تحميل رواية «صماء لا تعرف الغزل» PDF
بقلم الكاتبة وسام الأشقر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في غرفة مظلمة يحيط بها الظلام الذي يكاد أن يخترقه ضوء الشمس الحار من خلف الستائر البالية التي تدل على قدمها وكثرة استعمالها، تظهر هذه الأشعة التي تكاد تنبعث من النافذة بخجل داخل غرفة صغيرة مكونة من خزانة ملابس صغيرة ومكتب صغير مبعثر عليه بعض الكتب في جهة الباب. أما بجواره نجد سرير صغير يكاد يتحمل شخص واحد تدل معالمه على قدمه وفوقه تنام أنثى صغيرة الحجم نحيلة متوسطة القامة بيضاء البشرة ذات شعر بني طويل. تململت هذه الفتاة في نومها بسبب شعورها بالانزعاج من اهتزاز عنيف تحت وسادتها فبدأت بفتح عينيها...
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ينتفض من نومه غير مستوعب ما حدث متعرقًا بشدة.
ليلاحظ ظلام الحجرة فيسرع في فتح الإضاءة وينظر بجواره فوق الفراش ليتأكد أنه كان يحلم.
يحلم بها! كانت بين أحضانه مستسلمة له.
كان يشعر أنها لحظات حقيقية بينهما.
أيعقل أنها كانت معه وانصرفت؟
لا لا، إنه حلم.
ماذا؟ لقد اعترف بأنه يحبها، يحبها؟
من المؤكد أنه يهذي.
هل يعقل أن تكون ردود أفعاله اتجاهها نتيجة حبه لها؟
***
منذ استيقاظه من هذا الحلم وهو يجلس واضعًا رأسه بين يديه.
تفكيره متوقف.
مر عليه عدة أيام منذ صفعه لها.
تتجنبه وتغلق بابها عليها أثناء وجوده.
تذكر عندما عاد بها للفيلا في هذا اليوم وجدها تجري باتجاه حجرتها.
كان يظن أنها ستحتمي بها ليشاهدها تخرج منها هابطة الدرج بانهيار.
لتلقي بوجهه شيئًا معدنيًا بكل قوتها، ليسقط على الأرضية الرخامية محدثًا رنينًا بعد أن اصطدم بوجهه.
ويسمعها تقول بغضب:
- مافيش واحدة محترمة بتقبل هدايا من واحد غريب عنها إلا لما يكون بينهم حاجة مش مظبوطة.
أنت صح، أنت صح يا يوسف.
وأنا اللي كنت غلطانة يوم ما قبلت هديتك واحنا مافيش بنا حاجة.
لتنصرف بسرعة مغلقة بابها عليه، تاركة من ينظر أسفل قدميه بعيون جاحظة.
وينحني لالتقاط السوار الماسي المحفور عليه اسمها في صدمة من كلامها.
لم يمر اليوم إلا وقد وبخه عمه على فعلته مع ابنته.
ليعرف بعدها أنها قامت بطلب الإذن من عمه للخروج ومقابلة عامر قبل سفره.
لتعطيه بطاقة النادي الجديدة باسمها وطلب منها أن تذهب لمقابلته هناك.
***
منذ أن علم بذلك وقلبه يتألم على حالها.
لا يعرف كيف يزيل الحاجز الجليدي بينهما.
لقد ألمها بكلماته الحارقة وضربها، وهي لا تسمح له بالاقتراب ليعتذر منها.
يفتح الجارور المجاور للفراش ويخرج منه سوارها الماسي التي ألقت به بوجهه رافضة له.
شاردًا فيه.
يشعر بالعطش منذ استيقاظه ليكتشف أنه كان حلمًا.
حلم رائع.
فيتحرك متجهًا إلى المطبخ.
لقد نفذ الماء من برادته الصغيرة.
وعند اقترابه من المطبخ سمع صوت حركة داخله.
ليشاهدها تصفق أمام الموقد تتابع براد الشاي بشرود بمنامة قطنية رمادية تصل لركبتها.
عارية الذراعين ممسكة بكوب من الزجاج الفارغ.
ظل يتأملها لا يعرف ماذا يفعل.
هل ينصرف أم يدخل؟
مع علمه أن وجوده سيعكر مزاجها.
ليتنحنح بصوت خشن.
ليلاحظ تصلب جسدها وثباتها.
فإنها تبخل عليه بمجرد نظرة.
ليجد نفسه يقول بارتباك ظاهر:
- أنا.. أنا جيت أخد مايه أصل تلاجتي فاضية فوق.
لم تلتفت له أو تنظر إليه.
إنها استمعت له ومع ذلك تقف موالية ظهرها له تتلاعب بكوبها الزجاجي الفارغ.
فيقطع تأمله لها صوت صفارة البراد نتيجة غليانه.
فيتقدم بخطوات هادئة لإغلاقه.
لتقع عينه على ذراعها الأيمن.
الذي يحمل آثار اعتدائه عليها.
حيث يظهر آثار أصابعه كعلامات زرقاء بذراعها.
فيشعر بألم في صدره لا يعلم سببه.
لا يشعر بحاله إلا على انتفاضها وانكماشها منه نتيجة ملامسته لهذه الآثار بأنامله.
فيبلل شفتاه بلسانه يقول:
- ثواني.
فتراه ينصرف بسرعة بجزعه العاري تاركًا زجاجة المياه.
فتلتقط أنفاسها لانصرافه وتبدأ بإعداد مشروبها.
لتتفاجأ بدخوله مرة أخرى كالزوبعة مرتديًا قميصه القطني.
ويقترب منها بإصرار جاذبًا إياها:
- تعالي اقعدي.
فيجلسها تحت ذهولها.
فتجده يهبط على ركبته أمامها مخرجًا أنبوبًا من جيبه.
ويقوم بوضع الكريم ثم يقوم بتدليك ذراعها المصابة بحركات دائرية أرسلت قشعريرة بجسدها.
فتقع عينيه على ركبتيها نتيجة انحصار منامتها أثناء الجلوس.
وتشاهده يقفز ويبحث عن شيء داخل البرادة.
ويعود مرة أخرى بأنبوب آخر.
ويقوم بتكرار فعله مع قدمها.
لا تستوعب ما يحدث.
ماذا يفعل؟
أيهتم لجراحها ويقوم بمداواتها؟
ماذا عن جراحها النفسية؟
بعد انتهائه ظل مكانه متأملًا ذهولها.
ليقول بصرامة مزيفة:
- الجروح والكدمات هتاخدلها يومين تلاته وتروح.
ثم يستقيم في وقفته ويكمل:
- عن إذنك.
ليهرب من نظراتها الذاهلة اللائمة يحتمي بحجرته.
ناسيًا سبب هبوطه من البداية.
ليجد بعد دقائق معدودة من هروبه داخل حجرته.
بطرقات خفيفة ناعمة.
فيقوم بفتح الباب ولكنه لم يجد أحد.
وتقع عينيه على الشيء أرضًا.
لينحني لجَلبه.
فيجدها زجاجتان مياه مثلجة.
فتشق شفتاه ابتسامة جديدة عليه.
ناظرًا لباب غرفتها المغلق الذي تحتمي خلفه.
***
تصعد الدرج الفاصل بينهما متجهة إلى حجرته لإحضاره كما طلب منها والدها.
فهو لم يستطع الوصول له بسبب انشغال هاتفه بمكالمة.
فتفكر في أن الأيام تمر.
كلًا منهما يحاول التعامل بحذر من الآخر مع اختلاف الأهداف.
هي خوفًا منه.
أما عنه فلا يعلم سبب انشغاله بها الفترة الأخيرة.
لقد أهمل كل شيء وصب تركيزه عليها فقط.
تذكرت هي كيف حاول مرارًا ومرارًا مداواة الشرخ الذي أحدثه بينهما.
لتبتسم على مراهقته.
كل يوم كانت تجد باباها يطرق لتفتح ولا تجد سوى دمية تذهب العقل من جمالها غالية الثمن أمام بابها كعربون صلح.
ولكن كبرياءها يأبى مسامحته.
فتقوم بتركها مكانها وتغلق بابها.
لتكتشف في اليوم التالي عند دخولها وجود نفس الدمية على سريرها.
لتغتاظ لفعلته فتمسكها وتطيح بها من شرفتها.
لتجد في نفس اليوم طرقًا على بابها مرة أخرى ووجود دمية جديدة أمام الباب.
وتقوم بتركها أيضًا.
ولم يمر عليها اليوم إلا ولتجدها داخل خزانتها.
فتهز رأسها بملل من تصرفاته التي لا تستطع تفسيرها حتى الآن.
كانت تعلم أنه يريد مصالحتها.
ولكن كبرياءه يأبى الاعتذار.
لترفع يدها لطرق الباب.
إلا أن يدها توقفت في المنتصف عند سماع كلماته عنها.
لتجد الدموع تسيل على وجهها دون إرادة منها.
وتفر هابطة الدرج بسرعة إلى غرفة والدها.
تقرر شيئًا وجب عليها تنفيذه.
لتدخل كالزوبعة تقول:
- بابا.. أنا عايزة أطلب منك طلب بس ماحدش يعرفه.
***
يهبط الدرج بسعادة جلية بعد حديثه مع شادي هاتفيًا.
عندما قص عليه ما يحدث معها.
أكد له شادي حبه لها قائلًا:
- يوسف ماتكابرش.. أنت حبيت غزل ووقعت ياحينيرال.
يوسف بسخرية:
- أنت عبيط يابني؟ هو عشان اهتميت شوية يبقى بحبها؟ هي بس زي ما بيقولوا كده صعب عليا حالها فقولت أراضيها من باب الواجب.
يعني مش تقولي حب وكلام فارغ.
وكمان انت عارف إن غزل مش من نوعية الستات اللي بحبها.
أنت عارف ذوقي بحب الأنوثة المتفجرة.
قالها ثم أطلق قهقهات عالية.
فقال شادي بجدية:
- ماتراوغش يايوسف.
أنا فاهمك أكتر من روحك.
أنت بتحب غزل.
يوسف بتحدي لا يريد إظهار ضعفه لأحد:
- أنا قولتلك قبل كده.
مش يوسف الشافعي اللي الستات بتترمي تحت رجله.
يوم ما يحب.. يحب واحدة طرشة وكانت خرسة.
عند هذه الجمل الأخيرة كان يوجد من يستمع لها متألمًا.
عازمًا على شيء ما.
وعند وصوله لمكتب عمه يجده يخرج وعلى وجهه ابتسامة جلية.
محْتَضِنًا غزل بين ذراعيه محاولًا مداعبتها.
ويظهر على وجهها آثار البكاء.
ليقول باهتمام:
- خير ياعمي ما تضحكوني معاكم.
ناجي بمرح:
- بعينك يايوسف.. الضحك ده خاص بحبيبة أبوها.
عمومًا كل شيء بأوانه.
تعالى عشان تديني جواز سفر غزل.
يوسف بفضول:
- ليه؟
ناجي بجدية:
- هو إيه اللي ليه يايوسف؟
جواز سفر بنتي ومحتاجه غريبة دي!
يوسف بارتباك وعينه عليها:
- لا حقك.
أنا كنت بطمن بس.
لتقطع حديثهم تقول:
- عن إذنك يا بابا أنا طالعة.
لتمر من جوار يوسف دون النظر إليه.
ويلاحظ تغيرها فيقول باهتمام:
- مش هتتعشي؟
ولكنها لم تجبه على سؤاله.
ليتعجب من حالها.
***
مر عليه أسبوع كامل كان كفيلًا ليشعل ناره.
عادت تتجاهله مرة ثانية وهذا يجرح كبرياءه.
لما تقلل منه دائمًا؟
رغم حرصه على توليتها اهتمامه الذي لا يعرف سببه.
ليقرر الابتعاد لعله يستطيع التفكير وتصفية ذهنه المرهق.
ويحاول ترتيب حياته.
ولكنه يدور بدوامة غير منتهية.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يرفع هاتفه يتصل بملجئه (نانسي).
ليطلب منها الحضور لشققته الخاصة.
وهي لم تتوانى في تلبية طلبه.
***
يشعر بأيديها تدلك جسده المرهق بأيديها الناعمة.
كانت تبذل قصارى جهدها لتسعده وتزيل عنه إرهاقه.
إنها (نانسي) زميلة الجامعة ابنة رجل الأعمال رفقي ناصف.
التي تعشقه منذ سنوات.
فهي دائمًا تحت طوعه تغذي رجولته بأنوثتها وجمالها.
وتغذي قوته بضعفها.
لا تطلب الكثير سوى وجوده معها فقط.
في
زي ما تكوني لدعك عقرب فتقف متحفزة له قائلة:
مش عارف مالي.
فتقترب منه متسائلة بغضب:
مين غزل يايوسف؟ مين غزل اللي ناديتني باسمها وانت معايا؟ وبتقولها بعشقك ياغزل.
يوسف بصدمة محاولا الهروب منها:
أنت أكيد بتخرفي.. أنا ماقولتش كده.. لو ده حصل يمكن من الشرب اللي شربناه فغلط لساني.. إيه المشكلة؟
ميــن دي؟
قالتها بإصرار.
ليغضب يوسف من تحقيقها ويلعن نفسه على خطأه ويقول:
أنت هتحققي معايا؟ نسيتي نفسك ولا إيه.. اديني سايبلك الدنيا وماشي بلا قرف.
فيتحرك من أمامها مرتديا ملابسه على عجالة تاركا إياها بغضبها.
***
ظل يدور بسيارته هائما على وجهه مترددا في الرجوع إلى الفيلا.. حاملا معه زجاجة خمر يتناولها بشراهة فهي كانت ونيسته في تلك اللحظة.. حتى شعر بثقل رأسه ليتفادى أكثر من حادث أثناء قيادته.. ليقرر العودة والنوم بفراشه.
***
دخل مترنحا من باب الفيلا بسبب ثقل رأسه أول مرة يكثر من الشراب كان دائما معتدلا في تناوله حتى لا يؤثر عليه.
فيلاحظ سكون المكان مع الإضاءة الخافتة به من الواضح أن الكل نيام في هذه اللحظة.. وعند بداية صعوده الدرج شعر بحركة صادرة من المطبخ ليضيق عينيه بتركيز ليسأل نفسه.. مين صاحي دلوقتي؟
فيتحرك ببطء حتى وصل إليه ليثبت مكانه ذاهلا من المشهد الذي أمامه لقد كانت جالسة على مقعد الطاولة بيدها كتاب تقرأ به وبيدها الأخرى كوبا من المشروب الساخن الذي يتصاعد منه الأبخرة ليعلم أنه مشروب الشوكولاتة المفضل لديها ولكن ليس هذا ما ثبته وصدمه بل حالها الذي أول مرة يراها به.. لقد كانت عاقصة لشعرها أعلى رأسها ليتدلى منه بعض الخصلات العشوائية كاشفا عن عنقها الطويل ليظهر له ملامح وجهها وأذنيها بوضوح ليرى قبوع سماعة أذنها اليسرى فيها.. أما عن ملابسها كانت تظهر الكثير والكثير من مفاتنها ابتداء من قميصها القطني المجسم ذو فتحة الصدر الواسعة ليظهر منه صدرها بوضوح ويظهر ذراعين مكشوفين فيخفض نظره لساقيها التي كانت ترفع ساق فوق الأخرى يظهران بكل جرأة بسبب سروالها القصير.. القصير جدا على ما يبدو أنها تجلس بأريحية ظنا منها أنه ليس بالمكان ولن يعود كعادته.. ليبتسم بخبث شديد.
أما عنها فكانت شديدة التركيز في كتابها مستمتعة بمشروبها الساخن الذي يذهب عقلها.. ولكنها بعد لحظات بدأت تتململ في جلستها بسبب الرائحة التي داهمت المكان رائحة تحفظها جيدا تسبب لها الضيق.. فترفع عينيها لتتأكد من عدم وجوده لتصطدم عينيها بعيونه الجائعة فتشهق بقوة منتفضة من جلستها ضامة كتابها إلى صدرها بخوف:
أنت جيت امتى؟ وواقف كده ليه؟
لترى ابتسامة قبضت قلبها ويقول وهو يتحرك اتجاهها:
بصراحة لسه جاي وشكلي من حسن حظي أن وصلت دلوقتي.
تخاف من كلماته لتتراجع للخلف مع اقترابه ضامة كتابها تحتمي به تقول:
طيب أنا طالعة أنام عشان عندي بكرة سف... ااااه.
يقطع حديثها هجومه عليها يكبل يدها خلف ظهرها ضامها إلى صدره فتسمعه يهمس بأذنها:
تفتكري بعد ما لقيتك بالشكل اللي يجنن ده أسيبك تمشي بسهولة كده؟ أنا قتيلك النهاردة.
لتطلق صرخة استنجاد من حنجرتها فيقوم بوضع كف يده فوق فمها ليسكتها يقول:
اسمعيني كويس محدش هينقذك مني النهاردة.. زمان عمي نايم في سابع نومه.
فتحاول التخلص منه بركلة فتفشل في ذلك.. ليلقيها أرضا مثبتها إياها بأرضية المطبخ ويقوم بتمزيق قميصها القطني مع توزيع قبلات عشوائية على وجهها وجسدها بجوع فيقول بأنفاس متسارعة:
أنت اللي عملتي كده.. عايزاني أشوفك كده وأسكت؟
لتصرخ مرة أخرى تشعر بالاختناق فتشعر بتمرير يديه فوق جسدها بجرأة.. لا تستطع إنقاذ نفسها فهي منتهية لا محالة.. توقف جسدها عن المقاومة وترتخي أعصابها ليرفع رأسه عنها ليكتشف أنها قد داهمتها نوبة إغماء لينقبض قلبه ويبدأ في هزها وضرب وجنتها لإفاقتها يقول:
غزل.. غزل.. فوقي.. غزل!
ينتفض واقفا يبحث عن شيء لإفاقتها.. لم يجد إلا زجاجة المياه ليجلبها وعند التفاته لها اكتشف عدم وجودها.. ليخرج مسرعا من المطبخ ويجدها تجري برعب إلى حجرتها فيلحق بها ويقوم باحتضانها من الخلف وتكميم فمها وحملها إلى غرفته مع مقاومتها التي باءت بالفشل.
يلقيها بعدم رحمة فوق فراشه ويثبتها بجسده مع تثبيت يدها فوق رأسها يقول:
عايزة تهربي مني.. مش هتقدري ياغزل.. أنت ملكي وهاخد اللي عايزه منك.. صدقيني مش هتندمي.
فتصرخ بقوة لعل أحد يسمعها تقول:
فوق يايوسف.. أنت مش في وعيك.. سبني أرجوك.. أنا بنت عمك حرام عليك.
لكنه لم يسمعها فشيطانه كان يغلبه.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
يلقيها بعدم رحمة فوق فراشه ويثبتها بجسده مع تثبيت يدها فوق رأسها يقول:
– عايزة تهربي مني؟ مش هتقدري يا غزل.. أنتِ ملكي وهاخد اللي عايزه منك.. صدقيني مش هتندمي.
فتصرخ بقوة لعل أحد يسمعها تقول:
– فوق يا يوسف.. أنت مش في وعيك.. سبني أرجوك.. أنا بنت عمك حرام عليك.
لكنه لم يسمعها.. فشيطانه كان يغلبه لتصرخ مرة أخرى عندما نزع قميصها عنها ويكمم فاها بقوة حتى لا يسمعها أحد مع تقبيل جسدها.. فتقوم بقضم يده المكمة لها.. فيصدر عنه صرخة رجولية.. وتستغل ذلك لدفعه عنها والهروب لتحتمي بأي شيء داخل الحجرة.. تقع عينيها على سكين صغير بجوار صحن الفاكهة.. فتحمله مهددة إياه.. ويقف يلهث من شدة مقاومتها له كأنه خارج من معركة شرسة يقول بلوم زائف:
– كدة يا غزل.. تعضيني.
يحاول الاقتراب منها لتصرخ بوجهه مهددة بالسكين تقول بكره:
– لو قربتلي هقتلك.. فاهم هقتلك يا يوسف.
شعر أن الأمور اتخذت مجرى غير متوقع ليشعر بثقل في عينيه ودوار يداهمه فيقول مهدئاً إياها:
– خلاص.. خلاص إهدي.. مش هقربلك.. بس هاتي السكينة دي.
غزل بحدة وانهيار:
– قولتلك ابعد.. متقربش.
لتتفاجأ باقترابه وتقوم بجرح كف يده اليسرى كرد فعل مفاجئ منها.. لينظر إلى كفه متألماً بذهول مع ازدياد الدوار.
ضربات بالرأس وطنين متزايد بالأذن يشعل رأسه وثقل بجفونه لا يستطع فتح أعينه.. ليستمر صوت الضربات برأسه ليتألم أكثر وأكثر.. كأن أحدهم يدق رأسه باستمرار.. ليفتح عينيه بثقل شديد ليكتشف أن هذه الضربات المؤلمة ليست سوى صوت طرقات على الباب ليسمع صوت هناء تناديه:
– يوسف بيه.. يوسف بيه.
فيجيبها بإرهاق:
– أيوه يا هناء.
هناء برسمية:
– حضرتك اتأخرت عن الشركة الساعة ١٢ حضرتك.. تحب أحضر لحضرتك الفطار؟
يوسف يعتدل من نومته ليكتشف وجوده فوق أرضية الحجرة ليقول:
– هناء اعملي كوباية كبيرة قهوة.. لحد ما أنزل.
يجلس بإرهاق عاقداً حاجبيه فيشعر بألم شديد بكف يده ليرفعها أمام وجهه فيكتشف وجود جرح غائر بكفه وتجلط الدماء به ليقول بتعجب:
– إيه ده؟ هو إيه اللي حصل.
يتحامل على نفسه ويستقيم واقفاً يمرر نظره بالحجرة متعجباً من حاله وحال الحجرة ابتداء من الفراش المبعثر للأشياء الساقطة أرضاً فتقع أعينه على شيء موضوع فوق الفراش ليرفعه أمامه فيجده قميصاً أنثوياً ممزقاً ليعقد حاجبه أكثر متسائلاً:
– بتاع مين ده؟
لم يلبث أن يتحرك ليلاحظ شيئاً يلمع فوق الفراش فيمد يده إليها وتجحظ عينيه من الصدمة وتتسارع ضربات قلبه ليضرب الدماء في أوردته ويقبض قلبه ألماً ويهمس بصدمة:
– غزل!
يخرج كالمجنون يبحث عنها في حجرتها ليجدها فارغة فيصدح صوته بغضب منادياً عليها لتخرج هناء مهرولة تقول:
– غزل هانم سافرت هي وناجي بيه؟
يوسف بغضب:
– سافروا؟ سافروا فين؟ وأمتى؟
هناء:
– معنديش علم.. هو ناجي بيه قالي أبلغ حضرتك بسفره.
لينصرف مهرولاً عائداً لحجرته يبحث عن هاتفه.
بصالة الانتظار بالمطار
– هتفضلي مكشره كده؟ اديني عملت اللي انتِ طلبتيه ومعرفتش يوسف إننا مجهزين للسفر.. ممكن أعرف بقى ليه كل ده، قالها ناجي مداعباً ابنته.. لتقول بحزن:
– مفيش أسباب حبيت بس نعمل كل حاجة وبعد كدة نبلغه.
لم يقتنع ناجي بتبريرها أنه يعلم أنها تخفي شيئاً خاصاً بخصوص يوسف.
ليجد هاتفه يدق ليقول لها:
– جبنا في سيرة القط.
فيكمل:
– أيوه يا يوسف.. أخيراً صحيت.
يوسف بتوتر يشد خصلات شعره:
– عمي.. عمي إنتوا فين؟
ناجي بوقار:
– إحنا في المطار خلصنا الأوراق ومنتظرين الطيارة.. أنا قولت لهناء تبلغك.
يوسف يبتلع ريقه متسائلاً:
– هي غزل كويسة.. هي جنبك؟ عايز أكلمها.
لينظر ناجي إلى ابنته الحزينة يقول:
– أيوه جنبي.. معاك أهي.
تتناول الهاتف من والدها بأيدي مرتعشة تبتلع غصة مؤلمة بحنجرتها حابسة دموعها فتبتعد بالهاتف تحت مراقبة ناجي تجيب بألم:
– نعم؟
عند سماعه صوتها قام منتفضاً يقول بسرعة:
– غزل.. غزل.. اسمعيني.. انتِ كويسة؟ ردي عليا.. غزل طمنيني انتِ كويسة؟.. كويسة صح؟
ليسود الصمت بينهما ليكمل بلهفة:
– أرجوك طمنيني.. أنا آذيتك؟.. ماتسكتيش كده.
ليجد انقطاع الخط فجأة لينظر إلى الهاتف بصدمة ويحاول الاتصال مرة أخرى ليجده مغلقاً.. فيفقد أعصابه ويضرب هاتفه بالحائط ليتهشّم إلى أجزاء.
تجلس مضطربة من هذه الخطوة كيف جاءتها الجرأة لتلبية طلبه في مقابلته بشقته بعد أن امتنعت عن مقابلته في الأماكن العامة غضب كثيراً منها.. ليذكرها دائماً بأنها زوجته وله حقوق عليها.. كيف وافقت على الزواج منه لا تعلم.. ما تعلمه أنها أحبته وعشقته بقوة. ولا تريد التخلي عنه.
يقطع أفكارها حضوره حاملاً كأساً من العصير قائلاً:
– الحقيقة يا ملك أنا أسعد راجل في الدنيا دي عشان وافقتي تيجي معايا هنا.. وما هنتش عليكي تزعليني زي المرة اللي فاتت.
ملك بتوتر:
– جاسر انت عارف إني بحبك.. وكنت رفضت ده عشان خايفة من يوسف يعرف مش عشان عايزة أبعد عنك.
جاسر يمسك كفها ويجلس بجوارها:
– قولتلك ميت مرة.. سيبي يوسف على جنب.. المهم إحنا.. إحنا مش بنعمل حاجة غلط.. انتِ مراتي وأنا جوزك وليا حق أشوفك ولا إيه؟
تهز رأسها موافقة على حديثه.. فيتشجع ليقترب منها يهمس في أذنها:
– أنا مشتاقلك جداً يا ملك.
ليطبع قبلة بجانب عنقها ويضمها لصدره وترفع ذراعيها تحيطه بهما.. فتشعر به يحملها بين ذراعيه قائلاً:
– ملك انتِ وحشاني أوي.. أرجوكي ماتقوليش لا.. مش قادر أصبر أكتر من كده.
– جاسر أنا خايفة.
فيدخل بها حجرته يهمس لها:
– طول ما أنا معاكي ماتخافيش أبداً.
تنام منكمشة بخوف مما حدث لقد أصبحت زوجته فعلياً.. ماذا عليها أن تفعل؟.. تشعر بخيانة أهلها وسندها.. فتسيل دموعها بصمت على وجنتها بسبب تهورها الغير محسوب وتشعر بحركته بجوارها ليلامس ذراعها المكشوف بحنية يقول بعشق:
– مبروك يا حبيبتي.. دلوقتي بقيتي حرم جاسر الصياد.
فيتفاجأ ببكائها الشديد فيزداد قلقه عليها قائلاً:
– ملك.. بتعيطي ليه؟.. صدر مني حاجة ضايقتك؟.. طيب في حاجة بتوجعك؟
ملك ببكاء:
– خايفة يا جاسر من اللي جاي.. خايفة تكون بتلعب بيا.. خايفة من يوسف.
جاسر بلوم حقيقي:
– بقى كدة! خايفة مني إزاي تشكي في حبي ليكي يا ملك؟ انتِ ماتعرفيش مدى عداوتي مع أخوكي شكلها إيه؟.. مع ذلك أول مرة شفتك حبيتك من غير ما أعرف إنك أخت يوسف ولما عرفت مقدرتش أرجع وأسيبك.
يراها تعتدل في جلستها وتقوم بتغطية حالها بخجل:
– ماتزعلش مني.. أنا الأفكار بتاخدني وتوديني.. ياريت يوسف زي يامن ياريت.
فيلاحظ بحثها عن ملابسها ليقبض على ذراعها بنعومة يقربها اليه قائلاً:
– رايحة فين؟.. أنا لسه ماشبعتش منك.
ملك بخجل:
– كفاية يا جاسر عشان..
يضمها إلى صدره يلاعب شعرها بيده قائلاً:
– مافيش عشان! مافيش غير حاجة واحدة بس إنك هتفضلي في حضني النهاردة.
فيهبط ليقبلها قبلة ناعمة طويلة لتستسلم له وتلاعب خصلات شعره بيديها. ليسرقا بعض السعادة المكتوبة لهما.
يدخل عليها مكتبها والغيظ يملأه من تجاهلها.. نعم اعترف بحبه لها.. نعم يحبها ولكن لم لا تعترف هي الأخرى؟ لماذا تعانده؟
يقف أمام مكتبها بوجه صارم وبيده ملف متحججاً به كعادته يقول:
– قولتلك عايز أقابلك في الأرشيف واستنيتك ومجيتيش.
ترفع عينيها برسمية مزيفة عن الحاسوب تقول:
– أستاذ محمد؟ فيه حاجة حضرتك طالبها مني؟
ليصدم من طريقة حديثها فيقول:
– سوزان! بلاش البرود ده.. أنا بعتلك رسالة وانتِ شوفتيها عشان تقابليني في الأرشيف.. ممكن أعرف إيه اللي آخرك السيادة.
يراها ترجع ظهرها لمقعدها وتنظر إليه نظرة مبهمة تقول:
– حضرتك عايزني أقابلك ليه؟ فيه حاجة بينا.. حضرتك يا أستاذ محمد زميل في الشركة دي وما اعتقدتش إن أي زميل كل شوية يقولي اقابلك أروح أقابله.
محمد يحجز على أسنانه:
– أنتِ عايزة توصلي لإيه؟ أنا اعترفتلك إني بحبك.. عايزة إيه تاني؟
لتبتسم بسخرية:
– أولاً أنا مش عايزة أوصل لحاجة.. ثانياً اعترافك ده مش جديد عليا تعرضت لده كتير قبل كده.
ليهجم عليها ممسكاً ذراعها بقوة:
– تقصدي إيه إنك تعرضتي لده كتير؟
– شيل إيدك!
قالتها بنظرة تحذيرية جديدة عليه.. ليتركها ببطء ذاهلاً من أسلوبها لا يعلم ما الخطأ الذي اقترفه لتعامله هكذا.. عندما اعترف لها بحبه في غرفة الأرشيف من قبل لاحظ بريق عينيها والسعادة التي حلت عليها.. لما تغيرت بهذا الشكل؟
يخرج مندفعاً من أمامها تاركاً إياها تبكي لقد تماسكت أمامه كثيراً حتى لا تظهر ضعفها فكبريائها يمنعها أن تتسول خطوة جدية في علاقتهما معاً.
– أنت هتفضل على الوضع ده كتير.. أنت مبقتش مركز نهائي..
وشغلك كله أخطاء، أول مرة أشوفها. حتى هيئتك بقيت مهمل فيها. حصل إيه لكل ده؟ مش فاهم. إنت حتى مش متأكد من شكوكك.
قالها شادي بملل شديد ليوسف.
يجلس أمامه واضعًا رأسه بين كفيه، مستندًا على مكتبه، يقول ببطء:
مش قادر أفكر يا شادي. دماغي بقالها شهرين مشلولة. خايف أكون أذيتها بغبائي وهي مش عايزة تريحني. مش بترضى تكلمني.
شادي بملل:
يابني اهدى. إنت قلت لي إنك مش فاكر وإنك لقيت حاجتها على سريرك. ده مش دليل إن في حاجة حصلت بينكم.
يوسف بغضب:
وجرح إيدي والعضة اللي في كفي. وصدري اللي مليان خراشيش. مش دليل إني أذيتها واعتديت عليها؟ بلاش كدة. ليه مش بترد عليا؟ ليييه؟
شادي بمراوغة:
طيب نفرض إن ده فعلاً حصل. إنت هتعمل إيه؟
هتجوزها.
قالها مندفعًا بدون تفكير.
فيكمل بارتباك:
غلطتي ولازم أصلحها. ماتبصليش كدة.
ليرفع شادي حاجبه بابتسامة:
من إمتى يوسف الشافعي بيفكر في كدة؟ أقولك الحق، إنت تتمنى من جواك إنه يحصل عشان غرضك ده.
يوسف، هربًا من صديقه، يمسك هاتفه محاولًا الاتصال بها للمرة التي فقد عدها.
***
تقف أمام الموقد تعد وجبة الغداء. تشعر براحة نفسية في هذا المكان. مكان هادئ له حديقة صغيرة من طابقين، وله طابع خاص كسكان هذه الدولة. تشرد في أول مرة وضعت قدمها على أرض هذه الدولة. كان يتملكها التوتر والخوف. لتمسك بيد والدها متشبثة به. لقد كان ينتظر شخصًا ما. فترآه بعد لحظات يلوح بيده من بعيد بابتسامة عجيبة عليها، مملوءة بالخب. لتلاحظ اقتراب شاب أبيض متوسط الطول يشبه والدها ويوسف بعض الشيء. يظهر على ملامحه الدعابة وخفة الظل. يقول:
أخيرًا يا عمي حنيت عليا.
ليحتضنه بقوة صادقة. ثم يقوم بمد يده لها دون أن يفقد ابتسامته، يقول:
نورتي تركيا يا غزل.
كان يعرفها ويعرف اسمها. علمت بعدها أنه ابن عمها الثاني المغمور الذي لم يذكر اسمه مرة واحدة أمامها. فكانت صدمة لها أن تعرف بوجود ابن عم شقيق ليوسف وملك. كانت متخوفة من البداية منه، ظنًا منها أنه سيكون بنفس أخلاق شقيقه. ولكنها اكتشفت أنها تتعامل مع شخص مختلف كليًا عن شقيقه. مرح، كثير المداعبة، متعاون لأبعد الحدود.
لتكتشف بعدها وظيفته التي سببت لها توترًا جليًا. كان يعمل طبيبًا متخصصًا في الأنف والأذن والحنجرة.
علمت بعدها سبب اتجاه والدها لهذه البلدة بالأخص بعد أن طلبت منه ببكاء في المكتب عرضها على طبيب متخصص لحالتها مع الإبقاء على سرية الموضوع. وقد كان.
لتنتفض فزعة صارخة من صوت عالٍ كصوت انفجار، وتسمع صوت ضحكات يامن عليها. لتقول له بغضب:
إنت مش هتبطل اللي بتعمله ده. اعمل فيك إيه؟
يامن بضحك:
طيب أعمل إيه بذمتك؟ بقالي ساعة عمال أنده عليكي وأنا شايل أكياس من السوبر ماركت والحاجة تقيلة. قولت أجرب أفرقع كيس منهم عشان أطمن على العملية. إنتِ عارفة لازم أطمن على حالتي.
غزل بطفولة:
طيب! خد عقابك بقى. مافيش أكل ليك ولا حاجة حلوة.
يامن باستسلام:
لا أبوس إيدك. أنا جعان وراجع من المستشفى هلكان. يادوب رحت اشتريت الحاجة ورجعت على طول.
غزل بتفكير:
خلاص. سماح المرادي يا أبيه.
يامن يتلفت يمينًا ويسارًا:
أبيه! أنا أبيه! الكلام ده ليا أنا؟
تهز رأسها بمشاكسة وتضحك. ليقول:
غزل! إحنا حبايب أه، لكن تكبريني في السن لأ. ده أنا أخوكي الصغير ولسه مادخلتش دنيا تطلعي سمعة ما اتجوزش.
غزل بجدية:
ياريت يا يامن والله. إنت أساسًا تستاهل كل خير. يارب يرزقك ببنت الحلال عشان أخلص من مقالبك بقى.
يامن بلوم:
كدة! طيب مافيش آيس كريم على البحر النهاردة.
غزل برجاء:
لا لا. حرمت خلاص. إلا الآيس كريم.
يدخل ناجي عليهما يقول:
موال كل يوم. إنتوا مش هتبطلوا نقار مع بعض؟ صدعتوني.
يامن بتحية رسمية:
لا يا فندم. هنسكت خالص.
ناجي موجهًا حديثه لها:
يوسف كلمني النهاردة زي كل يوم. وطلب إنه يكلمك وأنا قلت له إنك نايمة، زي ما قلتي.
أنا نفذت رغبتك اللي مش عارف سببها إيه، ومستني تيجي بنفسك تصارحيني باللي مضايقك.
فينصرف تحت نظراتهما المراقبة.
وتسمع يامن يتساءل:
لسه مش عايزة تكلميه وتردي عليه؟
تهز رأسها بالرفض والضيق. ليكمل بجدية:
عمي بدأ ياخد باله إن في حاجة. وهروبك مش صح. لازم مواجهة. ومسيرك هترجعي. إنتِ هنا بس لحد ما أطمن على العمليتين اللي عملتهالك وتعدي فترة النقاهة مش أكتر.
يسمعها تجيبه بحزن:
مش عايزة أرجع. ولا عايزة أواجهه. أنا بكرهه. خليني معاك هنا. صدقني مش هضايقك.
يامن بتأثر لحالها يرفع كف يده، يربت على وجنتها:
غزل! يوسف مش وحش أوي زي ما إنتِ متخيلة. بالعكس، يوسف قلبه كبير بس هو غبي أوي مع اللي حواليه. سيبي الأيام هي اللي هتحدد هيحصل إيه.
غزل بتساؤل محير:
ممكن أعرف حاجة محيراني من ساعة ما وصلت؟ إنت ليه مش بتكلم يوسف ولا هو بيكلمك؟ وليه محدش جاب سيرتك هناك؟ حتى المدة اللي عشتها هناك مارجعتش ولا مرة تزورنا.
يامن بابتسامته خلابة:
زي ما تقولي كدة. في خلاف كبير بيني وبين يوسف. الخلاف إيه؟ مسيرك تعرفي في يوم.
يقطع حديثه رنين هاتفها المستمر. ليقع عينه على اسم المتصل. فتصدح ضحكة عالية منه عندما شاهد الاسم التي تسجله به. ليقول أثناء ضحكه:
مش ممكن! إنتِ مشكلة.
غزل ترفع حاجبها وتهدده بالضرب بملعقة الغرف تقول:
ممكن أفهم بتضحك على إيه دلوقتي؟
يامن مهدئًا حاله:
إنتِ عارفة لو يوسف عرف إنتي مسجلاه إيه على التليفون هيعمل فيكي إيه؟
غزل بكبرياء:
أعمل إيه؟ مالقتش وصف يناسب أخوك إلا ده. بقولك إيه؟ إنت ناوي تقوله؟
يامن:
لأ طبعًا. أنا مش مستغني عنك. بس اطمني. هو مسيره يعرف لوحده.
فتشرد هي في شاشة الهاتف التي تضيء باسمه المستعار (البذيء قاطع الأنفاس).
***
يقول بغضب:
برضه مش بترد. أعمل إيه؟ هتجنن!
شادي بعقلانية:
ممكن تهدى. إنت كده هتخلي عمك يشك. أهدى. هي مسيرها ترجع مع عمك. هو ما قالش هيرجعوا إمتى؟
يوسف بضيق:
هو أنا أعرف سافروا فين وليه عشان أعرف هيرجعوا إمتى؟ عمي بقاله مدة مش صريح وبيلاعبني. كل أما أسأله حاسس إنه مخبي حاجة مش عايزني أعرفها.
طيب أنا هقوم أنا. وآه. ابقي رد على مكالمات نانسي عشان قلبت دماغي وحالِفة لتيجي الشركة لو مردتش عليها.
يوسف بشرود:
هترد. شاء الله.
***
تجلس أمام كتابها شاردة في صفحاته. لاتفقه شيئًا منه منذ ساعات. حاولت التركيز أكثر من مرة لتعود الذكرى السوداء لخيالها وتشتت أفكارها. أين كان عقلها عندما تهور قبلها معها؟ يؤلمها ضميرها على ما صدر منها. تتمنى لو كانت تتصف ببعض الشجاعة لتواجه الجميع بأفعالها البذيئة.
فتسمع صوت طرقات حجرتها. ليدخل محمد على وجهه ابتسامة خلابة:
توتا بتعمل إيه؟
تجيبه تقى بهدوء:
كنت بحاول أذاكر لأن الامتحانات قربت.
لتراه يجلس أمامها كأن يوجد شيء يريد قوله:
تقى.. أنا ملاحظ بقالي مدة إنك قافلة على نفسك ومتغيرة. ومش متعود على سكوتك ده. طبعًا، في حاجة مخبياها عليا. أنا أخوكي ومهما كان سندك.
لتعقد حاجبها بتوتر:
حاجة؟ حاجة زي إيه؟ مافيش طبعًا. أنا بس حاسة إني مرهقة وكسلانه أروح الجامعة. فقولت أستغل ده وأذاكر في البيت.
محمد بعدم اقتناع:
بس كدة.
فتهز رأسها بنعم. ليكمل هو بحب:
طيب أنا هحاول أقتنع بكلامك. لكن لو حسيتي في يوم إنك عايزة تتكلمي. أنا موجود.
فيتحرك ليلثم رأسها بقبلة أخوية ويتركها بألم ضميرها وندمها.
***
بعد مرور أسبوع على الجميع.
تخرج من حمامها ملتفة بشرشف قطني بشعر مبتل. لتلقي نظرة على من يستلقي على فراشها وينعم بنوم هانئ. لتنظر إلى نفسها في المرآة تقيم جمال جسدها الأبيض وخصلات شعرها الذهبية التي تتميز به. لا تعلم إلى متى ستظل أسيرة لعشقه وحبه التي تملك منها منذ سنين كالوباء. هل ستبقى هكذا مكتفية ببعض اللقاءات أم آن الأوان لتنعم ببعض الاستقرار؟ فتلاحظ تململه بإرهاق أثناء نومه. فمن يراه الآن لا يقارنه بمن هجم عليها منذ ساعات قليلة. لقد كان غريبًا، تشعر بشروده وقلقه وهو معها.
وأثناء تأملها له سمعت صوت هاتفه. فينفض النوم من عينيه ويمد يده يفتح المكالمة. لينتفض جالسًا بجذعه العاري يقول:
أيوه يا عمي.
مطار إيه؟
يعني إنتوا فين؟
يكمل حديثه وهو يقوم بارتداء ملابسه على عجالة:
معلش، أصلي كنت نايم ومش مركز.
يعني وصلتوا. أنا جاي في الطريق خمس دقايق.
يكاد أن يغلق ليقول بلهفة:
عمي.. عمي.. هي!! هي غزل معاك؟
فيبتسم بدون أن يشعر ليقول:
أنا جاي حالا.
ليخرج مهرولًا بسعادة غريبة على وجهه ممسكًا بحذائه تحت أنظارها الذاهلة. لتقول لنفسها:
هو اتجنن ولا إيه؟ ده حتى ماسلمش عليا.
***
يجلس خلف المقود، قابضًا عليه بكفه بغضب شديد وحيرة. يلقي عليها نظرات عن طريق مرآته، مراقبًا إياها وهي محتضنة والدها بملامح مبهمة بالنسبة له. ملامح باردة ترتدي نظاراتها الشمسية تخفي عنه عينيها.
يرجع بذاكرته منذ لحظات عندما كان يقف متوترًا بصالة الانتظار منتظرًا وصولها ليس إلا. ينظر إلى ساعته للمرة الألف. يأخذ المكان ذهابًا وإيابًا. ليشاهد ظهور عمه من بعيد. فتتسارع أنفاسه بقوة غير مسيطرًا على ارتباكه. فيبحث عنها بعينيه الصقرية.
لعله يلمحها ليجدها بعد طول انتظار تظهر بإطلالتها الصيفية بفستان أبيض مكشوف الذراعين. الذراعين! الذراعين! يامن يحتضن ذراعها! ليرفع عينه لتشل حركته ويثبت مكانه من صدمته. عندما رأى أخيه يامن يحتضن غزل إليه أثناء سيره وابتسامة جلية تظهر عليه وعلى وجهها. ليفتح فمه وتجحظ عيناه بقوة.
يقترب منه عمه يسلم عليه ويقول بمكر:
يوسف.. اقفل بوقك يا حبيبي. الدبان هيدخل جواه.
فينصرف من جانبه بكل هدوء حتى يصل إليه يامن وهو محتضن غزل بمرح:
إيه يا جنرال؟ مش هتسلم على أخوك حبيبك؟
ليفيق يوسف من صدمته يقول من بين أسنانه:
شرفت يا أخويا.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
يجلس خلف المقود قابضًا عليه بكفه بغضب شديد وحيرة. يلقي عليها نظرات عن طريق مرآته مراقبًا إياها وهي تحتضن والدها بملامح مبهمة بالنسبة له، ملامح باردة ترتدي نظاراتها الشمسية تخفي عنه عينيها.
يرجع بذاكرته منذ لحظات عندما كان يقف متوترًا بصالة الانتظار منتظرًا وصولها. ينظر إلى ساعته للمرة الألف، يأخذ المكان ذهابًا وإيابًا. ليشاهد ظهور عمه من بعيد فتتسارع أنفاسه بقوة غير مسيطرًا على ارتباكه. فيبحث عنها بعينيه الصقرية لعله يلمحها، ليجدها بعد طول انتظار تظهر بإطلالتها الصيفية بفستان أبيض مكشوف الذراعين. الذراعين؟ من يحتضن ذراعها؟ ليرفع عينه لتشل حركته ويثبت مكانه من صدمته، عندما رأى أخيه يامن يحتضن غزل إليه أثناء سيره وابتسامة جلية تظهر عليه وعلى وجهها.
يقترب منه عمه يسلم عليه ويقول بمكر:
ـ يوسف... اقفل بوقك ياحبيبي.. الذبان هيدخل جواه.
فينصرف من جانبه بكل هدوء حتى يصل إليه يامن وهو يحتضن غزل بمرح:
ـ إيه ياجينيرال مش هتسلم على أخوك حبيبك.
ليفيق يوسف من صدمته يقول من بين أسنانه:
ـ شرفت يا ياخويا.
***
يفيق من شروده. ينظر إليها مرة أخرى بمرآته.
ليقطع عليه أخيه تأمله قائلًا:
ـ خلي بالك من طريقك، الطريق قدام مش ورا.
ليجد على أسنانه ويلقي عليه نظرة توعد منه. ثم يجلي صوته محدثًا عمه لعله يستشف سبب سفرهما المفاجئ يقول:
ـ هو إنتوا كنتوا في تركيا؟
فيجيبه ناجي بابتسامة وقورة:
ـ أكيد يايوسف، اومال يامن رجع معانا ازاي.
يتوتر أكثر ويتساءل:
ـ هو إنتوا كنتوا عند يامن؟
ليجيبه يامن هذه المرة ببرود مقصود:
ـ تفتكر هيكونوا في تركيا ومش هينزلوا عندي؟ دي كانت أحلى أيام.
فيلتفت القابعة بصمت يغمز بعينيه لها مكملًا:
ـ ولا إيه ياغزل البنات؟
فتكتفي هي بابتسامة خفيفة له.
لتجحظ عين المشتعل غيظًا من هذا التدليل، وهذه الجرأة. فمن الواضح أن يامن أخذ مكانًا خاصًا لديها ليدللها بهذه الوقاحة أمام عمه وأمامه. فيوجه سؤاله لعمه مرة أخرى بإصرار:
ـ هو إنتوا سافرتوا ليه؟ ومبلغتنيش ليه ياعمي عشان أكون معاكم؟
يجيبه ناجي بطيبة زائدة:
ـ ياه يايوسف دي قصة كبيرة.. احنا سافرنا ياسيدي عشان...
ـ بــابــا!
كلمة واحدة صارمة كانت كفيلة أن تصمت والدها من الاسترسال بحديثه. ليلاحظ يوسف وجهها ينظر لوالدها بلوم. فيشك في أن هناك حدثًا ما لا يريدان إعلامه به.
يحاول يوسف معرفة ما هو الشيء فيقول:
ـ سكت ليه ياعمي؟ كمل.
ناجي بتوتر:
ـ إيه؟... آه.. بعدين بعدين يايوسف هتعرف بعدين.
فيفكر يوسف في الشيء اللذان يخفيانه عنه عن قصد.
***
ظل فترة الليل يأخذ الحجرة ذهابًا وإيابًا. القلق يتملكه والضيق يقتله. لقد أنهى علبة كاملة من سجائره في فترة أقل من ساعة. لما تتهرب منه؟ يجب عليه مواجهتها ومعرفة حقيقة الأمر، وما حدث بينهما. فهو لا يتذكر شيئًا. فقط يريد الاطمئنان على حالها، بأنه لم يصبها بأي أذى. ولكن كيف وأخيه يلازمها كظلها لا يتركها أبدًا حتى يستطيع الحديث معها. تتعامل معه كأنها تعرفه منذ زمن وليس من فترة وجيزة لا تتعدى الأشهر القليلة. شتان بين معاملتها له ولأخيه. وعند هذه النقطة شعر بحرق إصبعه من سيجارته عندما انتهت وهو شارد، كما احترق صدره.
ليعزم للخروج من حجرته إليها. لابد أن يحدثها حتى لو أبت ذلك.
يخرج كاللصوص على أطراف أصابعه يتلفت حوله، فالكل نيام في هذا الوقت. حتى وصل لها وبدأ يطرقها بخفة يقول بصوت منخفض خوفًا من أن يسمعه أحد:
ـ غزل، غزل.. أنتِ صاحية.
غزل افتحي أنا عارف إنك صاحية نورك قايد. غزل ردي عليّ.. أنا عايز أتكلم معاكي.
***
كانت تجلس فوق فراشها تتصفح جوالها الجديد الذي اشتراه لها والدها. تقرأ رسائل عامر لها لترسل له رسالة تخبره بآخر أخبارها الجديدة في سعادة منها. لتنتفض من جلستها عندما سمعت صوت طرقات باب الغرفة وسماع أكثر صوت تكره في حياتها. فتتوتر ويتملكها الخوف. ويبقي نظرها معلقًا للباب بذهول كأنه سيقتحم غرفتها في أي لحظة. لتجحظ عينيها عندما رأته يحاول فتح الباب من القبض. ولكنها طمأنت حالها وشكرت ربها أنها قامت بإغلاقه من الداخل بالمفتاح. لتبتسم بشماتة وهي مستمتعة بصوت رجائه لها بأن تسمعه وتتحدث إليه.
لتأتي فكرة جهنمية في رأسها فتزداد ابتسامتها بانتصار.
***
وقف يكاد أن يجن منها. أنها لا تجيبه. لا تريد إراحته أبدًا. لا تسمع لتوسلاته. لينتفض على صوت رجولي يقول:
ـ أنت واقف بتعمل إيه في وقت زي ده؟.. قالها يامن وهو واضع يديه في خصره.
ليبتلع ريقه بتوتر ويمسح على شعره من هذا المأزق يقول:
ـ كنت.. كنت بطمن على غزل.. لا تكون محتاجة حاجة.
يامن بسخرية:
ـ لا اطمن هي مش محتاجة حاجة.. روح نام أنت.
يوسف بتوتر:
ـ تصبح على خير.
***. ليبتسم يامن بمكر مما حدث ويقوم بإخراج هاتفه المحمول من جيب سرواله يكتب رسالة فيها:
ـ أنقذتك من البذيء.. عدي الجمايل ياغزل البنات.
ثم ينصرف مفكرًا في حال أخيه وعلى وجهه ابتسامة غريبة لا يعلم سببها.
***.
بعد مرور يومان.
يخرج من غرفته على أذنه هاتفه يحدث شادي يبلغه بضرورة الحضور مبكرًا لمراجعة بعض الأوراق قبل إمضائها.
ليجد أخيه يدخل غرفتها ويغلق الباب خلفه بكل بساطة. فيشتعل غضبًا. ما هذه الوقاحة؟ كيف تستضيفه بغرفتها بكل أريحية. ليجد نفسه يتوجه إلى غرفتها باندفاع يفتح بابها بغضب. فيشاهد أخيه يقف في منتصف الغرفة محتضنًا إياها بذراعه مع استناد رأسها فوق صدره باستسلام. ليقول بغضب:
ـ أنت ماسكها كده ليه؟
فيجيبه يامن برجاء:
ـ يوسف.. اطلع دلوقت.. مش وقتك خالص.
لتجحظ عينه من رد أخيه البارد وكاد أن يلقي على مسامعهما أحقر الكلمات وأقذرها بسبب وضعهما. ليجدها تتململ بضيق واضح في وقفتها كأن شيئًا يخنقها وترفع يدها على فمها وتقوم بدفع يامن جريًا إلى الحمام. لقد كانت تشعر بالدوار الشديد منذ أشهر والغثيان الذي يداهمها. لتخرج بعد دقائق قليلة مترنحة بعد إفراغ ما في معدتها. فيسرع يامن لمساعدتها يقول:
ـ حاسة بإيه دلوقت؟.. لسه في دوخة أو دماغك بتوجعك.
تهز رأسها بإرهاق بنعم. ليكمل وهو يساعدها للصعود على الفراش:
ـ كل ده طبيعي للي في حالتك.. مافيش حاجة تقلق.. المهم بس تاكلي كويس الفترة دي.
بعد الانتهاء من دثها بالفراش التفت ليجد أخيه الكبير خلفه فارغ الفاه.
جاحظ العينين من الكلمات الأخيرة التي ألقاها على مسامعه ليشير إليها بيده وهو ناظر لأخيه يقول بتوتر:
ـ هي مالها؟.. يعني إيه الكلام اللي قولته؟.. مالها حالتها؟
يامن بصرامة وهو يسحب يوسف من ذراعه حتى وصلا خارج الحجرة ويغلق الباب خلفه:
ـ يوسف.. مش وقتك خالص.. ياريت تخرج عشان غزل تريح شوية.
يوسف بقلق:
ـ يامن؟.. أنت مخبي عليا إيه؟
فيزفر يامن زفرة قوية بفقدان صبر يقول:
ـ غزل كويسة.. كويسة جدًا.. عن إذنك.
***.
بعد خروجهما تحاملت على نفسها لتخرج من فراشها تغلق الباب من الداخل كعادتها حتى لا ينجح في الدخول.
***.
ـ ياجاسر، أنا ماينفعش أخرج اليومين دول.. الكل موجود ولو اتاخرت هياخدوا بالهم.
ـ سيبها لظروفها.
ـ خلاص بقي ماتزعلش.. هعوضك.. بس ماتزعلش.
ـ مع السلامة ياقلبي.
لتحدث نفسها تقول:
وبعدين بقي ده شكل يامن مطول في إجازته هحلها إزاي دي؟
***.
تهبط درجات الدرج متوجهة إلى غرفة الطعام بعد إلحاح يامن عليها بالهبوط. لقد طال اعتكافها في حجرتها مدة كبيرة وحان وقت التحرر من خوفها ومواجهته مهما كلفها الأمر. لتدخل عليهم وتجدهم مندمجين بالحديث عن الشركة. وكان هو أول من لاحظ دخولها ليبتسم بسعادة يقول لنفسه:
ـ ها هي ظهرت السندريلا الهاربة.
فيرى يامن يتنحى عن مقعده ليجلسها بجواره على يسار عمه وأمام يوسف.
ناجي بسرور:
ـ أنا النهاردة آكل بنفس مفتوحة لأنك نزلتي.
ـ اعذرني.. كنت تعبانة اليومين اللي فاتوا ما أنت عارف.
ليدعو لها بسعادة:
ـ ربنا يكمل شفاكي على خير يابنتي.
تداعب كلمات عمه أذنه ليتعجب من هذه الدعوة ليقول بفضول:
ـ ليه هي غزل مالها؟
فينظر كلًا من غزل ويامن وناجي لبعضهما بارتباك. فتنقذ الموقف قائلة ببرود:
ـ كان عندي دور برد تقيل قوي.. والحمد لله خلصت منه.
فيشاهد وضع يامن وجهه في صحنه وهو يكتم ضحكاته على حديثها. لتنظر له بلوم واضح.
فيقول ناجي بجدية:
ـ المهم جهزي نفسك أنا سبتك براحتك اليومين اللي فاتوا.. عايزك تنزلي تشتري أحلى فستان يليق بيكي عشان عامل حفلة صغيرة ليكي بمناسبة رجوعك. لازم الناس تعرف إن بنتي رجعتلي.
ليوجه حديثه لملك الصامتة:
ـ ابقي خدي غزل وانزلوا اشتروا الفساتين مع بعض ياملك.
ملك متعللة:
ـ معلش ياعمي اعفيني من المشوار ده أنا هلبس حاجة من عندي.
فيصدح صوتان رجوليان في آن واحد يقولا:
ـ أنا هروح معاها.
لينظرا لبعضهما في تحدي واضح.
لتنقذ الموقف غزل سريعًا قائلة:
ـ أنا هاخد يامن معايا..
هو فاضي وفي إجازة.. عشان ما عطلش يوسف عن الشركة.
فينظر لها بغيظ، هذه كانت فرصته لاختلاء بها ومعرفة حقيقة ما حدث.
***
تجلس مرتدية نظارتها الشمسية، مغمضة العينين، تحاول الاسترخاء من حرب أفكارها. فتشعر ببعض قطرات المياه التي تقذف على وجهها وملابسها وتسبب لها الابتلال. لتقول بغيظ:
– تصدق بإيه؟ انت اللي يشوفك ما يقول عليك دكتور أبداً. بطل رخامة وسيبني استجم شوية.
فتصدح ضحكته الرجولية يقول:
– الميه حلوة.. تعالي ومش هتندمي.
– قولتلك يا يامن لا.. مش بحب الميه وبخاف منها كمان.. سيبنالك الاستمتاع ياسيدي.
– تعالي وأنا هعلمك وهتدعيلي طول عمرك.. ده البت كريستينا كانت هتموت وتخليني أعلمها وهي بتعرف تعوم أساساً.
ثم أطلق قهقهات عالية، فقالت بإصرار:
– لا.. وبطل تبلني.. مش بحب هدومي تتبل.
– مش ناوية تواجهيه بقى؟ أنا بعمل اللي طلبتيه مني بس أنا شايف إن المواجهة أسلم حل ليكم.
غزل بضيق:
– بالله عليك ماتجيب سيرته خلي اليوم يعدي حلو.
– للدرجة دي بتكرهيه؟
– مش كره.. أنا مش بعرف أكره حد بس أخوك ده تركيبة غريبة ومش حابة إني أعرفها.
فتشاهده يميل عليها فجأة، يحملها وسط صراخها يقول:
– بما إنك عايزة يبقى اليوم حلو.. يبقى لازم تنزلي الميه.
فيقفز بها وسط صراخها.. لتسعل بشدة نتيجة دخول المياه لمجرى التنفس، متشبثة به بخوف قائلة:
– منك لله يامن.. منك لله.. اتبليت.
ليضحك بقوة وهو محتضنها:
– اسمعي الكلام بس وحاربي خوفك.. دي المية روعة.
فتشبث به أكثر وتحوط ذراعيها حول عنقه بخوف قائلة:
– روعة!!! أنا بغرق في شبر ميه وتقولي روعة.
ليقول بجدية:
– أنا بس عاوزك تسيبيلي نفسك خالص.. وأنا هعلمك.
ليسمعا صوت جهوري غاضب يقول:
– الله الله.. إيه القذارة اللي شايفها بعيني دي؟
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تجلس مرتدية نظارتها الشمسية مغمضة العينين تحاول الاسترخاء من حرب أفكارها فتشعر ببعض قطرات المياه التي تقذف على وجهها وملابسها وتسبب لها الابتلال لتقول بغيظ:
– نصدق بإيه؟ أنت اللي يشوفك ما يقول عليك دكتور أبداً، بطل رخامة وسيبني استجم شوية.
فتصدح ضحكته الرجولية يقول:
– الميه حلوة.. تعالي ومش هتندمي.
– قولتلك يا يامن لا.. مش بحب الميه وبخاف منها كمان.. سيبنالك الاستمتاع ياسيدي.
– تعالي وأنا هعلمك وهتدعيلي طول عمرك.. ده البت كريستينا كانت هتموت وتخليني أعلمها وهي بتعرف تعوم أساساً.
أطلق قهقهات عالية، فقالت غزل بإصرار:
– لا.. وبطل تبلني.. مش بحب هدومي تتبل.
فيخرج يامن من المسبح تتساقط المياه من جسده ويقوم بتجفيف جسده قائلاً:
– مش ناوية تواجهيه بقى.. أنا بعمل اللي طلبتيه مني بس أنا شايف إن المواجهة أسلم حل ليكم.
غزل بضيق:
– بالله عليك ما تجيب سيرته خلي اليوم يعدي حلو.
– للدرجة دي بتكرهيه؟
– مش كره أنا مش بعرف أكره حد بس أخوك ده تركيبة غريبة ومش حابة إني أعرفها.
فتشاهده يميل عليها فجأة يحملها وسط صراخها يقول:
– بما إنك عايزة يبقى اليوم حلو.. يبقى لازم تنزلي الميه.
فيقفز بها وسط صراخها.. لتسعل بشدة نتيجة دخول المياه لمجرى التنفس متشبثة به بخوف قائلة:
– منك لله يامن منك لله.. اتبليت.
ليضحك بقوة وهو محتضنها:
– اسمعي الكلام بس وحاربي خوفك.. دي المية روعة.
فتشبث به أكثر وتحوط ذراعيها حول عنقه بخوف قائلة:
– روعة! دا أنا بغرق في شبر ميه وتقولي روعة.
ليقول بجدية:
– أنا بس عاوزك تسيبيلي نفسك خالص.. وأنا هعلمك.
ليسمعا صوت جهوري غاضب يقول:
– الله الله.. إيه القذارة اللي شايفها بعيني دي؟ طيب لموا نفسكم وشوفلكم حته مدارية عن الموجودين في الفيلا تمارسوا فيها وساختكم دي.. وانتِ يا هانم يا صاحبة الصون والعفاف ماتسيبيلو نفسك وهو يعلمك.. ولا انتِ متعلمة وجاهزة.. أنا هستنى إيه من واحدة جايلنا من الحواري.
كلمات من الرصاص شلتهما عن التفكير لترتعش ويزداد بكائها غير مستوعبة كلماته.. لقد اتهمها الآن في شرفها ومع من.. مع أخيه.. لقد فاض الكيل.. فتسمع صوت يامن الجاد وهو يساعدها في الصعود من المسبح ولكنه لم يحررها من ذراعه الذي يحتويها:
– إيه الوساخة اللي انت بتقولها دي؟ أنت شارب على الصبح.. إزاي تقول كلام زي ده.. انت فاكر كل البشر أوساخ زيك.. فوق يا يوسف.
ليجيبه يوسف بغضب:
– عايزني أقول إيه وأنا شايفكم حاضنين بعض في الميه وبتقولها سيبلي نفسي؟
فتقترب منه في تلك اللحظة قائلة بكره:
– حسبي الله ونعم الوكيل.. فيك.. حسبي الله.. عمري ما هسامحك.
فتنصرف تحت أنظاره ليقول يامن بضيق:
– غبي.. هتفضل طول عمرك غبي.
يوم الحفل
تقف أمام مرآتها شاردة في صورتها الملائكية لقد اختار لها يامن فستاناً باللون الأحمر الداكن ذو أكمام وفتحة علوية تظهر عضمة الترقوة بعرض كتفيها ذو أكمام شفافة يضيق من الصدر إلى الخصر ثم ينزل باتساع حتى ركبتيها واختار لها قرطين ماسيين باللون الأحمر ولم ينس أن يكمل الصورة بحليتين بنفس اللون لشعرها على شكل فراشة حمراء فتقوم برفع جوانب شعرها لأعلى وتتركه متدلياً خلف ظهرها فيظهر بوضوح جوانب وجهها وأذنيها وعنقها الطويل مع حذاء أحمر عالي.
ليدخل بطلتها الساحرة يقول:
– بسم الله ما شاء الله.. أنت طالعة تحفة.. أنا شكلي كده هيجي عرسان كتير من الحفلة دي.
فالتفت له بسعادة:
– البركة فيك.. لولاك ما كنتش هطلع حلوة كده.
– مين قال كده.. أنت تعجبي الباشا.
لتعود للنظر لنفسها مرة أخرى وتمسك بأحمر شفاهها الأحمر الصارخ وتصبح شفتاها به.. لتكتمل الصورة.
تقول بارتباك:
– أنا خايفة أنزل كده.
فيقترب منها ويمسك كف يدها بهدوء:
– أنا معاكي ماتخافيش.. اليوم ده يومك.. ومليان بالمفاجآت للموجودين تحت.. ها مستعدة؟
تحرك رأسها بنعم فيكمل بمشاكسة:
– ربنا يستر ويوسف ميولعش فينا لما يشوفك.
ثم أطلق قهقهات عالية.
يقف ببذلته بجوار شادي يملئه الضيق يقول:
– في حاجة مش مظبوطة.. حاسس إن الحفلة دي وراها حاجة.
شادي مراقباً المدعوين:
– ولا حاجة ولا بتاع أنت اللي بقيت شكاك زيادة.. قولي صحيح عرفت تتكلم معاها.
– لا.. ده اللي هيجنني.. إنها مش قابلة تكلمني.
– يوسف واجه نفسك.. أنت بتحب غزل.
– حب إيه وكلام فارغ إيه بس؟
شادي بلوم:
– هتقولي تاني دي واحدة خرسا وطارشة ومش من مقامك؟
ليحتد يوسف عليها صارخاً:
– شادي! ماتتكلميش عليها بالأسلوب ده.
– شوفت بقي؟ أهو أنت مش طايق حد يتكلم عليها كلمة، رغم أن انت اللي قايل الكلام ده مش أنا.
– اسكت، اسكت أهو يامن نزل.
انزل درجات الدرج بتوتر وبجوارها يامن يشد من أزرها.. فتقع عيناها على عيون صقرية متحفزة للعراك فتتجاهلها.. حتى تصل لوالدها وتقوم بتحية الموجودين من محمد وتقى لشادي وباقي الموجودين.
يقف من بعيد غير متفاعل مع الحفل يراقب سلوكها وحركاتها أيعقل أن يكون قد وقع في فخ حبها؟
ليرى عمه يحاول لفت انتباه المدعوين فينتبه الموجود لحديثه فيقول:
– أولاً أحب أشكركم على قبول دعوتي النهاردة.. الحفلة دي معمولة مخصوص على شرف بنتي حبيبتي اللي الكل عارف أنا بقالي قد إيه بدور عليها.. ده أول حاجة..
تاني حاجة أحب أعرفكم السبب الأساسي للحفلة دي.. هما سببين مش سبب واحد.
السبب الأول إن الحمد لله ربنا أكمل نعمته عليا ونجحت في إني أعالج بنتي غزل من بعض المشاكل اللي كانت عندها.. وقدرنا نعملها عملية زرع قوقعة ليها على إيد أمهر الأطباء وهو موجود معانا دلوقت هو ابني وابن أخويا الغالي يامن نجيب الشافعي.
يقف في زاوية بعيدة يقبض على كف يده.. هل يعقل ما يسمعه؟ لقد قامت بإجراء مثل هذه العملية بدون علمه.. وهو آخر من يعلم كالمدعوين.. لا هذا غير معقول.
فتقع عينه على أذنها اليسرى فيجدها خالية لأول مرة من جهاز السمع خاصتها.. ليتصلب جسده وتتجمد عروقه عند سماع كلمات عمه الأخيرة التي وقعت على أذنه كالصاعقة
ليسمعه يقول:
– أما المفاجأة التانية إن غزل أصبحت شريكة فعلية بالشركة بنسبة ٧٠% وليها حق إدارة الشركة كمدير فني للشركة.
صدمات شهقات وتهاني.. الجميع ملتف حولها بسعادة فتستقبل التهاني والمباركات برسمية لم تعتاد عليها.. وعينيها تبحثان عن شخص بعينه شخص تريد رؤية رد فعله بعد علمه بإجراء عملياتها الخاصة مع خبر الشركة الذي فاجأها هي شخصياً قبل الجميع.
لابد أنه يبغضها الآن أكثر من ذي قبل.. لتقع عينيها عليه وتتبادل معه النظرات للحظة، نظرات بها تحدي وقوة جديدة تحمل الكثير من النقمة عليه.
ويقابلها نظراته الباردة الغير مفسرة الثابتة كأنه تمثال حجري لا يدرك ما يدور حوله.. فتلمح شبه ابتسامة على فمه.. ابتسامة! هل يبتسم لها؟ أم يسخر منها لابد أنه يسخر الآن منها.. لتجد نفسها ترفع أنفها بكبرياء وتحدي له وتشيح بوجهها عنه.
أما عنه فمشاعر متداخلة ومتضاربة لا يستطيع تحديدها هل يفرح لشفائها؟ أم يحزن لامتلاكها جزء كبير بالشركة وتوليها إدارتها معه.. لم يشعر بالابتسامة التي شقت شفتاه عند هذه النقطة.. أيعقل أنه سعيد لامتلاكها الشركة؟ انه لا يصدق حاله.
سحبت نفسها بعيداً بعد إلقاء المفاجآت السعيدة على مسامعها.. تتعجب من حالها إنها سعيدة بالفعل لها.. ولم تبغضها مثلما كانت تفعل من قبل.. لتجد حالها يهرب من أنظار يوسف لها.. نعم من المؤكد أنه يحتقرها الآن وله كل الحق في ذلك.. هي من رخصت حالها وخانت أقرب ما لها.
فتجد أرجلها توجهها إلى غرفة الطعام المفتوح لتجذب صحناً وتقوم بوضع بعض من المقبلات بصحنها بشرود في حركة رتيبة.. وكادت أن تلتف للعودة مرة أخرى لتجد نفسها مصطدمة بشيء ما ليسقط على فستانها عصير من المانجو يغرقها بالكامل.. تشهق برعب ويزداد غضبها لتقول من بين أسنانها:
– مش تفتح يا غبي.. أنت أعمى ولا شكلك كده؟
يقف يامن ذاهلاً حاملاً كوبه الفارغ ينظر له بذهول ليقول معتذراً:
– طبعاً لو حلفتلك بحياة ولادي اللي والله يا شيخة لسه ما خلفتهمش إني ما قصدتش مش هتصدقيني.
فيراها تضرب الأرض بقدمها بغضب تقول:
– بارد.
لتهب للانصراف إلا أن يده أوقفتها يقول:
– استنى بس متبقيش حنبلية كده.
فترفع حاجبها وتمرر نظرها بينه وبين يده:
– شيل إيدك.
يقول معتذراً:
– صدقيني أنا آسف جداً والله على حصل ده.
– أصرفها منين بقى؟
– هي إيه؟
قالها يامن بغباء، لتجيبه تقى بغيظ:
– يعني بارد وغبي كمان أوف.
– بقولك إيه نحترم نفسنا كده عشان اليوم يعدي.. أنا اعتذرت ومستعد أصلح غلطتي وأساعدك.
– هتساعدني إزاي يا فيلسوف عصرك؟
– بتتريقي؟ ماشي.. عموماً عندك حل من الاتنين يا إما تخرجي بمنظرك ده.. يا إما تيجي معايا فوق تقلعي.
تقى بصدمة:
– نعم؟ أنت قليل الأدب.
ليصحح حديثه بسرعة:
– أقصد تقلعي الفستان وتلبسي غيره من عند البنات.. وصدقيني أنا عايز أساعد مش أكتر.
تقى بتفكير مع خوفها منه تقول:
– طيب ماشي.
يصعدا معاً الدرج فيزداد خوفها منه.
لم تكن تعلم من هو حتى الآن، فتراه يتجه إلى حجرة بعينها يحاول فتحها فيجدها مغلقة من الداخل ويقول:
– شكل ملك جوه وقافلة على نفسها كده، ما قدامناش غير غزل.
ويتجه إلى غرفة غزل يفتحها ويدعوها للدخول قائلاً:
– في حمام جوه الأوضة، واعتقد مقاسها هيناسبك، ممكن تغيري بحاجة من عندها.
فتشاهده يقوم بالإشارة إلى المفتاح بالباب يقول:
– اقفلي الباب عليكي من جوه عشان تطمني أكتر، وأنا هنتظرك بره.
لتهز رأسها بصمت ذاهلة منه. فتسمعه يقول:
– أنا معرفتكيش بنفسي، أنا يامن الشافعي أخو ملك ويوسف.
مياه مثلجة سقطت فوق رأسها، أيعقل أنها تقف أمام أخيه؟ أخيه الذي يختلف عنه بكل الدرجات.
أما عنها فرفعت أنفها بكبرياء تقول:
– وأنا تقى أخت محمد وغزل.
ثم تغلق الباب بوجه من يقف مصدوماً من كلماتها.
***
وقفت أمام المسبح حافية القدمين بفستانها الجذاب، ممسكة بحذائها بيدها، تاركة الحفل بمدعويه، فهي لم تعتد على مثل هذه التجمعات.
تشرد في أيامها كيف تبدلت من حال إلى حال.
تشعر بخطوات رجولية تتجه إليها باتزان، وعطره القوي يسبقه، فتنهد بملل. إلى متى سيظل يلاحقها؟ ألم يمل من ذلك؟
يقول باتزان:
– مبروك!
لم تتفاجأ بوجوده، ولم تنظر إليه وتجيبه بدون النظر إليه:
– على إيه؟ على العملية ولا على الشركة؟
– الاثنين.
تهرب منه وتحاول التحرك بالمرور من جواره قائلة:
– شكراً.
يوقفها بكلماته:
– مش هتاخدي هديتك؟ فتتوقف تنظر إليه.
تراه يخرج يده من جيبه، يرفعها أمام عينها ليتدلى سلسالها من بين أصابعه يقول:
– سلسلتك! لقيتها في أوضتي.
تتسارع أنفاسها وتمرر نظرها بينه وبين سلسالها وتصرخ غاضبة وهي تدفعه من صدره:
– أنت مش بني آدم.. أكيد مش بني آدم.. أنت شيطان.
فيقوم بتثبيت يده فوق صدره متوسلاً إياها:
– إيه اللي حصل بينا يا غزل؟ ريحيني وقوليلي.. في حاجة حصلت بينا؟ أنا مش قادر افتكر حاجة.
تحاول التخلص منه بدفعه عنه، فيقوم بضمها لصدره أكثر لتهدئتها:
– أرجوك.. صرحيني.. أنا ضميري بيعذبني.. أنا آذيتك؟ ماتخافيش لو حاجة حصلت أنا مستعد أصلح الغلط ده بس ريحيني!
فيشعر بعد كلماته الأخيرة سكون جسدها للحظة، وترفع وجهها لتواجه عينيه تقول بصوت ميت:
– وترضى على نفسك تجوز واحدة معاقة؟ كانت خرسا وطرشا! هتوافق تتجوز واحدة تربية حواري.. مش من النوع اللي بتحبه.
ينظر لها بذهول من كلماتها، كيف علمت؟ كيف علمت أنه قال هذه الكلمات عنها من قبل؟ وقبل أن ينطق قامت بدفعه عنها بقوة ليتراجع خطوتين وتشير إليه بسبابتها:
– اطمن يا يوسف بيه.. مافيش حاجة حصلت.. بينا. ربنا أنقذني منك عشان عارف إني أنضف من إن إيدك القذرة دي تلمسني.. ريح ضميرك ونيمه، أنت مش مضطر تصلح غلطك.
يحاول الاقتراب منها مبرراً ما سمعه من كلمات قاسية عنها:
– غزل ارجوكي تسمعيني، اللي انت سمعتيه كله غلط في غلط.
تتراجع خطواتها محذرة إياه:
– ابعد عني ومتقربليش.. ابعد.
يحاول الاقتراب ببطء ليبرر لها وهي تصر على عدم الاستماع أو الاقتراب، فيصرخ فجأة بها:
– حاااااسبي!
فيشاهدها تسقط أمامه في المياه وتشل أطرافه عن الحركة، ويظل واقفاً ناظراً للمياه بأنفاس متسارعة منتظراً صعودها.. ليجد من يدفعه ويقفز خلفها صارخاً بوجهه:
– مابتعرفش تعوووووم.
لحظة اثنتين لم يجد نفسه قادراً على الوقف، ليهبط على ركبتيه بصدمة منتظراً خروجهما بأنفاس متسارعة وعيون جاحظة ويهمس باسمها لنفسه بخوف.. غزل.. غزل.
يشاهد ظهور أخيه من المياه ممسكاً إياها، فينتفض لمساعدته لإخراجها وتسطيحها أرضاً، ولكنها ساكنة لا تتحرك، فيناديها برجاء:
– غزل! غزل! هي مش بترد ليه.
لم يجبه يامن، ويراه يقوم بالضغط على صدرها عدة ضغطات متتالية محاولاً منه إخراج المياه من رئتيها بقوة، وتقريب فمه لفمها للقيام بالتنفس الصناعي لها تحت صدمته.. فتشهق لتخرج كمية المياه من جوفها لتسعل بعدها بقوة.
ويشاهد أخاه يرفع رأسها محدثاً إياها:
– غزل! أنت سمعاني.. غزل! أنت كويسة ماتخافيش.
وعندما يلاحظ فتح أعينها يندفع ليمسك كفها محاولاً بث الدفء لها يقول برجاء:
– أنا مكنتش اقصد.
ويسرع لخلع سترته يحيطها بها لمساعدتها على التدفئة، فتدفن وجهها بصدر يامن غير قادرة على الحديث.. فتمتد ذراع يوسف محاولاً حملها قائلاً:
– ساعدني.. نطلعها أوضتها من الباب اللي ورا.
فترفض مساعدته لها متشبثة بصدر يامن:
– يامن! طلعني فوق.
ليشاهد أخاه يحاول اسنادها تحت أنظاره المصدومة حتى اختفيا من حيز رؤيته.
***
قبل الأحداث بنصف الساعة.
داخل حجرة ملك تقف وسط الغرفة وهاتفها على أذنها تقول:
– شفت يا جاسر اللي حصل.. عمي كتب نسبة كبيرة لغزل.. أنا خايفة من اللي جاي.
جاسر بعقلانية:
– أنا مش فاهم أنت وأخوكي مهتمين بالموضوع أوي كده.. طبيعي إن عمك يحاول يعوض بنته اللي اتحرم منها سنين.
وكمان تعالي هنا.. أنت اللي يخوفك منا جنبك ولا أنت شايفني قليل في البلد.. أنا جاسر الصياد يا ملك ولا نسيتي.
ملك بضيق:
– أنت مش هتحميني لو اترميت في الشارع.
– ملك!
كلمة واحدة كانت كفيلة بإخرسها ليكمل بغضب منها:
– أنت شكلك نسيتي إنك مراتي.. ولو حابب أجي أجيبك من شعرك وأحطك في بيتي في أي وقت هعملها.. بس أنا صابر على أخوكي.
لتسمع صوت فتح بابها الذي أغلقته بعد دخولها، فتهمس له:
– جاسر اقفل هكلمك بعدين.
***
تحت إشاعة الشمس الدافئة ونسمات الصباح وقفت وسط حديقة المنزل الخضراء في راحة غريبة وسعادة تملكتها، فتطاير خصلاتها حولها في لوحة فنية خلابة.. ليتبدل الجو فجأة إلى غيوم داكنة تغطي السماء الزرقاء مع بداية هطول قطرات الأمطار فتشعر بالبرودة مع ابتلالها فتضم نفسها بقوة تستمد الدفء من حالها، في حين التفاتها تصطدم بجدار بشري صلب لتجده يوسف.. ينظر إليها نظرات مبهمة غير قادرة على تفسيرها، ملامحه غريبة عليها، يظهر عليها الشراسة، عيونه مختلفة يلونها الاحمرار، لتجده يجذبها من معصمها بابتسامة باردة خلفه اتجاه البيت. فتحاول تحرير يدها منه ومنعه من سحبها للداخل، ولكن كانت مقاومتها بالنسبة له مقاومة نملة لفيل، لتصرخ به أن يتركها.. حتى اقترب من البيت وبدأت ملامحه يزدادها سواداً كأن شيطاناً تلبسه، لتطلق صرخة مدوية.
تنتفض بعدها فتح أعينها لتجد حالها بفراشها متعرقة، يزداد ألم جسدها وارتعاشه، تشعر بابتلال ملابسها والبرد الشديدة، فتتلحف بغطائها وتعود لأحلامها مرة أخرى.
***
في مكان آخر كان يجلس بشرفته يجافيه النوم يفكر بها يتذكر حديثها معه.. كيف أراحه اعترافها بأنه لم يلمسها ولم يصيبها أذى منه.. ليهدأ قلبه الموجوع.. ويفكر في إجرائها لعملية أذنها وكيف كان يتمنى أن يكون بجوارها في مثل هذه الظروف.. ليسقط قلبه بين أقدامه عند سماعه لصراخها المدوي، فينتفض من جلسته مهرولاً خارج حجرتها قاصداً حجرتها ليجدها مغلقة الباب من الداخل كعادتها.
ليعود مرة أخرى لحجرته مفكراً ماذا يفعل؟ لما صرخت هذه الصرخة؟ فتأتي فكرة برأسه.. ليهرول اتجاه شرفته ليقوم بقياس المسافة الفاصلة بينه وبين شرفتها، لقد عزم على الدخول إليها من خلالها حتى يطمئن عليها.
ويعد نجاحه في القفز لشرفتها المجاورة له، سعد أنها لم تغلق باب الشرفة من الداخل.. ليدخل حجرتها بهدوء وخطوات متزنة حتى لا يصدر صوتاً، فهو يريد الاطمئنان فقط، ثم يعود مرة أخرى لغرفته ليجدها داخل فراشها ملتفة بغطائها، فيلقي عليها نظرة ويتجه للعودة مرة أخرى.. فيتوقف عن الحركة عندما سمعها تهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة ليعقد حاجبيه عائداً مرة أخرى يحاول فهم ما تقوله.. ليجد اهتزاز جسدها وتعرق وجهها بشدة، فيحاول مسح عرقها عن جبينها ليصعق عندما اكتشف ارتفاع درجة حرارتها بشدة.
يقف لا يعرف ما عليه فعله.. هل يطلب المساعدة من أخيه؟ لا لا سيسأله كيف دخل حجرتها.. فيقترب منها محاولاً إيقاظها ليجدها تفتح عينيها وتغلقها مرة أخرى، فيقول بصوت متلهف:
– غزل.. غزل أنت صاحية.. حاسة بحاجة؟
فيقترب أكثر محاولاً إيقاظها حتى تستطيع السيطرة على حرارتها ويقوم بهزها ولكنها لا تستجيب له، فدرجة حرارته زادت من قلقه عليها.. فيصر على إيقاظها ويقوم بإزاحة الغطاء عنها ليجد ابتلال ملابسها بشدة نتيجة التعرق، فيزفر بقوة مع إشاحة وجهه عنها يحاول تمالك حاله من ملابسها المكونة من سروال قصير وقميص قطني مكشوف، فيحاول تمالك أعصابه ويعزم على شيء ما.
يقف يحيط بها بذراعيه يحاول اسنادها داخل حوض الاستحمام يقول:
– غزل.. حاولي تتحملي المياه شوية.
ليفتح المياه وتتساقط فوق جسدهما معاً، فتنتفض نتيجة برودة المياه وتتشبث به هاربة من المياه ويضمها أكثر إلى صدره هامساً ببعض الكلمات لتهدئتها، ولكنها في عالم آخر.. فعندما لاحظ انخفاض حرارتها قام بحملها للعودة بها إلى الغرفة، فيسطحها على حافة الفراش ويقف مفكراً كيف ستبدل ملابسها.. لم يفكر في هذه الخطوة.. فيحك رأسه المبتل مفكراً، يجب عليها الاستيقاظ لتبديل ملابسها.. فيقترب منها ويقوم بإيقاظها لعلها تستجيب.. بعد محاولات باءت بالفشل.. قام بتغطيتها جيداً ثم جلب ملابسها النظيفة من خزانتها ليقوم هو بهذه المهمة من أسفل الغطاء محاولاً عدم كشف جسدها أو النظر إليه، فمن المؤكد عند تستيقظ وتعرف أنه قام بذلك.. ستكرهه أكثر وأكثر.
بعد الانتهاء من هذه المهمة القاتلة بالنسبة إليه كان يحارب نفسه حتى لا ينظر إليها والمحافظة على عدم المساس بها.. ذهب إلى غرفته وقام بتبديل ملابسه المبتلة ورجع مرة أخرى إليها بكوب من أعشاب البرد الساخن.
جلس بجوارها سانداً ظهرها إلى صدره يحاول إفاقتها من نومها.. وبعد نجاحه هذه المرة همس لها في أذنها برقة جديدة غريبة عليه مشتمًا رائحتها باستمتاع:
– أنت إيه اللي جابك عندي؟ ودخلت إزاي؟
فيمد يده يحمل الكوب ويقربه من شفاها يحثها على تناوله، بعد الانتهاء قالت:
– عايزة أنام.. جسمي بيوجعني.
يوسف ملبياً رغبتها:
– هنيمك بس استني لحظة.. في حاجة لازم تتعمل الأول.
تراه يجلب منشفة جافة صغيرة ويجلس مرة أخرى خلفها ويقوم بتجفيف خصلاتها المبتلة قائلاً:
– لازم شعرك ينشف الأول عشان ماتبرديش.
وتراه بعد انتهائه ساعدها على تسطحها فوق الفراش ليدثرها جيداً بغطائها.
وتسمعه يقول بتوتر:
– نامي يا غزل.. أنا هفضل جنبك لحد ما تنامي.
كانت تحمل بصدرها الكثير من الأسئلة.. ولكنها غير قادرة على المجادلة معه.. لتنعم بالنوم الآن وتجادله غداً.
بعد لحظات لاحظ انغلاق عينيها وتعمقها في نومها.. ليبتسم على سذاجتها.
كيف تأمن على نفسها معه بعدما صدر منه أفعال مشينة اتجاهها؟ هل حان الوقت ليصحح أخطائه؟
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
بعد الانتهاء من هذه المهمة القاتلة بالنسبة إليه كان يحارب نفسه حتى لا ينظر إليها والمحافظة على عدم المساس بها.
ذهب إلى غرفته وقام بتبديل ملابسه المبتلة ورجع مرة أخرى إليها بكوب من أعشاب البرد الساخن.
جلس بجوارها مسندًا ظهرها إلى صدره يحاول إفاقتها من نومها.
وبعد نجاحه هذه المرة همس لها برقة جديدة غريبة عليه مشتمًا رائحتها باستمتاع:
"غزل! قومي عشان تشربي الأعشاب دي هتريحك."
لتعقد حاجبها بتعب غير قادرة على المقاومة تقول بإرهاق:
"أنت إيه اللي جابك عندي؟ ودخلت إزاي؟"
فيمد يده يحمل الكوب ويقربه من شفاها يحثها على تناوله.
بعد الانتهاء قالت:
"عايزة أنام. جسمي بيوجعني."
يوسف ملبيًا رغبتها:
"هنيمك بس استني لحظة. في حاجة لازم تتعمل الأول."
تراه يجلب منشفة جافة صغيرة ويجلس مرة أخرى خلفها ويقوم بتجفيف خصلاتها المبتلة قائلًا:
"لازم شعرك ينشف الأول عشان مبترديش."
وتراه بعد انتهائه ساعدها على تسطحها فوق الفراش ليدثرها جيدًا بغطائها.
وتسمعه يقول بتوتر:
"نامي يا غزل. أنا هفضل جنبك لحد ما تنامي."
كانت تحمل بصدرها الكثير من الأسئلة.
ولكنها غير قادرة على المجادلة معه.
لتنعم بالنوم الآن وتجادله غدًا.
بعد لحظات لاحظ انغلاق عينيها وتعمقها في نومها.
ليبتسم على سذاجتها.
كيف تأمن على نفسها معه بعدما صدر منه أفعال مشينة اتجاهها؟
هل حان الوقت ليصحح أخطائه؟
في الصباح.
تململت بإرهاق شديد لا تعلم سبب ألم جسدها ورأسها.
تشعر بثقل شديد حول جسدها.
حاولت التحرك وفشلت.
لتبدأ في فتح أعينها بتعب وتشعر بشيء ما يقيدها من خصرها.
لتحرك رأسها لترى ما الشيء الذي يقيدها.
فارتعبت من رؤيتها له نائمًا بجوارها محتضنًا خصرها بذراعه.
لتمرر نظرها بينه وبين ذراعه بخوف وارتعاش وتسحب بعنف غطائها ليحميها منه.
عند انتفاضتها بدأ يشعر باستيقاظها ليفتح عينيه الناعسة يواجهها وعلي وجهه ابتسامة خلابة يقول:
"صباح الخير!"
تنظر إليه بذهول محدثة حالها: "صباح الخير! أي صباح؟ وهو ينام بجواري فوق فراشي، كأنه أمر مسلم به. ما هذه الوقاحة؟"
كأنه سمع صوت تفكيرها فبدأ بالاعتدال في نومته دون تحرير ذراعه من خصرها يقول وعلى وجهه نفس الابتسامة:
"أنت كنت تعبانة امبارح بليل. من الواضح جالك برد بسبب وقوعك في حمام السباحة."
فتشعر بذراعه يحررها وهو يخرج من الفراش:
"أنا هقول لهناء تعملك شوربة خضار وماتسبيش سريرك النهاردة."
تفيق من صدمتها تقول بغضب:
"أنت إزاي دخلت أوضتي؟ مين سمحلك كدة؟ وإزاي أصحى ألاقيك في سريري.. أنت هتفضل طول عمرك وقح و..."
"وقح وقليل الأدب وبارد. وريحتك لا تطاق."
قالها يوسف ببرود وعلي وجهه ابتسامة لم تترك شفتاه.
تتعجب من كلماته التي أطلقتها عليه من قبل.
ماذا لو علم بالاسم الذي سجلته به على هاتفها "البذيء قاطع الأنفاس"؟
فتشاهده يتحرك باتجاه الشرفة لتعقد حاجبها تقول:
"أنت رايح فين؟ الباب من هنا."
"أنا هخرج من مكان ما دخلت."
قالها بثقة.
"أنت دخلت من هنا؟ أنت اتجننت؟ إزاي تسمح لنفسك تدخل عليا وأنا نايمة ووو..."
فتسقط عينها على ملابسها لتتسع أعينها.
فهذه الملابس لم ترتديها من قبل.
كانت موجودة بخزانتها ولم تجرب ارتدائها قبل ذلك.
لتدفع عقلها إشارة بالخطر ويدور في عقلها الظنون وآلاف السيناريوهات المخلة.
فتقفز ملذوعة من فراشها اتجاهه تمسكه من مقدمة ملابسه تقول ببكاء:
"أنت عملت إيه وأنا نايمة؟ مين غيرلي هدومي أنا مكنتش لابسة كده."
ظل ينظر إليها باستمتاع غريب عليه.
ويشم رائحتها المسكية بسبب قربها.
ويرفع كفيه يمسك كفيها الممسكين به يقول بهدوء:
"هتصدقيني لو قولتلك إنك كنت تعبانة أوي امبارح وبتخرفي بسبب السخونية واضطريت أدخلك تحت الميه."
"أنت اللي..."
"هتصدقيني لو قولتلك إن غيرتلك هدومك من غير ما ألمسك حتى؟"
تشعر بالغضب الشديد والضيق.
"قالوا للشيطان احلف."
"للدرجة دي شايفاني سيء. شيطان بالنسبة لك؟ عمومًا..."
قطع حديثهما طرق على الباب وصوت يامن من الخارج يطلب منها الفتح.
لتلطم وجنتها بكفيها في حركة أنثوية جديدة عليه تقول بخوف:
"يامن بره. اتفضحت. هيقول إيه لما يعرف إنك بايت معايا هنا."
"شششش. اسكتي. أنا هخرج من هنا ومحدش هيحس. فاهمة؟"
"لا لا. هتقع. استنى أخرج من الباب."
"شششش. مع السلامة."
تركها شاردة في خروجه تقول:
"إيه الجنان ده ياربي..."
ظلت مستلقية على فراشها بملل.
لم يسمح لها أحد بالتحرك من الفراش بعد انتشار خبر مرضها بالمكان.
ظلت مستلقية تتلاعب بهاتفها.
فمنذ قليل جاءها اتصال من سوزان سبب لها الكثير من القلق والضيق.
لقد علمت منها أنها سافرت لأهلها بالصعيد وقدمت على إجازة غير محددة.
وبعد إلحاحها لمعرفة السبب علمت الهدف الأساسي لسفرها.
بسبب تقدم ابن عمتها لها وسفرها تحت إطار التعارف.
صدمتها هذه الأخبار.
لقد كانت تعلم نية محمد اتجاه سوزان.
لتعرف بعدها ضيقها منه بسبب عدم اتخاذه لأي خطوات جدية في ارتباطهما.
هي تعلم أنه عيب بشخصيته.
عيب التردد في اتخاذ القرارات.
ليدخل عليها يامن يجلس على حافة فراشها:
"غزل البنات عاملة إيه؟"
لتضحك بقوة قائلة:
"دي المرة الكام بقى تسألني السؤال ده. أنت كل خمس دقايق تدخل تسألني."
ضحكت غزل بعد كلمتها الأخيرة فقال يامن بحزن مصطنع:
"الحق عليا بطمن عليكي. مالكيش في الطيب."
"لا يا دكتور إحنا نقدر. اطمن براحتك."
تتذكر شيئًا أرادت سؤاله عنها فقالت:
"يامن! سألتك قبل كده عن سبب الخلاف بينك وبين يوسف. وعدتني إنك هتقول لي."
ليتنهد بقوة:
"الحكاية قديمة أوي. سببت شرخ في علاقتنا. الحكاية ببساطة إني اتعرفت في يوم على بنت في الجامعة كانت من دفعتي. حبيتها جدا وكنت ناوي أخطبها. في يوم خرجنا مع بعض إحنا الاتنين وقابلنا يوسف."
"ساعتها ما حسيتش بارتباكها ولا رد فعل يوسف. سلم علينا بهدوء ومشي."
"بعد ما رجعت لقيته مستنيني. وفضل يحقق معايا. البنت تعرفها منين؟ وإيه اللي بينكم؟ وهكذا. وفجأة لقيته بيقولي إبعد عنها وأنها بنت مش كويسة."
"طبعًا اتخانقنا وسيبت البيت مدة."
"بعد مدة لقيتها اتغيرت معايا. مبقتش ترد عليا ولا عايزة نتقابل وبتحجج بالدراسة. بدأت أشك. اتفاجأت في يوم برسالة منه وبيقولي أروحه على عنوان شقته."
"ورحت لقيتها هي اللي بتفتحلي الباب بقميص النوم."
"طبعًا ثرت وضربته وضربني وفضلنا من ساعتها مقاطعين بعض."
غزل بضيق:
"وبتقولي طيب وغلبان. لو مكنش طيب كان عمل فيك إيه؟"
"لا. لا هو فعلًا مغلطش. أنا اكتشفت بعد كده إن أخلاقها مش تمام."
"وأنه قبل كده شافها مع حد. وحاول طبعًا يجذبها ليه. وهي ما صدقت."
"ويوم ما شوفتها عنده كان بتخطيطه عشان أشوفها بعيني مادام مش مصدقة."
غزل بحيرة:
"يعني هو كان بيساعدك؟ طيب ليه الخلاف بقى مادام تأكدت إنه كان عايز مصلحتك وطلع عنده حق."
"صعب يا غزل عليا إني أشوف أول حب في حياتي في حضن أخويا. كان ممكن يلاقي حل غير كده. أنا حسيت إن رجولتي اتجرحت منه. ومش قادر أنساله اللي عمله. آه هو حاول يبين لي الحقيقة بس المواجهة كانت صعبة."
غزل بتساؤل:
"عملت إيه بعدها؟"
يامن بابتسامة حزينة:
"فضلت مقاطعه سنة كاملة. ودي كانت آخر سنة ليا في الجامعة بعدها انفصلت عنهم. وسافرت زي ما أنت شايفة. عشان كده بقولك إن يوسف غبي مع اللي حواليه وخصوصًا اللي بيحبهم. بس قلبه أبيض. كلمة بتهديه."
غزل بلامبالاة:
"طيب. شرير. لنفسه. أنا ما يخصنيش."
يامن يضيق عينيه بمكر:
"مممم طيب. عمومًا أحب أقولك أخويا العزيز واقع على بوزه ومحدش سمى عليه."
فتعقد حاجبها بعدم فهم:
"يعني إيه؟"
يامن يرفع عينه للسقف بفقدان صبر:
"ياربي. مافيش حد طالعلي لمحة. أقولك؟ هسيبك تفهمي براحتك يا عروسة."
ويقوم بقرصها من وجنتيها كالأطفال.
"أنا مش مصدقة اللي بسمعه. أنت يوسف أخويا اللي أعرفه اللي بيقول كده. خلاص مش همك اللي عمك عمله."
قالتها ملك بغضب.
يوسف وهو يجلس خلف مكتبها رافعًا ساقيه فوق المكتب يتلاعب بالأقلام:
"أنا مش شايف سبب لعصبيتك دي. عمي حقه يكتب لبنته اللي هو عايزه. ماتنسيش إن ماليش في الشركة ومع ذلك كان كاتبلي نسبة فيها قبل ظهورها."
ملك بذهول:
"أنت سمعت بودانك مخططها وده أول الطريق."
يوسف بعقلانية:
"ملك حبيبتي. ده حقها وهي الوريثة الوحيدة لعمي. مانقدرش نتكلم في حاجة زي دي."
لتضيق عينيها بتفكير:
"سحرتك؟ أكيد سحرتك. ماهي من ساعة ما رجعت والكل حوليها. حتى يامن أخوك مش سائل فيا. تقى كان عندها حق."
يوسف بحدة:
"ملك! سيرة البت دي بقت تعصبني. وياريت اقطعي معاها. هي كلامها مش نازل من السماء."
ملك بعدم استيعاب:
"لا."
لا أكيد في حاجة غلط.
– الغلط ياملك اننا نفكر نحرمها من حقها الشرعي ..احنا مش جعانين ومش ظلمة وآكلين حقوق.
ملك بسخرية:
– من أمتى؟
ليصرخ بوجهها يخرسها:
– ومن امتى وانا باكل حقوق حد؟
لتبتلع ريقها بتوتر من صراخه، نعم.. ليست هذه اخلاقهم الذي تربوا عليها.
ملك بفضول:
– يوسف! هو أنت.. أنت في حاجة من ناحيتك لغزل.. أصل شيفاك متغير معاها وبتدافع عنها كتير.
يوسف بتوتر محاولًا الهروب من الإجابة:
– لا.. أبدًا، حاجة إيه؟ خليكي بس كويسة معاها هي مافيش حد هنا تتكلم معاه وانتوا بنات زي بعض حاولي تشيلي الحاجز اللي احنا بنيناه هي بردوا بنت عمنا ومن دمنا.
ملك بعدم اقتناع:
– هحاول يايوسف.
……………….
تلقي بالقلم بضيق وتقوم بفرد ذراعيها محاولة منها لفك عضلات ظهرها من التيبس.. فهي على نفس الحال منذ شهرًا.. الكثير من الأوراق والملفات التي وجدت صعوبة في فهمها بالبداية حتى اعتادت الأمر بفضله.. كان يتابع معها كل كبيرة وصغيرة.. لم يمل أبدا ولم يتقاعس عن مساعدتها.. تتذكر اليوم الأول الذي دخلت فيه مكتبه بدون علما منه مسبقا ليتفاجأ لوجودها داخل مكتبه لتظهر عليه الصدمة ثم للدهشة ويليها السعادة.. كانت تظن انه سيكره وجودها بجواره بالشركة.. لتجده مرحبا بها ترحيبا حارا بالبداية كانت تعمل معه بحذر شديد خوفا من سلوكه وخلفياتها السابقة عنه.. ولكن فاجأها تغيره، لقد اصبح مهذبًا يتعامل معها بحذر لا يتعدى حدود العمل.. حتى الحوارت الجانبية خارج العمل أمتنع عنها ..بعد انتهائها من الشركة يعود بها ليصعد غرفته لا يخرج منها الا اليوم التالي.
فترفع اعينها لتجده يراقب تحركاتها ولكن بنظرة مختلفة عن نظراته الوقحة لا تعرف تفسيرها، فتسمعه يقول:
– شايفك تعبتي.. ماجوعتيش؟
لتجيبه بدون النظر إليه:
– لا ..مش جعانة.
يوسف بلوم :
– مش معقول ياغزل.. هتفضلي اكتر من تمن ساعات من غير اكل وتقولي مش جعانة ويوم ما ضغطت عليكي اكلتي ساندونش؟ شوفي بقي أنا ميت من الجوع وعايزك تفتحي نفسي.. ايه رأيك نروح نتغدى النهاردة برة المكتب وكمان في موضوع عايز أكلمك فيه.
ظهر التردد على وجهها وكادت ان ترفض فقال:
– مش هقبل رفض على فكرة.
…….
تجلس أمامه علي طاولة المطعم غير مصدقة انها شاركته الغداء.. لتكتشف أنها كانت تشعر بالجوع الشديد.. فعندما وضع الطعام التهمته بشراهة ليبتسم بسعادة لحالها.
لتسمعه يقول:
– تصدقي ياغزل إن في حاجات كتير ما اعرفهاش عنك.
اجيبه بسخرية:
– معقول يوسف الشافعي في حاجة ميعرفهاش.
– مش يمكن عايز اسمع منك؟
غزل برسمية :
– اسأل وأنا اجاوب.
فتشاهده يسند ذراعيه ويميل بجزعه للأمام يقول:
– بما ان اعرف انك انت وبيسان كنتوا مش بتشتكوا من علة.. إيه اللي حصلك.. يعني ازاي فقدتي النطق والسمع مع بعض.
لتتسأل :
– مين قالك إني فقدتهم مع بعض؟ أنا كنت كويسة جدا ..لحد اليوم اللي جه فيه بابا واتخانق معاها وخطف بيسان ..يومها كنت عند خالتي صفًا ..وفجأة سمعنا صوت ضرب وصواريخ ..فخرجوا يطمنوا علي مكان الضرب لقوا بيت أمي مضروب ومكنوش يعرفوا أني جريت خرجت وراهم ..فضلت اصرخ اصرخ بانهيار ..تاني يوم الصبح صحيت لقيت نفسي مش بتكلم ..الدكاترة قالوا صدمة.
ليسألها مرة أخرى:
– طيب والسمع؟
"فضلنا مدة كبيره بنعاني من ضرب الرصاص والقنابل والصواريخ وفي مرة كان الضرب شديد عن أي يوم وقريب من مكانًا للأسف ساعتها اضرب جنبنا صاروخ اثر على سمعي سعتها.
لترى في عينيه نظرة حزن غريبة ليقول بهمس:
– أنا اسف ..اسف لو كنت جرحتك في يوم ..بتمنى تسامحيني.
لتغير مجرى الحوار:
– ممكن بقى أسألك أنا ؟ انت شوفت بيسان اختى؟
لتلاحظ ابتسامة شقت شفتاه:
– نسخة منك.. متأكد لو عايشة معانا كانت هتبقى نسخة منك ..بس كانت هتبقى شقية عنك.
لتبتسم بسبب كلماته تقول :
– ماتت ازاي؟
– لما عمي رجع بيها كانت ساعتها بتعاني من حمى شديدة فضلت فيها مدة كبيرة لحد ماتوفت ..تخيلي رغم تعبها كانت بتفضل تتنطط زي مايكون كانت حاسة ان أيامها معدودة.
…….
فتراه يمد يده يمسك كف يدها بنعومة يقول:
– غزل! أنا عايز اعترفلك اعتراف بس خايف ماتحسيش بيا …أنا عارف أني ضايقتك كتير اوي …بس ..بس…
لم يستطع تكملة كلماته تحت ذهولها لتجده يدخل يده الحرة اللي جيب بدلته يخرج منها علبة صغيرة مخملية فيفتحها أمام ذهولها لتجد ما صلب جسدها
فيقول بصوت مهتز:
– تقبلي تتجوزيني؟
…………
يجلس بالسيارة يقبض علي مقودها بعصبية.. لما تحاول اذلاله.. لقد اخطأ كثيرا نعم اخطأ في حقها.. ولكنه لم يتوقع رد فعلها علي عرضه ..كان يتمنى ان يسمع موافقتها عليه.. ولكنها أشعلت ناره اكتفت بالتهرب وطلب الانصراف دون ابداء أي كلمة لهذا الموضوع الهام.. كأنه سألها عن لون ملابسها المفضل.. ليضرب المقود بقبضته بغضب فيشعر بانكماشها خوفا ممن.. يحاول ان يهدأ حاله لقد اتخذ قرارا من مدة انه سيغير طباعه وعاداته السيئة من اجلها هي فقط ..فهي تستحق رجلا بدون نزوات رجلا ملتزما ..لقد امتنع منذ فترة بعيدة عن الشرب بعد ماتسببه الشرب في إفقاده عقله وتهوره معها.
ليقول بصوت متزن :
– ممكن اعرف ساكتة ليه؟ انتِ حتى ماردتيش على طلبي.
فتخجل من عرضه الذي فاجأها به.. فهي تعلم انه يريدها ..يريد امتلاكها ..ومعجب بها ..لكن غير واثقة في إخلاصه وحبه لها.
فتجده يوقف السيارة على جانب الطريق يلتقط انفاسه المتسارعة ..ويضبط انفعالاته يقول بألم :
– أنت بتكرهيني مش كدة ..أنا عارف ان استاهل اي حاجة عايزة تعمليها ..بس الشيء الوحيد اللي مش هقدر عليه انك تكرهيني…
"يمسك كفوفها بيده متوسلا :
– أنت بتكرهيني؟!
تنظر في عينيه يؤلمها حاله هل هذا هو من ضربها بمكتبه من قبل من هددها وهدد الأقربين لها من اتهمها بالفُجر وطعن بأخلاقها من قبل ؟من أساء اليها ومن إعاقتها ؟
تقول بحزن:
– للأسف مش بعرف اكره حد مهما أذاني.. بس زي ما انا مش بعرف اكره.. برضوا مش بعرف احب اللي أذوني أنا آسفة.. لو رفضت طلبك.. أنا كل اللي بتمناه من الدنيا ان يوم مالاقي شريك حياتي ان أكون بحبه زي ماهو بيحبني.
يوسف بلهفة :
– مش يمكن تحبيه بعد ما تعاشريه وتعرفي هو قد ايه بيحبك.
تغمض عينيها بألم نتيجة الدوار الذي داهمها وتقول:
– ويمكن لا.. ايه اللي يخليك متأكد أني هحبه مع الأيام؟
ليلاحظ إغماض عينيها بقوة كأنها تحارب شيء..
-غزل! انت كويسة؟
قالها يوسف بخوف.
– نزلني بسرعة ..افتحلي الباب.
لينتفض من مكانه يخرج من السيارة بقلق وعند فتح الباب وجدها تنحني للأمام خارج السيارة تفرغ ما في معدتها وسط شهقاتها وارتعاشها فيقترب منها ممسكا إياه يحاول رفع شعرها بعيدًا عن وجهها مع وضع كف يده خلف ظهرها المحني.. وعند انتهائها قام بجلب زجاجة مياه من السيارة لينحني علي ركبته أمامها غير مباليًا بملابسه ليغسل وجهها بالمياه فتسمعه يقول بقلق:
– أنتِ كويسة.. أنا لازم واديكي المستشفى.
لتهز رأسها بالرفض تخبره بتعب:
– الحكاية مش مستاهلة.. يامن قالي انه طبيعي بعد العملية يجيلي دوخة وألم.
يوسف بلوم:
– ماقولتيش ليه انك تعبانة بالشكل ده ؟!..مكنتيش نزلتي النهاردة الشركة.
– صدقني الموضوع مش مستاهل ..دي اثار العملية.
ليهز رأسه متفهمًا ويقف أمامها محاولًا إسنادها وادخال ساقيها داخل السيارة.. وبعدها قام بفتح مقعدها لتستلقي عليه بجواره ليكون مسطحا مثل الفراش.. ويجلس خلف المقود ينظر إليها بخوف يحاول طمأنة نفسه فيجدها تغمض عينيها وتستسلم.. ظل يراقب شحوب وجهها ليزداد قلقه عليها.. فقام برفعها من كتفيها محاولًا إيقاظها ولكنها لم تستجب ليحتضنها بذراعه ويسند رأسها فوق صدره ..كانت من اجمل اللحظات لديه وهي مستسلمة بين ذراعيه فيرفع كف يدها يودعها قبلة لم يجد لها تفسير..ويريح كفها فوق صدره.
رائحته القوية داعبت انفها لتكتشف انها بين ذراعيه فتنتفض مبتعدة تحاول السيطرة على خجلها الذى لاحظه ..ليقول بجدية حتى يزيل عنها الحرج:
– انتِ لازم تروحي لدكتور دي تاني مرة اشوفك بالشكل ده ..وأنا هتصل بيامن بيرشحلنا دكتور لحد مايرجع من اجازته.
تهز رأسها بالرفض:
– صدقني انا كويسة.
ليهز رأسه بعدم اقتناع يركز نظره علي طريقة وعقله شارد يقول لحاله هل من الممكن ان تعطيه فرصة جديدة للبدأ معها ..أم كانت القاضي والجلاد واعلنت حكمها قبل المرافعة والدفاع.
عند وصولهما وقبل ان تهم بالخروج من السيارة امسك كفها يمنعها من التحرك ليقول بصوت يشوبه الرجاء :
– مادام مش بتكرهيني يبقى أكيد في أمل مش كدة؟…أدي لنفسك فرصة نعرف بعض من اول وجديد وسيبي نفسك وفكري قبل قرارك!
لتتهرب منه أعينها وتقول بتوتر:
– إن شاء الله ..سيبها لظروفها.
……
تسير بأروقة الشركة بسعادة ورضا ..جديدان عليها ..اول مرة وضعت قدمها داخل هذا الصرح لم كانت لتتخيل انها ستكون مالكة له …أما اليوم تشعر بالتصالح مع نفسها لقد تغيرت حياتها كثيرا في عدة اشهر قليلة .
اقتربت من حجرته أو بالأصح حجرتها لقد شاركته بها بعد ان رفض ان تكون لها غرفة خاصة بها لقد كان ديكتاتوريا لهذا القرار ارادها معه في كل لحظة تحت أعينه الصقرية ..لقد تغير كثيرا عن ذي قبل اصبح يهتم بكل تفاصيلها مع ملاحظاته التي لا يمل بها عن طريقة ملابسها تذكرت عندما هجم علي احد الموظفين بالشركة ولكمه بوجهه ووصل الأمر للتهديد بفصله عندما لمحه ينظر إلى ساقيها المنحوتين أسفل البنطال..
ليصرخ بوجهها بعد دفعها داخل الحجرة بأن تمتنع عن ارتداء مثل هذه الملابس، لتعدل بعدها طريقة ملابسها لما يناسب مكانتها الجديدة بملابس كلاسيكية عبارة عن تنورة ضيقة وسترة أسفلها قميصا حريريًا.
ليزداد غضبه من تنورتها التي تنحصر عند جلوسها ليظهر ركبتاها بوضوح.
لتضحك على ما تذكرته.
عندما فاض به الكيل، عندما استقلا المصعد كان يحاول العد التنازلي للإعداد حتى يسيطر على غضبه، لتتفاجأ به يعطل المصعد ويلتفت لها بغضب ينظر لتنورتها، ثم يمد يده اتجاهها ويقوم بجذبها للأسفل مع إطلاق السباب على هذا المصنع الذي ينتج مثل هذه التنورات القصيرة.
تذكرت أيضًا عندما وجدته يطرق على زجاج شرفتها كعادته، يحمل بين أحضانه عددًا من العطور الرجالية، لتفتح له بتساؤل ليجيبها أنه أحضر عددًا من العطور الرجولية لتختار له عطرًا مناسبًا غير الذي يستخدمه ويسبب لها ضيقًا.
فبعد استمرارها بالعمل معه اضطرت إخباره بمدى ضيقها من عطره النفاذ.
ليقوما معًا باختيار عطر رجولي جذاب يهدئ الأعصاب لها.
تصل إلى حجرتها مرورًا بالسكرتيرة الخاصة التي تم تعيينها مؤقتًا من قبل شادي حتى رجوع سوزان من إجازتها.
لا تعلم لما لا تريحها نظرات تلك نهى، لا ليس نظراتها فقط بل ملابسها وكثرة طلاء وجهها بأدوات التجميل أيضًا.
تأخذ نفسًا بثقة وتطرق الباب قبل الدخول.
عند دخولها قام يستقبلها كعادته بابتسامة خلابة، بل خلابة جدًا.
أصبحت تهيم بابتسامته الخلابة، الذي يخصها بها فقط.
ليقول بمداعبة:
– ربع ساعة تأخير؟ كده هتتعرضي لخصم، إحنا شركة محترمة.
غزل بتفكير:
– طيب مادام فيها خصم يبقى أمشي بها.
– تمشي! تمشي فين؟ أنا ما صدقت إنك وصلتي.
ليكمل بابتسامة رقيقة:
– غزل! مش ناوية تريحيني بقى وتغيري رأيك.
غزل بتوتر:
– مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا يوسف.
فتراه يمسك كفيها ويودعهما قبلتين يقول:
– لسه عندي أمل تغيري رأيك، أنتي ليه مش مصدقة إني بحبك؟
فتسحب كفيها من بين أصابعه بخجل.
فيضيق بصمتها ويتحرك مبتعدًا عنها يقول:
– أنا عارف إنك مش قادرة تنسي اللي عملته فيكي، وإنك مش قادرة تحبيني، أنا عاذرك، بس عايزك تعرفي إن وعدت نفسي إن دي آخر مرة هطلب منك ده، أوعدك مش هضايقك تاني.
فتخطو خطوات هادئة لتصل إليه وترفع يدها تلمس كتفه بهدوء:
– يوسف!
– خلاص يا غزل، مبقاش له لازمة الكلام.
– أنا موافقة.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السادس عشر 16 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تصل إلى حجرته مرورًا بالسكرتيرة الخاصة التي تم تعيينها مؤقتًا من قبل شادي حتى رجوع سوزان من إجازتها. لا تعلم لما لا تريحها نظرات تلك النهى.. لا نظراتها فقط بل ملابسها وكثرة طلاء وجهها بأدوات التجميل أيضًا.
تأخذ نفسًا بثقة وتطرق الباب قبل الدخول.
عند دخولها قام يستقبلها كعادته بابتسامة خلابة، بل خلابة جدًا. أصبحت تهيم بابتسامته الخلابة.
ليقول بمداعبة:
– ربع ساعة تأخير؟ كدة هتتعرضي لخصم.. احنا شركة محترمة.
غزل بتفكير:
– طيب مادام فيها خصم يبقى امشي بقى.
كادت أن تتحرك وجدته يمنعها يقول بلهفة:
– تمشي! تمشي فين؟ أنا ما صدقت إنك وصلتي.
ليكمل بابتسامة رقيقة:
– غزل! مش ناوية تريحيني بقى وتغيري رأيك.
غزل بتوتر:
– مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يايوسف.
فتراه يمسك كفيها ويودعهما قبلتين يقول:
– لسه عندي أمل تغيري رأيك.. انتِ ليه مش مصدقة إني بحبك؟
فتسحب كفيها من بين أصابعه بخجل. فيضيق بصمتها ويتحرك مبتعدًا عنها يقول:
– أنا عارف إنك مش قادرة تنسي اللي عملته فيكي، وأنك مش قادرة تحبيني.. أنا عاذرك، بس عايزك تعرفي إني وعدت نفسي إن دي آخر مرة هطلب منك ده.. أوعدك مش هضايقك تاني.
فتخطو خطوات هادئة لتصل إليه وترفع يدها تلمس كتفه بهدوء:
– يوسف!
– خلاص يا غزل.. مبقاش له لازمة الكلام.
– أنا موافقة.
فيلتفت منتفضًا غير مصدقًا سماعه لهاتين الكلمتين يقول بتوسل:
– انتِ قولتي إيه؟ أنا مسمعتش غلط صح؟
– أنا موافقة يايوسف.
فتراه يدور كالمجنون بالحجرة يبحث عن شيء يقول:
– أنا هكلم عمي.. لازم أرتب معاه ونحدد ميعاد الجواز.
– يوسف! مفيش جواز.
– يعني إيه؟
تأخذ نفسًا وتقول:
– أنا وافقت على خطوبة مش أكتر من كده.
– مفيش الكلام ده انتِ عايزة تجننيني! مافيش خطوبة.. جواز على طول.
تقف تضع يديها في خصرها تقول:
– خطوبة.
– جواز.
– خطوبة.
– جواز.
…………….
– بارك الله لكما وبارك عليكما.
جملة خرجت من فاه المأذون لتصدح بعدها زغاريد الاحتفال.
لتنظر إليه غير مصدقة لسرعة إتمامه للأمر لينتهي بعقد القران كحل وسط لنزاعهما. لقد كان حريصًا على تنفيذ رغبتها في عدم إتمام الزفاف واكتفى بعقد القران.
لتجده يقترب منها يساعدها على الوقوف تحت ذهولها ويطبع قبلة حانية فوق كفها ويليها قبله فوق جبينها يقول:
– مبروك يا حرمي المصون.
لتبتسم مع انحباس دموعها غير مصدقة لتبدل الأيام. عدوها أصبح زوجها.
فتجد اقتراب يامن يضرب فوق كتف أخيه مهنئًا له يقول:
– مبروك يايوسف.. بس خلي بالك غزل وراها رجالة أبقى فكر بس تزعلها.
ليتحرك يمد كفه اتجاه غزل مهنئًا لها وكادت تصافحه لتجد كف يوسف يقبع في كف أخيه قائلا ببرود:
– الله يبارك فيك.. غزل مابتسلمش على رجالة.
ليكتم يامن ضحكته على تصرف أخيه المجنون.
أما عنها لقد وقفت مبتعدة مراقبة للأحداث تشعر بألم في قلبها وحزنًا يعتليها رغم فرحتها لفرحة اختها ولكنها مرعوبة من نوايا يوسف اتجاهها. أرادت أكثر من مرة تنبيه غزل منه ولكنها كل مرة تصاب بالجبن ولا تستطع المواجهة. تدعو ربها أن يقيها شره وأن يكون بالفعل صادق النوايا معها.
تقترب بأرجل مهزوزة اتجاههم تحتضن غزل بقوة غريبة تريد حمايتها داخلها:
– مبروك يا غزل.. ربنا يتمم بخير.
فينتبه كلا من يوسف ويامن لها وكلا منهما يعتلي وجهه رد فعل مختلف.
– الله يبارك فيكي ياتقى.. عقبالك ياحبيبتي.
تتحرك لتواجهه بتوتر تهرب من نظرات عينه تقول:
– مبروك يابشمهندس.
فيجيبها بوجه جامد:
– الله يبارك فيكي.
وتتصرف تحت مراقبة شخص ما.
…………….
– مش هتباركيلي ياصفا؟ لسه قلبك أسود.
قالها ناجي بكبرياء لتضغط على عكازها:
– مبروك يا ناجي ..بس أتمنى مايطلعش ابن اخوك من عينتك ويبهدل بنات الناس معاه.
– يوسف ده تربيتي.. ومتخافيش هيحافظ على بنت عمه.
صفا بسخرية:
– لا أنا كده اطمنت على بنتك.. يا خوفي تنكوي بنفس النار اللي كويت بيها غيرك يا ناجى.. كله سلف ودين.
ليقبض قلبه من كلماتها البسيطة ويجد نفسه ينظر لهما بشرود خائف.
…………….
– مبروك يا غزل مبروك يايوسف.
– قالها محمد بمداعبة، لتقول غزل:
– مبروك يا محمد مع إنّي زعلانة منك.
– زعلانة!
تهز رأسها:
– مش عارفة هتفضل متردد لحد إمتى.. لحد ما الفرصة تروح من إيدك وترجع تندم.. أنا أقصد سوزان يامحمد.
لم يستطع الرد عليها في محقه لا يعلم لما يتحلى بهذا العيب:
– أنا مش عارف أوصلها ومش بترد على اتصالاتي.
غزل بتأثر لحاله:
– للأسف يامحمد سوزان خطوبتها على ابن عمتها الأسبوع الجاي.
يقف مصدومًا مما سمعه.. يرفض تصديق هذه الكلمات.
…………….
بعد تهنئتها لغزل فضلت الانسحاب عن الحفل لتشتم نسمات الهواء بحرية بعيدًا عن مراقبة عينه الصقرية الكارهة لها.
فتخطو خطواتها بفستانها الأخضر ذو الأكمام وكعبها العالي فوق الحشائش الخضراء الرطبة وهي شاردة في الأيام وما تفعلها.
…………….
أما عنه ابتعد عن صخب الحفل واضعًا هاتفه فوق أذنه يتواصل مع أحد الزملاء بالمشفى يحاول تمديد إجازته بعضًا من الوقت، مع متابعة بعض الحالات التي قام بإجراء لهم عمليات جراحية ليتبدل من يامن المرح ليامن العملي البحت.
وعند محاورته واندماجه بالحديث لاحظ من تسير على الحشائش بشرود تحت الإضاءة الخافتة ليضيق عينيه بتساؤل ماذا تفعل خارج الحفل؟
لتقع عينيه على شيء ما بارز، إنه أنبوب مسؤول عن الري أثناء سيرها.
يكاد ينبهها ليتفاجأ بسقوطها على وجهها أرضًا تحت ذهوله فيفيق من صدمته متوجهًا إليها بسرعة قائلًا:
– انتِ كويسـ…
ليتعثر هو الآخر بخرطوم مياه فيسقط فوقها.
ليقول وهو فوقها:
– ده أنا أمي دعيالي بقى؟
فيفيق على دفعها له بعصبية شديدة:
– اوعى يا بتاع انت.. أيه قلة الأدب دي؟
فيبتعد عنها دون الوقوف:
– أنا.. بتاع؟
وقليل الأدب؟
– أوف.. اوعى.
فتدفعه بقوة محاولة الوقوف أكثر من مرة بسبب تعثرها بفستانها الذي التف هو ساقها وكعب حذائها.
فيقف يرتب ملابسه بغرور ثم يمد يده اتجاهًا يقول:
– هاتي إيدك.
تظل ناظرة إلى يده برهبة حتى حركت كفها ليقبع بين أصابعه ويساعدها على الوقوف.
تقف ترتب فستانها بخجل من الموقف. ظن أنها لتتذكره فقد ساعدها من قبل على تبديل ملابسها.
لتهم مبتعدة عنه فتتوقف فجأة وتلتفت له تقول:
– شكرًا أنك ساعدتني يوم حفلة غزل يادكتور.. عن إذنك.
فتختفي تحت ذهوله يقول:
– افتكرتني ..افتكرتني.
……………
بعد الانتهاء من الحفلة دخلت حجرتها تجلس على حافة الفراش تنظر لخاتمها القابع بيدها اليسرى بإحساس جديد يدغدغها، لقد أصبحت اليوم زوجة يوسف الشافعي. فتقوم بخلع حذائها الذي سبب في ألم لا يحتمل لأصابع قدامها وتعزم على خلع فستانها لتنعم بحمام دافئ يريح جسدها من إرهاق اليوم.
بعد الانتهاء من حمامها اكتشفت نسيانها لملابسها فوق الفراش لتلتف بمنشفة كبيرة حول جسدها وعند خروجها ارتعبت من عدم وجود الإضاءة بالحجرة لتعقد حاجبها تقول:
– هو أنا قفلت النور قبل ما أدخل.
فتتحرك بخطوات بطيئة بسبب رعبها من الظلام تحاول إيجاد كبس الضوء فتبدأ بتحسس الجدران لتصل إليها. فتلامس أصابعها يد بشرية وسط الظلام لتطلق صرخة وتحاول الهروب ولكن يديه أحكمت عليها ليقول بصوت رجولي:
– ده أنا يا غزل.. يوسف! يخربيتك فضحتينا.
تردد بلهث:
– يوسف!
– هدي أنا ما أعرفش إنك خفيفة كده.. ضيعتي المفاجأة.
غزل بلوم:
– مفاجأة.. انت بتسمي الرعب ده مفاجأة.. حرام عليك.
لتصدح ضحكة خشنة:
– طيب استني أولع النور.
كاد أن يتحرك ليجدها تتشبث به برعب قائلة:
– وحياة ميتينك ما انت متحرك.
أطلق قهقهات عالية ثم قال:
– وحياة! ميتيني! الاتنين don’t mix” طيب تعالي معايا نشوف النور.
بعد إضاءة الضوء التفت اليها ليقف مبهورًا بصورتها ليقول بشرود:
– إنك لميت لا محالة.
– أنتِ بتستهبلي صح؟ خلتيني أولع النور وانتِ كده.. أنت عايزة تقتليني صح؟ طيب اروح انام ازاي دلوقت!
لتسأله بسذاجة:
– أنا عملت إيه؟
لم يستطع الوقوف مكانه ليقترب فجأة يحتضنها لصدره يقول:
– بتقولي عملتي إيه؟ انتِ هتموتيني بشكلك ده!
ليكمل بمكر:
– هو أنا قولتلك مبروك؟
لتهز رأسها بالموافقة.
ليقترب منها بابتسامة جذابة يضع يده داخل سرواله ويخرج منها سلسالها والسوار الماسي. ليرفع يدها ويزينه بسؤالها الماسي ويطبع قبلة عميقة بباطن كفها. فيتحرك ليقف خلفها ويزيح خصلات شعرها المبتلة ويزين عنقها بسلسالها الذي ظل يحتفظ به دائمًا لتشعر بعدها بأنفاسه الساخنة تلفح عنقها فتغمض أعينها باستسلام لقبلته التي أودعها بجانب عنقها.
لتلتف تواجهه تقول بعدم إدراك:
– يوسف.
ليبتلع كلماتها في قبلة مشتاقة عميقة بإحساس مختلف أول مرة يقبلها قبلة له حق فيها. الآن أصبحت له حلاله.. مالكها.. يشعر باستسلامها بين ذراعيه.
يبتعد عنها بعد أن شعر أنه لن يتوقف إذا صار الوضع على هذا المنوال.
يرفع وجهها لينظر بعينها يقول:
– بحبك يا غزل بتحبيني زي ما بحبك؟
لم تستطع تحديد مشاعرها فكل شيء حدث بسرعة كل ما تعرفه أنه بدأ يجذبها له بدأت تعشق ابتسامته رائحته طريقة تدخينه طريقة سيره ولكنها لا تعلم هل هذا هو الحب؟
عندما طال صمتها شعر بالضيق ولكنه وعد نفسه أن يتركها حتى تعترف بنفسها بحبه.
رفع كفه يلامس وجنتها بحنان يقول:
– أنا مش مستعجل.. أنا عارف إن كل شيء حصل بسرعة، بس أوعدك إن مش هخليكي تحبيني خليكي تعشقيني.
فيتركها بأفكارها بعد أن طبع قبله فوق جبينها.
…………….
– ماما أنا قررت اخطب.
قالها محمد بعد أن اندفع داخل حجرة راوية، لتضع يدها فوق صدرها بفزع:
– بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه يامحمد حد يدخل على أمه كده؟ وأي القرار اللي بيطلع بعد نص الليل ده؟ أقولك روح نام وأنت بكرة هتكون كويس.
محمد بغيظ:
– أمي بالله عليكي أنا مش بهرج أنا فعلاً عايزة اخطب وبسرعة.
رواية بعدم تصديق:
– انت غيرت من غزل ولا إيه؟ أصلك من ساعة ما رجعت من كتب الكتاب وأنت مش طبيعي.. طيب سيب الغيرة دي لتقى.
– أنا خارج يا رواية شكلك مش عايزة نتكلم جد.
رواية بضحك:
– طيب تعالى يامحمد متزعلش.. ها قولي بقى العروسة حد أعرفه ولا من زمايلك في الشركة.
محمد بارتباك:
– من الشركة يا رواية.
رواية:
– طيب مالك بتقولها وأنت زعلان كده.
محمد بحزن:
– أصل عرفت من غزل إنها هتتخطب لابن عمتها الأسبوع الجاي.
رواية بحزن:
– طيب هي عارفة إنك عايزها وبتحبها.
يهز رأسه بصمت لتسأله بهدوء:
– هي بتحبك؟
ليصمت محمد لم يستطع الإجابة فهو يشعر بحبها له لكنها امتنعت عن الاعتراف بذلك.
عندما طال صمته أكملت:
– طيب يابني لو هي عايزاك وأنت عايزها ليه ماقولتليش من بدري؟
يظل صامتا بخجل من والدته.
لتقول:
– آه كده فهمت.. فضلت متردد لحد ما ضاعت من إيدك.
محمد بتأثر:
– طيب أعمل إيه دلوقتي أنا بتعذب مش متخيل إنها تتجوز حد غيري.
– تروح نجيب عنوانها ورقم تليفون مامتها أكيد موجود بياناتها في شئون العاملين.
لتأتي فكرة بعقله فيقول:
– غزل.. غزل هي اللي هتوصلني ليها.
قالها وهو يتحرك خارجًا تذكر شيء فالتفت لها يقول:
– فاكرة سمية بنت عم رضا صاحب بابا الله يرحمه؟ كانت غزل طلبت مني أشوف لها حد يكون مع خالتي صفا.
أنا كلمتها وهتيجي من بكرة تكون معاها.
فتهز راوية رأسها بحزن لا يعلم سببه إلا هما.
………………
يقف وسط حجرة مكتبه مغمض العينين باستسلام يلف ذراعيها حول جسدها الصغير يشتم رائحة شعرها المسكية التي تُذهب عقله. لقد اعتاد في الآونة الأخيرة استقطاع بعض الوقت لضمها إلى صدره بدون همس أي كلمات كأنه بذلك يشحن طاقته بشحناتها الغزلية. أما عنها فكانت تسند رأسها فوق صدره ويعلو وجهها ابتسامة هادئة وأصابعها تتلاعب بطرف سترته.
لتقول بهمس:
– انت ماتعبتش من الوقفة.
– لا.. طول ما انتِ في حضني ما أتعبش أبدًا.
غزل بدلال:
– أنا خايفة حد يدخل علينا فجأة زي المرة اللي فاتت.
يوسف بابتسامة هادئة:
– إحنا مش بنعمل حاجة غلط انتِ مراتي فاهمة؟ وكمان شادي حُرم يدخل من غير ما يخبط بعد التهزيق اللي أخده مني.
– حرام عليك ده شادي غلبان وطيب وجدع و…
يوسف بضيق:
– غزل! أنا ما أحبش مراتي تتكلم وتتغزل في راجل تاني.
غزل بحزن:
– أنا مقصدش!
يوسف بغضب مزيف:
– ماينفعنيش الكلام ده.. يلا صلحيني.
غزل بدموع:
– لا.
يوسف مندهشًا من تغيرها:
– غزل انتِ زعلتي أنا كنت بهرج معاكي.. طيب خلاص ماتزعليش.. أنا اللي اصالحك.
لينخفض وجهه ويلثم شفاهها بنعومة بقبلات متقطعة ويعتذر لها بين قبلاته.
ليتفاجأ الاثنان نتيجة فتح الباب بقوة بدون طرقه. لتتحول صدمته إلى غضب قائلًا:
– أنتِ متخلفة إزاي تدخلي من غير ما تخبطي على الباب.
تقف نهى بتنورتها القصيرة وأحمر شفاها الصارخ تقول بمياعة:
– آسفة ياباشا ..خبطت الباب ومحدش رد عليا حتى سماعة المكتب مرفوعة.
لتشير له بعينها اللي هاتف المكتب. نعم لقد رفع سماعته حتى لا يزعجه أحد.
يوسف:
– ده ميمنعش إنك المفروض متدخليش من غير إذن.
– أنا هروح أشوف محمد وراجعه.
ليمسك ذراعها مانعها عن الابتعاد عن أحضانه بتحدي لتلك النهى يقول:
– استني هنا ..مافيش مرواح في حتة.
ثم يوجه حديثه لنهى:
– إيه بقى الحاجة المهمة اللي خلت حضرتك تدخلي علينا زي الإعصار كده؟
تقف مستندة على مقبض الباب بمياعة:
– في واحد برة عايز يقابلك.. اسمه جاسر الصياد.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع عشر 17 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تقف نهى بتنورتها القصيرة وأحمر شفاها الصارخ تقول بمياعة:
– آسفة يا باشا.. خبطت الباب ومحدش رد عليا حتي سماعة المكتب مرفوعة.
لتشير له بعينها اللي هاتف المكتب.. نعم لقد رفع سماعته حتى لا يزعجه أحد.
يوسف:
– ده ما يمنعش إنك المفروض ما تدخليش من غير إذن.
فيشعر بغزل التي تدفن وجهها بصدره إحراجًا تحاول الابتعاد عنه تقول:
– أنا هروح أشوف محمد وراجعه.
ليمسك ذراعها مانعها عن الإبتعاد عن أحضانه بتحدي لتلك النهى يقول:
– استني هنا.. مافيش مرواح في حته.
ثم يوجهه حديثه لنهى:
– إيه بقى الحاجة المهمة اللي خلى حضرتك تدخلي علينا زي الإعصار كدة؟
تقف مستندة على مقبض الباب بمياعة:
– في واحد برة عايز يقابلك.. اسمه جاسر الصياد.
………….
لحظات وقف في صدمة من ذكر اسمه أمامه لتشعر غزل بتغيره وهبوط ذراعه الذي كان يحيط بها ببطء.. ليقول بغضب بعد إفاقته من الصدمة:
– تطلعي تقوليله يوسف الشافعي مش فاضي يقابل حد.. اتفضلي.
لتنصرف نهى بدلع وهي ترمق غزل نظرات باردة.. لتقول غزل مهدئة إياه:
– يوسف مالك؟ الراجل ده مضايقك في حاجة؟
عند انتهاء كلماتها وجدت الباب يدفع ويدخل منه رجل في مثل عمر يوسف يظهر عليه الأناقة طويل القامة قمحي البشرة يقول:
– مش عيب ترفض تقابل ضيوفك؟ لا انت اتغيرت خالص يا يوسف.
فين يوسف الدنجوان.. النحنوح.. اللي بيوزع عواطف علي الكل.
فيضرب المكتب بقبضته:
– ايه اللي رماك عليا ياجاسر؟ بقالنا سنين بعيد عن بعض إيه اللي فكرك بيا.
جاسر يجلس بأريحية ويظهر عليه الجدية:
– أيوه كدة خلينا في المفيد.
ليكمل مع تغير نبرته التي يشوبها بعض التوتر حاول السيطرة عليه:
– أنا جايلك النهاردة مش بصفتي جاسر صديق عمرك ولا بصفتي عدوك، اعتبرني شخص تاني غير اللي انت تعرفه زمان عشان تقدر تسمعي وتقدر الكلام اللي هقوله.
ليبل شفتيه بلسانه محاولًا ترتيب كلماته انها من اصعب اللحظات التي يمر بها:
– أنا جاي النهاردة وطالب أيد أختك ملك.
لحظات مرت عليه لم يستطع تحديد ما ألقاه علي مسامعه ليجد نفسه غير قادرًا علي تحمل اثباط نوبة الضحك لتصدح ضحكاته عالية وتدمع عينيه من شدة الضحك ليقول بين ضحكه الهستيري:
– بقى انت.. جاي بعد السنين.. دي ..تطلب أيد اختي أنا؟ اكيد شارب حاجة.
يضيق جاسر بتصرفه:
– انت بتضحك ليه؟ ايه الغريب في إني اطلب أيدها.
ليفاجئه يوسف بسؤاله:
– شوفتها فين؟
جاسر بتوتر:
– شوفتها في النادي.
– اتكلمتوا.
– لا.. أنا شوفتها وسألت عنها وعرفت انها أختك.
فيريح يوسف ظهره على مقعده:
– طلبك مرفوض يابشمهندس.. المقابلة انتهت.
جاسر محاولًا تخفيف حدة الموقف:
– يوسف! خرج اللي بينا بره حسابات ملك، انا فعلا بحبها و…
ضربة من يوسف فوق مكتبه اخرست جاسر ليقول بين اسنانه:
– أنا كمان كنت بحبها! أنت خاين ياجاسر وأنا ماسلمش اختي لواحد زيك.
– مش ذنبي اللي حصل صدقني سنين بحاول أفهمك وأنت مش حابب تسمع.. أنا عمري ما كان بيني وبينها أي حاجة ويوم مالقتها عندي أنا أتفاجئت زيك بوجودها قدام باب شقتي.
– انت عارف ان ابوها كان في مصالح بينه وبين أبويا وكان مستخدمها ورقة ضغط عليا.
– انت عايز تقنعني انها جاتلك شقتك من غير ما أنت تكون انت مارست وسختك معاها؟
– سنين بحاول أفهمك انها مش بتحبك وأنت متمسك بيها وروحت خطبتها ولولا شركة عمك والمصالح اللي كانت هتيجي من وراها مكانش ابوها وافق على خطبة بنته من طالب لسه بياخد مصروفه.
ليقف يوسف بغضب مستعر:
– اطلع برررره.. ماشوفش وشك تاني وموضوع اختي تنساه نهائي.
جاسر يقف ويهم بالخروج يقول بتحدي:
– أنا ماشي بس هتشوفني كتير بعد كدة.
ليضرب يوسف الباب بقطعه كريستال فتسقط متهشمة مع تسارع انفاسه.
…………..
تجد من يوقفها أثناء سيرها يقول:
– مدام غزل ..مدام غزل!
لترى من سبب الضيق ليوسف يحاول اللحاق بها فتتوتر من اقترابه ليقول بوقار:
– مدام غزل! أنا جاسر الصياد اللي كنت بالمكتب من شوية.. كنت حابب اباركلك طبعًا مع انها متاخرة.. وكان في موضوع مهم حابب أكلمك فيه.. ده الكارت بتاعي.. هستنى مكالمة من حضرتك لان الموضوع بخصوص ملك.. ياريت يوسف مايعرفش عشان مايحصلش مشكلة عن إذنك.
ليتركها وهي شاردة في الموضوع الذي يريدها فيه فتخفي الكارت الخاص به بحقيبتها مترددة في اخبار يوسف.
…………
يجلس بسيارته منتظرًا خروجها من بوابة الجامعة بعد استدراج ملك في الحديث عنها علم مواعيد خروجها ومحاضراتها ليستغل فرصة عدم حضور ملك لهذا اليوم.. حتى يستطع الحديث معها.. يلمحها تخرج من باب الجامعة وشخصًا يقوم بملاحقتها للحديث معاها ليضيق عينيه فيلاحظ عدم تفاعلها مع هذا الشخص وتحاول إجابته باختصار.. يتحرك من سيارته ليقف امامهما وأول من لاحظه كان (علي) ليقول:
– ايوه؟ في حاجة؟
لتلتف خلفها وتجحظ عينيها من رؤيته وتتذكر لحظة سقوطها أمامه أرضا لتخجل من هذه الذكرى وتقول:
– دكتور يامن! إيه اللي جابك هنا.
فيبتسم لأنها متذكرة اسمه ويقول:
– عاملة إيه ياتقى؟ أنا كنت جاي أحد ملك وتليفونها مقفول.
تحييه بخجل:
– ملك ماجتش النهاردة ازاي تكونوا في مكان واحد ومش عارف انها ماخرجتش؟
ويرتبك من كماته.. وينقذه سؤال الشاب لها:
– مش هتعرفينا ياتقى؟
– ده الدكتور يامن اخو ملك.. وده علي زميل لينا في الدفعة.
– أهلًا وسهلًا.
قالها يامن برسمية ليقول لها:
+ تقى كنت عايزك في موضوع.
فيحرج على رغم ضيقه وينصرف ويودعهم بهدوء.
لتقول تقى بتعجب:
– موضوع إيه اللي عايزني فيه؟
– على الواقف كدة ؟ طيب نقعد في مكان نتكلم.
لتجيبه بحدة:
– ولا واقف ولا قاعد أنا مش بقعد مع حد غريب.. عن إذنك.
يوقفها يامن يقول:
– انت دايمًا حنبلية كده.. أنا مش غريب أنا اخو ملك وابن عم غزل.
الزفر بقوة تاركة إياه بتجاهل. استمر بالسير بجوارها رغم تجاهلها ليقول:
– صدقيني أنا عايزك في موضوع مهم جدًا.. طيب تعالي حتى أوصلك ونتكلم.
فتنظر له بغضب صارخة:
– لو مابعتدش دلوقت هنسى انك اخو صاحبتي.. وهلم عليك الناس.
ظل ينظر حوله بارتياب من علو صوتها يقول:
– على فكرة أنا دكتور محترم ماينفعش اللي بتعمليه ده.. أنا مقصدش اضايقك.. أنا اسف.
هم ينصرف فوجدها تقول:
– كنت عايز إيه؟
ليبتسم يامن ابتسامته الجذابة:
– كان في وحدة غبية عايز اقولها أني معجب بيها.. وعايز موافقتها على ان اكلم اخوها وأتقدم رسمي.
…………
دخل بابتسامته الجذابة واضع يده بجيوبه يدندن بصوته سعيدا لما حدث منذ الساعة عندما ألقى على مسامعها مفاجأته ليتلون وجهها بألوان الطيف ويتفاجأ بهروبها لتستقل سيارة اجرة للعودة لمنزلها ولكنه لم يترك الفرصة تضيع من يده ليسرع في ركوب سيارته ويسير خلف سيارة الأجرة فيشاهدها تستد رأسها بشرود.. لقد أعجبه مشاكستها فيضغط بوق سيارته بطريقة ملحوظة كأصوات أبواق زفة الأفراح ليلتف جميع الركاب بما فيهم هي فيرى في عينها الدهشة والخجل كأن كل الموجودين يعلمون مقصده ..فتشير اليه بإيهامها بطريقة عرضية علي رقبتها.. كتهديد منها.. فيضحك على فعلتها ويبادلها التحية العسكرية بأصابعه أمام جبهته.
…………
يدخل على اخته فيجدها متقوقعة ضامة صحنًا من حبوب الذرة لصدرها وتأكل منه بدون تركيز بسبب تركيزها في الفيلم المعروض ليجلس بجوارها باريحية يقول:
– ملك!
فتمل منه تقول:
– ايه عايز ايه؟
-عايز اخطب تقى.
لتجحظ عينيها تقول:
– أوعى تقول تقى صحبتي؟
– هي بعينها.
– يا نهار ألوان!
قالتها ملك بصدمة.. يتعجب من رد فعلها يقول:
– مالك؟ أنا قولت هتفرحي ان اخترت صحبتك.
– هو في حاجة تخصها ما أعرفهاش.
ملك بتوتر:
– إيه؟ لا طبعًا.. تقى كويسة جدًا.. بس اشمعنى هي؟
– مش عارف حاجة كدة شدتني ليها بغض النظر عن الكوارث اللي دايمًا تجمعنا.
فيكمل بإصرار:
– أنا قررت أكلم محمد وأتقدم لها رسمي، عقبالك ياملوكتي ما نخلص منك.
يتركها شاردة في هذه الكارثة أنها تعلم أن تقى كانت تهيم بأخيها يوسف.. كيف سيقبل يوسف وجودها مع يامن؟!
– استر يارب من الجاي.
…………
وقفت بشرفتها مراقبة تحركاته أمام المسبح لقد كان يحارب شياطينه بعد حضور ذلك الشخص الذي يدعى جاسر وقد انقلب حاله حتى معها ..عند عودتهما لم يهتم حتى بالنظر اليها ليسترضيها اكتفى بالانصراف لتسير خلفه مثل الطفلة التائهة الغاضب منها والدها وتحاول استرضائه.. ألمها جفائه بعد أن كان يهيم بها ويحاول اختلاق أي مناسبة لإظهار عشقه لها.. بماذا اخطأت؟ لاتعلم!منذ فتره حدثها محمد انه نجح في السفر إلى سوزان للتقدم لها رسميًا رغم أنها كانت تنتظر مثل هذا الخبر إلا أن حزنها طغى على مشاعرها فلم تشعر بالسعادة المطلوبة له.
………
تسير بملابس النوم بخف القدمين بغضب طفولي متجهه في الظلام إلى ذلك الأرعن الذي تربع على عرش قلبها في مدة قصير لتصل إلى حافة المسبح حيث تقبع ملابسه الذي كان يرتديها بالشركة من الواضح انه لم يبدلها منذ الصباح.
تقف متخصرة بيديها تهز بساقها بغضب طفولي منتظرة ظهوره من المياه
ليظهر بعد دقائق شاهقًا نتيجة منع الهواء لمدة داخل المياه.. فيلاحظ وقوفها وينظر إليها للحظه ثم يعود مرة أخرى للسباحة للطرف الآخر من المسبح بتجاهل متعمد.
لتصرخ بغضب:
– ممكن أفهم أنا عملت إيه غلط عشان تتجاهلني كده؟
بصمت للحظات ليجيبها بصرامة:
– روحي نامي ياغزل دلوقت.
ترفع حاجبها من جفائه لها فتجيبه:
– مش متحركة من هنا يايوسف إلا لما تقولي أنا عملت ايه؟ إنت كنت كويس معايا لحد ما الراجل ده جه.. أنا مش فاكره إن حصل مني حاجة.
يصرخ بوجهها:
– قولتلك اطلعي دلوقت.. أنا عفاريتي بتتنطط قدامي ومخنوق.
تشعر بجرح كرامتها لأنها تستعطف استرضائه.. فتقول ودموعها منحصرة داخل عينيها بتحدي:
– مش هطلع يا يوسف! أنا مش بحب المعاملة دي.. ولا أنت عشان ملكتني بتتعامل معايا كدة؟! وعشان اريحك انت لو مقولتليش أنا عملت ايه هنطلك في المية حالًا!
ليتعجب من تحديها وإصرارها على معرفة سبب ضيقه وتحميل نفسها مسئولية ذلك رغم انها ليست ضلعا في ذلك الموضوع فيقول بتحذير:
– بطلي جنان على المسا، أنتِ مش بتعرفي تعومى!
فيشاهدها تخلع خفيها بحركة من قدمها دون الحاجة إلى الانحناء وترجع خطوات للخلف كأنها تستعد للوثب، فينقبض قلبه من تهورها.. يصرخ بها بخوف:
– غزل! إياكِ تعمليها.
يحاول السباحة للاقتراب من حافة المسبح لمنعها ليراها تجري لتقفز في المياه برعونة غير مسبوقة فتخرج صرخة غاضبة منه باسمها مع مشاهدته لمحاولتها البقاء على سطح المياه بصعوبة بالغة، حتى وصل إليها يمسكها بقوة مانعًا إياها
يقوم بهزها بغضب مستعر من تهورها اثناء سعالها:
– أنتِ اتجننتي، غبية.. عايزة تموتي!
لم يشعر بنفسه إلا وهو يضمها بقوة خوفًا من فقدانها.
لتجيبه وسط سعالها:
– أعمل إيه؟ إذا كانت دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليك ترجع تخاف عليا وتصالحني!
– مجنونة.
…………
– أنت متأكد من حقيقة مشاعرك دي؟ ومن اختيارك!
قالها يوسف وهو يبتلع قطعة من الخبز على الإفطار، لتقطع حديثهم غزل بسعادة:
– طبعًا هو هيلاقي زي تقى فين يا يوسف؟
ليجيبها يامن:
– اكيد طبعًا كفاية إنها أختك واخت محمد هتطلع لمين إلا لغزل البنات!
يمرر يوسف نظره عليهما بضيق مع ملاحظته بصمت ملك وعدم تفاعلها معهم.
فيكمل يوسف بجدية:
– عموما عندك فرصة تفكر كويس لحد ما عمك يرجع من سفره ونشوف هنرسى على إيه.
لتسأل غزل سؤال يلح عليها:
– يوسف هو انت مش ملاحظ ان بابا بيسافر كتير وبيطول في سفره.
ينظر كلًا من يوسف ويامن لبعضهما بريبة.. فينقذ الموقف الأخير قائلا بداعبة:
– يابنتي خليه يسافر مش يمكن يرجعلنا بعروسة.
– لو كدة ماشي.
فيتبادلا النظرات لتقابله نظرة يوسف المملوءة بالامتنان لإنقاذ أخيه الموقف.
…………
– هتتأخري؟ سألها يوسف بهيام وهو يقبل كفها.. لتبتسم بسعادة غريبة تجيبه:
– أول ما اخلص هكلمك تيجي تاخدني.. مش عايز تطلع معايا بردو!
يوسف بمراوغة:
– خليها مرة تانية.. أساسًا خالتك مش بتطقني.
غزل بجدية:
– تمام .. أنا هطمن عليها وعلى تقى ومحمد.
– أنا شحناتي الغزلية اوشكت على النفاذ.. عايزة اشحن.. ماتتأخريش بدل ما اعملك فضيحة عند خالتك.
– لا على ايه؟ مش هتأخر عليك.
…………
– وحشتيني.. كدة ماتحضريش كتب الكتاب.
قالتها غزل وهي بين احضان صفا.
تجيبها سمية بعملية:
– اعذريني كان بابا تعبان مقدرتش اسيبه.
فتلاحظ غزل جديتها في الحديث:
– مالك ياسمية بتكلمي رسمي كدة ليه؟ أنا غزل فكراني.. اللي كنتي بتقطعي شعري زمان عشان لونه اصفر وانتِ اسود.
تبتسم سمية على هذه الطفولة لتقول صفًا:
– هي كدة من ساعة ما بقت تجيلي؟ وغلبت معاها تفك زي زمان.
غزل بود:
– طيب الحاجة اللي اشترتهالك عجبتك؟ وأنا بشتري ليا افتكرت لما كان عم رضا بيشترلنا فساتين زي بعض.. فاشترتلك زي.
سمية بكبرياء:
– معلش ياغزل اعفيني مش هقدر أخدهم.
تتحرك غزل لتواجهها:
– على فكرة أنا فاهمة انت بتفكري في ايه؟ وعيب تظني ان أنا بتعامل معاكي شفقة انتوا طول عمركم خيركم علينا ومكناش بنرفض هداياكم، ولعلمك أنا كان نفسي تيجي تشتغلي معايا بالشركة بس لقيت إن مواعيدها هتعطلك عن المحاضرات والمذاكرة عشان كده حبيت انك تكوني هنا عشان تبقى براحتك.
سمية بابتسامة يشوبها الحزن:
– ربنا ما يحرمني منك.
غزل بمرح:
– بقولك إيه؟ هنقضيها كلام! سبيني اطلع للبت تقى وحضري الفشار وثواني واجبها وأجي.
…………
– ها ياست العرايس.. ايه رأيك؟
قالتها غزل وهي تتربع فوق الفراش مواجهه تقى.. لتجيبها بدون تفكير:
– لا.. أنا مش موافقة.
تعقد حاجبها للتسرعها
– ليه ياتقى؟ ده يامن دكتور محترم وشكله بيحبك.. أنا فرحت لما قالي تقى.. أنت حتى مافكرتيش.
لترى تقى تفرك يديها بعصبية وتحاول الهروب بأعينها من محاصرة غزل.
غزل بإصرار:
– أنا ليه حاسة انك مخبية حاجة وكمان مش انتِ بس.. ده ملك ويوسف كمان.
– هو في حد في حياتك ياتقى.
تبتعد تقى عن مواجهتها والدموع تكاد تهبط:
– حد؟ لا مافيش حد.. خلاص أوعدك أني افكر.
– بسرعة كدة غيرتي رأيك من الرفض لأفكر.. في ايه ياتقى مخبياه عني مش أنا اختك حييبتك.
فتراها تضع وجهها بين كفيها بانهيار ويزداد نحيبها:
– أنا بتألم ياغزل.. عايزة ارتاح ضميري مش بينيمني.
تحثها علي الحديث تقول:
– انت مافيش واحدة زيك ياتقى.. مالك بس.
– ماتقوليش كدة.. بتزودي عذابي.. أنا ولا كويسة ولا استاهل أكون أختك.
ينقبض قلب غزل فتصمت لعلها تكمل.
ظلت تقص تقى على غزل ما حدث بينها وبين يوسف من بداية الإساءة لها لنية يوسف علي الاستيلاء علي أموالها.. ولكنها خجلت ان تخبرها ما حدث بينهما في شقته.. كانت تقص عليها وهي تتلقى الطعنات بصدرها بوجه جامد خالي من الحياة.
تقول تقى ببكاء:
– بتكرهيني صح؟ أنا ما استاهلش أكون أختك.
لتجذبها غزل بثبات انفعالي لأحضانها تقول بوجه جامد:
– انت احسن آخت في الدنيا.. أنا هفضل احبك مهما حصل.
…………
طعن.. غدر.. ألم لما دائمًا تأتي الطعنات من الاقربين.. أيعقل أنها سلمت مقاليد حياتها لسجانها! لجلادها.
جلست بوجه جامد يسيل فوق وجهها سيول من الدموع السوداء التي لطخت وجهها بسبب كحل العين.. تقبض علي كفيها كأنها تحارب حالها علي القفز في اعماق تلك المياة.. بعد ان تلقت كلمات تقى عما كان يفعله ونواياه.. شعرت انها بدوامة تدور وتدور دون توقف ..لا تعرف كيف مر عليها الوقت وهي جالسة أمام البحر وأمواجه لمنتصف الليل؟ لا تستطع تحريك ساكن.. اطرافها تيبست.. عزيمتها اثبطت.. حياتها انهارت وانتهت.. انه لم يحبها يوما.. كيف صدقته وآمنت له؟ كانت دائمًا محاربة جيدة له.. بدأت تدرك انها وحيدة دائمًا منذ وجودها في هذه الحياة وحيدة.. تشعر بالخواء يأكلها.. ما قيمة هذه الحياة.. أنها لا شيء، لأشيء على الإطلاق.. فمن رحلوا عنها رحموا من كبدها وعنائها.. لا تعلم لما تصر تلك الحياة على معاندتها وهزيمتها.
سارت تجر اذيال خيبتها بألم منحنية الرأس بخجل من حالها أنها كانت ضعيفة أمامه وسلمت له قلبها ..يغطي شعرها وجهها لا يظهر منه شيء كسابق عهدها.
دخلت بأرجل متعبة وأعصاب مهتزة تتمنى ان تقبض روحها في تلك اللحظة على أن تتواجد معه بنفس المكان.. لا ترى أمامها سوى خيبتها وغبائها عند وصولها لمنتصف المدخل وجدته يجذبها بغضب يمسك ذراعيها يهزها بقوة كأنه يهز دمية بلا روح ويصرخ بوجهها:
– كنت فين كل ده؟ ازاي تتأخر بالشكل ده بره.
تمسك كفيه تخفضهما ببطء تقول بإصرار:
– طلقني!
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
دخلت بأرجل متعبة وأعصاب مهتزة، تتمنى أن تقبض روحها في تلك اللحظة على أن تتواجد معه بنفس المكان. لا ترى أمامها سوى خيبتها وغبائها.
عند وصولها لمنتصف المدخل، وجدته يجذبها بغضب، يمسك ذراعيها يهزها بقوة كأنه يهز دمية بلا روح، ويصرخ بوجهها:
– كنتِ فين كل ده؟ إزاي تتأخري بالشكل ده بره؟
تنظر له بجمود وعلى وجهها آثار الدموع الملطخة بالأسود:
– انتِ ساكتة ليه؟ وإيه اللي مبهدلك كدة! ما تردي.. إيه اللي خلاكي تسيبي البيت من غير ما آخدك، وتليفونك مقفول.
تمسك كفيه، تخضمها ببطء، تقول بإصرار:
– طلقني!
يفيق من صدمته على تحركها، صعودها بصمت. فيندفع يجذبها من ذراعها:
– إيه اللي انتي قولتي ده!
تصرخ بوجهه وتدفعه من صدره بعنف:
– طلقني يايوسف.. طلقني، طلقني عشان أنا عمري ما هكون ليك، طلقني عشان انت خاين.. خاين للأمانة.. أنا مكدبتش يوم ما قولت عليك شيطان.
ليمسكها بقوة رافضًا إفلاتها بصوت مهتز:
– طيب ممكن تهدي عشان أفهم فيه إيه.. احنا كنا كويسين الصبح، اللي حصل خلاكي متغيرة كده؟
– أنا عرفت كل حاجة عملتها فيا.. كل ده ليه عشان حبة فلوس.. تولع الفلوس.. أنا مطلبتش حاجة.. أنت اللي جيت غصبتني إني أعيش معاكم.. ضيعت حياتي وخربتها يا يوسف.. عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كدة؟ مش معقول تكون ممثل بارع كدة!
يوسف بأنفاس متسارعة، لا يستطيع التركيز ولا التفكير، لقد علمت بمخططاته السابقة.
ليتفاجأ بجريها إلى غرفتها تحتمي بها وتغلق الباب خلفها من الداخل. ليعلو صوت نحيبها الذي جرح صوتها.
يصل إلى غرفتها يطرق الباب:
– غزل! أرجوكي تفتحي.. ماتعمليش في نفسك كدة.. كل اللي اتقالك كذب في كذب، أكيد تقى اللي قالتلك.. وربي لأعلمها الأدب.. افتحي أرجوكي.. نتفاهم.
لينصرف فجأة عائدًا إلى غرفته، أما عنها فقد كانت تسمع صوته كطعنات بقلبها. لتنظر إلى شرفتها وتسير ببطء إليها وتقوم بإحكام غلقها عليها حتى لا يتسن له الدخول منها.
أما عنه عند وصوله الشرفة وجدها مغلقة كما توقع. فيشاهدها من خلف زجاجها الشفاف تجلس خلف باب الحجرة، ضامة أرجلها لصدرها وتدفن رأسها بهما.
يطرق زجاج الشرفة متوسلًا إليها أن تسمعه، يقول بصوت متألم:
– صدقيني يا غزل بحبك ومحبتش غيرك في الكون ده كله.. أنا آسف لو كنت جرحتك.. أرجوكي تسامحي غبائي.
بعد فشله قام بالجلوس أرضًا بشرفتها ليراقب بكائها ونحيبها. عندما خطط من قبل للإطاحة بها لم يكن يعلم أنها ستسرق قلبه وحاله، ليندم بعدها على مخططاته إليها.
ظلت حبيسة غرفتها عدة أيام، رافضة أي تواصل مع المحيطين بها. فقدت الثقة في الجميع، حتى أخيه لم تنجح محاولاته في إخراجها من اكتئابها الذي حل عليها.
وملك التي كانت تخرج من غرفتها بعيون دامعة على حال أخيها الأكبر الذي لم يترك باب غرفتها. كان مقيمًا أمامها، جالسًا أكبر وقت لديه، يحدثها من خلف الباب لعلها تسامحه على غدره. وتنسحب بعدها مغلقة بابها خلفها، تاركة إياه يحاول إثنائها عما تفعله.
امتنعت عن الطعام. فعندما فقد السيطرة على أعصابه، هدد بكسر الباب. لتراه يحاول دفع الباب بجسده. ليمنعه يامن من تهوره.
كانت تسمع صوت بكائها ونحيبها على فترات متقطعة، مرددة كلمة واحدة وهي الطلاق. حتى هدأت نوعًا ما وبدأت فترات بكائها يقلق ويقلق، حتى امتنعت عن الحديث نهائيًا أو البكاء، كأن طاقتها قد نفذت. ما كان يطمئنهم أنها بخير، مراقبته لها من زجاج شرفتها فيجدها تتحرك فاقدة الروح داخلها.
ولكن ما قلقه أنه بدأ يلاحظ طول فترات نومها، لتتقوقع على حالها أكثر وأكثر.
أما عنه فامتنع فترة للحضور بالشركة، حتى توقفت بعض الأعمال والصفقات. ليقرر أن يذهب للشركة بضعة ساعات ليعود إليها مرة أخرى.
أما عنها فتتردد كلماته وكلمات يامن بعقلها على مدار الأيام السابقة. أنها ليست بضعيفة، يجب عليها تقوية حالها أكثر من ذلك. يجب عليها مواجهة الموقف لا الهروب منه بضعف. لتقرر الذهاب له مهما كانت نتائج تلك المواجهة.
ارتدت ملابسها من سروالها الجينز لقميصها الفضفاض، وجمعت شعرها أعلى رأسها بعشوائية، وغطت عينيها بنظارتها الشمسية لتخفي الهالات السوداء وانتفاخ عينيها.
انزل مهرولة قاصدة الشركة، تتجاهل نداء ملك التي اندهشت من ظهورها.
ظلت خلال الطريق تحاول الاتصال به ولكنه لم يجب على اتصالاتها. فتدخل من باب الشركة قاصدة المصعد. لتجد ورقة مكتوب عليها (مغلق للصيانة). فتكمل طريقها صعودًا على الدرج مع محاولاتها للاتصال به مرة أخرى، لتتوقف فجأة أثناء صعودها عندما فتح الاتصال. لتتسمر قدماها عن الحركة وتتسارع انفاسها.
قبل وصولها بعشر دقائق، كان يجلس خلف مكتبه مغمض العينين بإرهاق. أزرار قميصه مفتوحة بإهمال. تطرق الباب تقول:
– القهوة يا باشا! دي خامس كوباية قهوة تشربها كدة غلط على صحتك.
– ملكيش فيه أنتِ، تنفذي الأوامر وبس.. واقفلي صوت التليفون ده.
لتقترب منه بغنج مقصود، تنظر لشاشة الهاتف وتبتسم بخبث وتضغط على الهاتف.. تقول بدلع مصطنع:
– سيبني أعملك مساج أنا أيدي سحر، لو جربتها هتدمنها.
فتقترب منه بحذائها العالي وتنورتها الضيقة القصيرة. تقف خلفه تقوم بتدليك أكتافه بنعومة، تكمل:
– اسمع كلامي يا باشا مش هتندم.
ليشعر يوسف بأصابعها تدلك أكتافه. ليتاوه ألمًا بطريقة رجولية، ولكنه بعد لحظات بدأ يشعر بتماديها. لتمتد أصابعها أسفل قميصه المفتوح تتلمس صدره بطريقة مثيرة. علم من خلالها مقصدها. ليقبض على كف يدها بقوة مؤلمة لها ويجذبها لتكون في مواجهته، قاصدًا تعنيفها.
لتسقط بأحضانه في حركة مقصودة منها، تقترب شفاها المصبوغة من خاصته. ليتفاجأ بفتح الباب بعنف ويجد معذبته تقف وسط الحجرة بوجه بارد، متسارعة الأنفاس، تحارب بكائها لما رأته. كيف سيبرر لها الآن؟ كيف ستصدق أنه ليس له يد في ذلك؟
فينتفض دافعًا تلك اللعوب عنه صارخًا بوجهها:
– تطلعي بره واستقالتك تكون عندي حالًا.
يقف أمامها متعرقًا، يشعر كأن الحظ يعانده. لتدخل عليه بعد طول غيابها في مثل هذا التوقيت. لا يعرف ماذا يقول. ليجد أول كلمة تخرج منه بغباء:
– غزل! أنتِ جيتي؟ غزل أنتِ ساكتة ليه؟! أوعي تكوني فهمتي غلط أنا… هي.
يقترب منها يحاول وضع يده فوق أكتافها. ليجدها تتراجع خطوة مبتعدة مع اهتزاز رأسها ببطء يمينًا ويسارًا. كأن حان وقت إفاقتها من صدماتها به.
فيجدها تجري من أمامه فجأة خارج الحجرة. ليلحق بها مناديًا باسمها لعلها تسمعه، ولكنها كانت أسرع منه كأنها تهرب من شياطينها. لتتوجه إلى المصعد تضغط على أزراره بعصبية والدموع تسيل على وجهها. وعند هذه النقطة جحظت عيناه ويصرخ باسمها عاليًا يمنعها من استقلال المصعد. ليتلف كل من حوله له بسبب صراخه.
يجري لعله يلحق بها قبل دخولها المصعد ليمنعها. ليجدها تدخله لحظة وصوله. ليدخله معها بأنفاس متلاحقة خائفة ويغلق عليهما.
يقول بأنفاسه المتقطعة:
– غزل احنا لازم نخرج من الاسانسير ف…
لم يكمل جملته ليجدا هبوط المصعد بشكل سريع مفاجئ يسقطهما أرضًا ويتوقف بعدها فجأة. فتخرج منها صرخة مرعبة ويتملكها الخوف، تشعر باقتراب موتها. عند توقف المصعد زحف على ركبتيه يهدئ انهيارها ورعبها، ضامًا إياها لصدره بقوة. لقد تملكه الرعب هو الآخر، لكن يجب عليه التماسك أمامها. فيعلو صوت نحيبها الذي اخترق صدره، يقول بصوته الأجش:
– شششش اهدي… مفيش حاجة هتحصل.. أنا معاكي ومش هسيبك.. مش هسيبك أبدا.
ليزداد بكائها:
– خرجني من هنا.. أنا مش عايزة أموت.
يربت على ظهرها بحنان:
– مافيش حد هيموت.. صدقيني.. أنا عايزك بس تتحركي معايا براحة نشوف الاسانسير وقف فين؟
تهز رأسها رعبًا متشبثة بقميصه رافضة التحرك. فيمسك وجهها بكفيه هامسًا:
– أنا مش هسمح بحاجة تأذيكي فاهمة؟
ليرى نظرة سخرية بعينيها من وعده لها ويفهم مقصدها. ليقول بصوته الأجش وهو مستمر في تقريبها له:
– صدقيني أنا بحبك.. مقدرش أعيش من غيرك.. لا أنا مش بحبك أنا بعشقك.. بعشقك يا غزل.. كل اللي أنتِ عرفتيه مش حقيقي.
ليرى دموعها تنهمر على كفه، تقول بألم:
– تنكر إنك كنت متفق مع تقى عليا.. تنكر إنك كنت عايز تشيلني من طريقك واني زي ما أنت قولت لشادي أني مش من النوع اللي بيعجبك.. تنكر إنك سخرت من إعاقتي اللي ماليش ذنب فيها.. عارف أنا عمري ما كنت عايزة أعيش معاكم كنت راضية بنصيبي.. نصيبي اللي انت بتدخلت فيه وبفضلك فسخت خطوبتي.. عارف يا يوسف إيه السبب الأساسي اللي خلتني عملت العملية؟ انت! عشان ما أشوفش نظرة استحقار منك.
ليهز رأسه بالرفض:
– مش صحيح أنا…
ليقطع حديثه حركة المصعد فجأة للأسفل مهدد للسقوط. ليقول وهو يرى رعبها:
– إحنا لازم نخرج من هنا.. الاسانسير هيقع بينا.. في تليفونك زمانهم مش عارفين إننا محبوسين.
ليتركها تبحث في حقيبتها وتخرج منه هاتفها. وعند محاولته الاتصال وجد عدم وجود شبكة. ليغضب قائلًا:
– مفيش زفت شبكة.
– طيب نحاول ننادي على حد يسمعنا.
يوسف بفقدان أمل:
– محدش هياخد باله وصوتنا مش هيتسمع.
يامن يدخل الشركة يظهر عليه التوتر. يقابل شادي الذي يحدث أحد الموظفين بعصبية يقول:
– إيه ياشادي؟ جايبني ومكهرب الدنيا ليه؟
– أخوك مش لاقيينه.. رحت أمضي منه أوراق لقيت نهى بتقولي خرج يجري ورا غزل.. اعتقدت إنه مشي بس لقيت حاجته وموبايله ومفتاح العربية.. سألت الأمن قالوا ماخرجش.
يامن بضيق:
– يكون راح فين تلاقيه هنا ولا هنا.
شادي بتوتر:
– المشكلة إن غزل معاه وأنت عارف إن علاقتهم متوترة الفترة الأخيرة ونهى بتقول كان بيجري وراها.
يامن بغضب:
– اسأل حد من الموظفين.. يمكن شافوهم.
يقطع حديثه رؤيته لمحمد بوجهه القلق:
– إيه اللي سمعته ده.. يوسف وغزل مش لاقيينهم؟
يامن مهدئًا إياه:
– إن شاء الله نلاقيهم أكيد أخدها في أي حتة.
– إحنا لسه هنتوقع الشركة مش فيها كاميرات زفت.. خلينا نشوف الكاميرات.
قالها محمد بعصبية بالغة.
بعد دقائق قلبت الشركة رأسًا على عقب. بعد كشف الكاميرات لدخولهم المصعد رغم أنه تحت إشراف الصيانة. ليجن كلًا منهما ويقف يامن ينادي بعلو صوته أمام المصعد لعلهما يسمعا ويطمئن عليهما.
أما عن شادي فقد قام بإبلاغ النجدة والاتصال بعربة إسعاف مجهزة تحسبًا لحدوث أي شيء لهما.
يجلس ساندًا ظهره بجانب من جوانب المصعد باسط قدميه للأمام. لتسند رأسها فوق ساقيه يحاول بثها الأمان، يلاعب خصلات شعرها العسلية بأصابعه. فيخترق الصمت سماعها لصوت يامن من بعيد ينادي بأسمائهم. فتنتفض جالسة على ركبتيها تشعر بالأمل.
– يوسف انت سامع.. ده يامن.. يامن عرف إننا محبوسين وبينادي علينا.
فتتحرك بتهور غير مسبوق تقف أمام باب المصعد تضرب عليه بقبضتها وتصرخ:
– ياااااامن … إحنا هنا.
– غززززل! ابعدي عن الباب.. ماتحركيش الاسانسير ..غزل..
لم يكمل تحذيره ليجد هبوط مفاجئ للمصعد عدة أدوار بسرعة غير محسوبة وتنقطع الأضواء. فتقع هي أرضًا وسط صرخاتها القوية.
ليتساقط ألواح معدنية فوقها ويسرع في جذبها أسفله يحميها بجسده. فيسقط ألواح المرايا والألواح المعدنية التي تزين المصعد فوق ظهره.
عند ثبات المصعد مرة أخرى وجدت نفسها مسطحة على ظهرها فوق أرضية المصعد وفوقها جسده المتعرق يحيطها بقوة بذراعيه مع تسارع أنفاسه.
وثقل جسده يحاول حمايتها. وعند تحريكها له في محاولة منها للجلوس خرجت منه تأوه مكتوم شل أطرافها. لتقول بخوف:
– يوسف! يوسف رد عليا.
يجيبها بألم:
– أنا موجود يا غزل.. متخافيش.
– مالك؟ جرالك حاجة؟
يوسف محاولًا السيطرة على الألم الذي تملك من ظهره فجأة لا يعلم ما أصابه. أما عنها فكانت تشعر أن خطبًا ما أصابه ولا يريد التصريح بذلك. فحاولت حثه على التحرك قائلة بحذر:
– ممكن تجيب التليفون عشان أنا أخاف من الضلمة.
لتجده لم يجبها ولم تسمع إلا صوت أنفاسه. ليقول بعدها بأنفاس مضطربة:
– مش بذمتك الجو شاعري عايزة تولعي النور ليه.. دي أحسن حاجة حصلتلنا إنك في حضني والنور مقطوع.
شعر عند خروج كلماته بحدوث أمر ما لينقبض قلبها من نبرة صوته. فتحيطه بذراعيها بقوة لتضمه لها أكثر وتظل متعلقة به رغم شعورها بثقل جسده الذي يزداد. فتسمعه يهمس بأذنها:
– ماتسيبنيش يا غزل.. خليكي معايا.
– أنا معاك يايوسف وهفضل طول عمري معاك.
لتشعر بدموعها التي حرقت عينيها.
ليقول بصوت هامس:
– وأنا كمان هفضل على طول معاكي.. استحالة أقدر أسيبك أو أطلقك.. أنا مخوّنتكيش يا غزل مصدقاني؟
غزل ببكاء:
– مصدقاك يا يوسف.. مصدقاك يا حبيبي.
يامن بصراخ:
– إحنا هنفضل واقفين نتفرج واحنا مش عارفين جرالهم إيه؟
شادي يفرك جبينه بتوتر:
– محمد راح يجيب حداد يفتح الباب.. النجدة هتتأخر.
ليرى محمد يجري باتجاههما مع رجل في العقد الرابع يلهث ورائه:
– أنا جبت الحداد وفهمته الوضع.
يامن بخوف:
– طيب هنقدر تفتح الباب بماكينة اللحام دي؟
الرجل:
– بإذن الله يا باشا.
يامن بضيق:
– طيب مستني إيه يلا أبدأ.
يحيطها الظلام من كل جانب. تشعر بثقل جسده وارتخاء جسده فوقها. لقد فقد الوعي منذ قليل. علمت ذلك عندما توقف فجأة عن الحديث.
لقد اكتشفت إصابته بجانبه عندما شعرت باللزوجة ساخنة تحت كفها، ولكنها تجهل مدى عمق الإصابة. ما تشعر به حاليًا هو ازدياد الدوار مع عدم قدرتها للتنفس. تخاف أن تصاب هي الأخرى بالإغماء.
تسمع صوت ضربات فوق المعدن. لا تعلم مصدرها، ولكنها متأكدة أنهم بدأوا في البحث عنهم. تحاول تقاوم ضيق تنفسها وتحركه قائلة:
– يوسف! فوق يايوسف، عرفوا إننا محبوسين هنا.
أغمضت عينيها للحظات لم تعرف كم مر عليها من الوقت. لتفتح عينيها وتجد وجهًا قريبًا من وجهها يناديها بذعر. نعم تعرفه. إنه وجه يامن؟ ولكن أين.. أين هو لقد كان فوق جسدها لما تشعر بالبرودة؟ تغمض عينيها مرة أخرى لتجد أيادي تحركها وتحملها بالهواء وتسمع أصوات متداخلة كثيرة وضوضاء.
تسمع شادي يقول بخوف:
– في جرح في ضهره.. فين الإسعاف؟
وتسمع صوت تحفظه عن ظهر قلب يهمس عن قرب:
– غزل.. كلميني.. إحنا معاكي.
ليكمل محدثًا شخصًا آخر بصراخ:
– الدم اللي مغرقها ده منين؟ مش لاقي إصابة!
أرادت إجابته وطمأنته أنه ليس دماءها بل دماءه هو. ولكنها تشعر أنها فوق موجة عالية تسحبها بعيدًا.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تسمع صوت ضربات فوق المعدن.. لا تعلم مصدرها ولكنها متأكدة انهم بدأوا في البحث عنهم.. تحاول تقاوم ضيق تنفسها وتحركه قائلة:
– يوسف! فوق يايوسف.. مكانا عرفوا اننا محبوسين هنا.
أغمضت أعينها للحظات لم تعرف كم مر عليها من الوقت لتفتح اعينها وتجد وجهها قريبًا من وجهها يناديها بذعر.. نعم تعرفه.. إنه وجه يامن؟ ولكن أين.. أين هو لقد كان فوق جسدها لما تشعر بالبرودة؟ تغمض أعينها مرة أخرى لتجد ايادي تحركها وتحملها بالهواء وتسمع أصوات متداخله كثيرة وضوضاء.
تسمع شادي يقول بخوف:
– في جرح في ضهره…فين الإسعاف؟
وتسمع صوت تحفظه عن ظهر قلب يهمس عن قرب:
– غزل.. كلميني.. إحنا معاكي.
ليكمل محدثًا شخصًا آخر بصراخ:
– الدم اللي مغرقها ده منين؟ مش لاقي اصابه.
أرادت إجابته وطمئننته انه ليس دمائها بل دماؤه هو ولكنها تشعر انها فوق موجة عالية تسحبها بعيدًا..
استطاع الأطباء من وضعها على جهاز التنفس لمعالجة ضيق التنفس التي تعرضت له وادي لفقدان وعيها بسبب قلة الأكسجين لتفيق من إغمائها على الكثير من الحركة من حولها والأصوات المتداخلة من الأطباء فتفتح اعينها بصعوبة ليصدمها الضوء الأبيض الموجه لعينيها من كشاف صغير بيد أحد الأطباء الذي يقيم حالتها وتسمع صوت بجوارها فتلتف له بذهول.. فهي لا تعرف كيف أتت إلى هنا؟ ومن ساعدها؟ أين هو؟! هو.. هو!
عند هذه النقطة انتفضت جالسة غير عابئة بقناع التنفس والأسلاك وتزيله من علي وجهها برعب:
– يوسف! يوسف فين يامحمد؟ جراله ايه قولي؟
محمد بتوتر:
– غزل مافيش حاجة حصلت.. خلي الدكتور يكشف عليكي الأول عشان نعرف الدم ده جاي منين؟
فتخفض نظرها لملابسها لتجدها مملوءة بالدماء الجافة لتتذكر جرح يوسف تقول بخوف:
– يوسف يامحمد.. يوسف كان متعور.. ايه اللي جراله؟
– حبيبتي يوسف كويس هو لسه خارج من العمليات ومعاه جوه.
ليتقبض قلبها وتمسك مقدمة قميصها بيدها:
– عمليات! أنا لازم أروحلوا وأشوفوا.
محمد بصرامة:
– اهدي.. انتِ لسه تحت الملاحظة.. أما اطمن عليكي هتشوفيه.
غزل بإصرار:
– لا.. أنا مش هستنى، أنا عايزة اشوفه حالًا.
– طيب على الأقل غيري لبسك اللي مليان دم ده هتروحي كدة؟
تقف بأرجل مهتزة لا تحملها أمام الباب لا تعلم لما هي خائفة من الدخول؟ رغم لهفتها للاطمئنان عليه لتجد يد حانية تدفعه برفق من ظهرها تحثها على التقدم للدخول.
فتشاهده مستلقي فوق الفراش يحيطه الكثير من الأسلاك الموجودة بصدره المكشوف ويقبع بكفه الأيمن المحلول المغذي يظهر على وجهه الشحوب والإرهاق كان مغمض العينين بهدوء يصل بأنفه خرطوم شفاف يحيط بوجهه يساعده على التنفس.
تصل إليه وتنحني لتودعه قبلة فوق جبينه فتسقط دمعة متمردة من اعينها فوقه.. لتتراجع تجلس بجواره فوق فراشه ممسكة بكف يده الكبير.. أرادت في تلك اللحظة استيقاظه ليضمها إلى صدره بقوة كما كان يفعل سابقًا ليزيل عنها اي خوف تشعر به.. ألمها رؤيته بهذا الضعف.
لتقول هامسه:
– أنا عارفة انك مش سامعني يمكن دي فرصة عشان أتكلم معاك براحتي.. كنت عايزه اشكرك انك حامتني.. كان ممكن أنا أكون مكانك لولاك، وعايزة أقولك أني مسامحاك مش عشان أنا مش بعرف اكره ولا حاجة.. عشان أنا مش قادرة على كرهك.. مش قادرة غير أني.. أحبك، قلبي وجعني اوي لما حسيت في لحظة انك مش بتحبني زي ما خليتني أحبك!انت وحشتني اوي يا يوسف وحشني حضنك.. اللي كنت بتحتويني بيه..
لتجد نفسها لا تستطع السيطرة على دموعها اكثر من ذلك فترفع أصابعها تزيل الدموع الهاربة وتقترب منه تضع رأسها فوق صدره تستشعر ضربات قلبه تحت أذنها تحتضنه بذراعيها.
كان يشعر بها من قبل وصولها كعادتها رائحتها التي تتميز بها تسبقها بالمكان.. لم تعلم انه أفاق منذ فترة وهو من طلب ان يراها.. القرار الان اصبح صعبا عن ذي قبل.. بعد اعترافها واحتياجها له يصعب عليه تركها الان.
ليرفع يده يلمس فوق شعرها لتنتفض عند شعورها بحركته تنظر إليه بصدمة بعيون دامعة غير مصدقة لإفاقته في هذه اللحظة.. تخرج كلماتها متحشرجة تنطق باسمه.
ليربت فوق وجنتها بخفة:
– يا روح يوسف.
ليجدها تحرك رأسها وتضع شفتيها تلامس باطن كفه الموضوع فوق وجنتها تودعه قبله وتنظر إليه تبتسم بفرحة وسط دموعها.
يقول بلوم:
– ليه الدموع دي؟ في حد يبقى في حضن حبيبه ويعيط.
تندفع لتحتضنه بقوة لا تأبى بجروحه تشتم رائحته الرجولية المختلطة برائحة المخدر والمطهرات تدفن انفها في عنقه تقول:
– ماتسبنيش يا يوسف.. أنا مش عايزة ابعد عنك.
يقبل وجنتها ويهمس بأذنها:
– عمري ما اقدر اسيبك.. بموتي ياغزل.
فترفع رأسها لتلفح انفاسها وجهها.. ليكمل بمشاكسة:
– بس لو فضلتي ضغطة على الجرح ساعتها ممكن اموت فعلًا.
تبتعد مفزوعة تفتش به:
– أنا آسفة نسيت إنك مجروح.
فيمسكها مرة أخرى يقربها لوجهه:
– عارفة لولا الجرح ده.. مكنتش قدرت اتحكم في نفسي وكنت عملت فضيحة في المستشفى.
لصدح منها ضحكة أنثوية على مشاغبته لها ليقول بأنفاس متلاحقة:
– لا أنت كدة قاصدة تعذبيني.. وأنتِ لازم تعاقبي.
فيمسكها من كتفيها يقربها بقوة ليسرق قبلة يبث بها دواوين عشقه بدون كلمات.. لينتفضا كلاهما نتيجة اندفاع فاسد اللحظات الرومانسية يقول:
– والله كان قلبي حاسس ان في حاجة بتحصل مش مظبوطة.
فينظر يوسف بلوم لأخيه نتيجة احمرار وجهها خجلًا ليقول بضيق:
– هو انت في حد مسلطك عليا.. ما تروح تشوف حاجة تعملها ولا تتجوز وتريحنا من خلقتك.
يامن وهو محتضن الباب بطريقة مضحكة يلاعب حاجبيه:
– قريب.. قريب أوي.. بس هي ترضى عني.
ليكمل بجدية موجهها حديثه لغزل:
– غزل الدكتور جاي يكشف على يوسف ومحمد عايزك بره.
كادت أن تتحرك لتجد كفه يمنعها ويقول:
– ما الدكتور يجي وهي موجودة ايه المشكلة؟
ليفرك يامن جبينه محاولًا التبرير ليقول:
– عشان كمان الدكتور هيمر على غزل.. متنساش انها تحت الملاحظة زيك.
– خلاص خليهم ينقلوها معايا في نفس الاوضة.. كدة هبقى مطمن اكتر.
– ساكت ليه؟ ناوي على إيه يا يوسف.
قالها يامن وهو جالس بجواره فوق كرسي بجوار فراشه.
يغمض عينيه بضعف يحارب الدموع الحارقة لعينيه يجب عليه التماسك.. يجب عليه التفكير في مستقبله.. لا، بل مستقبلهما معًا.
وعندما طال صمته مال إليه يامن يمسك كفه قائلا بإصرار:
– رد عليا.. عشان نشوف حل في المشكلة دي.
ليفتح عينيه ينظر له بجمود يقول من بين أسنانه:
– عايزني اروح اقولها ايه؟ ها فهمني؟ اقولها سوري ياغزل مش هنتجوز عشان اكتشفت أني مش بخلف؟
ثم يكمل بصراخ:
– الدكتور ده مش بيفهم.. مش يمكن غلطان.
يامن بحدة غريبة:
– ماتلفش وتدور يايوسف.. غزل لازم تعرف ده حقها وبعدها هي اللي تقرر تكمل ولالا.
– مقدرش.. مقدرش إزاي عايزني اقولها حاجة زي دي ونفرض عرفت واختارت تبعد اعمل ايه بعدها؟ تقدر تقولي.
يامن وهو مقدرًا لحال أخيه لقد انتابته الصدمة عندما طلب الطبيب بعض الإشاعات والتحاليل للاطمئنان على مدى إصابة عموده الفقري نتيجة سقوط الألواح.. ليقول يامن بعقلانية:
– يوسف انت اخويا الكبير وأنا مقدر إحساسك دلوقت لكن غزل مسئولة مني وأنا مش هقدر اخدعها في حاجة زي دي.
يجيبه يوسف بمراوغة:
– سيبني أنا هقولها بنفسي، وكمان شوف هطلع امتى أنا زهقت من النومة دي.
– تستحمل شوية يايوسف.. الجرح في ضهرك مش هين وكمان الدكتور كان خايف لا يكون عمودك الفقري اتأثر.
ليجدا طرقًا فوق الباب لتظهر بعدها بكوبين من القهوة فتتفاجأ بوجود يامن يجلس بجوار يوسف وعلى وجهه الضيق.
لتقول مبتسمة:
– يامن وصلت امتى؟ مالك في حاجة.
يهز رأسه يحاول ان يكون طبيعيًا أمامها:
– ياغزل البنات.. كنت جاي اطمن عليكم بس مالقتكيش على السرير.. كنت فين ياشقية.
– انت ظالمني.. يوسف كان نفسه في فنجان قهوة والدكتور ممانع.. رحت خليت الممرضة جابتلي ورحت اخدها.
– فنجان قهوة قولتيلي.. ياعيني عليا محدش بيجبلي اللي نفسي فيه.. ناس ليها غزل وناس ليها مستشفيات وعمليات.
– بكرة تقى تعملك كل اللي نفسك فيه.. أنا مبسوطة عشان كلمت محمد بخصوص تقى.
فتنظر بعيون يوسف كأنها توصل له رسالة بخصوصها.
فيقطع يامن نظراتهما يقول:
– نطمن عليكم بس واتفق معاه على ميعاد الخطوبة.. هسيبكم وأروح للدكتور اطمن على يوسف.. ينصرف بعد ان يلقى اخاه نظرة فهمها يوسف.
سارت بين الأروقة بأرجلها العارجة تبحث بأعينها عن رقم الغرفة وبيدها صندوق شكولاتة مغلف بأشرطة هدايا تحاول سؤال أي من الممرضات ولكنها تجد الكل مشغول فتقع اعينها على شاب يقف بظهره يتحدث بهاتفه يظهر عليه الضيق يهمهم ببعض الكلام الغير مسموعة فمن الواضح ان من يحدثه سبب له الضيق وهو مستمر في محاولته أثنائها عن الحضور.. فتقترب بخجل محاولة أثنائه عن التحرك من أمام الحجرة التي تقصدها.. ولكنه فشلت في لفت انتباهه.. كلما يتحرك بعيدا وحاولت الدخول يعود يقف مرة اخري أمامه وتفشل في المرور بسببه.. حتى اضطرت لان تتنحنح حتى ينتبه ولكنه قام بالالتفات برأسه لينظر لها من فوق كتفه بإهمال ليعود مرة أخرى يشيح بوجهه عنها ويكمل حديثه بلا مبالاة لها.
هذه الحركة البسيطة أشعرتها بالإهانة لتنظر لملابسها مرة أخرى تحاول ملاحظة ما بها لكي ينظر لها مثل هذه النظرة.. فهي دائمًا واثقة من حالها ولكن بسبب ما مرت به اهتزت هذه الثقة التي تحاول إخفائها عن من حولها.. لتشجع نفسها مرة أخرى فتقوم بمد يدها للضرب فوق كتفه بثقة بأصابعها الرفيعة ليلتفت لها باستغراب يمرر نظره عليها من أعلى رأسها الذي يزينه الحجاب بأرجلها ويهز رأسه بتساؤل عن ماذا تريد وهو مستمر في رفع هاتفه لاذنه.. فتبادله طريقته وتشير له بحاجبها خلفه ليلتفت ينظر لباب الغرفة المغلق ويقول لمن يحدثه بالطرف الآخر:
– اقفلي يا نانسي دلوقت هكلمك بعدين.
– أي خدمة؟
لتجيبه سمية بكبرياء:
– حضرتك واقف سادد الباب ومش عارفة ادخل.
فيلاحظ نبرتها الحادة في الحديث ليضع كفيه بجيوبه يقول:
– مين حضرتك بقى عشان نبلغهم.
لترفع انفها بكبرياء:
– سمية!
كانت تجلس فوق فراشها بغرفته التي تشاركت معه فيها تتلاعب بهاتفها الخاص فبعد انصراف سمية وشادي ركزت انتباهها على الرد لبعض الرسائل التي تأخرت في الرد عليها الفترة الفائتة لتسمعه يزفر بقوة شديدة فتنتبه له متسائلة:
– في حاجة يايوسف.. محتاج حاجة؟
– لا.
فتضيق عينيها وتضع خصلات شعرها خلف أذنها ثم تتحرك من فوق الفراش فتنحصر ملابسها عنها هابطة من الفراش عن عمد منها فتلاحظ ارتباكه واشاحة وجهه عنها لتجلس بجواره وتدير وجهه تقول:
– مالك؟
– مافيش.
لتبتسم على طفولته:
– شكله فعلًا مافيش.. طيب لو قولتلك وحياة غزل عندك.. مش هتقولي؟
ليزم شفتيه بقوة يقول:
– مخنوق منك.
– مخنوق مني.. أنا؟.. ليه.
فتقترب منه اكثر تلاعب خصلات شعره فتراه يتأثر من قربها وتلمع أعينه تقول:
– هو أنا من امتى بزعلك؟
– عشان مش عايزة تيجي تنامي جنبي ومشغولة عني بتليفونك.
فتكتم ضحكتها بيدها ليغضب اكثر:
– أنتِ كمان بتضحكي!
– خلاص ماتزعلش أدي ياسيدي التليفون.
ليراها تضعه بجواره فوق طاولة صغيرة وتكمل:
– بس موضوع أنام جنبك دي صعب.. إحنا في مستشفى والدكتور والممرضات بيدخلوا دايمًا مش هيبقى شكلها حلو.
– قولتلك اقفلي الباب.. وكمان تعالي هنا ياهانم مدام عارفه ان في زفت دكاترة ايه اللبس اللي لبساه ده ها؟
فيقوم بإمساكها من أذنها لتتألم قائلة:
– خلاص.. خلاص هسمع الكلام وأنام جنبك.
فتتحرك تحت ابتسامته لها تغلق الباب وتتسطح بجواره فيقوم باحتضانها بقوة مشتمًا رائحتها المسكية يملأ به رئتيه، يقول بصوت مهزوز:
– بقولك ايه؟ ماتيجي نعمل دخلتنا هنا حتى هيكون لها طعم تاني وتجديد.
فتضربه بصدره وتدفن وجهها بصدره خجلًا قائلة:
– وقح، وقليل الأدب.
يجيبها بثقة:
– طول عمري يا حياتي.
ليودعها قبلة عنيفة بادلته إياها كأنها كانت تحتاجها منه لتظهر له مدى شوقها له.
بعد وصلة القبلات الحارقة التي تبادلاها تركها لتأخذ قسطًا من الراحة ليشعر بنومها فوق صدره منتظمة الأنفاس شارد في هدوئها انه الآن ينام قرير العين بها.. لينتبه لصوت رسالة صادر من هاتفها فيمد يده يجذبه قاصدًا اغلاقه لتتسع عينيه بقوة وتحمر اوداجه من شدة الغضب عند رؤية الرسالة الأخيرة:
– أنتِ عارفة انك تهميني ياغزل واللي يسعدك يسعدني.. سواء معايا أو مع غيري.. أتمنى انك تكوني سعيدة في حياتك.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل العشرون 20 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تململت في نومها، شعرت بالبرودة فجأة، حركت كفها تستشعر دفئه لتصطدم ببرودة الفراش. نفضت النوم من عينيها ورفعت رأسها تبحث عنه. وقعت عيناها عليه جالسًا فوق المقعد يراقبها بوجه صعب عليها تفسير ملامحه.
أبعدت خصلاتها عن وجهها وابتسمت له بدلال قائلة:
– إيه اللي مقومك من السرير.
لكنه ظل ينظر إليها بوجه بارد، يقول:
– أنا شايف إن ملوش لازوم لوجودك في المستشفى، إنتِ بقيتي كويسة.
عقدت حاجبيها ونظرت إليه تحاول فك طلاسمه. الليلة السابقة كان يهيم بها عشقًا، أما الآن فلا تعرف ما أصابه. وجدت حالها تقول:
– أنا مش عايزة أمشي وأسيبك، ولا أنت زهقت مني.
أزاح بوجهه عنها قائلًا:
– أنا كلمت يامن يجيب لك لبس عشان يرجعك الفيلا، أنا مش محتاج حد معايا.
تحركت من الفراش بقدميها العاريتين لتجلس على ركبتيها أمامه وترفع أصابعها لذقنه تدير وجهه إليها:
– مالك يا يوسف؟ أنا زعلتك في حاجة؟ إنت كنت امبارح… كنت…
– بتحبيني يا غزل؟
كلمة جعلتها تنظر إليه بذهول من سؤاله المباغت غير المتوقع. لما يسألها هذا السؤال الغبي وهي اعترفت له من قبل بحبها؟ لتقول:
– إيه السؤال ده؟
شعر من نبرتها أنها تتهرب من قولها له. أراد أن يتأكد من حقيقة مشاعرها له، أراد أن يتأكد أنها لن تتخلى عنه.
– جهزي نفسك، يامن على وصول.
حزنت لجفائه. لما هو دائمًا هكذا؟ يغرقها عشقًا ثم يجعلها تموت ظمأً من العطش.
لم تلاحظ قبضته التي تضغط على هاتفها القابع بكفه، لتجده يرفع كفه به أمام أعينها:
– تليفونك!
فتجحظ عيناها وتتسارع أنفاسها لوجوده معه، ليكمل بثبات:
– عامر من امبارح بيبعت لكِ رسايل، ردي عليه طمنيه.
– يوسف! يوسف، أنا…
– خلاص يا غزل، نتكلم بعدين. أنا تعبان ومحتاج أنام.
فتجده يتحرك بصعوبة من فوق المقعد واتجه إلى فراشه. عندما حاولت مساعدته رفض بشدة، لتتوسل له قائلة:
– يوسف اسمعني، عامر اللي بيني وبينه انتهى، دي مجرد رسايل بيطمن عليا بيها مش أكتر. لو قريتهم كلهم مش هتلاقيهم يتعدوا السؤال بس، صدقني.
ليقول بألم:
– إنتِ لحد دلوقتي ما حبيتينيش! أنا مش هضغط عليكي أكتر من كده.
لتسأله بلهفة:
– يعني إيه؟
وقبل أن يوضح، ارتمت بين أحضانه باكية تقول:
– يوسف أنا بحبك يا يوسف، بحبك، ماتقساش عليا بالشكل ده.
فتشعر بتسارع أنفاسه وزيادة ضربات قلبه. فيرفع رأسها ليواجهه يبحث عن صدق كلماتها:
– بتحبيني؟ بتحبيني بجد يا غزل؟ بتحبي يوسف؟ يوسف اللي بيعشق كل حاجة فيكي.
فتهز رأسها بنعم. ليقول بصوته الأجش:
– اثبتيلي إنك بتحبيني.
فتفكر بضع لحظات وتبتسم بين دموعها. ليتفاجأ باقترابها لتضع شفاهها الوردية فوق شفاهه. ليمنعها بكفه من الاقتراب قائلًا:
– إنتِ بقيتي وقحة، أنا مقصدش كده! أنا أقصد إنك تقطعي علاقتك بعامر، نهائيًا.
***
جلس يراقبها وهي ممسكة هاتفها تضرب عليه بأصابعها بتوتر تكتب رسالة مختصرة. فعندما طلب طلبه، وجدها تسحب هاتفها بدون نقاش ترسل له رسالة تعتذر فيها ما سيحدث. لقد طلبت منه بكل ود قطع علاقتهما ورسائلهما لأن هذا غير مناسب بعد زواجها ومراعاة لشعور زوجها.
ترفع عينيها لتواجهه بابتسامة رضا واثقة تقول:
– أنا اثبتلك إني بحبك، خليني جنبك بقى.
ظل على جموده. لم يستطع نسيان كلماتها عنه ووصفها له بالشيطان. رغم علمه مسبقًا أن هذا كان رأيها به، ولكن عند قراءة الكلمات التي تصفه به بأبشع الصفات لغريمه، ألمته رجولته وقلبه. هو يعلم أن هذا في وقت فات، ولكنه لم يستطع محاربة ألمه وشعوره بالصدمة.
ليقول بثبات:
– لازم ترجعي الفيلا، إنتِ بقالك كتير هنا وكمان عمي عرف باللي حصل، فمش حابب إنه يجي يلاقي إنك لسه في المستشفى واحنا طمنا عليه.
لا تجد رغبة في الإلحاح عليه أكثر من ذلك والتوسل إليه. لقد قللت من نفسها أكثر من المحدود، كفاها إذلالًا وتسولًا لصفحه، لتقول بكبرياء:
– زي ما تحب.
***
يجلس أمامها يراقبها وهي تضغط بيدها على كأس القهوة بتوتر. فعندما لمحها آتية من الممر، تفاجأ ببداية الأمر، ولكن سرعان ما تمالك حاله ليظهر عليه الجدية التي نادرًا ما تظهر عليه أمامها. لتقع عيناها بأعينه فيظهر عليها التوتر فتهتز ابتسامتها.
يقطع مراقبته سماعها تقول:
– أنا لازم أمشي.
– تمشي! إنتِ لسه مشوفتيش غزل ويوسف؟ مش كنتي جاية تزوريهم؟
تجيبه وهي تضع خصلات شعرها الأسود خلف أذنها وتهرب من عينيه:
– أيوه، بس شكلهم تعبانين، هاجلهم وقت تاني يكون حالتهم الصحية اتحسنت.
– تقى!
فترفع عيناها تسأله عما يريد، ليقول يامن بجدية:
– إنتِ لحد دلوقتي ما بلغتيش محمد برأيك في طلبي؟ تقى، أنا إنسان صريح مش بحب اللف والدوران، لو إنتِ رافضاني قوليلي وصدقيني هعفي محمد من الحرج.
تقى وهي تفرك أصابعها:
– هو… هو مش رفض بس.
– مدام مش رفض يبقى في أمل. شوفي يا تقى، أنا إنسان عملي بحت، فمش هقولك إني وقعت في حبك من أول نظرة والكلام ده، أنا هقولك إني حسيت بحاجة شدتني ليكي من أول ما شوفتك ولقيت فيكي الزوجة اللي ممكن أبدأ معاها حياتي. أكيد إنتِ عارفة إن شغلي بره مش هنا، فلو وافقتي هتسافري معايا لأن ظروف شغلي بتجبرني على التنقل. ها قولتي إيه؟
لا تعرف بماذا تجيبه. فسبب رفضها ليس لشخصه، وإنما بسبب أخيه وما حدث بينهما. أيعقل أن تكون زوجة لمثله بعد ما حدث بينها وبين أخيه؟
لتقول بخجل وبصوت مهزوز:
– محمد هيتصل بيك يبلغك ردي.
فيبتسم على خجلها ويشعر ببعض الأمل يظهر بعينيها.
***
وقفت في شرفتها بفستانها الأسود ذو الأكمام الشفافة ويظهر تفاصيل جسدها بدقة ليطول إلى كاحلها، مع جمع شعرها على جانب واحد. فكانت هذه المرة مختلفة عن ذي قبل، فقد كان بها بعض من النضج.
مر عليهما أسبوعان بعد أن طلب منها ترك المشفى بجفاء. لتتفاجأ بعدها بخروجه بعد يومين من انصرافها عنه. فظنت أنه لم يستطع الابتعاد عنها. لتجري عليه بسعادة بسبب تعافيه.
ولكنها عندما حاولت احتضانه بسعادة، شعرت بتصلب جسده ليبادلها إياه ببرود.
ظل على نفس حالته ولم تستطع إزالة الحاجز الجليدي الذي وضع بينهما. لتأخذ قرارها بالانفصال ردًا لكرامتها في يوم كان مستوي تهورها أعلى من ذي قبل. لتضرب الأرض بخطوات غاضبة متجهة إلى غرفة مكتب والدها لتفجر بوجهه قرارها النهائي. ولكن عند فتحها الباب باندفاع، دهشت من وجوده جالسًا أمام المكتب مع أبيها. فتقابلها منه ابتسامة لم تصل إلى عينيه وتسمع من والدها أنه تم تحديد موعد الزفاف. زفاف! أي زفاف؟
لتصرخ بوجههما أنه ترفضه وتطلب الانفصال. ليتبدل حال والدها الذي يصر على إكمال هذه الزيجة حتى لو كانت رافضة لذلك، لسبب لا تفهمه.
تسمع صوت فتح الباب بدون طلب للإذن لتزفر بقوة. فهي تعلم أنه هو من عطره وخطواته التي تقترب منها. فتشعر بأنفاسه التي لفحت عنقها ويتبعها قبلة فوقه. فتحاول السيطرة على ضعفها أمامه. لا تعلم لم يتعامل معها هكذا؟ كالقط والفأر. تقترب يبتعد، تبتعد يقترب.
ليقول بنعومة وهو يمرر يده فوق كتفيها:
– سرحانة فيا، مش كده؟
اكتفت بالصمت. لا تريد جداله في مثل هذا اليوم المميز. هو يوم خطبة تقى على يامن.
فيضمها لصدره بقوة، ليلتصق ظهرها بصدره الصلب، يدفن أنفه بعنقها مشتمًا رائحتها التي تذهب عقله. يقول بألم:
– وحشتيني… وحشتيني أوي.
فيظهر نبرة سخرية بصوتها:
– فعلًا؟
فيديرها ببطء له ينظر لعينيها اللائمة، يهمس أمام شفتيها ببطء:
– إنتِ عندك شك أني بموت لو إنتِ مش جنبي؟ أنا بعد الأيام اللي باقية يوم بيوم عشان تنامي في حضني وتبقي ملكي، ملكي أنا وبس. كان هيجرالي حاجة لما قولتي لعمي إنك عايزة تطلقي. كدة يا غزل، عايزة تبعدي عني، إحنا ما صدقنا علاقتنا بقت أحسن.
– إنت السبب، إنت اللي… اللي… أنا عملت زي ما إنت عايز ومع ذلك لقيت جفاء منك وبعد.
يمسك وجهها بكفيه:
– صعب عليا يا غزل. صعب أعرف إنك كنتِ على اتصال بيه طول المدة دي وأنا شوال ذرة مش حاسس، وإنتِ عارفة إنه كان عايزك وغرضه إيه منك.
تتسارع أنفاسه بغضب ويكمل:
– أنا شيطان يا غزل؟ أنا؟ عايزاني أعمل إيه بعد ما عرفت إنكم…
يبتعد عنها ويدير لها ظهره، يحاول لملمة شتات نفسه إلا يتهور عليها. فيتصلب عندما وجد ذراعيها تلتف حوله تقول بدلع:
– هو فاضل قد إيه على زفافنا؟
***
تعلو الزغاريد وتنتشر أجواء السعادة. فاليوم أتمت ما كانت تحلم به. قد ساعدت في لم شمل أقرب الناس لقلبها وأختها. فتشاهدهما بسعادة يبادلان خواتم الخطبة، وسط المباركات والتهاني من الجميع. لتنتبه لضغط فوق خصرها، ضغطة تملكية نتيجة وضعه لكفه فوق خصرها. لتلتفت إليه بتساؤل. فتلاحظ لين ملامحه واسترخائه مع ازدياد بريق عينيه الصقريتين. ليهمس لها بصوت غير مسموع:
– بحبك.
فتجد الابتسامة تشق شفتيها براحة وينخفض نظرها لشفاهه أثناء حديثه. فتزيد اشتعاله بهذه الحركة البسيطة كعادتها. لتجده يضغط على خصرها بقوة أكبر ليلتصق كتفها بصدره يقول بصوته الأجش:
– إنتِ عارفة عقاب اللي إنتِ عملتيه دلوقتي إيه؟
فتهز رأسها بدلال بنعم. ليكمل بخشونة:
– حظك إني مش عايز فضايح، بس ملحوقة، كلها أسبوع وتبقي في حضني.
ابقي شوفي مين هينقذك مني.
فتحيبه بثقة يشوبها بعض الخجل:
– أما نشوف!
كان يقف خارج الحجرة يراقب الجميع بابتسامة فوق شفتيه يملؤه بعض الحسرة على حاله.. فتقع عينيه علي يامن وتقى الذي يحاول ملامسة كف عروسه وتقبيله.
تنتهي كل محاولاته بالفشل مرة بعد مرة لينظر لها بلوم محبب وتشيح وجهها عنه بخجل واضح.
فتنتقل عينه على اثنان لم يتوقفا عن الجدال والشجار من بداية الحفل.. محمد وسوزان.. فبعد نجاحه للتقدم لها وخطبتها اصبح اكثر رجعية من وجهه نظرها .. لم يكف عن نقد فستانها من بداية الحفل .. فهو من وجهة نظرة ضيق وملفت ويظهر انحناءاتها.
ليترك مراقبتهم وينقل لنظره لصديق عمره الذي وقع في شباك الحب والعشق.
ليهيم بمن معه كأنه امتلكها وامتلك الدنيا بقربها .. فهو لم يترك فرصة الا ليحتضنها ويداعبها ويسرق بعض القبلات خفية عن الناظرين .. لتخجل من تصرفاته الفاضحة أمام الجميع.
وعند تحويل نظره لناجي الذي يظهر عليه التعب والإرهاق والشرود .. وجد من يصدر صوتا من خلفه فيلتفت يبحث عن مصدر الصوت ليجد من تشير له وتصدر له صوت كبسبسة القطط ليعرف حاجبيه متسائلا لتقول له بخجل:
– ممكن ثواني.
فيتقدم شادي خلفها مراقبا خطواتها العارجة وهي تدخل المطبخ وتصل للطاولة المستديرة التى يستقر فوقها عددا من أكواب العصائر والمياة الغازية فتشير له بحرج للأكواب قائلة:
– ممكن حضرتك تشيل معايا الصنية دي.
– أنتي اتجننتي؟ عايزاني اشيلك الصنية! أومال انت بتعملي ايه هنا؟ اتفضلي شوفي شغل.
ليلقي عليها نظرة استحقار ويتركها تحاول السيطرة على دموعها من هذا الموقف المخجل.. ناقمة علي ظروفها التي اجبرتها على اللجوء لمثل هذا الشخص.
فتسمح دموعها بكبرياء لتحاول التحامل لبعض الدقائق على نفسها وتقرر الخرج بنفسها بالأكواب للخارج.
وقف ينفث دخان سيجارته بغضب من تصرف تلك النكرة التي نست حالها.. فهي هنا متواجدة لخدمة الجميع.. ولكن لما هو غاضب بمثل هذا القدر؟ هل غاضب من طلبها؟ أم هي كانت المنفث الوحيد لضيقه؟ لقد شعر للحظة بوحدته لم يعثر حتى على أنثى البطريق.. تشاركه أحزانه وأفراحه مثل الجميع.