تحميل رواية «سحر سمرة» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً. فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذاب...
رواية سحر سمرة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم أمل نصر
خيانة!
كل اللي بيحصل قدامي حالا دلوقتي دا.. مالوش تفسير عندي غير الخيانة.
بس ياترى بقى مين فيكم اللي خانني وطعني في ضهري؟
مين فيكم اللي ساعدها؟
مين فيكم ياخونة؟
ميييييين؟
كالأسد الجريح يتفوه بها، يلقي جام غضبه على الحراس ورئيسهم وجميع العاملين بالقصر، بعد أن اصطفوا جميعهم أمامه في بهو المنزل ليحقق معهم فيما حدث.
فلا يجد من أحدهم إجابة للسؤال.
لبنى جالسة على مقعدها الوثير مطرقة برأسها أرضًا، وقد زاد الحزن من سنوات عمرها أضعاف.
سعاد مستندة برأسها على الجدار تبكي بحرقة، عقلها لا يستوعب ما حدث على الطلاق.
قال تيسير في محاولة خجلة لتهدئته:
- براحة يا رؤوف، كل شئ هايتكشف وهنعرف اللي حصل بس بالعقل.
صاح عليه بجنون:
- هايتعرف إزاي بس قول لي؟
هايتعرف إزاي وأنا شايفها بعيوني الاثنين، والكاميرا مصوراها وهي داخلة الجراش الساعة 12 بالليل وبعدها اختفت.
ليه بقى؟
عشان كاميرات الجراش اتضح إنها اتعطلت بس في اليوم ده تحديدا.
واسأل البهوات دول اللي المفروض وظيفتهم هي حراسة البيت، يقولوا لي مافيش صنف بني آدم خرج ولا هوب ناحية القصر.
طيب إيه بقى؟
دخلت الجراش والأرض انشقت وبلعتها؟
ولا حفرت نفق يخرجها بره القصر؟
فهمّني يا ابن عمي العزيز، هاتكتشف وتعرف اللي حصل إزاي بقى؟
فهمّني يا تيسير.
ما أنا طلعت غبي وبيتعلب بيا الكورة من كل هب ودب.
رؤوف الصيرفي طلع غبي ويستاهل كل اللي يجراله.
أغمض عينيه مرتديًا للخلف قليلا، وهو لا يقوى على مواجهة غضب ابن عمه والذي نادرًا ما يحدث.
ولكن هذه المرة كان كالأعصار متشوقًا للتدمير بكل قوة.
- إيه في إيه يا جماعة؟
بتزعق ليه يا رؤوف؟
وإيه اللي معصبك قوي كده؟
انتقلت أعين الجميع لمن قالتها وهي تدلف لداخل القصر، تدعي التعجب.
اعتدلت سعاد في وقفتها وهي تنظر إليها بحدة وشك رهيب انتشر بداخلها نحوها، دون دليل.
- يا جماعة في إيه؟
شكلكم ما يطمنش نهائي، وكأن حصلت مصيبة.
نظرت لـ لبنى فلم تقو على النطق.
فانتقلت عيناها لـ رؤوف الذي أشاح بوجهه عنها وهو يزفر بقوة.
فأتى الرد من تيسير الذي أشار لها بعينيه ناحية الأوراق الموضوعة على الطاولة الصغيرة.
تناولتها تدعي قراءتها، فشهقت بصوت أجفل الجميع، قائلة بصوت عالٍ:
- الخاينة.. بنت الحرام!
.................................
ممدد على التخت بجوارها ولكنه متكئ بمرفقه على الوسادة، مريح جنته على قبضة يده.
لا يمل من النظر إليها، يلتهم بعينيه تفاصيل وجهها الجميل، وهو يتمنى استفاقتها والتعجيل بالمحتوم كي يستريح من عذاب شوقه الذي أرّق مضجعه لسنوات طويلة.
فتخضع هي أخيرًا وتعلم أنها لـ قاسم فقط ولن تكون لغيره أبدًا.
شعر بحركة رأسها وهي تتململ في نومتها.
شيئًا فشيئًا فتحت عيناها أخيرًا فواجهت عينيه.
شعر بسعادة غريبة وهو يرى تأثير المفاجأة على وجهها وعيناها التي توسعت بشكل أخافه هو شخصيًا.
قرب وجهه منها أكثر يقول:
- صباح الخير يا عروسة.
ظلت لدقائق وهي تنظر إليه بهلع صامتة، لا تقوى على الحركة وكأن الصدمة أصابتها بالشلل والخرس أيضًا.
- إيه يا سمرة؟
أنتِ نسيتي وش حبيبك ولا الفرحة عقدت لسانك؟
استطاعت أخيرًا أن تتمالك نفسها لترفع جسدها عن الوسادة، وقد اغشيت عيناها بالدموع فقالت بصوت مرتعش:
- أنا كنت عارفة إني ماليش فرحة بتكمل نهائي.
بس أنت قدرت تجيبني إزاي يا قاسم؟
بابتسامة متسلية:
- على فكرة، عيب عليكي قوي.
لما تشككي في قدرات قاسم، أنا كده بقى أزعل بجد.
قالت بقهر:
- بتخطفني في يوم فرحي يا قاسم؟
عشان تموتني أنا وتكسر رؤوف.
هو أنا عملت معاك إيه عشان تنتقم مني بالشكل ده؟
أذيتك في إيه أنا؟
قال ببرود:
- أذيتيني!!
ليه بتقولي كده يا سمرة؟
أنا ما انتقمتش منك ولا حاجة.
دا انتي اللي بتتعبى نفسك وتتعبيني معاكي عالفاضي.
أنا كنت واضح من الأول وقولت لك، انتي حقي يا سمرة وأنا هدافع عن حقي إن شاء الله بالدم.
مش ذنبي بقى إنك ما استوعبتيش كلامي.
خرجت عن هدوئها وصرخت:
- يا أخي حرام عليك حل عني.
كل اللي على لسانك، انتي حقي انتي حقي.
فيه إيه؟
مين اداك الحق دا؟
دا ما كانش وعد مهبب دا اللي ادتهولك أمي في غفلة منها، عشان تسود عيشتي أنا بعدها.
قاطعها بحدة أجفلتها:
- ما كانش وعد يا سمرة.
لا دا كان جواز يا قلب قاسم من وأنـتي عمرك 15 سنة.
- أنت بتقول إيه يامجنون انت؟
صمتت صرختها وهي تجده رافعًا بيده، عقد حقيقي أمام وجهها.
زاغت عيناها وهي تقرأ ما كتب في السطور، واسمها في خانة الزوجة واسم قاسم في خانة الزوج.
أشارت بسبابتها نحو الورقة تقول:
- العقد دا مزور، وانت مزور إمضتي يا قاسم.
دا أنا هاوديك في داهية وهاخرب بيتك بالورقة اللي معاك دي.
ألقى نظرة على العقد ثم إليها وهو يضحك:
- بس دي إمضتك حقيقي يا سمرة مش تزوير.
ولو دققتي كويس هاتلاقي التاريخ يثبت كلامي.
ولو رجعتي بالذاكرة كويس هاتفتكري نبيل المحامي وتفتكري الإمضة كمان.
بهت وجهها وهي تستعيد ذكر هذا الاسم المألوف لأذنها، وتذكر زيارتها له مع والدتها وقاسم.
............................
بعد أن هدأ قليلا، جلس يحاول التفكير بروية، لعله يفهم أو يجد الإجابة عن الأسئلة الدائرة بعقله.
كف جدته الحنونة كانت تطبق على كف يده، تعطيه الدعم بصمت وابتسامة باهتة ولكن مطمئنة.
صافي جالسة أمامه تدعي الحزن وتمسح بمحرمتها دمعات مصطنعة.
أما تيسير فكان ينظر في الورقتين بتفحص.
تقدم أبو العزم إليهم بداخل القصر، بوجه مخطوف وكأن الدماء انسحبت منه يقول:
- إيه اللي حصل يا رؤوف؟
أنا ما فهمتش حاجة من كلامك معايا في التليفون.
رفع إليه عينيه متنهدًا بصمت.
فقالت صافيناز:
- يا بجاحتك يا أخي، وكمان ليك عين تدخل البيت وتسأل كمان، بعد عملت بنتك المهببة معانا.
دا إيه الفجر ده؟
أجفل أبو العزم بصدمة:
- فجر!!
أعوذ بالله من دي كلمة.
عيب عليكي يا بنتي، دا أنا قد أبوكي وما ينفعش يتقال عليا كده.
صاحت هادرة:
- أبويا مين يا راجل انت؟
هو أنت كمان هاتشبه نفسك بوالدي يا خريج السـ....
- صافيناز!
انتفضت من صيحة رؤوف الغاضبة حينما قاطعها، فارتدت صامتة تتحاشى غضبه.
قال ببعض الهدوء:
- اتفضل أنت اقعد يا عم أبو العزم، أرجوك.
زفر الرجل يجلس على كرسيه وهو ينظر إليها مستاءً، فقال:
- أنا بنتي لا يمكن تهرب، أكيد بنتي حصلها حاجة.
أمر تيسير بحزم:
- خليه يشوف الورق بنفسه عشان يصدق.
- ورق إيه؟
تناول الرجل الورقتين من تيسير ينظر إليهم ويقرأ ما بهم، فرفع رأسه يقول:
- كذب، الورق ده مزور.
أنا متأكد إن دي لعبة وسخة من حد عايز يأذيكم انتوا الاثنين.
أنا بنتي كنت بكلمها امبارح بالليل والفرحة ما كانتش سايعاها بلية الحنة والفرح.
يبقى إزاي تهرب وأصدق أنا الكلام الأهبل ده.
قال متشككًا:
- أنت والدها بتقول كده عشان دي بنتك وبتدافع عنها.
لكن أنا بقى أصدق كلامك إزاي وأنا شايف صورة العقد دي، اللي بتثبت إنها متجوزة فعلا.
تدخل تيسير في الحديث:
- على فكرة بقى يا رؤوف، أنا في حاجة هنا مش فاهمها في الورق ده.
رفع أمامه الورقة يشير بسبابته اللي جملة مكتوبة فيها:
- بتقولك "أنا متزوجة قاسم شرعًا، وما ينفعش أجمع بين رجلين!".
طب يعني هي ما افتكرتش حكاية جوازها دي غير النهاردة، ويوم ما كتبت كتابها عليك، ما كنتش عارفة إنها هاتجمع بين رجلين؟
مش عارف ليه حاسس إن الكلام ده مش منطقي وفيه حاجة مش مظبوطة.
أجفل جميع من في الجلسة ينتبهون على ملحوظته.
أما صافيناز فقد بهت لونها وجف حلقها، تلعن حظها على هذا الخطأ الكارثي.
استفاقت من شرودها على صوت صفوت يقول:
- رؤوف بيه، في ضيوف جايين هنا بيستأذنوا للدخول يا باشا!!
................................
جلست بجوار الباب منزوية على نفسها، تضم ركبتيها إلى صدرها وقد تمكن منها التعب بعد محاولات يائسة للبحث عن مخرج.
أجهدها كثرة البكاء على حظها.
كاد عقلها أن يجن وهي تبحث عن كيفية وصول قاسم إليها وخطفها من داخل القصر.
فآخر ما تذكره هو طرق صافي لباب غرفتها.
فلاش باك.
بعد أن أنهت سمرة مكالمتها مع أباها، فتحت باب الغرفة فوجدت صافي أمامها تقف بترنح وتشتكي بأعياء:
- آه.. حاسة بدماغي هاتنفجر يا سمرة.
تناولت يدها تسندها وهي تقول بقلق:
- طيب ادخلي ريحي الأول.. دا انتي ما تقدريش توقفي.
استسلمت لها وهي تجذبها لداخل الغرفة، حتى أجلساتها على تختها.
كانت تئن بوجع، وهي ممسكة بأطراف أناملها على جبهتها:
- آآآه.. يا سمرة، الصداع هايفرتك دماغي.
دا أنا كنت نسيت الألم.
إيه بس اللي خلاه يفكر عليا من تاني.
قالت لها بتأثر:
- ألف سلامة عليكي يا صافي.
تحبي أروح معاكي للدكتور حالا دلوقتي؟
نفت برأسها تقول:
- مالوش لزوم الدكتور يا سمرة.
أنا معايا برشام باجيبه دايما معايا من لندن.
الوحيد اللي بيريحني.
هو موجود دلوقتي في تابلوه العربية.
ممكن تروحي تجيبهولي أكيد انتي عارفاها؟
ظهر على وجه سمرة التردد.
فطالبتها برجاء وصوت ازداد ضعفًا مع أنين مستمر:
- آآه.. أرجوكي يا سمرة، أنا الصداع هايفرتك دماغي.
وبصراحة ما أستأمنش أي حد من الشغالين.
يفتش في عربيتي.
خلاص أنا موافقة يا صافي، هاتي مفتاح العربية وأنا أروح أجيبهولك.
تناولت منها المفاتيح وتركتها بغرفتها حتى تعود. خرجت من باب القصر واتجهت للموضع أطفاف، السيارات أو ما يسمى بالجراش. حينما دخلت إليه اتجهت مباشرة ناحية السيارة المعروفة لصافي. وقبل أن تصل إليها، شعرت بيد غليظة تلتف على جسدها والأخرى كمم فاهها بمنديل مخدر، وبعدها تاهت عن الدنيا ولم تشعر بشيء بعدها.
عادت لواقعها المرير وهي تضرب برأسها على الحائط، وقد ازدادت مرارة الظلم بحلقها. لقد ضاعت عليها ليلة الزفاف التي لطالما حلمت بها، والزواج بمن أحبته واختاره قلبها، لتعود لكابوسها الأبدي. وقد نهى كل أمل لها في النجاة منه بلعبة قذرة، حينما استغلها هي ووالدتها.
***
بحديقة القصر كانت تنفث دخان سيجارتها وهي تقطع الأرض ذهاباً وإياباً، علّها تهدئ من غيظها المكتوم والمتصاعد بغل. لم تحتمل الجلوس أمام أهلها، ومعاملة رؤوف الطيبة لهم. لقد كاد عقلها أن ينشطر نصفين حينما سمح لهم بالدخول وعدم طردهم. لا تصدق أن غلطة بسيطة منها قد تؤثر على خطتها المحكمة بذكاء وتفشلها. لقد فكرت بحقد أنثوي ونسيت المنطق الذي ذكره تيسير. ألا كان من الواجب أن ينبهها أحد الثيران شركائها في الخطة وأصحاب المصلحة معها.
***
اللعبة دي من قاسم، هو اللي خاطفها. سمرة ما تعرفش حاجة عن الورقة دي وربنا المعبود ما تعرف حاجة. أنا اللي أستاهل ضرب الجزمة على دماغي، أنا السبب.
تفوهت بها بسيمة بذعر أمام بعض أفراد عائلتها رجالاً ونساءً، ومعهم رفعت وشقيقته الذين أتوا معها خصيصاً تلبية لدعوة الفرح التي أرسلت إليهم، وأصحاب القصر رؤوف وجدته لبنى وتيسير، وأبو العزم طليقها الذي سألها بتشكك:
تقصدى إيه بكلامك ده؟ يعني فيه ورقة صح؟
قابلت نظرات الجميع بخزي قبل أن تسقط على مقعدها، وتعترف باستسلام:
أنا هاجول على كل حاجة، وانتوا ابقوا احكموا بنفسكم على المرة الغبية إن شاء الله حتى تموتني، بس الأهم تنجدوا بنتي.
انتبهت حواس الجميع وهي تسرد لهم ما حدث:
بعد أنا ما طلقت من أبو العزم، هو حاول كتير معايا عشان ياخد البت مني ويربيها معاه، بس أنا دايماً كنت برفض وهو مكانش لاقي حيلة معايا عشان ظروفه مكانتش تسمح. لكن يجي بعديها بسنتين الحالة مشيت معاه وظروفه اتحسنت. كان ساعتها سمرة عمرها 15 سنة، رجع يطلبها تاني وهددني إنه هياخدها بالمحكمة ويخلي البت تختاره، وفعلاً نفذ ورفع قضية. وأنا بنتي كانت بتجولهالي في وشي أنا عايزة أسكن مع أبويا، لأنها مكانتش متحملة العيشة معايا. أنا كنت هاتجنن لو بنتي سابتني وبعدت عني. قاسم لما وصلته الأخبار جاني البيت وكان عنده استعداد يموت أبو العزم لو قدر وخد سمرة تسافر مصر وتعيش معاه، لإن أبوها مكانش بيطيقه ولا كان راضي بجوازه منها. عرض ساعتها عليا نروح لمحامي قريبه، هو هايعرف يلم الموضوع ويخسر أبو العزم القضية. وطلب مني أروح معاه وأخد معايا سمرة.
روحنا عند المحامي المكتب ومعانا قاسم وقعد يشرح بكلام كتير. في الآخر سأل سمرة: انتي عايزة تعيشي مع أبوكي وأمك ولا عايزة تعيشي مع أبوكي لوحدك؟ هي جاوبت بحسن نية وقالت: أنا لو خيروني هختار أبويا، بس أنا طبعاً عايزة أعيش مع الاتنين. المحامي الشيطان قال لسمرة: تعالي أمضي هنا يا سمرة على الكلام ده، وإن شاء الله أبوكي لما يشوف كده يوافق يرجع أمك. بتي مضت بحسن نية وهي ماتعرفش أساساً دي ورقة إيه.
وأنا افتكرت بعقلي الضلم إنها في مصلحتي. لكن المفاجأة لما جاني قاسم اليوم التاني وهو بيضحك وبيوريني عقد جواز وماضيه عليه بتي، ويقولي: هو دا الحل الوحيد. وبعقله الزنخ كمان، عايزني أعمل فرح ويبقى أبو العزم مالوش حق ياخد بته من جوزها. أنا ساعتها ضربت على خدي وفضلت أترجاه، لأنها عارفاها ومتأكدة إن أبوها مش بعيد يبلغ عني ويحبسني، لو عرف إني جوزتها قبل ما تكمل سنها. كنت هابوس على إيده عشان يعتقني ويقطع الورقة. وصلت معايا إني هددته لأفضحه جدام ناسه لو ما قطعها. وافق في الأخير بس بعد ما خلتني أحلف له إن سمرة عمرها ما تبقى لحد غيره.
***
فتح باب الغرفة، فوجدها مازالت جالسة منزوية على الأرض ولم تتحرك. طعامها مازال على حالته ولم تقربه.
جلس على الأرض بجوارها يلمس بيده على شعرها المطلق على ظهرها بحرية منذ الأمس.
ما أكلتيش ليه؟
لم تعره اهتمام ولم ترد.
تناول خصلة من شعرها الطويل يفردها على كفه:
أنت لسه برضك مصدومة من ساعة ماشوفتي عقد جوازنا؟
زمت شفتيها تحاول جاهدة لمنع سقوط دمعاتها أمامه.
اقترب فجأة منها يقول بصوت أثار الرجفة في أطرافها:
اعتراضك ورفضك ده مافيش منه فايدة. اديكي شوفتي بنفسك، أنتي مرتي من وإنتي عمرك 15 سنة. وأنا كل السنين دي صابر عليكي، وإن الأوان بقى إن كل واحد ياخد حقه.
التفت برأسها تنظر إليه بحدة حينما وصلها المعنى، فتفاجأت باشتعال النظرة داخل عيناه وهو يومئ برأسه مع ابتسامة ذئب يقول:
أيو بالظبط هو دا اللي فهمتيه!
رواية سحر سمرة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم أمل نصر
لم تكن بحاجة للتفسير أكثر من ذلك، فعينيه الوقحة كانتا تنبئانها بالكثير، بنظراته الجائعة وهي تطوف عليها من رأسها لأخمص قدميها. اقشعر بدنها فاعتدلت في جلستها للخلف زاحفة، تبتعد عنه قليلاً وهي تشير إليه بسبابتها، قائلة بتحذير:
- احترم نفسك يا قاسم، أنا مش واحدة جاهلة عشان تضحك عليا بحتة ورقة هبلة مضيتها وأنا عيلة صغيرة بدون علمي بمحتواها.
مال إليها برأسه وقال باستفزاز:
- بس مضيتيها يا عيون قاسم وبقيت عقد جواز، سواء كان بعلمك أو بدون علمك، أنتِ مرتي وأنا ليا حق عندك.
على حين غرة، أزاحته بيدها ونهضت بسرعة من أمامه، فقالت بشراسة:
- مرتك مين يا مجنون؟ هو أنت صدقت نفسك صح؟ الورقة دي تبلها وتشرب ميتها، دي باطلة من جميع النواحي، لا تزوج البكر إلا بولي، دا غير إنه ما كان فيه إشهار، دا غير إنها أساسًا مضت بالخدعة والنصب، وعملها واحد مجرم ما يختلف عنك.
نهض هو أيضًا وانتصب في وقفته، وملامح الغضب ارتسمت على وجهه بابتسامة جانبية مريبة:
- مهما حاولتِ تنكري أو تجاولي معايا يا سمرة، مش هتغيري اللي في مخي ناحيتك بشعرة واحدة، أنتِ مرتي، سواء القانون قال كده أو ما قالش، أنتِ مرتي سواء برضاكِ أو من غير رضاكِ، ولو دلوقتي مش معترفة بجوازنا، بعد شوية هتعترفي.
قال الأخيرة بغمزة وقحة وهو يتقدم بخطواته إليها، فارتدت هي للخلف صائحة:
- إيه ده يا بني آدم أنت؟ أقنعت نفسك بكدبة وعايزة تفرضها عليا غصب؟ إيه؟ هي الدنيا دي ما فيهاش واحدة غيري؟ كل الستات اللي مروا عليك في حياتك دول، ما لقيتش واحدة فيهم تطلع عليها جنانك ده، فتح عني.
هز برأسه نافياً:
- ولا واحدة يا سمرة قدرت تزحزح مكانك في قلبي ولو سنتي واحد حتى. تابع بتصميم:
- أساسًا أنا النسوان دي عرفتها ليه؟ مش عشان ينسوني بعدك وجفاكِ عني، وأنتِ في كل مرة أتقرب لكِ فيها أو أكلمك كلمة زينة تصديني وتسدي ودانك عنها. وأنا قلبي بيتحرق من الشوق إليكِ، كنت برمي نفسي في حضن أي واحدة فيهم وأتخيلها انتِ. أشرب في الحشيش والمكيفات عشان أنسى وأصبر نفسي على رفضك ليا. لو كنتِ وافقتي على جوازي منك من الأول، كنت وفرت عليا وعليكي كل التعب ده. لو أمك الغبية وافقت وعملنا الفرح ساعتها، كانت رحمتني من العذاب اللي كنت بحسه في كل مرة بشوفك فيا، وأنتِ بتدورِ قدامي وحلاوتك يوم عن يوم بتزيد أكتر، كل من هب ودب يتقدم عشان يتجوزك، وأنا قلبي يتحرق بالنار عشان ناس كلا... عيونهم بصت لملكي.
قال الأخيرة بصرخة أرعبتها لدرجة شعرت بها باقتلاع قلبها من مكانه وهو يتقدم نحوها، وهي ترتد للخلف. أشارت إليه بسبابتها بتحذير وقالت بتماسك مزيف:
- اوقف مكانك يا قاسم وارجع لعقلك، أنا بحذرك أه، أنت اللي هتندم.
انفرجت شفتاه بابتسامة خفيفة ثم تحولت لضحكة بصخب وقال:
- هاندم لو قربت لك؟ طب إزاي؟ وكيف؟ لو مش واخدة بالك يعني، أنا وأنتِ في أوضة النوم لوحدينا يا سمرة ومقفولة علينا، وأنتِ لابسة لي فستان مطير عجلي بحلاوتك ولا شعرك الطويل اللي اتفرد على ضهرك، صورة للجمال على حق. الفرصة دي مستنيها وبحلم بيها من زمان، دا أنا هموت من الحسرة لو ما قربتش يا سمرة.
قال الأخيرة بجدية وهو يقفز نحوها كالفهد، صرخت بأعلى صوتها تقاومه بيدها وقدميها، حينما وجدته حاملاً إياها ويتجه بها نحو التخت.
..............................
أعمل إيه دلوقتي وأتصرف إزاي؟ أنا هأتجنن، ألاقيها فين بس؟ وأجيبها منين؟ دي كأن الأرض انشقت وبلعتها!
يتفوه بها وهو يضرب بقبضة يده على سطح مكتبه المثقل بعنف.
قال تيسير بقلق:
- والله ما أنا عارف أقولك إيه يا رؤوف، صفوت والرجالة قالبين الدنيا والكاميرات راجعناها يجي مية مرة وما فيش فايدة ولا في أي نتيجة، أنا بصراحة مخي وقف عن التفكير.
تابع رؤوف بقهر:
- حاسس إني متكتف وأنا مش قادر أوصلها بعد الكلام اللي قالته والدتها، وترجيحها إن قاسم هو اللي خطفها، ولا قادر أبلغ البوليس لتبقى فضيحة. أنا حتى مش هاممني فرح ولا زفت، الأهم دلوقتي عندي إني أطمن عليها لو كان حقيقي خطفها الحيوان ده، أجيبها من عنده وأخلص عليه حتى وقتها.
سأل رفعت بتشتت:
- طب أنتوا متأكدين إن ما حدش نهائي خرج من القصر بعد الساعة 12 بالليل هنا؟
أجابه تيسير:
- لأ يا سيدي في، بس دي كانت صافيناز بنت خالتي، هي اللي عملت ليلة الحنة لسمرة وعزمت البنات معاها، والليلة خلصت أساسًا قبل 12، وصافيناز بعدها قضت بقية الوقت مع تيته لبنى قبل ما تمشي على الساعة واحدة.
- القهوة يا باشا.
قالتها سعاد وهي تطرق بيدها على باب غرفة المكتب.
قال رؤوف بوجه متجهم يأمرها بالدخول:
- ادخلي يا سعاد وقدمي للبهوات.
دَلفت لداخل الغرفة، تضع فنجانين القهوة أمام الثلاثة، فسألها تيسير:
- أنتِ مشوفتيش أي حاجة غريبة امبارح يا سعاد؟ يمكن تكون مؤشر لحاجة إحنا غافلين عنه.
انتصبت في وقفتها والصينية بيدها تجيب:
- أبدًا والله يا بيه، دي الليلة كانت زي العسل، وأنا ما روحتش غير بعد الستات كلهم ما مشيوا، وما فضلش منهم غير الست صافي اللي كانت ماسكة دماغها وبتقول إنها مصدعة.
زام رؤوف بصوته معترضًا بحنق:
- اممم.. نفس الكلام ونفس الدايرة اللي بندور فيها، كله كلام على الفاضي. أنا اللي هايجنني بس، إنها دخلت الجراج برجليها وبعدها اختفت. طيب لو اتخطفت أو هربت، إزاي خرجت من القصر؟
- متنساش يا رؤوف إن الكاميرات في الجراج لقيناها متعطلة.
- آه يا تيسير.. آه، دي كمان هاتجنني، ومش قادر أستوعب ولا أفهم ده حصل إزاي وامتى؟
قال رفعت بتأكيد:
- معلش يا جماعة في الكلام اللي هاقوله لحضراتكم، بس أنا حاسس إن في حد هنا من أهل البيت أو الشغالين ليه يد في اللي حصل، وما استبعدتش نهائي إن الشخص ده هو اللي ساعد قاسم وبوظ الكاميرات في الجراج عندكم.
أومأ رؤوف برأسه يوافقه الرأي:
- فعلاً عندك حق يا رفعت، والأكيد بقى إنه هيكون من الشغالين.
ارتفعت عيناه إلى سعاد التي تحدثت بخوف:
- والله يا باشا أنا عمري ما أعملها ولو على قطع رقبتي، دي سمرة أكتر من أختي.
قال لها مطمئنًا:
- أنا عارف يا سعاد، تاريخك مع سمرة وجدعنتك في مساعدتها يلغوا أي شك في قلبي، بس أنا بطلب منك برجاء، لو شفتي أي حاجة مش مظبوطة أو شاكة فيها، قوليلي عليها فورًا، أرجوكي يا سعاد.
أومأت برأسها بطاعة تامة:
- حاضر يا بيه، أنا هأعمل كده فعلاً وأنت مش محتاج تترجاني.
.................................
جالسة بخزي وهي مخفضة عيناها أرضًا، لا تقوى عن النظر في أعين جميع المحدقين بها، إن كان أشقائها الرجال أو زوجاتهم أو أبنائهم، أو طليقها الذي امتلأ قلبه منها ومن قسوتها وهو ينظر إليها بغضب.
قال حسن وهو يمص على أسنانه:
- بس لو كنتِ اتكلمتي من الأول يا بسيمة وحكيتِ عن موضوع الورقة ده، كنا لحقنا عملنا أي حاجة وخدناها منه غصب، حتى كنا ساعتها علمناه الأدب على الحركة الواعرة دي، إحنا ولاد أصول ورجالة مش هفية وسط الخلق.
تمتمت بخجل:
- أنا اطمنت لما قطع الورقة قدامي، ما كنتش أعرف إن معاه نسخة تانية، غير لما هو قالهالي قريب، ساعة ما جينا هنا مصر معاه هو ورفعت.
قال أخوها سليمان بقلة حيلة:
- الواد ضحك عليكي يا بسيمة، الحاجات اللي زي دي بتبقى ورقتين، هو قطع ورقة عشان يرضيكي والتانية سابها معاه ضمان، دا بلوة وحاجة زي دي ما تعديش عليه.
أكمل أبو العزم على قوله بابتسامة مريرة:
- لا ماهي اطمنت لما طليقها اتحبس وانزاح الهم عنها. إيه يا بسيمة؟ كان ليكي يد كمان مع قاسم لما اتحبست ظلم بتهمة التعاطي، والبوليس طلع من جيبي حتة الحشيش على قهوة المثقفين وضيع هيبتي وسط زملائي الشعراء والفنانين؟
رفعت عيناه إليها قائلة بصدق:
- والله ماليش ذنب فيها دي كمان، قاسم عملها من ورايا وخلى عيل بالأجرة يدسها في جيبك، عشان يضيع فرصتك في ضم حضانة سمرة ليك.
هتف عليها غاضبًا:
- كل حاجة قاسم قاسم، وأنتِ مالكيش يد في كل اللي حصل ده بتشجيعك ليه؟
لم تقوى على الصمود أكثر من ذلك وانهارت في البكاء، فنهض أبو العزم وذهب من أمامهم تاركًا الجلسة والمكان أيضًا.
قالت نعيمة بشفقة:
- خلاص يا جماعة هي فيها اللي مكفيها، ادعوا بس ربنا يجيبها سلامات وينجي البت.
رددت ثريا زوجة حسن ومعها الفتيات، شيماء ومروة شقيقة رفعت، خلفها بالدعاء. أما رضوى الجالسة بشرود في كل ما تراه، محدثة نفسها:
- كل اللي العز ده كنتِ بتمرغ فيه يا سمرة لوحدك، يا بوي عالحظ.
............................
بقبضتيها الاثنتان كانت تضربه، وتقاوم بكل خلية من جسدها الضعيف، أمام قوته الجسدية وهي تصرخ عليه بأعلى صوتها:
- حرام عليك يا قاسم، بعد عني متخلينيش أكرهك أكتر من كده، أنا واحدة متجوزة على سنة الله ورسوله من واحد غيرك.
صاح هو الآخر:
- أنا هخليكي تصدقي دلوقتي، وتعرفي صح، أنتِ متجوزة مين فينا، أنا ولا المحروس دوكها.
بدأت قوتها تضعف وهي ترى أمامها الكابوس الذي أرّقها طوال سنوات عمرها، والذي لطالما تمنت الموت على أن يتحقق. شعرت بضيق تنفسها والغرفة تدور بها حتى أصبح كل شيء سواد أمامها فغابت عن عالمها تمامًا.
أجفل هو فزعًا وهي كالجثة بين يديه، يهتف عليها بصراخ وهو يربت على وجنتيها:
- سمرة، فُوقي يا سمرة، فُوقي يا سمرة، أنتِ حصلك إيه بالظبط؟ سمرة.
نفسي أفهم هو مقعد الناس الهمج دول ليه؟ مش يطردهم ويخلص بقى، بدل ما هما محتلين القصر كده ولا كأنهم في زريبة، ده إيه القرف ده.
صاحت بها وهي تحدث السيدة لبنى قبل أن تجلس أمامها حول الطاولة الصغيرة بالحديقة.
قالت لبنى باستياء:
- يمشيهم إزاي بس يا صافي؟ هي البنت اللي اختفت دي مش تبقى بنتهم برضه؟
- آه يا تيتة هي بنتهم، بس دي هربت من جوزها في ليلة الفرح، يبقى تستاهل الحرق هي وأهلها.
قالت لبنى بصدمة:
- أعوذ بالله، ليه كده بس يا صافي؟ ما بلاش الكلام الصعب ده يا بنتي، راعي ظروفنا شوية.
أجفلت صافيناز من كلمات لبنى الممتعضة، فتلعثمت تقول بحرج:
- سامحيني يا تيتة، آسفة بجد، بس بصراحة أنا صعبان عليا رؤوف واللي حصل له، انتي عارفة معزته قد إيه في قلبي، وده اللي خلاني أدوس على نفسي وأتصالح مع البنت دي، بس لجل عيون رؤوف وسعادته، تقوم هي تكسر قلبه، لا بقى اعذريني، أنا لا يمكن أسامحها ولا قلبي يصفالها.
صدقت لبنى خداعها فقالت بحزن:
- ومين سمعك بس يا بنتي، ده أنا قلبي بيتقطع من جوا عليه، بس إحنا في إيدينا إيه بس؟ وبرضه ما نقدرش نظلم البنت، يمكن تطلع بريئة.
زمّت شفتيها حانقة بصمت من دفاع لبنى المستميت عنها، فخرجت من شرودها على صوت صدور مكالمة من هاتفها، تفاجأت بالمتصل فأغلقت المكالمة سريعًا بتوتر أمام لبنى، عاود الاتصال مرة أخرى ليزيد من غضبها. خاطبتها لبنى تقول:
- ما تردي يا بنتي على اللي بيتصل ده.
تاففت بضيق:
- أصلها واحدة صاحبتي بس غلسة قوي يا تيتة، ما بطيقهاش.
- ردي يا بنتي، يمكن تكون البنت عايزاكي في حاجة مهمة، مدام بتزن بالشكل ده.
- آه صحيح يا تيتة، يمكن فعلاً زي ما بتقولي كده، عن إذنك بقى، أكلمها بعيد عشان ما أضايقكيش.
قالتها وقامت سريعًا تذهب من أمام لبنى تحاول إخفاء ارتباكها.
***
أتت سعاد بكوبين من العصير، تضعهما أمام السيدة لبنى على الطاولة.
- عصير الليمون يا هانم، زي ما طلبتي.
قالت لها المرأة بامتنان:
- متشكرة أوي يا سعاد، واخدة بالك من الضيوف كويس يا بنتي؟
قالت سعاد بحزن:
- طبعًا، يا هانم، دول أهل سمرة يعني أشيلهم فوق راسي وفي عينيا من جوا كمان.
أومأت لها لبنى برأسها:
- فيكي الخير يا سعاد، ربنا يقدرك يا بنتي ويديكي الصحة.
- متشكرين أوي يا هانم، هي الست صافي هاتشرب العصير، ولا هاترجع تنده عليا أعملها واحد ساقع من تاني؟ حكم دي ما بترحممش.
بشبه ابتسامة قالت لبنى:
- معلش يا حبيبتي هي طبعها صعب شوية بس هي طيبة.
قالت سعاد ممتعضة:
- والنبي دا انتي اللي طيبة يا هانم.
بابتسامة باهتة قالت لبنى:
- على العموم هي بعدت شوية تتكلم في التليفون وزمانها راجعة.
- بعدت شوية!! يعني راحت فين يا هانم؟
سألتها سعاد بشك، فصافي المتعجرفة تعرفها جيدًا، تتحدث أمام البشر دون خجل.
أجابتها لبنى وهي تشير بيدها ناحية اليمين في الحديقة:
- هناك يا بنتي، مش عارفة فين بالظبط، بس هي بعدت عن هنا يعني.
- خلاص يا هانم، أنا هروح أنده عليها بنفسي.
قالتها وذهبت في نفس الاتجاه على الفور، لا تدري لما تسوقها قدماها، ولكنها تتحرك دون تفكير، أجفلت على رؤيتها وهي تصيح بغضب على من تحدثه في الهاتف، وقفت هي بجوار إحدى الأشجار القصيرة، تسترق السمع إليها بفضول.
- عملت فيها إيه يا غبي؟ مش قادر تصبر على ما ييجي ميعاد الطيارة وتسافروا بكرة وتغوروا في داهية بعيد عن البلد نهائي.
- ....................
- يعني انت ملحقتش تعمل حاجة وهي اتنيلت مغمى عليها؟ إن شاء الله يا شيخ كانت ما ماتت عشان كنت خلصت منكم انتوا الاتنين.
- ........................
- وطّي صوتك معايا وما تخرجنيش عن شعوري، أنا مش ناقصاك، خايف عليها قوي يا خوي!!
- ...................
- اترزع مكانك وما تتحركش، أنا مش ناقصة شبهة، هابعتلك الحمار صاحبك بدكتور دلوقتي ييجي يشوفها، وأياك تتصل بيا تاني فاهم؟ أنا هبقى أتصل وأعرف الأخبار لوحدي، اقفل دلوقتي حالا يالا اقفل.
أنهت المكالمة وهي تدب بقدميها على الأرض تزفر بغيظ، وتحدث نفسها:
- أنا عملت إيه بس ياربي؟ عشان تبتليني بجوز الأغبيا دول؟ أوووف.
نظمت أنفاسها قليلًا، تستعيد توازنها، ثم تناولت الهاتف تحاول الاتصال بأحدهم، كل هذا أمام سعاد التي منعت حتى الحركة والكلام تريد أن تعرف سر هذه المكالمة المريبة وما بعدها.
تحدثت صافي في الهاتف لصاحب المكالمة الأخرى:
- أيوه يا زفت انت، عايزاك تستأذن حالا، دلوقتي حالا، من رؤوف وتخرج في مشوار ضروري، ما تبصش ناحيتي يا زفت انت وتلفت نظر الحراس جمبك.
أجفلت سعاد من الجملة الأخيرة، فمالت برقبتها للناحية الأخرى للشجرة تنظر بفضول لصاحب المكالمة، توسعت عيناها بصدمة وهي ترى آخر شخص تتوقعه، وهو يتكلم في الهاتف وحده دون جميع الحراس، ويبدو عليه الارتباك، فحركاته المكشوفة تحفظها عن ظهر قلب، تمتمت شفتاها بصوت مكتوم:
- ممدوح!!
رواية سحر سمرة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم أمل نصر
ممدوح! اوقف ثواني، أنا عايزك.
استدار إليها قبل أن يدلف إلى داخل القصر، مبهورًا بندائها. يتابعها بابتسامة متلاعبة كعادته. وهي تتقدم نحوه وقلبها يرتجف من الداخل، من هول ما يدور بعقلها من أفكار وهلاوس. تتمنى من الله أن يخيب ظنها وتثبت عدم صحتها.
قال لها متغزلاً:
- يا صلاة النبي عليكِ وعلى جمالك. أمر يا قمر، وممدوح ينفذ كل اللي انتي عايزاه.
وقفت أمامه تسأله بتماسك:
- كنت عايزة أسألك الأول، هو أنت داخل القصر ليه دلوقتي؟
أجابها ببساطة:
- ولا حاجة يا ستي. بس معايا مشوار عزا عند واحد صاحبي. قولت أستأذن من رؤوف باشا إني أقضيه، مدام كده كده أنا فاضي ومعنديش شغلانة أعملها.
أومأت برأسها تدعي التفهم:
- آآه، طيب كويس يا ممدوح، إنك بتفكر تعمل الواجب وأنت سيد مين يفهم في الواجب. بس خلي كلامك يبقى بالراحة بقى معاه، عشان رؤوف بيه موجوع قوي من موضوع اختفاء سمرة المفاجئ ده.
زم شفتيه وهو يحرك رأسه باستياء:
- عنده حق صراحة، وماحدش يلومه فيها دي. الله يكون في عونه الراجل، دي البنت هربت وسابته في يوم الفرح، دي مصيبة سودة.
- وأنت اتأكدت منين إنها هربت؟ لسه ما بانتش الحقيقة يا ممدوح.
قال متشدقاً:
- حقيقة إيه؟ ما أديكِ شفتي بعينك الدنيا مقلوبة إزاي جوا؟ وماحدش عثر لها على أثر. ده الراجل وقفنا قصاده وإحنا الشغالين الغلابة، ولا المذنبين يسألنا ويحقق معانا، وبرضه ما وصلش لنتيجة.
- يعني هو ده رأيك يا ممدوح؟
- طبعًا. أمال إيه؟ هو ده رأيي فعلاً. المهم بقى، أنتِ كنتِ عايزاني في إيه يا حلوة؟
ضيقت عينيها قليلاً بتفكير قبل أن تقول بجمود:
- كنت عايزة تليفونك يا ممدوح دقيقة أتكلم فيها عشان أطمئن على الولاد مع الولية جارتي، حاكم أنا تليفوني ما فيهوش رصيد.
ارتبك قليلاً ثم قال بحماس:
- طب وما طلبتيش مني ليه؟ ثواني أروح أشحن لك وأرجع هو.
أوقفته بيدها قائلة:
- تروح فين يا ممدوح دلوقتي؟ مش بتقول إنك داخل للراجل تستأذنه عشان العزا اللي يخص واحد صاحبك؟ هات التليفون ده أرن وأكلم الولية على ما تدخل أنت وتستأذنه. روح يا ممدوح روح، هو أنا هاسرقه؟
تفاجأ بها حينما جذبت الهاتف من يده على حين غرة، وأكملت بدفعه للأمام للدلوف لداخل القصر. فاضطر صاغراً تنفيذ رغبتها وسار من أمامها باتجاه باب القصر.
بعد أن تأكدت من ذهابه، ضغطت على سجل المكالمات لتتبين رقم الهاتف في آخر مكالمة.
***
نهض تيسير عن مقعده في غرفة المكتب أمام رؤوف ورفعت قائلاً:
- طيب يا رؤوف، أنا قايم بقى أطل على الشغل وأرجع تاني إن شاء الله. ماهو ماينفعش أنا وأنت كمان نهمله.
أومأ برأسه دون أن يرفع رأسه:
- روح يا تيسير، بس ما تنساش تنزل خبر تأجيل الفرح في الميديا. ويا ريت تلاقي حجة كويسة، أنا مش ناقص وجع دماغ.
تنهد تيسير بحزن على حالة ابن عمه وقال:
- ماشي يا رؤوف، كل اللي أنت عاوزه هايحصل. عن إذنك بقى، تشرفت بيك يا أستاذ رفعت.
بكف يده على صدره رد التحية بصوت خفيض:
- العفو حضرتك، الشرف لينا.
فتح باب الغرفة فتفاجأ به:
- لا مؤاخذة يا باشا، أنا كنت عايز رؤوف بيه.
لوح تيسير إليه بيده ليدلف وخرج هو. ولكنه تفاجأ برنين هاتفه. رفعه أمام عينيه ليرى اسم المتصل وهو يسير بسرعة غافلاً. فأجفل على سماع صيحة أنثوية تزامناً مع اصطدامه بجسد صغير:
- ما تحاسب يا جدع أنت، إيه هو أنت أعمى؟
ترك الهاتف الذي ما زال يصدح باسم المتصل ورفع عينيه إليها منتبهاً:
- أنت بتكلميني أنا حضرتك؟
رفعت طرف شفتها باستنكار:
- أمال بكلم خيالي يعني؟ داخل فيا بجسمك الطويل ده لما كنت هاتوجعني. مش ترفع عينيك الأول وتشوف وأنت ماشي.
وقف متسمراً وهو ينظر إليها ببلاهة بعد أن أمطرته بوابل من الشتائم، حتى سمع من ينادي عليها:
- بت يا رضوى، تعالي هنا يا بت.
- حاضر يا ماما، أنا جاية أهه. جليلة الزوق.
عوجت فمها وهي تنظر إليه مستنكرة قبل أن تذهب من أمامه حانقة. نظر هو في أثرها مذهولاً قبل أن يستدير ويكمل طريقه، وطيف ابتسامة على وجهه وهو يهز رأسه بعدم استيعاب.
***
عندما وصلت لتجلس بجوار والدتها، جزت نعيمة على أسنانها وهو تضربها بقبضة يدها على ذراعها:
- كنتِ بتعملي إيه هناك يا جليلة الحيا وبتتعاركي ليه مع الراجل؟
تأوهت قليلاً قبل أن تجيب:
- آآه يا ماما، أنا كنت بتفرج على صورة سمرة مع عريسها وهي متعلقة في الحيطة وواخدة نصها تقريباً، وجاء الراجل المخبل ده دخل فيا زي القطر.
- طب اترزعي مكانك وما تتحركيش تاني. متعرفيش تبقي عاجلة في مطرح واصل؟
دلكت ذراعها وتقول بطاعة:
- حاضر باه، دا أنتِ إيدك تقيلة جوي.
***
بوجه شاحب وصوت خرج بصعوبة، تقدمت إليه بخطواتها بعد أن طرقت على باب الغرفة واستأذنت للدخول:
- رؤوف بيه، أنت كنت منبه عليا، لما أشوف حاجة غريبة أو مش مفهومة أقولك عليها.
عقد حاجبيه من الدهشة وهو يسألها:
- في حاجة يا سعاد؟ هو انتي عندك كلام عايزة تقوليه دلوقتي؟
تقدمت إليه صامتة، وأمامه وضعت ورقة صغيرة على مكتبه. تناول الورقة يرى ما فيها فازدادت دهشته:
- في إيه بالظبط؟ وجايبالي نمرة صافيناز على مكتبي ليه؟ ما تعرفيني يا بنتي، خليني أفهم.
بلعت ريقها قبل أن ترفع عينيها وتنظر إليه جيداً، وقد اتخذت القرار:
- أنا هاحكيلك يا باشا، كل اللي سمعته وشوفته، وأنت مع نفسك بقى ابحث وأشوف الحكاية إيه؟ لأني بصراحة مش فاهمة!
***
وبعد أن قصت عليه جميع ما حدث أمامها:
- أنتِ متأكدة يا سعاد، إنك سمعتي العنوان ده بالظبط؟
تفوه بها هادراً، فأجفل سعاد التي قالت بتوتر:
- والله يا باشا زي ما بقولك كده. هو ده العنوان اللي قالته الست صافي في التليفون لممدوح عشان يروح بالدكتور عليه.
ازدادت أنفاسه حدة وحدقيه تتحرك في الفراغ أمامه بتشتت.
سأله رفعت:
- مالك يا رؤوف بيه؟ هو أنت تعرف دا عنوان مين؟ ثم إيه اللي يخليك تتعصب كده؟
قال مشدداً على أحرف كلماته:
- اللي مخليني متعصب كده، إن العنوان اللي قالته حالا ده، يبقى عنوان بيت عمي رياض، ودا مهاجر بقاله سنين هو وعيلته في أستراليا. يعني البيت فاضي أساساً. هي بعتت الدكتور بقى لمين؟ وليه الجو المريب ده و...
قطع جملته بغتة، ليتناول هاتفه ويتصل بحارسه الشخصي، الذي أجاب فوراً عليه:
- أيوه يا صفوت، عايزك تسيب اللي في إيدك حالا وتروح على الفيلا القديمة بتاعة عمي رياض، واللي هأقولك عليه تنفذه بالحرف، فاهميني يا صفوت!
***
كان ممدوح جالساً في الانتظار على مقعد عتيق في غرفة الصالون، يتأمل في جدران المنزل والمعلق عليها أجمل اللوحات، وفي الأسفل يوجد الأثاث الكلاسيكي بالإضافة لبعض التماثيل الصغيرة، والتي وزعت في أماكن متفرقة لتزيد من عراقة المنزل ورُقيه. نهض واقفاً حينما لمح باب الغرفة ينفتح فخرج منه قاسم مكفهر الوجه، بجوار الطبيب وهو يلقي عليه بعض التعليمات والإرشادات لصالح المريضة مع ضرورة العناية الجيدة بها وعدم تعريضها للضغط العصبي مرة أخرى فيحدث ما لا يحمد عقباه.
- فهمني يا حضرة، أرجوك خلي بالك من التعليمات دي كويس، دا لو أنت خايف على المريضة.
أومأ برأسه صامتاً. فقال الطبيب مشجعاً:
- لو حاسس بصعوبة المهمة، أنا ممكن أبعت ممرضة عندي من المركز تراعيها وتاخد بالها منها.
قاطعه بحدة هادراً:
- ما تجيبش حد، أنا هاعرف أراعيها زين، دي مرتي وأنا أولى بيها.
أومأ الطبيب برأسه قائلاً بقلة حيلة:
- اللي تشوفه حضرتك، بس ما تنساش بقى تجيب العلاج اللي عندك كله في الروشتة. عن إذنك بقى.
- روح معاه وصله يا ممدوح.
أشار الطبيب بكفه يقول:
- لا ما فيش داعي، أنا خلاص عرفت السكة لوحدي والحمد لله معايا عربيتي.
بعد أن ذهب الطبيب، التفت قاسم يهتف على ممدوح حانقاً:
- أنت جايبه منين ده؟ بيكلمني من طرف مناخيره وكأن في بيني وبينه عداوة قديمة!
أجابه ممدوح:
- يا عم ما تاخدش كل حاجة على صدرك، دا بس تلاقيه زعلان على البنية. هو أنت عملت فيها إيه؟ الله يخرب بيتك!
زفر بقوة قائلاً:
- هو أنا لحقت أعمل حاجة يا زفت أنت؟ دي سُرجت في يدي وما حطت منطق. استنى ثواني.
- استنى إيه؟
دخل الغرفة فجأة فغاب لحظات قليلة قبل أن يعود ويغلق الباب جيداً. سأله ممدوح مندهشاً:
- هو أنت سبتني ورحت جوا تعمل إيه يا عم؟
تحدث وهو يجلس أمامه:
- رحت شديت الستاير وجفلت الشبابيك، اللي فتحها الدكتور الحمار ده، قال عشان تشم نفسها.
- ينهار أسود، هي لدرجة دي البنت تعبانة؟ ما كنت صبرت شوية عليها يا عم، بدل ما تخوفها كده وترعبها منك. ماينفعش الغشم مع الحريم في الحاجات دي يا عم قاسم.
أخرج سبة من فمه ينعت بها حظه ثم أكمل:
- أبو الحظ الزفت ده، أنا كنت عايز أحطها قدام الأمر الواقع، عشان تشيل من مخها حكاية جوازها من رؤوف والكلام الفاضي ده وتعترف بقى إن أنا بس جوزها.
مط ممدوح شفتيه بعدم رضا قبل أن يقول:
- شوف يا عم الحاج، أنا ماليش حق أتدخل في تصرفاتك معاها. أنا بس بنصحك تخف شوية عليها على ما تركبوا الطيارة وتسافروا من البلد. بس أنا عاذرك برضوا.
قاعدين لوحدكم والبت صراحة جامدة وزي الصاروخ.
- ممدوح! لم نفسك.
اجفل ممدوح من حدته قائلاً:
- خلاص ياعم متزعلش قوي كدا.. أنا كده كده كنت ماشي وهاريحك من وشي.. سلام بقى.
أوقفه بيده قائلاً:
- طب استنى.. وهات العلاج اللي في الروشتة ده معاك الأول.
***
- أيوه يا رؤوف بيه.. كل اللي في دماغك طلع صح.. أنا لمحت قاسم بالصدفة في فيلا رياض باشا عمك.. دا غير إني قررت الدكتور اللي كان عندهم كويس بعد ما خرج من الفيلا.. وعرفت منه حالة المريضة.. واللي اتعرف عليها الدكتور في صورة التليفون وأكدلي إنها سمرة هانم.
كان هذا جزء من مكالمة طويلة بين رؤوف وحارسه الشخصي صفوت.
بعد انتهاء المكالمة.. التفت للثلاثة الجالسين أمامه بوجه جامد.. وملامح غير مقروءة.. فسأله أبو العزم:
- قالك إيه يا ابني يا صفوت؟
مسح على بأنامله على ذقنه يحاول السيطرة على غضبه قائلاً:
- قالي اللي خلاني عرفت إني كنت حمار!
اعترض تيسير قائلاً:
- أنت ليه بتقول كده يا رؤوف؟ هو فيه إيه بالظبط؟
- فيه يا أستاذ تيسير.. إن سمرة خطفها قاسم من بيتي بمساعدة ممدوح اللي أكيد هو اللي بوظ كاميرات الجراج.. وبنت خالتي العزيزية صافيناز اللي قاعدة من الصبح مع تيته فوق تهون عليها مصابنا.. واللي عربيتها خرجت من القصر الساعة واحدة بالظبط.. وبكده يبقى إحنا حلينا اللغز يا بهوات.. بس أنا اللي هايجنني بقى ونفسي أفهمه:
- هما اتلموا إزاي على بعض؟ و صافيناز عرفت قاسم منين؟
أسدل تيسير عيناه بخزي يقول:
- عرفت منّي أنا يا رؤوف.
- وأنت عرفت منين؟ أنا ما افتكرش إني حكيت لك قبل كده.
- عرفت بالصدفة لما سمعت سعاد بتتكلم مع ممدوح وتقرره ليكون له دخل في موضوع خطف قاسم لسمرة من شقة والدها.. وحكيت ل صافي بحسن نية.. بس أقسم بالله يا رؤوف ما أعرف أي حاجة تاني ولا أعرف هي وصلت ل قاسم إزاي.
تجهم وجه رؤوف صامتاً وهو ينظر إليه بحدة.. فتكلف رفعت بالإجابة:
- ماهي واضحة يا أستاذ تيسير.. هي وصلت ل قاسم عن طريق ممدوح الخاين.. بس وعد عليا لأربيه.
قال أبو العزم منفعلاً:
- يا إخوانا مش مهم الانتقام دلوقتي.. أهم حاجة سمرة بنتي.. نروح نجيبها ونخلصها من المجنون ده.
- ما تقلقش يا عمي.. إحنا هنجيب سمرة ونجيب حقها كمان.
تفوه بها وهو ينهض عن مقعده بغموض قبل أن يخرج من الغرفة نهائياً.
***
فتح باب الغرفة حاملاً بيده صينية طعام أخرى غير التي أخرجها سابقاً بما عليها من طعام دون أن يقربه.. تقدم ليضعها على الطاولة ثم جلس على طرف الفراش.. نظر قليلاً إلى ملامحها الجميلة بحزن وهي غافية وهادئة.. مسح بكفه على الجزء الصغير الظاهر من شعرها.. بعد أن تدثرت جيداً في الفراش.
فقال بصوته الأجش:
- سمرة اصحي يا سمرة.. سمرة.
شهقت عن نومها مفزوعة تنهض بجزعها.. جاذبة بيدها الغطاء.. حينما شعرت بيده التي نزلت لظهرها.
رفع يديه الاثنتين أمامها في محاولة لطمأنتها:
- إيديا الاتنين قدامك أهه.. متخافيش مش هالمسك غير برضاكي.
كانت تنظر إليه صامتة وهي ترتجف من الرعب.. فتابع يقول:
- ما خلاص يا بت الناس.. أنا قلتلك إني مش هالمسك غير برضاكي.. اطمني واهدي كده.. أنا جايبلك الأكل عشان تاكلي.
قاطعته صارخة:
- مش هاكل.. سيبني واطلع أحسن.
زفر قليلاً وهو يشيح ببصره عنها قبل أن يعود إليها مترجياً:
- بلاش معاملتك العفشة دي معايا.. أديكِ شفتي بنفسك.. أنا خايف عليكي إزاي وجبتلك دكتور يعالجك.. كولي قمة يا حبيبتي عشان العلاج.
ازداد ارتجافها مع التساقط الغزير لدموعها وهي تهدر بقهر:
- اطلع بره يا قاسم بقولك.. اطلع بره يا أما هاموت نفسي بأي وسيلة وأنت المسؤول.
جز على فكه بغيظ ثم نهض بتمهل من الفراش يقول:
- ماشي يا سمرة.. أنا جايم وسايبك.. بس اعملي حسابك.. أجي ألاقيكي خلصتي الأكل اللي على الصينية دي.. ولو هاتدلعى دلوقتي نتحمل يا ستي.. هو إحنا ورانا إيه؟ مسيرك لحضني.
بعد أن خرج وأغلق الغرفة.. سقطت برأسها على الفراش
تزداد في بكائها بحرقة.
***
طرق بخفة على باب الغرفة قبل أن يدفعه قليلاً ويدلف بداخلها قائلاً بلطف.. للتي تجلس على طرف الفراش بجوار جدته ممسكة بيدها كتاب أجنبي.
- مساء الخير يا صافي.. هي نامت؟
تمعنت جيداً في النظر إليه بإعجاب وهو يرتدي بدلة باللون الأسود دون ربطة عنق.. ورائحته الجميلة ملأت الغرفة.. تعمد التغافل عن نظراتها وهو يسألها:
- صافي.. هو أنتِ سرحانة في حاجة؟
هزت برأسها لتستفيق من شرودها وتقول برقة:
- هاا.. لا بس مستغربة يعني الشياكة والتغيير المفاجئ ده بسرعة.
قال مبتسماً:
- قصدك يعني عشان البدلة والحركات دي.. لا دا بس معايا مشوار.. ابن عمك تيسير بقى حب يخرجني من حالة الاكتئاب اللي أنا فيها فعمل عزومة عمل مع الوفد الدنماركي.. أهي حاجة تشغلني وخلاص.
قالت بحماس:
- فعلاً يا رؤوف.. أنت مافيش غير الشغل هو اللي هايخرجك من الحالة اللي أنت فيها.. الدنيا ما بتوقفش على حد وأنت لازم تنسى.
- فعلاً.. هي ما بتوقفش على حد.. معلش يا صافي تعبتك معايا النهارده لما خليتك تراعي تيته لبنى لوحدك.. تأكليها وتعطيها العلاج وتقريلها كمان.
ابتسمت بمودة:
- بلاش كلامك دا يا رؤوف.. دي مقدار حبها في قلبي كبير قوي.. ومعزتها من معزتك بالظبط.
ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يقول:
- عارف يا صافي.. عارف.. ودا اللي مخليني مصر إنك تقفي جمبي اليومين دول أنا وتيته وما تبعديش عننا.
تبسمت بسعادة قائلة:
- أنت عارفني يا رؤوف.. أنا لا يمكن أتأخر عنكم.. في أي شيء تطلبوه.
أومأ برأسه موافقاً:
- عارف يا صافي.. عارف.. أرجوكي بقى ما تسيبش تيته عشان أنا احتمال أتأخر بره.. ياريت لما أرجع ألاقيكي موجودة.
- مدام أنت طلبت يبقى أكيد مش هاكسفك.. إن شاء الله حتى أبات هنا.
***
خرج من غرفة جدته فعاد التجهم لوجهه مرة أخرى.. أخرج الهاتف من سترته يتصل بصفوت:
- عملت إيه في اللي قلتلك عليه؟
جاءه الرد من صفوت سريعاً:
- حصل ياباشا.. وهو قاعد متلحق حالياً في الجراج مع رفعت بيه.
- تمام.. استناني بقى في العربية أنا نازلك حالا عشان نخلص مشوارنا.
رواية سحر سمرة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم أمل نصر
بنظرة تقييمية سريعة ألقاها على المنزل من الخارج، وهو جالس داخل سيارته بجوار حارسه المخلص "صفوت"، وهي مصطفة بإحدى الزوايا المظلمة في الحي الراقي والقديم أيضًا، قال:
- من الواضح كده إنه حذر أوي وواخد حرسه.. بدليل إنه مطفي أنوار الفيلا من الخارج.
قال "صفوت" بجدية:
- ده حقيقي فعلاً حضرتك.. وده لأنه مبيخرجش نهائي منها.. وحتى العلاج اللي كتبه الدكتور لـ "سمرة" هانم مقدرش يجيبه بنفسه وكلف "ممدوح" يجيبهوله.. ده أنا لولا إنه شفته صدفة وهو بيشد الستاير ويقفل الشباك.. مكنتش هاعرف إنه هنا.
- أنت لمحته في أي شباك قصادك بالظبط؟
أشار بيده على إحدى النوافذ وهو يجيب:
- اللي هناك ده حضرتك.. وبعدها ماتفتحش تاني نهائي.
خفق قلبه بسرعة وهو ينظر على النافذة الخشب والمحكم إغلاقها جيدًا، يتمتم:
- مش عارف ليه حاسس إني دي أوضة "سمرة".
نهض سريعا يترجل من السيارة، ويخلع عنه سترته وهو يأمر حارسه:
- عايزك تقوم بشغلك دلوقتي وتلهيه على ما أقدر أمشط أنا البيت من الداخل.. وأعرف أوضتها فين.
خرج "صفوت" خلفه من السيارة يقول بتحذير:
- طيب ما تستنى ياباشا أدخل أنا معاك.. ولا أجيب بقية الحراس معايا أحسن ونعمل عليه كماشة.
قال بجدية وهو يثني أكمام قميصه الأبيض:
- مينفعش الكلام ده دلوقتي يا "صفوت".. ده واد مجنون وممكن يضرها.. أنا أهم حاجة عندي حاليًا.. هي سلامتها.. أخرجها الأول وبعدين أشوف هاتتصرف معاه إزاي.
قال "صفوت" بتردد:
- ماتزعلش مني يا "رؤوف" باشا.. بس إحنا كان لازم نبلغ البوليس.
- لا مش زعلان منك يا "صفوت".. بس يعني ترضالي أنت.. يتقال عني.. إن مراتي اتخطفت مني في يوم فرحي عليها.
شعر "صفوت" بالحرج فقال:
- عندك حق ياباشا.. أنا آسف فعلاً.. بس يعني أنت هاتتصرف إزاي دلوقتي.
- أنا هلف على ناحية الجنينة.. وهحاول أدخل من الباب القديم في الخلف.. دي فيلا عمي "رياض" وأنا عارف مداخلها ومخارجها.. دي ياما لعبت فيها وأنا صغير مع الزفتة "صافيناز"......
صمت قليلاً، وهو يشيح ببصره بعيدًا، يحاول منع خروج سبة من فمه أمام حارسه، والذي استشعرها الآخر بفطنته فقال:
- خلاص ياباشا متزعلش نفسك.. أنا هاروح معاك الأول عشان أساعدك في فتح الباب اللي قولت عليه.. مدام قديم يبقى أكيد هايبقى مصدي.. وإحنا في عرض الوقت.
أومأ برأسه موافقًا، وقال:
- تمام يا "صفوت" يالا بينا بقى خلينا نخلص مشوارنا ده بسرعة.
.............................
ياباشا ونعمة ربنا.. أنا ماعرف أي حاجة من اللي أنت بتقولها دي.. هو أنا هاعمل كده ليه بس؟
هذا ما تفوه بها "ممدوح" وهو مقيد بالحبال على كرسي صغير بداخل موضع اصطفاف السيارات (الجراش) بداخل القصر، أمام "رفعت" الذي صاح بقوة يرد على كلماته:
- عشان خاين وقليل الأصل.. خونت الراجل اللي استأمنك على مرته وبيته.. لجل شوية فلوس زيادة.. ممكن تجيبها أكتر منها بالحلال.. بس لو صبرت وراعيت ربنا.
شعر "ممدوح" بالخوف مما سيحدث لاحقًا، يغزو صدره ولكنه كالعادة يحاول الخروج من مأزقه بالكذب والخداع.
- ياسعادة البيه.. بس أنت لو تفهمني كويس أنت جايب الكلام ده منين؟.. أنا هارد عليك وأعرفك إني بريء.. مش ترميني بالتهم جزافًا.. ولا عشان غلبان يعني؟
- لا مش غلبان يا "ممدوح".. أنت فعلاً.. خاين.
التفت "ممدوح" مفزعًا، على صوتها، وهي تتقدم نحوه بوجه شاحب وحزين.
- سعاد!
- أيوه "سعاد" يا "ممدوح".. اللي فضلت متحملة وصابرة عليك سنين.. على أمل إنك تتغير وترجع لها إنسان كويس.. بعد ما طلقت منك واتمرمطت في الدنيا واتمسح بكرامتها التراب.. وأنت برضو مافيش فايدة فيك.. الحرام بقى بيجري في دمك.
هتف عليهم بـدراما مصطنعة:
- حتى أنتي كمان يا "سعاد"؟.. ده إيه الظلم ده بس ياربي؟
ضحكت بمرارة تقول:
- هو أنت لسة مش مستوعب المصيبة اللي أنت دخلت نفسك فيها؟.. وعايز كمان تكدب عليا من تاني؟.. أنا اللي كشفتك ليهم يا "ممدوح".. لما سمعت "صافي" بتكلمك وتأمرك تروح لـ "قاسم" بالدكتور..
انسحبت الدماء من وجهه وحل الرعب المرتسم على ملامحه بقوة، وهو ينظر إليها. فتابعت:
- مكنتش مصدق إن دا ممكن يحصل وبالسرعة دي صح؟.. بس أهو حصل يا "ممدوح" و"رؤوف" بيه عرف مكان "سمرة" وعرف باللي عملتوه أنت و"قاسم" و"صافيناز".. ربنا كشفك يا "ممدوح".. عشان ما أنخدعش فيك من تاني وأقبل أرجعلك تاني وتأكل عيالي من الحرام.
أطرق بوجهه أرضًا، صامتًا، لا يقوى بالرد عليها بكلمة، فباغته "رفعت" بسؤاله:
- ودلوقتي يا أخينا أنت.. عايزك تحكيلي كل اللي حصل بالترتيب.. من طق طق لسلام عليكم.
................................
مغمضة عيناها وساكنة الحركة وهي تدعي النوم، تحاول السيطرة بصعوبة على ارتجافها وخوفها، من هجمة باغتة قد تأتيها منه، وهي تستمع لأنفاسه الخشنة وتشعر بنظراته المسلطة تخترق ظهرها، على الرغم من أنها قد تدثرت جيدًا، وأخفت جسدها كاملاً، تحت الغطاء، ولكن تاريخها معه يجعلها دائمًا، تشعر بأنها عارية أمامه، وهي تحفظ كل همسة وكل لفتة منه، عديم الرحمة والحياء أيضًا، إنه لا يتركها حتى تنعم ولو بقسط قليل من الراحة بدلوفه داخل الغرفة، كل نصف ساعة يطل عليها وهي غافية، أو تدعي النوم هربًا منه.
أجفلت على هذا الصوت القوي الذي صدر من قريب، أو بالآحرى داخل حديقة المنزل، لدرجة جعلت عيناها تتحرك من المفاجأة، ولكن يبدو أن "قاسم" لم ينتبه وذلك لأنه خرج سريعًا، ليتبين مصدر الصوت وسببه.
زفرت بقوة وهي تحمد الله أنه خرج وتركها تتنفس ارتياحًا بخروجه. يا الله ألا يوجد حل ولو صغير أو حتى مهرب من معاناتها حتى لو بالموت.
أثناء مراقبته لها وهي نائمة، لا تدري بنيران شوقه إليها، رغبة قوية بداخله تحاول دفعه نحوها، حتى يتحقق حلمه الأزلي بالاقتراب منها، وعلى الرغم من تحذيرات الطبيب له بعدم الضغط عليها لتشفي، ولكن من يأتي له الصبر عليها وهي وحدها الآن معه وفي غرفة ليست مغلقة في وجهه، ولكن مع سماع هذا الصوت القوي، جعله يتراجع عما ينوي فعله ويخرج من الغرفة فورًا، فينزل على درجات السلم سريعًا.
ومن الخلف في آخر الرواق، كان "رؤوف" مختبئًا خلف إحدى الأعمدة في الانتظار، تقدم بخطواته سريعًا، نحو الغرفة التي يعرفها جيدًا منذ الصغر، بعد أن رأى "قاسم" وهو يخرج منها.
فتح باب الغرفة بحذر ودلف داخلها ليرى ما بها، فتبين صدق إحساسه فور أن وقعت عيناه عليها، وهي مستلقية على فراشها ونائمة، شعر بقلبه يكاد أن يخرج من صدره، من فرط هذه المشاعر التي اجتاحته فور رؤيتها.
أما هي فانتابتها خيبة الأمل، حينما فتح الباب وظنت أن من دلف هو "قاسم" مرة أخرى، مرة أخرى سيضغط على أعصابها ويحرمها الراحة في حضرته، مرة أخرى تدعي النوم كذبًا وهي بداخلها ترتجف خوفًا في انتظار السوء، ولكن مهلاً، هذه ليست رائحته ولا هذا صوت أنفاسه الخشنة التي تصل إلى مسامعها ولا.... دون أن تشعر فتحت عيناها فشهقت مفزعة معتدلة في الفراش بجذعها، فور أن رأته بطلته الوسيمة والمطمئنة، كتمت شهقتها سريعًا في أحضانه.
تمتم وهو يشدد عليها بذراعيه:
- وحشتيني.. وحشتيني قوي.
أما هي فتحولت شهقاتها لبكاء بنشيج مكتوم، وهي تتمتم بصوت مختنق:
- أنا مش مصدقة إني شوفتك.. أنا مش مصدقة إني في حضنك.
شدد أكثر في احتضانه لها وهو يهدهدها ويمسح بكفه على شعر رأسها المستلقي فوق ظهرها قائلاً:
- اهدى خلاص يا "سمرة".. اهدى أنا جيت وأنتي في حضني دلوقتي.
نزعت نفسها من أحضانها تنظر إليه بترجٍ وعيناها اغرورقت بالدموع:
- يعني هاتقدر تطلعني من هنا يا "رؤوف"؟ ومش هاتسيبني وتمشي؟
هز رأسه مستنكرًا، ضعفها وعدم ثقتها حتى به:
- أسيبك إزاي يا "سمرة"؟.. وإيه حكاية مقدرش أطلعك دي كمان.. هو أنتِ لدرجة دي الزفت هزك وضيع ثقتك في كل الناس؟
قالت ما بين شهقاتها وكأنها لم تسمع ما قاله:
- والنبي يا "رؤوف" ماتسيبني.. أنا هموت نفسي لو فضلت في العذاب ده كتير.
سألها بفزع:
- هو أذاها يا "سمرة"؟.. عشان لو قدر وعملها أنا هاكون مخلص عليه حالا.
هزت رأسها تنفي:
- مقدرش يا "رؤوف".. لحد دلوقتي لسه.. لكنه مش هايصبر عليا كتير.. أنا عارفاه.
قاطعها وهو يطبق بكفيه الاثنتين على جانبي وجهها، ليجبرها على النظر داخل عينيه ويوقف هذيانها قائلاً بقوة:
- اسمعي الكلام اللي بقوله ده وافهميه كويس.. ده عيل جبان وأنا أقدر أفعصه برجلي.. بس الأهم عندي دلوقتي إني أخرجك من هنا سليمة وبعدها أنا هعرف أربيه صح.. فاهمة اللي أنا بقوله ولا أنتِ ماسمعتيش أساسًا؟
أومأت برأسها تحاول التماسك واستيعاب ما قاله جيدًا، فقبلها بقوة على جبهتها واحتضنها داخل أحضانه مرة أخرى، يحاول طمأنتها بوجوده واستعادة رشدها، وقد شعر أن خوفها من هذا المعتوه المريض، تخطى مداه وقد كاد أن يصل بها إلى حافة الجنون.
................................
خرج "قاسم" من الباب الرئيسي، ينتقي خطواته بحذر، مشهرًا سلاحه هنا وهناك، في أي اتجاه حوله يتوقع الخطر منه، جميع حواسه منتبهة لأقل همسة يشعر بها، في هذا السكون المسيطر على المكان فلا يقطعه سوى صوت أوراق الشجر الجافة التي يدعسها بحذائه في الحديقة القديمة للمنزل، ومن الجهة الأخرى، كان "صفوت" مختبئًا خلف إحدى الحوائط في انتظاره، معه أيضًا سلاحه ولكنه موجه للأسفل، يريد أخذه على حين غرة، حتى يشل حركته ويأخذ السلاح الذي رآه بيده فور خروجه من الباب، فهو رجل أمن وهذه التدريبات طالما قام بها ونفذها بامتياز، صوت الأقدام يقترب يبدو أن الفأر يقترب من المصيدة، وقد ازداد الحماس بداخله للقبض على هذا المعتوه وتقديمه للعدالة.
توقف الصوت فجأة. توقفت أنفاس صفوت وهو يتساءل عن سبب توقفه. تحفزت خلاياه لسماع الصوت مرة أخرى، ولكن للأسف، هذه المرة بدا أنه يتراجع. انتابه الذهول عن سبب تراجع قاسم، ولكنه أدرك الخطأ حينما التف برأسه فجأة، فلمح باب الحديقة القديم الصغير وهو مفتوح. لقد رآه قاسم وعلم بوجود غيره داخل القصر دون أن يدري. وقد دفعته غريزة الحماية لسيده وصديقه أيضًا. ترك مكانه عسى أن يلهيه ولو لبعض الوقت عن سيده حتى يخرج بزوجته من باب الخدم المؤدي إلى باب الحديقة الخلفي بناءً على اتفاقهم سابقًا.
صاح عليه بصوت واضح وهو مشهر سلاحه:
- أوقف عندك يا قاسم.
التفت بجسده على الصيحة فوجد صفوت على بعد خطوات قليلة منه، مشهرًا السلاح بوجهه بكل شجاعة.
وبرد فعل غير متوقع، أطلق قاسم فورًا من سلاحه طلقة سريعة أصابت صفوت بكتف ذراعه الأيمن. فرد الأخير رغم إصابته وألمه بطلقة خرجت عشوائية من سلاحه على قاسم الذي تفاداها بسهولة. فقد أصاب الهدف جيدًا حينما أصاب الذراع الأيمن لصفوت. ليتخذ موضعًا بجوار السور الصغير لدرجات السلم القليلة المؤدية لباب المنزل. فاتخذ صفوت هو الآخر مخبأً خلف إحدى الشجيرات الكبيرة.
وانطلق بعد ذلك وابل من الطلقات في الجانبين.
***
خرج بها من باب الغرفة حاملاً إياها بين ذراعيه، وهي متشبثة به ومستسلمة. لم تعترض كعادتها، وذلك لشعورها بعدم المقدرة على السير أو المقاومة بالابتعاد عنه. لقد وجدت أمانها بداخل أحضانه، دافنة رأسها بعنقه، تستمد من دفئه ورائحته الزكية راحتها واطمئنانها. وهو يحفزها بكلماته المطمئنة. نزل بها درجات السلم.
انتفضت فجأة على الصوت القوي لطلقات النيران والصادرة من قريب جدًا. شدد عليها بقوة قائلاً:
- اهدئي يا سمرة، ده صفوت بيتعامل مع الزفت قاسم. ما أنا قايلك إننا مش هنسيبه، بس أخرجك الأول وأطمن عليكي.
انطلق وابل الرصاص فقالت بخوف:
- أحسن واحد فيهم يموت يا رؤوف.
شدد مرة أخرى عليها يقول بقوة:
- بقولك اهدئي ومالكيش دعوة انتي. بطلي ترتعشي في إيدي، كل حاجة هتبقى تمام. اهدئي بقى.
هدأت قليلاً وهو يسير بها حتى كاد يصل لباب المطبخ الخشبي، فسمع صوته الهزلي من خلفه:
- يا أهلا يا رؤوف باشا، الفيلا نورت.
التفت إليه مجفلًا، وقد اختفت أصوات الطلقات. ويبدو أنه نجح في الانتصار على صفوت، وها هو أمامه سليم معافى، ولم تخدشه طلقة واحدة.
قال قاسم بسخرية:
- إيه! هاتفضل باصصلي كده كتير تتأمل في جمالي؟ ماتروح ياراجل شوف صاحبك الغرقان في دمه بره، وديه المستشفى ولا عالجه بدل ما انت شايل مرتي وطالع بيها زي الحرامية؟
أطبقت بذراعيها الملتفة على عنقه بقوة، وقد ازداد ارتجاف جسدها مرة أخرى. شدد هو الآخر بذراعيه عليها وهو يقول بابتسامة جانبية تخلو من المرح:
- دا انت كمان ظريف ولك عين تبجح وانت قاعد في بيت عمي وخاطف مراتى. ودلوقتي بتتهمني أنا إني هاربها منك. هو انت نسيت نفسك يالا والجنان عمل معاك مفعوله؟
لوح قاسم بسلاحه يتلاعب به وهو يقول باستخفاف:
- ده حقيقي على فكرة. أنا فعلاً مجنون زي انت ما بتقول. بس بجى مجنون بمرتي، اللي اتجوزتني في لحظة محبة ولهفة وهي عمرها 15 سنة من ورا أهالينا. ولما كبرت بجى ما عجبتهاش وهي حبت تغير. طب ده يرضيك؟ أسيبلك مرتي ولا انت تتجوز واحدة أتمتع بيها واحد غيرك سنين طويلة؟
شهقت فجأة وهو تفك ذراعيها عن عنقه. فنظرت لوجه رؤوف سريعًا تقول بقوة:
- كداب يا رؤوف وبيفترى عليا. أنا عمري ما كنت مراته ولا هكون إن شاء الله حتى على موتي.
لم يرد عليها وهو ينظر إلى قاسم صامتًا، مضيقًا عينيه بتفكير. قبل أن يقول أخيرًا بازدراء:
- تصدق بأيه؟ انت لا راجل ولا تعرف ريحة الرجولة. لا وكمان ندل وجبان.
***
خلع قاسم قناع العبث عن وجهه ليشهر عليهم بسلاحه وهو يقول بحزم:
- قول اللي انت عايز تقوله براحتك. برضك مش هخليك تطلع بيها من هنا ولا بموتي. ولا أقولك أموتك انت أحسن. نزلها خلص وامشي من هنا، بدل ما أفرغ بقية الرصاص اللي فاضل في مسدسي عليك.
صمت رؤوف ولم يتحرك. التفتت هي برأسها إلى قاسم بعينين لامعتين يفيض منها القهر. فقال لها بغضب:
- أقصر الشر يا سمرة وبعدي عنه بدل ما أخلص لك عليه.
ثم تفاجأت بـ رؤوف وهو يرخي يديه عنها لتجد أقدامها على الأرض. فتمسكت به راجية وهي تبكي وتقول:
- رؤوف، انت هاتنفذ كلامه صحيح وتسيبني؟
دون أن يلتفت إليها، أبعدها قليلاً عنه يقول:
- ابعدي دلوقتي يا سمرة وسبيني أتكلم معاه لوحدنا.
تراجعت مصدومة تستند إلى الحائط. فتتبعها قاسم بعينيه متبسمًا بانتصار:
- أيوه كده. خليك شاطر. وراعي عمر...
لم يكمل الجملة فقد شعر بنفسه يهوي أرضًا على رأسه بعد أن سحب رؤوف السجادة من تحت أقدامه. فسقط أيضًا سلاحه. وقبل أن يستدرك نفسه، وجد رؤوف ينقض عليه يكيل إليه الكلمات القاسية على وجهه بغضب اعتمر بداخله وتوغل بعد أن أزاح بقدمه السلاح بعيدًا عنه:
- أنا هاخليك تفكر ألف مرة بعد كده، قبل ما تنطق اسمها.
***
جحظت عيناها لما يحدث أمامها بذهول. وهي ترى قاسم المجرم وهو يتلقى الضربات من رؤوف، وهو لا يتمكن حتى من المقاومة. وأخيرًا، شعرت بنفسها وكأنها استفاقت. تهتف عليه بجزع:
- خلاص سيبه يا رؤوف. هايموت في إيدك.
والآخر أعمى الغضب ولا يستطيع سماعها. حتى أصبح نداؤها صراخًا:
- وحياة غلاوتي عندك لتسيبه خلاص.
توقف أخيرًا بعد سماعه الصوت الهادر بقوة، الذي دلف بغتة لداخل المنزل:
- اسمع كلامها يا رؤوف وسيبه بسرعة.
رواية سحر سمرة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم أمل نصر
اسمع كلامها وسيبه يا رؤوف.
لم يكد يسمعها يميز الصوت المعروف إليه.. حتى شعر به يدفعه بقوة تفوق قوته حتى أوقعه أرضًا بعيدًا عن قاسم.. المستلقي على الأرض ومدرج بدمائه.
إيه يا أخي انت عايزه يموت في إيدك؟ دي مش طبيعتك دي يا رؤوف.
عصام!! انت وصلت امتى؟ وعرفت تجيب رجالتى ازاي؟
سأله مندهشًا وهو يرى المنزل امتلأ بالرجال من حراسه.. فأجابه الآخر وهو يرفع قاسم عن الأرض.
أنا لسه واصل حالا ياعم من المطار ومعايا أختك سمسه والبنت الصغيرة.
هدر قاسم بيأس وهو يستفيق من أوجاعه وقد وقع في أيدي الحراس:
والنعمة ما هاسيبك تتهنى بيها.. فاهمة يا سمره مش هاسيبك.
صاح رؤوف على رجاله وهو ينهض عن الأرض.. خدوه من هنا على مركز الشرطة حالا.. وأنا هاتصل بمأمور القسم افهمه من مكاني.
أذعن الرجال لأمره واقتادوه للخارج وهو يصيح بصوته العالي..
سيبوني.. سيبوني ياكلا... مش هاسيبك يا سمره.. مش هاسيبك يا رؤوف وهاخد حجى منكم.. انتو الاتنين.
اقترب منها ليضمها إليه مقبلًا قمة رأسها:
خلاص ياقلبي كل حاجة انتهت.
قالت بصوت خفيض وهي تحاول دفعه بيدها عنه بخجل:
خلاص يا رؤوف.. الراجل الغريب واقف.
أبعدها قليلا ينظر إلى وجهها مبتسمًا:
ومين قالك إن صاحبنا دا غريب.. دا عصام.. جوز أختي الصغيرة.. دي اللي قولتلك عليها قبل كده.. آخر فرد في عيلتي الصغيرة.. بعد ما اتوفى والدي ووالدتي.
تبسم إليها باشراق قائلاً:
تشرفنا أوي يا آنسة اااا.. سمره.
أومأت برأسها خجلًا:
الشرف لينا حضرتك.. أهلًا وسهلًا يا أستاذ عصام.
أجفله رؤوف سائلًا:
ما تفهمنا يا أخينا انت.. جيت هنا إزاي؟
يا عم أنا جيت مع تيسير اللي كان بيستقبلني أنا وأختك من المطار.. وعرفت منه الحدوتة في الطريق بعد ما اتفاجأ وهو بيوصلنا عالبيت باتصال صفوت وهو بيستنجد بحد ينفذه.. ويساعدك انت كمان.
هز برأسه يستوعب:
طيب هو فين تيسير دلوقتي وفين صفوت؟
تيسير وسمسمة أخدوا صفوت معاهم حالا.. دلوقتي على المستشفى. وأنا دخلت بالرجالة اللي وصلوا هنا بأمر من صفوت الله يكرمه.. دا إحنا جينا لقيناه على آخر نفس ودمه مفرق الأرض بره.
قال رؤوف بحزن:
ربنا يشفيه يارب ويقومه بالسلامة.. أنا لازم أروح أطمن عليه حالا.. بس أما أوصل سمره الأول.
أوقفته فجأة وهو يسير بها للخروج:
طب و صافي يا رؤوف.. هاتعمل معاها إيه؟
بابتسامة غامضة وهو يلف ذراعه حول كتيفيها قال:
متشغليش نفسك انتي ياقلبي.. كل حاجة أنا عامل حسابها.
***
جالسة على الأريكة الأثيرة.. تتحدث بأريحية في الهاتف مع إحدى صديقاتها.. المتسائلة بفضول عن إلغاء حفل زفاف رؤوف على عروسه في نفس اليوم.
يا حبيبتي زي ما بقولك كده.. معرفش أي حاجة عن الموضوع ده.. ما انتي عارفاني مبحبش أحشر نفسي.
يا صافي بلاش كدب.. أكيد انتي تعرفي وبتخبّي علينا.
أوووف يا.... يا بنتي بلاش تضغطي عليا.. أنا مبحبش أخوض في الأعراض.
هااا... ينهار أسود.. معقولة رؤوف اكتشف إنها بتخونه.
يووه عليكي يا نيرمين.. انتي بتسحبي مني الكلام غصب عني.. بقولك إيه.. حس عينك الكلام ده يطلع بره.. أنا بقولك أهو وبحذرك.
حاضر يا صافي.. طبعًا مش هاقول ولا أنشر الخبر.. بس أنا صعبان عليا رؤوف.. دي صدمة صعبة أوي دي لما يكتشفها في يوم فرحه.. بس بقى هو اللي يستاهل.. عشان سابك انتي بنت الأصول وبص لغيرك.
متقوليش كده يا نيرمين.. أنا بحب رؤوف وبتمناله كل خير.. حتى لو اتجوز غيري.
يا صافي.. بقى من قلبك الكلام ده؟
أيوه يا أختي من قلبي.. اقفلي بقى عشان أنا صوت دوشة.. يمكن يكون هو اللي وصل.
وماله يا حبيبتي.. ربنا يوفقك.. سلام.
أنهت صافيناز المكالمة سريعًا.. واتجهت للمرآة خلفها.. تلقي نظرة على زينة وجهها وما ترتديه.. ثم تناولت كتاب جدته وجلست مرة أخرى تتدعي القراءة في انتظاره.. طالت الدقائق حتى فتح الباب بغتة وطل عليها رؤوف بابتسامته الرائعة:
مساء الخير. انتي لسه صاحية؟
شهقت فجأة تدعي الاجتفال وتتحدث بنعومة:
رؤوف خضتني.. أصل كنت مشغولة شوية في قراية الرواية.. والوقت خدني وما حسيتش بيه. بس انت اتأخرت أوي كده ليه؟
ازدادت ابتسامته المبهمة اتساعًا.. وهو يضع يديه بداخل جيبي بنطاله.. وقال:
أصل أنا كان عندي مهمة صعبة وربنا وفقني وعرفت أخلصها بقى.. تحبي تشوفي المهمة.
قالت بدهشة:
مهمة إيه بالظبط اللي أشوفها؟
ازدادت ملامحه غموضًا.. وهو يقول:
هتشوفيها حالا.. ياصافي.. ادخل.
رفعت عيناها لباب الغرفة والتي توسعت بشدة.. حينما راتها تدلف أمامها لداخل الغرفة.. ومعها عصام زوج شقيقة رؤوف.. فغرت فاهما مذهولة للحظات قبل أن تقول:
سمره!!.. وعصام كمان!!.. هو في إيه؟
ضم رؤوف زوجته المجروحة إلى صدره مواجهًا لصافيناز بكل قوة:
انتي ما خدتيش بالك.. بقولك خلصت المهمة.. يعني أنقذت مراتي من الكل... اللي خاطفها في بيت عمي رياض.. يعني الخطة الدنيئة اللي اترسمت بحرفية كلها اتكشفت.
ازدردت ريقها بتوتر فخرجت كلماتها بتلجلج:
الخطة ودنيئة!! يعني إيه؟
هتف عليها بقوة:
انتي عارفة أنا أقصد إيه؟ وبلاش تستعبطي عليا.. شريكك: ممدوح".. قال على كل حاجة.. من أول ما خدعتي سمره بحكاية الصداع والبرشام اللي موجود في عربيتك.. لغاية تكميمها بالمخدر ووضعها في عربيتك.. عشان توصليها للزفت قاسم.. اللي فتحتي له بيت عمي.. يبرطع فيه قبل ما تظبطيلي الورق اللي يقدر يسافر بيه وياخد معاه سمره وتخلصي منها نهائي بعد كده.
انسحبت الدماء من وجهها أمامه حتى كادت تشبه الأموات فهتف بدموع:
أنا برضوا يا رؤوف هاعمل كده.. بقى تصدق الحيوا... ده وتكدب صافي بنت خالتك.
آخرسي خالص ماسمعش صوتك.. انتي ليكي عين تكدبي كمان.
تفوه بها هادرًا.. بغضب جحيمي.. وهو يحاول كبح جماح غضبه عنها حتى لا يزهق روحها انتقامًا منها.
شدت سمره ذراعيها حول خصره تقول مهدئة:
خلاص يا رؤوف عشان خاطري.. ماتعصبش نفسك عليها.. دي ماتستاهلش.
تلاحقت أنفاسه وهو ينظر إلى وجهها الجميل.. يحاول تهدئة أعصابه بشعوره بقربها.. قبل أن يرفع رأسه إلى صافي قائلًا بتهديد:
اسمعي أما أقولك.. أنا كنت أقدر أبلغ عنك وأخليكي تشيلي القضية مع قاسم وممدوح.. بس أنا افتكرت اسم العيلة.. اللي هايتشوه بسبب واحدة ماتستاهلش زيك..
قالت بتوجس:
يعني إيه يا رؤوف؟ مش فاهمة.
يعني الباب ده تخرجي منه عالشارع على طول وما أشوفش خلقتك في أي حتة أشوفها تاني.. ويريت بقى لو تريحينا أكتر.. وتسيبى البلد نهائي.
نظرت بجزع لذراعه الممدودة لها بأهانة نحو الباب. فخاطبت عصام الجالس على طرف التخت غير مبالٍ.
وغلاوة كوكى عندك يا عصام.. ادخل معاه وخليه يسمعني.. بدل الظلم ده.
يابت وأنا مالي بس.. بتحلفيني بغلاوة بنتي ليه.
هدر عليها رؤوف بقوة:
اخرجي بره حالا.. دلوقتي يا صافي.. يا أجيبلك الحرس يرموكي بره.. وصدقيني بجد أنا مش هتراجع.
نظرت بحقد نحو سمره والتي مازلت تحتمي داخل أحضان زوجها.. قبل أن تخرج مطأطأة رأسها تبتلع الإهانة.. متحسرة على عشق طفولتها.. الذي أخذته فتاة لا تستحق في نظرها زوجًا كـ رؤوف!
***
في صباح اليوم التالي
حينما كانت نائمة بعمق على تختها بداخل غرفتها الحبيبة.. بعد أن شعرت بالأمان أخيرًا.. وحدثت المعجزة بالخلاص من قاسم وزجه بالسجن.. ليأخذ عقابه الذي يستحقه.. حينما أنقذها زوجها.. عوض الله إليها بعد سنوات من العذاب.. وافتقاد الأمل في التغير.
استيقظت على أنامل رقيقة وناعمة تلامس بشرة وجنتيها.. وتلهو بخصلات شعرها المتمردة على وجهها.. فتحت أجفانها.. لتجد طفلة كوجه الملاك بجمالها وعيونها الزرقاء.. تبتسم لها براءة وغمازة زينت وجنتيها بروعة.. استفاقت تجلس بجزعها.. فتمتمت بانبهار:
بسم الله ماشاء الله.. دا إيه الجمال ده؟ واللى جابها هنا دي؟ انتي مين ياقمر؟
قالت الصغيرة ببرائة:
أنا اسمي كارما.. وانتي بقى اسمك إيه؟
كارما!! أنا اسمي سمره.. بس انتي بنت مين؟
كوكى انتي هنا وأنا بدور عليكى!
التفتت سمره على صاحبة الصوت.. لتجدها فتاة لا تقل جمالًا عن الطفلة.. ملامح دقيقة على وجه مستدير وبشوش.. فرقت عن الطفلة فقط في لون العيون.. فهذه عيناها تبدو كلون العسل.. لا تدري لما شعرت برابطة نحوها وكأنها تعرفها منذ زمن.. اقتربت الفتاة لتجلس بجوارها على طرف التخت قائلة بابتسامة رائعة:
أخيرًا.. صحيتي.. دا أنا على كده هاشكر كوكى بقى عشان صحتك من غيبوبة النوم.
تناولت الطفلة تقبلها في وجنتيها قبل أن تضعها على أقدامها... أشارت سمره بسبابتها نحوها تسألها بدهشة:
نعم حضرتك.. انتي بتكلميني أنا؟
أما ل يعني هاكون بكلم السرير؟ ماتقومي يابنتي وفوقي كده.. دا يومك النهاردة.. واحنا دلوقتي داخلين عالساعة 12 الضهر.. يعني يدوبك تجهزي.
يومي إزاي يعني مش فاهمة؟ هو انتي مين؟
أطلقت ضحكة قصيرة بصوت مميز تقول:
خمني يا ستي أنا مين؟
استجابت سمره لدعابتها فقالت لها بابتسامة:
أخمن إزاي يعني وأنا أول مرة أشوفك؟ بس بصراحة يعني.. انتي شكلك مش غريب عليا.
شهقت بفرحة:
حلو أوي يبقى قربنا...
قومي بقى عشان تشوفي أنا أقصد إيه.
انتابها الذهول حينما جذبتها فجأة لتنهض عن تختها، وأكملت في سحبها حتى أدخلتها شرفة الغرفة.
"شوفي بقى يا ستي أنا أقصد إيه بالظبط."
أشارت بيدها نحو ما يحدث في الحديقة، حيث الزينة التي وضعت بها، مع حركة غير طبيعية من البشر في الأسفل، لإعداد على ما يبدو حفلة كبيرة.
همست بجانب أذنها تقول:
"ده فرحك يا سمرة."
تمتمت تنظر للفتاة بعدم استيعاب:
"نعم؟"
"صباح الجمال على أحلى امرأتين على وجه الكرة الأرضية."
استدارت سمرة على صوت زوجها، فوجدته يرفع الطفلة الصغيرة ويقبلها بسعادة.
"حبيبة خالو انتي، ياروح قلبي."
التفتت للفتاة مرة وقد خمنت جيداً من هي.
فأومأت برأسها لها ضاحكة:
"أيوه أنا بالظبط كده، أبقى سمسمة أخت رؤوف، اللي عايشة في لندن مع جوزي عصام."
بعد ذهاب شقيقته وطفلتها لخارج الغرفة، ظل رؤوف لبعض الوقت يشرف من غرفتها ما يعده العمال وذوي الخبرة، لإعداد الحفل في أبهى صورة.
"كده على طول وتاني يوم كمان، مش خايف لناس تطلع علينا الإشاعات."
تفوهت بها وهو تنظر أيضاً في الأسفل، دون أن ترفع عيناها إليه.
قال هو ببساطة:
"وما يطلعوا مية إشاعة حتى، وأنا هايهمني في إيه؟"
رفعت عيناها تنظر إليه تسأل:
"طيب وأنتي يا رؤوف، اتأثرتي بالكلام العفش اللي قالوه قاسم عليا ولا ورقة الجواز العرفي اللي مضية عليها باسمي؟"
تناول كف يدها قبل أن يجيبها:
"أولاً بقى دي مش ورقة جواز على الإطلاق، دي مجرد ورقة هبلة مالهاش معنى وأنا ولله الحمد قطعتها عشان أريح دماغي ودماغك. ثانياً بقى، أنا مش عايزك تتوترّي نهائي ولا تقلقي من أي حاجة، النهاردة إن شاء الله هاتعدي على خير، وهتبقى أحلى مليون مرة من ليلة القاعة اللي كان ميعادها امبارح، دا كفاية إن اللي هايحضر بس هيكونوا بس حبايبنا."
ترقرقرت عيناها بالدموع فقالت بصدق:
"أنا بحبك جوي يا رؤوف."
قرب راسها يقبلها بقوة قبل أن يرد عليها:
"وأنا بموت فيكي يا قلب رؤوف."
طرق خفيف على باب الغرفة أجفلهم، هتف رؤوف متذمراً:
"مين اللي بيخبط؟"
فتحت سعاد الغرفة قليلاً تستأذن:
"ده الفطار ياباشا، ممكن أدخل؟"
"آه صحيح، ادخلي يا سعاد."
تقدمت بصنية صغيرة عليها بعض الأطعمة الخفيفة لوجبة الإفطار، تضعها على الطاولة الصغيرة. فطبع رؤوف بقبلة صغيرة على وجنة سمرة قائلاً، قبل أن يخرج:
"طب أنا هاسيبك تفطري بقى وهاخرج أشوف شوية مواضيع كده عن الشغل في مكتبي."
خرج سريعاً، فانتبهت سمرة على صديقتها، التي لم ترفع عيناها وهي تضع أطباق الأطعمة، حتى وهي تقول:
"حمد الله على سلامتك يا سمرة هانم."
"سعاد ارفعي راسك وحطي عينك في عيني، دي مقابلة برضوا تجابليني بيها، بعد ما عرفتي اللي حصل معايا."
قالت سعاد بصوت مهزوز:
"بصراحة مكسوفة وعيني في الأرض، عشان كنت سبب أساسي في اللي حصل معاك، بسبب عمايل ممدوح اللي عض الإيد اللي اتمدتله بكل بجاحة."
اقتربت منها ترفع بطرف أناملها ذقنها لتنظر إليها جيداً:
"أديكي قولتيها بنفسك، هو اللي خان. لكن في المقابل بجى انتي عملتي معايا إيه؟ انتي بلغتِ عنيه، رغم إنه حب عمرك وأبو ولادك عشان تنقذيني وتنجيني. ياسعاد انتي أختي، في واحدة هاتشيل من أختها عشان جوز أختها طلع ندل."
لم تملك سعاد إلا أن ترتمي بأحضان صديقتها وهي تردف:
"ربنا بس اللي عالم يا سمرة، انتي أكتر من أختي والنعمة الشريفة."
في المساء.
وهي جالسة أمام المرآة، تضع لها الفتاة الخبيرة في تصفيف الشعر بعض اللمسات الأخيرة، بعد أن ارتدت فستان أحلامها، فأصبحت كالأميرات في جمالها ورقيها. أطلت عليها من الباب سمسمة شقيقة رؤوف تنظر إليها منبهرة.
"بسم الله ما شاء الله عليكي، انتي فعلاً جميلة وقمر بالظبط زي ما وصفك رؤوف وتيتة لبنى."
"تسلميلي يا سمسمة، ربنا يخليكي. بس انتي أحلى والنعمة."
قالت بمرح:
"أنا أحلى برضوا، طب إيه رأيك يا ستي، ندخل ناس تحكم ما بينا، إن كنتي انتي القمر ولا أنا؟"
تساءلت بدهشة:
"ناس مين؟"
فتح الباب جيداً، فتوسعت عيناها بصدمة وهي تجد مروة وشيماء ورضوى يدلفن لداخل الغرفة بكامل زينتهم، وخلفهم ثريا ونعيمة. والأخيرة كانت بسيمة وهي تخطو لداخل الغرفة بخجل.
شهقت مجفلة تنهض عن مقعدها وهي تقول بغير تصديق:
"أمي!!"
رواية سحر سمرة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم أمل نصر
طرق عنيف على الباب مع قرع مستمر لجرس المنزل جعله يخرج من غرفته مجففاً. نادى على خادمته التي ذهبت لفتح الباب سريعاً:
- مين يا زهرة؟
- أنا يا تيسير اللي عايزّاك.
أشاح بوجهه فور أن رآها أمامه بعد أن دلفت بخطوات مسرعة إليه، فقال بسأم:
- أهلاً يا صافي.
بهتت من مقابلته الباردة لها، فقالت:
- هو فيه إيه يا تيسير؟ بتبعد وشك عني ليه؟ هو أنت كمان صدقت اللي بيقولوا رؤوف بعد ما صدق المتخلف جوز سعاد؟
وضع يديه بجيب بنطاله البيتي محدقاً إليها بعينيه يسألها بنزق:
- وإنتي إيه رأيك؟ أصدق ابن عمي ولا أصدقك إنتي؟
اقتربت تطبق بكفها على ذراعه قائلة بلهفة:
- تصدقني أنا يا تيسير.. رؤوف مخدوع في البنت دي وبتضحك عليه.. وتلاقيها هي اللي راسمة الخطة دي كلها عشان تسيطر عليه وتبعدني عنه.
قال بازدراء:
- والنبي حقيقي مصدقة نفسك؟ هو إنتي لدرجادي غرورك صورلك إن كل الناس أغبيا ومش في مستوى ذكائك؟
ازدردت ريقها بتوتر:
- قصدك إيه يا تيسير مش فاهمة؟
- قصدي أفكرك.. إني ماكنتش سكران ولا فاقد الذاكرة.. عشان أنسى إني أنا اللي قلت لك عن موضوع قاسم.. وأديتك بغبائي طرف الخيط اللي يوصلك ليه.. واللي هو طبعاً ممدوح.. عشان تتفقوا مع بعض وتخلصي من سمرة وبعدها بقى يخلي لك الجو مع رؤوف.. عشان تحققي حلم عمرك بالقرب منه.
شهقت بدموع حقيقية، فقالت يائسة:
- طب حتى لو كان الكلام ده حقيقي.. ممكن يا تيسير.. تقف معايا وتقنع رؤوف ببرائتي.. أنا مش قادرة أبعد ولا أسيبه.. خليه يسيبها ويرجع لي.. دي ما تستاهلوش ولا من مستواه.
- سامحيني يا صافي.. بس أنا لا يمكن هاكدب ولا أخدع رؤوف في موضوع هو خلصان أصلاً.. نصيحتي ليكي إنك تسافري وتوفري على نفسك تعب القلب.. وعلى فكرة بقى.. النهاردة فرحهم يا صافي.
صاحت بجزع:
- كمان فرحهم النهاردة؟
- أيوه النهاردة.. يعني بقى حاولي تشوفي لك حجة تواجهي بيها أصحابك.. اللي ما هايصدقوا يفرحوا فيكي.. عن إذنك بقى عايز أريح ساعة كده.. أصل النهاردة السهرة هاتبقى صباحي في فرح ابن عمي.
تركها متسمرة مكانها من الصدمة ودلف هو لغرفته غير مبالي.
***
هجمت الفتيات الثلاثة والمرأتين عليها بالعناق والقبلات يهنأنها بكل ود ومحبة.. حتى رضوى تخلت عن حقدها قليلاً بعد اقتناعها أخيراً.. أن ما كانت تحقد به على ابنة عمتها لم يكن سوى بلاء فوق رأس سمرة.. حرمها الراحة والسعادة لسنوات.. مروة وشيماء وزوجات أعمامها نعيمة وثريا كن يهنأنها من قلوبهن بفرحة لا تشوبها شائبة.. فرحة كانت بداخل سمرة أضعاف وهي ترى اكتمال سعادتها بحضور عائلتها معها في هذا اليوم الأهم في حياتها.. ولكن عيناها كانت معلقة بالمرأة التي وقفت بجوار الباب.. وكأنها فقدت القدرة على المشي وهي مطرقة برأسها أرضاً.. لا تقوى على النظر بعيني ابنتها العروس التي وجدت سعادتها أخيراً.. بعد أن خرجت من محيط سيطرتها وقرارها الخاطئ والمدمر في حق ابنتها.
شعرت بها فجأة وهي تلقي بنفسها عليها بشوق.. تعانقها بقوة:
- وحشتيني جوي يا أمي.
شدت بسيمة بذراعيها تعانقها بقوة أكبر وهي تذرف الدمعات بغزارة على الفستان الأبيض.. تبكي بحرقة وبصوت مكتوم:
- سامحيني يا بنتي سامحيني.
تأثرت سمرة هي أيضاً.. فقالت مابين دمعاتها:
- خلاص يا أمي.. اللي فات مات على كده.. وبالعكس كمان بجى.. دا أنتي اللي تسامحيني مش أنا.
شهقت بسيمة وأصبح بكاؤها بصوت عالٍ.. فالتف حولهم جميع من في الغرفة:
- سيبوا البت يا بسيمة مش كده.
- خالتي بسيمة براحة على نفسك وعلى بتك.. دي عروسة ودا يوم فرحها.
- مكياجك يا سمرة.. كده هايبوظ يا بت عمي.
قالت سمسمة بدعابة:
- ينهار أبيض.. مافيش وقت يا جدعان.. عشان نصلح المكياج والفستان اللي هايبوظوا.
أخرجتها بسيمة أخيراً من أحضانها.. تنظر لها عن قرب وهي تبتسم بسعادة وألم:
- طول عمر أبوكي يقول عليكي.. أميرة من كتب الخيال.. بس أنا دايماً كنت بكلامي المدب.. أقتل الشعور ده فيكي عشان ما تتكبريش ولا تنغري.. بس والنعمة الشريفة أبوكي كان صادق يا بنتي وانتي عمرك ما بينتي أي فعل يدل على التكبر.. لكن أنا اللي كنت بعاند وبس.. مع إنه دايماً كان معاه الحق.
قالت الأخيرة بحرقة وهي تطبق عليها داخل أحضانها مرة أخرى.. مما جعلهم جميعاً يهتفون متذمرين:
- يوووووه مش هانخلص النهاردة.
- جرى إيه يا بسيمة؟ هو أنتي فتحتي في البكا ومش ناوية توقفي؟
***
بعد ذلك بقليل..
كل شيء في الحفل كان يقارب الكمال.. تزينت الحديقة وأصبحت بفضل الفريق المنظم للحفل باحترافية قطعة من الخيال.. أماكن المدعوين وموائد الطعام وفريق لتقديم المشروبات بالملابس الرسمية.. وفريق آخر موسيقي يشدوا بأجمل الألحان الراقية.. مع بعض الأغاني المعتادة في الأفراح والتي تصلح لحفلات الزفاف.. أقارب العروس اجتمعوا على طاولات تجمعهم بجوار المدعوين من أقارب العريس وبعض رجال الأعمال أصدقائه.. حتى سعاد كانت جالسة على طاولة وحدها مع أولادها.. دون عمل هذه المرة ولا شقاء.. فقد أصدرت سمرة تعليماتها بتعيين عدة فتيات أخريات يساعدنها في المطبخ وتبقى هي فقط مشرفة عليهن.. أما عن العروس في ليلتها فقد كانت حقاً أميرة كما وصفها أبوها قبل ذلك.. أبهرت جميع من في الحفل.. بفستانها الرائع التصميم.. الذي أحاط جسدها برقي.. مع زينة وجهها التي أظهرت جمال ملامحها الرائعة بسخاء.. لتخطف قلب فارسها الذي كان بجوارها كالمسحور.
تفوه بدعابة:
- إنتي مكسوفة ليه ما ترفعي وشك؟
ابتسمت بخجل تقول بغيظ:
- أرفع وشي إزاي بس؟ وأنت كل شوية تكسفني بنظراتك الجريئة وكلامك الأجرأ منها.
قال بتسلية:
- بتتكسفي من نظراتي وكلامي!! هو أنا لسه قلت حاجة.. اصبري إنتي بس.. التقيل جاي.
زجرته بجدية زائفة فضحتها الابتسامة:
- رؤوف والنبي هازعل لو ماسكت.
بابتسامة مشاكسة قال:
- طب ازعلي عشان أصالحك.. دي لعبة حلوة قوي على فكرة.
همت بالرد عليه ولكنها انتبهت لأبيها الذي كان يقترب بخطواته منهم.. وقف رؤوف مرحبا بالرجل الذي عانقه بحميمية:
- نورت الفرح والله يا عمي.. أخيراً شفناك من ساعة ما جيت اطمنت على سمرة الصبح.. خرجت وقولت عدولي.
قال أبو العزم بابتسامة كبيرة على وجهه:
- هاقولك كنت فين بس أسلم الأول على أميرة قلبي الأول.
أصدر رؤوف صوتاً متزمراً وهو يرى أبو العزم يتقدم ليعانق ابنته بحنان أبوي:
- إيه أميرة قلبي دي كمان؟ ما تجيبها معايا لبر يا عم أبو العزم.. أنا مش شاعر زيك يا عم ولا أعرف أجيب تشبيهاتك دي.
قال أبو العزم وهو يقبل سمرة في وجنتيها:
- الواد ده بيغير باينه.. بس يتفلق بقى.. أنا أول راجل في قلبك ولا إيه.
قالت بابتسامة متشفية وعيناها على زوجها:
- طبعاً.. وأنا أقدر أنكر.
ضيق عينيه إليها متوعداً يتمتم:
- ماشي يا سمرة.. بس خليكي قد الكلام ده بقى.. لكن إنت برضو يا عمي ما قلتش كنت فين من الصبح؟
قال سؤاله بصوت عالٍ ليسمعه أبو العزم الذي ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يجيب:
- أصل أنا النهاردة كنت بتعاقد مع دار نشر كبيرة.. أخيراً أشعاري هاتشوف النور.
هللت سمرة فرحة مع زوجها أيضاً:
- مبروك يا والدي مبروك.. أخيراً حلم من أحلامك هايتحقق.
- يارب كل أحلامك يا عمي.
***
وسط المدعوين..
كانت جالسة لبنى على طاولة واحدة مع بسيمة والدة سمرة وثريا ونعيمة زوجات أعمامها ومروة شقيقة رفعت.. حسن وسليمان.
قالت لبنى مرحبة:
- حقيقي إنتوا نورتونا وشرفتوا الفرح بحضوركم.
ردت ثريا:
- تشكري يا هانم إنتي يا أم الكرم.. دا إحنا من ساعة ما دخلنا بيتكم.. وعرفنا على حق إن انتوا ناس ولاد أصل وكرم.
قالت نعيمة أيضاً:
- والنبي جميلك إنتي ورؤوف باشا على راسنا من فوق عشان وقفتوا مع سمرة لحد أما ربنا نصرها وكشف الغمة.
قالت لبنى:
- ما تقولوش كده يا جماعة.. دي كل حاجة من تدبير ربنا وحده.
أطبقت بسيمة بكفها على كف المرأة تقول بامتنان:
- هو فعلاً تدبير ربنا.. بس انتوا كنتوا سبب أساساً.. في حماية بنتي وكشف الزفت قاسم.
ربتت لبنى بكفها على كف بسيمة تقول:
- سمرة تستاهل كل خير.
أتت فجأة بجوارهم شقيقة رؤوف تهتف على الجميع وهي تجلس:
- إيه يا جماعة ساكتين ليه؟ مش هاتقوموا تعملوا أي حركة كده صعيدية تفرحنا معاكم؟
أجابتها مروة ضاحكة:
- إنتي عايزانا نعمل إيه يعني؟ نرقص.
قالت ببساطة:
- وماله ماترقصوا فيها إيه يعني دي؟
ثريا بخجل:
- يا مري نرقص.. وكمان قدام الناس الكبيرة دي.
الله يحظك يا بتي.. إلا قوليلي صح.. هو إنتي صح اسمك سمسمة كده على طول؟
ضحكت بمرح قائلة:
- كده على طول إزاي بس؟ أنا اسمي الأصلي أسما.. بس حبيبي أخويا طلع عليا سمسمة من صغري عشان هو اللي رباني بقى وكنت دلوعته.
نعيمة بإعجاب:
- بسم الله ما شاء الله عليكي.. وإنتوا حلوة ولايق عليكي الدلع.. زي بنتك الصغيرة أم عنين زرجا دي.
- آه..
بنتى كارما دي واخدة راحتها اوى النهاردة فى اللعب مع عمها تيسير ووالدها.
اجفلتهم مروة سائلة:
- هي رضوى راحت فين صح؟ انا مش شايفاها.
اجابتها ثريا:
- رضوى دخلت جوا تظبط مكياجها وطالعة دلوك.
كانت الطفلة الصغيرة تركض بين الطاولات غير مبالية هربا من "تيسير" الذي كان كالطفل في اللعب معها.
وهو يصيح عليها بمرح:
- بت ياكوكى.. تعالى هنا ياعفريتة.
كانت تطلق ضحكاتها البريئة بصوت عالٍ غير مبالية بالحدث.. لتجعله يعدو بخطواته السريعة خلفها.. حتى كاد أن يمسك بها ولكن تفاجأ وقد أوشك على يصطدم بإحدى الفتيات بقوة.. ولكنه أدرك نفسه وارتد للخلف سريعاً رافعاً كفيه في الهواء:
- اسف يا آنسة.. بس الحمد لله ما لمستكيش.
- لا كنت المسني أحسن.. عشان كنت جلبتها ضلمة النهاردة.
تذكر صاحبة الصوت ولكنه تفاجأ وهو يراها تختلف هذه المرة عن الأخرى.. فهذه المرة كانت ترتدي فستان سهرة محتشم ويليق بالمناسبة مع بعض المساحيق الخفيفة على وجهها.. فجعلتها تبدو جميلة حقاً.
أشار إليها بسبابته يقول:
- انتِ بنت خال سمرة صح؟
زمت شفتيها تقول باقتضاب:
- بنت خالها ولا بنت عمها وانت مالك؟
قالتها وذهبت من أمامه لتتركه ينظر في أثرها مندهشاً.
أجفل على ضربة قوية على ذراعه.
- انت بتعمل إيه يانيلة انت؟
صاح حانقاً:
- ياباي عليك يا عصام.. هزارك تقيل قوي يا أخي.
تابع عصام:
- بتعاكس في الصعايدة! انت عايزها تبقى ضلمة يابني زي ما بتقول البنت؟
تذكر الموقف.. فقال مبتسماً:
- شرسة وشديدة باين عليها.. بس حلوة.. أينعم مش في جمال سمرة.. بس يكفي إنها من طرفها عشان تبقى مضمونة.
- بتفكر في إيه يا "تيسير"؟
أجاب ضاحكاً بينما هو يقبض على الملعونة الصغيرة.. التي أصدرت صرخاتها المرحة.
- بفكر أجيب واحدة زي العفريتة دي.. واخدة بالك يا عفريتة انتي.
بانفه يداعبها وهي تضحك بصوتها بجنون.. بينما قال أبوها متمتماً بتعجب:
- ياسبحان الله.. هي دي آخرتك يا تيسير عشان تتربي.
حلو والله وزي العسل كمان.. مالهاش لزوم الربكة دي.
تفوهت بها وهي تنظر إليه بإعجاب وهو يحكم على رابطة عنقه جيداً.. وهما جالسان على طاولة وحدهما.
أجفلته بجراتها كالعادة فقال:
- هو إيه اللي حلو بس يا مجنونة انتي؟
قالت ببساطة:
- انت الحلو يا رفعت.. واحلى من أي راجل هنا لابس البدلة.
نظر حوله فقال بتوتر رغم السعادة البادية في عينيه:
- ياشيماء ماينفعش كده.. المفروض أنا اللي أقولك الكلام ده.. بس انتي مش بتديني فرصة.
- ما أنا مش بتكسف.. وبحب أعبر عن اللي في قلبي وخلاص.. لكن بقى لو انت عايز تدلعني وتجولي كلام حلو أهلاً وسهلاً.
ضيق عينيه قليلاً بتفكير قبل أن يقترح:
- بجولك إيه يا شيماء.. احنا مش كنا متفقين إننا هنعمل الخطوبة على طول بعد امتحاناتك اللي فاضلها شهر.. ما تيجي نخليها جواز بالمرة وتكملي السنة اللي فاضلة في بيتي.
أجابته سريعاً بجرأتها المعتادة:
- موافقة.. بس بشرط ترقص معايا رقصة رومانسية.
قال متذمراً:
- يعني لبستني بدلة وكمان عايزة ترقصيني يا شيماء؟
- ويعني انت حد هايعرفك هنا.. وحتى لو هايعرفوك.. إحنا مالنا بالناس.
صمت قليلاً بتفكير ثم قال:
- خلاص يا شيماء موافق.. مدام ده شرط الجواز.
هللت بفرح ولكن خبأت ابتسامتها فجأة تقول:
- طب والست الوالدة أو السيد الوالد مش هايعترضوا ولا يزعلوا عشان حبس قاسم يعني.
قال واثقاً:
- صدقيني مش هايزعلوا يا شيماء.. إحنا خلاص رمينا طوبته.. ده زرعة شيطاني وطلعت من أرض سليمة.. خليه يجني نتيجة أفعاله.. وإحنا هانعيش حياتنا ونفرح ونكمل.. ولا انتي مش شايفة مروة وهي بتضحك وتهزر رضوى هناك.
عادت إليها ابتسامتها مرة أخرى فقالت:
- شايفة يا رفعت وفرحانة جوي كمان.. وادي كمان الرقصة الرومانسية اشتغلت.. كوم بجى نرقص زي سمرة وعريسها.
جذبته من يده فنهض معها بقلة حيلة:
- طب بالراحة عليا يا مجنونة انتي طيب.
على صوت الموسيقى الحالمة.. يدها بيده تتتمايل معه وخطواتهم تتحرك بتناغم.. وجهه القريب من وجهها.. عيناه المثبتة على عيناها تبعث بآلاف رسائل الحب والوعود المطمئنة.. بحياة جميلة تجمعهم معاً.. قلبها القريب من قلبه ينبضان بعنف اعترافاً بعشقهم.. الذي قدر مع ميعاد مولدهم.. رغم ابتعاد المسافات واختلاف الطبقات.. ولكن ما جمعه القدر لا يفرقه بشر.
استمرت رقصتهم الفردية معاً لدقائق قبل أن يسمح المنظم الموسيقى بانضمام الباقين معهم.. دخل عصام وزوجته "سمسمه" شقيقة رؤوف.. تاركين مهمة الطفلة الصغيرة ل"تيسير" الذي بدا مرحباً بحملها وهو ينظر ل"رضوى" وهي الأخرى تبادله النظرات.. دخل رفعت مضطراً مع شيماء.. شاعراً بالخجل والتشنج لبعض اللحظات.. ولكن كل هذا اختفى بعد أن شعر بقربها منه وإحساسه بدفء مشاعرها البريئة والعاشقة له.
وعلى إحدى الطاولات.. كان حسن فاغراً فمه بذهول وهو ينظر لابنته وهي ترقص بجرأة مع خطيبها.
قال سليمان بابتسامة ماكرة:
- احمد ربنا يا حسن إننا مش في بلدنا.. دي بتك رقصت كبير العيلة.
تمتم حسن مندهشاً:
- يابت ال..... ياشيماء.
في اليوم التالي
استيقظت سمرة فلم تجده بجوارها ولكن صوت اندفاع المياه القادمة من الحمام أخبرها أنه بالداخل.. نظرت في الساعة وجدتها قاربت على التاسعة.. نهضت مجفلة وهي تتذكر ميعاد عودة عائلتها إلى البلدة.. تناولت مئزرها الحريري ترتديه سريعاً ونهضت لتدخل الشرفة.. تنظر في الأسفل فرأت السيارات المصطفة في انتظار رحيلهم.. التفت للنزول إليهم فشهقت مجفلة حينما وجدت نفسها محاصرة بين ذراعيه:
- انت طلعت امتى من الحمام.
شدد عليها بذراعيه أكثر قائلاً بمرح:
- كنت عايز أخضك وأعملهالك مفاجأة.
- تعمليهالي مفاجأة برضوا.. دا انت عقلك صغير جوي.. بعد شعرك المبلول ده عني عايزة أنزل لاهلي قبل ما يمشوا.
قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها عنه.. فقال بجدية زائفة:
- اعدلي وشك ياسمرة وبلاش استعباط.. أنا لسه عندي كلام عايز أقوله.
- كلام إيه تاني بس؟ سيبني ألبسلي حاجة زينة وأنزل لأهلي والنبي.
قال بترجى مع ابتسامته الرائعة:
- طب والنبي انتي ياشيخة.. ما تبقي قاسية وانتظري شوية.
نظرت إليه بتردد وقبل أن تجيب.. أجفلهم طرق باب الغرفة.
صاح متذمراً:
- مين اللي بيخبط على أول الصبح كده؟
وصلهم صوت "سعاد" الضاحك مع استشعار الخبث في نبرته:
- لامؤاخذة يا سعادة الباشا.. أهل سمرة هانم ماشيين بلدهم وعايزين يلحقوا يسلموا عليها.
- قوليلهم أنا نازلة حالاً أها.
فلتت نفسها سريعاً منه لتأخذ إحدى قطع الملابس من دولابها:
- مش قولتلك أهلي ماشيين ويدوبك أسلم عليهم.
تمتم مع نفسه بكلمات غير مفهومة وهو يراها تذهب لترتدي ملابسها في الحمام بعيداً عن عينيه.
وبداخل قسم الشرطة
خرج من غرفة الظابط المسؤول بعد أن أنهى تحقيقه.. بملابسه الرثة وبعض آثار الكدمات البادية بوضوح على وجهه بتدرج ألوانها حسب شدة الإصابة.. وجهه متجهم ولا ينبئ بشيء.. لا يجد فرداً واحداً حتى للسؤال عنه.. ولكن ما فائدة سؤال الجميع حتى.. وقد خسر سمرة نهائياً ولم تعد لديه فرصة للوصول إليها.
عند هذه النقطة وقف فجأة في نصف المسافة المؤدية إلى باب القسم.. ليوقف رجل الأمن الموصولة بيده كلابته.
زجره الرجل قائلاً بحنق:
- وجفت ليه يامتهم؟ اتحرك اخلص عشان تركب العربية اللي هاتوديك النيابة.
- عايز أدخل الحمام بسرعة.. مش هاقدر أستنى.
دفعه الرجل في بقبضة يده:
- لما توصل هناك يبقى يعدلها ربنا.
قال برجاء:
- والنبى يا سيادة العسكري لاتخليني أدخل بسرعة.. مش هاقدر أركب العربية ولا أتحمل أي مسافة.. وحياة عيالك يا شيخ.
نظر إليه يامتعاض قبل أن يسوقه إلى الغرفة الكبيرة التي تحوي بداخلها حمامات الرجال.. دخل معه فكانت عدد الأشخاص يكاد يكون منعدماً بداخلها.. وذلك لأنها بداية اليوم.
- إيه؟ انت هاتدخل معايا الحمام؟ فك الكلبشات خليني أدخل بسرعة وخليك واقف انت على الباب.
حرك الرجل رأسه باعتراض:
- مليش دعوة.. أنا هادخل وأديك ضهري.. لكن أفك كلبشات أنسى.. ياما تطلع معايا من سكات.
- لا وعلى إيه؟ أدخل ياعم.
حينما دخل الرجل معه في الغرفة الصغيرة الضيقة.. أوهمه قاسم أنه سيفعل.. فاستدار الرجل بجسده ليعطيه حريته.. وبمجرد أن لمحه قاسم معطياً ظهره.
.. بيده الحرة تناول رأس الرجل فضربها في الحائط بقوة ليجعل الرجل يسقط صريعاً فوراً على الأرض.. مدرجاً بدماؤه.. لم يستغرق معه الأمر طويلاً.. بحث سريعاً بجيب الزي العسكري للرجل فوجد المفتاح الصغير.. فتمكن من فتح الكلبة المطبقة على رسغه.. ثم خلع ملابسه وارتدى الزي العسكري.. بعد أن خلعه من الرجل.. وبالخطوة السريعة خرج من الحمام.. ليسير بشكل طبيعي بعد ذلك وكأنه فرد أمن.. حتى لا يسير الشك.. وصل إلى الطرقة المؤدية لباب الخروج.. تبسم بانتشاء داخله لقرب الهرب.. ليشعر فجأة بثقل يدفعه للسقوط أرضاً.. وجسد ثقيل يقيد حركته ويتناول كف يده بقوة:
- كنت فاكر إنك هاتهرب يا قاسم.. دا انت بالذات الوصاية عليك جامدة قوي.. يعني أنا مش أهبل عشان مراقبش خروجك.
صاح بصوت مختنق:
- أنا عارفها الوصاية دي.. أكيد الزفت رؤوف.
نهض الظابط المسؤول بعد أن قيد يديه الاثنتين بكلببتين.. ثم رفعه عن الأرض عنوة يقول:
- دا انت ليلتك سودة.. وضيفت على جرايمك.. كذا جريمة تاني.. شكلك هاتقضي العمر كله مسجون!
كانت تودع أفراد عائلتها بالقبلات والأحضان الدافئة.. متمنين لها دوام السعادة.. لم يتبقى غير أبيها ورفعت الذين بدوا على معرفة قديمة ووطيدة.
- خلاص يا عم "رؤوف".. تخلصوا شهر العسل وتيجوا الفرح طوالي.
قال رؤوف مرحباً:
- طبعاً.. دا أنا أتمنى.. بس يعني الناس في بلدكم مش هايعترضوا ولا يطلعوا إشاعات.
أكملت سمرة على قول زوجها:
- دا أكيد طبعاً.. ما حدش هناك هايجبلني.
تدخل أبو العزم بالحل قائلاً:
- هانبقى نقول إنها نزلت على والدها.
ضحك الثلاثة على فطنته فقال رفعت:
- وادي عمنا أبو العزم الشاعر حبيبنا حلها أه.
قال رؤوف:
- خلاص بقى مفيش حجة تاني طبعًا. أكيد جايين.
- طب يا عم سلام بقى إحنا نمشي.
- طب ما تستنوا شوية طيب.
- لا يا عم يدوبك نحصل.
خرج رؤوف مع رفعت ليودع الجميع معه ولم يبقَ إلا أبو العزم الذي قبّل ابنته في وجنتيها وهو يعطيها بعض النصائح الأبوية قبل أن ينضم إلى الجميع ويذهب إلى بلدته التي تركها منذ عدة سنوات.
بعد أن خرجت جميع السيارات، دلف رؤوف لداخل القصر. تناول الصغيرة من جوار والديها وهما جالسان مع لبنى في بهو القصر.
- حبيبة قلبي انتي يا كوكو. وحشتيني من امبارح.
قالت شقيقته بمشاكسة:
- يعني افتكرتها أصلًا؟ وإنت قاعد جنب العروسة؟
قال بجدية:
- إيه الكلام ده؟ معقولة أنا أنسى كوكو عشان "سمرة"؟ لا مالكيش حق صراحة يا سمسمة. هي صحيح فين؟
- أشارت بيدها قائلة:
- آه أنت تقصد سمرة؟ هي طلعت فوق.
فتح فمه للكلام ولكنه توقف فجأة يتحرك سريعًا من أمامهم:
- طب عن إذنكم يا جماعة بقى البيت بيتكم.
هتف عليها عصام زوج شقيقته ضاحكًا:
- إيه يا عم هو نسيت كوكو؟
رد عليه وهو يصعد درجات السلم بسرعة:
- هبقى أشوفها بعدين هي هاتطير. سلام بقى.
صعد سريعًا يكمل حديثًا بدأه ولا ينتهي إلا بانتهاء العمر.