تحميل رواية «سحر سمرة» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً. فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذاب...
رواية سحر سمرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أمل نصر
أكملت ارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة تهتف على "سعاد".
- أنا خلصت يا "سعاد" انتى فين؟
جاوبتها وهى تخرج مسرعة من غرفتها أيضا وتلف حجابها:
- أنا جيت أهو وخلصت أنا كمان.
- أما ولادك فين؟ مش شايفاهم يعنى؟
قالتها سمرة وهي عيناها تدور في المنزل. ابتسمت لها سعاد وهي تتناول حقيبتها.
- ولادي أنا سيبتهم عند جارتي أم أيمن، ماتشغليش بالك انتي. يالا بقى اتحركي خلينا نحصل مشاويرنا.
تحركت معها سمرة وقبل أن تخرج من الباب سألتها.
- طب وشغلك؟ أنا عرفت من رحمة إنك بتشتغلي.
جاوبتها وهي تغلق باب المنزل جيدًا.
- ما انتي هاتروحي معايا الأول عند محل الست اللي أنا شغالة فيه. أنا هستأذن منها ساعتين وبعدها نروح على عنوان والدك، وإن شاء الله خير.
خرجن الاثنتان من المبنى السكني وهن يتبادلن الأحاديث الودية لتشهق سمرة منتفضة بعد أن أجفلها هذا المدعو "ممدوح" بصوته الجهوري.
- يا صلاة النبي عالحلويات.
وضعت "سمرة" يدها على قلبها بخوف والأخرى صاحت عليه.
- انت اتجننت يا ممدوح! دي عاملة تعملها وتخض البنية.
نظر إليها بجرأة متفحصًا، مما أثار القشعريرة بداخل "سمرة" ليردف.
- الف اسم الله عليكي يا قمر، سامحيني إن كنت خضيتك. ها انتي مين بقى؟
أجفلته سعاد بضربة بقبضتها على ذراعه.
- وانت مالك؟ هي مين؟ بتسأل ليه؟
عاد بنظراته إلى سعاد هاتفا.
- الله يا سوسو مش نتعرف على ضيوفك برضو عشان نقوم بواجب الضيافة معاهم!
- ملكش دعوة ياسيدي بضيوفي، واخلص بقى عشان مش فاضيلك.
لم يتزحزح وهو ينظر لسمرة ويتحدث بسماجة.
- عجبك كده يا أبلة؟ عاملة معايا كده؟ طب أنا غلطت دلوقتي يعني؟
جاوبته سمرة بسأم.
- يا أستاذ خلينا نعدي ونشوف مصالحنا، ارجوك خلينا نمشي.
ردد خلفها بدهشة.
- ارجوك؟ هو انتي صعيدية يا أبلة؟
هنا "سعاد" فاض بها فأبعدته بكفها الصغيرة تهتف بحنق.
- أوعى كده خلينا نعدي يا أخي دا انت زودتها أوي، مش ناقص غير تعمل لي تحقيق في الرايحة وفي الجاية أنا واللي بمشي كمان بلا قرف.
- طب ليه العنف طه؟
قالها بميوعة بعد أن أزاحته بيدها وسارت بسمرة تتخطاه. وبعد أن ابتعدوا عنه سألتها "سمرة".
- هو الراجل ده اتجنن؟ بيعمل كده معاكي ليه؟ انت تعرفيه؟
تنهدت بحزن تردف.
- دا كان جوزي يا أختي، جوازة الندامة.
سمرة بدهشة غريبة.
- كان جوزك! وبيعتترض طريقك عادي كده وهو طليقك!
مالت زاوية شفتها بابتسامة ساخرة.
- أصلو عايز يرجع لي يا ستي، وأنا اللي رافضة!
- ورافضة ليه؟
- عشان عايزني أصرف عليه من شغلي، ويقعد هو من غير شغل ويصرف فلوسي عالبشام والحشيش.
نظرت إليها سمرة بأسى.
- هو من النوع الزفت ده؟ لا انتي خليكي مطلقة أحسن بلا وجع دماغ.
هزت رأسها تردف.
- يا ستي بلا قرف، خلينا في اللي إحنا فيه دلوقتي.
أومات لها برأسها توافقها الرأي وهي تسير معها. برغم من شعورها بما تخبئه "سعاد" بقلبها ناحية هذا المدعو "ممدوح"!
...................................
وبداخل سيارته التي كان يقودها، وهو يتحدث في الهاتف واضعًا سماعة في أذنه.
- أيوه يا تيته ماتقلقيش الخاتم معايا أهو، وأنا رايحلها دلوقتي المحل أديها لها.
لبنا من مكانها.
- طب ما تتصلي بيها تقابلك في أقرب كازينو وأديها لها هناك بدل ما تروحي محلها.
ابتسم بعفوية على سذاجة جدته.
- آخدها فين يا تيته؟ هو أنا جايب لها خاتم الخطوبة!
- دا خاتمها اللي نسيته عندنا لما اتغدت معانا.
جدته بحزم.
- طب وامتى بقى هاتخطبها؟
هز رأسه بسأم.
- يا تيته أنا قولتلك بفكر لسه! بلاش التسرع ده الله يخليكي، وأنا وعدتك إني بفكر بجد!
صوت زفيرها في الفون سمعه جيدًا، ليردف بمرح.
- خلاص بقى يا تيته ودانى تعبت من نفخك فيها.
- ماشي يا رؤوف اعمل اللي انت عاوزه أما أشوف آخرك إيه.
- آخرتها خير إن شاء الله يا تيته.
- إن شاء الله يا رب.
.................................
دخلت "رحمة" داخل مطبخها وهي تشمر أكمامها استعدادًا لتحضير وجبة الغداء، وذلك بعد أن عادت من دوام عملها في المدرسة وبدلت ملابسها لملابس بيتية مريحة. فتحت صنبور المياه على بعض الخضروات وهي تغسلها بعناية.
سمعت صوت قرع لجرس المنزل فصاحت على ابنتها.
- بت يا "رويدا" افتحي الباب يا بنت، يا رويدا.
أتت الفتاة الصغيرة على النداء.
- عايزة إيه يا ماما؟
رحمة بعصبية.
- يخرب بيت ماما، يا بت بنادي عليكي وأقولك افتحي الباب جيالي أنا ليه؟
- يا ماما ما هو بابا قالي روحي انتي وأنا هافتح.
- طب خدي بقى، طبق الخضار ده حطيه عالسفرة.
تناولت الفتاة الطبق وخرجت، وانشغلت "رحمة" لدقائق في تقطيع بعض الخضروات ولكن أجفلها هذا الهدوء الغريب في منزلها.
- هو الصوت كتم ليه في البيت؟ لا عيال سامعة حسهم ولا الراجل كمان!
قالتها وخرجت من مطبخها، لتفاجأ بمجموعة رجال ضخام الجسد أمامها.
- انتو مين؟
التفت الرجال على مقولتها وهي تتقدم نحوهم، فشهقت مذعورة حينما وجدت أبنائها الثلاثة، الولدين والفتاة مقيدين من أيديهم وفمهم مكمم وزوجها أيضًا مثلهم، وأمامهم هذا المدعو "قاسم" جالسًا على المقعد المريح واضعًا قدمًا فوق الأخرى وهو يتلاعب بالمسدس وناظرًا إليها بغموض. همت لتصرخ ولكنها تفاجأت بمحسن وهو يضع المسدس على رأس ولدها الصغير.
- لو حسك طلع، فاجرلك راسه حالا دلوك.
وضعت يدها على قلبها تردف لقاسم بارتجاف وخوف شديد ودمعاتها تهطل بغزاره.
- انت عايز إيه؟ وبتعمل معايا كده ليه؟
نظر إليها بتشفى ليردف بغل.
- نبتدئ بالسؤال الثاني، بعمل معاكي كده ليه؟
عشان انتي تستاهلي اللي يجرى فيكي بعد ما غفلتيني وهربتيها من قدامي!
- هي مين؟ أنا مش فاهماك؟
قالتها بمقاطعة فهدّر فيها.
- بلاش كدب النسوان ده عليا، وخليني أجاوبك ع السؤال الأول بسؤال زيه.
- هي فين دلوقتي؟
هتفت وهي تشهق من البكاء.
- أنا مش فاهمة انت بتتكلم عن إيه؟
ضرب بكفه على المقعد وهو ينهض عنه بعصبية.
- انت شكلك عايز الأذية صح، سمرة فين يا ولية انتي؟ انطقي وردي بدا ما أخلص على عيالك التلاتة دلوقتي.
شبكت يديها أمام صدرها وهي تشهق ببكاء مرير، والخوف يأكل قلبها على أولادها لو حدث ونفذ هذا المجنون تهديده، ومن ناحية أخرى لا تريد أن تغدر بصديقتها التي هربت للنجاة من هذا المريض وأفعاله.
- ها؟ هانقعد نستنى كده كتير؟ ولا أخلص لك على عيل فيهم عشان أشجعك عالإجابة.
قالها وهو يرفع الزناد ناحية أحد الأبناء، فضرب زوجها على الأرض بقدميه وهو يزمجر بعصبية.
سأله قاسم بحنق.
- عايز إيه؟
أخذ يزمجر بصوت أعلى ليستطيع التحدث، فأومأ قاسم برأسه لأحد الرجال لنزع الشريط اللاصق عن فمه، وبمجرد رفعها صاح بصوت ملهوف ومرتجف.
- أنا عارف جريتكم فين؟ وأنا اللي هاجولكم، بس سيبوا عيالي، دول مالهمش ذنب.
اعتدل "قاسم" في وقفته ينتظر الجواب، فبادل الرجل نظرته ل"رحمة" التي ازداد شهيقها في البكاء فصرخ عليها "قاسم".
- اكتمي حسك خليني أسمعه.
كتمت شهقتها وهي واضعة يدها على فمها وبكاءها لا يقف، فنظر الرجل لقاسم بقوة.
- اضمن الأول إنك ماتأذيش عيالي ولا مرتي قبل ما أنطق بحرف واحد.
مال "قاسم" برقبته يردف بسخرية.
- وأنا أضمن منين إن كلامك صح؟
الرجل بقوة.
- أنا مابكذبش، اللي أنا هاجوله بناءً على سمعته بالصدفة منها وهي بتتكلم في التليفون مع جريبتكم وتوصيها عشان تاخد بالها من نفسها في القطر.
برقت عيناه بشراسة يردد خلفه.
- قطر!!
- أيوه قطر، وأرجع وأقولك تاني، اديني وعد بعدم أذية مرتي ولا عيالي وأنا هاجولك على كل اللي سمعته ويوصلك لجريبتك.
سقطت على ركبتيها بانكسار مع بكائها وشهقاتها المكتومة، فأردف "قاسم" بوعده.
- أوعدك إن مش هالمس حد فيهم، بس لو كان كلامك صدق.
صمت الرجل قليلاً، وبعدها قال.
- أنا أخذت منك وعد، وهاجولك وانت تتأكد بنفسك!
.................................
جالسة على مكتبها الزجاجي وهي تتحدث في الهاتف بسعادة.
- بقولك اتغديت معاه هو وجدته وقضيت يجي نص النهار هناك.
- ..............
- معناه واضح يا حبيبتي، إن رفعت عايز ينسى الماضي وحابب يعيش حياته من تاني.
- ....... .........
- آه طبعًا، عاجباه، وهو هيلاقي فين واحدة زيي وبمواصفاتي، دا غير إني ضامنة جدته في جيبي، ومدام بدأ يفكر، يبقى أخطط أنا بقى عشان يتحرك بسرعة.
- .....................
- أيييوه، الخاتم أنا اللي سبته هناك مانسيتهوش، عشان أفتح له سكة يكلمني بيها، واهو حصل وكلمني... اا طيب سلام انتي يا سوزي.
قالت الأخيرة بارتباك، حينما رأته يدلف داخل المحل.
- صباح الخير.
قالها بابتسامة ساحرة وهو يتقدم بخطواته، وهي وقفت تصافحه بابتسامة متسعة.
- صباح الفل، المحل نور يا رؤوف، اتفضل اقعد اتفضل.
جلس أمامها وهو يخرج من جيب سترته علبة مغلفة.
- اتفضلي يا ستي الخاتم أهو.
نظرت للعلبة وهي تمني قلبها بما تنتظره ثم أردفت.
- الله يا رؤوف وكمان جايبه في علبة جميلة وشيك.
ابتسم ساخرًا.
- أما ل يعني هاجيبه في إيدي كده ماينفعش طبعًا.
عن إذنك بقى.
- استنى، انت لحقت تقعد؟
- معلش ياصفيناز، أنا مستعجل وورايا شغل كتير.
- لا وربنا، لازم تشرب حاجة.. أحسن أزعل بجد. ها؟
أومأ براسه موافقًا، ثم أردف قائلًا:
- بس ياريت بسرعة والنبي.. عشان عندي مقابلة مع وفد إيطالي.
.............................
وفي الجنوب
كان جالسًا على الأريكة الخشب بداخل مندرته، مكفهر الوجه معقود الحاجبين، وهو ممسك بهاتفها الذي فحص سجل مكالماته واتصل على عدد من أقاربها وأصدقائها للسؤال عنها.. ولكن لم يصل لنتيجة.. بل الأدهى أنه اكتشف من مكالمة إحدى زميلاتها بأنها أخذت إجازة عن العمل دون راتب.. ليشعر بمدى خداعها ومدى غبائه في تصديقها.
- برضك ماوصلتش لنتيجة؟
- ها؟
قالها بعدم تركيز.. بعد أن أفزعه سؤال خالها سالم وأخرجه من شروده.. كرر الرجل سؤاله بطريقة أخرى:
- ياولدي أنا بسألك.. معرفتش أي حاجة من مجموعة الاتصالات اللي عملتها دلوقتي.
كتف ذراعيه وعاد بظهره للخلف يجاوب باقتضاب:
- لا ماعرفتش!
أطرق الرجل بنظره في الأرض خجلًا.. والآخر أشاح بنظره إلى البعيد ولم يعبأ به.. فدلف "حسن" يردف بصوت عالٍ:
- لفينا البلد وبرا البلد وكل اللي نعرفهم وماحدش عارفلها طريق، جرة بت ال.....
- يعني كل الرجالة دي ياحسن.. وماحدش فيهم عرف يجيبها؟
رفع بتأكيد:
- ولا هايعرفوا يجيبوها!
سالم:
- مسيرها هتبان.. ولا هاتروح مدرستها.. ولا هاتخسر شغلها كمان.
مالت زاوية فمه بسخرية يقول:
- شغلها!!.. شغلها واخدة منه إجازة بدون مرتب!
ضرب حسن بكفه على فخذه يردف بغيظ:
- عرفت تخ**نا كلنا وتضحك علينا.. يا** مين يلايمني عليها دلوقتي وأنا أخ**ها بإيديه الاتنين بت ال.....
ابتسم رفعت بمرارة:
- لو جاعدة دلوقتي لكانت ش**طت في رجبتك عشان بتشتم أبوها دي ما بتتحملش......
قاطع جملته، فنهض متحفزًا.. لـ فكرة أتت في رأسه:
- حد فيكم ييجي معايا عند "بسيمة".. أنا عايزها ضروري.
قالها وتحرك على الفور.. فهرول الاثنان خلفه رغم دهشتهم.
.................................
زفرت سعاد براحة بعد أن ترجلت من سيارة النقل الجماعي (ميكروباس).. تردف:
- ياساتر يارب.. أخيرًا وصلنا.. قطيعة تقطع المواصلات وهدتها.
ضحكت سمرة خلفها:
- ولم تتجطع.. هانوصل إزاي بجى؟
بادلتها الأخرى الضحك:
- أنا عارفة ياختي.. أهو من غلبي.. الحمد لله ادينا وصلنا المحل.. استنيني انت هنا وأنا هادخل وأتحجج للمدام بأي حجة عشان أستأذن.
- خلاص.. انتي ادخلي وأنا هاتفرج على الهدوم اللي تجنن دي في العرض.
................
الحمد لله كده.. أقوم بقى.
قالها رؤوف وهو يضع فنجانه على المكتب وينهض عن مقعده.. فلاحقته هي ثانية:
- بسرعة كده؟
- ما أنا قولتلك إني مستعجل.
تقدمت "سعاد" منهم:
- مساء الخير ياهانم.
نظرت إليها بامتعاض ثم عادت بنظرها مرة أخرى لرؤوف:
- طب ماتنساش تسلملي على تيته.
- يوصل إن شاء الله.. سلام بقى.
خرج بعدها وظلت هي تنظر في أثره وسعاد:
- صفيناز هانم.. ياصفيناز هانم.
فصاحت بها بسأم:
- إيه يازفتة انتي.. عايزة إيه؟
فابتسمت لها سعاد:
- عايزة سلامتك ياقمر.
.................................
وأمام واجهة المحل كانت واقفة سمرة ومستندة على إحدى السيارات.. تنظر لهذه الملابس الجميلة والراقية بانبهار.. حتى وقعت عيناها على هذا الفستان الأبيض حلم جميع الفتيات.. تسأل نفسها:
- هو أنا هافضل طول عمري كده.. أشوف الفستان ده وكل ما أجرب منه ييجي غراب البين "قاسم" ويحرمني منه.. مصر إنه يلبسني فستانه غصب عني.. معقولة ياربى هاييجي اليوم اللي ألبس فيه الفستان اللي بحلم بيه.. ولا هافضل كده.. لا أنا طايلة سما ولا أرض.
- يا آنسة.. يا آنسة.
أفزعت منتبهة لهذا الذي يتحدث إليها عن قرب:
- نعم.. عايز إيه؟
أشار بسبابته ناحية صدره:
- أنا عايز إيه؟.. أنا بقالي ساعة بكلمك!
كشرت بوجهها تردف بحنق:
- وليه إن شاء الله بتكلمني وبقالك ساعة؟.. في معرفة بينا ولا يكونش كمان مراتك وأنا معرفش.
خلع نظارته السوداء.. وابتسامة عريضة ملأت وجهه ليردد باندهاش:
- مراتي!!
رواية سحر سمرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أمل نصر
يكسوا الجمود وجهه .. منتظر إجابتها وهي جالسة أمامه تنظر إليه بدهشة:
- كيف يعني عايزني أقولك هي فين؟ هو أنا لو أعرف هي راحت فين هستنى مكاني كده؟ حاطة إيدي على خدي، دا أنا كنت رحت جبتها من شعرها.
مال برأسه أمامها ينظر لها بدقة:
- بتك تعرف مكان أبوها؟
أجلته بسؤاله فصمتت قليلاً بتفكير:
- أنت تقصد إنها راحت له؟ ممكن! ليه لأ. طب هي هتعرف عنوانه منين؟ إذا كان بقى له سنين ما سألش فينا.
زفر بقوة:
- أنا بسألك لو هي تعرف العنوان؟ يكون راحت له.
زمت شفتيها بحنق صامتة قليلاً.
- هي ما تعرفش العنوان بالضبط. هي كل اللي عارفاه إنه ساكن في المعادي. بس هي ياما سألتني عنه وأنا ولا مرة جاوبتها، عشان أساسًا ما بطيقش أسمع اسمه.
أومأ برأسه:
- يبقى سألت وعرفت مكانه وراحت له.
- هتعرف منين؟
نهض عن مقعده بحنق:
- هي بتك صغيرة ولا غبية عشان ما تعرفش تتصرف وتعرف العنوان. عن إذنك.
نهض سليمان خلفه أيضاً، والذي كان صامتاً طوال الجلسة ليلحقه:
- طب أنت هتروح فين دلوقتي؟
التفت إليه برقبته فقط يرد عليه:
- مسافر. أدور عليها عند أبوها. حد فيكم ها يجي معايا؟
جاوبه سليمان وهو يسارع بخطواته للحاق به:
- طبعًا يا بوي. أنا ها أقول لـ "حسن" كمان يجي معانا.
ردد هو بصوت خفيض:
- والله تيجي ما تجوش، أنتم أحرار. أروح أنا أطل على أهلي الأول.
..............................
- مراتى!
قالها بمرح ودهشة قوية وابتسامة عريضة على وجهه فتابع:
- أنتِ مش شايفة إنك مزوداها شوية؟
شهقت بصوت عالٍ:
- كمان أنا اللي مزوداها! دا مش بعيد يكون كمان أكون أنا اللي بعاكس! إيه هو ده؟
قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها عنه وتزفر بقوة. فضحك هو بصوت عالٍ أجفلها لتنظر إليه حانقة وهمت أن ترد عليه ولكنها تفاجأت بسعاد التي اقتربت منهم تسأله:
- في حاجة يا رؤوف بيه؟
فهبت واقفة تسألها:
- أنتِ تعرفي الجدع دا يا سعاد؟
أجابت الأخرى بسرعة:
- أيوه طبعًا. دا رؤوف بيه. حد ما يعرفوش؟
ردت هي بلامبالاة أمام نظراته المتفحصة:
- أنا معرفوش!
تسألت سعاد بحيرة:
- هو في إيه بالظبط؟
التفت هو ليجيب عن سؤالها:
- ما فيش حاجة يا سعاد بس قريبتك افتكرتني بعاكسها.
- ننعم افتكرتك. أمال أنت كنت بتعمل إيه؟
اقترب منها مردفاً:
- أنا كنت عايزك تقومي من على عربيتي بس والله مش حاجة تانية.
نظرت تحتها لترى السيارة وهي مستندة عليها فهبت منتفضة بخجل شديد وهي تشيح بعينيها بعيداً:
- أنا ما كنتش واخدة بالي.
سعاد أيضاً:
- خلاص رؤوف بيه أصلها غريبة عن البلد واللي ما يعرفك يجهلك.
أومأ برأسه متفهماً:
- خلاص ما حصلش حاجة.
فتح باب السيارة ليدلف بداخلها وعيناها لا تحيد عنها حتى بعد أن سار بسيارته كان ينظر إليها في المرآة.
أما هي فزفرت بعمق بعد ذهابه مردفة:
- ياساتر يارب أخيراً مشي. دا أنا حسيت إني في نص هدومي.
سعاد وهي تنظر في أثر السيارة:
- حاجة غريبة. أنا أول مرة أشوف ضحكته! يالا بقى خلينا في مشوارنا. أنا أخدت إذن من صاحبة المحل. بينا بقى نمشي على عنوان أبوكِ.
...............................
دلف "رفعت" لداخل منزله متهدل الكتفين بإحباط وأقدام ثقيلة. رأته شقيقته فهبت إليه مسرعة:
- إيه الأخبار يا خوي؟
نظرة واحدة منه أخبرتها بالإجابة. تنهيدة مثقلة خرجت منها، لتسير خلفه بخيبة أمل مردفة بحزن:
- يعني الخبر صح وما كدبتش رضوى. طب والعمل؟
توقف عن السير والتف برأسه فقط يرد:
- أنا مسافر.
لحقته شقيقته لتقف أمامه:
- مسافر فين؟
- مسافر مصر!
- ليه؟
- هاشوف أبوها يكون راحت له ومش عايز أبوكِ يحس بحاجة.
- طب لو سأل عليك ها أقول له إيه؟
- قولي له أي حجة. أنا مش هتأخر كتير. يالا بقى سيبني أعدي.
قالها ليتخطاها ويسير إلى غرفته، فاوقفته هي:
- هو قاسم جالك؟
التف إليها بكليته:
- جاني فين؟ أنا من امبارح ما شفتوش!
ردت عليه بحيرة:
- أصله رجع من مشواره قريب الضهر ولما عرف اللي حصل طلع جري. إحنا قولنا أكيد راح لك!
عاد ليلتف ويعود ثانية، وهو يردف بصوت ميت:
- وأنا من امتى لقيته وجف جنبي؟ أنا طول عمري عايش لوحدي أساسًا.
نظرة مروة في أثره بحزن فأجفلته والدتها حينما وضعت كفها على ذراعها تسألها:
- هو رفعت دا اللي دخل من شوية؟
أومأت برأسها بموافقة:
- هو ياما. الله يكون في عونه. حبيبي يا خويا.
................................
وبداخل سيارته كان يسير بسرعة فائقة، لدرجة أدخلت الرعب بقلب صديقه محسن الذي حدثه بترجّي:
- براحة يا قاسم. إحنا كده ممكن نعمل حادثة.
حاد بنظره عن الطريق ليجفله بنظرة حادة:
- ما تخافش مش هتموت.
- أموت! ياساتر يارب وليه السيرة الزفتة دي بس؟ وإحنا عالطريق السريع وأنت سايق على أعلى سرعة.
ضرب على عجلة القيادة مردفاً بغضب:
- محسن. أنت ها تعمل لي زي الحريم. مش فاضيلك أنا.
بلع محسن ريقه الذي جف من الخوف:
- طب إحنا دلوقتي هروح فين بالظبط؟
صمت قليلاً، ثم أجاب بعدها:
- إحنا هروح لها على بيت أبوها على طول، زي ما جانا جوز المحروسة اللي هربتها.
- محروسة! وأنت خليت فيها محروسة دا أنت خيبتها يا راجل هي وجوزها وعيالها.
قالها محسن بسخرية فنظر إليه الآخر بغضب مردفاً:
- أحمد ربنا إنها طلعت سليمة هي وعيالها وجوزها. عايزة إيه تاني كمان.
- طب افرض لقيت سمرة صح عند أبوها، هاتجبها إزاي؟ وهى أساسًا هاربة منك!
نظر إلى صديقه ليردف بقوة:
- أنا وراها وراها. إن شاء الله حتى تطلع الفضا برضو مش هأسيبها!
................................
جالسة على الفراش بداخل غرفة نومها وهي تبكي بحرقة ولم تجف دموعها بعد. دلف زوجها لداخل الغرفة فجلس بجانبها وقد رق قلبه لها بعد هذه العاصفة التي أثارها عقب خروج المدعو "قاسم" من المنزل. أخرج محرمة ورقيه يمسح بها على وجنتها وهو يردف بحنان:
- خلاص بقى. أنتِ مش ناوية توقفي عياط النهاردة.
رفعت أنظارها إليه بعتب:
- دي أول مرة تحلف عليا بالطلاق يا رمزي. هونت عليك.
ترك المحرمة وهو يتنهد بعمق:
- يعني ما شفتيش بنفسك اللي حصل؟ دا مجرم. وضيف على كده إنه مجنون.
فتحدثت هي بلهفة:
- اديك قلت بنفسك إنه مجنون ومجرم. يعني أنا حقي إني أخاف على صاحبتي منه.
ضيق عينيه بريبة:
- وبعدين.. يعني عايزة إيه يا رحمة؟
نظرت إليه بترجّي:
- يمينك ممكن ترجع فيه يا رمزي. ارجوك والنبي أديني تليفونك أتصل عليها و.........
- لأ...... لأ يا رحمة. ولو فيها طلاق بجد.
قالها هو مقاطعاً، وتابع:
- أنا عيالي كانوا هايدبحوا قدامي. هاتنفعني بإيه صاحبتك لو كان حصل بجد ونفذ تهديده.
هطلت دموعها ثانية، تردف بخوف:
- بس أنا خايفة عليها يا رمزي. وكان نفسي أحذرها لجل ما تاخدش بالها منه.
- أنتِ مش بتقولي إنها راحت لأبوها؟ يبقى إن شاء الله هاتلاقي اللي يساندها. دا غير إن ربنا أقوى من الكل.
رفعت يديها تدعي:
- يارب احميها منه والنبي يا رب.
........................................
- مساء الخير.
قالتها ثريا ومن خلفها ابنتها شيماء بعد أن دلفا لمنزل سليمان.
ردت عليها "نعيمة" وهي واضعة يدها على وجنتها بحزن:
- مساء الخير يا أم شيماء. اتفضلي أنتِ وشيماء واقعدوا.
جلسن على أقرب أريكة فسألت ثريا:
- عاملة إيه بسيمة دلوقتي؟
ردت عليهم بسيمة بثبات تحسد عليه وهي خارجة من غرفتها وصافحتهم بالأيدي:
- أهلاً يا ثريا. أهلاً يا شيماء يا بتي.
ثريا بحزن:
- الله يكون في عونك يا حبيبتي ويرجعهالك بالسلامة. دي زينة البنات والله. مش عارفة إزاي عملتها.
مدت بذقنها إلى الأمام ترد:
- والله هي حرة وهي اللي جابتها لنفسها.
شيماء بتشتت:
- يعني إيه يا عمتي؟ أنا مش فاهمة!
ردت عليها بقوة:
- يعني لو لقيها أبوها ولا عمك سليمان ولا حتى رفعت وحد دبحها فيهم يبقى خدت جزائها.
خبطت نعيمة على صدرها بجزع، وشيماء نظرت إليها برعب وثريا سألته مستنكرة:
- يعني ما تزعليش على بتك؟ وتمسكي في أخوكي لو عملها أو حتى رفعت! بلاش كلامك ده يا بسيمة. حرام عليكي. ادعي ربنا يسترها معانا ويتلم الموضوع على خير وهي ترجع لنا سالمة غانمة.
- شالله ما ترجع.
لا سالمه ولا غانمه.
قالتها رضوى بصوت خفيض وغل دفين، وهي تعلو الدرج تراقب كل شيء وقد سمعت الحديث بأكمله.
للمرة المئة يضغطن على جرس المنزل ولا يخرج إليهن أحد. حتى الطرق على الباب لم يأتِ بخبر، ولم يخرج إليهن أحد من سكان المنزل.
سعاد بريبة:
- أنتي متأكدة من العنوان ده؟
نظرت إليها سمرة بقلق ويدها ما زالت على الجرس:
- ده العنوان اللي كتبه خال رحمة الأستاذ متولي.
فتحت سعاد فمها بدهشة:
- الأستاذ متولي سعيد.. ده يبقى خالها وخالي أنا كمان.
- أيوه ما أنا عارفة إنها بنت خالتك.
- عايزين مين ياهوانم؟
أجفلتا الاثنتين على هذا الصوت الذي أتى من خلفهما. فوجدتاها امرأة سبعينية واقفة على باب المنزل المقابل لهن في المبنى. أعادت عليهن السؤال مرة أخرى:
- أنا بسألكم عايزين مين ياهوانم؟
سعاد:
- مش ده بيت الأستاذ أبو العزم حضرتك؟
- أيوه، هو فعلاً بيت أبو العزم. بس انتوا بس.. هو مش موجود.
سألتها سمرة:
- يعني راح فين؟
نظرت إليها المرأة بتفحص:
- هو أنتي بنته؟
اقتربت من المرأة بشوق ولهفة:
- أيوه أنا بنته. أنتي عرفتيني إزاي؟
بيدها المجعدة لامست وجهها ووجنتها لتردف بإعجاب:
- ما شاء الله عليكي زي القمر يا حبيبتي.. كان صادق أبوكي لما كان بيوصف في جمالك. ده أنا شفت صورك وإنتي صغيرة معاه. اتفضلي يا حبيبتي ادخلي إنتي وصاحبتك. اتفضلوا معايا البيت بيتكم.
قالتها وهي تتنحى عن الباب لتدخلهن. فأمسكت سمرة يدها توقفها بترجٍ:
- يا خالتي الله يخليكي ريحيني.. أبويا فين؟
هزت المرأة رأسها بأسف:
- للأسف يا بنتي أبوكي اتقبض عليه من فترة بسبب مراته اللي يجازيها.. لما اتخانق معاها هي وأهلها.
- إيه؟ أبويا مسجون! أنتي متأكدة يا خالتي؟
المرأة بتأكيد:
- طبعاً يا حبيبتي.. ده كان هايفرح قوي لما يشوفك.
سقطت دمعة خائنة على وجنتها وهي تعود للخلف مردفة بألم:
- كداب يا خالتي.. هو لو عايز يشوفني كان سأل عليا من زمان. لو بيفكر فيا صح مكانش اتحبس دلوقتي في عز ما أنا محتاجاه.
قالت الأخيرة بشهقة، فالتفتت تنزل الدرج بسرعة حتى لا تنفجر في البكاء أمامها.
- متشكرين يا حاجة تعبناكي.. عن إذنك بقى.. استني يا سمرة أنا مش خفيفة زيك!
قالتها سعاد سريعًا وهي تهرول خلف سمرة.
نزلت سعاد من درج المبنى وهي تبحث عنها بقلق، لتجدها واقفة بجوار زاوية ضيقة من المبنى تجفف دموعها. اقتربت منها تربت على ذراعها بحنان:
- إيه يا حبيبتي.. كده تقلقيني عليكي!
نظرت إليها صامتة ولم تردف بكلمة. فتابعت سعاد:
- أنا عارفة إنتي بتفكري في إيه.. متقلقيش يا سمرة وتشيلي هم السكن.. بيتي هو بيتك يا حبيبتي.. يعني هاتقعدي فيه معزة مكرمة.
قاطعتها سمرة وهي مكتفة ذراعيها:
- لامتة يا سعاد؟ ها أقعد ضيفة عندك وأشيلك همي لامتة بس؟ أنا لازم أشوف لي حل.
- وتشوفي ليه يا أختي والحل موجود.. أنا الحمد لله ما عندييش راجل يضيق عليكي وعيالي اعتبريهم خواتك. يلا يا أختي يالا.. أنتي عاجبك القعدة هنا؟ دي حتى عمارة تقبض القلب.
قالتها سعاد وهي تجذبها من يدها. سارت معها تطيعها، وبداخل عقلها تجزم أنه لابد من البحث عن حل آخر للسكن. ولكنها تذكرت شيئاً:
- استني صحيح.. إحنا ما كلمناش رحمة من امبارح.
قالتها وهي توقف سعاد، التي ردت:
- ولا هي كمان افتكرت ترن علينا.
ردت عليها سمرة وهي تتناول هاتفها من الحقيبة:
- يا ستي إحنا ولا هي واحد.
- خلاص يا سمرة اتصلي عليها خلينا نكلمها.
فتحت هاتفها وقامت بالاتصال عليها.
وأمام محطة صغيرة بالصحراء توقف بسيارته كي يدعمها ببعض الوقود هو وصديقه محسن، الذي دخل السوبر ماركت ليأتي ببعض العصائر وعلب السجائر. جلس هو بداخل سيارته يقلب في صورها الجميلة والكثيرة بذلك الهاتف، وهي تبتسم وهي تضحك وهي وسط زميلاتها، وبعض التغفيلات التي أظهرتها ساحرة بطبيعتها دون تصنع. ليفاجأ باهتزاز الهاتف بهذه المكالمة الواردة. فتح على المتصل ينتظر سماع الصوت. فيفاجأ بصوتها.
قبل قليل قامت سمرة بمهاتفة صديقتها رحمة، فتفاجأت بفتح الهاتف دون رد سوى صوت أنفاس في أذنها.
فعاجلتها هي بالقول:
- الو.. أيوه يا رحمة مابتروديش ليه؟
شعر بتوقف دقات قلبه بعد سماع صوتها الساحر. فلم يستطع الكلام. فتابعت هي:
- الووو.. إيه يا بنتي إنتي خرستِ؟ رحمة.. رحمة إنتي فين؟
أجاب هو بفحيح:
- ماينفعش أنا بدالها.
شهقت برعب وهي تشعر بقدميها كهلام، فاستندت بيدها على الحائط، مما أجفل سعاد التي سألتها بخوف:
- إيه مالك؟
نظرت إليها برعب وهي تومئ بسبابتها على الهاتف بصمت مخيف.
أردف هو من مكانه:
- روحتي فين؟ مش تردي على حبيبك!!
رواية سحر سمرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أمل نصر
كادت أن تسقط مغشياً عليها بعد سماع صوته، وهي مستندة بيدها على الحائط وقلبها ينبئها بكارثة. فكيف وصل لصديقتها وكيف تمكن من الحصول على هاتفها؟ سمعته مرة أخرى يقول بصوت متمهل:
- إيه يا سمرة؟ هأفضل كتير كده أكلمك وأنتي ما ترديش. طمنيني عليكي يا حبيبتي.
- عملت إيه مع رحمة؟ اياك تكون آذيتها.
قالتها بمقاطعة بعد أن جمعت شجاعتها، ليقابلها هو بضحكة متحشرجة.
- مش بقولك بيعجبني شجاعتك. هو أنا متعلق بيكي من شوية؟
صرخت به حانقة:
- عملت فيها إيه؟ رد عليا.
نفث دخان سيجارته بصوت مسموع في أذنها، ثم قال:
- وفرّي على نفسك وعليا التعب يا سمرة، وبلاها من لعبة القط والفار اللي ما بينا دي.
كانت صامتة ودموعها تهطل بصمت، وهو نفث دخان سيجارته مرة ثانية وتابع:
- أنتي عارفة كويس إني هوصلك يا سمرة وهاجيبك وأتجوزك. وأديكم وفرتوا علينا تعب كبير بروحك لمصر وبعدك عن ناسنا و... أنتي ساكتة ليه؟
قال الأخيرة ونظر للهاتف ليجدها أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف، فتمتم بصوته:
- ماشي يا سمرة... يعني ها تروحي مني فين؟
وعند سمرة التي كانت دموعها تهطل بغزارة لدرجة أفزعت سعاد:
- يا بنتي إيه اللي حصل؟ وقعتي قلبي.
تكلمت بصعوبة:
- مش قادرة يا سعاد، حاسة قلبي هايوقف من الخوف. أنا...
- خلاص خلاص. تعالي، هانروح البيت وبعدين نتكلم. الناس بتتفرج علينا.
قالتها سعاد وهي تسندها من يدها أمام نظرات السكان المتسائلة، حتى أخرجتها من المبنى وقامت بإيقاف إحدى السيارات لتقلهم للمنزل.
***
دَلفت رضوى لغرفة والدتها نعيمة لتجدها منفطرة من البكاء. فنظرت إليها بحنق لتردف:
- شغالة بكي ونواح ولا أكن ميتلك ميت! في إيه يا أما مالك؟ كنتي أمها أنتِ وأنا معرفش!
نظرت إليها صامتة وأكملت في بكائها بحرقة. فهدرت فيها بصوت عالٍ:
- خبر إيه؟ دا عمتي نفسها اللي هي أمها. عايزاهم يرجعوها ميتة ولا مدبوحة.
- كدابة يا بتي. عمتك بتكابر وبس.
قالتها نعيمة بمقاطعة وهي تمسح بيدها على وجنتيها هذه الدموع الغزيرة وتابعت:
- ما فيش أم تتمنى الموت لضناها مهما كان عفش ولا غلطان.
كادت أن تخرج عن شعورها وتصرخ بأعلى صوتها، ولكنها تملكت نفسها لتردف وهي تضغط على أسنانها:
- واللي عملته المحروسة دا غلط عادي؟ دا اسمه "عار" وما يمحوهوش غير الدم.
نظرت إليها والدتها مصدومة:
- ليه كده يا بتي؟ عمايلك دي؟ هي كانت عملتلك إيه؟ عشان تشيلي منها ده كله وتحطي عليها.
تنفست بحرقة وهي ناظرة لوالدتها ثم أردفت بحدة:
- أنا اللي مش فاهمة! أنتي بتدافعي عنها كده ليه؟ ما تحسي ببتك شوية بدل الناس اللي ما تستاهلش. حسّي ببتك اللي قلبها اتكسر وداس عليه بالجزمه القديمة. ولا أنا حظي حتى مع أمي ملاقيهوش.
قالت الأخيرة بشهقة قبل أن تتفجر في البكاء، فجذبتها والدتها من يدها لتعانقها وتربت على ظهرها بحنان.
- بسم الله الحفيظ! إيه اللي صايبك بس يا بتي ومخليكي تعبانة كده؟
أكملت رضوى في بكائها المرير داخل أحضان والدتها، والأخرى تمسح بيدها على شعرها وتقرأ لها ما تحفظه من آيات قرآنية لتهدئتها. وبعد برهة من الوقت وقد هدأت واستكانت، أردفت والدتها بحنان:
- أنا عارفة يا حبيبتي إنك زعلانة عشان الفرح اتأجل. متزعليش يا حبيبتي، بكرة ربنا يحلها ويتعملك أحلى فرح يا عيون أمك أنتِ.
ابتسمت لها بسخرية مريرة:
- فرح مين يا أما اللي يتعمل؟ أنتي صدقتي! دي كانت لعبة وانتهت وخلاص!
تساءلت نعيمة بريبة:
- كيف يا بتي كلامك ده؟ ولعبة إيه اللي بتجولي عليها كمان؟ اصبري يا بتي اصبري... وأنتي بكرة يتعملك فرح الناس كلها تحكي بيه.
هذه المرة ضحكت بصوت أعلى:
- أنتي غلبانة جوي يا أما وطيبة وما تعرفيش حاجة.
***
- أنت متأكد يارمزى إنها كويسة؟
- ...........
- خلاص ماشي. المهم إني اتطمنت عليها وعليكم.
- ...........
- ها... حاضر فاهمة فاهمة... ماشي بقى سلام وسلميلي عليها والنبي.
أنهت سعاد المكالمة وعادت لسمرة الجالسة على فراشها وهي ضامة ركبتيها إلى صدرها بذراعيها ودموعها تهطل بغزارة. فأجفلتها بصوت عالٍ:
- ما خلاص يا سمرة بقى! أطمني. جوزها بنفسه قالي إنها كويسة وما فيهاش حاجة.
رفعت أنظارها إليها بصمت، فتابعت سعاد:
- يا حبيبتي كفاية عياط بقى. هو أنتي دموعك دي ما بتخلصش.
خرجت عن صمتها تسأل:
- ولما هي كويسة ما بتردش ليه؟ وجوزها هو بس اللي بيرد؟
صمتت سعاد ولم تجد ما ترد به عليها، فتابعت هي:
- أنا عارفة إنه أذاها، وأكيد الأذى طال جوزها أو عيالها. دي مجرمة وأنا عارفاه زي ما أنا عارفة تمام إني لازم أبعد عن هنا وأمشي.
- أنتِ بتقولي إيه يا سمرة؟ وأنا مالي أنا كمان؟
ابتسمت لها بسخرية مريرة تجاوب:
- عشان مش بعيد الصبح ألاقيه فوق راسي أنا وأنتي. دا شيطان وحظي الزفت بيساعده.
أطرقت سعاد برأسها قليلاً، ثم ما لبثت تقول:
- طب وهاتروحي فين بس؟ وأنتي مالكيش حد هنا غير الوالد ودا ربنا يفك حبسه قريب يارب.
خرجت منها تنهيدة بعمق قبل أن تجاوب:
- أنا هاطلع من بكرة أدور على سكن كويس وبالمرة أدور على شغل.
- طب هاتشتغلي فين بس بعد ما كنتي مدرسة قد الدنيا؟
مسحت بكف يدها على وجهها وعيناها سرحت في الفراغ قليلاً قبل أن تعود إلى سعاد وتقول:
- عارفة يا سعاد إيه أكتر حاجة دلوقتي أنا محتاجها بجد وأدفع عمري كله عشانها؟
- إيه؟
- الأمااااااان. الأمان وبس.
***
دلف تيسير بخطوات سريعة لداخل القصر وتتبعه صافيناز أيضاً بقلق بالغ، حتى وجدوه أمامهم ينزل الدرج ومعه رجل أربعيني.
فسألت صافيناز بصوت عالٍ:
- تيته لبنى مالها يا رؤوف؟
فتابع خلفها أيضاً تيسير:
- إيه اللي حصل يا رؤوف؟
أومأ براسه إليهم وأشار بيده قائلاً:
- ثواني هاوصل الدكتور وأرجع لكم.
انتظر الاثنان قليلاً حتى خرج الطبيب من باب القصر بعد أن ألقى إليه عدد من النصائح. ثم عاد إليهم ليسأله تيسير بقلق:
- أنا حالاً كنت راجع الشركة لما سمعت من سهر السكرتيرة إنك سبت الاجتماع وخرجت جري لما جالك اتصال عن صحة تيته. هو إيه اللي حصل بالظبط؟
أومأ بيده ليجلسوا معه، ثم أردف:
- أبداً يا سيدي. الحكاية إنها ما أخدتش الدوا في ميعاده ده غير إنها ما أكلتش اليوم كله غير في الفطار.
صاحت صافيناز مردفة:
- إزاي يعني تقعد اليوم كله على وجبة واحدة وكمان متخدش الدوا؟ والبنت اللي مراعياها دي راحت فين؟
زفر بحنق ليردف:
- الزفتة دي أنا مشيتها. وتحمد ربنا إني ما أذيتهاش على إهمالها. أنا بس دلوقتي مش عارف أعمل إيه مع تيته. مين هايراعيها والخدامين معاهم شغلهم. هاضطر أدور من تاني على واحدة بس دا هياخد وقت.
- ما تشغلش نفسك أنت يا رؤوف. أنا هأراعيها.
قالتها صافيناز بسرعة ولهفة، فنظر إليها تيسير بإعجاب.
ليتابع على كلامها:
- حقيقي بنت حلال ياصافي. دي هتبقى خدمة العمر لو عملتيها معانا. وأنتي شاطرة وتشيلي المسئولية.
ليقاطعه رؤوف زاجراً بحدة:
- استنى عندك يا تيسير. وقف كلام. خليني أرد.
أجفل إليه الاثنان إليه ليردف مخاطباً صافيناز:
- طبعاً أنا شاكر جداً لكرمك. بس أنا مقدرش أحمل عليكِ مسئولية كبيرة زي دي خصوصاً وأنتي عندك شغلك.
- ليه بس كده يا رؤوف؟ هو أنا غريبة؟
قالتها بحزن، فأشعرته بالحرج. أ jejl حلقه أولاً، ليخاطبها بعد ذلك بصوت هادئ قليلاً:
- معلش يا صافي إن كنت رديت بحدة أزعجتك. بس حقيقي أنا لا يمكن أقبل بحاجة زي دي. لكن أنتي لو عايزة تخدميني بجد، ياريت تلاقيلى واحدة بسرعة عشان تراعي تيته. حقيقي هتبقى أكبر خدمة ليا. لأن للأسف أنا لا يمكن هاسيب البيت ولا هاخرج لشغلي طول ما تيته راقدة.
نظر إليه تيسير مجفلاً:
- أنت بتقول إيه يا رؤوف؟ يعني هاتسيب شركتك طول ما هي راقدة؟
تكلم واثقاً:
- أييييوه. لأن ما عنديش أغلى منها.
هم ليجادله ثانية، ولكن أوقفته صافيناز بإشارة بيدها:
- خلاص يا تيسير. رؤوف عنده حق. ما فيش أغلى من صحة تيته. وأنا عن نفسي هادور على واحدة في أسرع وقت تحل المشكلة دي.
صمت تيسير حانقاً. وابتسمت له رؤوف بمودة قائلاً، ما جعل قلبها يطير بسعادة:
- حقيقي أنتي بنت حلال يا صافي.
***
ترجل من سيارته ليتبعه صديقه وهو يئن بوجع:
- آآآه ياضهري ياني! يابوي أنا جسمي كله مكسر من قعدة العربية. آآآه.
- ما تبطل ياض تئن زي الحريم.
قالها قاسم زاجراً لصديقه الذي صاح عليه:
- خبر إيه يا قاسم؟ الواحد ما يشكيش خالص من حاجة وجعاه. هو إحنا مش بشر يا أخي. ولا أنت مش بتتعب زينا يعني؟
- خلاص اصرخ على كيفك ولم علينا الناس كمان. واضطر.
- أضطر! طب إحنا رايحين فين دلوقتي؟
زفر بقوة ليردف حانقاً:
- أنا كان بدي أروح لها دلوقتي بيت أبوها وأطلبها منه. ولو حكمت أخطفها كمان! بس الساعة اتنين أروح إزاي؟
كان ينظر إليه بعدم تصديق حتى أتى بجملته الأخيرة، فصاح محسن:
- حمد لله إنك جولتها بنفسك. بينا دلوقتي يا اض الناس على أي لوكانده نريح جسمنا فيها. والصباح رباح إن شاء الله.
رمقه بطرف عينه ساخراً يقول:
- عايز تروح لوكانده يا محسن يرحم أبوك؟ اركب ياض بلا جلعة ماسخ.
راقبه يدلف سيارته، فسأله بدهشة:
- أمال هانروح فين طيب؟
ضحك ساخراً يقول بمرح:
- برضك هانروح على بيت أبوها.
بس هانقعد في شارعهم بعربيتنا نبيت فيها والصباح رباح برضو هههه.
دب محسن بقدمه الأرض غيظًا قبل أن يصعد مرة أخرى للسيارة متمتمًا بصوت خفيض:
- ربنا يهدك ياشيخ.
***
وعادت مرة أخرى للجنوب في بيت حسن، الخال الثاني لسمرة. وبداخل غرفتها كانت شيماء انتهت من استذكار دروسها، فارتمت على فراشها لتسحب الغطاء عليها وتهم بالنوم. ولكن بمجرد وضع رأسها على الوسادة، صاح هاتفها بالاتصال. فرفعت رأسها بتعب تتناوله من على الكمود. لتجده رقمًا غير معروف لديها، فترددت لترد على المتصل، ولكن في النهاية فتحت لترد بريبة:
- الو.. مين معايا؟
جاءها الصوت المعروف لأذنيها:
- الو.. أيوه ياشيماء.
نهضت عن فراشها كمصعوقة:
- انتي سمرة!!
جاءها الصوت مرة أخرى بسرعة قلقة:
- وطّي صوتك ياشيماء عشان محدش يسمع.
أومأت برأسها بموافقة:
- يعني انتي سمرة صح مش كده؟
جاوبتها بصوت خفيض ومتمهل:
- أيوه أنا سمرة.. اهدّي كده ياشيماء واسمعيني كويس.. وقبل أي شيء، أوعديني المكالمة اللي بينا دي ماحدش يسمع بيها نهائي، ممكن ياشيماء؟
أجابتها بسرعة:
- أوعدك ياسمرة.. بس انتي ليه عملتي كده؟ الدنيا مقلوبة هنا عليكي، إيه اللي حصل؟
صمتت قليلاً حتى ظنت شيماء انتهاء المكالمة، ليأتيها الصوت أخيرًا:
- ممكن ياشيماء ماتسألنيش عشان مش قادرة أتكلم ولا أحكي في أي شيء.
ردت عليها بهدوء:
- حاضر ياسمرة مش هاسألك.. عشان أنا متأكدة إنك ماتعمليش كده إلا لو كان السبب كبير.
ابتسمت بخفة ترد عليها:
- شاطرة ياشيماء وجدعة كمان، يا ريتك كنتي من سني، كنتي هاتبقى أحلى صاحبة ليا. المهم دلوقتي جولّيلي إيه الأخبار عندكم.. وأمي وخوالي عاملين إيه؟ ورفعت كان إيه رد فعله؟
تنهدت شيماء بعمق تردف بتردد:
- عايزاني أقولك إيه بس؟ بصراحة الدنيا مولّعة.
ابتسامتها زادت بمرارة:
- جولّيلي ياشيماء وماتخافيش.. أنا متوقعة أسوأ السيناريوهات، يعني مش هاتخض من أي شيء.
***
في اليوم التالي أصرت سمرة على الخروج والبحث عن عمل، ولكن سعاد كان إصرارها أقوى بعدم الخروج من المنزل إلا معها، فهي غريبة عن البلد. وإن كان هناك ضرورة في البحث عن العمل والسكن، فيجب أن تكون معها لكي ترشدها للأصح، ولكن كل هذا بعد انتهاء دوام عملها في محل السيدة صافيناز. والتي ذهبت إليه متأخرة كالعادة، ولكنها تفاجأت بعدم تواجدها على المكتب كالعادة. فتوجهت لزميلاتها في العمل:
- صباح الخير يابنات عاملين إيه؟
ردت عليها فتاة تأكل في شطيرة من الخبز بنهم:
- صباح النور ياسوسو.. برضو اتأخرتي.
شهقت مستنكرة:
- وانتي مالك بقى ياست سمية؟ هي المدام عينتك تقولي جملتها كمان في عدم وجودها؟
ردت عليها الفتاة بمودة:
- جرى إيه ياسعاد انتي زعلتي؟.. والنعمة ما أقصد!
- صحيح ياسعاد دي سمية غلبانة والنبى.
قالتها إحدى الفتيات وهي منهمكة في ترتيب الموديلات المعلقة. فابتسمت لهن بمرح:
- ما خلاص ياختي انتي وهي.. انتوا هاتعملوها حكاية ورواية. المهم بقى هي المدام اتأخرت ليه؟
مطت سمية شفتيها لتردف:
- والله علمي علمك، ماحدش عارف فينا حاجة.
وبعد مرور عدة ساعات دلفت صافيناز وخلفها تيسير تزفر بحنق وهي ترد عليه:
- أوووف ياأخي قولتلك ولا واحدة فيهم تنفع!
أردف هو خلفها مستنكرًا:
- يعني إيه بقى ياست صافي؟ هافضل أنا كده مسحول كام يوم تاني.. دا أنا فرهدت من يوم واحد وطلع عيني.
جلست على مكتبها ضاحكة بشماتة:
- أحسن، خليك تجرب شوية المسؤولية.
خبط بيده على مكتبها بغيظ:
- بقولك إيه يا صافي ماتجننينيش.. أنا معنديش دماغ للهرى ده، شوفيلك حل.. مش انتي اللي عملتي فيها شهمة، كملي بقى دورك ونفذي بسرعة.
صاحت عليه بغضب:
- لم نفسك ياتيسير، أنا مقدرة اللي انت فيه.. بس أنا من الصبح بلف على المكاتب اللي أعرفها.. وملقتش أي واحدة تنفع.. لأن للأسف هو طلباته صعبة قوي.. عايزها متعلمة وحسنة المظهر ومثقفة عشان تقرأ لها قصص.. أجيبها منين دي أنا؟
تدخلت سعاد معهم في الحديث:
- أنا آسفة ياهانم إني هاتدخل.. بس انتو بتتكلموا على شغل مش كده؟
جاوبتها صافيناز بسأم:
- أيوه ياسعاد.. تعرفي واحدة تبقى جليسة لست كبيرة وفيها كل الصفات اللي سمعتها دي؟ أكيد ماتعرفيش ياسعاد، أكيد.
فاجأتها بالرد تقول:
- لا أعرف ياهانم.. بس لمين بقى؟
أجاب تيسير بسرعة:
- رؤوف الصيرفي ياسعاد، أكيد تعرفيه؟
***
كادت أن تسقط مغشياً عليها بعد سماع صوته.. وهي مستندة بيدها على الحائط وقلبها ينبئها بكارثة. فكيف وصل لصديقتها وكيف تمكن من الحصول على هاتفها؟ سمعته مرة أخرى يقول بصوت متمهل:
- إيه ياسمرة، هأفضل كتير كده أكلمك وانتي ماتروّديش.. طمنيني عليكي يا حبيبتي.
- عملت مع رحمة إيه؟ اياك تكون أذيتها.
قالتها بمقاطعة بعد أن أجمعت شجاعتها ليقابلها هو بضحكة متحشرجة:
- مش بقولك بيعجبني شجاعتك.. هو أنا متعلق بيكي من شوية؟
صرخت به حانقة:
- عملت فيها إيه؟ رد عليه.
نفث دخان سيجارته بصوت مسموع في أذنها، ثم قال:
- وفّري على نفسك وعليا التعب يا "سمرة" وبلاها من لعبة القط والفار اللي ما بينا دي.
كانت صامتة ودموعها تهطل بصمت. وهو نفث دخان سيجارته مرة ثانية وتابع:
- انتي عارفة كويس إني هوصلك ياسمرة وهاجيبك وأتجوزك.. وأديكي وفرتي علينا تعب كبير بروحتك لمصر وبعدك عن ناسنا وو... انتي ساكتة ليه؟
قال الأخيرة ونظر للهاتف ليجدها أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف، فتمتم بصوته:
- ماشي ياسمرة... يعني هاتروحي مني فين؟
وعند سمرة التي كانت دموعها تهطل بغزارة لدرجة أفزعت "سعاد":
- يابنتي إيه اللي حصل، وقعتي قلبي؟
تكلمت بصعوبة:
- مش قادرة ياسعاد.. حاسة قلبي هايوقف من الخوف أنا.....
- خلاص خلاص.. تعالي هانروح البيت وبعدين نتكلم.. الناس بتتفرج علينا.
قالتها سعاد وهي تسندها من يدها أمام نظرات السكان المتسائلة، حتى أخرجتها من المبنى وقامت بإيقاف إحدى السيارات لتقلهم للمنزل.
***
دَلفت "رضوى" لغرفة والدتها "نعيمة" لتجدها منفطرة من البكاء. فنظرت إليها بحنق لتردف:
- شغالة بكى ونواح ولا إني ميت لك ميت! في إيه ياما مالك؟ كنتي أمها انتي وأنا معرفش!
نظرت إليها صامتة وأكملت في بكائها بحرقة. فهدرت فيها بصوت عالٍ:
- خبر إيه؟ ده عمتي نفسها اللي هي أمها.. عايزاهم يرجعوها ميتة ولا مدبوحة....
- كدابة يابنتي، عمتك بتكابر وبس.
قالتها "نعيمة" بمقاطعة وهي تمسح بيدها على وجنتيها هذه الدموع الغزيرة وتابعت:
- مافيش أم تتمنى الموت لضناها مهما كان عَفَش ولا غلطان.
كادت أن تخرج عن شعورها وتصرخ بأعلى صوتها ولكنها تملكت نفسها لتردف وهي تضغط على أسنانها:
- واللي عملته المحروسة ده غلط عادي؟ دا اسمه "عار" وما يمحوش غير الدم.
نظرت إليها والدتها مصدومة:
- ليه كده يابنتي عمايلك دي؟ هي كانت عملتلك إيه؟ عشان تشيلي منها دا كله وتحطي عليها.
تنفست بحرقة وهي ناظرة لوالدتها ثم أردفت بحدة:
- أنا اللي مش فاهمة! انتي بتدافعي عنها كده ليه؟ ما تحسي ببتك شوية بدل الناس اللي ماتستاهلش.. حسي ببتك اللي قلبها اتكسر وداس عليه بالجزمة القديمة.. ولا أنا حظي حتى مع أمي ملاقيهوش.
قالت الأخيرة بشهقة قبل أن تتفجر في البكاء، فجذبتها والدتها من يدها لتعانقها وتربت على ظهرها بحنان.
- بسم الله الحفيظ.. إيه اللي صايبك بس يابنتي ومخليكي تعبانة كده؟ أكملت رضوى في بكائها المرير داخل أحضان والدتها، والأخرى تمسح بيدها على شعرها وتقرأ لها ما تحفظه من آيات قرآنية لتهدئتها. وبعد برهة من الوقت وقد هدأت واستكانت، أردفت والدتها بحنان:
- أنا عارفة ياحبيبتي إنك زعلانة عشان الفرح اتأجل.. متزعليش ياحبيبتي، بكرة ربنا يحلها ويتعملك أحلى فرح ياعيون أمك انتي.
ابتسمت لها بسخرية مريرة:
- فرح مين ياما اللي يتعمل؟ انتي صدقتي! دي كانت لعبة وانتهت وخلاص!
تساءلت نعيمة بريبة:
- كيف يابنتي كلامك ده؟ ولعبة إيه اللي بتجولي عليها كمان؟ اصبري يابنتي اصبري... وانتي بكرة يتعملك فرح الناس كلها تحكي بيه.
هذه المرة ضحكت بصوت أعلى:
- انتي غلبانة جوي ياما وطيبة وماتعرفيش حاجة.
***
- انت متأكد يارمزى إنها كويسة؟
- ..........
- خلاص ماشي.. المهم إني اتطمنت عليها وعليكم.
-.............
- ها... حاضر فاهمة فاهمة.. ماشي بقى سلام وسلميلي عليها والنبى.
أنهت سعاد المكالمة وعادت لـ "سمرة" الجالسة على فراشها وهي ضامة ركبتيها إلى صدرها بذراعيها ودموعها تهطل بغزارة. فأجلفتها بصوت عالٍ:
- ما خلاص ياسمرة بقى، اطمني.. جوزها بنفسه قالي إنها كويسة ومافيهاش حاجة..
رفعت أنظارها إليها بصمت فتابعت سعاد:
- ياحبيبتي كفاية عياط بقى.. هو انتي دموعك دي مابتخلصش.
خرجت عن صمتها تسأل:
- ولما هي كويسة مابتردش ليه؟ وجوزها هو بس اللي بيرد.
صمتت سعاد ولم تجد ما ترد به عليها. فتابعت هي:
- أنا عارفة إنه أذاها وأكيد الأذى طال جوزها أو عيالها.
دى مجرمة وأنا عارفاها زي ما أنا عارفة تمام إني لازم أبعد عن هنا وأمشي.
- إنتي بتقولي إيه يا سمرة وأنا مالي أنا كمان؟
ابتسمت لها بسخرية مريرة تجاوب:
- عشان مش بعيد الصبح ألاقيه فوق راسي أنا وإنتي.. دا شيطان وحظي الزفت بيساعده.
أطرقت سعاد برأسها قليلاً ثم ما لبثت تقول:
- طب وهاتروحي فين بس؟ وإنتي مالكيش حد هنا غير الوالد ودا ربنا يفك حبسه قريب يارب.
خرجت منها تنهيدة بعمق قبل أن تجاوب:
- أنا هأطلع من بكرة أدور على سكن كويس وبالمرة أدور على شغل.
- طب هاتشتغلي فين بس بعد ما كنتي مدرسة قد الدنيا؟
مسحت بكف يدها على وجهها وعيناها سرحت في الفراغ قليلاً قبل أن تعود إلى سعاد وتقول:
- عارفة يا سعاد إيه أكتر حاجة دلوقت أنا محتاجاها بجد وأدفع عمري كله عشانها.
- إيه؟
- الأمان.. الأمان وبس.
دلف تيسير بخطوات سريعة لداخل القصر وتتبعه "صافيناز" أيضاً بقلق بالغ، حتى وجدوه أمامه ينزل الدرج ومعه رجل أربعيني.
فسألت صافيناز بصوت عالٍ:
- تيته لبنى مالها يا رؤوف؟
فتابع خلفها أيضاً تيسير:
- إيه اللي حصل يا رؤوف؟
أومأ برأسه إليهم وأشار بيده قائلاً:
- ثواني هاوصل الدكتور وأراجع لكم... انتظر الاثنان قليلاً حتى خرج الطبيب من باب القصر بعد أن ألقى إليه عدد من النصائح.
ثم عاد إليهم ليسأله تيسير بقلق:
- أنا حالاً كنت راجع الشركة لما سمعت من سهر السكرتيرة إنك سبت الاجتماع وخرجت جري لما جالك اتصال عن صحة تيته.. هو إيه اللي حصل بالظبط؟
أومأ بيده ليجلسوا معه ثم أردف:
- أبداً يا سيدي.. الحكاية إنها ما أخدتش الدوا في ميعاده دا غير إنها ما أكلتش اليوم كله غير في الفطار.
صاحت صافيناز مردفة:
- إزاي يعني تقعد اليوم كله على وجبة واحدة وكمان متخدش الدوا.. والبنت اللي مراعياها دي راحت فين؟
زفر بحنق ليردف:
- الزفتة دي أنا مشيتها وتحمد ربنا إني ما أذيتهاش على إهمالها.. أنا بس دلوقتي مش عارف أعمل إيه مع تيته.. مين هايراعيها والخدامين معاهم شغلهم.. هاضطر أدور من تاني على واحدة بس دا هياخد وقت.
- ما تشغلش نفسك إنت يا رؤوف أنا هاأراعيها.
قالتها صافيناز بسرعة ولهفة فنظر إليها تيسير بإعجاب.
ليتابع على كلامها:
- حقيقي بنت حلال يا صافي دي هتبقى خدمة العمر لو عملتيها معانا وإنتي شاطرة وتشيلي المسئولية...
ليقاطعه رؤوف زاجراً بحدة:
- استنى عندك يا تيسير وقف كلام خليني أرد.
أجفل إليه الاثنان إليه ليردف مخاطباً صافيناز:
- طبعاً أنا شاكر جداً لكرمك بس أنا مقدرش أحمل عليكي مسئولية كبيرة زي دي خصوصاً وإنتي عندك شغلك.
- ليه بس كده يا رؤوف؟ هو أنا غريبة؟
قالتها بحزن فأشعرته بالحرج. أجلى حلقه أولاً ليخاطبها بعد ذلك بصوت هادئ قليلاً:
- معلش يا صافي إن كنت رديت بحدة أزعجتك.. بس حقيقي أنا لا يمكن أقبل بحاجة زي دي.. لكن إنتي لو عايزة تخدميني بجد يا ريت تلاقيلى واحدة بسرعة عشان تراعي تيته. حقيقي هتبقى أكبر خدمة ليا لأني للأسف أنا لا يمكن هاسيب البيت ولا هاخرج لشغلي طول ما تيته راقدة.
نظر إليه تيسير مجفلاً:
- إنت بتقول إيه يا رؤوف؟ يعني هاتسيب شركتك طول ما هي راقدة.
تكلم واثقاً:
- أييييوه.. لأني ما عنديش أغلى منها.
هم ليجادله ثانية ولكن أو وقفته "صافيناز" بإشارة بيدها:
- خلاص يا تيسير رؤوف عنده حق.. ما فيش أغلى من صحة تيته وأنا عن نفسي هادور على واحدة في أسرع وقت تحل المشكلة دي.
صمت تيسير حانقاً وابتسم لها رؤوف بمودة قائلاً ما جعل قلبها يطير بسعادة:
- حقيقي إنتي بنت حلال يا صافي.
ترجل من سيارته ليتبعه صديقه وهو يئن بوجع:
- آه يا ضهري يا ناني.. يبوي أنا جسمي كله مكسر من جعدة العربية.. اااه.
- ما تبطل يا ضهري تئن زي الحريم.
قالها "قاسم" زاجراً لصديقه الذي صاح عليه:
- خبر إيه يا قاسم؟ الواحد ما يشكيش خالص من حاجة وجعاه.. هو إحنا مش بشر يا أخي. ولا إنت مش بتتعب زينا يعني؟
- خلاص صرخ على كيفك ولم علينا الناس كمان.
- واض طري.
- طري!! طب إحنا رايحين فين دلوقتي؟
زفر بقوة ليردف حانقاً:
- أنا كان بدي أروح لها دلوقتي بيت أبوها وأطلبها منه ولو حكمت أخطفها كمان! بس الساعة اتنين أروح إزاي؟
كان ينظر إليه بعدم تصديق حتى أتى بجملته الأخيرة فصاح محسن:
- حمد لله أديك جولتها بنفسك بينا دلوقتي يا واض الناس على أي لوكانده نريح جسمنا فيها والصباح رباح إن شاء الله.
رمقه بطرف عينه ساخراً يقول:
- عايز تروح لوكانده يا محسن يرحم أبوك.. اركب يا ضهري بلا جلعة ماسخ.
راقبه يدلف سيارته فسأله بدهشة:
- أمّال هانروح فين طيب؟
ضحك ساخراً يقول بمرح:
- برضك هانروح على بيت أبوها.. بس هانجعد في شارعهم بعربيتنا نبيت فيها والصباح رباح برضو هههه.
دب محسن بقدمه الأرض غيظاً قبل أن يصعد مرة أخرى للسيارة متمتماً بصوت خفيض:
- ربنا يهدك يا شيخ.
وعادت مرة أخرى للجنوب في بيت حسن الخال الثاني لسمرة وبداخل غرفتها كانت شيماء انتهت من استذكار دروسها فارتمت على فراشها لتسحب الغطاء عليها لتنوم. ولكن بمجرد وضع رأسها على الوسادة.. صاح هاتفها بالاتصال فرفعت رأسها بتعب تتناوله من على الكمود. لتجده رقم غير معروف لديها فترددت لترد على المتصل ولكن في النهاية فتحت لترد بريبة:
- الو.. مين معايا؟
جاءها الصوت المعروف لأذنيها:
- الو.. أيوه يا شيماء.
نهضت عن فراشها كمصعوقة:
- إنتي سمرة!!
جاءها الصوت مرة أخرى بسرعة قلقاً:
- وطّي صوتك يا شيماء عشان محدش يسمع.
أومأت برأسها بموافقة:
- يعني إنتي سمرة صح مش كده؟
جاوبت عليها بصوت خفيض ومتمهل:
- أيوه أنا سمرة.. اهدّي كده يا شيماء واسمعيني كويس.. وقبل أي شيء أوعديني المكالمة اللي بينا دي ما حدش يسمع بيها نهائي ممكن يا شيماء؟
أجابتها بسرعة:
- أوعدك يا سمرة.. بس إنتي ليه عملتي كده دا الدنيا مقلوبة عليكي هو إيه اللي حصل؟
صمتت قليلاً حتى ظنت شيماء انتهاء المكالمة ليأتيها الصوت أخيراً:
- ممكن يا شيماء ما تسألنيش عشان مش قادرة أتكلم ولا أحكي في أي شيء.
ردت عليها بهدوء:
- حاضر يا سمرة مش هاسألك.. عشان أنا متأكدة إنك ما تعمليش كده إلا إذا كان السبب كبير.
ابتسمت بخفة ترد عليها:
- شاطرة يا شيماء وجدعة كمان ياريتك كنتي من سني كنتي هتبجي أحلى صاحبة ليا.. المهم دلوقتي جولي إيه الأخبار عندكم.. وأمي وخوالي عاملين إيه؟ ورفعت كان إيه رد فعله؟
تنهدت شيماء بعمق تردف بتردد:
- عايزاني أقولك إيه بس؟ بصراحة الدنيا مولعة.
ابتسامتها زادت بمرارة:
- جولي يا شيماء وما تخافيش.. أنا متوقعة أسوأ السيناريوهات يعني مش هاتخضي من أي شيء.
في اليوم التالي أصرت سمرة على الخروج والبحث عن عمل ولكن سعاد كان إصرارها أقوى بعدم الخروج من المنزل إلا معها، فهي غريبة عن البلد وإن كان هناك ضرورة في البحث عن العمل والسكن فيجب أن تكون معها لكي ترشدها للأصح ولكن كل هذا بعد انتهاء دوام عملها في محل السيدة صافيناز.. والتي ذهبت إليه متأخرة كالعادة ولكنها تفاجأت بعدم تواجدها على المكتب كالعادة. فتوجهت لزميلاتها في العمل:
- صباح الخير يا بنات عاملين إيه؟
ردت عليها فتاة تأكل في شطيرة من الخبز بنهم:
- صباح النور يا سوسو.. برضو اتأخرت.
شهقت مستنكرة:
- وإنتي مالك بقى يا ستي سمية؟ هي المدام عينتك تقول لي جملتها كمان في عدم وجودها؟
ردت عليها الفتاة بمودة:
- جرى إيه يا سعاد إنتي زعلتي؟.. والنبي ما أقصد!
- صحيح يا سعاد دي سمية غلبانة والنبي.
قالتها إحدى الفتيات وهي منهمكة في ترتيب الموديلات المعلقة. فابتسمت لهن بمرح:
- ما خلاص يا أختي إنتي وهي.. إنتوا هاتعملوها حكاية ورواية. المهم بقى هي المدام اتأخرت ليه؟
مطت سمية شفتيها لتردف:
- والله علمي علمك ما حدش عارف فينا حاجة.
وبعد مرور عدة ساعات دلفت صافيناز وخلفها تيسير تزفر بحنق وهي ترد عليه:
- أوووف يا أخي قولتلك ولا واحدة فيهم تنفع!
أردف هو خلفها مستنكراً:
- يعني إيه بقى يا ستي صافي؟ هأفضل أنا كده مسحول كام يوم تاني.. دا أنا فرهدت من يوم واحد وطلع عيني.
جلست على مكتبها ضاحكة بشماتة:
- أحسن خليك تجرب شوية المسئولية.
خبط بيده على مكتبها بغيظ:
- بقولك إيه يا صافي ما تجننينيش.. أنا ما عنديش دماغ للهري ده شوفيلك حل.. مش إنتي اللي عملتي فيها شهمة كملي بقى دورك ونفذي بسرعة.
صاحت عليه بغضب:
- لم نفسك يا تيسير أنا مقدرة اللي إنت فيه.. بس أنا من الصبح بلف على المكاتب اللي أعرفها.. وملقتش أي واحدة تنفع.. لأن للأسف هو طلباته صعبة أوي.. عايزها متعلمة وحسنة المظهر ومثقفة عشان تقرأ لها قصص.. أجيبها منين دي أنا؟
تدخلت سعاد معهم في الحديث:
- أنا آسفة يا هانم إني هأتدخل.. بس إنتوا بتتكلموا على شغل مش كده؟
جاوبتها صافيناز بسأم:
- أيوه يا سعاد.. تعرفي واحدة تبقى جليسة لست كبيرة وفيها كل الصفات اللي سمعتها دي.. أكيد ما تعرفيش يا سعاد أكيد.
فاجأتها بالرد تقول:
- لا أعرف يا هانم.. بس لمين بقى؟
أجاب تيسير بسرعة:
- رؤوف الصيرفي يا سعاد أكيد تعرفيه؟
رواية سحر سمرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أمل نصر
جالسه بجوار أبيها المريض على الفراش تطعمه بيدها وتُحادثه في عدة موضوعات تهربًا من الإجابة على أسئلته المكررة لها وهو يأكل بصمت مستمعًا لها.
حتى إذا توقفت أجفلها بسؤاله.
- ها خلصتي حكاوي ولا لسه في كلام تاني؟
ردت مرتبكة.
- هاا... صدق إيه يا بوي؟
سألها بوضوح.
- أخواتك فين يا مروة؟ مش شايف حد من امبارح فيهم ليه؟
تلعثمت في الرد.
- ااايابوي منا جولتلك معاهم شغل بره البلد ومش فاضين!
تابع بأسئلته.
- إيه اللي حاصل في البيت يا مروة؟ جوليلى يا بتي ريحينى؟ لو في مصيبة حصلت جوليلى عليها أنا شديد واجدر أتحمل!
تشدقت قائلة.
- واه يا بوي ربنا يكفينا شر المصايب... ليه بس بتجول كده؟ انت شوفت حاجة جلجتك؟
تنهد الرجل بعمق ليردف.
- شوفتك انتي وأمك يا "مروة" بتضحكوا في وشي وتمثلوا وعينكم بتجول العكس.
فاجأها أباها بفراسته ولكنها لا تريد إضافة الحزن إلى قلبه، يكفي ما يعانيه من أوجاع. بلعت ريقها لتمثل الضحك.
- واه عليك يا أبو رفعت دا انت عليك حاجات.. ما الدنيا رايجة وكل حاجة زين.. انت ليه بس فاكر إننا مخبيين عليك حاجة؟
صمت قليلاً مضيقًا عينيه ثم مالبث أن يأمرها بغضب.
- شيلي الوكل دا من جدامي واطلعي دلوك على طول.
- بس انت مخلصتش وكل يابوي.
قالتها بمحايلة فازدادت لهجته حدة.
- اخلصي بجولك شيلي الوكل وجومي..
نهضت عن الفراش مضطرة لترفع صنية الطعام وتخرج بها وهو يتمتم بصوته ينظر لأثرها.
- طب مكسح ورضينا وحمدنا.. ربنا لكن كمان عايزين تستعمونى!
فخرجت مروة لتقابل والدتها التي كانت تقف بجوار باب الغرفة وسمعت بعض الحديث. أومأت لها بيدها لتصمت فسارت خلفها حتى ابتعدتا الاثنتان عن الغرفة وحتى اطمأنت لبعد المسافة سألتها.
- أبوكي كان بيزعج ليه؟
وضعت مروة صنية الطعام على الطاولة التي بجوارها قبل أن تقول.
- أبويا حاسس ياما إن في حاجة كبيرة حاصلة في البيت وكان بيسألني بس أنا مجدرتش أجوبه بالحقيقة.
تنهدت المرأة واضعة كفها على وجنتها.
- بكرة يعرف يا بتي.. ماهو مافيش حاجة بتستخبى.. وحكاية الفرح اللي آخر السبوع دي هتفضح الدنيا لوحدها.. ربنا يستر وما يروحش فيها.
وضعت "مروة" يدها على قلبها تردف بجزع.
- يارب ياما يارب.. دا أنا خايفة جوي من اللحظة دي ودا اللي خلاني مجدرتش أتكلم لما سألني.. لكن ياما هو ولدك "قاسم" راح فين؟ بيدور مع أخوه ولا لوحده ولا هو في سكة تانية خالص؟
نفيسة بحيرة.
- الله أعلم يا بتي!!
........ .......
استيقظ قاسم من نومه بالمقاعد الأمامية للسيارة على هذه الأصوات القوية الصادرة من صديقه أثناء نومه بالخلف فاعتدل بجذعه مضطرًا مردفًا بصوت متحشرج من أثر النوم.
- اعدل راسك يازفت انت ولا جوم أحسن.. جوم ياض.
قال الأخير بصوت عالٍ أيقظ صديقه فنهض مزعورًا.
- في إيه يا "قاسم"؟ انت دايما كده تخلعني؟
أخرج سبه من فمه أولاً ثم فتح باب السيارة ليخرج وهو ي هندم في ملابسه، قائلاً قبل أن يذهب.
- ولا ليك فايدة ولا عايدة.. بس عمال تصفر لي من مناخيرك طول الليل وتطير النوم من عيني لما خليت الوجت سرجني وانت بارضك ماشبعتش نوم جاك الهم.
- طب انت رايح فين دلوك؟
- غير أشوف اللي ورايا.. اتنيل انت على عينك.
نظر لأثره ببلاهة ثم عاد لنومه مرة أخرى مردفًا غير عابئ.
- غور مطرح ما تغور انت حر... أكمل أنا نومي.
.......................................
انتي بتقولي إيه يا سعاد؟ عايزاني أشتغل خدامة؟
قالتها سمرة بغضب وهي تنهض عن مقعدها، فنهضت سعاد هي الأخرى تصحح.
- يا بنتي جليسة لواحدة مسنة.. مش خدامة؟
التفت لها بغضب.
- يعني هاتفرق؟ ما الاتنين واحد!
- لا تفرق يا "سمرة" البيت اللي انتي رايحاه مليان خدم وحشم وانتي هاتبقي وظيفتك بس الست الكبيرة تراعي مواعيد أكلها وأدويتها وتشاركيها وقتها بدل الوحدة اللي عايشة فيها.
هزت برأسها تنفي تقبل الأمر وهي تجلس مرة أخرى.
- يعني بعد ما كنت مدرسة وليا وضعي.. اشتغل عند ناس غريبة في بيتهم خدامة ولا جليسة زي ما بتقولي؟
جلست سعاد خلفها وهي تجيب.
- اسمعي يا سمرة أنا يا بنت الناس إن كان عليا مش عايز اكي تفارقيني.. بس انتي بنفسك بتقولي إن اللي اسمه (قاسم) ده ممكن يط ب عليكي في أي لحظة وانتي عايزة شغل وعايزة سكن ودول عندهم الاتنين..
همت لتجادلها ولكن "سعاد" أكملت.
- أنا عارفة إن الموضوع صعب عليكي بس يا "سمرة" انتي طالبة الأمان وأنا شايفه إنك هناك هاتبقي بأمان ودا لأن الناس دي مش ساكنة في عمارات ولا وسط الناس زينا.. لا يا حبيبتي دا دول ساكنين في مدن ليهم لوحدهم وأساميها بتتطلع في التليفزيون.. ماحدش زي حالاتنا بيدخل عندهم غير بالبطاقة دا غير الحرس اللي محاوط القصر.. يعني صاحبك ما يقدرش يوصل ولا يهوب هناك..
أطرقت بوجهها وهي واضعة كفيها على وجنتيها صامتة ثم ما لبثت أن تسأل بلهجة أخف.
- طب هي الست دي ساكنة لوحدها؟
ابتسمت سعاد بخفة ثم أجابت.
- شوفي يا سمرة هي معاها ابن بنتها راجل أعمال معاها في البيت وعازب لسه...
فتحت فمها تعترض وتقاطع ولكن أوقفتها سعاد بإشارة بيدها تتابع.
- وهايخطب قريب على فكرة.. دا غير إنه اليوم كله مشغول وتقريبًا مش بيرجع غير وقت النوم.. دا راجل محترم أوي يا سمرة عكس التاني ده ابن خالته اللي ساكن في شقة لوحده ومقضيها نسوان.. أنا دخلت البيت دا كتير لما كنت بوصل فساتين للست الصغيرة أخته قبل ما تتجوز وتسافر بلاد بره ناس طيبين أوي ومحترمين.
بللت شفتيها بتوتر وهي تفرك بوجهها لا تدري ماذا تقرر، فتابعت "سعاد".
- يا "سمرة" أنا قولتلك على كل حاجة وانتي قرري بنفسك ياختي واختاري وأنا معاكي في أي قرار تاخديه.
صمتت قليلاً ثم أجابت بتردد.
- طب أنا هاروح إزاي عندهم يا سعاد وأنا معرفهمش ولا أعرف بيتهم دا فين؟ وهاقدم نفسي إزاي ليهم؟
أجابتها سعاد بحبور.
- أنا هاروح معاكي يا حبيبتي وهاقدمك ليهم وإن شاء الله متيسرة معانا.. أنا هاروح أتصل بالهانم دلوقتي أفرحها وجيالك حالا.
قالتها ونهضت على الفور فرجعت سمرة بظهرها للمقعد تتمتم لنفسها.
- ياترى إيه مخبي لك الزمن تاني يا سمرة.
.................................
بعد أن أبلغتها "سعاد" بموافقة "سمرة" بالعمل جليسة للسيدة "لبنا" مع تفاخرها بما تملكه "سمرة" من شهادة جامعية بالإضافة لثقافتها العالية وحسن مظهرها الذي يجعلها هدية غالية منها للسيد لرؤوف. ورغم تشكك "صافيناز" من صدق "سعاد" بالإضافة إلى فشل بحثها عن أخرى قامت بالاتصال برؤوف الذي كان جالسًا بغرفة جدته "لبنا" النائمة واضعًا قدميه على الكرسي المقابل وفوقهم "الاب توب" يتابع أعماله به واضعًا نظارته الطبية على عينيه والتي خلعها بعد أن تلقى الاتصال ليرد على "صافيناز".
- الو.... أهلاً يا صافي.
وبلهفة فتاة مراهقة بعد سماع اسمها بصوته.
- أهلاً يا رؤوف.. أخبارك إيه.
ابتسم برزانة يقول.
- أخباري يا ستي انتي عارفاها.
خبأت ابتسامتها قليلاً حينما تذكرت مرض جدته لتسأله.
- عاملة إيه تيته "لبنا" دلوقتي يا رؤوف؟ مش في تحسن برضو.
تنهد بارتياح نسبي.
- الحمد لله يا ستي.. هي أحسن من الأول بكتير بس أنا تعبت أوي.. انت لسه ملاقتيش واحدة تنفع جليسة؟
تلعثمت قليلاً بتردد.
- بصراحة يا رؤوف أنا من الصبح وأنا بلف على المكاتب اللي أعرفها وملاقتش واحدة بالمواصفات اللي انت طالبها بس يعني.
أجفل لترددها قائلاً.
- يعني إيه؟ هو في حاجة يا صافي.
فركت بأطراف أصابعها على جبهتها تخبره بتوتر.
- شوف أنا معايا بنت اسمها سعاد شغالة عندي أكيد انت تعرفها بتقول إن معاها واحدة قريبتها فيها كل المواصفات دي وأكتر بس أنا بصراحة مش مصدقها.. هاشوفها بكرة ولو لقيتها كويسة هاجيبها معايا....
كان يستمع إليها بتركيز شديد حينما ذكرت "سعاد" وقريبتها لا يعلم لماذا أتته صورتها وشعر أنها ربما لو كانت هي المقصودة لذلك حينما انتهت "صافيناز" عاجلها بقولها.
- هاتيها وتعالي.
أجفلت من قوله فردت عليه بتوتر وهي تنظر للمرآة وهي غير مستعدة على الإطلاق بعد أن خرجت من حمامها.
- يا رؤوف أنا لسه ماشوفتهاش.. أشوفها الأول تنفع ولا لأ وبعدين أقولك.
كرر مرة أخرى بتصميم أكثر.
- ابعتيها مع سعاد يا "صافي" وأنا هاقرر تنفع ولا لأ.
ودت لو تقولها بصوت واضح أنها ليست جاهزة لمقابلته وتريد مهلة على الأقل ساعتين فأردفت.
- طب ما تخليها بالليل أجيبها معايا.
زفر بضيق وهو يبعد الهاتف قليلاً حتى لا تسمع ليردف بعد ذلك بكياسة.
- شكلي تعبتك معايا يا صافي أنا بصراحة مش عارف أشكرك إزاي.
ردت بسعادة غمرتها.
- تشكرني ليه بس يا رؤوف.. مش عارف معزتك انت وتيته "لبنا" في قلبي إزاي.
أكمل بمكر.
- عارف يا صافي عارف.. ارتاحي دلوقتي واتصلي بـ "سعاد" تجيب البنت أشوفها.. وتبقى تيجي انتي بالليل براحتك البيت بيتك يا صافي.
ضغطت على شفتيها بابتسامة حالمة.
- حالا يا رؤوف هاتصل بيها أبعتلك البنت.. وأنا إن شاء الله على بالليل أبقى أجي أطمئن على تيته وبالمرة أشوف البنت.
تنفس بارتياح بعد أن أنهى المكالمة وأغلق هاتفه، فنهض عن مقعده وهو يتمتم مع نفسه.
- أما نشوف بقى هاتطلع هي ولا لأ.
............................
استيقظ "محسن" من غفلته الثانية على صفقة قوية لباب السيارة وصوت "قاسم" وهو يسب ويلعن بأبشع الألفاظ حظه العسر.. بلع ريقه يسأل بخوف.
- هو في إيه؟ حصلت حاجة؟
التفت إليه بعينين تقذف شررًا وأنفاس لاهثة من أثر انفعاله.
- الزفت أبوها طلع محبوس..
تاهت مني تاني يا زفت الطين يا خ*م النوم.
- كيف يعني محبوس؟ وانت عرفت منين؟
ضرب بكف يده على المقود بقوة يزفر حانقاً:
- عرفت من جارتها المرة العجوز. لا والادهى إنها جات امبارح تسأل عليه ومعاها صاحبتها. يعني لو كانت آخرت يوم واحد بس كنت هاجيبها بمنتهى السهولة.
أجاب الآخر شارداً:
- صاحبتها! وهي لحقت تصاحب كمان؟
نظر إليه بأعين نارية.
لدب الخوف بقلب محسن وهو لا يعلم بما يدور بعقل هذا المجنون، فسأل بصوت مرتجف:
- مالك بتبص كده ليه؟
اقترب منه يومئ بيده:
- أنت صح يا "محسن". أنا كنت ناسي. لما جالنا رمزي على البت اللي هاتساعدها هنا عشان ترجع لأبوها.
محسن ببلاهة:
- بت مين؟
- هاتعرف دلوقتي يا محسن.
قالها وهو يدير محرك السيارة ثم قادها بسرعة هائلة ذاهباً إلى عنوان "سعاد" الذي أخذه من رمزي.
وبعد بضعة دقائق معدودة توقفت سيارة أخرى في نفس المحيط. وترجل منها ثلاثة رجال. فنظر الأول بتفحص للمبنى يسأل:
- أنت متأكد إن ده العنوان يا رفعت يا ولدي؟
خرجت منه تنهيدة مثقلة بالألم:
- متأكد يا عم "سليمان". ما أنا جيت هنا قبل سابج!
سأل حسن مذهولاً:
- جيت كيف يعني؟
نظر إليه قليلاً بغموض ثم أردف قائلاً:
- إحنا هانفضل هنا في الشارع كتير. مش يدوبك بقى نروح نسأل ونشوفها قاعدة جوا ولا لأ.
سليمان بلهفة:
- عندك حق يا ولدي. يلا بسرعة يا حسن حرك رجلك. بلاش تبلّم كده.
وبداخل بهو القصر كانت تنظر إلى كل ما حولها بانبهار شديد. لا تصدق أن ما تراه حقيقياً. وهي التي لم يشغلها المال طوال سنوات عمرها. لكن مع هذا الثراء الفاحش اهتزت حصونها وشعرت بالفرق الشاسع مع هؤلاء القوم.
سعاد وهي تتبعها بعينيها:
- إيه رأيك؟ شوفتي الحاجات دي قبل كده يا سمرة؟
ابتسمت بسخرية:
- بصراحة إحنا أغنى عيلة عندينا. اللي هي عيلة رفعت والزفت "قاسم" بيتهم ما يجيش نص القصر ده.
وبيدها أومأت سعاد:
- لا والأهم بقى. إن ما حدش هنا يقدر يوصلك يا "سمرة". واديكِ شوفتي بنفسك تيران الحراسة اللي بره. الواحد فيهم يسد عين الشمس.
ردت عليها ببعض الارتياح الذي يشوبه الخوف:
- بس لو قبلوني بقى.
"استاذه سمرة!"
التفتت الاثنتين على مصدر الصوت. ووجدوا فتاة بيونيفورم عاملات المنازل. فردت عليها "سمرة":
- أيوه يا آنسة أنا سمرة.
أومأت لها الفتاة بيدها ناحية باب المكتب تقول:
- طب اتفضلي حضرتك البيه مستنيكي جوا.
سعاد بلهفة:
- ومقالكيش على اسم سعاد. عشان أنا اللي جايباها.
الفتاة بتهذيب:
- حضرتك خليها هي تتفضل الأول وتبقى تدخلي أنتِ وراها.
- يعني أنا هاخش لوحدي؟ أنا خايفة جوي يا سعاد.
رتبت على كتفها تؤازرها:
- ادخلي ولو معجبكيش الجو نمشي ولا يهمك.
أجمعت شجاعتها ونهضت لدخول المكتب.
وقف ينظر لصورة أبيه المعلقة على الحائط معطياً ظهره لباب المكتب وهو يتلذذ بمذاق القهوة. بعد أن تأكد من ظنه حينما رآها من خلف ستائر مكتبه وهي تدلف للقصر مع سعاد. سمع طرقاتها الخفيفة على باب المكتب فأمر بصوت قوي:
- ادخل.
دلفت بخطوات خفيفة لداخل الغرفة حتى وصلت للبساط المفروش أرضاً وتوقفت خطواتها لتقول بصوت بالكاد يخرج منها من فرط توترها:
- حضرتك أنا سمرة.
التف بجسده بالكامل ينظر إليها بابتسامة متسلية:
- ما أنا عارف إنك "سمرة". أنتِ بقى فكراني.
رواية سحر سمرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أمل نصر
رفرفت بأجفانها تنظر إليه بذهول وهي تستعيد ذكرى أمس حينما أقذفته بكلامها المجنون والمخزي دون حق ولا خطأ قام بفعله. فاطرقت بوجهها أرضًا تريد العودة من حيث أتت.
وهو ما زال ينظر إليها بتسلية ومرح حتى أجفل بتحرك قدمها البطئ للخلف، فأوقفها ضاحكًا.
- أنتِ بترجعي للخلف ليه؟ هو أنتِ عايزه تمشي؟
رفعت أنظارها إليه تومئ بيدها وتتحدث بلجلجة:
- أصل ا... أنا بصراحة... عايزة أمشي... قصدي نسيت حاجة وافتكرتها... عن إذنك...
- أوقفي مكانك يا سمرة وبلاش لعب عيال.
خرجت منه بحزم، فنظرت إليه مذهولة تومئ بسبابتها ناحية صدرها.
- أنا بعمل شغل عيال!
ابتسم إليها بمودة مخففًا لهجته.
- لا طبعًا، أنا بهزر معاكي... بس تعالي بقى اقعدي عشان نتكلم جد.
قالها وهو يجلس خلف مكتبه ويشير بيده لتجلس أمامه. ترددت قليلاً، ولكن تحت نظراته الملحة تقدمت تجلس.
- تحبي تشربي لمون؟ ثواني هكلم صوفيا.
- لا أرجوك أنا مش عايزة حاجة.
قالتها بسرعة ومقاطعة، فازداد اتساع ابتسامته يردف لها:
- طب اهدّي طيب كده وهاتي الورق اللي في إيدك ده أشوفه.
ناولته أوراقها بتردد. ألقى نظرة سريعة عليهم، فرفع رأسه يسألها بدهشة:
- أنتِ خريجة كلية تربية إنجلش؟ غريبة يعني! إزاي متعينتيش في أي مدرسة؟
أجابت بصوت خافت:
- ظروف.
ترك الورق وهو ينظر لها بتفحص:
- طب ممكن أعرف إيه هي الظروف دي؟
رفعت أنظارها إليه:
- ممكن تعفيني من الإجابة؟
أومأ برأسه بتفهم، ولكنه سأل بفضول:
- أنتِ مش قريبة سعاد صح؟
أجفلها بفراسته فردت:
- لا مش قريبتها، بس هي صحبتي ومعرفة جامدة.
- أنا برضوا حسيت كده.
قالها وهو ينظر إليها بتفحص وكأنه يحفظ تفاصيل وجهها، مستغلاً توترها الملحوظ وخجلها مما حدث أمس. أجفلها صمته، فرفعت أنظارها إليه متسائلة:
- هو في حاجة تانية حضرتك ولا أمشي؟
عادت يبتسم إليها بمرح:
- تمشي فين يا سمرة؟ طب وشغلك؟
- قصدي إني اتجبلت في الشغل.
- وأنتِ مين يقدر ما يقبلكيش؟
قالها بصوت خفيض، ولكنه تابع:
- قومي يلا معايا عشان تشوفي تيته "لبنى" دي هتحبك قوي.
خرج "رؤوف" من غرفة مكتبه وخلفه "سمرة" التي كانت تسيطر عليها الرهبة. نهضت سعاد احترامًا له، وهو ابتسم لها بحبور يشير إليها بيده قائلاً:
- عاملة إيه يا سعاد؟
ألقت نظرة لـ "سمرة" وهي تبادله الابتسامة:
- الحمد لله يا باشا تشكر على السؤال... هو أنتوا رايحين فين؟
أومأ برأسه:
- ثواني وراجعالك يا سعاد.
صعد الدرج وخلفه سمرة التي كانت تتوعد لسعاد بحركة يدها وبصوت مكتوم.
***
زفرت المرأة العجوز بضيق وسأم وهي واقفة على باب شقتها وترى هؤلاء الرجال وهم يطرقون على باب المنزل المقابل لها وأصواتهم لا تكف عن الكلام بصوت عالٍ.
- خبر إيه؟ بجالنا ساعة وإحنا بنخبط عالباب؟ هما طرشوا مش سامعين؟
التفت سليمان يسأل:
- أنت متأكد يا رفعت يا ولدي إن هو دا العنوان؟
- يبوي بجولكم جيت هنا جبل كده، يعني متأكد طبعًا.
صاح حسن بصوت عالٍ وهو يطرق بقوة:
- أمّال يعني ماتوا؟ دا لو ماتوا الخبط دا هايصحيهم...
- ياسيدي مافيش حد موجود افهم بقى!
التفت الثلاثة للمرأة العجوز. فتابعت بصوت غاضب:
- مش تقدروا إن في ناس ساكنة هنا وعايزة ترتاح؟
تقدم رفعت منها متأسفًا:
- أنا آسف إن أزعجناكي، بس إحنا كنا عايزين نعرف السكان اللي هنا راحوا فين؟
زفرت مرة أخرى تردف:
- مش موجود، اللي انتوا بتسألوا عليه مش موجود.
- هو مين يا ست اللي مش موجود؟
قالها "حسن" بعصبية للمرأة، فردت عليه حانقة:
- أستاذ "أبو العزم" ياسيدي، هو في حد غيره؟ الدنيا مقلوبة عليه من امبارح.
رفعت بدهشة:
- الدنيا مقلوبة عليه! ليه يعني؟
المرأة بنزق:
- يعني انتوا دلوقتي بتخبطوا وقلبتوا العمارة، وقبلها بنص ساعة كان فيه واحد قبليكم صعيدي برضوا ولسانه طويل، وامبارح كانت بنته...
قاطعها رفعت بسرعة ولهفة:
- أنتِ بتقولي مين؟ هي بنته كانت هنا امبارح؟
سليمان أيضًا:
- أنتِ متأكدة يا ست الحجة إنك شفتي بنته؟
- أيوه طبعًا، متأكدة... دي قالتلي بنفسها إن اسمها "سمرة".
شعر بتسارع دقات قلبه الخائن والملهوف عليها، فتساءل بتماسك:
- طيب وهي راحت فين بعد كده؟
المرأة وهي ترفع عينيها للسماء:
- ياااربي... أنا هاعرف عنوانها إزاي بس؟ دي أول أما قولتلها أبوكي محبوس على ذمة قضية رافعتها مراته، نزلت على طول ومستانتش حتى صاحبتها.
- صاحبتها!! هي تعرف حد هنا كمان بيساعدها؟
قالها حسن باستنكار، فرد عليه رفعت مضيقًا عينيه بتفكير:
- يعني كانت عاملة حسابها، طبعًا ماهي مش غبية!
- شكراً يا ست الحجة أزعجناكي وجلجنا راحتك.
المرأة وهي ترتد للخلف:
- لا ياسيدي ولا يهمك... المهم بس ملاقيش حد يطير النوم من عيني تاني.
وقبل أن تصفق الباب، أوقفها رفعت قائلاً:
- عن إذنك ياحجة ممكن تاخدى رقمي... عشان لو ظهرت تاني ولا خرج أبوها من السجن تبلغيني.
***
- إيه الحلاوة دي؟ دا بجد يا رؤوف؟
هذا ما قالته "لبنى" بابتسامة عريضة وهي تنظر لـ "سمرة" التي زينت وجهها حمرة الخجل.
فضحك رؤوف بصوت عالٍ يقول:
- والله يا تيته مابهزر، هي دي "سمرة" اللي هتبقى جليسة ليكي في الأيام اللي جايه، يلا بقى اتعرفوا على بعض... دا انتوا هتبقوا عشرة.
لبنى بحبور:
- تعالي ياقمر انتي هنا جمبي، خليني أشوفك كويس وأملي عيني من جمالك.
اقتربت تجلس بجوارها على الفراش بخجل. فأمسكت بيدها لتقربها أكثر إليها:
- الله أكبر عليكي يا سمرة انتي حلوة أوي وشيك كده... هو انتي تعليمك أجنبي يابنتي؟
ابتسمت لها بخفة:
- الله يحفظك ياهانم، انتي اللي عينك حلوة.
- حلوة إيه يابنتي؟ هو انتي في بعد حلاوتك؟
ردد رؤوف بصوت خفيض:
- عندك حق والله يا تيته.
لبنى وهي تنظر إليها بانبهار:
- اسمك كمان حلو أوي ومختلف. مين اللي اختارلك الاسم الجميل ده؟
تنهدت بألم قبل أن تجيب:
- والدي ياهانم، هو اللي اختارلي اسمي.
أردف رؤوف خلفها:
- والدك دا شكله بيفهم أوي.
أومأت برأسها تجيب بصوت خفيض:
- دا حقيقي فعلاً.
ربتت "لبنى" على ظهرها بخفة:
- أنا ليه حساكي مخضوضة ولا مكسوفة مننا يا "سمرة"؟ انتي شوفتي حاجة قلقاكي؟
أجابتها بصدق:
- لا طبعًا، انتوا ناس محترمين وأنا قلبي استراح ليكم كمان... بس بصراحة دي أول مرة يعني اشتغل ا...
قاطعتها لبنى تردف بحنان:
- أول مرة تشتغلي في بيوت ناس غريبة صح؟ واضح يا سمرة من غير كلام.
أومأت سمرة برأسها توافقها الرأي، ثم رفعت أنظارها لهذا الواقف. فرأته ينظر إليها بشرود أخجلها ولفت نظر "لبنى" التي صاحت فيه:
- رؤوف انت واقف ليه عندك؟ روح ارجع شوف شغلك خلاص وسيبني مع سمرة نتفاهم.
أجفل هو منتبهًا فاجلى حلقه يردف:
- لا ما أنا هاخد سمرة تشوف أوضتها الأول وأعرفها النظام هنا في البيت، يلا يا سمرة قومي معايا.
نهضت سمرة خلفه كما أمرها، فتمتمت "لبنى" مندهشة:
- وتاخذها انت ليه على أوضتها وتعرفها النظام؟ هو مافيش حد من الشغالين هنا في البيت؟
***
دخل الحارة الضيقة بعد أن أوقف سيارته في مكان قريب. ينظر للمباني القديمة التي أمامه بتشتت وهو لا يدري في أي مبنى تسكن هذه المرأة، فهو أخذ العنوان ولكنه لا يفقه شيئًا عن هذه المنطقة الشعبية وهذه أول مرة يدخلها. نظر خلفه لصديقه وجده واضعًا يديه بجيوب البنطال وهو يسير بخيلاء وهو يصدر صوت صفير بفمه ويغازل فتيات الحارة التي يراها أمامه.
- بتعمل إيه يازفت أنت؟
صرخ محسن بوجع من أثر هذه الضربة التي تلقاها من "قاسم" بقبضة يده.
- خبر إيه يا قاسم؟ بتضربني ليه؟
نظر إليه بأعين نارية يقول:
- عشان ما عندكش دم، عمال بتعاكس في البنته وسايبني أنا محتاس في عنوان الست الزفت دي اللي اسمها سعاد.
محسن وهو يدلك بيده على ذراعه المتألم:
- وهو أنا يعني هاعرف منين طيب؟ دا أنا أول مرة حتى أخشها المخروبة دي.
وضع يده على خصره يردف بحيرة:
- طب وبعدين هانتصرف إزاي دلوك؟
- أنا أقولك هانعمل إيه.
قالها محسن وذهب إلى مجموعة من الرجال جالسين على طاولة صغيرة يدخنون الأرجيلة وأمامهم على الطاولة كاسات الشاي.
ألقى إليهم التحية:
- مساء الخير يا رجالة.
رددوا إليه التحية:
- مساء النور يا بلدينا، اؤمر.
قال الأخيره أحدهم فسأله "محسن":
- لو سمحت ما تعرفش فين بيت اللي اسمها سعاد مهران؟
أتى عامل القهوة من الخلف يسأله:
- نعم يا أستاذ، مالك أنت بالست سعاد؟
رد عليه قاسم:
- خير يا أستاذ إحنا مش عايزينها في حاجة شر، هي فين بيتها بالظبط؟
صمت الشاب وهو ينظر إليه بتفحص رافعًا إحدى حاجبيه ثم هتف بصوت عالٍ:
- عم ممدوح...
نهض الرجل عن إحدى الطاولات القريبة وتقدم منهم ليتساءل:
- من هما دول اللي عايزينى يااض يااسوكة؟
أومأ برأسه ناحيتهم.
- الجماعة دول بيسألوا عن عنوان الست سعاد جماعتك.
وضع يديه على خصره ليسألهم:
- نعم حضراتكم.. عايزين عنوان المدام في إيه؟
***
وقفت تودع صديقتها بحديقة القصر وهي تقبلها في وجنتيها:
- أشوف وشك بخير يا "سمرة".. أنا كده اطمنت عليكي..
ابتسمت إليها ببعض الارتياح:
- الحمد لله أنا كمان بعد ما شفت معاملتهم.. والنظام هنا جلبى اطمن شوية.
صاحت سعاد بحماس:
- شوية دي إيه؟ لا يا حبيبتي حطي في بطنك بطيخة صيفي.. اديكي شوفتي بنفسك معاملة رؤوف بيه دا غير اللي حاكتهولي عن الست "لبنى" ربنا يشفيها.
أشرق وجهها بابتسامة جميلة:
- بصراحة أنا أول أما شوفته وافتكرت موقف امبارح.. كنت عايزة أمشي على طول وبعديها أمسك في رجبتك واخنجك عشان مجولتيش عن اسمه من الأول.
ضحكت سعاد بصوت مرح:
- ما أنا لو قولتك على اسمه ماكنتيش هاتوفقي.. حكم أنا فهمتك أوي في المدة القصيرة دي.. بس بصراحة أنا أول مرة أشوفه بيضحك ومبسوط كده.. دا حط في إيدي شوية ورق من أبو ميات نفخوا البوك.. وقال يقولي إيه.. دول عشان الولاد يا سعاد.. شوفتي ياختي رجالة عندها ذوق كده.
ابتسمت لها سمرة بصمت.. فتابعت سعاد:
- الا قوليلى انتي هاترجعي امتى النهارده؟
كتفت ذراعيها تجيب:
- مش عارفة يا سعاد.. لما يرجع الأستاذ رؤوف هاروح وأجي أبات عندك والصبح آخد هدومي معايا قبل ما أطلع.
***
ضرب حسن بقبضته على مقدمة السيارة بقوة:
- وبعدين بجى فيها بت ال... دي.. يعني لما جولنا خلاص هنلاقيها تختفي تاني ولا يبان لها أثر.
سليمان الذي أتى خلفه:
- ماهو لو أبوها كان مرزوع في بيته ومدخلش السجن.. كنا لقيناها يا حسن.. الله يخرب بيتك يا أبو العزم.. طول عمرك ما يجي منك فايدة.
جز باسنانه حسن يردف بغيظ وهو مكور قبضته:
- آه يا ناري.. لو لمحتها دلوك جدامي إن ما كنت طلعت روحها بإيدي دي ما بجاش أنا.
أجفل سليمان لـ "رفعت" الواقف بجمود بجوار السيارة:
- أنت ساكت ليه يا رفعت يا ولدي؟
نظر إليه بطرف عينيه يرد:
- وعايزني أقول إيه؟
حسن وهو يخاطب أخيه:
- عنده حق والله.. هايجيله منين نفس للكلام بعد العملة السودة اللي عملتها بت اختك دي عديمة الرباية.
- لا في كلام يا حسن.
أجفل الاثنان لجملته ينظرون إليه بصمت فتابع هو:
- السؤال اللي هايطير برج من عجلى.. هي هربت ليه؟
إيه السبب اللي يخليها توافق عليا وبعدها تهرب في نفس الأسبوع اللي هايتعمل فيه الفرح.. ليه؟
سحب شهيق وأخرجه مرة ثانية وهو ينظر للفراغ بغضب وسليمان وأخيه ينظرون إليه بخجل.. ثم ما لبث أن أمسك بمقبض باب السيارة يفتحه قائلاً:
- أنا راجع البلد أشوف حالي ومالي وعيلتي اللي سايبهم لوحديهم.. هاترجعوا معايا ولا تقعدوا تستنوا هنا.
سليمان: على طول كده.. مش لما نعرف مكانها الأول.
التفت إليه باستنكار:
- وهاتعرف إزاي بجى؟ بعد ما اختفت في البلد الكبيرة دي.. طب في الأول عرفنا عنوان أبوها أما صاحبتها اللي طلعت في البخت دي هاتعرف عنوانها إزاي؟
تبادل الشقيقان النظر لبعضهم في حيرة فاجفلهم بندائه بعد أن صعد السيارة:
- ها راجعين معايا ولا هاتجعدوا؟
***
عادت سعاد وهي تحمل بيدها عدة أكياس من الخضروات والفاكهة غالية الثمن التي جمعتهم من السوق بعدما تيسرت معها بهذه النقود التي أعطاها لها السيد رؤوف ببشاشة وحبور.. فقررت إدخال السرور بقلب أولادها بهذه الفاكهة غالية الثمن.. كانت تدندن لإحدى المطربات حينما سمعت طليقها يهتف خلفها:
- استني عندك يا أم العيال.. عايزك في كلمة!
التفت تنظر إليه بسأم:
- عايز إيه يا ممدوح؟ أنت مش ناوي تبطل عمايلك دي بقى؟
وضع يده على صدره يتصنع الحزن.
- الله يسامحك يا سوسو دايماً ظالماني.. على العموم مش أنا اللي عايزك.. دا الأستاذ اللي ورايا دا هو اللي عايزك.
- أستاذ مين؟
قالتها سعاد وهي تنظر خلفه فتقدم إليها قاسم يقول:
- أنا اللي عايزك!
رواية سحر سمرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم أمل نصر
نظرت إليه بتفحص وهو جالس أمامها على كنبة الصالون القديم في بهو منزلها الصغير مطرقًا رأسه أرضًا.
يدعي كذبًا حسن الخلق والاحترام، وبجواره يجلس صديقه "محسن" صامتًا وهو لا يستوعب ما يفعله "قاسم" وما الذي يدور بعقله. وفي الجانب الآخر يجلس طليقها "ممدوح" وهو يداعب ابنته الصغيرة.
خرجت منها تنهيدة قوية قبل أن تسأله بريبة:
- وبعدين بقى يا أستاذ؟ قولتلي عايزك في حاجة ضروري يا ست سعاد وأنا وافقت ودخلتك بيتي ودخلت طليقي كمان عشان أسمع منك وأعرف أنت عايز إيه! وأنت بقالك ساعة بتلف وتدور في كلام أنا مش فاهمة حاجة منه.
رد طليقها مخاطبًا لها:
- جرا إيه يا سعاد؟ ماتفهمي بقى بيقولك إنهم جاين مخصوص يصالحوا البنت اللي قاعدة عندك على خطيبها.
- طب وأنا مالي؟
قالتها سعاد غير عابئة، فرفع أنظاره إليها بنظرة نارية ولكنه استطاع كبح غضبه بسرعة مردفًا إليها بكيسة وهدوء:
- يا ست سعاد، بدل ما تصدينا كده على طول اندهليها تطلع وتجاملني.. بدل ما إحنا بنهرى في الكلام مع بعضينا كده على الفاضي.
رغم حديثه اللبق إلا أنها لم تغفل عن نظرته لترد:
- شوف يا أستاذ.. هي فعلاً سمرة كانت بايته عندي بقالها ليلتين، بس اللي حصل بقى إنها مشيت النهاردة من عندي وأنا معرفتش راحت فين.
قاطعها طليقها ممدوح بغباء:
- معرفتيش إزاي يا سعاد؟ دي خارجة معاكي.
نظرت إليه حانقة قبل أن تلتفت لقاسم وتقول:
- أيوه خرجت معايا! بس أنا بقى روحت على شغلي وهي راحت تدور على شغل، ومن شوية بس اتصلت بيا وقالتلي إنها مش راجعة تاني عندي.
ضيق عينيه وهو ينظر إليها بغضب جحيمي:
- بلاش كدب يا ست سعاد عشان تداريها عنينا.. دي بت عمي وأنا مش هأذيها، وأنا بقولك أمها تعبانة وجلبها محروق على بتها وأنت أم.. وربنا ما يوريكيش حرجة جلب الأم على ضناها.
قالها بإشارة لابنتها الجالسة على قدم أبيها، فنهضت عن مقعدها بغضب بعد أن وصلها تلميحه صارخة بوجهه:
- بقولك إيه يا جدع أنت.. أوعى تفتكر إني هخاف من تهديدك، قسماً بالله لو قربت من عيل من عيالي لأكون شاقة بطنك نصين، مش كل الطير اللي بتاكل لحمه ياعنيه.
أجفل قاسم وصديقه محسن من قوتها ليجد زوجها من الناحية الأخرى قد نهض من مقعده مخرجًا من جيب بنطاله مطواة صغيرة ورافعها أمامهم قائلًا:
- هو في إيه يا سعاد؟ لو العيال دي وراها عوق قوليلى وأنا أنحرهم دلوقتي حالا.
نهض محسن عن مقعده مزعورًا من هيئة الرجل ونهض "قاسم" خلفه مردفًا:
- جرا إيه يا عم ممدوح؟ أنت شفت إيه منا عشان ترفع المطواة كده علينا؟
نقل ممدوح عيناه إلى زوجته متسائلًا، فصاحت هي شاهقة:
- أنت هاتعملهم عليا يا جدع أنت؟ بعد ما هددتني بعيالي ولا أنت فاكرني غبية مش فاهماك؟ لا يا حبيبي أنا "سمرة" حكتلي عنك كويس قوي، يعني مافيش داعي للتمثيل عليا ها.
نظر إليها بحدة قائلًا:
- طب مدام كل حاجة بقت عال مكشوف أنا عايز أعرف دلوقتي هي فين؟
قابلت نظراته بتحدي تردف بقوة:
- وأنا قولتلك إنها مشيت من عندي ومعرفش سكتها فين، واتفضل بقى وريني عرض أكتافك أنت والعبيط اللي جنبك ده، اتفضل.
قالتها وهي تشير بيدها ناحية الباب لترى الجحيم بداخل عينيه، فأكمل ممدوح هو الآخر:
- ماتيللا بقى يا بهوات ولا تحبوا أعمل معاكم الدنيئة وأعرفهم كويس مين هو المعلم "ممدوح" في المنطقة ومين هي مراة المعلم ممدوح!
***
- أوفه حبيبي أنت جيت يا غالي؟
قالها "تيسير" بسعادة وهو يدلف لمكتب رؤوف، والذي رفع أنظاره عن مراجعة بعض العقود بابتسامة مرحة:
- إيه وحشتك؟
وضع كف يده على قلبه يتنهد:
- أوي أوي يا روحي.. أنت متعرفش أنا من غيرك بيبقى حالي إزاي؟
ضحك رؤوف بصوت عالٍ حتى أدمعت عيناه، ليردف بعد انتهائه:
- للدرجادي الشغل كان تقيل عليك ياتيسير؟
جلس أمامه ملوحًا بيده في الهواء:
- أوي أوي يا رؤوف يا خويا.. اجتماعات للمجموعة وأشى عقود عايزة تتمضي وكله كوم والوفد الدنماركي كوم تاني.. دول طلعوا عيني يابني.
أردف رؤوف ضاحكًا مرة أخرى:
- وأنت ياحبيبي طبعًا مش متعود.
هز برأسه موافقًا:
- قولي صح، هي البنت اللي جابتها سعاد.. عجبتك!
اختفت ابتسامته ليردف بريبة:
- وأنت تعرفها منين؟
أجاب الآخر مندهشًا من تبدل حاله:
- وهعرفها منين يابني؟ دي سعاد لما كلمت صافي عنها أنا كنت في المحل معاها! المهم اطمنت إنها أحسن من البنت اللي فاتت.
أومأ برأسه موافقًا:
- الحمد لله.
***
- أنتِ بتقولي إيه؟ ودا عرف طريقك إزاي؟
قالتها سمرة بجزع وهي تحدث سعاد في الهاتف.
ردت عليها الأخرى:
- يا سمرة اهدى كده وما تخافيش.
- مخافش إزاي يعني يا سعاد؟ هو إزاي حد فيكم؟ والنبى قولي وما تخبيش عليا.
- يابنتي والنبى إحنا كويسين.. هو ماقدرش يقرب لي عشان المخفي طليقي وقف معايا وخلّاه يمشي من البيت وقفاة يقمر عيش هو والواد صاحبه.
- يانهار أسود يانهار أسود.
- يابنتي أنتِ هاتسوديها ليه بس؟
- عشان خايفة عليكم!
- ياحبيبتي ما تخافيش وسيبيها على الله.. المهم أنا كنت متصلة بيكي عشان متجيش النهاردة، وإن كان على هدومك فا أنا هاجيبهالك بنفسي. ماشي يا سمرة.
- ماشي يا سعاد.
أغلقت الهاتف وهي تمسح بيدها هذه الدموع التي أغرقت وجنتيها وهي واقفة بحديقة المنزل، فالتفتت لتعود لداخل المنزل وتطمئن على السيدة "لبنى" ولكنها تفاجأت بالسيد رؤوف أمامها وهو ممسك بحقيبته بعد أن عاد من عمله.
- أنتِ كنتي بتعيطي ياسمرة؟
هزت برأسها نفيًا:
- لا طبعًا، وأنا هابكي ليه يعني؟ دي بس عيني اطرفت يعني بسيطة.
ظل واقفًا ينظر إليها بصمت، فتحركت هي تتخطاه ولكنه أجفلها حينما أمسك برسغها يوقفها:
- استنى عندك.
نظرت إليه ثم إلى يده المطبقة على رسغها بدهشة.
- في حاجة!!
لتفاجأ به وهو يخرج من جيب حلته منديلًا ورقيًا ويمسح بها على وجنتها ويردف بحنان:
- طب مش تمسحي دموعك كويس.. قبل ما تطلعي لتيته وتخضيها، دي ذكية وهتفهمها وهى طايرة.
رواية سحر سمرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم أمل نصر
برقت عيناها بدهشة غريبة حينما رآه يمسح بالمنديل على وجنتيها هذه الدموع التي غفلت عنها.
وهو يردف بصوت أجش وحنون:
- أنا مش هسألك انتي بتعيطي ليه، بس لازم تعرفي كويس يا "سمرة" إنك لو لجأتِ لي في حل أي مشكلة تخصك أنا مش هخذلك.
أومأت برأسها بموافقة بارتباك، وازدادت عيناها اتساعًا بدهشة مما يحدث معها وما يفعله هذا الغريب. ليضع بقلبها الأمان الذي افتقدته منذ فترة طويلة، فنظرته وحدها ترسل إليها آلاف الرسائل المطمئنة.
- هو في إيه؟
التفتت "سمرة" لمصدر الصوت الذي سمعته خلفها، فوجدتها امرأة ثلاثينية بكامل أناقتها وجمالها الخلاب الذي يسلب العقول، وهي تنظر لها بعينين ناريتين. ولكنها نقلت أنظارها بعد ذلك لرؤوف الذي خاطبها برزانة قائلاً:
- أهلًا يا صافي، واقفة ليه عندك؟
- مين دي؟ وإيه اللي كان بيحصل من ثواني ده؟
قالتها بازدراء وهي تتقدم بخطواتها وتلوح بسبابتها على "سمرة"، فأثارت حنق الأخيرة وصدمتها. لتتفاجأ برد "رؤوف" الحاسم:
- خلي بالك من كلامك يا "صافي"، وبلاش تلميحات، انتي مش قد عواقبها.
بهت وجهها وجف حلقها من حديثه الجاف إليها. فخرج صوتها بتلعثم:
- أنا... مابلمحش بحاجة وحشة، أنا بس بسألك مين دي؟ عشان دي أول مرة أشوفها!
نظر إلى "سمرة" مخاطبًا:
- روحي انتي يا سمرة دلوقتي واطمني على تيته.
تحركت سمرة بعد أن تبادلت مع "صافي" نظرة الازدراء، غير عابئة بشخصها، مما أثار سخط "صافيناز" التي هاتفت رؤوف بعصبية وهي تنظر في أثرها:
- مين دي يا رؤوف؟
- دي "سمرة" الجليسة الجديدة لتيته "لبنى"، انتي نسيتِ ولا إيه؟ أنا بشكرك أوي يا صافي على هديتك الغالية.
قالها بهدوء وابتسامة متسعة، فشعرت هي وكأن دلواً من الماء البارد سقط على رأسها، وهي تنظر إليه صامتة ولا تقوى على التفوه بكلمة.
***
وبعدين بجى يا قاسم، إحنا هانفضل معسكرين هنا لحد إمتى؟ أنا تعبت يا بوي.
قالها "محسن" بسأم وهو جالس بسيارة قاسم المركونة بزاوية ضيقة خارج الحارة التي تقطنها "سعاد".
فنظَر إليه قاسم بازدراء:
- وانت تعبان في إيه يا روح...؟ ما انت واكل شارب نايم مكانك، عايز إيه تاني؟
- استغفر الله العظيم، ولزومه إيه الغلط ده بس يا قاسم؟
قالها محسن وهو يحاول السيطرة على غضبه. فتابع قاسم بأسلوبه:
- ومين اللي جاب الغلط مش انت؟ عايزني أمشي من غير ما أعرف مطراحها فين؟
ضرب بكفه يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، يردف بتهكم:
- وتفتكرها هتيجي هنا تاني بعد ما عرفت إنك سألت عليها وعرفت مكانها؟
هدر قاسم بعصبية:
- أمال هاتبيت فين يعني؟ وهي ليها مكان تاني في البلد دي غير هنا؟
وبنظرة ذات مغزى أومأ محسن قائلاً:
- حد عارف.
جذبه قاسم من ياقة قميصه، هادراً بوحشية:
- لم نفسك يا "محسن" بدل ما أخلص عليك حالا.
بلع محسن ريقه بخوف ليردف بتلجلج:
- أنا مش قصدي حاجة يا صاحبي، أنا بس مستغرب، إنها ما جتش لحد دلوقتي والساعة داخلة على ١١ بالليل.
ترك قميصه وهو يدفعه بقوة قبل أن يفتح باب السيارة ويخرج منها.
فهتف عليه محسن قائلاً:
- انت طالع ورايح فين دلوقتي؟
أجابه بصوت صارم:
- خلي بالك من الطريق واللي رايح واللي جاي، أنا هاتمشى شوية أسأل وأطجس.
- تسأل وتطجس على إيه بس؟ أنت مابتتهدش واصل.
قالها بصوت خفيض وهو ينظر لأثره بامتعاض.
*** جالسة على المقعد الوثير، واضعة قدم فوق الأخرى، تنظر لـ "سمرة" الجالسة أمامها بجوار الفراش الراقدة عليه السيدة "لبنى" وهي تناولها الدواء. فتفحصها من رأسها لاخمص قدمها.
أجلفتها لبنى وهي تسألها:
- وانتي أخبارك إيه بقى يا "صافي"؟
انتبهت للمرأة لتجاوب:
- ها... أنا الحمد لله يا تيته، المهم انتي صحتك عاملة إيه؟ البنت دي شايفة شغلها كويس ولا زي اللي قبلها.
قالتها بتحقير أثار الحنق بقلب سمرة وهمت لترد عليها بما يليق بها، ولكنها تفاجأت بيد "لبنى" وهي تربت على كفها بحنان وابتسامة رائعة تقول:
- دي "سمرة" دي هديتك الغالية على قلبي يا صافي، البنت يوم واحد قضته معايا واكنها بقت بالنسبالي عشرة سنين.
صكت على أسنانها بغيظ تسألها مرة أخرى:
- يعني كويسة ولا لأ يا تيته؟ عشان لو غير كده... يبقى بكرة إن شاء الله أجيبلك غيرها وأحسن منها كمان.
لقد بالغت في تحقيرها ولابد من الرد، ولكن للمرة الثانية توقفها المرأة وهي تقول:
- ماتقوليش كده يا صافي يا بنتي، هو أنا بشكر فيها كده من غير سبب!
ألجمتها المرأة بردها، فنهضت لتتجنب الجدال مع هذه الحيزبون:
- طب عن إذنك أنا يا هانم، ولو عاوزتي أي حاجة... ابعتيلي فوراً وأجيلك.
لبنى بتساؤل:
- طيب يا بنتي، انتي مش قولتي رؤوف وصل، أمال هو فين؟ أنا مش شايفاه.
أجابت مرغمة:
- الأستاذ "رؤوف" قالي إنه ها يغير هدومه وياخد شاور وهاجيلك على طول، عن إذنك بقى يا هانم.
أومأت لها المرأة برأسها مبتسمة بحبور. فتحركت لتخرج، وقبل أن تصل للباب وجدتها تنادي عليها بتحقير:
- استني ياااااا...
التفتت ترد عليها باقتضاب:
- نعم.
هزت بأرجلها تقول:
- اعمليلي فنجان قهوة وهاتلي كوباية مية.
- هاندهلك صوفيا تعملك قهوة وتجيبلك كوباية مية.
قالتها سمرة وهي تنظر إليها بتحدي وخرجت على الفور.
فستأذنت لـ "لبنى" بأدب:
- استأذنك ثواني يا تيته وراجعة تاني.
قالت وخرجت على الفور دون أن تنتظر جواب، فنظرة المرأة لأثرها باندهاش.
***
بعد أن خرجت سمرة حانقة، تفاجأت بيد قوية ناعمة تجذبها من ذراعها بوحشية وهي تنبش أظافرها بذراعها:
- انتي فاكرة نفسك مين يا بنتي انتي؟ بقولك اعملي قهوة تقوللي هاقول لصوفيا، وانتي لازمتك إيه بقى؟
- أنا مش خدامة عندك عشان أعملك اللي انتي عايزاه، وسيبى إيدي بقى.
قالتها سمرة بقوة وهي تحاول أفلات يدها من هذه المرأة المجنونة الطابقة على ذراعها بقوة. ولكن الأخرى زادت بتشبثها أكثر وهي تردف بعصبية:
- انتي بتتحديني يا بنتي انتي؟ شايفة نفسك على إيه ها قوللي؟
- شيلى إيدك عني يا ست انتي بجولك.
قالتها سمرة بألم وهي تحاول انتزاع ذراعها المتألم من مخالب الأخرى. لتتفاجأ بهذا الصوت الرجولي الغريب:
- في إيه يا صافي؟ مالك بتتخانقي ليه؟
دفعت سمرة وهو تنزع يدها عن ذراعها:
- الزفتة دي اللي اشتغلت هنا بفضلي أنا، بتتنك عليا دلوقتي.
دلكت سمرة ذراعها المتألم وهي تحجز في مقلتيها هذه الدموع الساخنة من الإهانة، لتتفاجأ بهذا المدعو "تيسير" ينظر لها بجرأة قائلاً:
- زفتة مين؟ هي مين القمر دي؟
لكزته "صافيناز" بقبضتها على كتفه بقوة:
- قمر مين انت كمان؟ دي الزفتة اللي قالت عليها سعاد.
بعد أن سمعها مجبراً، التفتت مرة أخرى لسمرة بنظراته الوقحة التي أصابتها بالرجفة منه، فارتدت للخلف وهو يردف:
- معلش يا "صافي"، سامحيها هي متقصدش أكيد.
همت صافي لتصب عليه جام غضبها، ولكنها تفاجأت برؤوف الذي خرج من غرفته مجفلاً:
- هو في إيه؟
تراجعت هي بتخاذل، وانتصب "تيسير" في وقفته باحترام وهو يجلي حلقه.
- ما فيش حاجة يا رؤوف، دي حاجة بسيطة مش مستاهلة يعني.
هتفت صافيناز بصراخ:
- لأ في يا رؤوف، البنت دي بتقل أدبها عليا ومش محترماني.
اقترب إليهم بخطوات متمهلة، فوجد "سمرة" تخاطبه بعينين دامعتين:
- لو سمحت يا رؤوف بيه، أنا وظيفتي هنا الهانم الكبيرة وبس، ماليش أنا دعوة بقهوة الهانم دي ولا أي حد تاني هنا في البيت، ولو مش عاجبكم كده أمشي وأسيب البيت حالا.
نظر إلى صافي نظرة نارية، ثم توجه لـ "سمرة" مخاطباً:
- طبعاً معاكي حق في كلامك، وإحنا مش عايزين منك أكتر من كده، على العموم روحي دلوقتي على أوضتك والموضوع ده مش ها يتكرر تاني.
همت لتهتف عليه صافيناز حانقة، ولكنه أوقفها بنظرته القوية. فتحركت سمرة من أمامهم ذاهبة لغرفتها أمام صدمة "صافيناز" التي أصابها الخرس ولم تجرؤ على الاعتراض.
***
وبداخل غرفتها، ارتمت على الفراش تبكي بقهر عزيز قوم ذل، وذلك لما أصابها من امتهان لكرامتها من هذه المدعوة "صافيناز". على الرغم من إنصاف السيد رؤوف لها، إلا أن ذلك لم يشفي جرح كرامتها، وهي التي عاشت طوال سنوات عمرها عزيزة النفس مرفوعة الرأس.
رفعت رأسها تردف لمن يطرق على باب غرفتها:
- أيوه مين؟
أجابت الفتاة بصوت ناعم ورقيق:
- أنا صوفيا.
مسحت بالمنديل على وجنتيها تنشف دموعها، ثم نهضت لتفتح الباب.
- اتفضلي يا صوفيا، عايزة حاجة؟
ابتسمت الفتاة بنعومة تردف:
- مش أنا اللي عايزة حبيبتي، دا السيد رؤوف هو اللي بعتني أشوفك لو عايزة حاجة أعملهالك، وقالي أحضرلك عشا كمان.
رددت خلفها بذهول:
- تحضريلي عشا!!!
ثم تابعت:
- أنا مش عايزة أكل أو أي حاجة يا "صوفيا"، بس طالبة منك خدمة، لو عندك حاجة في هدومك تناسبني، عشان أنام بيها على ما توصل شنطة هدومي الصبح!
***
وفي الجنوب، دلف رفعت لداخل منزله فلم يجد والدته ولا شقيقته في بهو المنزل كالعادة، فظن أنهم نائمون، ولكن سماع هذه الأصوات الصادرة من غرفة شقيقته جعلته يتقدم ناحيتها ليرى ما يحدث.
فتفاجأ بهذه الفتاه الجالسه على طرف الفراش النائمه عليه شقيقته، ومن الناحية الأخرى جالسه والدتها (نفيسه) وهي تتحدث وتضحك معهم بطرافة، ونصف شعرها ظاهر من حجابها العائد للخلف. فتنحنح مرتديًا للخلف:
- ياساتر...
التفت الثلاثة مجفلين، فعدلت شيماء من وضع حجابها. وهتفت والدته بحبور:
- أنت جيت يارفعت ياولدي، حمد الله على سلامتك. تعالى ياحبيبي، مافيش حد غريب. دي شيماء بت عمك حسن، جات تشوف اختك.
تساءل بخجل وهو معطي لهم ظهره:
- ليه مالها مروة ياما؟
أجابت شقيقته:
- أنا زينة ياخوي والحمد لله. دول شوية تعب وراحوا لحالهم.
تساءل مرة أخرى على نفس وضعه:
- متأكده يامروة إنك زينة ولا أخُدك بعربيتي دلوك؟ أوديكِ لأحسن دكتور.
ردت هذه المرة شيماء بجرأة:
- مافيش داعي توديها لدكتور. أنا جيت لها الضغط لقيتها واطي، يعني حتة جبنة مالحة وهاتلاقيها جامدة زي الحصان.
- صح الكلام دا يامروة؟
ابتسمت شقيقته تردف:
- عندها حق ياخوي. دا أنا ماكنتش قادرة أصلب طولي، لكن لما عملت زي ماجالت فوقت، اديني وبتكلم عادي معاكم.
ردد بصوت خفيض:
- طب الحمد لله.
فأردفت نفيسه بابتسامة عريضة:
- اسم الله عليكي يابتي، واعية وبتفهميها وهي طايرة.
أومات شيماء مبتسمة:
- تسلميلي ياخالتي. طب عن إذنكم بجى، أدوبك أمشي.
قالتها وتحركت على الفور لتخرج، وتتخطى رفعت الواقف بجوار الباب خجلاً. فهتفت عليها مروة ووالدته:
- يابتي استني.
- استني ياشيماء.
ولكنها لم تسمع لهم، فخرج خلفها يهتف بصرامة:
- استني يابت الناس أوصلك. ماينفعش تمشي كده في الليالي لوحدك.
كانت قد خرجت لبهو المنزل، فاللتفت تنظر إليه بجرأة أجفلته، فجعلته يطرق برأسه أرضاً.
- مافيش داعي ياأستاذ رفعت. البيت جريب من هنا، وكل اللي في الشارع ناسنا.
رد عليها وهو مطرق برأسه:
- برضو مهما كان، واجب عليا إني أوصلك.
ابتسمت بسعادة مستغلة خجله في النظر إليها، فأردفت:
- ممكن أطلب منك طلب ياأستاذ رفعت؟
أومأ برأسه موافقاً:
- اطلبي يابت عمي، اللي إنتِ عايزاه.
- ممكن ماتشيلش من سمرة ولا تاخد في نفسك منها.
رفع أنظاره إليها مصدوماً، فتابعت وهي تنظر إليه بنفس جرأتها:
- ماتستغربش اللي بقولوا. أنا عارفة بت عمي زين جوي، وعارفة إن مافيش حاجة تخليها تعمل كده غير الشديد الجوي. دور زين عالسبب اللي خلاها تعمل كده، وانت قلبك يستريح.
قالتها وتحركت لتخرج على الفور، فتركته ينظر لأثرها مصدوماً.
***
وعودة للقاهرة.
فقد كانت "صافيناز" تزفر بضيق وهي تدخن بشراهة بداخل سيارة "تيسير" الذي كان يقود سيارته ولا يكف عن الضحك.
- اوف بقى يازفت إنت. ماتبطل ضحك ولم نفسك.
تابع يردف ضاحكاً:
- أعمل إيه بس ياصافي؟ ما إنتِ منظرك كان يضحك أوي، بعد ما رؤوف اداكي على دماغك.
صاحت فيه بعصبية:
- لم نفسك ياتيسير، بدل ما أقلب عليك. إنت عارفني!
أوقف ضحكه مستسلماً:
- خلاص يا عم هابطل ضحك. حكم أنا مش قد قلبتك.
عادت تنفث دخان سيجارتها مردفة بغيظ:
- اللي مجنني إنها بتتكلم معايا بتناكة وكأنها صاحبة مكان. تكون مين دي؟ عشان تكلمني أنا بالأسلوب ده!
قالت الأخيرة بصرخة، فنظر إليه تيسير غامزاً وهو يضغط بأسنانها على شفته:
- بس البت جامدة أوي ياصافي. صاروووووخ. عنده حق رؤوف صراحة. دا أنا لو منه ماخرجش من البيت وافضل لازق لها.
صاحت عليه ساخطة:
- بس بس يازفت إنت. إنت إيه ياأخي ماعندكش دم؟
- أنا آسف ياصافي.
قالها بأسف حقيقي حينما شعر بحرقتها، فتابع بجدية:
- بس بصراحة إنتِ غلطتي لما بعتي البنت دي. متزعليش مني، بس البنت ملفته للنظر أوي وكمان طبيعي من غير مكياج ولا أي حاجة صناعي، وجمالها مميز ومختلف.
- كفاية.
قالتها وهي تضرب بيدها على تابلوه السيارة، فاومأ هو بكفه على فمه كإشارة عن توقفه عن الكلام.
فالتفت هي للأمام وهي تردف لنفسها:
- كله منك يا سعاد الزفت!
***
عاد إلى المنزل بعد أن قضى سهرته في الخارج، وذلك لشعوره بالوحدة بعد ذهاب تيسير و"صافي" ونوم جدته بفضل تناولها للعلاج، وقبلها نوم سمرة واختفائها عن أنظاره. هم لتبديل ملابسه، فخلع الجاكيت أولاً، ثم جلس ليخلع حذائه، فاجفل لهذا الصوت الغريب الذي وضع مصدره بداخل غرفة جدته مخصوص حينما تحتاج تضغط على هذا الزر الصغير حتى لا تتعب في النداء عليه. فخرج إليها مسرعاً ظناً منه أنها أصابتها موجة جديدة من مرضها.
فتح باب الغرفة بتسرع، فوجدها رفعت رأسها عن كوب الماء الممسكة به سمرة.
فأردفت مجفلة:
- في حاجة يارؤوف؟
تنفس براحة مردفاً:
- الحمد لله. أنا خوفت لتكوني تعبتي.
جاوبته بابتسامة ودودة:
- أنا بس عطشت ياحبيبي، لكن سمرة الله يبارك لها لحقتني بسرعة بالميه.
نقل أنظاره إلى سمرة، فتفاجأ بهذا الجمال المبهر وهي مرتدية هذه البيجامة نصف كم والمظهر يقتل جمالها دون رحمة، بشعرها الحريري الأسود كالشلال على ظهرها، وهي لا تستطيع النظر إليه خجلاً منه، وهو لم يحيد بنظره عنها.
فخرج صوتها بصعوبة:
- أنا أول أما سمعت الجرس خرجت على طول من غير ما آخد بالي من لبسي. أصل بصراحة جلجت لتكون تعبت.
هو أيضاً خرج صوته بصعوبة، فأجلّق حلقه أولاً من هذه المشاعر التي شعر بها.
- فيكي الخير يا "سمرة" ووو لبسك كويس مافيش حاجة. يعني!
- طب مدام أنا اتطمنت على الست الكبيرة بجى... عن إذنكم.
قالتها وخرجت على الفور تتخطاه، فانتقلت رائحة عطرها إليه، ليغمض عينيه وهو يستنشقها باستمتاع.
رواية سحر سمرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أمل نصر
فى الصباح الباكر استيقظ من نومه بنشاط وحيوية افتقدها منذ فترة ليست بقريبة. فتح ستائر نافذته ليستمتع بنسمات الصباح العليله وهو ينظر لحديقة منزله المزروعة بكافة انواع الزهور لتبعث فى الروح البهجة والراحة. تنفس بشهيق كبير يشبع حواسه من هذه الرائحة الجميلة. علها تنسيه رائحة عطرها التى علقت بذهنه طوال الليل مع تذكره لهيئتها البديعة رغم تواضع بيجامتها وبساطتها. أجفل لنفسه فرجع برأسه لداخل الغرفة يتمتم:
- وبعدين بقى يارؤوف هو انت رجعت عيل مراهق ولا ايه بس؟
هز برأسه يجلي هذه الأفكار المتلاحقة على عقله قبل أن يذهب إلى حمامه ويمارس نشاطه اليومي.
بعد أن تركت أولادها عند الجارة أم أيمن تناولت حقيبة الملابس التي تخص "سمرة" لتخرج بها من المنزل وتعيدها إلى صاحبتها. ولكن بمجرد إغلاق الباب فوجئت بهذا الصوت الآتي من الأسفل وهو يقول:
- رايحة فين يا أم العيال؟ أوعى تكوني هاتجى وتسيبنى أنا والعيال.
شهقت مخضوضة وهي واضعة يدها على قلبها:
- يخربيتك خضتنى يا شيخ!
ابتسم بزهو وهو يصعد الدرجات المتبقية حتى وصل إليها. وجدها واقفة بتحفز وهي واضعة يدها على خصرها قائلة:
- نعم يا سي ممدوح جايلى هنا البيت ليه إن شاء الله كده عالصبح؟
تنهد بتملق يقول:
- الحق عليا يعني عشان جاى أطمن عليكي انتي والعيال يا سوسو.
ردت عليه متهكمة:
- اسم الله يا أخويا ودا من امتى بقى إن شاء الله؟
مال بوجهه لها ساخراً:
- من ساعة ما بقيتى مهمة وبتجيبى بنات هربانة من أهلها تتاويها عندك وتعرضي حياة عيالك للخطر!
نظرت إليه حانقة ترد بغضب:
- بلاش كلامك دا يا ممدوح انت عارف إني قوية وأقدر أحافظ على عيالي كويس أوي واللي يقرب لهم آكله بسناني يعني بلاش حجج فارغة.
اختفى الهزل من وجهه ليردف بجدية:
- طب سيبك من الحجج الفارغة انتي بقى مش ناويه تحني يا سعاد على قلب حبيبك اللي بقولوا سنتين مستنيكي؟
شاحت بنظرها عن عينيه تردف بتصميم:
- إن شاء الله حتى تقعد العمر كله مش راجعالك يا ممدوح غير لما تبطل بيع الهباب ده اللي هايضيع صحتك وانت كمان بتتعاطاه!
أمسك بيدها يضعها جوار قلبه قائلاً:
- ارجعيلى يا سعاد وأنا أرجعلك ممدوح بتاع زمان وعشق زمان انتي مش فاكرة يابت أيامنا وليالينا الحلوة.
نزعت يدها ترد عليه بخشونة:
- فاكرة يا ممدوح ماهو شوية الذكريات دي هي اللي عايشة عليها دلوقتي لحد أما ربنا يهديك.
- ذكريات!!!
قالها بتعجب فتابع بعدها:
- بقولك اقفي معايا عشان أبطل تقوليلى عايشة عالذكريات ماتمسكي بايدي يا بنت الناس عشان أبطل تعاطي وبيع كمان!
كتفت ذراعيها فظهرت شبه ابتسامة ساخرة على وجهها تردف بألم:
- انت بتتطلب مني أنا أساعدك يا ممدوح؟ بعد كل اللي شوفته معاك من ذل وحوجة للي يسوى واللي مايسواش على أمل إنك تخف من اللي انت فيه وتستنى زي بقية الستات. آسفة يا حبيبي أبلغك إني مش هاقدر أكرر الأيام السودة دي تاني. أنا عيالي بيكبروا ومش عايزة قرش حرام يدخل جوفهم ولا عايزة هم يشوفوك ويقلدوك. عن إذنك بقى خليني أشوف شغلي عشان اتأخرت.
همت لتذهب وتتركه لإحباطه ولكنه أوقفها على حين غفلة:
- طب خلي بالك بقى يا حلوة الواد اللي كان هنا امبارح هو وصاحبه لسه معسكرين جوا عربيتهم بره الحارة مستنيين صاحبتك اللي مجاتش من امبارح.
تسمرت مكانها تنظر إليه مجفلة!
خرجت من غرفتها لتصعد للسيدة "لبنى" ولكنها تفاجأت بالسيد "رؤوف" جالس على مائدة الطعام يتناول إفطاره ويتصفح هاتفه. فنظرت لساعة يدها مجفلة:
- صباح الخير هو أنا صحيت متأخرة ولا إيه؟
رفع رأسه عن الهاتف فابتسم لها بإشراق:
- صباح الفل لا يا ستي مصحيتيش متأخرة ولا حاجة أنا اللي صحيت بدري النهارده يالا بقى تعالي افطري معايا وافتحي نفسي.
أومأت برأسها رافضة:
- لا شكراً حضرتك أنا طالعة أشوف "لبنى" هانم.
- استني عندك يا سمرة متطلعيش دلوقتي تيته لسه نايمة أنا نازل من عندها حالا واطمنت عليها.
قالها ليوقفها عن الصعود فالتفتت إليه مرتبكة.
- طب خلاص أنا رايحة أوضتي....
قاطعها هو قائلاً:
- هو أنا بقولك كده عشان تدخلي أوضتك تاني أنا بقولك كده عشان تفطري معايا ممكن!
- حضرتك مينفعش.
- لا ينفع ارجوكى بقى أنا نفسي ألاقي حد يشاركني الفطار بدل ما أنا بفطر وحدي ولا تحبي أترجاكي.
- مش موضوع تترجاني بس بجد أنا مش هاقدر أفطر.
- طب خلاص اقعدي افتحي نفسي وخلاص ممكن!
أخجلها بتواضعه فتقدمت تجلس على المائدة مضطرة.
ابتسم هو يخاطبها بسعادة:
- متشكر أوي إنك مكسفتنيش.
كانت جالسة أمامه خجلة وهي تنظر بعينيها بعيداً عنه وهو يتناول طعامه بشهية وعيناه لا تبارح وجهها. فجفلها سائلاً:
- انتي اتجوزتي قبل كده يا سمرة ولا اتخطبتي؟
بلعت ريقها وهي تحاول أن تجاوب بثبات حتى لا ينكشف أمرها. فهزت برأسها تنفي فتابع هو مندهشاً:
- مش معقول هي الرجالة عندكم عميت في البلد ولا إيه؟
ابتسمت بتكلف من فرط توترها:
- متشكره حضرتك على المجاملة الكريمة دي.
ترك ما بيده من طعام وهو يردف بجدية:
- بس أنا مش بجامل يا سمرة انتي فعلاً جميلة وجميلة أوي كمان.
رفعت أنظارها إليه مجفلة فجاوبت عليه بالجواب المعتاد:
- النصيب بقى كل شيء نصيب.
- فعلاً كل شيء نصيب!
قالها بابتسامة واسعة ورائعة.
وفي الجنوب اجتمع الأشقاء الثلاثة مع زوجاتهم بداخل منزل الأخ الأكبر "سليمان" ومعهم رضوى ووالدتها نعيمة. التي بهت وجهها واحمرت عيناها من كثرة البكاء.
حسن وهو مستند بمرفقيه على ركبتيه مشبك كفيه ومائل بجسده للأمام:
- لقينا طليقك محبوس يا بسيمة وضيع علينا فرصة إننا نلاقي البت أبو العزم عملها فينا.
بسيمة وهي جالسة باستقامة على مقعدها وممسكة بمسبحتها ابتسمت ساخرة ترد:
- عادته ولا هايشتريها هو دايماً كده مفيش من وراه فايدة.
سليمان بنزق:
- بلاش كلامك الواعر ده يا بسيمة الراجل ماشوفناش من وراه حاجة عفشة هو بس دماغه اللي مضيعاه.
تدخلت نعيمة تسأل:
- طب المهم دلوك انتوا هاتدوروا عليها فين تاني ولا هاتسكتوا؟
حسن بعصبية:
- نسكتوا كيف يا مرة أخوي؟ إحنا بس نعرف طريق صاحبتها وأنا إن ماكنت جبتها من شعرها مابجاش راجل.
ردت رضوى بابتسامة ساخرة:
- ودي هاتعرفوا مكانها إزاي دي كمان في البلد الكبيرة المليانة بالخلج دي.
تنهد سليمان بيأس:
- والله ما عارف يا بت ادينا بنحاول وخلاص لعل ربنا يعثرنا فيها ويسترها علينا من الفضايح.
تذكر حسن فسألها مندهشاً:
- أيوه صح يا رضوى هو "قاسم" أخو جوزك راح فين أنا مش شايفه واصل يا بت هو الموضوع ده مايخصوش برضك؟
بلعت ريقها المحتقن بالألم تجاوب بخجل:
- يمكن بيدور عليها هو كمان بس أنا معرفش هو فين.
- ماتعرفيش! أمال مين اللي يعرف؟ دا إحنا نسينا خالص ميعاد الفرح بتاعهم.
قالها حسن مخاطباً أخيه فرد عليه الآخر بتشتت:
- والله ما أنا عارف إيه اللي هايحصل هايتم الفرح في ميعاده ويتجوزها قاسم لوحده ولا نأجل بالمرة أنا لازم أسأل رفعت فيها دي مع إني وشي منه في الأرض ومش عارف أجيبها إزاي.
- ماهو انت لازم تسأل يا سليمان عشان تعرف راسك من رجليك.
قالها حسن لأخيه سليمان الذي أومأ برأسه موافقاً. و"رضوى" بنت أخيه وهي صاحبة الشأن تنظر إليهم بخواء.
إزاي يعني مش قاعد معاكم وسيبكم لوحديكم؟ انتوا بتتكلموا إزاي؟
قالها "رفعت" بعصبية وهو يخاطب والدته وشقيقته. فردت عليه "نفيسة" وهي تربت على ظهره بحنان:
- هدي نفسك شوية يا ولدي وبلاش تتعصب!
نظر إليها بدهشة:
- كيف ياما معصبش نفسي هو معندوش دم عشان يسد عني ولو مرة واحدة في حياته أنا طلعت أدور على اللي هربت جوم يسيبكم هو لوحديكم وانتوا اتنين ولايا دا غير أبوه العيان دا أنا على كده لو مت يسيبها تخرب!
لحقته مروة بعجالة:
- بعد الشر عليك يا أخوي ماتقول كده وتفول على نفسك.
التفتت إليها وهي مازالت على فراشها يقول:
- أخوكي مش هايجيبها لبر يا مروة طب حتى يوريني وشه عشان نعرف هانعمل إيه في موضوع الدخلة اللي كانت آخر الأسبوع دي.
نعيمة وهي تجلس بجواره على الأريكة:
- دخلة إيه كمان اللي تتم بعد ما بتهم هربت منينا؟
زفر حانقاً وهو يشيح بعينيه بعيداً ليخفي ألمه.
- ياما أنا بتكلم على دخلة "قاسم" و"رضوى" إيه ذنبهم نأجل فرحهم هما كمان.
مروة وهي تشعر بما يمر به شقيقها أردفت بحنان:
- فكر في نفسك يا أخوي وسيبك من قاسم وبلاويه وإن كان على ميعاد الفرح فأجله حتى عشان الظرف اللي إحنا فيه. ضيف كمان إن أخوك باينه كده الفرح مش همه عشان مسألش.
تنهد بثقل قبل أن يرد عليها:
- ماينفعش أسيب الأمور معلقة يا مروة أنا الكبير واللي شايل المسؤولية ودا نصيبي.
في المخزن وبجوار الملابس المعلقة كانت تتحدث بصوت خفيض:
- أيوه يا سمرة أنا مقدرتش أخرج بشنطة هدومك من الحارة عشان الزفت قريبك دا ماياخدش باله ويعرف مكانك.
سمرة.....
- يانهار أسود يا سعاد يعني أنا هافضل كده بهدومي دي تاني كمان دا أنا امبارح استلفت بيجامة صوفي.
سعاد...
- طب أعملك إيه طيب؟ شوفي أنا لو عرفت أتهرب من الواد الأهبل اللي بيراقبني ده...
هاجبلك معايا أي حاجة من المحل وابقى أسدد تمنها بعدين.
سمرة:
ياريت والنبي يا سعاد وأنا هاديكي تمنها يا حبيبتي، على ما ربنا يفرجها بقى وتجبلي شنطتي.
- انتي يازفتة ياللي اسمك سعاد تعالي شوفي الزباين.
سمعتها سمرة في الهاتف، قطعت جملتها وسألت سعاد:
- مين دي اللي بتنده بقلة أدب؟
سعاد بضحكة:
- الله يحفظك يا سمرة، دي المحروسة صاحبة المحل بعيد عنك، جاية من أول الصبح وحاطة نقرها من نقري، يا أختي دي بتعاملني بعداوة كده معرفش ليه.
سمرة:
- أنا عارفة عشان انتي صاحبتي، ماهي جات امبارح وعملت معايا خناقة كبيرة.
- انتي يازفتة، انتي غورتي فين؟
هذه المرة كانت بصوت أعلى مما أزعج سمرة، فخاطبت سعاد:
- خلاص روحي انتي يا سعاد، أنا مش عايزالك الأذية.
سعاد بلهفة وعجالة:
- ماشي ماشي، أنا هحاول أتصرف وأجيلك عشان تحكيلي، سلام بقى.
تنهدت سمرة بحزن:
- سلام، سلام يا سعاد.
خرجت سعاد من المخزن مهرولة:
- أيوه يا هانم، أنا جيت أهو.
صاحت فيها صافيناز بغضب:
- ساعة بنده عليكي مابترديش، انتي مش عاملة لي اعتبار يازفتة انتي ولا إيه؟ هاه، قوللي.
سعاد وهي تحاول ضبط أعصابها معها:
- استغفر الله العظيم يارب، هو أنا عملت إيه بس يا ست هانم لكل ده؟ مش انتي اللي قولتي لي انزلي تحت ونضفي المخزن، فين بقى قلة الاعتبار؟
زفرت بضيق تردف متهكمة:
- ولما أنده عليكي ومترديش، ده يبقى اسمه إيه؟
تابعت سعاد بحكمة:
- المخزن كله تراب وكراتين مترمية، ده غير الهدوم القديمة والمركونة، هاسمع إزاي بس أنا في وسط كل دول.
صكت على أسنانها بغيظ:
- ما أنا عارفة نفسي، مش هخلص منك النهاردة، غورى من وشي وشوفي الزباين اللي ياللا، غورى.
تحركت سعاد من أمامها وهي تتمتم مع نفسها بصوت خفيض:
- باينها اتجننت دي ولا إيه، هي مالها النهاردة كده، عاملة زي زعبابيب أمشير!
***
وفي الخارج كان محسن واقفاً في الشارع يستظل بشجرة، وهو يتحدث مع قاسم في الهاتف:
- أيوه يا قاسم، زي ما بقول لك كده، هي لسه مخرجتش من المحل مكان شغلها.
قاسم:
- يعني متأكد إنها مارحتش في حتة تانية غير الشغل؟
محسن بسأم:
- والله يا سيدي ماراحت في حتة تانية، ده أنا من الصبح مراقب المحل وشايفها من جاز المعرض وهي بتبيع للزباين.
قاسم:
- امممم، ما أنا عارفها، وليها واسطة ومش سهلة، أنا عايزك تعرف لي المحل ده بتاع مين وتجيب لي أسامي كل البنت اللي شغالة فيه.
صرخ محسن بتعب:
- أسأل إيه تاني يا بوي، أنا تعبت وعايز أروح.
قاسم بقوة:
- اخلص غور ياض وبطل جلع ماسخ، اتحرك يا محسن ياللا وجيب لي الأخبار.
أغلق الهاتف مع محسن الساخط، حينما رأى ممدوح وهو يتقدم إليه بخطواته وهو ينظر إليه بريبة وبفمه السيجارة المحشوة، ابتسم مرحباً به:
- أهلاً أهلاً ممدوح باشا.
بصق ممدوح بفمه أرضاً:
- نعم يا أخويا، باعت لي الواضح سوء وبتقول عايزني في كلام مهم، إيه هو بقى الكلام المهم؟
قاسم بابتسامة واسعة:
- خير، كل خير يا ممدوح باشا.
رواية سحر سمرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أمل نصر
ينفث الدخان الأخضر من سيجارته المحشوة بالحشيش وهي بين أطراف أصابعه، وهو مضيق عينيه بتفكير صامت، ليقول أخيراً:
- مش فاهم!
ابتسم الآخر بمكر يقول:
- لا أنت فاهم وكويس قوي كمان، ده أنت المعلم "ممدوح" اللي بتجيبها وهي طايرة.
تنهد بصوت مسموع، وهو يشيح بعينيه بعيداً، ليعود إليه سائلاً:
- وأنت إيه اللي مخليك متأكد قوي كده؟ مش يمكن سعاد متعرفش!
ضحك بسخرية:
- يا راجل قول كلام غير ده، إزاي إن ما كنت شفت بنفسك شدتها وهي بتطردني من بيتك، دي عارفة وعارفة وعارفة.
صمت مرة أخرى وهو محدقاً إليه بعينيه لبرهة من الوقت، ثم ما لبث أن يخرج عن صمته قائلاً:
- بصراحة أنا مش فاهمك، منين تبقى أنت أخو خطيبها وهاتموت وتعرف مكانها؟ طب لامؤاخذة يعني أخوك اللي هو خطيبها نفسه، مش معاك ليه في الليلة دي؟ هو عاجز؟
أجفل قاسم من فراسته، فصمت قليلاً هو الآخر قبل أن يجيب بحدة:
- لا مش عاجز يا ممدوح، ودي حكاية طويلة وأنا مش ملزم أحكيهالك، أنا راجل بعرض عليك عرض وأنت قبلته أهلاً وسهلاً، ما قبلتش خلاص، أنا هعرف طريقها سوا بمساعدتك أو من غير مساعدتك.
رفع إحدى حاجبيه قائلاً بمكر:
- أيوه بس أنت شفت بنفسك طليقتي شديدة إزاي، يعني لا يمكن هاتعرفني مكانها.
اقترب برأسه منه يقول:
- وأنت ذكائك ومفهوميتك راحوا فين يا معلم "ممدوح"؟ اعرفلي مكانها وأنا هديك فلوس تشبعك العمر كله وتغنيك عن تجارة البرشام والحشيش عشان تبقى مواطن صالح وترجع لك مراتك وعيالك من تاني بفلوس حلال!
***
الله يا "سعاد" ده أنتي ذوقك حلو قوي.
قالتها سمرة بسعادة وهي تقلب في مشتريات الملابس الموضوعة أمامها على الفراش.
سعاد وهي جالسة أمامها على طرف الفراش:
- يعني بجد عجبوكي يا سمرة؟
- أنتي ذكية يا "سعاد" وعرفتي نظامي في اللبس اللي بمشي عليه واللي بيعجبني.
قالتها سمرة وهي ممسكة بإحدى القطع، فاتسعت ابتسامة "سعاد" لتردف بتفاخر:
- طبعاً يا حبيبتي، أنا خبرة وبقالي سنين بلبس ستات أشكال وألوان وأنتي يا حبيبتي ما شاء الله عليكي، زيك زي الهوانم اللي بلبسهم يعني ما غلبتيش في لبسك.
أشارت بسبابتها نحوها تقول:
- أنا هانم! الله يحظك يا "سعاد".
قالت الأخيرة وهي تهز رأسها استنكاراً بعد أن نزلت بعينيها على الملابس مرة أخرى، فأجفلتها "سعاد" بضربة خفيفة على يدها.
- ارفعي راسك يا "سمرة" وبصي في مرايتك كويس يا حبيبتي، ده أنتي بجمالك ده أحلى من كل الهوانم كمان.
مالت زاوية فمها بابتسامة ساخرة تقول:
- ما أنتي لو شفتي الست "صافيناز" واللي عملته معايا امبارح من تهزيق وبعثرة في كرامتي ما كنتيش قلتي كده.
شهقت سعاد:
- غيرانة منك يا عنيا، لما شافت حلاوتك وشياكتك دي.
أومأت بسبابتها مرة أخرى بدهشة:
- غيرانة مني أنا؟ أنتي بتتكلمي إزاي بس يا سعاد؟
- يابت ما تبقيش عبيطة، والله غيرانة، خايفة لـ "رؤوف" بيه يبصلك وهي عينها عليه بقالها سنين، اسأليني أنا يا حبيبتي، ده أنا ياما سمعت كلامها مع صاحباتها عليه!
- حتى لو كان صح كلامك ده، دي تبقى عبيطة قوي أجى إيه أنا فيها دي، بلبسها اللي يجنن ولا شعرها الأصفر ولا لون عينيها الأخضر.
- والنبي أنتي اللي عبيطة ومش عارفة قيمة نفسك، بس أنا اللي عجبني في الموضوع ده كله بقى إن رؤوف بيه خد لك حقك، ألا هو فين صحيح؟
- مع "لبنى" هانم في أوضتها.
***
جالس أمامها وهو يطعمها قطع الفاكهة الواحدة تلو الأخرى بسعادة، وذلك بعد أن اطمأن لتحسن حالتها.
- عيني باردة عليكي يا ست الكل، أنتي النهارده وشك مورد وزي القمر.
تناولت القطعة الصغيرة من التفاح ومصغتها جيداً، وهي تتأمله قبل أن تقول:
- وأنت كمان أنا شيفاك اتغيرت ورجعت رؤوف بتاع زمان.
ضحك غامزاً:
- بجد؟ يعني صغرت كده عشر سنين ولا أكتر؟ فرحيني يا تيته وقوليلي.
لبنى بدهاء:
- وأفرحك ليه؟ يهمك قوي إنك تصغر يعني؟
التفت لطبق الفاكهة بخجل:
- جرا إيه يا تيته، أنتي هاتخدي كلامي جد ولا إيه؟ أنا بهزر يا ست الكل.
ضيقت عينيها بابتسامة ماكرة:
- اممم وكمان بقيت تتكسف يا رؤوف، طب ما تتحرك يا حبيبي بقى وفرحني وفرح نفسك.
رفع أنظاره إليها باستفهام:
- أفرحك بإيه؟
زمت شفتيها مستنكرة:
- أنت هاتستهبل يا ولد؟ أنت فاهم قصدي إيه؟ يللا بقى روح كلم البنت وحدد معاه معاد الفرح، دي ما هتصدق.
هز برأسه سائلاً:
- بنت مين اللي أحدد معاها معاد الفرح وهي ما هتصدق؟
حدقت إليه حانقة:
- لا ده أنت بتستهبل بجد بقى؟ هو إحنا نعرف حد تاني غير صافي!
- آه.
قالها وهو يعود يومئ برأسه، فتابعت هي:
- شد حيلك يا حبيبي بقى وسرّع بجوازك منها، خليني أشوف ولادك قبل ما أموت.
- بعد الشر عليكي، ما تقوليش كده.
قالها بمقاطعة وهو يومئ بكفه، ثم تابع:
- وأوعدك إني هافرحك قريب بإذن الله.
لبنى بلهفة:
- بتتكلم بجد يا رؤوف ولا بتضحك عليا؟
- بجد والله يا تيته، بس مش لازم "صافي" يعني؟
قال الأخيرة بصوت خفيض، فسألته هي:
- أنت بتقول إيه؟
- ما بقولش حاجة يا قمر، يللا بقى عشان تخلصي الطبق ده.
***
جلس "محسن" على إحدى المقاعد الخشب للقهوة الشعبية، يتنفس بصوت عالٍ مع تصبب قطرات العرق على جبهته ووجهه أمام "قاسم" الذي يحدق إليه بازدراء يردف:
- خبر إيه يا ضنا؟ بتنهت كده ليه؟ هو أنا كنت مشغلك فاعل؟
محسن بسخط:
- يعني مستكتر عليا التعب كمان يا "قاسم"؟ ده بت اللذينة طلعت عيني في المشاوير وهي من مواصلة لمشي لمسافات بعيدة على رجليها، عاملة زي القرّدة بت اللذينة ما بتتهدش واصل.
- هي برضوا اللي قرّدة ولا أنت نّي؟
أشاح بنظره عنه وهو يلوح بيده:
- آباى عليك يا "قاسم" وعلى كلامك التقيل.
ابتسم بسماجة يقول:
- طب خلاص متزعلش، المهم دلوقتي قولي، أنت شفت كل البنت اللي في المحل وعرفت أساميهم؟
- والله شفتهم كلهم وعرفت أساميهم ومافيش واحدة فيهم حتى تشبهلها.
صك على أسنانه بغيظ وهو ينظر في الفراغ:
- أنا عارف من الأول إنك مش هاتوصل لحاجة، البنت دي مش سهلة، دي بت سُق ولافّة ودايرة.
- طب إحنا دلوقتي هانعمل إيه؟
سأله محسن، وقبل أن يجيبه "قاسم"، صدح هاتفه بصوت اتصال من أخيه، فعقد "قاسم" حاجبيه يقول:
- واه، ده "رفعت"، ده نسيته خالص.
تناول الهاتف ليجيب على أخيه برزانة أمام نظرات الدهشة من صديقه.
- الوو، أيوه يا "رفعت" يا خوي.
رفعت وهو يصيح بصوت غاضب:
- أهلاً بيك يا "قاسم" باشا، ياللي مش سائل في أهلك وسايب الدنيا تضرب تقلب.
- ليه بس يا خوي؟ أنا عملت إيه لدا كله؟
قالها بمسكنة أثارت أخاه الذي كاد أن يفقد أعصابه:
- إيه هو اللي ليه يا بارد؟ أنت مختفي فين يا ضنا؟
سمع من أخيه ليرد بحزن متصنع:
- الله يسامحك يا "رفعت"، يعني هاكون مختفي فين بس؟ مش بدور زي شباب العيلة على خطيبة أخويا اللي...
أغمض رفعت عينيه بتعب وألم:
- ولما أنت بتدور، مش جايلنا ليه على مطرحك، ومش بتيجي تطمن ليه على أمك وأختك؟
- معلش يا خوي، عدت عليا، بس أنا بدور في كل البلاد اللي حوالينا وبطل على قرايبنا في أي حتة يمكن ألمحها عند حد منهم.
مسح رفعت بكفه على وجهه وهو يحاول التحدث بهدوء:
- طب اخلص، سيب اللي في يدك وتعالى بسرعة عشان نرسى على رأي محدد في موضوع فرحك اللي في آخر الأسبوع ده على رضوى.
- رضوى مين يا "رفعت"؟ هو إحنا كمان هنعمل فرحات في الظروف المجندلة دي؟ مافيش فرح ولا زفت.
***
بعد أن برع في إتقان دوره مع أخيه حتى انتهاء المكالمة، نظر إلى "محسن" الذي كان يحدق إليه بتركيز وهو مستند بمرفقه على الطاولة الصغيرة واضعاً كفه على وجنته.
- مالك يا ضنا؟ بتبصلي كده؟
انتصب في جلسته يجيب:
- بصراحة معجب بيك عشان عرفت تلف على أخوك وتخليه يصدق إن أنت حزين وبتدور عليها عشانه.
- أمال فاكرني أهبل زيك وهاغرق في شبر مية؟
***
عادت "سعاد" للمبنى السكني الذي تقطنه، وقبل أن تصعد الدرج سمعته يهتف:
- حمد الله عالسلامة يا قلبي.
- بسم الله الرحمن الرحيم!
قالتها "سعاد" وهي واضعة يدها على قلبها مجفلة، فصاحت عليه غاضبة بعد ذلك:
- في إيه يا ممدوح؟ دي المرة التانية في يوم واحد! جرا إيه يا عنيا؟
- يعني هايكون جرا إيه بس يا سعاد؟ أنا قلقت عليكي لما اتأخرتي.
وضعت يدها على خصرها ساخرة:
- قلقت عليا! ودا من إمتى إن شاء الله؟ ما أنا ياما اتأخرت!
- ده لأن دايماً كنت مطمن عليكي يا قلبي، بس أنا المرة دي خوفت قوي، عشان العيال المعسكرين بره الحارة دي.
ربتت بيدها على كتفه:
- لا يا حبيبي ما تقلقش، مراتك بمية راجل وما يتخافش عليها.
- طبعاً، أمال إيه؟ أنا متأكد من كده كمان، بس تعملي إيه بقى في قلب المحب اللي بيخاف على محبوبه.
رددت خلفه مندهشة:
- محب ومحبوبة!! على العموم متشكرين قوي يا سيدي، عن إذنك بقى.
قالت كلماتها لتصعد الدرج، ولكنه أوقفها:
- أنا بتكلم من قلبي وأنتي عارفة كده كويس.
التفتت إليه مستنكرة:
- إحنا هانعيده تاني؟ ما إحنا اتكلمنا الصبح بقى ولا هي شغلانة؟
أومأ برأسه:
- ماشي ياسعاد، أنتي حرة.
المهم دلوقتي البنت اللي كانت مبيّتة عندك هنا بقالها يومين وهربانة من أهلها. اطمنت عليها وعرفتي مكانها فين؟ دي مهما كان برضه غريبة هنا في البلد ومش بتعرف حاجة.
***
بداخل حديقة المنزل الكبير كانت جالسة على إحدى المقاعد تتحدث مع ابنة خالها "شيماء" التي أخبرتها بعودة أباها وشقيقه "سليمان" ومعهم رفعت من القاهرة بعد رحلة البحث عنها وفشلهم في العثور عليها. فسألتها مندهشة:
- طب وهما عرفوا منين عنوان أبويا؟ أنا مش كذا مرة أسألهم ويقولوا إنهم مايعرفوش عنوانه بالظبط.
- أبويا بيقول رفعت هو اللي وصلهم وجالهم إنه ياما زار عمي أبو العزم اللي هو أبوكي هناك.
- رفعت كان بيزور أبويا؟ طب ليه؟
- والله ما أعرف، دا اللي سمعته من أبويا. بس بصراحة بعد ما شفته صعب عليا قوي يا "سمرة". أستاذ رفعت ما يستاهلش منك كده.
تنهدت بعمق تقول:
- اللي حصل بقى يا "شيماء". ربنا يعوّضه باللي أحسن مني.
- يا رب.
- أمي طيب يا "شيماء" أخبارها إيه في بعدي؟
- رايحة يا "سمرة" وزينة. ما إنتي عارفة عمتي "بسيمة" جوية.
أومأت برأسها تقول:
- عارفاها جوية يا "شيماء" وجوية جوي كمان. المهم انتي خلي بالك منها. وياريت لو تكثري زيارات لمروة أخت رفعت دي طيبة جداً يا شيماء.
- عارفة إنها طيبة هي ووالدتها وأستاذ رفعت كمان.
- أيوه يا شيماء. رفعت طيب جوي وراجل بمعنى الكلمة، يابخت اللي تتجوزه.
- مين هي اللي تتجوزه؟
شهقت مفزوعة حينما سمعتها من أحد الأشخاص الذي قالها بجانب رأسها بصوت خفيض. وقبل أن تلتفت وجدته جلس أمامه على الطاولة بسرعة البرق.
- آسف إن كنت خوّضتك.
ازدردت ريقها الجاف بتوتر:
- بصراحة أنا فعلاً اتخضيت. ياريت يا أستاذ "تيسير" ما تكررهاش تاني.
مال برأسه يقترب منها:
- مش هكررها تاني. بس أنا عايزك تعرفي كويس قوي. أنا الهزار التقيل ده بيبقى مع الناس القريبة مني واللي قلبي بيرتاح لهم.
- بيرتاح لهم! طب عن إذنك بقى أنا جاية.
قالتها وهو تنهض عن مقعدها فأوقفها هو ممسكاً بكفها:
- طب قايمة ليه؟ ما تقعدي شوية، هي الدنيا طارت؟
نزعت كفه المطبقة على كفها بسرعة.
- آسفة بس أنا عايزة أروح أطمن على "لبنى" هانم. عن إذنك.
قالتها وهي ترتد بخطواتها لتذهب ولكنه أجفلها حينما جذبها من ذراعها يقول:
- وهي لبنى هانم هاتطير؟ ما تجبر بخاطري واقعدي شوية معايا بقى.
هنا جذبت ذراعها تصيح بغضب:
- لو سمحت بقى أنا مسامحالكش تكررها تاني.
رواية سحر سمرة الفصل العشرون 20 - بقلم أمل نصر
نظرت إليه بدهشة غريبة قبل أن تسأله بريبة، رافعة إحدى حاجبيها:
- وإنت مالك ومال سمرة يا ممدوح؟
أجابها متشدقًا:
- جرى إيه يا سعاد؟ دا وقت غيره برضوا؟ البنية لما عرفت إنها هربانة من أهلها وإنتي مراعيها، بصراحة صعبت عليا، خصوصًا لما شفت الواد ابن عمها ده اللي شكله ما يطمنش.
- آه.. طيب يا أخويا متحملش همها إنت.. هي واعية وتعرف تتصرف كويس.
همت لتصعد الدرج ولكنه أوقفها مرة أخرى بيده:
- هتتصرف إزاي بس وهي غريبة عن البلد؟ هي ليها حد هنا نازلة عنده؟
زفرت بضيق هاتفة بحنق:
- وإنت مالك يا ابن الناس إن كان ليها ولا ملهاش؟ أهي قاعدة مع ناس كويسين وخلاص.. سيبني بقى أطلع للعيال، أوووف.
قالت الأخيرة وهي تصعد الدرج، وهو نظر في أثرها يتمتم بصوت خفيض:
- ماشي يا سعاد، أنا ليا صرفة برضوا.
***
- لو سمحت أنا مسمحلكش تكررها تاني.
قالتها بغضب عاصف، ووجهها أصبح كتلة حمراء ملتهبة، فتراجع هو رافعًا ذراعيه باستسلام:
- خلاص والله، أهو خلاص.. اهدى بقى ومتزعليش.
هدأت أنفاسها قليلًا وهي تحاول السيطرة على غضبها، فتابع هو:
- أنا مكنتش أعرف إنك عصبية أوي كده وغضبك سريع لدرجادي.. بس أنا مش ماقصدتش حاجة وحشة.. أنا بتصرف بطبيعتي.
حاولت إحكام عقلها رغم شعورها بعدم الراحة من نظراته المتفرسة لها والغير بريئة، فردت أخيرًا بهدوء:
- ماشي حضرتك.. أنا فهمت وجهة نظرك، بس ياريت إنت كمان تكون فهمت إني مبحبش الهزار بالأيد ولا غيره.
مال برقبته يردف مبتسمًا:
- ولا غيره!! إزاي بقى في حد ما بيضحكش ولا بيهزر!
ارتدت للخلف حينما وجدته عاد لأسلوبه مرة أخرى، فقررت إنهاء الجدال معه قائلة بابتسامة متكلفة:
- على فكرة أنا اتأخرت عن لبنى هانم.. عن إذنك بجى.
قالتها وتحركت على الفور دون انتظار رده، كانت تسرع بخطواتها لشعورها بنظراته المتفحصة تخترق ظهرها، حتى اصطدمت برؤوف وهو خارج للحديقة، فتراجعت بحرج شديد:
- أنا آسفة ماكنتش واخدة بالي.
حاول إخفاء ابتسامته ليسألها بجدية:
- بتجري ليه؟ في حاجة؟
هزت رأسها تنفي، واستأذنته للدخول، فشعر ببعض الحيرة وهو ينظر لأثرها، ليفاجأ بتيسير وهو قادم يصيح عليه كعادته:
- أؤوفه حبيبي وحشتني يا غالي.
عقد حاجبيه سائلًا:
- تيسير!! إنت هنا من إمتى؟
اقترب بخطواته قائلًا:
- أنا واصل حالا دلوقتي.. ليه في حاجة؟
أومأ برأسه نافيًا:
- لا مفيش حاجة.. تعالى اتفضل.
***
وفي الجنوب.
كان جالسًا على مقعده يتلاعب بهاتفها الذي أهداه لها حينما كان هائمًا بعشقها، وهو يبني أحلامًا سعيدة لحياتهم القادمة معًا. كم مرة هاتفها عليه وأسمعها كلمات العشق والغزل، وهي تبادله الرد بخجل، فتزيد من اشتعال عشقها بقلبه. لماذا جعلته يحلق في سماء عشقها كالمغيب، ودون سابق إنذار تركته يسقط على رأسه، ليفيق على هذه الحقيقة المؤلمة والموجعة، بهروبها قبل الزفاف بأيام قليلة. صاحبة القلب المتحجر!
لقد دهست على قلبه ولم تبالي بجرحه ولا كرامته، كتركها لهذا الهاتف أيضًا. تنفس بعمق وهو يغمض عينيه ويسأل نفسه هذا السؤال للمرة المائة:
- لماذا تركتني ولم تفصح عن السبب؟ لماذا تركتني في هذا الوقت تحديدًا؟ لماذا؟
اعتدل في جلسته ليتفقد هذا الهاتف الذي فتحه سابقًا لفحص سجل المكالمات ومعرفة من يحادثه خلال رحلة بحثه عنها، ليجده ينفتح مرة أخرى تلقائيًا دون عناء، فيبدو أنها لم تضع كلمة سرية لفتحه. تعجب داخله أن امرأة في ذكائها ولا تضع باسورد لهاتفها لحمايته من التطفل والسرقة.
تصفح ما بداخله فوقعت عيناه على صورتها، فتسمرت نظرته عليها، فهي جميلة بشكل مبهر وسارق للعين، ولكنها غدارة وخائنة. هم ليدخل في الرسائل لعله يجد دليلًا على خيانتها، ولكنه استوقفه صياح شقيقته التي دلفت إليه فجأة:
- تعالى شوف أبوك يا رفعت.
رفع أنظاره إليها مجفلًا:
- مالوا أبويا يا مروة؟
- بيزعق ومبهدل الدنيا جوه مع أمي!
دلف إلى غرفة أبيه ليجده ما زال يصيح بصوته العالي على زوجته نفيسة، ملوحًا لها بالعصا العتيقة كي لا تقترب منه:
- إياكم حد فيكم يجرب مني يا ولاد الـ... غوروا من وشي، مش عايز أكل ولا شرب منكم.
اقترب منه بروية:
- مالك بس يا بوي؟ إيه اللي مزعلك؟
لوح أيضًا ناحية رفعت بالعصا:
- وإنت كمان غور معاهم، مش عايز حد فيكم.. ما أنا كده كده ميت، عايزني في إيه.
خاطب رفعت والدته الملتصقة بالحائط سائلًا:
- هو إيه اللي حصل؟
نفيسة ودمعتها ساقطة على وجنتيها:
- كان بيسألني على ميعاد الفرح وأنا قلتله هأجله وبس كده مزودتش كلمة حتى!
صاح الرجل بصوته العالي:
- عشان بتخبوا عليا ومعتبريني "ميت"، بس بياكل وبيشرب.
تقدم نحوه بخطوات بطيئة:
- ليه بتجول كده بس يا بوي؟
أجفلهم الثلاثة سائلًا بحدة:
- هو الواد قاسم راح فين؟ أنا عايز أشوفه.
مروة بدهشة: قاسم!
ردد خلفها وهو يخاطبهم:
- أيوه قاسم، وقبل أي حاجة أنا عايزكم تحكولي كل اللي حاصل من ورايا.. يا أما والله لأحلف ما أحط لقمة في معدتي لحد ما أموت.
***
عرفتي آخر الأخبار يا أما؟
هذا ما قالته رضوى وهي تتقدم بخطواتها لداخل غرفة نعيمة، التي رفعت أنظارها إليها مجفلة:
- إيه هي بقى آخر الأخبار؟
جلست على طرف الفراش بجوارها تردف:
- مش أنا جوازتي اتأجلت واحتمال كبير تتلغي!
ضربت نعيمة بكفها على صدرها بجزع:
- فال الله ولا فالك يا بنتي.. إنتي ليه بتجولي كده بس؟
ابتسمت بسخرية مريرة:
- فيه إيه يا أما؟ اشحال إن ما كنتي إنتي بنفسك جايالي زمان.. "لازم سمرة تتجوز رفعت عشان جوازتي أنا تتم بقاسم".. مش دا برضوا كلامك يا أما؟
أسدلت نعيمة أجفانها مدعية النظر في قطعة الملابس التي تحيكها من أجل زوجها، فتابعت رضوى:
- وادي المحروسة هربت والجوازة اتأجلت والمحروس خطيبي محدش عارفلوا طريق.. أكيد بيدور عليها ولا يمكن هرب معاها؟
تركت نعيمة ما بيدها تنهرها بغضب:
- عيب عليكي يا رضوى، دي بت عمتك دي اللي بتخوضي في عرضها.
- تاني يا أما بتدافعي عنها.. حتى بعد ما خربت جوازة بتك وجطعت فرحتها.. إنتي إيه يا شيخة، عملاك إنتي كمان سحر زي ما بتعمل للرجالة اللي بيجروا وراها ويسيبوا مصالحهم؟
أنا تعبت وجرفت، تعبت منكم ومن حظي اللي مش راضي يتعدل واصل.
قالت الأخيرة وهي تنهض عن الفراش، فنادتها نعيمة قبل أن تخرج من الغرفة:
- رضوى يا بنتي.
التفتت إليها ترد على مضض:
- نعم! عايزة إيه تاني يا أما؟
نعيمة بحزن:
- اتغيرتي جوي يا رضوى من يوم ما اتخطبتي لـ قاسم.. السواد ملا جلبك يا بنتي، أنا مبجيتش عارفياكي.
حدقت في والدتها بنظرات مبهمة، ثم خرجت من الغرفة دون أن ترد بكلمة واحدة عليها.
***
وعودة للعاصمة، فبعد أن أنهى جلسته مع تيسير، الذي أتى في زيارة مفاجئة لهم على غير العادة، توجه لغرفة مكتبه لمراجعة بعض الملفات المطلوبة في عمله، وعلى باب الغرفة وقف متسمرًا حينما رآها جالسة على كرسي بجوار مكتبه منهمكة في قراءة إحدى الكتب أمامها. ظل على وضعه لدقائق لا يعلم عددها، وهو لم يمل من مراقبتها كالمسحور، حتى رفعت هي أنظارها دون قصد، فنهضت مجفلة تعتذر:
- رؤوف بيه! معلش أنا آسفة، ماخدتش بالي والله.
تقدم هو إليها مبتسمًا برحابة:
- لا ولا يهمك عادي.. أنا أصلًا مش مضايق.
أكملت بحرج:
- لا، إنت عندك حق تضايق.. بس بصراحة أنا الرواية شدتني جوي ومدريتش بنفسي وأنا بسحب الكرسي وأقعد وأندمج فيها.
- هي رواية إيه اللي عجبتك؟ ممكن أشوف؟
تناول الرواية من يدها، فتملكته الدهشة حين رأى الغلاف، فعقد حاجبيه بحيرة يسألها:
- هو إنت بتقري في الأدب الروسي؟
أجابته بعفوية:
- عادي يعني.. أنا أساسًا بحب القراية وبحب أتعرف على ثقافات الشعوب.
ترك الرواية بيده وعيناه تعلقت بأعينها وهي مسبلة جفونها بخجل، ليردف أخيرًا:
- المكتبة كلها مفتوحة ليكي يا سمرة، تقري منها اللي يعجبك وفي أي وقت كمان.
أومأت برأسها بابتسامة خجلة:
- متشكره جدًا حضرتك، أصل أنا بصراحة بعشق قراية الروايات.
- كويس أوي.
- عن إذنك بجى.
- طب خدي الرواية معاكي بقى، كمليها قبل ما تنامي.
تناولتها منه بسعادة تحاول جاهدة لإخفائها.
بعد أن خرجت، جلس على حافة مكتبه شاردًا لفترة ليست بقليلة، ثم ما لبث أن تناول هاتفه، ضغط على إحدى الأرقام التي تخص إحدى الشخصيات، ولم ينتظر طويلًا، فقد آتاه الرد سريعًا:
- رؤوف بيه! يا أهلاً وسهلاً! يا راجل أخيرًا افتكرتنا.
- عزت باشا... وإنت حد يقدر ينساك برضوا.
- لا يا عم، أنا لازم أشوفك.. المكالمة دي ما تنفعش.
- قريب إن شاء الله أجلك زيارة.. هو إنت لسه برضوا بتخدم في الصعيد؟
- آه يا باشا، واترقيت كمان.
- ألف مبروك يا عم، تستاهلها والله.. طيب حيث كده بقى أنا عايز منك خدمة صغيرة.
- أؤمر يا باشا.
- الأمر لله.. شوف يا سيدي، أنا عايزك تستعلملي عن اسم.. ثواني كده، هاجيبلك البطاقة.
***
بعد أن أنهى طعامه على عربة الطعام الشعبية.
جلس مرة أخرى على إحدى الطاولات الصغيرة للقهوة التي أصبحت المقر الدائم لهم في النهار وسيارته مأوى للنوم ليلاً.
"محسن" وهو يهرش بأصابعه على أنحاء متفرقة من جسده:
- وبعدين بقى يا "قاسم" إحنا هانفضل هنا لحد امتى؟
تحدث والسيجارة في فمه وهو يحاول إشعالها:
- هي حكاية.. ماقولتلك مش متحرك غير لما ألاقيها.
ارتفعت يده ليهرش خلف عنقه مردفاً بضيق:
- أيوه بس أنا تعبت من نومة العربية.. وجسمي كله بياكلني عايز أسبح وأغير خلجاتي.
نفث دخان سيجارته على وجه "محسن" ليقول:
- قولتلك مش هاتحرك غير وهي في يدي.. تحب أغنيهالك عشان تفهم.
صاح عليه بسأم:
- طب يا عم ماتتحركش بس للأجل.. احجز لنا في لوكاندا ولا فندق.. ناكل وكله زينة ونرتاح شوية ونتسبح.
ارتفعت زاوية فمه ليقرعه بحديثه المتهكم كالعادة ولكن أوقفه رنين هاتفه فوجد الاتصال من رفعت، فتح يرد عليه قائلاً:
- الوو... أيوه يا رفعت.
- أيوه يا "قاسم" سيب اللي في يدك وتعالى شوف أبوك.
- أيوه بس أنا لسه بأدور...
قاطعه بحزم:
- فوضها دلوقتي وتعالى على طول أبوك مُصر إنه يشوفك.
- يا ابوي بقولك لسه بأدور.
- بقولك أبوك طالب يشوفك.. أنت لسه هتلت وتعجن. اخلص يالا وتعالى بسرعة.
زفر حانقاً بعد أن أنهى المكالمة.
- نبرت فيها يا ابن الفجرية.
أجفل "محسن" يومئ بسبابته ناحية صدره قائلاً بدهشة:
- أنا!!! هو أنا عملت إيه بس يا "قاسم"؟
- أيوه أنت، وما تسمعش نفسك تاني.. خليني أشوف الفجري التاني ده كمان.
بهت وجه "محسن" وهو يرى هذا المجنون وهو يتهمه بأشياء مبهمة دون سبب.
ومن جانبه تناول "قاسم" الهاتف ليطلب رقماً آخر وبعد قليل:
- الوو.. أيوه يا عم ممدوح أنت فين؟
خرجت "سعاد" من المبنى السكني الذي تقطنه وهي واضعة حقيبة الملابس التي تخص "سمرة" على كتف ذراعها. فبعد اختفاء المدعو "قاسم" وصديقه اطمأنت هي، فوجدت الفرصة سانحة لإيصال الأمانة لأصحابها، ولحسن حظها أن اليوم هو إجازة لها من محل الملابس الذي تعمل فيه.
ومن ناحية قريبة، كان مستنداً بظهره على الحائط، عيناه تراقب المارة وهو يتحدث في الهاتف:
- يا عم بقولك ماردتش تقول لي أعمل لها إيه بس؟
- اتصرف يا ممدوح.. أنا الوقت بيسرقني وعايز أعرف أي خبر عنها.
حك بأطراف أصابعه على جبهته بملل:
- طب وأنا أعمل إيه بقى؟ وأنت أساساً مش صابر، دي حاجة عايزة وقت وأنت مستعجل يا عم.
صاح عليه بصوت عالٍ:
- يا ممدوح اتصرف.. أنا تعبت من قعدة الشارع ده، غير إن أهلي طالبيني في البلد بسرعة.
- أووف طب......
قطع جملته حينما رآها تمر أمامه وحقيبة الملابس التي رآها سابقاً على كتف ذراعها. لمعت عيناه حينما استنتج هوية صاحبتها.
- أنت رحت فين يا أخ؟
أفاق من شروده على صوت "قاسم" المزعج:
- استنى يا "قاسم" انت ثواني.
قالها وهو يتحرك بخطوات مسرعة حتى اقترب من القهوة، فأشار بيده لعامل القهوة:
- واط يا سوكه تعالى هنا ياض.
أومأ الفتى برأسه قائلاً:
- ثواني يا عم "ممدوح" أشوف الزباين وجايلك حاضر.
اقترب منه يجره من ياقة قميصه، وهو يتناول صينية الشاي ويضعها على أقرب طاولة. أجفل الفتى مندهشاً:
- جرا إيه يا عم ممدوح انت هاتقبض عليا ولا إيه؟
- تعالى بس.
قالها وهو مستكمل في جذبه من ملابسه حتى ابتعد به عن زبائن القهوة.
- شايف الست اللي واقفة مستنية الميكروباص دي وحاطة شنطة ملابس صغيرة على كتفها.
قالها بإشارة على "سعاد" فأومأ الفتى برأسه.
- شايفها يا عم ممدوح.. مش دي الست طليقتك برضو؟
- عفارم عليك.. عايزك بقى يا حلو، تمشي وراها النهاردة وتعرف لي المكان اللي هاتوصلي فيه الشنطة دي مظبوط.
برق "سوكه" بعينيه متسائلاً بفضول:
- ينهار أسود يا عم ممدوح هي الست مراتك.. هاتشتغل في الصنف ولا إيه؟
ضرب بكفه يده على رأسه من الخلف:
- لم نفسك ياض وبطل غباوة بدل ما أعجنك.
أومأ براسه مطيعاً بخوف فتابع ممدوح:
- مش عايزها تحس بيك فاهمني وليك عليا هاشبرقك ورقة بمية جنيه.
قفز سوكه بحماس:
- ورقة بمية جنيه.. عنيا يا عم ممدوح هوا هاروح وراها وأرجعلك بالمفيد بس القهوة مين هياخد باله منها؟
- أنا هاخد بالي منها يالا روح قبل ما يتحرك الميكروباص وأهم حاجة إنها ما تحسش بيك ولا تاخد بالك منك.. تمام.
- تمام يا سيد الناس.