تحميل رواية «سحر سمرة» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً. فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذاب...
رواية سحر سمرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أمل نصر
اقترب من سور القصر وهو يشرئب بانظاره عليها.
بعد ان توقفت بسيارة اجرة امام احدى القصور الفخمة، فى هذه المنطقة الراقيه التى دخل اليها بصعوبة بعد ان اخبر رجال الامن انه عامل صيانة لإحدى المبانى.
وصغر سنه ساعده على عدم الشك فيه.
تعجب بداخله حينما رأها تدلف بسهولة لداخل القصر امام حرس المنزل ضخام الأجساد وكأنها على معرفة باصحاب المنزل.
ضغط على الهاتف يطلب رقمه.
جاءه الرد بلهفة.
- الو ....ياواد ياسوكة عملت ايه؟
- ايوة ياعم ممدوح ..... الست طليقتك دخلت بالشنطة عند جماعة عليوى اوى ومنطقتهم حاجه كده بتاعة بشوات.
عقد حاجبيه بتعجب.
- عليوى ازاى يعنى؟ وهى هاتعرف الناس الأغنية دول منين؟
تشدق سوكة قائلا.
- والله انا بقولك اللى شايفه .... دى دخلت بالشنطة ورمت السلام عالبودى جاردات واكنها صاحبة بيت!
- اممم ..... طب اسمع بقى انا عايزك تعرفلى صاحب البيت وتحفظ العنوان وما تتحركش من مكانك غير بعد ماتتطلع سعاد .. وتيحى وراها.
- طب والقهوة ياعم ممدوح.. دا كده المعلم منعم هايطردنى!
- ملكش دعوة انت .. انا خليت عيال تبعى يراعوها.. المهم انت نفذ اللى بقولك عليه.
- بس كده بقى انت هاتزودنى ماشى ياعم ممدوح؟
- ماشى ياخويا.
***
واقفا بجوار النافذه الكبيرة لغرفة مكتبه فى القصر.
يرتشف من فنجان قهوته وهو يشاهدها من اللوح الزجاجى بعد ازاح الستائر عنه.
فقد كانت جالسة بالحديقة مع جدته التى تحسنت كثيرا من الوعكة الاخيرة وتمكنت من ترك الفراش وهاهى الان جالسة تستمتع بالهواء النقى بعد ان تناولت وجبة الافطار بحديقة القصر بمساعدة سمرة.
هذه الفتاة التى هزت كيانه وحركت بداخله هذه المشاعر التى ظن انها ماتت من سنين.
وجاءت هى بسحرها احيتها من جديد.
انه لا يمل من مراقبتها ولا من حفظ ادق تفاصيلها حتى برغم تاخره عن موعد عمله فى المجموعة.
أجفل لرؤية صافيناز وهى تتقدم نحوهم.
شعر بعدم الراحة لنظرتها التى اللقتها على سمرة الغافلة عنها وهى تقرأ احدى الكتب لجدته والمرأة مندمجة بتركيز مع ما تسمعه.
***
وفى الحديقة ظلت واقفة للحظات صامتة وهى تحدق فى ظهرها قبل ان تلقى السلام بابتسامة مزيفة.
- مساء الخير.
رفعت سمرة انظارها عن الكتاب وهى تراها تتقرب من السيدة لبنى وتقبلها فى وجنتيها المجعدة بمياعة.
والمرأة تبتسم لها بموده وحنان.
- اهلا بيكى حبيبة قلبى .. نورتينى.
- عينى عليكى باردة ياتيتة .. انتى النهارده زى الفل.
وبنظرة حاقدة اومأت بذقنها لسمره وهى تخاطبها بصوت خفيض مستغلة تثاقل حاسة السمع عند لبنى نتيجة لكبر العمر.
- اي ده؟ هو انتى هاتقعدى معانا على طرابيزة واحدة كمان.
علت انفاسها بداخل صدرها من هذه المرأة المتعجرفة وهى مصرة على اهانتها فنهضت عن مقعدها بغضب.
- عن اذنك يا لبنى هانم.
لبنى الغافلة عن حرب النظرات.
- على فين يابنتى .. ما انتى قاعدة بتقرى!
تناولت صافيناز منها الكتاب على عجالة وهى تجلس.
- انا هقرالك ياتيتة .. ولا يهمك.
- انا هبقى قريبة منك ياهانم ... لو عوزتي اى حاجه انا تحت امرك.
قالتها سمره ولم تنتظر دقيقة بعد ذلك وذهبت على الفور امام دهشة المرأة.
كانت تمتم بصوت خفيض.
- ست مجنونة فعلا ربنا يشفيكى.
سمعته يناديها باسمها فالتفتت ترد عليه.
- نعم يارؤوف بيه؟
اقبل عليها وهو خارج من المنزل حتى وقف امامها يسألها.
- ايه مالك؟ بتكلمى نفسك ليه؟ فى حاجه حصلت؟
باغتها بسؤاله فلم تدرى بما تجيبه.
فكيف لها ان تشتكي من هذه المرأه وهى قد ستصبح زوجته عما قريب.
فهزت برأسها تنفى.
- لا مافيش حاجه مهمه ... ماتشغلش بالك انت.
- امال انتى سيبتى تيته ليه؟
اجابت على مضض.
- انسة صافيناز جاعده معاها .. جولت اسيبهم لوحدهم شوية!
- اممم.
قالها هو.
وهى لم تفهم معناها مع هذه النظرات المبهمه منه فتفاجات بالحارس صفوت وهو يخاطبها امامه.
- صاحبتك سعاد يا سمرة عايزاكى.
- استاذه سمرة .. او انسة سمرة.
قالها بصرامة أثارت دهشتها والحارس اومأ له بطاعة.
***
وفى الجنوب.
خرج رفعت من غرفته ينادي على شقيقته.
- مروة ...بنت يا مروة؟
وجد شيماء تظهر له فجأه ترد عليه.
- مروة دخلت جوا عند السيد الوالد .. تشوفه عايز ايه؟
تراجع للخلف مطرقا راسه بحرج.
- انا اسف .. مخدتش بالى ان فى حد موجود فى الصالة.
ردت هي بصوت مرح وهى تنظر إلى ما يرتديه من ترينج بيتي يليق بعمره.
- وهو ايه اللى حصل يعنى؟ ما انا مش غريبة عشان تتأسف!
للمرة الثانية تجبره على رفع انظاره اليها.
مندهشا من جراتها.
فيرى هذه العيون الجريئة التى تشع حيوية ومرح.
أجلى حلقه ليقول برزانة.
- طبعا البيت بيتك ياااا...
- شيماء ... اسمى شيماء .. فى حد برضو ينسى اسم بت عمه؟
قالتها بابتسامة وتسليه.
فابتسم هو ايضا لكن بحرج يقول.
- حجك عليا ياست شيماء.
- خلاص مسمحاك.
ابتسامته ازدادت اتساعا وهو يرتد للخلف عائدا لغرفته.
قائلا.
- طب ياريت ماتنسيش تجولى لمروة تيجى تشوفنى ياا .. ست شيماء.
***
ها يا سمرة حاجتك تمام كده يااختى ولا ناقصة حاجه؟
قالتها سعاد باشارة لمحتويات الحقيبة التى اعطتها لسمرة.
وردت عليها الاخرى بصوت باهت.
- تمام يا سعاد... مش ناقصين حاجه.
عقدت حاجبيها بتساؤل.
- ايه مالك؟ شكلك متغير ليه؟ حد ضيقك هنا فى البيت.
تنهدت بدموع محتجزه داخل حدقتيها.
- اجولك ايه بس يا سعاد؟ شكلى كده هارجعلك جريب .. عشان الست اللى اسمها صافيناز حاطانى فى دماغها ومش هاتستريح غير لما اطرد من هنا.
لوحت سعاد بذراعيها فى الهواء.
- وهى مالها بوز الاخس بيكى دى كمان .. هى كانت صاحبة البيت مثلا؟
- انتى مش جولتى انها هاتتجوز من رؤوف بيه .. مؤكد اول قرار هاتاخدوا هو طردى من البيت.
- ان شالله يارب ما تتم الجوازة.
- حرام عليكى ياسعاد .. بلاش تدعى.
- ياختى خليها تنبط وتتهد بقى بدال ماهى كده جايه علينا واحنا ناس غلابة.
اكملت سمرة خلفها بابتسامه.
- اه والنبي صح... احنا فعلا غلابة وهربانين! ... صح بالمناسبة لما هو هايخطبها مستنى ايه؟ دا حتى الاتنين ماعندهمش اللى يمنع يعنى.
ردت عليها سعاد وهى تمط شفتاها.
- انا عارفه ياختى .. انا كذا مرة اسمعها وهى بتكلم صاحباتها وتقولهم انه انه هايتقدملها قريب .. لكن ماعرفش اى حاجه تانى.
***
انت متأكد ياممدوح من كلامك ده؟
قالها قاسم وهو ينهض عن مقعده بالقهوة الشعبية بتحفز.
اجابه ممدوح و ذراع الارجيلة فى يده.
- طب اقعد بس انت الاول خلينى اكمل.
زفر بضيق قائلا وهو يجلس.
- يااخى ماتريح جلبى .. وجولى كلامك دا صح ولا غلط؟
- لا حول ولا قوة الا بالله.
قالها ممدوح بسأم فتابع بعدها.
- يابن الناس انا مش حاكتلك كل اللى حصل .. ممكن بقى تصبر على مايجي الواض سوكة عشان نعرف منه المفيد.
تنهد بثقل.
- اصبر ازاى بس؟ دا انا هاموت واشوفها .. مش جادر اصبر مش جادر.
فتح ممدوح فمه بدهشة كبيرة وفكه تدلى لاسفل ثم ما ان لبث ان يقول متسائلا.
- هو فى ايه بالظبط؟ انت ياجدع انت اخو خطيبها فعلا؟ ولا فى حاجه تانية؟ انا الفار ابتدى يلعب فى عبيي.
اخرج سيجارة ليشعلها فنفث دخانها للأعلى قبل ان يقول محذرا.
- ملكش فيه. انت ليك جرشينك وبس بعد ماتكمل المهمة.
اومأ براسه قائلا.
- ماشى ياعم على راحتك .. المهم بقى انى اقبض ... وادى الواض سوكة رجع اهو كمان.
- فينه؟
قالها قاسم وقد تحفزت كل خلية بجسده وهو يراقب سوكه الذى ترجل عن دراجته البخاريه بعد ان اوقفها بالقرب منهم.
- سالخير عليكم ياجدعان.
قالها سوكة وهو يجلس امامهم.
فعاجله ممدوح سائلا.
- ها يا سوكة سبع ولا ضبع.
امسك باقة قميصه بتفاخر.
- سبع طبعا ياعم ممدوح .. انت عارفنى.
صاح عليه قاسم بصوت عالى لفت نظر جميع من حولهم.
- اتكلم على طول ياض وريحنى.
خاطب ممدوح جميع العيون المتسائله.
- معلش ياجدعان كل واحد خليه فى حاله.. عشان دى مواضيع عائلية.
عاد الرجال لشؤونهم بعد هذه الصيحة ثم توجه ممدوح بخطابه ل قاسم.
- وطى صوتك ياعم انت كمان مش ناقصين فضايح .. وانت يا سوكة اتكلم على طول خلينا نخلص.
- ماشى ياعم ممدوح .. عشان خاطرك انت بس.
قالها سوكة بامتعاض اثار حنق قاسم الذى سيطر على اعصابه باعجوبة فى انتظار الخبر الاكيد من سوكه الذى تابع قائلا.
- شوف ياعم ممدوح انا كتبت اسم صاحب البيت هنا فى ورقة والعنوان كمان عشان منساهوش.
تناول ممدوح الورقة فلوح قاسم بيده مستفسرا.
- المهم اتاكدت ان سمره جاعده هناك؟
اوما رأسه بتأكيد.
- ايوه ياعم .. انا شوفتها بنفسى وهى بتوصل الست سعاد بره القصر الكبير.
اتسعت عيناه بدرجة مخيفة ودقات قلبه تسارعت بشدة لدرجة اوقفت الكلمات فى فمه.
فنكز "ممدوح" بيده ذراع "سوكة" قائلاً:
- وساكت ليه من الصبح يازفت؟
أجاب "سوكة" متألماً وهو يدلك على ذراعه:
- ياعم "ممدوح" أنت ركزت معايا على مكان الشنطة، ماقولتليش على "سمرة" غير في الآخر، وكان سؤال عابر. لما قولتلي اسأل عنها هناك.
- بسسسس.
قالها "قاسم" مقاطعاً وهو ينهض عن مقعده. جذب الورقة من بين أصابع ممدوح الممسكة بها متابعاً:
- أنا دلوك على طول رايح أجيبها.
مال "سوكة" برقبته للأمام ساخراً:
- تروح فين ياعم، هو انت فاكرها عزبة؟ دا محدش بيخش هناك في المنطقة العيلوي دي غير البشوات، واللّي زينا بيدخلوا هناك عشان يخدموهم وبس.
توحشت ملامحه ليردف سائلاً:
- وهي هناك صفتها إيه بجى، هانم ولا خدامة؟
***
في المساء، بعد أن تمت مهامها اليومية مع السيدة "لبنى" فلا تتركها حتى تنام، دلفت لغرفتها تنزع عنها غطاء رأسها وتهم لتبديل ملابسها، ولكنها تفاجأت بطرق على باب غرفتها. فوجدتها "صوفيا" بابتسامتها المعروفة:
- مساء الخير حبيبتي.
بادلتها ابتسامتها بأخرى قائلة:
- مساء الخير صوفيا، انتي عايزة حاجة دلوقتي؟
- مش أنا حبيبتي، دا "رؤوف" بيه قالي أبلغك تروحي له المكتب.
- يعني عايزني في إيه؟
مطت شفتها تجيب:
- أنا معرفش حبيبتي، روحي وشوفيه بنفسك.
***
بعدها بقليل.
كانت جالسة أمامه في غرفة المكتب في انتظار ما سيقول لها، فسألها قائلاً:
- انتي مرتاحة عندنا يا "سمرة"؟
أجابت مرتابة:
- طبعًا والحمد لله، حضرتك والست "لبنى" معاملتكم ممتازة.
ابتسم لها مرحباً:
- طب الحمد لله.
صمت للحظات، جعل الشك يزبد بداخلها.
ثم ما لبث أن يسألها مباشرة:
- هو أنا ممكن أسأل عن أسئلة شخصية؟
همت بالرفض ولكنه عاجلها بالسؤال قائلاً:
- انتي أهلك موجودين هنا في القاهرة؟
- بلعت ريقها الجاف ترد عليه بتوتر:
- لأ.
- طيب انتي اتخطبتي قبل كده؟
هزت برأسها تنفي دون صوت، ففاجأها بسؤال أقوى:
- طيب هو انتي إزاي موجودة هنا من غير أهلك؟
- رؤوف بيه، ممكن ما تسألنيش عن حاجة خاصة.
قالتها وهي تنهض بتشنج، فنهض هو الآخر يرد:
- انتي ليه خدتي كلامي بحساسية؟ دا سؤال عادي يعني.
تكلمت بصوت خرج منها مهتزاً:
- معلش حتى لو كان حاجة عادية، بصراحة أنا مش عايز أتكلم، ولو انتوا مصرين يبقى أمشي أحسن.
- لا تمشي دا إيه؟ خلاص بقى زي ما تحبي.
***
بعد أن أخبره "سوكة" بشروط الدخول لهذه المنطقة الراقية الخاصة بعلية القوم، فخيره أما أن يكون واحداً منهم، أو يكون عاملاً لديهم. اختار الأولى، فجهز سيارته الجديدة جيداً واشترى حلية رائعة لتجعله أنيقاً مثلهم. فدخل القرية ومعه صديقه "محسن" الذي نال من الحظ جانب وابتاع بعض الملابس الجديدة. وأمام القصر الذي يملكه "رؤوف" توقفت السيارة على حسب العنوان المكتوب في الورقة التي كتبها سوكة.
رواية سحر سمرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أمل نصر
زفر بضيق وهو ينظر لهذا القصر المهيب بداخل السيارة، مستندًا بمرفقه على عجلة القيادة، شارداً في حل لهذه المعضلة، فكيف له أن يتخطى هؤلاء الرجال ضخام الأجساد ويدلف لداخل القصر فيأتي بها.
خرج من شروده حينما أجفل على صوت صديقه "محسن":
- وبعدين يابرنس، لسة ما لقيتش صرفة؟
نظر إليه بحنق:
- لا ما لقيتش يازفت، عندك انت حل؟
عاد بظهره إلى المقعد ينظر إليه ببلاهة:
- بصراحة معرفش، بس انت يعني هاتغلب؟ دا انت "قاسم" اللي بتجيبها وهي طايرة.
- امممم
قالها بتهكم قبل أن يتابع:
- لا ياخويا، المرة دي معرفش أجيبها وهي طايرة.
صمت قليلاً وهو ينظر إلى القصر وأسواره ليتابع مرة أخرى:
- القصر ده مالهوش سكة للدخول، الحل الوحيد إنها تطلع منه وبعد كده كل حاجة هتبقى سهلة.
- يعني إحنا كده هانستنى طلوعها، وافرض قعدت أيام هانقعد برضه مستنيين.
قالها "محسن" بسأم، والآخر تبادل معه النظر صامتاً بغموض، ثم مالبث أن يستدير عنه، فتسمرت عيناه حينما رآها تقف في نافذة لإحدى الغرف في أعلى القصر، شعر بتوقف أنفاسه وهو يراها أمامه، بنفس بهائها وجمالها الخلاب بل ازدادت أكثر، ناظرة أمامها بشرود، غافلة عن قلبه الذي احترق شوقًا لرؤيتها، عديمة الإحساس، كم مرة حاول استرضاءها بكل الطرق فتقابل هي هذه المحاولات بالرفض حتى يأس تمامًا، ولم يبق أمامه إلا الجبر، سيجبرها على زواجه ومحبته مهما حاولت الهروب. ظلت عينها عليها حتى اختفت، ضرب بيده على عجلة القيادة بغضب وهو يتوعد لها بالعقاب ويقسم على ذلك، وكالعادة انكمش "محسن" على نفسه بصمت، تفاديًا لنوبة جنون هذا القاسم.
***
وفي الأعلى بعد أن استمتعت برائحة الزهور المزروعة بالحديقة مع هذا الهواء النقي الذي أنعش ذهنها لدقائق معدودة، عادت لحجرتها، فتناولت الحجاب لتغطي به رأسها وخرجت لتتفقد السيدة لبنى.
وأمام باب الغرفة همت لتدلف إليها ولكنها تفاجأت بخروجه أمامها بابتسامته المعتادة:
- صباح الخير.
أسدلت عينيها بخجل ترد:
- صباح النور، هي "لبنى" هانم صحت؟
أجابها وهو لم يتزحزح من مكانه:
- لبنى هانم ياستي صاحية بدري قوي النهاردة، سألت عليكي بس أنا قولتلها إنك لسه نايمة.
- آسفة إن كنت اتأخرت عليها، بس أنا افتكرتها هاتتأخر في نومها زي الأيام اللي فاتت.
كانت تتكلم وعيناها على الباب في انتظار ذهابه ولكنه لم يتزحزح من مكانه، ممسكًا بمقبض الباب، وهو يتبع عيناها بتسلية ليردف أخيرًا:
- أنا مش عايزك تزعلي من كلامي بتاع امبارح، بس إنتي إنسانة ممتازة وأنا...
قاطع جملته نداء "لبنى" من الداخل:
- إنت بتكلم مين يارؤوف؟
- دي "سمرة" يا تيته.
تنفست بعمق حينما وجدته يتزحزح قليلاً عن الباب، استغلت هي الفرصة لتدلف بسرعة لداخل الغرفة وتتركه قبل أن ينهي كلماته، زفر بضيق لعدم قدرته على تجميع جملة مفيدة معها، بالإضافة لسوء الحظ الذي يرافقه.
***
صباح الخير يا "صافي".
قالها "تيسير" بمرح وهو يدلف لداخل المحل، فابتسمت هي ابتسامة صفراء لترد على مضض:
- أهلاً، صباح النور.
ابتسامته ازدادت اتساعًا وهو يجلس أمامها رافعًا لها إحدى حاجبيه:
- طب ليه كده بس الوش الخشب ده ياصفصف؟
حدقت به حانقة:
- بقولك إيه يا "تيسير"، أنا مش فاضية لهزارك البايخ ده على أول الصبح، وعفاريت الدنيا كلها بتنطط في وشي.
عقد حاجبيه باندهاش:
- ليه بس ياست الكل؟ مين اللي مزعلك ياقمر.
مالت برأسها أمامه مستندة بكفيها على سطح المكتب الزجاجي:
- عشان ماعندكش إحساس وناسي كلامك اللي قولتهولي، واللي صحي في قلبي الأمل من جديد ودلوقتي بقى أنا قاعدة معلقة لا طايلة سما ولا أرض.
- آه.
قالها وهو يرجع بظهره للمقعد يستوعب ما قالته قبل أن يقول:
- معلش ياستي إن كنت نسيت، بس أنا في إيدي إيه بس؟ أنا ساعة ما كلمتك كنت ملاحظ بجد إنه ابتدى يحس بيكي، بس بعد مرض تيته "لبنى" معرفش إيه اللي حصل؟ وبقيت حاسس إنه اتغير.
تابعت هي على حديثه:
- هو فعلاً اتغير بس عليا أنا بس، إنت مشوفتوش امبارح يا "تيسير"، دا بيسلم عليا برسمية وكأني واحدة غريبة عنه، دا مرضيش حتى يقعد دقيقة معايا وأنا قاعدة مع الست "لبنى" بقرا لها في كتاب ممل وقاعدة مملة، كله ده عشان خاطره وهو خرج ولا همه.
- ياااه لدرجادي!
قالها "تيسير" بتعجب، فتابعت هي تومئ برأسها:
- لدرجادي وأكتر كمان، أنا قلبي مش مطمن وعندي إحساس إن البت الخدامة دي ليها يد في التغيير.
سألها ببلاهة:
- خدامة مين؟
أجفلته بنظرة مرعبة فتذكر على الفور:
- آه إنتي قصدك على "سمرة"، معقول؟
عقدت ذراعيها تقول:
- ومش معقول ليه بقى؟ إنت نفسك مش ملاحظ إنه اتغير؟
أجابها بدون تفكير:
- هاكذب عليكي لو قلت لأ، أنا مش عايز أحرق دمك بس "رؤوف" بطل ما يسهر معانا نهائي، وكمان بيجي الشغل متأخر وما بيصدق يخلص ويروح بسرعة وكأنه...
رددت خلفه بصوت جهوري:
- وكأنه مش متحمل الوقت في بعدها!! آه.
قالت الأخيرة وهي تضرب بكفيها على سطح المكتب بحريق شب بصدرها، أراد أن يخفف عنها:
- خلاص يا "صافي"، حتى لو كان اللي في مخك صح، مسيره هايرجع تاني لعقله بعد ما ياخد غرضه منها.
حدقت بعينيها إليه صامتة فتابع هو:
- بلاش تبريقلي كده، دي مهما كان شغالة عنده يعني مش هايحصل أكتر من كده، ومسيره هايرجعلك بس بعد مايفوق من النزوة، وساعتها بقى تيجيلي أنا على طبق من فضة.
قال الأخيرة بصوت خفيض، فصاحت هي بصوتها العالي أجفلته:
- إنت يازفتة ياللى اسمك "سعاد" تعالي شوفي الزباين.
رددت "سعاد" من خلفها وهي بداخل المخزن بصوت خفيض:
- زفتة في عينك يابعيدة.
نكزتها إحدى العاملات بخفة على ذراعها:
- وطّي صوتك يا "سعاد" إنتي مش ناقصة.
- ياختي من قهرتي، البعيدة مستلماني طول الوقت، مرة تقوللي وضّب المخزن وتصرخ عليا أشوف الزباين، مرة تانية اعملي جرد للبضاعة الجديدة وبرضه تصرخ عليا أشوف الزباين، هي مالاقياش حد غيري في المخروب المحل ده تنطط عليه.
نظرت إليها الفتاة بأسف:
- عندك حق يا "سعاد"، أنا وكل البنات في المحل بصراحة ملاحظين وساكتين، بس كمان إحنا منعرفش السبب اللي قلبها عليكي كده؟
أجابتها شامتة:
- بس أنا أعرف، إن شاء الله يارب يتم اللي في بالي عشان أشوف فيها يوم بوز الأخص دي، وبعدها يبقى الأرزاق على الله.
***
أيوه ياممدوح أنا قاعد لسة مستني.
قالها "قاسم" وهو مستندًا بجسده على مقدمة سيارته.
فأتاه الصوت الساخر:
- بقى من امبارح وإنت لسة مستني! ليه بقى؟ الحلوة تقلانة عليك ولا إيه يامعلم؟
رد عليه بغضب:
- لم نفسك يا "ممدوح" وما تخليتنيش أجلب عليك، إنت ماشوفتش المنطقة ولا القصر اللي قاعد فيه ده متأمن بالكامل ومافيش نملة بتعدي جدامه.
أخرج سبة بذيئة بصوت خفيض قبل أن يحدثه ببعض الهدوء:
- وإنت على كده قاعد فين مستني المحروسة.
أجابه أيضًا ببعض الهدوء:
- أنا قاعد جمب فيلا مش مسكونة جبالهم ومراقب كل حاجة من عربيتي والواد "محسن" قاعد في ناحية تانية بيراقب هو كمان.
- آه.
قالها بامتعاض ليتابع بعد ذلك:
- المهم يامعلم تخلص مشوارك وتديني بقية حقي، أنا عملت اللي عليا والقرشين اللي ادتهملي ما يجوش ربع المبلغ اللي اتفقنا عليه.
صك على أسنانه يرد بغيظ:
- حاضر خلاص فوضها خليني أشوف الواد "محسن" اللي جاي عليا، ليكون عنده خبر جديد.
- ماشي ياعم سلام.
بعد أن أنهى المكالمة انتظر وصول "محسن" الذي كانت يضحك ببلاهة:
- مالك بتضحك ليه ياآخرة صبري.
تفوه بها "قاسم" حينما اقترب منه، فهتف صديقه بتفاخر:
- عشان أنا جبتلك اللي هاتوصلنا بـ "سمرة".
ضغط على ذراعه بكف يده بقوة:
- بتتكلم جد يا "محسن"؟
ضحك عاليا ثم اردف:
- والله زي ما بقولك كده، أنا اتعرفت عالبت الشغالة الأجنبية عندهم لما راحت تجيب الطلبات من السوبر ماركت القريب من هنا وفهمتها إنك بيه كبير قوي وعايزها في مصلحة مهمة وهاتكسبها فلوس كتير.
غر فاهه بدهشة غريبة:
- إنت بتتكلم جد يا "محسن"؟ إنت عرفت تعمل كده؟
خبأ ابتسامته ليرد ممتعضًا:
- على فكرة أنا طول الوقت بسيبك تعمل اللي إنت عايزه بس أنا ذكي وبعرف كل حاجة.
وضع سبابته على وجنته وهو يحدثه بابتسامة ساخرة:
- طب يازكي، هي فين الخدامة اللي إنت بتقول عليها؟
أجابه حانقًا من أسلوبه:
- أنا قدمت بخطوتي جبليها وهي جاية ورايا دلوقتي ومعاها طلبات البيت اللي شغالة فيه.
أشار "قاسم" برأسه للقادمة من بعيد وهي ممسكة ببعض الأكياس المحملة بمتطلبات المنزل:
- هي دي اللي جاية هناك؟
- أيوه هي واسمها "صوفيا" كمان!
- زين.
***
عاد من عمله في وقت مبكر كعادته هذه الأيام.
نادى على "صوفيا" فلم يجد رداً، فنادى عليها مرة ثانية فأتاه الرد بصوتها الناعم وهي خارجة من المطبخ:
- صوفيا مش موجودة يا "رؤوف" بيه.
تقدم بخطواته إليها متسائلاً:
- ليه هي راحت فين؟
- راحت تجيب خضار وفواكه من السوبر ماركت اللي جنبينا، دا غير شوية الحاجات اللي جالتلي عليهم ناقصين في المطبخ.
أومأ برأسه متفهماً:
- طب وإنتي كنتي بتعملي إيه جوا؟
- لااا، دا فنجان قهوة جولت أشربه مع نفسي كده على رواجة.
- رواجة!
قالها بابتسامة متسعة أخجلتها، فتابع بجدية:
- طب ماتدوقني قهوتك... أنا كمان جاي من شغلي مصدع ونفسي أشرب فنجان قهوة حلوة كده تروق مزاجي.
أومأت له برأسها بموافقة:
- حاضر، ثواني وهاجيلك بالقهوة.
- لا، أنا جاي معاك.
مستنداً بمرفقيه على الطاولة الصغيرة بداخل المطبخ وهو يراقبها باستمتاع، شاعراً بخجلها الذي كان يظهر في حركتها العصبية عندما تمسك بالأشياء، انتهى بوضعها فنجان قهوته بارتباك أمامه على الطاولة:
- اتفضل حضرتك، يارب تعجبك.
- تسلم إيديكي... امممم تجنن.. أنا بموت فيها.
قالها بتلذذ وهو يرتشف من فنجانه، وبنظرة خبيثة وكأنه يقصدها.
تناولت هي فنجانها تردف:
- بالهنا، عن إذنك بجى.
لوح بيده مجفلاً:
- على فين؟ إنتي هاتسيبني أشربها لوحدي.
- أنا آسفة، بس أنا هاشربها فوق مع "لبنى" هانم، عن إذنك.
قالتها وخرجت على الفور، نظر هو لأثرها يرتشف بتلذذ.
- اممم، دا معمول من الكريمة دي ولا إيه؟... تهبل!
***
واو، كل دي فلوس!
قالتها "صوفيا" بسعادة وهي تتفحص صحة الأوراق المالية الكثيرة في يدها، خاطبها "قاسم" ممتعضاً:
- اطمني يا "صوفيا"، الفلوس صحيحة مش مزورة.
فتحت الحقيبة تضع بها الأموال:
- متزعلش حبيبي، بس أنا لازم أطمن.
بشبه ابتسامة تفوه بجدية:
- أهم حاجة بس تنفذي اللي اتفجنا عليه، أنا عايز الليلة، فاهمة يعني إيه الليلة.
تناولت الأكياس من على مقدمة السيارة تردف مسرعة:
- فاهمة حبيبي، يعني إيه الليلة، أهم حاجة إنتو بس تتصرفوا كويس وماتجبوليش الأذية، عشان ساعتها "رؤوف" بيه هايقلب الدنيا.
لوح بكفه أمامها مستفسراً:
- يجلب الدنيا ليه؟ دي مجرد واحدة شغالة عنده بأجرتها.
همت لتذهب ولكنها توقفت تخبره بابتسامة ماكرة:
- رؤوف باشا حبيبي مش معتبرها خدامة زينا، دا بيعاملها معاملة خاصة ومختلفة.
اقترب "محسن" بعد ذهابها، بعد أن كان مراقباً للطريق، فأجفله نظرة "قاسم" التي لا تنبئ بخير!
- إيه مالك يا "قاسم"؟ وشك متغير ليه؟
نظر إليه يتفوه بجنون:
- بيعاملها معاملة خاصة ومختلفة عن بقية الشغالين، ياويلك يا "سمرة"، ياويلك مني.
***
في المساء وهي مستلقية على فراشها، أمسكت الهاتف وهي تنظر لرقمها باشتياق يكاد يفتك بها، حتى رغم قسوتها عليها هي لم تكرهها، فكيف لها أن تكره من أنجبتها!
هذه المرة قررت مهاتفاتها مهما حدث! انتظرت قليلاً فجاءها الصوت الأنثوي الحازم:
- الووو.. مين معايا؟
زمّت شفتيها صامتة مع تساقط هذه الدمعات، فكررت "بسيمة" بقوة:
- الووو.. رد ياللي على التلفون.
كتمت شهقة كادت أن تخرج منها خائنة، ولكنها وصلت مكتومة لـ "بسيمة" فأجفلتها تقول:
- إنتي "سمرة"؟!
أنهت المكالمة على الفور، وانفجرت في بكاء مرير.
فبرغم القوة التي ادعتها والدتها "بسيمة" في المكالمة، إلا أنها شعرت باشتياقها من صوتها، بسؤالها الأخير والذي أتاها وكأنه رجاء.
ظلت على هذه الحالة لبعض الوقت، حتى أتاها هذه المكالمة الغريبة، ردت عليها بدهشة!
- الوو... في حاجة يا "صوفيا"؟
أتاها الصوت منادياً باستغاثة:
- الحقيني "سمرة"، أنا اتعرضت لحادث تحرش، ارجوكي الحقيني بأي حاجة أستر بيها نفسي.
أجابتها بلهفة مذعورة:
- يانهار أبيض، إنتي فين يا "صوفيا"؟ وأنا أجيلك أنا و"صفوت".
- لا، أرجوكي يا "سمرة" ماتقوليش لحد، أنا مش عايزة حد يشوفني بالحالة دي.
- طب هاجيلك فين بس، وأنا معرفش إنتي مكانك؟
- أنا موجود في الشارع الخلفي للقصر، ارجوكي الحقيني بأي حاجة أستر بيها نفسي عشان أقدر أدخل معاكي القصر.
- الشارع الخلفي للقصر، بسيطة، أنا ثواني وجايلك.
خرجت "سمرة" وبيدها قطعة من ملابسها، وعند باب القصر أوقفها "صفوت" الحارس:
- على فين يا آنسة "سمرة"؟
التفتت إليه مجيبة:
- ثواني يا "صفوت"، هاعمل مشوار بسيط وراجعة حالا.
أكملت بخطواتها بعد ذلك حتى وصلت للشارع الخلفي.
فلم تراها، أخرجت الهاتف لتعرف أين مكانها بالتحديد، ولكنها تفاجأت بيد حديدية تجذبها لزاوية ضيقة وخالية من الإنارة، وقبل أن تصرخ وجدته بعينيه الصقريتين أمامها واضعاً كفه على فمها ليكتم صراخها مردفاً بابتسامة شرسة:
- وحشتيني يا قلب "قاسم".
رواية سحر سمرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أمل نصر
مأ اصعب ان ترى بعينيك أسوء كوابيسك على الحقيقة!
ابتسامته البغيضة لها .. ذكرتها بابتسامة الذئاب حينما تكشر عن أنيابها لبث الرعب بقلب الفريسة. صوته الصادر كفحيح الأفاعى مع أنفاسه الحاره التى كانت تلفح وجهها بعيون مشتاقة بعنف وكلماته التى كانت تتردد في أذنيها باستمرار:
- مهما هربتي ومهما بعدتي .. أخرك في حضن "قاسم" وبس .. حضن "قاسم" وبس يا "سمرة" انتي فاهمة!
أطلقت صرخة مدوية لتفاجأ بيد تربت عليها بحنان فوجدتها لبنى الجالسة بجوارها وهي تحاول تهدئتها:
- اهدى يابنتي اهدى .. ألف سلامة عليكي.
- أنا فين؟
قالتها برعب جلي وهي تنظر لـ لبنى بتشتت وعيناها تطوف بالغرفة وعلى نفسها وهي مستلقية على فراش المرأة، التي لامست جبهتها المتعرقة وهي تقول:
- اطمني ياسمرة انتي في أوضتي أنا يابنتي.
نهضت بجزعها وهي تجاهد لتتذكر ماحدث ومالذي أتى بها هنا في هذه الغرفة. هي آخر ما تذكره هو اتصال "صوفيا" بها وخروجها من القصر للشارع الخلفي وهنا تذكرت عيناه و.... أصدرت شهقة عالية وهي تتلجلج في كلماتها:
- أنا شفت "قاسم" دا كان هايخطفني .. هو راح فين؟
فتح باب الغرفة فجأة فدلف "رؤوف" وهو يتحدث بلهفة:
- إيه الصرخة اللي أنا سمعتها دي؟ هي "سمرة" صحت؟ انتي كويسة يا "سمرة"؟
قال الأخيرة بعد أن اقترب منها وهو يدنو بوجهه إليها، فخرج صوتها بصعوبة مع أنفاسها اللاهثة والمضطربة:
- أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل؟ وأنا إيه اللي جابني هنا؟ وانتو عرفتوا إزاي؟ ولا هو كان كابوس ولا إيه بس؟
أزاح دمعاتها بأبهامه وهو يتحدث بصوت دافئ أصدر بقلبها بعض الطمأنينة:
- هو مكانش كابوس .. وأنا عايزك تطمنيني دلوقتي إنك في أمان وماتفكريش في أي حاجة تزعجك حتى سي زفت ده.
هزت رأسها باستفهام:
- إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
بصوته الأجش قال:
- قومي اغسلي وشك وتعالي انزلي تحت حصيني وبعدين أنا هافهمك.
..................................
كان يتفحص في الأوراق التي أمامه وهو يضرب كفاً بالأخرى:
- الله يخرب بيتك ياقاسم .. الله يخرب بيتك.
دلفت شقيقته على الصوت مجفلة وهي بيدها العصير:
- فيه إيه يا "رفعت" مالك يا أخوي؟
رفع رأسه إليها ملوحاً بيده في الهواء:
- تعالي شوفي الفلوس اللي ساحبها أخوكي يا "مروة" دا مش هايستريح غير لما يجيب ضرفها.
- ياساتر يارب حصل إيه لدا كله؟ .. اشرب العصير الأول عشان تهدى.
أزاح بكفه العصير قائلاً:
- مش عايز عصير يا "مروة" ولا عايز ....... استغفر الله العظيم يارب .. هايخليني أغلط في نعمة ربنا بعمايله المهببة.
- وادي العصير نسيبه هنا شوية عالمكتب، عمل إيه بجى "قاسم" عشان يعصبك كده؟
شبك كفيه وهو مستند بمرفقيه على طاولة المكتب يتنفس بعمق لتهدئة أعصابه قبل أن يجيب:
- البنك اللي بنتعامل معاه بعتلي رسالة عالشغل ملحقتش أقرأها جيبتها معايا هنا ودلوك بس فتحتها .. عشان أتفاجأ بكم الفلوس اللي ساحبها أخوكي .. دا ساحب فلوس بالهبل .. بيصرفهم في إيه دول؟
مروة بتفكير:
- أنا مش عارفة بصراحة .. بس أخوك أساساً مصاريفه كتيرة دا غير العربية اللي اشتراها جديد ودي شكلها غالي جوي.
تكلم بحدة:
- العربية أنا عارف تمنها كويس يامروة .. وأنا اللي بتكلم عليه يفوق تمن العربية أضعاف .. كتير جوي اللي ساحبه ياخيتي.
نهضت عن مقعدها متصنعة الحزن:
- طب وأنا إيه ذنبي يا عم رفعت بس عشان تزعجلي.. هو أنا اللي صرفتهم؟
زفر بضيق وقد تهدلت ذراعيه الأسفل:
- يا "مروة" .. بلاش تعملي زي العيال ياخيتي انتي عارفاني وعارفة الضغوط اللي عليا.
- أنا بهزر معاك يا غالي.. خد العصير هدي أعصابك يا راجل محدش واخد منها حاجة.
تناول منها الكوب حتى يرضيها وقبل أن يرتشف منها تذكر كي يسألها:
- صح انتي إيه اللي خلاكي تجيبى عصير يهديني؟ هو انتي بتشمي على ضهر إيدي؟
ضحكت بمرح قبل أن تجيبه:
- لا يا عم مابشمش على ضهر إيدي .. أنا أساساً كنت عاملاه لابويا وجولت أجيبلك بالمرة .. صح على فكرة هو لسه بيسألني عن أخوك.
ضرب بكفه على المكتب بسام:
- طب أعمل إيه بس؟ مانا كلمته كذا مرة ووعدني بأنه هييجي .. أروح أسحبه من رجليه طب ماعرفش مكانه عشان كنت عملتها بجد.
...............................
واضعاً يديه بجيب بنطاله واقفاً بهيبته المعتادة.. عيناه تتبع نزولها الدرج .. واحدة تلو الأخرى وحتى وصلت للدرجة الأخيرة فتناول كفها قائلاً:
- تعالي يا "سمرة" هاخليكي تشوفي حاجة.
نظرت لكفه المطبقة على كفها بدهشة قبل أن تسأله:
- انت واخدني ورايح فين؟
- انتي مش عايزة تفهمي اللي حصل؟ تعالي اقعدي هنا وانتي هاتفهمي اللي حصل.
كان قد وصل بها إلى وسط البهو الكبير فأجلسها على إحدى الأرائك التاريخية للمنزل المهيب!
- رؤوف بيه أنا مش فاهمة حاجة......
وقبل أن تكمل تفاجأت به يجلس بجوارها فارداً ذراعيه على حافة الأريكة واضعاً قدم فوق الأخرى وبصوت جهوري:
- دخلهم يا "صفوت"!
التفتت برأسها لتجد "صفوت" وهو يدلف إليهم ومعه مجموعة من حراس المنزل الآخرين .. شهقت مخضوضة حينما رأتهم ممسكين بـ "قاسم" وهو مقيد الحركة ومعه "محسن" ابن بلدتها وصديق "قاسم" الذي ما أن وقعت عيناه عليها حتى .. صاح بصوت جهوري.
- إيه يا "سمرة" بتتحامى في الغريب بعد ما هربتي من أهلك وجوازتك من ولد عمك؟
هي ألجمتها الصدمة فجاء الرد من "رؤوف" بصوت هادئ وحازم بنفس الوقت.
- ملكش دعوة بيها وخلي كلامك معايا أنا فاهم ولا تحب أفهمك بطريقتي.
صاح مرة أخرى بصوت أعلى:
- يامشاء الله ... دا انت كمان بتدافع وتتكلم بالنيابة عنها .. هو إيه يا بت؟ .. هو انتي صفتك إيه في البيت ده شغالة ولا حاجة تانية؟
على الرغم من علمها التام بسوء أخلاقه إلا أن صدمتها ازدادت أكثر من انحداره إلى هذا المستوى.. فحدقت إليه بتحدي رغم غلالة الدموع المحتجزة بعينيها لتسبق بالرد قبل "رؤوف":
- أنا مش هارد عليك يا "قاسم" عشان انت فعلاً ينطبق عليك المثل اللي بيقول "العيب لما يطلع من أهل العيب ما يبقاش عيب" وانت آخر واحد تتكلم في حاجة في الأدب والأخلاق.
هاج بغباء وهو يحاول أن يفك هذه الأغلال المحكمة بتقيده قائلاً بغل:
- وليكي عين تتكلمي عن الأدب يافاجرة وانتي قاعدة جمب راجل غريب وبتتحامى فيه كمان.
هتف عليه "رؤوف" بشدة:
- انت يا أخينا انت احترم نفسك وقدر كويس إني لحد دلوقتي ماسك نفسي عليك انت وصاحبك .. لكن لو زودتها أكتر أنا مضمنش نفسي.
كاد أن يفقد صوابه وهو هائجا يقول:
- ياعم انت مالك بينا من الأساس .. طب أنا واد عمها وبدور عليها عشان هربت قبل جوازها من خطيبها اللي هو أخوي .. انت بجى تتحشر ليه بين الأهل وبعضيهم. صفتك إيه انت؟
ابتسم بسماجة وهو يرجع بظهره للأريكة قائلاً ببرود:
- أنا مش ملزم إني أقولك.
على قدر ما استفزت إجابته "قاسم" الذي صاح هادراً يشتم بأفظع الألفاظ دون مرعاة لأي شئ .. على قدر ما أثارت الدهشة لدى "سمرة" التي كانت تنظر لما يحدث أمامها بصمت وكأنه أصبح الموضوع عن واحدة أخرى وليس هي.
أجفلت من صوته وهو يأمر "صفوت" والرجال بسحبهم للخارج وطردهم.
...................................
توقف بسيارته أمام القصر ليترجل منه ويسير بخطواته ثم يدلف بداخله وما أن رأى أمامه السيدة "لبنى" جالسة بالحديقة وحدها هل يرحب بها على طريقته:
- حبيبة قلبي يا "لولو".. انتي هنا يا أمورة دا إيه الصباح اللي زي الفل دا ياناس؟
اقترب ليقبلها فضربته على ذراعه بكفها الضعيفة:
- يا واد انت مش هتبطل شقاوتك دي بقى وخفتك .. انت مش ناوي تكبر أبدا يا تيسير؟
هز برأسه ضاحكاً قبل أن يجلس أمامها يقول:
- لا طبعاً .. وأكبر ليه بقى؟ أنا عايز أعيش على طول كده صغير وأتدلع بقى العمر كله أنا ورايا حاجة.
ابتسمت هي أيضاً لأسلوبه:
- عيش ياحبيبي واتدلع المهم بقى انك تكن وتتجوز قبل فوات الأوان.. أنا عارفة انت كمان مالك أبه اللي مانعكوا انت وابن عمك عن الجواز.. دا انتوا هاتجنوني.
أجفل متذكراً:
- آه صحيح .. هو إيه اللي منع "رؤوف" النهاردة عن الشغل؟ دا اتصل بيا وقالي على شوية أوراق مهمين عشان أجيبهم هنا عالبيت ويوقعهم بنفسه!
لوحت "لبنى" بكفها وهي تمط شفتيها:
- اسكت يا "تيسير" دا اللي حصل عندنا هنا ليلة امبارح ولا الخيال .. أنا الحاجات دي أول مرة تعدي عليا.
- هي إيه الحاجات دي اللي أول مرة تعدي عليكي؟
.................................
إيه مالك؟ ساكتة وسرحانة في إيه؟
قالها "رؤوف" لـ "سمرة" المطرقة رأسها بصمت وهي مازالت شاردة وعقلها لا يستطيع جمع أي معلومة مفيدة .. رفعت رأسها تجاوبه:
- بصراحة كده أنا عاملة زي الأطرش في الزفة .. ونفسي أفهم .. هو إيه اللي حصل بالظبط.
رد عليها بتسلية:
- اممم انتي عايزة تعرفي اللي حصل بالظبط .. ماشي يا ستي هاقولك ..
اللي حصل إني سألت وعملت تحريات عنك.
أومأت بسبابتها ناحية صدرها مصدومة:
- أنت عملت تحريات عني أنا؟
ابتسامته زادت عبثية وهو يرد عليها:
- أيوه ياستي عملت تحريات عنك وعرفت أصلك الطيب، حتى حكاية والدك كمان عرفتها، دا غير علمي بخبر هروبك قبل جوازك من ابن عمك، قبل فرحك عليه في أقل من أسبوع.
عادت تطرق برأسها مرة ثانية، ولكن هذه المرة بحرج، فتابع هو:
- دي حاجة ما تكسفش يا "سمرة"، دي حريتك في إنك ترفضي وضع أو جوازة إنتِ مش قابلاها.
همت لتجادله ولكنها تذكرت وضعها، فماذا ستقول له؟ إنها هربت من شقيق العريس وليس العريس نفسه. من المؤكد أنه سيظن بها السوء، فصمتت تسمع بقية حديثه لتتفاجأ بقوله:
- أنا كنت مكلف "صفوت" إنه ما يشيلش عينه عليكي.. وده عشان حمايتك بعد اللي عرفته.. فلذلك لما شافك خارجة بالليل راقبك طبعًا من بعيد ومن غير ما تحسي، وأما شاف ابن عمك ده شايلك بعد ما خدرك اتصرف هو ورجالته معاه وعرفوا يخلصوكي منهم، وأنا بقى وصلت في الوقت المناسب وشيلتك وأخدتك فوق عند تيته "تراعيكي". ويكون في علمك أنا طردت "صوفيا" لما عرفت إنها اتفقت مع قريبك ده، وأخدت منهم فلوس كمان عشان توقعك.
وبدون سابق إنذار سألته منذهلة:
- طب وأنت بتعمل معايا كده ليه وتعرض حياتك ونفسك للخطر؟
هم أن يجيبها ولكن قاطعه "تيسير" وهو يهتف عليه:
- إيه اللي حصل ده يا "رؤوف"؟ أنا خوفت قوي بعد اللي سمعته من "تيته".
لوح بيده قائلاً:
- ادخل استناني جوه في أوضة المكتب يا "تيسير" وأنا جايلك على طول.
تحرك "تيسير" بخطواته ناحية المكتب متذمرًا، واقترب "رؤوف" برأسه لـ "سمرة" قائلاً:
- خليكي مكانك أنا دقايق وراجعالك.. عشان نكمل كلامنا.
بعد ذهابه هزت برأسها تستوعب ما يحدث!
- هو إيه اللي بيحصل؟
قالتها بصوت خفيض وهي تحدث نفسها.
***
وبداخل غرفة المكتب ثار عليه "تيسير" وهو يقول:
- أنت اتجننت يا رؤوف؟ بتعرض حياتك للخطر عشان واحدة متعرفهاش، لا وكمان خدامة...
- ما تقولش عليها خدامة يا "تيسير" واحترم نفسك.
قالها بحدة، أجلت الآخر فتشقق قائلاً:
- يعني الحق عليا.. إني خايف عليك لتتورط مع ناس زي دول صعيدة ممكن يقتلوك بقلب مليان دفاعًا عن الشرف.
تجاهل حديثه ليسأله بعملية:
- أنت جبت كل الأوراق اللي قولتلك عليها ولا في حاجة تاني ناقصة؟
أخرج الأوراق من حقيبته السوداء الصغيرة ووضعها أمام "رؤوف" على مكتبه حانقًا.. فـ تجاهله الآخر مرة ثانية وهو يراجع في بعض الأوراق والملفات بغير اكتراث.
***
خرج "تيسير" من القصر حانقًا.
وبمجرد دخوله السيارة طلب رقمها الذي يعلمه عن ظهر قلب.
- الوو... أيوه ياست "صافي" خليكي أنتِ كده نايمة على نفسك والدنيا هنا خربانة وشكل اللي أنتِ خايفة منه هايحصل بجد!
صرخت مجفلة:
- هو في إيه بالظبط يا "تيسير"؟ ما تفهمني إيه اللي حاصل يا زفت أنت!
رواية سحر سمرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أمل نصر
دلف "سليمان" إلى منزله وهو يهتف بصوت عالٍ:
- بت يا "رضوى" انتي فين يابت؟
أتت زوجته على صوت ندائه وتلتها ابنتها التي خرجت من غرفتها مجفلة:
- في إيه يا بوي مالك بتنده عليا ليه؟
جلس الرجل على أريكته يرد عليها بحماس:
- خطيبك رجع البلد يا بت.
أجفلت تسأله بلهفة:
- انت تقصد على "قاسم" يا بوي؟
ضحك الرجل بمرح:
- هو انتي مخطوبة لحد غيره يا مخبلة؟ أيوه "قاسم" يا اختي.. توي على طول سامع إنه وصل البلد مع صاحب الندامة "محسن" وولاد المرحوم صابر.
جلست بجواره "نعيمة" كي تسأله:
- طب وانتوا ما عرفتوش هما كانوا قاعدين الفترة اللي فاتت دي كلها فين؟
أجابها الرجل وعيناه على ابنته التي لجمتها المفاجأة عن الكلام:
- يا ستي أنا على حسب ما سمعت من "رفعت" قبل كده إنهم كانوا بيدوروا على مجذوبة الرجبة "سمرة".
نعيمة بقلق:
- طب وصلوا لحاجة على كده؟ ولا غيبتهم طلعت على فاشوش؟
- معرفش بس كل حاجة هتبان لما نقعد معاه ونشوفه وبالمرة كمان نسأله عن موضوع جوازته بـ "رضوى" المعلجة.. واحنا معرفناش راسنا من رجلينا.
تحركت "رضوى" بآلية تذهب إلى غرفتها.. وقد اكتست ملامحها بالحزن بعد هذه اللهفة الغريبة التي شعرت بها فور علمها بخبر وصوله.. ما زال قلبها الخائن يشتاق إلى رؤيته.. أعمى البصر والبصيرة الذي لم ولن يرى سواها هذه المحظوظة دائمًا "سمرة"!
***
خرج "رفعت" من غرفته على هذه الأصوات الصادرة بداخل المنزل.. فوجد والدته وهي متشبثة بأحضان "قاسم" بشوق:
- كده برضه يا "قاسم" تغيب ولا تسأل.. انت هتفضل لحد إمتى بس تاعب قلبي يا ولدي؟
كان يطوق والدته بذراعيه وهو يربت بكفه على ظهرها متجهم الوجه صامتًا.. اقترب منه رفعت مرحبًا:
- حمد الله على السلامة.. توك ما جيت يا سبع البرومبة.
رفع حاجبه يرد على أخيه متهكمًا:
- الحق عليا.. إني كنت بادور ليل نهار وواجع قلبي عشان أعرف لك مكان المحروسة.
بشبه ابتسامة ساخرة أردف "رفعت":
- لا فيك البركة والله.. متشكرين لتعبك معانا يا عم "قاسم"!
احتدت نبرته في القول:
- انت مش مصدقني يا "رفعت"؟ ولا شكلي المبهدل ده مش موضحلك كدة إني تعبت في الأيام اللي فاتت وعشان مين؟ مش عشان خاطرك انت وسمعتك وسمعة العيلة.
خرجت "نفيسة" من أحضان ولدها وهي تنظر له بتقييم:
- صح يا ولدي.. هو انت إيه اللي حصل معاك عشان تتبهدل كده؟
أومأ برأسه لوالدته يقول:
- ها أقولك يا أمي ما تخافيش بس أريح جسمي شوية.. انتي يا بت جهزيلي لقمة على ما أطلع من الحمام وأتسبح.
قالها مخاطبًا "مروة" التي كانت واقفة بجوارهم مكتفة ذراعيها.. زفرت حانقة من أسلوبه المتعجرف بصوت غير مسموع.. همت لتجادله وترفض.. فأومأ لها "رفعت" لتذهب وتتجنبه ولكنه عاد لـ "قاسم" آمرًا:
- قبل ما تتسبح ادخل شوف أبوك الأول.. اللي بيسأل عنك بقاله يومين.
بابتسامة ماكرة:
- عنيا يا باشا.. هادخل أشوف أبويا وأتسبح وآكل عشان أتكلم معاك على رواقة.. ولا أقولك.. ماتخليها مشوار بالمرة لنسابنا أصل أنا كمان عايزهم في كلام مهم وضروري!!
***
سافر!!
قالتها بتشتت وعيون شارده وهي جالسة أمامه على الكرسي المقابل للمكتب.. عقد هو حاجبيه بتعجب:
- هو انتي زعلتي على سفره ولا إيه؟
هزت برأسها تنفي:
- لا طبعًا.. هازعل إزاي يعني؟ بس انت متأكد إنه سافر؟
تعجبه ازداد أكثر:
- ومتأكدتش إزاي بس وأنا خليت ناس يراقبوه هو وصاحبه من أول أما خرج مطرود من عندنا هنا لحد أما سافر ووصل بلدكم.. بس انتي مالك وشك اتخطف كده ليه؟ بصراحة أنا مش فاهمك.
تنهدت بعمق وهي تغمض عيناها بتعب:
- عشان عارفة اللي هايحصل هناك دلوقتي! هايروح ويقول لأهلي على مكاني ويزود كلام من مخه على سمعتي وشرفي.. ومش بعيد بكرة الصبح ألاقيهم هنا في البيت.
رجع بظهره للمقعد بابتسامة واسعة قائلاً:
- وده بقى اللي مخوفك وقلقك أوي لدرجادى.
علت الدهشة وجهها تقول:
- طبعًا.. اومال إيه؟ دا كده ممكن يموتوني عشان بس هربت.. من غير حجة ولا بينة على جريمة ارتكبتها.. أنا لازم أقوم وأمشي من هنا عشان أشوف لي مكان تاني بعيد عن هنا.
قالتها وهي تنهض وقبل أن تتحرك خطوة واحدة أوقفها بحزم قائلاً:
- استني عندك.. انتي هاتمشي كده هالطول من غير ما تاخدي رأيي ولا تستأذنيني!
- أستأذنك!
- أيوه تستأذنيني.. اقعدي يا "سمرة" واسمعي أنا هقولك إيه.
جلست مرة ثانية لتستمع فتابع هو:
- أنا عندي حل هايريح الكل وها يخليكي ترفعي راسك قدام ناسك وتقابليهم كمان بقلب مليان من غير أي ذرة خوف.
حدقت إليه بعينيها تسأله باهتمام:
- إيه هو الحل ده اللي هايخليني أقابل أهلي بقلب مليان ومن غير خوف.
بابتسامة واثقة قال:
- تتجوزيني!
***
جالسًا على طرف فراش أبيه وهو ينظر إليه صامتًا بتفحص بعد أن أخرج الجميع ولم يبقَ سواهُمَا في الغرفة..
- خبر إيه يا بوي؟ بقالك ساعة بتبص في وشي وبس.. إيه يا أبو رفعت انت هاتاخد لي صورة؟
قالها بابتسامة مصطنعة خبأت فور أن تكلم أبوه:
- انت ليك يد في هروب "سمرة" يا "قاسم"؟
أجفل من سؤال والده المباغت ولكنه استدرك نفسه:
- ليه إن شاء الله؟ كنت أنا اللي هربتها لا طفشتها قبل فرحها على أخويا؟
بلهجة حكيمة:
- طفشتها يا "قاسم" مش هربتها.. فيه فرق بين الاتنين وأنا قلبي حاسس إن الأولى هي اللي صح.
هب منتفضًا عن الفراش:
- طفشتها!!! ليه إن شاء الله؟ وأنا راجل خاطب وكنت هاتجوز معاهم في ليلة واحدة؟ رضوى "بت خالتها"!
تبسم العجوز بمرارة مع هذه النظرات الكاشفة للماثل أمامه:
- أوعى تفتكر إن كلامك خال عليا يا "قاسم". أنا عارف ومتاكد إن عمرك ما شيلت "سمرة" من تفكيرك.. حتى لما رجعتلنا وجلت إنك ندمت على عمايلك السودة اللي كانت مسيئة سمعتنا في كل مكان وعايز تعيش نضيف وتخطب بت خال "سمرة".. عمري ما صدجتك يا ولدي.. أخوك خاف عليك عشان طيب وما صدق إنه يحقق حلمه عمره في جوازه منها وأمك واختك دول غلابة.. لكن أنا لفيت ودورت يا ولدي أكتر منك كمان.. والمرض بس اللي هدني.
وضع يده على خصره مضيقًا عينيه:
- وعلى كده بقى انت عارف أنا عملت إيه معاها عشان تطّفش؟
تنهد الرجل بقلة حيلة:
- لا يا ولدي مش عارف باللي عملته.. بس أنا عقلي هو بيمشيني وعقلي ده متأكد إنك ورا اللي حصل.
ضحك بصوت عالٍ وغريب:
- طيب قول لعقلك الناصح ده إن البت طلعت خاينة وبتلعب على كل الحبال يا أبو رفعت هههههه.
ظل يضحك هكذا حتى خرج من الغرفة.. تاركًا أباه ينظر لأثره بدهشة وقلبه يخبره بالأشياء السيئة!
***
غرّت فاهها قبل أن تسأله ببلاهة:
- تتجوزني إزاي يعني؟
أطلق ضحكة عالية بمرح:
- بقولك اتجوزك.. يعني مأذون وشهود.. دي بقى فيها إزاي؟
هزت برأسها تستنكر:
- يا رؤوف بيه.. أنا مقدرة إنك عايز تساعدني بس مش لدرجادى يعني.. أنا أهلي صعبين وما أضمنش اللي هايحصل وانت راجل محترم و......
- بس أنا عايز كده.
قالها بمقاطعة أجفلتها ولجمتها عن المجادلة فنهض هو عن مقعده خلف المكتب يجلس أمامها في الكرسي المقابل وتابع:
- انتي امبارح سألتيني.. انت بتعمل كده ليه وتعرض حياتك للخطر؟ وأنا بقى بقولهالك يا ستي.. أنا قابل كده عشان بحبك.
داهمها شعور الصدمة وظهر جليًا على ملامحها.. اقترب هو برأسه إليها يتحدث بصوت أجش:
- أيوه يا "سمرة" أنا بحبك ومستعد أضحي بعمري كله عشانك.. أنا عارف إنك مخضوضة من كلامي بس أنا بقالي مدة نفسي أكلمك وما صدقت ألاقي فرصة.. عايزك تفكري كويس في عرضي.. وأنا معاكي في أي قرار تاخديه إلا إنك تبعدي عني ولا عن نطاق حمايتي.. سمعاني يا "سمرة".
هزت برأسها وهي زامة شفتيها.. فتحت فمها أخيرًا لتقول:
- ممكن أروح أشوف "لبنى" هانم ميعاد دواها قرب.
بابتسامة جلية قال:
- روحي يا "سمرة".. بس متنسيش تفكري كويس في عرضي عشان الوقت.
هزت برأسها مرة أخرى وهي تنهض عن مقعدها مرتبكة لدرجة جعلتها تتعثر في خطواتها ولكنها تداركت نفسها قبل أن تقع!
***
بعد أن أخبرتها والدتها بقدوم "قاسم" وأخيه لمنزلهم.. ورغم فتور الحماسة لديها من مقابلته ولكنها لم تستطع كبح نفسها في أن تتزين وترتدي أغلى ملابسها حتى يراها في أبهى صورة لعله يشعر ولو مرة واحدة بها.. ومع سماعها لصوت السيارة نظرت من نافذتها فوجدته يترجل هو أولاً منها قبل أخيه.. أمعنت النظر جيدًا في هيئته الخاطفة لأنفاسها.. فهو أبيض البشرة عكس معظم الرجال في قريتها وذلك لأنه لم يشقى في حياته بسبب ثراء عائلته.. لقد ورث العيون العسلية من والدته وملامح رجولية جذابة من والده.. على الرغم أنه يشبه كثيرًا أخيه "رفعت" ولكنه يتميز بجاذبية وحيوية يفتقدها الآخر بسبب المسؤولية التي ألقت على عاتقه مبكرًا.. ولكن "قاسم" يبدو أن سر انجذابها إليه هو روح الإجرام لديه وقلبه الميت الذي لا يخشى شيئًا وأفعاله المجنونة دائمًا.. تابعته حتى دلف لداخل المنزل ثم ألقت نظرة أخرى للمرآة للتأكد جيدًا من زينتها وملبسها.. أخذت شهيقًا طويلًا قبل أن تخرج من غرفتها لتنزل إليه.
وبداخل غرفة الاستقبال جلس "سليمان" وأخيه "حسن" مع "رفعت" و"قاسم" بناءً على رغبة الأخير.
سليمان مرحبًا:
- يا مرحب يا قاسم يا مرحب يا "رفعت"..
نورتونا والله.
أومأ قاسم برأسه، أما رفعت فوضع كفيه على صدره يرد التحية:
- تشكر يا عم سليمان.. الله يحفظك يا رب.
تدخل حسن يسأل مباشرة:
- عاش من شافك يا قاسم.. خبر إيه؟ كنت مختفي فين يا راجل؟
هم ليتكلم ولكنه أجفل لطرق الباب ودلوف رضوى بكامل زينتها:
- مساء الخير.
قالتها وهي تتقدم نحوهم.. صافحت رفعت أولًا، وبعدها اقتربت منه لتصافحه بعينين يملؤها الشوق:
- ازيك يا قاسم عامل إيه؟
ضغط على كفها بجرأة معتادة منه ولكنه كان متجهم الوجه ولم يكلف نفسه حتى عناء ابتسامة بسيطة تروي ظمأها.
تحدث سليمان بصفو نية:
- اجعدي يا بتي معانا دول عيال عمك.. ولا أجولك ماتاخدي قاسم واجعدوا في الجنينة شوية.. تلاقيكم عايزين تتكلموا..
- أنا مش فاضي لحديت الخطاب دلوك.
وكأن دلوا من الماء البارد سقط على رأسها من مقولته الجافة.. فتكلمت بكرامة مهدورة وصوت مبحوح:
- أنا كنت جاية أعمل بأصلي وأسلم.. عن إذنكم.
قالتها وخرجت على الفور. حدق إليه رفعت بغضب وتبادل سليمان مع أخيه هذه النظرات الحانقة، فهتف هو في الجميع:
- لا مش وقت نظراتكم دي خالص.. عشان أنا جاي في مهمة محددة وهي أن أعرفكم على مكان المحروسة بتكم الهربانة!
.................................
بتتكلمي جد يا سمرة والنبي انتي صادقة في كلامك وما بتهزريش؟
قالتها سعاد بفرحة عارمة وعيون تملأها قلوب حمراء.
حدقت إليها سمرة وهي مستندة بمرفقيها على طاولة السفرة الكبيرة تتحدث بيأس:
- شوفتي أديكم انتي نفسك مش مصدجة.. أصدق إزاي أنا بجى؟
شهقت بسعادة وهي تجلس بجواره:
- لأ يا أختي أنا مصدقة وقلبي حاسسها من زمان كمان.. بس هي المفاجأة اللي برج لتني في الأول.
فغرت فاهها وهي ناظرة إليها ثم ما لبثت أن تهز برأسها استنكارًا:
- يا سعاد بلاش كلامك ده.. قلبك كان حاسس ومن زمان كمان.. ليه بجى إن شاء الله؟
رفعت حاجبيها تتحدث بزهو:
- يا حبيبتي أنا بفهمها وهي طايرة وسي رؤوف بيه كان باين من نظرته ليكي.. أنا حبيبة قديمة يا بنتي والحاجات دي ياما وردت عليا.
مرة ثانية سألتها بعدم تصديق:
- والنبى!! يعني بذمتك انتي شوفتيها في عينيه؟
سعاد بابتسامة واسعة:
- والنبي يا أختي مش أنا بس.. لا ده أنا متأكدة إن كل اللي شغالين معاكي هنا واخدين بالهم كمان.. ده عيونه فاضحاه يا حبيبتي.. مش زكاوة مني يعني.. فضحاه عارفة يعني إيه فضحاه..
- مساء الخير يا سعاد.
شهقت سمرة ومعها سعاد أيضًا حينما أجفلن لرؤيته بعد أن قالها وهو خارج من مكتبه بابتسامة ماكرة.
تداركت سعاد نفسها فورًا:
- يا مساء النور.. يا مساء الهنا يا سعادة الباشا.
أومأ لها بكفه قبل أن يصعد الدرج وابتسامة ازدادت أضعاف.
حدقت إليها سمرة بلون مخطوف وهي تشير بسبابتها:
- هو ماله بيضحك كده ليه.. ينهار أسود ليكون سمعك يا سعاد؟
ابتسمت لها الأخرى غير عابئة:
- يا أختي وما يسمع.. هو اللي بيزمر بيخبي دقنه.. طب ده أنا نفسي أرعقها زغروته دلوقتي أصحى بيها الناس النايمة.. حتى تحبي أوريلك أهو..
أوقفتها سمرة بكفها:
- لا والنبي يا سعاد.. وحياة عيالك يا شيخة ما تعمليها.. هو أنا لسه رديت من أساسه؟
خبأت ابتسامتها تسألها بريبة:
- ليه يا سمرة؟ هو انتي مش هتردي بالموافقة على طول؟
تنهدت بتعب وصوت عالٍ:
- بصراحة مش عارفة يا سعاد.. أنا حاسة فكري مشوش ومش قادرة آخد أي قرار.
رواية سحر سمرة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أمل نصر
حينما لا يستطيع الحاقد بلوغ هدفه، في تحقيق أمنية غالية على قلبه، فإنه لا يتورع عن التشويه.
أجفل الجميع منتبهين بعد مقولته، فتكلم "رفعت" سائلاً بتردد:
- المحروسة بنتهم مين؟ انت تقصد "سمرة"؟
وزع نظراته على الثلاثة يقول:
- أنا مش ناطق بحرف غير لما تيجي خالتي "بسيمة". هي فين يا حج سليمان؟ أنا مش نبهت أول ما دخلت إني عايز أشوفها؟
أجاب سليمان مضطرباً:
- أنا بعتلها عشان تسلم عليكم وزمانها على وصول. بس انت متأكد من كلامك دا يا ولدي؟
أكد قائلاً بتجهم:
- أنا جلت مش ناطق حرف غير لما تيجي خالتي "بسيمة".
- وأنا جيت أه يا "قاسم". عايزني في إيه؟
قالتها المرأة وهي تدلف إلى الغرفة أمامهم. انتظر هو حتى جلست، فمال برقبته إليها:
- كنت عايزك تعرفي مكان بتك وتعرفي تربيتك الزينة ليها يا خالة "بسيمة"؟
تجمدت المرأة من لهجته الساخرة وتلميحه الغير مريح.
فأجفلهم "حسن" سائلاً بتعصب:
- هو في إيه بالظبط يا "قاسم"؟ ماتجيب اللي في عبك وريحنا. خلينا نفهم بقى.
أومأ برأسه موافقاً:
- ماشي يا عم "حسن". هاجيب اللي في عبّي وأقولكم وأشوف بعد كده بقى هاترتاحوا ولا لأ.
***
دَلفت لداخل القصر وشياطينها تتراقص أمامها. عيناها تبحث عنها يميناً ويساراً. فمنذ أن أخبرها "تيسير" بما فعله "رؤوف" وتعريض حياته للخطر في سبيل حماية هذه الملعونة، ونيرانٍ اشتعلت بصدرها ولن تهدأ أو تنطفئ إلا بيدها هي.
ها وقد وجدتها أخيراً جالسة على طاولة السفرة تتضحك وتتسامر مع قرينتها "سعاد"، وكأنها أصبحت صاحبة منزل ويحق لها أن تستقبل فيه زملاءها من الرعاع.
- انتي يازفتة انتي بتعملي ايه هنا؟
أجفلت "سعاد" منتفضة ومعها "سمرة" على هذه الصرخة المدوية، فوجدنها أمامهم واقفة بتحفز ويدها على خصرها تنظر إليهم وعيناها الغاضبة تطلق شرراً.
سعاد وهي واضعة يدها على قلبها:
- بسم الله الرحمن الرحيم. خضتينا يا ست هانم. هو كان حصل نصيبة ولا إيه؟
ازدادت نظراتها اشتعالاً:
- كمان لسه هايحصل نصايب؟ هو انتوا صنفكم إيه بالظبط؟ قاعدين لي على السفرة وواخدين راحتكم ولا كأن البيت بيتكم. يا رعاع يا همج.
صاحت عليها "سمرة" غاضبة:
- لو سمحتي يا ست انتي. أنا ماسامحلكيش بالشتيمة ولا التهزيق. حتى لو كنتي صاحبة بيت مش ضيفة فيه.
فغرت فمها وجحظت عيناها بشكل مخيف وهي تقترب من "سمرة" بخطواتها:
- والله عال. دي انتي كمان طلعلك صوت يا حلوة وبتتكلمي وكأنك صاحبة بيت. لا وبتقولي عليا أنا ضيفة!
اقتربت أكثر وبحركة مفاجئة. أمسكت "سمرة" من طرف ملابسها:
- الا قوليلى صحيح يا قمر. انتي هاربة من أهلك ليه؟ انتي هربتي مع حبيبك ولا غلطتي معاه؟ مصيبة ليكون جبتي لأهلك العار وحملتي منه كمان.
نزعت "سمرة" يدها بعنف وهي تنهرها بصوتٍ مدبوحٍ من الإهانة:
- انتي إنسانة مريضة. وأنا أشرف منك ومن كل عينتك اللي شايفين الناس كلها زيهم.
صرخت بجنون:
- انتي بتقولي عليا أنا كده يا حيوا...
تدخلت "سعاد" تفصل بينهم:
- ارجوكِ بقى كفاية يا ست هانم. انتي زودتيها أوي وانتي داخلة علينا من الأول وبتقولي ياشر اشتر.
جنونها ازداد شراسة وهي تحاول إزاحة "سعاد" بكفيها:
- ابعدي يازفتة انتي كمان. خليني أربيها وأعرفها مقامها.
- تعرفيها مقامها بمناسبة إيه؟
تفاجأت "صافيناز" بهذا الصوت الخشن ويده القوية مطبقة على ذراعها تهزها بعنف، فانهارت باكية:
- انت بتعمل معايا أنا كده يا رؤوف؟ دي شتمتني وهزقتني الحيوا... اللي ما حد عارف إنهي مصيبة جيالنا بيها.
نزع ذراعها بعنف وهو يشير بيده إلى الخارج:
- اطلعِ بره.
تساقطت دمعاتها وهي تومئ بيدها ناحية صدرها مصدومة:
- بقى دا جزائي! عشان خايفة عليك من المصايب اللي هاتجيلك من وراها. هي عملالك إيه بالظبط عشان تطردني أنا عشانها الخدامة دي!
- اخرسي.
قالها مقاطعاً بصرخة وتابع بصوتٍ جهوري:
- كلمة تانية زيادة وهانده للحرس يشيلوكي ويرموكي بره.
توقفت الكلمات على لسانها وهي تنظر إليه بترجّي ودمعاتها تتساقط دون انقطاع. ثم مالبثت أن تتحرك للخلف وتخرج من القصر تجر أذيال الخيبة والانكسار.
***
نهض "حسن" عن مقعده بغضبٍ جحيمي:
- كلامك ده واعر جوي وتطير فيه رقاب يا "قاسم". أحسن لك تكون متأكد زين من قبل ما يطلع منك.
نهض هو أيضاً يبادله النظرة بتحدي:
- أنا مبألفش من مخي. وعارف كويس إنه تطير فيه رقاب. بس لامؤاخذة يعني انت عايزني أشوف بعيني الغلط وأسكت؟
خبط "بكفه" على الطاولة التي أمامه بقوة كادت أن تشطرها نصفين وهو يصرخ:
- ماتستفزنيش يا "قاسم". انت عارف كويس إننا مابنتهاونش في الغلط. إشحال العار؟
نهض سليمان عن مقعده مترنحاً يحاول التكلم بثبات:
- اجعدوا انتوا الاتنين خلينا نفهم الأول. وبلاش صراخ بصوت عالي مش عايزين أكتر من كده فضايح.
جلس "حسن" يحاول تنظيم أنفاسه اللاهثة. وجلس "قاسم" يردف بهدوء:
- والله أنا كنت عارف من الأول إن الكلام دا هايحصل. عشان كده جلتلكم إن الجعدة تبقى هنا داخل البيت مش المندرة عشان ما حدش من العيلة ياخد باله والفضايح تزيد.
تدخل "رفعت" بعد فترة من الصمت سائلاً بريبة:
- وانت عرفت منين إنها قاعدة في مصر. ثم تعالى هنا انت مش جلتلي إنك بتدور عليها في البلاد اللي حوالينا؟
تحولت أنظار الجميع إليه بتشكك. وهو أجفل مرتبكاً ولكنه تدارك نفسه ليجيب بثباتٍ يُحسد عليه:
- دا في البداية يا "رفعت". لكن أنا سألت واستقصيت من صاحباتها هنا وعرفت بالعنوان اللي نزلت عليه هناك في مصر. بتك كانت عاملة حسابها يا أم السنيورة. ماتردي انتي ساكتة ليه؟
قالها مخاطباً "بسيمة" الصامتة تنظر بغموض. فحدثت قائلة:
- خدوني ليها أنا عايزة أشوفها وأتأكد بنفسي.
***
وفي مكانٍ آخر بداخل منزلها، كانت ماتزال تبكي بحرقة وانهيار على ضياع حلمها في القرب منه. وقسوته معها في الدفاع عن هذه الملعونة التي سيطرت على عقله بهذه الدرجة. إنه يبدو كالمسحور في اتباعها وأنسته حتى القرابة وصلة الدم.
سمعت قرع جرس المنزل ومع فتح الخادمة للباب دلف "تيسير" هاتفاً عليها بصوتٍ عالٍ:
- انتي فين يا ست "صافي"؟ انتي فين يا اللي طينتي الدنيا على راسك وراسي.
خرجت إليه من غرفتها بأعين متقرحة ومنتفخة من كثرة البكاء. صاح هو عليها متهكماً:
- يا سلام عليكِ. يعني تبهدلي الدنيا وتيجي بعد كده تعيطي وتبكي على الأطلال.
صاحت عليه صارخة:
- هو انت إيه يا أخي معندكش دم؟ شايفني منهارة من العياط وبرضه اللي عليك. بهدلت الدنيا طينت الدنيا فوق راسي. كان إيه اللي حصلك انت كمان؟
ضرب بكفه على ظهر الآخر بسأم:
- إيه اللي حصل إنّي اتهزئت من "رؤوف" وطلعت أنا الصاحب اللي ما يؤتمنش على سر. وراجل عيل عشان روحت وصلتلك كلام ما يصحش يخرج من البيت.
فغرت فمها مستنكرة:
- كمان. هو اعتبرها من أهل البيت وسرها يخصه؟ هو إيه اللي حصل بالظبط؟ البت دي إمتى لحقت تسيطر عليه بالشكل ده.
قالت الأخيرة بقهرة وهي تسقط بتعب على مقعدها المريح. زفر هو بصوتٍ عالٍ حانقاً قبل أن يجلس هو أيضاً على إحدى الأرائك.
- يا صافي انتي غلطتي وما تزعليش مني بقى. الأمور ما اتخدتش كده. هو انتي عايزة تكسبيه ولا تخسريه؟
رفعت رأسها تنظر إليه بيأس:
- هو أنا لسه هاخسره! انت ماشوفتش النهاردة يا "تيسير" دا كان عامل زي المجنون وهو بيدافع عنها. دا كان فاضل يضربني يا "تيسير". طب بيعمل معايا أنا كده ليه؟ وأنا طول عمري باتمنى نظرة منه وياما حاولت أظهر له وهو ولا هو هنا. حتى لما حب البت الأجنبية. كان عندي أمل إنه يرجع لي لما يزهق منها. بس اللي حصل إنها ماتت وهو بدل ما يرجع لي. لا دا زهد عن كل الستات. ودلوقتي بقى بيفضل خدامة عليا. أنا ناقصني إيه يا "تيسير" عشان ما يحسش بيا قول لي ناقصني إيه؟
أجابها بسأم وهو مستنداً بمرفقه على طرف الأريكة واضعاً وجنته على قبضته المضمومة:
- مش ناقصك حاجة يا "صافي". بالعكس انتي حلم كل شباب العيلة.
لوحت بيدها في الهواء بصرخة متألمة:
- واشمعنى هو دوناً عن كل شباب العيلة مش حاسسني ولا شايف جمالي؟
مط بشفتيه مردفاً بجدية:
- مش عارف يا "صافي". بس نصيحتي ليكي ياريت تشغلي عقلك وتصالحي موقفك مع "رؤوف" عشان ما تخسريهوش للأبد.
***
ومن الناحية الأخرى لم تستطع "سعاد" أن تذهب وتترك "سمرة" على هذه الحالة من الحزن والقهر. كانت جالسة في غرفتها على الفراش ودموعها تتساقط بصمت. وعلى طرف الفراش كانت "سعاد" جالسة أمامها تؤازرها وتخفف عنها.
- خلاص يا "سمرة" فكّي يا أختي وفوقي كده. انت دموعك دي إيه مابتخلصش؟
زفرت بقوة تحاول معها مرة أخرى:
- وبعدين بقى يا بت الناس. أنا تعبت من كتر ما بكلم نفسي كده على الفاضي من غير فايدة. يابنتي وجعتي قلبي. فوقي بقى لتحصلك حاجة وتضري فيها.
طرق "رؤوف" بخفة على باب الغرفة وهو يستأذن:
- ممكن أدخل؟
نهضت "سعاد" تستقبله بلهفة:
- ينهار أبيض ادخل ياباشا. هو انت هاتستأذن دا بيتك ومطرحك. ادخل ياباشا ادخل.
- انتي بتقولي إيه يا سعاد؟ لازم طبعاً إني أستأذن.
قالها وهو يدلف لداخل الغرفة بخطوات بطيئة بحرج، ولكنه تسمر أمامها. فالبرغم من أنها سارعت بمسح دموعها فور دخوله، إلا أن آثار الحزن والبكاء المرير كانت تبدو عليها بشكل واضح. فتابع هو سائلاً:
- انتي لسه برضوا زعلانة وما بطلتيش عياط؟
سارعت "سعاد" بالرد:
- قولها يا سعادة الباشا. دا أنا لساني اتدلل معاها ونفسي بقى تفك عشان أطمن عليها وأقدر أمشي وأروح للعيال. دي الدنيا ليلت عليهم وأنا سايباهم عند الجيران.
التفتت إليه "رؤوف" قائلاً:
- روحي انتي دلوقتي يا سعاد وخلي "صفوت" يوصلك بالعربية عشان توصلي بسرعة لولادك.
ردت بتوتر:
- بس يابيه مالوش لزوم. أنا أقدر أتصرف في المواصلات.
قاطعها مشدداً:
- خلاص يا سعاد اعملي اللي بقولك عليه.
نقلت أنظارها لـ "سمرة" فأومأت لها بتماسك:
- روحي يا "سعاد". أنا بقيت كويسة. روحي والله وماتقلقيش عليا.
خاطبها "رؤوف" مازحاً:
- خلاص لو كويسة تعالي معايا نوصلها لحد الجنينة. واهو بالمرة نشم هو طبيعي.
***
وفي الجنوب اصطفت السيارات التي ستقلهم إلى القاهرة بجوار منزل "سليمان". سيارة لـ "رفعت" وأخيه "قاسم". والأخرى للأشقاء حسن والحاج "سليمان" و"بسيمة" والدة "سمرة" التي أصرت على الذهاب معهم.
نعيمة وهي واقفة بالشرفة تنظر إليهم واضعة يدها على قلبها المتألم من القلق على "سمرة":
- يارب استر يارب وجيبها سلامات. يارب ينجيكِ يا "سمرة" يابتي يارب.
التفتت إليها "رضوى" حانقة:
- انتي لسه بتدعيلها؟ حتى بعد ما اتأكدتي من فجرها وجلة أدبها!
تنهدت المرأة ناظرة إلى السماء:
- ما حدش اتأكد من حاجة. دا كلام جاله "قاسم" وربنا وحده اللي عالم فين هي الحقيقة.
ضحكت "رضوى" بشماتة:
- ماشي خليكي كده ادعيلها على الباطل. وبكرة تتاكدي من كلامي. لما يجيبولك جثتها في شوال عشان تتاويها هنا في الجبل وتاكلها الكلاب.
نهرتها "نعيمة" مشمئزة:
- يا ساتر يارب عليكِ. أعوذ بالله منك ومن لسانك يا شيخة. دا انتي بجيتي عفشة جوي وقلبك بجى حجر.
هزت باكتافها ضاحكة وهي تعود للنظر مرة أخرى للسيارة على من سلب قلبها وعقلها. وهي تمتم مع نفسها:
- شكلها كده هانت. مدام انت بنفسك اللي واخدهم عشان تكشفها وتفضحها قدامهم. تبجى فوق وقت وعرفت الفاجرة اللي كانت واكلة عقلك ومنسياك الدنيا وما فيها. وأخيراً هاتعرف قيمة "رضوى" بت الأصول اللي تستاهل حبك. تبجى هانت يا رضوى هانت.
***
وعودة للقاهرة. فبعد أن ذهبت "سعاد" ظلت "سمرة" في الحديقة مع "رؤوف". ولكنها كانت صامتة وهي تنظر أمامها بشرود وحزن.
خاطبها وهو متألماً لما شعرت به من إهانة أوجعتها وهي عزيزة النفس لا تتحمل:
- أنا ما كنتش أعرف إنك ضعيفة أوي كده. أنا اللي أعرفه إني قوية وواثقة في نفسك.
التفتت إليه تجيب بصوتٍ مرهق:
- أنا تعبت وما عدتش قادرة أتحمل. مع إني عارفة إن جالت "صافيناز" أكيد دلوقتي بيتقال في ضهري ومن ناسِ اللي هما أكتر ناس عارفيني. بس أنا ربنا وحده هو اللي عالم بظروفي وعالم إني مظلومة وبريئة.
تكلم هو بصوتٍ أجش وحنون:
- أنا مش عايزك تزعلي يا "سمرة". أنا واثق فيكي وفي أي كلمة تقوليها. وخليكي مطمئنة إن محدش من أهلك هايقدر يقربلك ولا يلمس منك شعرة.
صمتت قليلاً شاردة قبل أن تقول:
- على فكرة أنا فكرت في موضوعك. بس أنا عايزاك تعرف الأول. السبب الحقيقي لهروبي قبل فرحي على واد عمي. وبعد ما تسمع قرر هاتكمل في عرضك ولا لأ.
ازدرد ريقه بتوتر:
- مش عايز أعرف حاجة يا "سمرة". أنا جلتلك إني واثق فيكي.
ردت هي بإصرار:
- بس أنا مصممة إنك تعرف إنّي لما هربت ما كانش العريس هو السبب. أخوه هو اللي كان السبب!
رواية سحر سمرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أمل نصر
لما هربت مكانش العريس هو السبب ... اخوه هو اللى كان السبب !!
- نعم !!!
قالها ببلاهه وهو لم يستوعب بعد ماقالته ليتابع عاقداً حاجبيه بحيره:
- ازاى يعنى مش هربانة من العريس وهربانة من اخوه ؟! وهو ايه داخلوا بيكى ؟
تنهدت بعمق وهى تُشيح بنظرها بعيداً:
- الحكاية دى قديمة جوى ... يمكن من اول ما طلعت على الدنيا .. او بالأصح من اول مادريت وحاسيت بيها .. دايماً كان " قاسم " فارض نفسه عليا وبيتحكم حتى فى اصحابى .
قاطعها سائلاً:
- قاسم دا اللى كان هنا امبارح؟
تابعت هى بتأكيد:
- ايوه هو .. كان دايماً بيتعامل معايا على انى خطيبته او مكتوبة على اسمه واما كنت اروح اشتكى لأمي عشان ترده .. كانت بالعكس بتفرح لدرجة وصلته يتحكم فيا جدامها وهى دايماً كانت مبسوطة .. عشان فلوس عيلته ومركزهم العالى فى بلدنا والبلاد اللى حواليها .. بس انا لما كبرت رفضت سلطته اللى كان دايماً فارضها عليا ورفضته هو نفسه .. اصبح بعدها زى المجنون فى زنه وتصرفاته معايا عشان اقبل بجوازى منه .. جطع رجل اى عريس يتجدملى من عيلتى او من اهل البلد ودا باعلانه دايماً انى ملكية خاصة ليه واللى يجرب كان بينال جزاءه .. حتى لو انجدملى عريس غريب عنى دايماً كان يهرب بجلده ومايرجعش تانى ..
وخالى " سليمان " نفسه مكانش يقدر يقبل بعريس غيره..واهله عشان يتقوا شره كان بيقولوا خليه يتجوزها وهو ربنا يهديه.. بس انا كنت برفض بكل قوتى ..
- طيب وايه اللى قلب الوضع وخلاكى اتخطبتى لاخوه ؟
- اللى حصل انه فى يوم وليلة سمعنا ان والده طرده من البيت والبلد نفسها .. بسبب المصايب اللى كان بيعملها دايماً بتهوره وجنونه ..
وبعد ما دمرنى انا شخصياً لقيت "رفعت "اخوه اللى كان دايماً ساكت .. بيتحداه ويتقدملى عشان اتجوزه .. بصراحة انا وافقت عشان اقطع السكة على " قاسم " ولأن كمان " رفعت "كان دايماً انسان كويس معا....
- ولما هو كده ؟ قعد ليه بيتفرج وساكت على عمايل اخوه معاكى ؟
قالها مقاطعاً بتعصب مع هذا البريق الذى ظهر جلياً ورأته هى بعينيه .. فاردفت بتردد:
- يمكن عشان كان بيتجنب الحرب مع اخوه واللى كانت هاتحصل فعلاً لو انا ماهربتش .. بعد ما لعب على الكل وفهمهم انه ندم وشالنى من مخه وخطب بنت خالى امارة على صدق توبته .. لكنه فى الحقيقة مارس حرب قذرة معايا بالتهديد فى الخفا ومن غير ماحد يدرى .- ازاى ؟
***
ترجلت من السيارة الفارهة ..
وهى تعدوا بخطواتٍ اقرب للجرى .. حتى وصلت للبناية التى تقطنها ولم تكد تخطو خطوتين حتى شعرت بكفٍ غليظة اطبقت على ذراعها تجذبها بعنف مع صوتهِ الغاضب:
- كنتِ فين يا" سعاد " ؟ وعربية مين دى اللى نازلة منها ؟
همت لتجادله بصوتٍ عالى ولكن استوقفتها هذه النظرة القديمة .. التى كانت تراها بعينيه حينما كان يغار عليها .. فخرج صوتها بهدوء نسبى:
- سيب دراعى يا"ممدوح " هاتكسروا.
شد على ذراعها اكثر وهو يصيح بغضب:
- انتى بتقولى فيها ؟ والنعمة لاكسروا بجد لو ما قولتى على اسم البقف اللى وصلك حالاً وفى الساعة المتأخرة دى ؟
تهللت اساريرها وهى تتبسم بدلال:
- الله ياممدوح .. هو انت غيران ؟ اشحال ماكنا مطلقين وكل واحد فينا راح لحاله.
خفت قبضته متجاوباً معها ولكنه كرر السؤال بخشونة مصطنعه:
- ردى عالسؤال بقولك وبلاش كهن الحريم ده ؟
اثار حفيظتها فنفضت كفه على ذراعها غاضبة:
- كهن حريم دا ايه ياعنيا ؟ هو انت صدقت بجد ولا ايه ؟ اصحى وفوق ياممدوح مش " سعاد " اللى يتقالها الكلام ياحبيبى ولا انت نسيت ؟
ضرب بقبضته على الحائط بقوة وهو يهدر عليها غاضباً:
- لأ مانسيتش يا" سعاد " ودا اللى مخليني صابر عليكى.. لكن ودين النبى لو عرفت انك فكرتى فى حد غيرى لاكون قاتلك وقاتله بالمرة .
اجفلت مزعورة من غضبه فخففت حدتها فى الرد عليه:
- وربنا مابفكر فى حد غيرك .. وبخصوص اللى وصلنى حالاً دا يبقى " صفوت " الحارس الخصوصي ل" رؤوف " بيه خطيب " سمره " .
غر فاهه باندهاش:
- مين ياختى ؟
اجابته هى دون تفكير:
- والنعمة زى مابقولك كده خطيب " سمره" البت الصعيدية اللى زى قمر دى اللى قعدت عندى كام يوم .. كنت قاعدة معاها النهاردة والوقت خدنى .. فخطيبها الله يكرمه شدد عليا اركب فى عربيته ويوصلني الحارس بتاعه عشان اللحق العيال.. فهمت بقى .
علت زاوية فمه بابتسامة متهكمة:
- بقى البت اللى كانت هربانة من اهلها.. ربنا فتح عليها بقدرة قادر وهاتتجوز بيه وعليه القيمة .
لوحت بسبابتها:
- كرم ربنا بقى .. عشان غلبانة وتستاهل ربنا عوضها
اومأ برأسه مضيقاً عينيه:
- خلاص فهمت يا" سعاد " روحى بقى عشان تاخدى العيال من عند ام ايمن روحى .
تتبعها حتى صعدت الدرج واختفت عن انظاره ليردف حانقاً بصوت خفيضٍ مع نفسه وهو يبصق على الارض من فمه:
- البت هاتتجوز الباشا وانت يا" قاسم " ال...... أختفيت وقولت عدولى وانا خدت صابونة !!
***
وبداخل السيارة التى كان يقودها " رفعت " وبجواره " قاسم " الذى اصابه الملل من صمت اخيه المريب.
- خبر ايه يا" رفعت " ساكت كده من اول الطريق يعنى واول اما اكلمك ترد على كد السؤال لدرجادى انت انصدمت فيها ؟
اللتفت اليه ناظراً للحظات قبل ان يعود مرة أخرى للطريق سائلاً:
- هى مين ؟
رفع قاسم حاجبيه مندهشاً:
- هى مين !! عم " رفعت ".. انت نسيت احنا رايحين فين ولا ايه ؟ نسيت اللى عملته بت عمك " سمره " ولا ايه ؟
هذه المره حدق اليه بحدة يقول:
- لا مانسيتش اللى عملته " سمره " ولا نسيت احنا رايحين فين ؟ وعلى الرغم انى مش متاكد جوى من كلامك ؟ بس انا هاموت واعرف .. لما انت عرفت مكانها وروحت بنفسك وشوفتها ..خبيت ليه عليا وانا اللى كنت على طول باتصل بيك ؟
ارتبك قليلاً من حدته ولكنه عالعادة تماسك سريعاً:
- يعنى الحق عليا يا" رفعت " انى باخد حرسى وخايف عليك .. انا كان لازم اتأكد زين قبل مااجى واتكلم بجلب مليان .. اديك شوفت خالها " حسن " اتعصب ازاى ؟ دا مش بعيد كان فرغ فيا رصاص بندجيته لو طلع كلامى مش صح.
وبنظرة غامضة:
- وانت دلوك متأكد يا" قاسم " من كلامك ؟.
بلع ريقه وهو يردف بتأكيد:
- طبعاً امال ايه يا" رفعت " .. ودى حاجة فيها هزار .
صك على فكيه قائلاً:
- اما نشوف ياقاسم اما نشوف .
***
ايه ده؟ انت ازاى تخبى حاجة زى دى تبرئك قدام اهلك ؟
قالها " رؤوف " ملوحاً بالهاتف بعد ان استمتع لتسجيل " قاسم " وهو يهدد " سمره " بقتل شقيقه لو نفذت وتزوجته.
بزاوية فمها ابتسمت بسخرية مريرة:
- تصدج انا كنت فاكرة زيك كده فى الاول لما سجلت ل" قاسم " بس اللى سمع غير اللى شاف .. عشان انا شفت نية الغدر فى عنيه زى ما شوفت التصميم فى عيون " رفعت " .. انا لو كنت طلعت التسجيل ده فى وجتها كانت هاتجوم حرب بين أخين وهابجى انا السبب فيها .. وفى الحالتين ماكنتش هاكسب .. بل العكس كنت هاخد لعنات الكل عشان فتنت بين أخين .. ولذلك انا فضلت ابعد عشان ارتاح واريح .
هز براسه موافقاً بابتسامة جميلة:
- دا من حظى يا" سمره" عشان الاقيكى وتنورى حياتى......
قاطعته "سمره "قبل ان ينهى جملته:
- رؤوف بيه .. ارجوك انا كنت مصممة تعرف كل حاجة عنى وتعرف مقدار الخطر اللى حواليه عشان تفكر كويس .. فياريت بلاش تتسرع فى قرارك.. انا عايزه اروح انام واريح شوية .. عن اذنك بجى .
وقبل ان تخطوا خطوة واحدة اجفلها هو سائلاً:
- يعنى افهم من كده.. انك موافقة فى حالة صممت انا على قرارى بالجواز منك .
شردت عيناها قليلاً مرتبكة قبل ان تجاوبه:
- انا جولتلك خد تفكيرك الاول وبعدين قرر.. يعنى مالوش لازمة السؤال دلوك .
قالتها وتحركت من امامه لتذهب لغرفتها ولكنه استوقفها بقوله:
- بس انا كده خدت موافقتك يا" سمره" خليكى فاكره....................................
***
فى اليوم التالى:
دلف الى غرفة جدته بابتسامة مشرقة فوجدها جالسة فى شرفتها.. اقترب منها يقبلها على رأسها:
- صباح الفل ياقمر .. ياأحلى " لبنى " فى الشرق الاوسط كله .
تنهدت بعمق وهى ترد بجمود:
- صباح الخير ..
دنا بوجهه امامها متفحصاً:
- فى ايه ياجدتى ؟ مالك كده بتردى عليا من غير نفس ؟
أشاحت بوجهها وهى تضرب بكفها على الاخرى المستندة على العصا:
- وانتى هامك اوى ياعنى باللى نفسى فيه؟
ثنى بنطاله وهى يجلس اماما مضيقاً عينيه بتفكير:
- لا دا انتى باينك زعلانة منى اوى .. قولى ياقلبى عالى مزعلك منى وخدى حقد تالت ومتلت .
التفت اليه تردف بحدة:
- انت بجد يارؤوف طردت " صافى " من البيت وعشان " سمره " كمان ؟
- اااه !
قالها وهو يطرق براسه ارضاً قبل ان يتابع:
- طبعا انتى " صافيناز " هى اللى اتصلت بيكى وفهمتك الموضوع باسلوبها عشان تبرأ نفسها ..مش كده برضو ياجدتى ؟
اقتربت برأسها منه مستنكرة:
- انت كمان مش عايزاها تتصل بيا ولا تحكيلى ؟ هو ايه اللى حصل بالظبط ولا هى صدقت فعلا بكلامها عن البنت دى ؟!
اومأ بكفه يستوقفها:
- تيته ارجوكى ... اسمعى منى زى ما سمعتى منها .
استطردت هى ولم تعبأ برجاءه:
- يعنى هاتقولى ايه يارؤوف ؟ البنت كانت مفلوقة من العياط وهى بتحكيلي.. انت من امتى يابنى كنت قاسى كده ؟ وكمان عايز تندهلها الحرس يشيلوها .. هى دى تربيتى ليك ؟
تبدلت قسمات وجهه ليهتف بحدة:
- وبعدين بقى ... انتى هاتخلينى اتكلم ولا اخرج خالص ؟
تلجمت المرأة مصدومة:
- انت بتعلى صوتك عليا يا" رؤوف "؟
نهض على الفور يقبل راسها أسفا:
- انا بعتذر ياتيته سامحينى والله ما اقصد .. انتى عارفة مقدارك عندى .
زمت شفتيها عاتبة ولم تتكلم فتابع هو:
- انا طردت " صافى " امبارح عشان غلطت فى" سمره "وفى شرفها دا غير اهانتها وتجريحها بكل قسوة .
مدت برأسها تقرب عيناها من عينيه:
- جينا للمفيد.. انتى مالك بقى ب" سمره " عشان تدافع عنها بالشراسة دى ؟
اقترب هو اكثر يجاوبها بثقة:
- انا بدافع عنها بالشراسة دى عشان هاتبقى مراتى .. يرضيكى ان اسمع واحدة بتجرح فى مراتى وفى شرفها واسكت وما دافعش ؟!!
***
فتحت اجفانها منزعجة .. من هذا الضوء القوى المنعكس على اعيُنها بفضل إزاحة الستار عن النافذه .. نهضت بجزعها قليلاً لتراها امامها:
- صباح الخير ياقمر انتى صحيتى ؟
مالت برقبتها قليلاً تستعيد وعيها فخرج صوتها متحشرج من اثر النوم:
- سعاد ... انتى مش مشيتى امبارح ولا انتى نمتي هنا ولا ايه ؟
ضحكت بمرح وهى تجلس بجوارها على طرف الفراش:
- انام هنا ازاى ؟ يخرب عقلك انتى عايزه توديني فى داهية ؟
هزت رأسها باستفهام:
- طيبى انتى جيتى بدرى ليه ؟ مش بعاده يعنى حصل حاجة؟
بابتسامة واسعة:
- لا ياختى محصلش حاجة .. غير بس سى " رؤوف " بيه رن عليا من اول النور ما شقشق فى الصبحية وقالى يا" سعاد " تعالى بسرعة عشان عندنا شغل كتير النهارده ومافيش وقت للتأخير .
- تأخير ايه ؟
رداً على سؤالها نهضت " سعاد " عن الفراش بابتسامة متسليه ..
فأتت بعدة أكياس وعلب مغلفة لماركات عالمية وفاخرة .. فوضعتها بجوارها على الفراش .
- شوفى ياستى ..دا زوق صاحبتك الى خدها " صفوت " فى عربية الباشا من ٦ الصبح وعلى اغلى المحلات اللى كانت فاتحة بدرى النهارده مخصوص لاجل عيون "رؤوف "بيه .. نقيتلك دول يارب يعجبوكى.
حدقت اليها ببلاهه:
- مش فاهمة ! يعنى دول ليا انا ؟ طب ليه ؟
ازدادت ضحكاتها مرحاً فاقتربت منها لتريها المشتريات:
- انتى كل ده ولسه مافهمتيش ؟ يابت شوفى انا جبتلك ايه ؟.. شوفى الروايح اللى تهبل ولا المكياجات ولا الهدوم .. كل دول ماركات غالية عشان تكيدى الاعادى وتفرسيهم .
بيدها إزاحة المشتريات وقد تملكها الضيق:
- من فضلك يا"سعاد " فهمينى دلوك على طول وبلاش اللالغاز دى كده عالصبح عشان انا معنديش مرارة .
هزت اكتافها بدلع تردف:
- بصراحة انا مليش مزاج عشان اقولك .. بس رافةً بيكى هاديكى العلبة دى تفتحيها عشان تفهمى .. عن ازنك بقى اروح اطل عالمطبخ .
تناولت العلبة المغلقة بتعجب كى تفتحها.. فتفاجات بهذا العقد الماسى الذى يخطف الانفاس وبجواره ورقية صغيرة مطويه تناولتها تقرأ ما كتب فيها.
" صباح الخير .. عارف انى روشتك كده بدرى .. بس بصراحة انا معرفتش انام خالص بعد كلامك ليا امبارح .. هو ماكنش تفكير فى قرار .. لا ياحلوه دا كان فرحة انى اخدت موافقتك ولا انتى نسيتى ؟ ياللا بقى والنبى اجهزى بسرعة خلينى اشوفك "امضاء المحب وواقع على بوزو " رؤوف " !
رواية سحر سمرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أمل نصر
انتابتها حالة من الصدمة وهي ناظرة إليه بعينين جاحظتين بصمت، بعد أن فاجأها بقراره وكأنه مقولة عابرة ألقاها إليها بين كلماته.
"إيه يا تيتة مالك ساكتة ليه؟"
أجابته متذمرة: "أرد أقول إيه؟ هو أنا اللي سمعته ده كان جد؟"
"أيوه يا تيتة كان جد، ولو تحبي أكرر كلامي حاضر أكرره. أنا لا يمكن هقبل أي حد يقرب من سمرة بأي كلمة ولا أي إساءة، دي هتبقى مراتي يعني شرفها وكرامتها من شرفي وكرامتي."
هزت لبنى رأسها غير مصدقة: "انت سامع نفسك يا رؤوف؟ بقى عايز تسيب صافي بنت الأصول واللي انت عارفها وعارف تربيتها كويس وتروح تتجوز واحدة شغالة عندنا وهربانة من أهلها كمان!"
رد عليها بلهجة صارمة: "أولاً كده لازم تعرفي إنها كانت هربانة من جوازة غصب من واحد مفروض عليها، يعني مش حاجة مشينة وتعيبها. ثانياً بقى أنا سألت عن أهلها وعرفت إنها من عيلة متأصلة في الصعيد، ده بالإضافة إنك عاصرتيها وعرفتيها بنفسك هي قد إيه راقية وتشرف أي حد يتجوزها."
خفت حدتها وهي تنظر إليه بتشتت: "هو فيه إيه يا رؤوف؟ دي أول مرة أشوفك كده. هي البنت دي عملتلك إيه بالظبط؟ خلتك تقلب كده وتبقى إنسان تاني غير اللي أنا أعرفه."
جز على فكيه حانقاً وهو يحاول أن ينتقي كلماته: "تيته أرجوكي بلاش تكرري كلام صافي قدامي، انتي عارفاني كويس وحافظاني، أنا مش عيل صغير ولا مراهق."
أخذ شهيقاً بقوة قبل أن يتابع ببعض الهدوء: "أكيد يا تيتة انتي فاكرة ساندرا وحبي ليها قبل ما تعمل حادثة بعربيتها، وعارفة كويس إني بقالي سنين بعد وفاتها لا اتجوزت ولا حبيت بعدها."
أسدلت المرأة جفنيها بتأثر، فتابع هو مستغلاً صمتها: "هتصـدقيني لو قولتلك إن سمرة نسّتني ساندرا وحبها؟ إحساس الشغف اللي كان غايب عني بقاله سنين، بحسه بس مع سمرة. أنا هاتجوزها وهدافع عنها وهاحميها من أي خطر، وانتي لو بتحبيني بجد، وافقي على جوازي منها وعوضيها بحنانك عن كل اللي شافته."
***
خرجت من غرفتها باحثة عنه بعد أن ارتدت أسدالها على عجالة، وهي ممسكة بيدها علبة العقد الفاخرة. صعدت الدرج متجهة إلى غرفة لبنى بعد أن أخبرتها سعاد، وقبل أن تطرق بيدها على الغرفة تراجعت مرتدة وهي تشعر بالحرج، فماذا ستخبر المرأة حينما ترى العلبة بيدها؟ وماذا ستخبره هو أيضاً؟
وقفت بوسط الطرقة شاردة لبعض الوقت لتفاجأ بصوته يخاطبها: "واقفة عندك بتعملي إيه؟"
شهقت مخضوضة.
رفع حاجبه مبتسماً بتسلية يشبع أنظاره منها وهي واضعة يدها على قلبها، حجاب رأسها متراجع لنصف شعرها الفوضوي من أثر النوم وبشرتها الخمريّة عليها أثر احمرار طفيف، هي تحادثه الآن مرتبكة وهو لم يفهم أي شيء نتيجة شروده بها.
"رؤوف بيه أنا بكلمك."
"آسف والله مأخدتش بالي، كنت بتقولي إيه بقى؟"
تنهدت بتعب وهي تعيد ما قالته: "أنا كنت عايزة أفهم إيه لازمة الحاجات دي كلها وإحنا لسه ما فيش أي حاجة يعني؟"
ضيق عينيه بتصنع: "اممم.. لازمة الحاجات دي ياستي إني عايزك تجهزي بسرعة عشان المأذون جاي بعد ساعة من دلوقتي."
"ساعة!!"
قالتها بعينين جاحظتين من الدهشة.
فتابع هو: "أيوه ساعة يا سمرة، ولا انتي نسيتي اتفاقنا امبارح؟"
هزت برأسها تستوعب: "لا مانسيتش، بس يعني حتى لو وافقت مش بالسرعة دي."
"لا بالسرعة ولا انتي ناسيه أهلك ممكن يجوا في أي وقت."
أسدلت أجفانها صامتة، فلم تعد هناك ضرورة للجدال، ولكنه أجفلها بسؤاله: "انتي خارجة بالعلبة دي ليه؟"
قالها بإشارة لما تضعه بيدها، فتذكرت ما أتت من أجله: "آه صحيح، دا أنا كنت جايباها معايا مع إن مكنتش عارفة هاجولك إيه. الموقف نفسه غريب وأنا بصراحة مكنتش فاهمة."
ابتسامته ازدادت اتساعاً: "واديكِ فهمتي ياستي، ممكن بقى تتحركي عشان تفطري وتغيري هدومك."
***
وفي الجنوب، وبداخل منزل الحاج سليمان، كانت ثريا وابنتها شيماء جالستين مع نعيمة وابنتها رضوى التي كانت توزع نظراتها عليهم بتعجب.
"اللي يشوفكم كده يجول إنكم في عزا ولا ميت لكم ميت."
حدقت إليها شيماء بدهشة: "ليه يا رضوى؟ هو إحنا اللي فيه ده مش حزن؟"
مدت إليها رأسها مستنكرة: "ونحزن ليه يا حبيبتي على واحدة زي دي؟ هي اللي جابت العار لأهلها وتستاهل كل اللي يجرالها."
"بلاش كلامك دا يا رضوى."
قالتها نعيمة بغضب مكتوم أمام صدمة شيماء ووالدتها ثريا التي تدخلت في الحديث: "خلي بالك من كلامك يا رضوى، إحنا لسه متأكدناش، وحتى لو كان كلامك صح، برضه خلي بالك إنه مكانش عشانها يبقى عشان رجالتنا اللي ممكن يروحوا في داهية بسببها."
"رجالة مين اللي يروحوا في داهية؟"
قالتها مروة وهي تدلف لداخل المنزل.
ردت عليها نعيمة بارتباك: "تعالي يابنتي اتفضلي واقعدي معانا."
جلست على أقرب كرسي، فكررت مرة أخرى سؤالها: "حد فيكم يطمني يا جماعة.. رجالة مين اللي هيـريحوا في داهية؟"
سألتها شيماء بتردد: "هو رفعت ولا قاسم مالجوش مسافرين ليه؟"
مروة وهي تنظر إليها بتشتت: "رفعت هو اللي قال إنهم عرفوا مكان سمرة ورايحين يجيبوها وبس كده مزودتش في كلامه."
رضوى وهي رافعة إحدى حاجبيها حانقة: "بس كده مجالش حاجة تانية ولا قاسم نفسه اتكلم؟"
هزت برأسها تنفي: "لا مجالش حاجة أكتر من كده، وقاسم نفسه متكلمش خالص."
ابتسمت شيماء بداخلها لعلمها التام بعقل رفعت الراجح لعدم الكشف عن حديث هكذا لأهله، أما رضوى فازدادت حنقاً وهي ترى علامات الارتياح على وجه والدتها.
***
وبداخل القصر الكبير، كان تيسير جالساً مكتفاً ذراعيه يزفر بداخله محاولات التماسك وعدم إظهار مشاعره الحانقة أمام رجل الدين (المأذون) والعم صالح، مدير إحدى الأقسام وصديق والده قديماً. لقد فاجأه رؤوف بطلبه للشهادة على عقد الزواج بعد أن أتى للقصر، فلو أخبره سابقاً لكان تهرب وتعذر بأي شيء حتى يتجنب الحرج مع صافيناز وغضبها، ولكن ماذا بيده الآن بعد أن تورط ولا يستطيع الفكاك ولا الهروب.
أجفل على رؤية صفوت وهو يتقدم بخطواته ليهمس بأذن رؤوف بشيء ما. هو لم يسمع همس صفوت، ولكنه استمع لرؤوف وهو يشدد بكلماته: "عايز رجالتك عيونهم متغفلش عنهم يا صفوت، وطمني على طول بأخبارهم ماشي."
أومأ صفوت طائعاً قبل أن ينصرف، فاقترب منه يسأله: "هما مين دول اللي بتتكلم عنهم؟"
التفت إليه مبتسماً بمرح: "ماتشغلش نفسك انت ياحبيبي.. دي حاجات كده بسيطة."
صك على أسنانه من رده المبهم، فقرر تغيير دفة الحوار: "هي تيته لبنى مش هاتحضر معانا برضو؟"
أومأ برأسه بحركة غير مفهومة قائلاً: "تيته لبنى غضبانة ياسيدي، بس إن شاء الله بكرة تصفى، ماتشغلش بالك انت."
"ماشي يا عم."
قالها تيسير بسأم وهو يعود بظهره للمقعد، ولكنه تسمر مجفلاً وهو يراها تنزل الدرج وكأنها أميرة من إحدى القصص.
كانت ترتدي فستاناً منسدلاً على جسدها الجميل والملفوف برشاقة مبهرة، بالإضافة لجمال وجهها الطبيعي الذي زادته مساحيق التجميل الخفيفة جمالاً وروعة. كانت صديقتها سعاد تسير بجوارها وهي تطلق الزغاريد بفرح غامر. ضاقت عيناه على سحرها الخاطف للأنفاس، ليرى تقدم رؤوف المسحور بجمالها ليمسك بيدها حتى أجلسها بجواره.
تحدث بارتباك من فرحته وكأنه عاد مراهقاً: "يالا بقى يا مولانا شد حيلك العروسة وصلت."
***
وبداخل إحدى المطاعم، كان الخمسة جالسين على طاولة كبيرة في إحدى الأركان، في انتظار الطعام وليستريحوا قليلاً أيضاً من عناء السفر.
حسن وهو يتحدث في الهاتف مع ابنته بصوت عالٍ لفت أنظار جميع من بالمطعم: "أيوه يابنتي.. إحنا وصلنا والحمد لله.. مين؟.. عمتك بسيمة زينة يابتي متخافيش، اطمني انتي وخلي بالك من خواتك وما تقلقيش، كفاية يا شيماء لت وعجن في الموضوع ده، مالكيش دعوة، خلاص اقفلي يا شيماء مش عايزين فضايح."
تحدث قاسم متذمراً بصوت خفيض: "هو انت لسه هاتعمل فضايح.. دا انت لميت علينا المطعم كله."
ومن الناحية الأخرى كانت جالسة بسيمة متجهمة بجمود، فخاطبها رفعت: "ناقصك حاجة يا خالة بسيمة ولا تعبانة وعايزة تريحي جسمك."
هزت برأسها نفياً وخرج صوتها بصعوبة: "أنا زينة والحمد لله مش عايزة حاجة."
تدخل سليمان في الحوار: "سيبها يا رفعت، هي كده من أول ما ركبنا قاعدة ساكتة وبس، ربنا يكون في عونها."
حسن الذي أنهى مكالمته: "ربنا يكون في عونا كلنا."
نهض قاسم بشكل مفاجئ عن مقعده: "أنا جاي أشربلي سيجارة برة المخروب ده على ما يجي الأكل، أحسن دماغي مش متحملة."
سليمان هو أيضاً: "مين سمعك دا أنا هاموت وأشربلي حجر شيشة."
***
بعد أن أنهى المأذون عقد الزواج وذهب، كان رؤوف يتلقى التهاني من العم صالح الذي كان فرحاً بزواجه: "و أخيراً شوفتك متجوز يابن الغالي.. دا أنا الفرحة مش سايعاني يا ولاد."
رؤوف وهو يربت على ذراعه بمودة: "تعيش يا عم صالح يارب ويبارك فيك.. بس أنا وفيت بوعدي أهو لما قولتلك إن يوم ما اتجوز هاتشهد على عقد الجواز."
أطلق الرجل ضحكة عالية بصوت عالٍ: "يا حبيبي انت كنت بتقولها على أساس إنه لو حصل؟ يعني حين ميسرة."
أطلق الثلاثة ضحكاتهم على دعابة الرجل، ليردف تيسير مشاركاً في الحديث: "انت بتقول فيها يا عم صالح دا كان مقفل من كل صنف الحريم، وأنا كنت بقول الواد ده معندوش إحساس ولا بيفهم."
ومن الناحية الأخرى كانت سعاد تعانق سمرة وتقبلها من وجنتيها بقوة: "ألف مبروك يا نور عيني.. أخيراً قلبي اطمن عليكي بجد.. رؤوف بيه هو الراجل اللي يستاهلك بحق."
ردت عليها سمرة بابتسامة مشرقة: "والله ما أنا عارفة يا سعاد اللي حصل ده تم إزاي، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة وحاسة إني بحلم."
ضغطت على يدها وهي تبتسم لها بمغزى: "لا ياحبيبتي صدقي وفوقي كده.. انتي دخلتي في الجد.. يعني بقيتي مراته رسمي وبعد شوية هيبقى......"
ضيقت عينيها قليلاً بتفكير في تلميحها، ثم توسعت بشدة بعد أن وصلها المعنى: "انت بتتكلمي بجد يا سعاد؟ أنا بصراحة كنت ناسيه الموضوع ده خالص."
شهقت سعاد بمرح: "مالك يابت وشك اتخطف كده ليه؟ اهدى شوية يروحي وبلاش تخليه ياخد باله من شكلك المتغير.. دا عيونه رايحة جاية عليكي."
استدارت برأسها ناحيته فوجدته يبتسم لها رغم تحدثه مع الرجل، فنكزتها سعاد بدعابة: "ينيلك يا سمرة.. دا انتي طلعتي خام خالص."
هزت رأسها لتخرج من شرنقة هذه الأفكار التي انتابتها فجأة بشكل عاصف، فاللتفتت لـ سعاد قائلة: "أنا طالعة فوق أشوف لبنى هانم."
أمسكتها من رسغها لتوقفها: "استني هنا.. هو مش رؤوف بيه قالك إنها رافضة الجواز وخليها تاخد وقتها على ما تصفى."
تنفست بعمق لترد عليها بتصميم: "عارفة يا سعاد، بس برضو هاروحلها وأشوفها حتى لو طردتني."
***
وبداخل غرفتها كانت جالسة بجذعها على فراش تختها مطرقة رأسها بحزن على ضياع فرحتها بزواج رؤوف الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر على فتاة من وسطه وعائلته، فحتى لو كانت سمرة جميلة ومن عائلة كريمة كما يقول، لكنها لا تصلح وهي الهاربة من عائلتها وقريتها في أقصى الصعيد.
سمعت طرقاً على باب غرفتها، وبعد أن أذنت بالدخول تفاجأت بها تدلف بحرج: "مساء الخير يا لبنى هانم."
طافت عليها قليلاً ناظرة بإعجاب، ولكنها أشاحت بعينيها ولم ترد. اقتربت منها بهدوء لتجلس على طرف الفراش باستحياء: "أنا آسفة لو كنت زعلتك بجوازي من رؤوف بالسرعة دي.. بس انتِ عارفة الظروف اللي أنا فيها."
حدقت إليها بعينيها بشكل مبهم وهي صامتة. فتابعت برجاء: "أنا يعز عليا زعلك ده والله.. ونفسي ماتشيلش ولا تزعلي مني.. أنا ماشوفتش منك غير كل خير."
دلف رؤوف بشكل مفاجئ: "انتي موجودة هنا وأنا بدور عليكي."
أومأت له بعينيها بإشارة للسيدة لبنى التي ازداد تجهم وجهها، فدنا منها يقبل رأسها: "أنا عارف إن قلبك طيب وهاتحني.. ومهما فضلت راسمـة وش الخشب دا كتير برضو هاتسامحي.. سمعاني يا لولو."
قال الأخيرة مشدداً. ثم جذب سمرة من رسغها: "خلاص قومي يا سمرة خليها ترتاح."
نهضت معه على مضض وهي تتمنى لو أخذتها المرأة بأحضانها لتبارك الزواج.
بعد أن خرجت من الغرفة وجدته مازال يجذبها من يدها مسرعاً، فجذبت يدها توقفه: "استنى هنا انت واخدني ورايح فين؟"
أجفل لتوقفها ونظرتها الفاضحة لخوفها، فتبسم إليها بمرح وهو يقترب منها: "إيه مالك؟ شكلك مخطوف كده.. هو انت في حاجة قلقاكي؟"
هزت برأسها نفياً: "لا ما فيش حاجة مقلقاني.. بس يعني هي سعاد والمعازيم اللي كانوا معاك كلهم راحوا فين؟"
أجابها بتسلية: "للأسف كلهم مشيوا."
توسعت عيناها بجزع: "كلهم."
اقترب منها ليطبع قبلة طويلة على وجنتها ثم قال أخيراً: "هو أنا قولتلك النهاردة إنك زي القمر."
هزت برأسها سريعاً: "لا ما قولتيش."
رواية سحر سمرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أمل نصر
كان ناظراً إليها باستمتاع وهو يتصنع التمثيل، شاعراً بارتباكه وتوتره. بعد أن لف ذراعه حول خصرها وطبع قبلته على وجنتها، مردفاً بمكر:
- أما أنا راجل معنديش ذوق صحيح! بقى القمر ده كله قدامي وماديهوش حقه في الكلام الحلو ولا الدلع حتى.
ردت بصوت خفيض وخجول من قربه منها:
- كلام حلو ودلع كمان!
أردف هو بصوت أجش، وعيناه تجول على وجهها بتأنٍ:
- ولو قلت قصايد من الشعر كمان توصف في جمالك وسحرك، برضه مش هأوفيكي حقك.
رفرفت برموشها، وقد ازدادت خجلاً من كلماته وهي لا تجد ما ترد به عليه. تحمحم هو ليجلي حلقه قبل أن يخرج صوته متحشرجاً من هول ما يشعر به نحوها:
- لا بقولك إيه، انتي كده هتخليني أرجع عن اللي مخطط له خالص وأغير البرنامج اللي أنا عاملهولك، عشان نحتفل سوا.
رفعت أنظارها إليه بتساؤل وحماس:
- برنامج إيه اللي عاملهولي؟ وهانحتفل سوا؟ هو انت بتتكلم جد؟
قربها منه أكثر يردف بتلاعب:
- انت عايزة إيه؟ نفضل هنا ولا أخرجك في حتة هادية وجميلة؟
توسعت عيناها بحماس:
- طبعاً نخرج ونتفسح، ودي عايزة تفكير ولا كلام.
فك ذراعه عنها ممتعضاً وهو يزمجر بتذمر:
- مع إني خلاص كنت هاغير رأيي، بس عشان خاطرك بقى والأوقات الحلوة لسة جاية كتير، تعالى بقى.
قال الأخيرة وهو ممسكاً بكفها يجذبها معه ليذهبا سوياً.
***
فتح باب مكتبه متجهم الوجه ليفاجأ بـ "صافيناز" جالسة أمامه على إحدى المقاعد، كانت تتفحص هاتفها، وأجفلت ناهضة بعد رؤيته.
- تيسير باشا، أخيراً وصلت. ناموسيتك كحلي يا أستاذ.
قالتها بمداعبة لم يستجب لها وهو يدلف لداخل الغرفة متمتماً بضيق:
- دي بتيجي عالريحة دي ولا إيه؟
صاحت عليه حانقة:
- داخل كده من غير سلام ولا ترحيب، إيه يا غبي انت؟ هو أنا داخلة بيتك؟
وقف أمامها يصافحها بارتباك:
- أهلاً يا "صافي"، معلش مأخذتش بالي. انتي دخلتي هنا إزاي؟
فغرت فاهها مذهولة:
- يعني هاكون دخلت إزاي انت كمان؟ البنت السكرتيرة بتاعتك هي اللي دخلتني، هو أنا غريبة عشان أستناك في مكتبها؟
أومأ برأسه متفهماً:
- آه يعني "سهر" هي اللي دخلتك، أما هي فين دلوقتي؟ أصلي ماشوفتهاش وأنا داخل.
جلست أمامه واضعة قدم على الأخرى تتحدث بتعالٍ:
- بعتها تعملي فنجان قهوة بإيدها، مش بإيد الساعي، ما انت عارفني بقرف.
التف حول المكتب ليجلس على مقعده مردفاً باندهاش:
- بعتي السكرتيرة تعمل قهوة؟ ده انتي جبارة والله.
التوت زاوية شفتيها بامتعاض:
- ليه بقى؟ هي كانت هاتعترض كمان؟ دي حتى بلدي ومش التيب بتاعك خالص يا "توتي".
ارتفع حاجبيه وهو يشيح بوجهه عنها متنهداً:
- البنت شايفة شغلها كويس يا "صافي"، وأنا راجل عملي ومش هاخلط بين الشغل والمزاج يعني!
- مالك يا "تيسير"؟ هو في حاجة حصلت؟
أجفل لسؤالها المباغت فاللتفت إليها متسائلاً:
- انتي ليه بتقولي كده؟
مطت بشفتيها مردفة:
- أصلك بتتكلم جد قوي، وما بيتهزرش بوقاحة على سيرة البنات ودي مش عوايدك يعني.
بلع ريقه وهو يحاول التهرب من تحديقها بعينيه.
- يعني هايكون في إيه بس يا "صافي"؟ ما انتي عارفة ضغط الشغل بيخرج الواحد عن شعوره. المهم بقى إيه سبب تشريفك المفاجئ لمكتبي المتواضع؟
هزت رأسها تبتسم بريبة:
- اممم مع إني مش مقتنعة بكلامك ده خالص، عشان أنا عارفة طبعك كويس قوي. بس هاجاوبك على سؤالك وأغير الموضوع. سبب تشريفي لمكتبي المتواضع ده يا سيدي، هو إني فكرت كويس امبارح وقولت إني لازم أقابل "رؤوف" لوحدي بره البيت وبعيد عن الحيزبونة اللي هناك عشان أعرف أصالحه وأتفاهم معاه. وطبعاً عشان دا يحصل لازم انت تساعدني.
مسح بأطراف أصابعه على فكيه بتوتر:
- وأنا هاساعدك إزاي بقى؟ أنا مش فاهم.
ابتسمت متنهدة:
- أقولك إزاي؟ عايزاك تقوم بسرعة دلوقتي معايا نروح مكتبه، تدخلني عليه وتصالحنا على بعض وأنا بقى هاتولي الباقي.
ضغط بأسنانها على شفته العليا لا يعرف كيف سيخبرها:
- بس هو مش موجود النهارده في مكتبه ولا في الشركة خالص يا "صافي".
سألته بتوجس:
- لا في مكتبه ولا في الشركة، أما راح فين بالظبط؟
كان يطرق بأصابعه على سطح مكتبه قبل أن يحسم أمره في الإجابة عن سؤالها.
سألت مرة أخرى بريبة:
- هو حصل إيه يا "تيسير"؟ شكلك ما يطمنش!
***
وسط النيل والباخرة تسير في المياه الصافية والمتلألئة بفعل انعكاس الشمس عليها، كانت واقفة على سطحها تنظر لما تراه من جمال حولها وهي تشعر بنسمات الهواء العليلة على وجهها. راحة نفسية تغلغلت داخلها رغم هذه الهواجس المرافقة دائماً لها خوفاً من القادم. ولكن ما جدوى التفكير والخوف الآن؟ فالتعش لحظتها الآن معه وليحدث ما يحدث غداً.
- القمر سرحان في إيه؟
شهقت منتقضة حينما فاجأها بكفه التي جذبتها من خصرها تقربها إليه، فجابته بتلجلج:
- يعني هاكون سرحانة في إيه بس؟ أكيد في المنظر اللي يجنن ده.
ابتسامته ازدادت اتساعاً:
- بجد يا "سمرة" يعني عجبك المنظر من هنا؟
بابتسامة متوترة:
- طبعاً عجبني وبهّرني كمان، وأنا أساساً بحب النيل لكن النهارده جماله حاجة تانية.
- طب كويس أوي، تعالى بقى عشان نتغدى قبل ما الأكل يبرد.
قالها وهو يجذبها لطاولة قريبة وضعت أفخر عليها أنواع الأطعمة والتي أعدت بعناية لأجلهم. بعد أن أجلسها على كرسيها، جلس هو أمامها مردفاً بحزم:
- عايزك تدوقي الأصناف دي كلها وتقولي رأيك بصراحة في اللي عجبك واللي ما عجبكيش.
ضيقت عينيها بدهشة:
- ماشي، بس هو ليه المطعم ده فاضي ومافيش غيرنا بس هنا؟
أومأ بيده الممسكة بالشوكة:
- عشان المطعم النهارده محجوز مخصوص لينا يا قلبي. أنا مش عايز أسمع صوت حد في اللحظة دي غير صوتك ولا أشوف أي حد تاني غيرك.
أسدلت عينيها بخجل تضحك مابين كلماتها:
- أنا بصراحة كنت بشوف الحاجات دي في المسلسلات التركي ومكنتش أتخيل إنها هاتحصل معايا.
أردف هو بجدية وصدق:
- أنا عايزك تحلمي بس يا "سمرة" وأنا هأحقق حلمك مهما يكون. انت بس تشاوري على اللي عايزاه وأنا عليا الباقي. ماشي يا "سمرة".
أومأت برأسها بموافقة:
- ماشي. صحيح انت ليه ما قولتليش على موضوع الفوتوسيشن ده اللي عملناه أول ما وصلنا هنا عالنيل.
غمز إليها بطرف عينه متلاعباً:
- حبيت أعملهالك مفاجأة. يالا بقى كلي الأكل هايبرد!
***
هزت رأسها تستوعب بهدوء ما يسبق العاصفة.
- إيه!!! بتقول إيه يا أخويا؟ انت أكيد بتهزر يا "تيسير"؟
زفر حانقاً ولم ينطق بكلمة أخرى بعد أن ألقى على مسامعها خبر زواج "رؤوف"، وهي ما زالت تنظر إليه بوجل منتظرة ادعاءه المزاح معها. هزت رأسها مرة باستنكار.
- بلاش نظرتك دي والنبي، وقولي إنك بتعمل فيا مقلب. صح يا "تيسير"؟ بتعمل مقلب؟ رد عليا وفهمني.
تنهد بثقل وهو يشيح بعينيه عنها قبل أن يعاود النظر إليها بثبات.
- مش هأنكر يا "صافي" وانت لازم تصدق إن "رؤوف" خلاص اتجوز وبقى له.
قاطعته صارخة:
- اتجوز مين؟ انت مجنون؟ بقى عايزني أصدق إن "رؤوف" الصرفي بجلالة قدره اتجوز الفلاحة دي والهاربة من أهلها كمان يعني لأهل ولا مركز.
أغمض عينيه بتعب:
- أرجوكي يا "صافي" اسمعيني واستوعبي كلام.
قاطعته مرة أخرى بإشارة من يدها، وهي تنظر للرسالة التي أتتها على الهاتف، ثم ما لبثت أن تنهض عن مقعدها صارخة بوحشية:
- الحيوانة تربية الشوارع دي تعمل فيا أنا كده!
أجفل هو مخضوضاً من صرختها:
- وطّي صوتك يا "صافيناز" الشركة كلها سمعت صرختك.
التفتت إليه تشير بهاتفها صارخة بجنون وعينان لامعتان:
- خليهم يسمعوا وييجوا هنا عشان يشوفوا مديرهم اللي فضح نفسه بجوازة عرة زي دي.
تناول هو الهاتف ناظراً بشاشته:
- إيه ده؟ أقسم بالله أول مرة أشوف الصورة دي. دول لحقوا إمتى يتصوروا.
صاحت هي مع تساقط دموعها:
- قال وأنا اللي كنت فاكرة إنك بتهزر، واتارى الخبر سمع في كل حتة، وأصحابي عرفوا قبلي ودلوقتي باعتيلي الصورة عشان يفرحوا فيا. أنا عارفاهم كلهم أوخاس.
ارتمت على كرسيها تجهش بالبكاء، وهو ناظر إليها بأسى. فماذا ستفعل لو عرفت أنه كان شاهداً على عقد الزواج؟
***
وصلوا إلى القصر، بعد أن انتهت رحلتهم القصيرة بالنيل. ترجلت هي أولاً من السيارة. أما هو فبمجرد خروجه منها أوقفه "صفوت" هامساً بأذنه، فأدلى إليه ببعض التعليمات بصوت خفيض. وهي على مسافة قريبة منهم ولكنها لم تسمع شيئاً. دقائق قليلة وصرف "صفوت" من أمامه قبل أن يصل إليها مطبقاً بكفه على كفها.
- حبيبتي قبل ما ندخل عايزك تبقي قوية لما تدخلي جوا وما تخافيش.
توقفت خطواتها بجزع:
- هو في إيه بالظبط؟ انت وصفوت أساساً شكلكم ما يطمنش. هما وصلوا؟
تناول بكفه الأخرى مؤخرة رأسها يقربها منه فقبلها بقوة على جبهتها:
- قولتلك ما تخافيش. إيدك دي ماتسيبش إيدي ومحدش فيهم هايقدر يقربلك ولا يلمسك. إحنا كنا متأكدين إن المواجهة هاتحصل. فارفعي راسك كده وافردي ضهرك وخليكي واثقة فيا، سمعاني.
أومأت برأسها تستمد منه القوة.
وهي تبتلع ريقها الذي جف فورًا.
وبداخل القصر... كان الأربعة جالسون ببهو المنزل الكبير بدون "قاسم" وكأن على رؤوسهم الطير، ووجوههم متجهمة بجمود.
أُجفلوا جميعًا على دخولها القصر وهي ما تزال ممسكة بيده.
كانت رافعة رأسها وفاردة ظهرها كما قال لها، ولكنها بمجرد رؤيتهم شعرت بتوقف أنفاسها. قلبها كاد أن يهوي إلى قدميها من الرهبة برؤيتهم.
وقعت عيناها أولاً على والدتها. رغبة غريبة بداخلها كانت تحثها على أن تعانقها بقوة واشتياق. ولكن نظرة "بسيمة" الحادة إليها أعادتها إلى الواقع فورًا.
نقلت أنظارها إلى خالها "سليمان" وخالها "حسن". أشاحت عيناها عنهم فورًا لما رأته على وجوههم من رغبة في الانتقام والثأر لكرامتهم وشرفهم.
فتقابلت عيناها بـ"رفعت" طيب القلب الحنون. نظرته كانت تحمل عتابًا وحزنًا دفينًا على صدمة في إنسانة أحبها واتهامها بالخيانة.
وصلت أخيرًا إليهم مع "رؤوف" الذي تقدم إليهم بكل ثقة.
"مساء الخير يا جماعة. نورتونا والله."
صاح عليه "حسن" من بين أسنانه:
"إنت ليك عين كمان تسمي علينا وتكلمنا وإنت ماسك في إيدك الفاجرة دي."
أشار إليه بكفه مقاطعًا يوقفه:
"لو سمحت حضرتك. من البداية كده لو مش هاتتكلم معانا بالعقل يبقى اتفضل اخرج من سكات."
زمجر بغضب وهم بالسباب، ولكن "سليمان" أوقفه.
"اهدى يا حسن خلينا نسمع الأول ونفهم. اتفضل يا سعادة البيه فهمنا اللي حاصل بالظبط يمكن نكون عمي كمان وما شايفينش زين."
رد عليه بتهذيب:
"العفو حضرتك. اتفضلوا اقعدوا الأول عشان نتكلم."
رفع بشدة:
"قبل أي شيء أنا عايز أعرف حراس اللي برة دول. خدوا أخويا وودوه فين؟"
بابتسامة مغتصبة:
"حضرتك ماتقلقلش على أخوك الأستاذ 'قاسم'. أنا بس أمرت رجالتى يتحفظوا عليه عشان نعرف نتكلم. لأن بصراحة كده طول ما هو موجود هنا أنا مش هاقدر أمسك نفسي عليه."
هتف عليه "حسن" باستنكار:
"حجة بطلوا ده واسمعوا ده. كمان إنت اللي مش هاتعرف تمسك نفسك؟ ليه يابوي هو مين فينا اللي معاه الحق؟"
صاح هو بصوت قوي وواثق:
"أنا اللي معايا الحق. ومش هاقبل أي حد يقلل من كرامة مراتي ولا يتهمها في شرفها وأقعد ساكت!"
فغر الثلاثة أفواههم واتسعت أعينهم بدهشة واشتعلت أكثر. ولكن "بسيمة" كانت جامدة بملامح مبهمة. فأشار إليهم مرة أخرى كي يجلسوا:
"ممكن بقى تقعدوا عشان نتفاهم."
صاح عليه "حسن" بغضب:
"نتفاهم على إيه يا جدع إنت؟ إنت فاكرنا دجاج عصافير؟ ادينا بتنا خلينا نعاود بلدنا بلا مسخرة وضحك على الديوك."
زفر بضيق لا يريد إعادة مطلبه:
"طيب زي ما تحبوا خليكم واقفين. لكن أنا بكرر تاني ياريت تنقوا كلامكم معانا."
أردف "رفعت" بحدة وهو ينظر إليها بغضب ناري:
"إنتِ حقيقي اتجوزتي الراجل ده؟"
هزت برأسها بموافقة وهي صامتة.
فتقدم ناحيتها بغضب غير محسوب:
"ولما هو كده؟ كنتِ واخده أنا استبن ووصفك إيه بالظبط عندك؟ ماتنطقي وجولي."
قال الأخيرة بصرخة قبل أن يوقفه "رؤوف" بكفه من التقدم أكثر منها وصوته الجهوري:
"أوقف مكانك هنا أحسن لك واحترم نفسك في الكلام معاها بدل ما أنده عالحراس يشيلوك لبرة زي ما عملوها مع أخوك قبلك!"
تسارعت أنفاسه بداخل صدره من الغضب وهو يريد التقدم منها والطباق بيديه على عنقها حتى تزهق روحها بيده. جذبه سليمان من ذراعه للخلف هادرًا على "رؤوف":
"ماهو إنت كمان كلامك ما يخشش العقل يا جدع إنت. اسمعها مني كلمة. بلاش تاخدك الشجاعة في حاجة أكبر منك. إحنا صعيدة ولا يمكن هانرجع من غير بتنا. فاحسن لك سيبها عن سكات بدل ما نتواجه إنت معاها."
كانت ترتعش من الخوف وهي شاعرة بقدميها الهلام وعلى وشك السقوط. ولكنها تفاجأت به يلف ذراعه يسندها وهو يردف إليهم بحزم:
"طيب من غير كلام كتير ولت. ممكن يا أستاذ إنت بما إنك شباب واكيد تعرف في الميديا. ياريت تفتح الفون بتاعك وتكتب عن جواز 'رؤوف الصريفي'. اللي هو أنا بالمناسبة. يعني دا لو ماسألتوش عني قبل ما تيجوا!"
بأنفاس هادرة ونظرة حارقة إليها تناول هاتفه وفعل ما قاله ليفاجأ بخبر عقد قرانه على المدعوة "سمرة أبو العزم" على جميع المواقع المشهورة مع بعض الصور الرائعة التي التقطت إليهم بعدة مواضع جميلة.
رواية سحر سمرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم أمل نصر
زواج رجل الأعمال الشاب رؤوف الصيرفي على المدعوة سمرة أبو العزم. هذا كان أول عنوان قرأه على بضع مواقع أخرى بصيغ مختلفة لم يركز فيها، فعيناه تسمرت عليها وهي بداخل أحضانه بجمالها الخاطف وابتسامتها زادتها روعة وجعلتها قبلة للأعين.
تنهد بثقل مع رؤيتها والم موجع شق قلبه نصفين. رفع عيناه أخيراً إليهما، وصوته بالكاد يخرج منه وارتجافه بداخله يحاول السيطرة عليها بصعوبة مع نظرته الحادة إليها كالسهام:
- لكن الصورة دي جديدة والكتب الكتاب كان النهاردة بالظبط. الأيام اللي فاتت بقى كانت معاك بصفة إيه؟ دا لو هنمشي على كلامك!
خرج صوتها بارتعاش للدفاع عن نفسها ولو قليلاً:
- أنا جيت هنا أساساً جليسة لـ "لبنى" هانم جدة "رؤوف"، وهو اتعرف عليا هنا.
حسن وهو يميل برقبته أمامها بسخرية:
- يا ماشاء الله. دا انتي طلعلك صوت أخيراً. آه، بعد ما كنتي من الصبح سيباه هو يتكلم بالنيابة عنك وبصراحة الباشا جايم بالواجب وزيادة. اخص عليكي وعلى تربيتك يا بت أبو العزم، ياريتها دفنتك قبل ما تشوفي اليوم ده.
صاح "رؤوف" بصوت عالٍ:
- ما كفاية بقى يا أخينا انت، أنا ساكتلك من الصبح ومصبر نفسي عليك لكن أقسم بالله...
- هاتعمل إيه؟
قالتها "بسيمة" بمقاطعة بعد فترة طويلة من الصمت أجفلت الجميع. فتحركت بخطواتها أمامهم جميعاً وأمام "سمرة" وقفت بتحدٍ وعيناها تحدق إليها وإليه أيضاً، فتابعت بصوت منخفض ومريب وهي تخاطب "سمرة":
- طول عمرك شايفاني قاسية عليكي وشديدة، ومش حنينة زي أبوكي مدرس الرسم خايب الرجاء اللي ضيع حجه في ورث أبوه على كلام فاضي. كان بيجلد فيكي ليل ونهار وهو مفهمك إنك أميرة ومحدش من عيلتك ولا أهلك وناسك كلها يناسب جمالك وحسنك. سابك ليا وأنتِ عمرك 13 سنة. حاولت أصلح اللي خسروا أبوكي فيكي عشان تتواضعي وتعيشي عيشة أهلك، لكن ما عرفتش. عارفة ليه يا بت بطني؟ عشان ما عملتش كده.
ضربة قوية بكف يدها هوت على وجه "سمرة" فخرجت صرختها بصوت عالٍ وجعلتها تترنح لولا ذراع "رؤوف" التي سندتها ليضمها إليه وهو يصرخ على والدتها بغضب جحيمي وقد فقد السيطرة على أعصابه:
- أقسم بالله لولا إنك والدتها وواحدة ست لكان ليا تصرف تاني معاكي.
تقدم "سليمان" يجذب شقيقته من ذراعها متمتماً بصوت خفيض:
- تعالي يا بت أبوي، مالهوش لازمة تتعبي نفسك على الفاضي.
- في إيه يا "رؤوف"؟ ومين دول بالظبط؟
قالتها "لبنى" وهي تنزل على الدرج بخطوات بطيئة. أجابها و"سمرة" وجهها مدفون بصدره ودمعتها بللت قميصه مع شهقاتها المكتومة:
- ثواني يا جدتي وهاقولك.
التفت إليهم بحزم وشدة يومئ برأسه ناحية جدته:
- دي تبقى "لبنى" هانم جدتي، اللي كانت "سمرة" جليسة ليها. أظن إن كل حاجة وضحت الآن وأنا مش هازود أكتر من كده. أنا النهاردة كتبت كتابي عليها وبعد أسبوعين من دلوقتي هعمل فرح مصر كلها تشهد عليه. هاتيجوا الفرح تشرفوا وتأنسوا، مش هاتيجوا انتوا حرين ونورتونا.
***
وبأسفل القصر وداخل حجرة ضيقة كان يصرخ بجنون يطرق بقوة على بابها بكفيه المفتوحتين:
- افتح الباب ياض، افتح بدل ما اندمك انت وسيدك على اليوم اللي شفتوني فيه. افتح ياض بدل ما أكسر الباب.
انفتح الباب فجأة ليطل عليه "صفوت" الحارس والذي توقف ليدخل سيده مكفهر الوجه عاقداً حاجبيه بشر. وبمجرد رؤيته صاح عليه "قاسم" بصوت عالٍ:
- أهلاً بالباشا اللي متحامي في كلا... عشان يحرسوه مني.
تقدم إليه ليقف أمامه بتحدٍ وثبات:
- اديني واقف قدامك أهو وأنت حر ومش متكتف زي المرة اللي فاتت. جرب يالا وريني شطارتك، ولا أنت بتشوف نفسك على الحريم وبس.
هدر عليه بصوت جهوري رافعاً قبضته أمامه في الهواء:
- لم نفسك يا جدع انت، أنا مش عايز أتهور عليك دلوقتي عشان ما اطلعش روحك في يدي.
لم يهتز شعرة وهو يأمره بجدية:
- لو راجل انزل بيها وجرب تضربني، عشان أعرفك بجد من "رؤوف" الصيرفي.
ضرب بكفه على طاولة خلفه وهو يصرخ بجنون:
- انت عايز مني إيه يا جدع انت؟ وحبستني ليه دوناً عن كل ناس اللي جم معايا؟
اقترب منه برأسه بلهجة محذرة:
- جينا للمفيد. اسمع بقى يا أفندي انت، عشان ما أكررش كلامي كتير. اياك ثم اياك ثم اياك تفكر تاني في "سمرة" ولا تقربلها عشان أنا ما أضمنش نفسي المرة الجاية هاعمل معاك إيه. سمرة خط أحمر فاهم؟ ولا أحب أفهمك.
صك على أسنانه بفحيح:
- ليه بقى خط أحمر؟ أفهم إيه السر اللي مخليك بتعمل كده مع واحدة شغالة عندك؟ وربنا المعبود لو عرفت إنها فرطت في نفسها معاك لأكون...
لم يكمل جملته فقد باغته "رؤوف" بضربه برأسه جعلته يترنح ليمسكه من ذراعه ويثنيه خلف ظهره بقوة لم يستطع "قاسم" الفكاك منه فحاصره في الحائط:
- أنا حرّمت عليك إن ما تجيبش سيرتها يا حيوا... "سمرة" اتكتبت على اسمي واللي يمسها يمسني، فهمت ولا أفهمك.
صاح "قاسم" بصوته الخارج بصعوبة من محاصرة الحائط:
- تتجوز مين يا ابن الـ...؟ دي مكتوبة على اسمي، يعني ماحدش ليه حق فيها غيري.
ضغط بكفه المطبقة على ذراع قاسم بشدة جعلت ألمه يزداد أكثر:
- أنا ماسك نفسي عليك بالعافية عشان ما أفضحكش قدام أهلك بناءً على رغبة "سمرة"، لكن وديني لو ما كنت مكانك لأكون مطلع عليك كل اللي عملته مع "سمرة" جديد ولا قديم.
قال الأخير وهو يدفعه بقوة ليسقطه أرضاً فتلقاه "صفوت" ينهض به عن الأرض. صاح بصوته وهو ينفض عن ثيابه الأتربة:
- انت فتحت على نفسك طاقة جهنم باللي عملته دلوقتي. وعد مني مش هاخليك تتهنى بيها ولو على موتي.
تحدث من بين أسنانه يخاطب "صفوت" بأنفاس لاهثة:
- ارميه بره القصر حالاً يا "صفوت"، أنا عايزه يخرج لاهله سليم قبل ما أتهور وأقتله بإيدي.
***
وفي الخارج كان الثلاث رجال واقفين بجوار السيارة في انتظار خروج "قاسم" كما وعدهم "رؤوف". و"بسيمة" جالسة بالداخل. رفع كان مكتفاً ذراعيه ناظراً أمامه بجمود، أما "حسن" فكان يثرثر بغيظ:
- آه يا ناري. من الواضح ابن الفرطوس ده اللي لفنا كلنا وطلعنا من بيته يد ورا ويد جدام. بقى البت تعمل عملتها السودة دي وأنا أشوفها قدامي كده وما أقدرش أطبق في رقبتها ولا أكسر عضمها بإيدي.
رد عليه أخيه "سليمان" بحنق:
- وآه يا "حسن"، يعني كنا هانعمل إيه بس معاه بعد ما بقت مرته؟ وأنت شوفت بنفسك صورها اللي مالية الدنيا. ودا راجل مش هين عشان ناخد منه مرته كده قدام عينه.
نظر إلى أخيه وهو يطبق بكفيه غيظاً:
- يعني بت أبو العزم عجزتنا وكتفت إيدينا ورجلينا كمان. آه يا ناري لو أشوفها قدامي دلوقتي!
نكزه "سليمان" بخفة وهو يومئ له بطرف عينه ناحية "رفعت" المتجهم كي يفهم ويراعي شعوره. صمت "حسن" على مضض وأدار رأسه ناحية القصر في انتظار "قاسم" الذي خرج بعد قليل بشرارة ونيرانه المستعرة بداخله، حتى إذا وصل إليهم هتف عليهم:
- واقفين هنا ليه من غير ما تجيبوها معاكم؟ واقفين وبتكم قاعدة جوه مع راجل غريب؟
أجفل "حسن" من تهكمه فمسح بكفه على وجهه حتى يستطيع التحكم في أعصابه. رد عليه "سليمان" ببعض الهدوء:
- براحة يا "قاسم" وبلاش كلامك الواعر ده، دي بقت مرته خلاص يعني مش غريب عليها.
قفز عن الأرض يتحدث بجنون:
- انت كمان بتقول مرته؟ بدل ما تطلع بندقيتك دلوقتي وتبندجه ابن الـ... طب على الأقل اسحبها من شعرها وهاتها معاك دي شرفك، ولا أنت نسيت.
قال الأخيرة بصرخة أثارت حنق الشقيقين وهما يحدقان إلى بعضهما غير مصدقين ما وجه إليهم. صرخ عليه "رفعت" بغضب:
- وإذا كان هما خوالها سكتوا ورضوا باللي حصل؟ انت بقى متعصب ليه؟ ولا يكونش دمك أحمى منهم؟
استدار إلى أخيه ينظر إليه بأعين مطلقة شراً وكأنها حمم بركانية، فبادله "رفعت" النظر مضيقاً عينيه بغموض. خرج صوت "بسيمة" من السيارة أجفلهم جميعاً وهي تهتف بغضب:
- ما تخلصونا بقى خلونا نمشي من هنا ونحصل بيوتنا. تاعبين نفسكم على الفاضي. أنا بنتي ماتت وخلاص على كده فوضوها بقى.
تقدم "قاسم" من نافذة السيارة ينظر إليها بتفحص قبل أن يخاطبها قائلاً:
- خالتي "بسيمة"... ازيك يا غالية؟ دا أنا كنت ناسيكي!!
***
وفي الداخل. في البهو الكبير للمنزل كانت "لبنى" جالسة على الأريكة الكبيرة وهي حاضنة "سمرة" تهدهدها بحنان، وهي التي لم تجف دمعتها ولم يصمت شهيقها بعد، وهي تبكي بمرارة. دلف إليهم "رؤوف" بعد أن أنهى مهمته مع "قاسم" متحدثاً بألم:
- هي لسة ما بطلتش عياط؟
ردت عليه "لبنى" بحزن:
- الله يكون في عونها يا ابني، دي أمها طلعت ست شديدة قوي.
تنهد بقوة وهو يجلس بجوارها فجذبها من ذراعها كي تخرج من أحضان "لبنى" وتلتفت إليه:
- قومي يا حبيبة قلبي قومي، وبلاش تحرقي قلبي عليكي بالشكل ده.
حدق بعينيه إلى وجهها الذي أصبح كتلة حمراء ملتهبة وهي تطبق عيناها عن رؤيته بكسرة موجعة. أخرج محرمته يكفكف دمعاتها وهو يخاطب جدته:
- خلاص اطلعي يا تيته انتي أوضتك، عشان ترتاحي وأنا هاعرف إزاي أهديها.
تحاملت المرأة على عكازها كي تنهض عن مقعدها:
- أنا فعلاً تعبت قوي النهاردة، خلي بالك منها يا "رؤوف".
صعدت "لبنى" الدرج فتناول هو يدها يجذبها كي تنهض معه.
- تعالي معايا قومي، أنا هاعرف إزاي أخليكي تفكي وتخرجي من حزنك.
***
وفي مكان آخر بإحدى الملاهي الليلية. كانت جالسة تنظر إلى هذه الضوضاء والأجساد العارية التي تتراقص مع الشباب على أصوات الموسيقى الصاخبة.
تحتسى المشروبات المذهبة للعقل بكثرة، علها تنسيها هذا العشق الذي تمكن منها وأصبح كالمرض بقلبها وعقلها.
أجفلت على صوت إحدى الشباب الذي خاطبها بلباقة وهو يدنو بوجهه منها:
- قاعد لوحدك ليه ياقمر؟ ماتيجي ترقصي معايا وتهيصي.
نظرت إليه بازدراء من رأسه لأخمص قدميه، تنفث دخان سيجارتها بوجهه باستعلاء:
- ماليش مزاج أرقص مع حد مش عاجبني.
اعتدل في وقفته يرد عليها بحنق:
- براحتك ياختي، خليكي قاعدة وأنا كمان ماليش مزاج أرقص معاكي ولا أبص في وشك حتى.
تناولت الكأس من الطاولة تشرب ما تبقى منه وهي ناظرة في أثره دون مبالاة. فجلس "تيسر" بجوارها ضاحكًا:
- عملت إيه يامصيبة إنتي في الواد؟ دا ماشي من عندك يبرطم بكلام مش مفهوم وشكله يا عيني دمه محروق.
فغرت فاهها بترنح:
- ما يتحرق في دمه ولا يغور في داهية حتى، أنا مالي! قال أرقص معاه قال؟ هو إحنا هانعيّل كمان؟
تحدث وعيناه على التي تتراقص أمامه بميوعة:
- ومالهم بس ياصافي العيال؟ ماتعيشي حياتك معاهم ودوري على غيرهم بعد ما تزهقي، وأهو التغيير حلو برضه.
تحولت بعينيها لما ينظر إليه فردت بعصبية:
- يعني أنا يبقى من نصيبي العيال والفلاحة الهربانة تتجوز "رؤوف" حلم كل البنات.
تأفف بصوت خفيض:
- وبعدين بقى يا "صافي" انتي مزهقتيش من البكا والعويل في الموضوع ده؟ حتى إن كنت جايبك هنا في وسط اليغمة دي عشان تفكي برضه مافيش فايدة.
تنهدت بأسى وعيونها شاردة:
- آآآه يا "تيسير" أنا كل ما افتكر ببقى هاتجنن، ياترى هو بيعمل إيه معاها دلوقتي؟
ضحك بسخرية من سؤالها قبل أن يتمتم مع نفسه:
- دي بتسأل بيعمل إيه معاها؟ ودي محتاجة سؤال مع واحدة زي دي عاملة زي الصاروخ؟ دا تلاقيه عايش معاها دلوقتي أحلى الليالي.
***
محاوطًا وجهها بكفيها يلتقط بابهامه كل دمعة متساقطة أو على وشك السقوط على وجنتيها التي يلامسها بحنان:
- خلاص بقى ياحبيبتي انسى ومتزعليش، أنا قولتلك إني مش هاخلي حد فيهم يلمسك، بس والدتك دي بصراحة فاجئتني وأنا لولا خايف على زعلك كنت دفعتها تمن القلم ده كتير قوي.
تكلمت أخيرًا ما بين دمعتها:
- أنا مش واجعني ضربة القلم على الرغم إن دي أول مرة أتهان فيها وأتضرب، أنا اللي واجعني نظرة الاتهام في عيونهم وكأني واحدة خاطية مش بنتهم اللي ربوها وياما افتخروا بتربيتها وتعليمها قدام الناس الغريبة.
قبلها على جبهتها متحدثًا بثقة:
- وحياتك عندي لاخليهم يرجعوا ويفتخروا بيكي زي الأول وأكتر، دا هايبقى شغلي الشاغل الأيام اللي جاية دي، أنا كان هاين عليا النهاردة أتكلم وأفضح الزفت ده اللي اسمه "قاسم" بس عشان خاطرك إنتي بس سكت مع إن ده ضد رغبتي.
رفعت عينيها ترد بحزن يسكن أعماقها:
- مكانش ينفع تتكلم النهارده قدام أهلي، رفعت أول واحد كان هاىتجرح في كرامته لو الموضوع ده اتفتح قدامهم.
التوت زاوية فمه بامتعاض:
- رغم إني مش متفق معاكي في إنك تشيلي الحمل ده كله لوحدك، بس أنا برضه مش هزعلك.
ابتسمت إليه بامتنان:
- على فكرة أنا متشكرة جوي يا "رؤوف" على اللي عملته معايا، جميلك ده مش هنساه أبداً لما دافعت عني قدامهم.
دنا بوجهه يوزع قبلات رقيقة على وجهها وهو يتحدث بصوت متحشرج:
- متشكرة على إيه بس هو أنا عملت حاجة؟ دا أنا ادافع عنك قدام الدنيا دي كلها وبرضه قليل.
ارتبكت من حديثه وقبلاته أخجلتها وهي تحاول إزاحة كفيه فعجزت عن النطق.
أفلت هو كفيه عن وجهها فجأة مبتعدًا عنها لناحية المكتب وهو يقول:
- شوفتي بقى... اديكي نستيني المفاجأة اللي عملاهالك، دي هتعجبك قوي.
أجفلت متفائلة بدهشة:
- مفاجأة إيه؟ أنا مش فاهمة.
رواية سحر سمرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم أمل نصر
دنا برأسه يبحث في أدراج مكتبه عن شيء. يبدو أنه كان يعرف وجهته، فلم يستغرق في البحث إلا دقيقة أو أقل ليخرج ممسكًا بعلبة أنيقة من القطيفة وهو يتقدم بخطواته إليها. تبسمت باكتفاء:
- تاني برضوا هدايا؟ مش كفاية العقد اللي يجنن ده وأنا لابساه!
ابتسامته اتسعت أكثر وهو يفتح العلبة مردفًا لها:
- ياحبيبتي العقد ده كان هدية عادية، لكن دي شبكتك ياقلبي.
قال الأخيرة وهو يتناول كف يدها، يضع أسورة من الألماظ الحر على معصمها وتبعه خاتم ومحبس لأصابعها من نفس الطقم. رفع يدها إلى فمه طابعًا عليها قبلة عليها بحنان.
- يارب يكون عجبوكي!
ارتعاشة من الفرح والارتباك انتابتها وهي تردف بخجل:
- أنا مش عارفة أقولك إيه، بس أنت بتعاملني كملكة وده كتير عليا قوي.
جذبها من كفها التي ما زالت بيده ليقربها إليه، فوضع الثانية على خصرها وعيناه تحاصر خاصتيها بتملك:
- أنتِ فعلاً ملكة وتستاهلي أكتر من كده بكتير. وعلى فكرة يا "سمرة"، أنا مفاجأتي الحقيقية لسه هتشوفيها بكرة بعينك.
عقدت حاجبيها بتساؤل:
- وليه بكرة مش دلوقتي يعني؟ طب حتى قوليلي إيه هي وبعدين أشوفها.
هز رأسه بحركة مداعبة:
- متحاوليش معايا عشان مش هاقولك، اصبري لبكرة أحسن. ودلوقتي خلينا في المهم.
- إيه هو المهم؟
قالتها ببلاهة قبل أن تصمت مرغمة حينما لامست شفتاه شفتيها برقة. وقبل أن يتعمق في قبلته، ابتعدت بوجهها بتوتر أجفله.
- مالك يا "سمرة"؟ هو أنتِ اتضايقتي؟
أطرقت بوجهه خجلًا قبل تجاوبه:
- ممكن تقبل طلبي وتسمعني الأول.
أفلت ذراعيه عنها وهو يجلي حلقة قبل أن يومئ برأسه موافقًا:
- اتفضلي اتكلمي براحتك وأنا سامعك.
تلاعبت بأصابع يديها بحركة مكشوفة لتوترها وعيناها لا تقوى على النظر إليه، وقد جلس أمامها على حافة المكتب ينصت إليها باهتمام. فخرج صوتها بصعوبة:
- بصراحة، أنا طول عمري بحلم بالفستان الأبيض وليلة فرح جميلة زي كل البنات. ومع عمايل "قاسم" معايا، الحلم ده بيجي بعيد قوي. بس أنا لما سمعتك من شوية وأنت بتقول لأهلي على فرح، الحلم رجع من تاني يداعبني من تاني.
أومأ بيده أمامها:
- وأنا صادق في كلامي على فكرة، وهاعملك فعلاً فرح حقيقي تتحاكي عليه مصر كلها.
عضت على شفتها بإحراج قبل أن تردف بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
- طيب، هو ممكن تبقي فرحتي كاملة ونأجل... اممم... كل حاجة لوقتها الطبيعي بعد الفرح؟
فعرف فاهه بخيبة أمل ليردف أخيرًا:
- يعني أنتِ عايزاني أستنى أسبوعين لميعاد الفرح؟
هزت برأسها تؤكد على كلامها بحرج متزايد. فصمت هو ناظرًا إليها بصدمة وتفكير فترة قاربت الدقائق. ثم ما لبث أن يرد بيأس:
- للأسف مقدرش أقولك لأ، حتى ده لو كان ضد رغبتي. لكن الأهم عندي دلوقتي هي فرحتك، اللي أنتِ عايزاها مكتملة زي ما بتقولي.
رفعت قبضتها تداري هذه الابتسامة المتسعة عن عينيه قائلة بامتنان:
- متشكرة قوي ليك إنك فهمت موقفي.
أومأ برأسه بابتسامة ساخرة:
- خلاص يا "سمرة"، ماتشكرنيش وروحي دلوقتي نامي، ينوبك فيا ثواب يا شيخة!
***
وفي اليوم التالي
خرجت "نفيسة" من غرفتها في الصباح الباكر كي تصلي فرضها، فاتفاجأت بشبح فرد جالس على مقعد صغير في بهو المنزل معطيًا لها ظهره بلا حركة كالصنم أو قطعة من الأثاث. اقتربت منه بهدوء لتتبين وجهه.
- بسم الله الرحمن الرحيم... هو أنت يا "رفعت"؟
قالتها بجزع وهي واضعة يدها على قلبها. رفع أنظاره إليها ولم يرد، فتابعت هي:
- هو أنت رجعت إمتى؟ وجاعد لوحدك كده ليه من غير ولا حركة ولا حس؟
خرجت الكلمة من فاهه بصعوبة:
- أنا راجع يدوبك من شوية، مطولتش يعني!
اقتربت منه كي تجلس بجواره وتسأله بتوجس:
- مالك يا ولدي شكلك ما يطمنش خالص. هو إيه اللي حصل بالظبط؟ هو أنتوا لقيتوها بت "بسيمة" ولا يكونش عملتوا فيها حاجة يا ولدي؟ أوى تكون غلطت معاهم وأذيتها؟ هما خوالها وحرين فيها، لكن إحنا مالناش دعوة...
- ما أذيتهاش يا أمي ولا سطيتها...
قالها بمقاطعة لوالدته التي أجفلت من حدتها. فتابع هو:
- المحروسة اتجوزت واحد كبير في مصر وغني قوي من اللي بيجوا في التليفزيون. وأنا وخوالها وأمها وقفنا قدامه زي العيال وإحنا ما عرفينش نكلمها. وهو بيدافع عنها ويهددنا بعين قوية. ده إحنا دلوقتي مانقدرش حتى نبصلها، فهمتي يا أمي.
تحدثت المرأة مستنكرة:
- واه يا بت "بسيمة"، ودي عثرت عليه فين دي؟ ولا هربت معاه ولا إيه بالظبط؟
ضرب بكفه على حافة المقعد بقوة قبل أن ينهض عن مقعده بغضب مردفًا لوالدته من بين أسنانه:
- أنا رايح على أوضتي أريح جسمي شوية ومعنديش مرارة للحديث تاني. ماحدش يدخل عليا يصحيني خالص.
أوقفته "نفيسة" قبل أن يصل لغرفته:
- طب وأخوك "قاسم" مجاش معاك ليه؟
أجاب والدته وهو واضعًا يده على مقبض الغرفة قبل أن يفتحها:
- ولدك بعد ما ركب معانا، نزل في نص السكة قبل ما نطلع من مصر. قال عليه دين لواحد صاحبه وعايز يرده!
***
دخل غرفته بنيرانه المستعرة داخل قلبه، وقد انقشع عنه قناع الجمود بعد أن أصبح وحده ولا يراه أحد. تناول صورتها من تحت وسادته، يحدثها بصوت متألم:
- عملتي فيا كده ليه؟ طعنتيني في ضهري بعزم ما فيكي بسكينة تلمة ليه؟ أنا كان عيبي إيه؟ ده أنا كنت قايلدلك صوابع العشرة شمع. كان إيه مبررك عشان تدبحيني؟ إيه كان مبررك؟
قال الأخيرة بصرخة وهو يلقي بيده كل ما تواجد على مكتبه ليسقط جميعهم على الأرض من ملفات وأوراق مهمة وحاسب آلي صغير (لاب توب) يخصه، وبعض الأشياء الأخرى. فلمح من بينها هاتفها الذي أعطاه لها سابقًا في بداية خطبتها كهدية. ترك الصورة فتناول الهاتف بعنف يتفحصه، فوجده لم يتأذى إلا ببعض الخدوش البسيطة:
- أما أشوف نمرته عندك ولا أنتِ تعرفيه من إمتى؟
قالها وهو يتفحص الهاتف وسجله ورسائله.
***
خرج من المنزل القديم المتهالك بالحارة الضيقة يجلي حلقه المتحشرج وهو يسعل بقوة كعادته كل صباح، بفضل المكيفات التي يتعاطاها. تفاجأ بهذا الواقف أمامه على قدم واحدة والأخرى مستند بها على الحائط.
- اسم النبي حارسك، أنت جيت يا حيلتها؟
اعتدل بوقفته وهو يجاوبه بنظرة محذرة:
- لم نفسك يا ممدوح بدل ما أعملها معاك. أنت عارفني مجنون وما بخافش.
بصق على الأرض وهو يتقدم بخطواته إليه حتى أصبح أمامه تمامًا، فخاطبه قانطًا وهو يمد إليه رأسه:
- لهو أنت كنت فاكرني هقابلك بالأحضان ولا أقولك متشكرين، بعد ما هربت وكلت حقي.
أبعده قليلاً ليتجنب أنفاسه:
- طب بعد شوية كده، مش متحمل ريحة الهباب اللي طالعة منك.
صاح بصوته عليه:
- يا عم وأنا كمان قرفان من وشك، اديني حقي ويدار مادخلك شر. أنت تروح لحالك وأنا أروح لحالي.
تنهد قاسم قبل أن يخرج من جيب سترته رزمة كبيرة من المال فوضعها بكف ممدوح:
- يرضوك دول ولا عايز أكتر؟
ازدرد ريقه بأعين منبهرة وهو ينظر إلى المال قبل أن يرفع رأسه مجيبًا:
- هو فيه حد يكره الزيادة يا عم "قاسم"؟ أنا معاك يا باشا في اللي تطلبه ومن إيدك دي لإيدك دي.
أومأ برأسه مردفًا:
- كويس خالص، يبقى تسمع اللي هاقولك عليه وتنفذه بالحرف.
***
"أنت فعلاً مجنون، مين قالك إني ملكك؟! مين اداك الحق فيا؟! أخوك ما طلبش الجواز مني غير لما عرف إني لا يمكن هأرضى بيك. أخوك عمل اللي مجدرش حد في البلد يعمله، خوفًا منك ومن عمايلك. بعد ما وقفت حالي بالسنين، أنت إيه يا أخي؟! لا بترحم ولا بتخلي رحمة ربنا تنزل."
- لأ يا "سمرة"، وهاقولهالك تاني، أنتِ ملكي وأنا هدافع عن ملكي إن شاء الله حتى بالدم."
كان هذا آخر نص التسجيل الذي سمعه "رفعت" بعد أن تفحص الهاتف جيدًا بحثًا عن دليل لخيانتها له، ولكن تفاجأ بهذه الرسائل المسجلة بصوت أخيه، وقبلها استمع لتسجيل آخر بصوتها هي في رسالة أخرى.
برقت عيناه تطوف بالغرفة بغير هوادة وهو فاغر فاهه بصدمة، شاعرًا بثقل يجثم على أنفاسه، يهذي بكلماته وكأنه فقد عقله:
- يا وجعتك المطينة يا "رفعت"، يا يعني أنا كنت حمار وكل ده بيحصل من ورا ضهري؟ أنا كنت حمار، أنا كنت حمار! عندها حق تسيبني وتطفش بعيد. كان عندها حق تدور على اللي يحميها بدل مني. ركبتني العار يا قاسم، ركبتني العار يا واض أبوي. ما أبقاش راجل لو ماخدتش حقي منك. ما أبقاش راجل ولا أتحسب عالرجال لو ما دافعتك تمن عملتك دي غالي قوي، غالي قوي يا قاسم.
صمت بأنفاس لاهثة من فرط انفعاله يستمع لتسجيلها مرة أخرى.
"السلام عليكم، يا رب تكون وصلت للتسجيل يا رفعت عشان تعرف حقيقة اللي حصل معايا وخلاني أبعد وأسيب البلد كلها."
***
"أنت بتقول إيه؟ بتتكلم جد ولا بتهزر؟"
سألتها "سعاد" بذهول بعد أن قصت عليها "سمرة" ما حدث.
ناولتها فنجانًا من القهوة أعدته وهي تجلس أمامها على طاولة صغيرة في المطبخ قبل أن تجيبها بابتسامة مشرقة:
- بصراحة، عندك حق ما تصدقيش، أصل اللي حصل كان كتير قوي على استيعابي أنا شخصياً.
وبحركة مفاجئة زمت "سعاد" شفتيها وهي تنظر إلى "سمرة" صامتة بغموض مما أجفلها، فعقدت حاجبيها تسألها بدهشة:
- مالك سكتي ليه؟ ونظرتك بقت غريبة؟
أجابتها "سعاد" باستحياء:
- أصلك قدمتي لي القهوة اللي عملاها بإيدك وأنتِ ناسيه إن ده واجب عليا.
عشان أنا اللي شغالة عندك مش العكس.
بابتسامة ودودة ضربتها بخفة على كفها المسنودة على الطاولة:
- ما تجوليش كده عشان مزعلش منك.. واياكي تعملي فرق بيني وبينك فاهماني كويس ولا أعيد من تاني.. أنا "سمرة" بتاعة امبارح وعمري ما هاتكبر على أصلي ولا عليكي يابنت الأصول.
تبسمت "سعاد" تردف بامتنان:
- انتي طيبة أوي يا "سمرة" وعشان كده دايماً ربنا بينجيكي ويحفظك.. شالله دايماً يارب.
هزت برأسها ضاحكة:
- انتي بتجولي فيها.. طب وربنا المعبود أنا مكانش يجي في خيالي أبداً إن أهلي يشوفوني كده قدامهم.. من غير ما يخلصوا عليا ولا يخطفوني ويدبحوني بعديها.. بس جه "رؤوف" ربنا يحفظه كان واقف قدامهم زي الأسد وهو بيدافع عني.
سعاد وهي رافعة يدها في الهواء بسعادة:
- يارب يا "سمرة" يابنت "بسيمة" يفضل دايماً كده سندك طول العمر ويجعله أبو عيالك بحق جاه النبي.. ألا هو فين صحيح؟ أنا من ساعة ما دخلت ماشفتوش!
أجابتها بعفوية:
- هو طلع بدري النهاردة وراح شغله.
ضربت على صدرها شاهقة:
- يالهوي عليا.. وهان عليه يسيبك في يوم صباحيتك!
بضحكة مكتومة اهتزت لها أكتافها:
- ماهو مافيش صباحية أساساً.
غرّت فاهاها بنظرة مستنكرة وهي تهتف:
- عملتي إيه يا "سمرة" خليتي الراجل يطفش؟
***
كان "رؤوف" بغرفة مكتبه في الشركة منكباً في مراجعة بعض الأوراق والعقود.. حينما اقتحم عليه "تيسير" هاتفا:
- أقسم بالله ما صدقت لما قالولي إنك موجود في المكتب.
أجفل شاهقاً من حماقة صديقه:
- يخربيتك يا أخي خضتني.. وما صدقتش ليه بقى إن شاء الله؟
اقترب بخطواته يجلس أمامه وبلهجة ذات مغزى:
- برضه ده كلام.. تيجي الشغل النهاردة وأنت دخلتك كانت امبارح يا معلم؟
تحمحم بتوتر وهو يضبط رباط عنقه:
- لا ماهي مكانتش دخلة.. دا كان كتب وبس والفرح بعد أسبوعين بإذن الله.
بنبرة متشككة:
- يا راجل.. مكانش ده كلامك امبارح وأنت واقف مش على بعضك وبتمشيني بقلة ذوق من القصر عندك!
زم شفتيه وهو يتلاعب بقلمه يردف بضيق:
- أصلها رغبة العروسة ياسيدي.. عايزة فرح وهيصة الأول.
ابتسامته ازدادت مشاكسة:
- وأنت بقى هاتصبر أسبوعين وهي قاعدة قصادك وفي نفس البيت كمان؟
زفر حانقاً:
- ما خلاص يا "تيسير" ماتعصبنيش يا أخي أكتر من كده.. المهم بقى أنا عايزك تراعي الشغل عشان خارج بدري النهاردة وعندي مشوار مهم!
- مشوار إيه؟
- مالكش فيه.. أنت تسمع وبس.
***
وفي المساء بداخل القصر.
كانت "سمرة" جالسة بغرفتها حينما سمعت صوته منادياً بمرح:
- سمرة.. ياسمرة.. انتي فين ياقلبي؟
خرجت من غرفتها مجفلة على صوته لتجده بمدخل القصر واقفاً ينتظرها:
- أنا جيت أهو يا "رؤوف".. حمد الله عالسلامة.
بابتسامة ولا أروع وهو مقيماً لها متأملاً بجمالها بعد أن فردت شعرها الحريري الأسود على ما ترتديه من ملابس متحررة بعض الشيء عن ما سبق.
- مساء الجمال على أحلى "سمرة".
تبسمت بخجل وهي مطرقة رأسها:
- مساء الفل ياسيدي.. إيه.. أنت هاتفضل واقف كتير عندك جمب الباب؟
ازدادت اتساع ابتسامته مردفاً:
- في الحقيقة أنا مستني المفاجأة اللي وعدتك بيها هي اللي تدخل.
عقدت حاجبيها كي تسأل ولكنه أجفلها وهو يردف بصوت مسرحي:
- ادخل وبان عليك الأمان.
شهقت وهي فاغرة فاها برهبة حينما رأته يدلف أمامها بجسده الهزيل وملامحه الوسيمة رغم هذه التجعيدات الحديثة التي ظهرت على بشرته وشعر رأسه الذي اكتسى بالبياض لم تدرِ بنفسها وهي تركض إليه هاتفة بصوت مشتاق:
- أبويا!
ارتمت بأحضان تشهق من البكاء ودموعها تنزل بغزارة لألم الاشتياق:
- وحشتني يابوي وحشتني جوى.
شدد "أبو العزم" من احتضانها يقبل قمة رأسها:
- وأنا أكتر ياعيون أبوكي.. ربنا وحده عالم إني ما بعدنيش عنيكي غير الشديد الجوي.