تحميل رواية «سيد الكبرياء» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت ممددة عارية تمامًا على أرضية القصر الباردة. لا يسترها إلا شرشف صغير بالكاد يخفي جسدًا لم يعد يملكه أحد. مشهد يدمي الفؤاد. جسدها يرتجف بعنف، تعيش جحيمًا لا تستحقه. تظن أنها تتوهم. ضباب يلفها من كل ناحية وصوت أنفاسها المتقطعة. برودة تجتاح أوصالها. لا تعلم أهي من لسعات الرخام الباهظ الذي ترتكن عليه أم من هول ما تمر به. عيناها المحمرتان أصبحتا ككاسات الدم، تنظر في الفراغ لا ترى ولا تحس. يداها تلمس الأرض وعيناها منصبتان على شيء قريب يلمع. حذاء فرنسي أنيق يلمع من شدة سواده وفخامته. رفعت عينيها بر...
رواية سيد الكبرياء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو سلطان
كان صهيب يقف ينظر إليها بغل. كانت تتعلق بالعم فكري تتصنع البكاء.
"أقولك يا حاج وتخليه يسيبني بالله عليك دا جاحد."
قال فكري: "اهدي حبيبتي أنا جنبك."
قالت بمسكنة وبكاء: "أنا كنت في حالي بخدم بلقمتي، يتيمه وغلبانه، والبيه كان بيشرب خمرًا، آه والله، حتى بص، الأزاير بره أهم، ولقاني لوحدي من غير سند، يتيمه غلبانه ماليش حد. قرب مني وقالي: هبسطك يا فلك، هنغنغك يا فلك. قولتلوا: ما حلتيش إلا شرفي يا باشا، ووقفت قدامه اتجوزني غصب يا باشا، عشان رفضت أسلم له نفسي، وخدني فوق و... و... ثم أجهشت بالبكاء. لا يعرف ربنا ولا بيخاف."
جحظت عين فكري.
فقالت: "حتى اطلع شوف كل حاجة متكسرة. اعتدى عليا وأنا ماقدرتش عليه، والمصيبة إني حامل يا حاج، وعرف وجاي حابسني هنا ونازل فيا ضرب وعايز ينزل اللي في بطني. بيقولي مش هخلف منك، وشتايم وضرب وقلة أدب وأنا مكسورة الجناح. أنا مش عايزة منه حاجة يا حاج، خليه يمشيني ويطلقني. بالله عليك، هطلق وهختفي من قدامه."
هنا تجمد فكري ونظر إلى صهيب الذي احمرت عيناه بغضب.
"بتقولي إيه يا زبالة؟ يمين بالله لأموتك."
هجم صهيب عليها ومسكها من شعرها فصرخت.
فقال بهياج: "أنا هموتك، أنت لازم تموتي، أنت إيه اللي حدفك عليا، منك لله."
صرخت: "نجيني يا حج، هيموتني، آهه شايف، هموت في إيده."
اندفع فكري ودفعه بغضب واحتضنها.
"ابعد، ابعد منك لله يا حسرة قلبي. خمر وخمرة واغتصاب وجواز غصب، أنت أنت مين؟ أنت ابني اللي ربيته؟ أنت مين؟ انطق! إيه القرف ده؟ لا ومش بس تحترم نفسك، لا، إزاي تكمل بقى وتنزل اللي في بطنها يا قادر."
همست بنحيب مصطنع: "عشان غلبانة ومكسورة الجناح يا حاج."
صرخ بهياج وهو ينظر إليها بغل: "أنت إيه؟ شر؟ أنت إيه يا شيخة؟ منك لله، أنت ما تعرفيش تقعدي زي البني آدمين. أنا ماشفتش والله، ماشفت. إيه السواد ده؟ كان يوم أسود يا بعيدة."
صرخ فكري بعنف: "هيا اللي شر؟ وإلا أنت اللي خلاص الشيطان اتملك منك؟ عايز تنزل عيلك؟"
فصرخ بهياج أكبر: "دي كدابة، والله كدابة. أنا يا زبالة اغتصبتك؟ أنا، دانا لسه مبتلي بيكي امبارح، منك لله."
قالت وهي تشهق: "بص يا حج، صوابعه على وشي إزاي؟ بص وقالي: عندي كرباج جو هعلقك وأجلدك. بيقولي: أنا سيد الناس، ما اتجوزش جربوعة. والله يا بيه، أنا هموت، مشيني، خدني معاك."
هاج صهيب: "كرباج لما يقطع وشك؟ أنا؟ أنا يا زبالة عايزة تمشي؟ أنا هموتك! أنا عملت كده."
صرخ فكري: "امال حابسها ليه ونازل ضرب وقلة أدب؟ أنت إيه يا أخي؟ سنين وأنا بقول هيعقل، وطايح وفارد عامل سيد عالناس ليه؟ ليه؟"
هجم صهيب عليها: "لا والله لأموتك."
ليقف له فكري: "والله لو مديت إيدك عليها لأعرفك."
زاد نحيبها: "حابسني يا حاج ومجوعني، شوف والله عندي أنيميا، ومطبخه فيه أكل يكفي بلد. جاب أكل امبارح فراخ ولحوم وربطني قدامه وقعد ياكل وأنا بتلوى من الجوع، مش عايز ابنه، هموت من الجوع، حتى بق الميه بالعافية. اطلع شوف الأكل عالأرض، لما مديت إيدي هاج ورمى نعمة ربنا عالأرض من قهرتي، نزلت أكلت من عالأرض الفرافيت. ده مش إنسان."
مسكت يد الرجل: "قوله، قوله دلوقتي يرمي اليمين وأنا هطفش، مش هتلاقوني تاني. هو ليه كده؟ عشان يتيمه يا حاج."
وبكت أمامه.
وصهيب جاحظ العينين.
اقترب الرجل يحتضنها، كان ذو قلب طيب.
لترفع عيونها وتبتسم بخبث وتخرج لسانها لصهيب الذي كان يقف والشرر يتطاير من عينيه.
نظر إليها وأحس أنه سيموت قهراً.
كان يقف ينهج، يشعر بشرايينه ستنفجر.
ابتعد فكري: "أنت عايز إيه دلوقتي؟ أنت أنت تعمل كده؟ أنت صهيب ابني؟ فين اللي كان مليان حنية؟ ليه قسوتك دي؟ ابنك ضناك."
قالت ببكاء: "الخمرة تعمل أكتر من كده يا حاج، وزمانه بيشد بودرة."
فصرخ بغل وهياج: "ما تكتمي بقى! هاه، والله ما يهمني حد، وهقتلك. أنت ما تعرفيش عايشة تعملي إيه في الدنيا."
قالت بغلب: "طب طلقني، خليه يطلقني يا حاج، ما عندكوش ولاية، هيقعد لكم في عيالكم. هتروحوا من ربنا فين؟"
فصرخ: "أنت يا بت شغل حلق حوش! ده أنت بتشحتي، منك لله! بس لا والله لأخد حقي منك، أنا كفاية عليا كتمة كده."
اقترب منها وصفعها على وجهها لتقع على الأرض.
هنا اقترب فكري بغضب ودفعه: "هيا حصلت تضربها قدامي."
فصرخ: "عشان كدابة، دي واحدة ماشافتتش ترباية."
لتقف هيا غاضبة فقد طفح الكيل منه: "أنت بتمد إيدك عليا؟ أنا فلك الجيار؟ تضربني؟ وكل شوية تمد إيدك؟ أنت مفكرني إيه؟ والله لأوريك يا زبالة."
اندفعت واستدارت، وقفزت عليه من الخلف، تكلبش في شعرها، وهو يبعدها بعنف.
ليستعجب فكري من تلك الفتاة التي تركت الخنوع.
ما إن ضربها ومسكت في رقبته وشعره، وهو يحاول أن يمسك يدها، وهيا عليه تمسكه من رقبته.
فصرخ: "أنت ما بتباتيش انهارده إلا أما تكوني ميتة."
استدار يدور بها، فتراجع فكري.
كانت تركب على ظهره، وفكري مذهول.
تراجع صهيب وارتطم بظهره في الحائط، لتصرخ وتشد شعره وتضع يدها على عينيه وتكلبش في عيونه تجرحها.
والرجل يشهق بذهول لا ينطق: "هو فيه إيه؟ هما عاملين كده ليه؟ ومالها بتبهدل فيه كده؟"
ظل واقفًا ليبتسم على منظرهم.
نده الحرس ليقترب الحارس ويحتضن فلك وينزلها من عليه، وهيا تتملص منه بعنف: "أوعى، والله أموتك، أنت تمد إيدك عليا؟ سيبتهالك مرة واتنين، أنت استحلتها قوي."
كان الحارس يحتضنها.
نظر إليهم صهيب بعد أن ابتعد، فشعر بالغضب من احتضان الحارس لها، فصرخ: "سيبها يا حيوان، أنت حاضنها؟ حضنك قطر."
فقال الرجل وهو لا يتركها: "ما عم فكري اللي قالي يا بيه."
فصرخ باشتعال: "شيل إيدك."
وفكري يقف مذهولًا من غضبه.
فاقترب هو منها ووقف أمامها ووجهه أحمر من يدها، وقال بغل: "مش هتتلمي؟ أنت عارفة إني ممكن أخبطك بحاجة تجيب أجلك."
صرخت في وجهه: "أتلم ليه؟ شايفني مبعتره؟ يا خمورجي يا عربيد."
مد يده ووضعها على وجهها ودفعها بقوة: "يا شيخة بقى! غوري! أنا ما أخش في زبالة زي السجن."
لتقع على الأرض، لتنظر إليه مشتعلة وعيونها مشبعة بالغل.
فاقترب فكري يربت عليها: "اهدي يا بنتي، اللي في بطنك."
فهتف صهيب باستهزاء وقرف: "،،،، اهدي يا بوتجاز؟ جواكي عيال العفريت بيلعب في بطنك. الحداية جوا مستنينها تنزل."
نظرت إليه نظرة حارقة، فتنهدت وصمتت لوهلة، ثم استكانت وبدأت تشهق.
اقترب الرجل: "مالك؟ فيكي إيه؟"
قالت وهي تنهج: "لا يا حج، خلاص أنا عندي أزمة وهو مانع البخاخة. هو عنده حق، أنا خلاص مش هقدر عليه، أنا هسقط العيل، خلاص. شوف بيعاملني إزاي؟ عايز يموتني."
اندهش صهيب من تحولها.
فاقترب الرجل: "لا يا حبيبتي، العيل هيقعد غصب عن التخين، ويبقي يوريني هينزله إزاي. قومي يلا معايا على بيتنا."
اشتعل صهيب وخاف: "انت تخرج؟ معاك فين؟ أنت بتقول إيه؟"
قال فكري: "إيه؟ هاخدها الفيلا."
فصرخ صهيب: "مين دي؟ دي تخش فيلا الشامي؟ جربوعة زي دي تخش قصر أسيادها."
هز فكري رأسه بيأس: "مش مراتك وأم ابنك؟"
صرخ صهيب: "مرات الهم والغم؟ أم ابني؟ لا، أنا أصلا هطلقها. أنا هعرفها تبقى كدابة إزاي كده."
تنهد فكري: "طب طلقها، وأنا هاخدها أربي الواد وأحافظ عليه."
أحست فلك ببعض الراحة: "خليه يرمي اليمين يا حاج، مش عايزة من حد حاجة، قوله يللا عشان أمشي دلوقتي."
قال فكري: "لا، هنربي الواد."
قالت برهبة ورجاء: "لا والنبي خليه يطلقني، أنا هصرف عليه وعليا، وأنا أصلاً حاسة إني من الضرب سقطت، يا حج سيبني أمشي."
هتف فكري: "لا يا بنتي، ده بيتك وجوزك يصرف ويكلف، عشان خاطري. أهدي، وحياة أغلى حاجة، تسامحيه. خلاص والله ما هسكتله."
نظر صهيب إليهم بذهول: "ده إيه اللي أنا فيه ده؟ ده بيتحايل عليها تربي الواد اللي مش موجود؟ حسبي الله منك لله يا عقربة."
نظر إليها بحقد: "طب ماتسيبيه يربيه؟ هاه؟ هتفرحوا ببعض قوي."
قال فكري: "أنا هاخدها الفيلا ومالكش دعوة بيها. هاه؟ لو مش عايز الواد أنا هتصرف."
قطب صهيب جبينه: "هتتصرف إزاي يعني؟"
قال فكري: "هجوزها أدهم. أدهم هيسمع كلامي."
اشتعل صهيب وتصاعد هياجه: "أنت هتجوز مراتي لصاحبي؟ أنت عقلك جراله حاجة؟"
قال فكري: "مانت هتطلقها ومش عايزها."
صرخ صهيب: "مالك أنت؟ أعوذ وما أعوذ."
هتفت فلك: "طيب، أدهم ده يا حج؟"
ابتسم العم: "طيب، ده أمير الأمرا."
ابتسمت: "طب، قوله يرمي اليمين."
نظر إليهم صهيب بقهر، ليصمت قليلاً، إلا أنه ابتسم فجأة: "خلاص يا عم فكري، أنا أنا مش هتحمل تبعد عني وتروح لغيري، خلاص يا سيدي، هربي الواد وهنفرح كلنا."
اقترب منها وشدها إليه واحتضنها وهتف بغضب مكتوم: "حقك عليا، أنا غلطان يا ستي، ده يجي ويشرف، وادي راسي أهيه."
وقبل رأسها.
ابتسم فكري: "بجد يا حبيبي؟"
ابتسم بسماجة: "امال دانا هربيه وهربيه وهنفرح كلنا، بس اطمن خالص. أنا عايش لوحدي ولازم أعمل عزوة. هيا أه مش من مستوايا، بس بحبها وعملت كل ده عشان عايزها."
نظر إليه فكري قاطبًا: "يعني مش بتضحك عليا؟"
"ولااااا، أنت مش مرتاحلي."
اندفعت برعب: "لا يا عمي، ماتصدقوش، والله بيكذب."
شدها إليه أكثر ومسك وجهها وهمس بهيام: "لا والله، دانت مراتي، أنا ليا غيرك."
واقترب وقبل شفتيها بنعومة، لتنكمش برعب.
تشعر أنه يضمر لها الضغينة.
فقالت: "لا، لا، خلاص، أنا همشي مع عم فكري."
اقترب الرجل، لم يرى صهيب من قبل يلين لامرأة هكذا.
ابتسم: "لا يا حبيبتي، أنت اقعدي في بيتك، يجيلك الحلو كله."
أحست بالخوف: "لا والنبي ماتسيبنيش له، خليه يطلقني."
فشدها صهيب وضمها لصدره، وهيا ترتجف: "لا، إزاي؟ هو لازم يسيبك عشان آخدك على كفوف الراحة."
ابتسم فكري: "خلاص بقى يا حبيبتي، تقعدي تنوري البيت ده. صهيب طيب، بس هو عصبي، والله أهوه ده ابني اللي أعرفه."
ليستدير: "أنا همشي، وأبقى أسمع إنك زعلتها، والله أخرب بيتك."
رد صهيب بغل: "لا، أزعل إيه؟ ده اللي جاي كمية فرح هترشق فيها، ماشفتهاش. أنا ليا بركة إلا هيا."
كان يتوعد لها.
استدار فكري واحتضنه ورحل، ووراءه صهيب.
لتقف مرعوبة: "نهار أسود، ما طلقنش. الواد، قولت هيطلقني، والراجل ياخودني. رايح فين وسايبني؟ أنا مرعوبة."
لتهرب إلى الأعلى: "استخبى فين؟ مافيش حتة، معاه مفاتيح كل حاجة. هو بيت الحاوي، أعمل إيه؟ هموت من الرعب."
ظلت تلف لتجد أحدى الخزن في أسفل السلم، كانت خزنة صغيرة كمخزن، لتفتحها وتحشر نفسها فيها من رعبها.
ظلت بالداخل إلى أن أحست أن أنفاسها لم تعد قادرة، وهيا تسمعه ينادي عليها، إلا أنها من قلة الهواء أُغشي عليها.
عاد يبحث عنها بجنون، أحس أنه إن لم يأخذ حقه سينجلط.
ظل يدور ويدور ويبحث عنها، كان يعلم أنها لم تخرج.
ظل يبحث ولم يجدها، فنادى عليها: "راحت فين دي؟ الله يخربيتك يا حرباية."
ظل يصعد وينزل: "طب إيه؟ قلبت الفيلا؟ أنا هبطت؟ يا رب خدها. لا، خدها إيه؟ أموتها الأول وبعدين تاخدها. أنا يتعمل فيا كده؟ طب ليه؟ أروح فين؟"
تذكر الكاميرات.
اندفع إلى الكاميرات ليجدها تحشر نفسها في أسفل السلم.
كان منظرها لا يوصف.
ضحك رغماً عنه: "أقسم بالله مصيبة."
فذهب مسرعاً، وما إن فتح الباب حتى سقطت تحت قدمه بلا حول ولا قوة.
ليبهت ويتراجع، كان وجهها شاحب وبلا حركة.
خفق قلبه، كانت شاحبة بشكل رهيب، أصابه رعب فجأة عليها.
اندفع يحتضنها: "فلك، فوقي. فلك، جرالك إيه؟ اتنفسي."
كانت تترنح بين يديه وهو يخبط على وجهها بلا فائدة.
ظل يهزها وهيا لا تنطق.
حملها على الفور وصعد بها للأعلى.
أراحها على الفراش وذهب بسرعة يحضر عطراً.
كان يتحرك بسرعة وقلبه ينبض بشدة، لا يعلم ما به وما هذا الرعب الذي يشعر به.
لتستفيق رويدًا رويدًا، وهو يقربها ويلمس خدها بحنان.
كانت تنهج وقلبها ينبض، وهو يداعب وجهها: "اهدي، أيوه، اتنفسي."
فتحت عيونها، ظلت تنظر إليه لتشهق بخوف وتبتعد.
ليغمض عينه، فنظرة الرعب في عيونها أزعجته.
لتتطرف الفراش وتصرخ: "ابعد عني، والله أموتك لو قربتلي."
على الفور استعاد غضبه وقام يقف، ينظر إليها: "أنت ليكي عين تنطقي يا قادرة؟ اتجوزنا وهنخلف من امتي يا زبالة؟ مكمله سواد؟ وأنا أصلاً ما حاسبتكيش عاللي عملتيه الصبح."
قالت بخوف حقيقي: "عايز إيه؟ أنت أنت كنت هتضربني؟ اسكتلك."
اقترب منها فانكمشت، شدها من يدها، لوى ذراعها: "لا، إزاي تلبسيني عيل وانفضح على آخر الزمن؟ يتقال عليا هجيب عيل من جربوعة زيك."
دمعت عيونها ودفعته: "حوش، حوش. الـ، أنا اللي هموت عليك وأجيب منك. أنت إيه يا أخي؟ فاكر نفسك فوق الكون؟ جربوعة ليه؟ كنت شحاته وإلا من بير السلم؟ أنت اللي مريض بالمقامات."
قال بغضب: "أنت مال أهلك؟ وعموماً، وماله؟ نخليها حقيقة."
بدأ في خلع ملابسه، فارتعبت: "أنت أنت بتعمل إيه؟"
ابتسم: "..هحقق كلامك ونجيب عيال. هنيك شرف قرب صهيب الشامي. أنت وشكلك هتموتي عليا وبتعملي كل ده عشان أقربلك؟ ماتقولي من الأول ليه اللف وتعب الأعصاب والحرق؟ تعاليلي سكة أبسطك الشهرين دول."
اندفع وهجم عليها يقبلها بعنف، وهيا تصرخ وتنتحب بقهر، وهو يمزق ملابسها بعنف، ليزيح ملابسها، وهيا تشهق بقوة، وهو من غضبه لم يدرك ما يفعله، لينتفض فجأة عندما سقطت وبدأت تشهق ولا تقوى على التنفس.
همست بقهر: "أبوس إيدك، ارحمني."
كانت تنتحب بقهر، وهو يقف مهتاجا من غضبه ومن نفسه، فأحس أنه يرغب أن يكمل ما بدأه، وأن قربها يثيره من داخله، وهيا تبكي لا تريده أن يلمسها.
شعر بالغضب أكثر، واهتز لأنه يريدها وهيا لا تريده.
نفض تفكيره، فهو رجل وممكن أن يرغب أي أنثى، وليست هيا.
كانت تمسك قلبها وتنتحب.
انحنى ورفع وجهها ونظر إليها: "بصيلي."
نظرت إليه، فقال: "شايفة نفسك فين؟ تحت جزمتي؟ ده مكانك وآخرك، ماشي؟ واستحالة تكوني حاجة تانية. أنت هنا باتفاق وبفلوس ومشي دنيتك، عشان أنا قلبتي سودة، فاهمه؟"
رفعها فانتفضت، فقال بقرف: "اهدي، أنا ما بلمسش زبالة. أنا اللي أحط إيدي عليها تبقى هانم، فاهمه؟"
وشدها واستدار، وأحضر قميصاً ألبسه إياها، وشدها للأسفل، ونزل القبو ورماها فيه بعنف: "أنت هنا هتتربي أكتر، عشان لما أفكر ويجيلي مزاجي أخرجك، هخرجك. هاه؟ حسابك تقل، وأنا الست اللي تبقى تحت إيدي تقطم وما تتكلمش. أنت تقريباً عايزة راجل يعرفك يعني إيه راجل وست. أنت فاكرة إني هسكت على سفالتك؟ لاااا! صهيب الشامي يجيب تحت رجله، تكتمي، ويدعك بوزك في الأرض."
نظر إليها صهيب بعيون تشتعل شرارًا، يقترب منها خطوة ليرعبها، لكنها لم تتراجع، بل ثبتت بخصر منحني من الألم، وعينين كالصقر.
صهيب بصوت أجش مكتوم: "أنت فاكرة لسانك ده هو اللي هيحميكي مني؟ أنا بكلمة واحدة أمحيكي، أخليكي نكرة، لا ليكي اسم ولا أهل ولا دية. القوة اللي بتتكلمي عنها دي وهم في خيالك وبس."
هي بابتسامة باردة دامية: "المحو ده للي زيك يا صهيب، للي عايش باسم عيلته وفلوسه وجبروته. أنا لو انمحيت النهاردة هموت وأنا بكامل كرامتي، لكن أنت لو شلت منك الكرباج والحيطان اللي حابسني فيها، هيفضل منك إيه؟ هيفضل حتة عيل خايف من نظرة ست. أنت مش بتضربني عشان تأدبني، أنت بتضربني عشان خايف مني، خايف من الحقيقة اللي في عيني."
صهيب مسك فكها بقسوة: "أخاف منك؟ أنت حتة جارية بعتها واشتريتها، أنت ملكي، فاهمة يعني إيه ملكي؟ يعني حتى نفسك اللي طالع ونازل ده بأذني."
هي في وجهه بكل قوة: "الجسم ممكن تملكه، تسجنه، تضربه، لكن روحي دي بعيدة عن كفوفك يا ابن الشامي. روحي دي ملك اللي خلقها، وأنت أضعف بكتير من إنك تلمسها. السجان دايماً بيفضل محبوس قدام باب الزنزانة، يعني أنت محبوس معايا وبسببي. مين فينا اللي ملك التاني دلوقتي؟"
صهيب يهزها بعنف: "هكسرك، والله لكسر عينك دي اللي بتبصلي بتعالي، هخليكي تتمني الموت وما تلاقيهوش."
هي بثبات مرعب: "اكسر، اتمادى، بس افتكر إن القزاز لما بيتكسر بيجرح، وكل جرح فيا هيعلم علامة نقص في رجولتك قدام نفسك. اخرج يا صهيب واحبسني عادي. اخرج وادفن نفسك في خيبتك، عشان مهما عملت، هفضل أبصلك من فوق، وأنت هتفضل تحت عبد لغضبك وعجزك."
نظر صهيب حوله بجنون، يريد شيئاً يقتلها وهي حية.
وقع عيناه على قلادة ذهبية بسيطة في عنقها، كان يراها تتلمسها كلما دمعت.
كانت تلك القلادة لأبيها وأمها.
اندفع وجذبها من عنقها حتى انقطع الخيط في يده.
صرخت، لاول مرة ليس خوفاً بل حرقة، ودمعت عيونها.
صهيب بضحكة صفراء، لما لقي الخوف والقهر: "دي اللي عايشة عليها؟ دي اللي بتقوي قلبك؟"
فتحها لقي صورتين لرجل وسيدة.
صرخت بقهر: "سيب، ما تلمسهاش، حرام بقى."
ضحك: "إيه؟ توجعك الحتة السلكة المصدية دي."
اندفع ومزقها إرباً بغيظ، ثم ألقاها على الأرض وداسها بحذائه الغليظ بكل قوته حتى تهشمت تماماً، ثم نظر إليها بتحدي: "اديني كسرت روحك المتعلقة جواها تحت رجلي."
رماها أرضاً بعنف: "انزلي بقى، انزلي، لمي من تحت جزمي، يمكن تحسي بقيمتك الحقيقية."
جثا هو على ركبتيه أمامها ليكون في مستوى وجهها وهمس بحقد: "لو ملمتيش نفسك دلوقتي وبوستي إيدي عشان أسيبك، هخلي جثتك تترمي للكلاب."
هي نظرت للسلسلة تحت حذائه، نزلت دموعها رغما عنها، لكنها رفعت عينيها إليه ببرود مخيف: "فاكر إنك لما تدوس على حتة حديد إنك دوست عليا؟"
هي بثبات وشموخ وهي لا تزال جالسة على الأرض، لكن برأس مرفوع: "اللي انكسر ده حاجة ملموسة، فدايا وفدا كرامتي، لكن أنت اللي نزلت دلوقتي، نزلت لمستوايا على الأرض عشان تترجى نظرة انكسار من عيني ومش طايلها. أنت دلوقتي اللي راكع قدامي عشان تطلب اعتراف مني إنك قوي، وأنا بقولك أنت ولا حاجة."
صهيب يصرخ ويمسكها من ثيابها: "أنا سيدك، أنا اللي بكلمة مني أهدم دنيتك."
ضحكت بوجع ممزوج بسخرية: "السيد هو اللي بيملك قلوب الناس، مش جثثهم. أنت قدرت تكسر الحاجة اللي بحبها، بس مقدرتش تكسر حبي ليها. روح يا صهيب، لم أنت الحطام ده وخبيه، اتملي منه، دا هو انتصارك يا غلبان."
صهيب تراجع، بدأ يفقد السيطرة تماماً: "أنت مش بني آدمة، أنت شيطانة."
قالت بصوت خاطب قلبه قبل عقله: "أنا الحق اللي بيطاردك، والحق دايماً صوته عالي وراسه فوق، حتى وهو بينزف."
اقترب منها وجذبها بقسوة لتركع تحت قدمه، وضع قدمه أمام وجهها مباشرة: "بما إنك شايفة نفسك فوق الكل، وأنت هنا مجرد خدامة اشتريتها بفلوسي..."
مسكها من شعرها ووضعها على حذائه: "انزلي امسحي التراب اللي على جزمتي بشعرك، يمكن وقتها تحسي إنك فعلاً تحت وإنك ولا حاجة."
أكمل بصوت حاقد: "يالا، وريني العزة اللي كنتي بتخطبي فيها، هتنفعك بإيه، وأنت تحت رجلي؟ ابدأي، وصدقيني لو عملتيها، ممكن أشفق عليكي وأخرجك من هنا، وهطلقك حالاً، وهديكي كمان فلوس، وده وعد."
هي نظرت إلى حذائه بصمت وهدوء مخيف، ثم رفعت عينيها ببطء لعينيه، ولم تتحرك أنشا واحدًا.
ابتسمت: "عارف يا صهيب، الفرق بيني وبينك إنك فاكر إن القيمة في المكان، وأنا عارفة إن القيمة في المكانة. أنا لو نزلت للتراب بفضل دهب وسط الرمل، لكن أنت، وأنت واقف بطولك وراكب خيلك ودايس بجزمتك، بتفضل في نظري تراب."
صهيب يضغط بقدمه على الأرض بجانب يدها بعنف: "نفذي اللي قولت عليه، وإلا هكسر رقبتك. إيه؟ حابة تكملي ذل؟ بقولك هطلقك وتخرجي حالاً دلوقتي."
هي بصوت رخيم وثابت كالرصاص: "مش هعملها، مش خوفاً منك ولا كبر على فعل، بس عشان خايفة على نفسي تتلوث بلمسة منك. بتقولي أخرج؟ أخرج من هنا بمسح جزمتك؟ يبقى ما خرجتش. أنت فاكر إنك بتذلني؟ أنت بتذل نفسك. أنت بتبين للعالم كله إنك ناقص، وإنك عشان تحس إنك طويل، لازم تقصر اللي حواليك."
صهيب بصراخ جنوني: "أنا اللي بآمر هنا، أنا سيدك وسيد الناس."
هي تنهض ببطء رغم آلام جسدها وتقف بمواجهته تماماً حتى تلامست أنفاسهما الغاضبة: "آمر الجماد اللي زيك، آمر الحيطان، لكن أنا، أنا ملك نفسي. اضرب، اسحل، ذل، وفي الآخر هيفضل وشي مرفوع، وهتفضل عينك هي اللي مكسورة قدام عيني. أنت مش لاقي فيا حتة توجعني يا صهيب، لأنك بتدور في الجسم، والوجع عندي في الروح، وروحي دي عند اللي خلقها، بعيد أوي عن إيدك الملوثة."
ثم بصقت بكلماتها الأخيرة كانها تنهي وجوده: "الجزمة اللي عايزني امسحها دي هي تاجك الحقيقي، لأن ده أقصى مكان ممكن يوصله تفكيرك. لكن أنا راسي في السما، ومكاني فوقك بكتير."
ثم بصقت على حذائه بقرف.
صهيب في هذه اللحظة شعر بهياج وجنون، أنه هو المسجون وهي الحرة.
اندفع نحوها كالمجنون، جذبها من خصلات شعرها الطويل الذي كانت تعتز به وجرها نحو مرآة مكسور في جانب القبو، ظهراً منها ظلال مشوهة.
شدها بقسوة وهي تترنح خلفه.
استل خنجراً صغيراً من جيبه وداعب وجهها، فنظرت إليه بثبات.
شعر بالغيظ، وفي لحظة جنون بدأ يشد خصلات شعرها بعشوائية وعنف، والشعر يتساقط حولها كأوراق خريف محطمة.
أسقط أطراف شعرها، كان شعرها مدعاة للجمال يصل لأسفل خديها.
كان يقصه وبداخله غصة تحرقه.
أراد أن ينهي عليه، ولكنه لم يجرؤ على قصه، ولكن قص جزء صغير جداً منه، وصرخ بحرقة: "أكمل الباقي، ادي حتة صغيرة، أكمل واحصرك عليه، تبقي مشوهة خالص."
صهيب وهو يلهث بغيظ: "ادي جمالك اللي واثقة فيه تحت رجلي، ادي تاجك اللي رافعة بيه راسك. أقدر أطاريه في لحظة. هخليكي تمشي زي الخيال المنبوذ، لا حد هيطيق يبص في وشك، ولا هتشوفي في المراية غير كسرتك."
رمى المقص من يده وتركها تسقط أرضاً، ووقف ينظر إليها بانتصار بائس وغضب من فعلته، محترقاً على تلك الخصل أكثر منها، منتظراً أن يرى دموع الذل أو صرخة انكسار أو توسلاً.
هي صمتت لبرهة، تنفست بعمق وهي تنظر لخصلات شعرها الملقى على الأرض، ثم رفعت رأسها ببطء شديد ونظرت له بشفقة: "خلصت."
صهيب بصدمة: "أنت مش شايفة نفسك؟ مش محروقة عليه؟ أقدر أشيله؟ ده سلاسل دهب؟ إيه؟ مش هامك؟"
هي تحاملت على أوجاعها ووقفت بظهر مفرود كالسيف: "قصيت حتة جلد... زيادات... مطت شفتيها... عايز تكمل؟ مسكت المقص... خد كمل عليه شيله خالص، خد المقص بقولك. شهرين ويرجع لأصله، آه والله بيطول في مفيش... بتقول شوهتني؟ أنا صعبة عليك قوي كده؟ يا صهيب، الشعر بيطول والوجع بيخف والجروح بتلم، لكن الخسة اللي عملتها دي هتفضل لازقة فيك العمر كله. أنت دلوقتي بقيت في نظري مش بس مش راجل، أنت بقيت صغير أوي لدرجة إني مش محتاجة أبص تحت رجلي عشان أشوفك."
اقتربت منه وامسكت بخصلة مقصوصة من الأرض ووضعتها في جيب قميصه بقوة: "خلي دي معاك عشان كل ما تلمسها تفتكر إنك قدرت على شعري، بس مقدرتش تهز شعرة من ثباتي. أنا لسه أنا، وانكساري اللي كنت مستنيه هو اللي اتكسر على عتبة رجولتك المزيفة."
صهيب يتراجع وهو يرتجف من الثبات الذي يراه: "أنت إيه؟ صخر جبله؟ مابتحسيش."
هي بصوت رخيم وهادئ: "أنا اللي ربنا سخرها عشان تعرفك حجمك الحقيقي. روح يا ابن الشامي، اغسل إيدك من ريحتك، بس ريحة الظلم هتفضل في مناخيرك لحد ما تقابل ربك."
نظرت إليه بقهر وقالت: "أنت دلوقتي جوزي وهتتحاسب عاللي بتعمله."
ضحك هو عالياً بغل يظهر سيطرته: "جوزك؟ أنا صهيب الشامي أبقى جوزك."
نظرت إليه بسخرية: "إيه؟ صهيب الشامي؟ ربنا إذا كنت فاكرني جربوعة ومش مستني تخليني مراتك، أنا كمان فاكراك زبالة."
اشتعل وصفعها على وجهها، لتنظر إليه وتقترب: "اضرب كمان، برضه زبالة؟"
هاج داخله واندفع يصفعها، وهيا لا تتحرك، تقف له وتنظر إليه لدرجة إنه كان يصرخ وهو يصفعها.
وقف أخيراً مهتاجا، وجهها أحمر، أنفها ينزف.
رفعت رأسها تنهج وتنظر إليه بغل.
ثم ابتسمت: "ها، ارتاحت كده؟ قدرت عليا؟ بس ده مش هيغير رأيي فيك. ستات الكون ممكن تترمي عليك وتشوفك بني آدم، بس أنا لحد ما أخش تربتي، عمري ماهشوفك راجل أصلاً. الراجل هو اللي يحافظ على حرمته حتى لو كانت عفريت، مش يتجبر عليها. جايبني تذلني؟ أنا قدامك أهو، اعمل مابدالك، بس برضه يا صهيب يا شامي مش شايفاك راجل."
صرخ ومسك رقبتها: "اخرسي بقى، أنت إيه يا شيخة؟"
كان يضغط عليها.
بنار داخله صرخ بجنون: "أنا بكرهك، بكرهك."
جحظت عيناها تنهج هامسة: "أقول إيه؟ فوضت أمري لله فيك."
لترتخي بين يديه، فتركها غاضباً، وقعت عالأرض تشهق وتنهج.
ظلت تنهج تلفظ أنفاسها.
ارتد لبرهة عندما وجدها تتحامل على روحها، تمد يدها عالأرض ترفع نفسها وتحني ظهرها تنهج، ثم رفعت نفسها مرة أخرى.
أغمضت عيونها، ثم فتحتها وقالت بحرقة وصوت يدبح: "فوضت أمري لله، حسبي الله فيك، اللي يتهزله عرش السما. إذا كنت فاكر نفسك سيد، ربنا فوق، فوق الكل، قادر يجبلي حقي منك، الأيام دوارة يا ابن الشامي، وحق لا إله إلا الله، ما هسامحك، وهتجيلي يا ابن الشامي يوم الحق راكع وتقول يا ريتني."
نظرت للسماء وعلا صوتها بحرقة: "يا رااااب انتقملي منه وخد حقي، أنا ضعيفة جسم، بس مش ضعيفة إرادة. يا رب، يا رب، أنت شايف جبروته، أنت القادر، أنت يا رب. ماليش غيرك."
نظرت إليه: "وبقولهالك، أنت اللي مكسور. مش هتقدر تسكتني، مش هسكت وهفضل أتكلم وأبصلك من فوق، أنا اللي فوق وأنت اللي تحت. حلك تموتني عشان تحس إنك منتصر وراجل. أنا أقوى منك، أنت مش لاقيلي حل تركعني. روح اخرج واحبسني واقفل عليا، بس اللي محبوس قلبك المريض اللي متحلل."
اقتربت تترنح ودفعته: "اخرج بره، مش عايزة أشوف وشك."
وقف ينظر إليها بغل، استدار ينصرف، حتى وصل للباب: "اقعدي بقى، انعي حالك لحد أما أفتكرك، مانت بصراحة ما حدش يبصلك. كلامك ده حلاوة روح، ولا يهزني."
واستدار وأغلق الباب بالمفتاح بإحكام، وخرج مسرعاً من البيت كأنما يهرب من وقع كلماتها التي نهشت كبرياءه.
اتجه إلى عربته وجلس خلف المقود ليطلق صرخة مدوية نابعة من غيظه وحرقته، ثم اندفع يضرب مقود العربة بجنون وهياج حتى أدمى يديه، وهو يزفر بنار لا تنطفئ.
ثم انطلق بالسيارة بسرعة جنونية، كان غاضباً من وجودها في حياته ومن كونها أنثى تقف في وجهه ولا تبجله أو تعظمه، وغاضباً من إهانتها التي اخترقت دروعه وعدم قدرته على إخضاعها.
كان محترقاً من الداخل وهو يردد بمرارة: "إيه؟ مش شايفاني راجل؟ أنا ماتشافش؟ أنا صهيب اللي ماحدش يطولني؟ الجربوعة اللي مابصلهاش هي اللي تقول عليا كده."
ظل يتذكر لمستها وتقبيله لها، فصرخ بهياج وكأنه يطرد طيفها من عقله: "بطل، بتفكر في إيه؟ مين دي اللي تفكر تلمسها أو حتى تكون في عينك ست."
كان غائباً في عالم من الغل والغضب الذي يأكله، ولم ير العربة التي اعترضت طريقه فجأة.
حاول أن يتفاداها في اللحظة الأخيرة، لكن عجلة القيادة خانته، لتنقلب العربة مرة واحدة وتتحطم فوق الأسفلت.
نقل صهيب إلى المشفى، ودخل غرفة العناية المركزة، ليتوه عن الدنيا تماماً، ربما استجابة لدعوة مظلومة جعلها تعاني الأمرين، ولم يعرف عنه أحد أي شيء، فظل مغيباً خلف الأجهزة.
كانت حالته الجسدية ليست خطيرة بالقدر المميت، لكنه غاب عن الوعي ثلاثة أيام مكتملة، لا يشعر بشيء، ولا يدري أن هناك روحاً معلقة بسببه.
وهي هناك في عتمة القبو محبوسة، تصرخ وتستنجد بكل ما أوتيت من قوة، لكن صوتها كان يرتد إليها من الجدران الصماء، ولا يسمعها أحد.
بدأت تتهالك وتذبل وقواها تخور يوماً بعد يوم، وتعلم أن أجلها صار قريباً، وأن السجان تركها لتموت وحيدة في ذلك القبو الموحش.
بين صمت القبو الموحش وغيبوبة القدر، بقيت فلك تصارع الموت عطشاً، وصهيب يصارع البقاء مجهولاً، لتظل حياتهما معلقة بين سماء لا تغفل وأرض لا ترحم.
رواية سيد الكبرياء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو سلطان
في عتمة ذلك القبو الذي لا يفرق بين ليل ونهار.
كانت فلك تخوض معركتها الأخيرة مع الزمن.
الوقت بيمر تقيل كأنه جبل جاثم على صدرها.
مش عارفة فات يوم ولا شهر.
كل اللي عارفاه إن جوعها للأمان كان أقوى من جوعها للأكل.
بدأت تضعف ورجليها ما بقتش شايلاها.
قامت بآخر ذرة قوة تخبط على الباب بكل كفوفها.
تصرخ وتصوت لحد ما صوتها اتشرخ وبقى مجرد حشرجة وجع.
وبدأت تنهار وتوهن وروحها بتنسحب منها بالتدريج لحد ما وقعت في ركنها البارد وسكنت.
وسط السكون ده.
بدأت الهلاوس تزحف لعقلها.
فجأة شافت الباب التقيل بيتفتح ونور قوي ودافي ملى المكان.
ومن قلب النور ظهروا.
نور أمها وأبوها بملامحهم اللي وحشتها.
فتحت عيونها بذهول وفرحة طفلة تايها.
لقت أمانها ومدت إيدها ليهم وهي بتقول بهمس.
خدوني معاكم.. تعبت.
مسكوا إيدها بحنان ورفعوها.
قامت بصعوبه وسندوها وهي ماشية بينهم.
قالت بضعف.
عطشانة.. ريقي ناشف أوي.
بصت لها أمها بحب وحزن وقالت لها.
إنت مش عطشانة مية يا فلك.
إنت عطشانة حب.
فضلوا ماشيين في طريق من ضي لحد ما وقفوا قدام قصر كبير وفخم ملامحه مهيبة بتخطف العين.
سألت فلك بذهول.
إيه المكان ده؟
أمها ردت بابتسامه وهي بتسحب إيدها منها ببطء.
إنت عطشانة.. خشي اشربي من هنا.
وسابوها واختفوا فجاه في النور.
وقفت فلك لوحدها بتبص للقصر بإنبهار لحد ما عينها وقعت على لوحة كبيرة مكتوب عليها "قصر الشامي".
في اللحظة دي حست بضياع رهيب.
رعشة برد هزت جسمها وبدأ ضباب كثيف يزحف ناحيتها ويغطي كل حاجة.
من قلب الضباب ومن جوه القصر بدأ يظهر خيال ضخم.
خيوم رمادية بتتشكل على هيئة جسم رجولي مهيب بيقرب منها بخطوات هادية.
الخيال ده مد إيده ومعاها مية وبدأ يسقيها برفق غريب.
مية طعمها زي الشفاء.
بس وهي بتشرب كانت الغيوم بتزيد وتتوهها.
ملامحه مش باينة وصورته بتغيب وترجع وسط الضباب.
وهي واقفة في النص مش عارفة هل ده منقذها ولا ده السراب اللي هيضيعها أكتر.
عند صهيب.
كان قد نقل إلى المستشفى في حال لا يعلمه إلا الله ودخل في غيبوبة من جراء الحادث.
في اللحظة اللي كان صهيب فيها غايب عن الدنيا ومسجون جوه عتمة غيبوبته.
في دهاليز غيبوبته وجد صهيب نفسه واقفا في زاوية مظلمة من ذلك القبو اللعين.
لم يكن هو الجلاد هذه المرة بل كان شاهدا مجبرا على رؤية بشاعته.
رأى نفسه ذلك المسخ الذي يشبهه وهو يهجم على فلك بغل لا يوصف.
رأى وجهها الشاحب ونظرة عينيها التي لم تفارقها العزة رغم الوجع.
حاول صهيب الإنسان الذي استيقظ داخل الغيبوبة أن يصرخ أن يمد يده ليمنع ذلك الوحش من ملامستها.
صرخ بملء صوته.
توقف... اتركها.
لكن يده كانت تمر عبر جسد صهيب الجلاد كالهواء.
لا صوت يسمع ولا حركة تُجدي.
كان يرى نفسه وهو يلوي ذراعها ويسمع صوت أنفاسها وهي تهمس.
ارحمني.
فيشعر بنصل يمزق أحشاءه.
وعندما جاءت لحظة قص الشعر تحول المشهد إلى كابوس مرعب.
رأى صهيب المسخ يستل الخنجر ويجز تلك الخصلات الذهبية بعنف جنوني.
رأى الشعر يتساقط كأنه قطع من روحه هو لا من رأسها.
في هذه اللحظة جن جنون صهيب الشاهد.
اندفع بجسده كله يحاول دفع نفسه بعيداً عنها.
كان يضرب صدره يشد شعره ويجاهد بكل ذرة قوة في كيانه ليوقف هذه المجزرة.
لكنه كان حبيس رؤية بشاعته دون قدرة على التغيير.
نظر إلى وجه فلك وسط حطام شعرها.
كانت تنظر لنسخته الظالمة بشموخ مرعب ببرود يقتل وبصمود جعل صهيب يتساءل في ذهول.
لماذا.... لماذا لم تنكسر؟
كيف لهذا الجسد النحيل أن يحمل كل هذه القوة.
أي سر تملكه هذه الفتاة لتجعلني أبدو بهذا القزم أمامها؟
في تلك اللحظة وبينما كان يرى الملاك صامدا والوحش منهارا في غضبه.
راه يخنقها واصابعه تلتف حول رقبتها وصرخه حسبي الله تشق قلبه.
دخل في حاله هياج كيف يمنع ذلك المسخ.
بدأ قلبه داخل جسده المسجى في المستشفى يضخ الدماء بعنف غير مسبوق.
بدأ الصراع بين صهيب الذي كان وصهيب الذي استيقظ ينعكس على شاشات الأجهزة.
ارتفع مؤشر نبض القلب بجنون وبدأت أجهزة القياس تطلق صفارات إنذار حادة ومتواصلة.
اندفع الأطباء والممرضون نحو الغرفة بذهول.
الأجهزة تضطرب والنبض يتسارع كأنه طبول حرب والضغط يرتفع بشكل غير مفهوم طبيا.
كان الأطباء يتبادلون النظرات القلقة.
ماذا يحدث؟
حالته كانت مستقرة... لماذا هذا الاضطراب المفاجئ؟
كأن جسده يخوض معركة عنيفة بالداخل.
لم يكونوا يعلمون أن صهيب كان في تلك اللحظة يركع في قبو أحلامه أمام فلك يبكي دما وهو يشاهد نفسه يرتكب حماقة العمر.
محاولا بكل جوارحه أن يكسر جدار الغيبوبة ليعود ويصلح ما أفسده جبروته قبل أن يقتلها الجوع.. أو يقتله هو الندم.
واثناء تضارب الاجهزه واهتزاز جسده ورعبه في غيبوبته.
وجد فلك تقترب منه مش كضحية بتقرب من جلادها لكن كروح طاهرة بتلمس حطام إنسان في لحظة سكونه.
بدأت روحها اللي كانت بتناجي ربنا في القبو تتوجه ناحيته بدعاء خفي فيه رحمة أكبر من جبروته.
تضع يدها علي قلبه وبلمسه من نور يسري بداخله شيء هلامي لا يعلمه.
وفي اللحظة دي بالذات.
بدأت الروح تدب في ممرات نفسه المظلمة وبدأ قلبه المهجور ينتعش ويرجع يضخ دم فيه الحياة.
أول ما روح فلك لمست روحه في عالم الغيبوبة حس صهيب برعشة هزت كيانه كأن في جبل من التلج بدأ يدوب.
بدأت أنفاسه الصناعية تتحول لأنفاس طبيعية طالعة من جواه هو.
وكأن قلبه كان مستني الإذن منها عشان يرجع يشتغل تاني.
بدأ يحس بوجعها اللي كان بيسببه لها.
بدأ وبدأت ملامحه المشدودة بآثار الغضب ترتخي وتصفى.
كأن الروح اللي جواها بدأت تسكن جواه وتعرفه يعني إيه إنسان.
وكأن قلبه اللي كان ميت بالفلوس والسلطة بدأ ينبض بالخوف الحقيقي.
خوف المحب اللي بيخاف يضيع منه أغلى ما عنده وهو لسه يا دوب بيعرف قيمته.
هنا استقر الجسد باستقرار الروح في جسدها.
فتح صهيب عينيه فاستقبله الضياء كأنه نصل حاد يجرح عتمة غيبوبته.
وما إن بدأت الرؤية تتضح حتى وجد فكري وأدهم كظلال قلقة تحيط بمخدعه بعد أن طال غيابه حتى اهتدوا إلى مكانه.
كان يشعر بدوار عنيف يجعله يتأرجح على فراشه وكأنه ما زال داخل تلك العربة التي هوت به.
اقترب فكري بلهفة غلبت ثباته وهتف بصوت مخنوق بالدموع.
إنت فوقت يا حبيبي إنت كويس أخيراً فوقت.. الحمد لله.
كان صهيب يصارع دوامة في رأسه تكاد تمنعه من استيعاب الوجوه من حوله.
قطب جبينه بمشقة وحاول أن يحرك جسده الذي بات ثقيلا كالحجر.
فاندفع أدهم يسانده بقلب يرتجف خوفا عليه قائلا.
بالراحة يا حبيبي.. خليك مكانك.
سأل صهيب بصوت مبحوح من التعب.
فيه إيه. إيه اللي جرا.
حبس فكري حزنه في صدره وهتف محاولاً طمأنته.
العربية اتقلبت بيك وربنا نجاك بأعجوبة.
إنت الحمد لله بخير ومحتاج راحة وبس.
رجلك فيها شرخ بسيط وجبسناها وهنفكها أهو.. كلها عشر أيام وتتحسن.
هنا توقفت صهيب وقطب جبينه بذهول وكأن عقله استيقظ فجأة فقال بتهكمٍ ممزوج بالحيرة.
شرخ وهنفكه حد بيفك شرخ في عشر أيام؟
هتف فكري.
لا هما خمستاشر يوم انت بقالك تلات ايام نايم يا حبيبي وربنا نجاك.
سكنت ملامح صهيب كأن الزمن توقف به وقطب جبينه بذهول مرعب وهو يردد بآلية.
تلات أيام؟ أنا نايم تلات أيام؟
هتف فكري مؤكدا.
أيوة تلات أيام كأنهم سنة.
في تلك اللحظة انقشع ضباب الذاكرة فجأة ليتذكر فلك والزنزانة التي أوصدها بيده.
فانتفض في فراشه كمن مسته النار يهب مذعورا.
لا لا نهار أسود لا لا.
وبدأ يمزق أسلاك الأجهزة التي تقيد جسده بذعر هستيري وحاول النزول فتخاذلت قدماه وسقط من فراشه كجبل انهار من قمته وانتابه دوار عنيف جعل العالم يدور من حوله وتاهت ملامحه وهو يصرخ بجنون.
لا لا قوموني ودوني ليها لا لا مش هسيبها تموت هناك.
لا لا هيا عيل حد يوديني ليها.
إلى أنه ارتخي فجأه ليغيب مرة أخرى في ثبات عميق كأنه يهرب من بشاعة ما تذكر.
ذعر فكري وأدهم واستدعوا الأطباء بقلوب واجفة وبدأ الكل في العناية به ليلملموا شتات جسده المحطم ويعيدوه إلى ثباته القسري.
مر يوم آخر عليه كأنه دهر ليتم أربع أيام كاملة تاهت فيها الأرواح في ملكوت الله لتعود روح صهيب أخيراً وتفتح عيونها على حقيقة مرة.
ظل يستوعب ما يدور حوله لثوان قبل أن يهب مذعورا برعب اجتاحه ينهش أوصاله.
اقترب أدهم بخوف.
مالك يا حبيبي فيه إيه؟
صرخ صهيب بهياج وذعر زلزل أركان الغرفة وقلبه يدق بجنون كطبل حرب.
زمانها ماتت نهار أسود زمانها ماتت.
فكري بقلق قاتل.
مين اللي ماتت؟
قام صهيب مسرعاً يترنح كالسكران من هول الصدمة.
أنا لازم أروح الفيلا حالا ودوني الفيلا.
مسكه أدهم يحاول كبحه.
بالراحة طيب رجلك والشرخ اللي فيها.
فصرخ صهيب بهياج أعمى.
تولع رجلي ويولع العالم كله بسرعة وديني الفيلا بقولك البت محبوسة فلك محبوسة بقالها أربع أيام من غير مية ولا نور.
انصعق فكري وتجمدت الدماء في عروقه.
أنت حابس مراتك؟
نظر أدهم إليه باستنكار واحتقار شق وجهه.
مراته؟ أنت اتجوزت يا حلوف من غير ما تقولي؟ والله أنت عيل زبالة.
هتف فكري بغضب تفجر كبركان.
البيه حابسها ومتجوزها غصب؟ وهي حامل ومبهدلها ومستني منها إيه غير الموت؟
صرخ صهيب بهياج ورعب شل تفكيره.
أنتو واقفين تشقطوني لبعض وتتحاسبوا معايا؟ ماتيلا يا زفت البت بتموت محبوسة.
انطلقوا كالسهم وانهي أدهم الإجراءات وانطلق به إلى الفيلا في سباق مع قدر لا يرحم.
تسنده صهيب وهو يجر خيبته وعجزه وأسرعا إلى القبو الذي يفوح منه غدر البشر.
نظر فكري للمكان بذهول ثم التفت إليه بنظرة احتقار.
نهارك طين أنت حابس البت في القبو ده؟
فصرخ بالحارس بجنون وهلع لم يكن في عقله إلا هي ولا في قلبه إلا نيران تحرقه خوفا مما قد حل بها.
صرخ بصرخة شقت سكون الفيلا.
افتح الباب اكسره بسرعه وأنت هات دكتور بسرعة.
اندفع الحارس وبكل قوته كسر الباب وما إن فُتح حتى تجمد الجميع في أماكنهم.
كان المنظر مرعبا يزلزل القلوب.
وجدوا فلك ملقاة في زاوية القبو في حالة لا يرثى لها جثة هامدة لا حراك فيها تفترش الأرض الباردة بقميص خفيف كان هو من ألبسها إياه بعد أن مزق ثيابها في ليلة جنونه.
انفجر صهيب في رفاقه والحراس كالمجروح.
ماحدش يدخل... ماحدش يدخل.
وتقدم برعب ينهش جسده.
كان صهيب يقف مشدوها امام جسدها الساكن ينهشه ذعر خفي لم يألفه من قبل ذعر لا يفسره عقل.
كان يراقب صدرها الذي يكاد لا يتحرك ويشعر برهبة زلزلت كيانه كأن خروج روحها يعني نهايته هو وضياعه في تيه لا قرار له.
كان يتخبط في افكاره بين التكذيب والواقع يرفض ان يصدق ان هذه القوة الطاهرة ستذهب وتتركه وحيدا مع بشاعته.
سحبت معها كل قوته الزائفة وتركت خلفها رجلا مهزوما يرتعد من غيابها.
وقع بجوارها يشدها إلى صدره يحتضنها بقوة كأنه يحاول ضخ الحياة من جسده إلى جسدها وهو يصرخ.
فلك فلك اصحي.. فلك أنا آسف والله ما كنت في وعيي.. والله كنت غيبوبه أسف والله أسف.
ظل يهزها وهي بين يديه كالريشة في مهب الريح بلا أدنى استجابة يردد بذعر.
فلك والله لا.. أنا آسف.. لا والله لا.. فوقي يا فلك.
إنت قويه آنتي اقوي حد شفتو قومي ما تعمليش كده.
دخل فكري ووقف يشاهد المأساة بذهول ثم صرخ بهلع.
دي ماتت ولا إيه.
وضع صهيب يده المرتعشة على عنقها وفجأة شعر بنبض ضئيل نبض واهن يتمسك بالحياة كخيط واهن فصرخ بلهفة.
لسه بتنبض.
صرخ في الحارس ليحضر ماء.
فاتجه فكري وأحضر الكوب مسرعا وأعطاه لصهيب الذي بدأ بوضع قطرات الماء على شفتيها اليابستين بهدوء ممزوج بخوف عظيم.
يسقيها وهي مرتخية تماماً بين يديه.
وضعها صهيب برفق وقام بصعوبة بالغة وهو يصرخ في الحارس أن يحضر الخادمة بملابس فورا.
أتت الخادمة وألبستها وحين حاول صهيب حملها خانه جسده وعجزه فنظر للحارس "عصام" بغضب ومرارة وقال بقهر وغيره مميته.
تعالى شيلها.. دقيقة وتكون فوق.. فاهم؟ تاخدها وتجري بيها لفوق.
الحارس تقدم برهبة وهو ينظر لوجهها الشاحب وتمتم بقهر.
دي ماتت ولا إيه.
فصرخ صهيب بجنون يرفض به الحقيقة.
اخرس فيها نبض.
وظل يقطر الماء في فمها يحتضنها بحنان يمسد علي راسها ووجهها وكل حين ينزل أنفاسها يستشعرها بزعر حتى أتى الطبيب.
فحملها الحارس وصعد بها عدوا كما أمره صهيب لكي لا يطول تلامسه مع جسدها الواهن.
انتظر أدهم وفكري بالأسفل بوجوه يعلوها الوجوم بينما بدأ الطبيب الكشف عليها وعلق لها المحاليل بسرعة ثم وقف ينظر إليها بأسى وحزن والتفت إليهم قائلا.
أنتم لحقتوها بأعجوبة.. هي علميا كانت المفروض تموت.. أربع أيام من غير مية ده كتير جدا على جسمها.
سأله صهيب بلهفة وقلب يكاد يتوقف.
طب حالها إيه؟ طمنا.
تنهد الطبيب بعمق وقال.
هي طبعا حالتها مش مطمنة.. مش هنعرف حاجة غير لما نفضل جنبها نديها المحاليل ونستنى ونشوف لما تفوق وضعها هيكون إيه.
اندفع صهيب آمرا بلهجة يحاول استعادة سلطة.
خليك جنبها ماتسيبهاش فاهم.
وظل يرمقها بنظرة يأكلها الوجع وقلبه يرتجف بين ضلوعه كعصفور ذبيح يراقب استكانتها وهوانها الذي لم يألفه من قبل.
ثم تحامل على أوجاعه وتسند على عكازه ليخرج منكسرا يجر خلفه خيبته وهياجه ونزل إليهم.
اندفع فكري بلهفة مشوبة بالخوف.
إيه العيل مات.
رد صهيب بضيق يكاد يخنقه.
عيل إيه بس هي مش حامل.
قطب فكري جبينه بأسى.
برضه مافيش فايدة لسه بتكابر.
صرخ صهيب حانقا.
ماهياش زفت كانت بتكدب بطل بقه أنا فيا اللي مكفيني ونيران الندم تشتعل في صدره.
اقترب أدهم في حيرة من أمره.
فيه إيه ماترسوني عالحوار.
هتف صهيب بنفاذ صبر وروح غائبة.
أدهم خد عم فكري وصله أنا تعبان ومش قادر أقف على رجلي.
فكري بحدة وصدق.
يوصلني فين أنت فاكرني همشي وأسيبك تموت البت دي آخرتها تحبسها وتعمل فيها كدة.
أدهم متسائلا بذهول.
طب هي مين طيب وفيه إيه بالضبط.
فصرخ صهيب بانهيار مكتوم.
بقولك خده وصله أنا مش طايق روحي ولا طايق نفسي.
تنهد فكري وقد رق لحاله المبعثرة واقترب أدهم من فكري متعجبا.
مين دي اللي خايف عليها قوي كدة أول مرة أشوفه في الحالة دي مين دي اللي هزت صهيب الشامي كدة.
تنهد فكري بيأس.
يلا يا بني أقول إيه.
واستدار ووراءه أدهم الذي يغرق في بحر من الأسئلة لا جواب لها.
ظل صهيب جالسا وحده يأكل نفسه والذعر لا يبرح مكانه في أعماقه فهتف في صمت يكلم روحه التائهة.
يهذي في سره كالمجذوب.
كانت هتموت.. هتموت وتسيبني.
تذكر وجهها الشاحب وشعر بشهقة الروح تنسحب من صدره تساءل بمرارة هزت كيانه.
إنت إزاي وصلت لكدة... كنت هتقتل روح بايدك إنت إيه... عمرك ما كت مغلول كدة أحس بشعور مخيف.
لم يستوعب فكرة العدم فكرة أن يفتح عينيه فلا يجدها فصرخ داخله.
مش مصدق.. لو ماتت كان.
ولم يكمل الجملة بل وضع يده على قلبه بقوة كأنما يمسك نبضه الذي أوشك على التوقف شعر بنغزة مميتة نغزة لا تشبه ألم الجسد بل هي طعنة الروح في مقتل.
انفجر بهياج مكتوم وصدره يعلو ويهبط كأنما يصارع الموت معها.
لا لا.. ماتموتش.
لا ماينفعش.
كانت صرخته استغاثة غريق وحيداً في ظلام ذنبه أمام واقع يواجهه بقية عمره وهو يحمل لقب قاتل لأكثر إنسانة جعلت قلبه ينبض ولو بالوجع.
كان يهتز من داخله لا يعلم ما به.
أنت مالك مرعوب كدة ليه فيه ايه اهدي انت اتهبلت اهي هتبقى كويسة خايف على إيه ومالك بتترعش كدة فيه إيه.
كان يشعر بهياج وعدم اتزان وصراع داخلي يمزق أوصاله وبدأ يطمئن نفسه كاذبا.
هو بس عشان ذنبها في رقبتك عادي أهي روح ما الواحد بيعطف عالحيوان اقعد ريح ونام أنت تعبان وكفاية اللي حصل.
ظل يأكل حاله في جنون.
اهدي بقه مالدكتور عندها ماتهمد بتتحرق ليه أنت وبتتعذب ليه كدة.
كان هذا الذعر الخفي ينهش في ثباته كأنه يدرك يقينا أن فلك لم تكن مجرد عابرة.
تحامل صهيب على أوجاعه التي تنهش جسده وتسند على عكازه وصعد الدرجات كأنها جبال لم يكن يقوده سوى ذلك المغناطيس الخفي الذي يجذبه نحو غرفتها.
دخل الغرفة ليجد الطبيب جالساً يراقبها لكن نظرات الطبيب لم تكن طبية بحتة بل كانت مشوبة بابتسامة إعجاب نالت من جمالها البراق الذي لم يطفئه حتى الشحوب.
في تلك اللحظة.
اشتعلت في صدره نيران غيرة لا يعرف مصدرها وضاقت أنفاسه وهو يرى غريباً يتأمل صيده الثمين.
ابتسامه بلهاء من ولهان غريب فزأر بصوت مخنوق بالغل.
أنت مبتسم ليه هو سيرك فيه إيه.
ارتبك الطبيب وتلعثم وهو يحاول تبرير نظرته.
لا أبدا والله.. الآنسة بس حالتها صعبة وأنا براقبها.
شعر صهيب بحرقة تأكل أحشاءه ونظر إليه نظرة كادت أن تخترقه.
طب اتفضل يلا على تحت.. أنا هناديلك كمان شوية.
خرج الطبيب بارتباك بينما ظل صهيب واقفاً يغلي من الغضب وهو يتمتم بحنق.
بيبتسم على إيه ده وبيبص على إيه إيه القرف ده.
وقف بالغرفة التي يغلفها صمت القبور إلا من صوت أنفاسها الواهنة التي تصارع للبقاء وصوت المحاليل التي تقطر في عروقها الحياة قطرة بقطرة.
وقف بعيدا عنها لثوان يراقبها برهبه كأن اقترابه سيكسر ما تبقى منها.
ثم دنا منها بخطوات مثقلة بالندم والرهبة وجلس بجوارها على طرف الفراش بقلب يرتجف رهبة غاب في ملامحها لفترة وكأنه يكتشفها لأول مرة.
مد يده المرتعشة يزيح خصلة متمردة من شعرها المقصوص ورغم آلام جسده التي كانت تصرخ منه إلا أنه تحامل على نفسه وركن بجوارها.
مد يده المرتعشة وظل يحوم بها فوق وجهها ظل ينظر لملامحها وتأمل شعرها المقصوص الذي يذكره في كل لحظة ببشاعة ما فعل كان يسأل نفسه بضياع.
ليه ليه عملت فيكي وفي نفسي كدة وليه خايف تروحي للدرجة دي.
شعر بذعر خفي يسري في أوصاله كلما رأى جفونها ساكنة لا تتحرك فدنا أكثر وهمس بصوت مبحوح يخنقه.
فلك قومي ماكنش قصدي ماكتش بوعيي.
كان يكلم نفسه بهستيريا صامتة وهو يرى كبرياءه يذوب تحت قدمي روح كاد أن يزهقها بيده.
وضع يده أخيرا على طرف يدها الباردة فشعر ببرودة جمدت الدماء في قلبه فجذب يده بسرعة ظل جالسا ياكل في نفسه وتفكيره يتخبط بين الرفض والتصديق وهو يراقب الساعة التي تمر عقاربها فوق صدره كأنها سياط تجلده.
بدأ يتلمس خدها باريحية غريبة وشعور مجهول ينساب إلى قلبه يغسل قسوته فارتسمت على شفتيه ابتسامة لا إرادية ابتسامة ولدت من رحم الانكسار.
استسلم لضعفه وجذبه سكونها فمال بجسده المنهك لينام بجوارها يتاملها لأول مره بهذا القرب والسكون.
ارتخت ملامحه من أي عبوس أو قسوه ملامح هلاميه ناعمه وبلا وعي منه شبك يده بيدها الهزيلة وضمها إلى صدره كأنه يخشى أن تتسرب من بين أصابعه يراقب تنفسها وعينه لا تغفل عنها لحظة خوفا من أن تخطفها العتمة وهو نائم.
مد يده الاخري يداعب خدها مسك خصله من شعرها وضعها علي أنفه تذكر تلك الخصله التي قصها قبض عليها بقسوه أغمض عينيه يريد أن يمحي تلك الذكري.
ظلت أنامله تجوب وجهها لتأتي عند شفتيها وتتوقف.
نعومه شفتيها انتقلت لجسده بقشعريره زادت أنفاسها وأدخلته في حاله أقرب التوهان.
همس قبل أن يتوه.
اسف والله اسف ماكنش قصدي اسف روحك دي أموت لو كان جرالها حاجه.
تلجلج ثم همس بصوت غير مسموع.
انا... أنا.... مش وحش أنا أنا مش كده.
اقترب أكثر ووضع راسه يلامس راسها يستنشق أنفاسها محتضنا يدها.
وغاب في ثبات عميق وهو يحتضن ضحيته التي أصبحت في تلك اللحظة هي أمانه الوحيد.
فتحت فلك عيونها ببطء وهي تظن أنها غادرت هذا العالم الموحش إلى الأبد فقد مرت بحاله من الرعب لم يختبرها بشر.
أربعة أيام من الصراخ وأربعة أيام في ظلمة حالكة نهشت عقلها وتلاعبت بتنفسها حتى باتت الخيالات البشعة تطاردها كأنها حقيقة.
وعندما انقشع الضباب عن عينيها لم تجد وجه الرحمة بل وجدت وجه من سلبها الحياة وحاول قتلها يلاصق وجهها ويدها تنام في قبضه يده.
لتنتزع يدها من أحضانه بصرخة مزقت سكون الغرفة.
انتفض صهيب برعب وهلع.
إيه فيه إيه.
وما إن تلاقت عيناه بعينيها المرتعبه حتى أحس بطعنة في قلبه همس بلين يحاول استجداء هدوءها.
ماتخافيش ماتخافيش والله ماتخافيش إنت في أمان.
لكن صراخها ازداد حدة كانت ترى فيه الموت مجسداً أمامها.
وبينما يحاول الاقتراب لتهدئتها تعالي هياجها اندفع الطبيب نحوها فتعلقت به بخوف هستيري كأنها تتمسك بطوق نجاة واحتضنته بشدة وهي تخفي رأسها في صدره.
اشتعل صهيب غيرة وغضبا صدره يغلي من نار قربهم صرخ بجنون.
ابعد عنها.
ماتلمسهاش.
لكنها كلبشت في الطبيب أكثر وأخفت وجهها عن رؤيته فصرخ بصوت مكسور يملأه الندم.
ماتعمليش كدة مش هعمل حاجة والله ما هعمل حاجة أقسم بالله اهدي.
كانت تنظر إليه برعب فصرخ بهياج.
ماتبصليش كده بطلي بقه مش متحمل.
أحاطها الطبيب بذراعيه ليحميها من رعبها وهتف بحزم.
صهيب بيه يا ريت تخرج أنا ههديها من فضلك ماينفعش كده.
كانت تصرخ وهي لا تعي من الواقع إلا وجه صهيب الذي صار كابوسها الأكبر.
ليستدير صهيب بقهر وغضب مميت مرغما يجر عكازه والغضب ينهش روحه وتركها للطبيب الذي أعطاها مهدئا حتى سكنت أنفاسها وخرج له متنهدا.
ليقول بحذر.
من فضلك حاول بس فترة ماتخشلهاش.
قاطعع صهيب بغضب.
مش أنت اللي تقولي أعمل معاها إيه فاهم.
تنهد الطبيب بيأس.
عشان بس حالتها صعبة.
نظر إليه صهيب بنظرة قاتلة واستدار ونزل للأسفل واستدعى الخادمة وأمرها بلهجة وعيد.
تخليكي فوق مع الهانم تلزقي فيهم إياك تسيببها مع الدكتور لوحدها ولو بصلها خليه يلف وشه إنت فاهمة والله أسود عيشتك.
عارفه لو لمحتك مش قاعده انت حره.
استدار ودخل مكتبه يغلي كمرجل من النار وجلس يأكل نفسه من الداخل.
بتبصلي كأنها شايفة عزرائيل ومكلبشة فيه وحضناه ربنا ياخده دكتور زباله ومحضن ومزفت ومن شويه نازل بص وفاتح بقه.
إيه إلهم ده البت مكلبشة في الزفت كأني هيموتها.
ثم سكن قليلا وهتف في نفسه بمرارة.
مانت يا زفت كنت هتموتها فعلا عبوشكلك أهي دعت عليك ورشقت في عربية وافرض قعدت أكتر كانت ماتت كانت هتتحمل روح قدام ربنا أنت إيه القرف ده بسببك كانت هتموت ربنا ياخدك أنت كمان آخرتها تموت روح.
تذكر الطبيب فجأة فعاد إليه غيظه.
عيل ملزق ماصدق تكلبش وقفش فيها قال إيه سيبها أهديها.
كان يغلي ثم صرخ بحدة وقهر.
هو أنا باكل في نفسي ليه طيب ماتكلبش ولا تزفت مالي بيها.
انتفض صهيب بحرقة وهو يتخيلها ترتخي بين أحضانه وعقله يغلي كالمرجل.
تكلبش إيه كلبشك عزرائيل دي مراتك لازم تحترم نفسها والله أموتها لو لمست حد.
أنا جوزها.
ثم تنهد بأسى وهو ينظر لنفسه في المرآة.
أنت عبيط.. دي مش واعية يا بهيم ربنا يشفيك من اللي أنت فيه.
غرق في دوامة.
أعمل إيه بس عشان ماشوفش الرعب ده في عيونها أنا مش قتال قتلة.
وبسبب وهن جسده وفترة النقاهة غلبه التعب فركن على الكنبة وغط في نوم عميق.
مر الوقت واستيقظت فلك كانت ملامحها لوحة من الخوف والترقب فاقترب منها الطبيب بهدوء وهتف بصوت يملؤه الحنان.
مفيش حاجة تخوف أنا معاكي أهو.
نظرت إليه فلك، رأت في عينيه طيبة افتقدتها فهمست بصوت واهن ورهبه.
هو فين.
ابتسم مازن مطمئناً إياها.
تحت ماتخافيش.
قوليلي مالك مرعوبه كدة بيعمل فيكي إيه أنا جنبك.
لم يقطع تلك اللحظة إلا صوت صهيب الغاضب الذي اقتحم الغرفة.
جنبها إزاي يعني فهمني وهتعمل فيها إيه.
انكمشت فلك فور رؤيته صهيب الطبيب بغضب مكتوم.
اتفضل عايز أتكلم معاها.
تشبثت فلك بيد الطبيب في ذعر فصاح صهيب والغيرة تأكل قلبه.
قلت اتفضل.
خرج الطبيب متأسفا فانكمشت هي أكثر في فراشها.
صرخ صهيب بقلة حيلة.
ماتبصليش كدة أنا مش هموتك أنت مجنونة إزاي تترعبي كدة وتفكري فيا.
أنا عملت حادثة ونمت أربع أيام ماحسيتش بحاجة.
ظلت تنظر إليه برهبة فاقترب منها فضمت يديها إلى صدرها فاستغفر ربه وهتف بمرارة.
شايفة رجلي أهي متربطة مش سيادتك دعيتي عليا.
أهي رشقت فيا والعربية ادمرت وأنا رقدت أربع أيام.
والله ما كنت هسيبك أنت فاكراني إيه؟
طرفت بعينيها بخوف فابتسم رغما عنه واقترب ليمسك يدها فرغم محاولتها للابتعاد شدد عليها وهتف.
والله أنا مش مجرم ولا ممكن أموتك.
نظرت إليه بلين لأول مرة فهيا لم تراه هكذا من قبل فابتسم وقال.
هاه مصدقاني.
بلاش نظرة الخوف دي مش متعود عليها فين فلك اللي بتنطحني؟
نظرت إليه بغضب طفولي فضحك.
أنا كنت هرجع أخرجك تاني يوم والله كنت هرجع.
ضحك بعفويه.
كنت بربيكي بس على عمايلك السودة.
هنا اشتعلت فيها نار ظلمه فانتفضت.
تربيني.
تقوم تموتني.
أنت إيه جاحد.
ابتسم صهيب رغما عنه فصرخت بقهر.
بتضحك على إيه أنت معندكش دم يا جبلة يا جاحد.
انت ربنا ياخدك يا أخي إنت مش طبيعي.
مدت يدها وخبطته غور من قدامي نصيبه تشيلك وتاخد أجلك.
كان من المتوقع أن يتصاعد غضبه ولكنها تفاجأت أن انفجر ضاحكا قطبت جبينه.
نظر إليها نظرة حالمة خرجت منه رغما عن كبريائه.
حمد الله على السلامة.
كدة أطمنت إنك بقيتي كويسة.
هتفت بغضب والدموع تفر من عينيها.
كويسة؟ أنا عمري ماهبقى كويسة طول ما أنت في حياتي أنت مش عارف أنا عشت إيه.
ثم انفجرت بالبكاء.
تنهد واقترب منها شدها بقوه يحتويها بين ذراعيه همس بلين غريب.
خلاص بقه أنا فعلا المفروض ماكنتش أعمل كدة.
دفعته بقوة.
حتى مش هاين عليك تقول أنا آسف.
أنا مش مسامحة في حقي وحقي منك عند ربنا روح بذنبك وسيبني في حالي.
تنهد صهيب وقال.
يعني لو اعتذرت خلاص هتسامحي؟
ردت بتهكم.
وأنت هتعتذر؟ ده أنت غراب بتعض فيا صهيب بيه يعتذر.
قال بكبرياء.
لا صهيب مش بيعتذر بس حبيت أقولك إنها مش هتتكرر تاني.
وأذي روحك مش هيحصل.
وانك تتعرض لكده يمين الله ماهتتكرر ودا وعد.
اقتربت منه وقالت بمرارة.
إنما تأذي نفسيتي عادي.
تموت قلبي من الرعب عادي.
أنت بجد مش مقدر أنت في مصيبة.
وقبل أن يرد دخل الطبيب مازن.
صهيب بيه من فضلك عشان أديها أدويتها.
نظر إليها صهيب وخرج بصمت لم يعد يتحمل نظرة الكره في عينيها.
داخل الغرفة عرض مازن عليها الخروج للجنينة أو صنع نسكافيه وابتسمت له فلك فقال بلطف.
أنا مازن.
همست.
اتشرفت يا دكتور أنا فلك.
رد عليها.
لا دكتور إيه أنا مازن بس وأنتِ فلك.
شعرت بلين تجاهه ونزلت معه للمطبخ تحت مراقبة الخادمة.
ظل مازن يحكي عن نفسه ثم سألها.
وأنت أمنيتك إيه يا فلك؟
ردت بيأس.
نفسي الفترة دي تعدي وبس كان عندي أماني كتير وراحت بأبشع طريقة.
سألها مازن.
أنتِ مرتبطة؟
قطبت جبينها.
مرتبطة بشكل معين وهفك بعد شهرين برضه.
سألها باستغراب.
يعني اللي مرتبطة بيه مابتحبهوش؟
ضحكت فلك.
ولا بطيقه.
قطع ضحكتها صوت صهيب الغاضب.
وأنت مالك تحبه ولا ماتحبوش؟
أنت جاي تعالجها ولا تجالسها؟
ارتبك الطبيب فقام صهيب مشتعلا وصعدت فلك لغرفتها هاربة من نظراته.
لحق بها صهيب وجدها تبتسم لمازن وتقول.
بتعبك يا مازن مرسي ليك.
أحس بنار الغيرة تلتهم أحشاءه وهو يرى مازن يدثرها في الفراش بحنان وهي تقول له.
ماتسيبنيش إلا لما أنام أنا بخاف.
فصاح صهيب بحرقه ونبره مكتومه من الغيظ.
اتفضل بقى من هنا.
خرج الطبيب على مضض فاقترب صهيب وصعد بجوارها في الفراش فانكمشت.
فقال بنفاذ صبر.
نامي مش عايزه تنامي اتفضلي انا قاعد متهبب أهو مش هنطق نامي والله ماحاجه هتحصلك بقه.
اعطته ظهرها وظلت فتره حتي هدأت ونامت.
ظل هو يراقبها وعندما رآها تنتفض في نومها جذبها إليه ومسد على جسدها بروية فاحتضنته هي في نومها وتشبثت به فخفق قلبه بعنف وشدها أكثر يحاوكها بكلتا يديه وهمس.
بتبقي حلوة وأنت نايمة يا فلك قطة مغمضة بس لما بتصحي بتخليني عايز أهبد راسك في أتخن حيطة.
تنهد وهو يراقبها.
أنا حاسس إني على آخر الشهرين دول هتربى من أول وجديد.
ظل ثابتاً في مكانه يرمقها بنظرات غريبة يمتزج فيها الندم بالرغبة في التملك واللين.
كان ينظر إليها وصراعه الداخلي يمزقه يحدث نفسه بكلمات يملؤها التناقض المر.
أنا بجد كنت هموت الروح دي؟
إزاي قدرت أسجن الرقة دي في القبو.
ثم انتفض كبرياؤه فجأة ليرد على نفسه بغضب.
ما.. ما هي تستاهل.. هي اللي وصلتني لكده بلسانها وعنادها أنا صهيب الشامي مفيش واحدة تكسر كلمتي.
تأمل وجهها الشاحب فشعر بنغزة في قلبه وهمس داخله.
لا حتي لو ماينفعش دي روح دي دي فلك.
تنهد.
يا ريتها تفضل نايمة كدة هادية ومستكينة وفي حضني مش حابب أشوف الخوف في عينيها.
ثم تذكر ضحكتها مع الطبيب فاشتعلت النيران في جوفه مرة أخرى.
بتقوله يا مازن ونازله ضحك له؟ دي لازم تتربى من أول وجديد.
هز راسه بيأس.
بس أخاف أربي فيها تموت مني بجد.
لا ماينفعش.
أنا إيه اللي جرالي؟ بقيت بخاف من رمشة عينها وهي كانت مجرد مأمورية وهتخلص.
ظل يحدق فيها وهو يشعر أنه سجينها لا سجانها يريد أن يضمها ليدفن رأسه في عنقها ويعتذر وفي الوقت نفسه يريد أن يصرخ فيها ويذكرها أنها ملكه هو فقط.
ملك صهيب الذي لا يرحم.
كان يرى فيها كل ما يكره وكل ما يعشق في آن واحد.
وتيقن في تلك اللحظة أن الشهرين القادمين لن يكونا مأمورية عابرة.
بل سيكونان رحلة شاقة سيعيد فيها اكتشاف رجولته التي انكسرت أمام طهرها وخوفه الذي تولد من داخل قسوته.
ظلت حواراته تخبطه ما بين اللين و الشده لا يعلم مابه انحني بشفتيه علي جبهتها قربها يفعل به شيء يريده يجعله بداخله هدوء غريب لم يسبق أن احس به.
تنهد وابتعد وركن يتاملها.
ظل يتأملها بفتون حتى بدأت تفتح عينيها لتجده غارقا في ملامحها فانتفضت بذعر.
فور أن تلاقت عيناها بعينيه وهي في أحضانه و.
رواية سيد الكبرياء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو سلطان
كانت غارقة في نومها حين بدأت تفيق رويدا رويدا حتى استيقظت على شعور غريب يطوقها.
يد صلبة تحيط بخصرها وكأنها قيد.
فتحت عينيها ببطء لتلتقي بنظرات صهيب التي كانت تخترقها بجمود غامض.
وجدته يراقبها بصمت بنظرة غريبة، ليست غاضبة كعادته، وهي تتوسد صدره ويدها تنام بين يديه.
انتفضت بجسدها محاولة الفرار من ذاك الحصار، إلا أنه لم يمهلها، إذ شدد قبضته عليها مكلبشًا إياها بذراعيه وهو يتمتم بنبرة حادة:
"اهمدي بقى، هو أنا هقتلك؟"
تململت بين يديه بضيق، فما كان منه إلا أن جذبها إليه بقوة أكبر حتى التصقت به تمامًا، فصرخت فيه باحتجاج:
"أوعى، أنت قافش فيا كده ليه؟ سيبني خليني أقوم."
هنا اشتعلت عيناه بشرارة غيرة مكتومة ورد بنبرة يملؤها الغضب:
"آه عشان تنزلي وتلزقي في الحلوف اللي تحت، صح؟"
ردت عليه والنار تشتعل في صدرها:
"مالك أنت، ألزق ولا أتهبب، أنت عايز مني إيه يا أخي، بختك كت مت وارتحت."
اندفع كالصاعقة فقال غاضبًا بصوت مرتبك:
"قلت لك كان غصب عني، هي غنوة وقصة."
صرخت فيه والدموع توشك أن تفر من عينيها:
"آه، غنوة بسيطة، كنت بس هموت فطيس عشان البيه يرتاح، كنت هتفرح وقتها صح؟"
اقترب منها بحدة وعيناه تعكس صراعًا داخليًا مريرًا ورد بصوت قاطع:
"لا، ما كنتش هفرح، أنا مش جايبك هنا عشان أموتك."
ردت بغضب وقهر:
"لا، عشان تذلني، عارفة."
قاطعها غاضبًا:
"بذمتك اتذلتي؟ ده أنتي بهدلتِ أمي يا شيخة. ده أنا ما عادش نافع من عمايلك السودة، ده أنا اتدغدغت واتشلفطت وعربيتي راحت."
قالت بغضب:
"أوعى طيب، عايز إيه أنت؟"
شدها إليه قائلاً:
"نرتاح وننام."
خبطته بصدره:
"نامت عليك حيطة، أوعى إما أقوم."
قال بإصرار:
"لا، هنام، أنت تعبانة وأنا تعبان."
صرخت:
"ما تغور تنام في مصيبة تشيلك، أوعى إيه ده؟"
تنهد بضيق:
"أنا حايل نفسي بالعافية، ما تلمي لسانك بقى."
رفعت رأسها وهي لا تزال فوق صدره:
"وإن ما لميتوش هتعمل إيه؟ هتجيب سكينة وتقطع فيا؟"
كانت قريبة من وجهه لدرجة جعلت الغضب يتبخر منه، فابتسم رغما عنه.
فثارت وضربته:
"بتضحك على إيه يا جبلة؟"
شدد على خصرها وهمس بغمزة غامضة:
"أقولك هعمل إيه وتسيبيني أعمل؟"
قطبت حاجبيها، فنظر لشفتيها.
فشهقت وأنزلت رأسها لصدره سريعا، فهي تعلم جبروته.
فصدحت ضحكة عالية منه جعلتها تنكمش على صدره.
فحاوطها أكثر.
تنهدت بغلب، فظل يمسد على شعرها ثم همس بنبرة غريبة لم تعهدها، زالت منها التعالي:
"والله كان غصب عني، وما كنتش هسيبك، والله كنت هرجع أفتح لك، وبقولك أهو، مش هعملها تاني."
صمتت ولم تتكلم، فهمس:
"صدقيني والله."
استعجبت من إصراره، فرفعت وجهها تنظر إليه وهمست بتعجب:
"أنت يهمك يعني؟"
تنهد وهز رأسه، وجدت بعيونه صدقًا ونظرة غريبة.
أحنت رأسها وهمست:
"طب أوعى بقى، عايزة أنزل دلوقتي."
تذكر الطبيب فقال بنبرة مشتعلة:
"مش عايز الواد اللي تحت ده تكلميه، مالكيش دعوة بيه."
قطبت بحدة:
"مازن؟ مالك بيه؟"
صرخ بغيرة:
"مالك؟ حاسساني إنه من بقية أهلك."
ردت بعفوية كلت قلبه:
"بقينا أصحاب، مالك أنت، حد طيب وحنين؟"
كاد أن ينفجر من الغيظ ورد غاضبًا:
"ما تطلعيش زرابيني، فاهمة."
قامت ودفعته بقوة:
"طلعها، هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ أنا شفت الموت بسببك، فاضل تقطع فيا؟ امتى الشهرين يخلصوا عشان أغور من هنا؟"
رد هو مندفعًا:
"هتروحي فين؟ بيت عمك ما عادش ليكي حد. أنا، أنا ممكن أسيبك تقعدي، ما تمشيش بعد شهرين. البيت عايز حد يراعيه."
دمعت عيناها، فهي فعلا ليس لها مكان.
صرخت بقهر:
"عايز تشغلني خدامة لسيادتك؟ أنا آه ما عنديش حد ولا عاد ليا حد، بس إني أبقى معاك هنا لو هموت من الجوع أهون لي. اطمن، ما تحملش هم قعدي في الشوارع. الشوارع فيها نفس عن أي حتة تانية."
قامت مقهورة وتركته باكية ورحلت.
وقف هو غاضبًا يريد أن يلحق بها، لكنه ظل جالسًا يأكل نفسه:
"أنت يا زفت، البت تعبانة وتقولها مالكيش حد؟ أنت إيه؟ ما فيش دم؟ وإيه البيت عايز اللي يراعيه دي كمان؟ أنت عبيط؟ هتقعدها خدامة؟"
تنهد بضياع:
"ما تقعد، إيه المشكلة؟ مالهاش مكان ومش خدامة ولا حاجة، تقعد عادي، يعني إيه؟ حد طايل؟"
تنهد وهو يشعر بتخبط عجيب، يحاول لمس شتات نفسه.
خرج إلى الشرفة، وجدها تندفع نحو الحديقة وترتمي بجسدها المنهك على إحدى الأشجار وهي تنتحب بقهر مزق نياط قلبه.
ارتبك صهيب وتصاعد غضبه من نفسه لأنه أوصلها إلى تلك الحالة من الانكسار.
ظل يتأملها من بعيد وقرر النزول ليخبرها أنها ليست خادمة وأنها ستبقى في بيته معززة مكرمة.
إلا أنه اشتعل كالنار عندما رأى مازن يقترب منها ويضع يده عليها، لترفع عيونها الباكية إليه.
مد مازن يده ومسح دموعها برقة، وصهيب يشاهد المشهد من بعيد وقد أحس ببركان ينفجر في صدره وشرايينه تكاد تتمزق من فرط الغليان.
تمنى في تلك اللحظة لو يقتله وينهي وجوده.
كانت فلك تقف وتشهق بوجع ومازن يحاول تطييب خاطرها.
ليستدير صهيب مسرعًا وينزل إليهم كالإعصار المدمر.
نزلت فلك والدموع تغسل وجهها وهي تهمس بحرقة:
"عايزني أشتغل خدامة؟ ماليش حد يتحكم ويذل براحته."
كانت تبكي.
ظهر مازن فجأة يهتف بقلق:
"مالك فيكي إيه؟"
وأمسك يدها بلهفة.
تنهدت بمرارة وشدت يدها منه وهي تقول:
"نفسي أموت يا مازن، حاسة بروحي بتتسحب مني."
رد مازن بغضب وغيرة مكتومة:
"عمل فيكي إيه ده؟"
نظرت إليه بحزن موجع، فأكمل مازن:
"أنا مش غبي، أنا شايف إن فيه بينكم حاجة غلط. قوليلي لو أقدر أساعدك بأي طريقة."
هزت رأسها بضعف وقهر:
"ماحدش يقدر يساعدني يا مازن، مفيش فايدة."
هتف مازن بإصرار:
"ليه؟ قوليلي، أنا مش هسيبك له، هو جابرك على حاجة؟ جابرك تقعدي معاه بالعافية؟ أنا شايفك بتخافي منه، أنا ممكن آخدك من هنا فورا، أنت إيه علاقتك بيه بالضبط؟"
قالت بنحيب مرير:
"ماليش علاقة بيه، أنا همشي بعد شهرين، مجبورة أقعد معاه الشهرين دول."
تنهد مازن وسأل بتعجب:
"يجبرك؟ بصي يا فلك، أنا عارف إنهم يومين بس، أنا معجب بيكي وحاسس إني عايزك، لو خايفة منه أنا هاخدك، أتمنى تكوني ليا."
ليأتي صريخه من الخلف كالرعد، فقد وصل صهيب، وما إن سمع تلك الكلمات حتى هاجت الدماء في عروقه وصاح بهياج:
"تاخد مين؟ خدك ربنا، أنت جاي تعمل إيه بالظبط؟"
نظر مازن إليه بتحد وجرأة:
"جاي أداويها وأقف جنبها، أنا شايف إن فيه حاجة غلط وهي بتخاف منك. أنت جابرها على إيه؟ وأشمعنى شهرين وهتمشي ليه؟ مش دلوقتي؟ أنت عايز منها إيه؟"
اقترب صهيب بهياج أعمى وقبض على عنقه وملابسه صارخًا:
"أنت مالك؟ عايز منها إيه؟ ليك فيه إيه؟ ما تخليك في حالك."
اندفعت فلك تحاول تخليص يد صهيب بغضب:
"سيبه يا أخي، أنت إيه؟"
اشتعل غيظًا من دفاعها عنه، فصرخ بنبرة مشتعلة:
"كمان بتحاميله؟ هو فيه إيه؟"
رد مازن:
"فيه إني حاسس بيها. فيه إنها موجوعة بسببك، فيه إنها عايزة تسيب هنا ومش قادرة، وما أعرفش أنت عايز منها إيه."
صرخ صهيب بكلمة ألجمت الجميع:
"عايز إيه دي مراتي، أنت مجنون؟"
بهت مازن ونظر إليها بذهول:
"إيه؟ جوزك؟"
اشتعل صهيب بغيره مرة أخرى:
"هو الهانم ما قالت لكش إنها متجوزاني؟"
نظر إليه مازن متسائلاً:
"أنت متجوزاه؟"
ردت فلك بسرعة وكأنها تبرئ نفسها:
"وهمشي بعد شهرين، جواز مؤقت."
احترق صهيب من كلماتها، فصرخ بحدة:
"اخرسي، ماله هو يعرف مؤقت ومزفت، ماله؟ أنت بتعرفيه أسرارنا ليه؟"
صرخ مازن:
"أنت جابرها على الجوازة، صح؟ ما هو باين من رعبها."
صرخ صهيب بهياج:
"مالك ومال أهلك؟"
قال مازن بإصرار مخاطبًا فلك:
"أجبرك واضح أهو."
هزت رأسها بقهر، فصرخ صهيب بهياج:
"أنت بتهزي رأسك؟ هو فيه إيه؟"
لم تحتمل فلك فانفجرت صرختها:
"إيه؟ أكدب؟ آه، غاصبني وهيسيبني بعد شهرين."
صرخ مازن:
"أنت مجنون، عامل فيها كدة ليه؟ ليه؟ مش هسيبها لك."
نظرت لصهيب فوجدت ملامحه قد تحولت لشيء مخيف، فخافت على مازن وقالت بلين:
"مازن خلاص، مالوش لزوم، ماتتعبش نفسك معاه، ده حد جاحد."
اقترب منها صهيب ولوي ذراعها وقبض على شعرها بعنف، لتدفعه يد مازن بقوة:
"أنت إيه؟ أنت بتمد إيدك عليها وتمسكها كدة ليه؟ كانت عبدة عندك؟"
صرخ صهيب بجنون:
"عبدة ولا زفتة، مراتي وأنا حر فيها."
قال مازن:
"هو جابرك بإيه؟ ماسك عليكي إيه؟ أنت فاكر إنها عشان مالهاش حد تتجبر عليها؟"
اشتعل صهيب وفقد أعصابه:
"الله يخرب بيتك، أنت مالك يا جدع أنت. بره، مش عايز أشوف خلقتك."
نظر مازن إليها:
"سيبيه وتعالي معايا."
هجم عليه صهيب ولكمه بقوة:
"أنت عايز تاخد مراتي مني؟ ده أنا هموتك."
اندفعت فلك بينهما:
"ابعد بقى، حرام عليك، مازن امشي عشان خاطري، أنا كلها شهرين وأخلص من الذل ده."
صرخ صهيب لا يصدق وأعصابه على حافة الهاوية:
"أنت بتقوليله إيه أنت؟"
نظرت إليه بتحدي:
"بقول اللي هيحصل، مش أنت حابسني شهرين تذل فيا؟ زعلان ليه إنه عرف؟ هاه؟"
صرخ:
"وأنت مالك بيه؟ ليه عندك إيه؟ أنت عايزة تقربي من راجل تاني وأنا موجود؟"
سالت دموعها بحرقة:
"أقرب وأنت موجود؟ أنت مش موجود، أنت موجود عشان توجع بس، وليا عنده إيه؟ إيد حنينة صعبت عليه، أنا بقيت أصعب الناس."
هتف مازن بلين:
"لا والله ما صعبة عليا، أنا عايزك."
اشتعل صهيب وهاج:
"نهار أبوك أسود، عايز مراتي وبتقولها قدامي."
واندفع نحوه، فصاح مازن:
"مش لكثير، مش هتسيبها بعد شهرين، أنا همشي ومستنيها تخرج من هنا وهاخدها منك عشان أنت مش مقدر النعمة اللي معاك."
صرخ صهيب في الحرس:
"خدوه بره بدل ما أموته."
فأخذه الحرس، بينما مازن يصرخ:
"أنا مستنيكي يا فلك، أنت مش لوحدك."
اقترب صهيب منها وقبض على شعرها:
"بقي أنت هتروحيله بعد شهرين؟ إيه؟ علق معاكي البيه؟ هاه؟ يومين يعلقك؟ ليه؟ مالكيش راجل؟"
صرخت فلك:
"لا، ماليش، هاه، أنت مش راجل ولا شايفاك راجل، الراجل ماينجبرش على واحدة، أنت آخرك تطلع ساديتك على غيرك، وما سافة ما هخرج هحمد ربنا إنه نجدني منك."
هنا فقد صهيب عقله:
"تخرجي تروحي له؟"
صرخت بغيظ:
"آه، هروح له، يلا انقهر، شالله تموت."
جن صهيب ولم يعد يرى أمامه، فجذبها بعنف قائلاً بجنون:
"أنا هعرفك أنا راجل ولا لا، أنا بقى همارس ساديتي عليكي زي ما بتقولي."
وشدها للأعلى ودفعها وبدأ يخلع ملابسه، وهي ترتعد رعبًا:
"حالا هعرفك أنا راجل ولا لا، ياللي عايزة تسيبيني وتروحي لواحد تاني."
اندفع نحوها وهي تصرخ، بينما هو يمزق ملابسها وينهال عليها.
لتتعالى طرقات وصيحات على الباب.
كان صوت العم فكري قد أتى يتفقده ويصرخ:
"أنت بتعمل إيه؟ افتح الباب ده، افتح بقولك."
تراجع صهيب لتقع هي على الأرض تنتحب بكسرة.
استجمع صهيب نفسه وفتح الباب، وكان بركان غضبه لم يهدأ بعد.
اندفع فكري ووجدها في حالة ممزقة، فصرخ فيه:
"أنت إيه؟ مش بني آدم؟ أنت خلاص فجرت."
صرخ صهيب بهياج:
"دي مراتي وبربيها."
صاح فكري بمرارة ودفعه بعنف:
"مش لما تتربي أنت الأول. سنين وأنا بربي في حلوف ما عاش بيحس. مغرور والغرور هيخلص عليه. جاحد، شايفك ما عندكش ذرة رجولة. أنا اللي تعبت عليك، طلعت واحد ما عندكش رجولة يتجبر على مراته. أنت خلاص ما عدتش بني آدم، أنت حيوان. أنت خلاص فقدت آدميتك، شيطان اتلبس، مت من جوا."
زاد كلام فكري من اضطراب صهيب، فصرخ بتهور:
"أنت إزاي تكلمني كدة؟ أنت فاكر نفسك مين؟ تعبت في إيه يعني؟ ما أبويا كان سايبلي خيره وأنت بتربيني من خيره وعايش معايا في خيره."
تجمد فكري ورجفت فلك لهول الكلمة.
دمعت عين فكري وأحنى رأسه بإنكسار ليدرك صهيب بشاعة ما قال، فاندفع نحوه برعب:
"عم فكري، أنا."
ليقوم الرجل ويمسك بكرسي صامتا وهو يستوعب الصدمة، ثم ابتسم بحسرة:
"صحيح يابني، فاكر نفسي مين؟ على رأيك، خدام ليك ولأبوك وكنت عايش في خير أبوك. بتصرف عليا أنا إزاي؟ ما أخدتش بالي السنين دي كلها. إني فكري الخدام، خلاص، الرأس ما تعلاش عن الحاجب، ومن هنا ورايح اعمل ما بدالك. طيح في خلق الله، أنا ماليش دعوة، أنا آخري أخدمك يا صهيب بيه."
استدار للفتاة وقال:
"حقك عليا يا بنتي، ده ما عادش فيه أمل خلاص، ربنا ينجدك منه."
اندفع صهيب يحتضنه بشدة وهو يهمس:
"بطل، أنت بتقول إيه؟ أنت أبويا، بطل، أنا آسف، والله ما قصدت."
ابتعد فكري قائلاً:
"ما ينفعش يا بيه، الخدام يبقى أب؟ ماتنزلش نفسك، أنت كبير وعالي، وفكري الخدام عايش بلقمته."
وما إن أنهى كلامه حتى ترنح فكري فجأة ووقع بين يدي صهيب، فصرخ صهيب برعب حقيقي:
"عم فكري، لا، والنبي، أنا آسف، والله، أنا اللي زبالة، أنت أبويا، ماليش غيرك."
وحمله وهرع به للخارج كالمجنون، يسوق بسرعة والذعر ينهش قلبه.
فلك التي رأت تبدل حاله من شيطان إلى إنسان مرعوب شعرت بتناقض غريب واستعجبت من تلك التركيبة.
في المستشفى تلقفه الأطباء وصهيب يمسك بيده:
"ما تسيبنيش، أنا ماليش غيرك."
ظل وحيدًا بالخارج يشعر بالخواء، فالعم فكري هو أمانه الوحيد.
خرج الطبيب ليهتف:
"حالته مش مستقرة، هيفضل في العناية فترة، دعواتك ليه."
وقف صهيب ينظر إليه من خلف الزجاج ودموعه تنهمر:
"أنا آسف، أنا حيوان وغبي، ما تسيبنيش لوحدي، أنت اللي ربيتني، أنت اللي نجدتني من الضياع، لولاك كنت هبقى عيل مريض والوصي عليا كان هيموتني، أنت اللي حاربت عشاني، أنت اللي ما رضيت بضياع حقي وهواني. أنت أبويا، والله أبويا."
وانهارت من البكاء.
مر الوقت الجحيم عليه، يلتصق بالحجارة مذعورًا كأنه فقد روحه، والتعب حل عليه بهلاك يأكل بقية ما فيه من تماسك.
ليقرر أن يعود للبيت.
عاد صهيب للبيت يجر قدميه بصعوبة، دخل الغرفة فوجد فلك جالسة بقلق.
ذهب وجلس على الفراش وركن رأسه مغمضًا عينيه بمنظر يخلع القلب، كطفل وحيد.
اقتربت منه فلك وجلست بجواره وهتفت بصوت خفيض:
"هو، هو كويس؟"
لم يرد.
فملست على يده وهمست بحنان:
"صهيب."
استمع لنبرتها التي تغلغلت لقلبه.
فتح عينيه اللامعتين.
فاقتربت أكثر:
"قول، والنبي، هو كويس."
اندفع صهيب فجأة لأحضانها وتشبث بها ودفن رأسه في صدرها وهو يهمس بضعف:
"أنا ما أعرفش أعيش من غيره، أنا أموت أحسن."
بدأت شهقاته تعلو وهو يعصرها في حضنه.
صعدت بيده على ظهره تحتضنه وتمسد:
"عليه، طب اهدي، هو عامل إيه؟"
هتف بقهر:
"في العناية، أنا دخلت أبويا العناية، أنا حاسس إني هموت، ما يستاهلش مني كدة، ده الوحيد اللي حن عليا في الدنيا دي، من غيره فعلا أنا مش بني آدم."
ظلت تمسد عليه بحنان حتى رفع عينيه إليها.
فمدت يدها ومسحت دمعته، فأغمض عينه مستشعرًا دفئًا لم يعرفه من قبل.
همست له:
"قوم نام، أنت تعبان."
هز رأسه:
"لا، مش هعرف، أنا هقوم أروح له."
فمسكت يده بلين:
"أنت تعبان ولسه مارتحتش من الحادثة، تعالي نام واسمع الكلام."
نظر إليها بذهول، فهي لينة معه رغم كل أذاه.
تنهد بوجع:
"مارتحتش ولا هرتاح طول ما هو تعبان."
أجلسته على الفراش قائلة:
"غير هدومك وهعملك حاجة تشربها ونام، أنت شكلك صعب قوي."
كانت عضلاته متيبسة:
"تعب بتعب مريع.. مش قادر أتحرك.."
تنهدت ونظرت إليه بارتباك.
كان شكله غريب، منهك ومتعب، وزال عنفوانه كطفل فقد كل ما لديه.
عيونه تلمع بدموع مكبوتة.
تنهدت واستدارت لبست بيتيا مريح واقتربت منه.
وهمست بخجل:
"انت لازم ترتاح، شكلك صعب."
واقتربت تبدل له ملابسه تحت نظراته المندهشة.
كانت تحاول جاهدة أن تبدل له ملابسه بعد أن أقعده التعب والوجع.
بدأت تفتح أزرار قميصه بأنامل ترتجف وارتباك يسيطر على كل ذرة في كيانها.
بينما هو كان في عالم آخر، عالم تسكنه عيونها وصمتها الذي ينطق بكلمات لم تقلها بعد.
لم يكن قادرًا على مساعدتها أو حتى تحريك يده، فجسده منهار، لكن روحه كانت مستيقظة، تلاحق كل حركة من حركاتها.
لم يحول نظره عنها ولو للحظة.
كان يراقب اضطراب أنفاسها وتجنبها لالتقاء عينه بعينه، وكأنه يستمد من ارتباكها هذا دفئًا افتقده سنين.
"ماهذا الحنان.. كم فيض من الحنان لمس أعماقه."
أحست بنظراته التي تخترقها كسهم، فزادت رجفة يدها.
ليتوقف الزمن بينهما.
هي تحاول أن تكون قوية ومراعية، وهو غارق في تفاصيل وجهها الذي بدا له في تلك اللحظة أجمل وأحن ما رأت عيناه.
ظل يراقب حمرة وجهها التي صبغت وجنتيها خجلًا وتلعثمًا، وهي تبتعد بجسدها قليلاً ثم تعود لتكمل مهمتها بقلب يدق بعنف.
ظل ينظر إليها بامتنان وابتسم ابتسامة ساحرة وهو يهمس بنعومة:
"متشكر."
قامت بخجل:
"انت لازم تشرب حاجة سخنة عشان تعبك ده."
واستدارت مسرعة تخفي ارتباكها.
بعد أن خرجت من الغرفة وهي تحاول التقاط أنفاسها من أثر نظراته الصامتة، نزلت إلى المطبخ بخطوات متخبطة.
كانت تبحث عن أي شيء تشغل به نفسها لتهرب من حيرة عقلها.
أعدت كوب اللبن الساخن وأضافت إليه ملعقة كبيرة من العسل، وهي تفكر هل يكتفي بهذا وهو المتعب الذي لم يأكل شيئًا منذ الصباح.
قررت أن تعد له شيئًا خفيفًا يسند جسده المنهك، فأحضرت صينية صغيرة وضعت عليها كوب اللبن وأحضرت العسل والقشطة البلدي وقطعت قطعا صغيرة من التوست داخلها، ثم نثرت فوقها بعض المكسرات وصعدت إليه وهي تحمل الطبق بزهو بسيط.
دخلت ووجدته على حاله يراقب الباب بانتظارها.
وضعت الطبق أمامه وقالت بحماس عفوي:
"بص بقى، دي فكرة جديدة ومغذية جدا، قطعت لك التوست جوه القشطة والعسل وعليهم مكسرات عشان تديك طاقة."
نظر صهيب للطبق ثم رفع عينيه إليها وهز رأسه باستنكار متمتما:
"إيه العك ده؟ أنا ماليش في الكلام ده."
لم تهتم برفضه بل جلست بجواره وبدأت تحكي بلهفة وتلقائية، نسيت معها كل ما حدث بينهما قائلة:
"والله طعمها يجنن، كانت ماما الله يرحمها لما بتشوفني زعلانة أو تعبانة وهفتانة تعملي الطبق ده وتقولي كلي يا فلك ده اللي هيرد روحك ويخليكي زي الحصان، كنت بحبه منها قوي وبحس إن كل لقمة فيها حنية الدنيا."
كان يتأملها وهي تتحدث وعيناها تلمعان بذكرى والدتها.
لاحظ كيف تحرك يديها بعفوية وكيف تلاشت نبرة الخوف من صوتها لتحل محلها نبرة دافئة لم يسمعها منها قط.
كان يراقب حركة شفتيها وهي تسرد تفاصيل طفولتها وكأنه يسمع لحنًا يهدئ من روع بركانه الثائر.
قطعت حديثها ورفعت ملعقة صغيرة وقربتها من فمه قائلة بإصرار طفولي:
"جرب بس، والله هتدعيلي، دوق دي عشان خاطري."
نظر للطبق بقلة حيلة ثم إليها وفتح فمه ليستقبل الملعقة، وما إن تذوقها حتى اتسعت عيناه بانبهار من المزيج الرائع بين برودة القشطة وحلاوة العسل وقرمشة التوست والمكسرات.
ابتسمت بانتصار عندما رأت علامات الرضا على وجهه وشرعت تطعمه ملعقة تلو الأخرى، وهو يمتثل لها بهدوء غريب مستسلمًا لحنانها الذي بدأ يتسلل إلى قلبه دون استئذان.
كان يأكل بصمت وعيناه تحكيان قصصًا من الامتنان وتضارب من مشاعر لا يفهمها.
لم يستطع لسانه النطق بها في تلك اللحظة.
همست دون أن تنظر لعينيه مباشرة:
"بعد أن أنهت الطبق... بالهنا والشفا... اللبن أهوه، يلا عشان تقدر تاخد علاجك."
لم يتحدث بل ظل يراقب يديها وهي ترتب الصينية بارتباكها المعتاد.
حاولت أن تساعده ليعتدل في جلسته، فاستند على يديها وأحست بثقل جسده وقربه الذي جعلها تتلعثم مرة أخرى قائلة:
"اشرب براحتك، وأنا هستنى عشان تاخد الحباية."
اقتربت وجلست بجواره، ففتح عينيه ونظر ليشدها:
"إيه ده؟ لبن؟ هتشربيني لبن؟"
قالت:
"وعليه عسل، فيه شفا، يلا خد من سكات وماتنطقش."
ضحك بخفوت:
"أول مرة الجملة دي تتقالي وما أمسكش اللي قدامي أهرسه."
قالت بتذمر:
"لا، أنا اتهرست كفاية، خد يلا."
قال بامتعاض:
"ما بحبوش ده."
كشرت فلك متعمدة:
"صهييييييب."
فنظر إليها وضحك، فقالت:
"هتعمل زي العيال الصغيرة، يلا اشرب بقى."
شرب اللبن وهو يتأمل ابتسامتها التي يراها لأول مرة.
أخذ يرتشف اللبن ببطء وعيناه لا تزالان معلقتين بوجهها، وكأنه يدرس كل انفعال يظهر عليها، بينما هي تظاهرت بانشغالها في ترتيب الغطاء والوسائد من حوله.
كانت تشعر بنظراته تحاصرها، لكنها قررت الصمود وعدم سؤاله عن سر هذا الصمت الذي بات يوترها أكثر من كلامه.
بمجرد أن انتهى من طعامه ومدت يدها لتأخذ الصينية، لامست أناملها يده عن غير قصد، فانتفضت وسحبت الصينية بسرعة قائلة:
"هجيب لك الماية والعلاج وأسيبك ترتاح."
أحضرت العلاج والماء واخذه.
التفت يطلب منها بلهفة:
"ممكن تفضلي جنبي؟ أنا عارف الصبح كنت هأذيكي، بس أنا في غضبي مش بتحكم في نفسي، ياريت تنسي اللي حصل، مش هيتكرر تاني."
تنهدت فلك بحزن.
فمسك يدها:
"والله خلاص هحاول أهدى عشانك، أهو هادي ومؤدب، إيه؟ مش هتحني عليا؟ ده أنا جوزك."
قالت بهمس:
"جوزي."
رد بنبرة صادقة:
"رغم اللي بينا، أنا جوزك وأنتِ مراتي، وما فيش حاجة هتغير ده... جوزك محتاجك."
مد يده فجذبها لتقع بجواره وهمس:
"ماتخافيش، أنا غير ما يتخافش مني، أنا عم فكري، الحاجة الوحيدة اللي بتحسسني إني عايش، خليكي جنبي من فضلك."
اقترب منها وحاوطها ودفن رأسه في صدرها وهو يهمس:
"والله هنام مؤدب."
مر وقت لا تعلمه، صمت غريب وأنفسهم ثقيلة.
بينما كان رأسه يستقر فوق صدرها، ساد صمت عميق لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المتهدجة التي بدأت تهدأ تدريجيا.
لم ينطق بكلمات منمقة، ولم يعترف بما يجاش في صدره، فكبرياؤه لا يزال يحاصر لسانه، لكن جسده كان يشي بكل شيء.
أغمض عينيه بقوة وضغط برأسه أكثر في حضنها، وكأنه يحاول التغلغل داخلها ليختبئ من العالم ومن نفسه.
استسلم ليدها التي تداعب شعره وأرخى عضلات جسده المتيبسة تمامًا في حالة من الاستسلام لم يجرؤ على إظهارها لبشر من قبل.
همس بصوت مبحوح يكاد يكون مسموعًا ودون أن يرفع عينه:
"أول مرة أحس إن الدنيا ساكتة بجد، ممكن... ممكن متقوميش يا فلك، خليكي زي ما أنتي."
كان صوته يحمل رجفة خفية، نبرة طفل وجد ضالته بعد ضياع طويل، لكنه سرعان ما استعاد جموده الظاهري وأضاف بلهجة حاول أن تبدو عادية:
"ريحتك... ريحتك هادية قوي، بتفكرني بحاجات قديمة كنت نسيتها. نامي ويلا، كفاية كلام."
لم يقل إنه منجذب، ولم يقل إنه بدأ يرى فيها ملامح لم يراها في امرأة قط، لكن قبضته التي تشبثت بقميصها ويده التي تحاوطها لا تفلت، ورأسه التي تغلغلت بصدرها كأنها بيته... كانت تقول إنه وجد في هذا الحضن وطنًا مؤقتًا يحميه من انهياره أمام مرض رفيق عمره.
وظلا هكذا، يغرق هو في أمانها وتغرق هي في حيرة هذا الكائن المتناقض الذي يمزقها تارة ويحتمي بها تارة أخرى.
بينما كان رأسه يثقل في أحضانها، استسلم صهيب تمامًا لسكون اللحظة وبدأ يحكي بصوت خافت مجهد، وكأنه يفرغ حملًا ثقيلًا عن كاهله.
قال لها والوجع يغلف نبرته:
"عارفة فكري ده بالنسبة لي إيه؟ ده اللي أنقذني من الجحيم.. بعد موت أبويا وأمي كنت عيل صغير. والوصي عليا كان المحامي بتاعه، كان هو ومراته بيعاملوني زي الكلب، تعذيب وإهانة.. ما تتخيليش عملوا في عيل صغير إيه..."
قبض على خصرها يتذكر، فزادت لمساتها الحانية.
تنهد وأكمل بنبرة وجع:
"كان حارمني من أبسط حقوقي عشان يورثوا كل حاجة.. فكري هو اللي وقف في وشهم، هو اللي حارب وخاطر بحياته عشان يخرجني من تحت وصايتهم.. هو اللي رباني وعلمني يعني إيه أقف على رجلي، هو اللي زرع فيا الثقة دي بعد ما كنت محطم تمامًا، مهزوز، خايف، مذعور.. فكري ما يتقالش عليه خدام أو مربي، فكري هو روحي اللي بتنفس بيها."
كانت فلك تستمع إليه بقلب يرتجف تأثرًا، ولأول مرة تشعر بالشفقة تجاه هذا الوحش الذي تبين أنه كان ضحية يومًا ما.
طفل صغير، كيف يفعلون به هكذا.
لم تشعر بنفسها وهي تترك يدها تتخلل خصلات شعره بحنان بالغ، تمسح عنه سنوات الوجع واليتم.
كان صهيب يشعر بأمان غريب يسري في جسده، يستمتع بكل لمسة من أناملها، وكأنها بلسم يداوي جروحًا غائرة.
هذا الالتصاق لم يكن مجرد قرب جسدي، بل كان التصاق قلوب قبل الأجساد.
حالة من الهدوء والمشاعر الغامضة سيطرت على المكان.
أحس صهيب بشيء غريب يلمس كيانه، حرارة جسدها وقربها منه بدأت تلهب مشاعره بطريقة لم يعهدها.
لكنها لم تكن نيران غضب أو رغبة جارفة، بل كانت طاقة حانية تذيب كل أثر للعنف والجبروت داخله.
كان يشعر بحرارة جسدها تتسرب إليه كأنها تذيب جليد سنوات من القسوة، فكلما التصق بها أكثر أحس بنعومة ورقة لم يعهدها تجعل أنفاسه تضطرب في سكون الغرفة.
استشعر في قربها كيمياء غريبة تلهب مشاعره وتجعل جسده يسترخي رغما عنه، وكأن ملمس جلدها يمتص كل العنفوان والشرور بداخله ويستبدلها بسكينة دافئة لم يذق طعمها من قبل.
شعر بكل ذرة في جسدها تمنحه السكينة، وكأن وجودها بجانبه في هذه اللحظة هو الترياق الوحيد لآلامه، ليغط في استرخاء تام لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
مر الوقت وهما في هذا العناق الصامت حتى صدحت نغمة الرسائل المتتالية لتشق سكون الليل وتعلن نهاية تلك الهدنة الدافئة.
نظرت إليها، فقفلتها على الفور.
كانت تداعب شعره فاسترخى تمامًا في حضنها حتى رن هاتفها برسالة تلو الأخرى.
نظر صهيب إليها وقال بنبرة ناعسة:
"مين اللي عمال على بطال نازل رسائل ده؟"
قالت مرتبكة:
"مفيش."
قطب جبينه وهتف:
"طب هاتي الفون."
انتفضت:
"لا، مالوش لزوم، أنا هقوم بس أخش الحمام."
قامت مسرعة والخوف يتملكها، فهب من مكانه ومسكها:
"أنت فيه إيه وخايفة ليه؟ مين اللي بيبعت؟"
قالت:
"مفيش، قلت لك."
فاقترب ومسكها وشد التليفون، وهنا قامت القيامة.
رواية سيد الكبرياء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو سلطان
الارتباك ينهش ملامحها وهي تهم بالدخول إلى الحمام فرارًا من نظراته، لكنه كان أسرع منها، إذ انقض على الهاتف وانتزعه عنوة.
تسمر مكانه وهو يطالع رسائل الطبيب، كلمات تعدها بالخلاص وتؤكد له أنه لن يتركها، وأنه سيبذل كل السبل ليخرجها من ذلك المكان.
في تلك اللحظة، اشتعلت نيران الغيرة في صدره، ونظر إليها بغضب حارق كاد يذيب ملامحها، وهزها بعنف وجنون وهو يصرخ:
"بقي البيه هيخرجك من هنا؟ هاه؟ بقي حامي الحما خلاص! البيه هيبقي سند؟ والله لاخلص عليكي وعليه!"
كان يرجها بعنف، زلزل كبرياءها، فدفعته عنها بمرارة وقهر وهي تهتف:
"انت ايه يا أخي؟ منك لله، بتتحول في ثانية؟"
فجاء رده كصاعقة، بهياج واضح:
"عايزة تخونيني واسكتلك وتروحي للبيه؟ جه يومين علق معاكي، هاه؟ ليه اشمعني هو؟ وبتعضي فيا؟ عملك ايه وملهوف كده؟ انطقي بينكو إيه وأنا نايم علي وداني."
هنا شعرت وكأن جبالًا من القهر استقرت فوق صدرها، فانفجرت بنحيب مزق نياط القلب وقالت بقهر وغلب:
"عارف... كنت حسيت للحظة إنك بني آدم، بس فعلا أنا غلطانة. قلبي ده لازم أخاف عليه من اللي زيك. أخونك؟ أنا أخونك؟ منك لله! كفاية بقه، أنت كنت اشتريتني."
فصرخ صهيب بصوت هز جدران المكان، وقد أعمى الغضب بصيرته:
"أيوه اشتريتك، وأنت هنا ليا وبس، تروحي لحد تاني أموتك."
سالت دموعها كالجمر على وجنتيها، وهتفت بصوت يرتجف بمرارة القهر:
"لحد إمتى ها؟ هفضل لحد إمتى مذلولة ليك؟ قولي. طيب هكفر عن ذنبي اللي ماعملتوش لإمتى يا ابن الناس؟"
هزت رأسها بمرار اليأس:
"بس أنا بكلم مين؟ واحد مابيحسش، واحد قسي على أقرب الناس ليه. واحد دنيته فاضية مالوش حد. واحد يخوف، إنت بجد مرعب، إنت إللي يقرب منك يموت."
استدارت لتهرب من جحيم نظراته، فاندفع كالإعصار وقبض على ذراعها بعنف:
"انتِ رايحة فين وسايباني؟ أنتِ فاكرة إني هعدي الموضوع والبس قرون؟ والهانم والبيه بيخطط ياخدها مني ويسيبيني؟"
رمقته بنظرة يملؤها اليأس، وقالت بلهجة تقطر وجعًا:
"أسيبك؟ أنا مش معاك عشان أسيبك. ويخطط لإيه؟ يا ريت أقدر أروحله وينجدني."
اشتعلت النيران في عينيه، وهدر بكلمات مخنوقة:
"وبتقوليها في وشي؟"
لم تعد تخشى بطشه، فنظرت إليه بشموخ الجريح، وأكملت بحده وعيونها تصرخ من الوجع:
"أقولها للدنيا.. إني ماليش حد وتحت رحمه واحد جاحد. عارف بعد الأيام اللي هتتفضل عليا وترميني بره دنيتك ساعتها هتنفس."
فجاء رده بجنون، يشعر أنها ملكه لن يفلتها، رده جاء كقيد حديدي يغلق على روحها:
"لا.. أنت مش هتروحي في حتة، وهتفضلي محبوسة هنا لحد ما أنا أقرر."
سخرت منه بابتسامة باهتة:
"العبدة بتاعتك.. ارحمني يا أخي."
استدارت بقهر، تجمدت مكانها حين شعرت بأنفاسه تلاحقها كزفير بركان. لم يكتف صهيب بصمته، بل أحاط خصرها بذراع كالقيد الحديدي وجذبها إليه بعنف حتى اصطدم ظهرها بصدره النابض بالجنون. همس بجوار أذنها بصوت مخنوق يقطر غيرة أعمت بصيرته:
"ارحمك؟ هو أنا لسه شفت منك رحمة عشان أرحمك؟"
لفها لتواجهه، وثبت ذراعيها فوق رأسها على الجدار، وعيناه تجوبان ملامحها بحدة، وكأنه يحاول اختراق أفكارها. صرخ فيها وعروق رقبته بارزة:
"عارفة يعني إيه تكوني ملكي؟ يعني حتى النفس اللي بتتنفسيه محسوب عليكي. البيه اللي ملهوف عليكي ده شاف فيكي إيه خلاه يبيع الدنيا عشانك؟ انطقي."
حاولت الإفلات وهي تنتحب، لكن قبضته ازدادت وحشية:
"مش طايقة تشوفي وشي ليه؟ عشان هو الحنين وأنا الجلاء؟ والله يا فلك لو لمحت طيفه بس في خيالك لآخد روحك في إيدي.. أنتِ مكتوبة باسم صهيب الشامي، يعني تعيشي هنا وتموتي هنا، وجسمك ده لو فكر بس يميل لغيري هحرقك وأحرقه معاكي.. فاهمة يعني إيه؟"
هزها بعنف وهو يرى نظرة الانكسار في عينها، لكنه لم يتوقف، بل استطرد بفحيحٍ مرعب:
"لو فاكرة إن الهروب حل تبقي واهمة. أنا هسجنك هنا، ماتفكريش بحد، وهخليكي تشوفي كابوس بيطاردك.. مفيش خروج ومفيش تنفس طول ما أنا حاسس إن في راجل غيري بيفكر فيكي، هفضل كاتم على نفسك لحد ما تنسي اسمك وتفتكري اسمي أنا وبس."
استدارت، وحين حاول الإمساك بها مرة أخرى، دفعته بكل ما تملكه من نفور:
"ارحمني بقه يا أخي.. مش طايقة أشوف وشك."
خرجت مسرعة، وتركت خلفها رجلاً ينهشه الغيظ. وقف صهيب مقهورًا، يدور حول نفسه كذئب جريح، وعقله لا يتوقف عن الصراخ:
"إيه؟ هتسيبها تروحله؟"
صرخ بحده وهياج:
"الله يخرب بيته! جه يومين عايز يعلق ويسبسب؟ حبيب البيه؟ لا وينجدها؟ طب أنا مغلول ليه؟ ما هي هتمشي في يوم تروحله؟ ولا يولعو في بعض؟ كنا قاعدين، ربنا يشله! كنت هنام ورايق! نامت عليه حيطة؟ الحبيب ال إيه؟ هنجدك منه؟ وعايزها؟ عازك الكفن يا زبالة؟ أعمل إيه؟ محروق."
ظل صهيب ينهش في روحه، والغضب يغلي في صدره كالمرجل، يحدث نفسه بمرارة:
"طب أعمل إيه؟ أروح أموتها؟ بتفكر فيه؟ هو يعني ده خلاص إللي لقيته؟ خلاص كويس. آه. ماهو سي طين ده خلع لها قلبها، وأنا طبعًا بتعض فيا؟ مش طايقه تشوف وشي؟ لقت حد حنين يطبطب ويراعي؟ لازم تلزق فيه وتسيبني آكل روحي أنا بقه."
فجأة انتفض من مكانه كمن مسته النار، وعيناه تشتعلان بالعزم:
"انت إيه؟ أنت هتسيبها؟ هي سايبة؟ لا.. والله مايحصل! أنت تسود عيشتها! هي اللي جابته لنفسها! لا تقعد بتاعتي! بتاعتي ومش هسيبها."
استدار وخرج بجبروت يخفي خلفه انكسارًا لا يراه أحد، متجها إلى عم فكري، لعله يجد في رفقته ما يهدئ روعه.
أما فلك.. فقد كانت تقضي ليلة شنعاء، تنعي فيها حظها العاثر، وتتساءل بوجع:
"رجعنا تاني للهم؟ مالحقش يبقي طيب ومكسور دقيقة؟ قلب جبروت؟ وال إيه؟ بخونه الفاجر؟ أنا أصلا بحبه عشان أخونه؟ عبوشكله عيل زبالة."
وسط نحيبها الصامت، امتدت يد بكوب من الليمون يكسر حدة توترها. رفعت عيونها الغارقة في الدموع لتجد عصام واقفًا بملامح يملؤها الأسى، فقال بنبرة حزينة:
"أنا مش عارف هو بيعمل كده ليه فيكي.. طول عمري ما شفتهوش كده."
تنهدت بعمق، وبدأت بلا وعي تسكب أوجاعها أمامه، وجدت فيه الأذن التي تسمع، والقلب الذي يحنو. صعق عصام مما سمع، وهتف بذعر:
"يا لهوي بجد ده حصل؟ أنت وقفتيله كده يا بنت الناس؟ صهيب ماحدش يقدر عليه.. أنا مش مصدق. بصي حاولي تسكتي، ماترديش عليه. عارفة لو قولتي حاضر وطيب هيزهق. هو اللي بيناحره مابيقدرش يسكتله."
قالت بيأس وقد استنزفت قوتها:
"تعبت يا عصام.. أنا ماعملتش حاجة أستحق ده، أنا مش وحشة. والله تعبت تعبت."
اقترب عصام بخطوة يملؤها العطف، ونظر إليها بحنان صادق:
"وحشة إيه؟ ده أنت مافيش زيك والله.. لو أقدر أخدك وأبعدك كنت عملت."
ابتسمت وسط حزنها، وشعرت لأول مرة أن هناك من يراها إنسانة، تشعر بحنانه الجارف:
"أنت بجد.. متشكرة ليك."
فرد بتواضع:
"أنا ماعملتش حاجة. يا ريت والله أقدر."
هتفت بطيبة وامتنان:
"كفاية طيبتك معايا، وأنا ماليش حد."
تنهدت وقامت تجر قدميها والحزن ينهش قلبها. دخلت حجرتها، ووقفت تنظر لبرهة، تذكر ذلك السكون ما قبل تلك العاصفة، تنهدت بوجع:
"هو إزاي بيقلب كده؟ حسيت للحظة إنه إنسان قوي، إزاي؟"
استسلمت بعدها لسريرها، لكن النوم لم يزر جفونها، بل ظلت تناجي ربها أن يخرجها من هذا الضيق.
في الصباح، استيقظت، جلست على فراشها تفكر بحالها، لتهاجمها فجأة ذكرى تقديمها الوظيفه:
"نهار أسود.. ده هيحبسني والوظيفة تروح؟ لا أنا لازم أشوف حالي، هتخرب كده، ده كان لازم ارجعهم."
جلست تفكر:
"طب أطفش إزاي وموقف ثيران بره؟ أقول لعصام يخرجني؟ لا لو عرف هيأذيه، ده طيب وغلبان زيي."
قامت كمن يتهيأ للمعركة، ارتدت ملابسها، وراحت تجوب أرجاء البيت كطير يبحث عن ثغرة في القفص. لم تجد سوى خادمة واحدة، فسألتها عنه، لكن الإجابة كانت معرفتها عدم وجوده بالبيت:
"أحسن.. يغور في داهيه."
لكن القلق عاد ينهشها:
"طب أكلم المدير؟ معيش تليفونه. أروح أقوله استناني شهرين؟ والا أعمل إيه في سنتي السودة؟ منك لله يا عماد، يحرق قلبك! لا أنا لازم أتصرف وأخرج بأي شكل."
اقتربت من الباب، واستحضرت كل ما تملك من براعة في التمثيل، بدأت تصرخ ممسكة ببطنها كأن روحها تنتزع منها. دب الذعر في قلوب الحرس، فاندفعوا نحوها وهي تتصنع الإغماء ببراعة فائقة. صاح أحدهم بهلع:
"الهاhem بتفرفر! حد يشيلها يوديها المستشفى."
تعالت صرخاتها لتزيد من ارتباكهم، فحملها أحدهم وخرج بها مسرعًا، بينما كان الآخر يصرخ في هاتفه:
"كلم صهيب بيه يحصلني عالمستشفى."
مضوا بها وهي تتلوى كأنها في سكرات الموت، حتى وصلت إلى المشفى، واستلمها الأطباء وسط ضجيج صرخاتها التي كانت في الحقيقة صرخات طلب للحرية.
بمجرد أن توارت عن أنظار الحرس داخل أروقة المشفى، انتفضت فلك كمن بُعثت فيها الروح من جديد، قامت مسرعة وسط ذهول الكل، وغادرت من باب خلفي لاهثة. ومع كل خطوة تبتعد فيها عن المشفى، كانت تشعر أنها تترك الجحيم. وأخيرًا استنشقت عبير الحرية، فأسرعت الخطى نحو وجهتها الوحيدة.... الشركة.
في هذه الأثناء، كان صهيب قد وصل إلى مكتبه مثقلاً بصراعات ليلة لم ينم فيها سوى القليل. اقتحم أدهم المكتب متسائلاً بلهجة تحمل الكثير من المداعبة والقلق:
"ماتفطمني بقه الفولة. كنت غاطس فين بقالك يومين؟"
ركن صهيب ظهره إلى الكرسي، وغرق في صمته، مستعيدًا تفاصيل ليلته الطاحنة مع فلك. تذكر نومه في أحضانها، فتنهد بعمق.
قطب أدهم جبينه بدهشة:
"مالك ياض؟ أنت ملبوس؟ ولابس بدلتك بقالك يومين وإنت تعبان جاي ليه؟ أنت عبيط؟ مالك حالك متشقلب؟"
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي صهيب حين مرت طيف تلك المجنونة في خياله، ثم زجر صديقه بضيق:
"ششششش.. دماغي عايز إيه؟"
لم يتراجع أدهم، بل زاد في نبرة المشاكسة:
"هو إيه اللي عايز إيه؟ مالك في يومك الطين؟ أنت بتحب ياض؟"
رمقه صهيب بنظرة حارقة كادت أن تخرسه، لكن أدهم تابع بفضول:
"طب مالك؟ مانا مش هسكت.. ومين البت اللي أنت حابسها في فيلا المنصورية؟"
هدر صهيب بصوت حازم:
"مالكش فيه.. أنجز وانزل من على وداني."
تنهد أدهم بقلة حيلة، ثم أخرج ملفًا من يده:
"طب خد بص للتصاميم دي."
سحب صهيب الأوراق بلامبالاة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى قطب جبينه، وبدأ يتفحص الرسوم باهتمام بالغ، وكأن هذه الأوراق تتحدث بلغة يفهمها جيدًا. لمعت عيناه ببريق لم يره أدهم منذ زمن، وكأن هذه التصاميم هي القطعة الناقصة. الروح التي يبحث عنها.. تلمسها ببريق إعجاب واضح، وسأل بجدية:
"مين عمل دول؟"
قال أدهم بنبرة جادة:
"دي حد من اللي اتقدموا للإعلان، بنت سفير مصر في كندا، ولسه جاية من بره، بس إيه.. موهبة وجمال ومافيش منها."
انتفض صهيب وقد جذبت التصاميم لبّه وروحه الفنية، وسأل بلهفة استثنائية:
"طب هي فين؟ عينها بسرعة."
رد أدهم متمهلًا:
"كلها إجراءات، وقولت أقولك الأول عشان عارف طبعك."
هنا تحول حماس صهيب إلى أمر قاطع:
"أنت أهبل ياض؟ التصاميم تخبل دي ماتتسابش! اتصل بيها يلا."
قام أدهم لينهي الحوار وهو يتجه نحو الباب:
"هو حازم اللي قابلها، وهخليه يتصل بيها، وهو أصلاً مبهور، وأهوه فعلاً تصاميم تبهر."
ألقى صهيب كلمته الأخيرة كأنها ميثاق:
"أنا عايز دي تجبهالي من تحت الأرض، فاهم؟ وخلاص التصاميم دي هتتنفذ مع الكوليكشن الجديد، هتبقى جنب تصاميمي."
اعترض أدهم محذرًا:
"منار مش هتسكت."
لكن صهيب حسم الأمر ببرود فني:
"الشغل أبقى من أي حاجة."
وفي تلك اللحظة اقتحمت منار الغرفة كعاصفة من العطر والدلال، وهتفت بلهجة تملكية:
"إيه يا بيبي؟ ناسيني كده ليه؟ فيه إيه؟ لتكون بتلعب من ورايا؟ أموتك."
غمز أدهم لصديقه غمزة ساخرة تعني "أعانك الله"، وقال وهو ينسحب:
"قابل.. أنا قايم."
اقتربت منار من صهيب، ومالت عليه بدلالها المعتاد:
"على فكرة أنا عاملة عيد ميلادي، هتيجي طبعًا؟"
تنهد صهيب بضيق مكتوم وهو يداري ملله من حصار منار، وهتف ببرود:
"آه طبعًا."
لم تتوقف منار، بل استطردت بدلال يثير أعصابه:
"أصل ماما على طول بتسألني عليك، وعايزة تشوفك."
عقد حاجبيه باستنكار، وقطب جبينه:
"تشوفني ليه؟"
ردت بخفة:
"إيه ده؟ أنا أي حد يخش حياتي بقولها."
هنا وضع صهيب حدا لثرثرتها، وهتف بصرامة:
"أنتِ حرة، أنا مالي.. منار.. تعالي سكة ودغري، عايزة إيه؟ أنا مش هقابل حد."
تنهدت بتمثيلية حزين:
"أخص عليك! هتزعل موني."
أجابها بنفاد صبر:
"طيب خلاص خلاص.. ربنا يسهل.."
تهللت أساريرها، وقالت بسعادة:
"تمام كده؟ الواحد يصمم بنفس عشان يبقى أول المجموعة؟ مش فادي؟ هاه؟"
لكن صهيب رمقها بنظرة غامضة، وقال:
"لا.. ليا تفكير تاني."
سألته بريبة:
"تفكير إيه؟ مش فاهمة."
أجابها بإيجاز:
"ساعتها تعرفي."
شعرت منار بغصة شك، فهي ذكية وتفهم تقلباته، فاستدارت وخرجت بصمت. عاد أدهم وبرفقته حازم ليطلبوا رقم المتدربة المبدعة، لكن المفاجأة كانت أن هاتفها مغلق.
في تلك اللحظة، رن هاتف صهيب، وبمجرد أن أجاب حتى انتفض من مكانه كمن لُذع بنار:
"إيه؟ في المستشفى؟ مالها؟ بتصرخ ليه؟ أنا جاي بسرعة.. خلي بالك منها يا زفت! والله لو جرالها حاجة هخلص عليكو."
التقط مفاتيحه كالبرق، واندفع خارجًا، تاركًا أدهم في ذهول تام:
"مين دي اللي ملهوف عليها كده؟ لا فيه إن ربنا يهديك يا صهيب، وتكون وقعت ولا حدش سمّى عليك."
نزل صهيب المجنون، يتلبسه حاله من الذعر، وصل إلى المشفى كالإعصار، يصرخ في الممرات بقلب يرتجف رعبًا:
"هي فين؟ فيها إيه؟ جرالها إيه؟ حالتها ليه؟"
وقف الحارس أمامه يرتعد من الخوف، فهتف صهيب وهو يطبق على عنقه:
"انطق.. فين هي؟"
تمتم الحارس بتلعثم:
"والله يا بيه أنا ماليش دعوة.. هي.. هي اللي هربت."
تصلبت الدماء في عروق صهيب، ووقف مشلولًا للحظة:
"إيه؟ هربت؟ فلك هربت مني؟ فلك سابتني؟ فلك بتاعتي؟"
هز رأسه بعدم تصديق، ثم انفجر في الحارس وجذبه من ملابسه بعنف:
"كنت فين يا حيوان لما هي هربت؟ والله أموتك! أنا سايبهالك أمانة تقوم تغفلك يا حلوف؟ منك لله."
كال له لكمة قوية، تركه يترنح، وظل يدور حول نفسه المجنون:
"البت هربت؟ أجيبها منين؟ تكونش راحت للزبالة مازن؟ والله أروح أموتها.. راجعاله؟ أنا مراتي تطفش مني؟"
اندفع نحو سيارته والنار تأكل صدره، يحدث نفسه بمرارة وقهر:
"أعمل إيه يا حرقة قلبك يا صهيب؟ قايم ناوي تسود عيشتها، قامت هربت منك؟ أنا على آخر الزمن مراتي تهرب مني؟ ليه؟ مش راجل؟ لا لا ماتهربش! ماينفعش تسيبني. طيب والله لأجيبك لو في بطن الحوت."
غادرت فلك المشفى لاهثة، تسابق الزمن نحو الشركة التي أودعت فيها بذور أحلامها. دخلت والرجاء يملأ قلبها، لكنها لم تجد المدير، فاقتربت من السكرتيرة بصوت يرتجف:
"من فضلك.. المدير كان قالي هيكلمك عشان الوظيفة، وحصلي ظروف ومش هقدر آجي بعد أسبوع، وقدامي شهرين."
جاءها الرد كصفعة باردة من الفتاة:
"وأنت فاكرة إننا هنستناكي شهرين؟ لا طبعًا، وبعدين ناس كتير اتقدمت وخدناهم."
اعتصر القهر قلب فلك، وهتفت بيأس:
"بس هو قالي هيكلمك أو تجيلي.. من فضلك لما يجي قوليله إني هاجي بعد شهرين."
أشارت إليها الفتاة بلامبالاة قاسية:
"بقولك خلاص خدنا ناس.. مع السلامة."
خرجت فلك تجر أذيال الخيبة، كأن الأرض ضاقت عليها بما رحبت. جلست على الكورنيش والدموع تسيل بصمت، تراقب انكسار أحلامها على صخور الواقع. ظلت تنتحب بمرارة:
"طب إيه كده؟ خلاص أملي الوحيد راح؟ كده ضعت خالص.. انهارت من البكاء.. ظلت فترة لا تعلم ماذا تفعل.... والحلوف اللي في البيت ده أعمل إيه؟ أطفش منه وخلاص؟"
ثم تنهدت بقهر وبقلة حيلة:
"لا يا فلك تطفشي إيه. هو مش سهل وهيفضل يدور عليكي.. قضي الشهرين الطين لحد ما يطلقك وتخلصي. قضي ومش أيامك ميتة، أنت مت خلاص، ما عادش ليكي حد يدور عليكي، ولا ليكي أمل في حياتك."
عادت إلى الفيلا كمن يساق إلى حتفه، فاستقبلها الحارس بذعر:
"كنتي فين؟ صهيب بيه سود عيشتنا.. جوا على آخره."
نظرت إليه بعينين ذابلتين:
"أنا آسفة.. سامحني إني عرضتك لغضبه. معلش سامحني."
دخلت الفيلا بخطى ثقيلة، وصعدت إلى حجرتها، لترتطم به. كان جالسا هناك كبركان يوشك على الانفجار، والنار تتطاير من عينيه. همست بوهن:
"أنت جيت؟"
رفع حاجبيه بسخرية تقطر سما:
"لا ما جيتش لسه."
تنهدت بضيق:
"أنت هتهزر؟ طيب أخش آخد شاور بقه، أنا تعبت النهاردة.. أما تبقى تيجي عرفني."
استدارت لتغادر، فجاء صوته كفحيح الأفعى، حادًا وقاطعًا:
"عارفة.. لو اتحركتي من مكانك يمين الله لأفلقك نصين."
ارتجفت أوصالها، واستدارت إليه بقلب مثقل بالهم:
"فيه إيه؟ عالمسا هو هم كل يوم؟"
انتفض من مكانه كالمارد، واقترب منها وصوته يقطر سماً:
"ع المسا... ما أنتِ عارفة إننا مسا، والهانم من الصبح دايرة على حل شعرها، مالهاش راجل يلمها."
تنهدت بمرارة وقد بلغت روحها الحلقوم من قسوته، وقالت ببرود اليأسين:
"أنت عايز إيه دلوقتي؟ تشتمني؟ اتفضل قول شتايمك مرة واحدة.. عايز تضرب؟ قوم قوم ريح غلك فيا. أنا تعبانة وعايزة أخلص."
لكن كلماتها كانت كزيت صُب فوق نار غيظه، فاندفع نحوها كالإعصار، وأحكم قبضته على خصلات شعرها بقسوة جعلتها تطلق صرخة هزت أركان الغرفة. صاح في وجهها وعروقه تكاد تنفجر:
"كنتي فين من الصبح؟ هاه؟ كنتي فين؟ انطقي! والله أقتلك! رحتيله صح؟ حبيب القلب اللي معلق معاكي.. رحتيله مش كده؟ طفشانة؟ مش قادرة تبعدي عنه؟ انطقي! رحتيله ليه؟ أنتِ مالكيش راجل؟ والله أطلع روحك."
كان يرجها بعنف وحشي، وهي تغرق في دموعها، فجمعت شتات قوتها، ودفعته عن صدرها وهي تصرخ بجنون:
"رحت لمين؟ أنت مجنون!"
هتف بحرقة تمزق أحشاءه وغيرة أعمت قلبه:
"البيه اللي عايزك.. كنتي معاه صح؟"
تسمرت مكانها من هول اتهامه، ونظرت إليه بذهول شل لسانها للحظة، قبل أن تهتف بحدة:
"مازن.... أنت قصدك إني كنت مع مازن؟ أنا؟"
انفجر فيها مجددًا:
"أمال كنتي فين من الصبح يا هانم وسايبة بيتك وطفشانة؟"
هنا تحول انكسار فلك إلى إعصار من الكرامة الجريحة، فصرخت فيه بصوت مزق هيبة جبروته:
"أنت تحترم نفسك بقه! هو إيه؟ أنا عبدة عندك؟ مازن مين اللي أروحله؟ فاكرني شمال ولا واقعة؟ وبيت إيه اللي سيباه؟ هو فين بيتي ده؟ بيت الهم والخيبة. بيت الكره والغل وطفشانة؟ مانا أتهببت جيت أهوه، قولي إيه اللي هيخليني أرجع؟ لو كنت طفشانة يا بو عقل زبالة."
تقدم صهيب نحوها بخطوات تحمل نذر الانفجار، ولوى ذراعها خلف ظهرها بقسوة، وهدر في وجهها:
"أمال كنتي فين وهربتي ليه من البيت من غير ما تقولي لجوزك؟"
انفجرت صرختها في وجهه كطلقة رصاص ممتزجة بمرارة السنين:
"ما فكرتش إني ممكن أكون بتنفس بعيد عنك وعن سجنك. أنت مفكر إنك تقدر تمنعني من الخروج؟ لا يا شاطر.. أنا أخرج وأدخل براحتي. أنا رجعت عشان أكمل السجن معاك شهرين. لأني متأكدة إني لو طفشت هتجيبني تاني. أنا رضيت بقدري الأسود ورضيت بيك زوج. إنما أي تطاول مش هسمح بيه.. أنا حافظة على نفسي واسمك أحسن منك لأني عندي أخلاق ودين مش زبالة زي تفكيرك."
اقتربت منه بعينين تشتعلان بتحد جريح، وتابعت:
"وإياك تاني تفكر فيا قلة أدب أو سوء أخلاق، فاهم.... وبعدين ماتتمطعش قوي كده.. بيت إيه وزوج إيه؟ أنت عارف أنا وأنت إيه؟ أنا هنا عشان حاجة في دماغك يبقى مشي أمورك وشوف آخر الحبسة اللي أنت عايزها دي إيه.. بس أحب أعرفك مش فلك الجيار اللي أي حد يقف قدامها، إذا كنت أنت جبروت، ربنا يكفيك شر كيد وجبروت الست لما تنقهر وتغل."
صرخ بهياج:
"انت ليكي عين تعلي صوتك؟"
صرخت بهياج:
"انت عايز ايه؟ عايز ايه؟ ماتموتني بقه وتخلص؟ انت ايه؟ مابتشبعش؟ اه ليا عين والف عين. أنا لو عايزه أروح كنت رحت ليه؟ بس أنا وآحده متربيه اعرف ربنا. انا رضيت بيك زوج بس عشان ماحسش أن قربك حرام. رضيت مع انه مؤقت وحرام، بس رضيت عشان ربنا يرضا عني وينجدني منك."
بدأت دموعها تسيل:
"لو جابولي رجاله الدنيا قدامك هختارك لأنك زوجي. لو مين عمل إيه هحترم إسمك لأنك زوجي. أنا اعرف ربنا. إنت جايز ماتفهمش يعني إيه عهد وميثاق.. ضربت علي قلبها.. أنا مربوطه بيك يابن الشامي لحد ما تفك أسري. أنا مشيت عشان ماموتش روحي وأموت كافرة. خرجت خدت نفس ورجعت ليك تكمل سواد. فوضت أمري لله فيك."
استدارت وتركته يغلي. وقف صهيب يضرب أخماسا في أسداس:
"طب أعمل فيها إيه؟ أرميها بره؟ جاية تحرق لي دمي.. ما فيش يوم إلا وحرقت لي دمي."
انسحبت فلك إلى الداخل، وغسلت تعب يومها تحت رذاذ الماء الدافئ، بينما كان الجوع ينهش أحشاءها، والوحدة تمزق روحها. وحين خرجت، وجدتـه جالسًا في انتظارها كظلها الثقيل. أغمضت عينيها بتعب، واتجهت نحو المرآة، وجلست تمشط شعرها في صمت جنائزي.
شعر صهيب بشيء يرتجف في صدره حين رأى الحزن يكسو ملامحها، فقام ووقف خلفها كالطيف. سحب الفرشاة من يدها بهدوء، فهمست بصوت مخنوق:
"والله تعبانة.. ممكن ترحمني شوية؟ ما عدتش قادرة."
قطب جبينه، فهذه المرة الأولى التي يرى فيها تلك الفرسة مستسلمة بلا مخالب. نحى يدها، وبدأ يمشط خصلات شعرها بنعومة غير معهودة، وظل يتلمس حريره حتى انحنى برأسه يغمره في عطره. ارتجفت وهمت بالابتعاد، فجاء تحذيره هامسًا:
"ماتتحركيش."
استكانت فلك، فقد كسرها فقدان الحلم، قبل أن يكسرها هو. أحس صهيب بهدوئها الغريب، فأدارها إليه، ورفع وجهها ليجد لؤلؤ الدموع يلمع في عينيها. أشاحت بوجهها بعيدًا، فجذبها إلى صدره في عناق غريب يمزج بين القسوة والحنين، وبين رغبة التملك وشفقة القلب. ابتعد أخيرًا وهو يحاول استعادة قناعه القاسي، وهتف:
"يلا.. روحي نامي."
وقفت فلك أمام المرآة، لكنها لم تكن ترى وجهها، كانت ترى الفراغ الذي تركه صهيب في روحها. دون وعي منها، ارتجفت يدها وارتفعت لترتعش فوق صدرها. بدأت أصابعها تتلمس بوهن ذلك المكان الخالي، تبحث عن ملمس سلسلتها الضائعة التي كانت يومًا ما تميمة أمانها، قبل أن يمزقها صهيب بجهل وجبروت. تحسست جلدها العاري من تلك الذكرى، وشعرت بوخزة قهر فاقت طاقة احتمالها. كانت وحيدة بشكل مريع، وحيدة لدرجة أنها لم تعد تشعر بانتماء لشيء، حتى لنفسها.
وقف صهيب ينظر إليها، وتذكر ما فعله بالقبو وتلك السلسال. أطبق صمت ثقيل على الغرفة، صمت لا يقطعه إلا صوت أنفاسهما المضطربة. لم تتحرك فلك لتذهب إلى الفراش كما أمرها، بل ظلت واقفة في مكانها منكسة الرأس، كأنها فقدت بوصلة الاتجاهات.
شعر صهيب بوقفتها تلك، وبدلاً من أن يخرج ويغلق خلفه باب القسوة، وجد نفسه يخطو نحوها بخطوات بطيئة، مدفوعًا برغبة مبهمة لا يدرك كنهها. وقف خلفها مباشرة، وشعر بحرارة جسدها ترسل موجات من الضعف إلى قلبه المتيبس. مد يده ببطء وتردد، ووضعها على كتفها الشاحب، فانتفضت فلك برعشة خفيفة، لكنها لم تبتعد. شدها إليه، وقبض عليها. وفجأة مالت برأسها إلى الخلف دون وعي منها، لتستقر فوق صدره العريض.
في تلك اللحظة، غابت كل الأسماء، غاب الجاني والمجني عليها، وذاب السجان والسجينة، ولم يبق إلا جسدان يرتجفان من فرط الوحشة. همست فلك وهي مغمضة العينين، وصوتها يخرج من بئر عميق من التعب:
"أنا ماهربتش لحد."
لم يرد صهيب بكلمة، فليس لديه شيء، هو نفسه تائه في غابة تملكه وغروره. لكنه بدلاً من الكلام، أحاطها بذراعيه من الخلف، وضمه إليها بقوة، كأنما يحاول إخفاءها داخل ضلوعه عن عيون العالم.. وعن عيون الحقيقة.
استسلمت فلك لهذا القرب الدفين، وأرجعت يدها لتتمسك بذراعيه الملتفتين حولها، وكأنها تتمسك بقشة في بحر هائج. كان قربًا مشوشًا، لا يحمل ملامح الحب، بل يحمل ملامح الانهزام المشترك. ظلوا هكذا لدقائق في حالة من انعدام الوعي، لا يدركان أن هذا القرب سيزرع في أرواحهما بذورًا لن يقدروا على اقتلاعها لاحقًا.
تنفس صهيب بعمق، وشعر لأول مرة بشيء آخر، أعمق وأخطر.. شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد. فانسحب للخلف بصمت.
انسحب صهيب بجسده عنها بحركة مباغتة، وكأنه يهرب من لمسة نار. شعرت فلك بالبرودة تغزو ظهرها فجأة، فالتفتت إليه بعيونٍ تائهة، تتوقع منه صرخة إهانة، أو حتى أمرًا بالنوم كما اعتادت. لكنه لم ينطق بكلمة.
تحرك صهيب نحو الخزانة بخطى صامتة ومرتجفة، وأخرج غطاء ثقيلاً. اتجه نحو الأريكة الموجودة في ركن الغرفة، وألقى بها هناك، ثم تمدد عليها بملابسه كاملة، واضعًا ذراعه فوق عينيه ليحجب عنها وعن نفسه رؤية أي شيء.
تسمرت فلك في مكانها، كان هذا التصرف أغرب من أي شتيمة. صهيب الشامي الذي كان يفرض وجوده في الفراش كحق تملك، يختار اليوم أن ينام بعيدًا عنها بأمتار، وفي نفس الغرفة. لم يخرج ليتركها، ولم يقترب ليمتلكها، بل اختار المسافة التي تقتلها حيرة. هزها هذا الصمت. دست نفسها في الفراش وهي ترتجف، تراقب طيفه المستلقي في العتمة، وشعرت لأول مرة أن الصمت قد يكون أقسى من الضرب، وأن صهيب الذي ينام بعيدًا وهو معها أخطر بكثير من صهيب الذي يصرخ في وجهها.
مر الوقت في سكون تام. سمعته يقوم، فأغمضت عيونها. اقترب هو من الفراش يتأملها. أحست برهبة عندما مسك الغطاء ودثرها جيدًا. ثم استدار صهيب وغادر الغرفة متجها إلى مكتبه.
جلست فلك على الفور تشعر بضياع وتخبط، تفكر في كم التناقض الذي تراه معه، وكيف لمست فيه أشياء لم تختبرها من قبل. ظلت جالسة بحزن، لكن الجوع كان أقوى من رغبتها في النوم.
نزل إلى مكتبه يشعر أنه يريد أن يختلي بروحه. ظل يجلس مغمضًا، يتذكر قربهم، ثم أتت لحظة ضعفها وتلمسها صدره. زفر بضيق، فكان ألمها ظاهرًا. فجأة قام دون أي كلام، واتجه إلى القبو. وما إن فتحه، أحس بنغزة، يتذكر منظرها. دخل ووقف لبرهة، يتلفت حوله يبحث عن شيء ما، إلى أن وجده يلمع في ركن القبو. اتجه إليه ونزل، وما إن لمس السلاسل حتى ارتجفت أوصاله، وصلت رعشة في قلبه. جمع فتاتها وقام يتأملها، وهي تتوسد كفيه، كأنها كنز حقيقي. مرت ذكرى ألمها، فقبض عليها بقوة، ثم استدار وخرج، فقبضة قلبه بدأت تعتصر داخله.
عند فلك.. نهضت بتثاقل، ارتدت روبها، وتسللت في عتمة البيت كطيف هارب، حتى وصلت المطبخ. أعدت لنفسها شرابًا ساخنًا وبعض المخبوزات، وجلست وحيدة شاردة الذهن، ترتسم على شفتيها ابتسامة سخرية مريرة:
"كان المفروض أبقى في بيتي وجوزي معايا وسعيدة.. آدي آخرتها معايا؟ حداية بروحين عضاض."
انتفضت فجأة حين اخترق صوته سكون المكان بحدة:
"على أساس إن كان معاكي راجل أصلاً يا شيخة؟ بقه بلاش قرف."
استدارت وهمت بالقيام، لكن يده كانت أسرع، إذ قبضت عليها:
"رايحة في أنهي مصيبة؟"
هتفت بغضب مكتوم:
"رايحة في مصيبة.. أي مصيبة بعيد عن هنا. أوعى."
زجرها بخشونة:
"اتررزعي كلي."
قالت بنفور:
"مش عايزة.. أوعى."
أحكم قبضته على يدها وهتف بلهجة تحمل وعيداً:
"بت أنتِ.. ماتطلعيش زرابيني. اتررزعي كملي أكلك، مش هلف بيكي عالمستشفيات، مش فاضيلك أنا."
رضخت لتهديده، وجلست تأكل بقهر، بينما ظل هو يراقبها بنظرات لم تحِد عنها، مما أثار حنقها، فصاحت:
"أنت بتتفرج على إيه؟ هو مولد دي حاجة تحرق الدم؟"
رد ببرود استفزازي:
"لا مش مولد. مراتي بلاش أتفرج؟"
زمت شفتيها بامتعاض:
"مراتك.. آه طبعًا."
انتفض كبرياؤه وهتف بزهو:
"إيه؟ مش مصدقة إنك مرات صهيب الشامي؟ اعترفي إنك في نعمة كبيرة. أنا يا بنتي كنت هاخد بنت وزير.. سفير."
دفعت صدره بيديها وقامت صارخة:
"قوم.. قوم خد وريحني ده مرار."
نظر إليها بذهول كمن يطالع مجنون:
"تقريباً الفيوز عندك لسعت ومش عارفة قيمة اللي في إيدك."
ضحكت بقهرة تقطر وجعًا:
"في إيدي؟ هو مين اللي في إيدي؟"
قال صهيب بزهو مفرط:
"مش المفروض جوزك؟ راجل ملو هدومه؟ غني ومركز وسلطة وشكل وهيبة؟ هتعوزي إيه تاني؟ عماد ولا مازن الشحات؟"
عند ذكر أحلامها الضائعة، طفرت دمعة حارقة من عينها، تذكرت كيف تهاوت طموحاتها أمام جبروته. أشاحت بوجهها سريعًا كي لا يلمح ضعفها، ونزلت عن الكرسي بهدوء منكسر. وحين أرادت الانصراف، مسكها، فهمست بصوت يرتجف من الخواء والوحدة:
"ممكن تسيبني؟ بجد تعبانة..."
كانت رعشتها شديدة، وشعورها بالانكسار بلغ مداه، مما جعل صهيب يشعر بوخزة قلق حقيقية لأول مرة، فسألها بنبرة خفتت فيها حدة القسوة:
"فيكي إيه؟ متغيرة مالك؟ مش فلك اللي بتناطح.. فيه إيه؟"
صمتت برهة، ثم همست والدموع تخنق صوتها:
"لا.. فلك اللي بتناطح ما عاش فيها حيل خلاص.. النهاردة فلك باعت الدنيا خلاص وحياتها انتهت."
استدارت لتغادر، لكنه جذبها إليه بقوة، وحاوطها ولصقها باحضانه، فاستسلمت لصدره وانهارت بين يديه، كأنها كانت تنتظر تلك اللمسة لتفرغ حمولة أحزانها. لم تعد قادرة على الصمود، انهارت بشكل افزعه، كانت شهقاتها تعلو وتعلو وهي بين أحضانه، انهارت قوة التحمل عندها. اهتز داخله وارتابه قلق مريع، وشدد عليها أكثر وهي تشهق وتنتفض.
الي هنا فانحنى وحملها برقة مفاجئة، وصعد بها الدرج، وهي متشبثة بقميصه، كغريق وجد طوق نجاة حتى في حضن معذبها.
بينما كان يحملها ويصعد بها الدرج، كانت فلك في حالة من اللاوعي التام، غائبة عن كل شيء، إلا من ملمس قميصه الذي تبلل بدموعها. كانت تتشبث به بقوة غريبة، كأنها تخشى أن تسقط في هاوية سحيقة إذا ما أفلتته.
في منتصف الدرج، توقف صهيب فجأة. شعر بجسدها الهزيل يرتجف بين يديه، وأحس بأنفاسها الساخنة اللاهثة تضرب عنقه، فاهتز شيء في أعماق رجولته لم يعهده من قبل. لم تكن هذه المرة فلك القوية التي تقف له بالمرصاد، بل كانت أنثى محطمة، تجردت من كل دروعها، ولم يبقَ لها سواه.. معذبها الذي صار في لحظة غامضة منقذها.
ما هز مشاعرها في تلك اللحظة.. هو أنه بدل أن يكمل طريقه بجمود، أمال رأسه ببطء حتى تلامست جبهته بصدغها، وأغمض عينيه بقوة، ثم شدد من قبضته عليها، وضمها إلى صدره أكثر، كأنما يحاول أن يدمج جسدها بجسده ليحميها من وجع الدنيا.. ومن نفسه.
شعرت فلك بهذا الاحتواء المفاجئ، وبدلاً من أن تبتعد، دفنت وجهها في ثنايا عنقه أكثر، وخرجت منها أنّة مكتومة تشبه نحيب الأطفال الصغار. في تلك الثواني، اختفت الأسوار، ولم يعد هناك صهيب الشامي المتكبر، بل رجل يشعر بوجع امرأة هو من تسبب فيه، وامرأة لم تجد مكانًا تهرب إليه من ظلم العالم إلا صدر من ظلمها.
أكمل صهيب صعوده بخطى هادئة ومثقلة بمشاعر لم يفهمها، وحين وصل إلى الغرفة، وأراحها على الفراش برقة تامة، ظل منحنياً فوقها لثوانٍ، وعيناه معلقتان بعينيها الغارقتين في الدموع، في صمت كان أبلغ من ألف اعتذار وأقوى من أي وعيد.
هذه اللحظة غيرت موازين القوى بينهما تمامًا. أراحها على الفراش برفق، وبينما هم بالرحيل والابتعاد، تفاجأ عندما...
رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو سلطان
كانت فلك قد وصلت إلى حافة الانهيار. تشعر بوحدة رهيبة تنهش روحها. كانت تطلب مجرد نفس أو صدرًا يشعر بأوجاعها المكتومة التي لم تعد قادرة على حملها وحدها.
وما إن وضعها صهيب فوق الفراش وهم أن يستدير ليرحل، حتى فاجأته يدها المرتجفة وهي تقبض بكفه، تلتمس فيه لحظة حنان ضائعة، تتمسك بآخر أمل لها في الحياة.
همست بوجع نفذ إلى أعماق قلبه لشدة صدقها. هز كيانه.
وبرعشة برزت في صوته:
"ممكن تخليك لحد ما أنام أنا؟ أنا خا... خايفة ممكن؟"
تسمر صهيب في مكانه، ونظرات الارتباك تنهش ملامحه. فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها انهيارها التام. المرة الأولى التي تطلبه هو بالذات ليكون أمانها. ابتلع ريقه بصعوبة، وقد تلاشى أي عنفوان لديه.
أما هي، فقد قرأت تردده كأنه صفعة جديدة، فشعرت بوجع أكبر يمزق كرامتها الجريحة. سحبت يدها بسرعة وقهر، وهمست بصوت مذبوح:
"آسفة. روح شوف حالك."
استدارت بعيدًا عنه، وانكمشت على نفسها كعصفور جريح في مهب الريح، واحتضنت روحها المكسورة بيديها. كان منظرها يخلع القلب. جسد هزيل ينتفض تحت قوة شهقات مكتومة تخرج منها كأنها انتزاع للروح.
في تلك اللحظة، ذاب جبروت ابن الشامي تحت حرارة دموعها. وجد نفسه، وبدافع لا شعوري، يكسر كل حواجزه. اندس بجوارها فوق الفراش. وحين شعرت به، حاولت أن تبتعد برعشة أخيرة. لكنه شدها إليه بقوة حانية، محيطًا إياها بذراعيه.
انحنى ودفن وجهه في ثنايا عنقها، وهمس بلين غريب:
"أنا جنبك. اهدي... ونامي."
حين اشتد نحيبها وشعر بصدرها يضيق من فرط البكاء، لم يحتمل صهيب رؤية هذا الانهيار. فقد كانت شهقاتها تطعن كبرياءه في مقتل. مد يده ببطء ومسح دموعها بطرف أصابعه، ثم همس بنبرة هادئة دافئة، غريبة تمامًا عن قسوته المعهودة:
"بس... اهدي. مش عايز أسمع صوت بكاءك ده تاني."
رفعت عينيها الحمراوين إليه بتيه. فاستطرد وهو يسحبها لتستكين تمامًا في حضنه، واضعًا يده خلف رأسها ليدفن وجهها في صدره:
"غمضي عينيكي يا فلك. مش عايز تشوفي الوجع دلوقتي. حاولي تفتكري أي حاجة بتحبيها. أي ذكرى حلوة كنت بتهربي ليها زمان. عيشي فيها لحد ما تنامي وسيبي الدنيا دي بره الأوضة."
داعب شعرها ويده تغوص بداخله، هامسًا:
"انسي فلك بتاعته دلوقتي."
توقفت أنفاس فلك للحظة. شعرت وكأن كلماته غطاء دافئ يُلقى فوق روحها المذبوحة. أغمضت عينيها بالفعل، وبدأت تستحضر طيف والدها وهو يبتسم لها. وشعرت بيد صهيب تمسد شعرها بانتظام كأنه ينومها مغناطيسيًا.
استسلمت فلك لهذا الدفء الغريب، وبدأت شهقاتها تهدأ تدريجيًا. وهي تشعر بأنفاسه تتغلغل روحها، تسري كالهلام، تذيب أي مخاوف بداخلها.
بدأ يمسد على جسدها برفق، وشعرت هي بنبضات قلبه تحت أذنيها. كانت تلك الدقات كأنها لغة سرية تحنو عليها أكثر منه. فاندست بين أضلعه، وتوسدت صدره، تسترق لحظة أمان مسروقة من زمن لم يُقدر لها فيه الطمأنينة.
أما هو، فقد أحس بزلزال صامت يجول في صدره. يداه اللتان اعتادتا البطش، صارتا الآن تحاوطانها وتمسدان عليها بحنان. أغمض عينيه واستسلم للحظة. لم يعد يشعر بما حوله، فالكون قد تقلص ليصبح هو وهي فقط. كأن الزمان توقف ليمنحهما هدنة في ساحة معركة لا تنتهي.
كان يراقب ملامحها وهي هدأت تدريجيًا. أنامله تجوب وجهها وجبهتها بحنان. وأحس برغبة غريبة في أن يقبل جبينها. رغبة لم تنبع من غريزة، بل من شيء بداخله يدفعه لا يفهمه. همس لنفسه وهو يرى استكانتها بين ذراعيه:
"معقولة دي فلك."
ظل يراقبها وهي تغوص في نومها. وتخبطه يزداد. فهو الآن يمنحها الأمان الذي سلبه منها بيديه، ويشعر بلذة خفية في كونها لا تجد ملاذًا من وجعها إلا في صدره نفسه.
كانت تنتفض بين الحين والآخر في نومها. وكلما لمسها، ازدادت انغماسًا في دفئه. وتململت فوق صدره لا إراديًا، حتى صار كل انش من جسده يلامس جسدها. شعر بحرارة جسدها تشتعل في عروقه. وقربها يوقظ فيه رغبات حاول قتلها طويلًا.
رفع خصلات شعرها عن وجهها، وظل يتأمل سكونها بابتسامة حانية. فبدت في نومها كأنها طفلة حالمة. ظل يداعب ملامحها لفترة. ثم اقتربت أنامله من وجهها، ولمس شفتيها برقة متناهية. فانفرجتا تحت لمسته، مما أثار في أعماقه عاصفة لم يستطع صدها. استسلم لنداء غريزته، وانحنى يلثمها بلين. لمسات هلامية رقيقة، مس يلهب قلبه، ويداه تملكانها، يحاوطها، يشعر بكل انش بجسدها. تاه هو في رقة تلك الشفاه، إلى أن شدته رغبته بجنون، فلثمها باجتياح محموم.
بدأت هي تستعيد وعيها. اندفع للخلف برعب. فتحت فلك عينيها بذبول، فوجدته قريبًا منها بشدة. في تلك اللحظة، تجمدت أنفاس صهيب، وأغمض عينيه فورًا، متصنعًا النوم. بهروب فهو لم يقو على مواجهة عينيها وهو في هذه الحالة. خشي أن تقرأ في نظراته هزيمة كبريائه أمام ضعفها.
أما هي، فلم تبتعد. ظلت تتأمله بضياع. كانت ملامحه وهو مغمض العينين تبدو أقل قسوة، كأن القناع الذي يرتديه أمام الناس قد سقط وهو نائم. شعرت بصراع مرير يمزق أحشاءها. عقلها يصرخ بأن هذا الرجل هو جلادها، وقلبها المنهك يهمس بأنه الصدر الوحيد الذي شعرت فوقه بدفء افتقدته لسنوات. كان شعورًا غريبًا يسيطر عليها. مزيجًا من الأمان المسموم والاحتياج القاتل.
تنهدت بعمق، وهي تشعر بغصة في حلقها. لم تجد القوة لترحل. مالت برأسها، وعادت لتغفو فوق صدره. وظلت يداها تداعب قميصه لا إراديًا في حركة عفوية زلزلت كيانه.
صهيب، الذي كان يحبس أنفاسه، أحس بلمساتها كأنها جمرات نار تخترق صدره. يغلي من فرط القرب ومن رقة حركتها التي جردته من كل أسلحته. شعر برغبة عارمة في أن يفتح عينيه ويضمها بقوة أكبر، لكنه ظل صامدًا، يداري جريمة لين قلبه الذي بدأ يتشكل تجاهها.
أخرج زفرة حارقة مكتومة حين تأكد من استكانتها التامة. وشعر بأنه في مأزق لم يحسب له حسابًا. ففتح عينيه، وأخرج زفرة حارقة، وانسل من الغرفة مسرعًا كمن يهرب من قدره. ومن شيء مرعب يدور بداخله.
نزل إلى الأسفل يحاول ترتيب أفكاره المبعثرة. يجلد نفسه. جلس يشعر بهياج أنفاسه لاهثه.
"عادي يا صهيب.. ست حلوة وقربت منك يعني إيه المشكلة؟ أي راجل مكانك كان هيحصله كده.. أنت أهبل دي رغبة عادية ما تفتكرش إنها جريمة.. أنت لا عايزها ولا هتخليها."
سهم قليلاً ثم حدث نفسه بمرارة:
"ما تمشيها يا صهيب مقعدها ليه؟ ما أنت كسرتها وخدت حقك مشيها وريح بالك."
قطع حبل أفكاره رنين هاتفه. فرفع حاجبيه باستنكار حين رأى الاسم. عماد. فتح الخط وهتف بضيق:
"نعم خير يا رب بتطمن على إيه؟ أنت مال اللي خلفوك؟ دي مراتي."
اشعل غضبه حين سمع كلمات الطرف الآخر. فصرخ بهياج:
"نعم يا أخويا وأنت مالك؟ هسيبها إمتى تاخدها... خدك ربنا في ساعة واحدة. أنت هتاخد مراتي وأنا قاعد.... أنت متفق.. بس ما اعتقدش الاتفاق ده هيتنفذ أبداً... أنت بتعلي صوتك ليه؟ آخدها ولا أهببها.. مش بعتها عايز إيه.. ألمسها.. أبلعها.. أنا حر."
راجع صوته.
"أنت ازاي حيوان كده؟ أنت متخيل إنها هترجعلك بعد ما سبتني... وعشان مالهاش حد ترجع وتنذل ليك أنت وأمك صح. أنتو عيلة انتو.. أنتو قرف. واعرف كويس إن فلك مش ليك ولا هتكون ليك، أنت مال أهلك هتكوت لمين. حلت في عيني والا ماحلتش مالكش فيه. أخدان مش هتاخد حتى لو سيبتها. هعمل اللي مايتعمل عشان ماترجعلكش عشان أنت ماتستحقهاش. أعصيها.. هيا عاصية خلقة. والله لو إيه ما هخليها تقرب منك تاني وهتشوف يا زبالة إنسا فاهم. اصرف تاني. هصرف مال أهلك برضه آه هصرف وهجيب لها قصر مالك برضه، إنما تخش حياتك ماهيحصلش. فلك أنضف منك ومن صنفك."
رزع الهاتف في الحائط وهو ينفخ كالثور الهائج، وصوته يعلو في أرجاء المكان بمرارة:
"عيل زبالة.. خدك ربنا جاي ياخد مراتي؟"
ظل يأكل في نفسه والغيرة تشعل داخله. لم يستطع النوم وقلبه يغلي. وجد قدميه تقودانه للأعلى مجددًا. وقف يطالع وجهها الساكن. وباندفاع وبلا تفكير اندس بجوارها وشدها إلى صدره بقوة، مستشعرًا دفء جسدها الذي أخمد نيران تعبه ليغرق في نوم عميق من فرط الإرهاق.
استيقظت فلك مع خيوط الصباح الأولى، لتجد نفسها مسجونة بين ذراعيه. تنهدت بعمق، واستعجبت من حالها. كيف طلبت منه القرب بالأمس... وكيف استسلمت لهذا الحضن... انسلت بهدوء ونزلت للاسفل. جلست فوق الأريكة ورفعت قدميها تضم نفسها بضياع. تفكر في مصيرها المجهول.
"إيه يا فلك؟ للدرجادي ماعتش ليكي حد. إزاي تطلبي منه ينام جنبك... هيقول عليكي إيه دلوقتي..."
اعتصر الألم قلبها وهي تجيب نفسها:
"مانا ماكنتش متحملة.. كنت هموت.. كان نفسي حد يحس بيا كنت لوحدي قوي."
اقترب منها عصام برفق متسائلاً:
"مالك؟"
لمح الدموع في عينيها فتنهد بحزن:
"سيبيها لله.. الدنيا لسه بخير."
ردت بصوت مخنوق:
"دنيا... هي فين الدنيا؟ ماعتش ليا دنيا خلاص يا عصام. كل حاجة راحت."
ابتسم عصام بصدق:
"ما تقوليش كده أنا جنبك والله.. قولي يا رب وهتفرج."
همست بوجع هز كيانها:
"يا رب. يا عصام تعبت."
تنهد وابتسم:
"فكري أن ده ابتلاء وثواب، وأن ربنا هو اللي خالقنا واخر إللي إنت فيه خير. ربنا ما بيجيب حاجة وحشة لحد."
ابتسمت ونظرت إليه بامتنان:
"ربنا يخليك يا عصام. إنت عارف إن أنا ماليش حد يحن عليا غيرك دلوقتي. مش عارفه أشكرك إزاي."
زادت ابتسامته:
"أنا جنبك ومهما حصل هفضل جنبك."
في تلك اللحظة، دخل صهيب. وبنظرة واحدة صرف عصام من المكان. جلس بجوارها يراقب انكماشها وسكونها الغريب. لم تكن هذه هي فلك التي يعرفها. اقترب أكثر وهمس بلين لم يعتده:
"مالك؟"
أحنت رأسها ولم تنطق بحرف. ابتلع ريقه وأكمل بمحاولة لاستفزازها:
"من امبارح وفلك مش موجودة.. أنت جرالك إيه؟"
لم ترد، فتنهد بغضب مكتوم. فهذا الهدوء يقتله أكثر من صراخها. قال بلهجة آمرة:
"طب قومي نفطر في المطبخ.. قومي."
هزت رأسها بجمود مميت:
"شكرا.. ماليش نفس."
اشتعلت حدته وهو ينهض:
"قومي بقولك ما تعترضيش."
ابتسمت بقهر شحب له وجهها وقامت بصمت:
"تحت أمرك."
مشى خلفها وهو يشعر بالقلق ينهش صدره. هي مالها عاملة كده ليه.. وإيه تحت أمرك دي.. دي مش فلك. دخلا المطبخ وأمر الخادمة بإعداد الطعام. وظلت هي ساهمة غائبة عن الوجود كأن روحها غادرت جسدها.
وضع الطعام أمامها وهي لا تشعر. اقترب وقال بحزم:
"يلا افطري."
لم تسمعه. مد يده إليها هاتفًا:
"فلك."
انتفضت بذعر كأنها استيقظت من كابوس. فقال على الفور لتهدئتها:
"براحة مافيش حاجة.. ده الأكل كلي."
نظرت إليه نظرة ميتة خالية من أي بريق. ثم بدأت تأكل بآلية وهي في عالم آخر. ظل يراقبها بضيق. أراد أن يستعيد فلك المتمردة التي تشعل حواسه. فهتف بخشونة مفتعلة:
"لعله خير يثيرها... ولما تخلصي أكل المطبخ يتمسح ويتروق.. مش هنخدمك إحنا هنا."
رفعت عينيها ببطء ونظرت إليه بهدوء مخيف. ثم قالت بنبرة مسلوبة الإرادة:
"حاضر.. اللي تشوفه."
خفق قلبه حين احنت رأسها وتركت الطعام واتجهت تنظف المطبخ. صعقه الرد. كانت الكلمات تخرج منها كأنها طعنات في كبريائه. لم يكن يريد عبدة. كان يريد خصمًا يشعر من خلاله بأنه حي. خفق قلبه، رزع الكرسي وقام بحدة وهو يصرخ:
"أنت إيه جرالك إيه؟ فين لسانك فين عندِك؟"
نظرت إليه ببرود شديد وقالت:
"مش ده اللي كنت عايزه من الأول إني أسمع الكلام وما أنطقش. أدي أحلامك اتحققت."
وأكملت تنظيف المطبخ. أحس بقلبه ينغزه وكأن نصلًا اخترق ضلوعه. لم يصدق ما وصلت إليه. كيف استكانت هذه الفرسه الجامحة. وما الذي مرت به حتي يجعلها تستكين بهذا الشكل. اندفع نحوها وقبض على يدها فجأة. فنظرت إليه بدهشة باردة. صاح بصوت يحاول به طرد شعوره بالذنب:
"ارمي اللي في إيدك ده فورا."
قطبت جبينها بآلية واستنكار باهت:
"ليه؟ مش قولت هنضف؟"
رد بهياج وهو يحاول مداراة ارتباكه وفشله:
"لا مش هتنضفي ومش هتعملي حاجة.. أنا كنت، كنت بهزر معاكي."
ثم تابع بغضب مكتوم ولهفة لا يفهمها:
"قومي اجهزي عشان هخرجك. أنت بقالك كتير محبوسة هنا."
ابتسمت بسخرية مريرة رسمت على وجهها ملامح ذابلة:
"نخرج... مين... أنا أخرج؟"
رد بإصرار وكأنه يحاول إحياء شيء مات داخلها:
"آه هخرجك.. شكلك بقى صعب قوي."
اتسعت ابتسامتها بمرارة وقالت بصوت مليء بالخيبة:
"إيه صعبت عليك... ما تحملش هم أنا مش مضايقة. ما تشغلش بالك خلاص. ماعتش حاجة توجع تاني."
همت بالقيام لتكمل عملها. فقبض على ذراعها بقوة وهو يهتف بإصرار:
"بقولك هنخرج اسمعي الكلام وما تخلينيش أفقد أعصابي."
استكانت لثوان وسكنت تحت وطأة استسلام مخيف. ثم نكست رأسها، مدت شفتيها بلا مبالاة وهمست بنبرة جردته من كل لذة للقوة:
"تحت أمرك.. اللي تأمر بيه."
نزلت كلماتها عليه كالصاعقة. لم يكن يتخيل أن كلمة تحت أمرك ستكون أقسى من كل صرخات التحدي التي كانت تقذفها في وجهه. وكأنها تخبره بصمت أن الجسد الذي يملكه الآن صار بلا روح. ظل ينظر إليها بضيق ينهش صدره. فالسكون الذي يلفها كان ثقيلًا على قلبه.
انطلق بها في السيارة والصمت يطبق على المكان. وكلما سرق نظرة إليها وجد عينيها ساهمتين بنظرة ميتة، كأنها غادرت الحياة وهي لا تزال تتنفس. هز رأسه بيأس:
"هو فيه إيه؟ مالها كده."
وصل بها إلى شاطئ البحر، حيث كانت الأمواج تداعب الرمال. كان يشعر أن البحر هو ملاذه كي يخرجها من تلك الحالة. وكانت هيا بالفعل تعشقه منذ كانت مع والديه. توقف وهتف بخشونة ليخفي قلقه:
"انزلي."
نزلت بصمت جنائزي. فجذبها نحو أحد المراسي وهو يقول:
"يلا تعالي."
عندما حان وقت النزول، كانت فلك لا تزال غارقة في حزنها وتتحرك بوهن. مد صهيب يده ليساعدها. وحين وضعت كفها الصغير في يده، لم يكتفِ بمساعدتها. بل أطبق أصابعه على يدها بقوة تملكية زائدة. أحست فلك بالألم وحاولت سحب يدها، لكنه لم يتركها. وظل يسير بها وهو يشدد قبضته، وكأنه يرسل رسالة غير مرئية وللعالم ولنفسه قبلهم:
"كلك ملكي أنا."
نظرت إليه بتعجب. فمد يده وشدها بقوة لم يحسبها، لتتعثر وتقع في أحضانه. للحظة، التقت عيناهما. وكانت نظراته حانية بشكل مريب، مما أربكها. فابتعدت عنه مسرعة وهي تلملم شتات نفسها.
انطلق المركب يشق عباب الماء. فجلست فلك على السطح، تستنشق هواء البحر العليل وتغمض عينيها. بدأت تستعيد ذكريات أبيها وأمها. فارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة وموجعة. ورفعت يدها تلقائيًا لتتلمس مكان سلسلتها المفقودة، تشعر بوحدة تنهش أركان قلبها.
كان صهيب يشعر بوخز في جيبه حيث يخبئ تلك السلسلة المحطمة. كان يريد أن يخرجها ويقذفها في وجهها. لكن كبرياءه كان يمنعه. ويحول هذه الرغبة في الاحتواء إلى غضب ونظرات نارية.
اقترب صهيب ووقف يراقبها بصمت، يحاول اختراق أسوار أفكارها. شعور غريب بالغيرة بدأ يغلي في عروقه. هل تفكر في عماد؟ أم في ذلك الطبيب؟ لماذا تبدو هائمة هكذا؟ وضع يده على قلبه الذي بدأ يخفق بدقات مضطربة لم يعهدها. ثم اندفع متسائلاً بلهجة تقطر سمًا:
"لسه بتفكري فيه؟ لسه بتحبيه؟"
استدارت إليه وقطبت جبينها بتعجب. فأكمل بحرقة:
"إيه لسه بتحلمي بيه؟"
سرحت فلك في الأفق البعيد، وغامت عيناها بذكريات طموحها المحطم. وقالت بصوت هامس كأنه آت من عالم آخر:
"طول عمري بحلم بيه.. طول عمري عايشه عشانه عشان أحقق حلمي."
لم تكن تقصد رجلاً. بل كانت تقصد كيانها. نجاحها الذي صار رمادًا. لكن غيرة صهيب العمياء جعلته يفسر الكلمات كما يهوى قلبه المشتعل. فاقترب منها بخطوات تهديدية، وعيناه تشرر غضبًا. هتف بغضب وقد أكلت الغيرة المكتومة قلبه وصوته خرج مخنوقًا:
"حتى بعد ما راح منك لسه بتفكري فيه. لسه ليه مكان في خيالك؟"
نظرت إليه بذهول، استنكرت، وقالت بنبرة جافة:
"وأنت عرفت منين إنه راح مني؟"
ثم قامت وابتعدت عنه، تاركة المكان لتتجنب بركان غضبه الذي لا يهدأ. وقف صهيب يضرب أخماسًا في أسداس. وعقله يصور له أبشع السيناريوهات.
"هي هبلة... أيوه راح وغار في داهية. أومال ماراحش ليه.. لتكون متفقة معاه؟"
اندفع خلفها كالإعصار، وقبض على ذراعها بعنف، وهتف بمرارة:
"لا راح خلاص ولا عاد هيخش دنيتك تاني. أنت إزاي رخيصة كده... بعد اللي عمله فيكي لسه متمسكة بيه؟"
كان الغليان يسيطر على عروقه. وظل يهزها بعنف، زلزل كيانها وهو يصرخ:
"هترجعيله بعد كل ده.. لسه بتحلمي بيه وبتحبيه بعد ما باعك وقبض الثمن؟"
كانت تنظر إليه ببلاهة تامة. فقد كانت غارقة في حلمها المهني وطموحها الذي اغتاله هو. ليعيدها صوته الأجش إلى واقعها البشع بصدمة. دفعته عن صدرها بكل ما تملك من قوة وصرخت بجنون:
"أنت بتقول إيه أنت؟ مين ده اللي هرجعله؟"
صرخ بجنون وهياج أعمى بصيرته:
"اللي لسه بتحلمي بيه يا هانم. لا وعاملة فيها شخصية وفلك اللي ماحدش يجي عليها. وأنت واقعة لشوشتك للبيه اللي باعك وبتحلمي بيه قدام عيني."
توقفت أنفاسها للحظة من فرط الذهول. وهمست وهي لا تصدق أذنيه:
"مين؟ أنت بتتكلم عن مين بالظبط؟"
فصرخ بصوت هز أركان المركب:
"هو فيه غيره.. المحروق اللي اسمه عماد."
ساد صمت مفاجئ، وجمدت ملامح فلك لثوان وهي تستوعب حجم الفجوة بين تفكيرها وظنونه السوداء. ثم رفعت حاجبها بسخرية مريرة وهتفت بنبرة تقطر وجعًا وتهكمًا:
"أنت فاكر إني بتكلم عن عماد."
أحس بنبضات قلبه ستنفجر من فرط الغيظ. فهتف بصوت أجش:
"نهارك أسود... أمال مين اللي بتحلمي بيه؟ ليكون الزفت الدكتور. أنت إيه بتنقلي في لحظة من واحد للتاني."
قطبت جبينها وظلت تتأمله بصدمة وكيف يسوء ظنه بها دائمًا. فصرخ فيها بغيظ:
"أنت بتبصيلي كده ليه؟ إنطقي."
تنهدت وهتفت بهدوء ممزوج باليأس وهي تهز رأسها:
"بفكر أنت إزاي كده. وجايب تفكيرك ده منين؟ بحاول أفهمك بس حقيقي مش عارفة. أنت فاكر إني هرجع لعماد أو بحلم بيه. أنت ده عقلك اللي صورلك كده."
ابتسمت باستهزاء وتابعت:
"تخيل كده تحب حد ويرسملك دنيا جميلة تعيش فيها عمر ويجي يبيعك بالرخيص. على فكرة الفلوس اللي دفعتها مش غالية ده اسمه رخص. رخص أخلاق ومشاعر. وعماد رسم نهايته من حياتي بإيده وبأبشع طريقة."
أخذت نفس كبير وفرت تنهيدة موجعة:
"بس على فكرة أنا بحمد ربنا إن ده حصل. لأن أنا اتأكدت إني عمري ما حبيت عماد."
نظر إليها بدهشة شلت حواسه. فابتسمت بسخرية مريرة كأنها تفتح جروحها أمامه:
"آه والله. أنا حبيت في عماد إنه الوسيلة اللي هتخرجني بيها من البيت ده. البيت اللي شفت فيه غلب ماحدش شافه. عمي راجل مالوش كلمة ومراته ست جاحدة. ماعرفش كانت بتكرهني ليه مع إني معملتلهاش حاجة. أنا عمري ماعملت حاجة لحد. كنت دايما في حالي. كل نفسي أعيش وألاقي حد يطبطب عليا. لدرجة إني كنت بصرف في البيت عشان أخزي عينيها وأجيبلها هدايا بس برضه مش طايقاني. لما ارتبطت بعماد كنت بتمنى أخرج من البيت. كل تفكيري أخرج منه. لدرجة إني كنت بساهم في فلوس الشقة وأدفعله. كان كل مرتبى رايح عليه ومرتبي كان كبير. ماهمني عشان أخلص."
ابتسمت بسخرية:
"وأهوه اديني الحمد لله خلصت. بص هيا درجات. أخلص من عماد وبعدين..."
صمتت فجأة وأشاحت بوجهها نحو الأفق البعيد. أحس بكلبشة في صدره. فاكمل هو بسؤاله اللي كان خنجر في صدره:
"وبعدين تخلصي مني أنا كمان مش كده؟"
تنهدت وقالت بجمود:
"ماهو هيجي يوم نخلص من بعض."
رد صهيب وقد ابتلع ريقه بصعوبة وشعر بشيء ينسحب من روحه:
"يعني مش هتروحيله؟ ماهو ماهيبقاش ليكي مكان. على فكرة ممكن تقعدي هنا، يعني مش شرط تمشي."
ذهبت فلك إلى طرف المركب ووقفت أمام الريح وعيناها معلقتان بالأفق:
"هو أنا عشان ماليش حتة فاكر إني هروحله. دانا لو هشحت في الشارع مادخلش عماد وأمه في حياتي تاني."
ثم سهمت قليلاً وتابعت بلهجة تقطر سمًا ووجعًا:
"عايزني أقعد هنا إيه؟ هتشغلني خدامة ولا هتشغلني إيه يا صهيب بيه."
اندفع لا شعوريًا وبدون تفكير:
"لا والله أبدا ما تحصل. ما قصدت. أنت تقعدي كل طلباتك مجابة عادي."
قاطعته بغرابة ودهشة أخرجتها من سكونها:
"عادي بمناسبة إيه؟ هبقى مطلقة هقعد في بيت واحد غريب."
تنهدت بعمق وأكملت:
"اطمن ربنا بيحن ع الحيوان مش هيحن على بني آدم. أنا اه زمان الشغل مشوني بسبب الحبسة بتاعتك، بس هيجي غيره شالله أشتغل أي حاجة."
أحس بوجع في قلبه كأن أحدًا يعتصره بيده. فقال بصوت خافت يحمل تساؤلًا قديمًا:
"أمال ليه قولتي إنك كنتي بتحلمي بيه؟"
لم تنظر إليه وظلت شاخصة ببصرها نحو الأفق البعيد. وابتسمت ابتسامة هادئة أضفت على محياها جمالًا يأخذ العقل. جمالًا حزينًا يمزق الروح. ثم هتفت بهدوء:
"ماجاش في بالك إني ليا حلم زي البني آدمين؟ ولا أنت مش شايفني من جنس البشر؟"
أردف هو برهبة:
"حلم."
قالت بابتسامة صافية تقطر وجعًا:
"آه حلم. تصدق فلك الجربوعة ليها حلم؟ أو بالأصح كان ليها حلم. حلم من يوم ما وعيت ع الدنيا وهو بيكبر معايا لحد ما تمكن مني وكنت عايشة عشانه."
هتف هو بفضول ينهش صدره:
"حلم إيه ده؟"
قالت بقهر وهي تبتعد عنه وكأنها تخشى أن يلمس بقايا أملها:
"خلاص.. ده كمان راح، كل حاجة راحت."
ركنت بجسدها على طرف المركب ونزلت دمعة وحيدة من عينيها. هبت نسمة هواء قوية طيرت خصلات شعرها الحريري لتغطي وجهها الباكي. وجد صهيب نفسه يرفع يده بآلية ودون تفكير ليزيح الخصلات عن عينيها. تلامست أصابعه مع بشرتها الباردة. فشعر بكهرباء تسري في جسده جعلته يتصلب. فلك تجمدت ونظرت إليه. أما هو فقد سحب يده بسرعة وكأنه لمس نارًا. واشتعلت بداخله غيرة مجنونة حتى من الهواء الذي يلامس وجهها. فرجف قلبه واقترب منها وأدارها لتواجهه وهو يقول:
"إيه هو؟ شاركيني.. عايز أعرف."
نظرت إليه والدموع تلمع في عينيها كلؤلؤ جريح.
"ماعدش ينفع خلاص.. بقولك كل حاجة راحت."
فاكمل بإصرار غريب:
"لا أنا عايز أعرف. شاركيني وأنا أقدر أحققلك كل حاجة.. أنا معايا كل حاجة تتخيليها."
نظرت إليه بنظرة هزت كيانه:
"أنت ليه دايما بتتكلم عن نفوذك وفلوسك وسلطتك؟"
رد بزهو يحاول به مداراة عجزه أمام دموعها:
"ماهي دي الدنيا.. بطلب يُجاب."
قالت بمرارة:
"آه دنيا السيد والعبيد صح؟"
تنهدت بعمق وتابعت:
"أشاركك حلمي؟ ماهو ماينفعش.. أولا أنا تعبت وماعدت هدور على حاجة... ثانيا أنت وأنا مفيش بينا حاجة أشاركك بيها وأكلمك عن حياتي وأحلامي. أنت حد غريب عني، ببعد عنه."
نظرت إليه بصدق وقالت:
"أنا مش هشارك حياتي مع حد بخاف منه."
رجف قلبه بشدة. فهمست:
"أنا مش بخاف منك اللي هو خوف إنك تعمل فيا حاجة.. لا الروح للي خالقها. أنا بخاف منك ومن اللي جواك.. الإنسان لما يبقى من غير مشاعر بيوجع من غير ما يحس."
قالت بقهر ووجع ظهر في نبرتها:
"بتقولي أشاركك ليه؟ هتفرح بحلمي مثلاً؟ هتحبه وتحبلي الخير؟ أنت جايبني هنا تذلني أقوم أشاركك حلمي؟"
ابتسمت بسخرية:
"هتدخلني حياتك مثلا؟ إذا كنت أنا ماعرفش عنك أي حاجة. كل اللي أعرفه إني متجوزة واحد اسمه صهيب الشامي. وللأمانة مش عايزة أعرف عشان يوم ما أخرج من هنا أنسى ماعرفش عن دنيتك حاجة تخليها تعلم فيا.. تقولي أشاركك؟ حلمي مابيتحققش بالنفوذ. حلمي هيتحقق بالإحساس وبإن اللي قدامي يحس بيا وباللي بعمله وينبهر بيه.. إنما فلوس؟"
رد بمقاطعة:
"مين قال إن الأحلام ماتتحققش بالفلوس؟ أنا أقدر أديكي."
فقاطعته بصرخة مكتومة:
"بطل من فضلك. أنا آخر واحدة تتكلم معاها ع الفلوس. أنا بقيت أكره الفلوس لأنها سبب وحلتي."
شعر ببعض الغضب من رفضها المستمر لهيبته وسلطته:
"عارفة.. ناس كتير يتمنوا ويحلموا يبقوا مكانك."
نظرت إليه وهمست بوجع يفتت الصخر:
"مكاني.... ماتمناش لحد يبقى مكاني أبدا."
اقتربت منه وهمست وقد سالت دموعها بحرقة هزت كيانه:
"ماتمناش لحد يحس بالوحدة اللي أنا فيها. يحس بالوجع إن مفيش إيد تطبطب عليك في عز قهرتك.. ماتمناش حد يحس إنه راحت منه كل حاجة بأبشع طريقة.. ماتمناش لحد إنه يبص للي قتله ويقوله حن عليا. أنت متخيل أنا في إيه. أنا إمبارح من وجعي وقهرتي طلبت منك تخليك معايا.. شفتش غلب أكتر من كده. إني مش لاقية حنية لوجعي بطلبها من اللي وجعني؟"
تابعت بنحيب مزق نياط قلبه:
"من يوم ما أهلي ماتو وانا بحس بوحدة رهيبة. كنت دايماً لما أتوجع أضم نفسي وأمسك سلسلتي وأغمض عيني وأقعد أحس إن بابا وماما معايا. كنت بصرف في بيت عمي عشان يحنوا عليا. أنا إمبارح كنت محتاجة حضن أهلي لأن ماليش حد. ماعرفتش ماحدش يحضني.. لقيتك أنت حتى لو أنت الوجع نفسه."
شعر صهيب وكأن الأرض تميد به. كان كلامها كالماء الذي أذاب فيه الملح فوق جرحه المفتوح. تراجع الغضب في عينيه وحل محله ارتباك طفولي لم يختبره منذ زمن. اقترب منها خطوة واحدة كانت كافية لتلفح أنفاسه وجهها الباكي. ومد يده ببطء شديد كأنه يخشى أن تنكسر بين أصابعه إذا لمسها. وبأنامل مرتعشة رفع ذقنها لتنظر إليه. فغاص في بحر دموعها الذي عكس انكسارها. ثم يكفيه أحاط وجهها ملامسة عنقها بانامله. همس بصوت مبحوح لم تدرك هي أهو اعتذار أم حشرجة كبرياء:
"تفتكري أنا كنت عايز أكون الوجع ده يا فلك؟"
قطبت جبينها لم تفهم ماذا يعني. وقبل أن تجيب وجد نفسه يضم وجهها بين كفيه بخشونة حانية. وبإبهامه بدأ يمسح دموعها برقة مباغتة جعلت قلبها ينتفض. مال برأسه حتى لامست جبهته جبهتها. وأغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول استجماع شتات نفسه المتخبطة.
في تلك اللحظة، لم يكن صهيب الشامي صاحب النفوذ. بل كان رجلاً تائهاً أمام امرأة سلبت منه قوته بضعفها. استشعر دفء وجنتيها. فخفق قلبه دقة غريبة زلزلت كيانه. وهمس بتوهان وهو مغمض العينين:
"أنا موجود جوزك.. حتى لو كنت أنا الوجع أنا هنا."
ثوان من السكون الرقيق مرت بينهما. غابت فيها الدنيا ولم يبقَ إلا صوت أنفاسهما المضطربة فوق سطح الماء. كاد يغرق في سحر تلك اللحظة. كاد يضعف ويشدها لصدره ليمحو كل قهرها. لكن فجأة.. لمعت في عقله صورتها وهي تتحدث عن حلمها وكرامتها التي داسها. فانتفض قلبه خوفًا من هذا الضعف. سحب يديه فجأة وكأن نيران الحقيقة قد لسعته. وتراجع خطوة للخلف وهو يتنفس بصعوبة، محاولًا استعادة قناع الجمود الذي سقط منه. نظر إليها بنظرة تائهة يمزقها التخبط بين رغبته في احتواء حطامها وبين خوفه من أن تملك هي زمام أمره.
كانت تشعر بالتخبط. ولكن كلمة جوزك كانت تتردد بعنف بداخلها... همست بقهر:
"جوزي... أنت متأكد من الكلمة دي."
هزت رأسها بيأس:
"أنا مشكلتي دايماً إن لما بتوجع ببقى عايزة حضن. بحس إني بموت. لما حد يلمسني ويحن عليا بحس بشوية أمان.. بتقول جوزي هتحن عليا مثلا؟ أنا كنت بوهم نفسي إمبارح عشان ماموتش من القهر. مافيش ده. مافيش. أنا ماليش حد.. تقولي مكاني وأمله وجوزي. هو فين مكاني ها؟ قولي؟ أنا هنا ولا حاجة.. مرات صهيب الشامي بس مش مراته. بيستعر منها عشان مش قد المقام.. أنا إيه؟ قولي؟ هكون زوجة مثلا ليك. ولا عمرها هتحصل. أنا ماليش مكان ولا هبقى.. أنا عايشة كده. حاجة تتأخد وتتجاب من خلق الله.. أبشع إحساس إن اللي سابني ماليش قيمة عنده. واللي خدني هو كمان ماليش قيمة عنده. بطل الله يخليك.. كلها شوية وترميني من حياتك لأن ماليش ولا هيكون استحالة."
بينما كانت تهمس بوجع وقربها منه كاد يلامس صدره. لم يسمع صهيب فقط صوت بكائها، بل تسللت رائحة عطرها المختلطة بنسيم البحر إلى رئتيه. للحظة تشتتت أفكاره الغاضبة. ووجد عينه تتركز لا إراديًا على شفتيها المرتجفتين. وشعر برغبة عارمة في أن يجذبها إليه ليصمت هذا الوجع. ليس حبًا – كما يقنع نفسه – بل لأنه لم يعد يحتمل رؤية هذا الشتات في امرأة يملكها.
قبض على يده بقوة خلف ظهره حتى كادت أظافره تغرس في جلده، ليمنع نفسه من لمس وجهها. إلا أنه اندفع صهيب قائلاً بصوت يرتجف من أثر كلماتها التي جلدت روحه:
"إيه.. مش ممكن تحبيني؟"
ضحكت هي بمرارة وسخرية لاذعة. فرد بحدة وغيظ:
"إيه.. حاجة تضحك قوي؟"
هتفت من وسط ضحكتها الباكي:
"تضحك ده تموت من الضحك.. أحبك.. أنت متخيل إن الضحية ممكن تحب جزارها؟ أنت متخيل إن البنت اللي أهنت كرامتها وكسرت حلمها وحبستها ممكن في يوم تفتحلك قلبها؟"
لقد كانت كلماتها كالرصاص الذي اخترق غروره. بص لبعيد وهو بيجز على سنانه وقال بغرور جريح:
"على فكرة أنا لو عايزك تحبيني هخليكي تحبيني.. صهيب الشامي ما فيش حاجة بتقف قدامه."
ابتسمت بمرارة وبصت للبحر:
"ليه هتتعب نفسك ليه وتضيع وقتك. هتستفيد إيه بقلبي. قلبي عندك مالهوش قيمة.. غير إني أصلا استحالة أحبك."
انفعل بجنون وقرب منها:
"ليه إن شاء الله؟ دا غيرك بيتمني نظرة بس.. إيه اللي فيكي زيادة؟"
تنهدت بيأس:
"تاني يا سيدي. أنا بقى مش بتمنى.. أنا لو فكرت تاني أو من الأساس أدخل حد حياتي لازم يكون قد الحب ده.. فلك مش لأي حد. أنا عايزة سند قلب يحب من جواه. قلب يراعي ويطبطب.. قلب يحس بوجعي وبس. لما يكون موجود أبطل أخاف.. دانا بقيت أخاف قوي من يوم ما أبويا مات والخوف حط عليا وزاد لما عملتوا فيا كده.. تقولي أحبك؟"
بصت في عينه بصدق وجع قلب:
"أنا ماعرفش أحبك لأن قلبي بيخاف منك. إنت من جوه صعب وقاسي ومالكش عزيز.. لو وقفت قدام كبريائك مرة هترميني وتدوسني وتخطيني. كبريائك مابيتلمسش.. إنت عندك كِبر ماينفعش يتحب لأن الكِبر مابيمشيش مع الحب. الحبيب بيفضل حبيبه عليه وبيحب مصلحته. إنما إنت صهيب الشامي.. دايما إنت الأول وأي حاجة بعدك."
كملت بقهر وهي بتبعد عنه:
"أنا عايزة حضن ماتعرفوش. اسكت والنبي ومشي دنيتك يابن الناس.. أحبك عشان تخلعلّي قلبي في يوم؟"
استدارت وتركته يقف بيغلي. كلامها كان زي السياط اللي بتجلد غروره. مسك طرف المركب وشد عليه لحد ما عروق إيده برزت. وهو بيكلم نفسه بحرقة:
"استحالة تحبني ليه؟ دانا ماحدش يطولني.. أنا أصلا كتير على أي واحدة. تيجي دي وتقول استحالة؟ فلك مش لأي حد.. مالها متفرعنة كده ليه؟ أمشي دنيتي وأنساكِ وتمشي وتروحي تحبي وتعيشي عشان ماخلعلهاش قلبها. مانا بالنسبالها ولا حاجة."
ظل ساهما لفترة والغليان بيفور في عروقه. فكرة إنها ممكن تكون لغيره. إن قلبها يملكه راجل تاني وهي بترفض حبه هو. كانت بتجننه. أغمض عينه وهو بيتخيلها مع واحد تاني بتديله الحنية اللي رفضت تديهاله. هز راسه بعنف وغضب:
"لا ماينفعش.. ماينفعش تكون لحد."
سهم للحظة. فجأة لمعت عينيه ببريق غريب. وقبض على طرف المركب بقوة. وارتسمت على شفايفه ابتسامة ساخرة باردة. وتحولت نظراته لخبث رهيب. ضحك بمرارة وهز راسه بتحدي. وأطلق ضحكة عالية:
"هنشووف يا فلك.. هنشوف."
استدار واتجه ناحيتها بخطوات واثقة وهادية. هدوء ما قبل العاصفة. علي ثغره ابتسامة تحمل كل خبث الدنيا. وكأنه قرر تغير خططه كلها لتلك الجميله.
...........
هتعمل إيه يا بقرة مهجنة مش مرتحالك.
رواية سيد الكبرياء الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو سلطان
وقف صهيب يسترجع صدى كلماتها ورفضها القاطع له كرجل، رغم اعتداده بذاته وشعوره بأنه أكبر من أن يُرفض. كانت تلك الكلمة هي الحد الفاصل، إذ قرر في تلك اللحظة أن يروض كبرياءها ليدخل مرحلة جديدة من الغرور الذي استفحل حين مسّت كرامته. هنا ولد قراره بامتلاك قلب تلك الجميلة.
ابتسم بسخرية مريرة وهو يحدث نفسه:
"بكده اخد حقي منك يا فلك هانم.. بقي انا مابتحبش.. بقي انا مانفعش اخش دنيه فلك هانم وانك مش لاي حد... حلو كده تمام هنشوف ان ماكت اخليكي تتلوعي بحبي وتتمنيه مابقاش صهيب الشامي. وساعتها هتعرفي ان حبي ده تتمنيه وتترجيني اخليكي ليا او ابص ليك."
استدار ومضى نحوها. وقف للحظة بجوارها يراقب سكونها. كانت تشعر بلسعة البرد تنهش جسدها، فخلع جاكته ووضعه حول كتفيها برفق. وبينما كانت غارقة في أفكارها تشعر بضياع يسكن روحها، باغتتها ضمة دافئة ويد تربت على كتفها بحنان. نبرة لينة تغلغلت إلى أعماقها:
"انت ما اكلتيش حاجة من امبارح.. تعالي يلا عشان تاكلي."
تنهدت بثقل ولم تتحرك، وهمست بوهن:
"ماليش نفس."
أمسك يدها ومسد عليها برقة، ثم همس بالقرب من وجهها بنبرة تفيض مكرًا:
"تؤ تؤ تؤ.. لازم تاكلي.. علي الاقل تقدري تقفيلي وتسودي عيشتي.. امال مين اللي هيجلط صهيب الشامي؟ مش فلك الجيار."
ابتسمت رغماً عنها. فاستغل تلك اللحظة وهمس بنظرة ساحرة:
"اخير شفت ابتسامتك.. علي فكره انت حلوه قوي."
ارتبكت واشاحت بوجهها بعيدًا. فضحك بخفوت وقال:
"ايه.. مش معني ان بينا كتير اكدب.. انت قمر تاخدي العقل علي فكره."
ابتلعت ريقها وهمست بارتباك:
"بطل من فضلك.. واستدارت لتذهب."
لكنه جذبها نحوه فجأة لتستقر في أحضانه ويدها مستندة إلى صدره. فهتف بحنو:
"ابطل ايه.. قولي عايزاني ابطل ايه عشان تيجي تقعدي وتاكلي."
ثم وضع يدها فوق موضع قلبه وتابع:
"تحبي أعملك إيه.. بتاكليه.. صهيب تحت أمرك بس تطلبي."
نظرت إليه في ذهول من هذا الذي يقف أمامها بابتسامته الساحرة ووسامته التي تخطف الأنفاس. ارتبكت بشدة وشدت يدها من بين يديه وتنهدت وهي تهمس:
"طب خلاص.. اوعي.. هروح اكل."
هنا انحنى وحملها فجأة بدون مقدمات. فشهقت وهتفت بذهول:
"انت بتعمل ايه يا مجنون انت."
رد عليها بمرح وهو يثبتها بين ذراعيه:
"لا.. مانا شايفك تعبانه وانا السبب.. وشكلك يقطع القلب. قولت ارحمك شويه من غتاتي واحن عليكي وابطل غتاته."
ثم رفعها أكثر لتلتصق بصدره رغماً عنها. فحاوطت عنقه بتلقائية. فضحك وغمز لها بمكر:
"ماتخافيش.. اللي صهيب يشيله مايقعش ابدا."
خبطته على صدره بارتباك حاولت إخفاءه:
"اوعي.. ايه رخمتك دي."
فاقترب منها وعض خدها برقة مباغتة. لتشهق بصدمة. فقال بنبرة تحذيرية ماكرة:
"نقعد مؤدبين.. ماشي.. عشان مش خدك بس اللي هعضه."
فنظرت اليه بذهول من جرأته. فضحك عاليا واكمل بشقاوة:
"اقلك هعض ايه.. ولا تضربنيش."
احمرت خجلا كجمرة نار وتململت بسرعة حتى أفلتت منه. ودفعته وهتفت وهي تبتعد:
"انت لسعت.. اوعي ربنا يشفيك."
ثم مشت مهرولة من أمامه وارتباكها يزداد مع كل خطوة. تعالت ضحكاته وهو يراقب هروبها المحرج من أمامه. ثم ذهب وراءها وجلس بجوارها ملتصقا بها تماما. وكلما حاولت الابتعاد تحرك معها ليلتصق بها. فنظرت اليه بغضب طفولي:
"ايه.. ماتبعد.. ايه لزقتك دي."
قال بسعادة غامرة تلمع في عينيه:
"انا مبسوط كده.. اصلك قمر وانت محمريه كده.. وانا فرحان عالاخر."
قطبت جبينها بحيرة من حاله المتبدل وقالت بحدة مستنكرة:
"مبسوط من ايه.. انت انت عبيط."
قرصها من وسطها بخفة. فانتفضت بجسدها وشهقت. ليقول محذرا بمداعبة:
"لا.. نلم لسانا.. مراتي لازم تبقي قطه.. وانا قدامي احلي قطه."
نظرت اليه ببلاهة وعدم استيعاب من تبدل حاله. فضحك على ملامح وجهها المندهشة وتابع:
"يلا بس كلي.. وابقي بصيلي بهبل بعدين.. دا جاي هبل.. ماهتلاحقيش عليه."
هزت راسها وشرعت في تناول طعامها بصمت. بينما كان هو يطعمها بيده بين الحين والآخر ويتعمد لمس شفتيها عنوة. لتزداد ارتباكا فوق ارتباكها. فهو بدا يلين لها فجأة لغرض يضمره في نفسه. وهي غارقة في حيرتها من هذا التحول المفاجئ.
سهمت في ملامحه وحدثت نفسها:
"هو انهبل.. هو بيعمل كده ليه.. ثم تنهدت بعمق وقالت في سرها: ايه صعبت عليه قوي كده.. هيبطل يعض فيا. آه.. مانا كنت موجوعه إمبارح وشكلي صعب.. أكيد صعبت.. آه.. هو يعني برضه أكيد جواه حاجه حلوه.. بيعامل عم فكري حلو خالص.. ولما وقع كان هيموت عليه.. حقه لو بطل يوجعني ونعدي الشهرين حلوين كده.. أو ربنا يهديه ويسيبني امشي.. لما بيبقي طيب بيبقي كويس.. يا رب حنن قلبه عليا."
هنا أحست بلمسة أصابعه الدافئة على شفتيها. لتنتفض من أفكارها. فغمز لها بمرح ومكر:
"ايه.. بتفكري فيا."
نظرت اليه بذهول. فرفع ياقة قميصه بزهو وثقة:
"كنت عارف انك بتفكري فيا."
نظرت اليه بسخرية من فرط اعتداده بنفسه وقالت:
"مالك مغرور كده."
مال برأسه مؤكدا قوله في هدوء واثق مداعبة انفها باصبعه:
"لا.. مش غرور.. دي ثقه يا كتكوت."
واقترب منها أكثر مسلطا نظراته على شفتيها بنظرة جعلت نبضاتها تضطرب بشدة. وهمس:
"احلفي انك ماكنتيش بتفكري في."
ارتبكت وبحثت عن أي مهرب. وهبت مبتعدة عنه بجسدها المرتجف:
"اوعي.. انت عبيط.. افكر في مين."
تركته مسرعة وهي تسمع صدى ضحكته الواثقة يطاردها. فهمست لنفسها:
"هو اتهبل في عقله.. ايه قله ادبه دي.. قال افكر فيه قال."
زفرت بيأس:
"يا رب.. إيه ده.. أنا تعبت.. أنا ناقصه."
كانت غارقة في شرودها تضع يدها على قلبها لتهدئة روعها وتتنهد بثقل. وفجأة شعرت بشيء بارد وناعم يلتف حول رقبتها. فلامست أصابعها المعدن برفق. ورمشت بعيونها غير مصدقة. فها هي سلسلتها تتوسد صدرها من جديد. وقد عادت سليمة وكأنها لم تكسر قط. ظلت تتلمسها وتنظر اليها بحنين جارف. لا تصدق عينيها. حينها أدارها هو إليه بحنان وظل يحكم غلقها. وهي شاخصة فيه مبهوتة. فهمس بنبرة لينة:
"ما كانش ينفع دي تفارقك."
لمعت عيونها بالدموع ونظرت إليه نظرة امتنان طغت على كل صراعاتها. وفي لحظة تلاشت كل شيء. وبدون وعي منها اندفعت وعانقته بقوة ودموعها تسيل على صدره. فحاوط خصرها بذراعيه وشدها اليه. وهو يهمس في أذنها بصدق زلزل كيانها:
"أنا أسف."
سرت قشعريرة باردة في جسدها جراء تلك الكلمة التي لم تتوقعها منه أبدا ولم تتخيل حدوثها. فأبعدها عنه برفق. ومسك وجهها بين كفيه الدافئين وتابع وكأنه يبرر سهر ليلته بالأمس:
"نزلت امبارح وقعدت أصلح فيها طول الليل.. عشانك."
أتسعت عيونها وقلبها يدق بعنف. ثم لانت ملامحها برقة. ابتسمت له ابتسامة ساحرة نابعة من أعماق قلبها وتلمست تلك السلسلة الغالية. فانحنى هو ببطء مقتربا من قلادتها وقال:
"القلب ده لازم يفضل موجود هنا.. عشان فيه كل إللي انت بتحني ليه.. ويخليكي فلك إللي أعرفها ومش عايز غيرها.."
ثم لمس القلادة بحنان وهمس:
"هينور تاني خلاص.. ما القلب رجع لعشه."
وانحنى وقبل ذلك القلب المعدني. وهي واقفة مبهوتة ترتجف من أفعاله وعيونها لا تفارق تقاسيم وجهه القريبة. رفع وجهه وهو بالقرب من القلب وهمس:
"مش هكسره تاني."
ابتلعت ريقها وسهمت لدقيقة. وابتعدت عنه بخطوات مهزوزة وهي تشعر برهبة لا تعلم مصدرها. ووقفت ساهمة تفكر في هذا التناقض العجيب. تاركا إياها في صراع مرير بين رغبتها في دفعه بعيدا وبين احتياجها الفطري لهذا الحنان الذي يغدق به عليها.
وقفت ساهمة حين صدحت الموسيقى من أركان المركب. أغمضت عيناها واستسلمت لنسمات الهواء التي تداعب وجهها. فاحتضنت نفسها وتمايلت مع الأنغام في لحظة تشعر بأريحية غريبة. وهي تقبض بأصابعها على سلسلتها وتتلمسها بابتسامة هادئة.
إلا أنها انتفضت بجسدها عندما حاوطها فجأة من الخلف. واضعا رأسه بين خصلات شعرها وهو يهمس بنبرة رخيمة:
"اهدي.. وحسي بالموسيقي دي.. سحر للروح."
ظلت صامتة مستسلمة لحصاره. يتمايل معها بهدوء. وهي مغمضة العينين تتوق لاقتناص ولو قليل من الراحة وسط عواصف حياتها. بينما كانت يده تداعب يديها برقة.
مر الوقت وتلاشت الدنيا من حولهما. فأدارها نحوه بهدوء. وعندما فتحت عيناها وهمت بالابتعاد. شدها إليه بلين ووضع يده فوق عينيها يغطيهما برفق:
"دايما الروح لما بتبقي حاضره والعيون بتقفل.. بتسافر لعالم تاني.. عالم كله راحه.. ممكن ننسي شويه احنا مين.. انا محتاج انسي بجد."
فتحت عيناها لتجد في نظراته حنانا لم تعهده. فأخذ يدها وبدأ يدور بها في رقصة هادئة. فأخفضت بصرها وقلبها يرتجف من ذلك الفيض المفاجئ من المشاعر. ظلت تدور بين يديه ولا تجرؤ على رفع عينيها. فثمة شيء غريب في تحوله المفاجئ من الجمود القاسي إلى الحنان الطاغي. وهيا في أمس الحاجة لذلك الحنان.
إلى أن انتهت الموسيقى. فظل محتضنا إياها يقبض على خصرها. وأنفاسه الدافئة تلفح وجهها. ابتعدت عنه على الفور تهرب بعينيها في كل اتجاه. بينما شعر هو برغبة عارمة في إعادتها إلى أحضانه ليستعيد ذلك السلام الذي سكنهما للحظات. وقفت تلملم شتات نفسها وتحتضن جسدها من البرد. ليأتي صهيب ومعه رداء صوفي واسع. لم يكتف بإعطائه لها. بل لفه حولها ببطء شديد. ثم وقف خلفها وبدأ يعبث بالسلسلة التي أصلحها.
لامست أصابعه الباردة بشرة عنقها الدافئة. فسرى تيار من القشعريرة في جسدها. مال برأسه وطبع قبلة رقيقة جدا مكان قفل السلسلة خلف رقبتها. ثم همس بصوت خافت:
"أنا مش عارف عملت كده إزاي.. السلسلة دي رجعت لمكانها.. والقلب اللي فيها.. أنا كفيل احافظ عليه."
زاد ارتباكها وهما يقفان على حافة المركب والرياح تداعب خصلات شعرها المبللة. ليدنو منها أكثر من الخلف دون أن يلمسها. بل أحاطها بذراعيه ليحبسها بين صدره وسور المركب كلوحة ترسم التملك في أبهى صورة. حتى طغى حضوره على كل شيء آخر.
بعد فتره همس بالقرب من أذنها بمرح مباغت:
"ايه رايك نعوم شويه.. بتعرفي؟"
تنهدت وانكمشت على نفسها وردت بخفوت:
"يعني شويه.. مش قوي."
اقترب ومد يده إليها:
"طب يلا."
وأمسكها بقوة. فقالت باندفاع وارتباك:
"ماعيش هدوم.. يلا ايه؟"
لكنه لم يمهلها لحظة للتفكير. إذ انحنى وحملها فجأة بين ذراعيه. فصرخت بذعر:
"وصدمة.. انت مجنون.. نزلني."
ضحك بصوت عال وقال بمكر:
"ايه.. هتقلعي.. انا عن نفسي موافق."
فخبطته على صدره بغيظ وهي تصرخ:
"اقلع في عينك.. اوعي.. نزلني يا مجنون."
رد باصرار وتحد:
"لا.. ده انا قررت.. هنعوم يعني هنعوم."
وصعد بها وهي تصرخ بكل قوتها. لينزل بها الى الماء دفعة واحدة. فتشبثت به وكلبشت في عنقه وهي تشهق بقوة من صدمة المياه الباردة. نزلت تحت الماء فالتصقت به بذعر. ليصعد بها سريعا الى السطح. ففتحت عينيها ونظرت اليه بغضب وهي تحاول استعادة انفاسها:
"انت واحد مجنون.. مش طبيعي.. حد يعمل كده."
اردف ضاحكا وهو يمسح المياه عن وجهه:
"اه.. صهيب الشامي.. يعمل ما بداله."
فهتفت بسخرية ولوت فمها مقلدة نبرته:
"صهيب الشامي."
ضحك وغمز لها بمداعبة:
"ايه ده.. قطتي بتتريق.. لا عيب.. حد يتريق علي جوزه حبيبه."
نظرت اليه بغضب. فاطلق ضحكة مجلجلة ودفعها بعيدا عنه قليلا. فارتاعبت وهي تحاول الطفو. فهي تجيد السباحة ولكن ليست بمهارة كافية. اندفعت تلتصق به مرة اخرى. فحاول فك يديها من حوله وهو يداعبها:
"ايه.. مش انا.. مش عاجب.. لازقة فيا ليه."
وامسك يديها ليبعدهما. فكلبشت فيه بقوة وقالت برجاء وتوسل:
"بطل.. والنبي.. انا خايفة."
ابتسم مشاكسا اياها:
"مش انا.. مغرور."
نظرت اليه بسخط. فاكمل ببرود مصطنع:
"ورخم.. وماتعاشرش."
رفع حاجبيه يتذكر ما كانت تنعته به:
"وجاحد.. ومتوحش.. وحاجات كتير مش فاكرها.. يبقي.. اوعي بقه.. وفك يدها بالفعل."
صرخت بذعر وهي تتشبث به مجددا:
"لا.. لا.. لا.. والنبي انت كويس وحلو خالص.. ماتبعدش عني."
ابتسم بانتصار وشدها الى احضانه بقوة:
"مش عايزاني ابعد عنك يا لوكا."
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بمراوغة:
"عشان ماغرقش.. انا خايفة."
نظر اليها نظرة عميقة تفيض بالرغبة وقال:
"بس عشان كده.. لا.. انا مالي بيكي.. انت مش معتبراني جوزك.. وبتخافي مني.. بتقربي ليه بقه."
فكلبشت فيه اكثر واخفت وجهها في صدره:
"لا.. خلاص.. مش هخاف.. بس ماتبعدش.. والنبي."
شدها اليه مرة اخرى ورفع وجهها بيده وهمس بحنان اسر:
"يعني دلوقتي.. مش خايفة مني."
تنهدت وهمست بصدق استسلم امام نظراته وحنانه:
"لا.. مش خايفة."
همس بنبرة حانية وعيونه تاسر عينيها:
"يعني عايزة قربي.. مش مضايقك."
تنهدت وصمتت. فابتسم ودار بها في الماء بسعادة غامرة:
"يبقى.. مش وحش.. مش وحش المز القمر.. مش مضايق من قربي."
تنهدت على افعاله وظنت حقا انه جن. وبدا يدور بها ويشاكسها. وهي متعجبة. احدث به خلل في راسه. الا انها شعرت بسعادة غامرة رغم حيرتها. فقلبها كان يؤلمها بشدة بعد فقدان حلمها. ولم يعد بها جهد للمقاومة. فظنت انه ربما شعر بالشفقة عليها فتغير حاله. اما هو فكان يملك من الخبث والدهاء ما يكفي ليتحول الى ذلك الحاني المشاكس. فقد قرر ان يقتلع قلبها بجدارة. فلا توجد انثى على وجه الارض ترفضه.
صعدا الى المركب. وبدات اطرافها ترتجف من البرد. فامسكها من كتفها وقال:
"خدي شاور."
تنهدت بغضب وهي تنظر لملابسها المبتلة:
"وهتنيل البس إيه."
قال مبتسما بهدوء:
"هدومي في المركب.. ماتخافيش.. هجبلك."
نظرت اليه بذهول:
"انت مجنون.. حد يعمل كده."
رد ضاحكا وهو يدفعها برفق نحو الداخل:
"اه.. انا.. يلا.. خشي.. يلا."
دخلت الحمام واخذت حماما دافئا. وظلت مسترخية لفترة تريح اعصابها المتعبة. وتذكرت حنيته فابتسمت رغما عنها وحدثت نفسها:
"هو جراله ايه.. للدرجادي صعبت عليه.. ماله حنين كده.. دا بقي غير خالص.. مين ده."
قطع حبل افكارها صوته وهو يطرق الباب بانتظار:
"لوكا.. انت كويسة."
تنهدت بوهن:
"ايوه.. ممكن بس تناولني الهدوم."
فتحت الباب ومدت يدها لتتلقف ثيابها. فارتعبت حينما قبض على معصمها وحاول جذبها للخارج. صرخت وهي تتشبث بحافة الباب كغريق:
"بتعمل ايه يا زفت انت."
ضحك بنبرة عابثة:
"هساعدك.. مش جوزك.. حبيبك.."
وبدأ يشدها وهي تقاوم بصراخ وتكلبش في الباب بكل قوتها. صرخت بغضب جامح:
"احترم نفسك.. ايه قلة ادبك دي."
مد يده يداعب ذراعها العاري بأنامل خبيرة جعلتها ترتجف:
"قلة ادب فين دي.. مع ان النعومة دي.. تستدعي كل قلة ادب اللي في الدنيا."
كان يتلمس بشرتها وهي مشتعلة خجلا. وقد وضع قدمه حائلا بالباب يمنع إغلاقه. هتفت بحدة:
"بطل بقه.. عيب كده.. الله.. انت اتجننت."
أمسك كف يدها وطبع عليه قبلة عميقة. وهي تحاول الفكاك منه:
"حد يشوف الجمال ده.. ولا يتجننش.. مخبية ايه.. وريني بس."
صرخت تدفعه بيد واحدة:
"انت تحترم نفسك.. اوعي.. عيب بقه.. والنبي."
تنهد وهمس بنظرة راغبة ارهبتها:
"مش جوزك.. وحقي.. اتهنى."
نظرت إليه غاضبة. فضحك بمكر:
"طب خلاص.. خلاص.. خدي التي شيرت بتاعي.. هديك شرف لبسه."
خبطته على صدره:
"دمك تقيل.. هات بقه."
شدها مرة أخرى فصرخت. فقال محذرا بنبرة ذات مغزى:
"نحترم نفسنا.. مراتي.. ماتطولش لسانها."
تنهدت بغلب واستسلام:
"طب خلاص بقه.. انا تعبانة."
قال مشاكسا:
"طب عفوت عنك.. يلا."
وقرب وجهه من فتحة الباب ويده لا تزال تأسر يدها. قطبت جبينها بتوجس:
"يلا.. يلا ايه.. انت عبيط."
كز على أسنانة:
"برضه لسانك.. طب انت اللي جبتيه لروحك."
ودفع الباب بقوة. ردتها للخلف. فدفعته وصرخت:
"اسفة.. اسفة والله."
سار بأطراف أنامله على ذراعها وهي ترتعش كعصفور بلله المطر. وقال:
"هتبقي مؤدبة."
هزت رأسها على الفور ببؤس:
"والله هبقي.. هبقي.. هبقي مؤدبة."
ضحك بانتصار:
"وهتلمي لسانك."
هزت رأسها بسرعة. فابتسم واقترب مرة أخرى:
"خلاص.. يلا."
تنهدت بغلب. وهي لا تقوى على الرفض في حالتها تلك. اقتربت من خده وقبلته قبلة حانية رقيقة. فاستدار مسرعا. فشهقت وتشبثت بالباب خوفا وهلعا. انحنى عليها واجتاح شفتيها يتفنن في تقبيلها. وهي ترتجف بين يديه. لم تملك قوة للحركة حتى لا ينفتح الباب تماما. أما هو فذاب في ملمس تلك الشفتين. ولم يعلم متى انفصل عنها. كانت قبلة طويلة غاص فيها بمشاعر لم يختبرها من قبل. خرجت من أعماقه كبركان خمد طويلا.
بينما كانت هي في دوار من ذلك التخبط. وجدته يطبق على عالمها فجأة. لم يكن مجرد اقتراب. بل كان اجتياحا عاصفا أخرس كل الكلمات فوق لسانها. أطبق بمشاعره المشتعلة عليها في لحظة خاطفة للأنفاس. كأنما يفرغ فيهما كل جنون الرغبة وتناقضات الغضب والحنين التي كتمها طويلا. كانت هي ترتجف بين يديه. تشعر بكيانها يذوب تحت وطأة ذلك الاندفاع الذي لم يترك لها مجالا للمقاومة أو حتى التقاط الأنفاس. لم تكن مجرد قبلة. بل كانت صراعاً خفيا وصوتا صارخا بلا كلمات. غاص فيها بكيانه كله حتى اختلطت أنفاسهما اللاهثة آخره. لم ينفصل عنها إلا وقد سلبها القدرة على الوقوف. تاركاً إياها في ذهول تام وصدرها يعلو ويهبط بعنف. كأنها كانت في معركة طاحنة مع مشاعر لم تختبرها من قبل. لم يفلتها إلا وهي تلهث وقد تقطعت أنفاسها مع أنفاسه.
ابتعد أخيرا وهي مغمضة العينين ووجهها يشتعل حمرة. تمسك الباب كأنه آخر قشة للأمان. همس لها وأنفاسه المتسارعة تلفح وجهها:
"يخربيت كده.. نار يا بنت الايه.. حاجة تدوخ."
هنا دفعته بقوة وقفلت الباب وهي ترتجف. صدحت ضحكته العالية في أرجاء المكان. واستدار يدندن سعيداً. ملمس شفتيها قد أجج بداخله نزعة رجولية جامحة لاقتحام حصون تلك الجميلة. أما هي فكانت ترتعد في الداخل. تسندت على الحائط بضعف وجلست على طرف البانيو تضع يدها على قلبها الذي يصرخ:
"اتجنن.. اه اتجنن.. يادي المصيبة.. ماله ده.. يا لهوي.. كان هيوقفلي قلبي.. ايه ده.. حصل ايه.. قلبي بيصرخ."
كانت دقات قلبها تقرع طبولا عنيفة. تنهدت بعمق. فلم يلمس شفتيها أحد قط بتلك الطريقة. كانت تجربتها الأولى رغم قبلته السابقة. لكن هذه كانت عميقة مؤثرة تغلغلت في مسام أحاسيسها. أحست بتخبط مريع. فهي لم تكره تلك القبلة. واستعجبت. أين نفورها من ذلك الجاحد؟
تنهدت بحيرة:
"هو اهبل.. بيعمل كده ليه.. انا خايفة.. هو اتقلب ليه.. مايرجع عفريت تاني.. لا.. مش هتحمل كده.. هو فيه إيه.. أنا خايفه. يا رب بقه.. أنا تعبانة.. مش قادرة.. وانت بتدق ليه انت كمان.. فيه ايه."
تنهدت واستعادت رباطة جأشها. أنهت لبسها وخرجت. وجدته يرتدي شورتا وعاري الصدر. ارتبكت وأشاحت بوجهها بعيدا. فتحت الباب ببطء وهي تلملم أطراف قميصه القطني الواسع الذي وصل إلى ركبتيها. وشمرت أكمامه الطويلة عدة مرات حتى ظهرت كفاها الصغيرتان. وخرجت وهي تشعر بحرج شديد ووجهها احمر بشكل لافت. كان القميص يبتلع جسدها الضئيل بشكل مضحك ومثير في آن واحد.
كان يقف بانتظارها وقد بدل ملابسه هو الآخر. وبمجرد أن وقعت عيناه عليها اتسعت ابتسامته. ولم يستطع كتم ضحكته. فاقترب منها وهو يتفحص مظهرها بمرح. وقرر أن يخفف حدة خجلها. فقال مشاكسا:
"ايه ده.. انا مكنتش أعرف اني متجوز كتكوت مبلول.. دانت مسخره."
خبطته في كتفه بغيظ وهي تحاول شد القميص للأسفل. وقالت بضيق:
"قولتلك ماليش هدوم.. وانت اللي صممت تغرقني.. اضحك بقه براحتك.. ربنا يسامحك."
توقف عن الضحك واقترب منها أكثر حتى حاصرها بينه وبين الحائط. ومد يده يرفع خصلة مبللة من شعرها خلف أذنها وهمس بنبرة قلبت كيانها:
"بس تصدقي.. شكلك قمر وانتي تايهة في لبسي كده. إنت عارفه إن عمر ماحد لمس حتي لبسي.. مش لبسه."
ارتبكت وحاولت الهروب من حصار نظراته. وقالت بصوت مهزوز:
"ايه.. لبسك.. يعني لبس السلطان. بطل بقه كلامك ده.. وهات حاجة البسها فوق القميص ده.. انا بردانة."
لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه برفق. لتصطدم بصدره. وقال بحنان:
"لا.. مفيش هدوم تانية.. أنا هديكي الدفء اللي محتاجاه."
ورفع وجهها إليه بيده وتابع بخبث:
"ولا لسه خايفة من صهيب الشامي."
نظرت في عيونه وشعرت بتلك الحيرة تنهشها من جديد. لكنها في تلك اللحظة لم تجد قوة للرد. اندفعت مبتعدة عنه واتجهت للمرآة تمشط شعرها. ركن قليلا يراقبها تمشط شعرها أمام مرآة خزانة المركب. قرر أن هجومه سيكون عاتيا. فباغتها بالوقوف خلفها. لم يبتعد بل التصق بظهرها وأمسك بالمشط من يدها بهدوء. حاولت شده الا انه انزل يدها بهدوء. بدأ يمشط شعرها بخصلات بطيئة. وعيونه في المرآة لا تفارق عينيها. كأنه يغزل خيوطا من السحر حولها.
انحنى ليصبح في مستوى أذنها ومرر يده الأخرى على جانب وجهها وصولا لرقبتها. ثم همس وهو يرى انعكاس ارتعاشتها في المرآة:
"عارفة...... فيه لمعة في عينك دلوقتي مكنتش موجودة قبل انهارده. عمري ماشفتها. اللمعة دي هي اللي مخلياكي أجمل."
كانت أنفاسه الدافئة تلفح عنقها فترتجف. ليضع ذقنه على كتفها ويهمس بدلال:
"ريحة المطر والملح في شعرك أحلى من أي برفيوم اشتريته لست قبل كده.. أنا بحب البرفيوم يبقى مميز.. تحبي أقولك السر."
وعندما التفتت له بتوتر يملأ كيانها. وضع إبهامه على شفتيها ونظر لعينينها بنظرة غامرة جعلت نبض قلبها يتوقف لثوان. ثم ابتسم ولف خصلة من شعرها بإصبعه يتلمسها بهدوء:
"لا.. بعدين هقولهولك.. لما تبتدي تعرفي سر حبي لحاجات معينة."
كانت فلك لا تنطق غارقة في مشاعر غريبة جراء تصرفاته. وقبلته الأخيرة كانت كأنها غرزة حفر في أعماقها. أكمل هو بعفوية ولين يخرجها مما هيا فيه:
"تعالي.. عاملك مشويات تاخد العقل."
شدها وخرجا. اقتربت بخجل وجلست صامتة. فضحك مشاكسا:
"كل ده من بوسة.. أنا عرفت دلوقتي.. لما أحب اخليكي قطة.. ارزعك بوسة.. تقلب القمر غزال محمر كده."
قطبت جبينها وأشاحت بوجهها بارتباك. فاقترب منها وانكمشت هي. لكنه أمسك يدها وقال:
"تعالي جنب النار.. هتدفي."
جلست وحاوطها بذراعيه يمسد على جسدها ليبثها الدفء. فتنهدت بضعف عندما شدد حصاره حولها. فهمس بزهو:
"أنا مؤثر.. اه.. بس للدرجادي."
تململت ودفعته بغضب وهي تهمس:
"أنت قليل الأدب."
ضحك بأريحية وهو يميل نحوها هامسا:
"فين ده يا شيخة.. من بوسة أبقى قليل الأدب.. تخيلي راجل وست على مركب.. والشيطان بيحوم.. ومفيش أي قلة أدب.. دا خارج حدود الفطرة.. مع أن الجو مساعد.. والليل ساتر.. ما تيجي نقل أدبنا جوان."
نظرت إليه ساخطة وقد اشتعلت وجنتاها:
"بطل بقه.. عيب كده.. أنت لسعت."
ضحك عاليا وصدى ضحكته يداعب سكون البحر:
"وشك بقى لون الطماطم.. بتتكسفي يا مزة.. فين فلك الجامدة.. هو كل اللي يبوسك.. تعملي كده.. دانت مسخرة."
ردت غاضبة والارتباك يغلف صوتها:
"هو مين ده اللي يبوسني.. أنت مخبول."
رفع حاجبيه بتشكيك يرمي في عينيها نظرة فاحصة:
"أومال عماد كان سوسن.. ملوش في البؤس."
صرخت ساخطة والوجع يطل من عينيها:
"ما تحترم نفسك.. عماد مين اللي يتهبب.. ربنا ياخده بقه.. ما تسكت."
أحس بغرابة وسكنت ملامحه للحظة. ثم سأل بخبث:
"أنت هبلة.. فاكراني صدقت.. لما قولتي مقربش منك.. لا.. وسعت منك دي.. مش خطيبك.. وكنتوا هتتجوزوا.. وزمانه هراكي بوس."
نظرت إليه بغضب عارم والدموع تترقرق كاللؤلؤ في عينيها:
"مين اللي هراني.. أنت واحد مخك شمال.. وقولتلك قبل كده.. محدش لمسني.. عماد عمره مالمسني.. أنت عبيط.. باين إن شالله ما صدقت.. اتفلق."
رفع حاجبيه مذهولا وقد تملكه العجب من طهر لم يكن في حسبانه:
"أفشري.. أفشري.. أهبل أنا."
صرخت فيه بهياج:
"أفشر إيه.. يبوسني ليه.. هو أنت مجنون.. ما تبطل بقه.. إيه حرقة الدم دي."
هتف قاطبا وعيونه تشتعل بفضول لا يخلو من رغبة في التملك:
"مش زفتك خطيبك.. عايزة تفهميني إنه ماباسكيش.. إذا كنت أنا بوستك قبل كده.. هو معملهاش خالص.. دانتوا كنتوا في بيت واحد."
ردت مندفعة بصدق جرح كبرياءه وأخرس شكوكه:
"أقول إيه.. يمين الله ما حصل.. أنا استحالة أعمل حاجة حرام."
رفع حاجبيه مذهولا والدهشة تعقد لسانه:
"ايه.. حرام.. دا كان هيبقى جوزك.. أنت بتتكلمي جد."
تنهدت بمرارة وهي تشيح بنظرها نحو أفق البحر البعيد:
"والله مالمسني.. كان هيبقى.. وأهو مابقاش.. كنت أسيبه يلمسني ليه.. مش حقه."
هتف مستعجبا وقد بدت له كلماتها كأنها من كوكب آخر لم يعهده:
"بس ده خطيبك.. وعادي يعني."
هتفت بجدية وصوت يرتجف بوقع كلمات مؤثرة:
"برضه.. مش حقه.. أنا لحلالي بس. افرض سيبنا بعض.. وأهو حصل.. أكون اتلمست من واحد.. ويجي حلالي يكون مش أول واحد. لا.. دا حقه وديني بيقولي كده.. غير كده.. لما يموت.. ميلمسنيش."
ظل ينظر إليها مبهورا. فقد تربى في أوساط تضج بالتحرر والانفتاح بعيدا عن حصون الدين. هتف ببعض السعادة التي لم يجد لها تفسيرا وتسللت لقلبه كأنها برد وسلام:
"يعني.. يعني.. أنا أول حد.. يبوسك.. ده بجد."
احمرت خجلا وأطرقت برأسها نحو الأرض. فاتسعت ابتسامته وشعر بانتصار كأنه نال شرفا لم يطأه بشر قبله. مد يده وأزاح خصلات شعرها المتمردة واقترب من أذنها حتى لامسها بأنفاسه.
"على فكرة.. أنا مبسوط إني أول حد.. يلمس شفايفك."
تنهدت وهمست بضعف تداري به ارتباكها:
"بطل بقه.. عيب الله."
ضحك وهز أكتافه بجرأة:
"عيب ليه.. مش جوزك.. وأنت حقي.. لو حشتي نفسك عني.. هتبقي حرام. مش بتخافي من ربنا.. لو قولت عايزك.. هتعملي إيه."
دمعت عيناها خوفا ونظرت إليه ببراءة أوجعت قلبه:
"بس أنت مش هتقول.. صح.. أنت مش عايزني."
ظل ينظر إليها بصمت. فبراءتها زادته اشتعالا. تنهد وهز رأسه:
"أنا بسأل.. لو عوزت.. هتحوشي نفسك."
أحنت رأسها وظلت ساهمة تعلم أنه حقه الشرعي. فهمست بكسرة:
"مش هعمل حاجة."
رفع حاجبيه:
"ايه.. عادي كده.. هتسبيني أقرب."
نظرت إليه وهتفت بما جعل قلبه يرتجف:
"هتقدر.. أنت تقرب من جثة.. هتنبسط. الإنسان مهما كان اللي معاه.. مش عايز.. لازم يبقى فيه مشاعر.. أنا مش هقدر أديهالك. هتقدر تكمل وتقرب من حد.. بين إيديك مابيحسش بيك.. هتبقى زي الغصب بالظبط.. هتستفاد إيه."
تنهدت وأشاحت بوجهها. وظل هو يراقب الحزن القابع في عينيها. ظل يتأملها فترة وكيانه اهتز من كلامها.
قام صهيب وأطفأ أنوار المركب. وترك فقط ضوء القمر يغازل سطح الماء. جلس على الأرضية الخشبية وجذبها لتجلس بين قدميه. مسندة ظهرها إلى صدره العاري. تململت فلك. فحكم قبضته على خصرها وهمس:
"اششش.... اسمعي صوت الموج.. وغمضي عينك."
أمسك يدها الصغيرة ووضعها فوق موضع قلبه. وشبك أصابعه بأصابعها. ثم مال وطبع قبلة هادئة على صدغها. وقال بصوت كالمس:
"أنا عارف إنك خايفة.. بس الخوف مش ليكي.. أنت.. أنت غير.. ماينفعش تفقدي نفسك.. إنك تفقدي نفسك.. أصعب بكتير من الخوف مني.. ومن أفعالي. جربي تغمضي عينك.. وتتخيلي إننا في عالم تاني.. مفهوش وجع.. ولا فيه انتقام.. فيه بس.. أنا وأنت.. والبحر.. ساعتها.. هترجعي فلك.. اللي مهما حصل.. هي فلك.. وهتفضل فلك."
استسلمت فلك لحديثه الذي ينساب كالبلسم. وشعرت بروحها الذابلة تنتعش بنبضات مشاعره. أما هو فشعر بانتصار يفوق الوصف. حين مالت برأسها على كتفه طواعية. راكنة بسلام في أحضانه.
بينما كانا غارقين في بحور تلك المشاعر. رن هاتفه فجأة. فقام مبتعدا. وما إن انتهى حتى اقترب منها بلهفة لم تعهدها:
"عم فكري.. فاق.. وأنا رايحله."
انتفضت بسعادة غامرة:
"طب.. أجي معاك.. والنبي.. أشوفه."
تنهد برفض وهو يطالع حالتها:
"هتيجي ازاي.. الفستان مبلول."
اندفعت بلهفة طفولية:
"بص.. اركب معاك العربية.. تجبلي أي حاجة."
قطب جبينه ونظر لساقيها العاريتين بغيرة استيقظت فجأة:
"لا.. ماينفعش."
تنهدت:
"بالله.. عايزة أجي.. مش هضايقك."
رد بحدة:
"ورجلك دي.. أنت عبيطة."
هتف ساخطا:
"سيادتك.. هتنزلي من المركب للعربية.. الناس هتشوفك.. أنت انهبلتي.. مراتي.. وتبان للناس."
نظرت إليه ببلاهة:
"مراتك.. وتبان."
زفر بضيق ونفد صبره:
"أومال أنت إيه.. مش مراتي.. وأنا ماتحملش حد يشوفك.. جسمك ده.. محدش يشوفه."
تركها متعجبة من ثورته المفاجئة. وعاد ببنطال رياضي. فلبسته وعادت. وبينما تحاول ارتداء ثيابه الواسعة التي ابتلعتها. دخلت في نوبة ضحك بائسة على حالها:
"يا لهوي.. إيه المنظر ده.. دانا غرقانة."
اقترب مبتسما من شكلها:
"شبه الفار المبلول."
خبطته بيدها. فرفع حاجبيه بوعيد:
"إيدك اتعودت تطول عليا.. خلي بالك.. أنا بآخد حقي."
تنهدت. فضحك وقال:
"صبصب.. مابيسيبش حقه.. والا التانية.. كانت إيه."
ضحكت وقالت بعبث:
"صاصا."
فانفجر ضاحكا من قلبه. ابتسمت رغما عنها وسهمت في ضحكته. ثم صمت فجأة حين وجدها تتأمله بعينين لامعتين. فاشاحت بوجهها. اقترب منها وهمس بنبرة رخيمة:
"على فكرة.. القميص.. أنت مزراراه غلط."
نظرت إلي نفسها فضحكت:
"ايه ده.. يلا.. عشان المنظر يكمل عبط."
واستدارت وفكت أزرار القميص العليا. اقترب وهمس خلفها بنبرة أسرت قشعريرة بجسدها:
"أساعدك."
تعثرت أصابعها المرتجفة تحت وطأة قربه. فجأة وجدت يديه القويتين تديرانها. تزيحان يدها برفق. بدأ يغلق الأزرار واحدا تلو الآخر ببطء مستفز. وكلما اقترب من رقبتها كان يتعمد ملامسة جلدها بظهر أصابعه برفق.
صهيب بنبرة هادئة ومربكة:
"مش عيب.. فلك هانم.. إيدها تترعش قدامي كده."
رفعت رأسها لتعترض. فكان وجهه قريبا جدا لدرجة أنها استنشقت رائحة عطره الممزوجة برائحة البحر. نظر إلى شفتيها لثوان طالت. ثم عدل ياقة القميص بلمسة حانية:
"لا.. ماتخافيش.. مش محتاجه تردي... وتتعصبي.. ماصدقنا..."
نزل أكثر وهمس وغمز لها:
"بس عارف.. انت مش اي حد.. لا جامده علاخر.. وباعترف ليكي.. وببصم بالعشره."
واكتفى بقرصة خفيفة لخدها وقال بمرح:
"كده بقينا شطار. لسه التاش الأخير."
كل ذلك وهيا في دوامة من التخبط. وارتجفت عندما أجلسها وانحنى على ركبتيه في مشهد غريب عليه. يطوي لها أطراف البنطال بيديه. ثم رفع نظره إليها بنبرة صادقة تخرج من أعماق قلبه:
"فلك.. عم فكري.. مش مجرد راجل شغال عندي. ده حتة من ريحة أهلي. ماليش غيره في الدنيا."
صمت قليلا ثم ابتسم وقال بنبره حانيه:
"غيرك طبعا."
ارتجفت من كلمته الأخيرة التي سقطت على قلبها كقطرة مطر في صحراء. فمسك يدها وقال:
"كنت عايز منك طلب."
نظرت اليه. فهتف:
"عم فكري.. تعب بسبب اللي عملته فيكي.. واني يعني.. مش كويس معاكي.. فكنت عايز."
هتفت مندفعة:
"ايه.. هتسيبني امشي.. وتقله سيبتها."
تنهد بضيق:
"لا.. مش هسيبك تمشي.. هطلب منك طلب.. عشان عم فكري.. مش عشاني."
قطبت جبينها:
"ايه هو."
نظر اليها نظرة لم تفهمها. الا انها فاندهشت عندما قال:
"•
رواية سيد الكبرياء الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو سلطان
اقترب صهيب منها ومسك يدها واجلسها . نظر إليها نظرة حانية دافئة لم تعهدها من قبل وهمس بلين اخترق حصونها المنيعة........ انا حاسس ان اللي عملته فيكي ماكنتيش تستحقيه.
نظرت إليه برهبة وسعادة تظهر علي ملامح وجهها فاكمل وهو يغوص في عينيها بعمق غير مسبوق......... عارف ان اللي عملته صعب تنسيه واني كنت وحش قوي بس انا يا فلك مختلف شويه. بعترف اني متهور ومتكبر واي حد يجي علي طرفي بهرسه.
سكت لحظة وكأن الكلمات تخرج من روحه بصعوبة بالغة......... بس من ساعه ماقعدتي معايا وكل كلامك عن الحب والحنان والاحتياج حسيت اد ايه انت جميله وحنينه وجميله وليا فتره شعور الذنب مش سايبني.
تنهد بوجع قديم سكن نبرة صوته ......... انا عشت حياه صعبه وانا طفل اثرت عليا وردات فعلي بتبقي مش بكيفي. مسد على يدها برقة مفرطة. ثم طبع قبلة نادمة صادقة فوق كفها. ........
انا اسف علي كل حاجه وحشه عملتها فيكي.
كانت تطرف بعيونها متأثرة لا تصدق ان صهيب المتكبر هو من يكلمها بهذا الضعف الإنساني. تنهد هو وابتسم ليخفف عليها اللحظة ......... يعني برضه ما عملتش كتير دانت سودتي عيشتي.
ابتسمت فلك وعيونها تلمع ببريق الأمل الذي ظنته انطفأ للأبد. ابتسم وقال وكأنه يلقي إليها طوق النجاة الأخير......... ويعني قررت اسيبك.
مسكت يده بلهفه كغريق يتمسك بطوق نجاه ......... بجد والنبي يا صهيب.
كان اسمه من شفتيها بهذا اللين سحرا اخترق قلبه . ابتسم وقال بصدق غريب غلف ملامحه......... اه والله بس مش دلوقتي. انت عارفه ان عم فكري هو حياتي كلها يعني وشافنا واحنا علاقتنا زفت وبعمل عمايل فيكي. فانا عايز افرحه وابين ليه اني اتغيرت بسببك. يعني لما عم فكري يجي ويقعد وسطنا ويشوفنا كويسين ونقوله احنا متجوزين ومتفقين يعني لمصلحتك وكنت بنقذك من اهلك وكده. حزنه هيروح ويفرح اني مش وحش.
قال صهيب بنبرة ساحرة تفيض بالخبث الممزوج بالحنان. انا هحاول اكون الشخص اللي يستحق الضحكة دي قدام عم فكري.
ردت فلك بارتباك وعيونها تهرب من حصار نظراته التي تأكلها. يعني انت عايزنا نمثل الحب قدامه.
اجاب صهيب وهو يميل نحوها حتى تلاقت انفاسهم في فضاء واحد. اعتبريها مهمة انقاذ لقلب راجل بيحبنا.
.
فلك نظرت إليه بضعف وهي تشعر بيده تداعب خصلات شعرها بنعومة مفرطة. قال بنعومه
عايزك تمثلي إنك سامحيني يا فلك قدام عم فكري مع إني هموت و تسامحيني بجد تنهد واكمل وقولي له إننا بدأنا صفحة جديدة.. قولي له إن صهيب بقى بيعرف يحب.وكويس وكده كلمتين بقه من قلبك القمر.
سكتت فلك وأحست بمرارة الطلب وحلاوته في آن واحد ليرد صهيب بحزم مشوب بالرجاء........
مش عشاني.. عشان الراجل اللي ممكن يموت لو حس إنك لسه بتتعذبي بسببي.. هتقدري تعملي كده؟
تنهدت فلك وهي تشعر بعمق كلماته وسحرها الذي بدأ يتسلل إلى أعماقها.همست ........ اه عشان تطلع قدامه كويس .عموما انا الراجل ده حبيته وموافقه علي اي حاجه تخليه كويس.
اقتربت منه بملامح يملؤها الرجاء وعيون حالمه......... بس والنبي هتمشيني بجد بعد شويه وهتبطل عمايلك الوحشه.
تنهد صهيب بعمق وكأن صراعا قديما يوشك على الانتهاء بداخله وهتف بنبرة هادئة......... انا صحيح مش بسيب حقي بس انا لقيتك غير .وانا برضه عملت فيكي بس اكيد عمله حلوه اني انقذتك من الحيوان ابن عمك مكنش راجل اصلا.
تنهد ومد يده إليها في حركة ملكية تليق بكبريائه الذي بدأ يلين......... ايه رايك نبدا من جديد.
قام من مكانه وانحنى أمامها بكل وقار وجاذبية......... صهيب الشامي اتشرفت بمعرفتك اميرتي. ظلت تنظر اليه برهبه وخوف لا تدري أي وجه لصهيب هو الحقيقي.
ابتسم بلين هادئ بدد بعضاً من قلقها......... ايه مش عايزه تمدي ايدك. هبقي طيب ومودب والله خالص.
ابتسمت فلك رغماً عنها وتنهدت براحة حذرة ومدت يدها إليه. لتتفاجأ بصهيب وهو يرفع يدها نحو شفتيه ببطء مستفز لمشاعرها ولمسها بشفتيه في قبلة دافئة. همس بحنان اخترق كل مسامات جلدها......... انت قلبك دهب يا فلك انا ماشفتش حد كده ماشفتش حد جواه كل المشاعر دي. ربنا بيحبه اللي هتقربي منه.
خجلت فلك بشدة وشعرت بحرارة تسري في وجهها وشدت يدها منه سريعة وغيرت الكلام بارتباك واضح......... طب طب يلا بقه.
ردد صهيب متمتمما لنفسهوهو يراقب ارتباكها الجميل بابتسامة منتصرة......... مستعجلة ليه يا قمر ده المشوار لسه في أوله واللعب بجد هيبدأ يحلو.
عندما حان وقت النزول من المركب إلى الرصيف كانت المياه تتلاطم والمركب يتحرك بقوة. خافت فلك من الانزلاق مسكت به وقالت برعب........ الحقني امسكني كويس بالله عليك ماتسيبنيش.
فمد صهيب يده. وبدلا من أن يمسك يدها فقط أحاط خصرها بذراعه وقربها منه تماما حتى التصق جسدها بجانبه.
همس في أذنها وسط صوت الأمواج........ طول ما إيدي على وسطك كده مفيش قوة تقدر توقعك.
شدد من قبضته على خصرها للحظة إضافية بعدما استقرت قدماها على الأرض ونظر إليها بنظرة امتلاك هادئة ثم أفلتها بعفوية وكأن شيئا لم يكن ليسير أمامها بخطوات الواثق تاركا إياها خلفه تحاول استجماع أنفاسها المخطوفة.
داخل السيارة كان الصمت سيد الموقف لكن صهيب لم يتركه يمر بسلام. كانت هيا تفرك بيدها تفكر به وبتغيره..
... . صحيح هيسيبني خلاص.. أنا مبسوطه قوي دا اعتذر مش مصدقه دا طلع طيب قوي وقمر خالص.. يا رب اهديه. انا خلاص ماعتش هعض فيه وهسمع كلامه عشان عم فكري ربنا يشفيه.
كانت ساهمه مد يده وأمسك كفها الذي كان يرتجف فوق ركبتها. نظرت اليه برهبه ابتسم ابتسامه ساحره....... ايديكي بارده ليه كده هدفيهالك.. بيقولك إللي أيديه بارده بيبقي قلبه دفيان.. نظر إليها ودا حقيقي انت قلبك غير أي حد قابلته.
تنهد وادار وجهه وشبك أصابعه بأصابعها بقوة.
حاولت سحب يدها فقبض عليها أكثر دون أن ينظر إليها بل كان ينظر للطريق أمامه
مرر إبهامه على ظهر يدها بحركات دائرية ناعمة ثم رفع يدها فجأة ونفث بنعومه فوق أصابعه وهيا ترتجف ثم قبل عقل أصابعها واحدة واحدة ببطء.
جذبها صهيب لتقترب منه بجانبه تماماً. يمسك يدها الباردة ويضعها داخل جيب معطفه لتلامس يده الدافئة بالداخل. يهمس لها وهيا ملتصقه به تميل عليه........ ريحة القميص بتاعي عليكي أحلى بكتير مما تخيلت.. عارفه يا فلك انت اول حد في الدنيا دي يلمس هدومي ومازعلش لا بالعكس مستني تقلعي القميص والبسه وراكي..
ارتجفت وزاد نفسها فقال بعفويه.. ماعرفش ريحه البحر بتاعتك مجنناني حسيت إني ادمنتها.
شدت نفسها قليلا فهيا ترتجف من كلامه لا من البرد وهمست.... . لا إدمان إيه أنا همشي والا بتضحك عليا.
أوقف السياره مره واحده فنظرت إليه بدهشه كان ينظر أمامه ثم ابتسم ونظر اليها...... حتي لو حصل ومشيتي عمري ما هخف من ادماني ده.. واستدار وادار العربه.
أدار صهيب موسيقى هادئة انسابت ألحانها مع سكون الليل المحيط بالسيارة.. لم يلتفت إليها لكنه لمح بطرف عينه ارتعاشتها المستمرة. وبحركة اتسمت بالعفوية والهدوء. نزع سترته وهو ما يزال يراقب الطريق بيد واحدة. وبسطه فوق كتافها ليدثرها به تماما.
غمرها الجاكيت بحجمه الواسع وبمجرد أن لامس جلدها.. حوصرت فلك برائحة عطره النفاذة والممزوجة برائحة البحر .. كانت الرائحة قوية لدرجة جعلتها تغلق عينيها وتستنشقها بعمق دون إرادة منها..
سكنت تماما وسرحت في تفاصيل تلك الرائحة التي باتت تحفظها أكثر من أي شيء آخر.
بدأت تسترجع في خيالها كل ما حدث فوق المركب. لمسات أصابعه وهي تغلق أزرار قميصها ببطء. قربه الذي كان يسلبها القدرة على التفكير. وقبلته التي كانت تظنها ستكون قاسية فإذا بها تكون بركانا من المشاعر التي لم تذقها من قبل. تذكرت كيف كان يحاوط خصرها عند النزول وكأنها قطعة زجاج يخشى انكسارها.
كان قلبها يدق بعنف دقات متمردة لا تشبه دقات الخوف التي اعتادتها منه. كانت دقات تسأل صهيب بداخلها للمرة الأولى
هو أنت مين فيهم صهيب الجاحد اللي وجعني.. ولا صهيب اللي حسيته بينفخ في إيدي عشان يدفيني أنت بتعمل فيا إيه يا صهيب.. وليه قلبي مش قادر يكره القرب ده؟
ظلت ساهمة تنظر من النافذة.. غارقة في سترته وفي سحر عطره الذي بدأ يتسلل لمسام روحها.. لا تعلم أن هذا الاستسلام الجميل هو أولى خطوات الفخ الذي ينصبه لها صهيب بذكاء وهدوء.
أوقف صهيب السيارة أمام أحد أفخم المحلات التي ما زالت تفتح أبوابها في هذا الوقت المتأخر. لم ينتظرها لتتحرك بل نزل من مقعده والتف ليفتح لها الباب بنفسه وكأنها ملكة.
كانت لا تزال غارقة في سترته الواسعة فمد يده وعدل السترة فوق كتفيها بحرص ثم شبك أصابعه بأصابعها وسحبها خلفه للداخل.
بمجرد دخولهما اسرع مدير المحل لاستقباله باحترام شديد لكن صهيب لم يعره اهتماما كانت عيناه تجولان بين الفساتين المعروضة وكأنه يبحث عن شيء يليق بـها التي تلاشت في ملابسه.
..... أشار صهيب بيده إلى فستان من الحرير الناعم بلون الزمرد يتميز بالبساطة والرقي وقال بنبرة هادئة لا تقبل الجدال ده.. قيسيه.
نظرت فلك للفستان بذهول ثم إليه وكأنها تسأل بصمت كيف عرفت ذوقي؟ لكنه اكتفى بابتسامة غامضة وأشار لها نحو غرفة القياس.خرجت فلك وهي تتعثر قليلا في أذيال الفستان وتداري خجلها توقفت أنفاس صهيب للحظة.
كان الفستان يبرز تفاصيلها برقة مبرزا بياض بشرتها الذي ازداد توهجا بعد لمسه البحر . اقترب منها ببطء وقف خلفها أمام المرآة الكبيرة ورفع يده ليزيح شعرها عن كتفها ثم همس وهو ينظر لانعكاس عينيها...
..... الفستان كان بس حته قماش أنت اللي خليتيه ليه قيمة دلوقتي.
ارتجفت فلك من قربه ومن نبرة صوته التي لم تخل من تملك خفي. فتابع هو بعفوية وهو يعدل رقبة الفستان
.....مش عايز تمثيل كتير قدام عم فكري الفستان ده وحده هيقوله إن صهيب الشامي بيدلع مراته.. تمام؟
ابتلعت ريقها وأومأت برأسها بينما كان قلبه يرقص انتصارا وهو يراقب ارتباكها الذي بدأ يتحول إلى استسلام.
حان وقت الدفع... دفع ثمن الفستان دون أن ينظر للسعر. بمجرد أن وقعت عينا فلك على الملصق الصغير المخبأ في كم الفستان اتسعت عيناها بذهول وشعرت ببرودة تجتاح أطرافها.. الرقم المكتوب لم يكن مجرد سعر بل كان رقما خياليا يشتري حياة كاملة لمن هم في مثل ظروفها السابقة.
تراجعت خطوة للخلف وهمست بصوت مرتجف وهي تنظر لصهيب برهبة.. صهيب.. أنت شوفت السعر ده.. ده غالي قوي مستحيل ألبس حاجة بالتمن ده أرجوك بلاش.
اقترب صهيب منها بهدوء وثبات ولم ينظر حتى للملصق الذي أثار رعبها.. بل نظر لعينيها مباشرة ومد يده ليمسح على كتف الفستان برقة ثم قال بنبرة هادئة أخرست كل اعتراضاتها...
..... الفستان ده ملوش تمن يا فلك التمن الحقيقي هو إن صهيب الشامي يشوفك بيه وإنت داخلة معاه المستشفى.. وبعدين مفيش حاجة غالية عليكي إنت أغلى من أي رقم ممكن يتكتب هنا.
حاولت الاعتراض مرة أخرى وهي تشير للموظفة بخجل. مد يده وشد الملصق ومط شفتيه.. بصي اهوه سهله ماعتش ليه تمن... ثم قبض على يدها برفق وضغط عليها بقوة خفيفة كأنه يطمئنها ويأمرها في آن واحد
..... مش عايز أسمع كلمة سعر تاني و اخلصي بقه عشان عم فكري مستنينا.
شعرت فلك بمرارة في حلقها ممزوجة بشعور غريب بالدلال الذي لم تختبره يوما لم يهتم بها أحد من قبل حتي عماد لم يكن يقتني لها شيء وأن فعل لا تزيد عن جنيهات قليله. كيف لرجل أن يدفع هذا المبلغ الفلكي في قطعة قماش...
رضخت في النهاية تحت نظراته التي لا تقاوم وهي تشعر أن هذا الفستان ليس مجرد ثياب بل هو قيد من حرير يربطها به أكثر فأكثر.
بمجرد خروجهما من المحل كان صهيب يحمل حقيبة الفستان الفاخرة بيد وباليد الأخرى يحيط خصر فلك وكأنها أصبحت ملكية خاصة غير قابلة للنقاش. ركبا السيارة لكنه لم يشغل المحرك فورا بل التفت إليها وبدأ يتأمل وجهها في ضوء أعمدة الإنارة الخافت.
..... مد يده وأخرج علبة مخملية صغيرة كانت في جيبه فتحها ليظهر عقد ناعم جدا من الألماس الحر يلمع ببريق هادئ.
شهقت فلك وتراجعت للخلف وهي تلوح بيديها برفض قاطع..... لا يا صهيب كفاية الفستان والله ما أقدر ألبس ده كمان سعره أكيد يخض.
ابتسم صهيب ابتسامة هادئة وبدلا من الجدال اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه تداعب وجهها وهمس بصوت يغلفه الحنان الماكر..... قولتلك مفيش حاجة غالية عليكي وبعدين ده مش عشان سعره ده عشان يكمل التمثيلية.. ينفع برضه مرات صهيب الشامي تدخل المستشفى ورقبتها فاضيه كده ؟
دون أن يترك لها مجالا للرد التف خلفها وشعرت ببرودة السلسلة الرقيقة تلامس عنقها بينما كانت أصابعه تتحرك ببطء متعمد وهي تغلق القفل الصغير ملامسا جلد رقبتها بحركات جعلت قشعريرة تسري في كامل جسدها.مد يده وفك سلسلتها ونظر اليها بعيونها قبل القلب بداخل السلسله.. همس بلين.. هخلي قلبك معايا اطمني أحافظ عليه...
بدأت ترتجف ويدها تمسكها بقوه زاد اضطرابها ومشاعرها تاجحت
....لم يبتعد فورا بل ظل قريبا جدا وهمس بجانب أذنها وهو يستنشق عطرها بعمق..... عارفة يا فلك الألماظ ده شبهك.. رقيق وصعب ينكسر بس نوره مبيطلعش غير لما حد يقدر قيمته.
نظرت إليه فلك في المرآة وكانت نبضات قلبها مسموعة في صمت السيارة تساءلت في سرها بوجع وحيرة.... أنت ليه بتعمل فيا كده ليه بتخليني أحس إني غالية وأنا عارفة إن كل ده تمثيل؟
.. تنهدت.. اهدي يا فلك هو بيعمل كده عشان عم فكري وإنت لما تيجي تمشي رجعيه عادي.. كل ده بس عشانه آه اهدي.
..... تنهد صهيب وشغل السيارة وشبك أصابعه بأصابعها مرة أخرى وقال بنبرة صادقة جدا في ظاهرها..... يلا يا فلك عم فكري مستني يشوف فرحتنا وأنا واثق إنك هتكوني أحلى حاجة شافها في حياته النهاردة.
استسلمت فلك لدفء يده وسرحت في الطريق تشعر بأنها تغرق في بئر لا قرار له بئر اسمه صهيب ولا تدري أين سينتهي بها ذلك كله.
بمجرد وصولهما إلى بهو المستشفى كان الازدحام شديدا والحركة لا تهدأ. وقفا أمام المصعد وما إن فتح الباب حتى اندفع الناس للخروج والدخول في آن واحد. شعرت فلك بالارتباك وسط تدافع الأجساد. فجاءت حركة صهيب أسرع من أي تفكير وضع يده خلف ظهرها وبدفعة رقيقة بيده الأخرى عند كتفها جعلها تسبقه للداخل ليحجز لها ركنا بعيدا عن الأعين.
كان المصعد ممتلىء ولم يترك الزحام بينهما وبين الآخرين متنفسا.كان ملتصقة بها هنا لم يكتف صهيب بالوقوف بجوارها بل استدار بجسده ليواجهها تماما واضعا ذراعيه على جدران المصعد خلفها محاوطا إياها بكيانه كأنه يصنع شرنقة خاصة تحميها من لمسات الغرباء.
أصبحت فلك محاصرة بين جدار المصعد البارد وصدر صهيب الدافئ. من شدة القرب كانت تشعر بحرارة أنفاسه التي تداعب خصلات شعرها عند جبينها. حاولت أن تشيح بنظرها بعيدا لكنها لم تجد مهربا إلا الغرق في أزرار قميصه المفتوحه التي كانت أمام عينيها تماما.
ظل صهيب ثابتا كالجبل لم ينطق بكلمة ولم ينظر لغيرها. كان يراقب توترها بهدوء وحينما اهتز المصعد فجأة عند التوقف مالت هي لا إراديا نحو صدره فارتطمت بصدره فقبض بيده على خصرها لثوان معدودة ليثبتها لتلامس شفتيها فتحه قميصه بنعومه لينتفض كأنها لسعه. تجلد ثم أرخى يده ببطء مستفز وهو يميل برأسه ليهمس بجوار أذنها بصوت خفيض جدا
إنت كويسه...
كانت تنهج وترتجف شلت اواصلها مع رائحة عطره التي حاصرت حواسها في ذلك الحيز الضيق جعلت فلك تشعر بدوار غير الذي يسببه المصعد احست انها منومه مغناطيسيا وشفتيها مازالت علي صدره... لم تتكلم ولم تقوي علي الحركه. ليمد يده ويشدها خارج المصعد ويسير بها في طرقات المشفي وهيا تجر قدميها خلفه كأنها اسيره تابعه له.
دخل صهيب ومعه فلك على فكري الذي كان مستيقظا يستعيد أنفاسه بصعوبة. فاندفع صهيب بلهفة واحتضنه كأنه طفل يعود لحضن والده.........
حبيبي حمدالله عالسلامه انا مش مصدق انك فوقت بالسلامه كنت هموت من غيرك.
اقترب وقبل يديه بخشوع حقيقي وندم يمزق صوته......... انا اسف والله اسف كان يتقطع لساني انا فعلا ماتربيتش والله سامحني انت ابويا انا من غيرك يتيم.
تنهد فكري بعمق فهو ابوه الذي لم تلده أمه فمسد على شعره بحنان وهتف بضعف......... خلاص يا حبيبي مفيش حاجه.
رفع صهيب عيونه والدموع تلمع فيها كحبات لؤلؤ مكسورة......... بجد سامحتني.
ابتسم وقبل يده مرة أخرى بامتنان. وفلك تقف بعيداً قليلاً تنظر إليهم وعيونها تفيض بالدموع لا تتخيل كم الحنان الكامن خلف قناع القسوة في قلب صهيب تجاه هذا الرجل.
فنظر فكري إلى فلك مبتسماً وكأنه يطمئن عليها فنظر إليها صهيب وغمز لها غزة خفية تذكرها بدورها. اقتربت ومسكت يده برقة......... ازيك يا عم فكري يا رب تكون بخير.
هتف فكري بنبرة حانية......... كويس يا حبيبتي انت عامله ايه. ثم وجه نظره لصهيب وسألها......... عامل معاكي ايه الطور ده.
تنهدت فلك بذكاء وحاولت رسم ابتسامة هادئة......... كويس والله انت بس حضرت واحنا بنتخانق وكنت بضحك واكدب عشان تهزقه انت عارف صهيب رخم حبتين.
اقترب صهيب بتمثيل متقن وقرصها من خدها بمشاكسة......... دا جزاتي تعملي فيا كل ده يا قادره. ثم التفت لفكري بملامح مصدومة......... تخيل يا عم فكري بتجيب بدلي وساعاتي تقطعهم وتدقهم في الهون تخيل.
نظر إليها فكري بذهول ودهشة......... وماموتكوش.
ضحك صهيب ضحكة مجلجلة ملأت الغرفة......... عشان تعرف انها قادره وانا غلبان.
تنهدت هيا وهي تحاول كتم ضحكتها من براعة صهيب في قلب الطاولة لصالح اللعبة.
قال صهيب وهو يلف ذراعه حول كتف فلك ويضمها إليه بقوة أمام عيون فكري......... شفت يا عم فكري هي اللي ممشية البيت بكلمتها وأنا ماليش غير السمع والطاعة.
رد فكري وهو يبتسم براحة بعد أن صدق تمثيلهم......... ده حقها يا ابني هي اللي هتربيك من أول وجديد أحسن تستاهل.
.
اجاب صهيب وهو يطبع قبلة سريعة على رأس فلك أرعبت كيانها......... وأنا موافق أتربى على إيد فلك هانم بس هي تحن عليا شوية وتبطل دقة الهون دي.
همست فلك وهي تحاول سحب نفسها من حضنه بإحراج أمام الرجل العجوز......... بطل بطل يا صهيب عم فكري هيصدق بجد ويفتكرني مفترية.
قال صهيب وهو يغمز لفكري بمرح مستفز......... ما هي مفترية فعلا يا راجل بس أنا صابر ومحتسب عشان غلبان مش كده يا فلك. .
تنهدت فلك بعمق وهي تسرد حكايتها بصدق.... . انا غلطت فيه وهو اصلا انقذني من عيلتي. ابن عمي كان متجبر عليا وعايز يتجوزني بالعافيه وصهيب كتر خيره انقذني وخرجني من العيله دي .كأنو مستولين علي مرتبي وحالي كله ومرات عمي مسوده عيشتي.
صمتت قليلا وهي تسترجع مرارة الماضي ثم تابعت بنبرة ممتنة......... جه صهيب كتر خيره بعدني صحيح. كنت يوميها عايزه ارجع لعيلتي بس اتخانقنا وقالي مش هترجعي ليهم وانا كفيل اقفلهم .وجيت انت وانا متغاظه منه. واخرتها سمعت كلامه عنده حق ابن عمي زباله وهقعد شويه وكلها شويه ونسيب بعض .بس لما ابن عمي يحس اني خلاص ماعتش انفعه.
مالت على فكري وهمست برجاء صادق......... ماتزعلش منه والنبي دا بيحبك خالص والله دا طيب وكان هيموت عليك دا يوم ما وقعت كان شكله زي البيبي اللي لوحده.
ربتت على يد الرجل العجوز بحنان غامر......... انت حقيقي حاجه كبيره عنده وبيحبك من قلبه. نظر إليها صهيب وتنهد بعمق فكيف تقول كل ذلك بأريحية مذهلة حتى تريح ذلك الرجل وقلبه المتعب.
ابتسم فكري بوهن يغالبه الرضا......... دا ابني اللي مربيه ازعل منه ازاي واطمن انا خلاص هخرج وهبقي كويس.
هتف صهيب بقرار لا رجعة فيه......... انت هتخرج تقعد معانا لحد ماتبقي كويس.
حاول فكري الاعتراض ......... عشان ماضايقش حد.
اقتربت فلك منه أكثر ودافعت بصدق ......... تضايق مين انت بس تنور الدنيا واشيلك فوق راسي.
هتف فكري وعيونه تلمع بالفخر......... بنت اصول يا بنتي ربنا يسعدك.
استدار صهيب وأنهى الإجراءات بسرعة وانتقل فكري إلى الفيلا وتركهم صهيب ليحضر له بعض المتعلقات والملابس. دخلت فلك معه إلى حجرته ورتبت له أموره وأراحته بدقة بالغة هاتفه بسعاده.... . انت بقه تنام وتريح وانا هعملك الاكل بايدي انا شاطره والله.
ابتسم فكري على طيبتها الصافية وهتف......... انت طيبه قوي يا فلك ربنا يسعدك. تنهد بفضول أبوي وتابع. ........وانت عرفتي بقه صهيب ازاي وانقذك ازاي وازاي ابن عمك يعمل كده.
تنهدت فلك وهي ترسم في مخيلتها صورة زائفة لكنها مريحة للرجل المسن......... كان بيشتغل في الجيم اللي صهيب بيتدرب فيه وكنت معاه وشافه وهو بيتهجم عليا وكتر خيره.
هتف فكري مندهشا وهو يحاول استيعاب صورة صهيب الجديدة التي ترسمها فلك......... صهيب وقفلك بالشكل ده لا واتجوزك كمان. انا حاسس انك بتحكي عن حد تاني.
تنهدت فلك بعمق فهي تعلم يقينا أنه ليس كذلك لكنها مضطرة لإكمال الرواية......... لا دا اللي حصل.
ضحك فكري ضحكة خفيفة وهو يهز رأسه......... اكيد لما شافك قمر كده قلبه دق ووقع علي بوزه.
ارتبكت فلك بشدة وشعرت بحرارة في وجنتيها وهتفت مسرعة......... لا حضرتك بتقول ايه احنا مافيش بينا كده خالص.
رفع فكري حاجبيه بمكر الشيوخ وخبرتهم......... يا سلام. يعني عايزاني اصدق تقطعليه هدومه ومايرمكيش من الدور التمنتاشر. دا طرد السواق بس عشان فتح كفر البدله ولمسها تقوليلي مفيش اممم. عموما هنشوف هيبقي ايه اللي جاي.
سهمت فلك تماماً وتذكرت قميصه الذي ألبسها إياه على المركب وكيف كان يتلمسها بحنان مريب لا يشبه أبداً ذلك الرجل الذي يطرد سائقاً من أجل بدلة. ابتسم فكري وهو يرى شرودها الذي فضح مشاعرها المربكة. ........ممكن بقه تنام وانا هنزل اشوف هعملك ايه.
.....
قال فكري وهو يغمض عينيه بابتسامة هادئة. انزلي يا بنتي وجهزي أكلك اللي قلتي عليه بس خلي بالك صهيب مابياكلش من إيد أي حد بسهولة.
هنا دخل صهيب
كانت فلك منحنية فوق سرير عم فكري تلملم أطراف الفراش بهمة وتنفض الفرشة برفق لترتبها وهي تبتسم له . اقتربت منه أكثر لتمسد على وسادته وتعدل وضعية ذراعه. فكانت قريبة منه بحنان فطري .
صهيب كان واقفا عند باب الغرفة يراقب المشهد بصمت. في البداية كان يشعر بالامتنان لكن فجأة ومع كل لمسة حانية من يدها لكتف عم فكري أو اقتراب وجهها منه وهي تهمس له شعر بنار غريبة تأكل صدره. لم يستوعب صهيب مابه.
لم يتمالك نفسه، فاندفع فجأة ووقف بجانبها عند السرير وزاحمها بكتفه بخشونة مقصودة وهو يهتف بنبرة جافه
..... بس يا فلك.. وسعي كده أنت مش عارفة بتتعاملي مع تعبه إزاي.. هاتي أنا أرتبله السرير.
نظر إليه عم فكري بذهول واتسعت عيناه وهو يرى صهيب يمسك طرف الغطاء من يد فلك بعنفوان غريب ويبدأ في نفض الفراش وكأنه في معركة حربية.
فلك نظرت إليه بصدمة وقالت:
.....في إيه يا صهيب؟ مانا كنت بعمله براحة.. أنت بتشد الغطاء كده ليه؟
لم يرد عليها بل انحنى هو الآخر ليرتب الجهة التي تقف هي عندها. وبينما كان يشد ملاءة السرير مسك الفراش التصق يده بيدها فوق القماش. تلاقت أصابعهما بقوة فحبست فلك أنفاسها وحاولت سحب يدها لكنه ضغط عليها بيده الكبيرة وهو يشد الفراش ونظر في عينيها وصوت أنفاسه المكتومة يملأ الفراغ بينهما. تاه صهيب في عيونها
ظل صهيب يقترب أكثر حتى حاصرها بين جسده وحافة السرير وأصبحا يرتبان الغطاء معا في حركة مرتبكة يده تلامس يدها وكتفه يصطدم بكتفها وعيناه لا تترك عينيها .
اما العم فكري كان يركن بظهره يراقب هذا المشهد بصمت مذهول ثم بدأت تظهر على وجهه ابتسامة خبيثة. كان يشعر أنه يجلس في المقاعد الأولى لسينما تعرض أروع أفلام الحب العفوية رأى غيرة الطور التي فضحتها نظراته ورأى ارتباك فلك الذي صبغ وجهها باللون الوردي.
.
تنهد عم فكري وهو يهز رأسه وقال بمكر
.....براحة يا صهيب يا ابني.. السرير هيتقطع في إيدك.. وبعدين فلك إيدها حنينة سيبها تكمل."
أجاب صهيب وهو لا يزال يضغط على يد فلك فوق الفراش
...لا يا راجل يا طيب.. أنا أدري بيك، وبعدين فلك تعبت النهاردة كفاية عليها وقوف لحد كده.
أفلت يدها أخيرا بعد أن تأكد أن كهرباء لمسته وصلت لقلبها وابتعد خطوة وهو يعدل ياقة قميصه ببرود بينما وقفت فلك تنهج وكأنها كانت تركض تنظر ليدها تارة ولصهيب تارة أخرى، وهي لا تصدق يحدث بينهما ؟ واستدارت ومشت من سكات.
وقف فكري ينظر الي صهيب مليا بعين خبيره وصهيب ينظر في إثرها ساهما بالباب
تنهد فكري ورفع كمه وهو بيبص لذراعه اللي فلك كانت بتسنده وقال بنبرة هادية بس مليانة خبث
عارف يا صهيب.. المستشفى دي كان كئيبه قوي بس الغطاء النهاردة بقى تقيل ويدفي.. بس انت يابني غشيم قوي مالك كده هجمت عالفرشه كأنك بتحارب. ."
صهيب لف وشه وهو بيحاول يداري ملامحه اللي اتفضحت ورد ببرود مصطنع
أنا بس اتأكدت إن الملاية مشدودة صح عشان ضهرك فلك دي إيدها مش بتعرف تشد يعني .
هز فكري رأسه بابتسامة صفرا وهو بيعدل وضعية رقبته
يا سيدي عادي .. بس قولي هو أنت من امتى بتهتم بالملايات والفرش؟ ده أنت لو حد لمس طرف جاكيتك كنت بتقيم القيامة.ولو شفت حد معدول عالقبله مابترتبلوش حاجه . النهاردة شوفتك بتزاحم وتشد وتمد أيدك خير يا رب .. غريبة الأيام يا ابن الشامي خلتك تقف تحرس الفرشه من الهوا اللي طاير.
سكت فكري ثانية وهو بيبص لصهيب اللي بدأ يفرك في إيده بتوتر وكمل بسخرية أعمق:
روح يا صهيب.. روح شوف البنت لتكون بوظت الشوربة كمان بقلة خبرتها، واطمن. أنا هنا في أمان مفيش حد هيشد مني الغطا غيرك.. روح الحق'ليكون فيه حد تحت الحقه منها .
صهيب مااتحملش الكلام وخرج من الأوضة وهو حاسس إن فكري كشفه تماما وسخريته المبطنة كانت بتمسح بكرامته الأرض
نزل عالسلم يغلي ويشتم نفسه ويشتم فلك وينهرها من اهتمامه الغريب بقربه منها
. جلس فكري يفكر كلية اندهاش عاقدا جبينه.. ..صهيب مبدول الواد باينه طب يساعدها لله كده دا مش طبعه اكيد البت حلوه وحلت في عنيه والا ايه. انا عايز افرح بيه هيفضل طور كده لا البت ماتتسابش وجلس يفكر كيف سيجمع بينهم.
نزل صهيب يبحث عن فلك فوجدها جالسة تتحدث مع عصام في مودة .
عصام بحنان قائلا........ والله يا فلك انت مافيش زيك طيبة وحنينة وحاسس انك قريبة مش كانك مرات صهيب بيه.
فضحكت هي بعفوية وقالت........
مانت عارف اللي فيها احنا من عامة الشعب ومش قد المقام وهمشي كمان شوية مرات ايه صلي عالنبي فتنهد هو واقترب منها مفتونا بملامحها ونظر اليها بحنان........
مقام إيه دانت مقامك فوق الكل واللي ياخدك يحمد ربنا من طيبتك وجمالك.
هنا اقتحم صهيب المكان كإعصار غاضب وهو يرمقهما بنظرات نارية قائلا ........ماشاء الله دا حاجة حلوة والله. اجيبلك لمون يا عصام واجي ارشق في دماغك شجرتين.
فهب عصام من مكانه ذعرا بينما استمر صهيب في هجومه متسائلا بغضب ........انت قاعد هنا بتعمل ايه انت اتجننت غور يلا.
فاعتذر عصام وانسحب بسرعة بينما ظلت فلك واقفة تنظر الى صهيب بغيظ فاقترب منها مزمجرا........ انت واقفة سيباه يقولك إيه. ومالكو واخدين على بعض كده ايه النصايب دي.
اشتعلت وردت غاضبة........ انت بتكلمه كده ليه هو عمل إيه.
هتف صهيب والغيرة تشتعل في صدره ......... العملية طالته واقف يسبسب للهانم.
فنظرت إليه مصعوقة من تهمته وقالت بنبرة مستنكرة......... يسبسب. ........عصام. انت مخبول.
فصرخ فيها وهو يفقد أعصابه أمام رقتها التي توزعها لغيره......... امال ايه اللي ياخدك وجمالك وطيبتك انتو مجانين..
فقالت بحدة ........ جري ايه ماقلش حاجة انت بتعض وخلاص ماتعرفش تقعد دقيقة زي الناس.
فقال هو بمرارة بدت واضحة في عينيه......... لا ازاي اخش الاقي مراتي شايله الكلفة والبيه مبسوط.
فنظرت إليه بغضب وهمت بالرحيل فجذبها من يدها بعنف هز كيانها متسائلا بلهيب ......... رايحة في انهي داهية سايباني والع.
فشدت يدها بقوة وكبرياء قائلة......... شوف انت بقه راجع تعض فيا وانا ماعملتش حاجة. ومرات ايه ماتعقل مانا همشي كمان شوية.
صرخ هو وكأنه يفرض ملكيته عليها بكلمات زلزلتها......... لما تبقي تتهببي تمشي ولحد ماتمشي انت فلك هانم مرات صهيب الشامي ماحد يقرب منك.
فنظرت إليه بغضب قائلة......... تمام يا صهيب بيه اوامرك تتنفذ. استدارت لتغادر المكان.
فوقف أمامها يمنعها بجسده الضخم فتنهدت بضيق خانق قائلة......... عايز ايه انت.
فهتف بغيظ مكتوم وأنفاسه تلفح وجهها......... بقي واقفه ساعة تتكلمي مع البيه وتجيلي تقوليلي عايزة ايه انت. عايز اقعد زي البيه اقعدي ممكن.
ثم هدأت نبرته قليلا وتنهد قائلا......... خلاص بقه ماعاش هزعق منظركو نرفزني.
فقالت بضجر وهي تحاول الإفلات منه......... تاني تاني. استدارت لتمشي.
فأمسك بها مرة أخرى برقة غريبة هذه المرة وهو يقول بصوت خفيض......... خلاص بقه اهمدي. ثم سألها مغيرة الكلام بهدوء ......... انت كنتي بتعملي ايه.
لم ترد عليه بل أشاحت بوجهها بعيدا وهي تنفخ بضيق ودموع الغيظ تلمع في عينيها. صهيب الذي كان يشتعل منذ لحظات بدأ هدوؤه يعود تدريجيا وهو يرى أثر كلماته القاسية عليها. زفر بعمق وحك طرف أنفه بارتباك وهو يحاول البحث عن مدخل يلطف به الجو دون أن يكسر كبرياءه.
اقترب خطوة وبدلا من أن يعتذر صراحة مد يده وبدأ ينكش في طبق الخضار المقطع أمامها ثم سحب قطعة خيار وقضمها بهدوء وهو يراقبها بطرف عينه
سحب كرسيا وجلس بالمقلوب أمام الرخامة وسحب جزرة من أمامها وقضمها بصوت مسموع ثم قال بنبرة محايدة حاول يخليها طبيعية
على فكرة.. أنا يعني ممكن اكون فهمت غلط و إنه كان بيمدح في الشوربة مش فيكي.. بس أنا اللي سمعي تقيل شوية تفتكري محتاج أكشف أذن؟
نظرت له بطرف عينها بضيق فابتسم نصف ابتسامة
. فتابع وهو يميل بجسده ليصبح في مستوى نظرها وبحركة عفوية جدا أمسك بطرف مريلة المطبخ التي كانت ترتديها وشدها بخفة يعبث بها كأنه طفل يحاول لفت انتباه والدته
خلاص بقه يا فلك.. فكي التكشيرة دي وشك صغر وبقيتي شبه العيال اللي ضاع منهم المصروف.. وبعدين أنا قولت نرفزتوني ماقولتش إنك غلطانة.. ولا هو لازم نكد وخلاص؟
نظرت إليه بطرف عينها بغضب فابتسم نصف ابتسامة ومد يده ليمسح برفق بعض الدقيق كانت على وجنتها وقال بلين غريب عليه:
عارف إن لساني طويل بس مش قصدي أعضك أنت.. أنا بس.. بس مبحبش حد يشوف اللي أنا شايفه.
سكتت للحظة وكأنها استوعبت قصده فخفق قلبها لكنها استمرت في عنادها وهتفت
شايف إيه يا صهيب مفيش حاجة تتشاف أصلا.
ضحك بخفة وهو يسحب الكرسي ويجلس بجانبها وبحركة تلقائية سحب السكين من يدها ووضعها جانبا.
هاتي أنا أكمل تقطيع إيديكي بتترعش وهتعوري نفسك وتلبسيني مصيبة.. اقعدي بقه وقوليلي عم فكري قلك إيه فوق خلاه يضحك كأن عنده عشرين سنة؟
بساطته المفاجئة ومحاولته الفاشلة في الاعتذار بطريقة عملية جعلت غضبها يتبخر تدريجيا. جلست وهي تراقبه وهو يفشل في تقطيع الخضار فابتسمت رغماً عنها، وهو حين لمح ابتسامتها استدار إليها وغمز لها بخفة
أيوة كده.. خلي الشمس تطلع. حقك عليا يا ستي. لسان صهيب الشامي متعود عالعصبيه.. بس والله ما بيبقى قصدي أوجعك.. أنا بس...
سكت ورفع عينه لعينها ولمعت فيها غيرة ورا ضحكة مهزوزة وكمل:
أنا بس بغير على برستيجي.. ينفع مراتي تقف تدردش مع الموظفين وأنا موجود؟ ده حتى يبقى عيب في حقي.. ولا أنت شايفة إيه؟ صبصب بيتهزأ كده.
ضحكت فلك رغم عنها من طريقته الملتوية في الاعتذار.
فاستغل هو الفرص وقام ووقف وراها وهي بتكمل تقطيع وسند إيده على الرخامة بحيث بقى محاوطها وهمس في ودنها بمشاعر حقيقية. ؟..........
متزعليش.. أنا أصلا كنت نازل أشتمك على السلم عشان خليتيني شكلي عيل قدام فكري بس لما شفتك واقفة كده.. نسيت كنت عايز أقول إيه.
وبحركة سريعة ومفاجئة خطف المعلقة من إيدها وذاق الشوربة وكرمش وشه بتمثيل وقال
تؤ.يع. ناقصة ملح.. .. اضحكي بقه عشان الملح يتعدل ولا تحبي أروح أنادي عصام يضبطهالك فتضحكي فامسكه اعجنه آنتي إللي بتخبي النكد ؟
ضربته بخفة في كتفه وهي بتضحك....... أنت رخم قوي يا صهيب.
غمز لها ....
رخم.. اخلصي بقه عشان أنا جعت بجد يدل مااوريكي رخامتي
تذكرت فلك جملة عم فكري التي رنت في أذنها كتحذير خفي....... صهيب مابياكلش من إيد أي حد. هتفت وهي تحاول الانشغال بما أمامها هربا من عينيه........ خلاص بعمل شوربه خضار لعم فكري هتخلص اهيه.
ابتسم صهيب واقترب ببطء حتى أصبح ملتصقا بها تماما يشعر بحرارة جسدها المرتبك........ طب وابن عم فكري مالوش حاجه.
ارتبكت فلك وتعلقت عيناها بالشوربة وهي تهمس بصوت مرتعش........ ايه حاجه ايه.
غمز لها وهو ينظر إلى شفتيها برغبة مجنونة أذابت صمودها........ ماليش نصيب اخد حاجه حلوه.
ابتعدت مرتبكة ترتجف كعصفور بلله المطر........ حاجه حاجه ايه.
ضحك صهيب بصوت رجولي واثق وهتف بمرح مستفز........ يعني اي حاجه مالك اصفريتي كده انا عايز اكل اشمعني هو. انت فكرتي انا عايز حاجه تانيه واحمريتي قوي كده.
ابتلعت ريقها بصعوبة وزاد ارتباكها........ حاجه تانيه. ايه بتقول ايه انت.
ضحك وهو يزداد قربا منها........ بقول اللي شايفه محمريه وقمر وانا ماعملتش لسه حاجه.
خفق قلبها بعنف كطبول الحرب وتلعثمت........ ماعملتش لسه انت بتقول ليه اوعي. ودفعت صدره بيديها الضعيفة.
فغمز لها وقال بنبرة متهدجة........ طب وشك احمر ليه هاه إلا لو كان مفكره عايز حاجه كده وإلا كده.
بدأت تنهج وتتلعثم وهي تشعر بأنفاسه تلفح وجهها. .......انت انت بطل هبلك ده مش فاهمه.
اقترب أكثر وحاصرها واضعا يديه حولها على رخامة المطبخ ومال عليها لتتمايل هي للخلف محاولة الهروب........ مش فاهمه إيه بالضبط. وبعدين الناس بتحمر لما بتتكسف هو لما أقول عايز حاجه تحمري. نظر إلى شفتيها واقترب أكثر حتى تلاقت أنفاسهما........ ولما أقول عايز أكل بتتكسفي. هو حرام.
تعالت أنفاسها وهمست رغما عنها وهي غائبة في سحر عينيه........ حرام إيه.
رفع يده وداعب جانب شفتيها بإبهامه وهمس بنبرة حانية خطفت روحها........ حرام أكل.
ظلت ساهمة لثوانٍقبل أن تنتفض برعب وتدفعه بقوة وتتجه إلى الشعلة تشغل نفسها بها وهي على وشك أن تصاب بأزمة قلبية من فرط التوتر.
وقف هو يتأملها بزهو وانتصار يراقب تلبكها اللذيذ وتركها ترتاح لبرهة. كانت تقلب الشوربة بيد مرتجفة فاقترب منها مجددا ومسك الملعقة من يدها ووضعها في فمه يتذوق ما صنعت. ثم هتف وهو ينظر إليها بنظرة عميقة تحمل ألف معنى........ شويه شوربه نااار عايزه تتاكل وهيا والعه كده. كانت تنظر إليه ببلاهة من جراء تلميحاته المربكة فضحك بانتصار.
قال صهيب وهو يترك الملعقة ويقترب ليهمس في أذنها للمرة الأخيرة ........ الطعم فعلا يجنن يا فلك بس خايف أتعود على نفسك في الأكل وماعرفش آكل من إيد حد تاني بعدك.
ردت فلك وهي تحاول استعادة أنفاسها والتركيز في الطبخ........ ما تخافش كلها كام يوم وترجع لآكل المطاعم والشيفات اللي بيعملوا لك اللي أنت عاوزه.
أجاب صهيب وهو يمرر يده على كتفها بعفوية مربكة وغمز لها........ المطاعم بتشبع البطن يا فلك بس إيدك أنت بتشبع حاجة تانية خالص جوايا.
لتبتعد مسرعة وتهتف بصوت مرتجف........ انا هروح اشوف عم فكري. وتركته خلفها يطلق ضحكاته العاليع وهي تتساءل في سرها بجنون. .......
ماله ده اتجنن بيبصلي كده ليه ايه قله ادبه دي أعمل إيه أروح فين دا مش طبيعي.
كانت ترتجف من أثر نظراته التي اخترقتها أما هو فضحك من أعماق قلبه وهو يراقب هروبها اللذيذ........ المز خفيف عالاخر هبله وطيبه بعبط دانت هتقع في ثانيه يا قمر.... آه قمر عالاخر.
تنهد صهيب وسهم لبرهة وابتسم وجلس يفكر فيها وتذكر ملمس شفتيها وقربها منه. فركن بهدوؤه ولانت ملامحه القاسية واتسعت ابتسامته بصدق لم يعهده.
عادت هيا بعد فترة فوجدته يجلس وحيدا يداعب طبق الشوربة بملعقته سارحا ومبتسماً في صمت غريب.
كانت المرة الأولى التي تدقق فيها في ملامحه بعيدا عن صراعهما المستمر. جلست بهدوء تراقب وجهه الذي يبدو سعيدا ونادرا ما تراه هكذا. كان وسيما عن حق ووجهه السينمائي وشخصيته الطاغية. وقفت تتأمله وتنهدت وسرحت في تفاصيل ملامحه الجذابة.
أحس بها صهيب والتفت فخفق قلبه عندما وجدها غارقة في تأمله فابتسم واستدار إليها ببطء. مد يده وشد كرسيها ليقربه منه تماما وحاوطها بذراعه وهمس بالقرب من وجهها........ ايه عجبتك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بكهرباء تسري في جسدها........ ايه بتقول ايه انت اوعي كده.
إلا أنه لم يتحرك بل حاصرها بيد ومسك الكرسي باليد الأخرى وهتف بنبرة واثقة........ ايه مش قاعده مسهمه فيا وسرحانه يبقي عجبتك قولي قولي ماتتكسفيش.
هتفت بارتباك شديد من أنفاسه التي تلمس وجهها........ انت مجنون اوعي ال عجبتني ال انت باينك عبيط.
ضحك صهيب وهو ينظر لشفتيها بتركيز أربكها........ اللي تسهم كده وتسرح وتبتسم يبقي ايه قولي.
فخفق قلبها بعنف واشاحت بوجهها بعيدا عنه........ عادي سرحت انت دماغك حادفه شمال.
ضحك هو بمكر........ هو ده الشمال اني اعجبك لا انت كده بعيده عن الشمال بس عموما انا متاكد اني عجبتك.
هتفت بضيق مرتبك ........ مغرور قوي.
ضحك بقوة وهو يهز رأسه........ لا دي ثقه انا عارف نفسي.
تنهدت فلك بملل زائف........ لا مش عارف لو عارف ماتقلش عجبتك دي.
هتف وهو يقترب أكثر........ ليه ماعجبكيش مع اني مين يشفني يعجب بيا او بالاصح ويموت عليا.
نظرت إليه قاطبة بملامح ساخرة فتابع بفضول حقيقي........ طب بلاش كده ايه ممكن يعجبك في الراجل.
تنهدت وأحنت رأسها للأرض فقام بتقريب كرسيه وحاصرها أكثر ونظر في عينيها. لا قولي عندي فضول راجل فلك شكله إيه.
.....
قال صهيب وهو يمرر أصابعه على طرف الطاولة محاصرا إياها بنظراته........ سكتي ليه يا فلك. هل المواصفات اللي في خيالك صعبة لدرجة إنك خايفة تقارنيها بيا.
ردت فلك وهي تحاول الحفاظ على ثباتها أمام حصاره ........ المواصفات اللي بتمناها مابتتشافش بالعين يا صهيب. يعني الوسامة والطول والحاجات دي دول آخر حاجة ممكن أفكر فيها.
أجاب صهيب وهو يميل برأسه بفضول يزداد اشتعالا...... سامعك بجد.
همست فلك وهي تنظر لبعيد وكأنها ترسم ملامح حلم قديم. .......
مش عارفه بعد إلي حصلي خلاني خايفه قوي كل إللي بفكر فيه الامان الصدق الحب ..انا حد من غير ضهر عايزاه اماني منين ماروح مايسيبنيش. أنام وعارفه اني مش هنضرب علي وشي من مخلوق. عارف لو كان ليا حد ماكنش جرالي كده ..الوحده وانك مالكش الا نفسك توجع قوي.
طول عمري بدور علي ضهر بعد ابويا اتبهدلت وربنا خلاني ارضي بواحد مايسواش. نظرت إليه.. انا بجد مش متخيله كنت هتجوز عماد إزاي. أنا يا صهيب ضهري بيوجعني إني لوحدي بردانه حاسه بلسعه جوايا نفسي في دفا نفسي أبطل أخاف. نفسي في حضن أغوص فيه .
اطرقت فرفع وجهها ...هيجيلك يا فلك في يوم اللي يبقي ضهر ماحد يقرب منك .
تنهدت فهتف .......ساعتها هتعملي ايه لما تلاقيه .
ابتسمت وسرحت ...هعمل ايه ..هلزق فيه هبقي روحه هبقي ليه ضلعه اللي اتخلقت منه. انام جواه نبقي واحد هو حته مني وانا حته منه ..هعمله راجلي ودنيتي هحطه قدام عيني كأني ملايه الحارس.. هقول حاضر وطيب عشان الفرحه هبقي حوا لآدم.
رجف قلبه من كلامها فهتف ..ازاي وانت طبعك مابتتحمليش حد يتحكم فيكي .
نظرت اليه مين انا ..عارف لما احب والاقيه اد الحب ..هكون ليه عجينه في ايده يعمل مابداله بس يبقالي حبيب وسند .. .
أكملت فلك كلامها وهي تنظر للفراغ بشرود وصوتها يرتعش .......
عارف يا صهيب.. أنا مش عايزة أي راجل وخلاص. أنا عايزة راجل جامد. مش قاسي.. لا... قصدي راجل كلمته هي اللي تمشي بجد. مش بالصوت العالي لكن بالهيبة اللي تخليني أسمع كلامه وأنا مغمضة عشان واثقة إنه أدرى بيا من نفسي. نفسي في حد يغير عليا غيرة توجع غيرة تحسسني إني غالية لدرجة إنه مش طايق نسمة الهوا تلمسني.. غيرة تخليه يقلب الدنيا لو شافني بضحك مع غيره مش عشان مش واثق فيا لا.. عشان هو حاسس إني حقه لوحده ملكه هو بس
التفتت إليه ونظرت في عينيه بعمق جعل أنفاسه تضطرب.......
نفسي في راجل يتملكني ياخدني من الدنيا كلها ويخبيني وراه.. راجل أحس بقوته فـ أستسلم لضعفي قدامه وأنا مرتاحة. نفسي أبطل ابقي قويه عارف.. الراجل اللي يخليني أقوله حاضر من قلبي، مش خوفا منه لكن احتراما للرجولة اللي فيه. حد لما يتكلم الكل يسكت ولما يوزع نظرة الكل يعمل حساب.. بس لما نكون لوحدنا أكون أنا بس مملكته.راجل مالي
سكتت لثانية وتابعت بابتسامة حزينه.......
.كان بابا دايما بيقول لماما ياقطتي ..انا كمان هبقاله قطه تقول حاضر وطيب شايفاه مالي عليا عيوني ودنيتي ماقدر ازعله. هو ينفع ازعل إللي شايلني بعيونه.. تحكم إيه بس يا ريت يتحكم ويشدني يخبيني من الدنيا .
تنهدت وهمست بحزن .،بس تقريبا ربنا مش رايد.
رجف قلب صهيب من وصفها وكأنها ترسم ملامحه هو وتضعها في قالب أحلامها. تملكته رغبة عارمة في أن يجذبها إليه لكنه اكتفى بالنظر إليها بعمق وصوته خرج أجشا من كثرة المشاعر:
ومين قالك إن ربنا مش رايد يا فلك يمكن الراجل ده قريب منك أكتر مما تتخيلي. بس مستني القطة تهدى.
.
ابتسمت بمرارة وقامت أخذت الصينية لتصعد لعم فكري بينما ظل هو مكانه يراجع كلمات فلك.. عايزة راجل يغير غيرة توجع.. يتملكها.. يخبيها من الدنيا.
ضحك صهيب بخفة وهو يضرب يده على الطاولة بانتصار خفي.......
غيرة توجع ده أنتِ هتشوفي أيام يا فلك مكنتيش تحلمي بيها.. ده أنا صهيب الشامي، يعني التملك عندي غريزة.. والغيرة عندي نار مابتنطفيش"
شعر بزهو غير عادي لأن المواصفات التي تعجبها هي تماما طباعه السامة التي يكرهها الناس لكنها هي تراها أمانا.
.. وجلس هو يراجع كلامها ..ابتسم ..هتبقاله قطه .ابتسم بعفويه احلي قطه لما بتبقي هاديه تتاكلي والله
قطب جبينه بضيق ........ فيه ايه انت. تخبل مين ومين اللي تتاكل. حاول استعادة قناعه البارد ليثبت لنفسه أنها لا تهمه. كمل في خطتك هيا ولا تهمك. قوم اخرج مع منار بدل مانت قاعد اهبل كده.
وبالفعل اتصل بمنار ليقضي معها السهرة هربا من حصار مشاعره تجاه فلك. صعد إلى غرفة فكري فوجدهما جالسين يتسامران في ألفة أزعجته. فاقترب منهما وهتف بنبرة جافة........ انا خارج يا حبيبي عايز حاجه.
قطب فكري جبينه باستنكار وسأله بفضول الأب........ ايه هتسهر بره.
ثم ابتسم بمكر ونظر لفلك........ ما فلك معاك اهوه بتحبو في بعض.
هتف فكري وهو يراقب رد فعل صهيب........ احب ماحبش ليه وماله قمر وتاخد العقل.
تنهد صهيب بضيق فتابع فكري بلهجة قاطعة........ مع منار برضه.
قطب صهيب جبينه وشعر بضيق يخنق صدره واشاحت فلك وجهها بعيدا ببرود . هتف فكري محذرا........ البت دي.
ماتنفعكش يا صهيب بتاعه مصلحتها هتتجوزها ازاي.
انفعل صهيب وتضايق بشدة خاصة والكلام يدور أمام فلك وهتف بحدة........ مين قال اني هتجوزها فيه ايه انت ماتسكت.
هتف فكري ببساطة ........ ايه مالك مانا عرفت اللي فيها وان فلك مش مراتك واتجوزتها ليه كتر خيرك انقذتها عادي ماتتكسفش تقول انك بتحب منار.
انفعل صهيب وصرخ ........ احب مين ماتسكت بقه الله دا هم ايه ده.
اقترب فكري من فلك وهمس لها بكلمة جعلتها تضحك بعفوية.
انفعل صهيب أكثر وهتف وهو يوجه كلامه لفلك........ انت بتقلها ايه دي. نظر إليها بحدة........ ماتصدقهوش ماليش دعوه بزفته.
هزت فلك رأسها ببرود أحرقه تماماً........ عادي انا مالي انت حر.
وقف يغلي في مكانه فتابع فكري بمديحه المستفز لمنار........ هيا صحيح قمر يا بت يا فلك إيه تحل من علي حبل المشنقه.
شعرت فلك بغصة مريرة في حلقها فهمست رغما عنها........ ربنا يهديهم لبعض.
ويوفقهم.
شعر صهيب بالغضب العارم ينفجر داخله........ إيه انتو هتغنو علي بعض إما اغور. واستدار وترك الغرفة وهو يغلي ويشتم في سره........ يقلها ليه زفته وطينه ماهتجوزهاش انا دا حاجه هم. غور اسهر ان كت هتعرف تسهر.
جلس فكري ونظر إلى فلك بعد رحيله وسألها بصدق........ وانت بقه عامله ايه مع هولاكو. ضحكت فلك بمرارة........ اديك قلت بس ربنا هاديه بقاله يومين.
هتف فكري بحزن قديم........ والله يا بنتي كان طيب وحنين اتقلب لما كبر ربنا يهدي.
اقترب فكري من فلك التي كانت تحاول رسم ابتسامة باهتة لتخفي الضيق الذي اعتصر قلبها من سيرة منار .
نظر إليها فكري بخبث فوجد اكره الباب تتحرك فعلم أن صهيب عاد قال بصوت مسموع قصدا وهو يعلم أن صهيب سيسمعه.......
عموما سيبك منه يا بنتي، صهيب طول عمره عينه فارغة وبيدور على القشرة اللي بتلمع زي منار دي.. ما يعرفش إن الجوهر الغالي هو اللي قدامه. بس أحسن خليه يغور يسهر،
تنهدت فلك بضيق وقالت.......يا عم فكري هو حر حياته وهو أدرى بيها ومنار دي أكيد شبهه في المستوى والطباع.
ضحك فكري بسخرية وهو يلوح بيده.......
شبهه في إيه يا بنتي؟ ده منار دي لو شافت صهيب بيقع مش هتمسكه، هتخاف على المانيكير بتاعها..
بس عارفه، الواد أدهم جاي دلوقتي وده بقه اللي يعرف قيمة البنات اللي بجد واد راجل وعينه مليانة مش زي الحلوف اللي عندنا اللي مش عارف يفرق بين الألماظ والزجاج.
شعرت فلك بغصة حقيقية، وضايقها كلام فكري رغم بساطته لأنها شعرت وكأن صهيب فعلا لا يراها فقالت بنبرة حزينة.......
يا عم فكري ربنا يوفقه مع اللي يختارها .
في تلك اللحظة كان صهيب يقف خلف الباب، يسمع كلمات فكري عن أدهم وعن عينه الفارغة . كان يضغط على قبضة الباب بقوة كادت تكسرها وصورة أدهم وهو يجلس مع فلك ويتغزل فيها بدأت تترسم أمامه.
همس لنفسه بغل.......بقى أنا عيني فارغة يا راجل يا طيب؟ وبتجيب أدهم عشان يسهر مع مراتي؟ والله ما لأسود عيشته واليوم ده مش هيعدي غير وأنا كاسر عين اهله أما أشوف
قطب صهيب... انت لسعت إنت مالك إيه القرف ده غور اسهر هيا ولا حاجه تقعد تسعى تغور.
.كلم فكري ادهم فحضر وتعرف علي فلك....... مش تقولو يا عم فكري انكو مقعدين ملكه جمال
ابتسمت بخجل .لم يكن ادهم يعلم انها نفس الفتاه التي حملها بعيد عن صهيب ولم يعرف حكايتها واخبره فكري فهتف بريبه .......مين اللي انقذك صهيب .
هتفت .......اه كتر خيره.
قطب ادهم جبينه .........متاكده ده صهيب.
هتف مستعجبا .......فكري ايه يابني فيه ايه.
قاطعه أدهم وهو يحك راسه بغرابهادهم .........لا مش عادته يعني. دا حدايه ابونا الغول والاشكيف ومخلوط عليهم المجنح الطائر..
ضحكت فلك....... يلا ربنا يهديه هتفت كلها شهر اواتنين وامشي .
ابتسم ادهم فهيا جميله....... ..تمشي فين والله انت خساره في اي حد مين الحيوان اللي كان عايز يأذي القمر.
ردت بنبره حزينه ..ابن عمي منه لله بقه
ابتسم بحنان ...اللي يشوفك والله مايقدر حتي يبصلك بصه وحشه.
ضحك فكري ..ماهو عشان كده صهيب انقذها ..
ادهم هز راسه مستنكرا.. والله مامصدق مين أنفذها.. إبليس المجره.
سمع صوتا غاضبا ...ليه من الضالين
نظرو اليه فقال فكري....... ايه ماكملاش سهرتك يعني
تسائل ادهم ...انت خلعت من منار ازاي زماناها كت قافشه في رقبتك ضحك ..حرم المستقبل
انفعل صعيب .،ماتتهببو تبطلو بقه الله .
رفع فكري حاجبيه فهتف بخبث
. نفسي افرح بيك يابني بس اوعي تقلها إنك اتجوزت فلك لو جت هنبقي نسربك يا فلك
ضحكت فلك .......ابقو قولو عليا الخدامه..
انفعل صهيب.. هيا مين إللي خد أمه اتهبلتي مين هيقول عليكي كده.
نظر فكري وادهم لبعضهم بذهول.. فهتف ادهم.. مالك منفعل....
.
كان أدهم يجلس واضعا قدما فوق الأخرى يراقب فلك وهي تتحرك برقة لتضع كوب الشاي أمام عم فكري ثم التفت لصهيب الذي كان يجلس كأنه فوق صفيح ساخن وهتف أدهم بضحكة مستفزة.......
لا يا صهيب.. الصراحة ذوقك في 'الإنقاذ' اتطور قوي.. بس قولي يا فلك الوحش ده بيعرف يضحك في البيت ولا طول الوقت بوز وشخط.
ابتسمت فلك بخجل وحاولت تلطيف الجو:....... لا صهيب ساعات بيبقى طيب.. لما ينام بس.
انفجر أدهم وفكري في الضحك بينما جز صهيب على أسنانه ونظر إليها نظرة وعيد...
أكمل ادهم غامزا.....
عموما مش هنقول لفلك علي مغامراتك مع منار شكلها من عيله محافظه وضحك فنظر إليه صهيب مشتعل
فاكمل فكري..... والله يا بنتي تلزيق ومرار خليني ساكت دا فضايحه كتير...
صرخ صهيب ماتقفلو السيره دي بقه الله .
فكري مكملا الوصلةدون إن يسمع له..........
ده صهيب ده قلبه زي الحجر..........
بصي يا فلك يا بنتي.. صهيب ده ملوش في الحب والرقة ده آخره منار.. الستات اللي بتعرف تلاوع وتلعب بالبيضة والحجر أصل اللي تتجوز صهيب دي لازم يكون في عونها ربنا، ده هيقتلها بغيرته وتحكماته.. ده لو شافت قطة معدية قدامها ممكن يغير منها ويحبسها في البيت.. الغلابة اللي زينا يا بنتي ملهمش في الديناصورات دي.
صهيب قبض على مسند الكرسي حتى ظهرت عروق يده وقال بصوت منخفض ومخيف:
خلصتوا وصلة التحليل النفسي" بتاعتكم
تابع فكري وهو يغمز لأدهم
ده يوم ما منار جت هنا وقعدت تتدلع كان واقف زي الألف.. تفتكري يا ادهم منار أحلى ولا فلك؟
شحب وجه فلك قليلا وأشاحت بنظرها بينما صهيب أحس بنار تسري في عروقه من مقارنة فكري المقرفة دي.
أكمل فكري
أهي منار تليق بيك.. زيك مبتحسش غير بالمادة. موديله قديم قوي بتاع السمع والطاعة. .
صهيب بحدة وهو يشيح بوجهه..........
منار مين وزفتة مين أنت إيه اللي دخلك في منار دلوقتي. ومنار أصلا قصة شغل وانتهت.. بطلوا بقة تألفوا سيناريوهات من دماغكم.
قاطعه أدهم..........
..وانت ناويه تمشي امتي يا فلك وهتروحي فين.
تنهدت هيا احس صهيب بنفسه يتشنج من السؤال فهتفت بانكسار ..قريب اشوف بس حته وشغل.
اندفع ادهم ..انا خدام القمر انت بس تاشري وهتلاقيني جايبلك احلي شغلانه والمكان عندي بدل المكان عشر.
انفعل صهيب ..وانت مال اهلك انت انا هتصرف ليها.
هتف فكري.......... لا كتر خيرك لحد كده فوق إنت لمنار خلي ادهم ينوبه من الثواب شويه.
هنا قامت تشعر بالضيق ..طب اسيبكو بقه تصبحو علي خير .
نظر اليها ادهم وهيا ترحل ،،،يا جمالو قمر.
اقترب فكري وشده واد يا ادهم عجبتك يا واد .هنا اشتعل صهيب
فهتف ادهم ...........اموت انا يا عم فكري.
هتف فكري.......... اجوزهالك بعد ما الحلوف ده يطلقها مالهاش مكان يا واد.
بص صهيب لهم بغل مكتوم
هب ادهم ..........
يمين بالله اكتب عليهاو في ثانيه ..الا انه صرخ مره واحده عندما ..................................................
رواية سيد الكبرياء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو سلطان
سيد_الكبرياء
البارت 18
كان ادهم يسترسل بالكلام مع العم فكري ..دانا عندي بدل المكان عشره ..
فكري بنبره خبيثه.... ماتتسابش يا واد اجوزهالك.
هتف ادهم مندفعا...... يمين الله اكتب عليها وقتي دي ملكه جمال.
هنا اشتعل صهيب واندفع ورزعه بوكسا فصرخ ادهم واضعا يده علي عينه....فيه ايه يا حلوف انت عيني منك لله .
صرخ صهيب باشتعال عيونه تطلق شرار الغيظ ..انت جاي تتجوز مراتي اخزقلك عينك بتبص لمرات صاحبك.
اندهش ادهم من انفعال صهيب الغير مبرر... مراتك...
ابتسم فكري بخبث فخطته تسير كما خطط لها.
صرخ صهيب بغيظ يكز علي اسنانه ..امال ايه يا طين انت وواقف ومزه وزفت اخلعلك عينك انت.
رد ادهم باستخفاف ...انت عبيط ياض مش هتطلقها واصلا مش مراتك. ومنار بتعمل ايه في سنتك السوده انت هتحلق علي نسوان البلد.
هاج صهيب بحرقه ...مالك بيها مش علي زمتي. نهارك طين صاحبي وبيبص لمراتي.
تنهد فكري ورد بلين مهادنا... انت غضبان ليه طيب..خلاص يا ادهم يابني اما يبقي يطلقها عشان مايتزرزرش كده. هتطلقها يوم كام طيب. وانت يا ادهم هو عنده حق ماتنطقش الا اما يطلقها عيب.
صهيب ينظر إليهم بذهول ...انتو بتجوزو مراتي وانا واقف. وهطلقها امتي بتاخد ميعاد عشان تجوز البيه من مراتي.
فهتف ادهم ساخرا.. باينه لسع ..هيا مراتك بجد.
دفعه صهيب ...مالك إنت بالقصه كلها ثم نظر لفكري... انت جايب الحلوف ده ليه دلوقتي.
فكري مبتسما... بنسهر بلاش مانت كت مع منار يابني.
رد صهيب بحده متاففا...انتو مالكو بزفته بتقولو قدام فلك ليه اني هتطين انا مش هتطين مع زفته الطين.
تنهد فكري ...ونظر الي ادهم .،هو زعلان ليه ..طب خلاص مش هنقول قدامها تآني.
فصرخ بغضب وبحرقه... ماهي اتنيلت عرفت ..دا حاجه هم واستدار وتركهم ورزع الباب.
فنظر ادهم لفكري بتعجب... هو فيه ايه ماله والع كده اول مره اشوفه كده.
ابتسم فكري ...ايه ماخدتش بالك انه غيران
قطب ادهم جبينه ..غيران ..مين صهيب .انت لسعت يا عم فكري دا غراب. غيران إيه صهيب علي فلك دي من عامه الشعب وانت عارف ابنك فرق الطبقات هيخلص عليه.
تنهد فكري وابتسم.. انا عارف ابني كويس وعشان كده عايزك تساعدني.
ادهم برهبه..عم فكري صهيب ايديه طارشه ماتدخلنيش معاه انا مش ناقص يفختلي عين.
تنهد فكري وقال بحزن.... .يابني انا عايزه يتعدل والبت دي اللي هتعدله صدقني.
تشجع ادهم وقال ..طب قول اما نشوف هطلع منها مشلول والا اعور.
وبدا فكري يخطط مع ادهم للقرب منهم.
نزلت فلك للحديقه كانت تشعر بالضيق لم تعلم لماذا هيا حزينه تنهدت ...طب طالما هيتجوز مقعدني ليه بقه دا غلب ايه ده ورايح يسهر وفرحان وجاي يعض فينا مافيش فايده .وإنت زعلانه ليه مايسه أتت كمان.
اقترب منها عصام وقال بلين ..ايه كل يوم سرحان كده.
ابتسمت له بحنان.... والله يا عصام انت وعم فكري مهونين عليا بتفكروني ببابا وحنيته.
قال عصام بجديه.... انا عندي استعداد اخرجك من هنا علي فكره .
نظرت اليه وابتسمت بلهفه.... بجد يا عصام طب ماهو مش هيسيبني.
ابتسم عصام وقال مؤكدا.... لا دي بتاعتي انا اللي هخليه يسيبك.
تنهدت بغلب..هتعمل ايه.
ابتسم ..سيبهالي دي بقه انا هتصرف وهتيجي منه هو.
تنهدت متمنيه.... يسمع منك يا عصام يا رب.
رفع عصام يده ..طب ممكن تقبلي دي ..
نظرت الي يده فوجدت قالب شيكولاته كبير.
ابتسمت بسعاده ..ده ليا يا عصام.
رد بابتسامه واسعه ...ليكي يا ست البنات حبيت افرحك.
ابتسمت بامتنان واخذته... .تصدق فرحتني ماحدش بيفتكرني.
قال بخفوت .... يعني مش اد المقام.
قاطعته بحنان ..كفايه انك افتكرتني يا عصام.
رد مندفعا..... والله مابتروحي من علي بالي.
هتف صهيب غاضبا ...حلوه الوصله دي يا عصام. اسرح اسرح ماهي بقت مصطبه ابوك.
ارتبك عصام وهتف انا انا ..اشار اليه بيده ان ينصرف اقترب منها وهتف...... هو فيه ايه بالضبط انا هحلق عليكي فوق وتحت.
نظرت اليه باستغراب ..... ايه تحلق عليا يعني ايه .
نظر الي يدها فوجدها تحتضن الشيكولاته فشدها منها يتاملها بقرف..... ايه ده.
قالت متنهده بحزن.... شيكولاته.
قاطعها يخده ..مانا عارف انه طين منين.
قالت ببراءه ..من عصام مالك فيه ايه.
صرخ بهياج وقلبه مشتعل...... ويجبلك طين ليه ماله بيكي. هو فيه ايه والا الهانم مقامها بواب وحارس دا اخرك .
نظرت اليه بقهر فهو عاد الي تعاليه دمعت عيناها وقالت بقهر ..عادي ماله البواب والحارس ماهو بني ادم وانا بني ادمه. ادم وحوا كانو راجل وست ..انا مابتفرقش معايا شحات من امير وعلي رايك ده مقامي زي مانت شايف كده ..استدارت وهمت ان تتركه
فمسكها وقال بحده..... راحه فين انت.
نظرت اليه وهيا تحبس دموعها ..هنام تؤمر بحاجه .
كان يغلي وغيرته تاكله عليها دون أن يدري. لم يعلم لماذا ندم علي قوله فقال بلين ..انا ماكنش قصدي انا انا...
ابتسمت ببلاده ..ماتشغلش بالك واستدارت.
اندفع ووقف امامها ومسك يدها يقبلها....
..بطلي بقه ..بقولك ماكنش قصدي والله كنت متنرفز وجاي من بره مضايق حقك عليا .
تنهدت فخبطها في كتفها ..... خلاص بقه مش كان فيه هدنه مابينا.
قالت بحزن ..هدنه .انت مابتعرفش تسكت ساعه علي بعض والله.
قرص خدها.... مانت عارفه ملبوس اقترب ونظر اليه نظره اربكتها .عايزك تعالجيني.
تنهدت وقالت.... ربنا يهديك.
ابتسم وشدها .... يا رب..... وخرج بها
حاولت شد يدها الا انه كلبش فيها فقاىت
..... ايه في ايه رايح فين .
اخذ الشيكولاته ورماها عالكرسي ..مش بتقولي ماحدش بيفتكرك تعالي بقه.
وخرج بها وركب عربيته وهيا معه ونزل الي احد محلات الحلوي الشهيره وشدها داخل المحل لتقف مبهوره فقال بين... شوفي بقه نقي براحتك .
نظرت اليه بذهول ..انا... نظرت اليه . بذهول ..انا انقي ليا انا.
هز راسه بسعاده... .يابنتي انت في بيت السعاده كلو هنا من اجود انواع الشيكولاته ..تعالي بس.
وشدها وبدا يتجولان كانت مجموعه فاخره من الشيكولاته ظل يفتح لها وتتذوق وينقي لها افضل الانواع وهيا سعيده فهيا تعشق الشيكولاته وما ان استقرا علي الانواع احضر لها الكثير منها.
فقالت معترضه... .،لا كتير كل ده ليه.
أتسعت ابتسامته ولامش يدها بحنان..... .،لا عشان انا زعلتك وبصالحك.
ابتسمت وتنهدت من تبدله. انهيا الطلبات ودفع مبلغا باهظا ارتبكت هيا منه وحاولت ان تثنيه الا انه كان فعلا سعيدا انه اشتري لها شيئا وعادا الي البيت وصعدا الي حجرتهم ودخلت غيرت ملابسهاوخرجت
تفاجأت عندما وجدته جالسا قال بمرح... تعالي بقه نسهر فيه فيلم نفسي اشوفه .
تنهدت فكانت تريد ان تنام الا انها ارادت فعلا ان تجلس معه فهو ما ان يصبح طيبا تحس برغبه في قربه ..فرد هو الشيكولاته واحضر اللاب توب وجلس بجوارها وبدا يفتح لها ويطعمها بعض قطع الشيكولاته وهيا مرتبكه كان يلمس شفتيها كل حين ويحسسها بقربه سعيدا من استكانتها.
مر الوقت ركنت هيا علي كتفه احس بلينها فاقترب وشدها وحاوطها لم تعترض كانت تشعر بالخدر تراقب مشاهد الفيلم كان فيلما مليء بالمشاعر اختاره بعنايه وهو ملتصقا بها يداعبها كل حين ..
أضاء نور اللابتوب الخافت الغرفة وانعكست ظلال المشاهد الرومانسية على وجهيهما وهما يجلسان متجاورين على الفراش. كان صهيب قد أعد كل شيء فتح علبة شوكولاتة فاخرة ووضعها بينهما ثم أخرج سماعات الأذن . بكل هدوء وبدون أن يستأذن رفع يده وأزاح خصلة متمردة من شعرها خلف أذنها ووضع إحدى السماعتين في أذنها ثم وضع الأخرى في أذنه.
ارتجفت فلك من لمسته المفاجئة لكن صوت الموسيقى الهادئة في الفيلم بدأ ينساب إلى داخلها ليسحبها من توترها إلى عالم آخر.
بدأ البطل في الفيلم يتحدث بكلمات حب عميقة وكان صهيب يراقب ردود فعلها أكثر مما يراقب الشاشة. مالت فلك بجسدها قليلا كانت تحاول الحفاظ على مسافة بينهما لكن مع مرور الوقت وغلبة النعاس والمشاعر الرقيقة في الفيلم بدأت رأسها تتململ وثقلت جفونها.
بدأت تميل برأسها يمينا ويسارا في محاولة للثبات فما كان من صهيب إلا أن مد يده القوية وبحركة حاسمة ولكنها مغلفة بحنان شديد سحبها من كتفها لتستقر رأسها تماماً في تجويف صدره.
شهقت فلك بخفوت وحاولت الاعتراض صهيب.. أنا..
قاطعها بهمس ناعم وهو يشدد من قبضته حولها ويحاوط خصرها بذراعه الأخرى ليحبسها داخل حضنه
هششش.. نامي يا فلك. اسمعي الفيلم وبس..
استسلمت فلك فصدره كان دافئا بشكل لا يقاوم ونبضات قلبه المنتظمة بدأت تعمل كـ منوم لروحها المتعبة. أحست بيده الكبيرة تلمس يدها الصغيرة الملقاة بجانبها فتشبثت بها دون وعي .
نظر صهيب إليها إلى ملامحها الهادئة وهي نائمة في حضنه وابتسم بانتصار ممزوج بوجع ودقات غريبه بقلبه لا يفهمها.
همس بجوار اذنها ..ماتناميش خليكي معايا
تنهدت وظلت صامته فوجدته فتح احد علب الشيكولاته السائله وهمس بنعومه.... دوقي دي تحفه.
رفعت نظرها اليه فمسك الملعقه واطعمها بهدوء كانت ملمسها رائع فاغمضت عيونها تستمتع بطعمها كان منظرها يلهب مشاعره. تنام علي كتفه مغمضه وشفتيها ملطخه بالشيكولاته. هنا لم يستطع ان يمنع نفسه نزل بهدوء يتلمس شفتيها وهيا ساكنه لا تفعلى شيئا واختلطت انفاسهم وسرحت هيا قليلا احست انها تائهه وهو احس ان قلبه سيخرج من استكانتها
شعر انه انفصل عن الدنيا كان ياخذها بحنان ورقه لم يكن عنيفا اراد ان تظل هكذا في تلك الحاله لم يعلم ماذا اصابه فاراد ذلك القرب بشده وملمس شفتيها الساكنه أطاح بعقله.
لم يعد يحتمل بدات رغبته فيها تزيد فتحول من اللين الشديد للرغبه الشديده وشدها اكثر وهيا بين يديه كالهلام ومال عليها يجتاحها.ويده تجول جسدها.
كانت هيا هائمه لا تحس بشيء مشاعرها سافرت السحاب في تلامس لاهب للمشاعر. الا انها من عنفوانه عادت لنفسها وانتفضت بذعر وشعرت بالرعب كيف استكانت له بل واحبت تلك الاستكانه فانتفضت برعب وهو لا يفلتها الا انها شدت نفسها بعنف ودفعته وهربت تشعر بالعار من روحها فهما ليس بينهم ذلك.
اما هو ركن علي الفراش يشعر انه ينهج بشده ويضع يده علي شفتيه مبتسما يحاول ان يخفض نبض قلبه ظل فتره هكذا جسده ومشاعره ليعود لنفسه رويدا رويدا ..اغمض عينيه بشده ينفض ذلك الشعور الذي سيطر عليه ..ايه مالك انهبلت هتموت وترجع للي كت فيه انت نسيت بينكو ايه ..تنهد ،،دي رغبه يا صهيب وهيا سابت نفسها وانت ماهتقلش لا مفيش حاجه ماتخافش علي روحك انت فين وهيا فين انت اهبل كمل اللي كت ناوي عليه وماتتراجعش مش صهيب اللي يترفض واهه بدات تلين وقريب خالص هتموت عليك زي اي واحده.
اما هيا كانت تجلس في الحمام مقهوره ..يا نهارك طين يا فلك انت ازاي زباله كده سايبه نفسك.. ايه واقعه انت اتهبلتي.
ظلت ترتعش بعنف تهز راسها برهبه تسترجع ما حدث بينهم ..تنهدت بغلب ودموعها تتساقط... بس انا ماحسيتش والله بنفسي انا خايفه. هو فيه ايه وقلبي بيدق كده انا ازاي سيبت نفسي وقربه ده ده كان كان ..
نهرت نفسها... اوعي اخرسي قرب ايه ماينفعش انت انهبلتي. دا هيتجوز هتبقي خطافه رجاله يا زباله تعصي الراجل علي إللي بيحبها.. وضعت يدها علي قلبها تشعر بألم... جلست تهدىء من روعه... لا انت بس اكيد الفيلم اثر عليكي وانت لوحدك وعايزه اكيد حد يحن عليكي آه هو كده ..يا رب انا تعبت بقه يا رب احفظلي قلبي وماتتعبنيش مش ناقصه وجع. طب ايه انا مكسوفه اخرج هيشمت فيا هيقول ايه بت واقعه وزباله وطبعا ماهيصدق عجبك صهيب الشامي وهيقعد بقه ينفش ريشه ..ظلت جالسه تاكل روحها سمعت خبطا وصوته يأتي لينا ...مش هتخرجي نكمل الفيلم ده يا لوكا.
كان يركن عالباب يبتسم بخبث كان شيئا لم يكن ..ظلت صامته لا تقوي علي الرد فاكمل بسلاسه... .عادي يا فلك .، بس من تاثير الفيلم مافيش حاجه طبعا .
تنهدت واحست بالراحه وخرجت منحنيه واتجت للفراش ..تصبح علي خير .
مسكها مسرعا ..ايه بسرعه كده.
كانت تفرك بيدها وعيونها تزوغ بعيدا عن عيونه .صهيب من فضلك عايزه انام.
اقترب ورفع وجهها فاشاحت بعيونها واحمرت فهمس بنعومه... انا جوزك ومافيش بينا عيب او حرام حطي دي في دماغك.
ابتعدت صامته تشعر برهبه تتجه للفراش فاكمل ...مش عيب انك تعوزي جوزك في يوم .
احست ببعض الغضب فقاطعته بعنف ..انت مش جوزي.
رفع حاجبيه فاقترب منها وشدها اليه فارتطمت في صدره فاحاطها ارتجفت من قربه... قولي تاني كده انا ايه.
همست بخجل ..بطل انت عارف اللي بينا.
الا انه ابتسم ابتسامه مسليه وقال... بصيلي وقولي ايه هوا اللي بينا.
ابتلعت ريقها وقالت ..بينا كتير حاجات كلها توجع.
حاوطها ومسك ذقنها يرفع وجهها... بس في لحظه نسينا كل ده وحسيت بيكي مش ممانعه قربي.
ابتعدت تحاول إنهاء الحوار... من فضلك بقه عيب كده واقفل الموضوع ده وننساه خالص مش هيتكرر.
اقترب وحاوطها من الخلف ووضع راسه في شعرها هامسا... حاسس بيكي بتترعشي ليه يا تري. ده من قربي ولا خوف من نفسك انك تعوزيني. وانسي ازاي شفايفك كت بين شفايفي حاجه ماتتوصفش.
ابتعدت مسرعه وصرحت بغضب.... بطل بقه احنا مافيش بينا كده وانت هتطلقني ثم انك بتحب وهتتجوز.
قطب جبينه ..مين انا.
تنهدت وقالت بوجع ونبره صادقه ..مش منار برضه ...صهيب ماتبوظش حياتك من فضلك وانا هلتزم وعمرها ماهتحصل انا استحاله اخرب علي حد حياته وحبه أنا اتوجعت استحاله ابقي سبب في وجع حد واستدارت مندفعه مبتعده عنه.
الا انه شدها مره اخرى وقال بحده..... انا مابحبش حد. نظرت اليه باستنكار فقال بحده أكبر.... بقلك مابتهببش دي دي علاقه والسلام.
تنهدت بغلب..انت حر في علاقاتك انا مالي.
رد باستياء ،،،مش مراتي ايه مابتغيريش حتي لو بينا ايه مهما كان جوزك
تنهدت،،،اغير لما اكون بحبك وعايزاك.
ابتسم وغمز لها ،،،مانت كتي عايزاتي من شويه.و....
قاطعته بعنف ...بطل بقه دا دا...
ضحك وقال مستفسرا .... مش عارفه تسميه ايه ،،،اقترب ومال عليها.. انا اقلك .،اي ست في الدنيا تقرب من راجل لازم يحصل بينهم كيميا قرب و رغبه .عمر ادم ماقرب من حوا وماحسش بيها.
هزت راسها نافيه كلامه ...انت بتهبد حوا ايه وادم ايه احنا بنكره بعض.
ابتسم وقال بنبره حانيه... انت مابتعرفيش تكرهي يا فلك وانا حاليا مابكرهكيش وده في حد ذاته قرب.
أرادت أن تنهي كلامه فهذا فوق احتمالها.... .،ايوه يعني عايز ايه انت ماتبطل بقه الله.
ضحك ..انت خجلانه من نفسك انك استسلمتي ليا... اشاحت بوجهها غضبا
فاكمل.. ...طب ماحنا ماحسيناش بتلومي مين.
رفعت يدها وقالت بنبره قاطعه...
من فضلك بقه قفل عالموضوع كفايه قوي لحد كده وخرجت مسرعه شاعره بالخجل.
فضحك وهو ينظر في إثرها... اقفل عالموضوع ..دانا لسه بفتحه يا قمر.
في الصباح استيقظت فلك وهي تشعر بثقل في رأسها من أثر مشاعر الليلة الماضية. التفتت بجوارها فلم تجد صهيب شعرت بالارتياح. لكن عطره الخاص به كان لا يزال يملأ المكان وكأنه يرفض الرحيل.
نهضت بتثاقل وما إن اقتربت من المرآة لترتب شعرها حتى تجمدت مكانها. كانت هناك علبة صغيرة مخملية وبجانبها قطعة واحدة من أغلى أنواع الشوكولاتة التي اشتراها لها بالأمس موضوعة فوق ورقة مطوية بعناية.
بيد مرتجفة فتحت الورقة لتقرأ كلماته التي كتبت بخط رجولي قوي:
عشان تفضلي تفكري في طعم امبارح في بوقك . أنا دقتها إمبارح وش قادر انساها.. وما تطلبيش حلاوة من إيد حد غيري.. الشوكولاتة دي أغلى وأنضف بكتير.. كليها وانتي بتفتكري إن صهيب الشامي ما بيسيبش ولا بيسمح لمراته تاخد من غيره.. حتى لو كانت مجرد نظرة.
ابتلعت فلك ريقها وشعرت بحرارة تجتاح وجهها. كان يمزج في رسالته بين الغرور الامتلاك والاهتمام المستتر كانت كلماته كلاها توحي بقبلته لها . نظرت إلى قطعة الشوكولاتة ثم إلى نفسها في المرآة وهمست بضيق مصطنع وهي تحاول إخفاء ابتسامة غلبتها....
مغرور.. لازم تفرض سيطرتك.
لكنها ودون وعي منها أخذت قطعة الشوكولاتة وتذوقتها ببطء وهي تغمض عينيها وتسترجع ملمس أنامله وهي تطعمها بالأمس.. شعرت أن طعمها هذه المرة كان مختلفا كان فيه طعم صهيب الذي بدأ يتسلل إلى مسام قلبها رغم رفضها.
كانت منار جالسه مع ادهم فقالت ...ادهم هو صهيب ماله بقي بيغيب وبطل سهر فيه حاجه انا حاسه بحاجه غريبه.
ارتبك ادهم لانه يعرف لو عرفت ستقوم حريقه ..لا مفيش بس عمو فكري تعبان وهو معاه.
ردت متسائله .،فين في الفيلا اروحله اسلم عليه.
هب ادهم منفعلا برهبه.. .،لا مش في الفيلا دا في حته تانيه.
قطبت جبينها تستشعر شيئا غامضا.. .،حته تانيه هو صهيب مش قاعد في فيلته والا ايه.
رد باقتضاب وقام مسرعا... .،لا اليومين دول لا انا قايم اشوف شغلي وتركها مسرعا.
فظلت تاكل حالها ..من امتي وصهيب بيسيب بيته وواخد سي فكري ده وراقد بيه فين .لا انا حاسه بيه متغير علي طول سرحان نهار اسود يكونش بيحب دانا اقتله دا بتاعي لوحدي.
رفعت تليفونها ...واتصلت بعصام
...ازيك يا عصام انتو فين انا رحتلكو الفيلا مش لقياكو عشان اسلم علي عم فكري انت في انهي فيلا.
علم عصام انها تستدرجه وكان يعلم مدي قربها وغيرتها علي صهيب فقال ...انا مع صهيب بيه في فيلا المنصوريه .
قطبت جبينها ..بتعملو ايه هناك هو نادرا مابيروح .
رد عصام بغموض .لا بس يومين كده وتخلص حكايه كده ونرجع كلنا.
تسائلت بحده ..حكايه حكايه ايه دي.
تصنع عصام الارتباك ،،،،هاه حكايه اه حكايه ماعرفش انا مالي.
اشتعلت هيا وقالت تحذير صارخ ..عصام انت مخبي حاجه اموتك وربنا انطق.
تنهد هو ..ماتخربيش عليا الله يسترك انا مش اد صهيب بيه.
انتفضت هيا... .لا كده مش هسكت لازم اعرف وقفلت الخط وابتسم عصام دانت طلعت سوسه يا عصام يلا خليها تيجي تسود عيشته .
بينما كانت فلك تجلس في الحديقة دخل أدهم بملابس أنيقة للغاية ورائحة عطر نفاذة كان يمسك هاتفه ويتحدث بصوت مسموع ليتأكد أن صهيب (الذي يراقب من الشرفة) يسمعه.
اقترب أدهم من فلك بابتسامة واسعة وهتف.... يا صباح الجمال على ست البنات.. إيه النور ده يا فلك؟
فلك استغربت طريقته المفاجئة..... أهلا يا أدهم بيه.. خير فيه حاجة؟
أدهم جلس بجانبها بجرأة... بيه إيه بس؟ قوليلي يا أدهم.. وبعدين أنا جاي أقولك إن عمي فكري حكالي عن ذوقك في الأكل وأنا الصراحة واقع في مشكلة ومحتاج مساعدتك في اختيار مطعم لخطوبتي.. ممكن تمشي معايا مشوار صغير تنقيلي.
صهيب كان يراقب من الأعلى يرى ضحكات أدهم ومحاولته الاقتراب من فلك فغلى الدم في عروقه. نزل الدرج كالإعصار ولم يكد أدهم يكمل جملته حتى وجد يد صهيب تقبض على ياقة قميصه وتنهضه من مكانه بعنف.
صهيب بصوت الرعد.... مطعم إيه يا روح أمك اللي تنقيهولك؟ وهي تخرج معاك بصفتك إيه يا زفت؟
أدهم (بتمثيل متقن)... إيه يا صهيب؟ عادي عايز خطوبتي تبقي احلي حاجه
اهتاج صهيب... خطوبتك. ولااااا لم نفسك وغور أنا علي أخري هو إيه ده إنت مالك فجرت.
غمز ادهم.... إيه حصل عشان هخطب.
دفعه صهيب بعنف... همد أيدي إنت عارفني.
فلك كانت واقفة خلفه تشعر برجفة جسده من الغضب وضعت يدها على ذراعه لتهدئته... صهيب.. أهدا.. مفيش حاجة.
التفت إليها صهيب وعيناه تفيض بالغيرة والتملك وأمسك وجهها أمام أدهم وعم فكري (الذي كان يراقب من بعيد ويبتسم)
وأنتي.. أي حد يكلمك ويطلب خروج ماتعبريهوش.. مش سيبه هيا.
انسحب أدهم وهو يغمز لعم فكري ثم جلس يتحدث معه..
تركها صهيب غاضبا يشعر بالارتباك وجلس ومسك بعض الأوراق يعمل. يتابع بعض الأوراق بحدة.
تنهدت فلك لا تفهم غضبه و اتجهت تجلس بعيدا قليلا تقرأ كتاباً بهدوء.
أدهم بجانب عم فكري الذي كان يرتشف قهوته بخبث وبصوت مسموع لصهيب..
بقولك إيه يا عمي فكري أنا سألت المحامي صاحبي وقالي إن إجراءات الطلاق والعدة مابتخدش وقت لو الطرفين متفاهمين.. يعني يا دوب شهرين تلاتة وتكون فلك هانم حرة تماما.
صهيب قبض يده على القلم حتى كاد ينكسر لكنه لم يرفع عينه عن الورق.
فكري بخبث...
والله يا بني كله خير انا عايزها تشوف حياتها مع واحد يقدر قيمتها.. مش كده يا صهيب؟
صهيب رفع عينه ونظر لهما بنظرة مرعبة ثم قال بصوت هادئ هدوء ما قبل العاصفة ولكنه يغلي من داخله..
والله يا حاج أنا أدرى بمصلحة مراتي.. والورق اللي في إيدي أهم بكتير من رغيكم ده.يا ريت تخليكو في حالك.
أدهم يغمز لفكري ويقوم يقف هامسا.. لو ضربني تعالي حوش بالله عليك...
علا صوته..
خلاص يا صاحبي، مدام مش فاضي أنا هروح أقعد مع فلك شوية أصلها كانت بتقولي إنها بتحب الروايات وأنا لسه جايب مجموعة نادرة.. دي بنت ذوقها عالي أوي.
اتجه أدهم نحو فلك وجلس على طرف الكرسي بجانبها وهو يميل بجسده نحوها....
فلك.. سيبك من الكتاب ده أنا جايبلك حاجة تليق بيكي.كلها رومانسيه أصلي في الرومانسي ماليش حل.
هنا صهيب لم يحتمل. قام فجأة ورشق الأوراق على الطاولة بقوة لفتت انتباه الجميع واتجه نحوهما بخطوات واثقة ومستفزة. وقف فوق رأس أدهم تماما ووضع يده على كتف فلك بتملك واضح وهو ينظر لأدهم بتحد...
أدهم.. مش وراك شغل في الشركة؟ ولا قعدة النسوان وكلت عقلك؟
أدهم ببراءة مصطنعة....
يا عم إحنا في استراحة.. وبعدين أنا بسلي فلك، أصلها باين عليها الزهق في بيت الزواحف ده.
صهيب بابتسامة باردة وسخرية...
لا ما تقلقش، فلك مابتزهقش وهي معايا.. وبعدين هي مابتحبش حد يقطع عليها قراءتها مش كده يا حبيبتي؟
كلمة حبيبتي خرجت منه كالقذيفة فلك نظرت له بذهول وصهيب ضغط على كتفها بخفة وكأنه يحذرها من الكلام.
فكري من بعيد...
يا صهيب يا ابني سيب البنت تفك عن نفسها أنت شاغلها معاك ليل نهار خلي أدهم يخرجها يفسحها شوية .
نظر صهيب لأدهم بحدة فدقيقه زياده وينقض عليه يبرحه ضربا... قوم يا أدهم.. طريقك زراعي، علي بره من سكات.
أدهم قام وهو يداري ضحكته.... ماشي يا صهيب، عموما هانت ونفرح كلنا يا كبير .
انصرف أدهم وفكري وبقي صهيب واقفا أمام فلك ينظر إليها بغضب مكتوم ثم شد الكتاب من يدها بعنف...
عجبك أوي الكلام معاه؟ كانت ناقصة تقومي تتفسحي معاه بالمرة.
فلك ببراءة... هو اللي جه قعد يا صهيب، وبعدين هو ماله غلط في إيه؟
صهيب اقترب منها لدرجة أن أنفاسه لفتت وجهها، وقال بلهجة آمرة...
يغلط ولا ما يغلطش دي تخصني أنا.. طول مانتي في بيتي ملمحش خيال راجل جنبك.. والطلاق ده كلمة أنا اللي بحدد وقتها
وساعتها بس أبقي شوفي مين اللي هيتكرم وياخدك.
هوت الكلمه عليه كطعنه نافذه نظرت إليه فلك بعينين تلمعان بدموع القهر وارتجفت شفتيها وهي ترد بصوت مخنوق...
يتكرم وياخدني؟.. كتر خيرك يا صهيب بيه، بجد كتر خيرك.. ماتشغلش بالك بقه باللي هيتكرم ده أنا أصلاً مايشرفنيش إن حد يفكر فيا كأني صدقة جارية.
استدارت وهمت بالركض لداخل الفيلا لكن صهيب الذي شعر بطعنة في قلبه فور خروج الكلمات من فمه، قبض على ذراعها بقوة وجذبها إليه...
فلك أنا ماكنش قصدي الكلمة دي.. أنا كنت متنرفز.
دفعته فلك بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ فيه بانهيار...
لا قصدك! أنت من يوم ما شفتني وأنت شايفني الحشرة اللي طلعت في طريقك.. أيوه أنا من عامة الشعب يا صهيب بيه يا صاحب المقام العالي وأهلي ناس غلابة بس والله العظيم أنضف وأشرف من أي حد.. وماتزعلش قوي إنك متجوز وآحده قليله عليك. بكره اغور بس بعد كده تحفظ لسانك فاهم.
تجمد صهيب مكانه كانت الكلمات تخرج منها كالسياط تلهب روحه. حاول الاقتراب منها ويده ترتعش..
فلك.. اسمعيني والله العظيم أنتي أغلى من أي حد.. أنا لساني بيخونني وقت الغضب.
ضحكت بمرارة وهي تمسح دموعها بخشونة...
غضب إيه دي اللي كل شويه إهانة يا ريت طلقني بقه وسيب اللي يتكرم ده يجي ياخدني، وإلا أعمل إعلان بيع وشري.
تركت صهيب واقفا في مكانه يشعر وكأن الأرض تميد به. الكبرياء الذي كان يتغنى به تحول لغصة في حلقه ونظر ليدها التي كانت بين يديه منذ قليل وأطبق عليها بقهر هامسا لنفسه...
غبي.. البت اللي كانت بتلين دا كلام انت عيل زباله.
ظل صهيب طوال الليل يدور حول غرفتها يرفع يده ليدق الباب ثم يتراجع يغلي من الداخل لأنه جرحها ويغلي أكثر لأنها أخبرته بوضوح أنها قليلة عليه.
في الصباح نزلت فلك إلى المطبخ عيناها كانت منتفخة قليلا من أثر البكاء لكنها كانت ترتدي قناعا من البرود التام. وجدت صهيب جالسا لم يلمس إفطاره وكان يراقب مدخل المطبخ بانتظارها. ما إن رآها حتى اعتدل في جلسته وتنحنح ليطرد بحة صوته...
صهيب بلهجة جافة يحاول جعلها عادية..
قعدتِ كتير فوق ليه؟ القهوة بردت..
دون أن تنظر إليه بدأت في تحضير كوب شاي لنفسها....
ماظنش إن وجودي أو غيابي بيفرق أنا مجرد عدد في البيت لحد ما وقتي يخلص..
صهيب قام من مكانه واقترب من الرخامة التي تقف خلفها مد يده ووضع علبة صغيرة مخملية بجانب كوبها وقال بجمود...
أنا مابحبش حد يشيل مني ولا بحب أشوف نظرة الانكسار دي في عين حد عايش في بيتي.. دي حاجة بسيطه شوفتها ولقيتها تليق بيكي قولت أجيبها وخلاص.
فلك نظرت للعلبة بمرارة ولم تفتحها...
الدهب والألماظ ما بيداووش كسر الخاطر يا صهيب بيه.. وبعدين دي تليق بواحدة من مقامك أنا مقامي غلبان ومابيلبسش غالي.
صهيب اقترب أكثر وضيق عينيه بغضب مكتوم...
بطلي بقه الأسطوانة دي. قولتلك امبارح كنت متنرفز وأدهم هو اللي خرجني عن شعوري.. أنتي عايزة توصلي لإيه؟ عايزاني أقول إني غلطت؟ أهو أنا بقولك إن الكلمة مكنتش بمحلها.. بس أنتي كمان كلامك كان زي السم أنتي عارفة كويس إن مفيش ست قدرت تقول كلام كده لصهيب الشامي وتفضل واقفة قدامه.
فلك رفعت رأسها بتحد...
عشان هما كانوا بيبصوا لفلوسك واسمك وبيخافو منك لكن أنا ببص للي جواك.. واللي جواك حاليا قاسي وما بيشوفش غير نفسه.. شكرا على الهدية بس وفرها للي هتتجوزها بجد.
صهيب قبض على طرف الرخامة بقوة كان يود أن يصرخ انه ليس هناك أحد لكن كبريائه منعه فاكتفى بقوله...
منار أو غيرها ما يخصوكيش.. اللي يخصك إنك هنا، وباسمي.. .
تركها وخرج وهو يشعر بغيظ من نفسه ومنها بينما هي نظرت للعبة. فتحتها ببطء لتجد عقدا رقيقا جدا وبسيطا عكس شخصيته المتفاخرة وكأنه اختاره ليشبه رقتها هي. وبداخله ورقه مطويه فيها كلمه بسيطه... إنت عاليه علي اي حد.
تنهدت ولمست السلسله برقه وحزن وجلست تفكر بحاله الذي يتبدل بين لحظه وأخري.
مر الوقت صعدت هيا للاعلي. وضعت السلسله الطاوله وفتحت متعلقاتها الخاصه شعرت بحنين لوالديها واخذتها ونزلت بها الحديقه.
دخل صهيب للحديقة ووجد فلك تجلس على الأرض وليس على المقاعد الفاخرة كانت تفرد أمامها منديلا قماشيا فيه ورد مجفف وصورا قديمة متهالكة لوالدها.
لم يذهب إليها كـ سيد البيت وجلس علي الكرسي الفاخر كعادته بل فعل شيئا لم يفعله في حياته خلع حذاءه الفاخر وجلس على الأرض بجانبها متربعا ببنطاله الذي يساوي الآلاف فوق العشب والأتربة.
فلك نظرت إليه بذهول...
صهيب إيه اللي قعدك كدة الهدوم هتتبهدل.
صهيب نظر للأرض ثم نظر لعينيها بهدوء...
الأرض مابتكهربش يا فلك.عادي يعني منها وإليها.
رجف قلبها من الجمله اشاحت بوجهها
مسك يدها قبلها وهمس..... أي حاجه إنت بتعمليها أنا بحبها.
تنهدت وصمتت ولانت له فاكمل.... وبعدين مش أنتي بتقولي إني معرفش حاجة عن حياتكم أهو أنا قاعد عشان أعرف.. وريني مين دول؟
فلك بدأت تحكي له بمرارة وشوق...
ده بابا.. كان بيحب الورد أوي وكان يقعد يجمعه ويجففه ويقولي دي ريحة العمر.. صورنا بسيطة وكنا بنفرح بأقل حاجة.
صهيب مد يده وبدلا من أن يسخر أو يتعالى أمسك بصورة قديمة لوالدها كان يظهر فيها بملابس بسيطة جدا وصهيب الذي اعتاد مصافحة الملوك والوزراء لمس صورة الرجل برقة وقال...
وشه فيه رضا.. آوي يا فلك فيه نظره أبويا وحنيته ابتسم وقال.. علمني إزاي أنشف الورد زيه؟
فلك بابتسامة باهتة...
أنت يا صهيب عايز تتعلم تجفف ورد؟
صهيب بصوت رخيم وصادق...
أيوة.. عايز أتعلم الحاجات اللي بتفرحك أنتي مش اللي بتفرح صهيب الشامي.. قوليلي أعمل إيه.
ابتسمت.... طب عايزين ورد.
هب واقفا.... إستني ومشي حافيا علي الارض وهيا لا تصدق مايفعله وذهب وقطف بعض الورود وعاد.
بدأت فلك تشرح له بتركيز وهو يتابع حركات أصابعها بدقة ويحاول أن يضع الورد داخل صفحات كتاب قديم كما تفعل. كان المنظر غريبا رجل بكل هذه القوة يفرش الورد برقة ويحاول الحفاظ على بتلاته من الكسر.
صهيب وهو يضع وردة..
عارفة.. طول عمري بشوف الورد في الفازات غالي وكبير، بس أول مرة أحس إن الورد له روح كدة.. يمكن عشان أنتي اللي بتمسكيه.
فلك نظرت إليه امتنان...
أنت قعدتك على الأرض دي خلتك تقول كلام غريب.
صهيب نظر للسماء وهمس...
.. أنا بس اكتشفت إن الأرض من تحت أجمل بكتير طول مانتي قاعدة عليها. قريبه وتخلي الواحد قريب من إللي جنبه.
لم يكن هناك كلام حب صريح لكن جلوسه على الأرض ومشاركته لها في هواية بسيطة كان هو الاعتذار الذي تمنته فلك اعتذار عن كل لحظة كبرياء مرت بينهما.
مسك يدها وقام وشدها يلا عشان تنامي شكلك تعبان... تنهدت وقامت معه تلملم اشياؤها ودخلت الحجره وغيرت ملابسها خرجت وجدته قد احضر لها كوبا من اللبن. ابتسم وقال عشان تعرفي تنامي.. تنهدت واخءته من سكات وشربته وهو يراقبها أخذها من يدها ووضعها عاىفراش وظل يرتب الغطاء ويدثرها جيدا وهيا تتامله كان حانية بشكل كبير انهي ترتيبه نظر إليها اقترب ومسك وجهها ووضع شفتيه علي راسها وظل فتره لا يتحرك ثم تنهد وابتعد ونظر اليها هامسا بامتنان.. شكرا إنك في حياتي بتخليني أحس بجد إني حي وعايش. انت حاجه كبيره قوي دخلت حياتي والله كان نبرته صادقه لمست قلبها ابتسم وقبل يدها واستدوار وخرج وتركها في غيمه من المشاعر تعلو بداخله وتصارع للظهور تجاهه.
في احد الايام كانت فلك شعرت بالصداع من كثره التفكير فيه مؤخرا تصرفاته تربكها بشكل مريع لتربط راسها بوشاح و تجلس في المطبخ...
كان صهيب يجلس في الصالون يراقب فلك وهي تتحرك في المطبخ بخفة رابطة رأسها بوشاحها الصغير. اقترب منها بفضول وقال
بتعملي إيه يا فلك؟ الريحة غريبة بس حلوة.
التفتت إليه بابتسامة صافية.... بعمل شاي بالنعناع والقرنفل وبحمص عيش ناشف بزبده وسكر.. حلويات الغلابة بس طعمها أحلى من أي حلوياتك الغالية.
رفع حاجبه بذهول.... عيش وسكر أنتي بتهزري؟
ضحكت فلك وقالت بتحد... طب تعال جرب.. ولا خايف الـبرستيج يقع؟
أثارت كلمتها رجولته فنزع جاكيت بدلته وشمر أكمام قميصه الأبيض وقال... أنا مابخافش.. وريني الهبد بتاعك ده بيتعمل إزاي.
وقفت خلفه وأمسكت بيده لتعلمه كيف يدهن الزبدة على خبز البلدي ببطء. كان صهيب يشعر بحرارة يدها الصغيرة فوق يده الكبيرة فنسي الخبز تماما وظل ينظر إلى ملامحها وهي تشرح بجدية....
لازم تفردها بالراحة عشان العيش ما يتقطعش.. وبعدين نرش السكر كأنه مطر.
جلسا على ترابيزة المطبخ الصغيرة بعيدا عن السفرة الفخمة. قدمت له كوب الشاي وبدأ يأكل من يديها. تعجب من الطعم كانت بسيطة ولذيذة بشكل لا يوصف.
صهيب بذهول.... تصدقي طعمها يجنن؟ أول مرة آكل حاجة كدة.
فلك بصدق... عشان معمولة بحب يا صهيب.. الحاجة البسيطة دي هي اللي بتبني البيوت.
ابتسم وقال.... انت عارفه اني مابعرفش أسلق بيضه..
ضحكت.... لا انت فايتك كتير. قررت فلك أن تطور الأمر.... طب تعال نعجن فطيرة صغيرة سوا.
بدأت تضع الدقيق والماء وطلبت منه أن يعجن معها. تداخلت أيديهما وسط الدقيق الأبيض. فلك تضحك من منظره وهو يحاول أن يبدو محترفا بينما صهيب كان يستمتع بصوت ضحكاتها التي لم يسمعها من قبل.
فجأة وضع صهيب لمسة من الدقيق على أنفها فشهقت بضحك وردت له الحركة.
هنا تحول المطبخ لساحة لعب صغيرة تشاكسه وهو أيضا يحتضنها وبيداعبها وهيا تضحك من قلبها في حاله من الانسجام الحاني انتهت بأن حاصرها صهيب على الرخامة وأيديهما ملطخة بالعجين...
أول مرة أحس إني بني آدم طبيعي يا فلك.. أول مرة مابفكرش في صفقات ولا فلوس.. بتعملي فيا إيه؟
نظرت له بعيون لامعة... بعلمك تعيش يا صهيب.. الحياة مش بس شغل وصفقات أمر ونهي. الحياه فيها حاجات بسيطه تتحس تسعد
في هذه اللحظة كان صهيب يتاملها وهيا تتكلم فهمس بلين ياسر عيونها.. فلك انت غير أي حد عرفته... نظرت إليه وقلبها يدق بعنف من نظراته بدأ يقترب منها رغما عنه على وشك أن يقبلها لكن صوت عصام وهو ينادي بالخارج قطع اللحظة ليعود صهيب الوحش الغيور في ثانية ويهمس بحده...
عايز إيه الزفت ده.
ابتعدت بخجل تتلفت حولها.. الدنيا اتبهدلت خالص.
ابتسم وقال.... مش انت اللي عايزه تخبزي اشربي بقه.
وضعت يدها في خصرها.... والله طب خلاص ماعتش هعلمك حاجه ياخويا وهخاصمك كمان اوعي عشان تسيبني لوحدي أنضف ده كله وشرعت في التنظيف..
تنهد وظل يتاملها لبرهه شعر بالف غريبه وفي حركه عفويه خلع الجاكيت ومسك احد فوط النظافه واتجه إليها.
نظرت إليه بذهول.... بتعمل ايه..
اقترب وحملها ووضعها بالرخامه.... فشهقت.. قال بابتسامه حانيه ... ساصلح مافسدته. قبل يدها.. اقعدي بقه هانم كده... وشرع ينظف وهيا جالسه لا تصدق منظره فهذا ليس صهيب..
أعد لها مشروب وأعطاه لها رشفت رشفه وابتسمت مد اصبعه ومسح المشروب من علي شفتيها ولمس اصبعه ونظر اليها وهمس.. طعمه حكايه.... ابتلعت ريقها بصعويه اشاحت بوجهها جلست
تشرب نسكافيه تحاول أن تتماسك فهيا بداخلها شىء يخيفها تنهدت تتامله..... انا خايفه منه هو جراله ايه مايرجع يعض فيا.
انتفضت عندما حاوطها فهمس بحنان.... ولا اقدر اعض في القمر. خلاص صهيب جواه بيدق عالاخر.
كانت ترتجف فادارها ومسك يدها ووضعها علي صدره ...جوا ماعتش عايز ياذي الجمال اللي قدامي ده.
تنهدت تحاول أن تبتعد ..... طب سيبني بقه امشي.
اقترب اكثر ورفع يده ومسح المشروب من علي شفتيها برويه.... مش قادر اسيبك ظل يتلمس شفتيها ويقترب برويه عيونه علي شفتيها.
ظلت تنظر إليه وقلبها يخفق بعنف لينتفضا عندما ...
رواية سيد الكبرياء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميفو سلطان
كان صهيب مقتربًا من فلك وهي ساهمة في شرودها، ليقطعهما صوت غاضب يمزق سكون المكان آتيًا من الخارج:
"إيه يا صهيب، أنت سايبني طول اليوم وبتعمل إيه في الفيلا هنا وسايب بيتك؟"
ابتعد صهيب على الفور مذهولًا وغضبه يتصاعد:
"منار، إيه اللي جابك هنا وجيتي إزاي؟"
اقتربت منه بدلال واحتضنته:
"إيه وحشتني، اخص عليك."
أشاحت فلك بوجهها بعيدًا تشعر بغصة مريرة تخنق قلبها.
تابطت منار يديه:
"تعالي بره عايزاك."
شدته ثم توقفت فجأة واستدارت تنظر لفلك باستهانة باردة:
"إيه ده أنت جبتي خدامة جديدة؟ طب اعملي لنا يا شاطرة حاجة نشربها."
شدته ورحلت ومن دون أن تترك له فرصة لرد أو اعتراض.
شعرت فلك ببرودة الغرفة تغزو روحها فجأة فالكلمة جرحت كبريائها، وقفت مقهورة تشعر بغضب يغلي في عروقها:
"خدامة؟ دي آخرتها يا بنت الجيار تخدمي البيه."
مدت يدها شدت الوشاح بعنف من على رأسها:
"ما أنت فعلًا شكل الخدامين، شكلك زفت وال بيه بيشوف ستات بتبرق وأنت قاعدة شكل الغراب وجاية تقولي خدامة وتكلبشي فيه."
كانت تشعر أنها ستنفجر بالبكاء إلا أنها نهرت نفسها بقسوة:
"أنت مخبولة؟ ماله بشكلك عبوشكلك؟ بتفكري فيه ليه أصلًا؟ أهو مع حبيبته وأنت هتترمي قريب تغوري في نصيبه بعيد عنه."
شعرت بوجع ينهش قلبها ونيران الغيرة تكويها بلا رحمة. قبضت على يدها بعنف غاضبة، لم تكن الغيرة نيرانًا تحرقها فقط بل كانت ثقلًا على صدرها يمنع الهواء من الوصول لرئتيها.
كانت تراقب اقتراب منار منه وكأنها تشاهد جزءًا من روحها ينتزع أمام عينيها، وهي التي لم تكن تظن يومًا أنها ستشعر عليه هذا الشعور.
"مالك مقهورة كده؟ ما يغور في داهية يبلعها، هو قال إنه ما عادش بيكرهني وخلاص هيمشيني بس هاقعد شوية عشان عم فكري، خلاص إيه قصتك أنت؟ ما تتعدلي إيه القرف ده؟"
استدارت وكانت ستخرج إلى الحديقة، خفق قلبها بنغزات مؤلمة.
كانت منار تبتسم بدلال وهي تقترب من صهيب في حديقة الفيلا تمسك زجاجة عطر فاخرة بيدها. فلك كانت تراقب من بعيد تشعر بلسعة في قلبها مع كل حركة لمنار.
"إيه يا هوبا مش هتخليني أرشلك من عطري ده مخصوص عشانك، ريحته بتجنن الرجالة."
قالت منار بدلع وهي ترش كمية كبيرة من العطر على صدر صهيب ورقبته ثم احتضنته بقوة، بينما كانت فلك تشيح بوجهها تتمنى لو تختفي من المكان.
ابتعدت منار قليلًا وقدمت له علبة أنيقة:
"ودي هدية بسيطة مني ليك يا حبيبي عشان وحشتني قوي."
ابتسمت ابتسامة عريضة قبل أن تقبله على خده سريعًا لتضيف غصة جديدة لقلب فلك.
صهيب أخذ الهدية بفتور، ابتسامته بالكاد لامست شفتيه وقال بتهرب:
"شكرًا يا منار بس أنا عندي شغل."
تسمرت مكانها فوجدت منار تحتضن صهيب وستقبله، وقفت تشعر بالقهر وما إن لمحها صهيب حتى استدارت مسرعة للأعلى وقلبها يؤلمها بلا سبب.
صعدت للأعلى والمرارة تنهش روحها وتدور في أرجاء الحجرة وقلبها يشتعل بجمر الغيرة.
"نازل بوس وتفعيص، منه لله مش يحترم نفسه دا متجوز، إيه قلة أدبه؟ حرام في حرام عيشته منه لله."
كانت تدور هائجة تفرك في يدها بعنف.
"البت قالعة وبتحسس وهو نازل تفعيص."
نظرت لنفسها في المرآة بقهر:
"ما أنت برضه حلوة وقمر، ال خدامة ال. خدامة في عينها، دا شكل الغراب وملطخة وشها باتنين كيلو بوية."
كانت تحترق:
"أنا خدامة؟ أنا خدامة يا قهرتي."
استدارت بعنف وفتحت دولابها كمن تبحث عن خلاص لقهرها، واختارت قميصًا جميلًا ارتدته ووقفت تتأمل نفسها بزهو جريح:
"أهو قمر والله، مالي؟ مش خدامة خالص."
تنهدت بغصة وشدت القميص بعنف كأنها تستفيق من حلم:
"قومي بلا قمر بلا زفت لابسة إيه منك لله هيقول بتلبسيله وتغريه مصيبة تشيلك بت واقعة. واحد بيحب وهيتجوز مالك أنت؟ هتبقي خرابة بيوت، اتلمي يا بنت الجيار وغوري بعيد."
ثم قامت مقهورة ودخلت الحمام تأخذ حمامًا ساخنًا تهدي الغليان بداخلها.
خرج صهيب إلى الحديقة مشتعلًا:
"أنت إيه اللي جابك من غير ما تستأذني؟"
تصنعت منار الزعل:
"كده يا هوبا؟ اخص عليك، وحشتني قلت أكيد أنت هنا لما ما لقيتكش هناك. كده مش عايز تشوف منار حبيبتك؟"
رد بحدة قاطعة:
"منار، أظن اتكلمنا في الموضوع ده وأنت راضية بعلاقتنا."
تنهدت واقتربت بدلال:
"راضية بيك حبيب والله أي حاجة ليا."
اقتربت منه واحتضنته وهمت أن تقبله. فلمح فلك تنظر إليهم ثم استدارت مسرعة فشعر بالضيق وابتعد عنها مسرعًا:
"منار، من فضلك اتفضلي دلوقتي."
اشتعلت وردت بغضب:
"أنت بتطردني؟ اخص عليك. وبعدين الزفتة الخدامة ما جابتش حاجة نشربها."
احتد عليها بغضب أكبر:
"دي مش خدامة، خلي بالك من كلامك."
بهتت منار من حدته:
"إيه مش خدامة؟ أمال مين دي ومقعدها معاك ليه؟ هو فيه إيه؟"
تنهد وقال باقتضاب:
"منار، فيه أمور شخصية يا ريت ما تدخليش، فاهمة؟"
صرخت بهياج:
"مين الزفتة اللي جوه دي؟ دي آخرتها جايب جربوعة تقعدها في بيتك؟"
هنا نفذ صبره وثار عليها بهياج:
"خلي بالك من كلامك، مش هاسمح عليها كلمة، فاهمة؟"
بهتت هي فصهيب أول مرة يدافع أمامها عن أنثى، هنا شعرت بشيء مريب فتراجعت على الفور فهي تعلمه جيدًا وهتفت بلين:
"كده يا هوبا أهون عليك تزعلني؟"
تنهد وقال ينهي الكلام:
"منار من فضلك، أنا دلوقتي مش في مود أتكلم، بكرة نتكلم."
تنهدت واحتضنته:
"عيوني حبيبي، أنا أقدر أضايقك."
وقبلته ورحلت. إلا أنها كانت تغلي، خرجت هي والغضب ينهشها وذهبت لعصام:
"تعالى عايزاك."
ابتسم وقال بأدب:
"خير يا منار هانم."
تساءلت غاضبة:
"مين الزفتة اللي جوه؟"
ابتسم عصام وقال باستفزاز:
"مين؟ فلك هانم."
شعرت منار بغضب حارق وغامت عيونها من نار غضبها:
"هانم؟ هانم؟ مين دي يا زفت؟"
تصنع عصام الارتباك:
"لا يا هانم. أنا أنا ما أقدرش أقول، أنت عارفة روحي تروح فيها."
أحست بحرق داخلها فهو لأول مرة لا يتكلم:
"عصام، أنت عارف منار مش هتسكت وأظن أنت كنت بتستفاد مني قبل كده."
رد هو بصراحة:
"آه بستفاد أجيب لك أخبار تحركات إنما مواضيع تقيلة أموت فيها."
أحست أن قلبها سيتوقف فصرخت:
"نهار أسود تقيلة إيه يا طين؟ فيه إيه هما عارفين بعض؟ يعني في علاقة؟ يعني آه أكيد أمال مقعدها في حتة ومع فكري يبقى فيه حاجة. مين يا زفت دي؟ ما تسيبنيش كده مقهورة على علاقة."
رد هو بخبث لا يريحها:
"زي كده مش قوي. عمومًا احرسي."
صرخت بجنون:
"عصام اتعدل في ليلتك الطين، أحرس إيه؟ بيحبها لا صهيب ما بيحبش بس زعق لي عشانها يبقى مهمة."
ابتسم عصام بخبث أكبر:
"يعني مش قوي."
نظرت إليه وقالت بسرعة جنونية:
"مليون يا عصام إيه رأيك وتجيب لي خبرها وقصتها."
لمعت عين عصام:
"يا منار هانم مش حكاية فلوس صهيب بيه ممكن..."
قاطعته على الفور:
"اتنين يا عصام ماشي؟ وإلا هاخربها على الكل وأقول له إنك كنت بتجيب لي أخباره."
تنهد وقال:
"طب اديني فرصة أجمع عنها كل معلومات. وأجيبها لك مباشرة هو الموضوع تقيل ربنا يستر عليّ."
كان يعرف عنها كل شيء ولكنه أراد منار أن تأكل روحها فهو يعلم أنها ممكن أن تكون سببًا في خروج فلك من البيت فهي لن تترك صهيب لغيرها وهو وعد فلك أن يخرجها من البيت.
قالت بغضب حارق:
"آخرك أسبوع يا عصام ماشي بقول لك أهو، فاهم؟ ما أقدرش أتحمل دقيقة بعدها عشان أعرف أتصرف."
وتركته وهي تشعر بالغضب تمتمت وهي بتغلي:
"البيه مقعد لي واحدة وقافل وخانس. مين دي؟ هموت. ومخبي ليه؟ أكيد فيه حاجة والحيوان عصام خبث الدنيا أكيد عارف وعارف إني هاموت. أعمل إيه بايت معاها ليه ده؟ لا ما هتحملش أنا لازم أتصرف ده أنا أموتها لو قربت منه ده بتاعي وبروحها تاخده. طب يا صهيب."
وقف عصام سعيدًا:
"هو ده الكلام، تتصرف بقى هي وتخرجها، أنا متأكد إن منار حرباية كبيرة وهتعرف تخلي صهيب يخرج فلك. أسبوع كده وأحدف عليها الحكاية وأزود حبة حبشتكانات بقى تهيج وتخطط وتخرجها. منار جواها غل السنين ما هتسيبش صهيب لحد."
تنهد وابتسم:
"وإلا ولعبت لك يا عصام هتلهف قرشين وتخرج المزة وتاخدها. فلك قمر وطيبة."
صعد صهيب إلى الحجرة فلم يجدها، تنهد وجلس يشعر بالضيق فهي رأته ومنار تحتضنه وتقبله، لم يحب ذلك. كان صهيب قد رأى انعكاس نظرات فلك، كان يشعر بالخزي لأول مرة من نمط حياته القديم. أحس برغبة عارمة في دفع منار بعيدًا ليس لأنها أخطأت بل لأن وجودها لوث الصورة النقية التي بدأ يبنيها في خياله لفلك.
"إيه اللي جاب الزفتة دي؟ وخدامة في عينها دي ست ستها. أنا إيه المصايب اللي بتنحدف عليا دي؟ أعوذ بالله وش فقر ما يعديش يوم إلا ما يتحرق دمي."
تنهد:
"زمانها زعلانة طيب شكلها كان متضايق. باسته عقربة بتبوسني ليه؟ أنا مش طايق روحي."
ظل ينتظرها:
"هي هتبات جوه وإلا إيه فيه إيه؟"
كان يغلي، قام ودق بعض الدقات.
كانت هي قد ارتخت بالداخل وتاهت ونامت على حرف البانيو فقد كانت تريد أن تنام بشدة وغلبها النعاس ولم تسمع صهيب وهو يدق الباب.
شعر صهيب بالخوف فنزل على الفور وأحضر مفتاح الحمام ودخل عليها فوجدها نائمة، كانت ستنزلق بهدوء فاقترب مسرعًا ومسكها من ذراعها فانتفضت وكلبشت فيه برعب وفتحت عيونها:
"إيه إيه؟"
حاوطها بحنان وهمس بنعومة:
"اهدي مفيش حاجة اهدي."
ظلت ساهمة فيه فابتسم لها إلا أنها عادت لنفسها وشعرت بالخجل فغاصت في المياه وانكمشت، فضحك عليها وعلى منظرها.
قطبت جبينها وقالت بحدة:
"إيه أنت داخل ليه كده؟"
هز أكتافه وقال ببراءة مصطنعة:
"لقيتك ما بترديش قلقت عليكي دخلت لقيتك هتتزحلقي في الميه كنت هتغرقي الحق عليا."
تنهدت وقالت بارتباك:
"طب طب اخرج خلاص أنا هطلع."
هز رأسه معترضًا:
"لا يا ستي أخاف تنامي تاني وأنا ما أتحملش يجرى لك حاجة."
تنهدت وقالت برجاء:
"من فضلك اخرج."
إلا أنه استدار وأحضر البرنس واقترب منها فقالت برهبة:
"إيه فيه إيه بتقرب ليه؟"
ضحك هو نظر إليها بخبث:
"مالك خايفة كده مع إنه عادي أشوفك."
مدت يدها وخبطته:
"بكل قلة أدب واطلع بره."
إلا أنه مسك يدها وشدها فصرخت فتعالت ضحكته:
"ما بتتعلميش أنت خالص."
ايدك ولسانك دايما سابقينك.
تنهدت بخوف ورهبة وقالت بخفوت:
"أوعي عيب بقى الله."
مد يده وداعب ذراعها فصرخت:
"ما تبطل بقى وقوم من هنا بغلاستك دي."
كانت غاضبة منه.
رفع حاجبيه:
"يا بت ما تخلينيش أخليكي تقطمي، أنا مش سهل."
نظر لشفتيها:
"وأنتِ عارفة بخليكي تقطمي إزاي."
تنهدت وقالت بنبرة مهادنة:
"طب أوعى بقى."
همس ونظر إليها برغبة أشعلت وجنتيها للون القرمزي:
"بس عايز أقول حاجة."
اقترب منها وهمس وهو ينظر إلى شفتيها برغبة:
"ما كنتش أعرف إن فلك مخبية حاجات تجنن."
قطبت جبينها فمد يده إلى مقدمة صدرها ولمس رقبتها فصرخت:
"يا قليل الأدب يا سافل! اخرج، والله أموتك، أنت كنت بتحضن تحت وطالع تقل أدبك."
ضحك هو وقال باستفزاز:
"ومالك غضبانة كده؟ أجي أحضن فيك يا ناعم أنت؟ إيه يا بت ده؟ مخبية إيه يخرب بيت بياض أمك؟"
صرخت بهياج:
"بره، والله أموتك يا فلاتي يا خمورجي!"
شدها فانكمشت. مسك وجهها فكلبشت في البانيو ونول عليها وهي مشلولة ترتعش برعب. تركت له نفسها خوفًا من أي فعل غدر منه. أما هو فمال عليها ينعم بتلك الشفتين، أحس أنها أصبحت إدمانًا له. وهي لا تتحرك من رعبها.
تنهد وابتعد قليلًا، ركن رأسه على جبهتها وأنفاسه منقطعة. ليبتعد أخيرًا، وجدها في حالة مريعة. ابتسم ولمس شفتيها:
"أيوة كده اكتمي، أنا مراتي تبقى قطة مش حداية بروحين."
بلل شفتيه بتلذذ:
"عسل يا بنت الإيه وأنتِ حمرا كده."
واستدار وهو يدندن:
"بعشق لون شفايفها... كرز وعالبالي أقطفها... بمزح بقلها راح بوسها... هاللفكرة بترجفها."
خرج وجلست هي تشعر بغضب منه:
"قليل الأدب باس تحت لما شعب وطالع يكمل بقلة أدبه. هو انهبل؟ محروم هو؟ بوس فوق وتحت. طيب يا طين والله لأوريك."
قامت ولبست، كانت منهكة وتشعر بالتعب. خرجت فوجدته يوضب الفراش لها، فأشاحت بوجهها وذهبت تمشط شعرها. اقترب وأعطاها كوبًا من اللبن الدافئ وقال بلين:
"اشربي ده. شكلك تعبان."
تنهدت ومسكت الكوب وبدأت تشرب. مد يده إلى رقبتها فتشنجت. تنهد وقال بنعومة:
"اهدي، والله ما فيش حاجة."
وبدأ يدلك كتفيها وهي مغمضة. مد يده ومسك الكوب ووضعه جانبًا. وانحنى وحملها فجأة.
فشهقت وقالت معترضة:
"إيه؟ نزلني، أنت بتعمل إيه؟"
ضمها أكثر لصدره:
"مراتي تعبانة وشايلها."
أشاحت بوجهها وقالت بحدة واستهزاء:
"مراتك؟ مراتك إيه؟ مش الخدامة الجديدة؟"
زفر بضيق ووضعها على الفراش. شدت الغطاء وأعطته ظهرها ونامت. ظل ينظر إليها. تقدم وجلس بجوارها وقال بلين كبير:
"على فكرة أنا قلتلها إنك صديقة."
لم تنطق فأكمل متنهدًا:
"ويعني أنا ومنار اللي بينا مش جد قوي."
ظلت صامتة لا تنطق كانت تغلي من داخلها تكبت نفسها بقوة.
فزفر بضيق فقال بحدة ونفاذ صبر غاضبًا:
"بقولك اللي بينا مش جد."
هنا استدارت بعنف تنظر إليه بغضب:
"وعشان كده نازل بوس وأحضان مش كده؟ ثم أنا مالي بينكم إيه جد وإلا مش جد بتقولي ليه أنت؟"
واستدارت تشد الغطاء بعنف غاضبة.
تنهد واقترب وركن على كتفها، همس بنبرة حانية:
"دي هي اللي قربت أنا ما قربتش والله."
ردت باقتضاب:
"أنا مالي أنت حر بتقولي ليه؟"
أدارها بهدوء، توجه وجهه ومال عليها واقترب منها:
"يعني ما حبش أشوفك مضايقة."
تنهدت وارتبكت من قربه إلا أنها قالت بغضب:
"وأضايق ليه؟ أنا مالي أنا مش حاجة ليك أصلًا."
رفع يديه وداعب وجهها ونظر إليها مبتسمًا وعيونه خرجت منها مشاعر حقيقية رغمًا عنه:
"مين قال إنك مش حاجة؟ ده أنتِ بقيتي أكتر من حاجة."
مطت شفتيها ساخرة:
"ممم واضح بإمارة البوس والأحضان."
رد بضيق متأففًا:
"قلتلك دي هي."
استدارت وشدت الغطاء:
"من فضلك عايزة أنام."
تنهد ومسكها فانفعلت ودفعت يده:
"ما تقوم تكمل سهرك مع الهانم جاي ليه؟ وأبقى كمل بوس قطعت البوس ليه؟"
تنهد بغضب واحتد عليها:
"بقولك إيه؟ قلتلك هي اللي اتزفتت مش أنا."
هبت غاضبة تنظر إليه بحرقة وعيونها تشع نارًا:
"ولما هي اللي اتزفتت سايبها تقرب ليه؟"
وشرعت تقلدها:
"ونسهر ووحشتني.. إيه القرف ده وجاي تقولي مش جد؟ أمال لو جد كنتوا جبتوا عيال؟ ويلا بقى عايزة أنام، روح كمل مع الحداية بتاعتك. كنت قلها أنا مين عشان تسود عيشتك. وال إيه صهيب الشامي. وأنت واقف قدامها مبلول وخايف."
انفعل هو غاضبًا:
"هو مين اللي خايف؟ أنتِ مخبولة؟"
صرخت بهياج وخبطته بعنف على صدره:
"اللي كنت بتحضن فيها وتبوس يا أخويا. ما تستنى أما تتجوزوا بقلة أدبك. إيه كله حرام في حرام؟"
اهتاج من تفكيرها وقال غاضبًا:
"مين قالك إني هتجوزها دي؟ دي صديقة."
رفعت حاجبيها:
"ممم طيب أه ماشي."
واستدارت فمسكها مشتعلًا:
"بقولك صديقة، أنتِ دماغك حادفة شمال ليه؟"
ضمت شفتيها بغضب ثم قالت بحدة:
"ما أعرفش بتكدب ليه؟ كلهم بيقولوا إنكم بتحبوا بعض وهتتجوزوا. خايف من إيه؟ أنا عمري ما هاذيك ولا هقول إني أصلًا ليا علاقة بيك."
هاج وعلا صوته غاضبًا:
"ليه إن شاء الله ما أشبهش أبقى للهانم علاقة؟"
صرخت بجنون:
"أنت مخبول؟ أنت مش قلتلها أصحاب؟ ربنا يشفيك."
تراجع قليلًا وقال متذمرًا:
"أيوة عشان منار ما تحاربش وتسيبني في حالي."
أشارت بيدها كأنها ضبطته:
"أهوه شفت.. يعني بتحبها وتعملها حساب."
لم يعد يحتمل فمسكها بنفاذ صبر:
"ما بطينش على دماغك."
صرخت ودفعته:
"أنت واحد كداب وفلاتي، حد يبوس حد ما بيحبوش؟"
ضحك هو فجأة:
"أنتِ هبلة؟ الراجل ممكن يبوس العفريت طالما هيهيص."
مطت شفتيها بقرف:
"عشان قلة الأدب. روح يا أخويا حضن يلا ما تعتقهاش وخش النار هتفرحوا هناك."
نظر إليها لبرهة وهي تأكل روحها، ابتسم على غضبها فجأة. فصرخت بغيظ:
"أنت بتضحك على إيه؟ أنت إيه الغلاسة دي؟"
ضحك وغمز لها:
"بضحك ع القمر الغضبان. إيه ضايقك أنها باوستني؟"
ابتلعت ريقها ونظرت إليه بارتباك:
"إيه إيه؟ ضايقني؟ أنت بتهبد بتقول إيه؟ أنا.. أنا مالي؟ أنت عبيط؟"
اتسعت ابتسامته:
"لا مش عبيط بس بفهم في الستات والقمر جواه مضايق بس لسه مش عارف مضايق ليه بس أنا عارف."
لوت فمها بسخرية:
"ما شاء الله نبيه. وإيه بقى يا سابق عصرك أضايق ليه؟ بتاع إيه؟"
ربع يديه وقال:
"إيه هتنكري أنك ضايقتي؟"
قامت ونظرت إليه بغضب:
"أضايق بتاع إيه؟ أنا ماليش أضايق."
رد بعفوية:
"إيه مش جوزك؟"
نظرت إليه غاضبة وانفعلت مرة أخرى:
"ولما هو جوزي بتتهبب تبوس ليه؟ أنت إيه فلاتي وخمورجي؟ كله حرام كده؟"
ضحك وقال مشاكسا:
"ما مراتي سيباني من غير بوس."
نظرت إليه بغضب فهتف مهادنًا:
"والله دي هي اللي قربت مني."
قطبت هي وقالت بحدة:
"وأنت تسيبها ليه؟ متعود على قلة الأدب؟"
غمز لها واقترب ينظر لشفتيها:
"لا والله يمين الله مبطل من ساعة المزة ما دخلت شقلبتلي حالي."
ابتلعت ريقها غاضبة:
"من فضلك بقى أما أبقى أغور من هنا أبقى هاتها وحضن براحتك. احترمني. ما فيش ست تتحمل كده حتى لو ما فيش بينا حاجة. أنت قلتلها إيه؟"
تنهد وقال بائن:
"إننا أصحاب."
ردت بغضب:
"طبعًا مستعر من جوازتي مش كده؟ البيه كتير على أي حد مكسوف. بس اطمن أنا مش عايزة جوازتك دي زيك بالضبط، وشوف هأغور إمتى عشان النحنوحة ما تزعلش."
اقترب وشدها إليه:
"بطلي تقولي تمشي دي بتضايق."
قالت قاطبة وملامحها متجهمة:
"ما ده اتفاق. ويا ترى قلتلها إيه بشتغل عندك وإلا إيه؟"
تنهد:
"قلتلك قلتلها صديقة."
لوت فمها:
"صديقة؟"
ابتسم واقترب يلتصق بها:
"إيه؟ عايزاني أقول مراتي؟ والله أقول من بكرة."
دفعته وقالت:
"بطل أنت كداب. مرات إيه أنت لا طايقني ولا عايزني."
اندفع قائلًا:
"مين قال؟"
نظرت إليه قاطبة فشدها إليه فارتعشت فخفق قلبها عندما قال.
اقترب منها فارتبكت:
"ابعد أنت فيه إيه؟"
هتف:
"فيه إن فيه جوا حاجات بتتحرك وحاجات بتفكر."
قطبت جبينها:
"حاجات إيه ديه؟"
مد يده إلى قلبها. هنا نظرت إليه ببلاهة قال بحنان خفق له قلبها:
"فيه إن فلك جواها بيتحرك لصهيب وغضبك ده معناه كده."
هتفت:
"أنت باينك مجنون أنا جوايا حاجات؟"
نظر إليها برغبة ونظراته تأكلها فهتفت:
"بطل أنت بتبصلي كده ليه؟ قليل الأدب ليه؟"
همت أن تبتعد فشدها:
"متأكدة إن ما فيش بينا أي حاجة؟"
هتفت مرتبكة:
"لا ما فيش. أنت عقلك خف إحنا هنسيب بعض قريب."
"ويلا قوم."
هز رأسه بيأس فالكلمة تؤلمه. قام يغير ملابسه وهي تراقبه.
فرأته وهو يزمجر.
"إيه القرف ده؟"
تمتم صهيب وهو يشد قميصه من عند رقبته يشم القميص بقرف. اقترب صندوق قمامة صغير. لم يتردد لحظة، أخرج زجاجة العطر الجديدة التي أهدتها له منار والتي لم يفتحها بعد ورماها في سلة المهملات ببرود تام أمام عيني فلك المتفاجئتين.
"هو فيه إيه؟"
سألت فلك بصوت خافت لا يكاد يُسمع لكن صهيب كان مستغرقًا في اشمئزازه.
"الريحة دي بتخنقني.. ما بقتش أطيقها."
قال صهيب بضيق حقيقي ثم استدار بسرعة متوجهًا إلى غرفته لأخذ حمام:
"ده أنا غرقان في قرف."
بعد فترة وجيزة خرج صهيب من غرفته وقد أخذ حمامًا سريعًا وغير ملابسه. رائحة الصابون المنعشة كانت تفوح منه. مر أمام فلك يمشط شعره وهي تراقبه بغرابة كيف يرمي عطرها وتأفف من عطرها. أنهى تمشيطه ومسك تي شيرته شمه بانتعاش. استدار فرأى وشاحًا بسيطًا من القماش القطني الناعم يبدو أنه سقط من فلك أو تركته هناك.
التقط صهيب الوشاح ببطء قربه من أنفه وبحركة عفوية جعلتها تهتز واستنشق رائحته الهادئة الخفيفة التي لا تشبه أي عطر، إنها رائحة فلك نفسها مزيج من نظافة ولمسة من عطر طبيعي خفيف. ابتسم صهيب ابتسامة دافئة لم يرها أحد من قبل.
لف الوشاح حول رقبته بهدوء وكأنه درع يحميه من أي رائحة أخرى أو تعويذة تجلب له الراحة. أكمل سيره وهو يضع يده على الوشاح يشعر بنعومته وكأنه يمسك بقطعة منها.
"أيوة كده... ارتاحت."
همس صهيب لنفسه وعيناه تعكسان هدوءًا واهتمامًا لا إراديًا بفلك.
فاقترب منها وجلس أمامها:
"نضفنا. أقعد بقى للقمر."
ابتسم بلين وقلبها يرجف تتأمله والوشاح حول عنقه همس:
"طب ممكن أطلب منك طلب؟"
نظرت إليه فقال بعيون راجية:
"ممكن تبقي صاحبتي اللي تغير حياتي؟"
أنا محتاج حد في حياتي آخد رأيه الفترة دي. أنا تعبت من الوحدة وعقلي دايمًا بيروح لبعيد. كنت سهل وحنين، ولما نجحت من صغري اتحولت.
اقترب ومسك يدها: ممكن تساعديني نرجع صهيب تاني؟ أنا مش عايز أكمل جاحد كده، مخنوق والله.
لم يكن صوته حينها صوت صهيب الشامي المتكبر. بل كان صوت طفل تائه وجد أخيرًا مرفأ آمنًا. أمسك يدها وكأنه يمسك بطوق نجاة، وعيناه تقول ما لا يستطيع لسانه الاعتراف به: لا تتركيني لنفسي فأنا أخشى صهيب الذي كنت عليه.
نظرت إليه، تلمست بداخله حنانًا، أحست أنه صادق فقالت: أنت ساعات بتبقى طيب وبتقلب، بأخاف منك.
ضحك هو: أنت بتخافي يا قادرة؟ ده أنت مقطعة لي بدل بالآلاف وساعات بالملايين.
أحنت رأسها وهمست: ما أنت السبب، أنت اللي كنت وحش وقولت حاجات وجعتني.
ابتسم: وأنا بأقولك فداكي أي حاجة.
نظرت إليه بابتسامة فاقتربت ورفعت يدها إلى قلبه وهتفت: يعني هنا ما عادش أي حاجة وحشة ليه؟
تنهد وأحنى رأسه فهو ينوي الغدر بها. شعر بغصة غريبة، تنهد وتجلد: أنت ما ينفعش يبقى ليكي حاجة وحشة عند حد.
مسك يدها وقبلها: خايفة مني ليه؟ بأقولك أهو عايز نبقى أصحاب، أحكيلك عن كل حاجة، أستشيرك.
رفعت حاجبيها: أنت تستشيرني أنا؟
ابتسم: أيوه، عشان أنت ليكي روح ناعمة حنينة، وأنا ما عنديش. أنا نفسي أحس زي ما قولتي، نفسي أبقى آدم يا فلك.
رجف قلبها من الكلمة وهزتها، فهمس: ما ترفضيش طلبي، عايزك تصلحي كل عيوبي، ممكن؟
نظر إليها بمشاعر حانية.
وبرغم حنان كلماته، شعرت فلك برعشة خفية لا تدري مصدرها. قلبها كان يرق لكن عقلها كان يهمس خلف كل تلك المشاعر: هل هذا الحلم حقيقة أم فخ؟
وبين حنين القلوب وشكوك العقول، تظل فلك معلقة بين جنة الوعود ونيران الظنون. فهل يغلب صدق المشاعر أم تنتصر قسوة الواقع؟
رواية سيد الكبرياء الفصل العشرون 20 - بقلم ميفو سلطان
كان صهيب ينظر إليها وكأنه يطلب منها النجاة، يرجوها أن تكون له الصديقة التي تغيره وتجعله "آدم" جديدًا.
سرحت فلك قليلًا في عينيه ثم ابتسمت وقالت برقة:
"وأنا موافقة نبقى أصحاب.. بس توعدني تسمع كلامي وما تزعلنيش أبدًا. وأنا هخليك أحسن واحد في الدنيا دي كلها."
همس بسعادة طفولية:
"يعني هتعلميني حاجات حلوة؟"
ابتسمت بحنان ومدت يدها برفق ووضعتها فوق قلبه وقالت:
"هعلمك هنا.. إن كل حاجة في الدنيا ممكن تبقى حلوة."
في تلك اللحظة شعر صهيب برعشة في قلبه وكأنه يولد من جديد. فاندفع نحوها وحملها فجأة وهي تصرخ بضحكة صافية. وظل يدور بها كالمجنون وهو يهتف بسعادة:
"يا ناس.. يا عالم.. القمر وافق هنبقى أحلى أصحاب في الدنيا وهتعلمني الحلو كله."
كان يدور بها وهي تتشبث به وتضحك من قلبها:
"نزلني يا مجنون.. إيه اللي بتعمله ده."
تنهد بعمق وهو يرفعها من خصرها ويحتضنها بعينيه قبل يديه وقال:
"لا بقى.. أنا خلاص قررت إني مش هشيل غير أصحابي."
قالت فلك وهي تداري غيرتها:
"يعني كنت بتشيل صاحبتك التانية دي بنفس الطريقة."
تنهد صهيب بضيق:
"يادي السيرة اللي تقفل النفس بتجيبي سيرتها ليه دلوقتي واحنا في اللحظة الحلوة دي."
تنهدت بارتباك وخوف عليه:
"طب خلاص مفيش بس بالله عليك ماتشيلهاش تاني أبدًا عشان حرام وما ينفعش."
ضحك صهيب وغمز لها بمشاكسة وقال:
"يبقى تخافي علي نفسك عشان ناوي أهريكي شيل وبوس. ماهو مش حرام."
تململت بين إيديه بكسوف وحرج وقالت:
"بطل قلة أدب بقى ونزلني."
ضحك وشدها إليه أكثر وبقي قريب منها قوي وقال:
"هو البوس قلة أدب برضه؟ دا مجرد تسخين للقلب بصي مش إحنا خلاص بقينا أصحاب."
هزت رأسها بقلة حيلة وقالت:
"آه أصحاب."
هنا شدها عليه فجأة فارتبكت من قربه وقالت:
"فيه إيه يا صهيب مالك."
همس بصوت خفيض وعيناه تغرقان في سحر عينيها:
"ماهو أنتِ صاحبتي ولازم تساعديني ومادام مش عايزاني أبوس بره يبقى أبوسك أنتِ أهو كله بثوابه عشان أبطل أمشي غلط."
ارتجفت بين ذراعيه ودفعته بعيدًا عنها وهي تحاول التقاط أنفاسها:
"بطل قلة أدب يا صهيب."
قهقه بصوت عال واقترب منها بنظرة تحد ومشاكسة وقال:
"يبقى خلاص أنتِ اللي اخترتي هروح أبوس بره بقى."
رمقته بنظرة غاضبة مشتعلة وقالت:
"صهيب اتلم بجد عيب بقى الله."
جذبها نحو صدره بقوة مرة أخرى وقال:
"طب بوسة واحدة بس ماهو الصحاب بيعملوا كده عادي."
تنهدت بضيق وضيق من محاصرته وقالت:
"لا مفيش كلام من ده خالص بين الصحاب."
باغتها بضحكة خطفت روحه ووضع شفتيه على خدها في قبلة سريعة وقال:
"لا أنا صحوبيتي غير ومفضوحة وبحب أبين مشاعري."
كانت تضطرب بين يديه وتحاول الفرار فضحك وقال:
"يا بت اهدي دا أنا لسه هدور بيكي وأهريكي بوس. سيبيني آخد تصبيرة تخليني أصمد قدام الشيطان أنا واحد فلاتي ولسه بتعلم أسيب الرذيلة. ساعديني بقى عشان تاخدي فيا ثواب."
استسلمت للحظة وكتمت أنفاسها وهي تشعر بلمسات أصابعه الحانية تتلمس خدها برقة فتنهدت بضعف:
"بطل بقى أنت لسعت."
هتف وهو يحاول كبح رغبته:
"لا بحاول أكبت الشيطان اللي بيوزني أنزل أروح لمنار أهريها بوس."
اشتعلت الغيرة في صدرها فانفعلت واستدارت لترحل لكنه حاوطها بذراعيه كالسور فقالت غاضبة:
"تاني تاني زفتة تاني."
ضحك صهيب وهو يراقب اشتعال غيرتها وقال بنبرة مستفزة زادت من حنقها:
"أنتِ غضبانة ليه؟ دا حتى هتشغلني عنك."
تنهدت بضيق نظرت إليه برجاء وهمست بلين:
"بطل والنبي ماشي.. بطل يا صهيب حرام على فكرة."
جذبها إليه بقوة أكبر وهتف وهو يغرق في سحر ملامحها:
"عايزاني أبطل؟ أنتِ بس تؤمري أبطل إيه أنتِ بس تقولي وأنا من إيدك دي لإيدك دي."
تنهدت بخجل شديد وقالت بصوت خفيض:
"بطل تبوسها.. ماشي؟"
رفع وجهها بيديه حتى التقت عيناهما:
"عيوني.. القمر يؤمر وبس."
اقترب وطبع قبلة رقيقة على خدها ثم همس:
"إيه تاني؟"
اندفعت بعفوية طفولية وقد غلبتها غيرتها:
"وماتحضنهاش وماتلمسهاش خالص."
انفجرت ضحكاته من قلب صادق وقال:
"هعمل سلوك شائكة.. عيوني أنتِ بس تؤمري يا مز أنتِ ها.. طلعت مؤدب أهو وبسمع الكلام يبقى ليا هدية؟"
نظرت إليه بابتسامة صافية فاقترح بلهفة:
"بكرة نقضي اليوم بره مع بعض كله."
تنهدت وقالت معترضة وهي تفكر في واجباتها:
"فين؟ وهنسيب عم فكري؟"
رد عليها بنبرة رجاء حارة:
"هو يوم واحد عشان خاطري. إلا منار قافشة فيا عايزة تقضي اليوم ومش هتعتقني بقى وهضعف و.. أنا لسه بقى بنعدي أهو."
ردت مسرعة خوفًا من تراجعه:
"خلاص خلاص هنروح بكرة.. فين بقى؟"
سألها بابتسامة حانية وهو يرى حماسها:
"عايزة تروحي فين؟"
ابتسمت وظلت تفكر للحظات ثم قالت بعيون لامعة:
"نفسي أروح الملاهي ماشي من ساعة بابا ما مات مارحتش."
تنهد صهيب وهز رأسه بسخرية من حاله:
"على آخر الزمن صهيب هيروح الملاهي زي العيال."
أطرقت برأسها وقالت بلين وخيبة أمل بسيطة:
"طب خلاص بلاش شوف أنت وأبقى قولي."
استدارت لترحل فشدها إليه من جديد وحاوطها بذراعيه:
"أشوف إيه القمر بس يفكر وأنا أنفذ.. ملاهي ملاهي."
اتسعت ابتسامتها واندفعت بصدق تحتضنه وهتفت بعفوية:
"أنت بقيت طيب قوي.. أنا مبسوطة قوي."
حاوطها بذراعيه وشعر بقلبه يرتجف. كان سعيدًا من أعماقه برؤية سعادتها. وبأنها في قربه لم تعد تشعر برهبة، بل أصبحت تتصرف معه بتلقائية بدأت تذيب أسواره.
ابتعدت عنه بخجل وقالت بصوت ناعس:
"أنا هنام بقى خلاص مش قادرة.. تصبح على خير."
ذهبت إلى الفراش فاقترب منها ودثرها بالغطاء بحنان وقبل وجنتها قبلة هادئة فابتسمت وهي مغمضة العينين واحتضنت وسادتها وغرقت في نوم عميق وعلى وجهها ملامح راحة لم تعرفها منذ زمن بعدما زال النفور بينهما.
ظل صهيب جالسًا بجوارها يراقب وجهها السعيد وقلبه يخفق بشدة لا يفهم سرها. مد يده يداعب خصلات شعرها برقة وهي تبتسم في نومها بين الحين والآخر. ارتجف قلبه بشدة عندما سحبت يده دون وعي واحتضنتها بين يديها وهي نائمة. شعر بنبضه يتسارع وهو يتأمل جمال فعلتها وكأنها وجدت في يده الأمان.
ظل فترة يتلمس وجهها بحنان حتى استيقظ عقله فجأة لينغزه بقسوة:
"أنت بتعمل إيه.. أنت اتجننت؟ أنت مالكش تقرب منها أنت بتسعى لحاجة واحدة.. مش صهيب الشامي اللي يترفض من أي حد خد قلبها وعرفها إن صهيب مايترفضش لا.. دا يتمنوا قربه."
قام من جانبها وفي رأسه صراع مرير ألف حوار وحوار ما بين مشاعره التي بدأت تميل نحو هذه الجميلة وبين خطته الشيطانية بأن يكسر قلبها.. وهي التي لا تستحق منه ذلك أبدًا.
في الصباح استيقظت فلك وظلت جالسة في فراشها تسترجع أحداث الليلة الماضية وكيف تبدل حاله وأصبح حنونًا بل ويريدها أن تسانده. ابتسمت لنفسها وهي تهمس:
"ربنا يهديك من جواك كويس وأنا مش هسيبك لنفسك."
دخل صهيب على فلك التي كانت قد انتهت من ارتداء ثيابها ووقفت تتزين أمام المرآة تاركة شعرها ينساب بحرية على ظهرها. وقف يتأمل سحرها بهدوء إلا أن غيرة خفية بدأت تزعجه من فكرة أن يرى الغرباء هذا الجمال. اقترب منها بخطوات واثقة وقال بنبرة دافئة:
"يا صباح الجمال."
ابتسمت له في المرآة وهمست:
"صباح الخير."
اقترب أكثر وطبع قبلة رقيقة على خدها وقال:
"طول ما أنتِ جنبي هشوف الخير كله."
قالت بسعادة:
"يلا بقى نلحق النهار من أوله."
شدته من يده ليتحرك لكنه لم يستجب وظل واقفًا مكانه. فنظرت إليه بغرابة وجدته يقترب منها ومد يده وبدأ يمسح حمرة خدودها بأصابعه.
فابتعدت بتفاجؤ لكنه قال بهدوء:
"أنتِ مش محتاجة حاجة جمالك مش محتاج ألوان."
ثم مد يده نحو شفتيها يمسح الزينة عنهما.
فارتجفت من لمسته وابتعدت وهي تهتف بارتباك:
"طب هشيلهم أنا."
اقترب منها مرة أخرى وهي تقف أمام المرآة تحاول إزالة ما تبقى من زينة وهمس عند أذنيها بصوت رخيم:
"فيه طرق تانية تحبي أعملهالك زي ما بتعلميني."
رفعت عيونها إليه في المرآة فأدارها لتواجهه ونظر إلى شفتيها بعمق وقال:
"بيتمسح بكذا طريقة."
وغامت عيناه برغبة واضحة وهو يتأمل وجهها.
تصاعدت الدماء في وجهها وشعرت بنبضاتها تتسارع فابتعدت بارتباك وقالت:
"لا أنا خلصت خلاص."
ابتسم صهيب ومد يده أحضر ربطة شعر وأمسك خصلاتها وربطها بإحكام قطبت جبينها. وقالت:
"فيه إيه."
تنهد وقال بامتلاك:
"مابحبش تفرديه بره."
قطبت جبينها وقالت:
"ليه ماله دا حتى النهاردة كويس أهو ومش ملعبك."
ابتسم وقال وهو يقبل جبينها:
"هو على طول يهبل مش النهاردة بس بس أنا حابب كده ممكن."
تنهدت بقلة حيلة وهزت رأسها فمسك يدها وقبلها بحب وشدها خلفه ونزل وركب السيارة.
همت أن تركب بجواره ليجد الباب الأمامي انفتح فجأة وركب فيه فكري. فانصعق صهيب وقال بذهول:
"عم فكري أنت رايح فين."
هتف الرجل بعفوية وتلقائية:
"جاي معاكم الملاهي."
قطب صهيب جبينه وقال بضيق مكتوم:
"إيه جاي فين الملاهي أنت جاي معانا."
هتف فكري بحزن مصطنع:
"إيه يا بني بلاش أهوي على روحي مش عايز آجي خلاص."
واستدار لينزل من السيارة.
إلا أن فلك أمسكت يده بسرعة وقالت:
"لا أنت بتقول إيه دا أنت تنور الدنيا."
ونظرت لصهيب نظرة غاضبة تلومه على أسلوبه.
كتم صهيب أنفاسه وشعر بالغيظ يأكله فهو كان يخطط لينفرد بها طوال اليوم. رزع الباب بعنف وهم أن يندفع بالسيارة وإذا بسيارة أخرى تستوقفه فجأة فتح عيونه بصدمة حين وجد أدهم ينزل منها ويأتي مسرعًا وهو يهتف بمرح:
"أخص عليكم كنتوا هتسيبوني."
نظر صهيب مصعوقًا وقال بنبرة حادة:
"أنت رايح فين بروح أهلك."
قفز أدهم بسعادة إلى المقعد الخلفي ليركب بجوار فلك وهتف بمرح:
"إيه يا بني مش رايحين نتفسح أنا ماصدقتش لما عم فكري قالي صهيب الشامي يروح ملاهي دانت طلعت مسخرة."
انفعل صهيب بشدة وصرخ فيه:
"ماتحترم نفسك إيه اللي جابك هو أنا كنت دعيتك هيا رحلة للقناطر ماتنزل تغور جاي ليه أنت إيه القرف ده."
قاطعته فلك بلهجة لائمة لتهدئة الموقف:
"إيه يا صهيب عيب كده."
استدار أدهم نحوها بابتسامة عريضة وأمسك يدها وقبلها بعفوية وقال:
"قوليله يا نصيرة الغلابة."
هنا اشتعل صهيب من الغيرة واستدار بلمح البصر وضربه في كتفه بقوة ثم جذب يد فلك من بين يديه بعنف وهتف بعيون تشع نارًا:
"ايدك لاشقك نصين وانزل غور اركب عربيتك."
تدخل فكري مقاطعًا ببرود:
"ماتسيبه يا بني نروح كلنا دا حتى اللمة حلوة بالصحاب."
هتف أدهم وهو يفرك كتفه بغضب واستياء:
"عيل بومة أعوذ بالله."
ظل صهيب ضاغطًا على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت قفلات أصابعه والغيظ يأكله من الداخل. وبينما يهم بالتحرك لينهي هذا الموقف رأى منار تنزل من سيارتها وهي تتمايل بدلال وتنادي عليه بصوت عال. فصرخ بصوت هز أرجاء السيارة من شدة الهياج:
"مين اللي جاب دي."
قال فكري ببراءة وهو يغادر مقعده:
"إيه يا حبيبي.. يعني نروح ونسيب حبيبتك؟ أنا هنزل عشان تركبوا جنب بعض."
وغمز له بخبث:
"أهو يا عم.. ربنا يسعدكم."
نظر صهيب إلى فلك في المرآة فاشتعل قلبه غيرة عندما وجدها انكمشت على نفسها وأشاحت بوجهها بعيدًا بكسرة. أحس وقتها برغبة في الفتك بهم جميعًا.
في تلك اللحظة دخلت منار السيارة وقبلته وهي تهتف بسعادة:
"مش مصدقة روحي.. هوبا هيودينا الملاهي."
كانت العيون كلها تراقب صهيب وهو يضغط على المقود بغضب حارق وصمت مخيف، بينما فكري يرمقه بخبث وانتصار وقد جلس بجوار فلك وهتف:
"اتأخري يا فلك.. الزقي شوية في أدهم أنا مخنوق هنا."
انفجر صهيب وصرخ في أدهم:
"انزل يا طين اركب عربيتك منك لله."
رد أدهم ببرود مستفز:
"ولاااا.. اكتم بقه وعدي الليلة.. عايزين نتبسط."
أمسكت منار يد صهيب وقالت بدلال:
"والنبي يا هوبا ماتنكد علينا."
ليعقب فكري بتهكم:
"اسمع كلام مزتك يا حبيبي."
صرخ صهيب بحدة ونفاذ صبر:
"ماتبس بقه الله!"
رد فكري بذهول مصطنع:
"ماتبس إيه؟ فيه إيه؟"
لكن صهيب كتم بركانه واندفع بالسيارة كالإعصار. كانت منار لا تتوقف عن الثرثرة وهو لا يحيد بنظره عن المرآة يراقب فلك التي ترفض النظر إليه. بينما بدأ أدهم يداعبها ويمازحها مما جعل صهيب يشعر أن الدماء تغلي في عروقه وأن احتماله قد نفد.
وصلا أخيرًا إلى الملاهي ونزل صهيب ورزع الباب بعنف وغيظه يتصاعد. نزلت فلك وهي تسند فكري الذي تأبط ذراعها بقوة وقال:
"اسنديني يا بنتي."
وكأنه تعاهد ألا يتركها لصهيب لحظة. بينما كلبشت منار في ذراع صهيب الذي تمنى لو يصرخ فيها يبعدها. فقد كان يمني نفسه بيوم هادئ يتقرب فيه من فلك بعدما بدأ قلبه يميل لها بصدق حتى لو كان لا يزال يخفي خلف ذلك القرب خطته القديمة.
ظلوا يتنقلون بين الألعاب وصهيب واقف كتمثال من نار لا يشارك في شيء يكتفي بمراقبتهم بغل. جلس بجوار فكري الذي نظر إليه وقال:
"أنت قاعد ليه؟ ماتقوم تلعب معاهم."
هتف صهيب بصوت مخنوق من الغيظ:
"ممكن تسيبني في حالي بقه؟ وعدي اليوم الطين ده على خير!"
رد فكري بتمثيل متقن:
"أخص عليك.. كلنا فرحانين أنت مالك بومة كده؟"
ضحك أدهم ساخرًا وقال:
"طول عمره بومة يا عم فكري."
اقتربت منار بدلالها المعهود وقالت:
"هوبا تعال اركب معايا اللعبة دي، أنت قاعد ليه؟"
تنهدت فلك وشعرت بضيق وحرقة في صدرها فاستأذنت وقالت:
"أنا هروح أجيب حاجة وأرجع."
رد صهيب بحدة وهو ينظر لمنار التي تلتصق به:
"عندي صداع خدي الحلوف ده واركبي وحلو عني."
تنهدت منار بضيق وذهبت مع أدهم. أما هو فانتفض ليلحق بها فورًا فهتف فكري بمكر:
"رايح فين؟ استني أنادي لأدهم ومنار يروحوا معاك."
صرخ صهيب بانفعال شديد:
"عارف لو ناديت لزفت هقتلهولك عشان تنبسط ماشي؟ اعتقني بقه."
تركهم وذهب مسرعًا يبحث عن فلك في كل مكان.
بينما فكري يضحك خلفه ويقول لنفسه:
"أيوه كده انكوي عشان توصلها عيل أهبل وربنا."
وجدها صهيب واقفة تشتري غزل البنات وتجلس وحيدة تأكله وهي غارقة في عالم آخر. كانت تحدث نفسها بحزن:
"مش قادر يبعد عنها. أكيد هو اللي جابها ماهو بيحبها. ربنا يسعده.. بس قلبي بيوجعني ليه؟"
تنهدت بعمق.
وفجأة أحست بيد دافئة تلمس يدها فانتفضت بذعر هتف صهيب بهدوء ليريحها:
"إيه براحة.."
تنهدت وقالت والدموع في عينيها:
"معلش كنت سرحانة."
ثم مدت يدها بقطعة من غزل البنات وقالت:
"تاخد؟ جميل قوي وطعمه مسكر."
ابتسم صهيب وأخذ منها قطعة وهتف:
"ماكلتوش من سنين."
ابتسمت فلك بحزن وقالت:
"لا أنا بقه كل أما ببقى مهمومة بآكله بيخليني أنسى أي حاجة."
تنهد صهيب وهمس بنبرة حنونة:
"يعني أنتِ دلوقتي مهمومة ليه طيب؟"
ارتبكت فلك وحاولت مداراة وجعها:
"هاه؟ لا مفيش."
التصق بها أكثر وقال وهو ينظر في عينيها:
"هتخبي على صاحبك؟"
ضحكت بمرارة وقالت:
"مفيش صدقني."
تنهد وقال:
"مع إني مش مصدقك بس هنعديها."
سألته فلك لتهرب من نظراته:
"أنت مالعبتش حاجة النهاردة ليه؟"
هتف بغيظ:
"عشان مش طايق روحي، وهو يوم هباب."
تنهدت وقالت بأسف صادق:
"آسفة إني جبرتك أنت من امبارح ماكنتش عايز تيجي بس ليه تيجي على نفسك؟ إحنا آه أصحاب بس برضه ماتضايقش نفسك عشاني."
هم صهيب أن يتكلم ويشرح لها أن ضيقه بسبب الذين يشاركونه وجودها. فإذا بمنار تقتحم خلوتهما وتحاوطه بذراعيها وتقول بوقاحة:
"إيه يا هوبا؟ سايبنا وقاعد مع.. مش فلك برضه؟ إيه أنا زعلانه منك تعالي بقه صالحني."
ولمست شفتيه بدلال أمام عيني فلك.
ابتسمت لها فلك برسمية مصطنعة وقلبها يتمزق. ثم قامت وهي تشعر بنار تحرق صدرها. أحست فجأة أنها غريبة في هذا المكان. فعادت إلى فكري الذي أدرك سبب حزنها بمجرد رؤية وجهها المنطفئ.
فابتسم وقال:
"إيه يا حبيبتي حد ضايقك؟"
تنهدت وقالت بكسرة:
"لا يا عم فكري أبدًا."
ونظرت بعيدًا صوب صهيب الذي كان يحاول بيأس التخلص من منار الملتصقة به. تنهدت وقالت لنفسها بقهر:
"أنتِ زعلانة ليه أنتِ عقلك خف؟ دي حبيبته وبتدور عليه ومن حقها ماتسيبوش.. صهيب حقها هي."
قامت فلك تدور في المكان بمفردها تحاول أن تزيل تلك الخنقة التي كتمت أنفاسها وسط صخب الأضواء وضحكات الناس التي لم تعد تشعر بها، وكأنها في معزلة عن كل هذا الفرح.
كان الزحام شديدًا عند منطقة العروض التي كان قد تخلص بمنار بإعجوبة فاستغل صهيب الفرصة وبحركة سريعة جذب فلك من وسط الزحام ودخل بها خلف ممر ستائر العرض الكبير. وضع يده على فمها برفق وهي تشهق وهمس في أذنها:
"هشش.. لو نطقتي هيلاقونا. أنا ما صدقت تهت منهم."
كانت أنفاسه قريبة جدًا وهمس بهيام:
"أنتِ عارفة إنك طالعة زي الملاك النهاردة؟ الملاهي نورت بيكي."
بدأت فلك تبتسم بخجل وتسترخي بين يديه لكن فجأة سحبت الستارة بعنف وظهر وجه أدهم وهو يضحك بصوت عال:
"قفشتكوا بتلعبوا استغماية ولا إيه عم فكري قالب الدنيا وبيقول صهيب خطف البت."
صهيب في سره:
"يا رب صبرني عشان ما أقتلوش دلوقتي."
اقترب صهيب كي يدفعه بغضب لم يعد يحتمل ظهر فكري من العدم ووضع يده بينهما:
"انتو فين بتختفي يابني فجأة خلينا مع بعض كده عزوه وروح هاتولي معاكم واحد كانز يا ولاد.. وأنت يا صهيب روح هات ميه لـ منار أصلها شرقت من كتر الصراخ."
صهيب بغيظ:
"تشرب ميه نار يا عم فكري.. مش هتحرك من هنا."
فكري بخبث:
"جرى إيه يا صهيب مش دي ضيفتك برضه؟ عيب تسيبها عطشانة. قوليلو يا فلك."
التي أحنت رأسها على الفور.
اضطر صهيب للذهاب وعندما عاد وجد فلك وأدهم يجلسان على مقعد خشبي يتبادلان تذوق نكهات الآيس كريم فكاد يلقي زجاجة المياه في وجه منار التي ركضت نحوه والتصقت به وجلس هو يغلي من منظر انسجام أدهم وفلك. تزحزح فكري بجواره وقال بلين:
"ربنا يوفق."
التفت إليه بعنف مشتعل:
"هو إيه اللي ربنا يوفق."
ابتسم فكري:
"نفسي يا صهيب أفرح بيك بقه وكمان بالواد أدهم ماهو إبني برضه وأكيد عينه برضه جت علي حد."
رد صهيب بحدة:
"لا ماجتش هاه ماجتش ولو جت هفختهاله وهتفرح بيه قوي لما أقلبهولك أعور."
هز فكري رأسه:
"أنت بقيت غريب قوي."
ضمت منار إليهم وبدأت تثرثر وهو يشعر أنه دخل الجحيم وعيونه تشع نار على أدهم وفلك.
لم يحتمل صهيب فاتجه إليهم.
ادعى صهيب أن هاتفه ضاع وطلب من أدهم ومنار وفكري أن يبحثوا عنه عند منطقة المطاعم بينما هو سيذهب مع فلك للبحث عنه عند البحيرة الصناعية.
سحبها من يدها بعيدًا دون أن يعطي لهم فرصة واتجه بها بعيدًا.
قالت هي بحزن:
"دا غالي قوي يا رب نلاقيه."
ظل يبحث وفجأة أخرجه من جيبه:
"أهه لقيته."
ابتسمت واقتربت ومسكت يده بسعادة:
"الحمد لله يا رب تعالي نفرحهم."
مسكها بسرعة مندفعة:
"لا استني تعالي بس نقعد أصلي هبطان دقيقتين بس."
ابتسمت.
وجلسوا على مقعد خشبي منعزل تحت شجرة ضخمة الإضاءة كانت خافتة وصوت الموسيقى يأتي من بعيد.
نظر صهيب لعينها طويلًا وساد صمت لم يقطعه إلا دقات قلبه. مد يده ليزيح خصلة شعر تمردت على وجهها وقال بصوت خفيض ودافئ:
"فلك.. أنا أول مرة أحس إن الملاهي مكان حلو.. مش عشان الألعاب أول مرة أشوف الفرحة في عينيكي. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس تفضلي تضحكي كده.. أنا محتاجك جنبي يا فلك بجد محتاجك."
اقترب منها أكثر وشعرت فلك برعشة تسري في جسدها لم تبتعد بل أطرقت برأسها بخجل فرفع وجهها بيده برفق وهو يهمس:
"أنا مش فلاتي زي ما بيقولوا.. أنا بس كنت تايه وبعيد عن ربنا واهوه وأنتِ اللي لقيتيني. ومشتاق تعلميني الحلو إللي جوا قلبك كله."
رفع وجهها أنامله يداعبها:
"بس أقعد أبصلك أهدى وأنسى أي حاجة وحشة بالدنيا أنتِ بتهدي جوايا بتخليني حد عايز يبقى حاجة حلوة. والأكثر عايزك تفرحي بيا إني أبقى زي ما قولتي آدم.. اقترب أكثر وهمس نفسي أبقى آدم يا أحلى حوا."
تشابكت عيونهم.
مال برأسه ببطء شديد وعيناه معلقتان بشفتيها كان المسافة تتلاشى تمامًا وأغمضت فلك عينيها باستسلام.. وفجأة.
باااااااااااااااخ
صرخة مدوية هزت المكان فقفزت فلك برعب وابتعد صهيب وهو يسب ويلعن. فأدهم يقف ببرود:
"اتخضيت صح اتخضيتو. بتعملو إيه بقه لقيتو التليفون؟"
هنا قام صهيب وكور يديه هم أن يخبطه، سمع فكري تعكز منار:
"يا صهيييييب شوفتك يا واد وأنت قاعد تحت الشجر وسايبنى ندور لما نفسنا اتقطع."
صهيب وقف وهو يشتعل غضبًا ينهج بشدة وهم يتأملونه وهو يشعر أن عروقه ستنفجر من غليانه وهو لم يرى لحظة واحدة تسعده منذ أن دخل ذلك المكان.
اقتربت منار:
"لقيته يا هوبا الحمد لله دانا كنت أموت دانا عليه رسايل ماتتعوضش يا بيبي."
ابتلعت فلك ريقها فقال فكري:
"طب يلا روحي خدي صهيب هاتولي كانز."
فصرخ صهيب بحرقة:
"مانا لسه جايب زفت."
نظر فكري بحزن:
"طب يابني خلاص حقك عليا."
شعر بالحرج:
"لا مش قصدي خلاص هجيب."
واستدار وتلك القراضة لا تفارقه.
بدأوا يلعبون ويتناوبون على الألعاب وصهيب يستميت ليشد فلك بحوارات بلا جدوى. أتوا أمام لعبة النيشان رأت فلك دبدوبًا كبيرًا في إحدى ألعاب النيشان لمعت عيناها طفولية. انتبه صهيب فورًا وقال في نفسه:
"دي فرصتي أبهرها."
خلع جاكيته ومسك البندقية.
قبل أن يرفعها.
اندفع أدهم ووقف بجانبه:
"وسع يا صهيب أنت نظرك ضعيف من السهر.. اتفرجي يا فلك على القناص."
بدأ صهيب يصوب بغل وهو ينظر لأدهم وكلما جاء ليطلق قامت منار بجذب ذراعه:
"هوبا والنبي خايفة من صوت الضرب. بلاش اللعبة دي."
أطلق صهيب الطلقة فجاءت في الهواء بعيدًا تمامًا بينما أدهم أصاب الهدف. فصرخ:
"أوعي الوحش مافيش غيري هنا."
وأخذ الدبدوب وقدمه لـ فلك:
"اتفضلي يا ست البنات."
صر صهيب على أسنانه وهو يرى ابتسامة فلك لأدهم وكان سيحطم المنصة على رأس أدهم لولا أن عم فكري سحبه من قفاه:
"تعال يا صهيب قعدني على الكرسي ده السكر علي وخايف أدوخ."
وقف متسمرًا يغلي وفلك تضحك مع أدهم فقال:
"فكري مالك يابني وشك أحمر كده إنت تعبان."
كان ساهما فيهم فشده فكري فصرخ:
"ايه.."
ثم اعتدل على الفور وقال:
معلش سرحت. تعالي حبيبي أقعّدك.
وسار بفكري بعيدًا وهو على شفير الهاوية.
استمر الحال هكذا، وكلما حاول الاقتراب منها يجرّه فكري بحجة التعب. كلما ظن أنه سرق دقيقة من الزمن معها، ظهر له (الثلاثي المرح) كأنهم قدره المحتوم.
أثناء السير في زحام الملاهي، تعمّد صهيب أن يسرع بخطواته ليسبق الجميع مع فلك، جذب يدها بخفة.
صهيب: تعالي نركب العجلة الدوارة لوحدنا، فوق.
هزّت فلك رأسها بموافقة خجولة، كانت هي أيضًا تتمنى لحظة معه، لكن بمجرد وصولهما للمنصة وجدوا أدهم وفكري ومنار خلفهم مباشرة.
منار: الله! فكرة تجنن يا هوبا. كلنا نركب في كابينة واحدة عشان اللمّة تحلو.
صهيب بصوت مكتوم: الكابينة بتاخد أربعة بس يا منار. اركبي أنتِ وأدهم وعم فكري في واحدة.
فكري ببراءة: لا يا ابني. أنا بخاف لازم أركب جنبك وأمسك في إيدك. وأدهم ومنار وفلك يركبوا مع بعض في اللي ورانا.
انتهى الأمر بصهيب جالسًا بجوار فكري ومنار في كابينة، وهو يراقب من النافذة الكابينة التي خلفه حيث فلك تضحك مع أدهم. فظل يغلي على وشك أن يضرب رأسه في زجاج الكابينة من الغيظ.
وبينما كانت الكابينة ترتفع بهم في سماء الملاهي، وقعت عين فلك من فوق على منصة بعيدة تتلألأ تحت أضوائها عروسة حريرية تخطف الأنفاس. فظلت عيناها معلقتين بها حتى نزلوا للأرض. لم يفت صهيب تلك النظرة، وبمجرد أن وطئت قدماه الرصيف، سحبها متجاهلًا نداءات الباقين، واتجه مباشرة صوب ذلك التحدي الذي سلب لبّها.
توقفوا أمام منصة لعبة صعبة جدًا، كانت عبارة عن حبل سميك متدلٍ من ارتفاع شاهق، وفي نهايته عروسة رائعة الجمال مصنوعة من الحرير والدانتيل الأبيض، تشبه الأميرات في قصص الخيال، وكانت بعيدة ومنالها شبه مستحيل.
ظلت فلك تنظر إليها بإعجاب طفولي وعيناها لامعتان وابتسامة رقيقة ارتسمت على وجهها. لاحظ صهيب نظرتها فاقترب منها وهمس.
صهيب: عجبتك يا فلك؟
أومأت برأسها دون أن تنظر إليه وقالت بصوت خافت: جميلة قوي يا صهيب، شكلها رقيق، بس اللعبة دي صعبة قوي، مفيش حد بيعرف يوصل للحبل ده لآخره.
ابتسم صهيب بتحدٍ وخلع ساعته وجاكيته ببرود وثقة، ونظر إليها قائلًا: لو كان الوصول للنجوم هو اللي هيفرحك، هجيبلك النجوم يا لوكا، فما بالك بعروسة؟
تقدم صهيب للمنصة، وكان هو الوحيد الذي تجرأ على المحاولة وسط ذهول الناس. بدأ يتسلق الحبل ببراعة وقوة، عضلات يده تبرز مع كل خطوة، وعينه لا تحيد عن العروسة وكأنها معركته الشخصية.
منار كانت تصرخ بغيرة: صهيب انزل! هتوقع بلاش جنان.
وأدهم وفكري يراقبون بصمت واندهاش من إصراره.
وصل صهيب للنهاية وبحركة خاطفة فك العروسة وهبط للأرض برشاقة، وقف أمامها وهو يلتقط أنفاسه ووجهه يتصبب عرقًا، لكن عيناه تفيضان بالهيام. مد يده بالعروسة إليها وقال بصوت دافئ: أدي العروسة اللي خطفت قلب القمر. مفيش حاجة بعيدة عليا طول ما لمعة عيونك هي المكافأة.
فلك في اللحظة دي فقدت النطق، مدّت إيدها مرتعشة وأخذت العروسة وهي بتبص له، ولمعت الدموع في عيونها من شدة التأثر. الدموع دي كانت مزيج من الفرحة ومن إحساسها إنه فعلًا عمل حاجة صعبة عشان خاطرها.
صهيب استغل اللحظة دي وقرب منها جدًا ومسح دمعة نزلت على خدها بصباعه وهمس: بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا جبتها عشان تضحكي.
كانت المسافة بينهم معدومة، وفلك كانت مغيبة تمامًا تحت تأثير حنانه، وصهيب قرب أكتر وكان خلاص هيطبع بوسة على جبينها أو يتهور أكتر.
لكن فجأة منار اندفعت وحشرت نفسها بينهم وهي بتزق فلك بخفة: الله يا هوبا دي تجنن، هات بقى أتصور بيها سيلفي معاك أصل شكلها لايق على فستاني قوي.
وأخذت العروسة من إيد فلك المذهولة عنوة.
صهيب صرخ فيها بحدة: سيبي الزفتة دي يا منار، دي بتاعة فلك.
لكن فلك في اللحظة دي سحبت إيدها بحزن، والدموع اللي كانت دموع تأثر قلبت لدموع قهر لما شافت منار ماسكة هديتها وكأنها صاحبة الحق فيها، وانسحبت بهدوء وهي حاسة بغصة في قلبها لا تريد أن تسبب بينهم مشكلة. وهنا بدأت منار تحس بانتصارها.
بينما كانت فلك تقف بعيدًا عند تلك الشجرة الضخمة تشاهد من بعيد منار وهي تتشبث بذراع صهيب وتضحك بصوت عالٍ، شعرت بغصة في حلقها. فمنار تمسك العروسة، وهي تشعر أنها دخيلة على هذا العالم. فلك من كثرة القهر تنسحب وسط الناس فتضيع منهم عمدًا. صهيب يلمح طرف فستانها وهي تتسلل ناحية منطقة الأشجار الهادئة بعيدًا عن صخب الألعاب. ابتعدت بحزن واتجهت بعيدًا تهيم بوجهها.
فلك لنفسها: ماتزعليش مالكيش حق، هي بتحبه وهو كمان. يجبلك عروسة ليه؟ أنت مجنونة، هي أولى. اهدي أنت ولا حاجة، ماتبقيش خرابة.
تحول شعور الانتصار في قلب صهيب إلى مرارة وهو يرى العروسة في يد منار بدلًا من فلك. لمح طيف فلك وهي تنسحب بخطوات منكسرة وسط زحام الناس المتجمهرين. فاخترق الصفوف بجسده كالطلقة، يتتبع عطرها الذي يعرفه جيدًا. حتى وجدها هناك، بعيدًا عن صخب الأضواء تحت سكون شجرة ضخمة كانت شاهدًا على أول انكسار حقيقي لأسواره أمامها.
لم تمضِ خطوات حتى شعرت بيد قوية تمسك ذراعها، التفتت لتجده صهيب وجهه محتقن بالضيق وهو يحمل العروسة في يده الأخرى.
قال بعتاب حاد ونبرة مخنوقة: يعني تتخلي عن هديتي كده يا فلك؟ أنا خاطرت بنفسي وطلعت آخر الحبل عشان أشوف الفرحة في عينيكي. تقومي تسيبيها وتمشي كأنها متهمنكيش؟
نظرت فلك للأرض والدموع تحرق جفونها وهمست بصوت مرتعش: أنا مسبتهاش عشان متهمنيش. أنا سبتها عشان مابحبش أبقى سبب زعل وإزعاج لحد، ولا أحب أدخل في حاجة تخصك.
رفع صهيب حاجبه بدهشة ممزوجة بالغضب واقترب خطوة جعلتها تلتصق بجذع الشجرة.
صهيب: حاجة تخصني؟ تقصدي مين؟ منار؟
أومأت برأسها بضعف، فزفر صهيب بضيق ونفخ شعره للأعلى وهتف: يا دي السيرة. برضه بنعيد نفس الكلام يا فلك، مش قولتلك إننا أصحاب ومش قولتلك إن وجودها ده مجرد سد خانة؟
شدها إليه أكثر حتى أصبحت أنفاسه تلفح وجهها، ورفع العروسة ليضعها بين يديها مجددًا، وأطبق كفه على كفيها بقوة وهو يقول بهيام: العروسة دي شبهك. رقيقة وزيك. وأنا اللي جبتها يعني بتاعتك أنتِ. ومحدش ليه حق يزعل أو يتدخل بيني وبينك. فاهمة؟
خفض رأسه لمستواها وعيناه تلمعان بتحدٍ ورغبة وهمس: بطّلي توجعي قلبي، أنا ما صدقت لقيت فيكي الراحة اللي كنت بدور عليها. مش أنتِ صاحبتي برضه؟
كانت نظراته في هذه اللحظة تكاد تلتهم ملامحها، ويده التي كانت تمسك يدها بدأت تتسلل لتلامس خصرها برقة، ومال برأسه ببطء شديد وهو يهمس أمام شفتيها: أنا مش عايز زعل. أنا عايز مكافأة على العروسة دي. مكافأة تخليني أنسى الدنيا باللي فيها. أنا شفت يوم أسود.
غابت فلك في سحر كلماته، وأحست أن العالم يتوقف عند هذه الشجرة، وأغمضت عينيها باستسلام تام وهي تشعر بشفتيه تقتربان بشدة لتطبعا تلك القبلة التي طال انتظارها على خدها، يتنفس بحب شديد يشعر أخيرًا بلحظة فرح في ذلك اليوم.
بعد ما سكت صهيب لثواني وهو باصص في عيونها كأنه بيقرأ اللي جواها، سحب إيدها براحة بين إيديه ومسح بإبهامه على كفها بحنان خلى قلبها يرجف.
نزل صوته لدرجة الهمس: قوليلي أنتِ، بصي في عيني وقوليلي. شايفة صهيب اللي قدامك دلوقتي هو هو صهيب بتاع أول يوم؟ حاسة فعلًا إن في حاجة اتغيرت ولا أنا لسه في نظرك الشخص الفلاتي اللي ملوش أمان؟
فلك كانت بتبص له بذهول وصهيب كمل بهيام وعينيه بتلمع: أنا النهاردة حسيت إني واحد تاني. حسيت إني عايز أكون أحسن وعشان أستحق الكلمة اللي قولتيها الصبح. (أصحاب). قوليلي يا فلك. أنا دلوقتي أستحق فعلًا أكون صاحبك، أستحق إنك تثقي فيا وما تخافيش مني؟
فلك لسه هتفتح بقها وترد بابتسامة صافية، صهيب قرب وشها منه أكتر وقال بتوهان: أنا مش بس عايز أكون صاحبك. أنا عايز أكون حاجات كتير، عايز أثبتلك إن أنفع.
قرب أكتر وأكتر لدرجة إن جبهته لمست جبهتها وأنفاسه بقت بتلاعب خصلات شعرها وهمس قدام شفايفها بالظبط: أنا بدأت أتغير يا فلك. بس التغيير ده محتاج قرب.
نظرت إليه ساهمة وهو تاه في نظراتها الحالمة.
كان صهيب يشعر بزهو غريب بعد تلك القبلة الخاطفة، فأراد أن يختم اليوم بلمسة ملكية تُثبت لفلك مكانتها، فانحرف بهدوء ناحية متجر هدايا راقٍ بينما كان الباقون منشغلين بالصور. واشترى ذلك العقد وهو يمني نفسه برؤيته على عنقها. ولم يدرِ أن القدر (على هيئة منار) يتربص له عند أول منعطف.
اقترب منها، قبل يدها، أراد صهيب أن يلطف الجو بلمسة حانية لفلك، فهو لم ينعم بقربها نهائيًا وإذا حدث لا يتركوه. وجاء ليلبسه لها في لحظة هدوء بينما كانت منار تتحدث في الهاتف بعيدًا، جلس بجوارها هامسًا.
صهيب: غمضي عينك يا فلك، جايبلك حاجة شبهك.
أغمضت عينيها ووقف خلفها يفتح العقد ليلبسه لها، وفجأة ظهرت منار من خلفه، وجدت العقد بيده اندفعت وجذبت العقد من يده: الله يجنن يا هوبا، عرفت منين إن نفسي في عقد لولي؟ شكرًا يا حبيبي.
وقبلته في خده وسط ذهول فلك التي فتحت عينها لتجد العقد في رقبة منار.
وقف صهيب على وشك الانفجار، نظر لفلك ليجدها قد أشاحت بوجهها بعيدًا وبدأت علامات الحزن والقهر تظهر وهمست بوجع: هو هو إحنا هنروح أمتى؟
أحس صهيب بنغزة داخله. اليوم اللي رسمه عشان يوقعها فيه اتقلب عليه وبقى هو اللي واقع ومش عارف يلمس طرف إيدها بسبب كتيبة العوازل اللي معاه.
تجمع الكل فجأة.
فكري: مش هناكل يابني؟ جعنا.
صهيب متنهدًا: أنا هجيب أكل، هتعوزوا حاجة؟
هتف فكري: اختار على ذوقك.
اقترب من فلك.
صهيب: أجبلك إيه؟
اشعلت منار فهتفت: هاتلنا اللي تحبه يا هوبا، يلا بقى وخد أدهم معاك.
تنهد هو وذهب مرغمًا والضيق لا يفارقه.
بعد طعنة العقد التي استقرت في قلب فلك لم يعد لديها طاقة للمجاملة. انسحبت بصمت، استغلت منار انشغال الرجال وبدأت تتبع أثر فلك كقطة تتحين الفرصة لتنفرد بها في زاوية هادئة وتبث سمومها التي كانت كفيلة بتحويل ذكريات اليوم الجميلة إلى كابوس.
هتفت منار وهي تقف بجوار فلك بنبرة تقطر سمًا: بموت فيه وهو بيعشقني وقريب خالص هنفرح كلنا.
تنهدت فلك وشعرت بقلبها لم يعد يحتمل هذا القهر فقامت: أنا هتمشي شوية.
وتركتهم ورحلت.
بينما منار تنظر إليها بغل وتهمس لنفسها: شكلك مش سهلة، أنا حاسة إن صهيب مش على بعضه والزفت عصام تأخر في معلوماته بس برضه مش هسكت لحد ما أطفشها.
قامت منار ولحقت بفلك ومشت بجوارها وقالت ببرود: وأنتِ بقى تقربي إيه لعم فكري؟ ما هو مش أكيد قريبة صهيب شكلك يعني.
نظرت إليها فلك بضيق وقالت: شكلي ماله شكلي؟
تنهدت منار بتعالٍ: لا مفيش، هو صهيب كده بيحب يعطف عالناس. طيب هتمشي أمتى؟
نظرت إليها فلك بقوة وصمود: قريب همشي.
تنهدت منار وقالت: يعني أصلي معلش مش بحب الاختلاط قوي وصهيب مش بيتحمل يزعلني.
هتفت فلك بسخرية: لا ماتقلقيش، مفيش اختلاط ولا حاجة.
تابعت منار هجومها بوقاحة: طيب هو أنتِ قاعدة ليه هناك؟ مش بتروحي؟ محتاجة فلوس ولا حاجة؟ ممكن أساعدك، أنا مابحبش أشغل حبيبي وأضايقه بأمور مالهاش لازمة، أنا أصلًا الكل في الكل في حياته وبدير كل أموره والفترة دي متلخبط كده ومضايق بس عمومًا لو أنتِ في مشكلة ممكن أساعدك.
وأخرجت دفتر شيكاتها بتبجح: تاخدي كام؟
نظرت إليها فلك بذهول من جراءتها، فابتسمت منار وقالت: ماتتكسفيش، صهيب بدل ما يعطف عليكي أنا زيه بالظبط وماتتكسفيش هو مابيخبيش عني حاجة.
اقتربت منار وهتفت بفحيح:
"طب مش هتاخدي الفلوس تفكي زنقتك؟ هو معرفني إنك دلوقتي محتاجالها، يعني بيساعدك وأنا حابة آخد ثواب."
نظرت إليها فلك بقهر ومرارة:
"هو قالك إنه بيساعدني؟"
هتفت منار:
"هو قال صديقة وبعطف عليها، يعني صهيب ما بيحبش يحرج حد وكله لله."
انفعلت فلك وصرخت:
"لله؟ أنت بتقولي إيه؟ أنتِ حافظي على كلامك."
اقتربت منار بوقاحة أكبر:
"أنا أتكلم براحتي يا شاطرة، أنتِ مين عشان تقوليلي حافظي على كلامك؟ أنا هنا الكل في الكل، ومنين ما أشاور ينفذ لي طلباتي. أنا بتاعته وهو بتاعي فاهمة؟ فخلي بالك من كلامك أنتِ واعرفي مقام اللي قدامك. صهيب ما يستغناش عني ولا يقدر يبعد، لأنه مدمن منار فاهمة؟ خصوصًا بالليل لما نكون مع بعض بنسيه الدنيا."
أحست فلك بقلبها سيخرج من مكانه من شدة الصدمة وهتفت بذهول:
"إيه بالليل؟"
ضحكت منار بسخرية وقالت:
"ليه هو أنتِ بتشوفيه بالليل؟ ده بيبقى معايا وفي حضني."
قطبت فلك جبينها بوجع فاقتربت منار وهتفت بما جعل فلك تشعر بالغثيان والرغبة في الصراخ.
كانت أصوات ضحكات الأطفال وصراخ الألعاب تتعالى في المكان، لكن فلك لم تكن تسمع سوى طنين كلمات منار السامة. شعرت أن الأرض تدور بها عندما قالت:
"قولتي إيه؟ ربنا ياخدك يا حرباية، زيرو كرامة."