تحميل رواية «صماء لا تعرف الغزل» PDF
بقلم الكاتبة وسام الأشقر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في غرفة مظلمة يحيط بها الظلام الذي يكاد أن يخترقه ضوء الشمس الحار من خلف الستائر البالية التي تدل على قدمها وكثرة استعمالها، تظهر هذه الأشعة التي تكاد تنبعث من النافذة بخجل داخل غرفة صغيرة مكونة من خزانة ملابس صغيرة ومكتب صغير مبعثر عليه بعض الكتب في جهة الباب. أما بجواره نجد سرير صغير يكاد يتحمل شخص واحد تدل معالمه على قدمه وفوقه تنام أنثى صغيرة الحجم نحيلة متوسطة القامة بيضاء البشرة ذات شعر بني طويل. تململت هذه الفتاة في نومها بسبب شعورها بالانزعاج من اهتزاز عنيف تحت وسادتها فبدأت بفتح عينيها...
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
وقف ينفث دخان سيجارته بغضب من تصرف تلك النكرة التي نسيت حالها. فهي هنا متواجدة لخدمة الجميع. ولكن لما هو غاضب بمثل هذا القدر؟ هل غاضب من طلبها؟ أم هي كانت المنفذ الوحيد لضيقه؟ لقد شعر للحظة بوحدته، لم يعثر حتى على أنثى البطريق تشاركه أحزانه وأفراحه مثل الجميع.
يشاهدها تخرج حاملة الأكواب بحذر شديد متجهة إلى الموجودين. تقدم المشروبات ليجد انتفاض محمد مندفعًا اتجاهها يقول بلوم ظاهر:
- كده يا سمية؟ ماندهتيش ليا ليه أشيل الصنية عنك.
ليصدح صوت الخالة صفاء بعتاب:
- هو ده الكلام اللي وصيتك بيه من الصبح؟ مش قولتلك مالكيش دعوة بالمطبخ وقولتيلي مش هشيل حاجة... كده بردوا.
محمد بعتاب:
- طول عمرها دماغها ناشفة.
تقف سمية تفرك يدها، لا تستطيع الرد. هل تبلغهم أنها استعانت بأحدهم وقام بتوبيخها ومعاملتها كخادمة؟ ولكنها اكتفت بقول:
- معلش لقيت الكل مشغول محتش أضايق حد.
لتلتفت بحرج فتقع عينيها على الأعين المراقبة لها بحاجب مرفوع، مذهول من تلك المسرحية التي تحدث أمامه.
فتكمل حديثها لصفاء:
- أنا اتأخرت... ولازم أمشي عشان الطريق طويل... عن إذنكم.
كادت أن تتحرك لتقول غزل بصرامة:
- تمشي إزاي لوحدك؟ استني أنا ويوسف هنوصلك.
محمد:
- لا يا غزل، متعبيش نفسك. أنا هوصل سوزان وبعد كده هوصل سمية.
سمية بارتباك:
- يا جماعة ماتشغلوش بالكم. أنا هاخد تاكسي.
لتنصرف بسرعة قبل أن يجادلها أحد.
وعند اختفائها بدقائق، وجد شادي نفسه يشعر بالضيق. ليجد نفسه خارجًا من باب الشقة ليستنشق بعض الهواء النقي خارج البيت، ينفث دخان سيجارته بشرود. يلمحها تقف بملابسها المكونة من قميص أبيض وتنورة واسعة حمراء، ويزين رأسها حجاب منقوش باللون الأحمر والأبيض. كانت ملابسها تدل على بساطة حالها. فيجدها ترفع هاتفها الصغير تجيب على اتصال منه.
أما عنه، فيلقي ببقايا سيجارته أرضًا ليعود للاحتفال. ولكن يوقفه صوتها الغاضب يقول:
- أنت إيه؟ مبتزهقش؟ نعمل إيه أكتر من كده!
- أنت بتحلم... هيكون آخر يوم في عمري... حسبنا الله ونعم الوكيل.
تغلق الخط بغضب ظاهر، ويشعر باهتزاز جسدها نتيجة غضبها. ويلاحظ عدم مرور أي سيارة أجرة منذ مدة. فيقترب منها بعض الخطوات قائلًا:
- شكلك هتفضلي مستنية كتير... مافيش تاكسيات دلوقتي... تعالي أوصلك.
سمية بضيق:
- شكرًا.
يحك رأسه من الخلف وينظر حوله ليجد سكون المكان من المارة:
- أنت شايفة الجو هادي في الشارع ومافيش حد، وغلط على بنت زيك تفضل واقفة كده في الشارع بالوقت ده. وكمان ياستي اعتبريني تاكسي... السواق اللي هتركبي معاه مش ابن أختك الصغيرة يعني... ده راجل غريب!
سمية:
- مش عايزة أتعب حضرتك وكمان ااا...
شادي يقطع حديثها بصرامة:
- اتفضلي.
فيتجه إلى سيارته ويقوم بفتح الباب لها ويشير إليها لكي تتقدم. فتتحرك بعرجها البسيط ولكنه مؤلم لها حتى تستقر بجوار مقعده.
أثناء قيادته، نسي سؤالها عن وجهتها. فينظر لها بجانب عينيه يقيمها. فيجدها فتاة بسيطة جدًا. يجلي حنجرته يقول بحرج:
- أنا بعتذر عن اللي صدر مني في المطبخ. كنت مضغوط شوية... معلش جدت فيكي.
ولكنها كانت شاردة في المكالمة التي سببت لها الضيق. فتقع عينه على كفها التي تضغط به على هاتفها القديم ذو الأزرار بعنف كأنها تحارب شيئًا. ويلاحظ جرح واضح يظهر برسغها الأيمن. فيقول ليلفت انتباهها:
- ما قولتيش راحة فين.
فتنتبه له تقول:
- آه... أنا آسفة... حضرتك ممكن توصلني ل(..) أكون شاكرة ليك.
ليقول بتعجب ملحوظ:
- أنتي راحة (..) متأكدة.
تهز رأسها ببراءة:
- أيوه، إيه المشكلة في كده.
يتعجب من المنطقة الراقية التي ذكرتها له. كيف لفتاة مثلها تكون من قاطني هذه المنطقة رفيعة المستوى؟ فتدور الأفكار بعقله أنها ذاهبة لشخص ما في هذا المكان.
ليقول:
- هتنزلي إمتى من هناك.
تعقد حاجبها بعدم فهم:
- أنزل منين؟ أنا هروح أنام وهنزل الصبح.
كيف له أن يخدع بمثلها؟ ليجد رنين هاتفها. فتقوم بالرد:
- أيوه ياحبيبي أنا متأخرتش... أنا قربت خلاص... لا لا ماتزعلش هصلحك بطريقتي... جهز للسهرة وأنا جايه... مع السلامة.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يلقي عليها نظرة قرف. كيف لفتاة مثلها تخدع غيرها بمظهرها؟ فمن المؤكد ذهابها لشخص ما في هذه المنطقة.
ليقول بين أسنانه:
- وحضرتك بقى خريجة إيه؟ ولا مش متعلمة.
فتتعجب من نبرته الحادة التي يشوبها السخرية:
- أنا لسه بدرس آخر سنة في كلية آداب.
"مممم آداب بس شكلك يعني ههه أكبر من إنك تدرسي."
لا تعلم لماذا تشعر بنبرة السخرية بصوته. لتقول:
- حصل ظروف خلتني أتأخر سنتين.
- أكيد طبعًا شغلك اللي عطلك عن الدراسة.
- لا حصلي حادث وفضلت في المستشفى شهور وبعدها احتجت علاج طبيعي.
فتقع عينه على رسغها مرة أخرى. ليجدها تجذب ملابسها تخفي يدها عنه. وتقول:
- نزلني هنا بلاش قدام العمارة.
ليتعجب من طلبها ولكنه يلبي رغبتها بصمت ويقوم بإيقاف السيارة.
لتهبط منها بعد شكره وتختفي عن الأنظار.
***
أثناء قيادته رن هاتفه ليجده يوسف. فيجيبه قائلًا:
- أيوه يا يوسف... لا ما اختفتش ولا حاجة. أنا قولت أنزل أشُم هوا والوقت خدني... انتوا خلصتوا طيب ممبروك وعقبالك يا عريسنا. خلاص قربنا كلها أسبوع وتدخل برجلك قفص الزوجية هههه.
يلاحظ أثناء حديثه رنين هاتف مكتوم. فيلتفت يبحث عن مصدره. فيجد هاتفها الصغير أسفل كرسيها. فيكمل:
- طيب اقفل يا يوسف دلوقتي هكلمك تاني عشان سايق.
***
يعود مرة أخرى لنفس المكان التي هبطت فيه. يخرج من سيارته لا يعلم ماذا يفعل؟ فهو لا يعرف مكان المبنى التي قصدته والمكان هادئ جدًا خالي من المارة. فيقنع حاله بالرجوع وترك هاتفها لغزل. خطى خطوات بسيطة متجهًا إلى سيارته. فيتردد بأذنيه صوت صراخ مكتوم. فيحاول البحث بعينه عن مصدره فلا يجد شيئًا. ولكن صوت الصراخ يزداد ويسمع صرخة قوية واضحة. ليجري باحثًا عن مصدرها. فيشاهد ما صلب جسده وجعل الدماء تفور بعروقه.
وجدت طرقًا على باب غرفتها يطلب الإذن لدخول. لتبتسم على تصرفه. منذ متى وهو يحترم آداب الاستئذان. تسمح له بالدخول. فتجده يدخل بعيون هاربة كأنه مرتكب جريمة. لتقول وهي تضيق عينيها:
- مالك يا يوسف؟ كنت عايز حاجة.
يحك شعره بأصابعه ليقول:
- كنت عايزة أتكلم معاكي في حاجة كده.
- حاجة إيه؟
يجلي حنجرته ثم يتحرك يجلس على حافة الفراش:
- أنتي عارفة إن أنا وعمي حددنا ميعاد الفرح فجأة إنه هيكون بعد أسبوع... ونسينا نسألك إذا كان الميعاد ده مناسبك ولالأ...
فتهز رأسها بعدم فهم تقول:
- وبعدين؟
يضغط على جبهته بأصابعه يقول بارتباك:
- يعني أقصد إنك يعني جاهزة للميعاد ده.
فترفع حاجبها بابتسامة لا تعرف ما مشكلته مع موعد الفرح تقول:
- إيه اللي مش هيخليني جاهزة؟
ليزفر زفرة ضعيفة. كيف له أن يسألها؟ ليحرك يده وهو يتكلم:
- أقصد إن دايما البنات بتحدد معاد ال... الفرح باللي يناسبهم في الشهر... أقصد يعني يعني...
ليكمل فجأة بكلمات واضحة وصريحة:
- هي بتجيلك إمتى؟
- مين دي؟
ليقف بضيق من غبائها:
- أف يا غزل، مكنتش أعرف إنك غبية كده.
فتضيق عينيها تحاول التأكد مما فهمته. فتشير بحاجب مرفوع وإصبع سبابتها يدور بالهواء:
- أنت تقصد على...
فيهز رأسه ببطء شديد. لتصدر منها شهقة وتضع كفها فوق فمها خجلًا من سؤاله. تقول بضيق:
- أنت أنت... أنت إزاي تسألني على حاجة زي دي... أنت... أنت...
يوسف بهدوء يقترب ويجلس بجوارها يمسك كفيها بحنان بالغ:
- أنا جوزك ولا وقح ولا قليل الأدب. وبعد كده الأمور دي هتبقى طبيعي إني أعرفها ولا إيه؟
فتخجل من صراحته لتقول بخجل واضح:
- الميعاد مناسبني.
ليباغتها بقبلة ناعمة فوق شفاهها. فتغمض عينيها ولم تفتحها إلا عندما شعرت بالبرودة من ابتعاده المفاجئ. ليقول مبتعدًا:
- أنا هروح أنام عشان من بكرة هنبدأ في التجهيزات. لينصرف مبتعدًا عنها تحت مراقبتها له بتعجب من حاله.
***
وقف مصدومًا من مشاهدته لهذا الشاب الذي يكبلها ويكمّم فمها بيده ليمنع صراخها ويحاول إدخالها عنوة داخل سيارته. لم يشعر بحاله إلا وهو يندفع اتجاهه يكبله من الخلف ليضغط على رقبته بذراعه ويصرخ به:
- سيبها يا ابن الـ***
ليتركها الشاب فتسقط أرضًا برعب مما حدث.
فتشاهد شريف يتحرر من قبضة الآخر ويلكمه بوجهه يسبه. استمر الشجار بينهما مع إلقاء السباب والشتائم حتى اختفت ملامح الشاب من كثرة الكدمات. ليفر هاربًا بسيارته.
***
يقترب شادي منها بحذر بملابسه الممزقة نتيجة الشجار العنيف:
- إنت كويسة؟
ولكنها على ما يبدو في حالة صدمة مؤقتة. فيلاحظ اهتزاز حدقتها وعدم ثبات حركة أعينها كأنها لم تسمعه. ينخفض على ركبتيه أمامها بحذر ويمد كفه فوق كتفها ليهزها حتى تنتبه. ولكنه فوجئ بصراخها بوجهه كأنه هو من حاول الاعتداء عليها. فيحاول تثبيتها من كتفيها قائلًا:
- ماتخافيش... ما تخافيش.
أنا شادي اللي وصلتك من شوية.
فتهدأ من صراخها مع اهتزاز جسمها الشديد ليقول:
– تحبي أوصلك لمكان؟ بتهيألي مش هتعرفي تروحي لوحدك بالشكل ده.
فيقابله اهتزاز رأسها بالموافقة عدة مرات.
…
سار خلفها مراقبًا إياها في سيرها وهي تقترب من مدخل مبنى محدد ليخرج منه رجل يرتدي جلبابًا في العقد الخامس مهرولًا اتجاهها يقول بلهفة:
– ست سمية إيه اللي عمل فيكي كدة؟
فتجيبه بصوت مهزوز:
– أنا كويسه يا عم إبراهيم محصلش حاجة.
فتنتقل عينه على شادي ذو الملابس الممزقة بارتياب يقول:
– في حاجة يا أخ؟
– إنت بتكلمني أنا؟
ليشيح بيده أمام وجهه يقول:
– أومال بكلم شبحك؟
– إتكلم عدل يا راجل إنت.. أنا محترم سنك.
ليصدح صوتها لتوقف جدالهما:
– خلاص يا عم إبراهيم ده أستاذ شادي.. كان بيساعدني.
فتكمل حديثها موجهة حديثها للأخير:
– اتفضل معايا فوق.. هدومك مليانة تراب ووشك.. مش هينفع تمشي كده.. اتفضل معايا فوق.
ليرفع حاجبه بذهول وينقل نظره لإبراهيم الذي يرميه بنظرات حارقة لا يعلم سببها ليقول لها:
+ تقصدي إني أطلع معاكي فوق؟
لتهز رأسها بنعم ليكمل:
– وعم إبراهيم عادي؟
…
يجلس فوق أقرب كرسي وجده يمرر عينيه الجاحظة في أنحاء الشقة التي دخلها منذ دقائق معها ليتفاجأ بمدى فخامة الأثاث والشقة المتسعة المزينة بالفساتين وأثمن التحف وأفخم السجاد.
ليتعجب من امتلاكها مفتاح مثل هذه الشقة الفخمة، كيف لها أن تأمن لرجل غريب وتدخله معها بمكان مغلق؟
بعد مرور لحظات شعر بحركة صادرة خلفه ليشاهد رجل بملابس بيتية في آواخر العقد الخمسين مستندًا على عكازه يملأ الشيب شعره والتجاعيد وجهه يسير بصعوبة. فيستقيم شادي بتوتر عالي متعرق الجبهة لا يعرف كيف يعرف نفسه له ليجد الرجل يقول بحبور:
– أهلا وسهلا.. أهلًا شرفتنا يابني.
يجلس رضا أمامه فوق الأريكة ولم تفارقه ابتسامته ليكمل:
– مالك يابني مخضوض ليه؟ تفضل اقعد.
ظل شادي واقفًا لا يعلم السبب ليقول رضا بجدية غريبة:
– اقعد يابني.. عايز أتكلم معاك شوية.
ليجلس شادي لا يعلم لما الفضول يأخذه لمعرفة خباياها فيسمع رضا يقول:
– شكرا يابني على اللي عملته مع بنتي.. هي حكتلي إنك أنقذتها من شريف النهاردة.
شريف! بنته! هل هذا والدها؟
ليقول شادي باهتمام:
– هو حضرتك تعرف العيل اللي اتهجم عليها.. ومدام عارفه مابلغتوش البوليس ليه؟
رضا بحزن:
– للأسف العيل ده يبقى ابن أخويا الوحيد.. ومش حابب أضر مستقبله.. أنا هكلم والده.
– طيب كنت حابب أنبه حضرتك إني لما أنقذتها فضلت فترة مش مستوعبة اللي حواليها ومكنتش مركزة.
ليجد رضا يهز رأسه كأنه ليس غريبًا عليه ما قصه عنها.
فينتبه لدخولها بعد تبديل ملابسها بملابس نظيفة تقول بخجل:
– حضرتك ممكن تدخل الحمام وتديني جاكيت البدلة أنضفها لك.
ليقول مندفعًا:
– لا وعلى إيه أنا مروح على البيت مافيش داعي.
ليقول رضا بصرامة:
– على الأقل اغسل وشك يابني المترب ده.
فيخضع شادي لإلحاحه يشعر ببعض الغموض الذي يحيط بهذه الأسرة.
……
جميلة هي الدنيا تلمع كبريق الماس تخطف الأنفاس والروح، تحارب للوصول إليها وامتلاكها حتى تكون بقبضتك المغلقة لتشدد عليها خوفًا من هروبها.
ولكن عند تعمقك بها وغوصك بأعماقها تجد أنك تعلقت بوهم بريقها فتتفاجأ بقبضتك الخاوية التي لم تقبض إلا على سراب. وقفت بفستانها الأبيض الكبير ذو الطبقات من التل والجوبير المرصع بالماسات مكشوف الكتفين والصدر ليظهر الكثير من بشرتها البيضاء الحليبية يزين رأسها تاج فضي مرصع بالماسات ينتهي من الخلف بطرحة زفافها الطويلة التي تلفها حول معصمها، مع شعرها المرفوع أعلى رأسها ليظهر رقبتها بإغراء مثير.
وقفت تشاهد الأضواء اللامعة والسيارات من خلف الزجاج الشفاف بجناحهما الخاص بالفندق الذي قام بحجزه ليقيما فيه ليلتهما الأولى معًا ثم السفر لقضاء شهر العسل بإحدى الدول الأوروبية، يقطع مشاهدتها انعكاس صورته في الزجاج ممسكًا برابطة عنقه ويقوم بفتح أزرار قميصه العلوية بابتسامة رجولية لا تليق إلا به، لتبتسم بخجل.
فهذه أول ليلة لهما معًا كثير من الخوف وكثير من الهواجس تدور بعقلها عن ليلة العمر، تخفض نظرها عنه تهرب من مراقبته لتشعر بدفء جسده يلامس جسدها بسبب اقترابه ويطبع قبلة بجانب عنقها بنعومة جعلتها تغمض عينيها وتقبض بأصابعها فوق فستانها ليقول:
– مبروك ياقلب يوسف.
ويرفع كفيه فوق كتفيها يديرها إليه ببطء فيلاحظ احمرار وجهها واهتزاز شفتيها بسبب ارتعاشها التي فشلت في السيطرة عليه ليقول وهو يمرر إبهامه فوق شفاهها:
– ليه كل الارتباك ده؟ أنت معايا مش مع حد تاني.
ينهي كلماته وينخفض ليودعها قبلة رقيقة فتبادلها معه في خجل فتشعر بتحرك تاج رأسها وطرحتها التي نزعت منها ليلقيها أرضًا أسفل قدمه، يكمل وهو يحيطها بذراعيه يقول وهو يمرر أنامله فوق عنقها نزولًا لكتفها المكشوف يقول:
– بس ينفع الفستان المكشوف ده؟ مش كنا اخترنا مع بعض فستان غيره وكان مقفول.
يشعر بازدياد توترها تحت يده، فيرفع إبهامه يحرر شفاها التي ادمتها بأسنانها يقول:
– مش من حقك تعملي فيهم كدة دول ملكي أنا.. أنا بس اللي مسموحلي أعمل فيهم كدة..
ليكمل حتى يزيل توترها بمشاكسة:
– بس اعترفي خبيتيها إزاي؟
فيشير له بحاجبه فوق صدرها فيسمعها تقول:
– هي إيه دي؟ فراولتي اللي كانت هنا.
ليشير بإصبع السبابة فوق صدرها فتصدر منها شهقة خجل وتحاول الهروب منه إلا أنه يكبلها بذراعيه ضاحكًا:
– خلاص خلاص.. ماتزعليش.. ده أنا حتى جوزك.
تدفن وجهها بصدره خجلة تقول:
– وقح!
– لا لا كملي.. وقح وقليل الأدب وكمان فيه إضافات.. بذئ وقاطع الأنفاس، وأنا النهارده هقطع نفسك.
قال الأخيرة بعد أن أطلق قهقهات عالية.
تحاول الهروب منه تقول بخجل:
– اوعى يايوسف، سيبني.
عندما تأكد من هدوئها ازداد ضمه لها مع وضع يده فوق سحاب فستانها يفتحه ببطء ليسقط فستانها أرضًا قبل أن تحاول امساكه، فيزداد تشبثها به خجلًا ودفن وجهها بصدره من هذا الموقف المخجل لها ليرفعها عن الأرض دون أن يحررها مستمرًا في تقبيل عنقها بنهم يسير بها إلى الفراش ليسقطا معًا فوقه دون أن يحررها يشعر بارتعاش جسدها فيحاول طمئنتها وهو يقاوم تهوره يجب عليه التأني والتعامل معها بحذر فهي التجربة الأولى لها، ليبتعد قليلاً ينظر لعينيها يهمس لها:
– غزل.. أنا عايزك تثقي فيا.. وتقاومي خوفك.. أنا عمري ما هأذيكي ولا ألمك.
تنظر لعينيه تحاول استبيان الصدق بهما لتهز رأسها ببطء بالموافقة دون أي كلمة، فيخفض وجهه ليلتهم شفاها بجوع مع تحريرها من باقي ملابسها ليغوصا معًا في أجمل لحظات حياتهما التي ستسجل بذاكرتهما عبر الزمان.
مرت اللحظات بينهما كأنها مرفوعة فوق موجة عالية تهدهدها وتدللها، لتفيق من أحلامها على انتفاضة من جوارها تاركًا الفراش الذي جمعهما كالملدوغ بالعقرب، يستر حاله بسرواله، ليقول بصوت غريب عليها:
– إيه ده؟
لتتعجب من لهجته الغريبة عليها وتحاول ستر جسدها العاري بالغطاء:
– في إيه!
فيخرج صوته بشكل مرعب يشير بسبابته للفراش:
– انتي ازاي مش بنت؟ إزاي مش عذراااااء!
ينهي جملته بصراخ وجسد ينتفض غضبًا لتتراجع بالفراش مستندة برعب تغطي حالها جيدًا تنظر إليه بصدمة ورعب من حديثه تقول بصوت متقطع:
– أنا مش فاهمة تقصد إيه؟
فيهجم عليها ممسكًا شعرها يرجع رأسها للخلف بقوة ويقول بهسيس مرعب:
– مين اللي عمل كدة؟ مين؟
عملتي كدة مع مين؟
لتصرخ ألمًا محاولة التحرر من قبضته:
– انت مجنون؟ أكيد اتجننت أنا مش فاهمة انت بتقول إيه؟
فيحررها من قبضته ليلطمها بصفعة قوية سببت لها الدوار وجرحت فمها فتقع فوق الفراش ليقبض على عنقها محاولًا خنقها يقول بغضب:
– هقتلك.. هقتلك اتكلمي مين الـ*** اللي سلمتيله نفسك واتفقتي معاه تستغفليني.
تزداد قبضته إطباقًا فوق عنقها لينحبس الدم في وجهها الأبيض وتجحظ عينيها مع محاولتها الفاشلة للتحرر تقول بصوت متحشرج:
– هموت.. هموت.. أنا ماعملتش حاجة!
ليحررها على آخر لحظة ليسمع صوت شهقاتها العالية وسعالها محاولة التنفس ولكنه لم يمهلها ليمسكها مرة أخرى من خصلات شعرها يجرها جراً من الفراش يلقيها أرضًا تحت صراخها ويقوم بركلها بقدمه بقوة غاضبة ببطنها ووجهها تحت صراخه المستمر الذي يحمل الكثير من التوعد لها والسباب اللاذع.
لتصرخ بقوة من شدة الآلام التي أصابتها وصدمتها منه:
– حرام عليك.. أنا معملتش حاجة صدقني.
يتوقف يلهث من تسارع أنفاسه كان هيئته كالخارج من حلبة مصارعة ويقترب من وجهها مستندًا على ركبتها يقول بصوت خاوي:
– مين يا فـ**.. اللي سلمتيله نفسك ميييين؟
فتتوالى الصفعات التي لم تدرك عددها على وجهها مع تكرار سؤاله الأخير بصراخ عالي مع محاولتها الاحتماء منه.
لم يتوقف إلا عند سماعه صوت طرقات على باب الغرفة ليستقيم بأنفاس متسارعة ينظر جهة الباب.. فترقبه يسير اتجاه الباب يفتحه بثبات ليجد موظفًا من الفندق يبلغه بأن النزلاء قاموا بإبلاغه بوجود صراخ داخل الجناح.. ليبرر لهم أنه صوت التلفاز وسوف يغلقه.
أما عنها كانت فرصتها الوحيدة للنجاة من بطشه وجنونه في هذه اللحظة فتتحامل على نفسها محاولة الوقوف ولكنها فشلت أكثر من مرة على الوقوف بسبب الإصابات التي طالتها فتبحث بعينيها عن شيء يسترها غير الغطاء لتجد قميص نومها الملقى أرضًا فتزحف بألم تمسك به وتتحامل على حالها مستندة على الفراش لتستقيم محاولة منها الهروب للاحتماء داخل الحمام تستند بصعوبة على الجدار مع شبه انعدام الرؤية لديها حتى تصل لداخله وتغلقه جيدًا من الداخل مع ازدياد الدوار.. من المؤكد ستصاب بالاغماء.. ترفع عينيها للمرآة المقابلة لها لتصدم من رؤية ملامحها التي اختفت تحت آثار الكدمات وجرح شفاها فتتساقط دموعها لتختلط بدماء وجهها حسرة على حالها فتنتفض عند سماع صوت طرقاته القوية يتوعد.
عندما أنهى حديثه مع الموظف التفت يبحث عنها ليتفاجأ بعدم وجودها ويلاحظ إغلاق باب الحمام يطرق بتوعد عليه يقول بغضب:
– افتحي.. افتحي الباب.. لازم أعرف مين عامر؟ ولا حد تاني غيره.. افتحي الباب بقولك بدل ما أكسره.. تقى كان عندها حق طلعتي وسـ** وأنا المغفل اللي خدعتيه.
يوسف الشافعي واحدة فا*** زيك تخدعه. افتحي.
يخرج صوتها بتوسل:
- اقسملك ما عملت حاجة. أنا مش فاهمة حاجة. ارجوك يايوسف.
- ماتجيش اسمي على لسانك الو*** ده، أنا اسمي ما تشيلوش واحدة زيك.
تشعر بتسارع ضربات قلبها وازدياد الدوار وانعدام الرؤية مع سماعها لسبابه وتوعده المستمر لها بالقتل. تحاول الاستناد بيدها على حوض المطبخ فتفلت يدها لتمسك الهواء ويختل توازنها، لتصطدم جبهتها بحافته وتسقط أرضًا غارقة في دمائها.
يسمع صوت ارتطام قوي كالانفجار من الداخل، فيقترب مع انقباض قلبه:
- افتحي. غزل، افتحي بقولك. افتحي مش هاجي جنبك. مش هعملك حاجة. متخلينيش أكسر الباب.
فيزداد انقباض قلبه، أن تكون فعلت بنفسها شيئًا أو أقدمت على الانتحار. وعند هذه النقطة بدأ بضرب الباب بكتفه عدة ضربات لينفتح، ليجدها ساقطة أرضًا تحت رأسها بركة من الدماء.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ترفع عينيها للمرآة المقابلة لها لتصدم من رؤية ملامحها التي اختفت تحت آثار الكدمات وجرح شفاها.
تتساقط دموعها لتختلط بدماء وجهها حسرة على حالها.
فتنتفض عند سماع صوت طرقاته القوية يتوعد.
عندما أنهى حديثه مع الموظف، التفت يبحث عنها ليتفاجأ بعدم وجودها ويلاحظ إغلاق باب الحمام.
يطرق بتوعد عليه يقول بغضب:
– افتحي.. افتحي الباب.. لازم أعرف مين.. عامر.. ولا حد تاني غيره.. افتحي الباب بقولك بدل ما أكسره.. تقى كان عندها حق طلعتي وسـ** وأنا المغفل اللي خدعتيه.. يوسف الشافعي واحد فا** زيك تخدعه.. افتحي.
يخرج صوتها بتوسل:
– أقسملك ماعملت حاجة.. أنا مش فاهمة حاجة.. أرجوك يا يوسف.
– ماتحبيش إسمي على لسانك الو** ده.
أنا اسمي ماتشيلوش واحدة زيك.
تشعر بتسارع ضربات قلبها وازدياد الدوار وانعدام الرؤية مع سماعها لسبابه وتوعده المستمر لها بالقتل.
تحاول الاستناد بيدها على حوض الوجه فتفلت يدها لتمسك الهواء ويختل توازنها لتصطدم جبهتها بحافته وتسقط أرضا غارقة في دمائها.
يسمع صوت ارتطام قوى كالانفجار من الداخل ليقترب مع انقباض قلبه:
– افتحي.. غزل.. افتحي بقولك.. افتحي مش هاجي جنبك.. مش هعملك حاجة.. متخلينيش أكسر الباب.
فيزداد انقباض قلبه أن تكون فعلت بنفسها شيء أو أقدمت على الانتحار.
وعند هذه النقطة بدأ بضرب الباب بكتفه عدة ضربات لينفتح ليجدها ساقطة أرضا تحت رأسها بركة من الدماء.
ليسرع في حملها للخارج بخوف من منظرها ووجهها الذي غطى بالدماء.
يحاول إفاقتها بالضرب على وجهها ولكنه لم تأتيه إجابة منها.
يجري يبحث عن هاتفه ليتصل بأخيه ويقول برعب:
– يامن الحقني بسرعة.. هات عربية اسعاف.. غزل بتموت.
يامن بإنتقاضة:
– في ايه.. إيه اللي حصل.. هببت ايه الله يخربيتك.
– مش وقته.. غزل هتروح مني.
قالها يوسف بصراخ.
فيستقيم يامن يحاول ارتداء ملابسه يقول:
– يوسف اسمعني كويس.. تروح بيها على (.....) دي أقرب مستشفى ليك.. عربية الإسعاف هتتأخر.. وأنا هتصل بالمستشفى أبلغهم بوصولك وأنا جاي حالاً.
يدخل بها من باب الطوارئ محمولة بين ذراعيه مغرقة إياه بدمائها ليصرخ بهم:
– حد يلحقها.. هتروح مني.
ينتشلها أحد الأطباء من يده ويساعده أحدى الممرضات في وضعها على الفراش المتحرك.
ليسمع صوت الطبيب يقول:
– جهزوا العمليات.. الحالة نزفت دم كتير.
وعند استعداده للانصراف وجد من يتشبث بذراعه يقول:
– هتبقى كويسة..
– تقرب إيه للحالة..
يوسف بدموع:
– جوزها.
يجرى بين أروقة المستشفى يبحث عنه فتقع عينيه عليه يجلس على أحد المقاعد يضع رأسه بين يديه.
ليقول لاهثاً:
– إيه اللي حصل يايوسف.. غزل مالها.
يرفع عينه بإرهاق يقول:
– هي جوه في العمليات.. الدكتور بيقول نزفت دم كتير.
ليندهش يامن من حديثه:
– نزيف! هو أنا عملت ايه بالضبط فهمني.. اوعى تكون اتغابيت معاها و..و..
لم يستطع يامن توضيح كلامه أكثر من ذلك لقد أخذت أفكاره اتجاها آخر غير الحقيقة.
فيتفاجأ ببكاء يوسف وانهياره فيجلس بجواره يربت فوق ظهره ليسمعه يقول:
– طلعت خاينة يا يامن.. طلعت خاينة وأنا اللي صدقت براءتها وطلعت مغفل.
ليصدم من حديث أخيه الغير مفهوم:
– إيه اللي انت بتقوله ده.. أنت إزاي تتهمها بحاجة زي دي! أنت اتجننت.
فيسمعه يقص عليه ما حدث بينهما بعيون جاحظة لينتفض صارخاً بوجهه:
– انت اتجننت إزاي واحد متعلم زيك يستعجل في الحكم بالشكل ده.. سيبت ايه للجهلة.. ده الجاهل ما يعملش كدة.. ازاي تشك فيها.
ليصرخ يوسف بانفعال:
– قولتلك مطلعتش بنت.. عايزني أتأكد ازاي أكتر من كده..
ليقطع حديثهم خروج الطبيب منفعلأ بوجه غاضب فيقترب منه يامن بلهفة:
– طمني عليها.. هي كويسة..
– أنت تقرب ايه للحالة اللي جوه..
– انا الدكتور يامن اللي كلمك الدكتور حسام عشان تستقبلوا الحالة وأكون إبن عمها.
الطبيب بعملية:
– الحالة اللي جوه وصلت مضروبة ضرب مبرح ولازم يتعمل محضر بالكلام ده.. ده أولاً.. ثانياً الحالة لما دخلت اتبلغت ان جوزها اللي جايبها ولما كشفت عليها دكتورة النسا لقيناها عذراء تبقى متجوزة ازاي..
ليصدح صوت يوسف بصدمة لا يعلم سببها هل سعادة لبراءتها أم حزن على ماصدر منه:
– أنت بتقول إيه.. نت متأكد من اللي بتقوله ده.
ينظر له الطبيب بارتياب بسبب الدماء التي تلطخ ملابسه:
– مين حضرتك..
يامن محاولا تهدئة الوضع:
– ده.. يبقى جوزها.
فيمرر الطبيب نظره بينهما بضيق حيث فهم الأمر ويقول:
– انت اللي عملت فيها كده عمومأ!
يادكتور يامن احنا هنكتب تقرير بالحالة عشان حق المريضة ما يروحش.
ثم يوجه حديثه ليوسف المصدوم بقرف يقول:
– وأنت! دكتورة النسا اللي كشفت عليها تبقى تروحلها.. أكيد فاهم ليه.. طبعاً ..عن اذنكم.
يتركهما وهو يسب ويلعن في أمثاله من الجاهلين.
ليلتفت له يامن بغضب:
– سمعت يا بيه بودانك.. طبعاً لو أنا اللي كنت قولتلك كنت كدبتني وصدقت نفسك وشكوك بس.. أنت عمرك ماهتتغير هتفضل تأذي اللي حوليلك زي الدبة اللي بتقتل صاحبها.. يوسف! ده اخر كلام عندي انت وغزل ماتنفعوش لبعض سيبها لحالها.. لانك بقربك ليها هتدمرها.
يوسف بشعور مختلط لا يعلم أيسعد لبراءتها ام يحزن لظلمه لها.. لقد كاد أن يقتلها بتهوره.
ليقول يوسف:
– مش مهم اللي انت قولته ده.. أنا كل اللي يهمني انها طلعت بريئة مش خاينة.. مش خاينة يا يامن.
– انت فاكره انك بعد اللي صدر منك هي هتقبل تبص في وشك حتى..
ليمسك يوسف أخيه من مقدمة قميصه يقول بين أسنانه:
– يا أخي ارحمني.. هو أنا مش اخوك.. حس بيا والمصيبة اللي أنا فيها.. سبني افكر هحلها ازاي..
فيشعرا بفتح باب العمليات ليشاهدا خروجها على الفراش المتنقل ليجري كلاهما عليها.
يقول يوسف بتوسل:
– غزل.. غزل.. حبيبتي ردي عليا ياقلب يوسف.. هي مابتردش ليه..
لتقول الممرضة:
– هي تحت تأثير المخدر.. شوية وهتفوق احنا هننقلها غرفتها وشوية الدكتور هيجي يطمن عليها.
ليتحرك الفراش بها ويختفي تحت أنظاره النادمة خلف غرفتها.
يسير بأروقة الشركة بضيق حاملأ بعض الملفات.
لقد أصبح حمل العمل على عاتقه بعد انشغال يوسف مدة طويلة لتجهيز الزفاف ومدة شهر العسل كفيلة أن تفقده أعصابه فيما بعد.
ليرفع نظره ليراها من بعيد تودع محمد وتهم بالانصراف فيجد نفسه يهرول للحاق بها قبل دخولها المصعد ولكنه فشل في اللحاق بها.
ليقف منفصلا عن العالم للحظات ينظر للفراغ بعيون مفتوحة لإيجاد إجابة للسؤال الذي دار بعقله.
لما كان ملهوفا لإيقافها والحديث معها..
ليحك رأسه بغباء ويعود متجهأ لمكتب محمد.
– السلام عليكم.. ممكن ادخل..
قالها شادي بعد ان دخل وجلس أمام المذهول من تصرفه.
ليبتسم محمد:
– هو أنت بتستأذن بعد مابتقعد.. عموما ياسيدي اتفضل.
شادي بحرج:
– معلش يامحمد.. مش مركز شوية.. انت اخبارك ايه.. هتجوز انت وسوزان امتى..
محمد بضيق:
– والله ياشادي مش عارف في حبة حاجات لسه معطلانا.
– ربنا يكملكم على خير.. قولي أنا لمحت حد كان عندك من شوية!
محمد وهو مشغول بالحاسوب:
– آه اه دي سمية.. انت شفتها في خطوبة تقى كانت غزل سايبة معايا راتبها وجت تاخذه.. عشان هي اجازة اليومين دول بسبب الاختبارات.
– هي شغالة عندكم بقالها كتير..
محمد بتعجب من حديثه:
– سمية! مين قال ان سمية شغالة عندنا.. صديقة العيلة.. مش شغالة عندنا.
شادي:
– مش فاهم.. الحقيقة ترابطكم معاها في شيء غريب أنا مش فاهمه.
محمد بانتباه:
– سمية دي واحدة من الأسرة.. والدها الحاج رضا كان صديق والدي الله يرحمه من زمان وسمية كانت بتيجي واحنا صغيرين تلعب معانا.
ليلاحظ إهتمام شادي بالحديث وتعجبه من كلامه ليكمل ويقول:
– شوف قصة سمية قصة طويلة وقصة مأساوية.. حابب تسمعها.
ليهز شادي رأسه باهتمام.
فيقول محمد وهو يلاعب قلمه:
– الحاج رضا صديق والدي تاجر مصنع خشب كبير وكان شريكه اخوه.. كان ميسور الحال جدأ.. لحد ما فيوم اكتشف تلاعب من اخوه واتخانق معاه بعدها اخوه زور أوراق بان رضا باع له نصيبه.. سمية ماسكتتش هددت انها تطعن بالتزوير.. جه عمها ساومها وقال تأخذ نصيبها لو اتجوزت ابنه شريف.
شادي باهتمام:
– ووافقت..
– لا طبعأ.. وده اللي سبب اللي حصل بعد كده.. فيوم عم رضا وسمية ومراته كانوا راجعين من فرح طلع عربية نقل قدامهم خلت العربية اتقلبت اكتر من مرة .. ومفيش حد خرج سليم منها وللأسف توفت الحاجة وسمية هي اكتر حد اتأذى في الحادث..
فضلت تقريبًا مدة بين العمليات وتركيب مسامير وشرائح في إيدها ورجلها والعلاج الطبيعي مدة كبيرة بتعاني. لدرجة إن عم رضا باع كل حاجة عشان علاجها، إلا شقتهم اللي هي باسم سمية، رفض يبيعها.
يظهر التأثر على شادي الآن، وضح الأمر أمامه ليقول:
– يعني تقصد تقول إن الحادث مدبر!
– طبعًا.
ليجلي شادي صوته يقول:
– أنا فعلًا استغربت من مستوى عيشتها ومعاملتكم إنها واحدة منكم.
– فعلًا واحدة مننا.
– شكرًا يا محمد.. أنت كده قطعت عليا نص الطريق.
***
أمام العناية المركزة يقف بملابسه الممتلئة بدمائها، مستندًا على زجاج الغرفة برأسه، شارد في ملامحها اللي اختفت تحت أثر الكدمات. بيصل لجسدها كتير من الأسلاك. فيجد من يربت على كتفه ويقول:
– كفاية يا يوسف وقفتك كده ملهاش لازمة.. روح غير هدومك.. وكمان إحنا لازم نبلغ عمي لأن شكل موضوعها هيطول.
يوسف باندفاع:
– لا.. ماتقولش لعمي! ممكن يجراله حاجة.. أنا هتصل بيه أقوله إننا سافرنا.. آه سافرنا في أي حتة وكده كده هو كان مسافر عشان اللي أنت عارفه.. ماشي يا يامن اتفقنا مش هنقوله لحد ما تقوم غزل بالسلامة.
– مش عارف أقولك إيه بس.. هقوله إنك سافرت بس بشرط تروح تغير هدومك دي يلا روح.
– حاضر حاضر هسمع الكلام.
فينصرف يوسف بسرعة ويترك يامن خلفه شاردًا.
***
يقف منتظرًا أمام باب الجامعة على رؤيتها. لا يعلم عدد المرات التي وقف فيها منتظرًا ليراها تشرق من باب الجامعة، تسير بخجل بملابسها الفضفاضة وحجابها يزين رأسها. آخر ما كان يتوقع أن يقع في حب فتاة محجبة. يقطع تفكيره اقتراب شاب عشريني منها. في بادئ الأمر اعتقد أنه شخص سمج يعاكسها، إلا أن وقفتها له وتحدثها معه جعلته ييقن أنها تعرفه. ليقبض على مقود السيارة بشده منتظرًا انتهاء هذا المشهد. فيجدها تلوح بيديها أمام وجهه ويظهر على وجهها علامات الغضب. ما الذي أغضبها من هذا السمج؟ ليتحول الأمر فجأة لصدمة. صدمة ما شاهد وصدمتها في آن واحد عندما تطاول هذا السمج عليها ولطمها لطمة قوية، كفيلة أن تشعله. ليمد يده يأخذ شيئًا من سيارته ويتجه مندفعًا بغضبه لهذا الوقح.
ليرفع مسدسه أمام هذا السمج ويقول بصوت غاضب:
– هي أمك معلمتكش إن الستات ما بتضربش؟
لتقف مذهولة من ظهور شادي المفاجئ مدافعًا عنها، ليحدثها قائلًا:
– اركبي العربية.
لتهتز حدقتها باضطراب. فيقول شريف:
– أنت مين أنت؟ وإيه اللي دخلك هنا؟
– أنت اللي زيك يخرس خالص عشان ما تروحش لامك على حتتين.
سمية بخوف:
– لو سمحت نزل المسدس ده أنا مش عايزة فضايح.
– الحيوان ده عايز منك إيه؟
شريف بشياقة مصطنعة:
– أنا ابن عمها وخطيبها، أنت بقى بتدخل بصفتك إيه؟
لتصرخ سمية:
– كداب.. آه ابن عمي بس مش خطيبي.. هو الجواز بالعافية يا أخي.
شادي ببرود:
– امشي يلا من هنا بدل ما أعلمك الأدب.
فيفضل شريف الانسحاب مؤقتًا، ليوجه حديثه لها:
– أنا ماشي.. بس هتشوفيني كتير يا سمية.. سلام.
ليقود سيارته بسرعة مخلفًا خلفه سحابة من الأتربة.
– اركبي.
سمية ببعض الشجاعة:
– لا شكرًا أنا..
يقطع حديثها بهسيسه الغاضب:
– أنا مش هكرر كلامي.. اركبي.. بدل ما والله أشيلك وتبقى فضيحة بجد.
لا تعلم لما لبت رغبته، هل ضعف أم خوف أم شيء تجهله.
– هو السخيف ده ابن عمك بجد؟
– أيوه طبعًا يعني هكون كدبت.
– لا أبدًا بس بيقول إنه خطيبك. وازاي تسمحيله يمد إيده عليكي؟ أنا كنت شوية وهضربه.
– لا مش خطيبي.. ممكن توقف العربية لو سمحت هنا.
– ليه رايحة فين؟
– لو سمحت وقف العربية.. وشكرًا لخدمات حضرتك.
شادي بتحدي:
– لا.
سمية بخوف:
– يعني إيه لا! لو سمحت أنا عايزة أنزل.
ليوقف السيارة، فتحاول فتح الباب لتجده مغلقًا وترتعب.
– الباب لو سمحت.
ليواجهها بجسده يقول:
– ممكن نتكلم شوية؟ انتي قلقانة ليه؟ أنا بقالي مدة بدور عليكي ومش لاقياكي، حتى فرح غزل كنت مستنيكي!
سمية بتوتر:
– وليه كل ده؟
كان يحاول اختلاق أي شيء لتبقى أكثر وقت معه، لتشرد عينيه على حجاب رأسها وعيونها البنية. فهي جمالها بسيط أو أقل من البسيط، ولكن بها شيء مختلف لا يعلمه.
– أستاذ شادي.. أنا بكلم حضرتك.
شادي بانتباه:
– آه.. كنت بقول إن كنت بدور عليكي عشان في حاجة نسيتيها معايا.
ليدخل يده في جيب سترته ويخرج منها هاتفها المتنقل الصغير ذو الأزرار، ويمد يده به لها.
سمية باندهاش:
– تليفوني! حضرتك لقيته فين؟
شادي بابتسامة:
– شكلك نسيتي إني وصلتك قبل كده، والحقيقة انتِ نسيتيه معايا يوميها.
– شكرًا لحضرتك.. عن إذنك.
ليتهور ويمسك ذراعها، فتمرر نظرها بين يديه ووجهه بصدمة.
– استني أنتِ مستعجلة ليه؟
– شيل إيدك لو سمحت.
ليرفع يده بصدمة ويقول:
– أنا آسف أنا فعلًا آسف ما أقصدش. قوليلي بس عايزة تروحي فين وأنا أوصلك.. وما تقوليش لا عشان مش هسيبك تنزلي.
سمية بغضب:
– بالعافية يعني؟
شادي بخبث:
– بالرضا.. كله بالرضا.
***
يجلس بجوار سريرها بالمستشفى، يراقب ملامحها التي اختفت خلف كدماتها. أكثر من أربع ساعات وهو على نفس الوضعية، منتظرًا إفاقتها حتى يقدم لها اعتذاراته، لعلها تغفر له خطأه. أثناء انتظاره كانت تهتز حدقتها بشدة كأنها تصارع شيئًا خفي، وتصدر منها أنين منخفض. ليتساءل هل تتألم؟
حاول أخيه كثيرًا أن يثنيه عن قراره بالانتظار جوارها، خوفًا من رد فعلتها عند رؤيته بعد الإفاقة. ليتركه ويعود إلى الفيلا لتبديل ملابسه والاطمئنان على ملك وعمه.
أثناء شروده بوجهها لاحظ سقوط خصلات شعرها على عينيها، فتحجب عنه رؤيتها.
ليقترب منها بهدوء ويجلس بحوارها على السرير حتى يزيح الخصلة المتمردة من فوق عينيها. ويمد يده ويقوم بمسك يدها المتصلة بالمحلول، فيشعر بعد لحظات بغلق أصابعها على كفه، كأنها تستمد منه القوة والأمان. ليهمس لها:
– غزل! غزل! أنا جنبك ومش هسيبك.. أنتِ سامعاني؟ فوقي وملكيني.. ماتسبينيش أتعذب كده ارجوكِ.. قومي اتخانقي معايا.. اشتميني.. بس سامحيني.
ليقترب إليها ببطء ويطبع قبلة طويلة فوق جبينها ويبتعد عنها. لتلاقي عينيه البنية بعينيها الرمادية، فتهتز حدقتيه بتوتر ويقول بصوت متألم:
– أنتِ صحيتي؟
فيُرفع يدها ويقبلها أكثر من قبلة ويكمل:
– أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟
فيطول صمتها ليقول:
– طمنيني عليكي.. أنتِ مش عايزة تكلميني عليكي؟
ليلاحظ أثناء حديثه صمتها المخيف مع ثبات حدقتها بدون حركة، ووجهها الجليدي الذي يفقد أي انفعال.
ليقول بتوتر:
– غزل ردي عليا.. أنا عارف إن اللي عملته فيكي شيء صعب.. بس اعذريني أنا كنت هتجنن ومش مستوعب إزاي تكوني... تكوني... غزل ردي عليا طيب قومي زعقي واشتميني.. بس ما تبصيش كده.
ليشاهد تحرك حنجرتها بسبب ابتلاعها لريقه بصعوبة. فيخرج صوتها بصعوبة:
– عطشانة.. عايزة ميه.
ليقفز يوسف من جوارها ويجلب لها كوب المياه، ويحاول إسنادها بذراعه ويقرب المياه من شفتيها، ويسندها مرة أخرى على السرير بعد الانتهاء. فتغمض عينيها وتقول بصوت يكاد أن يسمع بصوتها المتألم:
– أنا عايزة أنام!
ليربت على رأسها ويقول:
– نامي يا حبيبتي.. نامي وأنا جنبك.
ظل يراقبها وهي على فراشها، يلاحظ أوقات تعبس وتتشنج فيقترب منها مسرعًا ليهدئ ارتعاشها بضمها لصدره، وأوقات يجدها تبتسم كأنها ترى شيئًا يسعدها، فيبتسم بدوره لابتسامتها. ليسأل نفسه هل بالفعل أحبها كل هذا الحب؟ أم أنه موهوم بحبها؟ وهل كانت ثورته عليها بسبب غيرته أم لأنه شعر بجرح رجولته وعلى كل زوج شرقي أن يصدر منه نفس التصرف؟ أم لأنه شعر أنه تعرض للخداع للمرة الثانية، وهو من أقسم ألا يسمح لمن تخدعه مرة أخرى؟ فيقفز أمام عينيه صورة تقى في بداية معرفته بها، وهي تعد له مساوئ غزل التي لا تحصى. يشعر أنه إذا رآها سيقتلها على ما قالته، والذي رسخ لديه فكرة لا يستطيع محوها مهما حدث.
يدخل يامن بهدوء، ويقترب منه يقول:
– ما صحيتش لسه؟
ليغمض يوسف عينيه بإرهاق ويرجع رأسه للخلف ويقول:
– صحيت تلت مرات، كل مرة تطلب ميه وتنام تاني.
ليربت يامن على كتفه ويقول:
– معلش يا يوسف، أكيد اللي حصل مش سهل ولازم نتوقع أسوأ فعل منها.. أنا كنت خايف لما تفوق وتشوفك تنهار ومانقدرش عليها.
ليوُجه يوسف نظره لأخيه ويجيبه:
– أهو أنا دلوقتي قلقان أكتر من الأول.. ثباتها وعدم انفعالها عليا ده مش مطمني.. مش قادر أفكر وأقدر أستنتج هي ناوية على إيه؟
يومئ يامن رأسه بتفهم ويقول:
– متقلقش، أنا مش هسيبها بس يا ريت الفترة دي تبعد عنها لحد ما نشوف الأمور هتوصل لإيه.
– لا طبعًا مش هسيبها.. حتى لو هي طلبت ده.. أول ما تفوق أنا هاخدها معايا، أنا عندي شاليه في الساحل هاخدها تقضي يومين هناك.
– في الساحل؟ آه يا نمس.. أنت مقضيها بقى.
يوسف بحدة:
– يامن بالله عليك مش فايقلك، محدش يعرف موضوع الشاليه غيرك، يعني تقفل البلاعة.
– وأنت فاكر إنها هترضى تيجي معاك؟
يوسف بخبث:
– هتيجي إن شاء الله هتيجي.
***
ينظر إلى الأوراق أمامه لا يفقه منها شيء، كأن الكلمات والسطور مُحيت من الأوراق وتركت الصفحات بيضاء. يجلس على هذا الوضع من أربع ساعات لا يستطيع التركيز.
فالمشهد المخجل يتكرر أمام عينيه مرات ومرات. ومع أنه يستحق ما حدث له، إلا أنه سعيد بهذه الصفعة التي هزت كيانه، رغم قوة الصفعة التي صدرت من كيان أنثوي هش، لتجعله يبتسم بشرود كلما تذكر. هل وصل به الحال أن يحب الإهانة؟
أم هذه الصفعة لها رأي آخر، كأنها تداعبه.
لم يدرِ كيف أتته الجرأة على محاولة تقبيلها بسيارته وسط الطريق العام، بعد أن رفض نزولها منه وأصر على توصيلها للخالة صفا.
لكنه لم يشعر بنفسه إلا وهو ينظر لعينيها الساحرتين، ليراقب بعدها شفتيها المتفجرتين، ويفقد السيطرة على نفسه ويهجم عليها ليقبلها بدون وعي، كأنه يلبي نداءهما.
لم يشعر بمقاومتها العنيفة له، في محاولة منها لإبعاده، لتضربه ضربة قوية بصدره، وتليها صفعة قوية من يدها الصغيرة.
ليثبت بعدها مذهولاً، أحظ العينين من تصرفه المخجل.
ليفيق مرة أخرى على صراخها في وجهه بأن ينزلها من سيارته، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يحرر قفل الباب الموصد دون أن ينبس بكلمة.
لتفر من جواره هاربة.
ليجذب هاتفه المحمول ويقوم بالبحث عن اسمها من القائمة ويضغط على زر الاتصال.
لينتظر شادي إجابتها، يريد أن يستمع لصوتها ويطمئن على حالها.
سمية:
السلام عليكم.
شادي:
......
سمية:
الو.. مين معايا؟
شادي يبتلع ريقه بصعوبة ويجيب:
سمية.. أنا آسف.
لتجحظ عيناها وتتسارع أنفاسها، وتسرع في غلق هاتفها، لترفع عينيها بمرآة بمدخل شقة الحاجة صفا، لتجد احمراراً شديداً بعينيها نتيجة البكاء المستمر بسبب ما حدث.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ينظر إلى الأوراق أمامه لا يفقه منها شيء. كأن الكلمات والسطور مُحيت من الأوراق وتركت الصفحات بيضاء. يجلس على هذا الوضع من أربع ساعات لا يستطع التركيز. فالمشهد المخجل يتكرر أمام عينه مرات ومرات. ومع أنه يستحق ما حدث له إلا أنه سعيد بهذه الصفعة التي هزت كيانه. رغم قوة الصفعة التي صدرت من كيان أنثوي هش، لتجعله يبتسم بشرود كلما تذكر. هل وصل به الحال أن يحب الإهانة؟ أم هذه الصفعة لها رأي آخر كأنها تداعبه؟
لا يعلم كيف أتته الجرأة على محاولة تقبيلها بسيارته وسط الطريق العام بعد أن رفض نزولها من سيارته وأصر عليها توصيلها للخالة صفا. إلا أنه لم يشعر لنفسه إلا وهو ينظر لعينيها الساحرتين. ليراقب بعدها شفتيها المتفجرتين ليفقد السيطرة على نفسه ويهجم عليها لتقبيلها بدون وعي كأنه يلبي ندائهما. ولم يشعر بمقاومتها له العنيفة في محاوله منها أن تبعده. لتضربه ضربة قويه بصدره وتليها صفعة قوية من يدها الصغيرة. ليثبت بعدها مذهولًا جاحظ العينين من تصرفه المخجل. ليفيق مرة أخرى على صراخها في وجهه بأن ينزلها من سيارته. فلم يشعر بنفسه إلا وهو يحرر قفل الباب الموصد دون أن ينبث بكلمة. لتفر من جواره هاربة.
ليجذب هاتفه المحمول ويقوم بالبحث عن اسمها من القائمة ويضغط على زر الاتصال. لينتظر شادي إجابتها يريد أن يستمع لصوتها ويطمئن على حالها.
سميه:
السلام عليكم.
شادي:
...
سميه:
الو.. مين معايا؟
شادي يبتلع ريقه بصعوبة ويجيب:
سميه! أنا آسف.
لتجحظ عينيها وتتسارع أنفاسها وتسرع في غلق هاتفها. لترفع أعينها بمرآة بمدخل شقة الحاجة صفا لتجد احمرار شديد بأعينها نتيجة البكاء المستمر بسبب ما حدث.
...
بعد أن علمت من يامن حاله غزل مع إصراره على عدم إبلاغ أي شخص آخر، شعرت بالبرودة تسري بجسدها وخوف عليها. لا تعلم متى شعرت بمشاعر الإخوة معها. كانت دائمًا ناقمة عليها وتنكر اخوتيها لها. ولكن تبدل بها الحال بعد ما حدث بينها وبين يوسف وعلمت وقتها أنها كانت مخدوعة به وبمظهره. ولكن الحق يقال فهو له الفضل الكبير لتغيرها للأفضل.
تسير في أروقة المستشفى تبحث عن حجرتها. لقد أبلغها يامن برقمها. لتجدها فلم تتمالك نفسها إلا وهي مندفعة داخل الحجرة بدون الطرق على الباب. لتقف مذهولة من المشهد. فيوسف يقف بجوار السرير منحنيًا فوق غزل التي لم يظهر ملامحها من كثرة الكدمات يقبلها بشغف. لتدقق النظر وتكتشف ثبات غزل وعدم استيعابها لما يحدث حولها. ليبتعد يوسف عن وجهه غزل دون أن يستقيم أو يترك وجهها الساكن بين يديه. ويرسل لها نظرات غاضبة تظهر منها الكره. ليقول:
انت إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي تدخلي من غير إذن؟
لتتوتر تقى وتتلعثم:
أنا.. أنا جيت أشوف غزل.. أنا اسفه كنت فاكراها لوحدها.
يلوي يوسف فمه بابتسامة استهزاء ويريح رأس غزل على الوسادة ليستقيم ويقترب منها بهدوء ليقول بجفاء:
وانت بقى جاية تطمني عليها فعلًا ولا تشمتي فيها؟
تقى ببكاء تحاول السيطرة عليه:
أنا أشمت فيها؟ إزاي تقول كده! أنا والله جاية اطمن عليها لما يامن لقاني قلقانه انها مش بترد عليا قالي اللي حصل.. وجيت على طول.
يوسف بعدم اقتناع:
وكمان عرفتي اللي حصل؟
لتخجل تقى من تلميح يوسف فتنظر لقدمها بصمت. لتفزع من صوته الجمهوري يقول:
بصيلي هنا.. ومتمثليش عليا دور الملاك اللي بجناحات عشان أنا فاهمك كويس.. وأحب أعرفك إنك أنت كنتي سبب من الأسباب اللي خليتني عملت فيها كده.
ليمسك ذراعها بقوة ويدفعها خارج الحجرة ويغلق بابها وهو يضغط على ذراعها ليقول:
مش أنت اللي فضلتي تلعبي في ودني وتزني وتقولي عليها بتحب تلم الرجالة حوليها وكلام تاني كتير لحد ما صدقت فعلًا إنها ممكن تبقى مع أي حد..
ليهزها بقوة ويصرخ:
ها ردي؟
تقى ببعض الشجاعة:
ونفترض إني قولتلك كده، إيه اللي خلاك تجوزها وانت متأكد انها مش بريئة؟ ولما أنت مصدقني كنت فرحان ليه بجوازك منها؟ ولما أنت مصدقني وكنت عارف انها مش كويسة اتصدمت ليه لما اكتشفت انها مش.. مش..
ليصرخ يوسف:
إخرسي، إياكي تجيبي سيرتها على لسانك فاهمة؟ أنا لولا إن أخويا عايزك ومصمم عليكي كنت بعدتك عنه.
تقى ببكاء وانهيار:
حرام عليك يا اخي حرام عليك.. عمال تتهمني من الصبح وانا ساكته بس أنت عارف يا يوسف.. انت هدمت الصورة الحلوة اللي كنت رسمهالك.. انت عايز تلوم أي حد غيرك على أخطائك.. عمال بتتهمني إني السبب.. بس سايب نفسك انت مش قادر تواجهها.
ليضغط على ذراعها بقوة جعلتها تصدر آنه ضعيفة. ليقطع المشهد صوت يامن المذهول الحامل لكوبين من القهوة:
إيه اللي بيحصل؟ أنت ماسكها كده ليه!
ليتركها يوسف وينظر لهما ليتركهما وينصرف لدورة المياه في آخر الممر.
ليقول يامن:
في إيه يا تقى؟ يوسف كان ماسكك كده ليه؟ وكان بيزعق.
تقى بضعف:
مفيش يا يامن، هو أعصابه تعبانة وزعق لإن عملت دوشه وكنت هصحي غزل.
يامن بعدم اقتناع:
بس كده؟
لتهز رأسها بنعم. لينظر لها ويفكر فيما تخفيه عنه تقى.
...
في كافيتريا الشركة أثناء فترة الراحة.
ينظر لها بترقب منتظر إجابتها على اقتراحه الذي يريح جميع الأطراف ليقول مشجعًا:
ها ياسوزان رايك إيه؟
فتفرك أصابع يدها بتوتر وتقول:
يا محمد أنا كان نفسي يكون ليا شقه خاصة بيا أفرشها وأوضبها على مزاجي، وحاسة مش هبقى براحتي لو وافقت إن اسكن معاك في نفس شقه مامتك.
محمد بتشجيع:
إيه بس اللي قلقك؟ الحاجة راويه وانت عارفاها بتحبك زي تقى وغزل والكلام ده مؤقتًا لحد الساكن ما يطلع.
سوزان بغضب:
ده مكنش كلامك يا محمد.. انت قولتلي انك هتاخد شقه من العمارة وهتفرشها.
محمد:
ياحبيبتي أنا فعلًا قولت كده على أساس إن الراجل اللي مأجر راجل مسن، وكان هيسافر لابنه ويسيب الشقه، لكن بعد كده أجل سفره.. مش معقول هطرد راجل كبير من الشقة ربنا حتى مش هيباركلي.
سوزان بحزن:
طيب أنا ذنبي إيه ها؟
محمد:
أنا عارف إنك طيبة ومايهونش عليكي راجل كبير يتبهدل هو مأجل سفره، نتجوز وبعد ما يسافر نوضب الشقة.. ها إيه رايك؟
سوزان بطاعة:
خلاص.. موافقه.
محمد:
يا الله اخيرًا وافقتي.. أيوه كده خلينا نتلم بقى ونحط زيتنا على سمنتنا.
لتصحح له:
على دقيقنا علي فكره مش سمنتنا.
ليضحك محمد ويقول:
عمومًا كله هدفه واحد إننا مع بعض.
تشعر بالاختناق من كثرة البكاء. كادت الصدمة أن تصيبها بأزمة قلبيه إلا انها هدأت قليلًا بعد أن تأكدت للمرة الرابعة بعدم حدوثه. كادت الصدمة أن توقف قلبها عندما قامت بالاختبار الأول وظهر لها الاختبار إيجابيًا. لتسرع في شراء ثلاث اختبارات، لتقوم من التأكد من هذه الكارثة. لتنتبه إلى صوته من خلف باب دورة المياه يناديها بلهفة وخوف:
ملك.. ملك.. أخرجي وطمنيني، مش هينفع اللي بتعمليه فيا ده.. افتحي أنا أعصابي تعبت.
ليفتح الباب وتطل من خلفه منكسة الرأس. فتزداد ضربات قلبه خوفًا مما ستخرجه من فمها من كوارث. فيبتلع ريقه بصعوبته ويقول بصوت مهزوز:
طمينيني.. في حاجة؟
لينتظر.. وينتظر إجابتها. لم يمر ثواني قليلة شعر فيهم بأنهم سنوات عقيمه. فيرى شفتاها تتحرك بصعوبة وتخرج بعض الكلمات الغير مسموعة له. ليقول لها:
إيه.. مش سامعك.
فتحرك رأسها بالنفي وتقول:
مافيش.. الحمد لله، التحليل سلبي.
ليزفر بقوة ويقول:
الحمد لله.. أنا كنت هموت من القلق.. مش عارف لو المصيبة دي حصلت كنّا عملنا إيه؟
ملك بتأثر:
الحمد لله.
ليلاحظ جاسر عبوسها ليتسأل:
مالك ياملك زعلانه ليه؟
ملك بحزن:
اصل شكلك فرحان أوي اني مطلعتش حامل، شكلك مش عايز ولاد مني.
جاسر:
إيه الكلام ده ياملك؟ طبعًا نفسي بس الوضع دلوقت ماينفعش.. اروح أقول لأخوكي ايه انا طالب أيد مراتي اللي هي حامل في ابني؟
ملك بعصبيه:
بقولك إيه يا جاسر.. أنا كنت هموت من الرعب من فكرة إن أكون حامل.. أنا مش هقدر أجازف تاني.. شوفلك حل مع يوسف، أنا كده بموت بالبطيء.
جاسر:
يعني إيه؟
ملك بصرامة:
يعني حكاية إن أقابلك تاني لا.. المرة دي ربنا سترها يا عالم هيحصل ايه تاني.
جاسر بخبث:
هو مش انت مأمنه نفسك وبتاخدي الحباية؟ ايه اللي مخوفك بقي؟ وكمان اللي أنت بتطلبيه صعب.. إزاي هقدر استحمل أبعد عنك؟
ليقترب إليها ويضمها إلى صدره بحنان بالغ ويقبل جانب عنقها. فجعلها ترفع ذراعيها لتحيط بعنقه وتقول:
وأنا كمان مش هقدر أبعد عنك ياجاسر مش هقدر.
...
شعور غريب.. بل الأصح شعور جديد من الغربة. دائمًا هي بغربة. لقد تربت ونشأت بكنف أناس غير والديها فكانت أول غربة. لتزداد غربتها مع انقطاعها عن التواصل بما حولها لتتسع دائرة غربتها. ورغم ذلك كانت متأقلمة مع غربتها لشعورها بنسمات الحب والأمان من حولها. لتتناسى غربتها وتشعر أنها على شاطئ الأمان. أما الآن، إنها تفيق من استسلامها على امواج شنعاء تسحبها إلى أعماقه مرة اخرى. لتشعر بغربتها التي تزداد اتساعًا وترتفع الرايات السوداء. لتترك ما اعتادته وتعاشر أناس آخرين غرباء عنها.
ولكنهم أقربهم دمًا، فتحاول مرة ثانية للتعايش مع غربتها والحد من اتساعها، فتغص في محاولة منها للاستلام من جديد. وفي لحظة تغافل منها سلمت مقاليد حياتها لمن لا يستحق، فتظل حبيسة له بعد أسرها، فهل من فرار؟
مستلقية فوق فرشها الغريب عليها، لا تعلم كم مر من الوقت على إفاقتها لتصدم أنها ليست بغرفة المشفى ولا على فراشها التي اعتادته عدة أيام قليلة. تجهل كيف أتت إلى هذه الغرفة إلا بعد سماع صوت يتحدث بهاتفه خارج غرفتها، ليتضح صوته.
وأثناء ذلك تشعر بتحرك مقبض الباب ليدخل وهاتفه على أذنه، إلا أنها استرعت بالهروب من مواجهته واصطنعت النوم. لتقنع حالها أنها ليست بخائفة منه، بل هي تحتاج فترة قليلة لتستعيد قوتها مرة أخرى، وتستطيع حينها ترتيب قراراتها بكل حرية. قراراتها التي من المؤكد بعدها ستقام معركة حامية لتنتصر بها وتستطيع الابتعاد عنه بعدها، وسيكون قرارًا لا رجعة فيه.
لتشعر بخرجه مرة أخرى وإغلاق الباب خلفه، فتفتح عينيها وترفرف بارتياح لابتعاده.
***
بعد خروجه من حجرتها والاطمئنان عليها، وهو مستمر في الاستماع لتوبيخ أخيه المتواصل له واتهامه بهمجيته واختطافه، ليزفر بقوة مع الضغط على أسنانه ليقول:
– بقولك إيه، مافيش زوج بيخطف مراته. وأنا حر يا أخي، أخرجها من المستشفى في الوقت اللي أنا أحدده. أنا مش هاخد الأذن منك.
يامن بغضب مستعر:
– انت أكيد اتجننت. وأقسم بالله يا يوسف لو غزل حصلها حاجة، لاتصل بعمك وأبلغه باللي حصل. ويستحسن تعرفني انت فين!
يوسف ببعض الهدوء:
– اعمل اللي تعمله. ما أنت خلاص مش همك مصلحتي. انت مش بتفهم، بقولك أخدتها عشان أصلح اللي حصل. عايزني بقى آخدها الفندق عشان تفتكر اللي حصل، ولا أرجع الفيلا وأقطع شهر العسل وما أسلمش من أسئلة ملك، ولا أعرف أنفرد بيها؟ أنا كل اللي عملته عشان مصلحتنا احنا الاتنين. فهمت ولا أقول تاني؟
ليصمت يامن ليفكر بأمر أخيه ويزن حديثه، ليقول:
– طيب هتغيب قد إيه؟
يوسف:
– مالكش فيه بقى.
يامن بهدوء:
– يوسف.. لازم غزل تعرف، أنا ضميري بيأنبني إننا خدعناها. ولازم تقولها.
يوسف:
– مش وقته يا يامن. أوعدك إن الأمور لما تستقر أبلغها. فاهمني؟
يامن:
– ربنا يقدم اللي فيه الخير. بس ما تقفلش موبايلك عشان أعرف أطمن عليكم وأعقل كده. ها، أصل أنا عارفك متهور.
ليبتسم يوسف على حديثه ويجيبه:
– ما تقلقش، بس ادعيلي. مع السلامة.
لينهي المكالمة وينظر لباب غرفتها بشرود ليقول بنفسه:
– وبعدين معاكي يا غزل. هتفضلي تمثلي إنك نايمة كده كتير؟
ليترك غرفتها ويتجه إلى المطبخ ليحاول إعداد لها وجبة ساخنة لها، ليقف وسط المطبخ ليدري ماذا يفعل. فهو يجهل كيفية إعداد البيض المسلوق. كيف سيعد لها الطعام؟ حتى لو حاول الاتصال بأي مطعم لن يصل إليه. فيعتبر هذا الشاليه بعيدًا عن العمران والناس، ولا يوجد بجواره إلا عدد قليل جدًا من الشاليهات المهجورة في ذلك الوقت. لتقف فكرة في عقله حلًا لهذه المعضلة.
يخرج هاتفه من جيب سرواله ليقوم بالبحث عن وصفة لإعداد حساء ساخن لها، حتى وصل إلى هدفه. ليستعد كأنه شيف بمطبخه ويفك أزرار قميص ذراعيه ويشمره حتى يتحرك بأريحية.
بعد الانتهاء من إعداد الحساء الساخن بنجاح، نظر من حوله لما حدث بطبخه فيشمئز مما لحق به ليقول:
– هو إيه اللي حصل في المطبخ! كل ده عشان حبة شربة خضار. الستات برضه بيتعبوا. أنا كده لازم أبعت لهناء في أسرع وقت.
***
يطرق الباب رغم علمه أنها لن تجيبه، ولكنه يحاول أن يترك لها بعض الخصوصية ويظهر لها تغيره، ليدخل بعد الطرقة الثالثة ويدفع الباب بهدوء ليتفاجأ بها جالسة نصف جلسة على فراشها، لم تلتفت إليه عند دخوله. ألمه بشدة مظهر وجهها المكدوم، ليشعر بألم شديد بقلبه. كيف طاوعته نفسه أن يفعل بها هذا ويؤلمها هذا الألم بدون تبين الحقيقة؟ ليجلي صوته ويقول بمداعبة عكس ما يشعر به:
– صباح الخير. كويس إنك صحيتي.
ليسند الحساء على طاولة جانبية ويقوم بالجلوس بجوارها ليواجهها ويترك لنفسه فرصة تأملها، فيلاحظ إصرارها على الصمت. حتى النظر إليه تبخل به عليه. فيهمس لها:
– غزل!
ويحاول مسك كف يدها إلا أنه شعر بتشنج جسدها عند ملامستها وبرودة أطرافها ليقول:
– إيديك ساقعة أوي. أنتِ بردانه؟ أكيد عشان ما أكلتيش. أنا عملتلك شوربة خضار إنما إيه، هتاكلي صوابعك وراها.
ليطول الصمت بينهم إلا من أصوات أمواج البحر بالخارج. كان يعلم أنها لن تجيبه، ليتحرك حتى يجلب من جوارها الحساء، فيوقفه صوتها المبحوح المتألم:
– مش عاوزة.
لم يبالي بحديثها، فما يهمه أنها تحدثت ولم تلتزم الصمت. ليقترب إليها وبيده الصحن ويجلس عن قرب منها ليقول:
– لازم تاكلي، لأن في علاج لازم تاخديه. وماينفعش تفضلي من غير أكل.
غزل بتحدي:
– مش عاوزة منك حاجة. وياريت تسيبني في حالي.
يوسف:
– حالي وحالك واحد. مش هينفع أسيبك.
غزل:
– انت فاهم إنك لما تعمل اللي بتعمله هسكت عن اللي عملته؟ انت بتحلم.
فتتحرك من فراشها لتقف أمام شرفتها وتقول:
– إحنا مبقاش ينفع نكمل مع بعض. فيستحسن كل واحد يروح لحاله بهدوء وبدون شوشرة.
حديثها لم يكن بجديد عليه، فهو كان متوقعًا أكثر من ذلك. يقترب منها بهدوء حتى يقف خلفها مباشرة ليقول:
– ولو مسبتكيش إيه اللي هيحصل؟
غزل بغضب:
– هو بالعافية؟
يوسف سريعًا:
– آه بالعافية.
غزل بغضب متزايد:
– إيه هتحبسني وتخليني أعيش معاك بالغصب؟
يوسف بخبث:
– لو حكمت إني أخليكي بالغصب هعملها يا غزل.
فتدفعه بيديها من صدره فيسقط الحساء على قميصه، فيشعر باحتراق صدره من سخونته، ولكن احتراق قلبه أكبر.
لتشير له بسبابتها:
– وأنا مش قاعدة معاك يا يوسف. ولو حكمت هرب منك. أنا يستحيل أوافق أستمر معاك بعد اللي عملته.
يوسف بسخرية مزيفة:
– وهتهربي مني إزاي بقى ها؟ مش اللي عايزة تهرب تكون قادرة على كده.
غزل:
– يعني إيه؟ هتربطني ولا يمكن هتقفل عليا!
يوسف:
– ولا ده ولا ده. لأن الحكاية بسيطة جدًا. اللي عايزة تهرب من جوزها لازم تكون قادرة صحيًا عشان تقدر تهرب. ولا إيه؟ أما بالنسبة لوحدة زيك مش قادرة حتى تقف على رجليها هربطها ليه!
كان يقصد استفزازها والضغط عليها حتى لاحظ تأثرها بحديثه.
حاول السيطرة على ابتسامته ليظهر وجهه جادًا لها. ويكمل بثقة:
– أيوه كده. خليكي عاقلة وفكري كويس. لو عايزة تهربي يبقي لازم وقتها تكوني قادرة. وأوعدك إنك لو قدرتي تقومي وتخرجي من الشاليه مش همنعك.
ليتحرك مارًا بها وقبل خروجه من الباب التفت لها يقول:
– أنا رايح أجيبلك شوربة بدل اللي وقعت عليا.
تقف غزل مصدومة من حديثه، لا تعلم ما يقصده، هل بالفعل سيسمح لها بالهروب منه وتركه لو حاولت؟ أم يخدعها.
ولكن الشيء الوحيد الصادق بحديثه حالتها الجسدية، التي لا تسمح لها بمقاومته أو الدفاع عن نفسها أمامه.
***
ظل أكثر من ساعة بسيارته يحاول ترتيب كلماته التي يعدها منذ ما حدث. سيعتذر، نعم سيعتذر، ولكن هل بعد اعتذاره ستقبله؟ لا يعلم. ما الفارق بالنسبة له سواء قبلته أو لم تقبله، كان خطأ عابرًا يحدث للكثيرين، ولن نقيم له قضية ترفع للمحاكم العليا ليحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام. ليشجع نفسه للتوجه لها، لعله يمحو هذا الخطأ.
يقف منتظرًا فتح باب الشقة بعد أن دق جرسه، يضغط بكفه على باقة الورد بتوتر. ليفتح الباب وتظهر من خلفه من سلبت عقله وشاغلة تفكيره من عدة دقائق. فيظهر على وجهها الصدمة وترفع يدها على حجابها لتتأكد من اعتداله، ليقول شادي منهيًا هذا التوتر:
– صباح الخير.
لتجيبه:
– صباح الخير.
– مين ياسمية؟
قالتها الخالة صفا من الداخل، فتجيبها بصوت عالٍ:
– ده الأستاذ شادي.
وتبتعد عن مدخل الباب وتقول:
– اتفضل في الصالون.
ليمر بحوارها ويهمس لها:
– أنا على فكرة البشمهندس شادي. واخده بالك انتِ؟ باشمهندس مش أستاذ. بس هي طالعة منك زي العسل. وأعزب وبدور على عروسة. معندكيش ينوبك ثواب؟
لتقول بحده:
– أنا لو عندي ما يرضيني ما أرميها الرمية دي.
شادي وسط ضحكاته:
– اتفضلي الورد.
لتنظر للباقة وتقوم بجذبها منه بشدة لتقول بين أسنانها:
– اتفضل ادخل.
لتخرج صفا مستندة على عكازها لتقول:
– أهلًا وسهلًا يابني. أنت لسه واقف.
ليبتسم شادي يقول:
– أعمل إيه بقى. سمية مذنباني ومش عايزاني أدخل. وأنا بقولها رجلي ووجعتني.
لتهمس سمية بغيظ:
– اللهي يتوجع بطنك.
صفا:
– اتفضل يابني أنت مش غريب.
ليمر شادي من جوار سمية ويهمس لها:
– سمعتك على فكرة. ومش مسامحك.
فتتجه سمية للمطبخ لإعداد القهوة له وتقدمها مع ظهور ابتسامة صفراء على وجهها. ومع أول رشفة له كاد أن يبصقها بوجه صفا، إلا أنه فضل ابتلاعها ليقول في نفسه:
– إن كيدهن عظيم.
ليلاحظ نظراتها المتحدية له، تتحداه أن ينطق أو يشتكي لصفا. مع مرور الوقت والسؤال عن صحة صفا، استأذنته لصلاة المغرب، ليجد نفسه يقوم بالاتصال بهاتفها لتجيبه بتذمر:
– نعم. عاوز إيه؟
شادي:
– مايه عايز مايه.
سمية:
– عندك على الصنية.
شادي بتحدي أكبر:
– دي باردة. أقصد سخنة. وأنا عايز مايه باردة أوي.
لتغلق الهاتف بوجهه بعد تذمرها. فتدخل عليه حاملة كوب المياه وتضعه بقوة أمامه ليتساقط منه بضع قطرات على الطاولة، لتقول:
– اتفضل. أي خدمة تانية؟
شادي:
– آه. عايزك تشربي من الكباية. لا تكوني حاطة حاجة. مش كفاية الملح اللي في القهوة. لتجذب الكوب وترتشف منه رشفة وتقوم بتقديمه له، فيتناوله ويضعه مكانه على الطاولة ويقول لها بجدية:
– اقعدي. عايز أتكلم معاكي.
ولكنها تصر على عنادها ولا تتحرك من مكانها. ولكنها تخضع لطلبه بعد ترجيه للمرة الثانية، لتجلس على أريكة بعيدة عنه ليقول:
– أنا.. أنا آسف جدًا على اللي حصل بينا. صدقيني فعلًا أنا بعتذرلك وأوعدك إن ده مش هيتكرر تاني. أنا مش وحش زي ما أنتِ فاهمه.
لتخجل من حديثه وتقول:
– خلاص ما حصلش حاجة.
عن إذنك.
لتودعها أعينه التي تقييمها بإعجاب.
بعد انتهائها من إعداد عدة وجبات للخالة صفا تكفيها ليومين بسبب عدم استطاعتها المرور عليها لفترة بسبب الجامعة، لتدخل حجرتها بإرهاق متملك من كل ذرة من جسدها لتحرر شعرها من حجابه وتلقي به على فراشها بإهمال.
لينسدل على وجهها خصلات شعرها الناعم الأسود الحالك الذي يشبه شعر الخيل كما يوصفه والدها.
وتجلس بإرهاق لتدلك قدمها اليمنى التي آلمتها بشدة بسبب كثرة وقوفها، رغم تحذير الطبيب الخاص بها من ذلك حتى لا تؤثر على عمليتها.
ليقطع تفكيرها صوت جرس الباب لتزفر بشدة وتقول:
– اليوم ده مش عايز يخلص بقى.
تتجه لفتح باب الشقة بعد ارتداء حجابها.
لتتفاجأ به يقف وعلى وجهه ابتسامة باردة وبيده باقة من الزهور الحمراء، أكبر بل أكبر بكثير من باقة الصباح.
لتقول:
– أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت اتجننت!
شادي:
– دي مقابلة تقابلين بها ضيوفك؟ وكمان دي مش أول مرة أجي هنا.. ولا نسيتي؟
سمية بتعجب:
– ضيوفي؟ والله الضيوف لازم يستأذنوا قبل ما يجوا.
ليقطع حديثهم رضا:
– أهلا يا ابني.. اتفضل ادخل أنت. لما كلمتني مستنيك من وقتها.
فتتنحى جانبًا حتى يمر شادي وهي بفم مفتوح.
ليهمس لها:
– الورد ده عشانك.
لتجذبه بقوة فيتساقط أوراقه وتقول بين أسنانها:
– هات.. وخلي الليلة تعدي على خير.
لتهمس في نفسها:
– لابسلي بدلة وماسك ورد فاكر نفسك جاي تتجوز.. ناقص تجيب شوكولاتة كمان.
ليلتفت لها شادي بسرعة:
– تصدقي نسيت الشوكولاتة في العربية؟ ثواني أجيبها وارجع.
لتجيبه بين أسنانها وقد فاض بها الكيل:
– اتنيل ادخل لو سمحت.
شادي:
– حاضر.. هتنيل.
لتذهب بعد دخوله إلى المطبخ لتعد فنجانين من القهوة.
وبعد لحظات كانت تقوم بتقديمها لشادي.
لتنتبه لحديث والدها من خلفها يقول:
– والله يا ابني أنا يشرفني نسبك.. والعروسة أهي ناخد رأيها.
فتدور الكلمات بذهنها أي نسب يقصد؟ وأي عروس! هل يوجد أحد غيرها بالمكان؟
لتتسع عيناها من الصدمة وتهتز الصينية بيدها لتسقط على بنطال شادي.
فيقفز من مكانه ذاهلًا ينظر لها وهي تضع يدها على فمها بذهول.
ليقول رضا:
– إيه اللي انت عملتيه ده بس يابنتي.. أنا آسف يابني تعالي في الحمام ننضف بنطلونك.
لتفر هاربة من أمامه.
يجلس مرة أخرى على أريكة أخرى بعد أن حاول تنظيف ما يستطيع تنظيفه.
ليراها تدخل بتهذيب بقهوة جديدة.
ولكن هذه المرة قامت بوضعها أمامه.
وتقول بتهذيب غير معتاد عليها:
– اتفضل.
وتتحرك لتجلس بأريكة مقابلة له.
ليقطع صمتهم صوت رضا يقول:
– ها يا سمية إيه رأيك في طلب البشمهندس؟
ليظهر توترها جليًا عليها مع محاولتها الهروب من نظرات شادي المترقبة.
لتقول بصوت مهزوز:
– والله يا بابا.. حضرتك عارف إن دلوقتي الظروف إني مشغولة في آخر سنة في الكلية و.. وكمان مش مستعدة لأي ارتباط دلوقتي.
ليهبط شادي من رفضها فقد كانت موافقتها أمر مسلم به من وجهة نظره.
فيشعر كأن دلو من الماء المثلج سقط عليه.
ليحاول التكلم ويقول:
– احم أنا.. أنا مش شايف إن ارتباطنا يأثر على دراستك في حاجة.. لو خايفة إن ارتباطنا يأثر ممكن نأجلها لبعد الامتحانات.
لتقطع حديثه وتقول:
– أنا بعتذر لحضرتك على رفضي. أنت إنسان محترم وأي بنت تتمناك بس.. بس.
ليقول شادي:
– فهمت.. بس مش أنت البنت دي.
لينهض من مكانه حتى يلملم ما تبقى من كرامته المهدورة ويقول:
– ليه يابنتي كده؟ الشاب كان شاريكي.
سمية بتأثر:
– كده أحسن يا بابا.. أحسن ليه ولينا.
رضا:
– ربنا يكتبلك الخير يابنتي اللي ليكي فيه نصيب هيجيلك.
سمية لنفسها:
– يارب يا بابا.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تقف أمام نسمات البحر وقت الغروب لتشعر بقشعريرة بسيطة من لفحة الهواء البارد الذي يصحب هذا الوقت من اليوم، فيداعب الهواء خصلات شعرها العسلي الطويل فيخفي بعض من ملامحها المكدومة. رغم قوة الهواء الباردة إلا أنها كانت مستمتعة بمنظر الغروب وشكل التقاء القرص الذهبي مع المياه الزرقاء لتحتضن نفسها بذراعيها كأنها تستمد من نفسها القوة. لا تعلم ماذا تفعل وما سيؤول له الوضع. إنها تعلم شخصيته جيدًا، فهو يتصف بالتملك ومن الصعب التحرر منه. هل سيقبل بأن يطلق سراحها؟ إنها تريد أن تعيش حياة هادئة لا تريد شريك بها، هذا ما توصلت له بعد تفكير. حياتها وحيدة أفضل بكثير.
لتنتفض فجأة أثر ملامسة كفين دافئتين لكتفيها بطريقة غير مباشرة حيث كانتا ممسكتا بغطاء صوفي يلفها به، فتشعر بالدفء الذي كانت تنشده منذ بضع ثواني. ولكن لم يقف المشهد على ذلك، شعرت بكفه يتحرك على كتفيها صعودًا وهبوطًا ليبث بجسدها الدفء وتلفح عنقها أنفاسه الساخنة، ليقول بصوت غريب عليها:
– متعبتيش من الوقفة؟ أنت بقالك أكتر من ساعتين واقفة على رجلك؟
فيسمعها تأخذ نفسًا طويلًا قبل أن تقول:
– لا.
ليقول بعد أن الصق ظهرها بصدره:
– طيب يلا عشان متخديش برد، لإن هدومك خفيفة.
فتتحاول محاولة فاشلة من التخلص من يديه.
– سيبني طيب، أوف.
ليبتعد عنها فجأة كما اقترب فجأة ليقول:
– أنا داخل، ودقيقة تكوني جوه. آه خلي بالك المنطقة هنا مقطوعة يعني ممكن تلاقي تعبان معدي أو ديب.
لترتعب غزل وتقول بخوف:
– إيه؟ انت بتقول إيه؟ انت أكيد بتهرج.
يوسف:
– أنت حره متصدقيش.
غزل بتوتر:
– هو.. هو مفيش ناس ساكنة هنا غيرنا؟
ليجيبها بثقة:
– لا فيه طبعًا، بس مش بني آدمين.
يزداد ارتباكها وتتلفت يمينًا ويسارًا وتقول:
– يعني إيه؟ مش بني آدمين.
يوسف بابتسامة يحاول إخفائها:
– يعني في عفريت؟
لتطلق صرخة وتقفز من مكانها وتقول:
– أنت أكيد بتهرج صح؟ عشان تخوفني.
إلا أنه لم يجبه ويتحرك من أمامه باتجاه الشاليه وتعلو وعلى وجهه ابتسامة مرح، ليجدها تجري أمامه خوفًا لباب الشاليه لتدخله سريعًا.
***
يدخل وعينيه تبحث عنها ليجدها جالسة على الأريكة وتهز أرجلها بتوتر بالغ وعندما شعرت به اندفعت تقول:
– بقولك ايه، أنا عايزه أمشي من هنا مش هقعد في المكان ده ليلة تانيه.
يوسف بنصف ابتسامة:
– ومين بقي اللي قرر ده؟
غزل بعصبية:
– يوسف! خلينا نكون واضحين مع بعض، اللي انت بتعمله ده مش هيجيب نتيجة معايا. أرجوك ننفصل بهدوء، لان مش هينفع مستمر مع بعض بعد اللي حصل.
ليصمت للحظات كأنه يرتب كلماته ويقول بصوت متألم هادئ:
– خلينا ننسى اللي حصل ما بينا، أنا عارف ان اللي عملته معاكي شيء لا يغتفر بس صدقيني مش هقدر ابعد عنك. شوفي ايه الطريقة اللي تاخدي بيها حقك مني وعقبيني، بس إلا إننا نسيب بعض. أنا عارف انك دلوقت بتكرهيني بس صدقيني أنا حتى لما… لما…
ليغمض عينيه بقوة ليستمد بعض القوة ويكمل:
– خلينا نبدأ صفحة جديدة، وصدقيني مش هتندمي، وأنا كفيل أنسيكي اللي صدر مني. ارجوكي يا غزل.
غزل بإصرار:
– أنا اسفه، مش هقدر. اللي عملته عمره ما هيتنسي يا يوسف. عارف ليه؟ انت كسرت فرحتي اللي كنت مستنياها. أنت مش كسرتني بس، أنت دبحتني بسكينه لما اتهمتني الاتهام ده. أنت حتى ما ادتنيش فرصة أدافع عن نفسي. وضربتني! عارف يعني إيه ضربتني وضرب مبرح كنت ممكن أموت فيها.
يوسف برجاء:
– ارجوكي بلاش تتكلمي في اللي حصل.
لتضحك بسخرية وتقول:
– ارجوكي! وأنت كنت فين وأنا بترجاك تسمعني؟ وأنا بترجاك تسيبني؟ وانا بترجاك تفهمني أنا غلط في إيه؟ للأسف يا يوسف اللي حصل عمره ما يتصلح.
يوسف بصوت مهزوز:
– أنا مش هضغط عليكي، لو حابه تنفصلي بس عندي طلب لازم توافقي عليه عشان مصلحتك أولًا.
لتتساءل عن الطلب فيجيبها:
– عشان ننفصل لازم نفضل كده قبل الانفصال، لأن أكيد الكل هيسأل عن السبب ومش الطبيعي إننا نطلق بعد أسبوع من الجواز، على الأقل ندي انطباع للناس إننا في خلاف بينا وبعد كده ننفصل.
غزل:
– موافقة، بس بشرط.
يوسف:
– إيه هو؟
– طول ما احنا مع بعض كل واحد مالوش دعوة بالتاني. هنتعامل زي الأصحاب وكل واحد في حاله.
يوسف:
– موافق.
غزل:
– في شرط تاني. أنا هرجع بكره.
يوسف:
– لا مش موافق.
غزل بتحدي:
– ليه بقي؟
يوسف:
– بذمتك هتنزلي بوشك ده إزاي؟ ولما يسألوكي إيه اللي في وشك ده هتقولي إيه؟ حساسية فراولة؟
لتشرد غزل في كلمة فراولة لتتذكر كلماته يوم الزفاف ومداعبته لها، ليظهر على وجهها التأثر، ويلاحظ يوسف شرودها وتغير ملامحها مع علمه سبب شرودها.
ليداعبها ويقول:
– إيه؟ نحن هنا.
غزل:
– معاك. خلاص فهمت. يعني المطلوب نفضل هنا لحد ما وشي يخف. تمام تصبح على خير.
فتتركه لتتجه إلى غرفتها ليناديها يقول:
– هتنامي دلوقتي؟ لسه بدري! احنا مش اتفقنا إننا نكون أصحاب.
غزل بحاجب مرفوع:
– واتفقنا كل واحد في حاله برده. خليك في حالك، وشوفلك حتة تنام فيها.
ليقول في نفسه:
– ماشي يا غزل. ادلعي براحتك وعقبيني بس برده مش هطلقك.
***
يدخل حجرتها والغيظ يملأه في المقابل هي تهنأ بنوم عميق كالأطفال ولا تشعر بأجيج ناره المشتعلة منذ أن تركته وهي تغوص بأحلامها الوردية وقد جفاه النوم. لا يعلم لما لا يوقظها بضربة على رأسها لعلها تفقد ذاكرتها ويستريح من تصلب رأسها. لا يعلم هل برودها الذي يجعلها تهنأ بنومها أم المسكنات التي تم تناولها كالبلهاء. ليراقبها أثناء نومها ويلاحظ انفراج فمها كطفلة في الخامسة من عمرها مع تذمرها بسبب سقوط خصلات شعرها على جبينها فتحاول إزاحتها ولكن محاولاتها تبوء بالفشل ليبتسم على أفعالها الطفولية. فتقفز فكرة شيطانية بعقله لتتسع ابتسامته ويقترب منها ويقوم بكشف الغطاء عن قدميها الصغيرتين ليتساءل: ترى هل تجد ما يناسبها من الأحذية؟ يكاد يجزم أنها لا تجده إلا بقسم الأطفال أو يمكن الرضع. كل شيء جايز حدوثه بالنسبة لها.
فيبحث عن شيء ضروري ولكن كيف سيجده؟ هيأ له أنه لمحه أثناء ترتيب ملابسها الخاصة بها بعد إحضارها من الفندق، ليبتسم عندما تذكر قمصان نومها الذي كان من المفترض أن تلبسهم له كأي زوجة عبقرية ذاهبة لشهر عسلها. ليفاجأ وسط ملابسها بقميص من المؤكد أنه عفا عنه الزمان، قميص باللون الأزرق مملوء بالريش ليضحك كلما تخيلها مرتديه هذا الريش فلم ينقصها إلا عشه دواجن وتصيح كالديوك. ليتجه إلى خزانتها ويبحث عن هدفه إلا أنه يجده لتلمع عينه بمكر ويقوم بنزع ريشتين منه بقوة ويرفعهما أمام عينيه ليقيمهما.
يقرب من قدميها الريشة ليداعب بها قدميها لعلها تستيقظ من ثباتها فيلاحظ تذمرها كلما قربه من قدميها. فيلقي بما في يده ويقترب من أذنها ليصرخ بطريقة جعلتها تنتفض ويصدم وجهها بوجهه:
– غـــــزل!
لتصطدم بوجهه وتصرخ متألمة:
– اااااه.. في إيه؟
لتفتح أعينها وهو ممسك بأنفه متألمًا يقول:
– هو أنت رأسك رأس بن آدمة ولا رأس ثيران؟
ليراها تدلك رأسها متألمة وتقول:
– أنا برده اللي رأسي ثيران؟ أنت جبتلي ارتجاج. وكمان في واحد محترم يصحي حد بالشكل ده؟ أنت خليتني أقطع الخلف. مش هخلف.
ليظهر الضيق على وجهه من كلامها الأخير ويحاول تبديل ملامحه للمرح ويقول:
– اعملك إيه؟ سيباني لوحدي بقالي تلات ساعات نايمة وأنا زهقت.
غزل:
– والمطلوب؟ أقوم أسليك ولا أرقصلك؟
يوسف بهيام:
– ياريت.
لتدفعه بكتفها:
– اخرج يا يوسف لو سمحت وسيبني أنام. فيراقبها وهي تغطي رأسها بالغطاء.
يخرج يوسف مندفعًا بغيظ من الحجرة ويعود بعد بضع لحظات، كانت كفيلة لتغوص بنومها مرة أخرى، ليقترب منها ويقوم بسكب قارورة المياه الممسك بها فوق رأسها. لتشهق مذعورة وتقول:
– أنت متخلف.. إيه اللي عملته ده؟ ليقول بجدية:
– أنت مش ملاحظة أن لسانك طول وعايز قطعه؟ لمي لسانك عشان مقطعهوش!
غزل بغضب:
– في واحد عاقل يعمل كده؟ عايزني أقولك إيه وأنا اتبليت. بسببك.
يوسف بتحدي:
– ولا أي حاجة. نقوم نعمل كده؟
فيقترب منها فجأة ويحملها على ظهره كالشوال، رأسها لأسفل ويتجه بها إلى الحمام ويقوم بوضعها تحت المياه الباردة بملابسها مع محاولاتها بالتحرر منه، ليقول:
– إيه رأيك بقى في البلل ده؟
لتصرخ بوجهه:
– منك لله يايوسف يشافعني منك لله. كان يوم منيل يوم ما شفتك.
لتصدح ضحكته ويقول:
– بالعكس كان يوم جميل ومليان شمس. عمري ما هنساه.
***
تجلس منكمشة بغطائها بعد أن قام يأخذ حمامًا دافئًا وارتدائها ملابس تساعدها على التدفئة تجلس ضامة أرجلها إلى صدرها حتى يبث في جسدها الدفء أمام التلفاز.
فالجو بارد جداً خلال المساء.
لتلاحظه مقبل عليها وهو حامل بيده كوباً تتصاعد منه الأبخرة.
فتضيق عينيها تحاول استنتاج نوع المشروب.
فيجلس أمامها على الطاولة الزجاجية ذات الشكل الرباعي ويوجه الكوب لها ويقول برزانة:
- اشربي ده هيدفيكي شوية.
لتكتشف أنه قام بإعداد مشروب الشوكولاتة الساخنة المفضل عندها، إلا أن كرامتها ابت أن تتنازل وتتناوله منه.
لتقول:
- مش عايزة منك حاجة.
يوسف بمكر:
- ليه ده حتى جميل وريحته.. آه من ريحته حكاية تانية.
غزل بغضب:
- قولت مش عايزة.
فيرفع كتفيه باستسلام ويقول:
- خلاص زي ما تحبي.. أشربه أنا، أصل بصراحة من فترة قريبة أدمنته ومش عارف أبطله. تحبي تتفرجي على حاجة معينة؟
لتنظر إليه للحظات بدون جواب وتشيح بوجهها عنه.
يوسف:
- طيب مادام معندكيش حاجة أختار أنا.
ليختار فيلماً من أفلام الرعب، ليجدها بعد عدة دقائق ملتصقة به خوفاً.
ومع كل مشهد تخفي وجهها بكتفه.
لتقول:
- كفاية بقى، أنا مت من الرعب مافيش حاجة تانية غير ده.
ليقول:
- ليه؟ ده حتى جميل ورقيق خالص.
لتقول:
- جميل إيه ورقيق إيه، أنت مش شايف كل شوية الناس تتحول ويطلعوا يقطعوا في الناس التانية.. هو في بجد كده يايوسف! ولا ده خيال؟
أراد أن يصيبها بالخوف حتى لا تبتعد عنه وتبقى بجواره.
يوسف بصوت غريب:
- آه طبعاً فيه.
لينظر لها نظرات أخافتها وعلى وجهه ابتسامة صغيرة أرعبتها.
لتقول بخوف:
- أنت بتبصلي كده ليه؟ يوسف.
فلم يجيبها ونظر لها كالذي ينظر لفريسته مع اقترابه البطيء اتجاهها بثبات نظراته عليها.
لتقول بصوت يتخلله البكاء:
- أنت بتعمل كده ليه؟ ها.. يوسف رد عليا أنا خايفة! أنت اتحولت زيهم؟
ليمُسكها من كتفيها بطريقة أفزعتها لتطلق صرخة هزت الجدران.
ولم يكن بحسبان يوسف أن ينقطع تيار الكهرباء بنفس اللحظة ليزداد صراخها وتشنجها تحت يديه.
للحظات شعر أنها ستصاب بنوبة قلبية.
ليقول بجدية لتهدئتها:
- أهدي مافيش حاجة يا غزل.. أنا يوسف.. أنا كنت بهرج معاكي.
إلا أن كلماته لم تصل إليها بسبب علو صراخها ومقاومتها له.
ليخرج هاتفه ويقوم بإضاءته ليزداد قبح وجه يوسف بالظلام.
فتطلق صرخات أكبر ويشنج جسدها رعباً.
فتقول بصراخ:
- ابعد عني.. ااااااااااه.. الحقوني.. الحقوني.
فيصرخ بوجهها حتى تهدأ ويقول:
- يابنتي أتهدي كنت بهرج معاكي وربنا.. أهدي بقى فرهدتيني.
لتهدأ صرخاتها وتبدأ في الاستيعاب.
لتقول بصوت خائف:
- أنت بجد متحولتش؟ يعني أنت يوسف.
يوسف:
- وربنا أنا هو بغباوته.
غزل وهي تعتدل في جلستها بخوف:
- طيب اديني إمارة عشان أصدقك.
تشرق ابتسامة على وجهه وتمر لحظة اثنتان ويجيبها بصوت غذي:
- فراولة.
لم تستوعب كلمته في البداية ليتحول استغرابها لصدمة.
لتقول:
- أنت غبي والله العظيم غبي مش مسامحاك يايوسف مش..
ليبتلع باقي كلماتها في قبلة اشتياق، قبلة يملأها الجنون، لم يتحمل أن يبتعد عنها أكثر من ذلك حتى لو كانت تظهر الرفض، فهي زوجته حبيبته لن يتنازل عنها مهما حدث.
فيشعر بمقاومتها الضعيفة له.
يبتعد عنها دون أن يحررها من أحضانه ليقول:
- صدقتي إني يوسف؟
يطول الصمت بينهم إلا من أصوات أنفاسهم.
ليكمل:
- شكل كده الكهرباء هتطول.. أحسن حاجة نقوم ننام وبكرة الصبح أشوف العطل فين.
لتقول بخوف:
- بس أنا مش هعرف أنا في الضلمة.. أنا بخاف منها.
يوسف:
- متخافيش.. أنا معاكي مش هسيبك إلا لما تنامي.
غزل:
- بجد.
يوسف:
- بجد.. يلا عشان ننام.
تنام بأحضانه نوم هانئ بعد أن تأكدت من حسن نواياه وحكمت عليه بأن تنام بجواره ولكن بشروطها بأن تضع بعض الوسائد بينهم حتى تضمن عدم اقترابه منها.
غبية، لا تعرف أنها منذ خطت خطواتها نحو نومها قام هو بإلقاء الوسائد أرضاً وأراح رأسها فوق ذراعه لتنام بين أحضانه قريرة العين.
يشتم رائحتها المسكية المتميزة بها ويزيد من ضمها لصدره ليغوص بأحلامه سريعاً.
مستلقٍ فوق سريره شارد في شكوكه يأكله الظن.
هل كانت على معرفة مسبقة به؟
وإذا كان هناك.. لماذا أنكرت حديثهما عندما سألها؟
لم يخف عليه توترها عند سؤاله وظهور الكذب بنبرات صوتها.
فأكثر ما يكرهه الكذب.
كلما حاول الاتصال بها يسيطر عليه شعور غريب فيتراجع عن مكالمتها، حتى اتصالها لا يجيب عليها.
يشعر بمشاعر متضاربة لا يعرف إذا كان ما بينهما حب حقيقي أم لا.
لا يستطع الإجابة على أسئلته.
يضيء هاتفه بجواره لينبهه باتصالها ولكنه كعادته الأخيرة لا يجيبها، يشعر بضيق يسيطر عليه.
لم يمر إلا أربعة دقائق من اتصالها الفائت ليجد باب حجرته يطرق وتدخل عليه أخته الصغيرة ملك.
يلاحظ على ملك التغير من مدة كبيرة ولا يعرف السبب.
هل لهذه الدرجة انشغلوا عنها؟
مسكينة ملك بالفعل مسكينة، الكل مشغول عنها بأهدافه ونسوا أنهم تركوها وحيدة لا يعلمون عنها شيء.
ملك:
- إيه.. يامن أنا بكلمك.. أنت سامعني؟
يامن:
- احم.. أيوه يا حبيبتي سامعك.. كنتي عايزة حاجة؟
ملك تجلس بجواره:
- لا ده انت مش سامعني بقى.. بقولك تقى قلقانة عليك.. واتصلت بيا عشان حضرتك مش بترد على اتصالها.
أنا قولتلها إنك نايم.. بس الغريبة لقيتك صاحي. مش بترد عليها ليه ها؟
يامن:
- كل ده رغي؟
ملك:
- قول بقى مش بترد على البنت ليه؟ انتوا زعلانين مع بعض!
يامن:
- لا مش زعلانين ولا حاجة بس كل الحكاية إني مرهق من شغل الشركة اللي أخوكي راميه عليا ومش قادر أتكلم.
ملك:
- بس كده.
يامن:
- بس كده؟
ملك:
- هو أنت بتحب تقى يا يامن؟
يامن:
- أكيد بحبها.. لو مش بحبها مكنتش خطبتها.
ملك:
- عادي في ناس بيتخطبوا من غير ما يحبوا بعض.
- طيب قولي يعني إيه تحب؟
يامن:
- إيه السؤال العجيب ده؟ أحب يعني أحب.. حاجة تعجبني فأحبها.
ملك:
- بس كده؟
يامن:
- تعالي هنا.. قوليلي أخبارك إيه! أنا عارف ياملك إننا كلنا مشغولين عنك.. عمك وسفره الدائم ويوسف مشغول بغزل وأنا شغلي اللي بره.. غصب عننا ياملك صدقيني.
ملك:
- ولا يهمك.. أنا كويسة بروح الكلية وأرجع منها على البيت والحياة ماشية.
يامن:
- يعني مافيش حاجة كده أو كده في الكلية في النادي.
ملك بتوتر:
- حاجة زي إيه؟ لا طبعاً مافيش.
يامن بمحبة:
- شوفي ياملك أنا آه مشغول عنك بس مهما كان أنا أخوكي مش هتلاقي غيري أنا ويوسف نحبك أكتر من أي حد.. عايزك تكوني واثقة إننا في ضهرك، فاهمة؟
تهز رأسها بالموافقة بصمت وتقول:
- ربنا يخليك ليا يا يامن.
يامن:
- بقولك إيه ياملك كنت عايز أعرف منك حاجة.. هو يوسف وتقى يعرفوا بعض من امتى؟ عن طريقك بحكم إنها صاحبتك ولا بحكم إنها أخت غزل وكده؟
ملك:
- بتسأل ليه؟ تقى كانت كانت تعرف يوسف لأنه كان ساعات بيجي ياخدني بعد المحاضرات.
يامن بتفكير:
- تمام يا ملك.. تمام.
في صباح يوم جديد.
يمسك هاتفه يحاول الاتصال بصديقه إلا أنه يجد هاتفه مغلقاً.
ليقول بسخرية:
- طبعاً غرقان في العسل وسايبني هنا أولع.
ليتجه إلى مكتب المحاسبين.
شادي:
- السلام عليكم.
محمد:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل.
شادي بضيق:
- بقولك إيه يامحمد كنت عايزك شوية.
محمد:
- خير يابشمهندس في حاجة؟
شادي:
- أنا زهقان وقرفان وهطق حاسس إني عايز أولع في اللي حواليا.
محمد بضحك:
- اهدى يا ابني في إيه؟
شادي:
- ماتضحكش يامحمد عشان ما تبقاش أول واحد أولع فيه.
محمد:
- طيب اهدي وفهمني إيه اللي مضايقك.
شادي بحزن:
- هو أنت إيه رأيك فيا يامحمد؟ أنا وحش.. يعني ما ينفعني إني أستقر وأحب..
محمد بجدية:
- ليه يابني كده؟ ده أنت أي بنت تتمناك!
شادي:
- آه.. قولولي يا خالتي محسنة وإيه كمان.
محمد:
- بالذمة أنت فايق تهزر.
شادي:
- بجد يا محمد لو أنا لو اتقدمت لواحدة ورفضتني ممكن يكون إيه السبب لرفضها!
محمد:
- مممم هي فيها واحدة! لا الكلام ده مش هينفع هنا ده عايز قاعدة.
بعد مرور بضعة أسابيع.
تملأ إشاعة الشمس الحجرة ليتململ في نومته ويبحث عنها ليكتشف عدم وجودها بجواره.
فينقبض قلبه من فكرة محاولتها الهرب منه.
ليقفز من نومته مسرعاً للبحث عنها حافي القدمين.
لينتبه إلى ضوضاء صادرة من مطبخه ليكتشف وجودها وسط المطبخ وحالة المطبخ لا ترثى له، كل أغراض المطبخ ليست بمكانها وجميع الأدراج مفتوحة كأنها تبحث عن اليورانيوم لتصنع قنبلة نووية.
مع ملاحظته للطحين الواقع على ملابسها والطاولة.
ليقول:
- بسم الله الرحمن الرحيم.. هو حصل غارة في المطبخ وأنا معرفش!
لتنتفض عند سماع صوته وتقول:
- يا أخي بطل تخض فيا أنا خلاص مابقتش ضامنة أخلف بسببك.
يوسف:
- طيب نبدأ من الأول؟ صباح الخير يافراولتي.
غزل بفك ملتوي:
- صباح الخير.
يوسف:
- ها بتعملي إيه؟ وأيه خلى المطبخ مقلوب كده؟
غزل:
- مافيش، جه على بالي إني أعمل معجنات من اللي كنت بعملها زمان، من الصبح شامة ريحتها.. قولت أقوم أعملها.
يوسف:
- مممم معجنات بلدكم! قولتيلي.
لترفع حاجبها بتعجب:
- أنت عرفت منين إني بعمل معجنات بلدنا؟
يوسف:
- مش هقولك غير لما توعديني تأكليني منها وخصوصاً أم زعتر.
لتتعجب أكثر لمعرفته بأنواعها لتقول:
- وكمان عارف إنها بزعتر.. طيب ياسيدي أنا كنت بدور على الزيت ومش لاقياه، الحاجة هنا مش مترتبة خالص.
يوسف:
- طيب وسعي يا أوزعة عشان أجيبلك الزيت.
كده هاخد نصيبي مضاعف.
فيتجه إلى الخزانة العلوية ويقوم بفتحها، ولكنه لم يترك فرصة لها للابتعاد، فقد حاصرها أمامه ليقترب منها محاولاً جذب زجاجة الزيت.. حتى نجح في الإمساك بها وقال:
– اتفضلي الزيت.. أي خدمة تانية.. أنا ممكن أساعد.
غزل بتوتر من قربه:
– لا شكراً.. ممكن توسع بقى.
يوسف:
– جربيني وأنا هسمع الكلام ومش هلعب في الدقيق زي الأطفال.
بعد ربع ساعة كانت هيئته مختلفة تماماً عن هيئته عند استيقاظه، ملابسه ويده مملوءة بالعجين الملتصق بيديه، وشعره وقميصه القطني الأسود مملوء بالطحين، ليقول بتذمر:
– إيه ده العجين مش بيطلع من إيدي.. وهدومي اتبهدلت عجبك كده؟
لتقول:
– وأنا مالي أنت اللي عامل زي العيال.
فتقلد صوته:
– عشان خاطري يا غزل أساعدك.. مش هبهدل الدنيا.. طيب شوفي علميني وهتلاقيني الشيف يوسف قدامك.
يوسف بغيظ:
– بقى كده؟ بتتريقي حضرتك.. ماشي يا غزل شوفي مين هينجدك مني.
ليجري وراءها فتراوغه حتى كاد يمسك بها بيديه الملطخة بالعجين، لتصرخ وتفر من أمامه حتى اقتربت من باب الشاليه، وقام بالهجوم عليها وسط صراخاتها.. ليسرع في حملها خارجاً بها من باب الشاليه يقول:
– أنا بقى هوريكي تتريقي عليا إزاي!
فيزول المرح ويحل مكانه الرعب، لتصرخ به تقول:
– لا يا يوسف.. أنت هتعمل إيه؟ بلاش الماية لا.
فيجيبها:
– دلوقتي بتترجيني؟ قولي إنك جبانة وأنا أسيبك.
يوسف وهو مستمر بالسير على الرمال يقترب من المياه:
– قولي مش هسيبك يا يوسف.. بحبك ومش هسيبك.
تعلو صرخاتها رعباً:
– نزلني.. بقولك نزلني..
يوسف بتحدي:
– قولي الأول وأنا أسيبك.. بحبك ومش هسيبك.
غزل وقد تملك منها البكاء، وقد بدأت تشعر بالمياه الباردة ملامسة الجزء الأسفل من جسدها، فتزداد تشبثاً برقبته ويعلو صوت بكائها.. يوسف برجاء:
– قولي يا غزل.. قوليهالي.. إنك مش هتبعدي عني.. عشان بتحبيني.
فيشعر بجسدها ينتفض تحت ذراعيه وصوت أسنانه الذي يصدر من ارتعاش فكها، حتى ظن أنها لن تجيبه، لتقول بهمس مرتعش:
– أنا معاك..
يتصلب جسده للحظات حتى استوعب ما سمعه للتو، ليتساءل بلهفة:
– قولتي إيه؟
لتجيبه مرة أخرى:
– أنا معاك.. مش هسيبك.
في هذه اللحظة تحدياً ألقى البحر بجنونه، لترتفع موجة عالية تلطم ظهرها وتغمرها بالمياه، فيزيد من احتضانها، لا يعلم كم مر من الوقت وهو معها داخل البحر، يبثها شوقه الملتهب عن طريق قبلات متفرقة على وجهها وعنقيها، لا تعلم هل هذا شكراً على إجابتها أم كلماتها أشعلت ناراً كانت تظن أنها خمدت.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ليسرع في حملها خارج بها من باب الشاليه يقول:
– أنا بقى هوريكي تتريقي عليا إزاي.
فيزول المرح ويحل مكانه الرعب لتصرخ به تقول:
لا يا يوسف.. أنت هتعمل ايه؟ بلاش المياه لا.
فيجيبها:
– دلوقتي بتترجيني؟ قولي انك جبانه وانا اسيبك.
غزل بخوف:
– انا جبانة.. انا جباااااانة.
يوسف وهو مستمر بالسير على الرمال يقترب من المياه:
– قولي مش هسيبك يايوسف.. بحبك ومش هسيبك.
يعلو صرخاتها رعباً:
– نزلني.. بقولك نزلني.
يوسف بتحدي:
– قولي الاول وأنا اسيبك.. بحبك ومش هسيبك.
غزل وقد تملك منها البكاء وقد بدأت تشعر بالمياه الباردة ملامسة الجزء الأسفل من جسدها فتزداد تشبث برقبته ويعلو صوت بكائها.. يوسف برجاء:
– قولي ياغزل.. قوليهالي إنك مش هتبعدي عني.. عشان بتحبيني.
فيشعر بجسدها ينتفض تحت ذراعيه وصوت اسنانه الذي يصدر من ارتعاش فكها حتي ظن انها لن تجبه لتقول بهمس مرتعش:
– انا معاك.
يتصلب جسده للحظات حتي يستوعب ما سمعه للتو ليتساءل بلهفه:
– قولتي ايه؟
لتجيبه مرة أخرى:
– انا معاك.. مش هسيبك.
في هذه اللحظة تحدياً من البحر ألقى بجنونه لترتفع موجة عالية تلطم ظهرها وتغمرهما بالمياه فيزيد من احتضانها لا يعلم كم مر من الوقت وهو معها داخل البحر يبثها شوقه الملتهب عن طريق قبلات متفرقة على وجهها وعنقها.. لا تعلم هل هذا شكراً على إجابتها؟ أم أن كلماتها أشعلت ناراً كانت تظن أنها مخمده.
بفراشها لا تعرف كيف وصلت إليه بعد موجة العشق المكتومة التي اندفعت في وجهها بعد أن أعلنت استسلامها له في وسط البحر.. لتجد نفسها بين أحضانه تذوب من لمساته لها لتستسلم له استسلام مخزي.. كان عقلها وقتها يحاول إفاقتها يقول لها هذا سجانك، إهربي.. قاومي.. إلا أنها اسكتته مؤقتاً لعلها تجد بر الأمان معه.
تنتبه لخروجه من الحمام فتحاول تغطية جسدها العاري جيداً ليخرج عاري الصدر يتساقط من شعره وصدره قطرات المياه ويقترب من فراشها ويستلقي بجوارها ويقترب منها ويضع قبلة هادئة علي جبينها ويهمس لها:
– نقول صباحية مباركة يافراولتي؟
لتخجل منه وتقول:
– بس يا يوسف الله يخليك.
يوسف بهيام:
– غزل.. أنا مبسوط أوي إنك سامحتيني.
غزل:
– المهم إنك ما تعملش اللي عملته تاني.
يوسف:
– أوعدك يا عمري مش هزعلك تاني.
غزل:
– طيب ممكن تخرج عشان عايزة اقوم.
يوسف بمكر:
– قومي ياقلبي.. تحبي أساعدك؟
غزل:
– يوسف!
يوسف:
– طيب بقولك ايه؟ متيجي بدل ما تقومي.. أجيلك انا.
غزل بدون فهم:
– يعني إيه؟
يوسف:
– يعني بحبك.. ولسه ما شبعتش منك.
لتضحك غزل وتقول:
– لا يا يوسف كفاية.
يوسف:
– كفاية إيه؟ ده شهر العسل لسه بيبدأ.. وفيه عقود واتفاقيات لازم تترجم كلمة كلمة.
غزل بهيام:
– انت بخيل أوي.
يوسف بلوم مصطنع:
– انا؟ ده انا كريم كرم السنين.
غزل بضحكات عالية:
-انت بخيل مووت يا حياتي.. عايز تكروت شغل يا أفندي.. وتترجم كلمة.. كلمة.
يوسف يقترب منها بمكر:
– عايزاني اترجملك إزاي؟
غزل:
– حرف.. حرف.. انا بحب الشغل ياخد وقته.
ليصدم يوسف من جرأتها الجديدة عليه ويبتسم:
– ده أنا إسمي مكتوب في سجل المكافحين.. لا.. لا أنت كده ماتعرفنيش ولازم أعرفك شغلي بيبقى ازاي.. بس انتي ماتزهقيش ولا تملي.
غزل:
– مش هزهق.. بس أنت تبطل كلام شكلك رغاي ومش بتاع شغل.
يوسف:
– طيب تعالي بقى أنت اللي جبتيه لنفسك.
لتستلم مرة اخرى لموجة مشاعرها التي هزتها بقوة.
في مطعم مشهور
يجلس كلا من محمد المبهور بالمكان الذي لم يكف عن التطلع في أركانه وأرضيته والزبائن التي تظهر عليهم أنهم أصحاب الطبقات العليا وشادي على طاولة صغيرة ليهتف له بحنق:
– يا اخي بطل شغل العيال ده.. انا جايب ابن اختي معايا.
محمد:
– بس متقولش عيل.
– واد ياشادي هما الناس النضيفة دي معانا في نفس الكوكب ولا جايين بمكوك فضائي وراجعين تاني.
شادي بغضب:
– قوم يامحمد.. قوم بالله عليك.. قال أنا جايلك اشكيلك همي! قوم.
يرفع محمد يده باستسلام:
– خلاص.. خلاص بهرج ياجدع، إيه مش بتهرج يا رمضان؟ عموماً قول انا سامعك مالك..
شادي:
– بصراحة انا بحب..
ليضع محمد إصبع السبابة في أذنه ويحركها:
– لا قول تاني كده.. اللي قولته.
شادي بإصرار أكبر:
– أنا بحب.. وقبل ما تسألني مين؟ أنا بحب سمية.
تظهر الصدمة جلية علي وجه محمد ويقول:
– احم.. طيب فين المشكلة؟
شادي بتنهد:
– المشكلة اني مش عاجبها.. رفضتني للاسف.
محمد:
– ماتزعلش ياشادي.. أنت عارف كل حاجة بالخناق إلا الجواز.. ويمكن قلوبكم ما تلاقتش.. طيب ما سألتهاش السبب.
شادي بسخرية:
– لا طبعاً قالت.. قالت إن كل البنات تتمناني.. بس هي مش مستعده للجواز.
محمد:
– والله مش عارف اقولك ايه.. انا ممكن اتكلم معاها واشو..
شادي:
– لا.. مش شادي اللي يجري ورا حد.. ربنا يوفقها في حياتها.
محمد:
– والله ياشادي.. كنت حكتلك إن ظروفها صعبة يمكن بسبب ظروفها.. حاول تستني شوية وجدد طلبك ليها يمكن توافق.
ليضحك شادي بشدة:
– تصدق انا مغفل.. بقى أنا اللي كنت بدوب الستات بأشكالهم وألوانهم اجي اتنيل احب وإيه؟ واحدة مش عايزاني! شكله كدة انتقام ربنا مني بسبب ماشي العوج.
محمد بتأثر:
– ربنا غفور رحيم.. ادعيله.
شادي:
– يارب!
يجلس بسيارته مرتديًا نظارته الشمسية ويطرق برتابة على المقود بأصابع كفه على أنغام الموسيقى الأجنبية الكلاسيكي التي تتماشي مع ذوقه منتظراً خروجها.. لقد مر اكثر من ربع الساعة على اتصاله بها يعلمها انه بانتظارها.. ليشعر بارتباكها وأخباره انها لمحاضرة اوشكت على الانتهاء ..وها هو ينتظر خروجها.. اراد الالتقاء بها اليوم.. لقد شعر بإهماله لها الفترة السابقة، فأراد تعويضها جزءاً من حقها عليه.. ولكنه لا ينكر أن هناك غرض خفي اخر من حضوره.. لقد ألمه الشك في بعض الأمور واراد ان يريح نفسه منها.. فيلاحظ خروجها تتلفت يمينا ويسارا حتي وجدته.
لتجلس بحواره بابتسامه مشرقه تقول:
– اتأخرت عليك؟
يامن:
– لا أبدًا.. انت عامله إيه؟
تقى بسعادة:
– الحمدلله مع إني زعلانة.
يامن:
– ليه بس؟
تقي:
– عشان حضرتك مطنشني وشكلك كده زهقت مني.
يامن:
– طيب واللي يصالحك؟
تقي:
– مش هصالحك.
يامن:
– خلاص.. انت اللي خسرانه، كنت مرتبلك يوم ايه.. حكاية!
تقي بسعادة:
– بجد يا يامن؟
يامن:
– ها هتدفعي كام بقى!
تقي:
– اللي تطلبه.
يامن:
– طيب انت مش هتتصلي بمحمد تستأذنيه؟
تقي بتوتر:
– ها.. اه.. لا أصل محمد لو قولتله مش هيوافق.
يامن باستغراب من ردها كان يتوقع انها هي من ستبادر بالاتصال من نفسها ليقول:
– بس مايصحش انك تروحي مكان من غير إذنه.
ليسألها:
– هو انتي بتخرجي من غير ماتقوليله؟
تقى:
– لا.. ايه.. لاطبعاً.
يامن:
– طيب تمام اتصلي بيه.. ولا تحبي أبلغه أنا إنك معايا؟
تقى:
– لا انا هكلمه.. بس احنا رايحين فين؟
يامن:
– مش قولتلك مرتبلك يوم حكاية.. صحيح بتحبي البحر؟
تقة بسعادة:
– اه طبعاً ده أنا بعشقه.
يامن يغمز لها بعينيه:
– تمام أوي.
وقف على باب المطبخ يراقبها بصمت يشعر بتجددها وسعادتها ويمرر نظره علي قوامها المتناسق النحيف ليلحظ ملابسها الجريئة من سروال قصير من الجينز وقميص قطني بحمالتين قصير ليدرج فجأه انه رأها من قبل بهذه الملابس بنفس الوقفة فتعود ذاكرته ليوم مر عليه كثير من الوقت.. يوم غير مشاعره ومشاعرها.. يوم أن حاول الحصول عليها وهو تحت تأثير الكحول.. ليقطع فكرة صوتها وهي على نفس وقفتها.. هتفضل واقف عندك كتير؟
يقترب منها ببطء وتعلو ابتسامه مكر علي وجهه ويقول:
– عرفتي منين إني واقف؟
ثم يطبع قبلة ساخنة على عنقها ويضم ظهرها لصدره.
غزل بدلال:
– بطريقتي الخاصة!
وهو مستمر في تقبيل عنقها وكتفها:
– وايه هي بقى؟ أحب اعرف..
عشان اخد بالي المرة الجاية.
لتلتفت له وتضع كفيها على صدره وذراعيه ملتف حولها وتقول:
– برفانك دايمًا يسبقك في المكان قبل وصولك.
يمرر أصابعه على وجنتها:
– تعرفي أنا حاسس بايه دلوقتي؟ حاسس إن الدنيا اخيرًا رضيت عني.. حاسس اني ملكت الدنيا يوم ما ملكتك.. يوم مابقيتي ليا أنا وبس.
غزل بتذمر طفولي تدفعه من صدره:
– أنا مش ملك حد.. وابعد بقى.. أنا مش بحبك تتكلم كأني شيء مادي اشتريته.
يوسف:
– آه.. كده ضربتني؟ هونت عليكي توجعيني.
غزل:
– يوسف بعدين معاك.
يوسف:
– خلاص ماتزعليش انت مش ملكي.. انتي حقي اللي أخذته من الدنيا حلو كده!
فيقترب منها ببطئ ليلثم جانب شفاها بقبلة طويلة.. ليرفع وجهه عنها وهو مثبت عينيه بعينيها ويقول بهمس:
– كنتي بتعملي ايه من شويه؟
تنظر اعلي رخامة المطبخ المستنده عليها وتقول:
– كنت بشرب شكولاته سخنة وقولت ادوق الحاجات اللي عملناها وما اكلناهاش.
يوسف:
– خيانة! بتشربي وتاكلي من غيري؟ وكمان بتاكلي المخبوزات اللي تعبت انا يوسف الشافعي في عمايلها.. دي مش تتاكل ..دي نحطها في متحف دولي.
ليمد يده خلفها ويلتقط قطعة من صحنها وتشاهده يلتهمها علي قطمتين وتراقب ردود افعاله اثناء مدغه فتلاحظ إغماض عينيه وهو يمدغها كأنه يقبلها.. لترتفع حاجبيها باندهاش عندما صدرت منه أصوات الاستمتاع بها.. هل جن أم ماذا؟ فتصطدم عينيه بأعينها المذهوله ليقول:
– مالك.. بتبصيلي كده ليه؟
غزل باستيعاب:
– ها.. لا.. لا مافيش.. أصلك بتاكل بطريقة غريبة أوي أول مرة اشوفك كده.
يوسف وهو يبتلع باقي الطعام:
– غريبة؟ غريبة إزاي ..عمرك ماشوفتي واحد بياكل حاجة باستمتاع.. وخصوصًا اللي بالزعتر ..جميلة جميلة يعني.
غزل:
– على فكره اللي انت كلتها مش بزعتر.. انا مالقتش زعتر في الشاليه.
لتنتبه لحديثه وتكمل:
– هو انت عرفت منين اني بعملها بزعتر.. وانا ما افتكرش عملتها في الفيلا عند بابا.
يوسف:
– تؤ.. دي اسرار عسكرية ماينفعش تعرفيها.
غزل:
– لا وحياتي يا يوسف قول.
يوسف:
– تدفعي كام وانا اقولك؟
غزل:
– اللي انت عاوزه.
يوسف وهو يشير بإصبعه لفمه:
– تبوسيني.. وبشرط البوسه تدخل مزاجي ولو ماعجبتنيش هنعيدها تاني إيه رايك؟
غزل بجرأة جديدة عليها لم تهمل نفسها للتفكير اقتربت منه ووضعت قدميها فوق قدميه لترتفع وتحيط بعنقه وتهديه قبلة جريئة لم يعتدها منها فيضمها بقوة حتى كاد ان يتلاحما.. فيبتعد عنها بصعوبة.
ليقول بصوت مهزوز مضطرب:
– تعالي نكمل كلامنا فوق.
فتصدح منها ضحكه إذابته وتقول:
– ده مكنش اتفاقنا.. قول بقى عرفت منين؟
ليقطع حديثهما صوت هاتفه ليزفر بقوه وينظر للهاتف فيجده محمد ليقول:
– انا مش هرد.
غزل:
– مين علي التليفون؟
يوسف:
– ده محمد ..مش عارف دي رابع مرة يتصل النهاردة.. اتصل تلت مرات وانا نايم.
غزل بقلق:
– لا رد لايكون في حاجة مهمة..
يجيب:
– الو.. أيوه يامحمد …احنا الحمد لله تمام.. ايوه جنبي.
لينظر يوسف لغزل المتوتره ويكمل.
– حاضر ..حاضر يامحمد.. سلام.
يوسف وهو يهرب من عينيها:
– احم.. آه كنا بنقول ايه؟
غزل:
– هو محمد كان عايز حاجه؟ هو كويس؟
يوسف:
– اه… اه كويس هيكون في ايه يعني؟
غزل تتشبث بذراعيه:
– معرفش حاسة انك مخبي حاجة عليا.. هما كويسين وخالتو صفا كويسة؟
فيبتلع يوسف ريقه بصعوبة ويحيد بنظره عنها عند ذكر صفا:
– هي.. هي الحاجة صفا تعبانه شوية.. فمضطرين ننزل دلوقت.
لتشهق غزل وترفع كفها على فمها:
– مالها خالتو.. قولي يا يوسف ماتخبيش عليا.. انا قلبي حاسس انك مخبي حاجه.
فيقترب منها ويضمها بقوه ويقول:
– إن شاء الله خير.. مافيش حاجة.
– مبسوطة؟
قالها يامن الواقف بجوارها وبيديه كأسا من العصير.
تقي:
– الا مبسوطة.. انا هطير من الفرحة.. متشكره أوي يا يامن.. انا عمري ما ركبت يخت وعمري ما كنت اتخيل ان اركبه مع حد بحبه.
يامن:
– اهم حاجة تكون المفاجأة عجبتك.
تقى بسعادة:
– عجبتني بس أنا مش مصدقه نفسي.. ربنا يخليك ليا يا يامن.
يامن:
– لا ده أنا كده اتغر.
تقى:
– لا مش أوي كده.
يامن:
– تعرفي ياتقى اني لحد دلوقتي معرفش عنك حاجة.. يعني بتحبي ايه بتكرهي ايه..
تقى:
– وده بقى غلط مين غلطي ولا غلط حضرتك؟
يامن:
– ما انا بسأل اهو…
تقى:
– طيب اسأل وانا أجاوبك.
يامن:
– طيب إيه رأيك؟ نلعب لعبة لو واحد خسر التاني يسأله؟
تقى:
– الله هنلعب.. قول ازاي؟
يامن:
– عارفه لعبة سبت احد اللي كل واحد تحدي ضرب على كف التاني كنت بلعبها انا ويوسف واحنا صغيرين.
لترتبك تقى من ذكر اسم يوسف ويلاحظ ذلك بوضوح ليتدارك الامر ويكمل:
– بس انا بقى كنت بكسبه وأقوم اضربه على قفاه.
تقى بضحك:
– لا أكيد بتكدب.
يامن:
– لا والله.. طيب تحبي تجربي؟
تقى:
– لا لا شكرًا.. مش مستغنية عن نفسي.
يامن:
– طيب يلا نبدأ.
مد يده ليمسك بكفها ويريحه فوق كفه ليشعر بارتعاشها من لمسته ليقول مداعبًا إياها:
– كف ايدك صغير.. انا حاسس ان ماسك أيد بنتي مش مراتي.
تهزها الكلمه بقوة لتتلذذ بها.. زوجته! هل بالفعل ستلقب قريبًا بهذا اللقب؟
يامن:
– سرحتي في ايه؟
تقى:
– لا انا معاك.
يامن:
– طيب يلا نبدا لان لسه مجهزلك مفاجأة تانية.
استمر يامن بضرب تقى بخفه حتي لا يؤلمها لتفشل هي ويقوم بضرب كفها عند الوصول الجمعة.
تقى:
– لا لا انت بتغش يا يامن مش لاعبة.
يامن:
– بطلي شغل عيال واستعدي للسؤال.. جبتي كام في الثانوية العامه؟
تقى:
– كنت فاشلة شويه جبت ٨٤٪ ودخلت كليه تجارة.. كليه الجماهير.. يلا الدور عليا.
واستمر اللعب حتي جاء دور تقى:
– حبيت قبل كده؟
يامن:
– احم ليه الأسئلة دي؟
تقى:
– جاوب وفورًا.
يامن:
– هو مش حب بمعني الحب.. ممكن تقولي عليه اندفاع.. تهور.. مراهقه يعني.
تقى بغيرة جديدة عليها:
– وحصل ايه؟
يامن:
– مافيش اكتشفت انها مش كفء وماتستاهلش انها تشيل اسمي.. فقولت لنفسي يوم ما احب أكون أسره لازم اختار كويس اللي تشيل اسمي.. ليقشعر جسدها لثاني مرة من وقع الكلمات الجديدة عليها.. فهي ستصبح زوجته وتحمل اسمه.
يامن:
– انا كده جوبت على كذا سؤال الدور عليكي بقي.. عرفتي ملك ازاي؟
تقى بضحك:
– ماتفكرنيش.. عارف المثل اللي بيقول ما محبة الا مابعد عداوة؟ اهو احنا بقى.. ملك اختك دي محدش يقدر يجي جنبها او يكلمها بيقولوا عليها رفعة مناخيرها.. في يوم ماشيه بكباية الشاي راحت خبطه فيا الكوبايه بهدلت هدومي.. وهي راحت بصالي بتكبر وراحت مشيت.. انا الحقيقه اتخانقت منها.. بعدها بأسبوع كان عندنا سيكشن والدكتور اختارني من ضمن المجموعة إني أجمع الأبحاث اللي طلبها واللي يتأخر عن معاد الاستيلام ما استلمش منه.. أختك بقى ما سلمتش البحث لانها نسيته في الفيلا. عرفت اني انا اللي بجمع الأبحاث طبعًا قعدت تتحايل وتترجاني إني انتظرها تروح تجيب البحث وترجع ودي كانت فرصتي بقى انت عارف البنات.. بس عفوت عنها في الاخر واستنيتها ومن ساعتها احنا اصحاب.. رغاية انا صح؟
يامن بابتسامه:
– لا ابدا.. انا مستمتع بكلامك.. طيب دي ملك.. يوسف عرفتيه ازاي؟
ليدقق يامن النظر في ملامحها حتي يستطيع ان يستنتج أي انفعال يظهر على وجهها ليلاحظ توترها الذي يظهر للاعمي جليًا على وجهها كلما نطق باسم أخيه:
– ايه السؤال صعب للدرجة دي؟
تقى:
– لا.. ابدا بس مافهمتش السؤال.
يامن وهو يضيق عينيه:
– عادي.. بسألك عرفتي يوسف ازاي؟ من ملك ..ولا عن طريق غزل!
لتبتلع ريقها بصعوبة وتندفع في الاجابة دون تفكير:
– انا ماعرفش يوسف غير لما غزل عرفت أهلها.
لتضيق عينيه اكثر من إجابتها ويظل الصمت حليفهما بعد إجابتها التي أكدت له انها تخفي عنه شيء بخصوص أخيه.. هل من الممكن أن تكون علي علاقه سابقة بأخيه؟ لذلك لاحظ ضيقها المستمر عند ذكر اسمه.. مع توترها المستمر في وجوده وعند ذكر اسمه. وما زاد من شكوكه منظرهما المشكوك فيه بالمستشفي وكلام يوسف الموجه لها الذي سمع بعضه.
تقى بقلق:
– انت سكت ليه؟ في حاجه؟
يامن بابتسامه معتدلة:
– لا ابدًا سرحت شوية.. تحبي تشربي ايه؟
تقى:
– مش لازم انا مش عاوزة.
يامن:
– لا لازم تشربي حاجة عشان اديكي طاقة.. قبل المفاجأة اللي جايه.
بعد الانتهاء من تناول شرب العصائر الباردة لتنعشهم.
تقف تقي شاردة في منظر البحر الأزرق ويمتد أمامها خط رفيع اصفر يدل على وجود الشاطئ.. ليبين لها مدى ابتعاد قاربه عن الشاطئ.. فتشعر بخطواته من خلفها تقترب لتلتف ويفرغ فاهها من الدهشة.. من هيأته الجديدة عليها.
فتخفض نظرها بتوتر من شده الخجل بسبب ظهوره أمامها لأول مره بقميص شاطئي مفتوح يظهر من خلفه عضلات صدره بجرأة يعلو ذلك سروال قصير بما يسمي ملابس السباحة تظهر عضلات فخذيه بقوة.
يامن:
– مستعده للمفاجأة التانية؟
لتهز رأسها دون اخراج صوت.
يامن:
– الاول بتعرفي تعومي ولا زي اختك غزل خيبه؟ بتغرق في حوض السمك.
تقى:
– لا بعرف أعوم بتسأل ليه؟
– انزلي جوة اول اوضة على ايدك اليمين وانت تعرفي.
فتتردد تقى بضع لحظات لا تعلم لما ينتابها الشعور بالقلق من نظراته وخصوصًا بعد ذكر اسم يوسف اليوم.. فتتجه تحت أنظاره لأسفل وتذهب حيث حدد لها مسبقا..
فتحت الباب الخشبي لتصدم بوجود سرير مفروش بغطاء وشراشف سوداء تنم عن ذوق ذكوري، وباب حمام جانبي بنفس الغرفة. وبمحاذاة الفراش، نوافذ صغيرة تظهر منها جمال البحر. مرتّرت نظرها بالغرفة وتبحث عن ما يقصده، فتقع أعينها على ملابس سباحة حريمي من قطعة واحدة باللون الأسود متداخل به اللون الأصفر من الخصر كشعاع شمس يتسع عند الصدر، ذات فتحة خلفية تظهر الكثير. تعجبت من وجود هذه القطعة على الفراش.
هل هذا ما يقصده يامن؟ لا، من المؤكد أنه يقصد شيئًا آخر. ولكنه سألها عن إمكانياتها للسباحة. وقد أبَدَل هو ملابسه. من المؤكد أنه ينوي السباحة، ولكنها لا تعلم لماذا أرسلها إلى هنا.
لتسمع صوته خلف الباب:
– ها، عجبك المايوه؟
لتشهق وترفع لباس البحر أمام ناظرها برعب. أكان يقصدها بهذا اللباس؟ سيعتقد أنها سترتديه أمامه؟ مجنون هو أم ماذا؟
– تقى، أنتِ سامعاني؟
تقى بتوتر:
– آه.. آه سمعاك.
لتقترب من باب الحجرة وتفتحه وتقول:
– أنت تقصد إيه باللبس ده؟
يامن:
– ده؟ مش معقول هكون جايبه ليكي عشان تحضري بيه فرح، أكيد عشان تنزلي بيه البحر.
تقى:
– أنا استحالة أنزل البحر بالشكل ده.
ليقول بسخرية:
– لما أنتِ كنتِ بتنزلي البحر، كنتِ بتنزلي بإيه؟
شعرت تقى بالحرج من أسلوبه، شعرت في نبرته بالتهكم، فمن الواضح أن الفروق الطبقية بينهم ستكون عائقًا في حياتهم معًا.
يامن بابتسامة:
– بس بس، كل ده تفكير. هو سؤالي مربك للدرجة دي؟
ليقترب منها خطوة ويهمس لها:
– أنا كنت بهرج على فكرة، أنا عارف إنك أكيد مش بتلبسي مايوه قدام الناس.
لتعقد حاجبيها متساءلة عن مقصده. ليكمل هو:
– أنا اشتريته لأنه عجبني وتخيلتك بيه، فممكن ترحمي تخيلاتي وتلبسيه. هتجنن وأشوفه عليكي.
تتسع عيناها من صدمتها وتحلق فيه، تسأل نفسها.. هل هذا هو يامن خطيبها؟ أم شخص غيره مجنون ومتهور؟
فتشعر باقترابه خطوتين وتلفح أنفاسه وجهها المصدوم، ويقشعر جسدها وتنتفض انتفاضة داخلية أثر تمرير ظهر إصبعه على وجنتها.
يقول:
– هتعرفي تلبسيه لوحدك؟ ولا أجي أساعدك؟
تنتفض مبتعدة عن مرمى يديه من كلماته الجريئة، وتفيق على صوت ضحكته العالي يقول:
– مش ممكن يا تقى.. الواحد مش عارف يهرج معاكي أبدًا. أنا خارج وقدامك خمس دقايق بالضبط، الدقيقة السادسة هتلاقيني داخل أساعدك.
وينصرف تحت نظراتها.
– هتفضلي حابسة نفسك جوه كتير؟
قالها يامن بنفاذ صبر بعد مرور نصف الساعة على وجودها بالداخل. ويكمل:
– أنتِ لو ما خرجتيش، ما تزعليش مني لما أكسر الباب.
تقى من الداخل بتوتر:
– خلاص هخرج أهو.
ليسود الصمت بينهما، هو خارج الحجرة وهي داخلها، يفصل بينهما الباب وكلاهما ملتصق به. يفتح الباب بهدوء وخجل لتخرج منه بلباس السباحة المختار، تضع عينيها على قدميها منخفضة الرأس، فينسدل خصلات شعرها على وجهها وكتفيها يخفيها عن أعينه. يبتلع ريقه بصعوبة آلمته ويقول:
– بسم الله ما شاء الله.
ويمد إصبعه ليرفع ذقنها حتى يرى وجهها وهو مقترب منها.
يقول:
– ياريتك ما كنتِ لبستيه.
تقى بخجل:
– هو وحش للدرجة دي عليا؟
يحرك أصابعه لتزيل غرتها عن وجهها ويقول:
– أنتِ عارفة بلبسك ده، أنتِ عملتي فيا إيه؟ طلعتي يامن القديم المتهور اللي حاولت كتير أقتله.
تقى:
– شكلك مكنتش سهل زمان.
يامن وأصابعه مستمرة في تحريك خصلاتها:
– سيبك من زمان، خلينا في اللحظة دي. اللحظة دي لازم تبقي ذكرى بينا. مستعدة تنزلي المية ولا هتتراجعي؟
تقى:
– مستعدة.
مر الوقت وهما مستمتعان بدفء المياه بين سباحتهم وسباقهم. كان يحاول تلجيم نفسه من احتضانها داخل المياه. وحاول الابتعاد عنها أكثر من مرة يقاوم نفسه ورغباته. وعندما شعر بنفاذ طاقته، طلب منها الصعود متحججًا بالخوف عليها، فتلبي طلبه وتصعد معه على القارب.
يساعدها في الخروج من الماء، ويقوم بلفها بشرشف كبير حتى لا تصاب بالبرد. يقول:
– ها، اتبسطي ولا ندور على مفاجآت تانية؟
تقى بطفولة:
– اتبسط أوي. ربنا يخليك ليا يا يامن وما يحرمني منك.
يامن بارتباك محاولًا الابتعاد عنها:
– شعرك مبلول! استني اجيبلك حاجة تنشفيه بيها عشان ما تاخديش برد.
يمسك يدها ويجلس جوارها بملابسه المبتلة يقول:
– لفي عشان أنشفلك شعرك.
فتعطيه ظهرها بسعادة تقول:
– عارف، بقالي كتير محدش نشفلي شعري. أنا اللي بعمله لحد ما دراعي يوجعني. زمان بابا الله يرحمه كان بيسرحولي، تخيل!
ليتأثر يامن من نبرة صوتها الحزين ليقول:
– الله يرحمه. أكيد كنتِ بتحبيه، يابخته.
تقي بحزن:
– تعرف يا يامن. بابا ده أكتر واحد حسيت في حضنه بالأمان وبالحب. المفروض برده أحس بكده مع ماما، بس للأسف كل اهتمامها كان لمحمد و..
يقوم بلفها لتواجهه ويقول:
– وإيه؟ كملي.
تقى:
– يعني مش مهم أكمل.
يامن بإصرار:
– أنا عايز أسمعك!
تقى:
– ويعني وكانت مهتمية بغزل. حسيت من ساعة ما ظهرت غزل في حياتنا والاهتمام كله ليها. شاركتني في ماما ومحمد، حتى الرضاعة شاركتني فيها.
يامن:
– الاسم ده غيرة؟
تقى رافضة بعبارته:
– لا.. مش غيرة، أنا بس كان نفسي أكون محور اهتمامهم زيها.
يراقبها وهي تتكلم ولم يشعر بنفسه وهو يقترب منها ويهمس لها:
– أكيد بيحبوكي.. زي.. زي ما أنا بحبك.
لتقول تقى بصدمة:
– أنت قلت إيه؟
يقترب أكثر لتلامس شفتاه خاصتها ويهمس:
– بحبك يا تقى.. بحبك.
يقتنص منها قبلة هادئة عكس ما يحمله صدره. فيشعر بمقاومتها في البداية لتتحول المقاومة لاستسلام، وترفع يدها تحيط رأسه تداعب خصلات شعره المبتل، فيزيد من ضمها لصدره. لم تشعر بإبعاده لمنشفها إلا بعد ملامسة كفه لظهرها العاري، حتى شعرت بالخطر من الاستمرار على هذا النحو. فحاولت إبعاده عنها بقوة:
– يامن أرجوك ماينفعش.
إلا أنه لا يجيبها ومستمر في تقبيلها بجنون وضمها بقوة أكبر كأنه مغيب الوعي. ظنت أنه لم يسمعها وتسمعه بعد لحظات:
– مش قادر يا تقى صدقيني مش قادر.. أنا بقاوم نفسي من الصبح.
فتزداد مقاومتها له ورفضها:
– أرجوك ابعد.. بلاش كده.. ابعد أرجوك.. أرجوك يا يوسف ارجوك.
فتشعر بتوقفه فجأة وتصلب ذراعيه الضامة لها كأنه يريد التأكد مما نطقته للتو. ينظر لعينيها يريد التأكد، فتقابله عيناها المتوسلة. أخبرته بأن ما سمعه صحيح ليقول بصوت ميت:
– أنا يامن مش يوسف يا تقى.. قومي ألبسي عشان أروحك.
تقى محاولة تبرير موقفها بخوف:
– يامن.. اسمعني.. أنا ما أقصدش، دي ذلة لسان من اللي حصل بينا.
يامن بسخرية:
– ما فيش واحدة بتبقى في حضن حبيبها وتنطق اسم راجل تاني إلا بقى لو كانت بتفكر في الثاني.
تقي بغضب مزيف:
– راعي إن كلامك جارح وأنا ما أقبلوش على نفسي.
يامن بلا مبالاة:
– قومي يا تقى وخلصينا.. عشان أرجعك.
تحركت بخجل تحت أنظاره المشتعلة بغضب لتدور في عقله أفكار قديمة كانت السبب في خلافه لسنوات مع أخيه. أيعقل أن يكون أخيه على علاقة بها ولم يخبره؟ ولما لا! فقد فعلها فيه من قبل مع أول حب له وجدها بفراشه. ولكنه نبهه كثيرًا وقتها حتى يبتعد عنها. وهذا لم يحدث مع تقى. ولكن يظهر كرهه وبغضه لها دائمًا. أبسبب هذا كرهه لها لأنها على علاقة بها؟ هل كان مغفلًا لهذه الدرجة؟ يجب أن يعرف إجابات أسئلته منها. لينتفض من جلسته وقد جفت الكثير من المياه على جسدها ويهبط مسرعًا للحاق بها ويفتح الباب بدون طرق غير مبالٍ بها وهي تحاول إكمال ارتداء ملابسها بسرعة وغلق أزرار قميصها لتقول:
– أنت إزاي تدخل كده؟ أنت مش عارف إنْي بغير هدومي!
يامن بهدير غاضب:
– أنتِ إيه اللي بينك وبين يوسف؟
لا تعلم بماذا تجيب. هل كان بينهما شيء من قبل؟ أم أنها مجرد أوهام طفت فوق مشاعرها لتوئدها سريعًا؟
تقول بصوت مهتز:
– أنا مش فاهمة تقصد إيه؟ هيكون بيني وبينه إيه يعني؟
يامن بغضب:
– أنا هنا اللي بسأل.. إيه اللي بينك وبينه؟ انطقي يا تقى. أنا بقالي مدة كبيرة بكذب نفسي، بس اللي سمعته النهارده منك.. يأكد شكوكي. ده بجانب توترك كل ما تسمعي اسمه ووضعكم اللي مش مفهوم واحنا في المستشفى. انطقي بدل ما تشوفي وشي التاني.. وأنصحك ما تشوفيهوش.
تقي بدفاع عن نفسها:
– قلت لك ما فيش حاجة بيني وبينه، مش عايز تصدق ليه؟
ليمسك بذراعيها بقوة آلمتها ويقوم بهزها وهو يصرخ بوجهها:
– أنا مش هسمح لأي مخلوق إنه يخدعني تاني يا تقى، فاهمة؟ فاحسن لك اعترفي.. علاقتكم وصلت لحد فين؟ انطقي.. وعلاقتكم دي من إمتى! قبل ما أعرف ولا بعد ما عرفتك؟ أعتقد إنها قبل.
تقى بصراخ:
– أنت مجنون.. مجنون.. إزاي تتهمني اتهام زي ده وأنت عارف أخلاقي؟
لينظر لها بسخرية ويمرر نظرة عليها من أعلى وأسفل ويقول بكره:
– آه.. أخلاقك ما أنا عارفها كويس.
تشعر تقى بنبرة السخرية بحديثه لتقول بصوت يتغلغل به البكاء:
– تقصد إيه؟
يدفعها يامن بقوة بعيدًا عنه وينظر لها بازدراء:
– أخلاقك اللي أنا اكتشفتها النهارده وأنتِ معايا.. اللي خلتكِ ما تتصليش بأخوكي تبلغيه أنتِ فين.. وخليتكِ تروحي معايا على يخت ونكون لوحدنا مع بعض.. وهي هي أخلاقك اللي.. اللي خلتكِ تخلعي لبسك في مكان غريب وتلبسي مايوه لمجرد إني طلبت ده.. وأخلاقك خلتكِ تسمحيلي إني أ..
لتصرخ بوجهه بانهيار:
– كفاية.. أنت عايز مني إيه؟ مش خلاص كنت القاضي والجلاد؟ عايز إيه تاني.. أرجوك كفاية لحد هنا، ياريت ترجعني دلوقتي حالًا.
يقف يديه في خصره ينظر لها باستعلاء ولم يبد عليه التأثر:
– برافو حقيقي.. برافو. بس برده مش هسيبك لحد ما أعرف استغفلتوني إزاي.
لتصرخ بوجهه وتقول بتحدي:
– بما إني طلعت واحدة معنديش أخلاق وسمحت لواحد زيك إنه ياخدني على اليخت ده من غير تفكير.. أحب أريحك وأقولك أيوه.. كنت أعرف يوسف من قبل ما أعرفك.. وأيوه عرفته عن طريق ملك.. وأيوه يا يامن حبيت يوسف أخوك بس هو كان واضح وصريح وكل الناس عارفة نزواته مش زيك.. وأهم الناس بوش غير وشك.
لم يشعر بنفسه إلا ويده تلطم وجهها لطمة قوية.
لتتلقاها بكل ثبات زائف لتكون هذه اللطمة ما كانت تحتاجه لتزيد من كرهها له.
لم تشعر بدموعها التي جرت على وجنتيها بانهيار.
ليقطع الصمت صوت رنين هاتفه الشخصي. فيزفر بقوة ويتجنب النظر لها.
"الو.. أيوه يايوسف.. حصل امتى؟ طيب أنا جاي حالاً.. أنت في الطريق.. طيب تمام نتقابل هناك.. سلام."
ليغلق الهاتف وهو مستمر في تجنب النظر لها. تمر ثانيتان قبل أن يقول بجفاء:
"جهزي نفسك نص ساعة ونكون على الشط."
فيتحرك من أمامها اتجاه الباب ليوقفه نداءها. ويواجهها فينخفض نظره ليديها ويلاحظ خلعها لخاتم خطبتها.
"مبقتش تلزمني."
لتلقيها أمامه على الفراش بإهمال. فيجيبها ببرود:
"ولا انتي بقيتي تلزميني."
***
يقف الجميع أمام غرفة العناية المركزة منتظرين تقريرًا لحالة الخالة صفا.
فكن بلغ بحالتها سمية التي كانت متجهة كعادتها لمنزل الخالة لتلاحظ عدم إجابتها. لتسرع بالصعود لشقة الشريف وتبلغهم ليكتشفوا بعد فتح الباب بحالتها ويتم نقلها إلى المشفى.
دخلت غزل مسرعة وخلفها يوسف الذي لم يستطع إلحاق بها.
"استني ياغزل براحة شوية.. إن شاء الله خير."
ولكنها تبدو لم تسمعه. فكل تفكيرها منحصر حول إمكانية فقدانها لخالتها. أمها التي وعيت عليها. التي نشأت بكنفها.
ليقطع تفكيرها رؤيتها لأخيها وسمية المنهمكين بالحديث الجانبي. وشادي الشارد في شيء تجهله. والخالة راوية وبجوارها تقي التي يظهر على وجهها آثار البكاء. أيعقل أنها بكت من أجل خالتها؟
تتصل إليهم وتقول بصوت باكي:
"هو إيه اللي حصل بالضبط؟ الدكاترة قالولكم إيه؟"
ليقترب منها محمد مهدئًا إياها:
"ماتقلقيش يا غزل. الدكاترة لسه ما طلعوش من جوه.. وكمان يامن أول ما وصل دخلهم جوه ولسه ما طلعش."
لتشعر بكف يد دافئة تلامس ظهرها تشعرها بالأمان.
قالها يوسف بصوت متألم لحالها.
ليلاحظ محمد آثار كدمات بوجه غزل.
"إيه اللي في وشك ده؟"
فترتبك لمباغتته بالسؤال. فقد فشلت أدوات التجميل إخفاء آثار اعتداء يوسف عليها. لتختلق كذبة واهية:
"أصل.. أصل وقعت من على السلم و.. وأنا مش واخدة بالي."
وترفع عينيها ليوسف المرتبك الذي يرسل لها نظرات آسفة لعلها تسامحه على أفعاله الهوجاء.
يخرج يامن مع الدكتور المسؤول. لينتبه له الجميع بقلق. ظلت تراقب ملامح الأخير لعلها تقرأ من ملامحه أي شيء. فصمته وانحناء رأسه ينهش بصدرها ويزيد من انقباض قلبها.
لتسمع صوت محمد يبادره:
"طمنا يا يامن على الخالة صفا.. هي كويسة صح؟"
ليمرر نظره على وجوههم القلقة. فتتلاقى أعينه بعين من جرحت رجولته وكرامته. فيشيح نظره عنها ويقول بعملية اعتاد عليها خلال ممارسته لهذه المهنة كأنه شخصًا غير يامن المحبوب المرح:
"للأسف الحالة جالها ارتفاع في الدورة الدموية أدى ل... للوفاة.. البقاء لله."
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
مر شهر على وفاة الخالة صفا والجو يشوبه الحزن والأسى.
تجلس بحجرتها حبيسة ليس لديها رغبة بالحديث مع الآخرين رافضة أي تواصل معهم رافضة لكل شيء حولها حتى زوجها رفضت وجوده بجوارها ليقرر خروجه من حجرتهما ليعطيها مساحة من الخصوصية حتى تحاول فيها لملمة شتاتها وعدم الضغط عليها.
منذ سماعها للخبر وهي تمثل التماسك أمامهم. لم تذرف دمعة واحدة، لم تعترض ولم ترفض خبر موتها. لم تصرخ ولم تبكي. وهذا ما يزيد من قلقه على حالتها النفسية.
بحجرة الضيوف يجلس يوسف وأمامه عمه ناجي ويامن بجوار الأخير. يطلق نظرات حارقة عليه لا يعرف ما سبب تبدل حالة أخيه الصغير ولكنه برر ذلك بسبب الظروف الأخيرة التي حلت عليهم.
ليسمع ناجي يقول:
- وبعدين يا يوسف؟ حالة غزل مش عجباني. صمتها ده قلقني.
يوسف:
- حالي من حالك ياعمي. أنا قلقان عليها أوي. كنت متوقع منها رد فعل مختلف، إنها تنهار وترفض فكرة موت خالتها.
ناجي:
- طيب أنت شايف إيه الحل؟
يوسف:
- أنا هسيبها يومين على راحتها ولو فضلت على حالها هحاول أوديها لدكتور نفسي. ما تشغلش بالك أنت. المهم أخبار صحة حضرتك إيه؟
ناجي:
- الحمد لله يابني. أنا أول ما بلغني يامن جيت على طول ولغيت كل حاجة. أنا يا يوسف مش هوصيك على غزل. أنت اللي باقي لها من بعدي انت ويامن. غزل طول عمرها عاشت محرومة مني ومن أمها ويوم ما ألقيها ميتبقاش في العمر بقية عشان أعوضها سنين حرمانها مني.
يوسف بلوم:
- ليه بس كده ياعمي. انت إن شاء الله هتبقى كويس وتخلي بالك منها معانا. ولا إيه يا يامن؟
يامن بانتباه من شروده:
- إيه؟ بتكلمني ياعمي؟
ناجي:
- مالك يا يامن مش عاجبني من ساعة ما رجعت وأنا واخد بالي إنك سرحان دايمًا ومهموم. معقول تكون زعلان للدرجة دي على بنت عمك؟
يامن:
- طبعًا ياعمي. غزل بالنسبة لي مش بنت عمي وبس! ربنا يعلم هي إيه بالنسبالي وبحبها قد إيه.
تنتاب يوسف الغيرة من حديث أخيه عن زوجته.
ناجي:
- ربنا يديم المحبة بينكم يا ولاد. ما ده عشمي فيكم. كده أقابل وجه كريم وأنا مستريح.
يامن ويوسف:
- ألف بعيد الشر.
يوسف:
- ربنا يديك الصحة وطولة العمر ياعمي.
ناجي وهو يهم بالوقوف:
- طيب هقوم أنا أريح شوية لحد ميعاد الغدا. عن إذنكم يا ولاد.
ليهم يامن بالانصراف ويقول:
- أنا كمان ياعمي طالع أوضتي شوية. محتاج أنام.
ليوقف تحركه صوت يوسف:
- استنى يا يامن أنا عاوزك.
يامن لناجي:
- اتفضل حضرتك. هشوف يوسف عاوز إيه.
ناجي:
- طيب يابني براحتك.
ليقف يامن بتحدي مواجهًا يوسف الذي لم يتحرك من مجلسه ويقوم بإشعال سيجاره الخاص ويقول:
- مالك؟
ليبتسم يامن بسخرية:
- سلامتك.
يوسف بتضييق عينيه:
- مممم شكل الحوار كبير. طيب نجرب طريقة تانية. طريقة المواجهة. تمشي معاك؟
يامن:
- انت عارف إني مش بحب اللف والدوران وبحب الصراحة.
يوسف بأريحية:
- تمام. فسخت خطوبتك ليه؟
ليعقد يامن حاجبيه باستغراب ليتبدل في لحظة لاستهجان. لقد ظن في نفسه أنها من فرت لتبلغه بفسخ خطوبتها منه:
- هي لحقت تبلغك؟ دي مش بتضيع وقتها بقى؟
ليتعجب يوسف من حواره ويتأكد بأن هناك ما يخفيه في جعبته ويصر على اكتشافه:
- مين تقصد؟
ليثور يامن من سؤال أخيه ظنًا منه أنه يتلاعب به:
- أنت هتستهبل يا وس...
ليصرخ يوسف بغضب وينتفض من مجلسه ولقد سبب انتفاضته سقوط سيجارته المشتعلة على سجاد الأرضية:
- أنت نسيت نفسك! لم روحك وفوق كده وأتكلم عدل إلا وجلالة الله هنسى إنك أخويا.
يامن بغضب مماثل:
- أيوه أيوه. مثل دور الضحية. أنت معجون من إيه يا أخي شيطان؟ ده إبليس نفسه ينحني ليك. أنت أقذر خلق الله. بتستحل كل شيء ليك المهم يكون ملكك أنت وبس. مش مهم اللي حواليك هيعانوا ولا لا. كنت فاكرك اتغيرت لما حبيت وشوفت الحب في عينك. بس طلع ده حتى كدب وخداع.
يحاول يوسف جاهدًا تمالك نفسه ويمسح بكف يده على وجهه لعله يفهم سبب ما أصاب أخيه:
- ممكن تهدى كده وتفهمني كل الجنان ده لازمته إيه؟
لينظر يوسف فجأة خارج الحجرة ويجد تجمع خدم الفيلا مراقبين سبب الصراخ ليقول:
- انتوا إيه اللي موقفكم كده؟ كل واحد على شغله.
ثم يوجه حديثه لأخيه:
- خلينا نكمل كلامنا في المكتب. مافيش داعي الخدم يسمعوا غسيلنا الوسخ. كفاية فضايح.
بعد ثورة يامن على أخيه ظل جالسًا الأخير بثبات لم يرتجف له جفن ليقول:
- كل الدوشة اللي انت عاملها دي سببها الكلام الفارغ ده. وانت صدقتها بقي لما قالتلك إنها كانت تعرفني قبلك؟
ليصدح صوت يامن بغضب:
- وهي إيه اللي يخليها تكدب وتتهم نفسها باتهام زي ده؟
يوسف بثبات:
- أي واحدة مجروحة من اللي بتحبه. بتبقى عايزة تجرحه حتى لو كان على حسابها.
يامن:
- تقصد إيه؟ أنا واثق إن في حاجة بينكم. كل شي حواليكم بيثبت كلامي. توترها منكم. وأنت مش بتطيق تسمع اسمها. ووضعكم في المستشفى. وكذبها اللي ما دخلش دماغي. إيه؟ عايز تقولي يا جنرال إنها مانمتش على سريرك؟
لينتفض يامن أثر صفعة مدوية هبطت على وجنته من يد أخيه الأكبر. وتبرق نظرات الكره من عينيه ليقول ببغض يحمله منذ سنوات كان يظنه انتهى:
- تأكد يا يوسف إن هيجي عليك اليوم وتذوق من نفس الكاس اللي شربتني منه.
ينصرف بعد إلقاء كلماته ليجد غزل أمامه. يبدو أنها استمعت لحديثهما المخزي. لم يستطع تبرير الموقف لها ليقول بصوت مبحوح:
- أنا مسافر. ياريت تبقي تطمنيني عليكي لو احتجتيني في أي وقت هتلاقيني عندك. أشوف وشك بخير.
وينصرف تحت أنظار يوسف المصعوق وصمت غزل المبهم. كان يظن أنه سيثور ويثأر منه. أنا صمدته كانت أكبر من انسحاب أخيه الصغير من المعركة دون إعطائه أدنى فرصة للدفاع عن نفسه وتبرير موقفه. فهو يظهر دائمًا له بمظهر الخائن الظالم. ولثاني مرة يطعن أخيه الصغير في رجولته وكرامته على يديه. ولكن هذه المرة لا يد له فيما حدث.
تتابعه نظرات غزل المتسائلة لتقول بهمس:
- ممكن أفهم إيه الكلام اللي قاله يامن ده؟
يوسف باختناق:
- مش وقته يا غزل. سبيني لوحدي دلوقتي.
غزل بإصرار:
- بس أنا عايزة أفهم إيه اللي يخلي يامن يتهم تقي ويتهمك اتهام زي ده. إلا لو كان فعلًا.
يوسف بغضب:
- غزززل! كلمة زيادة مش عايز. اتفضلي على أوضتك وابعدي عن وشي دلوقتي. أنا مش عاوز أأذيكي. اتفضلللي.
وقال كلمته الأخيرة بتهديد أكبر فيسبب لها الانتفاض وتصارع في حبس دموعها. ترفض إظهار ضعفها له الذي يظهر له دائمًا. فتفر إلى حجرتها تاركة من خلفها من يشتعل صدره بالغضب.
ـــــــــــــــــــــــــ
بكاء وعويل ولطم على الخدود ونحيب مكتوم. هذا ما سمعته وجعل قلبها ينقبض مما هو آت. وتتسمر قدميها للحظات بالأرضية رافضة التحرك كأن جاذبية الأرضية زادت عن الحد. لتندفع وتفتح باب الغرفة المغلق أمامها ويزداد انقباض قلبها لرؤيتها لابنة عمها وأخت زوجها جاثية على أرضية الحجرة ضامة قدميها إلى صدرها وتنتحب بشدة. فتدخل مسرعة وتغلق الباب خلفها خوفًا من أن يشعر بهما يوسف. لتقترب وتجلس على ركبتيها بجوارها وتقول بصوت منخفض:
- ملك! أنت كويسة؟
ولكن يبدو أنها لم تستمع إليها لترفع كف يدها وتضعه على ذراعيها وتقول:
- ملك أنت سمعاني؟ في إيه؟
ليتشنج جسد الأخيرة ويزداد صوت بكائها فيزداد قلق غزل من حالتها الجديدة عليها. فأول مرة تجدها على هذه الحالة. دائمًا تراها ثائرة متعجرفة لا مكسورة ومهزومة مثل الآن. لتكمل بصرامة:
- ملك أنت لو مقولتليش مالك. هاضطر أقول ليوسف. ماتقلقنيش أكتر من كده.
وعند ذكر يوسف توقف البكاء بضع ثواني لترفع وجهها الملطخ ببقايا الكحل وتنظر لها برعب وفم مفتوح من الصدمة لتهمس بضعف:
- يـ يوسف!!! يوسف!!!
لتقوم بلطم وجنتيها لطمات متكررة بقوة. لتصدم غزل من فعلتها وتقوم بتقييد كفيها وتصرخ:
- اهدي وقوليلي في إيه؟
لتهتز حدقة عين ملك برعب:
- أنا أنا حامل.
لتفرغ غزل فاهها وتبرق أعينها وتقول بصدمة:
- أنت بتقولي إيه؟ أكيد أنا سمعت غلط صح؟ أنت قولتي حامل. انطقي.
تهز رأسها بالإيجاب برهبة لتسألها غزل:
- إزاي حامل إزاي؟
في حد اعتدى عليكي؟ قوليلي إزاي المصيبة دي حصلت؟
لتبتلع ريقها بصعوبة وتهمس:
– ساعديني يا غزل، يوسف لو عرف هيقتلني، أبوس إيدك ساعديني.
لتجيبها غزل المصدومة:
– يقتلك؟ دي أقل حاجة ممكن أخوكي يعملها. أنتِ ماتعرفيش أخوكي ممكن يعمل إيه. أنا بس اللي أعرف. دلوقتي لازم تحكيلي كل حاجة عشان أقدر أتصرف.
قصت ملك عليها ما حدث بينها وبين جاسر وعن زواجهما بالسر ورفض يوسف له. لتشعر غزل ببعض الراحة البسيطة بعد علمها بزواجهما. لتقول:
– فين ورقة الجواز؟
ملك ببكاء:
– معاه.
غزل وهي تساعدها على النهوض:
– قومي اغسلي وشك، خلينا نفكر هنعمل إيه. جاسر ده لازم يجي يتقدملك رسمي والناس تعرف، قبل ما المصيبة دي تتعرف. كلمتيه؟
ملك:
– بقالي أسبوع بكلمه ومابيردش، ورحتله الشركة قالولي مسافر ألمانيا. أنا خايفة أوي يا غزل لا يتخلى عني.
غزل:
– إن شاء الله خير، كل اللي نقدر نعمله تحاولي تبيني طبيعي عشان يوسف. وربنا يستر من اللي جاي.
***
وقف مصدومًا من رؤيتها غير المتوقعة، ليستغل عدم رؤيتها له ويراقب تفاصيلها بأريحية، فقد مر وقت لا بأس به دون أن يراها، فاقد الأمل في رؤيتها أو أن يجمعه القدر معها مرة أخرى. يلاحظ توترها عن طريق فرك أصابعها واهتزاز قدمها أسفل منها، مع مراقبة الوالجين للشركة. ليشحن نفسه بطاقة إيجابية ويحثها على التقدم نحوها وسؤالها عن سبب وجودها في هذا المكان. ليغلق باب سيارته ويتأكد من إغلاقها، ويأخذ شهيقًا يملأ به رئتيه. مع تقدم خطواته حتى وصل لهدفه، يقول:
– صباح الخير يا آنسة سمية.
ظن أنها ستتأفف من وجوده غير المرغوب به، ولكنه تفاجأ بالعكس. لتجيبه بامتنان:
– صباح الخير يا أستاذ شادي، أقصد بشمهندس شادي.
لتستمر في فرك يديها المتعرقتين. شادي برسمية:
– الحاج رضا، صحته عاملة إيه؟ معلش مقصر معاه الفترة دي في السؤال.
لتندفع قائلة:
– الحمد لله بخير. حضرتك اختصرت عليا مقدمة كبيرة كنت محضراها.
شادي:
– مقدمة! خير، هو صحته تعبانة ولا حاجة؟
سمية بنفي:
– لا لا أبدًا، مش ده الموضوع اللي عايزة حضرتك فيه.
ليشعر بالانتشاء ويقول:
– طيب، مش هينفع نتكلم وإحنا واقفين كده. اتفضلي معايا على مكتبي لأن وضعنا كده مش حلو.
لتتردد سمية من قبول دعوته، فيحثها مرة أخرى على الموافقة لترضخ له بالنهاية.
***
تجلس أمامه كالتلميذ المذنب. كيف وضعت نفسها في هذا الموقف وكيف وافقت على دعوته؟ منذ دخولها لمكتبه لم يتوقف الطرق على بابه من الموظفين ولم يتوقف هاتفه، ليقوم بتقديم التعليمات الخاصة بعمله. لم يكن بمخيلتها أنه ذو شأن وأهمية بعمله. لقد صدمتها شخصيته الجديدة عليها. لم تره من قبل بهذا الحزم والشدة مع الغير. يقطع تفكيرها صوته الملحن:
– سمية!! أنتِ تعبانة أو حاجة؟
يا الله، لماذا هو بمثل هذا الحنان معها والاهتمام؟ كل يوم يمر عليها يؤكد لها أنها كانت على صواب عندما رفضته، فشخص مثله يستحق فتاة كاملة بدون مشاكل جسدية ونفسية. ليكرر ندائه لها، وتجيبه:
– لا أبدًا، أنا مع حضرتك. أنا خايفة أكون عطلت حضرتك عن شغلك.
شادي:
– سخيفة على فكرة.
– نعم.
شادي:
– حضرتك ومن فضلك سيادتك، سخيفة منكِ، محسساني إننا طالعين من فيلم أبيض وأسود. أنا اسمي شادي يا سمية، شادي، فاكراه اللي حطتيله ملح في قهوته ولا نسيتي؟ هه.
سمية بحرج:
– أنا آسفة إن كنت زودتها معاك، أرجوك اقبل اعتذاري.
شادي بفقدان صبر:
– مافيش فايدة يا سمية، أنتِ عزيزة عليا أوي. بلاش الكلام ده، عمومًا يا ستي قولي كنتِ عاوزاني في إيه؟
سمية ببعض الشجاعة:
– أنا كنت جاية أشكرك إنك مهتم بوالدي وبتسأل عليه، وأشكرك كمان على الأدوية اللي حضرتك كنت بتبعتها. أنا عارفة إن حضرتك كنت منبه على عم إبراهيم ما يعرفناش إنك اللي بتجيب الأدوية، بس بعد ضغط عليه اعترف.
ليشتم شادي شتيمة على هذا الغبي الذي فضحه. أجفلت سمية عند سماعها ليظهر ابتسامته:
– دي حاجة بسيطة بقدمها لوالدي. مالكيشِ تدخلي فيها. وكان نفسي أقولك إن بقدم الخدمة لأختي، بس للأسف قلبي مش مطاوعني أقولها...
لتفهم سمية لما يشير له من حديثه:
– أنا كنت عايزة، عايزة أعتذرك عن اللي حصل بينا.
ليقطع عليها شادي الحديث:
– سمية!!! الموضوع ده بالذات مابيجيش بالغصب، وأنا متقبل رفضك ليا.
سمية:
– أنا ما ما رفضتش عشان، عشان...
لتنحبس نبرات صوتها ويحتقن وجهها الأبيض وتظهر الدموع في عينيها. لينتفض من مجلسه بقلق ويدور حول مكتبه ليقول:
– سمية، أنا ضايقتك في حاجة؟ طيب ليه الدموع دي دلوقتي؟
لتهز رأسها بصمت بالنفي ولم تستطع رفع رأسها تنظر لوجهه. فيقترب منها ويجلس أمامها على ركبته اليمنى ويقول:
– ياه، دا أنا طلعت شخص لا يطاق للدرجة دي؟ أنا وحش كده وخليتك لما افتكرتي الموضوع عيطتي.
فترفع عينيها الحمراوتين لتنظر إلى عينيه وتهمس:
– للأسف، أنتِ أي بنت تتمناك.
شادي:
– احم. أه، ما أنا سمعت الجملة دي منك ساعة رفضك ليا.
سمية ببكاء متزايد:
– أنا بتكلم بجد، أنت إنسان عظيم، أي بنت تتمناك.
ليشعر بالأمل يتجدد بداخله ويقول:
– أنا ما يهمنيش بنات الدنيا، أنا عايز واحدة بس، أنتِ يا سمية. فيرفع أصابعه ليزيل دموعها المتساقطة من فوق وجنتها ليقول: لو تريحيني وتقوليلي رافضاني ليه؟
سمية بخجل من قربه:
– في أسباب كتير تخليني أرفض، صدقني مش بسببك خالص، بالعكس لو كنت قابلت من سنتين كنت اتمسكت بيك، لكن...
يقوم بمسك ذراعيها بلطف:
– وايه اللي اتغير؟ وافقي واوعدك إني أسعدك. أوعدك إنك تعيشي أحلى أيام معايا. سمية، أنا.. أنا بحبك. أنا مش هقدر أترجاكي توافقي لأن مش حابب أغصبك على حاجة.
سمية:
– أنت مش فاهم حاجة.. أنت تساهل واحدة أحسن مني بكتير.
شادي:
– وأنا مش عايز غيرك.
سمية:
– طيب ممكن تسمعني الأول وبعدين قرر إذا كنت مصمم عليا أو لا؟
شادي:
– إذا كان ده هيريحك قولي.. أنا سامعك.
***
تقوم بالبحث عنه، أنها تعلم جيدًا أنها احتفظت به ولكن لا تعرف أين وضعت هذا الكارت اللعين. تتذكر جيدًا عندما أعطاها إياه بالشركة وطلب منها التواصل، ولكنها لم تهتم لأمره لتلقيه بإهمال داخل حقيبتها. فهي متأكدة أنها كانت تحمل هذه الحقيبة بعينيها وقت وجودها بالشركة مع يوسف. لتجلس بإرهاق على حافة فراشها بعد أن فقدت الأمل في إيجاده. لتهز قدمها بتوتر وتهمس لنفسها:
– وبعدين يا غزل في المصيبة دي.. يوسف لو عرف هيقتلها.. أعمل إيه في المصيبة دي ياربي؟
لتنتفض على سماع صوته الرجولي يقول:
– أنتِ بتدوري على حاجة يا غزل؟
غزل بارتباك:
– أنا؟ لا أبدًا، أنا كنت بدور على شنطة من شنطي مش لاقياها.
يوسف:
– لونها إيه وأنا أدور معاكي؟
غزل:
– لا لا، أنا خلاص لقيتها.
للتتذكر غزل معاملته السيئة لها بالأسفل. وتقول بجفاء:
– وكمان أنت بتكلمني ليه؟ إيه مش خايف لا تتهور وتأذيني؟
يوسف وهو يقترب منها:
– أنا أذيكي يا غزل؟ غزل أنتِ حياتي كلها؟
غزل:
– أه، ماهو باين.. لما قولتلي امشي من وشي.
يوسف بلوم يقترب منها ويحتضنها:
– يعني يا غزل مش قادرة تستحملي جوزك حبيبك شوية في عصبيته.. عمومًا يا ستي ماتزعليش.. تعالي أصالِحك.
ليشدد من ضمها وتفهم غرضه فتتملص منه وأقول:
– سبني يا يوسف.. بجد أنا زعلانة.. مش كل مرة تضحك عليا.
لتصدح ضحكة رجولية إذابتها يقول:
– عشان تعرفي إن يوسف الشافعي ما حدش يقدر يقاومه.
غزل بهيام:
– يوسف!
يوسف:
– حبيبة يوسف وقلب يوسف وعقل يوسف.
غزل وهي ترفع ذراعيها تحيط عنقه:
– أنا بحبك أوي أوي.
ليبثها قبلة مملوءة بشغف وحب، ليزداد حبها له أضعافًا أضعافًا. وتبادله شغفه بجنون لتشعر بأنها ملكت الدنيا بما فيها.
***
بعد أن انتهت من الحديث، انتظرت رد فعله على ما قصته عليه. إلا أنه لم يتحرك وظل على ثباته. فلا تعلم هل هذا سببه صدمة مما سمع؟ أم بسبب رفضه لما سمع؟ إلا أنها أرادت لملمة شتات نفسها لتجمع القليل من كرامتها التي هدرت بصمته. لتتحرك يدها بجوارها تمسك حقيبتها الخاصة وتقوم من مجلسها أمامه وتقول:
– عن إذنك!
وتتحرك بقدمها التي تؤلمها بسبب جلستها لوقت طويل أمامه.
أما هو فكان على وضعه مستندًا على ركبته اليمنى أمامها يستمع لحديثها الذي يعلمه مسبقًا من محمد. إلا أن ما صدمه بحق باقي حديثها عن إصابتها في رحمها ونسبة إنجابها الضعيفة على قول أطبائها، فهذا ما لم يعلمه. ولكن سكونه هذا ليس رفضًا لحالتها. كان سكونًا بسبب صدمته مما عانته. شعر بتحركها من أمامه بهدوء كشخصيتها لتتجه إلى باب الغرفة. لينتفض واقفًا يقول:
– سمية! مش عايزة تسمعي رأيي؟
لتتسمر مكانها ثابتة إلا أن حركة جسدها تدل على تشنج بكائها الصامت. ليقترب بهدوء خلفها ويديرها لتواجهه ليري دموعها التي أغرقت وجنتها ليقول بصوت صارم:
– أنا آسف.
لترفع عينيها له بخزي من حالها. ليكرر كلمته:
– أنا آسف.. أرجوكي ماتزعليش مني.
وقبل أن تستوعب اعتذاره وجدت نفسها في أحضانه يلتهم شفتيها المبتلة بدموعها في قبلة عميقة، قاسية، متملكة. ليبتعد عنها بعد أن شعر أنه تمادى في رد فعله معها، يقول:
– أنا آسف إني تماديت بس دي كانت الطريقة الوحيدة اللي أقدر أرد عليكي بيها.
سمية بغباء:
– تقصد إيه؟
شادي بمداعبة:
– لا شكلك كده ما فهمتيش إجابتي عليكي وكده أنا مضطر إني أشرحلك تاني.
ليقترب منها ليبثها قبلة أخرى فتمتنع عن ذلك بخجل وتقول:
– شادي.. أرجوك.
فيضع قبلة على جبينها ويقول:
– قولي لعمي إني جاي النهاردة وفي إيدي المأذون.
لتشهق سمية وتقول:
– مأذون! شادي، أرجوك فكر شوية.
وبلاش تستعجل أنا ممكن ما أخلفش وأخليك أب…
ليقطع حديثها ندائه الصارم باسمها لتتوقف عن كلامها ويقول:
– أنت النهاردة هتكوني على اسمي وملكي ومش هسمح بأي كلام تاني غير إننا إزاي هنرتب لفرحنا.
سميه:
– فرحنا! أنت تقصد إنك هتعمل فرح؟
شادي:
– طبعاً! أنت مقللة من نفسك ليه.. أحلى فرح لأحلى سمية في الكون.. بس برده مش هتنازل إنك تكوني على اسمي النهاردة.
فيرفع كفيها يقبلهما قبلة طويلة ويقول:
– يلا أروحك قبل ما أتهور في المكتب ويطلبوا لنا بوليس الآداب.
بعد انتهاء كتب كتابها وانصراف المأذون وتهنئة كلا من محمد ويوسف لهما فقد كانا شاهدين على عقد قرانها السريع وقفت تتأمله وهو يحدث يوسف بحديث جانبي.. لتري مدى وسامته وأناقته التي أبهرتها لتلتقي عينيه بخاصتها فيبتسم لها ويغمز لها بعينه اليمنى.. لتخجل من تصرفه أمام صديقه.. ليقترب منها بعد توديعه لصديقه يقول:
– الفستان هيأكلك حتة.. رغم إنه جه في وقت قياسي أسرع فستان في التاريخ.
سمية:
– ماكانش له لزوم للفستان.. أنا كنت هلبس أي فستان من عندي.. بس الحقيقة أنا فرحت أوي لما لقيت الباب بيخبط وعم إبراهيم شايل شنط ومش عارف يتنفس ولقيتك بعتلي الفستان.. بس تعالى قولي أنت عرفت مقاسي منين؟
يميل على أذنها ويهمس لها بكلمات جعلت وجهها يحمر خجلًا لتقول:
– أنت قليل الأدب.
شادي:
– أنت لسه شفتي قلة أدب؟ بس الحاج رضا ربنا يهديه وياخد دواهُ وينام.. وأنا أعلمك ألف باء قلة الأدب.
لتصرخ بوجهه:
– شادي! وبعدين.
شادي:
– اخرسي بدل ما أعمل فضيحة قدام الحاج رضا.. أنا ماسك نفسي بالعافية.
رضا بحبور:
– معلش يابني كان معايا تليفون.
سمية بتساؤل عن هوية المتصل.. ليرتبك رضا لتقول:
– عمي مش كده؟
لتكمل بعد صمت والدها:
– هما عايزين مننا إيه تاني؟ يسيبونا في حالنا بقى.
رضا:
– إهدي يابنتي.. الأمور ماتتحلش كده.
شادي بفضول:
– هو في حاجة أنا ماعرفهاش؟
رضا:
– الحقيقة يابني.. عمها عرف إن اتكتب كتابها الليلة.
شادي:
– طيب إيه المشكلة؟
رضا بحزن:
– زعلان إن سمية رفضت ابنه شريف.
سمية:
– أنت عارف يابابا إنهم مش عايزين غير الفلوس.. وأهو سيبنالهم نصيبنا في المصنع وماطالبناش بيه.. يبعدوا بقى.
رضا:
– يابنتي أنا خايف عليكي.. شريف ابن عمك مجنون ومش طبيعي وخايف لا يأذيكي.
شادي بضيق:
– إيه ياعمي هي مش متجوزة راجل يحميها؟ سمية دلوقتي أنا مسئول عنها وماحد يقدر يجي جنب مراتي.. اللي يأذيها يبقى بيأذيني وحسابه هيبقى معايا..
رضا:
– ربنا يستر يابني هسيبكم مع بعض وأدخل أريح رجلي.
شادي:
– اتفضل حضرتك.
ليلتفت إليها ويجدها عابسة متأثرة من حديث والدها.. ليرفع يده يمدها أمامه دعوة منه لها.. لتلبي ندائه وتقوم بمسك كفه ليقوم بتقريبها له ويقوم باحتضانها بحنان ويقول:
– مش عايزك تفكري كتير.. غير إنك في أمان جوه حضني.
تحرك وجهها لتتلاقي عيونهما وتلفح أنفاسها الساخنة المضطربة وجهه تقول:
– هتقدر تحميني من العالم كله.
شادي:
– جربي ولو التجربة حازت إعجاب حضراتكم نعمل تعاقد أبدي مع شركة الحماية.. بس في شرط جزائي للتعاقد هنلزمكم بيه.. لو قدرت أوفرلك الحماية هديني بوسة كل خمس دقايق.
سمية وهي تدفن وجهها بخجل في صدره:
– شادي.. أنا بتوتر من الكلام ده.
شادي بمداعبة:
– أنا مستني على فكرة.. ومش هتزل عن الشرط الجزائي.
سمية:
– أنت لسه ماقدمتش خدماتك.
شادي:
– إزاي بقى.. أنت فين دلوقتي.. مش جوه حضني؟ وده في حد ذاته الأمان كله ليكي.. مش هتزل على فكرة.
سمية بتهرب:
– طيب ممكن نقعد أصل رجلي بتوجعني من الوقفة.
لتجد نفسها في لحظة مرفوعة عن الأرض بين ذراعيه لقد انحني ووضع يده أسفل ركبتيها في سرعة البرق ليسير بها نحو غرفة الضيوف ليختار أريكة تتحمل فردين ويجلسها على ركبتيه دون أن يحررها.
سمية:
– شادي.. أرجوك بابا جوه وممكن يخرج في أي وقت.
ولكنه لم يستمع لها ليحرك يده يحرر رأسها من دبابيس حجابها الذي يغطي شعرها ليقول:
– بابا زمانه بياكل رز بلبن مع الملائكة.. بس بطلي حركة تعبتيني.
لتتملص منه رافضة خلع حجابها:
– شادي.. استنى أنا هخلعه.. اصبر.
شادي بإصرار:
– بذمتك ينفع أكون لحد دلوقتي معرفش لون شعرك؟
ليستجيب لطلبها ويتوقف عن فكه.. ويكمل:
– أنا مش هضغط عليكي.. بس ده حقي ياسمية.. أنا جوزك وحلالك يعني ممكن دلوقتي أشوف جسمك كله وألمسه كمان مش شعرك بس.
سمية:
– أنا بس مش متعودة أكشف شعري قدام حد.
ليزفر بضيق ويقول:
– خلاص ياسمية مش هضغط عليكي المهم عندي تكوني مرتاحة.
ويقترب منها يقبل وجنتها اليسرى ليتفاجأ برفع أصابعها فوق حجابها لتقوم بسحبه من فوق رأسها ليظهر غيمة سوداء كاحلة فوق رأسها وتغطي خصلاتها جزء من وجهها ليتوتر فقط يتنفس بصعوبة ويقول:
– بسم الله ماشاء الله.. أنت فعلاً لازم تكوني لابسة حجاب.. أنتي فتنة متحركة بشعرك ده.
ليكمل هو ويرفع يده ويحرر شعرها من الخلف المعقوص والمثبت بدبابيس للشعر ليسقط خلف ظهرها بنعومة فيظهر طوله الطبيعي لمنتصف ظهرها.. ليصمت مشدوهاً من اكتمال صورتها أمامه ليقول بعذاب:
– لا.. كده كتير.. أنت شعرك ده حقيقي؟ أوعي تقوليلي حقيقي قلبي هيقف.
لتهمس بصوتها الناعم:
– مش للدرجة دي ياشادي هواااا…
ليبتلع باقي جملتها في قبلة ملتهبة لعلها تهدأ حاله إلا أنها زادت من اشتعاله.. مع قبض يده على شعرها ليشعر بنعومة ملمسه.
– شادي!
– كفاية كلام.. سيبني أتأمل صورتك اللي بقت ملكي وبس.
ليقول بنبرة صارمة:
– أوعي حد يشوف شعرك ده غيري فاهمة.. لتهز رأسها بسعادة وتقول بعد فترة:
– شادي! ممكن تسيبني زمان رجلك وجعاك.
شادي:
– لا.. أنا مستريح جداً كده.
في هذه اللحظة تسمر كلاهما عند سماع صوت رنين باب والطرقات التي تنم عن غضب من خلفه.. ليعقد حاجبيه يقول:
– مين قليل الذوق اللي بيخبط عليكم كده؟
سمية:
– مش عارفة.. بس شكل في حاجة مهمة.
شادي بإصرار:
– خليكي أنت والبسي حجابك وأنا هفتحه.
يتوجه شادي إلى باب المنزل ويلقي نظرة أخيرة على ملهمته ليتأكد من إخفائها لشعر رأسها الذي أذابه.. ليقوم بفتح الباب.. فيفاجئ بمن يقف أمامه يلهث من شدة الغضب مع احمرار عينيه وشعره المشعث.. ونظراته الزائغة لقد علمه من أول نظرة فهو نفس الشخص الذي اضطر لرفع سلاحه بوجهه ذات يوم عندما تطاول على زوجته باليد في وسط الطريق.. ليشعر شادي بغضب المشاعر لهذه الذكرى البغيضة ليقول:
– نعم.. أي خدمة؟
شريف بغضب أكبر يدفع شادي من صدره لتتراجع خطوتين:
– هي فين الهانم.. صاحبة الصون والعفاف.. ابعد من وشي.
إلا أنه لم تسعفه قدمه لتخطو خطوة جديدة ووجد من يمسكه من خلف قميصه كاللص ويقول شادي:
– أنت رايح فين؟ داخل زريبة أبوك؟
شريف بغضب وهو يبعد يده:
– وأنت مين بقى عشان تمنعني؟
يمرر نظره على ملابسه ليضحك بسخرية:
– هو أنت بقى عريس الغفلة اللي اتضحك عليه من السنيورة؟ هي فين؟
لتظهر سمية بأرجل مرتعشة من الصراخ فيراها شريف ويندفع إليها ممسكاً بذراعها بقوة يقول:
– تعالي هنا.. بقى أنا أعمل منك قيمة.. وأتنازل وأتقدم لك وترفضيني وتتجوزي ده؟ أقسم بربي لأموتك هيبقى على إيدي.. العريس عارف اللي فيها ياعروسة ولا مستغفلينه؟
ليصدح صوت شادي بقوة:
– شيل إيدك.. من عليها.
ليمسكه من قميصه ويضرب وجهه لكمة بأنفه جعلته يترنح للخلف وتنزف أنفه ويتلطخ وجهه بالدماء ليقول بين أسنانه:
– أنت بتضربني يا ابن الـ***.
شادي:
– تعالا بروح أمك أوريك ابن الـ*** هيعمل فيك إيه.
ليقوم بلكمة في وجهه مرة ويقول:
– دي عشان مديت إيدك الو*** عليها مرة في الشارع فاكر ولا لا؟
ليكمل ويضربه لكمة ثانية ويقول:
– ودي عشان تحترم بيوت الناس اللي داخلها.
لتتكرر الكمات ويقول:
– ودي عشان فكرت تلمسها بإيدك القذرة.. ودي عشان أوريك أنا هعمل فيك إيه.
لتصرخ سمية مترجية:
– كفاية ياشادي هيموت في إيدك.. أرجوك كفاية كده.
ولكنه لم يستمع لها ليكمل غضبه الذي انطلق من غير هوادة لتجلس على الأرضية بعيون مهتزة تائهة تتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة وتحتضن جسدها لعلها تهدأ اهتزازه.. أما عنه فبعد الانتهاء من إلقائه خارج الشقة وغلق الباب التفت ليجدها على هذه الوضعية المخيفة التي رآها بها من قبل في موقف مماثل.. يسرع لها ويجلس أمامها مهدئاً:
– سمية.. أنا خلاص طردته.. مش هيقدر يتعرضلك تاني.. سمية!
فيلاحظ عيونها التي تمررها على كل من حولها كأنها في عالم غير العالم.. يهزها بقوة ويقول:
– سمية.. سميــة.. متخافيش أنت كويسة؟
يحتضنها بقوة لعله يبث بها الأمان التي تحتاجه فتلك الحالة تزيد من قلقه.. فيشعر بسكونها وثبات جسدها مع ارتخائه ليرفع رأسها ويجدها قد غفت بين أحضانه فيعتدل بجلسته ويسند رأسها على رجليه ليتركها تنعم ببعض الراحة لعلها ترتاح.. ليقرر ما سيقدم عليه من قرارات حاسمة.
تقف أمام سكرتيرته الخاصة منتظرة انتهائها من مكالمتها لتهز قدمها بتوتر.. تتذكر كيف تهربت بالكذب عليه وادعت ذهابها للتسوق مع إصرارها للذهاب وحدها دون توصيلها لينتهي بها الأمر في مكتب هذا المدعو جاسر.. تعلم أنها تخاطر بذهابها له وكذبها على زوجها مع علمها بوجود عداوة مسبقة بينهما لتفيق على حديث سكرتيرته تقول:
– تحت أمرك يافندم أي خدمة.
لتنتبه غزل لها وتقول:
– أيوه.. أنا جايه أقابل جاسر بيه.
لتجيبها الأخرى بعملية:
– جاسر بيه لسه ماجاش. هو على وصول.
لتذهل غزل من حديثها.. فهذا يؤكد شكوكها ومخاوفها من تهرب هذا المدعو من اتصالات ملك له..
لتقول:
– هو كان مسافر وهيجي امتى؟
لتقول الأخرى:
– جاسر بيه كان مسافر ولسه راجع النهارده.
– طيب.. ممكن تبلغيه بالتليفون إن عايزاه ضروري.
لتنظر لها السكرتيرة بريبة وتقول:
– بس جاسر بيه مش بيحب حد يقلقه لما بيكون راجع من السفر.
غزل برجاء:
– أرجوكي الأمر مهم جداً، ياريت تتصلي بيه إن غزل الشافعي عايزاه.. هو مستني اتصالي.. لأن الرقم اللي هو سيبهولي مش بيرد عليه.
السكرتيرة:
– طيب هحاول أتصل بيه على الرقم الخاص وانت وحظك لو رد.. اتفضلي استريحي.
لتجلس غزل بتوتر وتتسأل هل هذه الخطوة صواب؟ لتسمع صوت السكرتيرة تحدثه وتتبادل معه الحديث لتغلق الخط وتوجه لها الحديث قائلة:
– جاسر بيه بيقول لحضرتك إنه في فندق ********، ممكن حضرتك تروحي له الفندق لو الأمر مستعجل لأنه مش جاي الشركة النهاردة بسبب الوفد اللي معاه.
في غرفة ملك
يصدح هاتفها الشخصي بعده اتصالات متتالية.. ولكن الإجابة واحدة عدم الرد.. تثقل جفونها وجسدها الذي يزداد ألماً من حالتها النفسية والجسدية، إنما هو يزداد ضيقاً وقلقاً متزايداً.. فعندما أبلغته السكرتارية برغبة غزل بالتواصل معه ازداد قلقه عليها وخصوصاً عندما وصل لأرض الوطن ووجد العديد من الاتصالات منها ومن رقم غريب غير مسجل.. ليقول:
– يا ترى في إيه؟
يجلس بوجه صارم لا يعبر عن الغضب الداخلي الذي يعتريه من وجود هذه المخلوقة التي ترفض الابتعاد عنه مهما حاول إثناءها عن مطاردته وإلحاحها على تواصل علاقتهما الفاشلة.. لن ينكر أنه كان يجد المتعة في أحضانها الدافئة بدون مقابل تطالب به ما ترغب به وجوده فقط بحياتها.. إلا أن قرر الابتعاد وإنهاء هذه العلاقة حتى يبدأ حياة أسرية جديدة.. ليقول بضيق:
– عايزة إيه يا نانسي؟ مش كنا خلصنا من الموضوع ده؟ وقولنا نشوف حياتنا بقى وننسى الماضي؟
نانسي باغراء مقصود:
– يوسف! أنت عارف إن انت الهوا اللي بتنفسه وبعدي عنك وجعني أوي.. أنا مش طالبة كتير منك! أنا كل اللي طالباه إنك ماتبعدنيش عن حياتك بالشكل ده.
يوسف:
– وبعدين بقى.. مليون مرة أحاول أفهمك إن اللي بينا كانت علاقة وقتية، أنت اتبسطي وأنا كمان.. أنا دلوقتي راجل متجوز وبحب مراتي.
تبتلع ريقها بألم وتقول:
– وأنا يايوسف.. أنا مش طالبة إلا إنك تسأل عليا.. وتكون جنبي.. أنا مش طالبة إني آخدك منها مع إن هي اللي دخيلة على حياتنا.. أنت عارف كويس إنك أول راجل في حياتي وآخر راجل.. مش هسمح لأي راجل تاني ياخد مكانك عندي.. انت ليه مش مقدر حبي ليك؟ أنا مش متخيلة إني قاعدة بتحايل عليك إنك متسبنيش!
لتشعر بحرقان عينيها بسبب ظهور الدموع بهما.. ليغمض عينيه بقوة شديدة يتمنى أن ينهي هذا الموقف ويضغط على أنفه لعله يجد حلاً وتصفو حياته من كل الشوائب القديمة.. ليفتح عينيه ليستعد بتوبيخها إلا أن صوت هاتفه يصدح بنغمة مخصصة لمن تأثر قلبه ليجيبها:
– ألو.. إيه ياقلبي.. خلصتي مشاويرك ولا لسه؟
غزل:
– آآآه خلصت أنا راجعة الفيلا.
يوسف:
– طيب ياقلبي.. أنا كمان شوية هرجع في شغل.
لتشعر بالارتباك تقول:
– إيه؟ آه.. طيب قدامك قد إيه وترجع؟
يوسف:
– ممكن ساعتين تلاتة لأني برة الشركة وهرجع أمضي ورق الأول.. أنتِ بس خلي بالك من نفسك وأنا مش هتأخر.. سلام.
كل هذا الحوار تحت أعين مملوءة بالكره والحقد لمن أخذت مكانها وحياتها.. ليقطع شرودها يوسف:
– أظن يا نانسي أنا فهمتك وضعي الجديد.. ياريت تتفهميه وأنا أتمنى ليكي حياة أفضل.
ليقوم بالوقوف مستعداً للانصراف من على طاولة المطعم نانسي إلا أنه لاحظ ثبات عينيها بذهول خلفه مع ملامح غريبة عليها لينظر خلفه لعله يعرف ما سبب تحول نظراتها وتغير حالها المفاجئ ويقول:
– في حاجة؟ بتبصي على إيه؟
لتتوتر نانسي وتقول:
– أصل.. أصل..
ليضيق يوسف ويقول:
– أصل إيه؟ ماتتكلمي مرتبكة ليه!
نانسي بخوف:
– أصل زي ما أكون لمحت مراتك معدية دلوقتي.
ليفرغ فاهه للحظات مع ارتفاع حاجبيه لتصدح بعدها ضحكة عالية جعلت من حوله ينتبه لهما ويقول:
– دي لعبة جديدة يانانسي؟ مراتي لسه مكلمها قدامك وهي في البيت.
نانسي بثقة:
– وأنا هكدب عليك ليه؟ مش عايز تصدق انت حر.. أنا بس خايفة تكون بتراقبك.
يوسف:
– بتراقبني! أنت هتقلقيني ليه؟ وكمان هي إيه اللي يخليها تعمل كده!
نانسي:
– عموماً أنت حر أنا ماشية بس خلي بالك.. أنا رغم إني بحبك يا يوسف بس ما حبش إن بيتك يتخرب بسببي.. عن إذنك.
يوسف:
– استني.. أنتِ شوفتيها رايحة من أي اتجاه؟
نانسي بتعجب:
– ليه؟
يوسف وقد بدأ يفقد صبره:
– انطقي يا نانسي.. لازم أتأكد إذا كانت هي ولا لا وأشوف هعمل إيه.
نانسي وهي تشير بيدها:
– كانت رايحة ناحية الاستقبال.
يوسف بأمر:
– طيب قومي معايا.
ليتحرك يوسف بحذر وعينيه تراقب من هم موجودين وكأنه يبحث عن فريسته يريد أن يتأكد مما قالته نانسي.. وعند اقترابه من حاجز الاستقبال شعر وكأن الأرض تميد به من الصدمة ليجدها واقفة بظهرها.. واقفة أمام موظف الاستقبال الذي على ما يبدو يبحث عن شيء بجهاز الحاسوب وتقف هي مولية ظهرها له يظهر على حركة قدمها التوتر.. ليحاول يوسف الاختباء خلف عمود رخامي في الفندق.. ويسمع نانسي من خلفه تقول:
– صدقتني.. إنها هي، معقول تكون عارفة إنك جاي تقابلني.
ليقول يوسف بصوت ميت:
– مش عارف.
ليلاحظ رفع الموظف وجهه لها بعد إنهاء مكالمته.. وإلقاء بعض الكلمات المبهمة وتحرك رأسها له بتفهم.. ليجد من يقترب منها لتلتفت له وكانت هذه الصدمة الثانية له ليقول بذهول:
– جاسر!
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ليتحرك يوسف بحذر وعينيه تراقب من هم موجودين وكأنه يبحث عن فريسته يريد أن يتأكد مما قالته نانسي.
وعند اقترابه من حاجز الاستقبال شعر بأن الارض تميد به من الصدمة ليجدها واقفة أمام موظف الاستقبال الذي على ما يبدو يبحث عن شيء بجهاز الحاسوب، وتقف هي موالية ظهرها له يظهر على حركت قدمها التوتر.
ليحاول يوسف الاختباء خلف عمود رخامي في بهو الفندق ويسمع نانسي من خلفه تقول:
– صدقتني.. إنها هي. معقول تكون عارفة إنك جاي تقابلني!
ليقول يوسف بصوت ميت:
– مش عارف.
ليلاحظ رفع الموظف وجهه لها بعد إنهاء مكالمته وإلقاء بعض الكلمات المبهمة وتحرك رأسها له بتفهم.
ليجد من يقترب منها لتلتفت له وكانت هذه الصدمة الثانية له ليقول بذهول:
– جاسر!
عندما أعلمه موظف الاستقبال بوجود امرأة تقوم بالسؤال عليه توقع علي الفور ان تكون هي فيطلب الأذن من ضيوفه الألمان ويتركهم أمام المسبح ويتجه إلى بهو الاستقبال ويجدها تنتظره.
ليقول:
– مدام غزل!
لتلتف له وتقول:
– أيوه.. حضرتك أستاذ جاسر مش كده. أعتقد اتقابلنا قبل كده في الشركة.
جاسر بتوتر:
– آه فعلًا، وكنت منتظر مكالمتك ليا.. خير هو في حاجة؟
لتلاحظ غزل وقوفهما وسط الفندق أمام المارة ليقطع تفكيرها ويقول:
– اتفضلي معايا نشرب حاجة وندردش شوية.
لتقول باندفاع:
– انا مش جايه أشرب أنا جايه بخصوص ملك.
ينقبض قلبه ويسقط بين قدميه ويقول بخوف:
– ملك.. هي فيها حاجة. أرجوك طمنيني.
غزل:
– اعتقد فعلًا لازم نقعد عشان نتكلم.
ليشير لها بأن تتقدمه لتلبي دعوته وكل هذا تحت أنظار كارهة يحاول السيطرة على غضبه بسبب قفز كل الأفكار السوداء التي تشينها.
يحاول أن يهدأ من غضبه حتى لا يتسرع في أخذ خطواته، يجب عليه أن يفكر بأكثر عقلانية.
فقلبه يؤكد له أنها بريئة من شكوكه ويجب أن يكون هناك سبب لمقابلتهما لا يعلمه ولكن كيف وقد كذبت عليه بوجودها بالفيلا.
ليهاجمه عقله ويؤكد له أنها كاذبة وقد خدع فيها كالمرات السابقة.
ليفوق مرة أخرى على يد نانسي فوق كتفه تقول:
– يوسف. هتعمل إيه! أكيد في سبب إنها تيجي النهارده. أكيد لو سألتها هتقولك.
لينظر لها بعينين كجمر مشتعل فيزداد خوفها من ملامحه فهي تعلم مدى غضبه.
لتقول محاولة تهدئته:
– بتبصلي كده ليه. أنت ناوي على إيه يا يوسف!
لم تكمل جملتها لتجده يتحرك بعصبية لرجل الاستقبال لتلحقه بأنفاس مضطربة تحاول إخماد غضبه وتسمعه يقول:
– جاسر فخر الدين رقم أوضته كام؟
الرجل:
– اسف يا فندم ماينفعش نبلغ حد بأسرار نزلائنا. لو حضرتك عايزه ممكن تبلغنا باسمك ونتصل بيه نسأله.
يوسف يفقد سيطرته ويمسكه من زيه:
– أنت اتجننت يالا مش عارف بتتكلم مع مين. أنت تنطق وتقولي رقم غرفته كام بدل ما أكون سبب رفدك.
الرجل:
– يافندم عيب كده.. أنا بشوف شغلي. لو حضرتك حابب تقابله ممكن نتصل بيه، زي الضيفة اللي جت قبلك.
ليبتلع يوسف ريقه بصعوبة ويقول:
– اسم الضيفة إيه. وطلعت معاه أوضته ولا لأ.
الرجل:
– اسف يافندم مش مسموح لي أتكلم.
لتتدخل نانسي لتهدأ الموقف:
– إحنا اسفين جدًا على اللي حصل.. يلا يا يوسف ما ينفعش كده.
ليدفع يدها بقوة وعينه على الموظف ويقول بهدوء منافي:
– طيب هسألك سؤال وما تتكلمش هز رأسك بأه أو لأ. اللي سألت على جاسر فخر الدين اسمها غزل الشافعي مش كده!
لينظر له موظف الاستقبال بجمود بضع لحظات ظن فيهما يوسف أنه سيرفض الإجابة ألا أنه وجده يهز رأسه بنعم.
ليتجمد الدماء في عروق يوسف وكأن دلو من الماء البارد فوق رأسه.
لتسحبه نانسي من ذراعه والوجوم يغطي ملامحه كأن العالم اختفى منه البشر. لا يسمع فيه إلا لخطواته.
لم يشعر بنفسه إلا وهو جالس على أريكة بشقة نانسي وهي تجلس أرضًا تحت قدميه تحاول تهدئته وإخراجه من حالته لتقول:
– يوسف ماتسكتش كده.. أكيد في حاجة غلط. أنا آه بكره غزل عشان خدتك مني.. بس أكيد مش خاينة.. اللي يعاشرك يا يوسف عمره مايخونك.
ليقول بوجوم كأنه يدبر لشيء:
– كله هيبان.. ولو طلعت خائنة يا ويلها مني. هتتمنى الموت من اللي هعمله فيها.
نانسي:
– ماتستعجلش يا يوسف ولازم تتأكد.
ينظر إليها بنظرات مختلفة ويرفع يده ليربت على وجنتها ليقول:
– تعرفي يانانسي.. إنك وفية أكتر من ناس كتير حواليا.
يقف أسفل المبنى ينظر لها لعلها تقتنع بقراره الذي حسمه ليلة أمس. إلا أنها رفضت بشدة عندما عرض عليها ذهابها لطبيبة نفسية حتى يعرف سبب حالتها التي تهاجمها عند كل توتر.
ليقول شادي:
– ممكن أعرف إيه كل التوتر ده. أنت متأكدة إني خايف عليكي وعايز مصلحتك ولا لأ.
لتجيبه سمية بغضب:
– وأنا قولتلك إني مش عايزة أروح لدكاترة أنا كويسة.
شادي:
– ياحبيبتي أنا عارف إنك كويسة ومافيش حد زيك. بس أنا حابب أطمن عليكي. موضوع النسيان اللي بيجيلك ده مش أول مرة يحصلك. طيب إيه رأيك نعتبرها دردشة ولو ما استريحتيش مش هضغط عليكي تيجي تاني. تمام!
لتوافقه سمية وتقول:
– تمام.
تستيقظ من سباتها وإرهاقها تتململ من شدة الألم تحاول دخول الحمام لعلها تفيق من خمولها وكسلها الذي جد عليها مؤخرًا.
ترى هل هذا كله من آثار الحمل.
تنهض بتكاسل وتقع عينيها على هاتفها الموضوع على الطاولة الصغيرة بجوار فراشها لتزفر بفقدان أمل ظنًا منها أنه نساها وألقى بها خلف ظهره فهو لم يجبها على اتصالاتها ولم تعرف أين اختفى.
جهلت بمحاولة اتصاله بها على الفور بعد علمه باتصال غزل.
لتتجه إلى حمامها لعلها تصفي ذهنها وتتخلص من إرهاقها.
– حامل!
قالها جاسر بصدمة ليتعرق من صدمته ويكمل:
– أنت متأكدة إنها حامل. ملك حامل!
غزل بتهكم:
– غريبة إني شايفاك مصدوم. هو مش المفروض إنك جوزها ولا أنا فهمت غلط.
جاسر بتصحيح:
– لا أنا ما أقصدش بس الصدمة شديدة.. رغم إننا واخدين حذرنا.
غزل بتعجب:
– حذرك! عمومًا مش ده موضوعنا. أنا اللي يهمني دلوقتي أنت هتعمل إيه. أنت لو بتحبها فعلًا زي ما أنا شفت في عينك. لازم تصلح الوضع ده قبل ما يوسف يعرف.
جاسر:
– مدام غزل أنا فعلاً طلبت إيدها منه وهو رفض. ومش عارف أعمل إيه تاني.
غزل:
– وحضرتك قبل ما تعمل المصيبة دي ما فكرتك مين ممكن يكون الضحية نتيجة أفعالك. أنا آسفة مش قادرة أتحكم في أعصابي الموضوع صعب بالنسبالي.
جاسر:
– أوعدك إن أروح ليوسف ولو رفض هضطر أشهر جوازنا غصب عنه. أنت مش عارفة ملك بالنسبة لي إيه!
غزل بشرود:
– ربنا يستر من اللي جاي قلبي مش مطمن.
يقوم بترتيب حقائبه وملابسه لقد قرر السفر بلا عودة لهذه البلاد.
ليصدح هاتفه برنين يجدها غزل ليلقي عليها التحية فتجيبه بلهفة:
– يامن.. أنت عامل إيه.
ليبتسم على براءتها:
– الحمد لله لسه عايش.
غزل بلهفة:
– ماتسافرش يا يامن.. عشان خاطري.
يامن:
– خاطرك غالي يا غزالي. بس مبقاش ينفع يا غزل.
غزل بشبه بكاء:
– أنا كان نفسي تفضل معانا. ليه كل اللي بحبهم بيبعدوا عني. ليه دايمًا عايشة مهددة إني في أي وقت هفقد حد غالي. ماتزعلش من يوسف. يوسف بيحبك.. مش أنت اللي قولتلي يوسف بيحب بغباء قبل كده.
يامن بضيق:
– مبقاش ينفع يا غزل. يوسف بيتعامل معايا إني طفل صغير هو اللي يمشي كل اللي حواليه على مزاجه. كل أما أحاول أشوف حياتي وأحب وأتحب يطلع لي يوسف في البخت. لازم ياخد الحاجة اللي في إيدي.
غزل برفض:
– لا يامن انت غلطان المرة دي.. الكلام اللي سمعته منك بخصوص تقى ويوسف مش صحيح. أنت إزاي تظن أن تقى بالأخلاق دي. أنا آه يمكن مكنتش على وفاق معاها طول عمري بس ما أحبش إنك تتكلم في أخلاقها أبداً.
لينظر إلى دبلته التي وجدها بأرض اليخت بشرود ويقول:
– للأسف يا غزالي مدام الشك دخل بين أي اتنين يبقى بنحكم على العلاقة بالفشل من قبل ما تبدأ.
غزل بترجي:
– أدي لنفسك فرصة وبلاش تضيع تقى من إيدك يا يامن. تقى ماتستاهلش كده. تقى بتحبك يا يامن بس كبريائها اللي بيسيرها.
يامن بإصرار:
– خلاص يا غزل اللي حصل بينا ماينفعش يتصلح تاني. أنا باتمنالها تبدأ حياة جديدة مع واحد غيري. يستحقها.
غزل:
– براحتك يا يامن بس أتمنى إنك ماتندمش على قرارك ده بعدين. وبقولها تاني فكر وماتبعدش عننا عشان إحنا محتاجينك. مش بعد ما لقيت الأمان أنت كمان تسبني وتمشي.
يامن بمرح يعكس ما بداخله:
– أنا عمري ما أقدر أبعد عنك يا غزالي. هتواصل معاكي دايمًا ومتخافيش لما تحتاجيني هتلاقيني جنبك على طول. أشوف وشك على خير.
غزل ببكاء:
– مع السلامة.
يدخل بملامح غير مقروءة يظللها الوجوم ويقول:
– بتكلمي مين.
غزل بانتفاضة:
– يوسف!
انت جيت امتى؟
يوسف بغموض:
– إيه؟ مكنتش عايزاني أرجع!
غزل:
– إيه اللي بتقوله ده؟ لا أنا مش قصدي.. هو أنت فيك حاجة، شكلك مش طبيعي.
ليبتسم بسخرية ويمر من جانبها بعدم اهتمام ويقوم بخلع سترته ويقول:
– لا أبدًا ماتخديش في بالك.. شوية إرهاق من الشغل.
تقترب منه وتضع يدها علي كتفه فتشعر بتصلب جسده من لمستها:
– انت في حاجة تعباك؟ أجيبلك مسكن؟
يوسف بجفاء:
– لا.. أنا هاخد حمام وأنام.
غزل بتعجب:
– تنام دلوقتي؟ إحنا الساعة ٧!
ليقول بغضب:
– إيه المشكلة؟ واحد وعايز ينام، هاخد الأذن منك عشان أنام.
غزل بحزن:
– لا يا يوسف مش هتاخد الأذن.. عن إذنك.
•••
تعود إلى حجرتها بعد أن اطمأنت على ملك وأوصت الخادمة هناء بإعداد لها كوب من الحليب الدافئ يساعدها على الاسترخاء بعد أن أخبرتها بما دار بينها وبين جاسر لتتركها بعد علمها باتصاله الملهوف ليطمأنها أنه لم يتخلى عنها.. ولكن ما يشغل بالها هو التقلب المزاجي لها، ترى ما سبب هذا المزاج العكر ولكن التفكير في الأمر يشعرها بالانقباض وتقلص معدتها، ربما حالتها هذه من التوتر المحيط بها وكثرة تفكيرها في حالة ملك.. تفتح باب حجرتها بحرص شديد خوفًا من إزعاجه إلا أنها تنصدم عندما تجده مستيقظًا.. مسند ظهره على الفراش يدخن بشراهة.. نعم، من الواضح أنه قد استهلك علبتي سجائر بسبب كثرة الدخان المحيطة به ويبدو أنه لم يشعر بها عند دخولها فتسعل بشدة لينتبه إليها عاقدًا حاجبيه متسائلًا لتقول:
– إيه الدخان ده كله يا يوسف؟ اللي يدخل الأوضة يقول عليك اتجننت وولعت فينا.. وكمان قافل الشباك! لا أنت أكيد مش طبيعي.
وتتجه لفتح النوافذ لعلها تتخلص من هذه الروائح الكريهة.. ولكنه لم يجبها فتكمل مع اقترابها والجلوس بجواره:
– يوسف.. أنت مش بترد عليا ليه؟ أنا زعلتك في حاجة؟
يوسف:
– روحتي فين النهاردة؟
غزل:
– ما أنا قولتلك رحت اشتريت حاجات وكلمتك لما روحت.
يوسف:
– ممم.. حاجات إيه بقى؟ مش هتفرجيني!
غزل بابتسامة خجولة:
– لا مش هينفع افرجك.. خليها مفاجأة.
– بس أنا مصمم أشوف وحالًا.
قالها يوسف بإصرار.. أما هي لتشعر شعور غريب بالنسبة له، هذا ليس يوسف من يعشقها، به شيء مختلف يخيفها.. لتقول بتوتر:
– صحيح.. أنت ما نمتش ليه؟
لينظر داخل عينيها الرمادية يستجدي برائتها لعلها تنقذه من شكه الذي يقتله ويرفع أصابعه يمررها على وجنتها ويقول:
– بتحبيني يا غزل؟ بتحبيني قد إيه بحبك.
لتشعر ببعض الجرأة التي تدفعها وتقبل أطراف أصابعه التي يمررها على وجنتها فتشعل جسده بهذه الحركة البسيطة ويسمعها تقول:
– أنت لسه بتسأل إذا كنت بحبك أو لا؟ تسمحلي أقولك يا جنرال إنك أغبى تلميذ بيتعلم الحب.
يمسكها من ذراعيها بقوة ويقربها منه ويهمس أمام وجهها بغضب مكتوم:
– دي مش إجابة.. ماتهربيش من إجابة السؤال! بتحبيني ولا لأ؟ تقدري تعيشي من غيري؟ تقدري تكوني لحد تاني غيري وتنامي في حضنه ويلمسك زي ما أنا لمسك دلوقتي!
لتهرب الكلمات منها وتهز رأسها بالرفض خوفًا من أسئلته.. عندما يلاحظ صمتها.. يزداد غضبه منها ليضغط على ذراعيها بقوة تؤلمها وبلحظة واحدة تجد نفسها بأحضانه يلتهم شفتاها بقبلة عنيفة لم تجربها معه من قبل.. فتحاول التحرر منه حتى تعترف له بحبها الحقيقي له ولكنه يعتبر محاولاتها رفضًا له.. فيزيد من ضمها أكثر راغبًا في تكسيرها وآلامها كعقاب لها.
يقف بجوارها يراقبها وهي في سباتها يظهر على ملامحها بعض التشنجات كأنها تعاني من حلم مزعج.. تلح عليه رغبته في إيقاظها ومواجهتها بشكوكه لعله يجد إجابة تريحه ولكنه يشعر بالخوف من هذه المواجهة خوفًا من خسارتها في كلتا الحالتين يعلم أنه إذا أثبت له خيانتها فلن يرحمها ولكن ماذا لو كانت كل ما يفكر به مجرد هواجس؟ سيخسرها للأبد ولن تقبل الاستمرار معه بعد شكه بها للمرة الثانية.. ليلاحظ ازدياد تشنجها وتعرقها كأنها تقاوم شيئًا ما وتغمغم بكلمات غير مفهومة ليسمع اسمه يخرج من شفتاها كأنها تستنجد به ليقترب منها يحاول إيقاظها:
– غزل.. غزل فوقي.. أنتِ بتحلمي.
لتنتفض شاهقة من كابوسها تحاول استجماع ثباتها وتسمعه:
– أنتِ كويسة؟ كنتي بتحلمي؟
ليجدها تنظر له بخوف وتقول:
– يوسف.. أنا.. أنت.. بتحب صح؟
فيعقد حاجبيه من سؤالها:
– إيه السؤال ده؟ أنا بعشقك يا غزل مش بحبك بس.
فيضمها له ليجدها تتشبث به كأنها تطلب حمايته وتقول:
– أنا خايفة أوي.. ماتبعدش عني.. أنا حلمت ب.. بأنك.
يوسف ليخفف عنها:
– ششش.. بس ماتحكيش حاجة.. لو الحلم مضايقك ماتحكهوش.. وأنا هفضل جنبك طول عمري مش هبعد عنك أبدًا.
غزل:
– أبدًا؟
يوسف بتأكيد:
– أبدًا أبدًا.
•••
مر أسبوعان عليهما يحاول كل منهما إظهار حبه للآخر بكل الطرق ولكن ما يعكر صفو شكه المستمر بها حتى وصل به الحال بتعيين شخص لمراقبة تحركاتها وإطلاعه بها، أما عنها فما يعكر صفوها عدة أمور.. منها قلقها الذي يزداد على ملك وخوفها من ظهور علامات الحمل عليها قبل أن تحل مشكلتها وقلقها من هذا الحلم الذي يستمر معها منذ فترة هذا الحلم الذي كان يطاردها منذ سنوات من قبل معرفتها بيوسف إلا أن الحلم يتكرر ويتكرر مع ظهور يوسف به.. لتسمع يوسف يقول:
– إيه يا غزل مش بتأكلي ليه؟
غزل بانتباه:
– إيه.. لا باكل.. معلش سرحت شوية.
يوسف بمداعبة:
– في إيه بقى؟ ينفع أكون جنبك وتسرحي في حد تاني.
غزل:
– مغرور.
يوسف:
– مغرور بيكي.
غزل:
– يوسف ممكن أسألك سؤال.
يوسف:
– أكيد.
غزل:
– ليه عمرك ما تكلمت معايا في أمور الأطفال.. أنا أعرف إن أي راجل كل اللي بيتمناه بعد الجواز إن يجيب طفل.. بس أنت عمرك ما اتكلمت معايا في الموضوع ده.
يوسف وقد تصلب جسده من كلامها ليحاول إخفاء توتره وابتلاع لقيماته بصعوبة:
– لا.. أبدًا.. إزاي؟ أكيد حابب أكون أب وعندي أطفال.. بس يعني يمكن أكون مأجل التفكير في الموضوع شوية.. أنا عايز أعيش معاكي يومين حلوين قبل ما تنشغلي عني.. ولا إيه رأيك.
غزل بخجل:
– بس.. مش يمكن أكون ليا رأي تاني؟ ومستعجلة إني أكون أم.
يوسف:
– ليه بس يا غزل.. مستعجلة ليه؟ أكيد اليوم ده هيجي.. غزل ممكن أسألك سؤال؟
غزل بابتسامة:
– طبعًا يا يوسف.
يوسف بصوت مهزوز:
– هو يعني.. لو.. لو اكتشفت إني يعني.. مقدرش أخلف.. هتسبيني؟
غزل بصدمة من سؤاله:
– إيه اللي بتقوله ده يا يوسف.. لأ طبعًا.. أنا مقدرش أسيبك.. طيب أنت لو اكتشفت إني مقدرش أجيب ولاد ليك هتسبني؟
يوسف برفض:
– أكيد لأ.
غزل مطمئنة له:
– وأنا كمان بقولك أكيد لأ.. مقدرش أسيبك.
يوسف بسعادة:
– الحمد لله.. ربنا ما يحرمني منك يارب.
غزل:
– كُل وبطل رغي عشان تلحق الشركة.
يوسف وهو يكمل طعامه:
– صحيح هي ملك من ساعة ما خلصت امتحاناتها مش سامعلها صوت.
غزل:
– ملك.. أ..
– مين اللي بيجيب سيرتي على الصبح.
قالتها ملك بضيق مفتعل.. ليلتفت لها أخوها:
– أخيرًا طلعتي من قوقعتك.. إيه مافيش أخ تسألي عليه.. أنا افتكر آخر مرة شوفتك كان في فرحي.
ملك بسخرية وهي تجلس أمام غزل:
– ومدام أنت عارف ده.. ماسألتش على أختك ليه المدة دي كلها؟
يوسف بمداعبة:
– لا ده أنتِ زعلانة بقى وأنا مش واخد بالي.. عمومًا ماتزعليش الفترة اللي فاتت أخدتني منك بس خلاص مش هتلاقي مشغول عنك.
إلا أنه يدقق النظر بوجهها.
ويقول:
– ملك أنتِ كويسة؟ حاسس إنك تعبانة يا حبيبتي.
لتسعل غزل بشدة من تعليقه وتتناول كوب الماء الذي سقطت قطرات منه أثناء تناولها إياه وتسمع ملك تقول:
– لا أبدًا تلاقي حبة إرهاق انت عارف إنها كانت آخر سنة وكانت محتاجة مذاكرة.
يوسف:
– طيب.. أتمنى أن أسمع خبر حلو قريب عن النتيجة.. لأن أحسب حسابك مكانك موجود من دلوقتي في الشركة.
ليهم بالوقوف مودعًا كلًا منهما وسطت نظراتهما القلقة لتقول غزل:
– كلمتي جاسر؟
ملك:
– كلمني وقالي إنه هيروح ليوسف تاني الشركة وربنا يستر.. بس هيعدي عليا هنا قبلها عشان وحشته.
غزل:
– إن شاء الله هيوافق.. ماتقلقيش.
ليقطع حديثهما دخول هناء الخادمة ممسكة بيدها شيئًا ما تقدمه لغزل وتقول:
– اتفضلي ياهانم الحاجة اللي طلبتيها مني الصبح.
غزل بامتنان:
– شكرًا يا دادة.. بس مش هوصيكي محدش يعرف اللي طلبته نهائي.
لتعقد ملك حاجبيها تقول:
– إيه ده؟ هو أنتِ عيانة؟
لتجيبها غزل:
– لا.. مش عيانة يا أم العريف تعالي فوق وأنا أقولك.
•••
أثناء قيادته السيارة قام بالاتصال برقم ما ليقول:
– إيه الأخبار؟
– تمام.. زي ما أنت عينك ماتنزلش عليها.. وكل تحركاتها تكون عندي.. سلام.
•••
تقف ملك بغرفة نوم يوسف وغزل.. تقوم بالتصفح عبر موقع التواصل الاجتماعي بهاتفها منتظرة خروجها من حمامها.. لتسمع صوت الباب فتنتبه لخروجها تعلو على وجهها الصدمة ممسكة بين أصابعها الاختبار المنزلي للحمل لتحدث نفسها بذهول:
– أنا.. حامل.. حامل يا ملك.
لتصرخ ملك فرحة وتقترب منها وتقول مش معقول أنا مش مصدقة نفسي.. مبروك يا غزل.. ده يوسف هيفرح أوي.
فتتحرك غزل بهدوء وتجلس على فراشها ويعلو وجهها الوجوم وتقول:
– هيفرح! تفتكري يوسف هيفرح للخبر ده؟
لتواجهها ملك قائلة:
– طبعًا أكيد هيفرح.. في راجل ما يفرحش إنه هيكون أب.. وخصوصًا من اللي بيحبها.
غزل بقلق:
– بس أنا حاسة إن يوسف مش حابب يجيب أطفال دلوقتي.. وكمان هو قالي كده.
ملك:
– إيه الكلام ده؟ لا طبعًا أكيد ما يقصدش أي راجل بيفكر كده بس بعد ما يعرف الخبر ده بيطير من الفرحة..
ها هتقوليله امتى؟
غزل:
– لا لا مش هقوله دلوقتي.. أنا عايزة اعمله مفاجأة ليها ترتيب عندي.
ملك:
– ربنا يهنيكم يارب.
ليصدح صوت رنين هاتف ملك وتجده اخيها يامن فتجيبه بلهفه:
– حبيبي عامل إيه؟
يامن:
– الحمد لله.. طمنيني انت كويسة؟
ملك:
– الحمد لله مع اني زعلانة منك ومن اللي عرفته.. انت فسخت خطوبتك من تقى.. تقى بتحبك يا يامن انت مش عارف حالتها بقت ازاي بعد ماسبتوا بعض.
يامن:
– ملك أنا بتصل بيكي عشان اقولك اني مسافر كمان يومين.. عشان لو محتاجة حاجة.
ملك:
– لا مش محتاجة.. عايزة سلامتك.. على فكرة غزل جنبي وعايزة تقولك خبر هيبسطك.
غزل:
– السلام عليكم.
يامن:
– وعليكم السلام ..عامله ايه ياغزالي.
غزل بسعادة:
– الحمد لله.
يامن:
– ايه الخبر ياغزالي اللي ملك بتقول عليه؟
غزل بخجل:
– انا حبيت ابلغك قبل يوسف نفسه.. أنا.. أنا.. يعني.. انك هتكون عم تقريبا بعد تمن سبع شهور كده.
لتزول الإبتسامة من شفتيه ويظهر الصدمة على وجهه جلية ويبتلع ريقه بصعوبة ويقول بصوت مهتز:
– يعني إيه؟ مش فاهم.. أنت تقصدي انك؟
غزل بسعادة:
– ايوه اللي انت فهمته.. أنا حامل.
ليلقى بجسده جالسا على الفراش خلفه وتدور في خياله بعض من السيناريوهات بعد علم يوسف بهذا الخبر ويسمع صوتها:
– يامن.. الو.. انت سامعني.. بقولك أنا حامل.
يامن:
– ازاي!
غزل:
– هو ايه اللي ازاي؟ هو أنت مش فرحان ولا ايه.
يامن يلملم أفكاره:
– لا.. ابدا.. أنا مبسوط جدا بس هو.. هو يوسف عرف ولا لسه.
غزل:
– لا عملاهاله مفاجأة.
يامن:
– كويس.. ألف مبروك ياحبيبتي.. معلش هقفل واكلمك تاني.. سلام.
لتغلق الخط وتنظر لملك باستغراب لرد فعل يامن وتقول:
– هو ليه حاسة أن يامن مش مبسوط.
يجلس بمكتبه شاردا يحاول لملمة أفكاره وترتيبها فمنذ آخر مكالمة وصلته من المكلف بمراقبة تحركاتها وهو ثابت دون حراك لا يعلم كم مر من الوقت عليه وهو على نفس الوضعية.. أفكار وشكوك بدأت في الوضوح بعد أن كان يقاومها.. مدافعا عنها.. لقد ابلغه بحضور شخص غريب على الفيلا ودخولها بعد خروجه مباشرة، ليطلب منه التقاط صوره واضحة لهذا المجهول وإرسالها له ليفاجئ بجاسر وهو يخرج من باب الفيلا بثقه وصور أخرى يلوح بيده لأحد ما داخل الڤيلا.. ومع سؤال المراقب عن المدة التي استغرقها.
بالداخل.. ليكتشف أنه أطال المكوث بالداخل لمدة ساعه كاملة.. ليزداد غضبه الذي يحاول أن يسيطر عليه لكن لابد أن يكون الذكي هذه المرة ولا يندفع يحب أن يعاقب كل شخص خانه وطعنه ولمن بطريقته الحديدة بعد أن أتت الكثير من التخيلات الفاجرة لعقله.
ليرفع سماعة هاتفه ليسرع في طلب محامي الأسرة المقرب وطلب منه بعض الأوراق الخاصة.
يدخل عليها بملامح مبهمة بالنسبة لها يجدها تتصفح هاتفها باهتمام حتى أنها لم تشعر بوجوده مع ظهور هذه الملامح الباردة على وجهه، أما هي فكان كل تركيزها على صور المواليد من الذكور والإناث وتصفح بعض الصفحات الخاصة بالحوامل والمواليد.. فتسمعه يقول بصوت بارد:
– بتعملي إيه؟
غزل بانتفاضة:
– انت جيت امتى؟
بملامح باردة عليها يجيبها بسخرية ظاهرة:
– من بدري.. بس شكلك اللي مشغول اوي لدرجة انك ماحستيش بيا أما دخلت.
لتجيبه بابتسامة:
– لا أنا عاوزاك اليومين دول تتعود على كده.
ليرتفع جانب فمه بشبه ابتسامة مغتصبة:
– ليه إن شاء الله؟ قررتي تكوني مفيدة للمجتمع بدل قعدتك دي!
لتبتلع غصة مؤلمة لشعورها باستهزائه منها.. وتكاد أن تجيبه يقاطعها عندما ولاها ظهره يقول:
– هي ملك اتعشت؟
لتقول:
– ايوه اتعشت.
يوسف وهو يتجه إلى حمامه:
– طيب كويس ماتنتظرنيش عشان انا اتعشيت بره.. وهننزل اكمل شغل عندي في المكتب.. آه في ورق عايز أمضته بخصوص الشركة بما إن عمي مش موجود وبصفتك ليكي النسبة الأكبر في الشركة هتمضي مكانه.
لكنه لم ينتظر ردها أما هي ظلت تنظر للفراغ فحاجب معقود لتغير حاله المفاجئ رغم عدم اقترافها لأي خطأ.
بات ليلتها بغرفة مكتبه جعلها حصنا له حتى يستطع تصفية ذهنه وترتيب أفكاره، يريد ترتيب خطواته حتى لا يقع في أي خطأ حتى الآن يرفض فكرة خيانتها فلا بد من حدوث سوء فهم.. كيف لهذا البغيض أن يطلب منه اخته ذات يوم؟ وتقع زوجته في براثنه.. هل كان كل ذلك حيلة ليبعد ذهنه عن علاقتهما.. لما لا يواجهها بشكوكه.. لما لا يسألها مباشرة.. غزل! هل تعرفين جاسر.. لا لا ليس هذا السؤال.. بل غزل! هل تقابلينه؟ هل يوجد بينكما أي رابط لا أعلمه؟ ما هذا الهراء.. لا ينقصه إلا اغن يذهب لها ويسألها، غزل! هل تخونيني مع جاسر! ليضحك بسخرية على أفكاره، كيف لها أن تكذب عليه؟ لو كانت صارحته بمقابلتهما وأطلعته عن سببها لكان الأمر أشد وطأة الآن من هذه الدوامة، ما بالك يا يوسف تدافع عنها وتبرأها ألم تراه خارجا من بيتك وعندما سألتها أن جاء أحد اليوم كذبت ونفت حضوره؟ كاذبة.. ماكرة.. كيف أعمته رقتها الزائفة؟
استيقظت على رنين هاتفها المستمر تقاوم حالة الخمول لاتعلم كم الوقت ولكنها لا تستطع مقاومة النوم اللذيذ ما بالها تعشق النوم منذ علمها بحملها تمد يدها تخرج هاتفها الموجود أسفل وسادتها وتضعه على أذنها وتزفر قبل أن تجيب وتقول:
– الو.. مين؟
لتنتفض عند سماع صوت الطرف الاخر قائلة بتوتر:
– خير.. في ايه؟
ليجيبها:
– الحقيني ياغزل أنا مش عارف اعمل إيه.. ملك بتنزف ومش عارف اتصرف وهدومها كلها اتبهدلت.. الإسعاف في الطريق.
لتفرك جفنيها البارد بأصابع متوتره تقول:
– إيه اللي جاب ملك عندك.. وايه اللي حصل بالضبط.
ليصرخ جاسر:
– مش وقت اسأله هتساعديني ولا أعمل إيه.
لتجيبه غزل وهي تقفز من فراشها متجهه لخزانتها:
– ابعتلي العنوان برسالة.. وأنا جاية في الطريق لو الإسعاف وصلت قبلي بلغني بإسم المستشفي.
جاسر بشبه بكاء:
– حاضر حاضر.
ليغلق الخط ويمسك يدها الباردة قائلا:
– غزل جاية بالطريق وأنا اتصلت بالإسعاف.. متخافيش مش هسيبك.
ملك بالم:
– نزلني المستشفى هموت ياجاسر.
جاسر:
– أنا خايف احركك وأنت بتنزفي، خايف يجرالك حاجة قبل ما أوصل بيكي.
خرجت مهرولة ترتدي قميص قطني ابيض بحمالات وفوقه قميص فضفاض حريري أحمر يصل للركبه ذو فتحه تظهر عضمة الترقوة وجزء من كتفها الأيمن وبنطال من الجينز حتى لم تستمع إلى حديث هناء بضروره الاتصال بيوسف قبل خروجها كما بلغها صباحا لتوقف سيارة اجرة وتطلعه على العنوان.. لم تمر سوى عشر دقائق ووجدت السائق يقف أمام بناية حديثة في منطقة هادئة لتحاسبة وتقوم بالاتصال باخر رقم تواصل معاها لتعرف بأي طابق يسكن حتى مرت بحارسها وأخبرته بهدفها.. ولكنها كانت تغفل عن الأعين التي تراقبها منذ خروجها من الفيلا.
لم تنتظر كثيرا حتى فتح لها الباب ليظهر جاسر من خلفه بوجهه المرعوب المجهد لتقول:
– هي فين؟
جاسر يشير لأحد الغرف:
– آخر اوضة على اليمين.
لتجري إلى الغرفه وتصدم من منظر ملك المتألم وهي تهمس باسم غزل لعلها تخفف عنها آلامها.. لتترك حقيبتها أرضا وتقول برعب:
لتوجه حديثها له قائلة:
– الإسعاف اتاخرت هنعمل ايه؟ لازم نوديها احنا.. مش هستنى.
جاسر:
– شكلنا هنضطر ننزلها بس شكلها هيثير الشكوك بالدم اللي مغرقها وخصوصا البواب اللي تحت.
غزل:
– انا جبتلها لبس غير ده.. يلا يا ملك.
لتستجيب ملك لها وتقوم بتبديل ملابسها الممتلئة بالدماء وأثناء ذلك وجدت غزل أن ملابسها الفضفاضة قد ابتلت اثناء مساعدتها لملك وتنظيفها لتقوم بخلعها وتكتفي بالقميص الأبيض ذو الحمالتين.
وعند مساعدتها للاستلقاء سمعتا صوت رنين الباب لتقول غزل:
– أكيد الإسعاف.
لتتحرك غزل بثقة للخارج وهي تقول:
– ها يا جاسر.. إيه الأخبار؟
لتقف مصدومة عند رؤيته واقفا أمام جاسر ممسك بمقدمة قميصه وتنبعث من عينيه شرارة الاشتعال التي تهدد بحرق الأخضر واليابس.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
وعند مساعدتها للاستلقاء سمعتا صوت رنين الباب لتقول غزل:
أكيد الإسعاف..
لتتحرك غزل بثقة للخارج وهي تقول:
ها ياجاسر.. إيه الأخبار؟
لتقف مصدومة عند رؤيته واقفًا أمام جاسر ممسكًا بمقدمة قميصه وتنبعث من عينيه شرارة الاشتعال التي تهدد بحرق الأخضر واليابس.
فيحول نظره لها عند سماع صوتها الرنان وهي تنادي على الآخر بكل مودة.
لترفع يديها فوق فمها تكتم شهقة انبعثت من قلبها وليس صدرها، مع جحوظ عينيها بصدمة.
لم تشعر بتراجع قدميها من الصدمة والخوف.
ليلكم جاسر صارخًا:
يا ولاد الـ****
لم تجد إلا الهرب كأفضل وسيلة في هذه اللحظة.
ولكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه.
لم تخطُ إلا خطوتين محاولة الهرب لتجد ألمًا شديدًا برأسها نتيجة قبضته الممسكة بشعرها ويهزها بقوة صارخًا:
تعالي هنا.. أنتِ فاكرة إني هرحمك يا وسـ** ورحمة أمي لأقتلك وأشرب من دمك.. أنا تخونيني؟
ويقوم بلطمها عدة لطمات لم تستطع حماية وجهها بل كانت يدها مشغولة بحماية بطنها من بطشه.
لتصرخ من الألم والخوف وتحاول تحرير شعرها برعب:
يوسف.. اسمعني.. أنت.. أنت فاهم غلط.. أقسم لك يا يوسف ما بخونك.
لتجد جاسر ممسكًا بيده ويصرخ:
سيبها يا مجنون أنت مش فاهم حاجة.. خلينا نتكلم.
ليدفعها يوسف بقوة لترتطم بالحائط.
وتجده يقوم بثني ركبته ليضرب معدة جاسر فينحني الأخير للأمام نتيجة الضربة.
ليباغته يوسف بمسك ذراعه وكسره.
لتصرخ غزل من شدة الرعب.
فتدفعها قدمها للهروب خارج الشقة قبل أن يبطش بها.
لتستغل انشغاله بتسديد لكماته لجاسر الذي يحاول جاهداً تفاديها.
لم تمر سوى لحظات ليكتشف عدم وجودها.
ليرتفع صوته صارخًا ببعض الألفاظ والشتائم ويجري للخارج للحاق بها.
فيجدها تحاول غلق المصعد بأنفاس مقطوعة وأيدٍ مرتعشة.
فيمنعه من الانغلاق ويدخله.
لتتفاجأ بوجوده أمامها بوجهه المتعرق وعينيه الداميتين التي لا تبشر بالخير.
فتفتحاول التماسك لتخرج بعض الكلمات التي خرجت كهمهمات غير مفهومة مع اهتزاز رأسها بحركة رتيبة يمينًا ويسارًا رافضة ما يظنه بها.
ولكنها وجدته يرفع يده عاليًا ليلطمها لطمة قوية جعلت توازنها يختل لتستند على الجدار.
ولكنه لم يمهلها ليمسك شعرها بقوة ويصرخ بوجهها يقول:
أنتِ فاكرة إنك هتعرفي تهربي مني؟ أنا هخليكي تتمني الموت ألف مرة من اللي هتشوفيه على إيدي يا فا***.
لتصرخ بوجهه مترجية:
أرجوك.. أرجوك يا يوسف.. اسمعني.. الموضوع مش زي ما أنت فاهم.. إديني فرصة أشرح لك.. مل.. ك… ملك هتقولك.. مل…
ولكنه لم يمهلها أن تكمل ليضرب رأسها بقوة بجدار المصعد عدة مرات مع صراخه الذي تداخل مع صراخها:
إخرسي.. اخرسي.. مش عايز أسمع صوتك.. اخرسي..
ليشعر بعدها بثقل جسدها وارتخائه.
ف يدفعها عنه لتسقط أرضًا بوجهها الذي تغرقه الدماء نتيجة ضرب رأسها بالجدار الزجاجي ليتهشم ويصيب جزءًا من جبهتها اليمنى.
أما هي فبدأت تشعر بانعدام الرؤية رويدًا رويدًا مع ازدياد الألم برأسها نتيجة ضرب رأسها.
لتسقط أرضًا وتستسلم لفقدان وعيها مؤقتًا لعلها تتخلص من آلامها.
بعد ثلاث أيام
يمر بممر طويل يبحث بعينيه عما يقصده ليجد من ينادي عليه قائلًا:
أستاذ يامن!
فيلتفت ليجد الممرضة المسؤولة عن حالتها ليبتسم ابتسامة روتينية يقول:
أفندم؟
الممرضة:
دكتور عاصم بلغني إن أي حد تبع الحالة يوصل يدخله عشان التقرير النهائي.
ليهز رأسه متفهمًا يقول:
تمام.
لينصرف ويتجه إلى الغرفة المنشودة.
يجدها مغمضة العينين يظهر على وجهها آثار البكاء.
ليقترب منها بهدوء قائلًا بجفاء:
مش كفاية عياط؟ العياط مش هيصلح الغلط اللي صدر منك.
لتزداد نبرة بكائها وتقول بصوت متقطع:
لسه مافيش أخبار عنها هي ويوسف.. أنا خايفة يكون عمل فيها حاجة.
يلقي جسده بإرهاق ويرجع رأسه للخلف قائلًا:
أنا ماسبتش مكان إلا وسألت فيه.. كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
لتقول بنبرة قاسية:
هو ده اللي قدرت عليه؟
فيعتدل بجلسته يقول:
وعايزاني أعمل إيه يا صاحبة الصون والعفاف؟ أبعت منادي ينادي عليهم.. ولا أبلغ الشرطة عشان تبقى فضيحة؟
تبتلع إهانته لتقول:
أنا عارفة إني غلط.. وغلطي سبب أذى للي حواليّا.. بس أرجوك اعمل حاجة حاول تفكر ممكن يكون يوسف أخدها فين؟ أنا خايفة عليها أوي وخصوصًا إنها حامل خايفة لا يأذيها.
يامن:
أنا خلاص مش قادر أفكر دماغي وقفت.
ليسمع طرقًا على الباب ويظهر من خلفه جاسر يقول:
السلام عليكم.. أحم.. أنا جيت في وقت مش مناسب؟
لينظر له يامن بطرف عينيه ثم يزفر بضيق ويستقيم قائلًا:
أنت دايمًا وجودك غير مناسب.. عن إذنك.
إلا أن صوت جاسر يوقفه عن الانصراف:
يامن!
فيتوقف يامن عن الانصراف دون إجابته ويسمعه يكمل:
أنا.. أنا عارف إن اللي حصل بيني وبين ملك كان غلط من البداية.. بس صدقني أنا بحبها ومستعد أحارب الدنيا كلها عشانها.. بس هي ماتخسرش أقرب الناس ليها.
يامن:
وتفتكر ده مبرر لتصرفك.. إنك تتجوزها من ورا أهلها وإخواتها.. زي اللي بيسرقوا؟ تفتكر هتواجه الناس إزاي؟
جاسر مندفعًا:
هعملها فرح ومحدش هيعرف.. مافيش حد يعرف غيرنا و.. وغزل.
يامن:
غزل! غزل اللي مش عارفين يوسف عمل فيها إيه؟ غزل اللي حاولت تساعد غيرها فتأذت؟ غزل اللي جوزها معتبرها خاينة! ذنبها إيه؟
جاسر:
صدقني أنا حاولت أفهم يوسف وأنقذها منه بس أخوك كان زي الثور الهائج مش شايف قدامه.. وكسر دراعي وكنت مشغول بملك اللي نزيفها زاد.. المهم نفكر كويس ممكن يكون اختفى هو وهي فين؟ أنا ليا واحد صاحبي بلغته ببيانات يوسف يمكن يقدر يوصل لحاجة.
ملك ببكاء:
أنا خايفة لا يكون جرالها حاجة.. مش هسامح نفسي لو حصلها حاجة.
يقترب منها ويهدئها:
وبعدين ياملك إحنا ما صدقنا حالتك استقرت.. اللي أنتِ بتعمليه ده هيرجع النزيف تاني.. إهدي واحنا هنتصرف.
محمد:
لسه مافيش أخبار؟ ماتعرفيش مختفيين فين؟
سوزان بانتباه:
طيب قول السلام الأول.. عمومًا لسه الكل اختفى فجأة ومش من عادة المهندس يوسف يختفي كده من غير مايبلغني ولا يدي تعليمات ليا أنا والمهندس شادي.. أنا قلبي مش مطمن…
محمد:
ولا أنا، حاسس إن في حاجة.. سألت تقى وقالتلي بقالها مدة مكلمتش غزل.. وبحاول أتصل بيها تليفونها مغلق هي ويوسف.. حتى روحت الڤيلا مالقتش حد نهائي غير هناء.
سوزان:
أنا قلقانة.. في صفقتين مع شركتين من أوروبا كان اجتماعهم إمبارح والنهاردة، ولغيت الاجتماع مافيش حد موجود حتى شادي مش معاه توكيل يتمم الصفقات في غياب المهندس يوسف.. بقولك ماتتصل بالدكتور يامن يمكن يكون عارف.. المهم تعالالي هنا أنت هتنسيني؟ هننزل نشتري أوضة النوم امتى ولا هتضحك عليا؟
محمد:
أنا برضوا أقدر.. في أقرب فرصة هننزل نشتريها ونحدد ميعاد الفرح خلينا نخلص بقى وتبقى تحت إيدي.
تشعر بألم يسري في سائر أطرافها لا تستطيع فتح عينيها.
كلما قاومت ألمها وتفتحهما تشعر بالدوار الشديد.
وتسمع أصواتًا من حولها بعيدة كأصوات شجار وصراخ يصدر من أنثى غريبة عنها تتوسل ممن معها بشيء ما.
وصوت رجولي غاضب تحفظ نبرته عن ظهر قلب صوت زوجها وحبيبها يوسف.
تشعر كأنها في كابوس طويل لم يكتب له أن ينتهي بعد.
هتحاول رفع يدها اليمنى لتزيل خصلات شعرها المبعثرة فوق وجهها.
فتشعر بثقل غريب بأيديها وهذا الثقل بدأت تلاحظ وجوده في باقي أطرافها من أول قدمها لذراعيها.
لتهز رأسها ببطء لتتفادى ألم رأسها وتهمس بصوت غير مسموع كأنها همهمات ضعيفة تناديه لعله يوقظها من كابوسها كما يفعل دائمًا.
لتشهق شهقة عالية عندما شعرت بتساقط المياه الباردة على وجهها وجسدها.
لتحاول فتح عينيها فتصدم عينيها الرماديتين بأعينيه المنبعث منها شرارة الكره والبغض يشرف عليها بجسده من علو وبيده زجاجة المياه التي أفرغها فوقها منذ لحظات.
لتكتشف أنها ليست بكابوس كما اعتقدت بل لحقيقة موجعة.
لتنتقل عينيها على يديها المكبلتين في فراش الحجرة.
مع تكبيل قدميها أيضًا.
نعم هذه الحجرة تعلمها عن ظهر قلب كانت غرفتها التي قضت بها أيام أثناء احتجازه لها من قبل.
ليزداد خوفها ورعبها فتترائى أمامها بعض المشاهد لضربها وضرب جاسر.
تسمعه يهمس بصوت ميت:
حمدلله على السلامة.. كل ده نوم؟
تحاول إخراج صوتها لتنطق باسمه برجاء.
يقاطعها:
تعرفي إن من حسن حظي إنك مستمرة على أدويتك، لولاه كان زمانك ميتة بسبب جرح رأسك بس ماتستعجليش على الموت يا غزل.. هموتك بالبطيء.
تحاول نطق اسمه تستجديه أن يسمعها فيصرخ بوجهها ويلطمها لطمة قوية قائلًا:
اخرسي.. أنا مش طايق أسمع اسمي منك.
ليقبض على خصلات شعرها ويهزها بقوة ويكمل:
أنا عملتك إيه عشان تعملي فيا كدا؟ عملت إيه عشان تطعنيني وتخونيني؟ ومع مين.. عدوي؟ عملت فيكي ايـــه اتكلمي!
غزل بانهيار من شدة البكاء:
أرجوك.. أرجوك اسمعني.. اديني فرصة أقولك! حرام عليك تظلمني يا يوسف.. ما تهدش اللي بينا يا يوسف.
لتصدح ضحكته بقوة مخيفة ويقول:
اللي بينا؟ تصدقي شوية كنت هصدقك.. طلعتي ممثلة بارعة.. لا بجد برافو.
ليشد على خصلاتها أكثر وتصدر صرخة منها تتوسله تركها:
أنا مراقباك بقالي مدة وعارف كل تحركاتك..
يوم ما روحتله الفندق ويوم جالك الفيلا.. نمتي معاه على سريري ياغزل؟ ردي عليا عملتي إيه؟
غزل بصراخ:
حرااام عليك.. الكلام ده مش صحيح.. اسأل ملك هتقولك كل حاجة.
يوسف بغضب:
إياكي.. شوفي إياكي تجيبي سيرة اختي على لسانك القذر ده.. من امتى مستغفليني انتو الاتنين؟ ردي عليا!
غزل ببكاء شديد:
انت ظالم يا يوسف. ظالم.. ارجوك ارحمني.
يوسف:
ارحمك! انت مالكيش رحمة في قانون يوسف الشافعي.. اللي يلعب عليه مايلمش غير نفسه..
غزل بصوت مهتز:
فكني.. فكني.. انت فاكر انك كده راجل وبتنتقم لشرفك؟
يوسف بابتسامة مخيفة:
صح انت عندك حق.. أنا هفكك بس هخليكي تبوسي رجلي عشان ارحمك.
ليقوم بفك أربطة يدها وأرجلها ويتجه جهة طاولة صغيرة بجوار الفراش ويتناول ملف به عدة أوراق ويوجه إليها قلماً قائلاً بثبات:
امضي على الورق ده!
لتمرر عينيها بينه وبين الأوراق وتقول:
ورق إيه ده؟
يوسف ينحني ليكون بمستواها:
الورق ده.. حقي.. حقي اللي بظهورك اتسرق مني.. حقي في الشركة اللي بنيتها وكبرتها.. وانت جيتي على الجاهز تمتلكي الجزء الأكبر.. بإمضتك حقي هيرجع.. اعتبريها مكافأة نهاية الخدمة.
لتهز رأسها بصدمة من حديثه:
مش معقول.. أنت أكيد مش يوسف اللي اعرفه.
يوسف:
ماتتصدميش أوي كده.. انتي كنتي عارفة إن جوازي منك جواز مصلحة بس كنتي بتكذبي نفسك.. إيه اللي يخليني أتنازل وأتجوز واحدة زيك! واطية.. وتربية حواري.. وخرساء وطرشاء.. تفتكري كل ده عشان إيه؟
غزل بصدمة:
عشان بتحبني يا يوسف.. أيوه أنا عارفة انك بتحبني زي ما أنا حبيتك.. مستحيل يكون كلامك ده صح.
يوسف:
اخلصي.. وامضي ..بلاش نضيع وقتنا اللي جاي أحلى من كده.
غزل بتحدي:
ولو قولت مش همضي؟
يوسف:
يبقى انت مستعجلة على اللي هتشوفيه مني.
غزل:
أنا مش هسيب حقي لواحد زيك..
يمسك وجهها بين أصابعه ويضغط عليه بقوة مؤلمة إلا أنها أصرت ألا تظهر له ضعفها ويقرب بجهة لها فتلفحها أنفاسه الساخنة ويقول بين أسنانه:
بلاش الثقة دي.. لأنك لسه ماتعرفيش يوسف الشافعي ممكن يعمل فيكي إيه.
غزل:
ابعد عني! مش طايقة إيدك تلمسني ولا طايقة ريحتك..
فتصلب جسده من كلماتها كأنها خنجراً طعنه بقسوة ليخفي تأثره ببرود وهو يمرر أصابعه على وجهها قائلاً بسخرية:
ليه! مش معقول تكوني نسيتي إنك بتدوبي من لمستي.. وكنتي بتستنيها بفارغ الصبر..
فيلاحظ انحباس الدموع في عينيها واحمرار وجهها لتقول بين أسنانها:
كنت مغفلة بس صدقني مش ندمانة إني كنت بيضاء معاك ونضيفة، على الأقل بياضي ده دليل على سوادك وقذارتك اللي ملهاش حدود.
يشعر ببعض الألم في جوانب صدره لا يعرف سبباً له فيتجاهله سريعاً ويقول:
قذارتي أنا! القذرة هي تنام مع عشيقها وتخون جوزها.. بس هنتظر إيه من واحدة زيك مالقتش حد يربيها.. ويلا بلاش رغي وامضي عشان نخلص.
ويقوم بتوجيه القلم أمام ناظريها لتنظر له لبرهة كأنها انفصلت عن عالمه حتى ظن أنها استسلمت للأمر إلا أن كلمة واحدة همست بها شلت أطرافه ليرفع عينيه لها ليجد ملامحها متبلدة فيظن أنه أخطأ السمع ليقول بهسيس منخفض:
انتي قولتي إيه؟
لتنظر له بتحدي مع ابتسامة جانبية رسمتها شفتيها تدل على انتصارها وتكرر ببطء:
أنا حامل يا يوسف.
فتهتز حدقتاه بعصبية ظاهرة ويمسك شعرها بعنف ليصرخ بوجهها:
آه يابنت الـ*** أنا هقتلك بس بعد ما أصفي حسابي معاكي.. هقتلك واقتل ابنه.. هخليه يتحسر عليه.
ويقوم بجرها من شعرها الملتف على قبضته ليصل إلى جارور بطاولة صغيرة يفتحه ويلتقط مقصاً حاداً.. لتقول بصراخ:
مافيش غيرك اللي هيتحسر لأنك لو قتلتني أنا وهو يبقى بتقتل ابنك.
فينحني إليها وبيده المقص لتصدح ضحكة خشنة منه يتبعها دموع من جوانب عينيه المغلقة بشدة ويقول:
إبني! إبني أنا! مش قادر أتخيل مدى قذارتك.. وصلت بيكي الوقاحة تنسبيلي ابن مش من صلبي؟ كنتي بتخططي لإيه كمان يا غزل؟ ها.. ردي؟
لتنظر إلى ما بيده برعب لتقول مؤكدة:
أنا.. حامل.. في ابنك يا يوسف.
لتخرسها صرخته ووجهه المحتقن:
أنا عقيــم.
لتفرغ فاهها من قوة الكلمة كأن دلواً من الماء البارد أسقط عليها.. ليقول مرة أخرى:
أنا.. عقيم.. ما بخلفش يا غزل هانم.. يا شريفة.. يا نضيفة.
تهز رأسها بقوة:
مش معقول.. أنت كداب.. أكيد كداب.. أنت.. أنا حامل منك.. أنا غزل مراتك يا يوسف واللي في بطني ابنك.. أكيد بتكدب صح؟
يوسف بسخرية:
أنا ما بخلفش ولا عمري هخلف وبسببك.. انتي السبب.. لو ما كنتش لحقتك في الأسانسير يوم الحادثة ما كانش حصلي كده.. عشان كده اعتبرتك حقي وأنك لازم تكوني ليا.. وتتحملي وضعي اللي انتي كنتي سبب فيه.. ودلوقتي لازم تدوقي أول عقاب.
لترتعب من كلماته المبهمة وتصرخ بوجهه محاولة التحرر منه وتحرير شعرها من قبضته:
انت هتعمل إيه؟ ابعد عني.. أنت مجنون؟
فتشعر أثناء صراخها ومحاولتها الهرب من بطشه بسير المقص على خصلات شعرها البنية كأن هذا المقص يسير بجسدها كأنها تشعر بألم فقدان عضو من أعضائها لتستمر بالصراخ والبكاء تتوسله:
أرجوك يا يوسف.. ما تعملش كده.. سيب شعري.. أرجوك.
تخدش أظافرها يده الممسكة بشعرها، فيدفعها بقوة أرضاً محيطة بخصلات شعرها البنية وتحاول لملمته بأصابع مهتزة وجسد منتفض من شدة الصدمة وتجمعه بين أحضانها تبكي على حياتها تبكي على حبها وعلى فرحتها بجنينها التي لم تكتمل.. تبكي على شعرها.. لتقول بين أنفاس متقطعة:
ربنا ينتقم منك.. ويحرق قلبك زي ما حرقت قلبي.
ليلقي بالمقص أرضاً فيصدر صوتاً مزعجاً ويلقي بوجهها القلم ليقول بين أنفاس لاهثة:
امضي الورق.
لتنظر له وترفض الإمضاء.. فيمسك أصابع يدها اليسرى ويضغط على أصابعها بقوة لتصرخ من شدة الألم ويقول:
صدقيني مش هتقدري تتحديني كتير مش هتقدري تتحملي الألم.. أحسن لك وفري تعبك.
لتشعر بألم شديد بأصابعها ليضغط أكثر وأكثر حتى سمع صوت تكسير عظامها متزامناً مع صراخها.. الذي شق السكون من حولهم.
...
تنظر بالأسفل بسيقان مهتزة لم يهدأ جسدها من الانتفاض كل لحظة.. تحيطها سحابة من الدخان نتيجة احتراق علبة كاملة من سجائرها.. لا تعلم كيف لبت رغبته في المجيء.. عندما انهار بين يديها لتحتويه محاولة تهدئة نوبات غضبه ليطلب منها الحضور معه بكل إصرار لتشهد بعدها نوبات صراخه وصراخها مانعة نفسها أكثر من مرة من التدخل للفصل بينهما بعد آخر مرة صعدت فيها محاولة منها أثناء ما يقوم به، إلا أنه صرخ بوجهها ونصحها بعدم التدخل.. لينتفض جسدها فجأة نتيجة سماع صراخ متألم إلا أنها هذه المرة لم تستطع الصمود أكثر لتجري بحذائها العالي السلالم الفاصلة بينهما وتتجه إلى الحجرة المحتجزة بها فتدفع الباب بقوة لتشاهد ما شل أطرافها.. غزل متكومة أرضاً بجسدها الضعيف حليقة الرأس وحولها خصلات شعرها مبعثرة بجوانب الحجرة.. تمسك بكف يدها تبكي بحرقة ويقف أمامها شخص غريب عنها لم تعرفه من قبل.. شخص يسيطر عليه غضبه ليؤذي أقرب الناس إليه.. ليرفع نظره لها وتنتظر موجة غضبه بسبب كسر أوامره بعدم التدخل.. لتتفاجأ بمد يده إليها كدعوة منه لتتحرك اتجاهه بأرجل مهتزة ويلف ذراعه حول خصرها بقوة ليقول:
كويس إنك جيتي.. عشان أعرفكم على بعض.. أكيد انتي عارفة مين دي؟ بس غزل ماتعرفش انتي مين بالنسبة لي؟
لترفع غزل عينيها عند ذكر اسمها فتشاهد امرأة ذات شعر أشقر مرتدية ملابس قصيرة وكعب عالٍ.. تحاول التذكر متى رأتها من قبل؟ ولماذا يضمها يوسف بتلك الطريقة الحميمية.. وقبل أن تسأل نفسها عن سبب وجودها في هذا المكان البعيد معهم.. سمعت صوته يقول:
أعرفك يا غزل بنانسي.. نانسي اللي استحملتني كتير في أوقات ضعفي وقوتي.. نانسي اللي حضنها كان بينسيني كل همومي.. المخلصة ليا حتى بعد ما سبتها وبدلتها بواحدة زبالة زيك.. زمان كنت خايف تكتشفي في يوم علاقتي بيها بس دلوقتي أحب أكون دقيق في تعريفها ليكي.. أقدم لك نانسي، مراتي الأولى!
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تنتظر بالأسفل بسيقان مهتزة لم يهدأ حسدها من الانتفاض كل لحظة تحيطها سحابة من الدخان نتيجة احتراق علبة كاملة من سجائرها.
لا تعلم كيف لبت رغبته في المجيء.
عندما انهار بين أيديها لتحتويه، محاولة تهدئة نوبات غضبه ليطلب منها الحضور معه بكل إصرار.
لتشهد بعدها نوبات صراخه وصراخها، مانعة نفسها أكثر من مرة من التدخل للفصل بينهما.
بعد آخر مرة صعدت فيها محاولة منها إثنائه عما يقوم به، إلا أنه صرخ بوجهها ونصحها بعدم التدخل.
لينتفض جسدها فجأة نتيجة سماع صراخ متألم، إلا أنها هذه المرة لم تستطع الصمود أكثر.
لتجري بحذائها العالي السلالم الفاصلة بينهما وتتجه إلى الحجرة المحتجزة بها.
فتدفع الباب بقوة لتشاهد ما شل أطرافها.
غزل متكومة أرضًا بجسدها الضعيف، حليقة الرأس وحولها خصلات شعرها مبعثرة بجوانب الحجرة.
تمسك بكف يدها تبكي بحرقة ويقف أمامها شخص غريب عنها لم تعرفه من قبل.
شخص يسيطر عليه غضبه ليؤذي أقرب الناس إليه.
ليرفع نظره لها وتنتظر موجة غضبه بسبب كسر أوامره بعدم التدخل.
لتتفاجأ بمد يده إليها كدعوة منه لتتحرك اتجاهه بأرجل مهتزة.
ويلف ذراعه حول خصرها بقوة ليقول:
- كويس إنك جيتي.. عشان أعرفكم على بعض. أكيد إنتِ عارفة مين دي.. بس غزل متعرفش إنتِ مين بالنسبة لي.
لترفع غزل عينيها عند ذكر اسمها فتشاهد امرأة ذات شعر أشقر مرتدية ملابس قصيرة وكعبًا عاليًا.
تحاول التذكر متى رأتها من قبل؟ ولماذا يضمها يوسف بتلك الطريقة الحميمية؟
وقبل أن تسأل نفسها عن سبب وجودها في هذا المكان البعيد معهم.
سمعت صوته يقول:
- أعرفك يا غزل بنانسي. نانسي اللي استحملتني كتير في أوقات ضعفي وقوتي. نانسي اللي حضنها كان بينسيني كل همومي. المخلصة ليا حتى بعد ما سبتها وبدلتها بواحدة زبالة زيك. زمان كنت خايف تكتشفي فيا علاقتي بيها بس دلوقتي أحب أكون دقيق في تعريفها ليكي. أقدم لك نانسي.. مراتي الأولى!
كل منهم يشعر كأنه في دوامة أفكاره، لا يصدق أحدًا ما حدث وما يحدث حتى الآن.
مجتمعين منذ ساعات في حجرة الضيوف، منهم من يحاول ربط الأحداث ومنهم ما يجري اتصالاته محاولًا إيجاد أي معلومة عن مكانهما.
يدق جرس الباب فينتفض كلامنهم مستعدًا لتلقي أي خبر.
ليشاهدوا من يدخل متكئًا على عصاه مستندًا على مساعده.
ليقف كلامنهم في استقباله ويجلس على أقرب مقعد بتألم واضح، عابسًا.
موجهًا حديثه لابن أخيه:
- فين بنت عمك يا يامن؟ هي دي الأمانة اللي سبتهالك وسبتها لأخوك؟
ليشيح يامن وجهه حرجًا.
نعم قصر في حمايتها من أخيه.
عندما وافق أخيه أن يخفي حقيقة إمكانية إنجابه.
عندما تخاذل مع أول موقف أهانها به، كان عليه أن يبذل أقصى ما لديه لينقذها من تقلبات أخيه التي تصل حد المرض.
لما يشعر بهذا الألم المبالغ فيه؟
نعم يحبها، يخاف عليها من أخيه.
يسعد لسعادتها ويتألم لألمها.
هل ما يشعر به الآن شيء طبيعي ككل الحاضرين؟
ليقول شادي:
- ناجي بيه؟ إنت متقلقش إحنا بنحاول ندور عليهم في كل حتة وأنا ويامن عملنا اتصالاتنا بعد معارفنا. وأكيد هنعرف مكانها قريب.
ناجي بتعب ظاهر:
- بعد إيه؟ بعد ما يقتلها. بعد ما يقتل بنتي اللي فضلت سنين أدور عليها. عملت إيه غزل عشان تعاني في حياتها كده. كل ده ذنبي أنا وربنا بيخلصوا مني.
ويرفع نظره ليواجهه ملك المنكمشة في جلستها ويظهر عليها علامات الإعياء الشديد.
ويكمل موجهًا حديثه لها:
- ربيتكم وراعتكم بعد وفاة أبوكم واعتبرتكم أولادي. في الآخر تورطي بنتي الورطة دي وجوزها يفتكر إنها بتخونه بسببك.
لتصدم ملك من معرفة عمها بالتفاصيل وتحاول إجلاء صوتها ولأن بكائها يزداد.
لتضع وجهها بين كفيها وتقول:
- ما قدرتش أخرج أواجهه. ما قدرتش. سامحني يا عمي أنا السبب. أنا السبب.
لتجد تقى تضمها إلى حضنها قائلة بتأثر:
- اهدي يا ملك. أكيد هي بخير. يوسف بيحبها وعمره ما يأذيها.
لترفع عينيها لتجفل للحظة من العينين الناظرة لها بغموض.
فتشيح نظرها عنه بسرعة لتداري ارتباكها.
لتقف متجهة إلى المطبخ قائلة:
- أنا.. أنا رايحة.. أشرب.
لتتبعها نفس العينين الغامضتين حتى اختفت داخله.
ليقول يامن لعمه:
- إنت عرفت إزاي اللي حصل؟ مين بلغك؟
ناجي:
- إنت فاكر إني سايب بنتي ومش عارف إيه اللي بيحصلها يا يامن؟ أنا عارف كل حاجة. وعارف اللي حصل يوم الفرح.
ليصدم يامن من حديثه ويقول هاربًا من موقفه المخزي:
- إنت شكلك تعبان. أنا هروح أجيب لك عصير بارد.
ليتحرك مسرعًا حتى يهرب من نظرات عمه اللائمة.
يستند بكتفه على إطار الباب يراقبها من خلفها وهي ممسكة بكوب المياه وصنبور المياه مفتوح.
يبدو لمن يراقبها أنها شاردة في أمر ما جعلها تنسى إغلاق الصنبور.
ليلاحظ تشنج جسدها واهتزازه بدون صوت.
لترفع بعدها أناملها تمسح وجهها.
فيبدو له أنها تبكي بصمت.
يقترب بهدوء بخطوات بطيئة لم تشعر بها حتى وقف خلفها قائلًا:
- كل ده بتشربي؟ إنتِ شربتي محافظة كاملة.
لتنتفض عند سماعه صوته وتخفي وجهها عنه حتى لا يلاحظ بكائها.
وتحاول المرور من جواره إلا أنه رفع يده يمنعها.
لترفع أعينها متعجبة من تصرفه لتري نفس نظرة الغموض التي لا تفهمها.
لتسمعه يقول بهدوء:
- كنتي بتعيطي؟
لتهز رأسها بلا بدون الإجابة.
وتهرب من عينيه بإشاحة وجهها ببعض من الكبرياء.
ليرفع أنامله ويمررها على وجنتها اليسرى يقول:
- أنا آسف.
لتتعجب من حاله عاقدة حاجبيها بتسأل عن سبب أسفه.
فيكمل:
- إني جرحتك بكلامي. ورد فعلي. عايزك تسامحيني يا تقى صدقيني غضبي أعمى. أنا آسف.
لتقول بكبرياء زائف وبسخرية واضحة:
- ما تقلقش يا دكتور يامن مسامحاك. عن إذنك.
لتحاول المرور إلا أنه يقبض على ذراعها مانعًا إياها من التحرك ليقول:
- في حد تاني لازم يسامحني.
فيقترب منها ويطبع قبلة على وجنتها اليسرى قائلاً:
- سامحيني إني تجاوزت حدودي ومديت إيدي عليكي وده مش من حقي إني أعمل كده.
إلا انه يفاجئ برد فعلها تدفعه بقوة للخلف ليتعثر قائلة:
- إياك تفكر تلمسني تاني إنت فاهم. اللي بينا انتهى. وأنا فعلاً غلطت لما سمحتلك تتجاوز حدودك معايا واحنا ما فيش بينا رابط شرعي. ولو كنت آمنتلك من قبل كده ده لأني كنت معتبراك شيء مختلف بالنسبة لي.
يامن بإرهاق يغمض عينيه بقوة ويفرك جبهته.
لتظل صامتة تراقبه قائلة:
- إنت كويس. تحب أنادي لحد.
ليبتسم بإرهاق على طيبتها، يعلم أنها تعشقه ولكن من الصعب عليه مواجهة نفسه بذلك بعد علمه بحبها لأخيه من قبل.
اعتبر أن علاقتهما كتبت نهايتها قبل بدايتها.
ليقول:
- لو سامحتيني من قلبك هكون كويس. أنا هقولك إنك أحسن بنت شفتها في حياتي وأي كلمة طلعت مني جرحتك بيها إنتِ عكسها يا تقى. يمكن تصرفك غلط بس جواكي نضيف وأنا متأكد من ده. عايز أطلب منك تسامحيني. لأن يمكن ما يتكتبش لينا نشوف بعض تاني.
لينقبض قلبها من حديثه وقبل أن تسأله معنى حديثه.
يصدح رنين هاتفه الخاص ليسرع بالإجابة مبتعدًا عنها قائلاً:
- أيوه.. تمام. في رسالة. مع السلامة.
لتقول:
- في حاجة؟
ليقول يامن بغموض مطمئنًا إياها:
- لا.. دي المستشفى بتشوف هرجع إمتى. نكمل كلامنا بعدين عن إذنك.
لينصرف تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا يتمنى الرجوع إلى سكنه.
قبل ساعة في الشاليه.
تقف نانسي صارخة بوجه يوسف المتعرق من شدة المجهود مانعة إياه من الاقتراب من الحجرة مرة أخرى.
فبعد تعريفه لها بأنها زوجته ثارت غزل تتهمه بأبشع الصفات الدنيئة، كانت في حالة من الانهيار التام.
لتلاحظ بعدها خلع يوسف حزام بنطاله ليلف طرفه على يده وتصرخ بوجهه أن يتوقف عما يفعل، فهذا سوف يقتلها.
إلا أنه دفعها بقوة لترتطم أرضًا متألمة وتشاهد وصلة تعذيبه لها مع علو صراخها المتألم.
ويرفع في كل مرة يده بأقصى قوته لترتطم القطعة المعدنية بحزامه بجسدها فينتج جروحًا غائرة بجسدها وأذرعتها.
إلا أنها لاحظت عدم مقاومتها كل ما فعلته حماية وجهها وخصرها من بطشه.
لتندفع إليه مرة أخرى محاولة سحب الحزام من يده صارخة بوجهه مهددة أنها ستبلغ عنه إذا تمادى أكثر من ذلك.
لتتركها غارقة بجروحها ودمائها السائلة.
لا يصدر منها إلا كلمات تخرج متألمة، مغلقة بابها قائلة:
- إنت أكيد مجنون. أنا مش هستنى دقيقة واحدة معاك.
ليضغط على ذراعها بقوة غاضبة:
- إيه.. هتسبيني إنتِ كمان؟ خلاص يوسف الشافعي مبقاش مالي عينكم؟ بس أقسم لك لو فكرتي إنك تسيبيني يا نانسي لأقتلك فاهمة؟ هقتلك زي ما هقتلها.
تحاول نانسي تمالك نفسها مهدئة إياه:
- يوسف.. حبيبي إنت عارف إني مقدرش أبعد عنك. أنا بقول كده عشان خايفة عليك تقتلها وتروح في داهية.
لتلاحظ هدوئه فتكمل:
- إنت مش كل اللي عايزه تنتقم منها.. وتخليها تمضي على الأوراق؟ أنا هخليها تمضي. روح إنت خد شاور وأنا هتصرف.
يوسف بحقد:
- هتتصرفي إزاي؟
نانسي بإثارة:
- ملكش فيه بقى. أنا هتصرف. يلا يا بيبي خد شاور. واستناني لأنك واحشني موت.
وتقترب منه لتطبع قبلة على شفتيه ليتحرك إلى الحجرة الأخرى ويختفي عن أنظارها.
لتتبدل ملامحها للجمود مرة أخرى فتندفع عائدة للحجرة المحتجز فيها غزل وتقترب منها ببطء.
لتجلس بجوارها منادية عليها بتأثر:
- غزل. إنتِ سامعاني؟ غزل فوقي. ما فيش وقت. أنا ما صدقت يوسف سابني معاكي لوحدنا. غزل ارجوكي فوقي.
لتفتح غزل عينيها المكدومة لتقول:
- عايزة أشرب. عطشانة.
نانسي بخوف:
- هجبلك اللي إنتِ عايزاه. بس اسمعيني كويس. إنتِ لازم تمضي على الأوراق قبل ما يوسف يرجع. صدقيني يوسف مش طبيعي.
تدخل بثقة وعلى وجهها سعادة ليست مناسبة لمثل هذا الوقت لتجده مستلقي على السرير شارد متجهم الوجه لتقف مستنده على إطار الباب ملوحة بملف احمر قائلة:
- مش عايز الورق؟
لينظر اليها غير مستوعب لكلماتها وينتفض واقفاً أمامها جاذباً الملف من بين أيديها ليري امضاء غزل على كل الأوراق يقول:
- عملتيها ازاي؟
نانسي بثقة:
- ده شغل ستات مالكش فيه.
لتراه يدفعها حتى يمر من الباب قائلاً:
- في حاجه واحدة ناقصة لازم اعملها.
ينقبض قلبها قائلة:
- حاجة ايه؟ سيبها هي عملت اللي أنت عايزه.
يوسف بتحدي:
- لا.. حاجه تانيه.
يدخل عليها يجدها متكوره بوضع الجنين فاتحة أعينها ينساب منهما الدموع فينحني ليكون بمستواها.. قائلا:
- عارفة ياغزل.. انا قد ايه سعيد دلوقتي.. سعيد عشان بقيتي في الشارع.. اللي انتي جايه منه.. عارفة الورق اللي انتي مضتيه ده كان ايه؟ أول ورقه تنازل عن نصيبك في الشركة بيع وشراء ليا.. الورقه التانيه توكيل عام منك.. الورقه التالتة والرابعة دي بقي اللي قنبلة.. اعتراف منك انك كنتي على علاقة بجاسر واللي في بطنك ده منه وانك متنازلة عن كل حقوقك حتى نسب اللي في بطنك مش هتقدري تنسبيه ليا.. الرابعه ورقة طلاقك كانت ناقصة أمضتك المصونة.. أنا طلقتك ياغزل رسمي ورميتك زي الزبالة اللي برميها.. احب اقولهالك في وشك.. انتي طالق ياغزل.. انتي طالق.. طالق.
ليلاحظ عدم ردها او انتباهها له وشرود عينيها الدامعة ليصرخ بوجهها:
- مش بتردي ليه؟ استريحتي دلوقت؟ اديني طلقتك عشان تروحي للكلب اللي زيك.. ردي عليا..
ليجد ثباتها فيقف بغضب ويقوم بضربها بقدمه بطنها وجسدها صارخاً:
- ردي.. استريحتي؟ مبسووووطه.. اتكلميييي؟ عملتي كده ليه فيا؟ فينا؟ ليييه؟ أنا كنت بحبك بعشقك.. خنتيني ليه؟
لتبعده نانسي عنها تقول:
- حرام عليك كفاية.. كفاية هتموت في ايدك.. لتسحبه بقوة إلى الخارج ناظرة اخر نظرة علي الملقاة التي ذاقت الألوان من العذاب.
- أظن أنت عملت اللي انت عايزه سيبها تروح لحالها يا يوسف.
قالتها نانسي بترجي.. ليلتفت لها بعصبية صارخاً بها:
- لسه ماشفتش غليلي منها.. مش هسيبها غير لما تبوس جزمتي عشان ارحمها.
لتقترب إليه بضع خطوات لتضع يديها على صدرة وتهمس له:
- ممكن تهدي بقى.. عشان أنت وحشتني اوي.. انا لحد دلوقت مش مصدقة انك اعترفت بجوازنا.
يرفع يده ويمسك كف يدها المستند علي صدره ويرفعه ليطبع قبلة على باطن يدها قائلاً:
- مكنتش عارف انك بتحبيني أوي كده.. بس أوعدك ان كل الناس هتعرف انك مرات يوسف الشافعي بعد ما اتجوزك رسمي.
نانسي بعدم تصديق:
- انت بتتكلم جد؟ هتشهر جوازنا وهتكتب عليا رسمي يايوسف؟ أكيد بتهرج صح.
ليضمها بقوة إلى صدره لتلفح أنفاسه وجهها قائلاً:
- عمري كدبت عليكي؟ أنا دايمًا كنت صريح معاكي من بداية علاقتنا ببعض.. ولا ايه؟
لم ينتظر إجابتها لينحني إلى ثغرها ويقبلها قبلة هادئة تتحول سريعاً لقبلة عنيفة لتستسلم لاحضانه الدافئة وترفع ذراعيها وتحيط بعنقه.. فيزيد من ضمها حتى شعرت بألم عظامها.
في صباح اليوم التالي
يقود سيارته بجنون لايريد إلا أن يصل لها يفتك بها لم يبالي بسرعته الزائدة ولا بالسائقين الذين تناوبوا السباب والشتائم عليه بسبب تهوره أكثر من مرة وصدم سيارة أخرى ولكنه لم يتوقف ليفحص أضرار سيارته ولا سيارة الاخر.. كل ما يهمه يلحق بها ليسب بصوت عالي ويضرب طارة القيادة بغضب فتدور الأفكار برأسه والشكوك.. كيف هربت من بين يديه؟ كيف استطاعت بهذه الحالة؟ يجب عليه استعادتها.. ناره لم تبرد بعد.. سيذيقها شتى العذاب.. فقط يجدها وسيجدها.
يصل إلى بوابة الفيلا ليوقف السياره بسرعة فتصدر صريراً عاليا ويخرج منها غير مبالٍ باغلاقها ويتقدم بخطوات اشبه بالركض حتى وصل للباب الرئيسي للفيلا ليضربه بقبضته ضربات متتالية اشبه بطرقات الشرطة التي تداهم البيوت بحثا عن اللصوص لتفتح له هناء الباب برعب فيدفعها للخلف بقوة صارخا:
- فين غزل؟
لترتعش من هيئته الغريبة وشعره المبعثر وقميصه الغير مغلق:
- يوسف بيه.. غزل هانم مش مش هنا.. دول كانوا بيدورا..
ليقطع حديثها راكضاً على درجات السلم ويفتح جميع الغرف فيجدها خالية.. ليصرخ بهناء من أعلى السلم:
- فين الناس اللي هنا؟ ملك فين!
ليجيبه صوت صارم من الأسفل ينم عن غضبه:
- ملك مع جوزها.
ليصدم يوسف من وجود عمه واقفاً شامخاً أسفل الدرجات فينزل درجاته ببطء وقبل ان يستفسر عما قاله الأخير أكمل بنبرة اشد قسوة:
- فين بنتي يايوسف؟
يوسف بتحدي:
بنتك المصونة.. بنتك اللي جوزتهالي طلعت خاينة.. بنتك…
ليقطع كلماته لطمة من يد عمه ويصرخ به:
- اخرس.. اوعى تجيب سيرتها على لسانك الوسخ.. بنتي أشرف منك فين غزل يايوسف؟ عملت فيها إيه بتهورك وجنونك؟
ليرفع وجهه مصدوم من ضرب عمه له فهي أول مرة تصدر منه.
ليقول:
- بتضربني؟ بدل ماتخدني في حضنك وتصبرني علي اللي بنتك عملته.. بنتك نامت في حضن راجل تاني! وحملت منه وجت عشان تلزقهولي.. وده اكبر دليل على خيانتها وإني صادق.. عشان انا مش ممكن اخلف.. فاهم يعني ايه مش بخلف؟
فيبتعد عنه ناجي مستند على عكازه بضعف ويجلس على اقرب كرسي.. يقول:
- انت غبي.. طول عمرك غبي.. متهور وعامل زي اللي بيقتل صاحبه.. عمرك فكرت للحظة تتاكد من تحاليلك قبل ماترمي بنتي بالباطل؟ هي دي الأمانة اللي وصيتك عليها؟ ده انا أما عرفت حالتي مالقتش غيرك وعجلت بجوازك منها لان كنت حاسس انك بتحبها وهتحافظ عليها لوجرالي حاجه!
يوسف بتحدي:
- كنت عايزني اتفرج عليها وهي بتخوني؟ ده موتها حلال فيها.. المفروض تشكرني عليه.
ناجي بضعف وكسره واضحة:
- ارجوك يابني اعتبره اخر طلب.. قولي هي فين؟ وانا هاخدها ونسافر بس قولي مكانها ريح قلبي عليها.
يوسف بتوتر:
- كان نفسي اقولك بس.. بس هي هربت وأنا مش عارف مكانها وكنت جاي ادور عليها.
ليغمض ناجي أعينه لفقدانه اخر امل يقول:
- انا قلبي حاسس ان مش هلحق اشوفها واحضنها.. واعوضها السنين اللي راحت مننا.. ليقف بصعوبه مستنداً على عكازه رافضاً مساعدة يوسف له قائلاً ببكاء اثناء انصرافه:
- لله الامر من قبل ومن بعد.. لله الامر من قبل ومن بعد.
حتى يتلاشى صوته ويختفي خلف باب حجرته.. ويقف يوسف بغضب وسط المكان الخالي إلا منه لا يعلم من أين يبدأ البحث.
ليخرج لا يعلم من أين يبدأ البحث مؤكد ستلجأ لعشيقها.. سيقتلهما معاً إن وجدها معه.. بعد مرور اليوم رجع إلى شقته الخاصة مرهق الجسد متألم النفس.. لايصدق أنه حتى الآن لم ينجح في الوصول إليها.. أين هربت؟ ومن ساعدها؟ اسئلة عديدة متراكمة لايجد لها اجابه.. من المستحيل ان تكون نانسي من ساعدتها.. مستحيل ان تخونه هي الاخرى وإذا هي من قامت بذلك كيف ساعدتها وقد قضي ليلته بين أحضانها حتى الصباح.
ليجلس على اقرب مقعد ويقوم بفك أزرار ويمد ساقيه للأمام علي طاولة تتوسط الحجرة.. مغمض العينين.. لتخرج نانسي عندما سمعت صوت غلق الباب بتوتر حاولت إخفائه وتستمر في مراقبة ملامحة لعلها تستنتج شي منها.. لتنتفض عند سماع صوته المخيف يقول:
- هتفضلي واقفة عندك كتير؟
لتقول بخوف:
- انت عرفت إني واقفة ازاي؟
- عيب عليكي تسالي.. انا حافظ تصرفاتك كويس.. اول ما بتسمعي صوت المفتاح بتجري عليا تتعلقي في رقبتي.. بس الغريبة انك معملتيش كده المرة دي! ايه زهقتي انتي كمان مني؟
تقترب حافية القدمين تحلس بجوار قدمه:
- أنت عارف ان كلامك غلط وانا عمري ما اقدر ابعد عنك.. بس…
يفتح أعينه الدموية وينظر لها بأعينها المتوترة يقول:
- ايه.. بس ايه؟
فتقوم بعض شفاها السفلي قائلة:
- الحقيقة.. حاسة اني بقيت خايفة منك بسبب اللي حصل لغزل على ايدك.. مكنتش أتوقع انك تكون بالقسوة دي مع اللي كنت بتحبهم.
يقترب من وجهها ويربت على وجنتها برتابة يقول محذراً:
- دي اقل حاجة مع اللي بيطعني في ضهري يا.. يانانسي
تبتلع ريقها بتوتر الا انها تشتم رائحة غريبة بأنفاسه لتقول متعجبة:
- انت سكران؟
ليجيبها بثقة:
- انتي عارفة اني مافيش حاجة بتأثر فيا حتي لو شربت المحيط.
لتقف نانسي رافضة لحالته:
- انا هعملك فنجان قهوة يفوقك.
إلا انها كادت تتحرك لتجده يقبض على ساعدها بعنف قائلا:
- انتي خرجتي النهارده؟
تبقى على ثباتها لا تلتفت إليه.. مؤكد انه يراقبها.
لتقول:
- ايوه.. نزلت اشتري شوية حاجات.. البيت كان محتاجها.
لينظر لها نظرة ثاقبة:
- بعد كده ما تتتحركيش إلا أما اعرف انتي رايحة فين؟ مفهوم؟
لتهز رأسها بتوتر وتنسحب بخوف إلى المطبخ لتتذكر مافعلته من عدة ساعات مستغلة بحثه عن غزل.
فتدخل يدها بجيب بنطالها لتخرج هاتفها بتوتر وترسل رسالة إلى مجهول وعندما اطمأنت انها تم استلامها قامت بحذفها بايدي مرتعشة.. وتزفر زفرة قوية عازمة علي تنفيذ مايخدم أهدافها قبل الجميع.
أما عنه فما يراه يجد رجل متبلد المشاعر لا يشعر باحاسيس من حوله شخصاً كاره كل من حوله إلا نفسه شخصاً يسعى لغاياته ولاهدافه بدون التفكير من سيتدمر ومن يدفع الثمن.. ولكن الحقيقة عكس ذلك فهذا الشخص المتبلد الأناني داخله شخص مهزوم مطعون من أحبته من أنقى إنسانة عرفها.. من تمني قضاء العمر كله بجوارها.. من علمته حروف الغزل على يدها من حبيبته وعشيقته.. وزوجته.. غزل.. لا يتخيل حتى الآن كيف وصل به الحال لما فعله بها يوجد جانب بسيط بقلبه
يتألم لهذه الذكرى ليسأل نفسه هل هو الآن حصل على راحته وفاز بانتقامه أم كان ينتقم من نفسه بها؟ ها هو الان عاد به الزمن ليستلقي بسرير عشيقته الأولى كأن أحداث حياته كانت رحلة وانتهت ليعود مرة أخرى كما كان لتهبط دمعة من جانب عينيه المغلقة باستسلام مغزي تدل على هزيمته وقهره يكابد كثيرا عدم إظهارهما يكفيه خزيه أمام نفسه.. ليسمع فجأة صوت رنين هاتفه ولكنه لم يبدي رغبة في الرد انتظر وانتظر حتي ينقطع الرنين وهو علي ثباته واستلقائه ليعود مرة أخرى الرنين فيمد يده يخرجه من جيبه فيجده أخيه.. ليسرع بغلق هاتفه حتى لا يزعجه أحد مستسلماً لنومه.
فآخر شخص ممكن أن يتحدث معه حاليًا هو يامن.
بعد مرور أربع سنوات.
يجلس خلف مكتبه مرتديًا نظارته الطبية السوداء التي بدأ يلجأ إليها مؤخرًا، يراجع بعض الأوراق التي تحتاج إمضاءه. فهو أصبح دائم الحضور لمتابعة أعماله، لتأتي منه لفتة اعتاد عليها لشيء ساكن فوق مكتبه بجوار يديه اليمنى. فهو إطاران بهما صورتان لأجمل ما رأت عينه، كان حريصًا على ألا تختفي عن عينه لحظة واحدة حتى تقبض روحه منذ أربع سنوات. ليبتسم بتألم ويلمس الإطار بإصبعي السبابة والإبهام حتى تواجهه صورتها بفستان زفافها وابتسامتها المشرقة تدل على سعادتها. أما الصورة الأخرى فكانت لها أيضًا، ولكنه التقطها لها خلسة عندما كانت محتجزة بالشاليه الخاص، وكانت تنظر للبحر من أمامها، تاركة لخصلاتها البنية الحرية، شاردة في أيامها التي كانت تجهل أنها تحمل فيها الكثير من الألم. فاليوم الذكرى الرابعة لاختفائها من حياته وفقدانه لها للأبد.
فيأتي طرق على الباب ويدخل شادي بملامحه القاتمة كما اعتاد عليه منذ سنواته الأخيرة، ليقول مختصرًا برسمية:
"حضرتك خلصت الأوراق؟"
لينظر له يوسف بهدوء ينافي ضيقته من تصرفاته:
"لسه.. ياريت تقعد لحد ما أخلص الورق."
فيسمع زفرة قوية خرجت من شادي، ليجلس متضرعًا. فيكمل موجهًا حديثه للأخير وهو مستمر في الاطلاع على الأوراق:
"مستعجل ليه على الأوراق؟ مش لسه شوية على ميعاد الانصراف؟"
كان يسأله وهو يعلم سبب استعجاله لأخذ الأوراق، ولكنه يريد الضغط عليه ليفصح عما يجيش به قلبه منذ سنوات. ليجيبه مختصرًا بدون النظر إليه:
"عندي مشوار مهم."
ليسأل يوسف:
"عيد ميلاد غزل مش كده؟"
فيتحرك من خلف مكتبه مستندًا على عكاز خشبي، ليسير بصعوبة متألمًا بسبب إصابته بقدمه اليمنى التي خضعت للكثير من العمليات الجراحية لتركيب الشرائح المعدنية بها. يفتح خزانة خشبية ويخرج منه صندوق ملفوف بأوراق الهدايا اللامعة ومربوط بأشرطة من الستان الزهري. ويتقدم بعرج، يضعها أمام شادي على المكتب قائلًا:
"ياريت توصل الهدية دي بما إني ما اتعزمتش وكمان هكون شخص غير مرغوب فيه."
شادي بسخرية:
"إيه اللي مخليك واثق إن الهدية مش هترجع زي كل سنة."
يوسف بابتسامة:
"محاولة مش أكتر، ومتنساش إنه واجب عليا.. لولا إنهم مش حابين يشوفوني."
ليمد يده بالأوراق ويقول:
"مش ناوي تسامحني يا شادي؟"
لم يلتفت له، فيجيبه:
"صاحبة الشأن لما تبقى تسامحك نبقى نسامحك.. وأنا هنا موظف زي أي موظف.. عن إذنك يا.. يوسف بيه."
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثلاثون 30 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ليمد يده بالأوراق ويقول:
– تقدر تمشي بدري عشان تلحق مشوارك.
فيقف شادي ممسكًا بالصندوق الضخم متضررًا والأوراق. وقبل أن يخرج سمع صوت يوسف:
– مش ناوي تسامحني يا شادي؟
لم يلتفت له فيجيبه:
– صاحبة الشأن لما تبقى تسامحك نبقى نسامحك.. وأنا هنا موظف زي أي موظف.. عن إذنك يا يوسف بيه.
***
في حديقة الفيلا الصغيرة يكثر زينة أعياد الميلاد والبالون الملون بالأبيض والزهري وكلمات التهنئة المكتوبة بالحرف الإنجليزية اللامعة بجانب شرائط الإضاءة الملفوفة على الأشجار. يتقدم للأمام حاملًا هديته وهدية المدعو يوسف وهدية زوجته التي أصرت على انتقائها بنفسها. ويتقدما معًا لدخول الفيلا الصغيرة ليقول بصوت عالٍ:
– يا أهل البيت اللي هنا، هو مافيش حد ولا إيه ياخد الحاجة مننا.
ليظهر جاسر من الداخل قائلًا:
– أهل البيت ظهروا بطل دوشة بس صدعتنا. ليحتضنه مهنئًا له. وتقوم سمية بتحية جاسر ليدخلهما قائلًا:
– ادخل جوه الجماعة مستنين حضرتك من بدري وأنت اتأخرت قلبينها محزنة.. ادخل خد من الحب جانب.
ليتقدم حتى يحمل عنه الهدايا فيرفض شادي:
– لا.. أنا لازم أديها هديتها بنفسي.
ويغمز بعينه هامسًا بإذن جاسر:
– يمكن أنول الرضا منها. ليهز جاسر رأسه بيأس قائلًا:
– ابقى قابلني لو حصل.
ليجيبه بمداعبة:
– اطلع أنت منها وهي تعمر.
يدخل على حجرة الضيوف فيرى الطابع الأسري يشوب الغرفة والترابط الوثيق. يقول:
– السلام عليكم إحنا آسفين اتأخرنا وعطلنا الحفلة.
فيجيبه محمد:
– ومين سمعك ما أنا لسه مخلص زيك وداخل من شوية يادوب عديت على سوزان وجينا.
لتحييه سوزان ذات البطن المنتفخة ليقول شادي:
– عاملة إيه يا سوزان؟ أخبار هناء وشرين إيه؟
لتعبس قائلة:
– انت عرفت منين إنهم توأم؟ وتنظر لمحمد موبخة قائلة:
– أكيد استاذ محمد اللي قال في الشركة مع إني منبهه عليه إن معارفنا بس اللي يعرفوا.
لتبتسم سمية وترفع يدها مستسلمة:
– أنا مقولتش ليه على فكرة، جوزك اللي قال.
ينظر لها شادي بلوم:
– أنت عارفة ومخبية ماشي يا سمية لما نروح.
سمية بضحك:
– طيب أنا ذنبي إيه وانت وهو مش بيتبل في بوقكم فولة وبصراحة أنا خايفة تتحسد.
– مين جايب سيرة الحسد؟ قالتها ملك بضحك. فتكمل حديثها لائمة شادي:
– على فكرة غزل زعلانة جدًا وعمالة تسأل عليك.
لتندفع زوبعة مندفعة داخل الحجرة لتمسك قدم شادي باحتضان. وينحني لحملها واحتضانها قائلًا:
– أهلًا أهلًا أهلًا بالقمر اللي من ساعة ما دخلت وأنا بسأل عليه.
لتقول بلسان متلعثم:
– أنا؟
ليقول:
– فين بوسة عمو؟
لتهز رأسها بالرفض ويتطاير شعرها الأسود وتقول:
– نوو.. مامي قالت عيب.
شادي:
– طيب لو اديتك هديتك هتديني بوسة؟
تهز رأسها بالموافقة ليجلب لها هديتها وتقوم باحتضانه وتقبيله. لتعترض ملك صائحة بشكل مسرحي:
– ماشي يا غزل أنا مش قولت ما نبوسش حد غير بابي ومامي؟ يا خسارة تربيتي وسهر الليالي.
يقترب منها جاسر ويضمها ويهمس لها:
– ماتجيبي بوسة وانتي حلوة كده؟
ملك مؤنبة:
– جاسر! الناس.
***
بعد انتهاء الحفل وتقديم الهدايا ظل صندوق الهدايا الخاص بيوسف موجود على المنضدة المنتصفة الحجرة. وكلٌ منهم ينظر لها بشرود. لتقول ملك:
– رجع الهدية يا شادي وخليه يبطل يرسل هدايا لبنتي لأن هداياه كلها برميها في الزبالة.
ليقول محمد بغضب:
– أنا نفسي أسيب الشركة النهاردة قبل بكرة بس اللي ضاغط عليا أفضل حق غزل في الشركة.. اللي لازم هيرجع لها في يوم من الأيام.
ليجيبه شادي:
– ومين سمعك؟ أنا كمان بعد ما قدمت استقالتي وجاسر عرض عليا أشتغل معاه رجعت سحبتها عشان خاطرها.
لتتساءل سمية بتوتر:
– انتوا إزاي متأكدين إن غزل عايشة؟ رغم من يوم اختفائها مش عارفين عنها حاجة.
محمد بحزن:
– أنا قلبي حاسس مادام ماسمعناش عن وفاتها حاجة تبقى عايشة.
شادي بتساؤل:
– هو يامن ما اتكلمش؟
لتجيبه ملك:
– يامن كل فين وفين أما بيتصل بس عمره ما نسي يوم عيد ميلاد غزل وأكيد هيتصل.
ليصدح رنين هاتفها فتقول بسعادة:
– مش قولتلكم أهو أتصل.. ألو ياحبيبي يامن وحشتني أوي.. وانت طيب يا قلب أختك.. غزل عندها دلوقتي تلت سنين.. آه ياسيدي مستنين العريس.. بسرعة كده.. طيب مش هعطلك عن المستشفى.. يامن ابقي كلمني.. مع السلامة.
لتتنهد قائلة:
– بيسلم عليكم.. قفل بسرعة عنده عمليات.. مش عارفة إيه آخرة الغربة يرجع ويبقى معانا مابقاش ليا غيره من بعد ما عمي مات بحسرته.
ليقول جاسر:
– الله يرحمه.
ليقول محمد متعجبًا:
– يامن ما قالش هو فين دلوقتي؟
ليجيب شادي:
– دايما بيقول متنقل من دولة لدولة.
جاسر:
– إيه يا جماعة هنقلبها نكد؟ ده عيد ميلاد غزل الصغيرة والله.
تجيبه ملك بدموع محصورة:
– وعيد ميلاد غزل الكبيرة برده ربنا يردها لينا.
***
في المساء يدخل حاملًا قالب من الحلوى وباليد الأخرى حقيبة العمل. فيغلق الباب بقدمه ويقوم بالنداء:
– عائشة! عائشة.
لتهرول سيدة في منتصف العقد الخامس تمسح يدها بقطعة قماش لتقول بلغتها التركية:
– دكتور يامن!
لتندفع تحمل عنه قالب الحلوى والحقيبة. فيخلع جاكيت ملابسه ورباط حذائه ليقول أثناء ذلك بنفس اللغة:
– أين سيدتك؟
تنظر يمينًا ويسارًا بريبة وهمس:
– بالأعلى.
لعقد حاجبه:
– لما تخفضين صوتك.. أحدث شيء لم أعلمه؟
تجيبه متحسرة:
– بلى.. داهمتها إحدى نوبات الغضب.
لينقلب الحال فجأة لبكاء هستيري.. وهي الآن تغلق الباب على حالها رافضة الحديث.. ليهز رأسه متفهمًا ويستمر في الصعود:
– سأرى ما بها وأنت أعدي العشاء.
يصعد درجات السلم بهدوء فلقد اعتاد موباتها المؤلمة التي تداهمها من الحين للآخر وهو متقبلها. يعلم أنها ترفض حياتها وثائرة عليها ولكن ليس بيده شيء. يطرق الباب بهدوء طالبًا الإذن بالدخول فيجد الحجرة خالية ويبحث عنها حتى يجدها متقوقعة ضامة أرجلها لصدرها مخفية وجهها في أرجلها بجانب الحجرة في الظلام. ليضيء أزرار الإضاءة فتصرخ بوجهه طالبة إغلاق الأضواء فيلبي رغبتها. ويتحرك بهدوء جالسًا بجوارها مستندًا ظهره للحائط. فيرفع يده يلمس خصلات شعرها البنية التي تسحره من أعلى رأسها لنهايته ليقول:
– ممكن أعرف حبيبتي زعلانة ليه؟ فتهز رأسها رافضة. فيكمل:
– طيب أنت أخدتي علاجك النهارده ولا هربتي كالعادة.. أصل حالتك دي بتقول إنك هربتي.
لترفع رأسها بغضب والدموع مغرقة وجهها صارخة:
– أنا مش عاوزة، مش عاوزة.. أنا مش مجنونة يا يامن فاهم؟ لتقف بتشنج متحركة وتقف أمام النافذة المفتوحة ويتطاير خصلاتها الطويلة التي حرص على أن يضع بها مقص لمدة الأربع أعوام حتى استطال لآخر ظهرها كأنه بذلك يعوضها ما فقدته من قبل. يقف خلفها يقول وهو ممسك خصلاتها الناعمة:
– تعرفي إن بعشقك ريحة شعرك…
لينقبض قلبها من هذه الجملة كأنها سمعتها من قبل ولكنها نهرت نفسها. مستغلة غزله لها لتلتف إليه ولا يفصلهما إلا خطوة واحدة وتقترب منه قائلة باهتزاز:
– بجد؟ بجد يامن؟ بتحب ريحة شعري؟
ليبتسم لها ويمسك وجهها بكفيه:
– طبعًا بموت فيه.. أنت ناسيه إني اتخانقت معاكي لما صممتي تقصيه ورفضت وخبيت منك المقصات.
لتضحك باهتزاز. وتقترب منه وتضع كفيها على صدره لتشعر بأنفاسه المتوترة ضربات قلبه التي تسارعت من قربها. فكل هذا يؤكد لها أنه يحبها. لتقول:
– وأنا يا يامن؟ بتحبني؟
فتهتز ابتسامته ويجلي صوته:
– طبعًا يا غزل بحبك طبعًا.
– يامن أنا.. أنا.. أنت إيه؟ أرجوك افهمني.
ليقطع حديثها:
– فاهمك يا غزل وحاسس بيكي.. أنت اللي فاكرة إني مش فاهم.
– طيب في إيه؟ ماتقوليش حالتك الصحية ووضعك وظروفك.. عشان زهقت من المبررات دي.
يقترب منها يضع قبلة على جبينها:
– لا مش هقولك بس ممكن نأجل كلامنا لحد ما نحتفل مع بعض. أنا شاري تورتة الشيكولاتة اللي بتحبيها بس بشرط تاخدي العلاج قدامي.
لتهز رأسها بالموافقة وتنصرف بسرعة تاركة شخصًا متألمًا يحارب نفسه ويكابدها منذ سنوات.
ليشرد في يوم منذ أربع سنوات عندما أتاه اتصال مجهول أثناء تواجده مع تقى بالمطبخ ليخبره بمكان احتجاز غزل بالساحل.
ويندفع متجهًا للمكان المذكور بعد أن ساعده المجهول للدخول ووصفه لكيفية الدخول.
يدخل يامن بأرجل مهتزة ورعب من أن يشعر به يوسف ويفشل في إنقاذه من القتل.
يفتح الحجرة التي حددت لها، يصدم من المشهد الدموي. تسري برودة في عروقه من الصدمة. يجدها ملقاة على الأرضية الباردة، حليقة الرأس، تملأ وجهها وجسدها الجروح السطحية والغائرة التي تحتاج تقطيبًا. ولكن ما ألمه أكثر أن بعض الجروح بدأت في التقيح والالتهاب. ليرى جرحًا في الرأس، علم من خبرته أنه سيشوه وجهها بسبب عدم تقطيبه سريعًا.
يقترب بخطوات هادئة منها ويناديها هامسًا باسمها، إلا أنها لا تستجيب. ليعزم على حملها والهروب بها من أخيه. وأثناء حملها خرجت أنّة مؤلمة منها، ليعلم بعدها بكسر كفها الأيسر وشرخ بالفخذ. ليراها تفتح عينيها بصعوبة وهو محتضنها، ليقول بلهفة:
"غزل! أنا يامن! ماتخافيش أنا معاكي."
لتبتسم بصعوبة مرددة اسمه، وبعدها غابت عن الوعي.
يفيق من شروده على رسالة تذكير على هاتفه تذكره بموعد ميلاد ابنة أخته ملك. أكان يحتاج لرسالة؟ فنفس يوم ميلاد ابنة أخته تصادف مع ميلاد غزل.
فيقوم بالاتصال ليهنئها. وبعد إغلاق الاتصال، يذهب ليجلس على حافة الفراش، فتعود ذاكرته.
وقوفه بملابسه الدامية، مراقبًا إياها بغرفة العناية المركزة، منتظرًا انتهاء الأطباء من فحصها. فيرى أحد الأطباء متجهًا للخروج، محدثًا إياه قائلًا:
"دكتور يامن.. الموضوع صعب. دي جناية واعتداء وحشي، لازم بلاغ."
يامن بلهفة:
"طمني الأول عليها أبوس إيدك."
الطبيب بتوتر:
"مخبّيش عليك.. الحالة جسديًا ممكن نقول عايشة، لكن فيها بعض الكسور في كف اليد والفخد، غير الجروح الموجودة بالرأس والجسم اللي تم خياطتها. طبعًا في بعضها هيسيب أثر ومحتاج عمليات تجميل. أما عن الأثر النفسي، فده اللي هتعرفه لما تفوق. والعجيب بعد كل ده الحمل مستقر."
يامن:
"هتفوق إمتى؟"
الطبيب:
"دي حاجة في علم الله، أنت دكتور وعارف."
يامن بإصرار:
"ينفع أخرجها وأتابعها في البيت؟"
الطبيب:
"صعب في حالتها.. إحنا ندعيلها أنها تفوق الأول ونعرف وصلت الحالة لإيه. آه، اللي أنت عملته غير قانوني إنك تدخلها باسم مستعار. لو حد عرف هتبقى مشكلة."
فيترجاه يامن:
"أرجوك محدش يعرف هي مين. الموضوع حساس، فيها حياة وموت."
الطبيب:
"للدرجة دي؟"
ليكذب يامن عليه:
"الموضوع في ثأر."
لينقبض وجه الطبيب:
"فهمت.. محدش هيعرف بوجودها، ماتخافش."
ليعود يامن مرة أخرى ويعزم على تهدئة الموقف مع غزل. فقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته، لا يستطيع التخلي عنها رغم صعوبة التعامل معها.
***
"عجبتك التورتة؟" تساءل يامن بمشاكسة. لتهز رأسها بسعادة لتلتهم ما تبقى منها في الصحن. ليكمل:
"كل سنة وأنتِ معايا يا غزل."
تنظر إليه متعجبة من حاله، كيف يتمنى لها أن تبقى معه وهو.. هو.. لتهز رأسها رافضة التفكير في الأمر. يجب عليها أن تتحلى ببعض الكرامة. في بادئ الأمر، عندما أفاقت، كانت تخشى كل من يقترب منها، حتى هو. كانت ترتعب لاقترابه منها. كانت تفضل دائمًا الاختلاء والابتعاد عن كل الحفلات والمناسبات، حتى الخروج من باب المنزل امتنعت عنه. لكنها لم تجد إلا هو يدعمها ويشجعها على محاربة خوفها. كانت مرغمة على تقبل وضعها التي تجهله، لتستيقظ في يوم يقال لها أن لها ابنة وعليها مراعاتها. لم تشعر يومًا بالأمومة تجاهها، رغم أنها نسخة مصغرة منها. لا تعلم لما ترفضها وترفض وجودها بحياتها. لا تعلم متى حملت بها ومتى أنجبتها. تشعر بدوامة تحيط بها. ليقطع شرودها يامن قائلًا:
"أنا زعلتك في حاجة؟"
تهز رأسها سريعًا:
"لا.. لا.. بس سرحت شوية."
يقوم بوضع كفه فوق كفها ليستشعر برودتها، يقول:
"أنا عارف إني مقصر اليومين اللي فاتوا، بس أوعدك آخد إجازة ونروح أي مكان تحبيه أنتِ وبيسان. شوفتي بقى نستيني اطمن عليها."
ليقف مستعدًا للصعود، لتوقفه كلماتها:
"زمانها نامت من بدري، ماتقلقهاش."
يامن بلوم لها:
"غزل! أنا مش عاجبني علاقتك ببيسان. أنتِ أمها، المفروض تبقي قريبة أكتر من كده معاها."
غزل بلا مبالاة:
"ربنا يسهل.. أنا قعدت معاها شوية قدام الكارتون."
ليهز رأسه معترضًا، فيقترب منها يساعدها على الوقوف، ممسكًا ذراعيها:
"حبيبتي.. بيسان في عمرها ده محتاجاكي جنبها على طول، وتطلعي بيها تتمشي شوية تلعبي معاها. البنت أول ما بتشوفني كأنها لقت منقذها."
غزل باعتراض:
"أعمل إيه يعني، ماهي بتحبك أكتر مني."
يامن:
"مش حكاية كده، القصة كلها إني بلعب معاها زي أي طفل في سنها وحنين عليها. عمومًا يا أستاذة، بكرة ومن غير نقاش هنخرج أنا وأنتِ وبيسان نتمشى شوية."
كادت أن تعترض، إلا أنه أشار بسبابته لتصمت ولا تعترض. يعلم رهابها من الخروج حتى لا تحتك بالأغراب، وللأسف تتعامل مع بيسان كواحدة من هؤلاء الأغراب، حتى مع محاولاته المضنية لتغيير الوضع، مع استشارة الطبيب النفسي لهذا الوضع.
***
كل يوم يمر عليه، يجب أن يستلقي على فراشها لبعض الوقت لينعم برائحتها العبقة. ويستسلم لأحلامه. كان يغوص بأحلامه الهانئة التي لا تخلو من وجودها، وعلى وجهه ابتسامة ناعمة. ليشعر بأنامل تسير على وجنته بنعومة، فتزداد ابتسامته، فترسم خطًا مستقيمًا، ويشعر بجسدها الدافئ وأنفاسها الساخنة تلفح وجهه بسبب اقترابها. يفتح عينيه بتكاسل، يرى وجهها المنير مقتربًا منه، فيميز ملامحها رغم ظلمة الحجرة إلا من ضوء القمر. فيسمعها تهمس أمام شفتيه:
"وحشتني أوي."
فيرفع يده ويداعب خصلات شعرها البنية، ويشمها قائلًا:
"مش أكتر مني."
ويستقيم في جلسته ويقربها أكثر لتجلس أمامه. ويحاول الاقتراب منها ليطبع قبلة خفيفة على ثغرها ويقول:
"هتنامي في حضني النهاردة ولا هتهربي زي كل مرة؟"
فتجيبه بأنوثة:
"تؤ.. مش هقدر أبعد عنك تاني.. أنا مكتوبة على اسمك."
ليتبدل ملامحها للتشنج، فيتساءل عما بها. فيراها تنظر للأسفل قائلة بدموع:
"شوفت عملت فيا إيه؟!"
لينظر لما أشارت إليه ويجد تدفق الدماء من بين رجليها، فيرتعب مناديًا باسمها. لتقول بنحيب:
"قتلتني يا يوسف، وقتلت ابنك.. قتلتني."
ليصرخ حتى لا تبتعد:
"لا.. لا يا غزل ما قتلتكمش، لا.. ماتسبينيش."
فينتفض متعرقًا على قوله "لا". ليجد نفسه راقدًا على فراشهما بحجرتهما الخاصة التي منع الخدم من دخولها أو تغيير أي وضع بها. لينظر بين يديه ليجد نفسه ممسكًا بقميصها القطني الزهري التي كانت ترتديه آخر مرة وقامت بخلعه وألقته بإهمال على الفراش، حتى زجاجة عطرها المفتوح، غطائها، تركها كما تركتها من أربع سنوات. حرم على نفسه دخول الحجرة، اعتبره مكانًا مقدسًا لحين عودة صاحبتها المفقودة.
***
يجلس على فراشه بالحجرة البديلة التي اختارها لنفسه من أربع سنوات بعد أن أخذ حمامًا دافئًا ليتخلص من هذا الكابوس. فيخرج مستندًا على عكازه ويجلس على حافته متألمًا، متذكرًا يوم أتت له ملك وجاسر بشقته الخاصة.
اعترافهما بالحقيقة كاملة. تذكر لحظتها كيف مادت الأرض به ولم يستطع الصمود. فيستند على الحائط ليحاول استيعاب صدمته. هل ظلمها؟ للمرة الثانية! كيف فعل بها ما فعل؟ قام بتعذيبها وإيلامها. ليس فقط ذلك، بل قام بإذلالها والسخرية من إصابتها السابقة وطعن أنوثتها بجبروته عندما أفصح عن زواجه بأخرى. كان يتفنن في آلامها وضربها، حتى أنه كان يتمتع بسماع صراخها، وتوسلاتها وبكائها بأن يرحمها. ليتردد على سمعه كلمة واحدة: "أنا حامل.. أنا حامل يا يوسف".
في هذه اللحظة، لا يستطيع التذكر كيف تحملت قدماه جسده ليخرج مندفعًا، تاركًا كلاهما خلفه.
لتنزل عليه الصدمة الثانية، ولكن هذه المرة قسمت ظهره. ليخر باكيًا أمام الطبيب المعالج الذي قام بإعادة التحاليل له ليؤكد له تقدم حالته الإنجابية مع الدواء الذي كان يتناوله خلسة.
لا يتذكر كيف خرج من عنده، تاركًا طبيبًا متعجبًا من حالته. وكيف ركب سيارته ويقود بسرعة جنونية كأنه يتوسل الموت بأن يلحقه ليخلصه من ذنبه. ليجهش بالبكاء والصراخ، مناديًا باسمها، ويدور ويدور باحثًا عنها بقلب متألم على روحه التي نزعت منه بقرارة نفسه ومحض إرادته. ليراها أمامه بوجهها المكدوم وجروحها التي تملأ جسدها، باكية أمام عينيه، وتتلاشى الرؤية أمامه بسبب تصادمه بشيء ما. ليعلم بعدها أنه ظل بغيبوبته شهران كاملان مع خضوعه لخمس عمليات بساقه اليمنى التي كانت مهددة بالبتر نتيجة حادث التصادم بين سيارته وسيارة نقل للبضائع.
من يومها لم يصبح يوسف الشافعي كما هو. تغير كل شيء من حوله وبه. ابتعد عن أقرب الناس إليه وتركوه وحيدًا بأحزانه. لم يواسيه أحد. الجميع حاكمه بالنّبذ. يتذكر أنه دخل بعدها بنوبات اكتئاب حاد بسبب حالته الصحية والنفسية. إحساسه بالذنب يقتلُه. كل يوم يمر عليه يتزايد ذنبه. يكاد أن يجن. أين هي الآن؟ كيف هربت منه؟ هل كان سيقدم على قتلها كما وعدها أم كان يهددها؟ كيف أصبح ابنه؟ هل هو شبهها أم شبهه هو؟ يتمنى أن يجدها، يقبل يدها وقدمها، لعلها تعفو وتصفح. يريد ضمها، يستنشق عبيرها. إنه يموت.. يتعذب.
ليغمض عينيه، لعله يستريح من أفكاره، وربما تزوره بأحلامه تشبعه قبلات دافئة.