممكن يفعصونا بجزمهم وكأننا حشرات.. ولا لينا تمن.. وعشان كده.. لازم أنا وانتي نبقى إيد واحدة.. نخاف على بعض ونحافظ على مصالح بعض.
حبيبة بدهشة ودموعها تتساقط:
= مصالح إيه وإيد واحدة إيه اللي بتتكلم عنهم.. فوق يا شريف.. إحنا لازم نمشي من هنا ونحاول نهرب ونخرج برة البلد.. قبل ما عمر ده يوصل لنا ولا يقبضوا علينا.
شريف وهو يشعل سيجارته بهدوء:
= انتي معاكي حق.. أنا فعلاً لو لقيت الأمور اتعقدت.. هسافر.. هسافر بس لوحدي.
انتفضت حبيبة واقفة برعب:
= إيه.. عاوز تسافر لوحدك.. طيب وأنا.. هتسيبني هنا اتسجن واتبهدل؟
شريف بحنان زائف:
= وده برضه معقول.. أنا بقول لو الدنيا اتعقدت.. يعني مش دلوقتي خالص.. وبعدين.. أنا قبل ما أفكر في حل لنفسي.. أكيد فكرت في حل ليكي انتي كمان.
نظرت إليه حبيبة بتوتر وهي تعدل من وضع حجابها:
= حل.. حل إيه؟
ابتسم شريف بمكر وهو يلقي قنبلته الأخيرة عليها:
= بصي يا ستي.. أنا هبعتك تشتغلي عند ناس معرفة..
ثم تابع وهو يراقب انفعالاتها بهدوء:
= ناس أغنية ومحترمين.. هتاخدي منهم مرتب كويس.. وتلاقي مكان تعيشي فيه.. بدل الشقة اللي اتطردتي منها.. بس بشرط..
حبيبة وهي تنظر إليه بتوجس:
= شرط.. شرط إيه؟
ابتسم شريف بقسوة:
= بصي يا حبيبة.. إنتي مش صغيرة.. وكل حاجة وليها تمن.. يعني إنتي دلوقتي.. مالكيش مكان تعيشي فيه.. ولا وظيفة تصرفي منها.. دا غير إنك مطلوب القبض عليكي في قضية قتل.. وقتل مين.. واحد من كبارات البلد.. يعني لو حط إيده عليكي.. هيبقى السجن ده بالنسبالك رفاهية.. هتتمنيها ومش هتلاقيها.
ارتعشت حبيبة بخوف وهي تسمعه يتابع بهدوء:
= بس لو سمعتي كلامي.. هخليكي تخرجي منها زي الشعرة من العجين.. وأنا بنفسي هخرجك بره البلد.. تبتدي حياة جديدة ونضيفة.. من غير تهديد ولا قلق.
ثم تغيرت نبرة صوته إلى القسوة الشديدة وهو يتابع بتهديد:
= لكن لو رفضتي.. أنا بنفسي اللي هبلغ عنك.. ومش هكتفي بكده.. لاء.. دا أنا هبلغ عمر الرشيدي بمكانك.. وأتأكد إنه هيوصلك.
حبيبة بخوف:
= بقى دي آخرتها يا شريف.. عاوز تبلغ عني.. وبعدين.. تمن إيه اللي عاوزني أدفعه.. مش كفاية كل اللي أنا فيه ده كان بسببك!!
تجاهل شريف حديثها وهو يقف أمامها يتطلع إليها بقسوة وجبروت:
= إنتي هتروحي تشتغلي عند عمر الرشيدي.. في القصر بتاعه.
تراجعت حبيبة للخلف بصدمة والدموع تقفز من عينيها برعب:
= إنت اتجننت.. إنت عارف انت بتقول إيه.. عاوزني اروح اشتغل عند عمر الرشيدي.. إنت عاوز تسلمني له.. إنت عارف ده لو شافني هيعمل فيا إيه؟!
لتتابع بخوف هيستيري:
= أنا مستحيل أعمل كده.. فاهم! حتى لو بلغت عني البوليس.. هيبقى أهون عندي من إني أسلم نفسي له.
شريف بقسوة:
= إهدي يا حبيبة.. واسمعيني كويس.. طول مانتي بتسمعي كلامي وتنفذيه.. استحالة أبلغ عنك أو أئذيكي.
ثم تابع بثقة:
= عمر الرشيدي مش هيعمل فيكي حاجة.. لأنه.. وببساطة.. مش فاكر أي حاجة.
حبيبة بدهشة:
= إيه.. يعني إيه مش فاكر أي حاجة..
ثم شهقت وهي تولول بخوف وانهيار:
= قصدك الخبطة عملتله حاجة في عقله.. يا نهار أسود.. يا نهار أسود.. أنا كنت عارفة الخبطة كانت شديدة أوي.. وأكيد مكنش هيقوم منها بالساهل كده.
صرخ فيها شريف يُسكتها بغضب:
= إخرسي بقى.. وبطلي ولولة.. عمر الرشيدي كويس وزي الحصان.. رجع لشغله وحياته وصفقاته.. بس..
ابتلعت حبيبة ريقها بخوف وهي تستمع إليه يبتسم بمكر:
= بس.. ولحسن حظنا.. نسي كل حاجة حصلت له في يوم الحادث.
ثم تابع بتهكم:
= أو زي ما الدكاترة بيقولوا.. عنده فقدان ذاكرة جزئي.
صرخت حبيبة باستنكار:
= فقدان إيه.. إيه الكلام الفارغ اللي أنت بتقوله ده.. أنت فاكرني هبلة.. وهتضحك عليا بالكلام الفارغ ده اللي أنت بتقوله.
جذبها شريف فجأة بقسوة من ذراعها وهو يقول بغضب:
= اسمعي.. علشان أنا جبت أخري معاكي.. قدامك حل من اتنين.. يا أما تستعدي علشان تقضي بقية حياتك في السجن.. وده طبعًا لو عمر ما حطش إيده عليكي الأول وخلص على اللي باقي من عمرك.. أو تسمعي كلامي وتروحي تشتغلي عنده في فيلته.. وكل حاجة تحصل هناك.. تبلغيني بيها.
ثم تابع بتأكيد وهو يشد على ذراعها بقسوة شديدة:
= انتي هتبقي هناك.. عنيا اللي بشوف بيها.. ووداني اللي بسمع بيها.. وقبل ده كله.. هتبقي إيديا اللي بنفذ بيها.
ثم تابع وهو يحاول إقناعها:
= وقصاد اللي هتعمليه.. هتضمني حريتك.. ههربك بره البلد.. هديكي فلوس تبتدي بيها حياتك.. والموضوع مش هياخد كام شهر.. أنا وانتي نتحملهم.. وفي الآخر.. كل واحد فينا هياخد اللي هو عاوزه ونتفارق أصحاب وأخوات.. زي ما كنا وأحسن كمان.
حبيبة ودموعها تتساقط بخوف:
= أنا خايفة يا شريف.. أفرض اتعرف عليا!
شريف بتأكيد:
= أنا متأكد إنه مش هيتعرف عليكي.. وعشان تتأكدي.. أنا روحت له المستشفى وقابلته.. وعملت نفسي بطمن عليه.. وهو قابلني عادي.. ورجعني الشغل كمان.. ودا بعد طبعًا ما تحججت له إني سرقت فلوس من الخزنة علشان أعالج أمي.. واعتذرت واتذللت له.. فوافق وأمر لي بفلوس مساعدة كمان.. أظن إنه لو كان فاكر حاجة.. كان زماني مرمي في السجن.. ولا رجاله خلصوا عليا.
ثم ترك يدها وهو يشعل سيجارة أخرى:
= شوفتي.. أنا خاطرت بنفسي علشان أتاكد إن حوار فقدانه للذاكرة صحيح ومش لعبة منه.. ها.. أظن كده اتطمنتي.
حبيبة بتردد:
= بس.. اقصد يعني.. انت هتستفاد إيه من كل ده.. كمان.. أنا خلاص مبقتش عاوزة اتورط في مشاكلك اكتر من كده.. كفاية اللي جرالي بسببك.
شريف وهو يقترب من باب الغرفة مغادرًا:
= هستفاد إني هبقى مسيطر على كل حاجة.. إنتي هتبقي عنيا في بيته.. وأنا رجعت لشغلي تاني.. وهراقب كل حاجة من تاني.. ومش هدي فرصة لا لمي ولا لأمها.. إنهم يلعبوا بديلهم من ورايا.. ويحفرولي مصيبة عشان يتخلصوا مني.. ويكوشوا هما على كل حاجة.. أنا حاسس من ناحيتهم بالغدر.. بعد كل حاجة ما باظت.. عاوزين يخلعوا.. ويتمموا الجوازة.. ويبقوا مخسروش حاجة.. بس أنا مش لقمة سهلة.. وهفيها.. ولا أخفيها.. وأطربقها فوق دماغهم.
ثم نظر لارتجافها الواضح بتهكم:
= اعملي حسابك.. هتروحي الفيلا من بكرة.. هتشتغلي مرافقة لجدة عمر.. وياريت بلاش نغمة مش عاوزة اتورط في مشاكلك دي.. إنتي اتورطتي.. وإللي حصل حصل.. بلاش تخليني أقلب عليكي انتي كمان.. عشان قلبتي وحشة.. ملهاش غير طريقين.. السجن أو القبر.
ثم تركها وغادر.. لترتمي أرضًا وهي تنهار في نوبة من البكاء الشديد.
بعد مرور يومين.. جلست حبيبة مساءً بداخل الغرفة الصغيرة المخصصة لها بجناح جدة عمر.. دولت هانم الشويحي.. والتي تحتل جانب كبير من الناحية الغربية للطابق الأرضي بقصر عمر الرشيدي.. وهي تحاول النوم ولكنها لا تستطيع من شدة شعورها بالتوتر والقلق.. فقد استلمت عملها من يومين.. وتفاجأت بمعاملة جدة عمر الطيبة لها.. واكتشفت أنها سيدة رقيقة وعطوفة.. تتعامل معها بكل رقة وطيبة.. تشاركها بذكرياتها وأحاديثها المرحة الطيبة.. مما يجعل وقت العمل يمر سريعاً وكأنها في نزهة ممتعة.. ولكن ما يثير حنقها ورعبها.. هو مكالمات شريف المستمرة لها.. واستفساره عن كل كبيرة وصغيرة تحدث بداخل القصر.. واضطرارها لإجابته عن أسئلته التي لا تنتهي.. بالإضافة لقرب وصول عمر الرشيدي للقصر.. فهو قد أخفى عن جدته أخبار الحادث الذي تعرض له.. كي لا تتأثر صحتها الواهية بخبر إصابته.. وأقام بإحدى الشقق المملوكة له.. حتى يكتمل شفائه.
تقلبت في الفراش بأرق.. وهي تشعر بعدم رغبتها في النوم.. وعقلها يبحث عن مخرج من الكارثة التي أحلت بها.. لتنهض فجأة وهي تحدث نفسها بغضب:
= فاكر إني هصدقه تاني.. ولا هورط نفسي في طريق الإجرام اللي عاوز يمشيني فيه.. بس ده مستحيل.. أنا هطاوعه وهحسسه إني موافقة على كل اللي بيطلبه.. لحد ما يطمن.. وأخد مرتب الشهر ده.. وأسافر بعيد.. شرم ولا الغردقة.. ولا حتى أسوان.. اشتغل هناك في مكان بعيد عنه وعن القرف ده كله.
لتتابع برجاء:
= بس أتأكد إنه عمر ده فعلاً مش فاكرني.. ولا فاكر اللي عملته فيه.. ههرب منهم لأخر مكان في العالم.. وأختفي بعيد عنهم كلهم.
ثم تنهدت براحة بعد قرارها الأخير.. وهي تجمع شعرها في عقدة فوق رأسها غير مرتبة.. وتسحب حجاب صغير وضعته فوق رأسها دون أن تهتم بإحكام وضعه.. وهي تقول بعدم صبر:
= طيب كده خلاص.. عرفت هعمل إيه.. واللي اسمه عمر ده أكيد مش هيجي هنا دلوقتي.. يبقى أنا قلقانة ومش عارفة أنام ليه!؟
ثم تنهدت بفراغ صبر وهي تتأمل الفراش بقلة صبر:
= يووه.. أنا هروح أجيب حاجة دافية أشربها.. يمكن أعرف أنام.
ثم نظرت بإنتقاد للبيجاما الوردية القديمة التي يزينها صور لطيفة لبعض شخصيات الكرتون.. وهي تقول بتعب:
= أنا لسه هغير.. زمان الكل نام.. ومش مستاهلة تغيير.. أنا هجيب حاجة دافية أشربها وأرجع جري.. من غير ما حد يحس.
ثم خرجت بهدوء وهي تتلفت حولها بقلق خوفاً من أن يراها أحد بملابس النوم.. ليواجهها القصر الغارق في الظلام والهدوء الشديد.. فتوجهت سريعاً للمطبخ.. وقامت بتحضير كوب من اللبن الدافيء.. وحملته للخارج.. إلا أنها توقفت فجأة.. وهي تسمع صوت خطوات مريبة بالخارج.
فنظرت بقلق لساعة يدها التي تعدت الثانية بعد منتصف الليل:
= معقول لسه فيه حد صاحي لحد دلوقتي؟!
إلا أنها عادت وتذكرت أن الخدم ينامون في مبنى مستقل في حديقة القصر.. كما أنه من المستحيل أن تكون عصمت هانم مازالت مستيقظة.. فمواعيد نومها واستيقاظها شيء مقدس بالنسبة لها.. كما أن مي تسهر كل يوم بالخارج حتى الصباح.
ليزداد الصوت وضوحاً.. وهي تتلفت حولها بارتباك وقلق:
= أستر يارب.. ليكون حرامي!
ثم تابعت بخوف وهي تتسلل على أطراف أصابعها إلى الخارج:
= يادي النيلة.. دا إيه النحس ده.. هو أنا كل ما أروح مكان.. لازم تحصل فيه مصيبة!
كتمت أنفاسها بخوف وهي تتلفت يميناً ويساراً.. وتتمسك بقوة بالكوب الممتلئ بالحليب الساخن.. لتجد الهدوء والصمت والظلام يخيمان على المكان.. ولا يوجد ما يثير الريبة أو الشك.
لتتنهد براحة وهي تضع يدها على موضع قلبها.. وتلتقط أنفاسها وهي تتمتم:
= الحمد لله.. مفيش حاجة.. دي أكيد تهيؤات من كتر الضغط النفسي اللي أنا فيه.
ثم استدارت وهي تنوي العودة إلى غرفتها.. إلا أنها لمحت بطرف عينيها خيال ضخم لشخص يتحرك بخفة من خلفها ويتجه إليها.
شهقت برعب.. واستدارت سريعاً تحاول الهرب إلى غرفتها.. وعقلها الخائف والمرتبك يصور لها أشياء مخيفة ومرعبة.. فحاولت الهررب سريعاً.. إلا أنها تفاجأت باقترابه السريع منها.. حتى أصبح خلفها تماماً.. مما جعلها تصرخ برعب:
= إلحقوني.. حرااامي.
انتفضت برعب وهي تشعر بذراعين كالحديد تطوقها.. وتسحبها للخلف.. وبيد قوية تكتم فمها تمنعها من الصراخ.. في حين حاولت هي الهرب والتملص من بين ذراعين مهاجمها الذي يطوقها بشدة ويمنع هروبها.. وهي تلف رأسها بعنف يميناً ويساراً محاولة التخلص من اليد التي تكتم صرخاتها.. إلا أنها فشلت.. لتقوم بكضم يد مهاجمها بقسوة.. وهي تقذف كوب الحليب الساخن في وجهه.. في محاولة أخيرة منها للهروب.
تعالى سباب مهاجمها.. وهو يسحبها للخلف بقوة.. حتى التصقت به تماماً.. وتحرك بها إلى أقرب زر إضاءة أناره.. وهو يسب بشدة.
وهي تواصل المقاومة بطريقة هيستيرية.. وقد انساب شعرها الأسود الغزير حول وجهها من شدة مقاومتها.. لتتوقف فجأة عن المقاومة.. وضربات قلبها تزداد بشدة.. ووجهها يعلوه الشحوب الشديد.
وقد تعرفت على وجه مهاجمها.. الذي كان يتأملها وهو يغلي من شدة الغضب.. فقد كان يقف أمامها مباشرة.. عمر الرشيدي.. بكل عنفوانه وغضبه.
لتشهق برعب.. وتغيب فجأة عن الوعي بين ذراعيه.
بعد قليل من الوقت.. فتحت حبيبة عينيها ببطء وهي تتأوه بألم.. لتجد نفسها مستلقية على إحدى الأرائك الكبيرة في بهو القصر.. فرفعت وجهها ببطء وهي تحاول التذكر.. لما هي مستلقية هنا.. لتشهق برعب وهي تحاول النهوض بفزع.. وقد تذكرت ما حدث.
وطالعها وجه عمر الصارم.. الذي وقف أمامها يتأملها بصمت.
ابتلعت حبيبة ريقها برعب.. وهي على وشك الصراخ مجدداً من شدة خوفها.
إلا أن عمر وضع يده على فمها وهو يقول بصراخ وغضب شديد:
= إخرسي.. عارفة لو سمعت صوتك بتصرخي تاني.. هقطعلك لسانك اللي عامل زي سرينة الإنذار ده.
هزت حبيبة رأسها بطاعة.. وعينيها تتجمع بها دموع الرهبة.
وهو يتابع بغضب وعينيه تتأمل ملامحها المذعورة بدقة:
= أنا هشيل إيدي.. وإوعي تصرخي.. ولا صوتك يعلى.. مفهوم!!
هزت حبيبة رأسها موافقة برعب.
فرفع يده ببطء.. وهو يحذرها بصرامة بعينيه.. ويتابع بصوت هادئ:
= إنتي مين.. أنا أول مرة أشوفك هنا؟
التقطت حبيبة أنفاسها.. وهي تغلق عينيها براحة.. تستمع لكلماته التي أعادت الطمأنينة لها.
ونهضت سريعاً عن الأريكة.. وهي تكاد أن تتعثر وتقع مرة أخرى.
لتلتقطها ذراعيه تمنعها من السقوط.. وهو يقول بغضب.. وقد أساء فهم دوافعها:
= إهدي.. وبطلي حركة شوية.. ومتخافيش.. أنا مش حرامي زي ما انتي فاكرة.. أنا عمر الرشيدي.. صاحب القصر ده.
ليتابع بغضب:
= يعني مفيش داعي للجنان اللي بتعمليه.. وردي عليا.. علشان أنا خلاص جبت أخري.. انتي مين.. وبتعملي إيه هنا.. في الوقت المتأخر ده.
تراجعت حبيبة للخلف.. وهي تقول بتقطع:
= أنا.. أنا… شغالة هنا.. شغالة.. شغالة..
لتنتفض برعب.. وهو يقاطعها ببرود.. وقد بدت عليه أمارات الغضب:
= شغالة إيه.. انطقي.
أشارت حبيبة للخلف.. وهي تقول بارتباك:
= شغالة عند نازلي هانم.. يعني أقصد.. شغالة مرافقة ليها.
عمر ببرود.. وقد راق له ملاعبتها:
= وبتعملي إيه هنا.. في وقت زي ده.. وباللبس اللي إنتي لبساه ده.. أنتي مش عارفة إنه ممنوع تخرجي من أوضتك.. في ساعة متأخرة زي دي.. ومن غير اليونيفورم بتاعك!؟
استمعت له حبيبة بدهشة.. وعينيها تتسع برعب.. ونظرت إلى منامتها الضيقة والطفولية التي ترتديها.. بعدم تصديق.. وارتفعت يدها إلى رأسها تتحسس شعرها المكشوف والمفرود خلفها بصدمة.
ليتفاجأ بها تنظر في كل اتجاه.. وكأنها تبحث عن شئ ضائع.. ثم تندفع فجأة للأمام.. تزيحه بعنف.. وتلتقط حجابها الملقى بجانب قدمه.. تضعه على رأسها بسرعة شديدة.. تحاول به مداراة شعرها المنساب بغزارة حول وجهها.. إلا أنها تفشل.. بسبب ارتباكها الشديد.
تابع عمر تصرفاتها الهوجاء بتسلية شديدة.. وارتفع حاجبيه بدهشة.. عندما ضربت الأرض بقدمها بطريقة طفولية غاضبة.. عندما فشلت في السيطرة على شعرها الهائج.. ثم تفاجأ بها تركض فجأة هاربة من أمامه.
إلا أن صوته الغاضب ارتفع يستوقفها:
= انتي رايحة فين.. تعالي هنا حالاً.. أنا لسه مخلصتش كلامي معاكي.
ابتلعت حبيبة ريقها بخوف.. وهي تعود إليه صاغية.. ويدها تطبق على الحجاب تغلقه حول وجهها بطريقة مضحكة.
عمر بصرامة.. وهو يدرك ارتباكها الشديد:
= إسمك إيه.
حبيبة بهمس:
= ح.. بيبة.
رفع عمر حاجبيه بتساؤل.. وهو يدعي عدم سماعها جيداً:
= بيبا.. إسمك بيبا!
هزت حبيبة رأسها بارتباك.. وهي تقول:
= لاء.. لاء.. ح… حبيبة.
هز عمر رأسه.. وهو يتابع ببرود:
= هممم.. بيبا.. طيب يا بيبا.. مجاوبتيش عليا.. بتعملي إيه هنا.. في وقت زي ده؟!
أشارت حبيبة لنفسها بارتباك:
= حبيبة.. اسمي حبيبة.. مش بيبا.
عمر ببرود.. وقد راق له إرباكها:
= حبيبة.. بيبا.. مش مهم.. المهم إيه اللي مخرجك من أوضتك.. في ساعة زي دي.. وباللبس ده؟!
توهج وجه حبيبة باللون الأحمر.. وهي تشير للمطبخ بارتباك:
= أصلي… أصلي كنت مش عارفة أنام.. فقلت أجيب حاجة سخنة أشربها.. ومعرفش إن يعني.. حضرتك.. يعني موجود.
عمر وهو يقصد إرباكها:
= آه.. حاجة سخنة.. قصدك اللبن اللي لسه مغرقاني بيه.
شهقت حبيبة بصدمة.. وهي تنظر للقميص الذي يرتديه.. والظاهر عليه آثار السائل الذي قذفته به.
= أنا.. أنا أسفة.. بس أصل أنا كنت خايفة.. وفكرتك.. يعني.. أسفة.. حرامي.
عمر بسخرية:
= حرامي هنا.. في القصر.. مع كل الحراسة اللي برة دي.. وفكرتي إنه في حرامي.. يقدر يدخل هنا!
توهج وجه حبيبة من الغضب من تهكمه الواضح عليها.. لترد بدون تفكير:
= وفيها إيه يعني.. ما عادي.. ممكن أي حرامي يدخل هنا.. يعني هو قصر ولا وزارة الدفاع.. علشان ميقدرش يدخله.
عمر بتحذير بارد:
= بقى كده!
حبيبة باندفاع:
= أيوه.. وبعدين حضرتك اللي غلطان.. كنت واقف في الضلمة.. وكتفتني بطريقة خوفتني.. طبيعي يعني إني أفتكرك حرامي.
عمر ببرود:
= كده.. يعني أنا اللي غلطان.
تراجعت حبيبة بتوتر للخلف من نبرته الباردة:
= أيوه.. بس أكيد متقصدش.
عمر بتهكم:
= مقصدش.. لا.. كتر خيرك.
حبيبة وهي تتراجع للخلف أكثر:
= أنا.. أنا هروح على أوضتي.. تصبح على خير.
عمر بصرامة:
= إستني عندك.. أنا أذنتلك تمشي؟
نظرت حبيبة حولها بتوتر:
= هو حضرتك لسه عاوزني في حاجة؟
عمر وهو يتجه إلى الدرج المؤدي للطابق العلوي الموجود به جناحه الخاص:
= أه.. حضريلي العشا.. وهاتيه على الجناح بتاعي.
حاولت حبيبة التحكم في غضبها.. إلا أنها لم تستطع.. وهي تقول بتسرع:
= حضرتك.. أنا مرافقة لنازلي هانم.. مش خدامة.. ومليش دعوة بأمور المطبخ خالص.. تحب أصحيلك حد من الخدم!
عمر ببرود وهو يزيد من استفزازها:
= أنا لو كنت عاوز حد من الخدم.. كنت استدعيته.. أنا بطلب منك انتي.. وياريت طول ما انتي هنا.. تتعلمي إني مبحبش أسمع غير تلات كلمات.. نعم.. وطيب.. وحاضر.
ثم تجاهلها وصعد للأعلى.. وهي تنظر إليه بحقد وغضب.. ثم استدارت في طريقها للمطبخ.. إلا أن صوته البارد استوقفها.
ليتابع ببرود مستفز:
= بيبا.. متنسيش.. وإنتي بتحضري العشا.. تجيبيمعاه كوباية لبن.
ثم تابع صعوده وهو يبتسم.
في حين ضغطت حبيبة على شفتيها.. وهي تقول بغيظ:
= حبيبة.. اسمي حبيبة.. أعلق يافطة كبيرة باسمي.. علشان يصدق!!
ثم دخلت إلى المطبخ.. وهي تكاد تصرخ من شدة الغيظ:
= أبو شكلك بارد.
ثم تابعت بغيظ وهي تعيد لملمة خصلات شعرها.. وإعادة ضبط الحجاب مرة أخرى بطريقة جيدة.. ثم شرعت في تحضير طعام العشاء.. وهي تُتمم بغضب:
= أنا كده فهمت.. الواد شريف اتجنن وعمل اللي عمله فيه ليه.. أكيد قعد يغيظ فيه لحد ما اتجنن.. وعمل عملته السودة.
ثم تنهدت بغضب.. وهي تحمل صينية الطعام وتتجه بها إلى الأعلى:
= ربنا يسامحك يا شريف.. أنت السبب في كل المصايب اللي أنا فيها دي.
وصلت حبيبة إلى جناح عمر.. وطرقت الباب عدة مرات.. وهي تكاد تنفجر من الغيظ.. حتى سمعت صوته يأذن لها بالدخول.
فتحت الباب بتردد.. وهي تنظر لداخل الغرفة.. لتجده يخرج من باب الحمام الداخلي.. وهو يجفف شعره.. وقد ارتدى بيجامة رجالية أنيقة.. عبارة عن بنطال قطني أسود.. وتي شيرت رمادي بدون أكمام.
ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر.. وهي تضع سريعاً صينية الطعام على الطاولة.. وتتراجع للخلف بتوتر.. وهي تنوي مغادرة الغرفة.. إلا أن عمر استوقفها.. وهو يتجه إلى صينية الطعام.. وهو يقول ببرود:
= بيبا.. استني.
انفجرت حبيبة فيه.. وقد وصلت إلى أقصى طاقة لتحملها:
= حبيبة.. اسمي حبيبة.. في حرف ح قبل بيبا.. تحب اجيب لحضرتك البطاقة.. علشان تتأكد؟!
تناول عمر زيتونة صغيرة.. وضعها في فمه.. وهو يمغط شفتيه باستفزاز:
= حبية.. بيبا.. مش فارقة.. إيه هنقعد نتناقش كتير في اسمك.. وعدد حروفه!
ثم تابع ببرود:
= اتفضلي.. انزلي على أوضتك.. أظن ميصحش تكوني هنا.. في وقت متأخر زي ده.
نظرت إليه حبيبة بعدم تصديق.. وهي تقول بصدمة:
= مش حضرتك اللي..
عمر ببرود.. وهو يمعن في استفزازها:
= حضرتي اللي إيه… اتفضلي انزلي أوضتك.. ميصحش كده.. لو حد شافك هنا.. في وقت زي ده.. هيقول إيه؟
توهج وجه حبيبة باللون الأحمر من شدة الغضب.. وهي تكاد تنفجر فيه.. ثم توجهت إلى باب الغرفة سريعاً.
إلا أن عمر استوقفها:
= بيبا.. استني.
استدارت حبيبة تنظر إليه بغضب:
= نعم.. في حاجة تاني؟
إلا أنها تفاجأت به يضع كوب الحليب الساخن في يدها.. وهو يقول بتسلية:
= خدي كوباية اللبن دي معاكي.. إشربيها.. بدل اللي اتكب.. أنا مبشربش لبن.
ثم أشار للباب:
= اتفضلي.. مستنية إيه.. وإقفلي الباب وراكي.
تمسكت حبيبة بكوب اللبن بشدة.. وهي تخرج وتغلق باب الغرفة بغيظ.. تتبعها ضحكات عمر القوية والمستفزة.. وهي تتمتم:
أبو شكلك بارد.. يارب عدي الأيام دي بسرة.. خليني أغور من هنا.
وفي نفس التوقيت.. راقبت عصمت هانم.. خالة عمر.. خروج حبيبة من غرفة عمر بغضب حارق.. وهي تقول بحقد:
= وده لحق يعرفها أمتى.. علشان ياخدها الأوضة عنده..
لتتابع بغيظ:
= بس الحق مش عليه.. الحق على الغبية بنتي.. اللي هتضيعه من إيدها.. بالتصرفات الغبية اللي بتعملها.
ثم تناولت الهاتف.. وقامت بالاتصال بابنتها.. ليأتيها صوت ابنتها المختلط بأصوات الموسيقى العالية والصاخبة.
مي بصوت أشبه بالصراخ:
= أيوة يا ماما.. في حاجة.. بتصلي ليه.. في حاجة.
عصمت هانم بغضب:
= إنتي لسه عندك.. بتعملي إيه.. إحنا بقينا وش الصبح.
مي بضيق:
= يووه.. لسه بدري يا ماما.. الحفلة لسه في أولها.. وأصحابي كلهم لسه موجودين.
ضغطت عصمت هانم على الهاتف بغضب:
= حفلة إيه اللي بتتكلمي عنها.. ارجعي بسرعة.. عمر وصل.. ولو عرف إنك لسه برة.. هيطربق الدنيا فوق دماغنا.
شهقت مي بخوف وضيق:
= وده إيه اللي رجعه بس.. ما كنا مرتاحين.. خلاص يا ماما.. أنا هودع صحابي.. ونص ساعة وهكون عندك.. بس افتحيلي باب القصر الصغير.. علشان أدخل منه.. ومحدش يحس بيا.
عصمت بتأكيد:
= أنا هفتحلك الباب.. وإنتي متغيبيش.. وربنا يستر.
ثم أغلقت الهاتف.. وهي تقول بارتياح:
= كده كويس.. نص ساعة بالكتير.. ومي تبقى هنا.. الباقي بقى عليا.. لازم بكرة أفاتحه في إننا لازم نتمم جوازته من مي.. اللي اتأجلت بسبب اللي حصله.
ثم تابعت بتفكير.. وهي تتذكر مشهد خروج حبيبة من غرفة عمر.
= لا.. البنت دي مش خطر.. زيها زي غيرها.. أكيد لعبة وبيسلي نفسه بيها.. بس لما ينوي يتجوز.. هيتجوز بنت خالته.. مي هانم مندور.. دا تربية إيدي.. وأنا حافظاه كويس.
ثم ابتسمت بثقة.. وهي تتجه للأسفل.. لمساعدة ابنتها في الدخول للقصر دون أن يراها أحد.
رواية سيد القمر الأسود الفصل الثالث 3 - بقلم زينب مصطفى
استيقظت حبيبة مبكراً واغتسلت ثم ارتدت ملابس العمل ووقفت تحدث نفسها في المرآة بعد أن تأكدت من إحكام حجابها.
= خلاص كده يا حبيبة إتأكدتي إنه مش فاكرك ولا فاكر أي حاجة حصلت في اليوم المشئوم ده.. يعني لو مشيتي واختفيتي مفيش حد هيدور عليكي إلا الزفت اللي اسمه شريف بس حتى شريف مش هيضيع وقته في إنه يدور عليا.. أكيد بعد ما أخرج من هنا مش هيبقى ليا فايدة عنده وأكيد مش هيبلغ عني زي ما كان بيهددني لأنه هيخاف لأتكلم ورجله تيجي في السكة وأكيد ساعتها عمر مش هيرحمه..
لتتابع بتأنيب ضمير.
= طيب مش هيبقى حرام عليا لو مشيت من هنا من غير ما أنبهه للتعابين اللي محاوطينه وهو مش حاسس بيهم..
ثم جلست على طرف الفراش وهي تتابع بقلق.
= إفرض حاولوا يقتلوه أو يئذوه تاني يبقى أنا كده بسكوتي بشارك معاهم في الجريمة.
ثم تنهدت بعدم تصديق.
= أنا مش مصدقة أن واحدة ممكن تعمل كده في خطيبها وابن خالتها أنا بجد مش فاهمة عملت كده إزاي..
يعني هتعوز إيه أكتر من كده لتتابع بهيام.
= وسيم وزي القمر وراجل كده في نفسه طول بعرض تحسه هيبة.. هو صحيح بارد أوي بس أكيد هو مش هيعاملها زي ما بيعاملني دا أكيد بيحبها أوي وعشان كده عاوز يتجوزها..
ثم عقدت حاجبيها بغضب وهي تنهض عن الفراش وتتجه إلى الباب في طريقها للخروج.
= غبية ومجرمة حد ربنا يرزقه بواحد زي ده ويضيعه من إيده ويعمل اللي هي عملته.
ثم تنهدت بتعب.
= فوقي يا حبيبة وخليكي في نفسك إنتي لوحدك في الدنيا ولو وقعتي تحت إيده أو إيدهم مش هيرحموكي.. يبقى الصح إني أمشي من هنا وبسرعة قبل الزفت اللي اسمه شريف ما يورطني في مصيبة جديدة من مصايبه ولا عمر يفتكر اللي حصله ويفتكرني وتبقى مصيبة أكبر وعشان أريح ضميري لما أبقى في الأمان هبعتله جواب أحكيله فيه على كل حاجة.
ثم تابعت وهي تحدث نفسها بتشجيع.
= صح يا حبيبة برافو عليكي أنا هقدم استقالتي لدولت هانم النهاردة وأتحجج لها بأي حجة وأمشي من هنا لأي مكان تاني بلاد الله واسعة وأكيد مش هغلب وهلاقي شغل.
ثم اندفعت لحقيبتها تسحب ملابسها القليلة ووضعتهم فيها وهي تتأكد من وجود بطاقتها الشخصية ودفتر التوفير الخاص بها المحتوي على مبلغ بسيط من المال ولكنه كافي لشراء تذكرة قطار لأحدى مدن مصر السياحية البعيدة…
ثم توجهت إلى الجناح الخاص بدولت هانم لتجدها تجلس في شرفة الغرفة التي تطل على الحديقة الداخلية الرائعة للقصر وهي تقرأ جرائد الصباح..
وقد ارتدت فستان رمادي أنيق وعقصت شعرها الأبيض الموشى بخيوط رمادية في عقدة أنيقة خلف رأسها.
تأملتها حبيبة وهي تشعر بالحزن والندم يتملكها وهي تتذكر أن عليها مغادرة هذه السيدة الحنونة الطيبة والتي أشعرتها في الأيام القليلة التي قضتها معها بالحنان والدفء في معاملتها معها فهي لا تعاملها كمجرد مرافقة لها بل تعاملها بود وحنان شديد كأنها ابنتها أو حفيدة صغيرة لها.
أخذت حبيبة الأدوية الخاصة بدولت هانم وتوجهت إليها وهي تقول بهدوء.
= صباح الخير يا دولت هانم عاملة إيه النهاردة.
ابتسمت دولت هانم بسعادة.
= صباح الخير يا حبيبة.. كويسة جداً الحمد لله وحاسة كده إني كلي نشاط ونفسي مفتوحة على الدنيا..
ثم تابعت بسعادة.
= عمر.. عمر حفيدي رجع.. متعرفيش أنا كنت قلقانة عليه قد إيه.. بقاله شهر غايب ومش عارفة عنه حاجة ولا حد كان بيطمني عليه وقلبي كان حاسس أن فيه حاجة وحشة حصلت له.. بس طلع ده كله وهم من شدة قلقي عليه.
لتتنهد براحة.
= الحمد لله إنه سليم وكويس ربنا يباركلي في عمره.
وضعت حبيبة حبات الدواء برفقة كوب من الماء على المائدة وهي تشعر بتأنيب ضمير رهيب وهي تقول بتوتر.
= طيب الحمد لله إنك اطمنتي عليه.. اتفضلي خدي الدوا علشان ميعاده ميفوتش.
ثم تابعت بتوتر.
= دولت هانم أنا كنت عاوزة أطلب من حضرتك طلب؟
= اطلبي يا حبيبة ولو في مقدرتي أكيد هنفذهولك.
حبيبة بارتباك.
= أنا كنت عاوزة أسيب الشغل هنا.. أصل.. أصل..
ليقاطعها صوت عمر الذي ارتفع من خلفها وهو يقول بجدية.
= أصل إيه..؟
شهقت حبيبة بتوتر وهي تنظر خلفها بصدمة لتتفاجأ بعمر يقف خلفها وهو يرفع حاجبه بتساؤل إلا أنه تجاهلها وهو يتجه إلى جدته يحتضنها ويقبل يدها بحنان ثم يقول بمداعبة.
= إزيك يا دوللي عامله إيه من غيري.. أكيد ارتاحي مني ومن تحكماتي مش كده.
مررت جدته يدها على رأسه بحنان وهي تقول بحب.
= يا حبيبي ربنا ميحرمنيش منك ولا من تحكماتك وتفضل منور حياتنا.. بس أنا زعلانة منك تغيب شهر بحاله من غير ما أعرف فيه حاجة عنك..!
جلس عمر بجانبها ثم انحنى على يدها يقبلها باحترام وحب مرة أخرى.
= غصب عني يا ست الكل.. كان عندي شغل مهم ومكنتش أقدر أسيبه إلا لما أخلصه وأول ما خلصته جيت جري عليكي.
راقبتهم حبيبة وعينيها تترققان بالدموع فحاولت الانسحاب بهدوء إلا أن صوت عمر استوقفها وهو يقول بجدية.
= استني عندك رايحة فين..
حبيبة بإرتباك.
= رايحة أجيب الفطار لدولت هانم..
أومأ عمر رأسه وهو يقول بجدية.
= وإيه اللي موقفك هنا كل ده.. أظن الفطار والدوا ليهم مواعيد ولازم تلتزمي بيهم ولا دول مش من اختصاصك هما كمان!
احمر وجه حبيبة وهي تقول بغضب مكبوت.
= لسه ربع ساعة على ميعاد فطار دولت هانم وأحب أطمن حضرتك أنا عارفة مهام شغلي واختصاصاته كويس وملتزمة بيهم.. بس ياريت غيري هو اللي يلتزم بيهم.
تراجع عمر للخلف وهو يضع ساق فوق ساق وهو يتأملها من أعلى إلى أسفل بعينيه وهو يقول ببرود.
= ولما أنتي عارفة شغلك وحافظة اختصاصاتك كويس أوي كده.. طالبة تسيبي الشغل من غير ما تنفذي شروط العقد اللي أنتي مضياه!
شحب وجه حبيبة وهي تقول بإرتباك.
= شروط.. شروط إيه اللي حضرتك بتتكلم عليها؟!
عمر ببرود.
= إيه مش عارفة أنتي مضيتي على إيه..! مش عارفة أن في شرط في العقد إنك لازم تبلغينا إنك عاوزة تستقيلي وتسيبي الشغل قبل تنفيذ الاستقالة بشهرين وفي حالة موافقتنا على استقالتك ممكن تمشي بعد شهر واحد.
شهقت حبيبة بخوف.
= يعني لسه هستنى شهر!
ابتسم عمر ببرود.
= قصدك شهرين..
حبيبة بدهشة.
= إيه؟
عمر ببرود.
= إيه ودانك تعبانة مش سمعاني كويس.. بقولك لسه قدامك شهرين.. وده لأني مش موافق على استقالتك إحنا مش بنلعب هنا وتحت أمرك تشتغلي وقت ما تحبي وتسيبي الشغل وقت ما تحبي.
نظرت إليه جدته بطرف عينيها وهي تبتسم بمكر.
= وأنتي عاوزة تسيبينا ليه حد دايقك في حاجة!
حبيبة بإرتباك.
= لا بس أصل.. أصل..
دولت هانم بحنان.
= أصل إيه يا حبيبتي أنا كنت فاكرة إنك مرتاحة معانا هنا!
حبيبة بإرتباك وهي تحاول العثور على كذبة مقبولة.
= ايوة بس.. أصل.. أصل.. خ… خطيبي.. مش.. مش موافق على شغلي هنا..
ضيق عمر عينيه وهو يتأمل يدها الخالية من أي شيء يشير لارتباطها.
ليقف فجأة واقفاً وهو يقول بصرامة أخافتها.
= وإحنا مالنا ومال خطيبك هو إنتي اللي بتشتغلي عندنا ولا هو..!
ثم أشار بيده بغضب أثار حيرة جدته.
= في عقد بينا وإنتي مضيتيه ولازم تحترميه. قدامك شهرين هتشتغلي هنا فيهم وبعدها إنتي حرة تعملي اللي إنت عوزاه.. وقبل المدة دي ما تخلص مش عاوز أسمع كلام عن استقالتك دي مرة تانية.
ثم تركهم وغادر المكان وجدته تقول بدهشة.
= استنى يا عمر رايح فين مش هتفطر معايا…
إلا إنه كان قد غادر بالفعل دون أن يستمع إليها.
نظرت دولت هانم لحبيبة وهي تقول بدهشة.
= حبيبة.. أنتي تعرفي عمر قبل كده؟
تراجعت حبيبة للخلف بصدمة وهي تقول بتوتر.
= لأ.. دي أول.. أول مرة أشوفه.. أقصد أول مرة أشوفه كان إمبارح بليل وحصل بينا سوء تفاهم ويمكن ده اللي مضايقه مني.
ابتسمت دولت هانم وهي تقول بمكر.
= بقى كده… طيب تعالي اقعدي جنبي يا حبيبتي وأحكيلي إيه اللي حصل إمبارح بالظبط.
حبيبة بتوتر.
= طيب هجيب لحضرتك الفطار الأول عشان ميعاد الدوا..
ابتسمت دولت هانم برقة.
= اقعدي أنتي بس.. وأنا هطلبهم يجيبوا الفطار بتاعي وفطارك أنتي كمان.. ناكل وتحكيلي كل اللي حصل بينكم.
نظرت لها حبيبة بدهشة من اهتمامها الشديد بمعرفة ما حدث بينها وبين حفيدها في مساء اليوم السابق..
وبدأت تقص عليها ما حدث وسط دهشة جدته وضحكاتها المرحة..
حتى انتهت ودولت هانم مازالت تضحك بشدة..
= مش ممكن عمر عمره ما هيتغير.. ربنا يكون في عونك يا حبيبة.. بس بجد ومن غير ما تكدبي عليا أنتي قدمتي استقالتك عشان اللي حصل من عمر إمبارح.. مش كده؟
هزت حبيبة رأسها بموافقة وهي لا تعرف بماذا تجيبها.
لتتابع وهي تبتسم بتفهم وهي تنظر ليدها الخالية من أي شيء يشير لارتباطها.
= ومفيش خطوبة ولا خطيب زعلان من شغلك هنا.. مش كده..؟
احمر وجه حبيبة بخجل وهي تهز رأسها موافقة.
ابتسمت دولت هانم بمكر وهي تربت على يد حبيبة بحنان.
= متخافيش سرك في بير.. وإن كان على عمر هنخليه فاكر إنك مخطوبة علشان لو حبيتي تمشي بعد الشهرين ما يخلصوا.. أما لو غيرتي رأيك وحبيتي تكملي نبقى نعرفه أن مفيش خطوبة ولا حاجة..
حبيبة بثقة.
= بس أنا متأكدة إني مش هغير رأيي..
ابتسمت دولت هانم وهي تشير للطعام.
= متبقيش واثقة أوي كده سيبي كل حاجة لوقتها.. كلي يا حبيبتي خلينا نخرج للحديقة نشم هواء.. النهاردة يوم جميل يستحق إننا نقضيه في مكان جميل.
في وقت متأخر من المساء وبعد مرور أسبوع…
وقفت حبيبة في حديقة القصر وهي تتكلم مع شريف في الهاتف بصوت خافت منفعل.
= إعمل اللي تعمله بس أنا مش هشترك معاك في الجريمة دي.. أنت خلاص اتجننت وفاكرني لعبة في إيدك تحركها زي ما أنت عاوز.
= اسمع يا شريف إنساني خالص وانسى إن أنا شغالة هنا وأنا أول ما أقدر أسيب المكان من غير ما حد يشك فيا همشي ومحدش هيعرف مكاني.
شريف بغضب.
= اسمعي يا بت الشويتين بتوع الملاجئ دول تعمليهم على حد غيري.. إيه فاكرة إنك بعيد عن إيدي.. لا فوقي أنتي لو منفذتيش اللي أنا عاوزه بمكالمة تليفون صغيرة هيكون عمر الرشيدي عارف كل حاجة إنتي عملتيها وشوفي بقى هيعمل فيكي إيه!!
حبيبة بغضب.
= طز.. طز فيك وطز في عمر الرشيدي.. طز فيكم كلكم وأعلى ما في خيلك أركبه أنا خلاص مش باقية على حاجة هي موتة ولا أكتر.
ثم أغلقت الهاتف في وجهه دون انتظار رده واستندت على إحدى الأشجار القريبة منها وهي تشعر بدوار شديد.
فانتظرت قليلاً حتى هدئت ثم تنهدت بتوتر وهي تتذكر معاملة عمر الحادة معها..
فهو ولسبب لا تعرفه لا يطيق التواجد معها في مكان واحد فهو ما أن يراها حتى يبدأ في تعنيفها بالكلمات بطريقة تخرجها عن شعورها.
تنهدت حبيبة وهي تقول بغضب.
= أنا خلاص مبقتش متحملة هلاقيها منين ولا منين.
ثم اتجهت إلى داخل القصر وهي تنوي الذهاب إلى غرفتها ومحاولة النوم الذي تعلم أنه سيجافيها بعد تهديد شريف لهادخلت إلى بهو القصر لتتفاجأ بعصمت هانم مازالت مستيقظة وتقف في الظلام وهي على غير عاداتها تفرك يدها بتوتر شديد.
حبيبة بتوتر.
= عصمت هانم.. في حاجة حضرتك واقفة في الضلمة ليه؟
صرخت فيها عصمت بغضب.
= وإنتي مالك أقف في الضلمة ولا في النور.. معدش غير الخدامين كمان اللي يحشروا نفسهم في اللي ملهمش فيه.
رفعت حبيبة رأسها وهي تقول بكبرياء.
= أنا مش خدامة يا عصمت هانم وأسفة إني اتدخلت في حاجة مليش فيها.
نظرت لها عصمت باحتقار في حين تجاهلتها حبيبة واستدارت للذهاب إلى غرفتها.
عصمت بلهفة.
= استني يا حبيبة..
استدارت لها حبيبة بدهشة وهي تسمعها تتابع.
= برضو.. إنتي بتعرفي تسوقي..
نظرت حبيبة لها بدهشة من تبدل لهجتها.
حبيبة بدهشة.
= أيوه بعرف.. بس مش أوي..
عصمت بلهفة.
= طيب اسمعيني كويس أنا هديكي عنوان مكان مي هانم بتسهر فيه.. هي يعني.. مش في وعيها.. أقصد تعبانة شوية ومش فايقة؛ فعشان كده محتاجة حد يروح يجيبها من هناك.. وأنا مش هقدر أروح أجيبها علشان المفروض هنسهر برة أنا وهي وعمر في مكان مهم وخلاص معدش وقت وعاوزة ألحق أستعد.
ثم تابعت بأمر.
= عاوزاكي تروحي تجيبيها وترجعي بسرعة من غير ما حد يحس بيكي..
ثم تابعت بتوتر.
= مش عاوزة دولت هانم أو عمر بيه ياخدوا خبر باللي هتعمليه.. مفهوم وليكي عليا أديكي مكافأة كبيرة قصاد الخدمة دي.
حبيبة بتوتر.
= أنا طبعاً عايزة أساعدك بس المشكلة إني فعلاً مبعرفش أسوق كويس دول مرتين تلاتة اللي سوقت فيهم وكنت بتدرب علشان وظيفة كنت متقدمالها محتاجة رخصة قيادة…
صرخت فيها عصمت مقاطعة.
= إنتي هتحكيلي تاريخ حياتك..
بقولك عمر زمانه على وصول ولو ملقهاش هنا هتبقى مصيبة روحي هاتيها عشان ألحق أفوقها وتروح السهرة مع خطيبها.
ثم انهارت جالسة بتعب.
= دا لو عرف إنها لسه برة في وقت زي ده وكمان مش في وعيها ممكن يقتلها.
ثم نظرت لحبيبة برجاء.
= روحي هاتيها وأنا هستنى مكالمة منك وهفتحلك باب القصر الصغير تدخلوا منه من غير ما حد يحس بيكم.
ثم أخذت هاتف حبيبة بلهفة وسجلت عليه رقم هاتفها وعنوان الملهى الليلي الذي تتواجد به مي ابنتها ثم ردته إليها بالإضافة إلى مفاتيح السيارة الخاصة بها.
= روحي يلا مستنية إيه.. العربية لونها فضي خديها وروحي على طول.
أخذت حبيبة الهاتف ومفاتيح السيارة منها ثم توجهت سريعاً إلى المرآب الخاص بالقصر.
وهي تحاول قيادة السيارة بتوتر حتى استجابت لها.
قادت حبيبة السيارة خارج القصر وهي تتمسك بمقود السيارة برعب محاولة ألا تتسبب في حادث وهي تحدث نفسها مشجعة.
= يلا يا حبيبة.. متخافيش هتقدري توصلي بيها بس انتي متخافيش.
في نفس التوقيت، وصل عمر الذي يجلس في سيارة يقودها بنفسه إلى الشارع المؤدي إلى القصر ليلفت نظره سيارة خالته وهي تخرج من القصر بطريقة غريبة تدل على أن من يقودها فاشل في القيادة.
فالسيارة تتمايل يميناً ويساراً بطريقة غريبة.
عمر باستغراب وهو يلمح حبيبة تقود السيارة.
= مش دي حبيبة.. بتعمل إيه في عربية عصمت ورايحة بيها على فين!
استدار عمر بسيارته يقودها خلف السيارة التي تقودها حبيبة دون أن تراه.
حتى تفاجأ بها تتوقف بتوتر أمام ملهى ليلي وتدخل بتردد إلى المكان وهي تعدل من وضع حجابها بإرتباك وخوف.
نزل عمر من سيارته وهو يشعر بغضب شديد يشتعل كالحريق بداخله وعقله لا يصدق ما يراه.
هل من المعقول أنه خدع فيها وخلف تلك الواجهة الرقيقة المحتشمة تختفي حقيقتها المخزية.
اقتحم عمر الملهى وعينيه تشتعل بنيران الغضب وهي تبحث عنها في المكان الذي يمتلئ بالرقص والخمور والفتيات شبه العاريات اللواتي يتمايلن بجنون على أنغام الموسيقى الصاخبة وشباب يلتصقون بهن في حلقات من الرقص بمشهد مقزز يثير الاشمئزاز.
لتقع عينيه عليها وهي تحاول الابتعاد بتوتر وخوف عن شابين يحاولون الاحتكاك بها وهم يضحكون بعد أن سحبوا الحجاب عن رأسها وألقوه أرضاً في حين انساب شعرها خلفها في موجات حول وجهها.
ويدهم الأخرى تحاول جذبها إلى ساحة الرقص وإجبارها على الرقص معهم.
في حين صرخت هي فيهم تحاول منعهم وقد بدأت دموعها بالتساقط وهي تحاول جذب شابة أخرى ترتدي ملابس شبه فاضحة يظهر عليها إنها فاقة الوعي من جانبهم.
اندفع عمر بدون تفكير وقام بسحب حبيبة التي تبكي بانهيار خلفه ويده تتعامل معهم بسرعة بلكمات قوية وعنيفة.
أطارت أسنانهم وجعلت الدماء تندفع من أفواههم وهو يعاجلهم ضربات قوية متتالية ألقتهم أرضاً غائبين عن الوعي ثم بصق عليهم وهو يركلهم بقدمه بغضب شديد ويده الأخرى تجذب حبيبة المنهارة من شدة البكاء إلى صدره بتملك غاضب.
ثم انحنى سريعاً وقام بحمل حجابها ووضعه فوق رأسها ويده الأخرى تلملم شعرها تجمعه بسرعة تحت الحجاب ويحكم إغلاقه عليه وهو يقول بحنان وهو يحتضنها بشدة ويده تمسح دموعها برقة.
= خلاص يا بيبة أنا معاكي متخافيش.
تمسكت حبيبة به بخوف وكأنه أمانها الوحيد في الحياة.
حبيبة ببكاء.
= أنا آسفة بس أنا كنت هنا عشان… عشان...
مال عمر على جبهتها يقبلها برقة وهو يقول بغضب مكبوت وهو ينظر باحتقار لمي الفاقدة الوعي من شدة تأثرها من الخمور التي تناولتها.
= أنا عارف انتي هنا بتعملي إيه.. متخافيش أنا معاكي.
ثم رفع مي وحملها فوق كتفه بإهمال ويده الأخرى تلتف حول خصر حبيبة تجذبها إليه بتملك وحماية شديدة في حين تمسكت حبيبة بملابسه بخوف تستمد الأمان من وجوده بجانبها.
ركبت حبيبة سيارة عمر وجلست في المقعد الخلفي بجانب مي التي مازالت غائبة عن الوعي وهي تبكي بصمت دون أن تتحدث وعين عمر تتابعها بصمت وغضب فهو يشعر بحريق يشتعل بداخله وهو يتخيل ما الذي كان سيحدث لها إن لم يتتبعها إلى هذا المكان المشؤوم.
توقف عمر بسيارته أمام الباب الداخلي للقصر ثم توجه سريعاً إلى باب السيارة وقام بمساعدة حبيبة التي مازالت تبكي على النزول.
وهو يحمل مي الغائبة عن الوعي على كتفه بإهمال ويده الأخرى تدعم بتملك شبه المنهارة بجانبه.
وصل عمر إلى بهو القصر الداخلي ليجد خالته تنزل على الدرج بإرتباك وخوف وهي تشاهد عمر الغاضب يحمل ابنتها التي أفقدتها الخمر وعيها ويجلس حبيبة على إحدى المقاعد وهو يقول باهتمام.
= خليكي هنا أنا جايلك حالاً.
أومأت حبيبة برأسها بموافقة وهي مازالت تبكي من ما حدث لها وخوفاً من ردة فعل عمر التي بالتأكيد لن تكون هينة.
ثم نادى بصوت عالي غاضب.
= فين الخدم اللي هنا.. إيه كلهم اختفوا..!
هرعت خادمتين على الفور إليه وهن يشعرن بالخوف والإرتباك من نبرته الغاضبة.
وهو يشير لحبيبة باهتمام.
= ساعدوها تاخد حمام وتغير هدومها وأعملوا لها حاجة ساخنة تشربها.
هرعت الخادمتين تنفذان أوامره وهن يأخذن حبيبة شبه المنهارة للداخل.
في حين قالت عصمت بإرتباك وهي تدعي عدم معرفتها بما حدث.
= هو فيه إيه يا عمر هي مي مالها وحبيبة بتعيط ليه!!
أزاحها عمر عن طريقه بخشونة وهو يصعد للأعلى في طريقه إلى غرفة مي ثم وضعها على الفراش بإهمال وهو يقول بغضب شديد.
= مش عاوز أسمع كلام كتير وتمثيل بايخ ملوش لازمة وفري مجهودك أحسن لبنتك وفوقيها من الزفت اللي هي شرباه.
عصمت بخوف.
= قصدك إيه يا عمر أنا مش فاهمة حاجة!!
عمر بغضب.
= أنا مش غبي يا عصمت هانم فبلاش تعامليني على أساس كده.. بس عموماً حسابنا يجمع.
ثم تركها وتوجه سريعاً للأسفل ليقف بقلق خارج غرفة حبيبة وهو ينتظر بعدم صبر حتى انتهت الخادمتان من مساعدتها ومغادرة الغرفة ثم طلب منهن كوب من الحليب الدافئ، حمله وقام بطرق باب غرفتها عدة مرات حتى أذنت له بالدخول.
دخل عمر إلى الغرفة ليجد حبيبة مستلقية على الفراش وتحاول النهوض إلا أنه منعها وهو يتوجه إليها بسرعة ويجلس أمامها على طرف السرير وهو يقول باهتمام.
= خليكي بلاش تتحركي.
ثم ابتسم بمداعبة.
= أنا كنت جايبلك كوباية اللبن دي علشان تعرفي تنامي.
هزت حبيبة رأسها ودموعها تتساقط بالرغم عنها ليميل عمر قليلاً منها يزيل دموعها برقة بأطراف أصابعه وهو يقول بحنان.
= خلاص يا بيبة محصلش حاجة.. بس ده يعلمك تحكمي عقلك قبل أي تصرف تعمليه.
ليتوتر صوته وهو يقول بغضب مكبوت.
= إزاي تعرضي نفسك لخطر كبير زي ده! مكان عمرك ما دخلتيه ولا تعرفي تتعاملي مع الأشكال القذرة اللي فيه.. إزاي فكرتي إنك هتدخلي ببساطة تاخدي واحدة.. واحدة مستهترة زي دي وهي مش في وعيها من وسط ناس قذرة مش في وعيهم ما خفتيش يحصلك حاجة.. دا غير طبعاً سواقتك اللي تتسمى أي حاجة غير إنها سواقة واللي كانت ممكن تنتهي بحادثة بشعة.
انهمرت دموع حبيبة وهي تهمس بندم.
= أنا… أنا آسفة.. أنا مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.. ومتشكرة على كل اللي عملته معايا النهاردة مش عارفة من غيرك كان ممكن يحصلي إيه!
ابتسم عمر وهو يتأملها بحنان وأصابعه تزيل دموعها برقة.
= ششش.. خلاص أشربي اللبن ونامي وبكرة الصبح هنتكلم.
ثم قرب الكوب من شفتيها وهو يشجعها على تناوله حتى أنهت الكوب وهو يبتسم بحنان ثم قام بتعديل الوسادة خلف رأسها وهو يقول باهتمام وأصابعه تمر برقة على وجنتيها.
= بيبة إذا كان في حد ممكن يشكر حد فالحد ده هو أنا.. أنا متشكر ليكي إنك حاولتي تنقذي مي بنت خالتي اللي تعتبر شرفي وعرضي وحاولتي ترجعيها البيت وجازفتي بنفسك علشانها.. متشكر جداً يا بيبة.
ثم تابع بحنان وهو يقوم بتعديل الغطاء من حولها ويضغط وجنتها بين أصابعه برقة.
= بس ده ميمنعش أن فيه عقاب كبير مستنيكي علشان تبقي تفكري كويس أوي قبل ما تتصرفي.
ثم حاول النهوض والمغادرة إلا أن حبيبة منعته وهي تقول بصوت خائف مرتعش.
= ممكن.. ممكن تفضل هنا لحد ما أنام وبعدين تبقى تخرج أصل حاسة إني خايفة أوي.
ابتسم عمر بحنان وهو يتفهم خوفها ومشاعرها المضطربة ثم مرر أصابعه على جفونها يغلقهم وهو يقول بحنان.
= نامي يا بيبة ومتخافيش مش همشي إلا لما تنامي تروحي في سابع نومة.
ثم جلس بجانبها وهو يمرر يده بحنان ورقة على تقاطيع وجهها وهو يعيد رسم ملامحها بأصابعه بإفتتان.
وكل مشاعره تقوده إلى عشقها والإفتتان بها.
في حين أغلقت حبيبة عيونها واستسلمت للنوم بأمان لا تشعر به إلا بجانبه.
في نفس التوقيت، أغلقت عصمت هانم باب غرفة حبيبة بهدوء شديد بعد أن وقفت قليلاً وشاهدت معاملة عمر الرقيقة لحبيبة لتقول بغضب شديد.
= يا بنت الـ*كلب لعبتيها صح وأنا زي الغبية اديتك السلاح اللي طعنتينا بيه.. أكيد انتي اتصلتي بعمر وعرفتيه على المكان اللي مي سهرانة فيه علشان يشوفها وهي سكرانة ويشوفك وانتي عاملة نفسك بطلة وبتنقذيها.. بس لا مبقاش أنا عصمت هانم أنا مش هخليته يرميكي في الشارع اللي انتي جايه منه وعملتك عبرة لكل كـ*لبة تبص لأسيادها.
رواية سيد القمر الأسود الفصل الرابع 4 - بقلم زينب مصطفى
رواية سيد القمر الأسود الفصل الخامس 5 - بقلم زينب مصطفى
رواية سيد القمر الأسود الفصل السادس 6 - بقلم زينب مصطفى
التفت عمر ونظر إلى حبيبة التي تقف صامتة وعلى وجهها ابتسامة مرتعشة وهو يشعر بتخبط في مشاعره، فهو حتى هذه اللحظة ينكر مشاعره الخاصة نحوها ويرفض أن ينصاع لها.
تابعت عصمت بقسوة:
= تقدري تعزمي خطيبك كمان.
سحب عمر يد مي من حول عنقه بعنف وهو يقول بإستنكار:
= خطيبها؟!
ابتسمت عصمت في وجه حبيبة المصدوم:
= إيه ده انت متعرفش أن حبيبة مخطوبة؟ دي مخطوبة لواحد شغال عندك.. اسمه على ما أظن… آه.. اسمه شريف.
ثم نظرت إلى حبيبة بتحدي:
= مش كده يا حبيبة؟
ثم تابعت وهي تتابع بتشفٍّ وجهها الذي شحب دون أن تستطيع الرد:
= أصله اتصل بيكي هنا من شوية وعرف نفسه ليا لما سألته هو مين، وقالي إنه عاوز يكلمك بس للأسف مكنتيش فاضية.
شعرت حبيبة بالدوار يستولي على رأسها وبأن الكلمات تاهت منها، وهي تنظر لجدة عمر التي قالت بدهشة:
= هو إنتي مخطوبة يا حبيبة؟
حبيبة بتلعثم وعقلها يرفض العمل أو إسعافها بالكلام:
= آه.. أقصد.. لأ.
صرخ فيها عمر بغضب عنيف:
= هو إيه اللي آه ولالا؟ ما تردي عدل مخطوبة ولا مش مخطوبة؟
ابتعدت مي عنه بخوف. في حين نظرت عصمت هانم لمي بطرف عينيها وكأنها تأكد على كلامها السابق باهتمام عمر بحبيبة.
ثم قالت بمرح مصطنع:
= خلاص بقى يا عمر متكسفهاش، يمكن مكنتش عاوزة تعرف حد.
نظر عمر بغضب لها نظرة أخرستها، ثم توجه إلى حبيبة وسحبها من ذراعها بعنف وهو يجرها ورائه إلى غرفة المكتب وهو يقول بغضب:
= تعالي معايا.
تابعتهما مي بغضب لتقول بإستنكار:
= هو واخدها ورايح على فين؟ وماله مهتم بخبر خطوبتها أوي كده؟
تراجعت الجدة للخلف براحة في كرسيها الوثير وهي تقول بإبتسامة ماكرة:
= عندك حق.. فعلاً عمري ماشفته غضبان أوي كده.. بس يا ترى ليه؟
أغلق عمر باب المكتب من الداخل وهو يواجه بغضب حبيبة التي وقفت تنظر إليه بإرتباك شديد وهو يقول بحدة:
= الكلام ده حقيقي؟ انتي فعلاً مخطوبة؟
تراجعت حبيبة قليلاً للخلف وعقلها يعمل في كل اتجاه. هل تعلم عصمت هانم بالأسباب الحقيقية لوجودها هنا وتورطها في حادث إصابة عمر؟ أم أنها لا تعلم؟ ولماذا قام شريف بالاتصال بالقصر وإخبارهم بأنها خطيبته؟ وما الذي سيستفيده من ذلك؟
عمر بغضب:
= إيه اتخرستي ليه؟ السؤال صعب أوي كده؟ مخطوبة ولالا؟
انتفضت حبيبة بغضب وهي تتذكر كلمات عصمت المسمومة بموعد خطوبته على مي التي كانت تحتضنه وتقبله:
= حضرتك بتكلمني كده ليه؟ مخطوبة ولا مش مخطوبة؟ حضرتك دخلك إيه؟
اقترب عمر منها بتحذير:
= انطقي يا حبيبة وبلاش تطلعي جناني عليكي.
تراجعت حبيبة للخلف بخوف وهي تحاول إظهار تماسكها:
= جرى إيه يا عمر بيه؟ ما أنا قلتلك قبل كده إني.. إني مخطوبة.
عمر بقسوة:
= كدابة.
حبيبة بإرتباك:
= تقصد إيه؟
عمر بجدية غاضبة:
= إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟ انتي كدابة يا حبيبة.. لو مخطوبة فعلاً إيه اللي خلاكي تكدبي على جدتي وتفهميها إنك قولتي كده علشان كنتي متدايقة من طريقة معاملتي ليكي في أول مقابلة لينا، ولا كنتي بتكدبي عليها؟
ابتلعت حبيبة ريقها وهي تقول بتوتر:
= أنا مكدبتش عليها.. أنا.. أنا..
اقترب عمر منها بعصبية وجذبها إليه من ذراعها بعنف وهو يقول بقسوة:
= هتفضلي تقولي أنا.. أنا كتير.. انتي إيه؟ انطقي!
رفعت حبيبة عينيها إليه وهي تقول بتحدٍ يغذيه نيران الغيرة التي تشتعل بداخلها بعد سماعها بخبر خطوبته الوشيكة:
= أنا مكدبتش على دولت هانم، أنا فعلاً لسه مش مخطوبة.
جذبها عمر بقسوة أقرب إليه وهو يقول بغضب:
= ولما انتي لسه مش مخطوبة الحيوان اللي اسمه شريف بيقول عليكي خطيبته ليه؟
ارتبكت حبيبة وهي تقول بتوتر وتحاول نزع ذراعها من بين يده بدون فائدة:
= هو بيقول كده عشان.. عشان كان.. كان طالبني للجواز ومستني.. ردي عليه.
ترك عمر يدها وتراجع للخلف وهو ينظر إليها بغضب بارد:
= وهو اعتبرك موافقة من غير ما يستنى ردك وعلشان كده قال إنك خطيبته! ليتابع بغضب ساخر= ده كده يبقى متأكد من مشاعرك نحيته ومن موافقتك عليه.
تراجعت حبيبة للخلف قليلاً وهي تقول بتحدٍ وقد استفزتها طريقته الغريبة في الحديث معها:
= أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلم معايا كده ليه كأنك بتحاسبني.. أنا مش فاهمة انت إيه اللي يهمك في إني أكون مخطوبة أو مش مخطوبة، أظن دي حاجة تخصني لوحدي وملهاش علاقة بالشغل!
اقترب عمر منها وهو يقول بغضب:
= بقى كده.. بقى دي حاجة تخصك ومليش دعوة بيها؟ طيب أنا..
إلا أن ارتفاع رنين هاتفه قاطعه، فحاول تجاهله وهو يتابع بغضب:
= انتي لازم تفهمي أن أي حاجة تخصك تبقى تخصني أنا كمان، مفهوم ولا لاء؟
تراجعت حبيبة للخلف وهي تقول بتوتر:
= تخصك إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة!
أقترب عمر منها وهو يقول بتأكيد:
= إيه اللي مش مفهوم في كلامي!! أظن كلامي واضح.. أنا….
ولكن قبل أن يكمل ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى ليتنهد بضيق وهو يجيب بغضب:
= إحنا مش هنخلص.. في إيه يا كامل؟ خمسين اتصال ورا بعض!! مردتش عليك مرة يبقى أكيد مشغول.. في إيه؟ خلصني!
لتضيق عينيه بحدة وهو يستمع إليه وعينيه تتركز على وجه حبيبة بغضب:
= اقفل إنت دلوقتي وأنا هشوف الإيميل حالاً.
وقفت حبيبة تراقبه والخوف والتوتر يسيطرون عليها وهي تراه يطالع الإيميل المرسل إليه على هاتفه بهدوء قاتل، إلا أن توترها تصاعد إلى قمته وهي تراه يغلق عينيه بألم ويده تضغط على الهاتف تكاد أن تحطمه.
فـ اقتربت منه بتوتر ووضعت يدها على ذراعه وهي تقول بتردد:
= عمر بيه.. في حاجة.. انت كويس؟
إلا أنها تفاجئت بيده تدفع يدها بقسوة وغضب وهو يقول بإحتقار:
= إبعدي إيدك.. إيه انتي اتجننتي؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟
تراجعت حبيبة بخوف وإرتباك إلى الخلف وهي تقول بصدمة:
= أنا مقصدش.. أنا.. أناا...
أشار لها عمر بالصمت وهو يتأملها بغضب تحول لبرود غريب وهو يجلس ببرود على إحدى المقاعد ويضع ساق فوق الأخرى وهو يقول بتكبر وقسوة:
= اسمعيني كويس وإفهمي أنا هقولك إيه.. طريقة كلامك وتلميحاتك مش عجباني.. انتي الظاهر معاملتي الكويسة معاكي خلتك تنسي نفسك وتنسي انتي بتتكلمي مع مين!
ثم تابع وهو يتأملها ببرود وقسوة:
= انتي هنا مجرد واحدة شغالة زيك زي كل اللي بيشتغلوا هنا زي الطباخة والسفرجي والجنايني، وكلامي معاكي دلوقتي ومحاسبتي ليكي مش عشان أنا مهتم بيكي زي ما بتقولي.. لأ.. دا عشان انتي كدبتي ومش مرة واحدة لأ مرتين؛ مرة عليا لما قولتي إنك عاوزة تسيبي الشغل علشان مخطوبة، ومرة على جدتي لما قولتي إنك مش مخطوبة وخبيتي عليها موضوع خطوبتك من شريف.. وده مش مسموح عندي.
ثم تابع بقسوة أكبر:
= أي حد بيشتغل عندي لو كدب عليا أي كدبة حتى لو كدبة مالهاش دخل بشغله ومتضرنيش في حاجة أو مالهاش دخل بيا زي ما انتي بتقولي بيتطرد برة وفوراً، ومن غير نقاش، بس قبل ما يتطرد بيتحاسب.. وبشدة على كدبته. أنا مبعترفش باللون الرمادي يا إما أبيض أو أسود وده مبدئي في حياتي، بطبقه من غير تفكير أو رحمة.. عندي اللي يكدب مرة حتى لو في شئ تافهة ممكن يكدب ألف مرة وده بنفيه وبطرده برة دنيتي من غير تفكير.
ثم تابع بقسوة كالثلج أذابت عظامها من شدة الخوف:
= بس برضه بعد ما يتحاسب ومش حساب عادي لأ دا بيتحاسب حساب شديد كمان.
ثم تأملها من فوق إلى أسفل بطريقة مهينة وهو يتابع بإستهزاء:
= فبلاش خيالك يصورلك أوهام انتي مش قدها وإعرفي حجمك كويس وإعرفي إنتي بتتكلمي مع مين!!
رفعت حبيبة رأسها بتحدٍ وقد لمعت عينيها بالدموع المحبوسة من أثر كلماته المهينة لتقول بكبرياء:
= أولاً أحب أطمن حضرتك أنا عارفة حجمي كويس و معنديش أي أوهام أو خيالات تخص أي حد، وعارفة إني أنا بشتغل عند حضرتك زي كل الشغالين اللي في الفيلا ومش محتاجة حد يفكرني بده.
ثانياً أنا مكدبتش لا عليك ولا على دولت هانم، أنا فعلاً لسه متخطبتش وكنت لسه بفكر..
لتتابع بإرتجاف:
= بس أنا فعلاً أخدت القرار وهتخطب لإبن عمي، فـ ياريت توافق على الاستقالة اللي كنت قدمتها قبل كده علشان زي ما قلت لحضرتك قبل كده خطيبي مش موافق على شغلي هنا.
إشتعلت عيون عمر بالغضب ولكنه تلاشى سريعاً وحلت مكانه نظرة غير مفهومة وهو يقف يتأملها ببرود:
= وأنا سبق وقلتلك قبل كده إن طلبك مرفوض.. انتي مضيتي على عقد شغل وهتحترميه.
ثم تابع بسخرية باردة:
= بس لو خطيبك عايزك فعلاً تسيبي الشغل يبقى يطلب ده مني أنا شخصياً.. وساعتها هـافكر و ممكن جداً أوافق.
ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر وهي تفكر برد فعل شريف إن علم بمحاولتها مغادرة الفيلا.
= بس هو.. هو.. يعني ممكن يتحرج علشان.. علشان بيشتغل عند حضرتك في الشركة و ممكن يخاف إنك تزعل منه.
ابتسم عمر بقسوة وهو يتأمل ارتباكها الواضح بسخرية:
= انتي بتقولي إيه!! أنا أزعل من شريف!.. أنتي متعرفيش شريف غالي عندي قد إيه، دا أنا محضرله مكافأة كبيرة على المجهود الخرافي اللي بيبذله في الشغل عندي.
ثم تابع بسخرية وهو يشاهد نظرة عدم التصديق في عينيها:
= دا أنا كمان بجهزه علشان يبقى دراعي اليمين في الشغل وعموماً أنا مقدر حبه وغيرته عليكي وعشان كده بقولك لو عايزة تمشي من هنا أنا مش ممانع بس خطيبك هو اللي يطلب مني ده.
حبيبة بإرتباك:
= بس…….
عمر بحدة:
= مفيش بس ودا آخر كلام عندي في الموضوع ده.
ثم أشار لباب الغرفة:
= اتفضلي على شغلك وأجهزي علشان هنروح بجدتي للمستشفى.
نظرت حبيبة إليه بإرتباك والخوف يسيطر عليها وهي تخرج من الغرفة وتتوجه إلى غرفتها للاستعداد للذهاب بصحبته إلى المشفى.
لتدخل سريعاً إلى غرفتها وتبدأ بارتداء ملابسها وهي تشعر بالارتباك والخوف يسيطرون عليها، فكلماته وطريقة حديثه معها تشعرها بعدم الاطمئنان، فهي متأكدة من أنه لا يثق أبداً في شريف.
فكيف تصدق أنه يعد شريف ليصبح ذراعه اليمين بالشركة وهو قد قام من أقل من شهرين بطرده خارج الشركة بعد أن اكتشف اختلاسه من أموال الشركة.
تنهدت حبيبة وهي تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة بخوف:
= إزاي عارف إنه سرقُه و إنه كان بيخرج وبيسهر مع مي خطيبته وضربه وطَرده برة الشركة، وإزاي دلوقتي بيقول عليه إنه غالي عنده وعاوز يخليه دراعه اليمين في الشركة، الكلام ده ميطمنش واستحالة حد يصدقه.
ثم اتجهت إلى فراشها وجلست على طرفه وعقلها يعمل بكل اتجاه.
= وليه مصمم إن شريف هو اللي يطلب إني أسيب الشغل.. يكون عارف إن شريف هو اللي باعتني أشتغل عنده هنا في الفيلا ولا بيقول كده علشان فاكرني بكدب عليه وبتحجج بشريف وإنه مطلبش مني أسيب الشغل ولا حاجة.
ثم تنهدت بألم ودموعها تسيل بالرغم عنها:
= أنا إيه اللي دخلني في كل ده؟ أنا مش قد أي حد فيهم، لا أنا قد شريف ولا قد عمر.. أعمل إيه يارب!
ثم انتفضت واقفة وركضت باتجاه خزانة ثيابها وأخرجت حقيبة يدها ووضعت بها بطاقتها الشخصية ودفتر التوفير الخاص بها، والذي يحمل القليل من المال وسلسال رفيع من الذهب يعود إلى والدتها الراحلة.
ثم تنهدت وهي ترتدي ثيابها وقد عقدت العزم على المغادرة اليوم وترك الفيلا قبل أن تتعقد الأمور أكثر من ذلك لتسيل دموعها وتغرق وجنتيها وهي تقول بخوف:
= أنا همشي وهسيب القرف ده كله، أنا أعصابي خلاص تعبت ومبقتش متحملة كل حاجة حواليا متلخبطة، حتى مشاعري مبقتش فاهماها.. إزاي بخاف منه وبحس بأمان الدنيا كلها وهو جنبي.. إزاي بحب وجوده حواليا وعنيا مبتقدرش تفارقه وأنا في نفس الوقت بخاف من وجوده وببقى عاوزاه يختفي من قدامي ويختفي من حياتي كلها.. إزاي بعشق تفاصيله كلها "ضحكته، حنانه، قسوته وحتى غضبه" وأنا عارفة إنه استحالة يفكر فيا.. فوقي يا حبيبة انتي فين وهو فين، دا كلها كام يوم ويعلن خطوبته على واحدة من مستواه مش واحدة زيك تربية ملاجئ زي ما بيقولوا عليكي.
ثم حاولت مسح دموعها التي تسيل بالرغم عنها:
= هتستني إيه تاني؟ دا قالهالك في وشك إنك حتة شغالة عنده وحذرك إنك تعيشي نفسك في الأوهام، وده كله وهو ميعرفش إن ليكي يد في المصيبة اللي حصلتله، أومال لو عرف هيعمل فيكي إيه!
لتمسح دموعها بإصرار وقد ارتدت معطفها فوق فستانها المحتشم الطويل وتناولت حقيبتها وقد عقدت العزم على المغادرة اليوم.
لتقول بإصرار:
= دي أحسن فرصة أقدر أمشي فيها من غير ما حد ياخد باله، طول ما أنا هنا مش هقدر أخرج من غير ما هو يعرف. هنتهز فرصة خروجي معاه و إنه هيكون مشغول بجدته وبالاطمئنان عليها وساعتها ههرب وعلى أما يكتشف إني مش موجودة، هكون اختفيت وسافرت أي مكان بعيد عنه وعن الزفت اللي اسمه شريف.
ثم مسحت دموعها جيداً وتوجهت إلى الخارج وهي ترتب خطة هروبها في عقلها وقلبها يرجف من شدة الخوف.
بعد قليل..
جلست حبيبة في المقعد الخلفي من السيارة، وبجانبها جلست دولت هانم وعمر الذي تأملها قليلاً.
ثم قال بهدوء:
= انتي لابسة البالطو التقيل ده ليه في الجو الحر ده!
ارتبكت حبيبة وهي تنظر إلى معطفها الشتوي الذي اشترته في موسم التخفيضات وقد عز عليها أن تتركه مع ملابسها الأخرى التي تركتها خلفها في القصر وهي تدرك أنها لن تستطيع شراء معطف آخر مثله، فقررت ارتدائه فوق ملابسها لتقول بصوت خفيض وهي تتفادى النظر إليه:
= أصلي حاسة إني بردانة، الظاهر داخلة على دور برد.
تأملها عمر قليلاً وهي تخفض رأسها للأسفل وتتفادى النظر إليه ثم قال بتهكم:
= برد.. عموماً إحنا رايحين المستشفى وهناك هخليهم يكشفوا عليكي ويكتبولك علاج.
انتفضت حبيبة وقالت بتسرع خوفاً من ضياع فرصة هروبها:
= لاااا.. أنا كويسة، دول شوية برد ومش مستاهلة إني أكشف.
ربتت دولت هانم على يد حبيبة بحنان:
= ليه يا حبيبتي؟ إحنا كده أو كده هنكون في المستشفى فخلينا نطمن عليكي.
ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر وهي ترفض النظر إليهم:
= أنا الحمد لله كويسة، أخدت حباية وحاسة إني بقيت أحسن.
دولت هانم وهي تتأمل وجه حبيبة الشاحب:
= بس انتي شكلك لسه تعبانة، تحبي نرجعك الفيلا ترتاحي.
حبيبة بلهفة خوفاً من ضياع فرصة الهرب منها:
= لا انا هاجي معاكم، أنا حقيقي بقيت أحسن.
عمر مقاطعاً لها ببرود:
= خلاص كفاية كلام في الموضوع ده، إحنا في الأصل مش رايحين عشانك، إحنا رايحين نطمن على جدتي ومش هنقضي الطريق نتكلم في مواضيع تافهة وملهاش لازمة.
نظرت له حبيبة بغيظ ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى بغضب تمنع دموعها من النزول بصعوبة وهي تتظاهر بالنظر من نافذة السيارة، في حين نظرت دولت هانم لحفيدها بإستغراب وهي تشعر بموجات الغضب التي تحيط بهم لتهمس له بصوت خفيض:
= بالراحة يا عمر، في إيه مش كده؟ هي مقالتش حاجة لكل ده.
تراجع عمر للخلف وأغمض عينيه بتعب وهو يتجاهل النظر إليها أو الرد على حديث جدته له، فهو يشعر بنار تشتعل بداخله لا يستطيع إخمادها بعد سماعه منها عن خبر خطوبتها الوشيكة. يشعر إنه على وشك أن يجن من قوة مشاعره نحوها، مشاعر لم يختبرها أبداً سيطرت عليه بسرعة وقوة وجعلته يفقد السيطرة على أفعاله وتصرفاته.. تصرفات لا تليق به أبداً، أو بمكانته، ولكن لابد أن ينهي كل ذلك مرة وللأبد، فهو يدرك أكثر من أي شخص آخر إنها لا تناسبه ولا تناسب مركزه أو مكانته، ولا يجوز أن يفكر بها أو أن تسكن أفكاره وتسيطر على مشاعره التي تشتعل بمجرد النظر إليها.. إنه حقاً لا يستوعب ما يحدث له، فقد جعلته من مرات معدودة رآها بها يشتاق ويعشق كالمراهقين. يشعر بالسعادة والراحة لمجرد وجودها في محيط تواجده. ما الذي يحدث له؟ هل جن؟ كيف ينجذب رجل بمكانته لفتاة مثلها؟ فتاة حولها أكثر من علامة استفهام وتعمل كمجرد مرافقة لجدته، بينها وبين عالمه ملايين الأميال، ولكن أكثر ما يثير جنونه أنه يدرك جيداً انه ليس مجرد انجذاب بل عشق.. عشق تغلغل بداخله وسيطر على جميع حواسه، عشق يشعره بالحيرة والضعف وهو ما يرفضه نهائياً ولذلك فقد اتخذ قراره... سيسحق مشاعره ويسحق أي شعور قد يساوره تجاهها، فهو عمر الرشيدي الرجل الذي يدب الرعب في قلوب أعتى الرجال بمجرد تواجده في المكان والذي يسيطر على أسواق المال يرفعها ويخفضها بمجرد قرار صغير منه، ولن يسمح بأن يصبح أُلعوبة في يد امرأة مهما كلفه الأمر.
إنتبه عمر على لمسة رقيقة من يد جدته وهي تقول بصوت خفيض:
= عمر.. إحنا خلاص وصلنا المستشفى.
فتح عمر عينيه ثم ابتسم في وجه جدته برقة وهو يتفادى النظر إلى حبيبة:
= طيب يلا ياست الكل علشان نطمن عليكي.
ثم ترجل من السيارة وهو يساعد جدته على النهوض والصعود على الدرج المؤدي إلى داخل المشفى وهو يتجاهل حبيبة التي وقفت في الخلف تراقبهم بألم وهي تدرك أنها قد تكون المرة الأخيرة التي قد تراهم فيها.
ثم همست لنفسها بتشجيع:
= يلا يا حبيبة امشي قبل ما يحس إنك مش موجودة معاهم؛ فتراجعت للخلف بهدوء في محاولة منها للهرب دون أن يشعر بها أحد وهي تراقب عمر وجدته بتوتر حتى اختفوا بداخل الباب المؤدي إلى المشفى وهي ما تزال تقف على بداية الدرج، لتتراجع سريعاً وهي تكاد تجري في محاولة منها للاختفاء سريعاً.
إلا أن السائق الخاص بعمر استوقفها وهو يقول بدهشة:
= هو انتي رايحة فين؟ مش هتدخلي معاهم؟
حبيبة وهي تنظر لباب المشفى بتوتر:
= أنا هروح أشتري حاجة ليا وهرجع قبل ما يخلصوا.
فحاول السائق الحديث إلا أنها تجاهلته وهي تركض إلى الجانب الآخر من الطريق في محاولة منها لإيقاف أي سيارة تقلّها إلى محطة القطار، وهي تقول بصوت مرتفع ومتوتر:
= عمر بيه عارف، أنا واخدة إذن منه متقلقش.
ثم حاولت بتوتر إيقاف عدة سيارات أجرة حتى استجابت لها إحداهن وجلست بداخلها وهي تقول بتوتر:
= محطة القطر بسرعة يا اسطى لو سمحت.
أشار لها السائق بالإيجاب وانطلق بالسيارة وهي تنظر إلى الخلف بخوف حتى تأكدت من ابتعادهم عن المشفى؛ فتنهدت براحة وهي تضم حقيبتها إلى صدرها بتوتر وتمسح دموعها التي تسيل بالرغم عنها وهي تتخيل أنها لن تراه أبداً بعد اليوم.
لتهمس لنفسها بألم ودموعها تسيل بالرغم عنها:
= حتى لو كنت مش هشوفه تاني لازم أحذره من التعابين اللي حواليه وأحكيله على كل حاجة.. لا يمكن أسيبه عايش مغشوش فيهم.
ثم تابعت بإرتجاف:
= هقوله.. هقوله على كل حاجة.. بس أوصل لمكان بعيد محدش يقدر يوصلي فيه.
إلا أنها استفاقت من خيالاتها على صوت مكابح السيارة التي تحملها تتوقف فجأة بعد اعتراض سيارة أخرى لها أجبرتها على التوقف وسط صراخ السائق وسبابه....
رواية سيد القمر الأسود الفصل السابع 7 - بقلم زينب مصطفى
رواية سيد القمر الأسود الفصل الثامن 8 - بقلم زينب مصطفى
جلس عمر في الغرفة الخاصة بمدير المشفى الذي قامت جدته بإجراء التحاليل والأشعة به يطمئن من الطبيب الخاص بها على حالتها الصحية.
عمر بقلق: أنا محتاج أطمن على جدتي الأزمة اللي جاتلها إمبارح دي ممكن تتكرر تاني لو كده أنا هاخدها على فرنسا وأدخلها مصحة علاجية هناك، فلو إنت شايف إن في أي خطر على صحتها أنا هسافر بيها على طول.
الطبيب بإحترام وهو يشير للأشعة الخاصة بجدة عمر: لا مفيش أي داعي للسفر، والأزمة اللي جاتلها إمبارح دي أزمة ربو عادية ممكن تيجي من أي تهيُّج للجهاز التنفسي، وبمجرد ما تستخدم البخاخ الأزمة بتنهتي من غير مضاعفات والحمد لله زي ما توقعت دولت هانم حالتها مستقرة.
كل الفحوصات اللي إحنا عملناها ليها بتقول إن صحتها كويسة جداً بالنسبة لِسنها.
عمر بقلق: يعني حالتها كويسة ومفيش داعي أقلق!
الطبيب بإبتسامة مُطمئنة: متقلقش يا عمر بيه لو فيه أي خطر على صحتها أنا كنت هعرفك على طول وأهم حاجة إن مع العلاج اللي بتاخده حالة قلبها مستقرة، وزي ما قلتلك قبل كده أهم حاجة الإنتظام في العلاج و توفير الراحة النفسية، وعدم الإنفعال وإبعادها عن أي ضغوط أو أخبار مش كويسة؛ فده هيخلي حالتها مستقرة ويبعدها عن أي خطر ممكن يتسبب في تدهور حالتها.
عمر بجدية وهو ينهض مغادر اً: شكراً يا دكتور وإن شاء الله هنفذ كل تعليماتك.
ليتابع بجدية: أنا مفيش حد أغلى عندي منها و هنفذ أي حاجة تحافظ عليها وعلى صحتها.
الطبيب بإحترام: وده إللي أنا متأكد منه يا فندم والمستشفى كلها تحت أمرك وأمر دولت هانم في أي وقت.
بعد قليل..
جلست حبيبة صامتة بغضب تنظر من نافذة السيارة، تندب حظها على فشل خطتها بالهروب وتحاول التخطيط مجدداً لمحاولة جديدة وخصوصاً بعد الذي فعله عمر معها، ليتملكها شعور بالعار وهي تفكر بألم ما الذي يظنه بها حتى يفعل بها ما فعله هل يظنها فتاة رخيصة سهلة تسمح لأي شخصاً كان أن يلهو بجسدها ومشاعرها.
فهي بالتأكيد بالنسبة له لعبة يلهو بها قليلاً وسيتركها عندما يمل منها.
في حين جلس عمر بجانب جدته يمازحها بمرح وعينيه لا تفارق وجه حبيبة الغاضب.
دولت هانم برجاء: عمر ماتودينا البلد نقضي بقية اليوم هناك نفسي أشوف زرع وخضرة وكمان أشوف ناسنا الطيبين اللي هناك دول وحشوني أوي.
رفع عمر يد جدته وقبلها بحنان وهو يقول بمرح: إنتي تؤمريني يا دولي هانم خلاص نروح البلد ونقعد لحد ماتزهقي كمان و أهو نغير جو.
ثم ابتسم بمرح وهو يراقب وجه حبيبة العابس: وأهو نغير جو ونريح أعصابنا أصل أنا حاسس إنها مشدودة على الآخر.
ثم وجَّه حديثه للسائق: إطلع بينا على البلد يا عم توفيق.
أطاع السائق الأمر وتوجه إلى قصر الرشيدي الريفي وهو يقول بإحترام: أمرك يا عمر بيه.
بعد مرور ساعة
وقفت حبيبة بداخل غرفة دولت هانم تساعدها على الإستلقاء في الفراش للحصول على قسط من الراحة بعد رحلة السفر الشاقة عليها.
دولت هانم براحة: بذمتك مش هنا أحسن من القصر اللي في القاهرة مليون مرة.
رسمت حبيبة على وجهها إبتسامة مجاملة وهي تحكم الغطاء جيداً على دولت هانم: آه فعلاً المكان هنا جميل أوي.
ربتت دولت على يد حبيبة وهي تبتسم بحنان: ولسه لما تتفرجي عليه كويس هتحبيه زيي وأكتر كمان، ثم تابعت بحنان: يلا يا حبيبتي روحي خليهم يحضرولك الغدا إنتي وعمر إنتوا مكلتوش حاجة من الصبح.
عقدت حبيبة حاجبيها برفض إلا أنها أجابت بهدوء: طيب حضرتك مش هتتغدي تحبي أجيبلك الغدا هنا.
دولت هانم برقة: لا أنا إتغديت في المستشفى علشان في تحاليل مكنش ينفع أعملها إلا بعد ما أكون أكلت.
ثم تابعت وهي تغلق عينيها بتعب: روحي إنتي إتغدي وإتفرجي على القصر و أبقي قوليلي رأيك إيه!
ابتسمت حبيبة برقة وهي تغلق ضوء الغرفو مغادرة: حاضر.. هسيبك أنا عشان ترتاحي.
أغلقت دولت عينيها واستسلمت للنوم.
في حين خرجت حبيبة و أغلقت الباب خلفها بهدوء.
ثم توجهت للأسفل وهي تشعر بالتوتر خوفاً من مقابلة عمر، إلا أنها سرعان ما شعرت بالإرتياح عندما أدركت أنها تتواجد بمفردها في المكان.
تجولت حبيبة بداخل القصر ووقفت تتأمل بإعجاب القصر الريفي الرائع الذي يحيط به من كل إتجاه.
الأشجار والزهور رائعة الجمال والممتدة على مرمى البصر والتي أشعرتها أن لا نهاية لها خصوصاً أنها متداخلة مع حدائق الفاكهة الغنَّاء والتي تمتد لمئات من الأفدنة.
حبيبة وهي تنظر للحديقة بإنبهار: الله… المكان هنا مريح وجميل أوي.
ثم نظرت حولها بتردد وهي تقرر التجول في الحديقة وإستكشافها: أكيد عمر بيرتاح في أوضته هو كمان ودي أحسن فرصة أتفرج فيها على المكان قبل ما يصحوا من النوم.
مرت أكثر من نصف ساعة وهي تتوغل بداخل الحديقة تتأملها بإعجاب شديد حتى وصلت إلى صفوف من أشجار المانجو الشهية.
فابتسمت بمرح وهي تحاول القفز عالياً لإلتقاط ثمرة من ثمار شجرة المانجو التي تعشقها بشدة إلا أنها فشلت، فحاولت مرة تلو الأخرى لتقف مُتنهدة بفشل: يووووه خلاص مش عايزة دا انتي مانجاية بايخة.
صرخت حبيبة متفاجئة بخوف وهي تشعر بذراع قوية تلتف حول خصرها وترفعها بسرعة إلى الأعلى، لتجد نفسها فجأة تجلس فوق صهوة جواد ينطلق بسرعة شديدة وظهرها يلتصق بصدر قوي جامد كالصخر.
ليتملكها الغضب وهي تستمع لعمر الذي همس بمرح في أذنها وهو يلف يده حول خصرها يثبتها إلى جسده حتى لا تقع من فوق الجواد وبيده الأخرى يلتقط ثمرة مانجو طازجة من أحد الأشجار ويضعها بيدها: ولا يهمك ياستي وأدي أحلى مانجاية لأحلى بيبة المهم متبقاش زعلانة مني ولا زعلانة من المانجاية الغلبانة.
حاولت حبيبة فك يده من حول خصرها وهي تقول بغضب: لو سمحت شيل إيدك من عليا ووقف الحصان ونزلني.. ميصحش كده يا عمر بيه.
ابتسم عمر بخبث وهو يفك يده من حول خصرها: بس كده حاضر.. وأدي إديا شلتها.
صرخت حبيبة بخوف بعد أن إبتعدت يده التي كانت تدعمها وتثبتها فوق الجواد الذي إنطلق بسرعة شديدة جداً، فتمايلت بشدة وكادت أن تسقط من فوق الجواد فالتفتت إليه بسرعة وتمسكت به من خصره وهي تدفن وجهها برعب بداخل صدره وهي تصرخ بتهديد وسط ضحكات عمر المرحة: وقف الحصان ونزلني أحسنلك.
فتفاجئت به يمرر يده حول خصرها ويعدل من جلستها ويضمها أكثر إليه وهو يهمس في أذنها برقة: بطلي صريخ وإتفرجي على الجمال اللي حواليكي.. إسترخي.
نظرت حبيبة حولها بدهشة شديدة فحولها وعلى الجانبين يوجد صفين وارفين ومتقابلين من أشجار ثمار الفاكهة المختلفة تتقابل أوراقهم الوارفة من الجانبين فيشكلون ممر بارد و رائع ذو حاجز طبيعي ضد الشمس وتظهر الثمار فوق الأشجار وكأنها حبات من الجواهر مختلفة الألوان والأشكال وتحيط بهم أزهار رائعة الجمال تعلوها الكثير من الفراشات الزاهية الألوان.
والأرض مكسوة بعشب أخضر زاهي، في حين تترقرق المياة في جدول صغير يمر ما بين الأشجار.
حبيبة بدهشة وإعجاب: مش معقول الجمال ده.. ده حتة من الجنة.
ضم عمر ظهرها أكثر إليه وهو يريح ذقنه على كتفها ويهمس في أذنها بحنان: أنا مبسوط إنه عاجبك؛ لأن ده أكتر مكان أنا برتاح فيه.. وكنت عاوزك تشوفيه معايا.
إرتجفت حبيبة بتأثر إلا أنها أجابت بصوت حاولت أن تصبغه بالغضب وهي تحاول الإبتعاد عنه فخرج صوتها مرتعشاً ومتقطعاً بالرغم عنها: عمر بيه.. مينفعش كده.. تصرفاتك معايا.. غلط.. أنا مش كده.
ابتسم عمر وترجل عن الجواد ثم لف يده حول خصرها و ساعدها على النزول لتتلقفها ذراعيه ويرفعها عليهم دون أن ينزلها أرضاً وهو يتجاهل صراخها إحتجاجها الغاضب.
حبيبة بغضب: ممكن تنزلني.. مينفعش كده.. أفرض حد شافنا هيقول عليا إيه!
عمر بمرح: المكان ده خاص بيا ومفيش حد يقدر يقرب منه طول ما أنا هنا إلا بإذني.
تلفتت حبيبة حولها بخوف وهو ما يزال يحملها: يا نهار أسود يعني إحنا هنا لوحدنا خالص!
عمر بجدية: لأ طبعاً انتي اتجننتي لوحدنا إزاي يعني!!
تنهدت حبيبة بإرتياح: آه أنا قلت كده برضه.. طيب ممكن تنزلني بقى بدل ما حد يشوفنا وإنت شايلني كده.
توجه عمر إلى إحدى الاشجار المفروش تحتها سجادة قطنية و صندوق خاص بحفظ الطعام ثم وضعها أرضاً وهو يقول بمرح: متخافيش يا بيبة العصافير والفراشات مبيفتنوش على حد.
عقدت حبيبة حاجبيها بعدم فهم وهي تراقبه يجلس بجانبها ويسند ظهره إلى الشجرة العملاقة التي يجلسون تحت ظلالها: فراشات وعصافير إيه أنا مش فاهمة حاجة.
ثم شهقت وعينيها تتسع بصدمة: إنت تقصد.. إن.. إن العصافير والفراشات هما بس اللي موجودين معانا يعني مفيش ناس موجودين معانا هنا!
ثم هبت واقفة وهي تتلفت حولها بإرتباك: أنا.. أنا همشي من هنا.
لتشعر فجأة بيد عمر تجذبها للأسفل فتقع جالسة على ساقيه وتشعر بيديه تلتف من حولها وكأنه يكبلها وبيده الأخرى ترفع وجهها الخائف إليه وهو يهمس فوق شفتيها بحنان: ناكل الأول ولا نعمل حاجة تانية!
ابتلعت حبيبة ريقها بخوف: ها… لا ناكل.. ناكل.. أنا حاسه إني جعانة أوي.
مال عمر أكثر إليها وقبلها فوق شفتيها برقة وهو يهمس فوق شفتيها و يبتسم بحنان: كده.. طب أفتحي شفايفك الحلوة دي.
ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر شديد وزادت قوة ضربات قلبها حتى شعرت به كأنه سيقذف خارج صدرها وهي تقول بدهشة: إيه!
فتفاجئت به يضع قطعة من الطعام بداخل فمها وهو يعدل من جلوسها فوق ساقيه ويقبلها بحنان من وجنتها وهو يقول بحنان: بقول أفتحي شفايفك الحلوة دي علشان اعرف أئكلك.
حاولت حبيبة الإبتعاد عنه وهي تقول بإرتباك وعينيها تمتلئ بالدموع: عمر بيه اللي بيحصل ده مينفعش إنت بتتعامل معايا كأني.. كأني..
ثم صمتت بتعب.
رفع عمر وجهها إليه وهو يقول بجدية: حبيبة.. مفيش داعي لخوفك وتوترك ده أنا عمري ما هأزيكي متخافيش مني، كل الموضوع إني حابب إنك تشاركيني مكان أنا بحبه أوي.. ويا ستي متخافيش إحنا هنتغدى وأفرجك على المكان وبعدين هنمشي على طول.
ثم أضاف بمرح: يلا بقى إفردي وشك و وريني الإبتسامة الحلوة.. ولا مش عوزاني آكل معاكي!
حبيبه بإرتباك: طيب ممكن تخليني أقعد جنبك هنا بلاش يعني أقعد بالشكل ده.
ابتسم عمر وهو يقول بمرح: قصدك يعني أنزلك من حضني!
اشتعل وجه حبيبة بخجل وهي تقول بإرتباك: آه.
ضمها عمر أكثر إليه وهو يضع برقة قطعة طعام في فمها: لاء.
حبيبة بدهشة: إيه!!
عمر وهو يتابع إطعامها بحنان: اللي سمعتيه لاء.. وكلي أحسنلك.. إلا بقى لو كنتي تحبي إننا نسيب الأكل و نعمل حاجة تانية.
حبيبة بإرتباك: ها.. لا خلاص هاكل.. هاكل أهوه.
ابتسم عمر وهو يقبل وجنتها الساخنة بمرح: شاطورة يا بيبة وبتسمعي الكلام.. يلا دوقي دي كده.
ليمر الوقت عليهم ما بين تناولهم الطعام و بين حديثه الشيق معها عن بعض مغامراته وسفراته العديدة.
حبيبة بدهشة: ياه كل دي أماكن إنت روحتها.. أنا مش متخيلة إن في أماكن زي دي في الدنيا.
ضمها عمر بحنان أكثر إليه وهو يريح رأسها فوق صدره و يقول بجدية: وإنتي.. إحكيلي عنك!
ارتبكت حبيبة وحاولت الإبتعاد إلا أن يديه أشتدت حولها تثبتها أكثر إلى أحضانه.. وهي تجيب بصوت خفيض متردد: مفيش حاجه أحكيها.. أنا حياتي أقل من عادية.
مرر عمر أصابعه بحنان بداخل خصلات شعرها الناعمة وهو يقول بإهتمام: بس أنا عاوز أعرف عنك كل حاجة مثلاً والدك ووالدتك فين!
إنسابت الدموع من عين حبيبة وهي تقول بألم: ماتوا.. ماتوا من وأنا لسه صغيرة كان عندي لسه سبع سنين.
مسح عمر دموعها بحنان وهو يشجعها على المتابعة: ياه إنتي كنتي لسه صغيرة أوي أكيد كانت صدمة كبيرة عليكي.
ثم تابع بإهتمام: طيب اللي عيشتي معاهم معاملتهم معاكي كانت كويسة.. هزت حبيبة رأسها بتعب تحاول المرواغة فهي ترفض إخباره بأنها تربت تربية قاسية بداخل أحد الملاجئ الموحشة: آه معاملتهم كانت كويسة أوي وزي ما إنت شايف كبرت وأتعلمت وأشتغلت وبس.
إشتدت يد عمر حولها بتملك وهو يقول بغيرة لم يستطع السيطرة عليها: وشريف.. أظن إنه ابن عمك مش كده!
حبيبة بتوتر: آه ابن عمي وكنت بعتبره زي أخويا.
ضيق عمر مابين عينيه وهو يقول بتساؤل: يعني إيه كنتي بتعتبريه زي أخوكي؟
حبيبة بإرتباك وقد إنتبهت لزلتها: أقصد يعني إنه دلوقتي طالبني للجواز ومينفعش أفضل أعتبره زي أخويا.
عمر بهدوء: بس… أقصد.. هو ده كل اللي بيجمعك بشريف!
شحب وجه حبيبة وهي تقول بخوف: آه.. أومال هيجمعني بيه إيه تاني!
رفعها عمر بهدوء من فوق ساقيه ووقف بجانبها وهو يلف يده حول خصرها وهو يبتسم و قد تجاهل إجابتها: تعالي أفرجك على المكان.
لتمر عليها بضع دقائق وهي تشعر بالإرتباك الذي سرعان ما تبدد من معاملة عمر الحانية معها وهو يريها جنته الصغيرة.
إرتفعت ضحكات حبيبة بمرح وعمر يرفعها من خصرها حتى تقطف إحدى ثمار المانجو الشهية ثم أنزلها وهي تصرخ بطفولية مبهجة: أخيراً.. أخيراً قدرت أقطفها.
ثم مطت شفتيها وهي تتأمل ثمرة المانجو الشهية بأسف: بس للأسف مش هقدر أكلك.
عمر بدهشة: ومش هتعرفي تكليها ليه!
صطبغت وجنت حبيبة باللون الأحمر وهي تقول بإحراج: أصل بصراحة مفيش مرة كلت مانجة إلا ما بهدلت وشي وهدومي وكل الدنيا من حوليا.
إرتفعت ضحكات عمر وهو يقول بحنان: طيب تعالي.
ثم قادها إلى الجدول الصغير الذي يشق حديقته، وجلس بجانب صخرة عالية، ثم جذبها وأجلسها مرة أخرى فوق ساقيه وهو يقول بحنان: تعالي أنا هأكلك بأديا علشان متبهدليش نفسك.
حبيبة بخجل: لا خلاص مش مهم يعني.
رفع عمر شعرها خلف أذنها برقة: وده معقول برضه بيبة يبقى نفسها في حاجة ومنعملهاش!
ثم أضاف بحنان: إفتحي الشفايف الحلوة دي يلا..
ثم بدأ في إطعامها من ثمار المانجو وهو يضحك على طريقتها الطفولية في تناولها.
إبتسمت حبيبة بحرج وهي تشير إلى وجهها: شايف حتى بعد ما أكلتني وشي برضه أتملى عصير.
مرر عمر أصابعه بإفتتان عاشق فوق شفتيها وهو يقول بحنان: ولا يهمك المهم تكوني مبسوطة، وإن كان على العصير ده أنا هشيلهولك خالص.
ثم مرر شفتيه برقة على قطرات العصير الصغيرة الموجودة على وجهها كأنه يتذوقها بتلذذ شديد حتى وصل إلى شفتيها يـ*ـقبلهم قُــ*ـبل صغيرة مُتمهلة حتى إستجابت له وأنفر*ـجت شفتيها دون إرادتها، ليلـ*ـتهم شفتيها بلهفة شديدة وهو يتذوق شهد شفتيها بتمهل وشغف شديد.. في قُـ*ـبلة عاصفة إمتدت بهم لكثير من الوقت.
بعد مرور أسبوع…
وقفت حبيبة في غرفتها تعدل من وضع حجابها وهي تتأمل وجهها الذي ينبض بالحياة بسبب معاملة عمر الأكثر من رائعة معها وهي تشجع نفسها بقلق: النهاردة هقوله على كل حاجة شريف واللي عمله والحادثة ودوري فيها، والملجأ اللي إتربيت فيه مش هخبي عليه حاجة.
ثم مسحت دموعها التي تسيل بالرغم عنها: أنا بحبه أوي ومش هينفع أسيبه مخدوع فيا وفي اللي حواليه أكتر من كده.
ثم مسحت دموعها وهي تقول بتصميم: حتى لو كان التمن إنه ينتقم مني أو يسجني أو حتى يرميني برة حياته، برضه هقوله، ومش هستنى لما شريف ولا مي يحاولوا يأذوه من تاني لازم أحذره.
ثم وضعت يدها على قلبها الذي تتسارع دقاته بخوف وهي تقول بألم: يارب يكون إحساسي صح ويكون بيحبني زي ما بحبه ويقدر يسامحني.
ثم توجهت للأسفل وهي تشجع نفسها وعقلها يسترجع بأمل كل تصرفاته الحانية والرقيقة معها ومعاملته المميزة لها؛ فهو يعاملها كالأميرات، جعلها تعيش قصة خيالية خاصة بها، جعلتها تذوب فيه حباً وعشقاً.
دخلت حبيبة إلى بهو القصر لتجد دولت هانم تجلس على إحدى الأرائك وهي تتحدث بغضب في الهاتف إلى إحدى صديقاتها ثم أغلقته وهي تقول بحنق أثار دهشة حبيبة: عمر فين!
حبيبة بإرتباك: مش عارفة أنا لسه نازلة من فوق ومشفتوش خالص النهاردة.
ليرتفع صوت عمر وهو يقول بمرح: أنا هنا أهو يا ست الكل، كنتي عيزاني في حاجة!
الجدة وهي تغادر بغضب: لا مش عاوزة منك حاجة يا عريس بس ياريت متنساش تعزمني في فرحك ما أنا خلاص بقيت آخر من يعلم.
ثم غادرت المكان بغضب.
شحب وجه حبيبة بشدة وهي تقول بعدم تصديق: فرح… فرح إيه اللي دولت هانم بتتكلم عنه!
عمر بهدوء وهو يتأمل ملامحها الشاحبة: قصدها خطوبتي أنا ومي، أصل خلاص أنا حددت ميعاد خطوبتي يوم الجمعة الجاي بس مقولتش ليها وعشان كده هي زعلانة.
حبيبة بذهول: خطوبتك الجمعة الجاية.. طب إزاي!
عمر ببرود: إزاي إيه.. مش فاهم!
حبيبة بذهول وغضب من ردة فعله الباردة: أفهمك.. لما إنت ناوي تخطب بنت خالتك كنت بتتصرف معايا كده ليه وكأنك.. وكأنك..
عمر مقاطعاً بسخرية قاسية: وكأني إيه!.. بحبك مثلاً آه ويمكن خيالك كمان صورلك إني ممكن أنزل من مستوايا و أتجوزك.
بهتت حبيبة وهي تستمع إليه يواصل بتكبر وقسوة شديدة: جرى إيه يا حبيبة فوقي.. إنتي ناسية أنا مين وإنتي بتشتغلي عندي إيه، تفتكري واحدة زيك ممكن أفكر إني أحبها أو أتجوزها، إيه خلاص إتجننتي!!
شعرت حبيبة بالدوار يستولي على رأسها وهي تقول بألم: ولما انا مش من مستواك كنت بتعمل معايا كل الي عملته ده ليه!
عمر وهو يتأملها ببرود: بتسلى.. طبق تسالي رخيص قدامي نفسي راحت ليه، فـدُقت منه حبيتين عادي يعني.
ثم تابع بقسوة وسخرية شديدة: إحمدي ربنا إني كنت عاقل ومكلتوش كله وإنتي طبعاً عارفة إني كنت أقدر وبسهولة كمان..
ثم مط شفتيه وهو يتأملها من أسفل إلى أعلى بإستخفاف: بس للأسف الطعم معجبنيش وده بس اللي منعني أكمل للآخر.
ثم تابع وهو يشير لها إستعلاء وإهانة: يلا يا حبيبة روحي شوفي شغلك وبلاش أوهام فارغة، الموضوع كله كام بو*سه على كام حـ*ـضن يعني مش مستاهلة كل الدراما اللي إنتي عملاها.
ثم تابع وهو يستعد للمغادرة: أنا طالع لجدتي وإنتي إجهزي علشان هنرجع القاهرة النهاردة.
بعد مرور يومين..
وقفت حبيبة بداخل شرفة غرفتها التي تطل على الحديقة الخلفية للقصر، تتأمل الحفل الفخم المقام في حديقة القصر بمناسبة إعلان خطوبة عمر ومي؛ فأغلقت عينيها بألم وهي تتراجع بوجع إلى الخلف وتنساب دموعها بصمت على وجنتيها ثم إستلقت على الفراش وهي تحتضن نفسها بألم و تنهار في نوبة بكاء قوية وقد إنهارت كل محاولتها للمقاومة.
شعور بالغضب والإختناق يستولي عليها وكأن الهواء ينفذ من رئتيها، وعقلها يعيد عليها كل الذكريات السيئة التي مرت عليها في سنين عمرها القليلة، وفاة والديها.. قسوة زوجة عمها وإصرارها على طردها من منزلها وهي مازالت طفله صغيرة، دخولها الملجأ والمعاملة القاسية التي تلقتها بهِ، تحرشات أصحاب العمل بها، وتحكمات مالكة المنزل الذي تقيم فيه، وتهديدها الدائم بالطرد شعورها الدائم بالخوف و عدم الامان، وأخيراً ما فعله بها شريف الذي ورطها في جريمة قد تتسبب على أقل تقدير في دخولها السجن، وبسببها دخلت عنوة إلى دائرة حياة عمر الرشيدي، وشعورها الدائم بالخوف من معرفته حقيقة ما فعلته به.
ولكن كل ذلك كان بمقدورها التعايش معه ومقاومته، ولكن ما فعله بها عمر من إهانة قاسية، وسحق لقلبها ومشاعرها التي كان يلهو بها بإستخفاف وقسوة و مقاومتها الصراع المخيف الدائر بداخلها بين عقلها وقلبها؛ فعقلها دائم التفكير بالهرب والإختفاء بحثاً عن الأمان، وقلبها الخائن يرفض المغادرة والإبتعاد عن عمر حتى بعد تصرفاته الأخيرة معها.
لتشهق بقوة وهي تضغط وجهها بالوسادة وهي تقول بألم: يا ريتني ما كنت شفته ولا عرفته، أنا حاسة إن قلبي هيقف من شدة الوجع.
ثم جلست بوهن وهي تهز رأسها بحيرة ودموعها تتساقط بغزارة على وجهها: أنا مبقتش فاهمة حاجة.. ليه ده كله يجرالي دا أنا عمري ما أذيت حد، ليه كل حد أحبه أو أطمنله يجرحني ويستغلني بالشكل ده ليه عمل معايا كده، وإزاي هقدر أشوفه مع واحدة غيري.
ثم وقفت بغضب: وأنا إيه اللي يصبرني على كل ده، أنا هتصل بشريف وزي ما جابني هنا.. يخرجني.
ثم تناولت هاتفها بغضب وقامت بالإتصال بشريف وهي تمسح عيونها بيديها بتحدي: رد ياشريف.. رد.
أجاب شريف بمرح: حبيبة.. بتتصل بيا بنفسها.. أنا بحلم و لا إيه!
حبيبة بغضب: إسمع ياشريف لو مخرجتنيش من هنا حالاً هروح أقول لعمر على كل حاجه يسجني.. يقتلني يعمل اللي هوه عايزه، المهم أخلص من العذاب اللي أنا فيه ده.
شريف بغضب: جرى إيه يا حبيبة إنتي إتجننتي ولا إيه.. إهدي كده وبلاش تهدِّي كل اللي أنا عملته.
صرخت حبيبة بهسترية وصوت الموسيقى الذي يصل إليها من الحفل المقام بالحديقة يزيد من إهتياجها: أنا عايزة أخرج من هنا وإلا هعملك فضيحة، أنا بتكلم بجد، لو مجتش وخرجتني من هنا حالاً؛ هروح أقول لعمر على كل حاجه.
شريف بتوتر وهو يستشعر جديتها: طيب خلاص إهدي أنا أصلاً خمس دقايق وهكون عندك في الحفلة، وهعملك كل اللي إنتي عيزاه، بس متتهوريش وتعملي حاجة تندمي عليها.
نهضت حبيبة عن الفراش وهي تقول بتعب: خلاص أنا هلم هدومي وهلبس و هستناك، وإنت تيجي و تقولهم إننا خلاص هنتجوز، وإنك مش عايزني أشتغل هنا تاني وتاخدني معاك.
شريف بمهادنة: ماتراجعي نفسك يا حبيبة وجودك في الفيلا مهم و….
إلا أنه تفاجأ بها تغلق الهاتف في وجهه دون أن تستمع إلى باقي حديثه.
لينظر شريف إلى الهاتف وهو يقول بغضب: البت شكلها إتجننت وهتودينا في داهية.
ثم أضاف وهو يتصل بالهاتف مرة أخرى وهو يقول بتفكير: بس برضه مقدرش أخرجها من هناك إلا لو الباشا وافق الأول.
إنتظر قليلاً حتى أجابه من على الطرف الآخر من الهاتف.
شريف بإحترام: صادق باشا كان فيه حاجة لازم حضرتك تعرفها علشان تقولي أتصرف إزاي!
صادق بجدية: قول ياشريف بس بسرعة.
ثم ابتسم بسخرية وهو يضيف: ورايا حفلة ة عايز أحضرها.
شريف بجدية: حبيبة البنت اللي كنت حكيتلك عنها واللي أنا شغلتها عند عمر الرشيدي عايزة تسيب الشغل وبتهدد إنها لو ممشيتش هتقوله على كل حاجة.
صرخ صادق بغضب: إنت بتقول إيه ياغبي تصدق إنك كل يوم بتندمني أكتر إني دخلتك في العملية دي.. مش كفاية إنك بوظت كل اللي خططت له، وعمر الرشيدي لسه عايش.. لا كمان بتبلغني بكل برود إن البت اللي إنت دخلتها في خطتي من غير ما أنا أعرف بتهددك إنها هتعرف الرشيدي على كل حاجة.
ثم أضاف بغضب شديد: البت دي تخرج من الفيلا النهاردة وتخلص عليها من غير ما حد يحس وتقفل قصتها خالص وإلا أنا اللي هخلص عليك وأرتاح من غبائك..
ثم أضاف بقوة: دي آخر فرةه ليك حياتك قدام حياتها.. مفهوم!!
إبتلع شريف ريقه وهو يقول بخوف: مفهوم يا باشا مفهوم.
أغلق شريف الهاتف بتوتر بعد أن أغلق صادق الهاتف بوجهه وهو يقول بغضب: أنا إديتك فرصة بس إنتي اللي صممتي تكتبي نهايتك بإيدك.
ثم أضاف بتهكم: الله يرحمك يا حبيبة كنتي حبيبة طيبة.
ثم تعالت ضحكاته وهو يتأمل السلاح الناري الخاص به.
رواية سيد القمر الأسود الفصل التاسع 9 - بقلم زينب مصطفى
إرتدت حبيبة ملابسها على عجل ، بعد أن قامت بتجهيز حقيبة ملابسها ولملمت أشيائها القليلة ، ثم جلست بتوتر على حافة فراشها تنظر بقلق وترقب إلى ساعة يدها التي قاربت على العاشرة مساءً ..
لتُسارع بالرد على هاتفها بعد أن أرتفع صوت رنينه فجأة …
حبيبة بلهفة :
= أيوة يا شريف إنت فين أنا خلاص جهزت.
شريف بصوت هادئ :
=أنا تحت في الجنينة هاتي شنطة هدومك وقابليني في الجنينة.
هبت حبيبة واقفة وهي تحمل حقيبتها وتقول بلهفة:
=إستناني دقايق وهكون عندك.
ثم أغلقت هاتفها وهي تنظر للمكان من حولها بألم تودعه بعينيها ، وقد منعت نفسها بحزم من البكاء وهي تهمس لنفسها بتشجيع :
=هو ده الصح أنا مش لازم أضعف كفاية أوي لحد كده.
ثم أغلقت الباب من خلفها وهي تمسح دموعها بحزم.
خرجت حبيبة إلى الحديقة التي يقام بها الحفل وعينيها تبحث بلهفة عن شريف وهي تحرص ألا تقع عينيها على عمر أو مي أو على أي من مظاهر الإحتفال البازخة التي تملئ المكان.
لتجد شريف يقف بعيداً ينتظرها بهدوء وهو ينظر إلى الإتجاه الآخر دون أن ينتبه إلى وجودها.
أشارت حبيبة له بيدها بلهفة وتوجهت إليه بسرعة وهي ما تزال تحمل حقيبتها .
حبيبة بتوتر :
= شريف ..
إلتفت شريف إليها وابتسم بخبث وهو يلف يده حول خصرها :
=حبيبة حبي أنا ، إيه خلاص جهزتي!
حاولت حبيبة سحب يده من حول خصرها وهي تهمس له بتوتر :
=شيل إيدك .. إنت إتجننت ولا إيه!
مال شريف على أذنها يهمس لها :
=إهدي كده و إفردي وشك وبلاش تخليهم يشكوا فينا ، المفروض إننا مخطوبين وهنكتب كتابنا وهنتجوز بكرة.
عقدت حبيبة حاجبيها برفض و أجابت بغضب وهي تفك يده بعنف من حول خصرها :
=مخطوبين ولا مش مخطوبين ... شيل إيدك من عليا ومتلمسنيش تاني بدل ما أعملك فضيحة هنا.
نزع شريف يده من عليها وهو يتلفت حوله بتوتر
= لا و على إيه تعمليلي فضيحة .. مش مستاهلة .. وأدي إيدي بعيد عنك أهو ولا تزعلي.
حاولت حبيبة التحكم بغضبها وهي تقول بتوتر :
=المهم قابلت عمر وقلتله إنك هتاخدني معاك!
شريف بإستخفاف هو يتلفت حوله يراقب مظاهر الثروة والبذخ المنتشر حوله بحسد وحقد :
=لاء لسه .. وعموماً هو هيعترض ليه ! إنتي هتمشي هيجيب اللي أحسن منك.
ثم تابع بحدة:
= ألف واحدة تتمنى الشغلانة دي بس إنتي اللي فقر.
إبتلعت حبيبة ريقها بألم وهي تخفض رأسها تمنع عنه رؤية الدموع التي تكاد أن تسيل من عينيها.
حبيبة بتعب :
=فقر .. فقر المهم امشي من هنا ، و يلا روح قوله إنك هتاخدني معاك وخلصني.
ثم أضافت بإختناق :
=أنا خلاص مبقتش طايقة أقعد هنا.
نظر شريف لها بتهكم وهو يهمس لنفسه بسخرية :
=الإنسان ده غريب .. مستعجلة أوي على قضاها ..
حبيبة بضيق وقد شعرت أن مظاهر الإحتفال من حولها تزيد من شدة إختناقها :
=إنت بتقول إيه .. علِّي صوتك.
شريف بإبتسامة لزجة :
=بقول مستعجلة على إيه .. خلينا نتفرج على وحوش المال بيحتفلوا إزاي !
حبيبة بدهشة :
=عاوز تتفرج .. يعني إنت مش زعلان إن مي هتتخطب لواحد غيرك.
تعالت ضحكات شريف وهو يقول بسخرية :
=وأنا أزعل ليه .. حبيبتي هتتجوز ملياردير كبير وأكيد هينوبني من الحب جانب.
رفعت حبيبة عينيها إليه بدهشة تحولت إلى غضب :
=يعني برضه عاوز تكمل في القرف اللي كنت بتعمله ومش عاوز ترجع عن اللي في دماغك !!
شريف بسخرية :
=بعد كل اللي عملته ده عوزاني أسيبه ، بعد ما خلاص قربت أحقق كل اللي أنا عايزه … مش بقولك هتفضلي طول عمرك هبلة.
حاولت حبيبة الرد بغضب إلا أنها تفاجأت بيد تبعدها عن شريف وتجذبها بعيداً عنه ، وصوت عمر يقول بسخرية غاضبة :
= أول مرة أتفق معاك في حاجة يا شريف.
شريف بإرتباك :
=عمر بيه .. إزِّي حضرتك يا باشا وألف مبروك على الخطوبة ..
عمر بابتسامة ساخرة :
=الله يبارك فيك .. يعني شايفك واقف بقالك مدة مع بيبة و مجتش باركتلي أنا ومي هانم ، فقلت أجيلك أنا بنفسي.
شريف بخنوع :
=دا شرف ليا يا باشا ويارب تفضل راضي عني كده علطول.
عمر بإبتسامة ساخرة :
=لا متقلقش أنا راضي جداً عنك ومقدر إلتزامك والمجهود اللي بتعمله في الشغل في الفترة الأخيرة .. وأكيد ليك مكافأة عندي.
شريف بسعادة :
= أنا خدامك يا باشا ومتعرفش قد إيه أنا فرحان إنك راضي عني.
إبتسم عمر دون أن يعير كلام شريف إهتمام وهو ينظر بتهكم لحبيبة التي تدير وجهها بغضب إلى الناحية الأُخرى :
نا شايف شنط :
= إيه يا شريف إنت ناوي تيجي تعيش معانا هنا ولا إيه!
شريف بخنوع :
=دي شنط حبيبة .. أصل بعد إذنك يعني أنا هاخد حبيبة خطيبتي وهنمشي عشان هنتجوز كمان يو…
عمر مقاطعا بغضب أثار خوف شريف :
=ششش … مينفعش الكلام ده هنا تعالوا معايا نتكلم جوة ..
حبيبة بغضب وقد فاض بها :
= أنا مش داخلة جوة .. وهمشي واللي إنت عايز تقوله .. قوله هنا .. إحنا مش عبيد عندك.
شريف بغضب :
=حبيبة إنتي إتجننتي إزاي تتكلمي كده مع عمر بيه !!
أشار له عمر بالصمت وهو يميل على أذنها و يبتسم بغضب مكتوم :
= أدخلي يا حبيبة وإسمعي الكلام وإلا متلوميش غير نفسك..
نظرت حبيبة إليه بخوف وقد أستشعرت غضبه المكتوم .. لتقول بإرتباك خائف :
= أنا مش داخة ولا رايحة معاك في حتة .. أنا هاخد شنطي وهمشي من هنا حالاً.
نظر إليها عمر بإستخفاف ثم سحبها بقوة من خلفه وهو يتجاهل حديثها .
تملكت من شريف الدهشة وهو يتبعهم بسرعة و يكاد يركض من خلفهم ، حتى وصل إلى غرفة المكتب الخاصة بعمر الذي أشار له بغلق الباب ، وهو يخلع الجاكيت الخاص به ويثني كمي قميصه إلى الأعلى ويقترب من شريف بهدوء أثار خوفه حتى أصبح أمامه :
= عيد كده اللي إنت كنت بتقولهولي برة !!
شريف بقلق وهو ينظر إلى حبيبة الجالسة بغضب على أحد المقاعد ثم إلى عمر ليقول بتردد :
= بقول يعني بعد إذن حضرتك طبعاً .. هاخد حبية معايا علشان هنتجوز بعد يو…
إلا أنه لم يكمل حديثه بعد أن أطاحت به أرضا لكمه قوية من يد عمر جعلت الدماء تسيل من أنفه و تغرق وجهه ..
لتندفع حبيبة وهي تصرخ برعب تحاول الوصول إليه .. إلا أن يد عمر منعتها وهو يدفعها للجلوس بعنف مرة أخرى على المقعد وهو يقول بسخرية :
= إنت جاي بكل بجاحه تقولي أنا جاي آخد مراتك علشان أتجوزها !!!
وقفت حبيبة وهي تصرخ بغضب :
=مراتك .. مرات مين .. إنت بتقول إيه إنت تقصدني أنا بالكلام ده !!
إقترب عمر منها ثم دفعها للجلوس مرة أخرى على المقعد وهو يقول بتحذير :
= إخرسي .. مش عاوز أسمع صوتك وحسابك معايا بعدين.
ثم أشار لشريف المذهول مما سمعه والذي نهض وهو يترنح من قوة اللكمة التي جعلت رأسه تدور من شدة الألم :
=طيب هو معذور وواضح إنه ميعرفش حاجة لكن إنتي إزاي تلعبي لعبة غبية زي دي !!!
شريف بتقطع مذهول :
=معلش سامحني ياباشا أنا مش فاهم حاجة .. بس يعني .. أقصد .. حبيبة يعني .. تبقى.. يعني .. إيه .. أنا مش فاهم !!
عمر ببرود :
= أولاً : اسمها حبيبة هانم مش حبيبة.
ثانياً : أيوة .. حبيبة تبقى مراتي واللي هي بتعمله قدامك ده علشان هي زعلانة من إعلاني خطوبتي على مي.
إنتفضت حبيبة بغضب مذهول :
= إيه الكلام الفارغ اللي إنت بتقوله دا !! أنا لا مراتك ولا إنت جوزي إنت بتقول كده ليه !!
ثم إلتفتت إلى شريف وهي تقول بإنهيار :
= دا بيكدب .. بيكدب يا شريف ومش عارفة هو بيقول كده ليه .. متصدقوش وخرجني من هنا أنا خلاص قربت أتجنن.
عمر بإبتسامة باردة :
=بقى كده .. طيب عشان نخلص من الموضوع ده ونقفله خالص وعشان هو بس ابن عمك ويعتبر في مقام ولي أمرك أنا هوريه عقد جوازنا ، ثم أخرج من درج مكتبه عقد زواج وأعطاه لشريف الذي قرأه بذهول ، ثم أشار لحبيبة بإتهام :
=ده عقد جواز عرفي وإنتي ماضية عليه !
إندفعت حبيبة بغضب إليه ثم سحبت العقد من بين يديه بعنف وهي تقرأه بذهول ، وقد تأكدت من صحة توقيعها..
حبيبة بغضب وذهول وقد أنهمرت دموعها بغذارة :
=طب إزاي أنتم عايزين تجننوني أنا متجوزتش حد ولا مضيت على حاجة !
ثم إندفعت بعنف تحاول مهاجمة عمر وهي تصرخ بجنون :
= إنت بتعمل فيا كده ليه .. عايز مني إيه ، إنت عايز تجنني .. أنا مش مراتك وممضتش على حاجة … العقد دا مزور.
ثم زادت من مهاجته وهي تقول بهيسترية وعمر يكبلها بيديه ويمنعها من مهاجمته :
= سيبني .. أنا عايزة أمشي من هنا .. عايزة أمشي .. إنتو بتعملوا فيا كده ليه حرام عليكم !!
لف عمر يديه من حولها مكبلاً إياها بإحكام ومانعاً لها من مهاجمته وهو يقول بصرامة لشريف :
= إتفضل إنت يا شريف دي مشاكل عائلية وأنا هحلها معاها ، وياريت تنسى الكلام الفارغ اللي إنت قولتهولي بتاع خطوبتك وجوازك من حبيبة ، أظن ميصحش الكلام ده بعد ماعرفت إنها مراتي .
ثم تابع بتحذير جاد :
= بلاش تزعلني منك تاني عشان إنت عارف إن زعلي وحش.
تراجع شريف للخلف بخوف وهو يقول بخضوع :
= لا ياباشا سامحني خلاص أنا مكنتش أعرف وأوامرك هتتنفذ حتى لو كانت على رقابتي..
ثم تابع وهو يخرج سريعاً من الغرفة :
=سلام يا عمر بيه وألف مبروك على الجواز يا حبيبة هانم .
ثم همس بغضب لنفسه وهو يغلق الباب خلفه بحرص :
=يا بنت الكلب يا حبيبة طلعتي أذكى مننا كلنا وبتلعبي لمصلحتك.
ثم تابع بخبث :
=بس الحوار ده عاوز تفكير عشان أقدر أطلع منه بمصلحه.
ثم تابع بقلق :
=بس مش عارف أبلغ الكلام ده لصادق بيه ، ولا أستنى لما أشوف هقدر أستفيد منه إزاي !!
ثم ابتسم بتهكم وهو يتجه إلى الحفل مرة أخرى :
= أنا بقول أستنى والكفة اللي تربح أنا معاها ، حبيبة أو مي مش هتفرق المهم اللي أنا عايزه يتم .. آه ماهو فيها لأخفيها ومصلحتي أولاً .
في نفس التوقيت..
لف عمر ذراعيه حول حبيبة المنهارة بشدة مانعاّ إياها من مهاجمته ..
وهي تقول ببكاء :
=سيبني .. بقولك سيبني أنا همشي من هنا غصب عنك وإلا هصوت وهعملك فضيحة وهقول لخطيبتك على كل حاجة.
ضحك عمر ببرود وهو يمسح الدموع عن وجنتيها :
=بجد هتقولي لخطيبتي ، لااا أنا حاسس إني مرعوب وقلبي هيقف من شدة الرعب.
ضربته حبيبة بعنف في ساقه وهي تصرخ بغيظ :
=بقى كده طيب .. إستحمل بقى اللي هيجرالك..
ثم صرخت بصوت عالي هيستيري :
=إلحقوني ..حد في المخروبة دي يجي يلحقني الراجل ده مجنون وبيقول إني مراته .. حد يلحقني منه..
تنهد عمر وهو يقول بنفاذ صبر :
= إهدي يا بيبة وخلينا نتكلم.
صرخت حبيبة بغضب هيستيري وهي تحاول فك ذراعيه من حولها :
=متبقاش تقولي بيبة دي تاني ، أنا اسمي حبيبة فاهم وشيل إيدك من حواليا خليني أمشي وإلا هصوت وأعملك فضيحة..
تنهد عمر بفروغ صبر وهو يقول بغضب ويضغط بإحترافية بإصباعيه على الشريان الرئيسي في عنقها فتسبب في غيابها الفوري عن الوعي :
=أخلص بس من الحفلة الخنقهة اللي تحت دي و أفوقلك .
ثم حملها بإهتمام بين ذراعيه وصعد بها إلى غرفته في الأعلى ، و أغلق الباب من خلفه ووضع حبيبة بإهتمام على الفراش و أخرج من الدرج المجاور للفراش حبة منومة ذات مفعول قوي ورفع رأسها فوق ذراعه وهو يربت بأصابعه على وجنتها بهدوء :
= حبيبة إفتحي شفايفك خدي الحباية دي هتخليكي تنامي مرتاحة.
فتحت حبيبة عينيها بصعوبة وهي تقول بتعب وعدم تركيز :
= أنا فين .. أنا حاسة إني تعبانة أوي.
مال عمر عليها ووضع الحبة في فمها وساعدها على إبتلاعها بالماء وهو يقول بهدوء :
= معلش خدي الحباية دي وإنتي هترتاحي.
إبتلعت حبيبة الحبة وأغلقت عينيها بتعب ، وقد جعلتها الحبة تستغرق في النوم بسرعة وعمق شديد ، و عمر يتابعها بعينيه بغضب وقلبه يؤلمه بالرغم عنه ؛ لرؤيتها منهارة ومتعبة بهذا الشكل ، إلا أنه تحكم في مشاعره سريعاً وهو ينهر نفسه بقوة لأستمرار تأثيرها الشديد عليه وعلى مشاعره ، ليقوم برفع الحجاب عن رأسها ويده تنزلق إلى جسدها وهو ينوي نزع ثيابها عنها ؛ إلا أنه توقف فجأة و شعور بالإختناق يسيطر عليه وكأن يد تعتصر قلبه بقسوة.
عمر بغضب :
= جرى إيه يا عمر إنت هتضعف تاني ولا إيه ! !
ثم سحب الغطاء الذي تتدثر به إلى الأعلى مغطياً به جسدها بالكامل وقام بنزع ملابسها عنها بسرعة ، وهو يحرص على أن لا يرى أو يلمس أي جزء من جسدها ، حتى إنتهى سريعاً.
ليغلق عينيه بتعب وقد وصل مدى توتره إلى أقصاه ويداه تتحرك دون إراده منه إلى شعرها تتخلل خصلاته بحنان وعينيه تتأمل بالرغم عنه ملامح وجهها الرقيقة ..
ليهب فجأة مبتعداً وقد أجبر نفسه على المغادرة من جانبها وهو يقول بإختناق :
= خليني أخلص من الحفلة الزفت اللي تحت دي بسرعة .. خلاص مبقتش متحمل.
ثم أغلق باب الغرفة بالمفتاح الخاص به وهو ينظر لساعته بقلة صبر :
= كلها ساعة وأرجعلك تاني.
في صباح اليوم التالي..
جلس عمر على الأريكة الكبيرة المتواجدة في غرفة نومه يراقب بتفكير وغضب حبيبة المستغرقة في النوم على فراشه..
ثم نظر إلى ساعة يده وتنهد وهو يتراجع للخلف ويغلق عينيه بتعب.
والصراع يشتد بداخله بين عقله الذي يطالب بعقابها وقلبه الذي يتألم من مجرد التفكير بما ينتوي على فعله بها ، إلا أنه قال بغضب وهو ينهض فجأة ويتجه للحمام الخاص بغرفته وهو يمنع نفسه من النظر إليها حتى لا يضعف :
= أظن كده خلاص هي قربت تفوق ولازم أستعد.
ثم أغلق باب الحمام من خلفه و بدء في الإستحمام والشعور بالغضب يتملكه بشدة.
في نفس التوقيت….
تقلبت حبيبة في الفراش وفتحت عينيها وهي تقول بخفوت
= أنا فين .. أنا حاسة إني تعبانة أوي..
ثم عقدت حاجبيها وهي تحاول الجلوس وعينيها تجول في الغرفة بحيرة :
= دي أوضة عمر أنا إيه اللي جابني هنا !
لتنتفض جالسة وهي تتلفت حولها بصدمة وتنظر لجسدها شبه العار*ي برعب :
= مين اللي جابني هنا وقـ*لعني هدومي .. يا مُصيبتي أنا عر*يانة !!
ثم تذكرت فجأة ما حدث بالأمس وإدعاء عمر الكاذب بزواجه منها...
شهقت حبيبة برعب وهي تقف بسرعة تبحث عن ملابسها ، وقد أدركت أنها قد نامت معظم ساعات الليل بغرفة عمر وعلى فراشه.
إلا أنها فشلت في العثور عليهم لتقوم سريعاً بلف غطاء السرير حول جسدها تستر نفسها به ، وقد تساقطت دموعها بشدة وقد سيطر الرعب على كل خلية بجسدها ، وعقلها لا يستوعب ما يحدث لها..
إرتعشت حبيبة بخوف وهي ترى باب الحمام يُفتح فجأةً ، ويظهر منه عمر الذي يتساقط الماء من جسده الرياضي شبه العا*ري ، وقد أكتفى بلف منشفة صغيرة حول خصره ويقوم بتجفيف شعره المبتل بمنشفة أخرى.
تراجعت حبيبة بصدمة للخلف وقد أكتسى وجهها باللون الأحمر القاني ، في حين توجه عمر للمرآه وقام برش بعض العطر على جسده وهو ينظر لحبيبة باإستخفاف :
= إنتي لسه هنا بتعملي إيه منزلتيش على أوضتك ليه !!!
حبيبة بصدمة وذهول وعقلها لا يستوعب حديثه :
=هنا .. هنا فين .. أنا أصلاً كنت بعمل هنا إيه وإيه .. إيه اللي قلعني كده وفين .. فين هدومي !!
إستمر عمر بإرتداء ملابسه ثم إستدار لها وهو يغلق أزرار قميصه وهو يتأملها بإبتسامه ساخرة :
= لا يا بيبة كده أنا أزعل منك .. إيه هتعملي نفسك مش فاكرة حاجة من اللي حصلت بينا ولا إيه !!
ثم تابع بسخرية شديدة متجاهل صدمتها الواضحة :
=ولا تكوني بتقولي كده علشان عايزانا نكرر تاني اللي عملناه بليل !!
عموماً مينفعش دي كانت مرة ومش هتتكرر تاني ، أصلي مينفعش أكل من طبق حد تاني أكل منه قبل مني.
ثم تابع وهو يتأملها بإهانة شديدة :
= وعموماً لو إنتي لسه عايزه أنا رجالتي موجودين تحت ، بس يارب هما يقبلوا .. أصل زي ما إنتي عارفة الحاجات دي مينفعش فيها الإجبار .
شحب وجه حبيبة بشدة حتى أصبح في بياض الموتى ، وجلست على طرف الفراش تتمسك بالغطاء الملتف حولها بشدة وجسدها تتملكه برودة شديدة ، وكلماته المسمومة تتغلغل كالسم بداخلها وعقلها يستوعب معنى كلماته ببطيء شديد.
أغرقت الدموع وجهها وهي تقول بصوت ضعيف مهتز وقد تجاهلت كل إهاناته و عقلها يركز على شئ واحد :
= إنت تقصد إننا .. إنك ..
عمر بسخرية :
= إيه مش قادرة تقوليها .. أيوة اللي في بالك.
ثم تابع بسخرية مقيتة :
=حتى لو كان الأداء مش عاجبني بسأهي تسلية تبدد الملل شوية.
إندفعت حبيبة إليه تها*جمه بعنف وهي تبكي و تصرخ بغضب شديد :
= يا ابن الـ*كلب .. يا حــ*قير يا زبا*لة ، إنت عملت فيا إيه !!
سيطر عمر عليها وكبلها بين ذراعيه وهو يقول بغضب :
= إيه هتعمليلي فيها شريفة ولا إيه!!
ولا فكراني مش عارف حقيقتِك ودخل عليا وش البرائة اللي إنتي لبساه !!
ثم دفعها بعيداً عنه بإحتقار وكأن ملمسها يدنسه وهو يقول بقسوة :
=فوقي لنفسك دا أنا عمر الرشيدي وتاريخك الأسود كله كان عندي من أول ما إتولدتي ورموكي في الملجأ ، لحد ما جيتي إشتغلتي عندي هنا.
صرخت حبيبة فيه وهي تلطم خديها بهيسترية ودموعها تغرق وجهها بشدة :
=ليه عملت فيا كده .. دا أنا عمري ما أذيتك ولا أذيت حد ..حرام عليك .. حرام عليك ضيعتني.
ثم خفت صوتها وكأنها تحدث نفسها بذهول :
= أنا طول عمري شريفة ومحافظة على نفسي وعمر ماحد لمسني ، إنت بس اللي سمحتلك باللي عمري ما سمحت لحد بيه علشان كنت فكراك غيرهم كلهم ، لكن أنا كنت غلطانة .. أنا كنت هبلة وعبيطة وغبية ، بس مستحقش منك اللي إنت عملته فيا . مستحقش ابدا الي انت عملته فيا ..
لتنهار في نوبة بكاء قوية :
= ربنا ينتقم منك أنا عمري ما هسامحك على اللي إنت عملته فيا ، عمري ما هسامحك.
أغمض عمر عينيه بألم وهو يشعر بكلماتها ودموعها تطعنه بداخل قلبه ، حتى كاد أن يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه ويطمئنها أنه لم يممسها بسوء..
إلا إنه تراجع بغضب وهو يستشعر تأثيرها الشديد عليه ، حتى بعد إكتشافه سوء أخلاقها وعلاقاتها المتعددة مع الرجال وتخطيطها المسبق لإيقاعه بحبها.
ليقوم بفتح أحد الأدراج ويخرج بعض الصور التي تظهرها عن بعد ، وهي تقف بنافذة المنزل الذي كانت تختبئ به هي وشريف ، ثم ألقاها في وجهها وهو يقول بغضب شديد :
=ولما إنتي شريفة زي مابتقولي كنتي بتعملي إيه إنتي وشريف لوحدكم في مكان مقطوع زي ده ، إيه كنتم بتبيعوا سبح !!
إمتقع وجه حبيبة بشدة وهي تعجز عن الرد ، وهو يسحبها من ذراعها بغضب حارق تغذيه غيرته العمياء عليها لتتفاجأ بصفعة قوية على وجهها طرحتها أرضاً ، وجعلت الد*ماء تسيل عن وجهها وهو يصرخ فيها بجنون :
=راجل وست لوحدهم لمدة شهر كامل في بيت بعيد تفتكري كانو بيعملوا إيه !!
ماتردي يا شريفة كنتم بتعملوا إيه سوى !!
زحفت حبيبة بخوف بعيداً عنه وهي تشعر بالخوف الشديد يستولي عليها ، إلا أنها أجابت ببكاء شديد :
= إنت مش فاهم حاجة .. أنا .. أنا ..
عمر بسخرية مقيتة :
= إنتي إيه .. إنتي آخرك ليلة وتترمي في الزبالة ، وحتى اللية دي كتير على واحدة قذ*رة زيك ، بس أنا حبيت أديلك درس متنسهوش طول عمرك.
ثم تابع وهو يرفعها بعنف عن الأرض ويقول بقسوة :
=إيه خيالك المريض صورلك إنك هتوقعيني في حبك وإنك هتبقي حرم عمر بيه الرشيدي … فوقي اللي زيك يدوبك أسمح لهم ينضفوا جذمتي أو جذمة مراتي ، ويبقى كتير عليكي كمان لو سمحتلك بكده ..
ثم تابع بجبروت رهيب وهو يفتح الباب على وشك المغادرة
= فوقي .. مش عمر الرشيدي اللي يتضحك عليه من واحدة زيك !!
سالت دموع حبيبة على وجهها وهي تنظر إليه بصدمة تشعرها وكأن قلبها سيتوقف عن النبض من شدة الألم ، وشريط طويل من الألم والذل والظلم الذي عانتهم في حياتها يمر أمام عينيها ، كل من مَر في حياتها إستغلها أو حاول أن يستغلها ... ولكن ماحدث لها الآن يتجاوز كل ما مر عليها ..
لقد فقدت كل شئ على يد شخص قاسي مجنون ، شرفها كبريائها ، قلبها ، مستقبلها الذي دمره بفعلته البشعة.
لتهب واقفة بغضب مجنون وتسحب تمثال للزينة مصنوع من الحجر ، ثقيل موضوع بجانب الفراش وهي تحاول ضربه به من الخلف وهي تبكي وتصرخ بجنون :
=ومش حبيبة عبد الرحمن اللي كـ*لب زيك يدوس على شرفها وتسيبه عايش على وش الدنيا.
إستدار لها عمر بسرعة وإلتقط التمثال من يدها وهو يكبلها بقوة ويقول بغضب :
= إنتي بتعملي إيه إنتي إتجننتي !!
إلا أنها قاومته بقوة وبدئت في ركله بقوة ، و*خدش وجهه بأظافرها وأسنانها وهي تصرخ بصوت عالي تَسبب في تجمع قاطني القصر :
=والله لأقتلك .. إنت عملت فيا كده علشان فاكر إن مليش حد يدافع عني لكن أنا هاخد حقي بإيدي يا حــ*قير يا زبا*لة الرجالة.
صـ*فعها عمر بقوة ألقتها أرضاً وأسالت الد*ماء من أنفها ،
ليرتفع فجأة صوت دولت هانم وهي تقول بصدمة :
= عمر إنت بتعمل إيه .. إيه اللي بيحصل هنا .. وإنتي يا حبيبة مين اللي عمل فيكي كده !!
صرخت حبيبة بها وهي تبكي و تتمسك بالغطاء الملفوف حولها بإنهيار :
=حفيدك .. حفيدك إغتـ*صبني .. عمر بيه إغتـ*صبني ، بس أنا مش هسيبه وهاخد حقي فاهمين ، أنا مش ضعيفة وهاخد حقي منه.
شهقت دولت هانم وترنحت وهي تضع يدها على قلبها و تقول بعدم تصديق:
=الكلام اللي بتقوله حبيبة ده صحيح يا عمر ، إنت فعلاً عملت فيها كده !!
إقترب عمر بتوتر من جدته وهو يدرك أنها على وشك الإصابة بأزمة قلبية قاتلة ، ليحاول التخفيف من شدة وقع الأمر عليها خوفاً من إصابتها بنوبة قلبية قاتلة :
= لأ طبعاً مش صحيح حبيبة مراتي .. أنا متجوزها عرفي .. وكل الكلام الفارغ اللي بتقوله ده علشان غيرانة إني أعلنت خطوبتي على مي إمبارح.
هبت حبيبة واقفة تحاول مهاجمته بغضب شديد :
= إنت كداب .. كداب وزبالة ، أنا مش متجوزاك وكل اللي بتقوله ده كدب ، متصدقهوش دا بيكدب والله بيكدب..
إلا أنها تفاجئت بيد دولت هانم تسحبها وتحتضنها بحنان جعلها لا تستطيع أن تكمل ، وتنهار في نوبة بكاء قوية بين ذراعيها لتتوقف فجأهطة عن البكاء ودولت هانم تمسح دموعها وهي تبتسم برقة :
= إنتي عندك حق في كل اللي بتعمليه أنا مقدرة غيرتك وصدمتك في اللي حفيدي عمله معاكي ، بس يا حبيبتي مهما حصل مينفعش تتهمي جوزك بإغتصا*بك.
ثم تابعت وهي تنظر لعمر بغضب :
=وإنت يا عمر أنا عارفة إن إتهامها ليك أكيد جرحك ، بس برضه دا ميدلكش حق تمدإيدك عليها وتبهدلها بالشكل ده !!
ثم تابعت بصرامة :
= أي واحد يبقى متجوز واحدة و فارض عليها أن جوازهم يبقى عرفي وفي السر ، وكمان يفرض عليها إنها تحضر حفلة خطوبته على واحدة غيرها يبقى ظالم ، وأنا حفيدي إستحالة يبقى ظالم بالشكل ده.
تنهد عمر بغضب :
=يا جدتي .. إسمعيني بس..
الجدة بصرامة :
= أنت اللي هتسمعني وهتنفذ يا عمر ، وإلا هتبقى قطيعة بيني وبينك طول العمر وإنت عارف إني قد كلمتي .
ثم إبتسمت في وجه حبيبة الباكي برقة :
= إنت هتجيب المأذون حالاً وهتكتب كتابك رسمي على حبيبة ، وهتعمل لها فرح كبير تعوضها بيه عن إحساسها بالظلم ، وهي شايفة جوزها بيخطب واحدة غيرها وعامل لها فرح كبير و هي مش قادرة تتكلم.
حاول عمر التحكم بغضبه خوفاً على جدته ، وهو ينظر لحبيبة بتهديد مستتر وكأنه يطلب منها رفض فكرة الزواج منه :
=ما هو ممكن يا جدتي حبيبة نفسها متوافقش خصوصاً إن هي اللي مكنتش عايزة تعلن جوازنا.
نظرت الجدة لحبيبة بلوم :
= الكلام ده حقيقي يا حبيبة إنتي اللي مش عايزة تعلني جوازك من عمر !
إبتسمت حبيبة بإرتعاش وقد شعرت أن إعلان زواجها من عمر سينقذها من الفضيحة والعار الذي كان بإنتظارها لتنظر لعمر وهي تقول بتحدي :
= أنا مكنتش عايزة أعلن علشان كنت خايفة من رد فعلك إنتي وعصمت هانم ، مكنتش عايزة أزعلكم لكن طالما حضرتك عرفتي ومعندكيش مانع فـ أنا موافقة ..
نظر لها عمر بغضب حارق واجهته هي بتحدي وهي تميل عليه تهمس في أذنه بتشفي :
=مبروك يا عمر بيه هتتجوز الست اللي كنت عايز تعزم رجالتك عليها .. شوفت ربنا وإنتقامه جابلي حقي قبل حتى ما الد*م اللي على وشي ينشف.
ثم رمقته بإحتقار و كراهية وهي تعود إلى الغرفة بصحبة جدته التي كانت تثرثر بسعاة عن خططها للزواج … وعمر صامت يحاول السيطرة على غضبه الذي يشعر بصعوبة السيطرة عليه فـ لو أطلقه سيحرق كل شئ..
رواية سيد القمر الأسود الفصل العاشر 10 - بقلم زينب مصطفى
مساء نفس اليوم.
دخلت حبيبة إلى غرفة جدة عمر وهي تشعر بالتوتر الشديد بعد أن استدعتها للتحدث إليها. أشارت لها الجدة بالجلوس وهي تقول بهدوء:
= تعالي يا حبيبة، اقعدي هنا جنبي.
ثم أضافت بحزم وبطريقة مباشرة بعد جلوس حبيبة أمامها:
= اسمعيني كويس.. عمر ده مش بس حفيدي، لا ده ابني اللي أنا مخلفتهوش. ابني اللي ربيته وكبرته وخليته زي ما انتي شايفة راجل. تتمنى أكبر وأعرق العائلات إنها ترتبط بيه وتجوزه بنت من بناتها. ومش هكدب عليكي، أنا كنت بتمناله جوازة تليق بيه وبمركزه، وكنت مش موافقة على جوازته من مي. مع إنها بنت خالته، بس تربيتها وتصرفاتها معجبتنيش وخلتني متأكدة إنها استحالة هتصون عمر ولا هتبقى له الزوجة اللي تعينه على مصاعب الدنيا.
ثم ربتت على يد حبيبة التي تخفض رأسها بمرارة وتسيل دموعها دون أن تتحدث:
= نيجي ليكي انتي يا حبيبة، بما إنك خلاص هتتجوزي من عمر رسمي وهنعلن جوازكم.
ثم استطردت بحزم:
= إنتي من يوم ما اشتغلتي هنا وأنا كنت حاسة إني مرتاحالك وعاملتك زي بنتي بالظبط وكنت مقتنعة إن أخلاقك كويسة. ولاحظت كمان إن فيه إعجاب متبادل وشد وجذب بينك وبين عمر. بس وعشان أكون صريحة معاكي، متخيلتش أبداً إنها توصل إنكم تكونوا متجوزين عرفي.
حبيبة بانكسار ودموعها ما زالت تغرق وجهها:
= دولت هانم، أحلفلك أن أنا…
دولت هانم تقاطع بهدوء:
= أنا مش عاوزاكي تحلفيلي، أنا عاوزاكي تفهمي كلامي كويس. المنظر المخزي اللي شفتك بيه في أوضة عمر، حتى لو كنتم متجوزين عرفي، واللي بالمناسبة أنا مش معترفة بيه إنه جواز من الأساس، المنظر ده واتهامك له إنه اغتصبك، مفيش واحدة أياً كانت ترضى إنها تعمله أو تتحط فيه.
هبت حبيبة واقفة وهي تمسح دموعها بقوة وحاولت مغادرة الغرفة. إلا أن صوت دولت هانم الحازم استوقفها:
= استني يا حبيبة، رايحة على فين؟ أنا لسه مخلصتش كلامي.
حبيبة بكبرياء:
= هروح ألم هدومي وأمشي. أنا مبقتش خلاص متحملة أي كلام من حد.
أشارت لها دولت هانم بالجلوس، وهي تقول بحزم:
= حبيبة، أنا مقصدش بكلامي إني أهينك. بالعكس، أنا عاوزاكي تعرفي إني مقدرة إنك اتربيتي من غير أم وأب يوجهوكي ويعرفوكي الصح من الغلط. وكمان أنا مش بغلطك لوحدك، لا. أنا بغلط حفيدي كمان وحاطة الغلط الأكبر عليه، لأن هو الراجل واللي بإيده القرار. وكمان أنا عارفاه كويس، وعارفة هو يقدر يعمل إيه لو حط في دماغه إنه ينفذ حاجة هو عايزها. وعشان كده أنا صممت إنه يعلن جوازكم، لأن غلطه أكبر من غلطك.
ثم تابعت بهدوء:
= أنا مش هقدر أتحمل ذنبك قدام ربنا لو اتحاملت عليكي ورفضت جوازك من حفيدي. وعاوزاكي تعرفي إني هديكي فرصة جديدة، وأتمنى من كل قلبي إنك تستغليها.
ثم تابعت بحزم:
= أنا هنسى غلطة الجواز العرفي والعك اللي حصل ده كله، وهبقى زي والدتك بالظبط. وهساعدك علشان تتأقلمي على عيشتنا ومتطلباتها. وهقف معاكي في أي حاجة تحتاجيها مني. وكل اللي بطلبه منك قصاد ده إنك تصوني عمر وتحبيه، وتكوني له الزوجة اللي أنا طول عمري بحلم بيها له.
ثم استطردت بحنان:
= عمر تعب وشقي واتجرح وشاف كتير في حياته، ويستاهل إن اللي يتجوزها تحبه لشخصه، مش لفلوسه أو مركزه. وتعوضه عن التعب اللي تعبه في حياته لحد ما وصل للي هو فيه. وأنا عارفة إنك إنتي بتحبيه بجد وهتصونيه.
ثم ابتسمت بتسامح وهي تشير لحبيبة:
= تعالي يا حبيبة.. تعالي يا حبيبتي في حضني.
اقتربت منها حبيبة بتردد لتتفاجأ بدولت هانم تحتضنها بأمومة حانية وهي تربت على ظهرها بحنان:
= متزعليش مني يا حبيبة، بس أنا كان لازم أصارحك بكل اللي جوايا علشان نبتدي عشرتنا مع بعض بشكل صحيح.
ثم نظرت لحبيبة وهي تبتسم بحنان:
= بطلي عياط بقى، عينيكي هتبوظ يا عروسة. وتعالي أوريكي أنا بحضر إيه لفرحك إنتي وعمر. ناوي أخلي البلد تحكي عنه لسنين قدام.
ابتسمت حبيبة بارتجاف وهي تشعر بحب هذه السيدة الطيبة يتمكن أكثر وأكثر من قلبها.
بعد مرور أسبوعين.
في صباح يوم الزفاف.
وقفت عصمت هانم في غرفتها تصرخ في ابنتها بغضب شديد:
= شفتي يا غبية؟ أهو كل حاجة ضاعت بسبب غبائك وتصرفاتك الزبالة.
مي بغضب:
= يوووه، وأنا مالي يا ماما. هو أنا اللي كنت قلتله يتجوزها!!
جذبتها عصمت من ذراعها بعنف:
= ماهو لو كنتي سمعتي كلامي مكنش حتة خدامة ولا تسوى، قدرت تبقى حرم عمر بيه الرشيدي والفلوس اللي ملهاش أول من آخر دي تبقى كلها ملكها.
ثم تابعت بغل:
= بس خلاص، إنتي بقيتي كرت محروق ولازم أتصرف قبل ما كل حاجة تروح من إيدينا.
مي بغضب:
= يعني هتعملي إيه؟ ما خلاص كتبوا الكتاب والفرح هيتعمل النهاردة!
عصمت بغضب وغل تحاول السيطرة عليه:
= زي ما اتجوزت تتطلق. ولا إنتي فاكرة إني هسيبها كده تتهنى بكل ده وإحنا قاعدين نتفرج عليها.
ليقاطعها ارتفاع رنين هاتفها. عصمت بغضب:
= جيلان أبو الفضل.. ودي إيه اللي فكرها بينا دي!
مي بفضول:
= مش دي اللي كانت خطيبة عمر وسابته؟ يا ترى بتتصل ليه. مش كانت اتجوزت وخلصنا منها!
أشارت لها عصمت بالصمت وهي ترد على الهاتف بابتسامة كاذبة:
= يااااه، أخيراً افتكرتينا. خمس سنين منشوفكيش ولا حتى نسمع صوتك. وحشتيني أوي يا جيجي.
رفعت جيلان حاجبيها باستهزاء، إلا أنها أجابت بتكبر:
= إنتي اللي وحشتيني أكتر يا عصمت هانم. معلش اعذريني، إنتي عارفة أنا كنت مشغولة قد إيه!
عصمت بسخرية مستترة:
= آه يا حبيبتي، ربنا يكون في عونك. والبقاء لله. أنا طبعاً معرفتش إن جوزك الله يرحمه مات إلا من وقت قريب، وإلا كنت اتصلت بيكي وعزيتك.
ثم تابعت باستهزاء مكشوف:
= هو مات من سنة مش كده؟ أنا عرفت إنه كان إنسان طيب ورغم سنه الكبير أوي، إلا إنه كان مدلعك وسابلك كل فلوسه.
كتمت جيلان غيظها وهي تقول بتكبر واستعلاء:
= الله يرحمه. عصمت هانم، أنا بتصل بعمر ومش أوصل له. ياريت تقولي له إني خلاص حجزت، وهوصل مصر على الساعة تسعة بالليل. ويا ريت يبعتلي العربية على المطار.
اشتعلت عصمت بالغيظ وهي تجيب بمكر:
= معلش يا حبيبتي، عريس بقى وفرحه النهاردة واكيد مشغول مع عروسته. أنا بنفسي هبعتلك العربية بالسواق يجبوكي لحد هنا.
أغمضت جيلان عينيها بغضب، ثم تأملت بقسوة كارت الدعوة الأنيق الذي تحمله بيدها، ثم قالت بغضب مكتوم:
= ما أنا عارفة ومعزومة على الفرح كمان. وعمر بنفسه اللي أكد عليا إن أحضر الفرح.
ثم تابعت بتكبر:
= آه، ومتنسيش تحضريلي الجناح اللي كنت دايماً بقعد فيه. ما أنا خلاص هستقر في مصر، بس هقعد مع عمر في القصر لحد ما عمر يخلصلي تصفية التركة بتاعتي اللي بره، ويظبطلي أموري في مصر. لأنه هو اللي متولي كل أموري المادية والغير مادية.
جزت عصمت على أسنانها وهي تقول بغيظ:
= وعمر عنده علم بالكلام ده! إنتي عارفة إن ده بيته، وخلاص هيتجوز ويمكن الوضع ميكونش مناسب.
ابتسمت جيلان وهي تقول بثقة:
= عمر بنفسه هو اللي أصر على كده. إنتي عارفة مهما حصل إحنا منقدرش نستغنى عن بعض. آه. سلام يا عصمت هانم عشان دوب ألحق أجهز نفسي.
أغلقت عصمت الهاتف بعد أن قالت بغيظ:
= سلام يا حبيبتي.
مي بغضب:
= هي راجعة تعيش هنا؟ هي ناقصاها هي كمان!
أشارت لها عصمت بالسكوت وهي تفكر بعمق، ثم ابتسمت بانتصار:
= ترجع تنور القصر. وكل طلباتها مجابة وأكتر كمان.
مي بفضول:
= تقصدي إيه يا ماما!
عصمت بمكر:
= أقصد إن دي هي اللي هتقدر تطرد الحية اللي اسمها حبيبة من القصر.
مي بدهشة:
= وإحنا هنستفيد إيه لو حبيبة اتطردت وجت جيلان وأخدت مكانها.
عصمت بارتياح:
= هنستفيد كتير، بس استني وإنتي هتشوفي بنفسك. يلا وريني الفساتين اللي هنلبسها، أنا نفسي اتفتحت خلاص.
ثم بدأت في قياس أكثر من فستان وهي تدندن بسعادة.
في مساء يوم الزفاف.
وقفت حبيبة في غرفة عمر أمام المرآة تتأمل بحزن ثوب الزفاف الأبيض الملكي الرائع الجمال الذي ترتديه. ثوب خيط خصيصاً لها، على يد أكبر مصممين الأزياء في العالم، يزينه تاج من الألماس الأبيض يتلألأ ببريق أخاذ فوق حجابها الأنيق الذي زادها جمالاً فوق جمالها.
عدلت دولت هانم من وضع الطرحة الطويلة والمصنوعة من التل الحريري الرائع، وجعلتها تنسدل جيداً خلف الفستان وهي تقول بسعادة:
= بسم الله ما شاء الله.. زي القمر. ربنا يحميكي من عيون الناس يا بنتي.
ابتسمت حبيبة وهي تقول بحزن:
= ربنا يخليكي يا دولت هانم، دا من ذوقك.
ربتت جدة عمر على يدها بحنان:
= هتزعليني منك ولا إيه! مش اتفقنا تقوليلي ماما دولت، ولا أنا كبرت على كلمة ماما.
حبيبة بلهفة:
= أنا مقصدش.. أنا بس..
الجدة تقاطع بمرح:
= مفيش بس، أنا من النهاردة ماما دولت. ولو سمعت منك كلمة هانم دي، هزعل منك بجد.
ثم ابتسمت بسعادة وهي تشير للباب:
= وأدي عريسنا جه هو كمان. الظاهر مقدرش يصبر وجه يشوفك بفستان الفرح.
وقف عمر على باب الغرفة يتأمل حبيبة التي شعرت بالتوتر يتملكها، فرفعت عينيها برهبة في المرآة، لتتلاقى بعيني عمر الذي عجز عن إخفاء نظرات العشق الذي تملكه وهو يتأملها بإعجاب صارخ. اكتست وجنتا حبيبة بالخجل الشديد ووضعت يدها على قلبها الذي زادت دقاته بسرعة شديدة تحاول تهدئته. ثم مرت يدها بسرعة وتوتر على جسدها، وعلى ثنايا الفستان تلاحقها عين عمر الذي همس اسمها بعشق دون إرادته:
= حبيبة.
رفعت حبيبة عينيها إليه بتوتر وهي تستمع لدولت هانم تقول بسعادة للأشخاص المسؤولين عن إعداد حبيبة للزفاف:
= يلا يا جماعة، تعالوا معايا خلينا نسيب العريس والعروسة لوحدهم شوية.
ثم ربتت على ذراع عمر بسعادة وهي تغادر الغرفة. اقترب منها عمر، الذي ارتدى قميصاً أبيض ناصع البياض وبدلة تاكسيدو سوداء رائعة التصميم، أظهرت جسده الرياضي الطويل بطريقة رائعة.
تنحنح عمر وهو يتعمد جرحها خوفاً من خروج مشاعره عن السيطرة:
= مبروك يا عروسة، بس مش شايفة إن اللون الأبيض مش مناسب ليكي!
ليضيف بسخرية:
= يعني اللي سبق ليهم الجواز، أو ليهم علاقات قبل الجواز، أظن بيلبسوا فساتين ملونة أكتر.
لمعت عينا حبيبة بالدموع إلا أنها سيطرت عليها وهي تقول بتحدي:
= أنا أكتر واحدة تستاهل إنها تلبس الأبيض، وإنت عارف كده كويس. بس لو جيت للحقيقة في ناس تانية يستاهلوا يلبسوا اللون الأحمر اللي هيبقى أنسب لون ليهم.
رفع عمر حاجبه بتهكم:
= اللون الأحمر، وده يبقى لون إيه بقى!
حبيبة بغضب:
= لون بدلة الإعدام.. عقبال ما تلبسه جزاء اللي عملته فيا.
اقترب منها عمر بتهديد، في حين تراجعت هي للخلف، وهي تنظر في عينه بتحدي، ليسحبها فجأة من ذراعها ويلصقها بجسده وهو يقول بتهكم:
= عاوزاني أموت يا حبيبة.. يرضيكي أموت عشان حاجة رخيصة أوي كده.
حاولت حبيبة سحب نفسها من بين ذراعيه وهي تمنع نفسها من البكاء بصعوبة وتقول بغضب:
= قطع لسانك، أنا عمري ما كنت رخيصة، ولا حد لمسني غيرك. وأظن إنت عارف إنت عملت فيا إيه عشان تعمل عملتك القذرة.
ثم تابعت بغضب وشجاعة:
= أنا مكنتش فاهمة إنت هتكسب إيه من الكلام القذر اللي بتقوله عليا، خصوصاً إنك أكتر واحد بعد اللي عملته، المفروض يكون متأكد إن مفيش حد لمسني غيرك.. بس دلوقتي خلاص فهمت إنت بتقول كده ليه.
ابتسم عمر بغضب:
= يا ترى ليه يا ست حبيبة؟
لكزته حبيبة بإصبعها بغضب في كتفه، وهي تقول بشجاعة:
= عشان تداري على العاملة القذرة اللي عملتها فيا. طبعاً لازم تطلعني شمال وليا علاقات، عشان يبقى اللي إنت عملته فيا عادي ومتتحسبش عليه.
نظر لها عمر مطولاً دون أن يرد، وهو يفكر بعناية في كلماتها شديدة الثقة في براءتها وشرفها. فهي تعتقد أنه قد قام فعلاً بلمسها، وأنه متأكد من عذريتها، وأنه يتهمها بتعدد العلاقات للهروب من مسؤولية ما فعله بها. ولكن السؤال الذي يشعره بالحيرة: ماذا كانت تفعل مع شريف في هذا المنزل المنعزل ولمدة شهر كامل!! هذا ما سيبحث عن إجابته وخصوصاً أنها تتهرب من الإجابة عليه.
حبيبة بدهشة وغضب:
= أنا بكلمك مبتردش عليا ليه، ولا الحقيقة بتوجع!
ابتسم عمر بلطف، وانطفأ جزء كبير من النار التي كانت تشتعل بداخله وقال بهدوء:
= الحقيقة مابتوجع يا حبيبة، المهم يبقى عندنا شجاعة إننا نقولها.
بهت وجه حبيبة وتوترت وهي تقول بترقب:
= تقصد إيه!
مرر عمر إصبعه برقة على وجنتها وقربها منه بحنان ويده تمر على ظهرها بتطميين ليقول بأمل:
= اسمعي يا حبيبة، حكايتنا دي كلها على بعضها ملخبطة. وأنا متأكد إن فيه حاجات إنتي مخبياها عليا، وهو ده اللي عامل سوء التفاهم ومخليني مش قادر أثق فيكي.
ثم قربها أكثر من دائرة ذراعيه، واحتضنها بتملك شديد وهو يقول بعشق وتعب:
= إنتي متعرفيش أنا قد إيه عايز أثق فيكي وأصدقك. قسوتي عليكي بتقتلني، بس غصب عني ردود أفعالي بتبقى عنيفة، وأنا عقلي بيوديني لمليون احتمال كل احتمال منهم بيجنني. صارحيني يا حبيبة ومتخافيش. متخافيش يا حبيبتي.
ثم أبعدها عنه قليلاً وهو يقول بأمل:
= إيه رأيك نبتدي مع بعض من الأول. احكيلي على كل حاجة، وأوعدك مهما كان اللي هتحكيه، هسامحك وهاحاول أساعدك.
نظرت حبيبة إليه بارتياب وهي تتذكر معاملته الرائعة معها في السابق، ثم غدره المفاجئ لها. عقلها يحذرها من الانجرار خلف قناع طيبته المفاجئة. لا، لن تصدق طيبته المفاجئة ولن تثق فيه مرة أخرى مهما فعل معها. فهي متأكدة أنه لو علم الحقيقة لن يرحمها. فهي تخشاه وبشدة، ويكفيها ما فعله بها حتى الآن. فابتعدت عن دائرة ذراعيه وهي تشعر بانسحاب الدماء من وجهها وقالت بتوتر خائف:
= أنا معنديش حاجة أخبيها، ومش عايزة أبتدي معاك لا من الأول ولا من الآخر. ووفر حبك لنفسك، وكفاية تمثيل عليا. أنا مش غبية عشان أقع في نفس الفخ مرتين. وعلشان تبقى عارف أنا كمان كنت بمثل عليك، يعني لا بحبك ولا طايقة أشوفك. يعني مش إنت بس اللي بتعرف تمثل.
ثم تابعت بيأس:
= أنا كل اللي أنا عا يزاه، ورقة تثبت إني كنت متجوزاك عشان متفضحش بعد المصيبة اللي عملتها فيا. وخلاص أنا أخدت الورقة دي، ووجودي في الفرح ده بس عشان جدتك الست الطيبة اللي بعتبرها زي أمي.
ثم نظرت بعينيها إلى الأسفل تداري عنه لمعان عينيها بالدموع المحبوسة لتقول بصوت مخنوق بالدموع:
= وزي ما اتفقنا أول ما تتطمن عليها والموضوع يهدى هنتطلق وكل واحد يروح لحاله.
هز عمر رأسه بحنق وهو يفكر، ثم قال فجأة بابتسامة غاضبة وهو يقترب منها بتهديد:
= غبية.. إنتي غبية يا حبيبة. واقفة قدام عمر الرشيدي وبتقوليله إنك كنتي بتمثلي عليه. طيب خلينا نشوف قوة تمثيلك.
تراجعت حبيبة للخلف بخوف، حتى اصطدمت بباب الغرفة، لتجد نفسها محاطة بذراعي عمر، التي حاصرتها ومنعتها من الحركة، وهما تلتف حولها وتقربه منها بشدة.
حبيبة بخوف:
= مش.. مش إنت قلت إنك مستحيل تلمسني من تاني.. افتكر.. افتكر كلامك.
مرر عمر إصبعه على شفتيها بعشق وابتسم بحنان وهو يتأمل ذعرها بتسلية:
= غيرت رأيي.
ثم انقض على شفتيها يبتلع صرخة احتجاجها بداخله، وهو يقبلها بلهفة شديدة، وعشق تخطى حدود العقل. حاولت حبيبة المقاومة بشدة، والهروب من بين ذراعيه، إلا أنها فشلت، حتى انهارت مقاومتها، وهي تشعر باستجابة مشاعرها الغادرة له.
همس عمر أمام شفتيها برجاء وهو يكاد يشعر بالجنون، فهو يعشقها حد الموت، وكل الغموض الذي تحيط نفسها به يثير جنونه:
= احكيلي.. فهميني ومتخافيش يا حبيبتي. أنا مش هعملك حاجة، أنا بس عايز أفهم.
ثم قبل عينيها التي سالت الدموع منها، وهو يقول بتعب يصل إلى حد التوسل:
= أنا تعبان يا حبيبة وهتجنن. غيرتي عليكي هتقتلني. فهميني ومتخافيش. طيب بلاش تحكيلي على حاجة، قوليلي بس كنتي بتعملي إيه مع الكلب اللي اسمه شريف في بيت ولوحدكم وللمدة الكبيرة دي!
ثم صرخ فيها فجأة بغضب جعلها تنتفض برعب:
= انطقي.. أنا خلاص هتجنن.
بكت حبيبة وهي تقول برعب:
= إنت عايز مني إيه، مش كفاية تمثيل ولعب بمشاعري. إنت مش اتهمتني إني على علاقة بيه. خلاص إنت صح استريحت!
صرخ عمر بها بغضب حارق:
= اخرسي وإوعي أسمعك تقولي كده مرة تانية. مفيش واحدة محترمة تقول على نفسها كده. وعشان أريحك أنا حالياً عارف ومتأكد إن مفيش حد لمسك.
ثم استدرك بحدة:
= غيرك طبعاً.
ثم مسح دموعها بيده وهو يقول بتهديد:
= أنا هعرف كل حاجة يا حبيبة بنفسي. بس ساعتها متلوميش إلا نفسك. وإفتكري اللحظة دي كويس، لأنك فوتت على نفسك فرصة كبيرة. وعقابك هيبتدي من النهاردة وهيكون أشد من الأول.
ثم جذبها بغضب:
= تعالي ظبطي وشك عشان ننزل للمعازيم تحت.
نظرت له حبيبة بغضب ثم نظرت في المرآة، وبدأت في محو آثار اعتدائه الغاشم على شفتيها، ومحو آثار دموعها وهي تهمس بتوتر:
= كل شوية تهديد، عقاب.. عقاب.. على فكرة أنا مش خايفة.
عمر بابتسامة أخافتها:
= وعلى فكرة أنا سامعك وهنشوف.
ثم فتح صندوق كبير مخصص للمجوهرات وظهر بداخله طقم كامل من الألماس. قلادة ماسية متشابكة على هيئة فراشات صغيرة، ومجدولة بحبات من اللولي الصغير، ومعها السوار والخاتم الخاص بها. وبجانبهم خاتم زواج من الزمرد الذي تزينه حبات رقيقة من الألماس، وتوينز ماسي غاية في الجمال.
شهقت حبيبة بانبهار وهي تمرر يدها على المجوهرات رائعة الجمال:
= يا خبر، إيه ده.. دول حلوين أوي، هو ده ألماس حقيقي!
عمر ببساطة:
= طبعاً ألماس حقيقي ولفي عشان أساعدك تلبسيه.
تراجعت حبيبة للخلف وهي تقول برفض:
= لا، أنا مالبسش الحاجات دي. دا لو حاجة ضاعت منهم ولا اتسرقت هاروح في ستين داهية.
ثم تابعت بتوتر:
= أنا كده تمام ومش محتاجة مجوهرات ولا حاجة. والتاج اللي على راسي كفاية أوي. على الأقل لو ضاع ولا فص منه وقع.. أقدر أجيب لكم غيره. التيجان دي مالية المحلات. لكن الحاجات دي لو ضاعت فيها سجن وبهدلة.
رفع عمر حاجبه وهو يضحك بسخرية:
= ليه إنتي فكراه تاج من العتبة.
ثم مال على أذنها وهمس بصوت ضاحك:
= دا تاج من الألماس الحر يا بيبة. يا ترى معاكي تمنه!
تأملت حبيبة التاج الذي يزين حجابها بصدمة، ثم حاولت نزعه من على رأسها وهي تقول بخوف:
= اقلعني البتاع ده.. أنا مش عايزاه.. هو أنا ناقصة مصايب!
إلا أن عمر منعها وكبلها من الخلف وهو مستغرق في الضحك بشدة، وهو يقول من بين ضحكاته:
= سيبي التاج يا حبيبة. أنا كنت بهزر معاكي. الحاجات دي كلها تقليد.
ثم تابع بجدية مزيفة:
= أكيد يعني مش هاخاطر بإنك تلبسي كل المجوهرات دي. ويلا خليني أساعدك تلبسيهم. خلينا ننزل للمعازيم اللي تحت.
تنهدت حبيبة بارتياح وهي تقول براحة:
= آه لو كده ماشي.. والنبي بلاش هزار في الحاجات اللي زي دي أنا جتتي مش خالصة.
ضحك عمر بمرح وهو يديرها بين يديه، ويبدأ في مساعدتها في ارتداء القلادة وملحقاتها حتى انتهى، ثم أبعدها قليلاً وهو يتأملها بابتسامة غير مفهومة:
= أهو كده.. مرات عمر الرشيدي لازم تكون بالشكل ده.
ثم سحب يدها ووضعها على يده وهو يقول بتحذير:
= أي غلط منك.. هتتحسبي عليه وبشدة. متتحركيش من جنبي والإبتسامة متفارقش شفايفك مفهوم!
حبيبة بتبرم:
= مفهوم.
ثم ساعدها في الخروج وهو يقول بارتياح:
= يلا بينا.
بعد مرور ساعتين.
ودعت حبيبة جدة عمر التي ذهبت للنوم بعد شعورها بحاجتها للراحة بعد المجهود الذي بذلته في التحضير للزفاف. ووقفت بجانب عمر الذي تجاهلها وهو يتحدث باهتمام إلى أحد رجال الأعمال لتتفاجأ بشقراء فاتنة الجمال ترتمي بين أحضانه وهي تقول بدلال:
= عمر حبيبي، وحشتني أوي.. كده برضه أول مرة أنزل مصر من تلات سنين ومتكونش في انتظاري.
مرر عمر يده على وجنتها وهو يقول برقة:
= غصب عني يا جيجي، إنتي عارفة إني كنت هستناكي بس إنتي شايفة الظروف.
ثم تابع وهو ينظر بتسلية لحبيبة التي تكاد أن تنفجر من شدة الغيظ والغيرة:
= بس أكيد طبعاً هنحتفل مع بعض بوصولك.. بس على انفراد.
لفت جيلان يدها حول عنق عمر بدلال وهي تتجاهل حبيبة وتقول بهمس:
= أنا حطيت شنطي في الجناح فوق.. والجناح يجنن. طول عمرك جينتلمان وذوقك حلو يا عمر.
رمق عمر حبيبة التي اشتعل وجهها بالاحمرار من شدة الغيظ وهي تقول بغضب:
= أجيب لكم اتنين لمون!
جيلان وهي ترمقها من أعلى لأسفل بتكبر:
= أفندم…
حبيبة بابتسامة غاضبة:
= بقول أجيب لكم اتنين لمون، وحد يعزف لكم موسيقى عشان يكمل اللقاء الشاعري ده!
لف عمر يده حول خصر جيلان وهو يقول بهمس متجاهلاً حديث حبيبة:
= ترقصي.
جيلان بسعادة وهي ترمق حبيبة بتكبر:
= آه طبعاً، بس خليهم يعزفوا المزيكا بتاعتنا.
عمر وهو يرمق حبيبة بمكر:
= طيب يلا بينا.
ثم ترك حبيبة بمفردها تتأمله بعيون ممتلئة بالدموع، وهو يتحدث باهتمام إلى السيدة الشقراء صارخة الجمال، التي تبدو في بداية الثلاثينات من عمرها وترتدي ثوب طويل ضيق من الدانتيل والحرير المطرز أبيض اللون يشبه إلى حد كبير ثوب العروس.
اقتربت عصمت هانم من حبيبة وهي تقول بشماتة:
= دي جيلان أبو الفضل خطيبة عمر السابقة وحب عمره.
عقدت حبيبة حاجبيها بغضب وغيرة وهي تشاهده يلف يده حول خصر الشقراء الفاتنة، ويتجه بها إلى ساحة الرقص، ليبدأوا في التمايل بتناغم وحميمية على أنغام الموسيقى الهادئة. تابعتهم حبيبة بألم وهي تشعر أنها هي الدخيلة على حفل الزفاف. فغريمتها الشقراء ترتدي الأبيض وتتوسط حلبة الرقص، وهي تتمايل بأنوثة ودلال بين ذراعي عمر زوجها وعريسها، وسط دهشة وهمسات المدعوين.
أغمضت حبيبة عينيها بألم وهي تشعر بجرح كبير في كبريائها، وهي تستمع لضحكات عصمت ومي الشامتة، ومي تقول بشماتة:
= تصدقي يا ماما، تحسي كأنها هي العروسة. لايقة عليه جداً، خسارة إنهم سابوا بعض.
ضحكت عصمت بشماتة وهي تقول بصوت عالٍ:
= ولا سابوا بعض ولا حاجة. إيه يا مي، عايزة إيه أكتر من كده!
ثم ابتعدت وهي تضحك بسخرية وشماتة.
في حين وقف صادق أبو الدهب بالقرب منها يتأملها بإعجاب صارخ ويهمس لنفسه:
= الحمد لله إن الواد شريف فشل زي عادته ومقتلش الصاروخ ده.
ثم تابع وهو يتأملها بعيون طامعة:
= طول عمرك محظوظ يا ابن الرشيدي. بس الصاروخ عابر القارات ده بقى ليا خلاص.
ثم تابع بتهكم وهو يتابع عمر الذي يتمايل على أنغام الموسيقى وهو يحتضن شقرائه:
= خصوصاً وإنت سايبه لوحده، ومش عارف قيمته.
ثم اقترب من حبيبة وهو يقول بإعجاب مكشوف وهو يمد يده إليها:
= ألف مبروك يا هانم.
نظرت حبيبة له بدهشة ومدت يدها إليه وهي تقول بتوتر وتحاول مداراة حزنها:
= الله يبارك فيك.
لتتفاجأ بصادق ينحني وهو يرفع يدها ويلثمها برقة، وهو يبتسم بإعجاب:
= اعرفك بنفسي صادق أبو الدهب، رجل أعمال.
ثم ابتسم لحبيبة بإعجاب مكشوف:
= أنا شايف العريس مشغول فيا، ترى تسمحيلي بالرقصة دي!
ابتسمت حبيبة بحزن وأجابت بتوتر وعينيها لا تفارق عمر ورفيقته:
= معلش أصل أنا مبعرفش أرقص.
ابتسم صادق بمكر:
= أعلمك، ولا عمر بيه محرج عليكي إنك ترقصي مع حد غيره.
رفعت حبيبة ذقنها بكبرياء:
= لا أبداً، اتفضل. أنا هرقص معاك.
ثم توجهت إلى ساحة الرقص وبدأت الرقص بتوتر وهي تنظر كثيراً إلى قدميها. إلا أن صادق همس لها بإعجاب:
= متبصيش لرجليكي كتير، إنتي بترقصي كويس أوي بس إنسي التوتر واسترخي.
ثم قال بلوم وهو يتأملها بإعجاب صارخ:
= حد برضه تبقى عروسته حلوة وزي القمر كده ويسيبها لوحدها. دا أنا لو مكانه مبعدش عنك ولو ثواني.
لتتفاجأ بيد عمر تبعدها عنه بخشونة، ويده الأخرى تلتف حول خصرها وتجذبها بتملك شديد لصدره، وهو يقول لصادق بحزم وقوة:
= بس إنت مش مكاني يا صادق.. ولا هتكون في مكاني. بس دا ميمنعش إني أعمل بنصيحتك ومبعدش عن عروستي.
ثم استدار بحبيبة في حلبة الرقص وهو يضمها بشدة إليه، ويهمس بجانب أذنها بغضب مكتوم والغيرة تعمي عينيه:
= إزاي يا محترمة تسمحيله يحضنك بالشكل ده، وواقفة تتمايلي بين إيديه من غير خشوع ولا دم. والحجاب اللي على راسك ده بيعمل إيه ها! اقلعيه أحسن طالما مش فارق معاكي ولا فارق مع تصرفاتك.
ارتعشت حبيبة وحاولت الرد عليه، إلا أنها فشلت، وهي تشعر أنها على وشك أن تنهار وتبدأ في البكاء وستسبب في فضيحة علنية.
نظر عمر إليها بغضب، ليتفاجأ بدموعها بدأت في النزول على وجنتيها، ليتنهد بتعب وهو يدرك أنه ضغط عليها اليوم بقوة وأنها على وشك الانهيار بين يديه. فأحتضنها بشدة وحماية وهو يخفي وجهها الباكي في كتفه حتى لا يشاهد أحد بكائها.
ثم همس بجانب أذنها:
= خلاص يا حبيبة أنا آسف.. أنا مقصدتش، سامحيني.
ثم رفع وجهها إليه وقبل جبهتها برقة:
= خلاص بقى اضحكي. في عروسة تبقى مكشرة كده في يوم فرحها.
تجاهلت حبيبة حديثه، وهي تشير بعينيها لجيلان التي تقف بعيداً وهي تراقبهم بغيظ:
= إنت مالك ومال العروسة، ما كفاية عليك جي جي اللي واخدها في حضنك طول الفرح.
ابتسم عمر بتسلية وهو يدرك غيرتها:
= دي مجرد مجاملة. وبعدين أنا بعمل إيه وليه دي حاجة متخصكيش.
حبيبة بغضب وغيرة:
= وأنا كمان كنت بجامل، وملكش دعوة أنا بعمل إيه وليه.
ضمها عمر إليه بقسوة ثم همس بجانب أذنها بتهديد أثار خوفها:
= ماشي ياحبيبة، حسابنا فوق. ولسانك الطويل اللي مش عارفة تحكميه ده هعلمك إزاي تسيطري عليه، وتفكري مليون مرة قبل ما تتكلمي أي كلمة.
ثم قربها أكثر إليه بحميمية وتملك كبير وهو يقول بغيرة:
= والفستان الزفت اللي إنتي لابسااه ده ضيق من فوق كده ليه!
ثم تنهد بغضب:
= أنا غلطان إني سبتكم تختاروه بنفسكم. بس خلاص ده مش هيحصل تاني. ولبسك أنا اللي هختاره بنفسي.
نظرت حبيبة لفستانها وهي تهمس بدهشة:
= دا فستان محجبات وكله متغطي مفيش فيه أي حتة مكشوفة.
ضمها عمر إليه بتملك وغيرة قاتلة وهو يهمس بخشونة:
= اللي قلته هو اللي هيتنفذ ومش عايز أسمع كلام تاني. قال لبس محجبات قال.
ثم قبل عنقها بعشق و هو يزيد من ضمها إليه بعشق شديد، وهو يتمايل معها على أنغام الموسيقى الرومانسية، ورأسها يستريح على كتفه بحب وقلبها ينبض بالرغم عنها بعشقه. ثم أغلقت عينيها براحة وهي تتمنى أن تستمر هذه اللحظة إلى الأبد.
في نفس التوقيت.
تحدث صادق في هاتفه وقال بصوت خفيض وهو يراقب عمر وحبيبة بغضب:
= إنت يا حيوان يا اللي اسمك شريف، الغي الأمر اللي خدته مني بقتل حبيبة.
شريف بارتباك:
= ليه يا باشا، دا أنا خلاص كنت هنفذ.
صادق بغضب:
= اسمع الكلام يا حيوان من غير نقاش. حبيبة دي خلاص بقت تخصني. وأي حاجة تخصها أعرفها الأول. ومتتصرفش فيها من نفسك مفهوم.
شريف بخضوع وحيرة:
= مفهوم يا باشا بس..
لم يستمع صادق إليه وأغلق الهاتف في وجهه وهو يتابع بغل عمر الذي يحتضن حبيبة بتملك شديد.
ليقول بانتصار:
= وأخيراً بقى لك نقطة ضعف يا ابن الرشيدي وهخلص كل حقي منك.
ثم ضحك بقسوة، وعقله ينسج خطة جديدة للقضاء على عمر. بطلتها الوحيدة… حبيبة… حبيبة عبد الرحمن.