تحميل رواية «سحر سمرة» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً. فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذاب...
رواية سحر سمرة الفصل الأول 1 - بقلم أمل نصر
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً.
فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذابها!
"إنت لسه يابت مالبستيش ولا جهزتي نفسك؟"
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى، دون أن تنطق بحرف.
اقتربت المرأة أكثر منها لتهدر بصوت خفيض: "يابت قومي وبلاش عمايلك دي، الضيوف على وصول، قاعدة لي على الأرض الباردة، مش خايفة لتمرضي؟"
اعتدلت بوجهها وهي ترمقها بلامبالاة: "وافرضى مرضت ولا تعبت يعني، إيه هايحصل؟"
زفرت المرأة بضيق ثم أردفت: "وبعدين معاكي يا سمرة؟ إنتي كان حد جبرك؟ مش إنتي اللي قولتي أمين؟ لزوموا إيه بجى الكلام الماسخ ده بس؟"
"أكيد مالوش لزوم الكلام، أنا عارفة لو اتكلمت من هنا لبكرة، كأني بأذن في مالطا!"
قالتها وهي تنهض عن الأرض، وتترك الشرفة، لتتبعها الأخرى بداخل الغرفة.
"يعني خلاص هاتلبسي وتجهزي نفسك؟ حريم عمامك بيستعجلوكي تحت وبيسألوا عليكي."
"سمرة" وهي جالسة على طرف الفراش: "انزلي يا أمي، أنا هالبس وأتعدل وأتزوج، وأنزل تحت وسطيهم أضحك وأهزر كمان! راضية يا أمي؟"
المرأة وهي ترمقها بنظرات حانقة قبل أن تتقدم من باب الغرفة: "البسي ياختي وهازري واضحكي، لهو إنتي أجل من بت خالك رضوى اللي عاملاها فرح في أوضتها مع صحباتها، فرحانة بخطوبتها بـ قاسم."
أومأت برأسها باستخفاف وهي تتمتم بصوت خفيض: "قاسم.. اممم!!!"
المرأة بضيق: "ماشي يا سمرة، أما أشوف آخرتها إيه معاكي يابت بسيمة، أنا هابعتلك شيماء بت خالك، تونسك وانتي بتلبسي."
نظرت إليها "سمرة" بخواء وهي تخرج من باب الغرفة وتصفقه بقوة.
***
وفي الغرفة الأخرى كانت تلتف بفستانها أمام المرآة بسعادة وهي تضحك مع الفتيات صديقاتها.
"ها إيه رأيكم يابنات؟ حلو الفستان عليا؟ طب اللون لايق على وشي؟"
أردفت "سمية" صديقتها: "يابنتي اهدي شوية، خوتينا، كام مرة تسألينا من ساعة ما جينا."
نقلت أنظارها من المرآة إليها: "طب أعمل إيه طيب؟ جلجانه يا سمية، طمنوني يابنات، أنا مش عايزة أطلع أقل منها."
زفرت الفتاة بضيق فأردفت الأخرى: "مش كده يا رضوى، ماتحطيهاش في مخك، عشان تعرفي تفرحي."
"أفرح إزاي إنتي كمان؟ وهى هاتعيش معايا في نفس البيت، هو أنا متحملاها في بيت أبويا، عشان أتحملها كمان في بيت جوزي."
قالتها وهي تتقدم بخطواتها وتجلس على طرف الفراش، فجلست بجوارها "سمية" لتسألها: "قوليلي يا رضوى، هو إنتي خايفة من سمرة، لـ قاسم يبصلها تاني ويرجع في كلامه؟"
خرجت منها تنهيدة مثقلة قبل أن تقول: "خايفة! دا أنا بموت كل دقيقة وأنا بفكر في الموضوع ده، أنا عارفة من زمان إنه هايموت عليها، وياما اتجملها وساق عليها ناس عشان ترضى وتجيب بيه، وهي دايماً ترفض، وأنا طول عمري بموت على نظرة منه، جوم لما يجي اليوم ده اللي بتمناه يحس بيا فيه ويطلبني للجواز، يجي بعد هي ما تقبل بأخوه ويبجي جوازي أنا وهي في يوم واحد وبنفس العمارة وشقتها قصادي، عشان تبجي عقدة ليا العمر كله."
قالت الأخيرة بصرخة، لتلتفت بعدها وترى الفتيات ينظرن إليها بأشفاق، فتنهض مسرعة نحو المرآة وهي تردف: "قومي انتي وهى ساعدوني، أنا عايزة أبقى أحلى منها مية مرة الليلة، عايزة مايشوفش حد غيري في الفرح كله، فاهمين!!!"
***
وفي منزل آخر قريب.
خرج من غرفته وهو يهتف على أخته الصغرى: "مروة.. إنتي يابت؟"
سبقت الوالدة في الرد وهي جالسة ببهو المنزل بجوار زوجها: "مالك بتنده ليه عليها يا عريس؟"
اتسعت ابتسامته وهي يجلس بجوارها ويقبلها أعلى رأسها: "ست الحبايب!"
ابتسمت المرأة بسعادة قبل أن تسأله: "فرحان يا ولدي؟ ربنا يتم فرحتك على خير."
أومأ برأسه موافقاً دون أن ينطق بحرف، فتدخل الرجل المسن: "وما يفرحش ليه؟ وهو هايتجوز أحلى بنات البلد، تعليم وجمال."
ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو ينهض: "وبعدين معاكم بجى أنا مش هاخلص منكم النهارده، بت يامروة.. إنتي فين يابت؟"
أتت الفتاة مهرولة: "أيوه يا رفعت، أنا جيت أها، عايزني في إيه بس ياعريس؟"
تكلم بجدية: "كويتي العباية ولامعتي الجزمة الجديدة؟"
الفتاة وهي تضحك: "طبعاً امال إيه؟ كويت العباية وعطرتها ولمعت الجزمة كمان، فاضل بس إنك تلبسهم ياعريس."
أومأ مرحباً: "كويس، طب وحضرتي برضك هدوم قاسم وحاجته؟"
حركت رأسها بالنفي: "لا ماعملتش أي حاجة، عشان هو قافل على نفسه من الصبح، ولما خبطت عليه أسأله، قالي.. مالكيش دعوة، وأنا هاحضر كل حاجة بنفسي!!!"
عقد حاجبيه باندهاش: "بنفسه!!!!"
***
وبداخل غرفته كان واقفاً بجسده الطويل وعضلاته البارزة من الفانلة التي يلبسها أعلى جسده، أمام النافذة الخشب المفتوحة على مصراعيها، ينفث دخان سيجارته بين أطراف أصابعه، وهو ينظر لأشجار الحديقة الخلفية للمنزل، بعينيه العميقة بنظرة لا تنبئ بالخير. لا أحد يستطيع قراءة ما يدور بعقله، ولا أحد يعرف ماذا يريد؟ ظل هكذا لفترة ليست بقليلة، وبعدها عاد ثانية بخطوات متمهلة ليجلس على طرف الفراش، فتناول حذاءه من على الأرض، ليقوم بمسحها بخرقة قديمة وتلميعها، ليردف لنفسه بوعيد، والسيجارة مازالت في فمه.
"حاضر يا سمرة.. حاااااضر؟"
تناول السيجارة بعدها من فمه وهو ينظر لها ويكمل: "إن ما كنت أخليكي تركعي ما بجاش أنا!! بس تيجي العشية!!!"
***
وفي المساء.
حضر أهل العريسين لمنزل الحاج سليمان والد رضوى والخال الأكبر لـ سمرة، ليجلس الرجال بداخل المندرة لقرأة الفاتحة، والنساء بداخل البهو الكبير للمنزل يتسامرن ويرقصن على أنغام الموسيقى.
رضوى كانت ترقص بسعادة مع صديقاتها سمية ونورا وبعض الأقارب في انتظار العريس وهي تنقل أنظارها، لتلك الجالسة على مقعدها بجوار النساء، مستقيمة الظهر، تبتسم بتكلف وكأنها أميرة بجوار رعاياها، بهذا الفستان المنسدل على جسدها المتناسق، وكأنه فُصل خصيصاً لها مع هذه المساحيق الخفيفة التي وضعتها بوجهها ومع ذلك زادتها جمالاً وبهاءاً. ما بال هذه الفتاة تبدو جميلة ومبهرة في أي شيء، وبكل حالة، ونظرات النساء حولها خير دليل على صدق ما تشعر به.
هذا ما كانت تشعر به أيضاً معظم نساء العائلة اللاتي كن ينظرن لـ سمرة بانبهار لا يخلو من الحقد لبعض النفوس الكارهة، وتفاخر أخريات كأهل العريس المحظوظ كأخته مروة التي كانت تتحدث عنها وترقص بسعادة مع بعض الأقارب.
أما سمرة التي كانت ترسم البسمة على وجهها، فكانت في عالم آخر، دوامة من الأفكار المتلاحقة ساقطة بها ولا تجد منفذاً للخروج منها، فاقت من شرودها على أصوات النساء التي تهلل للعريسين اللذان يدلفان بجوار الرجل الكبير سليمان وبعض رجال العائلة. رفعت أنظارها لتفاجأ بنظرته المتصيدة لها وهو يسير بجوار أخيه رفعت الذي يبتسم بسعادة ظاهرة، فتعمدت تجاهله، لتزيد من اشتعال عينيه وهو يرى ابتسامتها الساحرة لأخيه.
جلس بجوار رضوى، المتلهفة لنظرة أو كلمة إعجاب ولو بسيطة منه تثلج صدرها.
"إنت مين كوى العباية النهارده؟"
"هه.. إيه بتجولي؟"
قالها وهو يفيق من شروده، فأكملت هي بلهفة: "اصل العباية اللي إنت لابسها زينة جوي، دا غير إن إنت نفسك شكلك حلو جوي النهارده."
رفع حاجبه بتكلف ليرد عليها ببرود: "شكلي حلو!!! طب كويس!"
خبأت ابتسامتها قليلاً ثم أردفت بأمل: "طب إيه رأيك فيا أنا؟ ولا الفستان اللي لابساه؟"
نظر إليها بتقييم ثم أردف باقتضاب: "زينة!... وفستانك زين برضوا!!"
قالها والتفت ثانية ناحية الأخرى، ليزيد بداخلها هذا الشعور بالإحباط وخيبة الأمل، وهي تراه لا يرفع عينيه عنها.
وفي الناحية الأخرى وهي جالسة بجوار رفعت، الذي لا يمل الكلام والثناء على جمالها وهي تبتسم برزانة: "تبارك الله فيما خلق، إنتي إيه بالظبط؟"
سمرة بابتسامة ودودة: "يعني هاكون إيه بس؟ أنا كده هاتغر يا رفعت، بكلامك ده!"
"إنتي تتغري وتعملي اللي إنتي عايزاه، يا سمرة يا ست البنات إنتي."
قالها بسعادة ظاهرة بعينيه، أشعرتها ببعض الفرح، وهي تبث بداخلها بعض الطمأنينة لترتاح عقلها ولو قليلاً.
مع مرور الوقت بدأت سمرة تندمج مع أجواء الفرح حولها من دعابات النساء الأقارب ورقص بعض الشباب الصغار على أنغام الموسيقى مع كلمات الغزل التي كان يمطرها بها رفعت، وهي تتجنب النظر لهذا المدعو قاسم وهي تشعر بنظراته المسلطة عليها.
ومع قرب انتهاء حفلة الخطوبة المقتصرة فقط على الأهل والأقارب وانصراف بعضهم، عاد العريسان مرة أخرى للمندرة لتبادل السمر والأحاديث مع شباب ورجال العائلة.
أما الفتيات العرائس فتجمعن في جلسة واحدة مع نساء العائلة، في جو يسوده المرح والأحاديث الودية.
"نعيمة" زوجة سليمان بغبطة: "والنبي يا أم رفعت، أنا لو كان اتجلى إن اليوم دا ها يجي عمري ما كنت أصدق."
نفيسة أم العريسان بضحكة: "ومين سمعك يا أختي، دا أنا نفسي كنت خايفة لا أموت ولا يجي اليوم ده، اللي أشوف ولدي الكبير رفعت عريس فيه!"
مروة بسرعة في الرد: "بعد الشر عليكي ياما، بلاش كلامك ده وافرحي، دا إنتي النهارده جريتي فاتحة الاتنين، مش واحد فيهم."
"وإيه على جوز عرايس يحلوا من على حبل المشنقة."
قالتها الأخيرة بابتسامة واسعة وهي نظراتها مرتكزة على سمرة، لتزيد من اشتعال الحقد في قلب رضوى، وهي تشعر وكأن المقصودة بهذا الكلام سمرة وحدها، وهي مجرد تابع.
أما سمرة فكانت تحصي الدقائق لانتهاء السهرة وهي تنظر لـ بسيمة التي كانت تومئ لها بعينيها لتبادل معهم الحديث، إلا أنها لم تستطع الصمود أكثر من ذلك لتردف بابتسامة مسروقة: "طب يا جماعة عن إذنكم بجى، أصل تعبانة وعايزة أريح شوية."
"استني يابت لسه الوقت بدري."
قالتها "بسيمة" بشدة، ولكن "نعيمة" لحقتها بمودة: "سيبيها يا بسيمة، اسم الله عليها تلاقيها تعبت، خليها تروح تريح جسمها، روحي يا حبيبتي بس ياريت في الأول تبعتيلي حد ينده على واحد من الشباب رفعت ولا قاسم، عشان حد فيهم يوصلنا."
"ما لسه بدري!!!"
خرجت من فم الاثنتين بسيمة ونعيمة لتردف المرأة: "بدرى من عمركم، روحي يا حبيبتي زي ما جولتلك."
"ما تستني يا خالتي شوية، إنتي صاحبة بيت."
قالتها "سمرة" بمودة وصدق، لتزيد من فرحة الأخرى هي وابنتها التي أردفت بابتسامة واسعة: "تسلمي يا سمرة يا قمر إنتي، إحنا إن كان علينا مش عايزين نمشي، بس إنتي عارفة أبويا، حماكي عن قريب إن شاء الله، لازم ياخد الدوا بتاعه في وقته."
أومأت "سمرة" برأسها بتفهم: "آه، ماشي حاضر، ثواني هاشوف عيل ينده على واحد منهم في المندرة."
قالتها وذهبت أمام نظراتهم الفرحة.
بعد أن ابتعدت "سمرة" عنهم، وهي تبحث عن ابن خالها الصغير مروان، وقبل أن تصل لباب المندرة، فوجئت بذراع قوية، تدخلها بسرعة داخل غرفة المكتب لعمها، لتشهق مذعورة وقبل أن يخرج منها الصوت لتصرخ، فوجئت بكفه تطبق على أنفاسها، وعيناها القوية تنظر لخوفها بتشفى!!!
رواية سحر سمرة الفصل الثاني 2 - بقلم أمل نصر
كادت أن تسقط مغشياً عليها حينما رأته أمامها، وهو ينظر لها بعينيه الصقرية، مطبقاً بكفه الغليظة على فمها، حتى لا تستطيع الصراخ أو حتى الحركة.
وهو، بعد أن انتشى قليلاً بمشاهدة الذعر المرتسم على وجهها، هدر بها بصوتٍ خفيض:
- لو رفعت كفي ولو صرختي، ولا حسك طلع، هتشوفي اللي هايحصلك. وهتلبسي انتي نصيبه. يعني ما أسمعش نفسك، فاهمة!!!
أومأت برأسها صاغرة، فرفع كفه عن فمها، فأردفت هي بشفاه مرتعشة:
- فيه إيه يا "قاسم"؟! وإنتي دخلتيني هنا ليه؟!
مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة مع هذه النظرة الغريبة منه، فجحظت عيناها، وقلبها أصبح يخفق بقوة خوفاً منه، حينما وجدت نفسها محاصرة بين الحائط وذراعيه.
وهو بكل صفاقة اقترب منها، وبفحيح الأفاعي:
- يعني العمر ده كله مستنيكي، وحايش أي مخلوق عنك، عشان تيجي دلوقت وتتجوزي "رفعت" غصب عني.
- بعد عني، إنت اتجننت ولا اتخبلت.
قالتها بشجاعة زائفة، وهي تحاول إزاحته بيدها الضعيفة، وهو كالحائط أمامها لم يهتز.
- جبل كده، قلتي عليا فاجر، وأنا النهاردة جاي أكدلك يا سمرة، إني فاجر وكمان قادر.
- تقصد إيه بكلامك ده؟
اقترب أكثر منها، حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها، ليهمس بصوت أثار الرجفة في أطرافها:
- أقصد إنك، اليوم اللي هاتمضي فيه على ورقة جوازك من "رفعت"، هتبقى موافقتي على إني أشاركك فيه.
- إنت ك...
- ما تكمليش، لصوتك يتسمع، ويجي حد يشوفك معايا وتبقى فضيحة ليكي، ساعتها إنتي اللي هاتخسري.
- أخسر إيه يا مجنون إنت.. دا بين البرشام اللي بتبلعوه لحس عقلك. فاكرني عيلة وهاتخوفها. إنت ما تقدرش تلمسني غير برضايا.. ودا لا يمكن يحصل ولو على موتي يا قاسم فاهم.
قالتها بقوة لم تؤثر به، وهو بنظرة مستخفة اقترب ثانية:
- خلي جلبك الجامد ده لبعدين.. إنتي هاتبقى في بيتي وتحت عيني.. يعني هاتجيلي بدل الفرصة ألف عشان أستفرد بيكي. وبصراحة أنا أكتر حاجة بحبها فيكي.. شدتك دي.. يا سمرة.
برقت عيناها بدموع تحاول جاهدة منع نزولها:
- إنت بتعمل معايا كده ليه؟!
قالتها بقهرة، لترى الجحيم بداخل عينيه وهو يتحدث إليها:
- عشان إنتي لعنتي يا "سمرة"، اللي هاعيش وأموت بيها. طول عمري حالف ما تكوني لحد غيري، بس إنتي وصلتيها معايا لطريق مسدود، لما وافقتي بـ "رفعت" أخويا. لكن أنا بقولهالك أهي، مدام وافقتي تدخلي بيتنا، وتعيشي معانا، يبقى تجبلي بشراكتي فيكي مع أخويا، يا أخلص لك عليه وأتجوزك مكانه. اختاري يا سمرة.
هزت برأسها تستوعب ما تسمعه، من كوميديا سوداء، لتردف:
- إنت واعي للي أنت بتقوله.. إنت خطبت بنت خالي.. ومن ساعة بس كنت ملبسها دبلتك.. وأنا لبست دبلة أخوك.. يعني لا أنا أنفعك ولا إنت تنفعني خلاص.
فك ذراعيه وهو يردف بسخرية:
- بنت خالك مين يا "سمرة"؟! دي مسمار جحا.. اللي أنا حطيته عشان أرجع تاني بيتنا وأهلي يطمنوا إني شيلتك من مخي وموافق على جواز أخويا منك.
انفغرت فمها مصدومة لتردف بصعوبة:
- يعني الخطوبة.. والأدب اللي إنت راسمه علينا الأيام اللي فاتت دي كلها.. كان لعبة منك.
أومأ برأسه موافقاً وهو يعيد ترتيب عباءته على جسده ليردف بهدوء:
- أيوه يا "سمرة".. كله كان لعبة.. وراجعي نفسك تاني.. عشان كل شيء يرجع لأصله. إنتي عمرك ما هتكوني لحد غيري.
صمت قليلاً أمام عينيها الزاهلتين وبعد ذلك أكمل:
- لكن لو عايزة تكملي مع أخويا.. ماشي... يبقى تجبلي باللي بقولك عليه.
- إنت مجنون!
قالتها بازدراء ليردف هو بكل سهولة:
- أيوه مجنون.. وإنتي عارفة من زمان.. إني مجنون بيكي.. يبقى سهليها عليّ نفسك وفشّكي الخطوبة الزفت دي.. عشان أنا كمان أحِل نفسي من بنت خالك وأتجوزك بعديها.. يا تختاري الحل التاني وإنتي حرة. يلا بجى سلام.. يا حب عمري.
خرج بعد ذلك ليتركها وهي مازالت مستندة على ظهر الحائط، تعيد ما قيل من دقائق، لتستوعب ما حدث. هل يعقل أن يكون ما يقصده حقيقي؟ أم أنها تعيش أحد كوابيسها على الحقيقة.
بعد أن طال انتظارها، طلبت "نعيمة" من ابنتها "رضوى" الذهاب لتتبين سبب تأخر "سمرة". ولكنها فوجئت به وهو خارج من غرفة المكتب. فذهبت إليه متلهفة:
- قاسم إنت كنت بتعمل إيه في أوضة المكتب بتاعة أبويا؟
- وإنت مالك؟!
قالها بجفاء، ولكنه تراجع عن قسوته بعدها ليكمل:
- كنت بكلم واحد في التليفون بعيد عن الأصوات العالية. إنتي عايزة حاجة؟
هزت براسها نفياً تقول:
- لا طبعاً عايزة سلامتك. دي بس الست الوالدة كانت عايزة حد فيكم، يروح معاها هي و"مروة" يوصلهم البيت.
- طيب ماشي.
قالها وهو يتحرك إليهم، ولكنها أوقفنه بيدها:
- مش هاتاخد نمرتي؟
نظر إليها مستفهماً، فأكملت هي بخجل:
- قصدي نمرة التليفون يعني.. عشان نكلم بعض و...
قاسم بمقاطعة:
- بعدين بعدين. هابقى آخد نمرتك أو تاخدي نمرتي. ادخلي دلوقتي شوفيلي السكة، عشان أدخل وآخد أمي وأختي أروحهم.
أومأت برأسها وتحركت على الفور، لتكتمل بداخلها سلسلة الخيبات.
وبالمنزل المجاور، دخل "حسن" الخال الأصغر ل"سمرة" يهتف على زوجته "ثريا" وابنته "شيماء":
- إنتي يابت إنتي وهي قاعدين فين؟
- تعالى هنا يا بابا.. إحنا بنتفرج على المسلسل.
دلف "حسن" للغرفة فوجد زوجته وجميع أبنائه جالسين أمام التلفاز في الغرفة الضيقة ليتساءل باندهاش:
- وإنتوا قاعدين هنا ليه وزانقين نفسيكم؟ ماتتفرجوا بره في الصالة!
ردت الزوجة:
- أصل التليفزيون اللي في الصالة بايظ، فجينا نتفرج هنا.
أكملت شيماء وهي واضعة طبق (الفشار) وتأكل فيه:
- تعالى يا بابا اقعد معانا.
- اقعد فين يابت هي ناقصة زنقة. واحدة فيكم تيجي تحضرلي عشا. أخلصوا يالا.
قالها وذهب، فنهضت "ثريا" خلفه هي وابنتها "شيماء" التي هتفت على أبيها:
- لهو إنت ما أكلتش مع الجماعة في المندرة يا أبويا؟
حسن وهو يجلس على أقرب كرسي:
- وأكل ليه؟ مش أهم حاجة ناس العريس.
ثريا وهي تجلس هي الأريكة وتتبعها ابنتها أيضاً:
- طبعاً.. هو أخوك هايراعي حد. أهم حاجة عنده عريس بنته و"رفعت" أخوه عريس "سمرة". دول كبارات العيلة.
حسن وهو يومئ برأسه:
- الحمد لله الليلة تمت على خير. عقبال الفرحة الكبيرة. لكن إنتوا جيتوا بدري يعني!
شيماء بابتسامة ساخرة:
- وهنقعد ليه بس يا أبويا. الليلة خلصت بدري وصفصت علينا إحنا وناس العرسان. قولنا نسيبهم ونمشي. ما هما نسايب مع بعض.
ثريا وهي تلوح بكفها في الهواء:
- بس كله كوم وبت أختك "سمرة" كوم تاني. البت عاملة زي البرنسيسة. كل الحريم هاتتجنن عليها. ولا "رفعت" عريسها.. كبير ناسه التقيل.. كان عامل زي العيل الصغير جنبها.
شيماء هي الأخرى:
- أيوه يا ماما.. دا حتى "قاسم" نفسه عريس "رضوى" ما كانش شايل عينه من عليها.
حسن بغضب:
- عيب عليكي يا "شيماء" ماتقوليش كده.
ثريا باستنكار:
- خبر إيه يا راجل؟ بتغلطيها ليه؟ لهو إنت فاكرها عيلة صغيرة ما تعرفش. دي حكاية "قاسم" وعمايله عشان يتجوز "سمرة" تتحكي في الكتب.
أشاح بوجهه عنها بغضب دون أن ينطق بكلمة، فاكملت "شيماء":
- أيوه يا أبويا.. أمي عندها حق.. والناس كلها عارفة بالكلام ده. بس أنا اللي مجنني.. كيف قبلت بيه "رضوى" وهي عارفة إن بنت عمتها.. ياما رفضته عشان سمعته الزفت!!.
زفر الرجل بضيق قبل أن يقول:
- أنا عن نفسي الجوازة دي.. قلبي مش مستريح لها واصل.. ومتأكد إن مش جاية وراها خير أبداً. وربنا يستر.
وعودٌ لبيت "سليمان" فقد كانت "رضوى" في غرفتها ممسكة بالهاتف تقلب في الصور التي التقطت لها معه، عندما كان جالساً بجوارها وهو يضع خاتم الخطبة. وبعض اللقطات الجميلة لهما، على الرغم من جمود هيئته، ولكن هذا لم ينقص من وسامته شيء. تنظر إلى صورته بهيام. لا تصدق أنها أخيراً.. قد فازت به بعد كل هذا العذاب. فقد كان بالنسبة المستحيل بعينه. على الرغم من علمها بحكاياته السابقة وأفعاله المجنونة في صد أي خاطب ل"سمرة" ومحاولاته الحثيثة لأن توافق على الزواج منه. هذا بالإضافة لسمعته السيئة التي كانت سبباً رئيسياً في اعتراض أبيها في البداية. ولولا إصرارها لما وافق على الزواج.
ولكنها الآن بعد أن تمت الخطبة وأصبح الحلم على بعد خطوة.. أصبح إصرارها على التمسك به أضعاف ولن تسمح له بالعودة للوراء مهما كلفها هذا.
- خلاص الحلم قرب.. وبعد كده مافيش أي حاجة هاتبعدني عنك.. حتى لو كانت "سمرة" ذات نفسها!!!
خرجت منها بصوت واضح لنفسها وهي تتنفس بخشونة وإصرار.
وفي الغرفة المجاورة.. كانت "سمرة" على الفراش منكمشة على نفسها، وسيل دموعها لم يتوقف. لا تدري إلى متى ينتهي هذا الكابوس من حياتها؟.. ألا يكفي أنه كان السبب الرئيسي في وصولها إلى هذا السن بدون الزواج. وذلك بأفعاله المتهورة مع أي شاب غريب يتقدم لها. ومنع أي فرد من عائلتها من الزواج منها. ألم يكتفِ منها بعد وهي التي أقسمت له ولنفسها مرات عديدة، أنها لو انقرضت الرجال ولم يتبق إلا هو، فلن تتزوج منه. تفضل الموت على الزواج منه. هذا المغرور المهووس. كيف السبيل للخلاص منه.
هدوى صوت هاتفها، فالتقطته من فوق الكومود، لترى أن المتصل هو أخيه "رفعت". ذو الأخلاق النبيلة الذي تحدى أخيه للزواج منها. في خطوة لم يستطع أي من الرجال فعلها سواء كان غريباً أو من العائلة نفسها خوفاً منه ومن بطشه.
دوى الهاتف باتصاله مرة أخرى، وهي لا تستطيع الرد على اتصاله. فوضعته ثانيةً على الكومود، تعتصر بداخلها هذا الألم، وهي لا تستطيع حتى البوح بما قاله لها هذا المجنون!!
أما هو فقد كان جالساً فوق سطح منزل صديقه "محسن" متكئاً على الوسادة ينفث دخان الأرجيلة لأعلى، مستمتعاً بهذه السحابة التي يفعلها الدخان أمامه. غير مبالٍ بفعله الذي جعل صديقه يضرب كفاً بكف قبل أن يردف باندهاش:
- أنا مش عارف.. إنت إزاي جالتك الجرأة تقولها الكلام ده؟
نزل بعينيه لينظر لصديقه ويتحدث ببرود:
- أمال يعني كنت عايزني أعمل إيه؟.. بعد ما حطتني في خانة البيك.. بقبولها لـ "رفعت" أخويا.. اللي كل فلوس العيلة تحت إيده!
محسن بعدم استيعاب:
- يا صاحبي فهمني بس.. إنت إزاي بتحبها.. وتقبل راجل تاني يشاركك فيها.
رفع حاجبه بخطورة:
- ومين جالك إني هاقبل أي حد يشاركني فيها.. حتى لو كان أخويا!!
نظر إليه "محسن" جيداً كي يفهم:
- أمال إيه بس؟.. مش إنت اللي قايلها كده بضمير لسانك!
هز برأسه وابتسم بخبث:
- إنت كأنك حم... ولا إيه بس؟.. ياض افهم.. أنا المرة دي ما أقدرش أروح للعريس وأهدده ولا أعمل أي حاجة معاه.. عشان هي المرة دي مسكتني من يدي اللي بتوجعني. يعني الرفض لازم يجي منها.. وأفضل أنا بعيد عن الصورة.. وكل حاجة بعد كده تيجي طبيعي.
- طب وافرض راحت لأخوك وقالت له.. هتعمل إيه إنت ساعتها؟
ضحك بسخرية من بلاهة صديقه:
- إنت أهبل ياض.. في واحدة هتروح لخطيبها.. وتقول له.. أخوك زنقني في أوضة المكتب!!.. في يوم خطوبتنا!!
حك بأطراف أصابعه على جانب رأسه وهو يرمش بعينيه ليردف منبهراً:
- لا بصراحة.. إنت الشيطان نفسه يتعلم منك.. بس أنا عندي سؤال أخير.
زفر "قاسم" بضيق:
- وبعدين بجى في الليلة دي.. آخر سؤال وخلصني يا "محسن".
محسن وهو يستجمع شجاعته:
- افرض أخوك عرف وصدقها واتجوزها غصب عنك.. هاتعمل إيه إنت ساعتها.
ترك ذراع الأرجيلة بعنف.. لينظر لصديقه بعينين مشتعلتين.. وهو يضغط بشدة على كل حرف:
- ما فيش افرض. "سمرة" عمرها ما هتبقى لحد غيري.. "سمرة" حقي وأنا هدافع عن حقي ان شاء الله حتى بالدم.
رواية سحر سمرة الفصل الثالث 3 - بقلم أمل نصر
دلفت "بسيمة" لغرفة ابنتها "سمرة" لتجدها جالسة على مقعد صغير تتناول حذاءها وتضع قدمها داخله بعد أن أكملت ملبسها. نظرت إليها مندهشة:
- لابسة كده، ورايحة فين على أول الصبح؟
- رايحة شغلي، يعني هاروح فين؟
قالتها "سمرة" وهي تنهض لتفاجأ بوالدتها تمسك بذراعها توقفها.
- يابت انتي اتجننتي، في واحدة تطلع وشبكتها كانت امبارح!
- أنا رايحة شغلي، مش رايحة اتفسح.
- يابت ماتتعبيش قلبي، الناس اللي هاتيجي تبارك، ولا ناس العريس لما يجيبولك شنطة الهدوم، هانقول لهم إيه؟
تناولت حقيبتها لتضعها على ذراعها قبل أن ترد:
- مالكيش دعوة بناس العريس، أنا هاتصل بـ"مروة" وهأفهمها، أما بجى حكاية الجيران والناس اللي هاتبارك، فـ"رضوى" بت خالي أهي قاعدة وتسد عني!
***
وفي مكان آخر بالعاصمة، في حي راقٍ لا يسكنه إلا النخبة المتميزة من السكان، دخلت المرأة العجوز وهي تتحامل على نفسها لغرفته. اقتربت منه وهو جالس بالشرفة يتناول قهوته بشرود.
- سرحان في إيه؟
قالتها المرأة وهي تضع كف يدها على ذراعه، جعلته يجفل منتفضاً. ليتناول يدها بعد ذلك مبتسماً ويقبلها.
-ست الكل منوراني بنفسها.
- طب أعمل إيه؟ بقالي كام يوم عايزة أشوفك عشان واحشني، وأنت ولا سائل!
ابتسم ببشاشة وهو يتناول كف يدها ويقبلها مرة أخرى.
- ينهار أبيض، بقى "لبنة" هانم بنفسها، نفسها تشوفني وأنا أتأخر، سامحيني يا ست الكل، أنا آسف حقيقي.
ضربت بالكف الأخرى على جبهة رأسه.
- بطل كش، ووفر كلامك الحلو ده للعروسة.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى مستنكراً.
- عروسة إيه بس يا تيتيه؟ انتي لسه برضوا حاطة الكلام ده في دماغك.
صمتت المرأة وهي تنظر إليه بغضب، فأنب نفسه ليردف:
- خلاص يا تيتيه بقى، ماتزعليش، انتي عارفاني مقدرش على زعلك.
زفرت بضيق قبل أن تقول:
- يا بني أنا مش بجبرك عليها، بس "صافيناز" ماتتعايبش، وأنت مش صغير عشان تستنى تاني على جوازك، أنا عايزة أفرح بولادك قبل ما أموت.
تقدم منها ليقبل رأسها.
- ألف بعد الشر عليكي يا ست الكل، ربنا يخليكي ليا، دا انتي اللي فاضلالي من ريحة الغاليين.
- أنا مش عايزة إك تراضيني، أنا عايزة فعل.
قالتها وهي تنظر لعينيه لتتبين صدقه، ليومئ برأسه هو.
- حاضر يا تيتيه، هأفكر في الموضوع بجد المرة دي، و"صافيناز" بنت حلال زي ما بتقولي انتي، بس والنبي اديني فرصة كام يوم.
- رؤوف!
- خلاص يا تيته بقى، أنا وعدتك!
***
وعودة ثانيةً للجنوب، وبداخل مدرسة (أخلاق العظماء)، كانت جالسة على كرسي خشبي في فناء المدرسة مستمتعة بهذا الهواء النقي الذي ينبعث من مجموعة الأشجار القديمة حولها، لاهيةً نفسها بمتابعة مباراة كرة القدم المقامة بين فريقين من الطلاب. لتجفل منتفضة على صوت صديقتها.
-يا ما شاء الله، العروسة قاعدة هنا وأنا بدور عليها.
- بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا "رحمة".
قالتها "سمرة" وهي تضع يدها على قلبها.
- سلامتك ياقلبي من الخضة، قوللي بقى، انتي إيه اللي جايبك النهارده، وانتي أساساً كنتي واخدة إجازة عشان خطوبتك؟
ضغطت بأطراف أصابعها على جبهتها وهي تشيح بوجهها عنها، فردفت صديقتها بطرافة:
- دا انتي باينك عاملة مشكلة، هببتي إيه يابت مع خطيبك؟
التفتت لها "سمرة" بعينين لامعتين، مما جعل صديقتها تجفل لرد فعلها.
- لاااا... دا يبين الموضوع كبير، احكيلي يا "سمرة"، إيه اللي واجعك بالشكل ده، احكيلي يا صاحبة عمري اللي تاعبك.
***
- راحت المدرسة!! إزاي يعني؟
هذا ما ردفه "رفعت" لأخته "مروة" باندهاش، لترد الأخرى:
- أنا برضوا استغربت زيك كده وجلتلها، بس هي كان ردها إنها عايزة تخلص المنهج المتراكم عليها مع الطلاب.
ردف هو غاضباً:
- وبتتصل بيكي انتي ليه، وما تقوليش أنا؟
- ماهي اتصلت بيك يا "رفعت"، وانت كنت نايم ومرديتش عليها.
تناول هاتفه ليتبين صدق ما تردف به "مروة"، فالتفت لأخته حانقاً.
- ويعني هي افتكرت تتصل بيا وأنا نايم، وما هانش عليها ترد على اتصال واحد مني الليلة اللي فاتت!!
- ماهي جالتلي اعتذرلك، عشان كانت نايمة وعاملة التليفون صامت.
قالتها بمكر وهي تنظر إليه بتفحص، لتكمل بعدها بسؤال:
- هو إنت بتحب "سمرة" من زمان يا "رفعت"؟
أسبل عينيه بعيداً عنها وهو يهدر بجدية.
- امشي يا "مروة" حضري لي الفطار، اخلصي بابت، امشي من قدامي.
ازدادت ابتسامتها اتساعاً وهي تتحرك للخروج من الغرفة.
- ماشي يا أخويا اللي تؤمر بيه، رايحة أحضر لك الفطار... يا عريس.
زفر بقوة بعد أن خرجت من الغرفة، وكأنها أمسكته بفعل إجرامي.
***
- ينهار أسود! انتي بتتكلمي بجد ولا بتهزري؟
قالتها "رحمة" بدهشة. فمالت زاوية فمها الأخرى بسخرية، مع هذه الدمعة التي سقطت دون إرادتها.
- ياريت يا "رحمة" يكون هزار، ياريت يكون كابوس وأصحى منه وبعدها أعيش حياتي، ياريت.
هزت رأسها مستنكرة.
- بس أنا عايزة أفهم، إنتوا إزاي اتخدعتوا فيه، ونسيتوا تاريخه الزفت وعمايله!!
زفرت "سمرة" بقوة.
- إذا كان قدر يقنع أخوه وناسه، مش هايقدر يقنع خالي وبنته.
- يعني بعد ما قولنا إنه خلاص بعد عنينا وخلصنا منه، يطلع لنا تاني بنفس إجرامه القديم.
لعقت دمعة على شفتيها ثم أردفت.
- انتي عارفة يا "رحمة" أنا إيه اللي تعبني صح؟.... النظرة اللي شوفتها في عينيه، نظرة تبين لك حقيقي إنه مابيهزرش، ولا بيهوش بالكلام.
- طيب وبعدين يا "سمرة"، هاتتصرفي إزاي معاه؟
أخذت نفساً طويلاً ثم أخرجته ثانيةً.
- مش عارفة يا "رحمة"، مش عارفة، مخي وقف وأنا مش لاقية حل، بس انتي عارفة أنا نفسي في إيه؟
- جولي يا "سمرة"، نفسك في إيه؟
- نفسي أروح لأبويا وأقول له يحميني، نفسي أسأله، انت ليه مشيت وما سألتش عليا تاني، وسبتني لأمي اللي غلطت أكبر غلطة في حقي لما وعدت "قاسم" بجوازي منه، عشان المجنون ده يمسك في الكلمة دي ويسود لي عيشتي.
قالتها الأخيرة بصوت مبحوح، لتردف صديقتها وهي تربت على ذراعها.
- يعني هي كانت تعرف اللي هايحصل، أمك لما وعدتوه كان هو لسه صغير وما كانش باين عليه إنه هايبقى بالجنان ده، يلا بقى النصيب، ربنا يكون في عونك.
***
وعند "رضوى" التي كانت تتلقى التهاني والمباركات من النساء الأقارب والجيران، وهي تبتسم بسعادة، تظهر حقيقة ما تشعر به، فتبرع أيضاً في إخفاء هذه الغصة الموجودة بداخلها. زفرت بضيق بعد أن خرجت إحدى النساء الجيران من البيت، لتنظر لوالدتها بعينين مشتعلتين.
- شايفة ياما مجصوفة الرقبة، اللي جايبالي الكلام والحديث!
- مجصوفة مين؟ وكلام إيه اللي بتجولي عليه؟
- الست "سمرة" اللي راحت شغلها، وسابتني أنا لأسئلة الحريم اللي حرقت أعصابي.
- قصدك يعني على شنط الهدوم، ماهي "مروة" جالتلك إنها هاتيجي بيهم بعد الضهر.
- بعد الست البرنسيسة ما ترجع من الشغل، عشان ياخدوا رأيها فيهم، وأنا أولع مع نفسي وتتحرق أعصابي من أسئلة الحريم، اللي نفسها تتفرج على حاجتي وهدية العريس، اللي لسه في انتظار الهانم.
نظرت إليها صامتة، فهدرت "رضوى".
- ساكتي ليه ياما؟ ما تتكلمي!
- يعني هأقول إيه بس يا بتي؟
- تقولي إن الزفتة دي، زي ما خدت حظي طول السنين اللي فاتت، كمان قاطعة فرحتي دلوقتي.
هزت المرأة رأسها يأساً وهي تمتم بصوت خفيض.
- ربنا يهديكي يا بتي.
***
بعد أن ترجلت من سيارة الأجرة، وقبل أن تصل لموقف السيارات التابع لقريتها، توقفت شارده تنظر لهؤلاء البشر الخارجين بكثافة من محطة القطار، التي تمر عليها ذهاباً وإياباً في كل مرة ذهبت فيها لعملها. كم تمنت لو كان أباها ضمن هؤلاء البشر، لتهز برأسها وتنفض هذه الفكرة التي آلمتها من كثرة التخيل.
- انتي بينك رجعتي لهبل الطفولة تاني يا "سمرة"!!
تمتمت بها لنفسها، لتفاجأ به واقفاً أمامها بجوار سيارته ناظراً لها بابتسامة جميلة، فتقدمت بخطواتها إليه.
- انت هنا من امتى؟
قالتها بابتسامة ساحرة، أسرت قلبه ليرد عليها عالمُغيب.
- أنا في انتظارك بقالي زمن طويل.
أجفلت لمقولته مندهشة.
- إزاي يعني زمن طويل؟ تجصد مستنيني من بدري!
هز برأسه وكأنه فاق من شروده.
- اركبي يا "سمرة" أوصلك، يالا اتحركي، أنا خطيبك وواد عمك، مش غريب عليكي يعني!
قال الأخيرة بإصرار، جعلها تدلف للسيارة دون اعتراض.
***
وبداخل السيارة، تحدث بعتب.
- برضوا دا كلام يا "سمرة"، تيجي شغلك تاني يوم خطوبتك.
- ما أنا فهمت "مروة" إنه غصبن عني، عشان المنهج و...
- قالت لي "مروة" كل اللي هتقوليه، بس برضوا أنا زعلان، عشان قعدت الليل كله امبارح أرن عليكِ، وأنا نفسي أسمع صوتك.
بلعت أرياقها بتوتر وهي مسبلة عينيها.
- عندك حق، بس أنا كنت تعبانة، فنمت زي الأموات.
- ما سمعتش أي رنة.
- بعد الشر عليكي من الموت يا "سمرة".
قالها بسرعة وعيناه عليها وهو يقود السيارة، وبعدها تناول علبة مغلفة من جواره.
- امسكي يا "سمرة"؟ دا تليفون عشان أكلمك بيه.
- لا يا "رفعت"، أنا معايا واحد.
قالتها وهي تهز رأسها، فنظر إليها غاضباً.
- اخلصي يا "سمرة" وما تزعلنيش، دا حقك عليا أنا خطيبك.
شعرت بالحرج، ولكنها لم تشأ إغضابه، فتناولته لتتفاجأ منبهرة.
- إيه ده يا "رفعت"؟ دا أحدث نوع في السوق واسمع إنه غالي جداً.
نظر إليها ليردف بصوت أجش.
- ما فيش حاجة تغلى عليكي يا "سمرة"، انتي اتخلقتي عشان تبقي برنسيسة.
فتحت فمها وأقفلته عدة مرات، وهي لا تجد كلمة مناسبة لهذا الكرم منه، وهو يبادلها بنظراته الحنونة، رغم انشغاله بالقيادة، فأردفت ممتنة بابتسامة خجولة.
- أنا متشكرة جوي، على ذوقك وكلامك اللي يجنن.
ليرد هو بصوت دافئ.
- متشكرنيش... انتي أتمني بس وجولي عاللي نفسك فيه.
اتسعت ابتسامتها لتردف بمرح.
- لا يا عم أنا بالشكل ده أبقى طماعة، دا زين جوي كده.
- زين جوي يا "سمرة".
قالها بطرافة فبادلته هي بابتسامة رائعة، ولكنها أجفلت منتفضة على صوت السيارة التي أوقفها "رفعت" على حين غرة لدرجة آلمتها، حينما فوجئ به واقفاً أمامه وسط الطريق، ليهدر بزعر.
- انت اتجننت يا "قاسم"؟ مش خايف لادوسك بالعربية!
رواية سحر سمرة الفصل الرابع 4 - بقلم أمل نصر
كان واقفاً وسط الطريق، ينفث دخان سيجارته بلا مبالاة، حتى وأخيه يهدر فيه.
ضيق عينيه ليأخذ نفساً طويلاً من السيجارة التي بين أصابعه، ثم نثرها بسهولة، فوقعت أرضاً وداس عليها بحذائه أمام "سمرة" المذعورة و"رفعت" أخيه الذي فقد أعصابه من جموده.
بحنكة غريبة، فتح فمه بابتسامة عريضة وهو يقترب من السيارة.
"ايه، انت اتخضيت ولا ايه يا 'عم' رفعت؟!.. انت ناسى ان اخوك جلبه جامد!"
قالها وهو مائلاً بجسده على نافذة السيارة وهو يحدث أخيه، الذي زفر حانقاً.
"يخربيتك ياشيخ.. دا برضك هزار يا 'قاسم'، انت عايز نهايتك تيجى على يدى!"
ابتسم بخبث ثم أردف.
"نهاية مين يا 'رفعت'؟!.. انا بس طلبت معايا هزار تيجي معاك... ازيك يا 'سمرة' عاملة ايه؟!"
يحدثها بعفوية أمام أخيه، الذي لا يرى هذه الرسائل الخفية، التي يرسلها هذا المجنون، وهي فقط من تقرأها، ليزيد بداخلها الرعب منه.
أجلجت حلقها أولاً لكى تستطيع التحدث.
"أهلاً يا 'قاسم'، تشكر عالسؤال."
وبنبرة ماكرة.
"امال اا... انتوا جايين من فين يعنى دلوك؟!"
رفعت بحسن نية.
"كنت عامل مشوار فى المحافظة وجابلت 'سمرة' عند المحطة، جولت اجيبها معايا في سكتي، انت بجى رايح ولا جاي؟!"
ابتسم بمكر ليردف.
"انا برضو في طريقكم، ما انا كمان عايز اشوف رأي رضوى في شنطة هدومها."
أومأ "رفعت" برأسه.
"ااه... انتوا بعتوا الشنط مع 'مروة'، طب اركب معانا نوصلك."
فتح الباب الخلفي للسيارة ليدلف بداخلها وهو يتصنع الخجل.
"معلش بجى ياجماعة هابجى عزول مابينكم، بس انتوا عارفين انا ممعايش عربية."
رفعت وهو ينظر إليه في المرآة.
"معلش يا 'قاسم'، بكره إن شاء الله تنزل تجيبلك عربيه زينة، بدل اللي راحت."
تنهد بصوت واضح ليردف.
"ااه منه لله بجى اللي سرقها."
أما "سمرة" التي لا تصدقه في أي شيء، ولا حتى رواية سرقة السيارة، كانت تشعر باختراق نظراته لظهرها، وهي تبتلع في ريقها وقلبها يضرب بسرعة من الخوف.
"ها... ايه رأيك في الهدوم يا 'رضوى' وبقية الهدايا؟!"
قالتها "مروة" وهي تخرج قطع الملابس المتنوعة من الحقيبة الكبيرة، وهذا عُرف القرية، فكل خاطب يأتي لعروسه بحقيبة كبيرة من الملابس وأدوات الميكب بعد إتمام الخطوبة.
رضوى وهي تنظر بانبهار لكل قطعة بين يديها.
"الله يا 'مروة'، كل هدمة أحلى من الثانية، ولا انتي ايه رأيك ياما؟!"
قالت الأخيرة وهي تعرض القطعة على والدتها، التي تهللت أساريرها.
"حلوة جوى يابنتي، زوقك عسل يا 'مروة'، تلاقي تعبتي فيهم."
مروه بموده.
"الله يحفظك يارب يا خالتي، ولا تعبت ولا حاجة، أنا روحت للمحل المتعودين نشتري منه، نجيت الهدوم وبعدها حملوها العمال في العربية، أنا بس كنت خايفة لا ميعجبش العرايس، ومدام اتطمنت من 'رضوى'، يبجى فاضل بجى 'سمرة'، ولا ايه رأيك يا خالتي 'بسيمة'؟!"
بسيمه وهي تنظر لقطعة بيدها.
"اكيد لو زي كده هاتعجبها."
"طيب ما تفتحي الشنطة وخلينا نشوف يا 'مروة'."
قالتها "رضوى" بفضول، لتتفاجأ برد قاطع من "مروة".
"لا معلش، أنا جايه الضهر، عشان أشوف رأي 'سمرة' بنفسي وهي أول واحده لازم تشوف حاجتها."
شعرت بحرج شديد، فآرادت تغيير دفة الحديث.
"طيب هو 'قاسم'... مجاش ليه معاكي؟"
تنهدت بسأم لتردف.
"ما أنا سألته وجالي ورايا مشوار مهم، اكيد هايجيلك لما يفضى."
همت لتسأل ثانيةً ولكنها تفاجأت بهذه الأصوات الصادرة، لتتفاجأ هي والجميع بدخول الحاج "سليمان" وهو يدلف للبيت ومعه "رفعت" و"قاسم" مرحباً بهم، و"سمرة" تدلف معهم.
وفى العاصمة شمالاً، كان جالساً على مكتبه الفخم يوقع على عدة أوراق أمامه، حينما سمع طرقاً خفيفاً على باب الغرفة.
ثم طل صاحبه بمرح.
"صباح الفل يا أؤوفه."
قالها ثم دلف لداخل الغرفة منتشياً أمام نظرات "رؤوف" الممتعضة.
"ايه أؤوفه دي؟!... هي ليلتك كانت بلدي امبارح ولا أيه؟!"
الشاب بضحكه جلية.
"ومالوا البلدي؟!... هو في أحلى من البلدي."
رفع أنظاره وهو يهز رأسه بيأس.
"بس لو ربنا يهديك يا 'تيسير'، وتبطل السكة المهببة اللي انت ماشي فيها دي."
مال بظهره على المقعد ووضع قدماً فوق الأخرى ليردف.
"أنا ياعم مبسوط كده، عايش حياتي مش مقفلها على نفسي زيك."
ترك القلم بلامبالاة لينظر إليه بحنق.
"أنا مقفلها على نفسي يا 'تيسير'!!.. هو أنا لازم أبقى صايع زيك عشان مبقاش مقفل."
أومأ برأسه مبتسماً.
"دا حقيقي، انتي لازم تبقي زيي."
عاد ليكمل للنظر في أوراقه ثانيةً وهو يبتسم.
"ربنا ما يكتب عليا أبقى زيك، أنا كده مبسوط أوي."
مال برأسه يتفحصه.
"طب هات عيني في عينك كده!!"
"يوووه يا 'تيسير'، أنا مش فاضيلك بقى."
قالها بغضب ليتراجع الآخر.
"خلاص ياسيدي ما تزعلش، بس أنا سمعت من تيته 'لبنى'، إنك قربت تخطب، صحيح الكلام ده؟!"
أومأ برأسه موافقاً.
"دا حقيقي، أنا فعلاً وعدتها، بس قلتلها تديني فرصة كام كده."
"فرصة إيه ياعم! .. هي 'صافيناز' تتعيب، دي قمر."
"هي كمان قالتلك على 'صافيناز'، عالعموم، أنا لسه بفكر."
وعوده ثانيةً لبيت "سليمان" الذي أصر على الشقيقان، بضرورة تناول وجبة الغداء معه.
وبينما الاثنان بداخل المندرة في انتظار الطعام، كانت "مروة" تخرج قطع الملابس من الحقيبة التي خصصت ل"سمرة" وهي في اشتياق كبير لسماع رأيها.
"ها....... عجبوكي يا 'سمرة'؟!"
سمره بعقل مشتت مما يحدث حولها.
"حلوين يا 'مروة' وجمال جدا كمان."
خبأت ابتسامتها لتردف.
"شكل الهدوم معجبتكيش 'ياسمرة'، أنا عارفه ان زوجي مش ها يجي زي زوجك و..."
"بس يابنتي والله عاجبني، ايه لزوموا الكلام ده بس؟!"
قالتها "سمرة" بمقاطعة لترد الأخرى.
"أصل شايفاكي يعني بتبتسمي من غير نفس."
ابتسمت "سمرة" بمودة حقيقية ثم نهضت من مقعدها لتجلس بجوارها تحتضنها.
"انتي جلبك طيب جوي يا 'مروة'، ماتزعليش مني أنا بس دماغي مشغولة شوية."
بادلتها "مروة" ابتسامتها وهي تربت على ذراعها وهمت لتتحدث ولكن أوقفها هذا الصوت الأنثوي.
"ما شاء الله، انتوا من دلوك بتحضنوا في بعض أمال لما تبجوا في بيت واحد هاتعملوا إيه؟!"
مروه بحبور.
"يا حبيبتي يا 'رضوى' تعالي انتي كمان معانا."
رضوى وهي تحاول السيطرة على ما تشعر به.
"لا ياحبيبتي مش وجته، احنا حضرنا الغدا، ياللا بجى عشان نتغدى."
"ماشي ياحبيبتي......"
قالتها "مروة" وهي تحاول النهوض ولكن تفاجأت بهذه العلبة الصغيرة التي كانت بجوار "سمرة".
"ايه ده؟!... أنا مش فاكرة إني جبته."
سمره بحسن نية.
"لا ما دا عطوهولي 'رفعت' في العربية قبل مانوصل."
تفاجأت "مروة" ونهضت دون كلمة واحدة بعد أن رأت هذه النظرة المشتعلة من "رضوى"، أما الأخرى فزاد الحريق بداخلها أكثر.
"مش كنت تجولي يا 'رفعت'، أنا بجيت في نص هدومي."
قالتها "مروة" بعتب لأخيها بداخل منزلهم بعد انتهاء الزيارة.
ليردف "رفعت" مندهشاً.
"ليه يعني؟!... هو أنا ها أقولك على كل هدية جايبها لخطيبتي؟!"
مروه.
"لا يا 'رفعت'، بس أنا اتكسفت من 'رضوى' أكمن 'قاسم' ما جابلهش زيك."
أومأ برأسه متفهماً.
"ااااه... طب خلاص أنا هابنبهوا يجيبله واحد."
نفيسه بحبور.
"عين العجل يا ولدي، عشان البت ما تزعلش وتاخد على خاطرها!!"
هذه المرة "رضوى" لم تتماسك كعادتها، فبعد زيارة اليوم وما رأته من أفعال "رفعت" ل"سمرة" ونظراته التي تنطق بأجمل كلمات الحب لها.
وفي المقابل لا ترى من "قاسم" إلا جموداً، وحتى ابتساماته كأنها مسروقة، وهي ليست غبية حتى لا ترى تحديقه ب"سمرة" حتى لو كان يظهر العكس.
وما زاد الطين بله، هذا الهاتف الجديد الذي أتى به "رفعت" لهذه المحظوظة دوماً وأبداً.
أما هي، فا أخيراً قد من عليها بأن دون رقمه بداخل هاتفها، ولكنه لم يكلف نفسه عناء الاتصال بها ولا حتى الرد عليها.
استقامت لتجرب مرة ثانية، فقامت بمهاتفته ولكنه أيضاً لم يرد.
لترتمي على فراشها مفرغة همها بهذه الدموع العزيزة التي لا تصدر منها إلا نادراً.
وبداخل ملهى ليلي، خاص بالسياح وبعض عائلة القوم بداخل المدينة، كان جالساً على طاولة وزعت عليها مشروبات الخمر وبعض المسليات مع مجموعة من أصدقاء السوء القدامى والفتيات.
وكأنه بركاناً يغلي بداخله، يتجرع الكأس تلو الأخرى ولا شيء يلهيه عن ما يحترق بداخله.
أجفل أخيراً لهذا الصوت الرفيع.
"قاسم باشا، ياقاسم بيه."
أردف بحدة.
"عايزة إيه يابت؟!"
أصدرت ضحكة رقيقة أولاً.
"أخيراً رديت، دا أنا بقالي ساعة بكلمك، اللي شاغل عقلك؟!"
"شاغل دا إيه؟!.. قولي اللي واكلة عجلة، اللي مجنناه."
قالها "محسن" بسخرية، لتنطلق بعدها الضحكات الرقيقة والخشنة من أصدقائه وفتيات الملهى.
وهو ينظر إليهم بتبلد، ثم ما لبث أن نهض عن مقعده غاضباً.
"يوووه... أنا جايم وسايبالكم، خلوا حد غيري يدفع بجى."
قالها وهو يسير مترنحاً من أثر الشرب.
حاول صديقه أن يوقفه ولكنه نفض ذراع صديقه بقوة.
"أوعى سيب... وماحدش ياجي ورايا، مش عايز أشوف خلجة حد فيكم."
ارتعد "محسن" من هيئته، فوقف ثابتاً مكانه وهو ينظر لأثره بخوف.
وخارج الملهى جلس بالسيارة ممسكاً الهاتف يبحث عن رقم هاتفها الذي دونه على حين غفلة من "رضوى" التي أعطته هاتفها بكل سعادة يبحث فيه، أملاً في إرضائه.
وبعد أن اتصل برقمها انتظر قليلاً ثم ما لبث أن أتاه الرد بصوت ناعس وناعم أثار القشعريرة بداخله.
"الو... مين معايا؟!"
رد بصوت خفيض ومريب.
"بجى بتروحي وتيجي معاه من دلوك يا 'سمرة'."
انتفضت مستقيمة بجزعها عن الفراش.
"مين معايا؟!"
"انتي عارفه أنا مين؟!"
قالها بحده أرعدتها، وقبل أن تغلق الهاتف أتاها صوته آمراً.
"إياكي تجفلي السكة، يا هاتشوفى اللي هايحصلك وانتي عارفاني."
أطبقت أجفانها بيأس ثم اردفت.
"عايز إيه يا 'قاسم'؟!"
"والله انتي عارفه أنا عايز إيه!!"
تنهدت بتعب.
"وأنا جولتلك، ماينفعش يا 'قاسم'، كام مرة أكررها."
انتظرت لحظات من الصمت كالدهر ثم أتاها صوته.
"شكلك كده لسه ما استوعبتيش كلامي، بس أنا بجى هافهمك بالفعل وجريب جوي."
"تجصد إيه؟!"
قالتها برعب لتتفاجأ بغلق الاتصال دون استئذان، لترتمي على الفراش وقد سرق النوم من أعينها لهذه الليلة وربما جميع الليالي القادمة.
رواية سحر سمرة الفصل الخامس 5 - بقلم أمل نصر
بعد إنهاء المكالمة، قضت ليلتها على فراش من الجمر، قلبها يرجف بداخل أضلعها مما هو قادم، وعقلها يصور
أبشع الصور. هي تعلمه جيدًا، فتاريخه يشهد بما هو قادر على فعله. ولكن كيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟ وما الذي تستطيع فعله هي لحماية نفسها؟ والأهم الآن، ماذا يقصد بالفعل "قريبًا"؟
في اليوم التالي، كانت البداية حينما أخبرها عمها بطلب "قاسم" و"رفعت" بالتعجيل بالزواج، بل وتحديد الزفاف في ظرف أسبوع. تهلل وجه "رضوى" بالفرح، ولولا الحياء لرقصت أمام أبيها. بينما هي هبت منتفضة:
"إنتي بتجولي إيه يا عمي؟"
"كيف يعني بعد أسبوع؟"
سليمان: "بجولك يابتي اللي حاصل، فيها إيه دي؟"
وبنبرة غاضبة: "فيها أسبوع بس يا عمي، هو سلج بيض؟ وأنا مش جاهزة خالص."
هدرت "رضوى": "مش جاهزة لإيه بالظبط فهمينا؟"
صاحت الأخرى: "الهدوم يا أبلة والجهاز، ولا الكوافير وفستان الفرح، ولا إنتي نسيتي؟"
"إن كان عالهدوم، من بكرة تنزلوا تنجوا على كيفكم، وجهازكم يجي من عشية طول ما الفلوس جاهزة. أما بجى حكاية الكوافير وفستان الفرح، فدا شيء يخصهم هما يتصرفوا فيه."
أفحمها في الرد، فلم تدرِ بما تجيب أمام نظرات "رضوى" المتشفية، فقررت التحدث مع صاحب الأمر.
***
دلف بخطوات متثاقلة لداخل الغرفة بعد أن أرسل إليه أبيه في طلبه:
"صباح الخير يا بوي."
تهلل وجه الرجل حينما رآه، فقام ليعتدل في فراشه وهو يرد بحماس:
"تعالى يا ولدي، تعالى هنا جمبي."
أسرع في خطواته ليثنيه:
"براحة يا بوي، الحركة تعب عليك."
الرجل وهو يربت على ذراعه بعد أن جلس بجواره:
"ياريت يكون التعب في الحركة بس، ميكونش في حاجة تانية."
أجفل لحديث أبيه، فنظر إليه متسائلاً:
"تصدق إيه يا بوي؟"
الرجل وهو يحدق بعينيه:
"قالولي إنك صحيت الصبح النهاردة، وكل اللي على لسانك عايز أتجوّز بسرعة، عايز أتجوّز بسرعة."
ما زال محدقًا بعينيه وهو صامت، ليتابع:
"إنت صح رايد تتجوز "رضوى"؟"
رمش بأجفانه وهو يرسم ابتسامة على وجهه:
"واه، وأنا لو مش رايدها، هطلب ليه جوزاها من الأساس؟"
"طب و"سمرة" نسيتها؟"
أشاح بوجهه يظهر غضبًا:
"خبر إيه يا بوي؟ دي خطيبة أخوي، وبكرة تبجى مرته، يعني الكلام ده..."
قاطعه الرجل:
"أنا وإنت مافيش حد معانا في الأوضة، جاوبني وريحني، وبلاش كلامك دا اللي أنا عارفه."
فتحه فمه وأغلقه ثانية، ثم ما لبث أن يتحدث بصوت عصبي:
"يعني بعد اللي حصل دا كله وبرضك مش مصدق توبتي؟ ماكنتش فاكر إنك بالجسوة دي. بجى الناس كلها تصدقني وانت لأ. لو عايزني أسيب البيت وأرجع مطرح ما جيت، جول. دا ربنا بيقبل التوبة وانت أبويا مش مصدق!"
ظل الرجل صامتًا ينظر إليه وهو يلقي خطبته العصماء، وكأنه يقرأه. وهذا يتنفس بخشونة، حتى أجفلت والدته على صوته الذي خرج من الغرفة، فدلتف تردف بقلق:
"في إيه؟ وانت مالك يا "قاسم"؟ بتزعج ليه؟"
نظر لوالدته، فنهض عن الفراش يردف بغضب:
"في إن لسه أبويا مش مصدق توبتي، وبيجرني لكلام قديم يودي في داهية. أنا طالع دلوقتي ولو عايزين تمشوني خالص من البيت جولوا."
قالها وخرج على الفور أمام نظرات والدته الملتاعة وهي تحدثه بترجّي:
"استنى يا ولدي، ماتزعلش من أبوك، استنى يا "قاسم"..."
نظرت لزوجها بعتب بعد خروجه:
"ليه كده بس يا أبو "رفعت"؟ دا إحنا ما صدقنا ربنا هداه، إنت عايزوا يرجع تاني للطريق القديم؟"
رفع أنظاره يسألها بلامبالاة لما حدث من قليل:
"رفعت راح شغله النهارده."
بنفيسة باندهاش: "أيوه راح الوكالة، ليه في حاجة؟"
تنهد الرجل بتثاقل:
"ربنا يستر ويعديها على خير."
***
تبسم باشراق وهو ينظر للهاتف، حينما وجدها تهاتفه:
"الو، صباح الفل."
أقفلها بعذوبته، فردفت هي:
"صباح الخير، أخبارك إيه؟"
اتسعت ابتسامته أكثر ليردف:
"أخباري زي الفل، مدام سمعت صوتك."
أطبقت أجفانها، تحاول الرد بلطفٍ:
"آآآ هو إنت ليه طلبت من عمي التعجيل بالجواز؟ وكمان أسبوع، دي فترة جليلة جوي."
تنهد قليلاً قبل أن يقول:
"بصراحة دا طلب "قاسم"، إنتي عارفة إنه راجع ندمان وطلب الحلال عشان يصون نفسه عن الحرام، وأنا مش عايز أقفلها في وشه."
خرج صوتها بعصبية:
"طب ما يتجوز هو، إحنا مالنا؟ هو لازم يعني يبقى فرحنا مع فرحهم؟"
خبأت ابتسامته وحل محلها شعور آخر ليردف:
"وإحنا ناجّل ليه؟ هو إنتي لسه بتشاوري عقلك؟"
وكأنه أسكب على رأسها دلواً من الماء البارد، صمتت لحظات تبحث عن رد مناسب:
"ليه بتجول كده؟ أنا بطلب بس التأجيل."
"ونأجل ليه وكل حاجة جاهزة، وإيه اللي يعطلنا أساساً؟ وحتى لو هاتبعك، اديني سبب واحد، أوجه الناس بيه لو حد سألني، أجلت ليه وجوزت أخوك جابلك."
مسحت بأصابعها على جبهتها هذا العرق الوهمي، لقد أبطل كل الحجج، ولم يتبق ما تتفوه به، فصمتت.
فجاء صوته الأجش:
"سمرة!! إنتي ساكتة ليه؟ في حاجة جلجاكي؟"
أومات برأسها نقياً وكأنه يراها:
"لا خلاص يا "رفعت"، أنا بس اتخضيت لما لقيت الميعاد اتسرع جوي كدا."
أشرق وجهه ليردف:
"سلامتك من الخضة، أنا مش عايزة تقلقي من أي شيء، وكل اللي نفسك فيه جوليه عليه وأنا أنفذه في ثانية."
أومات برأسها بابتسامة باهتة:
"تسلملي يا "رفعت"، ممكن أسيبك دلوقتي عشان حاسة بصداع رهيب."
تكلم هو بلهفة:
"سلامتك يا جَلبي، أبعتلك دكتور يشوفك أو أجي بنفسي آخدك ل..."
"لا لا لا مش مستاهلة، دي صداع عادي، من دوشة العيال في المدرسة."
قالتها بمقاطعة، فأومأ برأسه متفهمًا:
"ماشي يا "سمرة" زي ما تحبي، بس ممكن تطمنيني عليكي بعد ما تصحي."
"حاضر."
بعد أن أنهت المكالمة، سقطت على الفراش بتعب، يقتلها هذا الشعور بقلة الحيلة. رفعت أنظارها لأعلى بالدعاء:
"يارب دبرني، دبرني يا رب."
ليصدح صوت هاتفها بإشعار رسالة. تناولت الهاتف وفتحته لترى الرسالة.
فزفرت بقوة وهي تترك الهاتف بعد أن قرأت نص الرسالة وعلمت مصدرها!!
***
دَلفت لداخل غرفة والدتها تردف بسعادة:
"شفتي ياما، "قاسم" حدد مع أبويا، والأسبوع الجاي هبجى في بيته وعروسته."
ابتسمت المرأة بإشراق وهي ترى سعادة ابنتها:
"ربنا يهنيكي يا نور عيني."
ارتمت تخبئ نفسها بداخل أحضان الوالدة وهي تردف بفرح بالغ:
"أنا فرحانة جوي يا ما، حاسة جلبي هايفط من ضلوعي من كتر الفرحة."
نعمات وهي تلمس على شعرها:
"ربنا يكتب لك الفرح يا بنتي، بس أسبوع دا جليل جوي، إمتى هانلحق؟"
خرجت من أحضان والدته تنظر بحنق:
"جليل ليه يا ما؟ إنتي هاتعملي زي الزفتة "سمرة"؟"
نعيمة: "يبنتي ماهي عندها حق، إمتى هانخبز وإمتى أشتري لك..."
رضوى بمقاطعة: "أبويا قال، كل حاجة تجهز بالفلوس، وإن كان على خبز البسكويت والمعمول، كله يجي من المخبز جاهز. والنبى يا ما، ماتقفليها في وشي، أنا مصدقة."
"طب و"سمرة" رضيت بالكلام ده؟"
هبت منتفضة: "عنها مارضت، إن شاء الله حتى تفركش الجوازة مع "رفعت"، وتبجى عملتلي أكبر جميل في حياتي."
ظهرت شبه ابتسامة على زاوية فمها وهي تحدث ابنتها:
"وإنتي فاكرة إن "سمرة"، لو فركشت مع "رفعت"، "قاسم" هايبجى عليكي؟ دا مش بعيد يفلتك في نفس اليوم."
"يعني إيه كلامك دا يا ما؟"
قالتها "رضوى" برعب، فتبسمت والدتها ترد عليها بمرارة:
"يعني "قاسم"، خطبك بس عشان "سمرة" اتخطبت لأخوه، واتقفلت في وشه كل السكك. "قاسم" عمره ما نسيها، يعني جميل "سمرة" في إنها تكمل مع "رفعت"، فهمتي يا ناصحة."
أومأت برأسها:
"فهمت يا ما، "سمرة" لازم تتجوز "رفعت"، لازم."
***
جالساً على مقدمة سيارته الجديدة، في مكان خالٍ من المارة إلا قليلاً، ينفث السيجارة تلو الأخرى، حتى أتت سيارة أجرة (تاكسي) توقفت بالقرب منه. ابتسم بانتصار حينما رآها بداخله، ثم التفت ثانيةً للأمام في انتظارها، ليشعر بظلها وهي تقف بالقرب منه بعد أن ترجلت من السيارة.
"كنت متأكد إنك هتيجي؟"
قالها وهو ناظرًا للأمام، ثم التفت ينظر لها حينما لم يجد الجواب، ليراها أمامه مكتفةً ذراعيها، تنظر إليه بقوة، بهذه العيون كثيفة الرموش ومكحلة اللون طبيعيًا، على هذه البشره السمراء، القادرة على جذب أعتى الرجال صراعًا لها. عيونها تشع بالتحدي والقوة.
"هتفضل باصصلي كده كتير، ولا ناوي تاخدلي صورة؟"
قالتها بسخرية، لتجده يبتسم باتساع فمه:
"حتى في عز خوفك وضعفك بتتكلمي بجرأة، وبتعرفي تنجي كلامك، فرسة على حج."
نظرت إليه بتحدٍ أكثر:
"ومين جالك إني ضعيفة ولا خايفة؟"
"أمال إيه؟ وإيه اللي جابك لو إنتي مش كده؟"
قالها وهو يميل برأسه للأمام ناحيتها، ليزيد بداخلها حنقًا منه، لتردف بقوة:
"جايه أقولك إني بلغت "رفعت" بموافقتي على ميعاد الفرح الجديد، وإنك لو زودتها أكتر هبلغ أخوك ويحصل اللي يحصل بعدها؟"
ابتسم ثانيةً بسخرية أكبر:
"اممم... تعجبني شجاعتك وعصبيتك دي، فرسة حَرنانة، ماحدش يجدر يراوضها إلا فارس، وأنا الفارس."
"بطل كلامك وتشبيهاتك الغريبة دي، عشان ما أردش عليك بكلام ما يعجبكش."
قالتها بمقاطعة، لتقطع عليه حبل أفكاره الغريبة، فخبأت ابتسامته وتحول وجهه ليردف بغضب:
"ماشي يا "سمرة"، هابطل كلامي وأرد على كلامك، لكن ياترى بجى إنتي كلامك؟"
رفعت ذقنها بأباء:
"كلامي واكتر من كده كمان، أنا لو حصل للقِتل هاقتلك بنفسي وما هايهمنيش، أنا مش ضعيفة ولا جليلة الحيلة."
اعتدل في وقفته ينظر إليها بعيون مشتعلة:
"تمام، أما أشوف شجاعتك دي هتوصلك لفين، وأنا مستني بفارغ الصبر."
لم تهابه لتردف بندية:
"إنت عارف إني قوية، ومافيش أي حاجة تهزني، بس أنا اللي مجنني، هايبجى منظرك إيه لو أخوك عرف بكلامك ده."
ضحك بسخرية:
"وإنتي فاكرة إني هاسيبه يكمل معاكي، أو حتى يلحق يلمسك؟ هو تبجى لسه ما عرفتنيش."
"يعني هاتعمل إيه؟"
"هاخلص عليه؟"
قالها بسهولة أرعدتها:
"تقتل أخوك؟ اللي من دمك؟"
ليردف هو بجنون:
"وهو لو كان أخويا صح ومن دمي، كان بص لواحدة بحبها؟ لو هو أخويا صح يبص لواحدة عيني منها؟ لو بيراعي صلة الدم يبص لملكي!"
هزت برأسها وهي تحاول استيعاب ما يخرج من فم هذا المجنون:
"إنت فعلاً مجنون، مين جالك إني ملكك؟ مين اداك الحق فيا؟ أخوك ماطلبش الجواز مني غير لما عرف إني لا يمكن هارضى بيك. أخوك عمل اللي ما قدرش حد في البلد يعمله، خوفًا منك ومن عمايلك، اللي وقفت حالي بالسنين. إنت إيه يا أخي؟ لا بترحم ولا بتخلي رحمة ربنا تنزل."
قالتها بألم، ليردف هو بتصميم أكثر:
"لأ يا "سمرة"، وهاقولهالك تاني، إنتي ملكي وأنا هدافع عن ملكي إن شاء الله حتى بالدم."
نظرت إليه بصمت ولم تردف بكلمة أخرى، لتسير وتذهب من أمامه فلا فائدة لكلام لا جدوى منه، فهذا وقت الأفعال!
رواية سحر سمرة الفصل السادس 6 - بقلم أمل نصر
وقفت أمام المقهى الفاخر، الذي أُنشئ خصيصًا للعائلات ولقاءات الأحبة. قلبها ينبض بعنف، وهي لا تدري ماذا تفعل؟ أتدلف إلى الداخل أم تعود حيث أتت؟ ولكنها اتخذت القرار ولن تتراجع.
أخذت شهيقًا طويلًا تهدئ به نفسها، وأجمعت أمرها للدخول وإكمال ما بدأته.
بداخل المقهى، لم تبحث كثيرًا، وذلك لأنها وجدته أمامها في ركنٍ قريب، بابتسامته البشوشة وطلته البهية. تقدمت بخطواتها إليه، فابتسمت إليه بتوتر وهي تمُد إليه كفها بالسلام، تقول:
- ازيك!
أطبق على كفها يخبرُها بدفء:
- ازيك انتي.. تعالي.. تعالي اجعدي.
جلست أمامه بقلبٍ يرتجف، وهو تابع بسعادة:
- أنا ما صدجتش نفسي لما جولتليلي إنك عايزة تجابليني.. جَلبي كان هايفط من الفرحة.
تبسمت بتوتر، تقول:
- ياااه لدرجادى؟
وبنظرة صادقة منه:
- وأكتر من كده كمان.. ها كنتي عايزاني في إيه بجى؟
لعقت شفتها تبتلع توترها، ولو قليلًا، ثم سألت كتمهيد:
- آآآ أسفة في السؤال.. بس هو انت فعلاً مطمن لـ "قاسم" وناسي عمايله اللي فاتت؟
أسدل جفنيه قليلًا، واختفت عن وجهه الابتسامة، ثم ما لبث أن يقول بجدية:
- لأ..
وضعت يدها على الهاتف بأمل، ولكنه تابع:
- بس ده أخويا.. وجالي وقال أنا توبت وطالب الحلال.. ارجعوا تاني واكسر بخاطر أمي وأبويا! لكن تأكدي لو عمل أي هفوة أو رجع بص لك بعينه حتى أنا مش هارحمه.. إن شالله اطلع روحه في إيدي.. هو ضايقك؟
أجفلها بسؤاله، فجاوبت ببلاهة:
- هـ...
احتدمت نظرته يقول:
- جولى يا "سمرة".. لو لمح قدامك بأي شيء.. جولى.. أنا زمان كنت جبان ومدافعتش عن حبي ليكي.. لكن دلوقتي أنا مستعد أسيح دمه لو فكر بس.. جولى يا "سمرة".. هو جرب لك؟
أجفلها ثانيةً، فهزت برأسها نفيًا خوفًا من هيئته:
- لا يا "رفعت".. أناااا.. بجول كده عشان يعني.. زكريات زمان و...
تحدث إليها بحنان:
- أوعي تفتكري إني ناسي يا "سمرة".. أنا بس صابر عليه ومش عايز أجفل في وشه باب التوبة.. وأما أشوف آخره إيه.
ارتدت بظهرها للمقعد بعد أن تركت الهاتف، ثم أردفت تحاول بطريقة أخرى:
- طيب هو أنا ينفع أطلب منك طلب؟
تكلم بحماس:
- جولى وأشري بإيدك.. وأنا أجيبلك لبن العصفور؟
صمتت قليلًا، ثم قالت:
- ممكن تأجرلي بيت تاني يا "رفعت".. وبلاش نسكن في بيت العيلة.
تغيرت ملامحه وظهر على وجهه العبوس، ثم أردف بصوت متمهل:
- أنا أقدر أشتريلك عمارة وأكتبها باسمك مش أجَّر بيت.. لكن يا "سمرة".. وأنا عارف إن مخك كبير.. ترضيني أسيب أبويا العيان ولا أمي مكسورة الجناح ولا أختي "مروة" الغلبانة وأتهنى أنا في بيت لوحدي؟
وكأنه سكب على رأسها دلوًا من الماء البارد، فقد أفحمها جيدًا بكلامه، فتحدثت بارتباك:
- أنا مش عايزك تفتكر إني أنانية.. أنا...
- أنا عارف يا "سمرة".. وفرّي على نفسك الكلام.. ده حقك وأنا منى عيني.. بس أنا راجل كبير عيلتي ولازم أتحمل المسئولية.. حتى لو جيت على نفسي وعلى اللي بحبها.. فاهماني يا "سمرة"!
أومأت برأسها وهي تُجزم بداخل نفسها.. أنه أغلق في وجهها بابًا آخر من الأمل، ولابد من طريقة أخرى.
***
وبداخل غرفته، كان في سبات نومه العميق، وهاتفه يصدح بصوت الرسائل والاتصالات. فتح عينيه بتأفف وهو يتناول الهاتف. وبمجرد رؤية اسم المتصل، فتح عليه ليُقرعه بالسباب والشتائم:
- الو.. بترن ليه يازفت على أول الصبح؟.. انت مش عارف إن ده وقت نومي يابن الـ...
رد الآخر من مكانه، يقاطعه:
- طب براحة.. طب ياباشا.. واسمع أنا هاجولك إيه الأول!
زفر بضيق:
- يعني هاتجولي إيه؟.. أكيد خبر زفت زي وشك!
رد الآخر بدون تمهيد:
- سمرة وأخوك كانوا بيتفسحوا في أغلى كافيه في المحافظة.
استقام على سريره جالسًا بجذعه، يقول بعصبية:
- انت بتجول إيه يا "محسن" الـ...
أصدر صوتًا بفمه، ثم أردف بحزن مصطنع:
- الله يسامحك.. يعني الحج عليا إني بوعيك.. بعد ما شفتهم النهاردة على طاولة لوحدهم وكأنهم حبيبه وكده على أول الصبح.. دي نسيت شغلها يا راجل وهي سابت مدرستها.
كان يستمع إلى صديقه بعيونٍ مشتعلة وصوت أنفاسه مسموعة بفضل غضبه، وهو يتوعد لهم بداخله.
***
وبداخل مدرسة (أخلاق العظماء)، كانت جالسة على مكتبها بداخل غرفة المدرسين، ويدها على وجنتها تستمع مع صديقتها إلى هذه المكالمة المسجلة، حتى أتت هذه الجملة:
- (أنا جلتلك قبل كده.. انتي حقي وأنا هدافع عن حقي إن شالله حتى بالدم).
أوقفت التسجيل دون أن تنطق بكلمة. فتحدثت صديقتها بحماس:
- حلو خالص يا "سمرة".. ده انتي كده تواديه في داهية وتفضحيه جدام ناسك و... و... مالك ساكتة ليه؟
- يعني عايزاني أجولك إيه؟
قالتها وهي ما تزال واضعة كفها على وجنتها ومستندة بمرفقها على المكتب بسكون، مما أجفل صديقتها لتهتف:
- يابنتي انتي معاكي دليل دلوقتي.. ليه شكلك كده ما يريحش؟
نزلت بكفها تُمسك بالقلم وتلعب به، فأردفت بصوتٍ ميت ولم ترفع عينيها:
- أنا جابلت "رفعت" قبل ما أجي المدرسة.. وأنا فرحانة زيك إني كده هاجدر أتخلص منه.. لكن اللي اكتشفته بعد كده.. إني هاخسر "رفعت" نفسه!
قالت الأخيرة وهي تنظر في عيني صديقتها، التي أردفت تسألها بجزع:
- ليه تخسري "رفعت"؟
نزلت منها دمعة على وجنتها، وهي تردف بتماسك هش:
- عشان أنا بكده هاافتح بحور دم بين الأخ وأخوه.. قاسم مش هين! ... "قاسم" مجرم وياما مشي في السكك الشمال.. لكن "رفعت" مهما بلغت شجاعته.. لا يمكن هايجاريه.. وحتى لو حصل وجدر عليه.. هايبجي نهاية "رفعت" السجن.. ويخسر مستقبله. يعني الحرب دي أنا خسرانة فيها بجميع الأحوال.
بهتت "رحمة" تنظر إليه باشفاق، وهي تقول بيأس:
- يانهار أبيض.. دي عكت قوي.. طب هاتعملي إيه؟
نظرت إليها تتحدث بتماسك:
- أنا لازم أشوفلي حل تاني.. وأنا الحل ده بفكر فيه من زمان مش دلوقتي وبس.
- حل إيه؟
***
دلف إلى داخل المنزل يدندن بسعادة، فوجد شقيقته أمامه تنظر إليها ضاحكة:
- عيني باردة عليك!
اقترب منها، ربّت على وجنتها بكف يده بخفة، يقول:
- أخبارك إيه يا مرمورة؟
ازدادت ضحكتها وهي تقول:
- وكمان مرمورة.. لاااا انت تتبخر.. أخويا "رفعت" ياناس بيدلعني ويجولي يا "مرمورة".
هتفت "نفيسة" وهي تخرج من غرفتها:
- مالك يابتي اتجننتي؟.. حِسّك عالي ليه كده؟
أمسكت "مروة" بمرفق شقيقها، وهي تردف بمرح:
- تعالي ياما شوفي أخويا "رفعت" بيجولي يا مرمورة.
اقتربت المرأة منهم، تقول بحزم مصطنع:
- وماسكة ليه كده فيه زي اللزجة.. عامل إيه انت ياحبيبي.
قالت الأخيرة لـ "رفعت"، الذي أمسك برأسه يقبلها:
- زي الفل يا ست الكل.. انتي عاملة إيه انتي وأبويا؟
ربّتت "نفيسة" على ذراع ابنها بابتسامة حنونة:
- إن شاء الله دايماً ياحبيبي.. أنا زينة وأبوك كمان.. ده حتى من امبارح طالب يشوفك.
- هوا رايح له.. بعدي يابت بعدي وبطلي غلاسة.
قال الأخير بمرح، وهو يفلت ذراع أخته المتشبثة به، وبعدها تحرك لدخول غرفة أبيه.. ولكنه تصادف بأخيه الخارج من غرفته بوجهٍ متجهم:
- ازيك يا "قاسم".. مش بعادة يعني تصحى بدري؟
توقف برهة، ينظر إلى أخيه بغضبٍ مشتعل، ولكنه نجح كالعادة في إخفائه، ليرد بابتسامة مصطنعة:
- بدري من عمرك ياعم "رفعت".. الضهر قرب يأذن خلاص.. وحتى لو مش عوائدي.. اعتبرني بدرب نفسي.. عشان أنزل الشغل معاك.
ضحك "رفعت" بصوت عالٍ، ليردف:
- شغل إيه بس اللي مع الضهر ياعم "قاسم".. عالعموم كويس إنك بتحاول برضو.
أطبق شفتيه بخط قاسٍ، يحاول السيطرة على غضبه:
- اديك جولت بنفسك.. اديني بحاول.
ربّت على ذراعه:
- ربنا يثبتك ياحبيبي.. أسيبك بجى وأروح أشوف أبويا.
ذهب من أمامه ليتركه بهذه النيران المستعرة بداخله، وهو ينظر لأثره بغضبٍ حارق.
***
وبداخل غرفة أبيه، جلس بجواره يقبل يده:
- عامل إيه يابوي النهارده؟
الرجل وهو يربت على كتفه:
- الحمد لله يا ولدي.. انت كيفك وإزاي أحوالك؟ وإيه أخبار عروستك؟
تبسم بإشراق:
- أنا الحمد لله يابوي.. وعروستي كمان زينة.. خلاص هانت.. آخر أسبوع وتشوفها كل يوم في بيتنا بعد كده.
صمت والده قليلًا، ليردف:
- ويعني لازم تبجي في بيتنا؟.. ماينفعش تاخدلك سكن بره.
خبّأت ابتسامته، ينظر لأبيه بتعجب:
- كيف يابوي أسكن بره وأسيبكم انت وأمي وأختي؟
تابع "حسان" والده:
- مالكش دعوة بينا انت.. وسيب "قاسم" وعروسته يسكنوا هنا معانا.
نظر لابيه بريبة، فقال:
- هو في حاجة يابوي؟.. عشان بصراحة كلامك غريب.
- واه يارفعت.. هو انت لازم تخليه غريب؟ أنا بجول وخلاص...
عقد حاجبيه بتفكير:
- ماشي يابوي.. زي ما تحب!
***
دَلفت "سمرة" إلى داخل المنزل لتفاجأ بهذا الكم الهائل للأدوات المنزلية الحديثة، بالإضافة للحقائب الكبرى المعبأة بالملابس المختلفة التي خصصت للعرائس. و"رضوى" واقفة بينهم تفرز وتعاين مع والدتها.
- مساء الخير.
قالتها "سمرة" وهي تنتقي خطواتها بين هذا الكم الهائل.
رفعت "رضوى" أنظارها إليها ولم تنطق، وتكلفت "نعيمة" بالرد:
- مساء الخير ياحبيبتي.. عجبال عفشك انتي كمان.
أومأت برأسها بابتسامة خفيفة، وهي تدلف. وقبل أن تصعد الدرج، أوقفتها "بسيمة" تقول:
- يالا شدّي حيلك عشان ننزل أنا وانتي الليلة المحافظة.
أومأت بسبابتها تقول:
- أنااا...
اقتربت منها مكتفة ذراعيها، تردف بسخرية:
- اسم الله عليكي.. أمال أنا بكلم مين يا ست البنات؟ انتي مش شايفة قدامك؟
قالتها وهي تومئ برأسها ناحية "رضوى" والمشتريات:
- حاضر.. بس مش النهاردة.
قالتها وهي تُهم بصعود الدرج، ولكن أوقفتها والدتها ممسكة بذراعها:
- أمال امتى؟.. انتي يومين وهاتبجي في بيت جوزك.. عايزه تبجي ناقصة عن بت خالتك!
نفضت ذراعها بغضبٍ مكتوم:
- خلاص ياما.. أنا جلتلك بكرة.. سيبيني بجى أريح شوية.
صعدت بعدها الدرج أمام نظرات "بسيمة" الغاضبة.
***
وفي المساء، كانت جالسة على مكتبها بداخل غرفتها.. تصحح كراسات التلاميذ، وهاتفها يصدح بنمرته عدة مرات ولا يمل المحاولة. زفرت بحنق، ثم تناولت الهاتف لترد عليه غير عابئة:
- نعم.. عايز إيه؟
صرخ في أذنها بجنون:
- وكمان ليكي عين تردي.. بتروحي تجعدي معاه في الكافيهات يا "سمرة".. ده أنا هاسود عيشتك انتي وهو...
أغلقت المكالمة دون استئذان، لتزيد من جنونه أكثر.
فزفرت بضيق.. تركت القلم والكراسات تنظر في الفراغ بتفكير.. ثم ما لبثت أن تتناول هاتفها وتهاتف صديقتها.
لترد عليها الأخرى بعد برهة:
- الو... أيوه يا "سمرة".
وبصوت يخلو من المرح:
- عملتي اللي جلتلك عليه؟
سمعت صوت تنهيدة منها، قبل أن تقول:
- أيوه يا "سمرة".. كلمت خالي وجالي عالعنوان.
تنهدت الأخرى تقول بارتياحٍ نسبي:
- كويس! .. خلينا نخلص بجى!
رواية سحر سمرة الفصل السابع 7 - بقلم أمل نصر
هاسود عيشتك يا سمرة انتي وهو، عشان فتحتي على نفسك باب الجحيم اللي هايولع في الكل وانتي أولهم، سمعاني يا سمرة، سمعاااني.
كان يصرخ بهذه الكلمات بصوته الذي كاد أن يضيع منه من قوة صرخاته. وحينما لم يجد ردًا منها، نظر إلى الهاتف فوجدها أغلقت الاتصال ولم تعره أدنى اهتمام، لتزيد من جنونه ويصرخ بعلو صوته كصرخة حيوان جريح.
هايجتلك يا سمرة، هاجتلك، هاجتلك وأطلع جلبك من واعصره بإيدي، كيف ما أنتِ عاصرة جَلبي بيدك الجاسية، ومش هامك الوجع اللي أنا حاسه، يا عديمة الإحساس يا سمرة، يا عديمة الإحساس.
كان يضرب بقبضته على صدره وهو يصرخ بهذه الكلمات ليتمكن منه التعب، فارتمى على كوم قش كبير يتنفس بخشونة وتعب حتى غلبه سلطان النوم.
ومن ناحية قريبة كان صديقه محسن مراقبًا فقط ولم يملك جراءة التقرب منه ولا التهوين عنه، لعلمه التام بما قد يفعله به بلحظة جنونه. أشرأب برأسه ليرى ما أصابه وهو مرتمي على كومة القش الكبيرة الموجودة بهذه الأرض الزراعية، ثم ما لبث أن يتناول الهاتف الملقى قريباً منه وهو يردف:
نام، نوم الظالم عباده.
***
دَلفت بخطواتٍ بطيئة وخفيفة لداخل الغرفة المظلمة في هذا الوقت المتأخر من الليل، لتجدها في سبات نومها العميق. اقتربت برأسها تتفحص ملامحها الهادئة الآن وقت نومها، عكس ما تظهره من قسوة أغلب الأوقات. قبّلتها بخفة أعلى جبهتها، ثم استقامت بظهرها تنظر إليها وتشبع أنظارها منها، وهي تحدث نفسها:
آه، بس لو ما كانش الكبر مالي جلبك، كنتِ حافظتي على جوزك اللي طفش من معاملتك المتعالية عليه. كنتِ دوجتينى شوية من حنانك، ما كنتِ وعدتي قاسم وعشمتيه بجوازه منى عشان فلوس أهله وصيتهم الكبير في البلاد، رغم إنك عارفة إنه العضو الفاسد فيهم.
صمتت قليلاً فتنهدت بثقل قبل أن تردف وهي خارجة من الغرفة:
سامحيني يا أمي... بس انت السبب!
***
بعد خروجها من غرفة والدتها، وفي أثناء ذهابها لغرفتها، وجدت الإضاءة خارجة من غرفة رضوى المفتوحة وهي تقطع الغرفة ذهاباً وإياباً، واضعة هاتفها على أذنها وتحاول الاتصال به وهو لا يرد كالعادة.
خير يا رضوى، في حاجة؟
قالتها سمرة وهي تدلف للغرفة. نظرت إليها فجاوبتها بغضب:
وانتي مالك؟
أجفلت سمرة من حدتها:
أنا مالي! خلاص يا ستي، انتي حرة!
قالتها والتفت لتخرج، ولكن أوقفها صوت رضوى الخفيض:
جاية تسأليني وهي سبب كل المصايب!
التفتت إليها ثانيةً وقد عقدت ذراعيها تسألها:
ممكن أفهم نصايب إيه اللي أنا السبب فيها؟
نظرت إليها بغضب مكبوت، ولكن كبرياؤها يمنعها عن ذكر ما يكنه قلبها. ففاجأتها الأخرى:
مش محتاجة تكتمي اللي في جلبك لأني عارفة اللي جواكي كويس. أنا ما جلتلكيش تتخطبي وتتعلقي بواحد ما بيحبكيش يا رضوى!
أجفلت إليها بنظرة شرسة فتابعت سمرة ولم تهابها:
لا، والادهى إنه متعلق ببت عمتك، اللي هي أنا!
صكت على أسنانها تردف بغل حارق:
انتي إيه؟ فاكرة نفسك الشمس والكل بيدور في فلكك!
تنهدت سمرة تردف:
لا يا رضوى، أنا لا شمس ولا ليا فلك أصلاً. اسمعيني يا بت خالي، قاسم دا مجنون ما ينفعش تربطي نفسك بيه، وانتي صغيرة وحلوة والف مين يستاهلك.
ما حدش طلب نصيحتك، وغوري على أوضتك أنا مش ناقصاكي على آخر الليل دلوقتي.
نظرت إليها سمرة بشفقة رغم ما خرج من فمها، ثم ما لبثت أن تخرج وتتركها. لتنظر لأثرها رضوى بغضب مستعر، فتناولت هاتفها ثانيةً تحاول مهاتفته مرة أخرى عله يجيب هذه المرة:
يا أخي رد عليا بقى، حرام عليك، انت إيه؟
***
في اليوم التالي.
نزلت سمرة من الدرج في وقت أبكر بكثير عن وقتها المعروف. أوقفتها نعيمة زوجة خالها سليمان التي رأتها وهي خارجة من المطبخ.
يعني صحيتي بدري جوي النهارده يا سمرة.
التفت لها وهي تحاول السيطرة على توترها:
بدري من عمرك يا مرة خالي، ما انتي كمان صاحية بدري.
المرأة وهي تقترب من سمرة:
يابنتي، أنا ومن إمتى بشبع نوم زي الناس، دا خالك دايمًا يصحيني عالفاضي وعالمليان. لكن انتي بقى إيه اللي خلاكي تصحي بدري النهارده، وإيه الشنطة اللي على دراعك دي؟
سمرة وهي تنظر للحقيبة الموضوعة على أكتافها بتوتر:
دي شنطة حاطة فيها أدوات وملابس مدرسية عشان الرحلة، أمال أنا صاحية بدري ليه؟ عشان المدرسة منظمة رحلة مدرسية!
المرأة بمودة:
آه يابتي، ربنا يديكِ الصحة. بس أوعي تتأخري يا حبيبتي، انتي عارفة خالك!
سمرة بتأثر وهي تقترب من المرأة فتعانقها وتقبلها من وجنتيها:
عارفة يا مرة خالي، عارفة. اتطمني انتي ومتخافيش. سلام بقى؟
قالتها وذهبت على الفور. فنظرت المرأة لأثرها باندهاش.
***
كان رفعت جالساً يتناول وجبة إفطاره وهو يحاول الاتصال بها ولكنها لا تجيب. زفر بحنق يردف بصوت خفيض:
إيه الحكاية، مش معتادة يعني؟
مين هي اللي مش معتادة؟
قالتها مروة وهي تجلس بجواره، فابتسم لها مداعباً:
وانتي مالك ياباردة؟ انتي كل حاجة تحشري نفسك فيها!
تحدثت بغضب مطنع:
باردة! الله يسامحك. أنا مش هارد عليك عشان أنا مؤدبة ومتربية.
ازدادت ابتسامته:
أيوه يا أختي، خليكي مؤدبة كده على طول. ويا ريت ما أسمعش حسك ده خالص.
تكلمت وفمها ممتلئ بالطعام:
حاضر، انت تؤمر.
نظر إليها فتحولت ابتسامته لضحك، وهي أيضاً كانت تضحك رغم امتلاء فمها. ولكن أوقفهم صوت والدتهم نفيسة القلقة:
ما تعرفش أخوك راح فين يا ولدي؟
أجفل رفعت لحديث والدته:
ليه يا ما؟ وهو من امتى بيصحى بدري كده!
جلست المرأة وهي تردف بقلق:
أخوك ما باتش أساساً في فرشُه يا ولدي، أنا خايفة ليكون رجع لطريقه القديم تاني.
مطت مروة شفتيها تتمتم بصوت خفيض:
خايفة!! يعني على أساس إنه غيّر طريقه أساساً.
نظر إليها رفعت بتفكير ثم اردف لوالدته:
حاضر يا ما، هاسأل عليه وأشوفه راح فين.
***
الضوء القوي الذي اخترق أجفانه وهذه الحرارة التي شعر بها على وجهه وملابسه جعلته يستيقظ من غفوته. ليجد نفسه ملقى على كومة قش كبيرة. استقام بجزعه يستوعب أين هو، فوجد نفسه في الخلاء وزجاجات الخمر ملقاة بكثرة حوله. فلمح من قريب صديقه محسن مستلقياً تحت شجرة وهو في سبات نومه العميق. فتذكر سهرة ليلة أمس، حينما لم يستطع إكمالها في الملهى وجاء إلى هنا ليشرب ويشتكي لصديقه. فتذكر أيضاً اتصاله بها وعند هذه النقطة اشتعلت النيران بداخله حينما تذكر أنها أغلقت الاتصال في وجهه ولم تعره أدنى انتباه. فنهض من مكانه وذهب إلى صديقه يدفعُه بقدمه:
انت يا محسن الزفت، اصحى ياض، اصحى اخلص.
نهض الآخر مزعوراً:
أيوه مين؟ إيه، إيه؟
بجى أنا تسيبني أنام على كوم القش دا زفت، وتيجي انت هنا تنام تحت الشجرة يابن الـ...
استقام بجزعه يتحدث مزعوراً:
حاولت أصاحيك ياصاحبي، بس انت تجلت جوي في الخمرة امبارح وما قدرت أصحي.
زفر بحنق ليقول:
ماشي يامحسن، حسابك معايا بعدين. المهم دلوقتي فين مفتاح العربية وتليفوني؟
تناولهم الهاتف وسلسلة المفاتيح من جواره ليعطيهم لقاسم.
هما كلهم ياصاحبي، أنا دورت على التليفون امبارح بعد ما رميته بعيد لحد ما لقيته، ومفتاح العربية انت كنت ناسيه في مطرحك هنا.
تناولهم قاسم، فذهب بالخطوة السريعة ناحية سيارته. فنهض صديقه يردف:
طب انت رايح فين بدري دلوقتي؟
التف برأسه فقط يجاوبه:
رايح أعمل اللي كان لازم أعمله من زمان!
محسن وهو يسرع بخطواته لمجاراته:
طب فهمني هاتعمل إيه بالظبط؟
كان قد وصل لسيارته ودلف بداخلها يدير المحرك فنظر لصديقه بقوة:
هاخطفها؟
محسن وهو ينظر إليه من نافذة السيارة بدهشة كبيرة تعتريه:
تخطفها إزاي؟ كيف يعني؟
وضع يده على عجلة القيادة قبل أن يديرها وهو يشد على كل حرف خارج من فمه:
هاخطفها وهاتزوجها في شقتي القديمة في المحافظة.
ابتسم محسن ببلاهة:
شقة الأنس والليالي الحلوة!
أيوه يا أخويا هي نفسها، يالا بقى غور خليني أمشي.
استقام محسن بعدها وهذا سار بسيارته بسرعة جنونية ليردف بعدها وهو يضرب كفه بالأخرى:
عليا النعمة انت مجنون وعمرك ما هتجيبها لبر...
***
وبداخل مدرسة (أخلاق العظماء) كانت جالسة سمرة مع صديقتها رحمة، والتي كانت تدون لها بعض الأرقام في الهاتف.
شوفي يا ستي، دي نمرة خالي ودي نمرة سعاد اللي جلتلك عليها. أنا وصيتها من امبارح هاتلاقيها مستنياكي هناك في المحطة. أهي دي صورتها اللي نقلتها في تليفونك، وبعتلها صورتك انتي كمان. هي بت جدعة وهاتساعدك أكتر من خالي. أنا بس حطيت نمرته احتياطي.
تمام ياحبيبتي، ربنا يخليكي ليا يارب.
قالتها سمرة بامتنان فأمسكت صديقتها بكفها:
على إيه بس يا سمرة، دا أنا لولا الراجل والعيال كنت جيت معاكي وساعدتك توصلي لوالدك.
ربتت سمرة على كفها:
عارفة كِ ياحبيبتي جدعة وقد كلامك. أقوم بقى عشان أحصل ميعاد القطر.
قالتها وهي تنهض عن المقعد والأخرى نهضت أيضاً معها:
أنا جاية معاكي أوصلك.
ما خلاص يابنتي خليكي.
لا طبعاً، دي أقل حاجة أعملها معاكي. بس قوليلي، هي الست مديرة مضتلك على الإجازة؟
مضت على إجازة بدون مرتب.
ظلت الاثنتان تتحادثان في طريقهن حتى باب المدرسة، وكادت سمرة أن تخرج، ولكنها شهقت تتراجع إلى الداخل.
صديقتها رحمة وهي تتراجع معها:
في إيه مالك رجعتي ليه؟
تكلمت سمرة بصوت خفيض:
الزفت قاسم قاعد بره ومعاه عربيته!
أشرأبّت رحمة برقبتها تنظر لخارج المدرسة وهي تقول:
دا فين ده قاعد؟
دا اللي واقف جنب العربية الفضي الجديدة دي. أطلع إزاي دلوقتي قدامه وأحصل ميعاد القطر، وأنا قلبي مش مطمن له، خايفة ليكون ناوي لي على حاجة وحشة المرة دي.
قالتها سمرة بقلب مرتجف وهي مستندة بظهرها على الحائط لتتفاجأ بحارس المدرسة العم عطية يسألها بريبة:
في حاجة يا أبلة؟
لا يا عم عطية، ما تشغلش بالك.
قالتها سمرة وهي تهز رأسها نفياً. أما رحمة بعد أن رأت هذا القاسم، سحبت سمرة من يدها تقول:
تعالى معايا أنا هاتصرف.
***
بعد قليل.
خرجت رحمة من باب المدرسة وبجوارها سمرة مرتدية نقاباً لا يظهر سوى عينيها، ومع ذلك، قلبها كان يرتعش بداخل أضلعها كفأر صغير بللته المياه الباردة.
امشي على طول وما تخافيش، هو كده لا يمكن يعرفك!
وبصوتٍ مرتجف:
خايفة يا رحمة، لا يكشفني، دا بلوى أنا عارفاه.
يابنتي امشي على طول وما تخافيش، إن شاء الله هاوصلك المحطة وأرجع تاني بنقاب الأستاذة فاطمة، اللي قاعدة مستناني دلوقتي في غرفة المدرسات، بس انتي اجمدي.
سارت الاثنتان بطريقهن، حتى اقتربوا من سيارته وهو جالس على مقدمتها. ونجحن بتخطيه، ولكن بعد أن ابتعدن بخطوات قليلة، أجفلن من صوته:
استنى عندك!
شهقت سمرة تنظر لصديقتها وهي فزعة، والأخرى تومئ لها بالتقدم دون الالتفاف. ولكنه اقترب بخطواته منهم يصيح:
استنى يا أبلة انتي وهي، خبر إيه مش سامعني!
رواية سحر سمرة الفصل الثامن 8 - بقلم أمل نصر
فى حى قديم من أحياء القاهرة ومكتظ بسكانه، كانت تسرع بخطواتها وهى ترفع بيديها العباءة عن المياه الراكده فى الأرض واليد الأخرى ممسكة ابنتها الصغيرة.
- يالا يا "حنين" مدى برجلك شوية، خليني أوديكى عند ستك عشان أحصل صاحبة الشغل ترفدني، ياللا يا حبيبتي.
- ازيك يا "سوسو"؟
قالها هذا الرجل الذي خرج لها من العدم يتصدر أمامها.
شهقت مفزوعة:
- يخربيتك ياشيخ، أنت اتجننت يا جدع أنت؟
ضحك بسماجة حتى ظهرت أمامها أسنانه:
- أنت اتخضيتى يا "سوسو" هههههه؟
نظرت إليه بامتعاض تردد:
- شالله تخيب أكتر ما أنت خايب!
- ليه بس الدعا يا "سوسو" على حبيبك؟
لوحت بكفها بازدراء:
- يا خي حبك برص، أنت ياراجل أنت مش ناوي تتعدل بدل الخيابة اللي أنت فيها دي؟
وضع يده على قلبه يتنهد:
- بقى حبى ليكي بقى خيابة، يا خسارة يا "سوسو".
صاحت بغضب:
- بقولك إيه، أنا مش ناقصاك يا "ممدوح" ومش فاضية لعمايلك دي، سيبني أحصل شغلي يا ابن الناس الله لا يسيئك.
ابتعد عن طريقها يردد:
- خلاص يا "سعاد"، عدي يا حبيبة قلبي وحصلي شغلك، وأنا موجود وأنتي موجودة والكلام عمره ما هايخلص مابينا.
تخطته تردف بغيظ:
- شالله عمرك هو اللي يخلص يا بعيد، ياللا يا بت مدي برجليكي كفاية تأخير.
.........................
- استنى يا أبله انتي وهي، خبر إيه مش سامعيني؟
قالها وهو يتقدم بخطواته خلفهم. هوى قلبها وكادت أن تسقط مغشياً عليها وهي تنظر لصديقتها برعب. أومأت لها الأخرى بالتقدم والتفتت هي له تومئ بسباتها.
- أنت بتكلمنا احنا؟
- حد غيركم أبلوات يعني في الشارع؟ صاحبتك مشيت وسابتك ليه؟
قالها وهو يومئ برأسه ناحية "سمرة" التي أكملت طريقها دون الالتفاف.
أحكمت السيطرة على توترها وأجابت بغضب:
- وأنت مالك بصاحبتي دي، ملتزمة وجوزها محرج عليها تتكلم مع راجل، أنت بقى عايز إيه؟
أجفل من حدتها فقال:
- وأنا مالي بيها ياستي؟ أنا كنت عايز أسأل عن واحدة بما إنكم أبلوات، اسمها "سمرة" تعرفيها؟
أربكها سؤاله وهي لا تدري بما تجيب بالصدق أم بالنفي، ولكنها أجابت في الأخير:
- هي زميلة معانا، أنت مالك بيها؟
- واه، أنت كل اللي عليكي مالك بيها؟ دي قريبتي وبت عمي، فكنت عايزك تندهي لي عشان عايزها في موضوع ضروري.
يتحدث بموضوعية تخفي غرابة شخصيته، ولكنها أيضاً تجيد التحدث.
- يا أستاذ بتوقفني في الشارع وتقول لي انده لي بنت عمك، ما تدخل بنفسك المدرسة ولا روح لعم "عطية" البواب، قول له ينده لك، أنا مالي أنا؟ الله يجازيك عطلتني عن مشواري وخلت صاحبتي سبقتني، الله يجازيك!
ظلت ترددها وهي تسير من أمامه وتتركه ينظر في أثرها مذهولاً منها.
...............................
ترجلت من سيارة الأجرة وهي تسرع بخطواتها كالركض حتى وصلت للباب الزجاجي لمحل الملابس الفاخر، دلفت إليه تتنفس بسرعة.
- ازيك يا هانم.
قالتها للفتاة الجالسة أمامها بارستقراطية على مكتبها الزجاجي وهي تقلب في صفحات المجلة أمامها. رفعت الفتاة رأسها تنظر لها بغضب.
- تاني تأخير يا "سعاد"؟
بلعت ريقها تتحدث بتقطع:
- معلش بقى يا هانم، أنتي عارفة العيال ومدارسهم.
نظرت إليها بامتعاض:
- خد نفسك الأول وبعدين اتكلمي، ثم إن الشغل ما فيهوش عيال ولا غير عيال، الشغل شغل.
سعاد بلهفة:
- طبعاً يا هانم، الشغل شغل بس معلش سامحيني المرة دي، أنتي عارفة اللي ورايا.
نزلت بانظارها للمجلة ثانية وهي تردف بحنق:
- اخلصي روحي البسي يونيفورم المحل وشوفي الهدوم اللي متعلقة دي وظبطيهم كويس وخلي واحدة من البنات تيجي تساعدك، اخلصي.
أسرعت بحماس:
- أوامرك يا هانم، هوا ورجعالك.
رددت الأخرى وهي تقلب في المجلة:
- اعمل بس، ما لو ما كنتيش شاطرة وشايلة المحل، كنت استغنيت عنك من زمان!
- بتبرطمي مع نفسك تقولي إيه؟
رفعت رأسها تنظر لصاحب الصوت مبتسمة:
- أهلاً، تيسير باشا بحاله عندنا!
رفع نظارته السوداء عن عينيه وجلس بخيلاء أمامها:
- عاملة إيه يا "صافي"؟ وحشتيني؟
رفعت حاجبها الرفيع تردف:
- قال يعني بتسأل! ماتشوفش وحش يا روحي!
تشدق قائلاً:
- مشغولياتي كتير طيب يا "صافي"، أعمل إيه بس؟
ضحكت بسخرية:
- أنت هاتعملها عليا يا "تيسير"، فاكرني مش عارفة! إن اللي شايل الشيلة كلها في الشركة "رؤوف" ابن عمك.
- رؤوف، حبيب القلب!
نظرت إليه غاضبة:
- بطل تستفزني يا "تيسير"، أنا بقولك أهو.
مال بجسده أمامها:
- واستفزك ليه بس يابنتي؟ رؤوف بدأ يستسلم لزنّي أنا وتيته "لبنا" وإن شاء الله قريب هاتلاقيه متقدملك، بس متنسنيش بقى بالحلاوة.
داعب الأمل قلبها ولكنها ردت بجدية:
- اسمع يا "تيسير"، إياك تكون بتهزر، أنا مش فاضية للعب بتاعك.
ابتسم بزهو وهو يضع قدم فوق الأخرى:
- وغلاوتك يا عيني يا "صافي" ليحصل!
..............................
وعوده لـ "سمرة" التي وقفت بجوار زاوية بحائط مبنى بعيدة عن أنظار "قاسم" وهي تضع يدها على قلبها في انتظار صديقتها "رحمة". تدعو الله بكل تضرع، حتى أجفلت لرؤيتها أمامها وهي تضحك.
- عرفتي تعدي منه؟
أجابت "رحمة" بتفاخر:
- طبعاً يابنتي، هو أنا هينة.
أردفت "سمرة" بفرحة:
- الحمد لله، أنا كنت هاموت من الخوف، بس كويس إنك عرفتي تخدعيه!
ردت عليها بمرح:
- وأخدع عشرة غيره كمان، يالا بقى خلينا نوصل المحطة ونحصل القطر، وكمان عشان تلحقي تغيري النقاب في حمامات المحطة.
قالت هي الأخيرة وهي تسرع بخطواتها، و"سمرة" تومئ برأسها توافقها وهي تعدو بسرعة مثلها.
..............................
كان يسير ذهاباً وإياباً أمام سيارته بعصبية، وهاتفه لا يتوقف عن الرنين. ود لو يستطيع الدخول إليها، ولكنه أيضاً لا يريد انكشاف أمره. زفر بضيق من هذا الهاتف فأغلقه تماماً، وذهب باندفاع ناحية حارس المدرسة العم "عطية".
اقترب بهدوء يلقي الصباح على الرجل:
- صباح الخير.
اعتدل الرجل في جلسته:
- صباح النور يابيه.
- بجولك إيه يا عمنا، كنت عايزك في طلب.
أجفل الرجل منتبهاً:
- طلب إيه يابيه؟ أنا مجدرش أتحرك من جدام المدرسة.
أخرج بعض النقود الورقية ليضعها في كف الرجل ويطبق عليها فيقول:
- يارجال وأنا هاسخرك بعيد؟ أنا بس عايزك تدخل المدرسة تنده لي الأبلة "سمرة" وبس كده.
تهللت أسارير الرجل حينما رأى كمية النقود في يده:
- وأقولها مين عايزها؟
- قول لها، واد عمك بره وعايزك في موضوع ضروري يخص الوالدة.
نهض الرجل يتحدث بحماس:
- مدام يخص الوالدة يبقى ضروري تطلع لك، ثواني يابيه أندهها وأيجي.
- إذنك معاك.
قالها وهو يضع السيجارة في فمه، وانتظر بعض الدقائق، حتى أتى إليه الرجل مهرولاً:
- الأبلة "سمرة" مش موجودة جوه، لأنها مشيت يابيه.
نظر إليه بغير تصديق:
- مشيت فين؟ أنا قاعد هنا من الصبح، يبقى إمتى مشيت؟
- والله زي ما بجولك يابيه، أنا دخلت سألت عليها عند المدرسات وقالوا لي إنها مشيت من يجى نص ساعة بعد ما خلت المديرة تمضيلها على إجازة من غير مرتب.
اندفع يمسك الرجل من تلابيب ملابسه:
- أنت بتخرف بتجول إيه؟ هاتكون عملت لها جناحين يعني وطارت!
الرجل بخوف:
- وأنا مالي بس يابيه؟ أنا إيه ذنبي!
سأل بغضب:
- المدرسة دي ليها باب تاني؟
هز الرجل رأسه نفياً:
- لا يابيه، احنا مدرستنا صغيرة.
فهدر بشراسة:
- أمال يعني هاتكون راحت فين ولا طلعت إزاي، لبست طقية الإخفاء...
لم يكمل جملته، حينما تذكر النقاب والمرأة التي أقرعته بحديثها، فترك الرجل بعنف ليركض إلى سيارته.
وبداخل السيارة كان يتنفس بخشونة وصوت عالٍ:
- بتلبسي نقاب يا "سمرة" وتجرطسيني، ده أنا هادبحك أنتِ والمحروسة اللي وقفت تضحك عليا، حاضر حاضر.
- تبجى تخلي "رفعت" ينفعك بعد كده؟
...................................
وبداخل وكالة الغلال الكبيرة كان "رفعت" جالساً على مكتبه، يكاد يقتله القلق، فقد هاتفها مرات عديدة وهي لم ترد عليه ولو مرة واحدة، وهذه ليست من عادتها، فمنذ أن أتى لها بالهاتف الجديد وهي ملتزمة معه بالرد وإن لم تستطع أرسلت له رسالة أو عاودت الاتصال في وقت لاحق. وما زاد قلقه بمراحل هو اختفاء أخيه منذ أمس، وهو أيضاً لم يرد على أي من الاتصالات، فرك على وجهه بكفه الخشنة يقول بصوت خفيض:
- استغفر الله العظيم يارب، أنا مخي راح فين بس؟
هز برأسه يجلي هذه الأفكار عنها، ثم تناول هاتفه يحاول ثانية، ففوجئ بالرد هذه المرة ولكن بصوت مختلف:
- الو، مين عالتليفون؟
رد عليها يتحقق من الصوت:
- أنتي خالتي "بسيمة"؟
المرأة وقد تبينت هويته من صوته:
- أيوه يا "رفعت" يا ولدي، أنا خالتك "بسيمة"، "سمرة" نسيت التليفون النهارده، وأنا توي اللي دخلت أوضتها لما سمعت الرنة.
عقد حاجبيه بريبة:
- كيف يعني نسيت تليفونها؟
أجابت المرأة:
- يا ولدي أنا معرفش كيف! أنا أساساً من الصبح ماشوفتهاش.
كل اللي عرفته من مرة خالها إنها طلعت بدري الصبح عشان معاها رحلة.
ازداد انعقاد حاجبيه ليردف بدهشة غريبة:
- رحلة!!
على المقاعد الخشبية جلست تنتظر وصول القطار ومعاها صديقتها بعد تخطيهم هذه الرحلة العصيبة في الوصول للمحطة وخداع هذا القاسم.
كانت جالسة بحزن تنظر لصديقتها بذهن مشتت. هي خايفة من القادم ولا تريد العودة للوراء، فهي تعلم تمام العلم أنها لو بقيت لن يحدث خير ولن يكون هناك أمان، وبسفرها هذا الله وحده الأعلم بما سيحدث.
كم ودت لو صارحت "رفعت" بالأمر كله لتجنبه هذا الجرح العميق الذي سيصيبه بسفرها، ولكن لا حيلة لها الآن.
كانت "رحمة" ماسكة بكفها تطمنها وتؤازرها ببعض الكلمات المحفزة، وبقلب الصديقة الوفية كانت شاعرة بها وبما يقلقها. هي لا تريد البعد عنها ولكن لا يوجد حل آخر.
أتت الساعة الحاسمة وتوقف القطار في ميعاده.
نهضت "سمرة" عن مقعدها وهي ترفع حقيبتها.
- أشوف وشك بخير.
قالتها وصمتت، ثم ما مالبثت أن ترمي على صديقتها تعانقها والأخرى تبادلها بحرارة ودموعها تسيل بغزارة.
- خلي بالك من نفسك، حَرِّصي كويس على شنطتك، وأنا هتابع معاكي إنتي و"سعاد" بالتليفون.
أومأت برأسها وهي تكفكف دموعها.
- تسلميلي يا "رحمة"، أنا لو ليا أخت ما كانتش هاتعمل معايا أكتر من اللي عملتيه.
نكزتها بقبضة يدها بخفة تقول بجدية:
- بس يابت ماتقوليش كده، إنتي أكتر من أختي.
تحركت "سمرة" بعد ذلك بأقدام مثقلة، حتى صعدت للقطار واستقرت على مقعد قريب بجوار النافذة تنظر لصديقتها التي تلوح لها بيدها وهي تبادلها أيضاً، بقلب مرتجف لما ينتظرها. هل القادم سيكون خير أم ستكون لها مرحلة أخرى من العذاب؟
رواية سحر سمرة الفصل التاسع 9 - بقلم أمل نصر
ترجلت من سيارتها الفارهه بعد أن اطمأنت جيدًا لملبسها، وأعادت مرة ثانية وضع الزينة على وجهها أمام مرآة السيارة حتى تصبح بأبهى صورة. تهادت بخطواتها وهذا الحذاء العالي حتى وصلت إلى باب منزله الجميل فدخلت أمام الحارس دون استئذان، والآخر رفع يده بإشارة ترحيب وهي اكتفت بالنظر إليه فقط.
أكملت السير وهي تعلم وجهتها جيدًا بداخل الحديقة، فاقتربت منها بخطوات بطيئة حتى أصبحت خلفها تمامًا، فقبلتها على وجنتها المجعدة.
- صباح الخير يا تيته.
ضحكت المرأة بعد أن أجفلتها بقبلتها.
- صباح الفل يا أحلى صافي.
جلست أمامها وهي تردف.
- وحشتيني يا تيته، قولت أجي أشوفك وأشرب الشاي معاكي.
ردت المرأة بحبور.
- يا حبيبة قلبي انتي، دا انتي تأنسي وتنوري. يا "حسنية" يا بنت، راحت فين دي؟
- بتندهي على مين يا "تيته"؟
زفرت المرأة بضيق.
- بنده عالبنت اللي جايبها رؤوف مخصوص عشان خدمتي، تاعبة قلبي، ولا مرة أما أعوزها ألاقيها جنبي.
أردفت "صافي" بضيق.
- وسيباها ليه؟ ماتمشيها!
ردت المرأة بابتسامة.
- وأقطع عيشها يا بنتي، قطع الأرزاق حرام.
تشدقت أمامها بضيق.
- إزاي يعني تبقى مهملة وانتي هامك إنك ماتقطعيش عيشها؟ صحتك يا تيته "لبنى" دي أهم حاجة.
- مالها صحة تيته؟
تسارعت دقات قلبها حينما سمعت صوته الآتي من قريب، فنظرت إليه تتحدث بفرحة.
- رؤوف، انت هنا من امتى؟
- أنا حالا واصل اهو، حبيبة قلبي أخبارك إيه النهارده؟
قالها وهو يقترب بحلته الجميلة ويقبل رأس جدته، فغمرتها رائحة عطره المميزة لتستنشقها باستمتاع، فرفع رأسه.
- عاملة إيه يا "صافيناز"؟
أجابت بابتسامة رزينة.
- الحمد لله يا "رؤوف"، أخبارك انت إيه؟
أجابها وهو يجلس أمامهم.
- أنا الحمد لله يا ستي، كنتي بتقولي إيه بقى عن صحة جدتي؟
- مافيش يا حبيبي، أنا صحتي تمام و عال العال.
قالتها المرأة بسرعة، فراجعتها "صافيناز" بتشدق.
- لأ يا "تيته" ماتغيريش الموضوع، إحنا بنتكلم عن البنت اللي جايبهالك "رؤوف" مخصوص لصحتك، وهي دايمًا بتسيبك وتهمل في رعايتك.
نظر إلى جدته بغضب.
- هي البنت دي فين صحيح ومش موجودة جمبك؟
- يا ابني "صافي" بتهول...
قاطعها هو يصيح بصوت عالٍ.
- حسنية، انتي يا بنت يا "حسنية".
أتت البنت مهرولة.
- أيوه يا سعادة الباشا، أنا جيت اهو.
نظر إليها بغضب.
- كنتي فين وسايبة تيته وحدها؟
أجابت البنت بلهفة.
- أبداً، يا سعادة الباشا، أنا كنت بكلم أمي في التليفون وجيت على طول أما ندهتلي.
- طيب اعملي حسابك دي آخر مرة تهملي مع الست الكبيرة، انتي فاهمة ولا لأ.
قالها بصرامة أرعبتها، وهي ردت بخوف.
- فاهمة يا باشا، فاهمة ومش هاتتكرر تاني.
نهض عن كرسيه وهو يأمرها.
- طيب يلا شوفيها اتغدت ولا لأ.
أجابت البنت بلهفة.
- لا هي لسه ماتغدتش، أحضرلك يا هانم الغدا حالا.
أجابت لبنى.
- حضري يا "حسنية" عشان "صافي" هاتتغدى معانا، ولا إيه رأيك يا صافي؟
نظرت إليه بهيام.
- أنا موافقة، دا أنا حتى بحب قوي جو العيلة، ولا إيه رأيك يا رؤوف؟
أومأ برأسه بابتسامة لطيفة أمام نظرات جدته الفرحة.
- طبعًا دا أكيد، طيب أنا هاروح أغير هدومي بقى وأرجع أتغدا معاكم.
دلف إلى داخل المنزل وشياطينه تتراقص أمامه، بداخله شحنة من الغضب لو أفرغها في قرية كاملة لأحرقها بالكامل دون استثناء، ولكنه لا يريد كشف أوراقه الآن وافتضاح أمره.
- مساء الخير.
ألقاها إليهم فأجفلهم بها وهم جالسون على مائدة الطعام يتناولون وجبة الغداء، نهضت والدته عن مقعدها أمام الطعام بلهفة تعانقه وتقول.
- انت جيت يا ولدي، أخيراً، يا حبيبي دا أنا مخي كان بيودي ويجيب عليك، ليه كده بس يا ولدي تجلجني عليك بس؟
ترك رفعت طعامه ينظر إليه بغضب.
- مش هاين عليك تتصل انت ولا ترد على اتصالاتنا تطمنا عليك، طب حتى جدر لهفة المسكينة دي عليك!
قال الأخير بإشارة إلى والدته، فنظر الآخر إلى والدته قبل أن يجيب.
- أنا تعبت امبارح واتحجزت في المستشفى.
نهض رفعت عن طعامه بلهفة و"مروة" أيضًا، وتشبثت به والدته قلقًا.
- ألف سلامة عليك يا حبيبي، دا انت صح وشك مصفر، إيه اللي جرى لك؟
مروة بلهفة.
- سلامتك يا خوي ألف سلامة.
رفعت وقد اقترب منه يتفحصه بقلق.
- إيه اللي تاعبك يا "قاسم"، قول لي وطمني.
وزع نظراته إلى الثلاثة يردف.
- أنا جعت من طولي امبارح و"محسن" خدني المستشفى، الدكاترة قالوا لي ضغط وحجزوني من امبارح، مطلعتش غير دلوك لما صرحوا لي بالخروج.
صاح "رفعت" منفعلًا.
- طب ما جولتناس ليه؟ ولا رديت على اتصالاتنا، ومحسن الزفت دي مجاش ليه وقالنا باللي حصل؟
أجاب عليه بفتور.
- أنا اللي نبهت عليه عشان ما تجلاجوس عليا.
أردفت "مروة" بدهشة.
- انت اللي نبهت!
نظر إليها بطرف عينه وصمت، وتكفلت والدته بالباقي وهي تجذبه بيدها ناحية غرفته.
- ألف سلامة عليك يا ولدي، تعالي ريح جسمك يا حبيبي، تعالي وأنا هاحضرلك لقمة تسند بيها نفسك، تعالي.
نظرت "مروة" في أثره مع أخيها "رفعت" لتردف.
- مش بعاده يعني يتعب ويتألم وما بجولناش ولا يعمل فيها غاغة عشان تعبان!
بادلها "رفعت" النظرة دون أن ينطق بحرف.
وبداخل القطار وعلى مقعدها كانت جالسة بتوتر وقلق، فهذه أول مرة تخرج وتسافر وحدها، رغم تعبها ورغبتها الملحة في النوم مع هذه المسافة الطويلة التي استغرقت ساعات وهي حاضنة حقيبتها الكبيرة وكأنها درع حماية لها، مما أثار ريبة كل من رآها، خصوصًا وهي تتجنب الحديث معهم، وإذا سُئلت عن شيء أجابت على قدر السؤال، وخوفها الشديد جعلها تتوقع رؤيته في القطار مع كل فرد سار أمامها، ولكن الأمل بلقاء أبيها هو ما كان يهون عليها، وكأنها عادت طفلة صغيرة مع هذه الاتصالات المتكررة من صديقتها "رحمة" التي تدعمها، رغم كل هذا التخبط والخوف الذي تشعر به، لكن ببعدها وسفرها الآن، ما الذي سيحدث وما الذي ينتظرها؟
في المساء وبداخل منزل "سليمان" كان الرجل يقطع المنزل ذهاباً وإياباً بقلق وهو ينظر لساعته كل دقيقة.
- واعية بتك يا "بسيمة" وعمايلها، في رحلة تجعد لـ 9 بالليل، خبر إيه؟ دي عمايل ناس عاجلين برضو؟
فردت كفها بقلة حيلة.
- يعني أنا كنت شفتها أساساً وهي طالعة!
ردت "نعيمة" زوجة سليمان.
- يا بوي أنا اللي أعرفه قولته، البنية كانت شايلة شنطة كبيرة وبجولها رايحة فين بالشنطة الكبيرة دي.
جالت لي دي هدوم وأدوات للطلاب عشان الرحلة اللي طالعة معاهم.
تدخلت "رضوى" تردف بريبة.
- شنطة كبيرة كيف يعني؟ وأدوات إيه دي اللي هاتاخدها في رحلة مدرسية؟ وكمان طالعة من جبل ماحد فينا يصحى، خبر إيه رحلة سفاري هي؟
سليمان وقد ازداد الشك بقلبه.
- واه، انتي ليه هاتخلي الفار يلعب في عبّي يا "رضوى"؟ دي حتى ما بتردش على اتصالي بيها.
ردت بسيمة.
- ماهي ماخدتش تليفونها وباينها نسيته عشان التليفون قاعد فوق في أوضتها.
صاح سليمان بقوة.
- كيف يعني ما تاخدش تليفونها معاها؟ هي بتك عيلة صغيرة! دي العيلة الصغيرة ما بتسيبش تليفونها من يدها، فين التليفون ده خليني أشوفها.
نهضت "رضوى" عن مقعدها بحماس.
- هاروح أنا أجيبهولك يا بوي، وأشوف اللي حاصل بالظبط.
قالتها ولم تنتظر الرد من أبيها فقد هرولت مسرعة لتصعد الدرج.
- يعني عدت من جدامك وما شوفتهاش؟
قالها "محسن" بشماتة مستترة لـ "قاسم" الذي نهض عن مقعده بعصبية.
- كل ما افتكر بت الـ... اللي لخمتني بالكلام وخليتها تعدي جدامي بالنقاب وتهرب مني نار تجيد فيا.
- عندك حق بصراحة، دي ما جابتهاش ولادة دي اللي عرفت تلخّمك وتخدعك.
- لم نفسك يا "محسن" بدل ما أخلص عليك دلوقتي.
قالها بصوت جهوري أثار الرجفة بقلب صديقه، فحاول تفادي غضبه وسأل.
- طب انت ما عرفتش هي ليه أخدت إجازة بدون مرتب؟
صك على أسنانه بغيظ.
- ماهو دا اللي هايطير برج من نفوخي، واللي غايظني أكتر إني برن عليها فوق المية مرة ومش معبراني، يعني أروح أثبت خالها بالسلاح وأخطفها من جدامهم.
- واه، يا وجعة طين دي تبجى فتنة في البلد كلها.
قالها "محسن" بدهشة شديدة وجزع، والآخر نظر إليه بقوة ليؤكد مقصده.
- إن شاء الله حتى تولع نار وتروح فيها البلد كلها، أنا هاجيبها وأتجوزها غصبًا عنها وعن الكل.
- يا منجي من المهالك يا رب.
قالها "محسن" بصوت خفيض خوفًا من هذا المجنون، أما الآخر تناول هاتفه يحاول الاتصال بها للمرة المئة عسى أن تجيب، هذه المرة لم ينتظر كثيرًا، فقد أتاه الإجابة من الناحية الأخرى.
- الو، مين اللي بتكلم؟
هم بالصراخ عليها أو الرد، ولكن أجفله الصوت فصمت ليتأكد، فاتاه الصوت مرة أخرى.
- الو، مين اللي بيتصل؟
قفل الاتصال وهو يتمتم بغضب ودهشة.
- رضوى! ودي إيه اللي وصلها لتليفون "سمرة"؟ هو في إيه بالظبط؟
قبل قليل.
بعد أن دلفت "رضوى" لغرفة "سمرة" تفحصتها قليلاً قبل أن تذهب لخزانة الملابس وتجد اختفاء بعض الملابس الأنيقة التي معروفة بهم "سمرة" وبعض الملابس البيتية، وبنظرة إلى صندوق المجوهرات وجدت أنه فارغ، فتأكد ظنها، شعور بالسعادة طفى عليها بشكل غريب.
حينما رأت الهاتف وجدت الورقة مطوية تحته لتقرأها باستمتاع، وخصوصاً هذا النص الذي تذكره "سمرة" بأسفها للمغادرة والهروب.
كادت أن ترقص من الفرحة، فقد تحقق حلمها وانزاحت عن طريقها أكبر عقبة في طريقها.
ولكن هذا الاتصال الذي فاجأها قبل أن تخرج من الغرفة.
نظرت إلى الرقم المدون على الهاتف بعد غلق المكالمة وكأن سكينة حادة اخترقت قلبها.
"قاسم!"
قالتها بصدمة حقيقية، فهي تعلم رقمه وتحفظه جيداً.
وبنظرة سريعة رأت عدد الكم المهول من مكالماتها التي لم ترد عليها، مع اتصالات "رفعت".
طبعاً، سقطت الدمعة الساخنة وكأنها تحرق عينيها.
إنه ما زال يحاول معها ويستجدي رضاها، بالإضافة لخطيبها المزعوم الذي يغدق عليها بحبه، وهي المسكينة التي تهاتفه مئات المرات ولا حتى يكلف نفسه عناء الرد عليها.
صرخة خرجت منها وهي تهرول من الغرفة وتصيح:
"سمرة هربت وجابتلكم العار يابا.. سمرة هربت."
***
وقفت "سمرة" في المكان الذي وصفته لها "سعاد" بدقة داخل المحطة، بعد أن كلمتها في الهاتف بناءً على توصية جيدة من "رحمة".
قلبها يرجف بقوة خوفاً من هذا المكان الكبير والمزدحم بالبشر.
"مساء العسل."
هذه المرة الثانية التي تُقال لها من رجال لا تعرفهم.
كلما مروا بجوارها ألقوا إليها بعض كلمات الغزل.
وهي ممسكة بحقيبتها بقوة وهي تردف الأدعية الحافظة لها والمنجية.
"القمر قاعد لوحده ليه؟"
أجفلت منتفضة من هذا الغريب الذي يحدثها بنظراته الجريئة لها.
أجمعت شجاعتها ترد بقوة:
"وانت مالك؟"
اقترب أكثر مائلاً إليها برقبته:
"ليه بس ياقمر؟ دا إحنا نحب نخدم!"
ارتدت برأسها للخلف تردف بحدة:
"خبر إيه يا جدع انت؟ حد طلب منك خدمة ولا زفت!"
ابتسم بخبث:
"حلو أوي.. انتي من الصعيد بقى.. وجاية مع حد تاني ولا هربانة؟"
فتحت فمها بدهشة وهي تنظر برعب، مما شجعه على مسك يدها.
"طب تعالي بقى دا أنا هاسكنك في أحلى حتة في البلد."
حاولت جذب يدها وهي تصيح بخوف:
"سيب إيدي يا جدع انت.. انت اتجننت ولا إيه!"
جذبت انتباه المارة الذين توقفوا للسؤال، فأردف إليهم بخشونة:
"دي مراتي يا جدعان وعايزة تمشي وتسيبني.. ماحدش يدخل ما بينا."
صرخت هي بعلو صوتها:
"والله ما مراته دا بيكذب!"
وبكل كذب:
"عيب عليك يا سميحة.. بلاش تفرجي الناس علينا."
تساقطت الدموع من عينيها من هذا الرجل الذي يدعي عليها بهتاناً وزوراً وهو ممسك بمعصمها وبقوة.
تحاول أفلات يدها ولا تستطيع، وهي تصيح بنجدتها ولا أحد يقدر على مساعدتها.
حتى وجدته يصرخ أمامه من ضربة قوية بالحذاء أتته من الخلف.
"بتضربيني يابت ال... انتي اتجننتي ولا عقلك طار منك؟"
"سيب إيدها بدل ما أجيبلك أهلها من بيوتهم حالا يقطعوك حتت يابن ال..."
نظرت إليها "سمرة" فتحققت منها جيداً، إنها هي "سعاد" صاحبة الصورة التي في الهاتف والتي حدثتها منذ قليل.
"الحمد لله.. انتي جيتي!"
قالتها وسقطت مغشياً عليها بعدها.
***
وبداخل بيت "سليمان" وكأن نيران اندلعت فيه بعد هذا الخبر المؤلم الذي ألقته "رضوى".
"بسيمة" تندب وتضرب على خدها، و"نعيمة" تبكي بحسرة على "سمرة" التي خدعتها وفعلت هذه الفعلة الشنيعة بحقهم.
أما "رضوى" فكانت جالسة كالصنم وقلبها يحترق من الداخل.
أما "سليمان" فكان يضرب كفاً بالأخرى وهو يصيح بصوته:
"أقول إيه للناس وبتك دخلتها آخر السبوع يا بسيمة.. أقول إيه وبتك جابتلي الفضايح يا بسيمة، لكن أعمل إيه؟ كله من تحت راسك انت يا وش المصايب.. شايفها ماشية ولامة هدومها.. بتضحك عليكى وتمشي من جدامك. أطبق في رجابتك دلوك وأحط غلبي فيكي."
قال الأخيرة بإشارة إلى "نعيمة" التي ازدادت في البكاء.
فتدخلت "رضوى" بشراسة:
"أمي ملهاش ذنب.. دي دوكها هي اللي فاجرة ولا همها أهل ولا فضايح."
"بسيمة" بقسوة:
"أنا لو وشوفتها دلوك ها أقطعها بسناني."
صاح أخوها بسخرية:
"مش لما تشوفيها يا أختي.. حد عارفها راحت فين؟"
"يادي فضيحتك يا سليمان اللي هاتبجى بجلاجل.. ياريتها كانت ماتت ولا كانت عملت اللي عملته."
صاح هاتف "سمرة" فجأة، فنظر الجميع ناحية "رضوى" الممسكة به.
"نعيمة" بأمل:
"افتحي يا رضوى لتكون هي المتصلة."
نظرت "رضوى" بقسوة للهاتف حينما رأت الاسم، ودون تردد فتحت على المتصل.
"الو..... أيوه يا أستاذ رفعت دا تلفون سمرة بس هي مش موجودة ودا لأنها طفشت وهربت!"
رواية سحر سمرة الفصل العاشر 10 - بقلم أمل نصر
اصوات متناثره وكثيره حولها ورائحة نفاذه تقتحم حواسها جعلتها تفتح اجفانها فاقفلتها ثانية وعاودت الكره مره واخرى حتى فتحت عينيها على وسعها وهى متفاجئه من هذا الكم الكبير من البشر الذين ينظرون اليها بتفحص.
- اخيراً فاقت.
قالتها امرأة وتبعتها الأخرى:
- قومي يابنتي ربنا يبعد عنك ولاد حرام.
فتبعها هذه المرة رجل فقال:
- احنا ادينا له اللي في النصيب عشان يحرم يعملها تاني ابن ال....
استقامت بجزعها وهى مجفلة وخائفة تنظر حولها لتستعيد وعيها جيداً فوجدتها خلفها جالسة تنظر إليها بابتسامة جميلة.
- حمد الله على سلامتك.
لا تدرى لما شعرت بالأمان وكأنه طفلة تائهة ووجدت من يأخذ بيدها ويوصلها إلى والديها.
- خلاص يا أخونا ألف شكر ليكم.. روحوا بقى شوفوا مصالحكم.
قالتها سعاد لتصرف هؤلاء البشر المتجمعين حولهم بدافع الفضول والاطمئنان على الفتاة الجميلة التي سقطت مغشياً عليها. وبعد انصرافهم جمعياً، نظرت لسمرة بقلق.
- هاتقدري تكملي معايا للبيت ولا آخدك على أقرب مستشفى؟
هزت رأسها نفياً.
- لا الحمد لله كويسة وأقدر... شنطتي صح هي فين؟
قالت الأخيرة بجزع وهي تنظر أمامها وخلفها وحولها.
- اهدى اهدى.. الشنطة معايا اهي.
قالتها سعاد وهي تخرجها من خلف ظهرها. وضعت سمرة يدها على قلبها تتنفس بارتياح.
- الحمد لله.. أنا خوفت لتكون اتسرقت!
ابتسمت إليها سعاد بمودة.
- انتي بت حلال.. ربنا يبعد ولاد الحرام.
عادت سمرة لوعيها فتذكرت الرجل الذي ادعى عليها كذباً أنها امرأته.
- صحيح.. هو راح فين البني آدم الغريب دا اللي كان بيشدني ويجول عليا إنه مراته.. دا مجنون دا ولا إيه؟
ربتت سعاد على كتفها ثم وضعت الحقيبة على كتفها وهي تجذب سمرة للنهوض.
- قومي معايا قومي.. خليني أوديكي البيت تريحي جسمك.. ونصيحة مني.. هنا لازم تنشفي نفسك كده وماتبيّنيش خوفك قدام حد.
سمرة وهي تنهض مجفلة.
- إزاي يعني؟ مش فاهمة.
وقفت سعاد أمامها تنظر إليها جيداً.
- بسم الله ماشاء الله.. انتي حلوة قوى يا سمرة وتلفتي النظر في أي حتى تروحيها.. ودا اللي خلى الواط الصايع ده يعاكسك ولما لاقيكي خايفة وبتحضني في شنطتك.. خدها فرصة عشان يستغلك!
- وانتي عرفتي منين؟
ابتسمت سعاد وهي تجذبها من ذراعها لتسير معها.
- الزمن يا سمرة علمني.. ماهو مفيش حد بيعرف الدنيا كويس غير اللي اتمرمط في الشقا والغلب.
سمرة وهي تسير معها.
- أنا بشكرك قوى.. مش عارفة من غيرك كان هايحصلي إيه؟
- ماتشكرنيش ياحبيبتي.. انتي ربنا معاكي وإن شاء الله هايحفظك وينصرك بإذن الله.
- طب انتي ساكنة لوحدك ولا في حد تاني ساكن معاكي؟
- لا ياستي ماحدش معايا غير عيالي.. ما انتي عارفة إني مطلقة.. مش رحمة قالتلك برضو.
- قالتلي!
....
- الو... أيوه يا أستاذ رفعت دا تليفون سمرة بس هي مش موجودة ودا لأنها طفشت وهربت!
- يخرب بيت أبوكي إيه اللي انتي قولتي ده.
قالها سليمان وهو يهدر في ابنته بصوت خفيض وهي تنظر إليه دون أن تنطق بكلمة في انتظار ما سيرد به الآخر. والذي صمت قليلاً يستوعب ما قالته ثم صاح بصوت عالٍ.
- إيه المجلب البايخ ده يا رضوي.. أخلصي أديني سمرة بلا هزار ماسخ.
ردت عليه الأخرى بتأكيد.
- بس أنا مابهزرش وتعالى بنفسك شوف الورقة اللي هي كاتباها وبالمرة تاخد تليفونك الغالي اللي رمته هي بجلب مليان من غير ما تقدرك ولا تقدر زعلك.....
صاح هذه المرة بصوت أعلى.
- سيبى التليفون يا رضوي واديني أبوكي أكلمه.
أسقطت الهاتف عن أذنها لتعطيه لأبيها الذي خبط بقوة يضرب بكفيه على فخذيه.
- الله يخرب بيتك يا شيخة.. طينتيها أكتر ما هي مطينة... أرد عالراجل أقولوا إيه بس؟ أقولوا إيه؟
استمرت على صمتها ممسكة بالهاتف أمام أبيها لتأخذه منها.
أخيراً تناول الرجل الهاتف يرد بارتباك.
- الو يا رفعت يا ولدي.
رفعت بصوت صارم.
- بتك بتهزر ولا بتتكلم جد يا عم سليمان عشان لو كانت بتهزر متزعلش مني في اللي هاعمله.
بلع الرجل ريقه بتوتر ثم قال بصوت مرتجف.
- الكلام صح يا ولدي.. ولو جيت دلوقتي هاتلاقي الورقة اللي كاتباها بنفسها.
سقط عليه الخبر كالصاعقة. أطرق برأسه وساد الصمت من الناحيتين. انتظر سليمان رده والآخر صمت قليلاً بصدمة ثم ما لبث أن استعاد رباطة جأشه ليردف بصرامة.
- أنا جاي دلوقتي على طول أتأكد بنفسي!
فوجئ سليمان بغلق الهاتف بعدها، ليردف بجزع.
- طبلت فوق راسك ياسليمان.. طبلت فوق راسك ياسليمان.
تبادل الجميع النظرات بخوف. إلا رضوي فقد أصابتها رغبة شديدة بانتقام رفعت من سمرة وقتلها!
....
ومن الناحية الأخرى دخلت مروة مجفلة على صوته العالي منذ قليل لتجده يتناول سلاحه ويضعه لداخل الجيب الداخلي لسترته.
- انت واخد السلاح ده ورايح فين؟
قالتها بدهشة فنظر إليها بعينين ميتتين وهو صامت ثم هم ليخرج من الغرفة فأوقفنه وهي ممسكة بذراعه تحدثه بارتجافة أصابتها من نظرته.
- هو حصل إيه يا خوي؟ انت شكلك هاتعمل جريمة.. وايه دخل سمرة اللي كنت سامعة اسمها توي؟
- سيبني يا مروة خليني أمشي.
قالها وهو يحاول أن ينتزع كفها من على ذراعه.. وما كان منها إلا أن تشبثت أكثر تردف بجزع.
- مش هاسيبك يا رفعت.. انت شكلك كده ما يطمنش وأنا خايفة عليك وعلى سمرة اللي مش عارفة إيه موضوعها.
- سمرة هربت... هربت قبل فرحها على أخوكي بكام يوم بس.. فهمتي.
قالها بحدة ثم نزع يدها عنه بالقوة ليسير من أمامها بخطوات مسرعة وهي وضعت كفها على فمها تبكي بخوف وحزن شديد.
....
دلف حسن الخال الأصغر لسمرة لداخل غرفته مهرولاً.. يفتح خزانة ملابسه وهو يبحث عن سلاحه بفوضى جعلت زوجته تستيقظ من نومها مجفلة.
- بسم الله الرحمن الرحيم.. بتعمل إيه يا راجل عندك في الدولاب؟
رد عليها وهو مازال يبحث في الخزانة بهمجية.
- السلاح فين يا ثريا.. أنا مش كنت حاطه هنا في الدرفة الوسطانية؟
ضربت المرأة بيدها على صدرها بجزع.
- يا داهية سودة.. ومالك بالسلاح في الليالي دلوقتي؟
صاح عليها بقوة.
- أخلصي يامرة أنا مش فاضيلك.
- يامرة انتي!
قالتها بدهشة غريبة وهي تنهض عن سريرها فتابعت.
- هو فيه إيه يا أبو شيماء؟ انتي ليه شكلك يخوف كده.
نظر إليها بقوة ليقول بحده.
- يقطع البنت وسيرة البنت اللي بتجيب العار لأهاليها!.. اياكي أسمعك بتندهيلي بالاسم ده تاني فاهمة.. أخلصي يللا طلعلي السلاح خليني أمشي!
قال الأخيرة بصرخة، مما أفزعها أكثر فتحدثت برجاء.
- حن عليا قول لي إيه اللي حصل.. أنا قلبي هايوقف من الخوف.
صاح عليها بصوت عالٍ.
- بنت اختي اللي فرحها آخر الأسبوع.. طفشت وجابت لنا العار.. استريحي بقى.
ثريا بارتجاف.
- سمرة!
- أيوه زفتة خلصينا يللا.. خلينا نشوف هانعمل إيه أنا وأخويا أخلصي يللا.
....
وبداخل غرفتها كانت تشهق بصوت عالٍ من البكاء، فسمعتها والدتها وهي تسير بجانب الغرفة، فدَلفت إليها مزعورة.
- مالك يا مروة بتبكي ليه يا بنتي؟
شهقت أكثر وازداد صوت نحيبها، فاقتربت منها نفيسة تأخذها بحضنها وقلبها يكاد أن يخرج من مكانه.
- يابنتي مالك خلعتيني؟
خرجت من أحضان والدتها تنظر إليها بحزن وتقول.
- ببكي على حظنا يا ما.. إحنا صدقنا نفرح بعد المرار اللي شوفناه السنين اللي فاتت مع ولدك والنصايب اللي كان جايبها لنا.. إحنا مش مكتوب لنا نفرح أبداً يا ما!
المرأة بجزع.
- بسم الله الحفيظ.. انتي ليه يا بنتي بتقولي الكلام ده؟
سيطرت على شهقتها بصعوبة لتقول.
- عشان مابقاش فيه فرح يا ما.. عروسة أخويا هربت قبل الفرح بكام يوم.. هربت يا ما.....
- قصدك مين فيهم يا بت رضوي؟
قالتها المرأة بمقاطعة، فهزت مروة رأسها بالنفي ودموعها تهطل بغزارة.
- مش رضوي يا ما.. دي سمرة عروسة رفعت اللي ماشافش الفرح في عمره غير لما خطبها.
انفجرت بعدها في بكاء عنيف ووالدتها وضعت يدها على قلبها الملتاع بحزن شديد.
....
وبداخل الملهى كان يرقص ويشرب كعادته القديمة مع فتيات الملهى حتى أثار دهشة صديقه محسن الذي سأله حين جلس يستريح.
- إيه الحكاية؟ انت النهارده معلي الطاسة جوي وواخد راحتك في الرقص.
شرب الكأس الذي أمامه دفعة واحدة ثم قال.
- بتفكرني ليه يازفت؟ أنا ما صدقت أروح شوية قبل التجيل اللي هايجي قريب.
محسن بريبة.
- تجيل إيه بالظبط اللي هايجي قريب.
نفث من سيجارته نفس طويل في الهواء قبل أن يقول.
- أنا كنت بقولك إيه يا حما...
هز رأسه بعدم استيعاب.
- إيه؟
زفر الآخر بضيق ليردف.
- أنا مش قولتلك قبل كده إني هاخطفها وهاتجاوزها غصب عنها.. وأهي البنية سهلتها عليا لما مضت إجازة من غير مرتب.. يعني في أول مشوار هاتعمله للمحافظة.. هاتكون في بيتي وبعدها على طول هاتكون مرتي.. فهمت ياسيدي.
أسند محسن مرفقه على الطاولة أمامه وهو واضع كفه على وجنته ينظر إليه بدهشة غريبة ليسأل.
- يعني انت فرحان عشان كده! طب ما عملتش حساب أخوك.. دا فرحه عليها آخر الأسبوع.
نفث دخان سيجارته في وجه صديقه يردف بغضب.
- ما تتعداش حدودك يا محسن عشان ما أجيبش عليك.. طيرت الكاسين منى جاك الطين.
بت ياسوسن جومي يابت هزيلى شوية.. ولا أقولك تعالي أهز أنا معاكي كمان.
(أنا آسفة جداً، سامحوني. عارفة إن غلطتي كبيرة وما تتغتفرش، بس أنا ما كانش قدامي حل تاني. ده أنا حتى مقدرتش أحكي لا تحصل فتنة كبيرة وتروح فيها أرواح بريئة. ياريت تبلغوا "رفعت" بأسفي الشديد وتقولوا له إن لولا خوفي عليه لكان بقى أول واحد ألجأ له عشان يغيثني وينقذني، لكن للأسف مقدرتش. أتمنى إنه يسامحني وياخد الفون بتاعه هديته ليا ويفحصه كويس لما يهدى ويعتبره ذكرى مني، ياريت. أرجوكم سامحوني.)
طبق "رفعت" بيده على الورقة المكتوبة بخط يدها بعد أن قرأها. ثم نثرها بطول ذراعه ليردف بغضب شديد:
- هو أنتوا بتكم كانت مغصوبة عليا؟
سليمان بجزع:
- أبداً، والله يا ولدي. بالعكس، ده كان كل كلامها زين عليك!
أردف بتماسك عكس هذه العواصف الدائرة بداخله:
- أمال إيه؟ أنا عايز أفهم، تعمل عملتها السودا دي معايا ليه؟ لما هي مش عايزاني كانت قالت، مش تيجي قبل الفرح وتهرب عشان تلبسني العار وتخلي الناس تمسك سيرتي.
تدخل "حسن"، الخال الأصغر:
- اسمع يا وإنت عمي، إنت كبير ناسك وإحنا ما يخلصناش اللي حصل. وعد مني لو لقيتها لأكون جايبها بإيديه الاتنين.
هوى قلبه داخل صدره بعد سماع حديث "حسن"، فتكلم بروية:
- ما تقتلهاش. أنا عايز أسمع منها الأول عشان أفهم. المهم دلوقتي تفتكروا راحت فين؟
سليمان بتشتت:
- معرفش يا ولدي، إحنا هندور في أي حتة وخلاص.
رفعت بصرامة:
- قول لي أسماء قرايبكم وأصحابها وأي حد تعرفه هنا في البلد أو براها، أنا هخلي رجالتى ما يناموش غير لما يجيبوها.
حسن هو الآخر:
- وأنا أوعدك يا وإنت عمي، لأجيبها لك من تحت بطاطيج الأرض!
في صباح اليوم التالي.
استيقظت على لمسات خفيفة وناعمة على وجنتيها وشعرها. فتحت عينيها لتجد هذه الصغيرة بشعرها الناعم وغير المرتب وخديها الكبيرين والشهيين. ابتسمت لها "سمرة" تسألها:
- انتي مين يا حلوة؟
تكلمت الطفلة بعفوية:
- أنا اسمي رنا ممدوح بنت سعاد.
رددت مع نفسها تتذكر الاسم وتتذكر أين هي. فوجدت نفسها نائمة على سرير صغير في غرفة ضيقة وغريبة. فتذكرت كل ما حدث. فنهضت بجزعها بحزن تردف لنفسها:
- ياترى إيه اللي حاصل دلوقتي هناك؟ وبيقولوا عليا إيه؟ وهايعملوا معايا إيه لو شافوني.
تنهدت بألم تناجي ربها:
- يارب إنت عالم بحالي، نجيني يا رب واسترها معايا.
الفتاة الصغيرة ببرائة:
- إنتي بتكلمي نفسك؟
ابتسمت لها وقبلتها بوجنتها:
- بس تصدقي يا "رنا"، ده أحلى صباح بالنسبالي، إن صحيت على وشك القمر ده!
الفتاة بعدم استيعاب:
- قمر!! يعني إيه؟
دلف إلى داخل المنزل قرابة الظهيرة، بعد أن قضى ليلته أمس في حضن إحدى فتيات الليل بعد انتهاء سهرته بالملهى. وجد والدته واضعة يدها على وجنتها بحزن وشقيقته عينيها منتفختين من كثرة البكاء. أردف برزانة وريبة:
- مساء الخير. مالكم؟ في حاجة حصلت.
نفيسة بعتب:
- لسه اللي جاي يا "قاسم". الدنيا مقلوبة وإنت بتبيت بره البيت بدل ما تقف مع أخوك. طب المرة اللي فاتت قلت إنك بتبيت في المستشفى، المرة دي إيه حجتك؟
ضغط بأطراف أصابعه على أعلى أنفه، يحاول السيطرة على أعصابه:
- ياما، أنا ما كنتش بكذب المرة اللي فاتت والمرة دي أنا سافرت أقابل جماعة أصحابي راجعين من السعودية. السؤال بقى: هو إيه اللي حصل مع "رفعت" عشان أقف معاه أنا؟
- سمرة هربت!
قالتها "مروة" بسرعة في الرد، وهو صمت قليلاً يستوعب:
- سمرة إيه؟
مروة بتأكيد:
- خطيبة أخوك "سمرة" طفشت وهربت. قبل الفرح اللي ميعاده آخر الأسبوع. فهمت إحنا بنتكلم على إيه؟
انتفخ صدره وهو يتنفس بقوة حينما تذكر النقاب والإجازة التي بدون مرتب بالإضافة إلى الفتاة التي شغلته عنها. فخرج مسرعاً بنيرانه دون استئذان من والدته وشقيقته اللتان نظرتا في أثره بدهشة.
وبداخل سيارته انتظر في شارع جانبي مرورها من أمامه بعد انتهاء اليوم الدراسي. وحتى حدث ما كان ينتظره ووجدها أمامه تسير بجانب بعض صديقاتها المدرسات في طريقهن إلى منازلهن القريبة. سار بسيارته بهدوء وبطء، وقام بمهاتفة صديقه:
- الو.. أيوه يا "محسن"، جهز الرجالة واستنوا إشارة مني عشان أديكوا العنوان.
محسن:
- ماشي يا صاحبي، أوامرك مطاعة.
قفل مع صاحبه وهو ما زال يسير بسيارته ببطء شديد حتى لا يلفت نظر "رحمة" التي تتحدث وتضحك مع صديقاتها.
- بقى بتغفليني وتهربي صاحبتك من قدامي. ماشي، أما أشوف أنا صاحبتك هاتنفعك بإيه؟