تحميل رواية «شمس الياس» PDF
بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنفاس ذات صوت مرتفع كانت تشق صمت الليل المظلم. كانت تزداد وترتفع صوتها مع زيادة المسافة التي يركضها هذا الطفل البالغ من العمر عشرة أعوام. توقف قليلًا وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة كبيرة، ذلك لطول المسافة التي ركضها هربًا من قدره. نظر خلفه برعب، خوفًا من أن يقترب منه أحد ويعثر عليه. لم ينتظر أكثر وركض بكل ما أُوتي من قوة حتى وصل إلى مكان به مسجد كبير وكان أمامه مبرد مياه. نظر خلفه ليرى هل وصل إليه أحد أم لا. وما إن تأكد من خلو الطريق من خلفه حتى عبر إلى الجهة الأخرى واقترب من مبرد المياه ثم فتح الصنبو...
رواية شمس الياس الفصل الأول 1 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
أنفاس ذات صوت مرتفع كانت تشق صمت الليل المظلم. كانت تزداد وترتفع صوتها مع زيادة المسافة التي يركضها هذا الطفل البالغ من العمر عشرة أعوام. توقف قليلًا وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة كبيرة، ذلك لطول المسافة التي ركضها هربًا من قدره. نظر خلفه برعب، خوفًا من أن يقترب منه أحد ويعثر عليه. لم ينتظر أكثر وركض بكل ما أُوتي من قوة حتى وصل إلى مكان به مسجد كبير وكان أمامه مبرد مياه. نظر خلفه ليرى هل وصل إليه أحد أم لا. وما إن تأكد من خلو الطريق من خلفه حتى عبر إلى الجهة الأخرى واقترب من مبرد المياه ثم فتح الصنبور وملأ الكوب كاملًا ثم تناوله سريعًا وتجرعه على مرة واحدة؛ بسبب شدة عطشه. أعاد الكرة مرة أخرى وقبل أن يركض هربًا استمع إلى بكاء طفل رضيع بالقرب من المسجد. نظر إلى الطريق أمامه ثم تحرك ببصره ونظر إلى المسجد وعقله يصارعه؛ هل يتابع هربه أم يرى صوت بكاء هذا الرضيع؟ اتخذ قراره واستمع لقلبه وتحرك بحذر باتجاه المسجد. وما إن وصل إلى بابه حتى وجد هذا الرضيع الذي كان ملتفًا بغطاء رمادي اللون. اقترب الطفل من هذا الرضيع ووضع يده على وجهه فوجدها أنثى بسبب الحلق الطبي الذي كان يزين أذنيها. ضم حاجبيه بحزن وكأنه يقول بداخل نفسه: "مسكينة تلك الطفلة، أصبحت وحيدة كما أصبحت وحيدًا. لا أدري هل أصطحبها معي أم لا؟ من الممكن أن تتعرض حياتها للخطر إذا تركتها ورحلت. ستصبح رفيقة دربي بعد الآن."
بالفعل اتخذ قراره وحملها بين ذراعيه ثم تابع ركضه بعيدًا عن هذا المكان. وكان يقف ويأخذ قسطًا من الراحة عندما يشعر بالتعب. وصل إلى موقف وكان به سيارة وحيدة "ميكروباص" فاقترب منها وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه. هنا صاح أحد الركاب وقال بسعادة:
"الناقص وصل يا اسطى، اتحرك بينا بقى الله يفتح عليك الساعة بقت تلاتة الفجر."
تردد الطفل إلياس فيما هو مقدم عليه لكنه اتخذ قراره في النهاية ونظر إلى السائق من نافذة السيارة وهو يقول بحزن واضح:
"معلش يا اسطى ممكن تاخدنا معاك؟ أنا مش معايا فلوس وأنا وأختي لوحدنا في الطريق."
صاح السائق بصوت مرتفع شق صمت الليل:
"غور ياض أنت وهي مش ناقصة تسول."
هنا هتف أحد الركاب وقال باعتراض شديد:
"حرام عليك ياسطى أنت معندكش عيال، أنا هدفعله، تعالى يا حبيبي اقعد وأنت ياسطى انجز واتحرك بقالنا ساعتين واقفين ورانا مصالح الصبح بدري والوقت يادوب هيروح في الطريق."
بالفعل استقل الطفل المقعد الفارغ بجوار هذا الذي تحدث وقرر دفع الأجرة له. مسح على رأس الرضيعة ثم رفع رأسه ونظر إليه قائلًا بامتنان:
"شكرًا."
ابتسم الرجل ومسح على رأسه وهو يقول بهدوء:
"العفو يا حبيبي."
ثم نظر إلى الطفلة التي كانت بين ذراعيه وردد بتساؤل:
"أختك دي؟"
لم يتردد وهز رأسه بالإيجاب قائلًا:
"أيوة أختي."
اختفت ابتسامته وضيق ما بين حاجبيه سائلًا بتعجب:
"وايه اللي مخليكم لوحدكم كدا خصوصًا وإن أختك لسه صغيرة بالشكل ده؟"
فكر في شيء ليقوله له؛ كي يهرب من سؤاله لكن صوت السائق المرتفع دوى في المكان وهو يقول:
"لموا الأجرة من بعض يا جدعان أنا باخد الأجرة قبل ما نوصل."
ردد أحد الركاب باعتراض:
"وطي صوتك شوية يا اسطا فيه ناس نامت وبعدين على طول بندفع لما نوصل، بص قدامك بقى وكمل طريقك الواحد فيه اللي مكفيه."
همهم السائق بكلمات غير مفهومة تحمل الإهانة وتابع طريقه المظلم.
بعد سفر دام لثلاث ساعات فتح إلياس عينيه ليجد ضوء الشمس يخترق زجاج السيارة ويصل إلى وجهه. هنا نظر بلهفة إلى الرضيعة فوجدها نائمة. ابتسم ومسح على وجهها؛ فهي أصبحت في حمايته ورعايته الآن. فكر في صاحبة القلب المتحجر التي تركت طفلتها ورحلت، وفي تلك اللحظة عرف أنها لا تختلف عن هؤلاء الذين دمروا حياته وجعلوه وحيدًا. قطع تفكيره صوت السائق الذي قال بهدوء:
"حمدلله على السلامة يا جماعة وصلنا."
بدأ الجميع في تجميع الأجرة وقاموا بإرسالها إلى السائق الذي تابع قيادته إلى الموقف الخاص بسيارات الأجرة.
وصلوا أخيرًا ومع توقف السيارة صرخت الطفلة باكية دون أن تفتح عينيها. فحاول إلياس تهدئتها لكن جميع محاولاته باءت بالفشل. فهنا طلب منه الراكب الذي دفع له بأن يترجل من السيارة وبالفعل نفذ ما طلبه منه. وضع يده على كتفه وقال بجدية:
"تعال يلا نروح الصيدلية اللي هناك دي نجيب بامبرز ولبن علشان شكلها جعانة."
لم يتحدث وسار معه إلى الصيدلية. فقام الأول بشراء ما تحدث عنه وطلب من الطبيب بأن يسمح له بدخول المرحاض كي يقوم بتغيير حفاضتها فوافق الطبيب. هنا رفض إلياس طلبه وقال بصوت هادئ:
"هغيرلها أنا."
ابتسم الرجل واحترم رغبته قبل أن يسمح له بذلك. بعد خمس دقائق خرج الطفل بعد أن قام بتبديل حفاضتها ولكنه لم يجد الرجل الذي كان معهما. فابتسم الطبيب يطمئنه قائلًا:
"ماتقلقش هو مش هيتأخر، هيحضر اللبن للطفلة وجاي."
هز رأسه بالإيجاب ببراءة وجلس بها على مقعد في ركن صغير وانتظر لأكثر من ساعة والرضيعة تبكي من حين لآخر. قبل أن يقرر الرحيل دلف طارق إلى الصيدلية وقال بابتسامة:
"معلش اتأخرنا."
اقترب منه وقام بإعطائه وعاء الحليب الخاص بالرضع. فقام إلياس بدوره ووضع الحليب بفمها. وهنا فتحت الرضيعة عينيها لينبهر إلياس بلونهما العسلي الصافي كقرص الشمس وشعر بأنه سُحر بلونهما. أخذ يشربها الحليب فشربت منه الكثير بسبب جوعها. وما إن شبعت حتى ابتسمت له ابتسامة عذبة جعلته يبتسم لها هو الآخر تلقائيًا. هنا ردد طارق بجدية:
"في حالتك دي بقى أكيد محتاج مكان تقعد فيه صح؟"
هز رأسه بالإيجاب وقال بطفولية:
"لو مش هتقل على حضرتك عايز مكان وشغل."
ابتسم بهدوء وقال بتساؤل:
"قولي الأول اسمك ايه؟"
أسرع وأجابه على الفور:
"إلياس، اسمي إلياس."
تابع بابتسامته الهادئة وهو يربت على كتفه:
"اسمك جميل يا إلياس، بص أنا هعمل اللي عليا وأجيبلك مكان وشغل بس سامحني مش هقدر أدفع إيجار المكان ده غير أول شهر، أنا برضه حالتي على قدي."
هز رأسه بابتسامة ونهض مسرعًا من مكانه وهو يقول:
"حلو جدًا بعد كدا هدفع أنا من شغلي."
مسح على رأسه بهدوء قبل أن يقول:
"طيب يلا بينا."
ساروا لمسافة طويلة حتى وصلوا إلى منطقة شعبية وفقيرة للغاية. تحركوا في الشوارع إلى أن وصلوا إلى حارة بها مقهى ومسجد صغير وفي منتصفها بقالة كان يوجد أمامها محل تزيين حريمي صغير. بدأ طارق في إجراءات تأجير شقة بهذا المكان وبالفعل نجح في ذلك ثم أخذ إلياس وذهب به إلى خضر المالك الوحيد للمقهى وقال له بجدية:
"بقولك ايه يا معلم خضر أنا قاصدك في خدمة."
نهض خضر من كرسيه ورمق إلياس بتفحص قبل أن يحرك بصره إلى طارق قائلًا:
"خير يا أستاذ طارق، اؤمر."
وضع يده على ظهر إلياس وقال بابتسامة:
"عايزك تشغل إلياس معاك، مقطوع من شجرة وراجل عايز يصرف على نفسه وعلى أخته الصغيرة."
نظر خضر إليه مرة أخرى ونظر تلك المرة بتفحص أكثر قبل أن يُحدثه بجدية قائلًا:
"شغل القهوة عايز رجالة مش حريم، هتشتغل هنا يبقى تثبت إنك تستحق تفضل هنا على طول وإلا مالكش شغل عندي."
أسرع الطفل وقال بثقة كبيرة:
"ماتقلقش يا معلم خضر أنا هثبت إني أستحق، مستعد أشتغل من دلوقتي كمان لو حابب."
رفع أحد حاجبيه بتفكير قبل أن يقول بجدية:
"اجري انجر على جوا خلي مسعود يفهمك هتعمل ايه أما نشوف آخرته."
بالفعل دلف هو إلى الداخل بينما تحدث طارق إلى خضر لبضع ثوانٍ قبل أن يرحل.
بدأ مسعود في شرح دوره في العمل وكان ينصت هو إليه إلى أن تذكر صغيرته فقال بهدوء:
"معلش يا مسعود هطلع أشوف أختي علشان سايبها لوحدها، هي كانت نايمة بس خايف تصحى وتعيط."
نظر إليه لعدة ثوانٍ قبل أن يقول بتساؤل:
"أختك؟! أنت ليك أخت؟"
صمت قليلًا ليفكر في رد مناسب حتى لا يوقع نفسه بالمشاكل مستقبلًا قبل أن يجيبه:
"بص هي مش أختي، هي تبقى بنت خالتي وبعتبرها أختي لأن مالهاش حد وهي لسه طفلة رضيعة."
ابتسم مسعود ذو القلب النقي والذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا وقال بهدوء:
"استأذن من المعلم خضر الأول، ونصيحة مني سيبها مع حد من الجيران في الوقت بتاع شغلك علشان ماتنشغلش بيها ونصيحة كمان ارضي المعلم واسمع كلامه وأنت هتاكل الشهد."
حرك رأسه بالإيجاب وانصرف من أمامه وذهب إلى خضر الذي رفع بصره له قائلًا بتساؤل:
"في ايه ياض؟ عايز ايه؟"
نظر إلى الأسفل وتردد في ما هو مقدم عليه لكنه تمالك أعصابه عندما تذكر أنها وحدها وقال بهدوء:
"بعد إذنك يا معلم خضر، هطلع أشوف بس أختي الصغيرة زمانها صحيت من النوم، أوعدك ده مش هيتكرر تاني وهسيبها مع حد."
وضع قدمًا فوق الأخرى ونظر إليه نظرة مطولة قبل أن يقول بجدية:
"ماشي روح بس قدامك عشر دقايق بس، واعمل حسابك إنك لو عايز تكمل هنا مفيش الكلام ده تاني، شغلك هيبقى من 9 الصبح لـ 5 المغرب ومرتبك هيبقى كبير علشان بس أنت اللي مسئول عن أختك وإيجار الشقة."
ابتسم ابتسامة هادئة ورفع بصره ليقول بامتنان طفولي:
"ربنا يخليك يا معلم خضر تسلم، أنا هطلع ومش هتأخر."
تركه وصعد إلى شقته الصغيرة بالعمارة المجاورة للمقهى وكانت في الطابق الثاني. فتح الباب وتقدم إلى الداخل. كانت الشقة عبارة عن غرفتين صغيرتين وصالة ومرحاض ولا يوجد بها مطبخ. اتجه إلى الغرفة التي توجد بها الصغيرة وابتسم عندما وجدها نائمة. اقترب منها بهدوء وجلس أمامها على الفراش. مسح على رأسها بابتسامة قائلًا ببراءة:
"ماتخافيش، الحمدلله إنك جيتِ في طريقي علشان أنقذك من الشارع الغدار ده وكمان تشجعيني على الحياة بعد اللي حصلي."
أمسك بكف يدها الصغير وقبله ثم تابع بابتسامة:
"فيكِ شبه كبير من أختي الله يرحمها، أنا أينعم لسه طفل وصغير بس هعمل كل اللي أقدر عليه علشان نعيش بخير وفي أمان."
نهض من مكانه وتركها ثم اتجه إلى الشقة المقابلة لشقته وطرق الباب بهدوء. شعر كثيرًا بالتوتر من الحياة المقدم عليها لكن يجب عليه الهدوء والصبر؛ فلا يوجد طريق آخر سوى الموت. سمع امرأة من الداخل تقول بصوت مرتفع:
"استنى يا اللي بتخبط، يووه أنا جاية أهو."
فتحت أخيرًا الباب فتفاجأت به أمامها فرددت بصوت هادئ:
"أنت مين يا حبيبي؟"
ابتسم بهدوء وأجابها وهو ينظر إلى الأسفل بتلعثم:
"أنا إلياس جاركم الجديد، أنا معايا بنت خالتي وهي تبقى طفلة رضيعة ويعني كنت..."
صمت لعدة ثوانٍ قبل أن يتابع بتوتر:
"كنت عايز أسيبها مع حضرتك في وقت شغلي وكده."
رفعت أحد حاجبيها بتعجب شديد وأردفت بتساؤل:
"أنت مش معاك حد كبير؟"
حرك رأسه ببراءة بمعنى "لا" وردد بنفس النبرة:
"لا محدش معايا، احنا مقطوعين من شجرة وحكمت الظروف نبقى هنا وتبقى هي مسئولة مني."
ابتسمت ورددت بمرح لتزيح إحراجه:
"والله اللي يسمع كلامك ده يقول شاب كبير، كلامك مش لايق على سنك، بص اعتبرني وافقت وهات بنت خالتك بس خلي بالك لازم تحكيلي حكايتكم بالظبط."
حرك رأسه بالإيجاب وقال بسعادة كبيرة:
"حاضر لما أرجع من الشغل إن شاء الله، أنا هجيبها دلوقتي وهجيب لحضرتك برضه اللبن بتاعها علشان لو جاعت."
تركها وأسرع إلى الداخل وقام بحمل الصغيرة بين ذراعيه بهدوء شديد ومعها الحليب الخاص بها ثم اتجه إلى الخارج. فردت هي ذراعيها وأخذت منه الطفلة بابتسامة وهي تقول بحب:
"ياخلاثي يا ناس على القمر الصغنون، باين عليها صغيرة أوي ولسه مولودة من حوالي أسبوعين."
رفع أحد حاجبيه وردد بتعجب:
"أسبوعين؟!"
ضيقت نظراتها ورددت بتساؤل:
"أنت ماتعرفش وهي بنت خالتك إزاي؟!"
ابتسم بتوتر وأجابها على سؤالها قائلًا:
"هقول لحضرتك لما أرجع من الشغل."
هزت رأسها بالإيجاب وقبل أن يرحل أوقفته قائلة بتساؤل:
"صحيح أنا اسمي كريمة، ماقلتليش بقى اسم القمر دي ايه؟"
نظر إلى الصغيرة لوقت قصير بحيرة وهو يفكر في اسم مناسب لها. فرددت هي بتعجب:
"ايه ماتعرفش اسمها ولا لسه مالهاش اسم؟"
رفع بصره وفرك فروة رأسه بحيرة قبل أن يقول بعفوية:
"الصراحة مالهاش بس بفكر أهو."
تذكر حزنه قبل أن يراها وسط العتمة وعينيها. فلمعت عيناه وفجأة ارتسمت ابتسامة على وجهه وقال بحماس شديد:
"إيلين، اسمها إيلينا."
ابتسمت وربتت على كتفه قائلة:
"ربنا رزقني بجيران عسل، بص روح أنت الشغل وماتقلقش إيلين في عيني الاتنين."
هز رأسه بابتسامة بعد أن اطمأن عليها معها ثم عاد إلى العمل في المقهى مرة أخرى.
بعد ساعات انتهت فترة عمله وعاد إلى المنزل بإرهاق؛ فهو لأول مرة يعمل مثل هذا العمل لكنه مُجبر على ذلك بسبب حياته الجديدة والتي فُرضت عليه. صعد الدرج واتجه إلى شقة جارته، طرق الباب بهدوء ففتحت هي الباب وقالت بابتسامة:
"تعالى يا إلياس ادخل أنا حضرت الغداء أهو."
نظر إليها بخجل وأردف بنبرة صوت منخفضة:
"بالهنا، أنا بس عايز إيلين."
هزت رأسها برفض وقالت بإصرار شديد:
"أنا قلتلك هتحكيلي عنكم وأنت قلت بعد ما تخلص شغل وبعدين أنت راجع تعبان ومحتاج تتغدى، اسمع الكلام وخش يلا أنا زي أمك."
استسلم لطلبها ودلف إلى الداخل وهو ينظر إلى الأسفل. فرددت هي باعتراض:
"ماتتكسفش يا إلياس بقولك أنا ابني يعتبر قدك، أنت في سنة كام؟"
شعر بالحزن عندما تذكر مدرسته التي تركها بسبب هروبه لكنه في النهاية رفع رأسه ونظر إليها قائلًا:
"داخل خامسة ابتدائي."
اتسعت ابتسامتها وقالت بسعادة كبيرة:
"بجد! على فكرة ابني مراد قدك بالظبط وهو كمان داخل على سنة خامسة، مش قلتلك اعتبرني زي ماما؟! تعال تعال."
وضعت الطعام وبدأوا جميعًا في تناول الغداء. وفي هذا التوقيت تعرف إلياس على مراد وتحدثوا كثيرًا أثناء تناولهم الطعام. وما إن انتهوا حتى بدأ هو في سرد قصته منذ البداية وكانت هي وطفلها يستمعان إليه بإنصات إلى أن أنهى حديثه قائلًا بتوتر:
"وموضوع إيلين ده محدش يعرفه غيركم، ياريت محدش يعرفه خالص لأني هقول إنها بنت خالتي."
ظهرت علامات الحزن على وجهها وأردفت باعتراض:
"ربنا ينتقم من ولاد الحرام، بقى في حد يعمل كدا؟! معلش يا إلياس ربنا بيختبر صبر الواحد ويبتليه علشان بعد كدا يعوضه خير عن كل اللي شافه، بس مش شايف إن موضوع إيلين ده صعب عليك؟"
رفع وجهه ونظر إليها بعدما فهم القصد من هذه الجملة ثم قال بجدية لا تناسب عمره:
"إيلين هي اللي هتشجعني أكمل وأعيش بعد اللي حصل."
في تلك اللحظة ارتفع صوت بكاء الصغيرة فأسرعت هي لتُحضرها من الغرفة وحاولت تهدئتها لكنها فشلت في ذلك. اقترب إلياس وفرد ذراعيه بلهفة لكي تضع الطفلة وبالفعل سلمته إياها. فسار بها وهو ينظر إليها بابتسامة قائلًا:
"اهدي يا إيلين، أنا إلياس ماتخافيش أنا جنبك."
سكنت الرضيعة ونظرت له ببراءة. فارتفع حاجبا كريمة بدهشة عندما هدأت الطفلة بين ذراعيه واقتربت منه قائلة بابتسامة:
"باين عليها حاسة بيك، حاسة إنك أنت اللي أنقذتها من اللي هي فيه."
ابتسم بسعادة طفولية ونظر إلى الرضيعة نظرة حب وعطف وكأنه أب يحمل طفلته بين ذراعيه.
"بعد مرور ثمانية عشر عامًا"
ركضت بسرعة كبيرة باتجاه باب كريمة وطرقت عليه بقوة. وما هي إلا ثوانٍ حتى فتحت الباب وهي تقول بقلق شديد:
"في ايه يا إيلين مالك؟"
انهمرت دموعها ورددت بخوف شديد:
"الحقيني يا طنط، صحي مراد ينزل يحوش بسرعة علشان إلياس بيتخانق."
هزت رأسها بالإيجاب وقالت وهي تتجه إلى الداخل:
"حاضر ماتقلقيش يا حبيبتي، مراد!"
تململ مراد في فراشه وردد بصوت نائم:
"سيبيني يا ماما أبوس ايدك ده يوم إجازتي."
دلف إلى داخل غرفة ابنها وهزته بقوة قائلة:
"الحق إلياس بيتخانق تحت."
نهض من نومه على الفور واتسعت حدقتاه وهو يقول:
"ايه إلياس بيتخانق؟!"
لم ينتظر رد والدته بل ارتدى ملابسه بسرعة كبيرة واتجه إلى الأسفل. بينما أسرعت إيلين إلى شرفة المنزل لتشاهد ما يحدث بخوف.
على الجانب الآخر صاح إلياس قائلًا بصوت مرتفع يحمل الغضب:
"بقولك ايه يا ممدوح أنت قلت هتجيب الفلوس بعدين وقلت ماشي لكن تيجي دلوقتي وتنصب عليا وتقول مالكش حاجة عندي يبقى كدا أنت عايز تتربى وفلوسي هاخدها."
اقترب ممدوح خطوة واحدة منه ولوح بيده في الهواء قائلًا بغضب:
"قلتلك يا إلياس مالكش حاجة عندي ولو راجل ربيني زي ما بتقوله."
هنا اندفع إلياس تجاهه ولكمه بقوة في وجهه. وقبل أن يرد الآخر له اللكمة تدخل مراد وحال بينهما قائلًا:
"خلاص يا إلياس حقك عليا."
ثم نظر إلى ممدوح بغضب وردد بنبرة تحمل التهديد:
"بقولك ايه يا ممدوح الفلوس ترجع بالذوق أحسن ما ترجع بالعافية ورجالة الحارة لو اتجمعوا هيغلطوك أنت، ماتركبش نفسك الغلط وادفع اللي عليك."
ضيق ممدوح نظراته وقال بنبرة تحمل الجمود واللامبالاة:
"ولو ماجيبتش الفلوس يا مراد هتعمل ايه يعني؟!"
ابتسم مراد ابتسامة هادئة واقترب منه. وما إن أصبح أمامه مباشرة حتى قال:
"هعمل ايه؟"
لكمه بقوة في وجهه وردد بغضب:
"هعمل كدا يا ابن أم ممدوح."
اقترب الثاني منه بغضب لكي يقوم بضربه بسبب ما فعله إلا أن إلياس تدخل وركله بقوة ليقع على الأرض. ثم تركه ونهض قبل أن يُشير إليه بإصبعه قائلًا بتهديد:
"وحياة أمك يا ممدوح الفلوس لو ماوصلتش بكرا هيكون في كلام تاني هيزعلك، آمين؟"
نهض من مكانه وتراجع بخوف وهو ينظر إلى كلٍ منهما. بينما اتجه إلياس إلى صديقه مراد وردد قائلًا بابتسامة:
"غريبة يعني صاحي بدري كدا."
لوى ثغره وأردف بعدم رضا:
"أنا كنت في تاسع نومة لولا ماما صحتني من أحلاها نومة علشان البيه صاحي يتخانق."
ضحك بصوت مرتفع على ما قاله ووضع يده على كتفه قائلًا:
"أعمل ايه مجاش ليا نوم نزلت أقعد شوية على القهوة بما إنه يوم إجازتي لقيته معدي قصادي سألته عن الفلوس قالي مالكش حاجة عندي وأنت عارفني عصبي، قمت مسكت فيه."
فرد ذراعيه في الهواء وقال بنبرة تشتاق إلى النوم:
"طب بقولك ايه لسه فاضل ساعتين على الظهر سيبني أطلع أنام بقى وبلاش خناق، اطلع لـ إيلين صحيت تقريبًا على صوت خناقك وهي اللي خبطت على ماما."
هز رأسه بالإيجاب قائلًا:
"طيب يا سيدي يلا نطلع."
صعدا إلى الأعلى ودلف مراد إلى شقته. بينما وجد إلياس صغيرته تقف أمام الباب وعلامات القلق تظهر بشكل كبير على وجهها. اقتربت منه ورددت بخوف شديد:
"أنت كويس يا إلياس؟ استنى هجيب قطن من الصيدلية."
وقبل أن ترحل أمسكها من معصمها ورفع أحد حاجبيه قائلًا باعتراض:
"يـابنتي أنا اللي ضارب مش مضروب قطن ايه أنتِ شايفة وشي جايب دم؟!"
لوت ثغرها وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بحيرة:
"معرفش بقى يمكن اتضربت وأنا بقول لطنط كريمة على الخناقة."
ابتسم وأمسك ذقنها وهو يقول بحب:
"يا حبيبتي لسه ما اتولدش اللي يمد ايده عليا وبعدين مش علمتك تلفي الحجاب كله على راسك مش تحطيه بالشكل ده؟!"
تركته واتجهت إلى الداخل وهي تقول بتوضيح:
"ما أنا من صوت الخناقة اتلعبكت وما أخدتش بالي، المهم إنك كويس."
دلف هو الآخر إلى الداخل وقام بإغلاق الباب من خلفه قبل أن يقول بجدية:
"بما إني مش جايلي نوم وأنتِ صحيتِ هاتي كتبك أذاكرلك شوية."
التفتت إليه ونظرت إليه قائلة باعتراض:
"النهاردة إجازتك خلينا نتفرج على التليفزيون ويبقى يوم فري وبعدين أنا هعرف أذاكر بكرا لوحدي وأنت في الشغل أنا مابقيتش صغيرة يا ليسو."
رفع أحد حاجبيه وردد باعتراض:
"أولًا بلاش ليسو دي خليها ياس زي ما كنتِ بتقولي وأنتِ لسه بتتعلمي الكلام، تاني حاجة بقى أنتِ هتفضلي بالنسبة ليا صغيرة حتى لو كبرتِ، يلا بقى هاتي الكتب هما ساعتين عقبال صلاة الجمعة ما تبدأ وباقي اليوم إجازة ها ايه رأيك؟"
فكرت قليلًا بالأمر ثم رسمت ابتسامة على وجهها وهي تقول برضا تشاكسه:
"خلاص تمام يا أبيه."
"أبيه برضه؟! هاتي الكتب يا إيلي ربنا يهديكِ."
ضحكت على تذمره وأثناء جلبها لكتبها من غرفتها استمعت إلى صوت مرتفع بالأسفل، فشعرت بالقلق كثيرًا وفتحت النافذة لترى ما يحدث فوجدته ممدوح قد جلب بعض الشباب وكلٍ منهم يحمل عصا ضخمة والبعض يحمل سكينًا استعدادًا لتلقين إلياس درسًا على ما فعله.
صرخ ممدوح بصوت مرتفع وهو يقف أسفل نافذة العمارة وقال بتهديد:
"انزل يا إلياس، لو فاكر نفسك راجل انزل."
على الجانب الآخر كان مراد على وشك الغرق في النوم إلا أن صوت ممدوح اخترق أذنه فنهض من مكانه وردد بعدم رضا:
"مش مكتوبلي أنام في إجازتي أنا عارف، وربنا ما هخلي في وشك حتة سليمة يا ممدوح."
بداخل شقة إلياس أخرج عصا ضخمة وبيده الأخرى حمل سكينًا وهرول تجاه الباب لكن إيلين وقفت أمامه ورددت بعينين دامعتين:
"بالله عليك بلاش يا إلياس."
نظر إليها بنظرات تحمل الجمود والإصرار:
"وسعي من وشي يا إيلين، النهارده أنا قاتل أو مقتول."
رواية شمس الياس الفصل الثاني 2 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
داخل شقة «إلياس» أخرج عصا ضخمة وبيده الأخرى حمل سكينًا وهرول تجاه الباب.
لكن «إيلين» وقفت أمامه ورددت بعينين دامعتين:
- بالله عليك بلاش يا إلياس.
نظر إليها بنظرات تحمل الجمود والإصرار:
- وسعي من وشي يا إيلين، النهارده أنا قاتل أو مقتول.
ظلت مكانها أمام الباب وفردت ذراعيها في الهواء لتقول بترجّي:
- بالله عليك أنا مليش غيرك وممدوح تحت ناوي على شر، مش عايزين الفلوس دي اللي هيجي من وراها أذى.
رغم غضبه الشديد إلا أنه اقترب منها ووضع يده على وجهها قائلًا بابتسامة:
- حبيبتي أوعدك أرجعلك بخير وكمان مراد معايا أنا مش لوحدي، علشان خاطري وسعي، يرضيكي يتقال عليا إني جبان وخايف أنزل.
ترددت كثيرًا بعد جملته الأخيرة قبل أن تحرك رأسها بمعنى "لا" ثم ابتعدت من طريقه ليفتح هو الباب.
وقبل أن يخرج أمسكت معصمه لينظر هو لها منتظرًا ما ستقوله.
فرددت بصوت هادئ يحمل الخوف:
- ارجعلي بخير.
رسم ابتسامة حب على وجهه وردد بهدوء:
- هرجعلك بخير إن شاء الله.
تركته وخرج من شقته ليجد صديقه المقرب يفتح باب شقته هو الآخر وبيده عصا ضخمة ووالدته تركض خلفه قائلة:
- ارجع يا مراد أنت وإلياس دول مش ناويين على خير.
التفت لوالدته وردد بإصرار:
- متقلقيش يا ست الكل هنربي العيال دي وهنطلع، وبعدين اللي يشتم إلياس كأنه شتمني أنا.
ابتسم له صديقه بحب وربت على كتفه قائلًا بإعجاب:
- ونعم الأخ يا مراد.
توجه الاثنين إلى الأسفل كتفًا لكتف ووقفوا مباشرةً أمام هؤلاء الذين قد جلبهم «ممدوح» لأخذ حقه.
هدر «إلياس» بصوت ضخم هز كيانهم وأرعبهم بشدة:
- الظاهر إنكم متعرفوش إلياس كويس، اللي شايف نفسه راجل ومكتوب في بطاقته دكر يقرب مني وأنا أقسم بالله ما هوريه نور الدنيا دي تاني.
شعروا جميعهم بالخوف إلا أن «ممدوح» ردد بصوت مرتفع ليحثهم على العراك:
- أنت متقدرش تعمل حاجة والكترة تغلب الشجاعة يا إلياس.
ابتسم له وقال بسخرية:
- مقدرش اعمل حاجة؟ أومال مين اللي لسة معلم عليك من شوية!
هنا اندفعوا جميعهم لبدأ الشجار إلا أن صوت ضخم أوقفهم جميعًا.
توجهت الأنظار إلى صاحب هذا الصوت ليجدوه الحاج «خلف» الذي أوشك على إتمام العقد السادس من عمره وعلى الرغم من ذلك إلا أنه يتمتع بالقوة والصلابة كما أن سكان تلك الحارة يعتبرونه كبيرهم نظرًا لقدمه وقوة إيمانه وحكمته أيضًا.
اقترب ووقف بينهم ثم وجه نظرة نارية لـ «ممدوح» الذي نظر إلى الأسفل خوفًا من رد فعله تجاهه.
التف الأول إلى «إلياس» وأردف بنبرة شبه مرتفعة:
- أنا بقول عليك عاقل يا إلياس، مش أنت اللي مكانه يبقى هنا بالمنظر ده.
نظر إلى الأسفل ودافع عن نفسه قائلًا:
- أنا مغلطتش يا حاج خلف، أنا بدافع عن حقي، ممدوح من فترة قالي إن عليه وصل أمانة بـ 10 آلاف جنيه وهيتسجن ورغم حالتي ورغم إني بقبض ملاليم ومسؤول عن بيت سلفته المبلغ، أيوة أنا غلطان علشان مخلتهوش يمضي على وصل أمانة بس ايدي مش متكتفة واعرف اخد حقي منه.
تقدم تجاهه بخطوات هادئة قبل أن يضع يده على كتفه وهو يقول بهدوء:
- حقك تاخده بالعقل، حاجة زي كدا تيجي تكلمني وأنا هروح بنفسي اجيبلك حقك منه لكن الشكل ده وحش ووحش اوي كمان، أنت يبني متعلم وفاهم.
ثم وجه بصره إلى «مراد» وتابع عتابه:
- وأنت يا مراد المفروض تعقل صاحبك وتنصحه مش أول ما يقولك هتخانق تقوله آمين أنا معاك.
نظر هو الآخر إلى الأسفل وقال بجدية:
- لو حد هيجي على إلياس أنا لازم أبقى جنبه، هم جايين تحت البيت وأديهم مش فاضية ده مش هيبقى وقت نصيحة أو تعقل خالص.
رمقه لبضع لحظات ثم التفت واقترب من «ممدوح» الذي كان موجهًا بصره إلى الأسفل فقام برفع رأسه بيده بقوة ليواجهه قائلًا:
- أنت عامل بلطجي يا ممدوح! يعني مش مكفيك إنك واخد فلوسه وجاي تبلطج عليه، يا أخي ده مهانش عليه تتسجن وسلفك الفلوس ده جزاءه؟
رفع رأسه وحاول الدفاع عن نفسه:
- بس يا حاج ده عــ ...
قاطعه بحده وهو يحدق به بغضب شديد:
- اسكت خالص لغاية ما أكمل كلامي، الفلوس بتاعة إلياس ترجعله، قدامك أسبوعين لو الفلوس مرجعتش أنا اللي هقف في وشك وأنت عارف كلمة خلف عاملة إزاي، غور باللي أنت جايبهم دول وحسابك معايا بعدين.
بالفعل رحلوا جميعًا وهم يجرون أذيال الخيبة بينما عاد «خلف» إلى «إلياس» مرة أخرى ليقول بهدوء واضعًا يده على كتفه:
- مش كل حاجة حلها الخناق يابني، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، حقك يجي بس بالعقل أنت قولت عايز حقي هو موافقش ساعتها نلجأ لحل تاني وتالت وآخر حاجة تستخدمها هي العنف.
ابتسم له بحب وهز رأسه عدة مرات بالإيجاب قبل أن يعده قائلًا:
- إن شاء الله مش هتتكرر تاني يا حاج خلف، اعذرني على اللي حصل.
ابتسم وربت على كتفه ثم وجه بصره إلى «مراد» الذي قال مسرعًا:
- لا مؤاخذة يا كبير الحارة أنا كمان بقولك مش هتتكرر تاني، ربنا يديك الصحة وطول العمر يا حاج خلف يا بركة.
اتسعت ابتسامته وربت على كتفه قبل أن يبدل نظراته بينهما قائلًا:
- ربنا يهديكم.
على الجانب الآخر كانت تقف هي ووالدتها يتابعون ما يحدث وأعجبها كثيرًا قوة «إلياس» الذي عبر عنها بصراخه المرتفع منذ قليل فهي تابعت هذا الشجار من البداية وأوقفت والدتها لترى ما سيحدث لكن تدخل الحاج «خلف» وقضى على طموحاتها في رؤيته يؤدب هؤلاء الشباب.
انتظرت حتى ابتعد «خلف» وجذبت والدتها ثم اتجهت إليه قائلًا بابتسامة:
- كنت زي الأسد يا إلياس في وشهم.
لاحظت وجود ابن خالتها «مراد» بجواره فوجهت بصرها تجاهه وتابعت:
- وأنت كمان يا مراد.
حاول رسم ابتسامة على ثغره قبل أن يقول باقتضاب:
- تسلمي يا أماني.
وقبل أن تتفوه بكلمة أخرى رمق صديقه بنظرة سريعة قائلًا:
- أنا هطلع أنا يا مراد ونتقابل قبل صلاة الجمعة.
لم ينتظر رده وصعد إلى الأعلى بسرعة فهو يعلم جيدًا أن «اماني» لن تتركه فهي تحاول جاهدة وبكل الوسائل أن تتقرب منه لكنه لم ولن يُعطيها ما تتمني فقلبه أحب منذ أن كان طفلًا وانتهى الأمر.
صافح هو خالته التي اخبرته بذهابها للتسوق بينما اتجهت «أماني» إلى المنزل فرفع «مراد» صوته قائلًا بتعجب:
- رايحة فين يا أماني؟
نظرت إليه ورفعت أحد حاجبيها قائلة:
- طالعة لخالتي هكون رايحة فين يعني.
تركته وصعدت إلى الأعلى بينما بقى هو وضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بتذمر:
- والله أنا عارف إني مش هعرف أنام النهاردة، أماني جت يعني مش هتبطل رغي مع ماما واقعد أنت يا مراد ابكي على حظك المنيل.
صعدت إلى الأعلى فوجدته قد دلف إلى الداخل وقام بإغلاق الباب مما جعلها تشعر بالغضب وودت لو تطرق على هذا الباب لكي يظهر لها وترى وجهه مرة أخرى لكنها تراجعت وقررت التوجه إلى خالتها.
على الجانب الآخر جلس «إلياس» واقتربت هي منه قائلة بابتسامة:
- والله عمو خلف ده راجل طيب كويس إنه انقذك منهم.
عقد حاجبيه بتعجب لما تقول ولوح بيده في الهواء قائلًا:
- أنتي هبلة ولا صاحية النهاردة دبت في دماغك إنك تعصبيني وتستفزيني؟
ضحكت بصوت مرتفع عليه قبل أن تقترب منه لتخرج لسانها قائلة:
- أيوة هو كدا.
هدأ وعرف كيف يضغط عليها ويغضبها لذلك رسم ابتسامة هادئة على وجهه وهو يقول:
- مش هتصدقي شوفت مين تحت، أماني بنت طنط نعمة، جت تقولي إني كنت واقف في الخناقة زي الأسد هي دي الناس اللي بتفهم مش تقولي عم خلف انقذني.
اتسعت حدقتاها بعدم تصديق وتحول وجهها إلى اللون الأحمر من شدة الغضب.
رمقته بنظرة نارية ولم تعرف بماذا تقول فضربت الأرض بقدمها واتجهت إلى غرفتها على الفور.
شعر بالانتصار عليها ونهض من على تلك الأريكة ليتبعها.
جلست هي على سريرها وعقدت ذراعيها بضيق شديد فردد هو من الخارج:
- يارب نجيب الكتب في يومنا اللي مش فايت ده وبعدين وربنا هحلف ما هقعد وهنزل اقعد على القهوة.
في خلال ثوانٍ قليلة كانت أمامه حاملة لكتبها وكانت نظرات اللوم تنطلق من عينيها فابتسم وقال بمرح:
- على فكرة سهل أوي حد يعصبك، اعقلي كدا وخليكي عارفة إن عيني من بنت خالتي مش بنت خالة مراد، يارب نفهم.
وضعت كتبها على المنضدة أمامها ثم رفعت رأسها لتنظر له قائلة بلوم:
- مش دي من الناس اللي بتفهم بردو؟
جلس أمام تلك المنضدة وفتح الكتاب الأول قبل أن يرفع بصره لها قائلًا:
- شوفتي إن الاستفزاز وحش؟ كنت بستفزك زي ما سيادتك بتستفزيني.
جلست هي الأخرى وقالت بحزن واضح:
- هزار عن هزار يفرق.
ترك الكتاب من يده وأمسك يدها التي سحبها بهدوء وهو ينظر إلى عينيها مباشرة.
أطبق على يدها بهدوء وقال بنبرة جادة:
- إيلين أنتي عارفة كويس أوي أنتي بالنسبة ليا ايه وأي حاجة تحصل عكس كدا متصدقيهاش، أنتي عارفة أنا بحبك من أمتى! من قبل حتى ما توعي على الدنيا دي، كنتي لسة مولودة قد كف ايدي دلوقتي، أنتي بنتي قبل ما تكوني حبيبتي وأنا مستني تخلصي ثانوية علشان ساعتها اخطبك قدام أهل الحارة كلهم واتجوزك.
ثم حول نبرته وتابع مازحًا:
- ولا سيادتك هترفضي وتقولي عليا عجوز علشان أكبر منك بـ ١٠ سنين؟
ابتسمت بسعادة واطبقت بيدها اليمنى على يده التي يمسك بها يدها اليسرى وقالت بحب:
- أنت لو أكبر مني بعشرين سنة هوافق، أنا وعيت على الدنيا دي لقيتك معايا وبتدافع عني وبتساعدني وتعلمني وزي ما أنت قولت أنا بعتبرك أبويا واخويا قبل ما تكون اكتر حد بحبه على الكوكب ده.
رفع أحد حاجبيه وردد بعدم رضا:
- ما بلاش أخويا بالله عليكي.
ضحكت بصوت مرتفع وهو ينظر إلى وجهها بهيام تام فهو يعشق ضحكها.
هدأت هي ونظرت إليه قائلة بجدية:
- أنت وعدتني هتقولي إحنا بقينا لوحدنا كدا إزاي لما أكبر واديني كبرت، كل اللي أعرفه إنك ابن خالتي وهربت بيا لما حد حاول يأذينا.
اختفت ابتسامته وتذكر تلك الليلة التي خسر فيها كل شيء فلاحظت هي تبدل ملامحه لتقول بحيرة:
- ليسو؟ وشك اتغير ليه!
حاول رسم ابتسامة مزيفة ليقول على الفور:
- ما قولنا بلاش ليسو دي، وبعدين افتكرت حاجة كدا، أنا أيوة وعدتك بس لسة مجاش وقت اللي هحكيهولك ده، أوعدك بعد ما تخلصي السنة دي وتخلصي ثانوي رسميا هحكيلك كل اللي عايزاه تمام!
هزت رأسها بالإيجاب عدة مرات وهتفت بحب:
- تمام.
***
في غرفة واسعة وضخمة تحمل الكثير من الصور لأشخاص غير معروفين ولكنهم في عالم صاحبة تلك الغرفة أبطال خارقون وليس مجرد بشر، كانت هي غارقة في النوم حين ارتفع رنين هاتفها فتململت في فراشها لكنها لم تستيقظ.
اختفى صوت الرنين للحظات قبل أن يرتفع مرة أخرى فتحركت بهدوء قبل أن تفرد ذراعها وتجذب الهاتف تجاهها.
ضغطت على شاشته لتجيب دون أن ترى من المتصل ووضعته على أذنها قائلة بصوت نائم:
- أيوة!
ارتفع صوت صديقتها من الجهة الأخرى قائلة بحماس:
- ايه يا سما معقولة لسة نايمة لغاية دلوقتي ده الساعة بقت ١١ الضهر يا بنتي.
حاولت استيعاب ما تقوله قبل أن تفرك عينيها قائلة بنفس النبرة:
- النهاردة الجمعة يا ميرا مش فاهمة عايزة ايه ما تسيبيني أنام.
رفضت صديقتها الاستسلام أمام نبرتها الضعيفة وردد بصوت مرتفع:
- يابنتي فوقي النهاردة الجمعة يعني اليوم اللي المفروض بنتقابل في علشان نكمل البرنامج بتاعنا، فوقي يا سما إحنا باقيلنا جزء بسيط ومش هينفع نكسل في الآخر.
استسلمت الأخرى أمام إلحاحها ونهضت من نومها قائلة:
- قومت يا ميرا قومت وبعدين اليوم طويل.
- لا اصحيكي دلوقتي علشان عقبال ما تفوقي وتخلصي كل اللي عايزاه هتكون الساعة ٢ الضهر أصلا.
جذبت جهاز اللابتوب من جوارها لتضعه أمامها مباشرة قبل أن تقول بجدية:
- طيب يا ستي أنا فوقت أهو هقوم اخد شاور وافطر واصلي واجيلك ولا اقولك تعالي أنتي أنا مكسلة أصلا أتحرك.
وافقتها صديقتها وقالت بسعادة:
- خلاص تمام هجهز واجيلك يلا باي.
- باي.
***
رفع أحد حاجبيه منتظرًا إجابتها على هذا السؤال لكنها نظرت إليه بحيرة وعجزت عن الإجابة عليه فأخذ منها القلم وقام برسم دائرة على رقم هذا السؤال ثم رفع رأسه لها وقال بجدية:
- بصي يا إيلي سؤال زي ده باين إنه صعب جدا ومش هتعرفي تحلي التكامل ده نقوم نعمل ايه! هنبص على الإجابات ونفاضل كل ناتج لوحده هيطلع ناتج منهم هو هو نفس القيمة اللي قدام التكامل بتاع السؤال وبكدا تبقي عرفتي الإجابة من غير ما تكاملي التكامل الصعب ده.
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها وقالت بسعادة:
- تصدق فعلا فكرة حلوة أوي، السؤال ده جنني.
ابتسم لابتسامتها ووضع القلم أمامها مرة أخرى وهو يقول:
- طيب يلا فاضلي كدا النواتج دي وشوفي أنهي الصح.
بالفعل بدأت في حل هذا السؤال في الكشكول الخاص بها وتوصلت أخيرا للإجابة.
رفعت صوتها وقالت بسعادة:
- الإجابة هتبقى الإختيار الأخير.
هز رأسه بالإيجاب وصفق لها قائلًا:
- برافو عليكي، يلا خشي على السؤال اللي بعده.
استمر في مساعدتها على المذاكرة مع شرح ما لم تستطع فهمه حتى أصبحت الحادية عشرة والنصف فنهض من مكانه وقال بجدية:
- كملي وأنا هخش آخد دش واغير علشان انزل أصلي الجمعة.
هزت رأسها بالإيجاب وذهب هو لتنفيذ ما قاله وبعد أن انتهى من حمامه خرج وارتدى جلباب أبيض اللون ثم فتح باب شقته واتجه للخارج ليغلق الباب خلفه.
في تلك اللحظة فُتح باب شقة صديقه وخرجت «أماني» وهي تقول بابتسامة:
- ايه ده يا إلياس أنت رايح تصلي الجمعة؟
نظر إلى ملابسه قبل أن يعاود النظر إليها مرة أخرى قائلًا بسخرية:
- سؤال ذكي الصراحة، لابس جلابية وخارج أكيد نازل أصلي يعني، خشي نادي مراد خلينا نلحق.
اقتربت منه أكثر وأشارت بيدها للخلف لتقول بصوت هادئ:
- مراد بيلبس وجاي، قولي أنت عامل ايه كويس.
وضع يديه بجيب جلبابه وردد ببرود مستفز:
- فل الفل.
في تلك اللحظة خرج «مراد» وهتف بصوت مرتفع:
- خلاص يا ماما عرفت هجيب ايه وبعدين مش واخد الزبالة أنا نازل أصلي.
ثم وجه نظره إلى ابنة خالته وتابع:
- خدي الزبالة ارميها يا أماني اعملي حاجة مفيدة في حياتك.
ضحك «إلياس» واتجه إلى الأسفل فتبعه صديقه تاركًا ابنة خالته تقول باعتراض شديد:
- أعمل حاجة مفيدة في حياتي! طيب مش رامية الزبالة يا مراد.
لم يُعطيها اهتمام واتجه مع صديقه إلى الأسفل ثم توجها إلى المسجد القريب.
دلفا إلى الداخل وجلسا في الصف الأول أمام الإمام الذي قام ببدأ خطبته بعد أن قام المؤذن برفع الأذان.
مر من الوقت خمسة عشر دقيقة وانتهى الخطيب من خطبته قبل أن تُقام الصلاة.
بعد مرور عدة دقائق خرج المصلين من المسجد بعد أن انتهت الصلاة وأثناء ذلك جذب «إلياس» حذاءه وبدون قصد اصطدم برجل يظهر عليه كبر السن وأدى ذلك لاتساخ ملابسه.
رفع وجهه سريعًا لكي يعبر عن أسفه وأنه لا يقصد ذلك لكنه شعر بالصدمة مما شاهده.
لقد مرت سنوات كثيرة لكنه لم ولن ينسى ذلك الوجه أبدًا.
ظل موجهًا بصره له دون أن يتحدث وكأن لسانه قد أُلجم ليتحدث هذا الرجل بغضب شديد:
- مش تحاسب يا زفت أنت.
ظل صامتًا فعقله لم يستوعب حتى الآن أنه أمامه.
الكثير من السيناريوهات غزت رأسه وفكر في فعل الكثير وقبل أن يأخذ قرار محدد ردد هذا الرجل مرة أخرى:
- أنت كمان أخرس، مش عارف ايه الأشكال ديا.
اقترب شاب آخر منهما ونظر إلى هذا الرجل قائلًا بتعجب:
- فيه ايه يا بابا واقف وبتزعق مع مين؟
نظر له «إلياس» فهو للتو اكتشف أن هذا هو ولده وابتسم ابتسامة هادئة ليقول:
- خبطت في والدك بالشبشب وهو بيزعق مع إني مكانش قصدي خالص.
رمقه هذا الشاب بنظرات نارية قبل أن يهتف بغضب واضح:
- وأنت مالك مبسوط كدا ليه! أشكال تقرف.
ثم نظر إلى والده وردد بنفس النبرة:
- يلا يا بابا نخرج من المنطقة الزبالة دي، أنا أصلا كنت رافض نيجي المشوار ده.
هنا لم يستطع «إلياس» تمالك غضبه واندفع تجاهه كالأسد الذي وجد فريسته.
قبض بيده اليمنى على رقبته ودفعه بقوة إلى الخلف وهو يقول بتهديد صريح:
- الأشكال اللي تقرف دي ممكن تدفنك مكانك ومحدش هيقدر يدافع عنك حتى أبوك اللي واقف قصادك ده، والمنطقة اللي بتقول عليها زبالة دي ممكن متخرجش منها تاني ولو خرجت مش هتبقى خارج على رجلك فاحترم نفسك ومتقولش كلام أنت مش قده، امين؟
هنا اقترب «مراد» على الفور وحاول الفض بينهما وهو يقول:
- فيه ايه يا إلياس اهدى وسيبه دول بردو ضيوف في منطقتنا.
رمقه هذا الشاب بخوف شديد بينما اقترب والده ليقول بأسف واضح:
- أنا آسف يابني، سيبه.
نظر له بابتسامة واسعة وردد بإصرار شديد:
- مش هسيبه يمشي على رجله غير لما يتأسف على اللي قاله.
هنا صاح هذا الشاب بغضب:
- أنت شكلك اتجننت اتأسف لمين!
شدد من قبضته على رقبته وهدر فيه بصوت غاضب:
- اقسم بالله لو ما اتأسفت على اللي قولته ما هسيبك تمشي على رجلك.
حاول «مراد» التدخل إلا أن «إلياس» هتف بصوت مرتفع:
- استنى أنت يا مراد.
لم يجد هذا الشاب مفر من يديه فهو في منطقة مشبوهة كما يشبهها هو ويجب عليه فعل ما بوسعه ليخرج سالمًا من هنا لذلك هز رأسه وقال بصوت مبحوح:
- أنا آسف.
وضع يده اليسرى خلف أذنه وردد بتساؤل:
- قول تاني كدا بتقول ايه؟ سمعني.
عاد جملته مرة أخرى بهدوء:
- أنا آسف.
هنا تركه «إلياس» فرحل على الفور هو ووالده من أمامه ليبقى هو يتابعهما بنظراته النارية فوجودهما الآن أشعل بداخله نار الانتقام، الانتقام لماضيه الذي كان أشبه بالجحيم.
وضع «مراد» يده على كتفه ونظر إليه هاتفًا بتعجب وحيرة بسبب ما حدث منذ ثوانٍ قليلة:
- ممكن تفهمني ايه اللي حصل وليه مسكت في الواد ده كده؟
نظر إلى صديقه وكور قبضة يده ثم ضغط عليها بقوة وهو يقول:
- خبطت في أبوه من غير ما اقصد راح شتم وهو سيادته جيه فضل يغلط ويقول أشكال تقرف ومنطقة زبالة فعرفته مقامه، وبعدين عرفت منين انهم ضيوف أنت تعرفهم؟
هز رأسه بمعنى "لا" ووضح مقصده من جملته تلك:
- لا معرفهمش بس أول مرة اشوفهم في المنطقة علشان كدا قولت ضيوف وبعدين دول باين عليهم من الناس اللي مناخيرهم في السما، مش فاهم ايه اللي جابهم منطقتنا.
ردد هو بصوت منخفض غير مسموع:
- حظهم، ربنا بعتهم علشان افتكر اللي فات مع اني منسيتهوش ولا ثانية واحدة.
رفع «مراد» حاجبيه قائلًا بتعجب:
- بتقول ايه؟
هز رأسه بلا مبالاة وأشار إلى المقهى قائلًا:
- تعالى نقعد شوية وفكك.
***
وصلت أخيرًا لمنزل صديقتها ورمت نفسها على فراشها بسعادة كبيرة فهما على أعتاب نجاح كبير لم يكن متوقع منذ البداية.
أسرعت ونهضت من مكانها وهي تقول بابتسامة:
- هانت يا سما هانت، فاضل على الحلو تكة.
جلست هي الأخرى أمام صديقتها وهتفت بسعادة:
- فعلا يا ميرا البرنامج اللي هنعمله ده هيكون ثروة ومش بعيد كل الشركات والمنظمات العالمية يتنافسوا علشان ياخدوا نسخة منه.
رفعت أحد حاجبيها وقالت بثقة كبيرة:
- وليه لا البرنامج بتاعنا هيكون أول برنامج مفيهوش ثغرة واحدة، هيبقى نظام حماية استحالة حد يخترقه، ده غير كدا لما حد يحاول بس يخش على السيستم أو يخترقه بيفصل البورت اللي جاي منها الـ Attack وبيقدر يعرف مين حاول يعمل الاختراق ده ومكانه وكل حاجة عنه حتى لو مستعمل ألف vpn أو أي نظام تخفي وبعدين يشغل البورت تاني وكل ده في أقل من ثانية.
أمسكت اللابتوب الخاص بها ورفعته إلى الأعلى وهتفت بجدية:
- وكل اللي قولتيه ده ميجيش خمسة في المية من المميزات اللي بيقدمها البرنامج، هانت يا ميرا هنخلصه ونتحدى أقوى هاكر في العالم يخترقه ولما يفشل ساعتها قولي أهلا بالنجاح.
صاحت صديقتها بسعادة:
- وليه ساعتها، هنقول دلوقتي، أهلا بالنجاح.
ارتفع ضحكهما وسط سعادتهما بهذا المشروع الضخم الذي سيغير حياتهما بلا شك.
***
حمل كوب الشاي وارتشف منه القليل قبل أن يرمق صديقه الشارد بحيرة قائلًا:
- مالك يا إلياس! من ساعة خناقتك مع الواد ده وأنت سرحان، طبعا أنت عارف إننا أكتر من أخوات يعني لو فيه حاجة قول وفضفض خلينا نفكر بصوت عالي.
فاق أخيرًا من شروده ووجه بصره إلى صديقه الذي يجلس مقابلًا له ثم هتف بهدوء:
- عايز تعرف ايه؟
أشار بيده إلى حيث سار الرجل وابنه وأردف متسائلًا:
- مين الراجل ده هو وابنه؟ تعرفهم!
ابتسم ابتسامة هادئة وعاد بظهره إلى الخلف قبل أن يعقد ذراعيه أمام صدره قائلًا:
- الراجل ده مين! هقولك يا مراد بس متتصدمش، الراجل ده يبقى عمي! عمي أخو أبويا، عرفت بقى يبقى مين!
رواية شمس الياس الفصل الثالث 3 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
دلف إلى داخل السيارة وصفق الباب خلفه قبل أن يرمق والده بنظرة غير راضية وهو يهتف باعتراض شديد:
- يعني إحنا مسافرين المسافة دي كلها علشان نيجي منطقة بيئة بالشكل ده؟ فيه مليون واحد غير سي معجزة بتاعك ده.
عاد بظهره إلى الخلف ونظر إلى ابنه قائلًا بجدية:
- فيه مليون واحد أيوة لكن ده اللي ملهوش حس ولا معروف، واللي دلني عليه قال إنه مش زي أي حد وإن اللي بيعمله ده بالنسبة ليه حاجة عادية جدا مش مستحيلة، اهدى يا سليم وسيب الدنيا تمشي زي ما إحنا عايزين.
تأفف من هذا المكان الذي جاء إليه بدون رغبته ثم خرج من السيارة واستند بظهره عليها واخرج علبة السجائر الخاصة به، أخرج سيجارة وأشعلها ثم بدأ في تدخينها قبل أن ينفث دخانها بقوة.
- عمك؟ أنت بتهزر يا إلياس ولا بترخم عليا؟
قالها «مراد» غير مُصدقًا لما قاله صديقه منذ لحظات فرفع الآخر حاجبيه وهتف بغضب:
- برخم ايه وبهزر ايه يا مراد؟ هو الكلام ده فيه هزار! ده عمي جمال أظن أنت عارف الحكاية، أهو ده ضمن القايمة الجميلة اللي في دماغي.
مرر يده على ذقنه بتفكير ثم سأل بحيرة:
- طيب إزاي معرفكش؟
رمقه «إلياس» بتعجب ثم لوح بيده في الهواء قائلًا بعدم رضا:
- أنت فطران غباء يا مراد ولا ايه يا حبيبي؟ آخر مرة شافني فيها كان عندي 10 سنين يبقى هيعرفني إزاي دلوقتي!
- أها فعلا عندك حق، معلش اعذرني أنا لما مبنامش كويس يوم اجازتي ببقى في الضياع خالص.
هدأت الأجواء قليلًا قبل أن يوجه «مراد» نظره إلى صديقه قائلًا:
- ناوي على ايه؟
رفع رأسه وابتسم بهدوء مخيف قبل أن يُجيبه:
- لسة مجاتش اللحظة اللي أنا عايزها، خطوة واحدة بس قصادي وساعتها هفهمك هعمل ايه.
نهض من مكانه وترك النقود أسفل كوب الشاي ثم وجه بصره إلى صديقه قائلًا بجدية:
- بقولك ايه أنا هروح مشوار كدا وجاي.
أسرع «مراد» ووقف وهو يعرض عليه الذهاب معه قائلًا:
- تحب اجي معاك؟
ابتسم وربت على كتفه وهو يقول بهدوء:
- مشوار عند المكان اللي أنت عارفه يعني مش مستاهل.
هز رأسه بالإيجاب وجلس مرة أخرى وهو يقول:
- ماشي يا صاحبي.
انطلق «إلياس» في طريقه إلى وجهته التي تعلم فيها الكثير والكثير، وصل أخيرا إلى محل ألعاب حديثة "سايبر" ودلف إلى الداخل ليجد شاب صغير بالسن يجلس خلف جهاز كمبيوتر، طرق بيده على المكتب أمامه فانتبه هذا الشاب ونزع سماعة الرأس التي يضعها على رأسه قبل أن يقول:
- اؤمر يا إلياس عايز حاجة؟
نظر هو حوله بحثًا عن شخص معين ثم عاد ببصره إليه وهتف متسائلًا:
- فين ياسر؟
أشار بإصبعه إلى الخارج ليجيبه بهدوء:
- خرج راح مشوار وراجع في السخان، خش في مكانكم المعتاد وهو خمس دقايق وهتلاقيه هنا.
بالفعل اتجه إلى الداخل عن طريق باب سري خلف ستائر من القماش، اغلق الباب خلفه وأضاء الاضواء التي كانت عبارة عن أضواء خضراء فقط، سار بهدوء حتى وصل إلى منضدة يوجد عليها ثلاثة أجهزة كمبيوتر ولاب توب، جلس على مقعده الخاص وسحب اللاب توب ووضعه على قدمه قبل أن يرفع شاشته ويضغط على عدة أزرار لكتابة الرقم السري، نجح في ذلك وولج إلى عدة ملفات على جهازة وقام بتفعيل عدة برامج قبل أن يقرر متابعة ما توقف عنده.
ما هي إلا لحظات حتى دلف «ياسر» إلى المكان ليقول بابتسامة:
- ايه يا إلياس أنا قولت هتاخد اجازة النهاردة.
رد عليه دون أن ينظر إليه وهو يضغط على أزرار الكيبورد بسرعة كبيرة:
- عرفت أنا هعمل ايه والتنفيذ خلال واحد اتنين تلاتة.
ثم ضغط على زر "Enter" بقوة، رفع رأسه وأدار شاشة الحاسوب الخاص به تجاه صديقه وهو يقول بابتسامة:
- اخترقت نظام قناة تلفزيون في أمريكا ومحدش هيعرف حتى مين عمل ده، خلاص تقدر تقول أنا جاهز.
تعجب «ياسر» مما يقوله وأسرع إلى الحاسوب ليرى أنه بالفعل قد اخترق القناة ووضع صورة مجهولة وأسفلها "Hacked"، ضغط على عدة أزرار ليتأكد أن لا أحد يتتبعه فرفع أحد حاجبيه بإعجاب وهو يقول:
- لا برافو عليك أنت فعلا بقيت جاهز بس ايه البرنامج الأخير ده أنا مش مبرمج حاجة زيه.
أخذ «إلياس» الحاسوب منه مرة أخرى وردد بتلك الابتسامة:
- ده اللي عطلني الفترة اللي فاتت دي كلها، أنا اللي برمجته، عن طريقه محدش هيقدر يعمل تتبع خالص لينا لو عملنا هاك على أي حتة لأنه ببساطة بيعمل تشتيت لأي ip أو ping بس للأسف بيقدر يعمل ده لمدة دقيقة واحدة بعد كدا بيقع بس الفترة الجاية هقدر اطور.
ربت على كتفه بفخر كبير فهو من علمه كل ذلك منذ أن كان طفلًا وعلى الرغم من أنه قد تخرج من كلية الحاسبات والمعلومات و «إلياس» لم يكمل تعليمه إلا أنه لم يضع كل ذلك برأسه وواصل التعلم على يد صديقه إلى أن وصل لما هو عليه الآن، تنفس بهدوء ثم أشار إلى الحاسوب وهو يقول:
- خلي بالك فاضل 5 ثواني ويعرفوا مكانك.
ابتسم ورفع اصبعه وقبل أن يصل العد إلى صفر كان قد أنهى هذا الاختراق، نظر إلى صديقه وردد بجدية:
- هاخد اللاب النهاردة معايا، عايز بليل اسهر على البرنامج ده لأني عايز اجهز حاجات كتير في دماغي.
حرك رأسه بالإيجاب وجلس على كرسيه وهو يقول:
- براحتك ومتنساش تاخد فلاشة النت معاك علشان متعطلنيش.
نهض من مكانه ووضع جهاز اللابتوب بحقيبته المخصصة قبل أن يقول بجدية:
- تمام، سلام مؤقت يا هندسة.
تركه ورحل عائدًا إلى المنزل لكنه في منتصف الطريق تذكر أنه لم يُحضر طعام الإفطار لذلك توقف عند مطعم صغير بالمنطقة وقام بشراء ما يُكفيه هو وصغيرته. انتهى أخيرا وعاد إلى منزله وقبل أن يطرق على باب المنزل فتحت هي له الباب وقالت بتذمر:
- لسة بدري يا ليسو، وبعدين جايب فطار ليه ده العصر هيأذن والأكل قرب يستوي.
رفع أحد حاجبيه بتعجب وحيرة وقال بصوت هادئ:
- عصر!
هزت رأسها بالإيجاب وأوضحت له قائلة:
- أومال أنت فاكر ايه، خش خشة.
شعر بحزنها لتأخره فهي كانت تأمل بقائهما معًا طوال اليوم فهذا اليوم لا يتكرر إلا كل أسبوع وهي تنتظره باشتياق. ابتسم ووضع بيدها الطعام الذي قام بإحضاره قبل أن يتراجع بظهره قائلًا:
- اقفلي الباب خمس دقايق بالظبط وهتلاقيني قصادك.
لم تفهم ما يقصده وقبل أن تتحدث كان قد رحل راكضًا إلى الأسفل مما جعلها ترفع أحد حاجبيها بحيرة وهي تردد بحزن:
- هو زعل ولا ايه! يووه يارتني ما اتكلمت.
وصل إلى الأسفل وعلى وجهه ابتسامة هادئة ظلت تصاحبه حتى وصل إلى الطريق الخارجي ومنه توجه إلى بائع الحلوى الموجود بتلك المنطقة ووقف أمامه وهو يقول:
- طلبي المعتاد ياعم رافع.
ابتسم البائع والذي كان يعرف «إلياس» جيدًا منذ أن كان طفلًا ثم نهض من مكانه ليقوم بتحضير ما طلبه منه.
تابعه «إلياس» بتلك الابتسامة التي لم تغادر وجهه وتذكر عندما كانت طفلة.
"قـبـل خـمـسـة عـشـر عـامًـا"
أمسكت بيدها الصغيرة قميصه وجذبته بلطف وهي تشير إلى بائع الحلوى الموجود أمامها قائلة:
- ته ته.
ابتسم وسار معها حيث تشير حتى توقفا أمام البائع لتشير هي إلى حلوى معينة وهي تقول:
- ته ته عايزة ته.
نظر إلى حيث تشير واستجاب لطلبها ثم نظر إلى البائع وقال بهدوء:
- بعد اذنك عايز قرص مشبّك من ده.
ابتسم البائع وقام بإحضار ما طلبه ثم وضعه بحقيبة ورقية صغيرة قبل أن يُعطيها إلى الطفلة التي ابتسمت بسعادة كبيرة وسعد «إلياس» لسعادتها ثم أخرج النقود من جيب بنطاله وهو يقول متسائلًا:
- حضرتك عايز كام؟
ابتسم البائع وربت على كتفه بحب قائلًا:
- المرة دي خليها عليا علشان أول مرة تشتروا من عندي، مش عايز حاجة يابني توكل على الله.
هنا نطق «إلياس» وهو يشهر المال الخاص به:
- تسلم أنا معايا فلوس والله.
حرك رأسه بابتسامة ليقول بهدوء:
- عارف يابني إنك معاك فلوس، دي مني علشان اول مرة تشتروا.
ابتسم ودس المال بجيب بنطاله مرة أخرى قبل أن يقول بامتنان:
- شكرا.
ثم نظر إلى صغيرته التي كانت تنظر إلى الحلوى بحب وأمسك بيدها قائلًا:
- يلا نروح يا إيلين.
"عـودة إلـى الـوقـت الـحـالـي"
تناول منه الحلوى المحببة لصغيرته وأعطاه النقود وهو يقول بابتسامة:
- تسلم يا عم رافع.
- الله يسلمك ياابني.
انطلق عائدًا إلى المنزل مرة أخرى وما إن وصل حتى طرق على الباب رغم حمله للمفتاح لكنه يريد مفاجأتها. بعد ثوانٍ قليلة فتحت الباب لتقول بنبرة هادئة تحمل الندم على ما قالته قبل رحيله:
- آسفة والله مكانش قصدي اضايقـ...
قاطعها ورفع حقيبة الحلوى أمامها وهو يقول بابتسامة:
- حقك عليا، أنا فعلا اتأخرت وده يوم اجازتي اللي بقعد فيه معاك.
اتسعت ابتسامتها واخذت منه الحقيبة وهي تقول بسعادة غامرة:
- مشبّك! الله تصدق نفسي فيه أوي.
ابتسم لسعادتها وتابع ما تفعله حتى نظرت إليه وقالت بهدوء:
- مش زعلانة خلاص، وايه رأيك نفطر بالفطار اللي أنت جبته ونأخر الغداء شوية!
دلف إلى الداخل وقام بإغلاق الباب باستخدام قدمه قبل أن يقول بترحيب شديد لتلك الفكرة:
- موافق جدا، يلا نفطر علشان جعان جدا الصراحة.
فتح باب مكتبه بقوة ليعبر عن غضبه الشديد بسبب ما حدث وقرر إخراج ما بداخله أمام مديرة مكتبه التي ركضت خلفه بخوف شديد فهي لم تتوقع أن يغضب لهذا الحد، توقف فجأة والتفت ليواجهها وهو يصرخ بوجهها:
- إزاي يعني صفقة زي دي تضيع من ادينا؟ أنتي مش شايفة شغلك ولا دارسة الموقف كويس؟
تسارعت نبضات قلبها وظهر الخوف الشديد على وجهها وهي تدافع عن نفسها قائلة:
- والله يا مستر بكار كل حاجة كانت ماشية صح لغاية ما حصل اللي حصل ده، أنا لغاية دلوقتي معرفش عرفوا العرض بتاعنا إزاي مع إنه سري.
صرخ بوجهها بصوت مرتفع سمعه جميع العاملين بالشركة:
- علشان سيادتك مش شايفة شغلك، مخصوم منك شهر كامل ولو الموضوع ده اتكرر تاني مش عايز اشوف وشك في الشركة تاني مفهوم!
نظرت إلى الأسفل بحزن شديد قبل أن تقول بهدوء:
- مينفعش يا مستر بكار يتخصم مني شهر، القبض ده بجيب منه علاج والدتي كل شهر والمبلغ الباقي يادوب بنعيش بيه.
اتجه إلى مكتبه وجلس على مقعده قبل أن ينظر إليها نظرة نارية قائلًا برفض:
- كلمتي هتتنفذ، خايفة على مصاريف علاج والدتك يبقى تشوفي شغلك ودلوقتي اتفضلي على مكتبك.
نفذت ما طلبه منها وخرجت وهي تنظر إلى الأسفل؛ فالحزن سيطر عليها بالكامل وهذا ما ظهر على وجهها وعينيها الدامعتين. في تلك الأثناء دلف «كرم» الابن الأكبر لـ «بكار» وشاهد انكسار مديرة مكتبه وبكائها فنظر إلى والده وقال بتساؤل:
- ايه اللي جايبك النهاردة الشركة يا بابا وكلمتني اجي ليه! وبعدين دورا خارجة بتعيط ليه؟
أشار إلى المقعد المقابل له وأجاب على أسئلته قائلًا:
- اقعد الأول، الهانم خارجة بتعيط علشان خصمت منها شهر بسبب الصفقة اللي ضاعت أما جايبك هنا ليه فعلشان أقولك اعمل حسابك إننا معزومين عند عمك مرزوق بكرا، عازم العيلة كلها، احنا وعمك جمال، عايزك تشتري هدية عليها القيمة وتغلفها علشان ناخدها معانا.
عبث وجهه وعبر عن ضيقه مما سمعه الآن من والده وأردف:
- مش حابب حوار العزومات والشغل ده، أنت عارف يا بابا إن العيلة دي كل واحد همه مصلحته وبس يعني لو عازمنا يبقى أكيد فيه مصلحة من ورا الحوار ده، الصراحة كدا من غير ما تزعل عمامي مش بيحبوا غير نفسهم.
عاد بظهره إلى الخلف ليريحه قبل أن يقول بلا مبالاة واضحة:
- كل ده عارفه ومش مستني تقولهولي بس لازم نروح، لو فيه مصلحة ناخد من الحب جانب.
لوى ثغره باستياء فهو لا يحب تلك العائلة كما يكره طريقة والده الذي يسعى دائما خلف مصلحته الشخصية كأعمامه بالضبط.
نهض من مكانه ونظر إلى والده نظرة مطولة قبل أن يقول:
- اللي تشوفه، هجيب الهدية وهغلفها أما نشوف اخرتها.
تركه وخرج من مكتبه ثم تحرك باتجاه مكتب «دورا» التي كانت تدفن وجهها بين كفيها. شاهدها هو من الخارج فمكتبها له جانب زجاجي شفاف مقابلًا لمكتب والده، شعر بالحزن لحزنها وقرر الدخول لها ليخفف عنها هذا الحزن لذلك طرق بهدوء على باب مكتبها فاعتدلت هي على الفور وجففت عبراتها قبل أن ترفع صوتها الضعيف قائلة:
- اتفضل.
دلف إلى الداخل بعد أن فتح الباب بهدوء وجلس على المقعد المقابل لها قائلًا بابتسامة:
- مش عايزك تزعلي خالص من اللي بابا قاله، اعتبريه مقالش حاجة والشهر اللي خصمه ده أنا هدهولك.
مسحت ما تبقى من عبراتها ونظرت إليه بإحراج قائلة:
- ده قرار مستر بكار ومقدرش منفذوش.
ابتسم ووضع يده على المكتب ليقول بتوضيح:
- مين قال إن القرار مش هيتنفذ، أنا بقولك هديكي أنا المرتب بعيدا عن قرار بابا.
شعرت بالإحراج الشديد وزاغت عينيها في كل مكان وهي تردد بحيرة:
- بس ..
نهض من مكانه وتابع بجدية استعدادا للرحيل:
- مبسش، ده حقك مش صدقة، أنتي بتشتغلي وتتعبي يبقى تاخدي حق كل نقطة عرق، سلام.
تركها ورحل وسط نظراتها المتعجبة فهي الآن تتسائل كيف لهذا الملاك أن يكون ابن هذا الشيطان المتكبر!
ألقى بجسده على السرير بعد أن التقط هاتفه وهو يردد بعدم رضا:
- آآآه يا نفوخي، كانت ناقصة رغي أماني بنت خالتي نعمة، طيب أنا قافل الباب صوتها أكنه في ودني ليه!
ثم رفع بصره ونظر إلى باب غرفته ليقول بصوت مرتفع:
- كفاية رغي يا عالم يالي برا، ايه مبتفصلوش.
لوى ثغره وعاد بنظره إلى شاشة هاتفه مرة أخرى ليتصفح حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" فوجد طلب صداقة من حساب أنثى بإسم "بنوتة بس كتكوتة" مما جعله يرفع أحد حاجبيه قائلا بحيرة:
- وعايزة مني ايه يا ست كتكوتة، أما نشوف.
قبل طلب صداقتها له وبعد مرور لحظات وصلته رسالة منها قائلة:
- "ممكن نتعرف".
ضيق ما بين حاجبيه ثم رفع كفه ليفرك فروة رأسه بحيرة قائلًا:
- هو مين لعب في الاعدادات مش المفروض العكس!
رفع كتفيه بلامبالاة ورد على رسالتها تلك قائلًا:
- "معلش يا ست كتكوتة بس بنوتة أنتي تعرفيني منين؟"
ظل يطرق بأصابع يده الأخرى على فراشه في انتظار وصول رسالة منها حتى وصل ردها:
- "معرفكش بس لقيت صورتك على الفيس مز وعندك عضلات ده غير إن اسمك مراد فقولت اتعرف عليك".
اتسعت حدقتاه بصدمة من ردها وظل هكذا للحظات ثم كتب:
- "ايه البجاحة دي، هم ولاد الناس لعبة يا ست أنتي، ترضي حد يعمل في اخوكي كدا، ربنا يهديكي".
ثم ولج إلى صفحتها وقام بحظرها ليقول بعدم رضا:
- قال ايه لقت صورتي مز، ده أنا المرة الوحيدة اللي قولت فيها لواحدة يا مزة كانت أمي علشان اجبر بخاطرها.
وضعت ما بيدها من طعام على الأرض حيث يوجد مفرش قديم يستخدماه عندما يتناولا الطعام. جاء هو من خلفها ووضع الأطباق فنظرت إليه وقالت بجدية:
- اقعد أنت استريح يا إلياس وأنا هحط الأكل، ده يوم إجازتك.
ابتسم واعتدل ليقول بحب:
- أنا حابب أساعدك يا ستي وبعدين خلاص دول آخر حاجة، يلا نقعد نتغدى بقى.
ابتسمت لإبتسامته وجلست قبل أن تشير إلى حقيبة الحاسوب الخاص به قائلة:
- أنت جايب اللاب توب معاك ليه؟
نظر إلى حيث تشير وتهرب من الإجابة على سؤالها قائلًا:
- بجرب كام حاجة، فين الريموت علشان اشغل حاجة نتفرج عليها واحنا بناكل.
نهضت من مكانها وأسرعت لتجلبه ثم عادت إليه مرة أخرى وهي تقول:
- أهو يا ليسو.
رفع أحد حاجبيه وتناول منها جهاز التحكم عن بعد قبل أن يقول بعدم رضا:
- يا إيلي قولت ألف مرة مش بحب اسم الدلع ده، اغنيهالك يا حبيبتي؟
ارتفع صوت ضحكها قبل أن تتراجع قائلة:
- خلاص خلاص، ياس حلو كدا!
- حلو جدا، ربنا يهديك.
جلس وبدأوا في تناول الطعام مع مشاهدتهم للتلفاز وأثناء اندماجهم رددت هي قائلة:
- على فكرة فريد شوقي هو اللي قتله.
رفض ما قالته وقال بجدية:
- لا محمود المليجي.
نظرت إليه ورفعت أحد حاجبيها لتقول بتساؤل:
- ايش عرفك؟
رفع كتفيه وأجابها بابتسامة:
- مش محتاجة ذكاء، محمود المليجي في فيلم يبقى هو الشرير.
وصلوا أخيرا إلى مدينتهم وهي المدينة الساحرة "الإسكندرية" بعد سفر دام لساعات وما إن ترجل «جمال» من السيارة حتى تبعه ولده «سليم» الذي قال بتساؤل:
- ادينا وصلنا يا بابا، المعلم ده وافق على الشغل ده ولا لا؟
اغلق باب سيارته وسند عليها وهو موجهًا نظره إليه قائلًا:
- وافق بس طلب ياخد النص.
رفع أحد حاجبيه ورفع صوته قائلًا باعتراض شديد:
- نعم؟ نص ايه! لا مش عايزيينه فيه ألف واحد غيره ومش هياخدوا غير اللي يستحقوه إنما ده طماع.
لوى ثغره بعدم رضا فولده لا يصبر ولا يتحمل أبدا لذلك أجابه بانفعال:
- ما أنت لو تصبر علشان افهمك، ده بالذات من منطقة شبه مش موجودة في القاهرة وأنت بنفسك شوفتها يعني ميعرفناش ولا يعرف أي حاجة عننا لو اتكشف كارت محروق، لكن ده مش هيحصل وعلشان هو عيل ملهوش أهل ولا حد يسأل عنه هناخد اللي عايزينه وبعدين نخلص عليه، فهمت يا ذكي!
ابتسم وسند هو الآخر على السيارة من الجهة المقابلة له ليقول بإعجاب:
- قول كدا بقى، إذا كان كدا ماشي، اتفقت معاه على امتى؟
رفع يده أمامه لينظر إلى ساعته ثم عاد ببصره مرة أخرى إليه ليجيبه:
- ساعتين بالظبط وهيبقى هنا.
- اسمه ايه؟
- ياسر، اسمه ياسر وصاحب سايبر في المنطقة الزبالة اللي أنت شوفتها دي.
عادت بظهرها إلى الخلف بتعب بعد عمل شاق؛ فهي منذ الصباح الباكر وهي تعمل مع صديقتها على البرنامج الجديد الخاص بهما والذي سيغير مفهوم الاختراق حول العالم، لم تتحمل أكثر من ذلك ونهضت من مكانها قائلة:
- بقولك ايه يا ميرا أنا تعبت أوي، هقوم اجيب حاجة ناكلها تدينا باور وبعدين نكمل.
ابتعدت هي الأخرى عن الحاسوب الخاص بها وفركت عينيها بتعب لتوافقها:
- فعلا عندك حق يا سما احنا شغالين من الصبح مبقتش شايفة قدامي، ماشي متتأخريش.
تركته واتجهت إلى المطبخ فوجدت شقيقها «كرم» يأكل من أواني الطهي دون أن يضع الطعام في أطباق فصاحت بتعجب:
- بتاكل من الحلل؟ ما تخلي فريدة تحطلك الأكل.
نظرت إليه.
التفت ونظر إليها قبل أن يجيبها والطعام بداخل فمه:
- عرضت عليا لكن أنا مستعجل معنديش وقت للكلام ده، باكل لقمة على الطاير علشان بابا عايزني اشتري هدية علشان معزومين عند عمك مرزوق بكرا.
رفعت أحد حاجبيها بحيرة لتقول بتساؤل:
- معزومين؟ محدش قالي يعني.
رفع كتفيه ووضع الطعام بفمه قبل أن يجيبها:
- ولا حد قالي، لسة بابا قايلي النهاردة، المهم أنا شبعت وماشي يلا تشاو.
تركها ورحل لتدخل الخادمة «فريدة» التي قالت بتساؤل:
- اجيبلك الأكل يا ست سما على أوضتك.
هزت رأسها بالإيجاب وأردفت على الفور:
- ياريت يا فريدة إحنا جعانين جدا.
بعد مرور ساعتين وصل «ياسر» إلى العنوان الذي حدده له «جمال» وما إن وصل حتى هاتفه ليعرف أين سيذهب وبالفعل أرشده. تحرك وهو ينظر حوله في كل مكان إلى أن وصل إلى المنزل المحدد ودلف إلى الداخل ليجد «جمال» ومعه ابنه «سليم».
أشار «جمال» إلى الحاسوب الموضوع بالمكان وردد بجدية:
- كل حاجة جاهزة بس أنت واثق إنهم مش هيعرفوا يحددوا المكان بتاعنا أو مكان الفلوس؟
ابتسم وتقدم تجاه الحاسوب وهو يقول بثقة:
- متقلقش الفلوس هتتحول لكذا مكان وهعمل حجب علشان محدش يعرف وجهتها النهائية وساعتها طبعا هيكون موجود رجالتك اللي هيسحبوها قبل ما حد أصلا يعرف اللي حصل، بالنسبة لموقعنا محدش هيعرفه قبل ساعتين من اختراق البنك.
هز رأسه باطمئنان وقال بجدية:
- خلاص ابدأ شغلك.
بالفعل جلس على جهاز الحاسوب ثم وضع ذاكرة خارجية به وبدأ في عملية الاختراق حيث ضغط على الأزرار بسرعة كبيرة أدهشت الأب وولده. ظل يضغط على الأزرار بسرعة ويكتب أكواد كثيرة وما إن انتهى حتى ضغط بقوة على الزر الأخير ليقول بابتسامة:
- تم التحويل.
في تلك اللحظة أخرج «سليم» سلاحه ووجهه إلى رأسه قائلًا:
- شكرا يا باشا، إلى اللقاء.
هنا نهض «ياسر» وتراجع إلى الخلف قبل أن يقول بخوف وتردد:
- بس ده مكانش اتفاقنا!
ابتسم ابتسامة تُظهر تحجر قلبه وقال بهدوء:
- عارف إنه مكانش اتفاقنا.
ثم أطلق رصاصته لتستقر في صدر «ياسر» الذي سقط متأثرًا بإصابته ووضع يده على موقع الإصابة فوجد الكثير من الدماء، حاول تمالك نفسه لكنه شعر بالدوار الشديد وسقط على وجهه في الحال لتلوث دمائه الأرض وسط مراقبة «جمال» لما يحدث وكأنه اعتاد على فعل ذلك.
رواية شمس الياس الفصل الرابع 4 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
ظلت تتابع التلفاز لوقت قليل قبل أن تنظر إليه وتقول:
- سرحان في ايه؟
لم يرد عليها بسبب شروده فلوحت أمام وجهه وهي تقول بابتسامة:
- ايه أنت
انتبه لها فتابعت بتساؤل:
- مالك سرحان في ايه
ابتسم وحاول اخفاء الأمر الذي يشغل حيز كبير من تفكيره ليقول:
- مفيش بس ساعات كدا بسرح في الماضي
رفعت أحد حاجبيها لتقول بعدم رضا:
- الماضي اللي مش عايز تحكيلي عنه!
هز رأسه بالإيجاب قائلًا بجدية واضحة:
- أيوة هو وبعدين قولتلك هقولك بعد الثانوية، هي السنة دي وهقولك على كل حاجة متتسرعيش
هزت رأسها بالإيجاب ثم نظرت إلى شاشة التلفاز قبل أن تعود ببصرها إليه مرة أخرى قائلة:
- هو أنا ممكن اطلب منك طلب؟
انتبه لها وقال بثقة كبيرة:
- لو طلبتي عيني هدهالك
ابتسمت ورددت بهدوء يعبر عن حبها وامتنانها:
- تسلم عينك
ثم صمتت للحظات قبل أن تطلب طلبها هذا الذي ذكرته:
- عايزاك تفسحني برا المنطقة، أنا آخر حاجة وصلتلها الشارع من برا، حرفيا مشوفتش معالم القاهرة خالص وكل ما أقولك ترفض ومش راضي توضح سبب الرفض
التقط نفس طويل فكر فيه على رد مُقنع لها لكنه لم يجد أفضل من قول الحقيقة التي يخشاها كثيرًا:
- علشان برا فيه وحوش مش بني ادمين، الوحوش دي هم السبب في المكان اللي احنا فيه دلوقتي، يبانوا بشر عادي لكنهم مستنيين اللحظة اللي هيفترسوا فيها غيرهم
رفعت كتفيها ورددت باستياء شديد:
- ماله المكان اللي إحنا فيه ما هو حلو أهو وبعدين زي ما فيه وحشين فيه كويسين
أطلق زفير طويل قبل أن يُغلق عينيه هربًا من ذكريات الماضي المؤلمة ثم نظر إليها وقال بهدوء:
- المكان اللي إحنا فيه مش وحش ومش قصدي اللي فهمتيه، اقصد كنا ممكن نعيش حياة تانية مع الناس اللي بنحبهم وبيحبونا لكن الوحوش دول حرمونا منهم، دلوقتي الناس بتعامل بعضها بغرض المصالح مش علشان يبقى فيه ود ومحبة بينهم، لو المصلحة دي متمتش هشوف المصلحة من غيرك، خايف الماضي يصدمنا لو خرجنا من هنا، صدقيني أنا نفسي أخليكي تلفي القاهرة كلها بس مش مستعد اخسرك، المكان ده أحسن ما فيه إنه منعزل عن العالم، أنا مكملتش تعليمي علشان محدش يوصلي من الماضي، وعلى الرغم من ده كنت بذاكر مع ياسر المواد بتاعته وكنت بخليه يفهمني لغاية ما بقيت شاطر جدا وكنت بساعده وقت امتحاناته لكن أنا يادوب بتعلم، كل حاجة ليها بديل، خلينا كدا لغاية ما يجد جديد
لاحظت من حديثه غموض كبير وأسرار كثيرة لكنها كلما سألت عن هذا الماضي يُخبرها أنه سيخبرها بعد انتهاء تلك السنة الدراسية لذلك قررت الصمت بينما لاحظ هو حزنها فأغلق عينيه وردد داخله:
- أنفذ اللي ناوي أعمله وساعتها هعملك كل اللي عايزاه وبتتمنيه يا إيلين، أوعدك إني أعوضك
في تلك اللحظة استمعا الإثنان لطرقات على الباب لذلك نهض «إلياس» وفتح باب الشقة ليجد صديقه المقرب «مراد» ولكن على وجهه علامات الجمود والصدمة. ضيق ما بين حاجبيه وهتف متسائلًا:
- مالك يا مراد؟ حد ضايقك اجي نطربق الدنيا على دماغه!
هز رأسه بمعنى "لا" وقال على الفور دون تمهيد:
- ياسر اتوفى
وقع هذا الخبر عليه كالصاعقة وشعر أن العالم يلتف من حوله قبل أن ينطق بصدمة:
- ياسر؟ ده أنا كنت لسة معاه من كام ساعة الصبح
اغلق عينيه للحظات لكي يستجمع قواه وتابع ما جاء لأجله قائلًا:
- لقوه مقتول في شقة في اسكندرية
اتسعت حدقتاه بعدما استمع لأسم مدينته التي وُلد بها وعاش بها عشر سنوات كاملة، وحرك رأسه قائلًا بتساؤل:
- إزاي راح اسكندرية! لحق سافر؟
حرك رأسه بجهل تام للأمر قبل أن يوضح سبب معرفته بالأمر:
- اتصلت بيه صدفة واللي رد عليا الظابط، قالي اللي قولتهولك ده ودلوقتي زمانهم ودوه المشرحة، إحنا لازم نسافر
شعر بصعوبة كبيرة في تنفسه وملأ هذا الخبر قلبه بالحزن الشديد لكن عليه الآن التماسك حتى يستطيع معرفة من فعل هذا بصديقه المقرب.
هز رأسه بالإيجاب وردد بصوت هادئ ونبرة مليئة بالحزن:
- تمام هلبس واجي معاك، نص ساعة ونتقابل علشان نمشي
حرك الآخر رأسه بالإيجاب وتوجه إلى شقته بينما أغلق «إلياس» الباب والتف ليجد صغيرته خلفه وعلى وجهها علامات الحيرة فأغلق هو عينيه ليمنع دموعه من السقوط أمامها بينما تقدمت هي ولمست وجهه بكف يدها الدافئ وهي تقول بتساؤل:
- مالك يا إلياس، شكلك زعلان أوي! قولي فيه ايه أنا سمعت صوت مراد، هو اتخانق أو فيه حاجة حصلت؟
فتح عينيه مرة أخرى وتلك المرة سقطت دموعه وهو يقول بحزن واضح:
- ياسر مات
اتسعت حدقتاها بصدمة كبيرة ووضعت يدها على فمها بعدم تصديق بينما تابع هو بانكسار:
- قولتلك العالم برا وحش، مراد بيقول لقوه مقتول! مين بس اللي غدر بيه وقتله؟ مين اللي فرط فيه بالشكل ده!
تساقطت دموعه وكأنه طفل صغير فقد شيء غالٍ للغاية فأسرعت هي وحضنته بقوة وهي تقول:
- اهدى يا إلياس، أنت قوي ومصيبة زي دي هتقدر تتحملها، ياسر كان زي أخوك زي مراد بالظبط لكن أنت قوي وهتتحمل، علشان خاطري متعيطش
وضع يده على عينيه ومسح دموعه بقوة قبل أن يقول بصوت يحمل التوعد:
- لو عرفت اللي عمل فيه كدا هاكله بسناني
ابتعدت قليلا عنه فتابع هو:
- هسافر مع مراد دلوقتي علشان نستلم جثته ونشوف قبضوا على اللي عمل كدا ولا لا، اقفلي على نفسك الباب يا إيلين، مش عايزك تخرجي خالص وبكرا مش لازم تروحي دروس لأن الليل جيه وممكن افضل لغاية بكرا، إياكي تفتحي الباب يا إيلين
حركت رأسها بالإيجاب عدة مرات ورددت بهدوء:
- حاضر مش هفتح الباب بس خلي بالك من نفسك علشان خاطري
- اللي حماني وحماكي من 18 سنة قادر يحميني ويحميكي دلوقتي، ربنا معانا
مر من الوقت ثلاثون دقيقة والتقى الصديقان ببعضهما قبل أن يقول «مراد» بهدوء:
- لو مش عايز تسافر يا إلياس مش لازم تسافر، أنا عارف إن ذكرياتك الوحشة كلها هناك
وضع يده على كتف صديقه وردد بجمود:
- ده ياسر يا مراد يعني أخونا، إحنا التلاتة اتربينا وقضينا طفولتنا مع بعض، هنسافر مع بعض علشان نجيب أخونا وندفنه
حرك رأسه بالإيجاب وأردف بحزن:
- يلا بينا
بالفعل تحركا معًا وأثناء رحيلهما أوقفهما الحاج «خلف» الذي ردد بجدية:
- استنى يا إلياس أنت ومراد أنا جاي معاكم
التفت «إلياس» له وقال بهدوء:
- استريح أنت يا حاج خلف، إحنا هنروح وهنطمنك بالموبايل
رفض ما قاله وتقدم تجاههما وهو يقول بإصرار:
- ده ياسر ابن حتتنا وكنت بعتبره ابني زيكم تمام، رجلي على رجلكم
لم يستطع أحد منهما الاعتراض فهو له الكلمة الأولى والأخيرة وكبير تلك الحارة لذلك سار معهما حتى وصلوا جميعًا إلى الطريق الخارجي ومنه استقلوا سيارة "ميكروباص" أوصلتهم إلى الموقف الخاص بسيارات الميكروباص ومن هناك استقلوا سيارة لتوصلهم إلى مدينة الاسكندرية.
استقل «إلياس» السيارة وتذكر المرة الأخيرة التي سافر بها وكان يجلس هنا كانت منذ ثمانية عشر عامًا، تذكر تلك الليلة بكامل تفاصيلها وكأنها تُعاد الآن، كان الليل يغطي بظلامه كل شيء كما يحدث هنا الآن، ازدادت ضربات قلبه ليس خوفًا من العودة ولكن لأنه عائد إلى حيث يوجد قبور والديه، سيعود إلى حيث بدأ كل شيء، على الرغم من حبه في طفولته لتلك المدينة الساحرة إلا أنه الآن يكرهها ويكره الذهاب إليها فهناك خسر كل ما يملك سابقًا والآن خسر صديقه وأخيه هناك أيضًا وكأن تلك المدينة تبتلع من يحب وتترك له ذكريات وواقع مؤلم.
امتلأت السيارة لكن بقى مقعد فارغ وبعد مرور عشر دقائق جاء شاب فصاح أحد الركاب قائلًا:
- الناقص جيه ياسطا، اطلع بقى ورانا مصالح
لكنه قبل أن يستقل السيارة تفاجئ بأن محفظة نقوده غير موجودة فردد بحرج كبير:
- خلاص مش هعرف اركب، تقريبا محفظتي اتسرقت مني!
وقبل أن يرحل رفع «إلياس» صوته ليكسر هذا الهدوء الشديد:
- استنى هدفعلك أنا
نظر إليه هذا الشاب بإحراج شديد وحاول الرفض:
- بس أنا مـ ...
ابتسم ليزيل إحراجه رغم أن قلبه يحترق وردد بهدوء:
- متتكسفش، أنا في يوم كنت زيك كدا ولقيت اللي دفعلي، لو مكناش سند لبعض في الأوقات دي هنفرق ايه عن الحيوانات! اركب
ابتسم هذا الشاب واستقل السيارة ثم نظر إليه وردد بامتنان:
- شكرا أنا كنت فعلا مضطر أسافر ومينفعش اتأخر
حرك الآخر رأسه بهدوء وقال على الفور:
- العفو أنا معملتش حاجة، وبعدين خير فيه حاجة؟
عبثت ملامح وجهه ونظر إلى الأسفل وهو يقول:
- أنا بدرس هنا في القاهرة وأهلي في اسكندرية وأخويا كلمني قالي إن أمي تعبانة أوي فاتحركت وجيت بسرعة، ممكن من تسرعي مخدتش بالي من محفظتي ووقعت أو اتسرقت
ربت على قدمه ليبث بداخله الطمأنينة ثم هتف قائلًا:
- إن شاء الله تطمئن عليها وتبقى بخير
- يارب
انتهى من الحديث مع هذا الشاب قبل أن ينظر أمامه حيث ظلام الطريق. استقل السائق السيارة وقادها بهدوء حتى خرج من الممر الضيق التي كانت تقف به السيارة ثم زاد السرعة تدريجيًا حتى وصل إلى الطريق الصحراوي الذي نبأهم جميعًا بأنهم بالفعل في طريق سفرهم.
أخذ شهيق طويل ثم زفر على مهل، ذلك الطريق المظلم كان وكأنه طريقه إلى جهنم، ليس هذا فقط بل جعل ذكريات الماضي التي كان يدفنها تلك السنوات تهاجمه الآن بقوة، أغلق عينيه في محاولة منه لرفض التفكير بالأمر لكن تلك الليلة ظهر تأثيرها الآن. استمع بداخل رأسه لبعض جمل هذا اليوم وتحديدًا قبل هروبه بلحظات
- سيبه
- لا حرام عليك
- بابا لأ
- أوعى يهرب هيودينا في داهية
- إلياااااس
بدأ جسده يرتجف بقوة ولاحظ ذلك «خلف» الذي أطبق بقوة على معصمه وأردف بنبرة هادئة:
- إلياس، فوق يا إلياس
فتح عينيه أخيرًا على ذلك الصوت الذي كان بمثابة بر الأمان بعد أن كان يغرق في الهلاك، نظر إلى «خلف» الذي كان مُعلقًا بصره به باهتمام ولم يكتفي بذلك بل هتف متسائلًا:
- مالك يا إلياس؟ جسمك كان بيرتعش كله!
دفن وجهه بين كفيه وفرك عينيه للحظات قبل أن يُجيب على سؤاله قائلًا:
- مفيش يا حاج خلف، نعست بس وشوفت كابوس، أنا بخير متقلقش
لم تُريحه تلك الكلمات فهو يعرف تمامًا أن هذا الطريق بمثابة الجحيم له لذلك وضع يده على فخذه وقال بهدوء:
- مش كابوس وأنت نايم يا إلياس، ده كابوس موجود دلوقتي بالنسبة ليك، مكانش ينفع تسافر معانا، أنت نسيت آخر مرة جيت فيها كانت امتى! ده أنت اللي معرفني الحكاية كلها بنفسك
حاول تنظيم أنفاسه المضطربة وابتسم ابتسامة هادئة ليريح قلبه قبل أن يقول بنبرة خافتة:
- صدقني أنا بخير، أنا مش خايف ولا عمري هخاف، كل الحكاية إن الطريق ده جيت منه وأنا هربان بعد ما خسرت كل حاجة، كل ذكرياتي في اليوم إياه بتهاجمني دلوقتي، دلوقتي أنا راجع من نفس الطريق بعد ما خسرت حد تاني بحبه، 18 سنة بعيد عن اسكندرية، أنا حتى معرفش شكلها بقى عامل إزاي! هل اتغيرت؟ هل بيت أهلي زي ما هو؟ مش عارف إجابات كتير بس فيه إجابة واحدة بس عارفة وهي إنها مكان الجحيم بالنسبة ليا
ربت على فخذة عدة مرات وأشار إلى الطريق المظلم أمامه قبل أن يقول:
- شايف الطريق اللي كله ضلمة وخوف ده! عارف نهايته ايه؟ نهايته نور، نهايته حب وطمأنينة، مهما كانت حياة الإنسان صعبة ففي النهاية ربنا رايدله الخير، البلاء ده نعمة من نعم ربنا ومتستغربش، ربنا مش بيدي حد ابتلاء غير اللي بيحبه، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط»، أنا عارف إن الذكريات دي وحشة بس هيجي يوم وهتتخلص منها وهتكمل حياتك بصورة طبيعية، ارضى باللي ربنا كتبه ليك لأن كله خير، ده الرسول الكريم نفسه أكد على ده وقال: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له»، يعني لو فيه سراء اشكر ربنا وده خير ليك ولو ضُر أصابك اصبر وده بردو خير ليك يعني أمر المؤمن كله خير، مفيش اجمل من كدا
ارتسمت تلك الابتسامة على وجهه وهو ينظر إلى «خلف» قبل أن يقول بهدوء:
- الحمدلله، أنا صابر وراضي والله يا حاج خلف، أكيد ربنا له حكمة في كل اللي بيحصل ده، تسلم يا كبيرنا على الكلام اللي يريح القلب ده، ادعيلي بس من قلبك وإن شاء الله خير
ابتسم ورفع يديه للسماء وهو يقول:
- ربنا يريح بالك وينصرك يا إلياس يا ابني
سيطر النوم على الجميع عدا «إلياس» الذي كان يُفكر في صغيرته فتلك هي المرة الأولى التي يتركها فيها ويسافر بعيدًا عنها، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وولج إلى قائمة الأرقام المُسجلة على هاتفه ثم نقر على رقمها قبل أن يرفع الهاتف على أذنه مُنتظرًا إجابتها. مرت ثواني حتى أجابت عليه بلهفة قائلة:
- إلياس أنت بخير
تحدث بنبرة هادئة حتى لا يتسبب في إيقاظ أحد:
- أنا بخير يا حبيبتي، طمنيني عليكي؟
ابتسمت وأجابته على الفور:
- متقلقش عليا أنا بخير، خلي بالك أنت من نفسك بالله عليك، مش عارفة إزاي هبات في البيت لأول مرة من غير ما تبقى موجود
أخذ شهيق وزفر بهدوء قبل أن يقول بنبرة بثت في قلبها الطمأنينة:
- متقلقيش يا إيلي، اعتبريني موجود ومعاكي الموبايل أهو هتصل بيكي علطول علشان أطمنك وأبقى معاكي علطول
- طيب يا إلياس، لا إله إلا الله
- محمد رسول الله
انهت معه المكالمة وحضنت الهاتف فهو بالنسبة لها الآن الهاتف الذي بيدها، اغلقت عينيها ودعت الله بأن يحميه ويظل دائما في حياتها فهو الهواء الذي تتنفسه وعمودها الفقري الذي يساعدها على الوقوف، هي بدونه لا شيء لذلك إذا أصابه مكروه ستكون هي أول من يتعرض للضرر.
***
- بتقول ايه؟ إزاي يعني مفيش حاجة وصلت الحساب! أومال هو عمل ايه؟ طيب طيب اقفل
أنهى المكالمة مع هذا المجهول وسيطرت علامات القلق والتوتر على وجهه قبل أن يتدخل ولده «سليم» قائلًا بقلق واضح:
- يعني ايه مفيش فلوس؟ الواد ده ضحك علينا ومحولش حاجة!
نظر والده إلى الأسفل بعدم تصديق وكأنه تلقى للتو ضربة قاضية فصرخ ابنه في وجهه قائلًا:
- رد عليا يا بابا حصل ايه؟
اغلق عينيه للحظات ثم رفع رأسه ليواجه ابنه قائلًا:
- اخترق فعلا البنك وحول الفلوس لكن محولهاش للحساب اللي اتفقنا عليه، حولها لحساب تاني معرفش هو ايه، تقريبا شك فينا علشان كدا ده كان تصرفه بس الخوف إنه يكون عرف حد باللي دار بينا قبل ما يجي
ضرب الأرض بقوة بقدمه قبل أن يضع كفه الأيمن فوق رأسه ويسير في المكان، زفر بقوة ثم عاد إلى والده ليقول بنبرة هادئة:
- مش مهم الفلوس ولا مهم إنه مات ولا مهم إنه يكون قال لحد حاجة لأن كدا كدا هو ميعرفش أسامينا ولا شخصياتنا يعني إحنا في الأمان، أينعم المبلغ كبير وخسارة يروح من ادينا بس اقل الخسائر
نهض «جمال» من مكانه وسار في المكان وهو يردد برفض تام:
- لا مهم يا سليم، لازم أعرف الفلوس دي راحت فين، عيل زي ده ملهوش أهل ولا حد وساكن في منطقة زي دي هيحول الفلوس لحسابه في البنك يعني! أكيد حولها لحد تبعه ولازم نوصله
رفع أحد حاجبيه بتعجب مما يقول والده فهو قد ظن أن كبر سنه جعله يقول ما هو خاطئ لذلك ابتسم وقال بسخرية:
- آه أنت بتقول كدا للشرطة تعالوا شوفوا القاتل على طبق من دهب، إحنا مش لازم نقرب من أي حاجة ليها علاقة بالواد ده، انسى الفلوس خالص تتحرق لكن رقبتنا متبقاش مزينة حبل المشنقة
التفت الأب ونظر إلى ابنه قبل أن يتقدم خطوتين تجاهه وهو يقول:
- أنا لسة مخرفتش يا سليم، مقولتش إن إحنا اللي هندور وراه، هكلم وليد يأجر حد ينخرب وراه ويجيب كل حاجة عنه أكيد فيه حد معين حوله الفلوس دي، أنا مش بقبل بالخسارة وبردو مش بحط رقبتي على طريق الخطر
***
وصلا أخيرا إلى مدينة الاسكندرية وهنا خرج "إلياس" ليرى الموقف من حوله، مرت سنوات كثيرة لقد تبدل فيها كل شيء، نظر حوله بحيرة وكأنه لم يتأتي إلى هنا من قبل وفي تلك اللحظة وضع صديقه يده على ظهره وهو يقول بهدوء:
- يلا!
أومأ رأسه بالإيجاب وتحرك معهما ليستقلوا سيارة أخرى وبعد نصف ساعة كانوا قد وصلوا إلى المشرحة حيث توجد جثة «ياسر.
تقدموا إلى الداخل وسأل «إلياس» أحد المارة إن كان يعرف شيء فلم يجد ما يريده لذلك سأل أحد آخر بالداخل وهنا تقدم أحدهم وقال بتساؤل:
- بتسأل عن ياسر واضح إنك تعرفه
حرك رأسه بالإيجاب وقال بهدوء:
- أيوة أعرفه، واضح إنك كمان تعرفه
ابتسم ونقل نظراته إلى الجميع قبل أن يقول بصوت مسموع لهم جميعًا:
- أنا المقدم طارق زين والمسؤول عن القضية دي
هنا تقدم «خلف» وفرد ذراعه ليصافحه فصافحه الضابط وأردف الأول قائلًا:
- إحنا أهل حتته وياسر يبقى في مقام ابني ودول في مقام اخواته، أكيد سعادتك مسكتوا اللي عمل فيه كدا وأكيد فيه سبب
هز الضابط رأسه وألقى نظرة سريعة على الجميع قبل أن يجيبه:
- مين عمل كدا لسة معرفناش بس أوعدك هنجيبه أما بقى عن السبب ففيه سبب، ياسر قبل موته اخترق بنك وحول مبلغ ضخم لحساب برا مصر ومش معروف، لقينا جثته في مكان ما جالنا بلاغ إن الاختراك والهاك جاي من المكان ده وطبعا من بطاقته عرفنا إنه مهندس كمبيوتر، رؤيتي بقى للموضوع ده إن حد أجره علشان يحوله المبلغ ده ولما ده تم قتله وهرب
هنا قال «خلف» بانفعال شديد:
- ياسر عمره ما يعمل الحرام أبدا، إزاي يعني يسرق ويخترق بنك
ابتسم الضابط وردد بنبرة هادئة:
- اهدى يا حاج متعصبش نفسك، لسة كل حاجة مبهمة
ثم وجه بصره إلى «إلياس» وقال بتساؤل:
- رأيك ايه في الكلام ده؟ صاحبك يبقى قريب منك
لم يجيب عليه بسبب شروده وعدم تركيزه فرفع صوته تلك المرة وهو يلوح أمام وجهه:
- هندسة! بكلمك
انتبه أخيرا له وحرك رأسه بتساؤل قائلًا:
- ها سعادتك بتقول ايه؟
- بقول أنت صاحبه يبقى قريب منه، رأيك ايه في اللي قولته!
لوى ثغره وهو يرفع كتفيه ليقول بلا مبالاة واضحة:
- أنا مكملتش تعليمي فأنا مفهمش في شغل الهكر والاختراق ده علشان كدا أنا قريب منه أيوة لكن معرفش اللي سعادتك بتقوله ده
هز رأسه بالإيجاب ثم وجه بصره إلى «مراد» ليعيد سؤاله ولكن بصورة مختصرة:
- وأنت؟
وقبل أن يُجيب أسرع «إلياس» وردد بضيق:
- أظن سيادتك اللي اتقتل هو اللي بتتهمه بدل ما تدور على اللي قتله! إحنا جايين نستلم جثته وياريت الإجراءات تنتهي بسرعة
عاد ببصره إليه وظل مُسلطًا تركيزه عليه قبل أن يقول:
- أظن تسيبني أشوف شغلي وتتكلم بهدوء زي ما بكلمك أما بقى استلام الجثة مش هيحصل قبل ما كل الإجراءات والتحقيق ينتهي وده متوقف على التقرير هيخلص أمتى!
أغلق «إلياس» عينيه وتنفس بصوت مسموع ثم كور قبضتيه وتحرك بعيدًا فهو يفقد سيطرته سريعًا ولا يتحكم بغضبه، هنا لحق به «خلف» وقال بهدوء:
- اهدى يا إلياس واتحكم في غضبك ده ظابط بردو مش كدا
فتح عينيه لتظهر حمراء اللون قبل أن يقول بضعف:
- صعبان عليا ياسر، مش كفاية مات وهو بعيد عننا مش راضي حتى ناخد جثته ندفنها!
تقدم ووضع يده على كتفه ليقول بنبرة خافتة:
- دي كلها إجراءات، هتخلص بالكتير أوي بكرا، هناخد جثته وندفنه ونكرمه
على الجانب الآخر رفع «طارق» أحد حاجبيه وتابع قائلًا:
- صاحبك شكله عصبي، مش مهم قولي أنت ياسر بمعرفتك بيه يعمل كدا أو ده شغله
وجه بصره حيث صديقه و «خلف» ثم عاد ببصره إليه وهو يقول:
- ياسر مهندس برمجيات وكمبيوتر وعنده سايبر في القاهرة، ياسر محترم وعمره ما يشتغل في الكلام ده، أشك إنه يكون عمل اللي سعادتك قولت عليه، فيه حاجة مش مفهومة في الموضوع
أومأ رأسه بالإيجاب ثم وجه بصره تجاه «إلياس» قبل أن يقول بتساؤل واهتمام:
- بالنسبة لصاحبك ده اسمه ايه؟
صمت «مراد» قليلًا ليعبر عن تعجبه ثم أجاب بهدوء:
- إلياس وأنا مراد وده الحاج خلف
ابتسم ورفع حاجبيه ليقول بنبرة ذات معنى:
- عايز اسمه هو بس .
رواية شمس الياس الفصل الخامس 5 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
ارتفع صوت أذان الفجر ليشق صمت الليل ويبث الأمل والطمأنينة في قلوب المستيقظين لأداء الصلاة.
في هذا الوقت نهض «خلف» من كرسيه وتوجه إلى من يعتبرهما أبنائه فالنوم لم يعرف طريقًا إليهما. اقترب منهما وردد بصوت هادئ:
- الفجر أذن يا ولاد، يلا بينا نصلي وندعي لياسر بالرحمة والمغفرة.
نهضا الاثنان من مكانهما وتوجها لأداء صلاة الفجر مع الحاج «خلف». دلفوا جميعًا إلى المسجد وقاموا بالوضوء قبل أن يقفوا خلف الإمام الذي بدأ في تلاوة آيات الذكر الحكيم بصوت جميل.
بعد مرور الوقت انتهوا من الصلاة ونهض «إلياس» من مكانه ثم توجه إلى صديقه و«خلف» الذي كان يجاوره وقال بنبرة جادة:
- أنا فيه مشوار لازم أعمله، لو جد جديد وسمحولنا ناخد ياسر اتصلوا بيا.
وقبل أن يرحل ردد «مراد» بنبرة تحمل القلق:
- رايح فين يا إلياس! مشوار ايه اللي هتعمله في مكان مش مكانك.
نظر إلى صديقه لبعض الوقت ثم هتف بانكسار:
- كان مكاني في يوم من الأيام، رايح أزور قبر أمي وأبويا. هزور قبرهم لأول مرة في حياتي.
ضيق ما بين حاجبيه وأردف بتساؤل:
- أنت تعرف فين المقابر.
هز رأسه بالإيجاب وأجاب على الفور:
- أعرف فين قبر أمي أما قبر أبويا فهو أكيد جنبها لأن دي كانت وصيته.
وضع يده على كتفه واستعد للنهوض من مكانه قائلًا:
- طيب رجلي على رجلك، هاجي معاك مش هسيبك لوحدك.
ابتسم وحاول تثبيته في مكانه قائلًا:
- لا يا مراد خليك أنت مع الحاج خلف علشان لو جد جديد، أنا مش هتأخر إن شاء الله.
وقبل أن يعتدل ليرحل أمسك «خلف» معصمه وهو يقول بهدوء:
- قول الاذكار يابني في طريقك علشان ربنا ينجيك.
أومأ رأسه بالإيجاب وهتف بجدية:
- إن شاء الله.
نهض وسار إلى خارج المسجد ثم استقل سيارة أوصلته إلى عنوان المقابر الذي يتذكره جيدًا فكيف ينساه وبه من عاش عمره على أمل زيارتهم، ترجل من السيارة وسار طريق طويل حتى وصل إلى المقابر ثم تقدم إلى الداخل، تغير المدخل كثيرًا لكنه عرف الطريق وسار بهدوء حتى وصل إلى قبر والدته، زادت نبضات قلبه بشكل كبير وتقدم حتى لمس قبرها بعدم تصديق، انهمرت دموعه وردد بصوت خافت:
- أمي حبيبتي وروحي وأكتر حاجة حلوة وجميلة حصلت في حياتي، مش مصدق نفسي إني بعد 18 سنة واقف قصادك، نفسي احضنك وأعيط في حضنك، نفسي اشتكيلك من العالم كله، نفسي اسمع صوتك ولو لمرة واحدة، اتحرمت من حنيتك يا أمي، اتحرمت من حضنك وابتسامتك، اتحرمت من حياتي لأنك حياتي، لو قعدت أوصفلك قد ايه وحشاني مش هتصدقيني، لو قعدت اعيط عمري كله مش هعرف أشبع عياط عليكي يا أغلى من عنيا، اتحرمت منك بدري أوي بس اللي مصبرني إني هقابلك في الجنة إن شاء الله، الحياة وحشة أوي من غيرك يا نور عيني، مضطر أقف على رجلي وأعافر وأبقى متماسك علشان محدش ياكلني، معظم الناس بقت وحشة أوي، كنتي الحاجة الجميلة والحلوة في العالم ده، كنتي بتهوني عليا كتير، عشت في حضنك أجمل 10 سنين من حياتي.
ضم كلتا يديه إلى صدره وكأنه يتخيل نفسه يحضنها ثم تابع بنبرة باكية:
- مستعد استغنى عن الدنيا كلها علشان احضنك حضن واحد بس، وحشتيني أوي يا أمي.
لم يستطع تمالك نفسه وزاد صوت بكائه بشكل كبير فهو كتم الحزن بداخله لسنوات طويلة والآن حان وقت البكاء والحزن.
فرد ذراعيه على قبرها ثم قبل تلك الحجارة وهو يقول:
- نفسي أفضل جنبك كل عمري يا حبيبتي، نفسي والله بس مضطر اسيبك، أوعدك إني اجيلك تاني، أوعدك يا حبيبتي.
ترك قبرها بصعوبة كبيرة واتجه إلى قسم الرجال وبالفعل وجد اسم والده «هادي رأفت مرجان»، لم يصدق أنه يراه الآن للمرة الأولى بداخل قبره بعد أن كان المشهد الأخير له احتضاره، سند بكفيه على القبر ونظر إلى الأسفل وهو يقول بضعف وانكسار:
- يا حرقة قلبي عليك يا ضهري وسندي، ضهري اتكسر بعدك يا بابا، حياتي مبقاش ليها معنى، مش هنسى كل اللي عملته ليا، مش هنسى تضحيتك علشان تنقذني، مش هنسى اللي عملوا فيك كدا، أقسم بالله ما هخليهم يموتوا بهدوء، هخليهم يموتوا من الحسرة زي ما حسروني عليك، جيه وقت الحساب وهنا مش هيبقى فيه رحمة، عايزك تستريح يا حبيبي واعرف إن حقك هيرجع إن شاء الله، جيه وقت نهاية الظلم، أوعدك إني ارجع تاني يا بابا بس ساعتها وأنا واخد حقك بما يرضي الله.
ظل على تلك الحالة يتذكر الماضي ويبكي حتى شعر بحركة خلفه فالتفت على الفور ليجد شاب في مثل عمره، ظهرت علامات الدهشة على هذا الشاب الذي كان يرى الحزن والدموع في وجه «إلياس» لكنه ظل صامتًا حتى تحدث الآخر قائلًا بتساؤل:
- أنت مين.
تقدم هذا الشاب خطوتين وأجاب على سؤاله قائلًا:
- أنا عمر، وكنت جاي أزور قبر الراجل اللي كان ليه فضل كبير عليا بعد ربنا إني أبقى الشخص اللي قدامك ده.
ضيق نظراته بعدم فهم وسأل سؤال آخر:
- مش فاهم، هو عمل ايه.
تذكر «عمر» الماضي وبدأ في سرد ما حدث لهذا الشخص ظنًا منه أنه من أحد أقاربه:
- من سنين طويلة كنت طفل وحالتنا المادية كانت صعبة جدا، حرفيا كانت تحت الصفر لغاية ما ربنا بعتلنا الراجل المحترم ده وربنا جعله سبب في إننا نرجع للحياة تاني، اتبرعلنا بمبلغ كبير جدا ودلوقتي بقيت ظابط شرطة يعني لحم كتافي من خيره ومن ساعتها كل سنة باجي أزوره وأدعيله بالرحمة والمغفرة لأنه يستحق.
رغم دموعه التي ملأت وجهه ابتسم ونظر إلى قبر والده مرة أخرى وهو يقول:
- ما شاء الله، ربنا يرحمك يا حبيبي.
تقدم «عمر» عدة خطوات أخرى وحرك رأسه بتساؤل:
- أنت ابنه.
جفف دموعه التي جعلت وجهه مُبتلًا ثم حرك رأسه بمعنى "لا" وهو يجيبه:
- لا أنا زيك بالظبط، غير حياتي وجيت أزوره، همشي أنا بعد اذنك.
وقبل أن يرحل أوقفه قائلًا بحيرة:
- بس من شكلك باين عليك الزعل جامد جدا لدرجة إن أي حد يفتكرك ابنه.
التفت له حتى واجهه وقال بجدية:
- ابنه قالوا عنه إنه مستحملش الزعل على موت والده وهرب ولغاية دلوقتي محدش يعرف مكانه، أنا زي ما قولتلك، ربنا يرحمه زي ما غير حياة ناس كتيرة.
حرك الآخر رأسه بالإيجاب وقال:
- اللهم آمين.
تركه ورحل وسط حيرة «عمر» لكنه لم يضع الأمر بداخل رأسه ووقف ليقرأ الفاتحة أمام قبر «هادي».
***
نزل الدرج الطويل الموجود بداخل القصر الخاص به فهو يكون أكبر إخوته وأكثرهم مالا وثروة. وصل أخيرا إلى الطابق السفلي ووجه بصره إلى صف كامل من الخدام حيث بلغ عددهم العشرون منهم المتخصص في الطبخ ومنهم المتخصص في تحضير الوجبات والآخر متخصص في الخدمات الأخرى منهم الرجال ومنهم النساء.
سار أمامهم وهو يضع كلتا يديه في سترته الشتوية التي يرتديها ونظر بجمود إلى كلٍ منهم قبل أن يتوقف ليجلس على مقعد ضخم يقابلهم ثم وضع قدما فوق الأخرى وهو يقول بجدية:
- طبعا مش محتاج أقولكم النهاردة اليوم مهم قد ايه، أخواتي وأسرهم كلهم معزومين يعني هيبقى فيه عدد كبير والخدمات هتبقى مضاعفة، مش عايزهم يشتكوا من أي حاجة، عايزهم يفتكروا عمرهم كلوا اللي حصل في القصر هنا وواجب الضيافة اللي حصل معاهم، مش عايز غلطة واحدة، عايز شغل مظبوط محصلش قبل كدا مفهوم.
رددوا جميعهم في صوت واحد:
- مفهوم سعادتك.
أشار بيده لكي يرحلوا فنفذوا أوامره وبعد أن انصرفوا جميعهم حضر «إسماعيل» ليقول بجدية:
- أوامر سعادتك يا مرزوق.
بهيعدل في جلسته قبل أن يوجه الأوامر له قائلًا:
- عايز كل حاجة تبقى بيرفكت يا إسماعيل، أي حاجة غلط هيبقى أنت اللي في وشي علطول.
هز رأسه بالإيجاب وقال بهدوء:
- متقلقش سعادتك كل حاجة هتتم زي ما عايز وأحسن.
في تلك اللحظة نزل الدرج «هاني» الابن الأكبر لرجل الأعمال الكبير والمليونير وعضو مجلس الشعب « مرزوق رأفت مرجان» فهو قد عاد من سفره بالأمس بعد سنوات طويلة قضاها بالولايات المتحدة الأمريكية ليتلقى تعليمه.
- Hi dad.
قالها «هاني» بعد أن توقف أمام والده ليرفع الثاني رأسه ويقول بابتسامة:
- أول حاجة هعلمهالك بعد ما جيت مصر هي إنك متتكلمش بالنبرة دي مع حد هنا هيفتكروك حاجة تانية، أنا عارف إن دي الطريقة اللي بيتكلموا بيها في أمريكا بس مش هنا.
ضحك الابن وجلس بجوار والده قبل أن يقول مازحًا:
- الكلام ده بجد! كنت فاكره في الأفلام بس.
ضحك الأب ووضع يده على فخذ ابنه الذي يجاوره وأردف:
- لا بجد وبعدين صحيح مقولتليش عملت ايه في مشروع تخرجك.
ابتسم وأجاب بحماس:
- هو ده سؤال يتسأل بردو يا بوب، طبعا نجحنا وخدنا المركز الأول فيه واحتمال كبير المشروع يترشح إنه ياخد جوايز عالمية كتير هبقى احكيلك بعدين بس قولي صحيح هو أنا ليه شايف كر وفر في القصر وكلو رايح جاي.
أجابه والده بعد أن وضع قدمًا فوق الأخرى:
- عمامك معزومين النهاردة هم واسرتهم عندنا.
رفع أحد حاجبيه بتعجب قبل أن يميل برأسه إلى الأمام وهو يقول بحيرة:
- اللي أعرفه إن العلاقات مقطوعة مع عمامي، ايه اللي رجع المياة لمجاريها.
ابتسم «مرزوق» ووضع يده على كتف ولده وهو يجيبه بمكر:
- المصلحة، طول ما ليا مصلحة عندك لازم تبقى حبيبي، أنت مش هتفهم حاجة دلوقتي، قولي أنت كنت رايح فين.
دافع كتفيه وهو يقول بحيرة:
- كنت رايح النادي، أنت عارف بقالي كتير اوي مش بروح ووحشني صحابي جدا.
اعتدل في جلسته ونظر إليه بحب ليقول بهدوء:
- روح أنت مشوارك ومتنساش ترجع على الغداء علشان تقابل اعمامك وولاده.
نهض من مكانه بحماس شديد وهو يردد:
- شور داد.
- بردو داد.
***
ترجل من سيارة الأجرة ودلف إلى داخل المشرحة الموجود بها صديقه وتوجه إلى حيث يوجد «خلف، مراد» قبل أن يقول بهدوء:
- لسة مفيش جديد.
هنا جاء صوت الضابط من خلفه حيث قال بهدوء:
- لا فيه، طلع تصريح بدفن صاحبك.
هنا التفت «إلياس» وقال بجمود شديد:
- امتى هنستلم جثته.
رفع كتفيه وقال على الفور:
- دلوقتي لو عايز، عربية من المستشفى هتنقله للقاهرة كمان.
هنا شعر بالراحة كثيرًا وردد بنبرة هادئة:
- شكرا لسعادتك.
ابتسم «طارق» وتقدم خطوتين تجاهه وهو يقول بنبرة ذات معنى:
- متشكرنيش، مبقيناش محتاجين للجثة ده غير إني مش هخليك تسافر معاهم، عايزك تشرف مكتبي شوية.
ضيق ما بين حاجبيه بتعجب قبل أن يشير إلى نفسه قائلًا بحيرة:
- أنا.
هنا تحرك «خلف» تجاههما وهو يقول بجدية:
- ايه اللي بتقوله ده يا باشا، إلياس مفيش تهمة عليه.
هنا تحدث «مراد» أيضا بعد أن وصل إلى حيث يقفون:
- إلياس لازم يروح معانا يا باشا، مش فاهم ايه اللي سعادتك بتقوله ده.
هنا ابتسم «إلياس» ابتسامة غضب ولم يستطع التحكم في غضبه ليقول بنبرة تحمل السخرية:
- واضح إن الباشا مش عارف يمسك القاتل فقال اطلع غضبي على صاحب القتيل أهو نتسلى.
تبدلت تعابير وجه «طارق» وتحولت إلى الغضب الشديد قبل أن يقول:
- واضح إنك نسيت أنت بتكلم مين، على العموم أنت هتشرفنا.
ارتفع صوت «إلياس» ليقول بغضب شديد:
- بتهمة.
في تلك اللحظة حضر الضابط «عمر» ومعه إثنان من رجال الأمن وهو يقول:
- خير يا طارق.
هنا تحدث «طارق» وأشار إلى «إلياس» قائلًا:
- خده على البوكس، هيشرفنا النهاردة.
هنا وجه «عمر» بصره تجاه «إلياس» ليتفاجئ به؛ فهو الذي كان يبكي أمام قبر «هادي» منذ وقت قصير. ضيق ما بين حاجبيه بحيرة وردد بتعجب:
- أنت.
هنا تحدث «إلياس» هو الآخر وردد بهدوء:
- عمر باشا.
وجه «عمر» بصره باتجاه صديقه وقال متسائلًا:
- عمل ايه يا طارق.
- معملش بس أنا شاكك فيه ده غير توتره من ساعة ما جيه هنا وعصبيته الزايدة، زي ما يكون عامل مصيبة.
نظر «عمر» إلى «إلياس» ثم عاد ببصره مرة أخرى إلى صديقه ليقول بهدوء:
- هو ده اللي كلمتني عنه بليل! أكيد يعني ملهوش علاقة بأي شيء لأنك لما كلمتني بليل قولت إنه جاي من سفر وبعدين ده صاحب عمره اللي مات طبيعي يبقى متوتر ومتعصب، متكبرش الموضوع يا طارق.
ثم وجه بصره تجاه «إلياس» وقال بجدية:
- امشي معاهم وروح ادفن صاحبك.
هنا صرخ «طارق» ليقول بعدم رضا:
- ايه اللي بتعمله ده يا عمر.
نظر إليه وواجهه ليقول بجمود:
- مش ده اللي المفروض تدور عليه، القاتل الحقيقي برا لسة وده اللي المفروض تدور عليه.
ثم التفت وقال بجدية:
- أنت لسة واقف! يلا اتكل على الله.
***
على الجانب الآخر فتحت عينيها بعد أن استمعت إلى صوت طرقات على الباب مما جعلها تنهض من مكانها بصعوبة ثم اتجهت إلى حجابها وثبتته على رأسها. خرجت من غرفتها واتجهت إلى الباب ثم فتحته بهدوء وهي تقول:
- مين.
جاء صوت «اماني» التي قالت بصوت مرتفع:
- افتحي يا إيلين ده أنا.
أكملت فتحها للباب ورددت بإستياء:
- أيوة يا أماني فيه حاجة.
ابتسمت ابتسامة واسعة وتقدمت إلى الداخل بوقاحة قبل أن تقول:
- أنا قولت اجي اتطمن عليكي بما إن إلياس مش موجود، أصله موصيني عليك.
رفعت أحد حاجبيها وقالت بتساؤل:
- إلياس وصاكي عليا.
جلست على المقعد الموجود خلفها وهي تجيبها بتلك الابتسامة التي لم تغادر وجهها:
- شور، قالي ابقي شقري عليها لأنه بيثق فيا.
أخفت غضبها الشديد الناتج عن تلك الكلمات التي سمعتها من تلك التي تبغضها كثيرا ورسمت ابتسامة هادئة لتقول:
- فيكي الخير ياختي أنا بخير الحمدلله، تحبي اعملك شاي.
نهضت من مكانها مرة أخرى ورسمت ابتسامة هادئة لتقول وهي تستعد للرحيل:
- لا يا حبيبتي تسلمي أنا هنزل بقى علشان اجيب فطار، تحبي اجيبلك معايا.
ابتسمت وقالت بنبرة أغضبتها كثيرًا:
- لا يا قلبي مش جعانة، مش بيجيلي نفس آكل وإلياس برا البيت، هستناه وناكل مع بعض.
أخفت غضبها واتجهت إلى باب المنزل وهي تقول:
- طيب، اسيبك بقى سلام.
***
وصل إلى الشركة وتوجه إلى مكتب والده لكنه قبل أن يطرق على الباب عاد بظهره ليرى «دورا» لكنه تفاجئ بخلو مكتبها لذلك اعتقد أنها بمكتب والده. تحرك مرة أخرى بإتجاه مكتب والده وطرق الباب ليقول والده من الداخل:
- ادخل.
فتح الباب ونظر حوله لكنه لم يجدها مما جعله يتقدم باتجاه والده وهو يقول بتعجب:
- أومال فين دورا! عديت على مكتبها ملقتهاش قولت يبقى أكيد هنا.
تبدلت تعابير وجه والده وقال بغضب شديد:
- الهانم فاكرة نفسها شغالة في بقالة، قال ايه أمها تعبانة وهتروح بيها المستشفى، أنا قولتلها مش عايز اشوف وشك في الشركة تاني، مش ناقصين قرف، أنا هجيب حد يشوف شغله كويس.
هنا أسرع «كرم» ليعارض والده قائلًا:
- ايه اللي بتقوله ده يا بابا؟ بتقولك أمها تعبانة وهتروح بيها المستشفى تقوم طاردها من شغلها! إزاي بس.
ضرب المكتب بيده قبل أن يردد بصوت مرتفع:
- هنا عايز انضباط مش مرقعة وقلة أدب، خليها مع أمها بقى.
لوح بيده في الهواء أمام والده ليقول باعتراض شديد:
- حرام اللي بتعمله ده يا بابا، دي بني آدمة زيي وزيك مش جارية علشان تعاملها بالشكل ده، لنفترض مثلا إني في يوم تعبت وروحت المستشفى وحالتي صعبة هتسيبني وتيجي على الشركة ولا هتبقى جنبي! رد بعد اذنك.
رفع أحد حاجبيه قبل أن ينهض من مكانه وهو يقول بعدم رضا:
- أنا مش عارف جايب الخيبة ورقة القلب والسذاجة دي منين، ليه مطلعتش قلبك جامد زي أبوك كدا.
التف حول المكتب واقترب منه ليجيبه بهدوء:
- دي مش سذاجة ولا خيبة، دي اسمها رحمة، الرحمة اللي لازم تبقى عندنا كلنا، يا بابا بعد اذنك متبقاش من اللي ربنا قال عليهم «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً».
ابتسم بسخرية ورمقه بنظرة غير راضية قبل أن يُعطيه ظهره وهو يقول:
- قصدك تقول عليا قلبي حجر، خلاص مبقاش عندك احترام لأبوك.
التف حول والده لكي يواجهه وما إن أصبح مقابلًا له حتى قال بجدية:
- أنا لو فعلا مش بحترمك يا بابا كنت هوافقك على أي حاجة تقولها لكن احترامي وحبي ليك هم اللي بيخلوني اتكلم معاك وانصحك، علشان خاطري يا بابا رجعها واديها إجازة بمرتب لغاية ما والدتها تخف.
رمقه بنظرة مطولة ليفكر في طلبه حتى ابتسم «كرم» فلم يتحمل مما جعله يحرك رأسه بالإيجاب قائلًا:
- طيب يا كرم هعمل كدا أما نشوف اخرتها معاك ومعاها.
ابتسم بسعادة ثم مال على يد والده ليُقبلها بحب قبل أن يقول:
- تسلم يا بابا، خير ما عملت.
تركه واتجه إلى مقعده ثم رفع رأسه ليقول بصوت واضح:
- روح بقى واجهز وخلي والدتك وأختك يجهزوا علشان ساعتين بالظبط وهكون عندكم علشان نتحرك وأوعى تنسى الهدية اللي جبتها.
هز رأسه بالإيجاب وردد بابتسامة:
- متقلقش يا بابا الهدية في العربية معايا، يلا أنا هروح دلوقتي.
***
- أنت قولتلي الواد ده اسمه ايه.
قالها الضابط «عمر» لصديقه «طارق» الذي أجابه بعدم رضا لما قام به:
- إلياس، اشمعنا بتسأل ليه.
حرك رأسه بعشوائية قبل أن يُجيبه بهدوء:
- لا مجرد سؤال بس.
هنا نهض «طارق» واستعد للرحيل قائلًا:
- طيب أنا هروح اتابع التحريات وصلت لأيه.
- تمام.
رحل «طارق» بينما رفع «عمر» سماعة هاتف مكتبه وردد بجدية:
- عايزك دلوقتي في مكتبي يا جلال.
ثم وضع السماعة مرة أخرى وهو يقول:
- لو اللي في دماغي صح ألغاز كتير أوي هتتحل.
تلك اللحظة سمع طرقات على الباب فرفع صوته قائلًا:
- ادخل.
هنا دلف «جلال» وهتف بجدية:
- اؤمر يا عمر باشا.
نهض من مقعده والتف حول مكتبه حتى وقف مقابلًا له ليقول:
- عايزك تعرفلي كل حاجة عن ابن «هادي رأفت مرجان»، اللي معروف إنه هرب بعد موت والده لأنه مستحملش يخسر والدته ووالده مع بعض، أنا عايزك تجيبلي كل حاجة عنه من ساعة ما اتولد لحد ما هرب وأهم حاجة في كل ده هي اسمه، عايز اعرف اسمه ايه.
رواية شمس الياس الفصل السادس 6 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
وصلت سيارة الإسعاف إلى تلك المنطقة الشعبية وسط وقوف الكثير من الأهالي لتلقي جسد «ياسر» الذي وُلد وعاش بينهم لسنوات طويلة. من ذا الذي يصدق أن هذا الذي كان يتمتع بالشباب قد ذهب بلا عودة، كان موته صدمة للجميع بلا استثناء.
وقفت سيارة الإسعاف وخرج من داخلها «خلف» وتبعه «إلياس» و«مراد». ظهرت علامات الحزن والحسرة على وجه كلٍ منهما. توجه إليهما شابان آخران من أهالي المنطقة ليساعداهما على حمل نعش «ياسر». وبالفعل بدأوا في رفع هذا النعش، بينما كانت تتابع «إيلين» ما يحدث من الأعلى. كانت عبراتها لا تفارق وجهها حُزنًا على هذا الشاب الجيد، وأيضًا حزنًا على حزن «إلياس» على صديقه المقرب.
تحركوا بهذا النعش إلى المسجد. وبعد مرور ساعتين كانوا قد انتهوا من كل شيء ليُرفع آذان العصر. في تلك اللحظة توجه جميع الرجال إلى المسجد لأداء صلاة العصر وأيضًا صلاة الجنازة، مما جعل المسجد يمتلئ بالمصلين. وهذا ما جعل البقية يفترشون الشارع من الخارج ليكون لهم الحق في الصلاة.
"قــبــل ســاعــات قــلــيــلــة"
خرج من الشركة ثم اتجه إلى سيارته ليستقل المقعد الأمامي خلف المقود. هنا رفع هاتفه ونقر على رقم هاتفها ثم وضع الهاتف على أذنه. وبعد وقت قليل أجابت قائلة:
- أيوة يا مستر كرم.
أسرع وسأل عن موقعها:
- أنتي فين، أنهي مستشفى يعني؟
تعجبت من سؤاله المفاجئ لكنها أجابت بهدوء وأخبرته عن عنوان تلك المشفى وأنهت حديثها قائلة:
- اشمعنا يا مستر كرم؟
هنا أدار سيارته ليقول بجدية واضحة:
- هتعرفي، سلام دلوقتي.
أنهى المكالمة معها وتحرك بسيارته قبل أن يهاتف شقيقته التي أجابت قائلة:
- أيوة يا كيمو.
- أيوة يا سما، بقولك ايه اجهزي بقى أنتي وماما علشان بابا ساعتين وهيجي يلاقيكم جاهزين.
رفعت أحد حاجبيها لتقول بحيرة واضحة:
- وأنت! مش هترجع ولا ايه؟
نظر إلى الطريق أمامه وأجاب على سؤالها بهدوء:
- هرجع بس رايح مشوار بسرعة كدا وجاي، المهم اجهزوا بس.
- تمام ماشي.
أنهى المكالمة معها واتجه إلى العنوان الذي أخبرته به «دورا». وما إن وصل حتى توجه إلى الداخل ووصل إليهما بعدما سأل أحد العاملين. توجه بإستياء إلى غرفة والدة «دورا». وما إن وصل حتى تفاجئ بوجود العديد من المرضى بغرفة واحدة بالإضافة إلى سوء المعاملة وعدم نظافة المشفى منذ دخوله في البداية. بحث بعينيه في المكان ليجدها أمام سرير والدتها المتهالك بدون وجود أي معدات طبية. هنا توجه إليها وقال بدون مقدمات:
- ممكن دقيقة؟
تفاجئت به أمامها لكن جديته في الحديث أقلقتها بشكل كبير مما جعلها تتحرك معه إلى الخارج في صمت. وما إن أصبحا وحدهما حتى قال بانفعال:
- معلش ممكن اعرف ايه المستشفى اللي جايبة والدتك فيها دي؟ دي تجيب المرض مش تعالجه!
نظرت إلى الأسفل بحرج. فشعر هو بالحزن من نفسه لإحراجها بهذا الشكل مما جعله يقول بهدوء:
- أنا آسف مقصدش بس اتعصبت لما لقيت المنظر ده، حاجة زي كدا اتواصلي معايا ومتشيليش هم.
رفعت رأسها بهدوء وهددت عبراتها بالانفجار في وقت قريب لتقول بحزن:
- كل حاجة حصلت بسرعة ومكانش قصادي حل، حتى لما اتواصلت مع مستر بكار قالي مجيش الشركة تاني وإني مطرودة.
شعر أنها لن تتحمل وستبكي أمامه لذلك ردد بابتسامة:
- طيب اهدي وكل حاجة هتتحل إن شاء الله، الأول ننقل والدتك لمستشفى تانية غير دي ونتطمن عليها وبعدين نتكلم في موضوع الشركة.
"الــوقــت الــحــالــي"
انتهت صلاة الجنازة واتجه «إلياس» ومعه «مراد» و «خلف» وإثنان آخران إلى النعش ليحملوه على أكتافهم. ثم اتجهوا إلى خارج المسجد وخلفهم العشرات من الحضور حيث امتلأ الشارع عن آخره. وساروا إلى المقابر التي كانت قريبة.
وصلوا إلى قبر «ياسر» ونزل «إلياس» إلى الأسفل ومعه «مراد» ليتسلما جثة صديقهما. ثم اتجهوا إلى الأسفل حيث الظلام ومعهم من يُنير لهما الطريق. وضعوه أرضًا بالشكل الصحيح وفعلوا كل شيء. ثم اعتدل «إلياس» ورمقه بنظرة أخيرة ليودعه بعد أن تسللت عبرة إلى عينيه. هنا ردد بصوت غير مسموع:
- ربنا يرحمك يا ياسر، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، مع السلامة يا حبيبي.
هنا وقف «مراد» إلى جانبه ووضع يده على ظهره وهو يقول بحزن:
- ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه.
صعدوا جميعهم وتم إغلاق القبر. ثم بدأ أحد الشيوخ في الدعاء بصوت مرتفع وخلفه الكثير يأمنون على دعائه. واستمر هكذا لعشر دقائق قبل أن يقرر الجميع الرحيل.
عاد «إلياس» ومعه «مراد» إلى المنزل وصعدا الدرج ليقول الأول بهدوء:
- هخش اخد دش واريح شوية ساعتين كدا وبعدين ننزل علشان العزاء، كويس إن الحاج خلف كلم حد يجيب كراسي للعزاء علشان حرفيا أنا مش قادر أقف على رجلي.
ربت على كتف صديقه بهدوء ليقول هو الآخر بإرهاق:
- عندك حق، مين قادر يقف على رجله، نريح ساعتين وننزل نقف في العزاء.
بالفعل اتجه كلٍ منهما إلى باب شقته. وطرق «إلياس» الباب لتفتح «إيلين» على الفور وهي تقول بلهفة:
- إلياس حمدالله على سلامتك.
دلف إلى الداخل وألقى بجسده على المقعد القطني المجود أمامه ثم أغلق عينيه بتعب شديد. فأسرعت «إيلين» وجلست على ركبتيها قبل أن تمسك بيديه قائلة بخوف ولهفة:
- مالك يا حبيبي! تعبان؟
هز رأسه بالإيجاب وتحدث بنبرة خافتة لا يظهر منها صوته جيدًا:
- دايخ ومش شايف قصادي، مطبق من امبارح مع السفر رايح جاي قضى عليا.
في تلك اللحظة وضعت يدها على جَبِينه فوجدت حرارته مرتفعة للغاية فصرخت بصدمة:
- يلاهوي أنت سخن أوي، تعالى معايا.
ساعدته على النهوض ثم قادته إلى سريره ففرد ظهره عليه بتعب شديد وأغلق عينيه. قبل أن تنهض هي وتسرع إلى الخارج لكي تجلب مياة مثلجة وقطعة من القماش لتساعد على انخفاض حرارته. وبعد وقت قليل عادت وجلست على طرف فراشه وهي تقول بلهفة:
- إلياس حبيبي حاسس بايه؟
لم يجيبها فهو قد غرق في نوم عميق وربما فقد وعيه بسبب تعبه الشديد. في تلك اللحظة شعرت بالخوف كثيرًا ووضعت قطعة القماش في الماء المثلج ثم قامت بوضعها على جبينه بهدوء.
في خلال وقت قصير كانت تلك القطعة قد سخنت بشدة وهذا ما بث الرعب بداخل قلبها. لذلك وضعتها بداخل الماء المثلج مرة أخرى ثم أعادتها إلى جبينه. وما إن انتهت حتى نهضت وارتدت حجابها ثم ركضت إلى شقة «مراد» وطرقت الباب. وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى فتحت «كريمة» الباب لتصرخ «إيلين» في وجهها قائلة:
- الحقيني يا ماما إلياس حرارته مرتفعة جدا ومش بيرد عليا، أنا مش عارفة اعمل ايه.
اتسعت حدقتاها بخوف وتحركت معها إلى الشقة. وخرج «مراد» على هذا الصوت فركض خلفهما إلى شقة صديقه.
اقتربت «كريمة» من «إلياس» ووضعت يدها على جبينه فوجدت حرارته مرتفعة للغاية وليس هذا فقط بل كان جسده يرتعد بصورة مخيفة. في تلك اللحظة وصل «مراد» وهتف بقلق واضح:
- فيه ايه يا ماما إلياس مالها؟
اعتدلت بجسدها ورددت بنبرة تحمل الخوف والقلق:
- انزل بسرعة الصيدلية وهاتله حقن للسخونية وللبرد، واضح إن جاله برد في السفر ومع التعب وقلة النوم أثر بالشكل ده عليه، بسرعة يا مراد متتأخرش.
تحرك «مراد» بسرعة كبيرة وركض إلى الأسفل ومنه توجه إلى الصيدلية الموجودة على الطريق الخارجي. أما عن «إيلين» فكانت في حالة إنهيار بسبب حالة «إلياس» الذي لم تراه هكذا من قبل. نظرت إليها «كريمة» ورددت بهدوء:
- اهدي يا إيلي هيقوم بالسلامة إن شاء الله، دلوقتي مراد يجي ويديله الحقنة وهيبقى بخير.
رددت من بين بكائها الشديد وهي تضع كلتا يديها على وجهها:
- خايفة اوي يا ماما يحصله حاجة، إلياس هو كل حاجة في حياتي مش بس ابن خالتي، ده أبويا وأخويا وسندي.
شعرت بحزنها مما جعلها تنهض وتتجه إليها وهي تردد بنبرة هادئة لتبث الطمأنينة والسكينة بداخل قلبها:
- إلياس قوي وهيبقى بخير إن شاء الله، متعيطيش وساعديني نعمله كمادات تهدي السخونية شوية عقبال ما مراد يجي، يلا يا حبيبتي.
هزت رأسها عدة مرات بالإيجاب وتوجهت إلى قطعة القماش وبدأت في وضعها بالمياة المثلجة ثم قامت بوضعها على جبينه. بينما تحركت «كريمة» وجلبت بعض قطع الثلج ووضعتها بالإناء.
نجح في نقل والدة «دورا» إلى مستشفى أخرى مجهزة بأحدث المعدات الطبية. وتحدث مع طبيب صديق لوالده بتعيين فريق طبي لمعالجتها ومتابعة حالتها الصحية. وما إن انتهى حتى اتجه إلى الخارج حيث «دورا» التي تحركت بإتجاهه وهي تقول بإحراج:
- المكان هنا مختلف خالص، دي مستشفى خاصة والتكاليـ...
رفع يده أمام وجهها ليوقفها عن تكملة حديثها ثم قال بهدوء:
- أولا كل التكاليف دي بابا اللي هيدفعها لأنه ملزم بده مع أي حد شغال معانا. ثانيا بقى مش عايزك تشيلي أي هم من ناحية الشغل لأن بابا رجعك الشغل تاني وهيديكي إجازة بمرتب لغاية ما تطمني على والدتك.
رفعت حاجبيها بدهشة وعدم تصديق وهزت رأسها بتعجب قائلة:
- بس ده كتير أوي وبعدين مستر بكـ...
قاطعها مرة أخرى وتابع بجدية:
- مش كتير ولا حاجة ده حقك، معلش بقى هضطر أمشي علشان عندي ميعاد واتأخرت، ألف سلامة على والدتك.
ابتسمت ورددت بنبرة خافتة:
- الله يسلمك.
في تلك اللحظة تركها واتجه إلى الخارج حيث سيارته. لكنه قبل أن يستقلها دس يده بجيب بنطاله ليُخرج هاتفه الذي لم يكف عن الرنين وضغط على زر الإجابة ليقول بانفعال:
- ايه يا ماما سبعين مكالمة، مردتش عليكي في المرة الأولى يبقى اكيد مشغول أو بعمل حاجة.
هنا ظهر صوت «ابتسام» ليعبر عن غضبها وعدم رضاها:
- إحنا المفروض كنا هنتحرك معاك في عربيتك لهناك ده غير إننا كنا عايزين نوصل بدري شوية علشان تلاقي فرصة تتكلم فيها مع بنت عمك مريم قبل ما سليم ابن جمال يجي ويخطفها منك لكن بالتأخير ده كل حاجة باظت وأنا واختك خلاص قربنا نوصل.
لوى ثغره بإستياء من تفكير والدته ودلف إلى داخل سيارته وهو يقول:
- يا ماما قولتلك مريم دي مش في دماغي، خلي سليم يخطفها حلال عليه.
- ايه اللي بتقوله ده، أنت لو اتجوزت مريم هتكسب وابوك هيكسب، أنت نسيت إن عمك عضو مجلس الشعب وأغنى حد في العيلة دي يعني ...
أدار سيارته وتحرك بها قبل أن يقاطع حديثها في هذا الموضوع الذي لا يحبه على الإطلاق:
- ماما أنا عاجبني حالي كدا، ميفرقش معايا مراكز ولا فلوس، كلها مظاهر كدابة أهم حاجة القلب وأنا مش هتجوز غير اللي قلبي يختارها، سلام بقى علشان داخل على لجنة وهتاخد مخالفة.
وصل «مراد» إلى المنزل وأخرج الحقن الخاصة بصديقه ثم أخبرهم بالخروج بعد أن قام بتجهيزها. وما إن خرجا حتى قام بإعطائه إياها وعدل من وضعية جسده مرة أخرى قبل أن يسحب الغطاء ويلفه حول جسده وهو يقول:
- اجمد يا إلياس، إن شاء الله تقوم بالسلامة.
ثم اتجه إلى باب الغرفة وفتحه مرة أخرى ليقول بهدوء:
- أنا اديته الحقنة وإن شاء الله السخونية هتروح وأول ما يفوق لازم ياخد العلاج ده.
هزت «إيلين» رأسها بالإيجاب ورددت بامتنان:
- شكرا يا مراد أنت وماما معلش تعبتكم.
هنا تحدثت «كريمة» لتقول باعتراض:
- متقوليش كدا يا إيلين، إلياس ده يبقى ابني زي مراد بالظبط.
هنا ابتسم «مراد» ليقول هو الآخر:
- وبما إنه ابنها يبقى أخويا أنا كمان، لما يفوق طمنينا عليه وأنا هبقى اتطمن كل شوية عليه إن شاء الله.
وقبل أن يتحرك تحدثت «كريمة» مرة أخرى:
- خليكي جنبه وأنا هعمل الغداء النهاردة وبكرا لغاية ما يتحسن، هعمله شوربة خضار تخليه زي الحصان.
ابتسمت «إيلين» ورددت بحب:
- تسلمي يا ماما ربنا ميحرمناش منك أبدا.
وصلت عائلة «جمال» في البداية إلى قصر «مرزوق» وترجل هو وزوجته وابنه من سيارته ليجد الكثير من الخدم يقفون في صفين متقابلين لاستقبالهم. في تلك اللحظة مال الأب على ابنه وقال بصوت غير مسموع:
- طبعا أنت عارف هتعمل ايه يا سليم، مريم عايزها خاتم في صباعك.
ابتسم ووضع كلتا يديه في سترته قبل أن يقول بثقة كبيرة:
- اتفرج يا بابا وشوف بنفسك.
هنا تحدثت «خلود» زوجة «جمال» وقالت بإستياء شديد:
- شايف عازمنا وحتى مش مكلف نفسه يقف يستقبلنا.
ابتسم «جمال» وقال بتعالي وهو ينظر أمامه:
- حقه، الراجل عضو مجلس الشعب وأغنى واحد في العيلة، سيبيه يتبسط باليومين دول علشان بعد كدا إحنا اللي هنركب وساعتها محدش هيعرف ينزلنا.
قاطعهم «سليم» في تلك اللحظة وردد بجدية:
- يلا نخش علشان محدش يقول حاجة.
بالفعل تقدموا للداخل وسط إستقبال حافل من العاملين بالقصر. وكان في استقبالهم من الداخل «اسماء» زوجة «مرزوق» التي ابتسمت ورحبت بهم قائلة:
- نورتوا القصر، اتفضلوا اتفضلوا.
دلفوا إلى الداخل وتوجهوا إلى حديقة القصر الضخمة والتي كانت مُعدة ومجهزة من أجل هذا الحفل الصغير. جلست معهم «اسماء» وبدأت في الحديث معهم حول بعض الأحداث التي حدثت من قبل. واستمرت في الحديث حتى قال «جمال» بحيرة:
- أومال فين مرزوق، شايف يعني إنه مش موجود ولا حتى استقبلنا.
رسمت ابتسامة هادئة على وجهها لتجيبه بثقة:
- مرزوق بيجهز كام حاجة مهمة، أظن هو هيقولكم عليها النهاردة بعد الغداء، متقلقش يا جمال دي مفاجأة هتعجبكم جدا.
في تلك اللحظة ظهرت «مريم» التي كانت تسير بعيدًا عنهم مجاورة للمكان المخصص للسباحة. فنهض «سليم» الذي ردد بجدية:
- بعد اذنكم هتمشى شوية.
تركه واتجه صوبها. وما إن اقترب منها حتى رسم ابتسامة مزيفة على وجهه ليقول بنبرة هادئة:
- ازيك يا بنت عمي، أول ما شوفتك سيبتهم بالكلام اللي بيقولوه وجيت، بقالنا كتير مقعدناش مع بعض زي زمان.
ابتسمت ابتسامة هادئة قبل أن تجلس مكانها وهي تقول:
- ازيك يا سليم، عاش من شافك.
جلس هو الآخر بجوارها ونظر إلى حيث تنظر ليقول:
- أنا الحمدلله بخير، على فكرة أنا كنت مسافر لشغل مهم بس لما عرفت إننا معزومين عند عمي مرزوق لغيت كل حاجة علشان ابقى موجود واشوفك، الصراحة لسة قمر زي ما انت.
اتسعت ابتسامتها ونظرت إليه لتقول هي الأخرى:
- وأنت لسة حلواني كلام زي ما انت.
ضحك على ما قالته ومال إلى الخلف ليسند بكلتا يديه على الأرض قائلًا:
- مش مع أي حد على فكرة ده غير إن الكلام ده بيبقى خارج من القلب مش مجرد كلام، سيبك من ده كله وقوليلي عاملة ايه في الكلية بتاعتك.
الت هي الأخرى إلى الخلف وأجابت على سؤاله:
- اتخرجت السنة دي، أنت نسيت إني توأم هاني وهاني اتخرج السنة دي يعني أنا كمان اتخرجت وأنت عامل ايه في شغلك وحياتك.
ابتسم ونظر أمامه قبل أن يجيبها:
- زي الفل، ماشي بمبدأ هو اللي اتعلم خد ايه ما الدنيا كدا كدا هتحط عليه.
ضحكت ونظرت إليه لتقول باهتمام:
- مش ندمان إنك سيبت التعليم من ثانوية عامة!
حرك رأسه بمعنى "لا" وأجاب على سؤالها بسخرية:
- تؤ تؤ، التعليم ده للفقير اللي بيدور على شهادة تخليه يشتغل، مقصدش انتي أو هاني طبعا لأنكم حالة خاصة بس عن نفسي أنا معايا فلوس وغني، مش محتاج الشهادة دي في حاجة، كل اللي عايز اتعلمه هو البيزنس والشغل وبس.
على الجانب الآخر وصلت عائلة «بكار» ولكن بدون «كرم» الذي لم يأتي معهم لسبب لا يعرفوه. ترجلوا من السيارة ووجدوا استقبال حافل من العاملين بالقصر. هنا نظرت «ابتسام» إلى زوجها وقالت بعدم رضا:
- عاجبك اللي بيعمله ابنك كرم ده؟ أهو سليم وصل من بدري وزمانه خطف مريم دلوقتي.
لوى ثغره بإستياء وقال بهدوء وهو يستعد للدخول:
- أنتي عارفة إن كرم دماغه ناشفة وبيعمل اللي على مزاجه بس، عمره ما فكر زي ما بفكر أنا أو أنتي حتى أخته طالعة له.
هنا رفعت «سما» أحد حاجبيها لتعبر عن عدم رضاها قائلة:
- الله وليه التهزيق ده على الصبح، وربنا اسيبلكم البيت وارجع، أنا جاية بالعافية اصل.
تقدموا إلى الداخل واستقبلتهم «اسماء» وعائلة «جمال» عدا «سليم» الذي كان يجلس مع «مريم» بحديقة القصر. جلسوا جميعهم بالحديقة وبدأوا الحديث فيه عدة موضوعات.
على الجانب الآخر نظرت «مريم» إلى سليم ورددت بتساؤل:
- غريبة يعني عمك بكار وعيلته وصلوا بقالهم نص ساعة ومقومتش تسلم عليهم.
ابتسم بسخرية ونظر إلى المياة أمامه قبل أن يقول:
- اليوم طويل ولسة فيه غداء وحكاوي نبقى نسلم ساعتها ولا أنتي زهقتي من قعدتي؟
في تلك اللحظة ظهر «كرم» الذي دلف إلى الحديقة وصافح الجميع. هنا نهضت «مريم» بعد أن تبدلت تعابير وجهها إلى الفرح ورددت بسعادة:
- ايه ده كرم وصل.
تركته وتحركت بسرعة تجاه «كرم» وسط غضب «سليم» الذي لم يصدق ما فعلته فهي لم تهتم به كما فعلت الآن عند وصول «كرم». ضغط على أسنانه بغضب وقال بعدم رضا:
- قولي بقى إن عينك من كرم، اوعي تفتكري نفسك حاجة ولا أنا ميت في دباديبك، أنا أصلا وجودي هنا علشان المصلحة وشغلي بس، ماشي نشوف مين هيكسب أنا ولا كرم باشا التافه.
كان جسده يرتعد ويتصبب العرق من جبينه بصورة مخيفة ومرعبة إليها فهي لم تراه في تلك الحالة من قبل. كان يتحدث بكلمات مفهومة تارة وغير مفهومة تارة أخرى. ومن بين تلك الكلمات المفهومة كان يقول:
- إيلـ..ين، بابا أنا آسف، آسف مقدرتش احميك منهم، آسف يا ماما مقدرتش احمي بابا، ابعدي عنهم يا إيلين، ابعدي عن الطريق الضلمة ده.
في تلك اللحظة أمسكت بيده وانهمرت دموعها وهي تقول بصوت باكي:
- أنا جنبك يا إلياس، جنبك يا حبيبي، علشان خاطري قوم ورد عليا.
لم يجيبها فهو كان كالغريق الذي استحال انقاذه مما جعلها تبكي بصوت مرتفع. وقررت أن تصلي وتدعوا الله بأن يشفيه. وبالفعل نهضت من مكانها وتوضأت ثم عادت إلى تلك الغرفة ووقفت لتصلي. وما إن سجدت حتى أجهشت بالبكاء وطلبت من الله أن ينقذه مما هو فيه فهو كل شيء بالنسبة لها.
طرق الباب بهدوء فرفع «عمر» صوته من الداخل قائلًا:
- ادخل.
دلف «جلال» الذي كان بيده عدة أوراق ووضعها على المكتب أمام «عمر» قبل أن يقول:
- إلياس سعادتك، ابن هادي رأفت مرجان اسمه إلياس واختفى فعلا في اليوم اللي هو مات فيه ومحدش عرف يوصله تاني من ساعتها، فيه ناس بتقول مات وفيه بيقولوا سافر لكن لما دورت عن اسمه كامل لقيت فعلا فيه بطاقة بالاسم ده وصاحبها هو إلياس وعايش في القاهرة وكل حاجة عندك في التقرير يا عمر باشا.
نهض من مكانه بعد أن احتلت تعابير الصدمة والدهشة وجهه ليقول بثقة:
- اللي في دماغي حصل يا جلال وطلع عايش.
ثم التف حول مكتبه وسار وهو يقول بذهول:
- معقولة بعد السنين دي كلها يظهر بالشكل المفاجئ ده! يعني لولا موت صاحبه كان هيفضل ميت في نظر ناس كتير.
ضم «جلال» ما بين حاجبيه بعدم فهم ليقول بتساؤل:
- مش فاهم سيادتك، قصدك ايه؟
التفت «عمر» ليجيبه على سؤاله قائلًا:
- إلياس هو اللي صاحبه ياسر اتقتل وبالصدفة حققت في القضية دي مع طارق اللي قالي إنه شاكك فيه والنهاردة الصبح قابلته في المقابر عند هادي رأفت مرجان وكان بيعيط، ساعتها سألته أنت ابنه قالي إن ابنه هرب ومحدش يعرف مكانه وإنه حد هادي كان ليه فضل عليه وبالصدفة روحت المشرحة لقيته قصادي وعرفت إن اسمه إلياس، علشان كدا خليتك تعرف كل حاجة عن ابن هادي وفعلا اتأكدت.
- فهمت سعادتك.
تحرك مرة أخرى في المكان وهو يفكر ويعبر عن تفكيره بحديثه قائلًا:
- طيب ليه اختفى السنين دي كلها؟ ليه مش عايز حد يعرف بوجوده رغم إن ده هيديه مكانة كبيرة بسبب عيلته! فيه لغز عند إلياس ولازم أحل اللغز ده... لازم.
رواية شمس الياس الفصل السابع 7 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
سار الشارع الطويل المؤدي إلى منزله، وكانت علامات الدهشة تسيطر على وجهه بسبب خلو هذا الشارع الذي اعتاد على ازدحامه كل يوم. ظل ينظر يمينًا ويسارًا عله يجد أحد، لكنه لم يجد ما يتمنى حتى وصل إلى منزله ليجد صديقه «ياسر» الذي زينت تلك الابتسامة وجهه. كان وجهه مُنير وملابسه خضراء اللون، مما جعل «إلياس» يقول بصدمة وعدم تصديق:
- ياسر! أنت لسه عايش؟ أنا وصلتك لقبرك بإيدي!
اتسعت ابتسامته أكثر ورفع يده اليمنى في الهواء بإشارة منه أن يقترب أكثر، فتقدم «إلياس» على الفور وضمه إلى صدره وهو يقول:
- مش مهم، المهم إنك عايش وشوفتك.
ظلت تلك الابتسامة ولم تغادر وجهه حتى ابتعد عنه قليلًا ليقول بتعجب:
- مش بترد عليا ليه يا ياسر! أنت زعلان مني؟
حرك رأسه بمعنى "لا" ونطق أخيرًا بعد صمت طويل:
- عمري ما زعلت منك يا إلياس، أنت قلبك أبيض وجدع علشان كده جيتلك أنت، جيتلك علشان أقولك أوعى تصدقهم يا إلياس، خليك واثق في صاحب عمرك، أنا عمري ما اشتغلت في حاجة تغضب ربنا، ربنا شاهد على براءتي.
وضع كفيه على كتفيه ليقول بصوت مرتفع:
- عمري ما هصدق حد يقول عنك كلمة وحشة يا ياسر، لو هم ميعرفوش مين ياسر فأنا أعرف.
رسم ابتسامة هادئة على وجهه وردد قائلًا:
- اتكتب عليك يا إلياس تعاني وتعيش واقع مؤلم، بس ده اختبار من ربنا ليك وأنا عارف إنك هتصبر وتتحمل. طريق الشيطان هم مشيوه من زمان أوي ودلوقتي اتكتب عليك تواجه وتصد، واقع هتعيشه، لازم تعيشه يا إلياس، بس أوعى في يوم تنسى أصلك ودينك علشان بس تواجه.
ضم ما بين حاجبيه بتعجب وحيرة، فهو لم يفهم القصد من تلك الكلمات، لذلك ردد بتساؤل:
- أنا مش فاهم حاجة، أنت بتقول ألغاز ولا إيه!
عاد جملته الأخيرة مرة أخرى قائلًا:
- اتكتب عليك تواجه وتصد، واقع هتعيشه، لازم تعيشه يا إلياس، بس أوعى في يوم تنسى أصلك ودينك علشان بس تواجه.
وفي تلك اللحظة اختفى من أمامه، فالتفت حوله بصدمة ليقول بصوت مرتفع:
- ياسر! ياسر أنت روحت فين؟ ياسر رد عليا.
وأثناء التفاته تفاجئ بوالده أمامه، كان يرتدي تلك الملابس التي كان يرتديها في تلك الليلة التي حدث فيها كل شيء. لم يصدق عينيه وتقدم بخطوات هادئة نحوه وكأن ما يحدث هو حلم جميل طالما تمنى حدوثه. اقترب أكثر وأكثر حتى أصبح مقابلًا له تمامًا، فابتسم والده قائلًا:
- إيه موحشتكش، أنا وحشني حضنك.
وفي تلك اللحظة ارتمى بين ذراعيه وبكى بصوت مرتفع كأنه طفل تائه منذ سنوات طويلة والآن قد عاد إلى بيته من جديد. حضنه بقوة وكأنه يُشبع حاجته وحبه إلى والده، وأثناء ذلك ردد بصوت باكي:
- وحشتني أوي يا بابا، وحشتني فوق ما تتخيل، وحشتني يا أحن أب في الدنيا، أكيد ده حلم مش حقيقة، بس تصدق أنا عايز الحلم ده يطول للأبد، عايز أفضل معاك على طول يا بابا، متسبش ابنك لوحده تاني، علشان خاطري متسبنيش.
ظل هكذا لبعض الوقت قبل أن يبعده والده بهدوء ويضع يده على كتفه قائلًا بابتسامة:
- كل واحد ليه مهمة بيأديها في حياته يا إلياس، أنا مهمتي انتهت لكن أنت مهمتك يعتبر في بدايتها، مهمتك أصعب من مهمتي واصعب من مهمة كتير، لكن اللي أعرفه إنك تقدر، أنت هتكمل وهتواجه ولازم تتحمل يا إلياس.
حرك رأسه بمعنى "لا" وردد بحزن وضعف واضحين:
- مبقتش قادر أتحمل يا بابا، الحمل تقيل أوي.
هنا جاء رد والده:
- الصبر والتحمل هما اللي هيساعدوك تتخطى ده، ده قدر ربنا ولازم تصبر وتتحمل، أنت قوي وإيمانك لازم يبقى قوي. طريقهم طريق شيطان ونسيوا سبب وجودهم من زمان، هم اللي هيدوروا عليك مش أنت اللي هتدور، وده اللي هيصعب مهمتك، خليك ثابت يا إلياس، خليك ثابت.
وفي تلك اللحظة اختفى والده هو الآخر، فنظر حوله وهو يردد بصوت مرتفع:
- بابا أنت روحت فين، مشيت ليه ملحقتش أشبع منك، بابا رد عليا، بابا.
كان يتفوه بتلك الكلمات أثناء نومه، وهي تجلس أمامه تبكي على حاله، فهو على حالته تلك منذ أكثر من ثلاثة أيام ولا يوجد تحسن. وأثناء بكائها تحركت يده التي كانت تقبض عليها، فانتبهت إلى وجهه الشاحب لتجده أخيرًا قد فتح عينيه، وأول ما قاله بضعف كان اسمها:
- إيلين!
اعتدلت في جلستها وقبضت أكثر على يده لتقول بلهفة واضحة:
- إيلين جنبك يا إلياس، أنت حاسس بإيه؟ تعبان؟
حرك رأسه بمعنى "لا" وحاول النهوض وهو يقول:
- عايز ألحق العزاء بتاع ياسر.
منعته من النهوض ورددت بنبرة هادئة:
- العزاء خلص يا إلياس، أنت بقالك أكتر من 3 أيام تعبان.
اتسعت حدقتاه بصدمة مما تقول وجلس على الفور وتحمل آلام عظامه ليقول بعدم رضا:
- إزاي يعني يا إيلين! ده عزاء أعز صحابي ومحضروش؟ مقومتينيش ليه.
ابتسمت ومسحت على رأسه بهدوء لتجيب:
- مش بمزاجي، أنت حرفيًا كنت تعبان جدا ومش في وعيك، الـ 3 أيام دول كانوا صعبين جدا لدرجة إنك مكنتش بتفوق، وجيبنالك دكتور حتى. بص للمحاليل اللي متعلقة ولأيدك، ربنا يكرمه مراد مسابكش لحظة وكان كل لحظة بيتطمن عليك وهو اللي جاب الدكتور.
شعر بالصدمة مما يسمعه وعاد لينام مرة أخرى وعلامات الحزن تسيطر على وجهه، فهو لم يقف في عزاء صديقه، لم يكن يتوقع أن هذا سيحدث.
شعرت هي بحزنه لذلك ربتت على يده بهدوء قبل أن تقول:
- متزعلش يا إلياس ده كان غصب عنك، صدقني الحارة كلها كانت بتدعيلك تقوم بالسلامة والحمدلله أنت فوقت أهو.
نظر إليها وابتسم وهو يقول:
- طبعًا ممسكتيش الكتاب طول الأيام اللي فاتت دي.
رفعت أحد حاجبيها قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- وأنت كنت عايزني أذاكر أو حتى أقوم من جنبك وأنت تعبان كده؟ ده أنا كنت هموت من الخوف عليك.
فرد ذراعه ليمسك يدها ويردف قائلًا:
- بعد الشر عنك، بجد مش عارف أقولك إيه، مكذبتش لما قولت إنك الشمس اللي نورت حياتي بعد ما كانت ضلمة، إنتي الشمس اللي نورت طريقي، إنتي شمس إلياس.
ابتسمت وقبضت هي الأخرى على يده لتقول بحب:
- لو أنا شمس فأنت كل حاجة حلوة في حياتي، أنت النفس اللي بتنفسه، مجرد إني أشوفك تعبان ومش بترد عليا قدامي ده لوحده مشهد صعب جدا، اوعى تبعد عني يا إلياس وتسيبني لوحدي.
نظر إليها بجمود ليقول بثقة:
- مش هبعد عنك إن شاء الله يا إيلين، إنتي الحاجة اللي أنا عايش علشانها أصلا، ربنا يعدي الأيام الجاية على خير.
***
"قـبـل ثـلاثـة أيـام"
صافح الجميع بعد وصوله وقبل أن يجلس استمع لصوت ينادي عليه من الخلف، فالتفت وتوجهت الأبصار نحو هذا الصوت ليجدوا «مريم» التي اقتربت من «كرم» ورددت بابتسامة:
- ازيك يا كرم، عاش من شافك، محدش بيسمع حاجة عنك ليه!
ابتسم بهدوء ليجيب على سؤالها:
- الحمدلله بخير وأنتي أخبارك إيه يا مريم.
ابتسمت وجذبته من ذراعه بعيدًا عنهم، وهذا ما ضايقه كثيرًا لتجيبه بهدوء:
- أنا كويسة، تعالى بس بعيد علشان عايزة أتكلم معاك وآخد رأيك في كام حاجة.
عاد «سليم» إلى حيث يجلسون وعلى وجهه علامات الغضب، بينما نظر إليه والده نظرة سخرية، فهو قد أخبره أنه سينجح في كسب قلبها والآن جاء وهو يجر أذيال الخيبة خلفه، بينما كانت علامات السعادة والفرحة على وجه «بكار» وزوجته الذان تحقق مرادهما والآن هي من جاءت إليه بعد أن كانت تجلس مع «سليم».
على الجانب الآخر توقف «كرم» الذي قال بحيرة:
- مش فاهم، ده بيزنس خاص بيكي ناوية تعمليه وجميل وكل حاجة، بس إيه علاقتي بكل ده!
ابتسمت واقتربت خطوة منه حتى أصبحت قريبة منه للغاية وتحدثت بحب:
- ما ده اللي بكلمك علشانه، عايزاك تدير أنت الشغل ده ومش عايزاك تفهمها بمعنى تاني وهو الإهانة، أنا بقولك ده علشان أنت ابن عمي وبثق فيك، ده غير إن الشغل ده هيبقى كأنه بتاعك أنت، ولو عايز تبقى شريك معايا أوك، اللي يريحك.
ابتسم ابتسامة هادئة وابتعد قليلًا عنها وهو يقول بثقة:
- أنا اتربيت على شغلي في شركة بابا وده اللي اتعلمته وبقيت شاطر فيه، وكمان فيه مثل بيقول اللي يسيب شغله وكاره يتقل مقداره، ده غير إني حابب الشغل في الشركة، ولو على الفلوس فأنا مش بفكر فيها، أنا عايز اللي يكفيني ويعيشني بس، لكن كترها مش بحبه.
نظرت إليه بتعجب لبعض الوقت محاولة إيجاد وجه شبه واحد بينه وبين ابن عمها الآخر «سليم»، لكنها لم تجد، لذلك ابتسمت قائلة:
- أنت غريب أوي يا كرم، بحس كل أفراد العيلة دي مُتصنعين وسطحيين، لكن أنت مختلف، على طبيعتك، في الوقت اللي الكل بيدور فيه على فلوس تغرقه وتضمن مستقبله هو وولاده وأحفاده، أنت بتقول الفلوس مش مهمة.
ابتسم ورفع كتفيه ليقول ببساطة:
- لأن الفلوس مش كل حاجة، شوية ورق والكل بيموت بعض علشانها، أينعم وجودها شرط من شروط الحياة لكن كترها ضرر، وبعدين شخصيتي اللي مستغرباها دي المفروض تكون شخصية أي حد، بس أنتي اللي اتربيتي في بيئة كل اللي فيها طماعين شوية ومش قصدي أغلط في حد بس دي الحقيقة.
نظرت إليه بإعجاب قبل أن تصر على طلبها منه:
- طيب إيه رأيك تخش شريك معايا في المشروع ده وتكمل في شغلك عادي، والمكسب اللي هيطلع تطلع نصه للفقراء وتفيد أسر كتيرة.
بعد أن كان يرفض تلك الفكرة تمامًا، أقنعته جملتها الأخيرة نسبيًا، فهو دائمًا ما كان يتمنى مساعدة الفقراء بأي صورة، والآن تلك المناسبة هي الفرصة التي كان يتمناها، لكنه بموافقته على مشاركتها ستصبح أقرب منه من أي وقت مضى، وهو يراها ابنة عمه فقط وليس كما تفكر هي وعائلته.
مضى الوقت وحضر «مرزوق» ليقف الجميع في استقباله، وما إن انتهوا جميعًا من مصافحته حتى قال بجدية:
- معلش اتأخرت عليكم بس كنت بخلص شغل وجيت على طول، يلا نتغدى وبعدين نتكلم.
بالفعل جلسوا جميعهم على سفرة الطعام وبدأ الخدم في وضع الطعام المتنوع والمُجهز لهذه المناسبة. أشار «مرزوق» لهم ببدأ الطعام وبالفعل بدأ كلٍ منهم في تناول صنف محدد، وكانت نظراتهم لبعضهم البعض محملة بالحقد والكره، وجودهم هنا لغاية واحدة وهي المنفعة العائدة عليهم وليس من أجل لم شمل تلك العائلة.
***
"في الوقت الحالي"
دلف «مراد» إلى الغرفة وصاح بسعادة:
- يا عيني يا عيني، قومنا وبقينا زي القرود أهو.
ضحك على ما قاله صديقه وردد بابتسامة:
- يااه أنت ليك نفس تهزر!
رفع أحد حاجبيه بعد أن جلس على الفراش أمامه ليقول مازحًا:
- إيه يا عم أنت بتقر ولا إيه، وبعدين أهو بحاول أخرج من المود، طمني أنت عامل إيه؟
اختفت تلك الابتسامة ونظر إلى الفراغ قائلًا:
- أنا الحمدلله حاسس إني بخير، لكن جوايا فيه حرب، يعني مش كفاية خسرت ياسر، لا ده أنا مقوفتش في عزاه كمان.
وضع يده على فخذه وردد بنبرة تحمل الجدية:
- ده مش ذنبك يا إلياس، أنت تعبت وتعب مش طبيعي، وبعدين مين اللي راح وجابه من السفر ودفنه مش أنت بردو، متحملش نفسك أكتر من طاقتها يا إلياس، ادعيله ربنا يرحمه.
- يارب.
ثم وجه بصره إليه وردد بنبرة ذات معنى:
- ياسر اتقتل ولازم أعرف مين اللي عمل ده.
رفع أحد حاجبيه ليسأل بتعجب:
- ده شغل الشرطة، عايز تعرف ليه؟
زفر بقوة وأردف:
- الشرطة مش هتوصل للي عمل كده، اللي عمل كده حد واصل وأنا واثق من اللي بقوله لك، بس الطريقة اللي أنا هستخدمها هي اللي هتوصلنا للقاتل.
هز رأسه بعدم فهم ورفع كتفيه قائلًا:
- مش فاهمك، طريقة إيه، أنت بتتكلم بلغة الألغاز ليه ما تخليك صريح يا عم.
هنا أشار إلى جهاز الحاسوب الذي كان على مكتب صغير بتلك الغرفة وردد:
- ناولني اللاب توب وهفهمك.
بالفعل نهض من مكانه ليُحضر إليه الحاسوب المتنقل، وأثناء ذلك تابع «إلياس» حديثه:
- يوم الجمعة لما روحت لياسر السايبر لقيت وليد قاعد مكانه، ولما سألته قالي إنه راح مشوار وراجع. المشوار ده ليه علاقة باللي حصل لياسر، ولو قدرنا نشوف تسجيل كاميرات المنطقة من برا هنعرف ياسر راح فين وقابل مين في الوقت ده.
اقترب «مراد» منه قبل أن يضع الحاسوب أمامه وهو يقول باستفهام:
- واحنا المفروض نروح لكل محل في المنطقة ونشوف تسجيلات الكاميرات صح كده؟
ابتسم ورفع شاشة الحاسوب وهو يقول بثقة:
- ده شغل الشرطة، إنما أنا هعمل ده وأنا قاعد مكاني، هخترق كل شبكات المنطقة وهجيب كل التسجيلات.
رفع حاجبيه بإعجاب لكنه تذكر شيء وأردف:
- بس الكاميرات اللي مش متوصلة على شبكة دي مش هتعرف توصلها لأنها محل يادوب تسجل بس.
ابتسم وضغط على عدة أزرار في لوحة التحكم قبل أن يقول:
- مش لازم الكاميرات تكون متوصلة على شبكة، الجهاز نفسه اللي بيتسجل عليه الفيديوهات لو واصل نت هقدر أخترقه وأجيب اللي أنا عايزه.
- بس ده أعتقد صعب.
ترك الحاسوب ونظر إلى صديقه ليقول بثقة:
- أنا ممكن أخترق قناة تلفزيون عالمية في أقل من نص دقيقة وأقوى security أقدر أخترقه في أقل من خمس دقايق، اللي هعمله ده أ ب اختراق، الله يرحمه ياسر هو اللي علمني كل ده ودلوقتي جه الوقت اللي استخدم فيه كل ده علشان أجيب حقه.
***
"قـبـل ثـلاثـة أيـام"
انتهوا من تناول الطعام وتناول الحلوى، ثم نهض «مرزوق» وتوجه إلى مكتبه ليتبعه بقية اخوته ومعهم «سليم» فقط بعد أن رفض «بكار» دخول «كرم» معهم. في تلك اللحظة جلست «مريم» بجواره ورددت بتساؤل:
- ليه لما بيجتمعوا بيقفلوا على نفسهم المكتب وبياخدوا سليم وأنت لا؟
رفع كتفيه ليقول بعدم فهم:
- مش عارف، يمكن بيتكلموا في حاجة أنا مش فاهمها.
على الجانب الآخر بداخل المكتب المغلق كان يوجد الثلاثة اخوة ومعهم «سليم» ليبدأ هو الحديث قائلًا:
- إيه المناسبة دي يا عمي، متحاولش تفهمني إنها لم شمل الأسرة لأني مش هصدق.
ابتسم «مرزوق» ومال ليسند على المكتب أمامه وهو يقول:
- أنت عارف إيه اللي بيخليني أقعدك معانا رغم إني مش بحب أجتمع غير مع اخواتي بس؟ علشان أنت نفس الطينة بتاعتنا وكمان ذكي، أيوة مش لم شمل الأسرة، علشان هنعمل بيزنس كبير أوي مع بعض الفترة الجاية، كبير أوي فوق ما تتخيلوا.
أنهى جملته تلك وصمت ثوانٍ ليتابع الأنظار المعلقة به ثم تابع بسخرية:
- أهم حاجة سيبكم من الشغل التعبان اللي بتعملوه.
هنا نظر إلى «جمال» وأردف:
- أنت وابنك وبكار سيبكم من شغل إنكم تأجروا حد يخترق البنوك وتقفشوا الفلوس، البزنس اللي هنعمله سوا ده هيخليكم تعوموا في الفلوس ومش هتعرفوا تعدوها.
هنا عاد «جمال» بظهره إلى الخلف وردد بسخرية:
- وايه بقى بيزنس الأحلام ده! وبعدين مالها الشغلانة اللي بنعملها مش ده اللي متعلميننه منك بردوا.
نظر إلى شقيقه وعلى وجهه ابتسامة هادئة وما إن انتهى حتى قال بثقة:
- الإنسان بيبقى صغير وأحلامه وشغله بيبقوا صغيرين معاه، مع مرور الزمن البني ادم بيكبر وبتكبر أحلامه وبيكبر شغله، مش هتفضلوا طول الوقت في لعب العيال ده.
- وايه هو البيزنس اللي هيخلينا نستغنى عن اللي بنعمله ده!
بدأ «جمال» في شرح العمل الذي سيجمعهم في الفترة القادمة وسط صدمة الجميع عدا «سليم» الذي زينت الابتسامة وجهه، لكن «جمال» صرخ فيه باعتراض:
- إيه اللي بتقوله ده يا مرزوق! أنت عارف اللي بتقوله ده ممكن يلف حبل المشنقة حوالين رقبتنا كلنا بمجرد أصلا ما نفكر نعمله ده، غير شوف كام واحد هيموت.
هنا انفجر «مرزوق» ضاحكًا قبل أن يهدأ ويقول بنبرة تحمل التهديد:
- والشغل اللي شغالينه ميلفش حبل المشنقة حوالين رقبتنا؟ طيب سيبك من الشغل خلينا في البيه اللي قتلته أنت وسليم من يومين بدم بارد، ده بردو ميلفش حبل المشنقة على رقبتك أنت وهو؟
في تلك اللحظة اتسعت حدقتا «جمال» بصدمة مما سمعه، فتابع «مرزوق» بابتسامة:
- متفتكرش إنك هتعمل حاجة وأنا مش هعرفها يا جمال، أنا أعرف عنكم اللي متعرفوش عن نفسكم، بدأنا الطريق ده سوا وهنكمل وننهيه سوا، كدا كدا في كل الحالات النتيجة واحدة ده لو حصل اللي في دماغكم، لكن لو مشيتوا زي ما بقول محدش هيندم.
في تلك اللحظة عاد «سليم» بظهره إلى الخلف ليقول بثقة كبيرة:
- أنا شايف الكلام اللي بيقوله عمي مظبوط، إحنا اشتغلنا في كل حاجة ممنوعة، قتلنا بدم بارد، محدش همنا ده غير مركزنا مش هيخلي حد ينخرب ورانا، مش هنيجي عند الفرصة دي ونقول لا، يموت اللي يموت أهم حاجة مصلحتنا.
"بــعــد مــرور أســبــوع"
استمع «جمال» لطرقات على باب مكتبه فردد بصوت مرتفع:
- ادخله.
هنا دلف «وليد» الذراع الأيمن له. رفع الأول رأسه ليقول بتساؤل:
- ها فيه جديد في موضوع الواد ده؟
وضع ملف أمام مكتبه قبل أن يجلس مقابلًا له وهو يقول:
- مش هتصدق يا باشا لقيت إيه، أقرب واحد للواد ده يبقى اسمه إلياس وكان بيروحله السايبر كتير ويقضي وقت جوه طويل، ولما سألت عرفت إنه يبقى ليه في شغل الهاكر والكمبيوتر زي ياسر لأن ياسر اللي معلمه، بس مش دي المشكلة، المشكلة في إني لما عرفت اسمه كامل في البطاقة لقيت اسمه «إلياس هادي رأفت مرجان».
رواية شمس الياس الفصل الثامن 8 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
طرقات على باب مكتبه، فردد بصوت مرتفع:
"ادخله."
دلف "وليد"، الذراع الأيمن له. رفع الأول رأسه ليقول بتساؤل:
"ها، فيه جديد في موضوع الواد ده؟"
وضع ملفًا أمامه، قبل أن يجلس مقابلًا له وهو يقول:
"مش هتصدق يا باشا لقيت إيه. أقرب واحد للواد ده يبقى اسمه إلياس، وكان بيروحله السايبر كتير ويقضي وقت جوه طويل. ولما سألت عرفت إنه يبقى ليه في شغل الهاكر والكمبيوتر زي ياسر، لأن ياسر هو اللي معلمه. بس مش دي المشكلة. المشكلة في إني لما عرفت اسمه كامل في البطاقة لقيت اسمه 'إلياس هادي رأفت مرجان'."
اتسعت حدقتاه بصدمة، ونهض من مكانه على الفور ليصرخ في وجهه قائلًا:
"أنت سامع نفسك بتقول إيه يا وليد؟"
نهض هو الآخر وأردف بنبرة هادئة:
"اللي بقوله ليك يا باشا ده متأكد منه مليون في المية. أنا بردو تلميذك ودي مش أول حاجة أعملها. كل حاجة عن الواد ده موجودة في الملف اللي قدام سعادتك، من ساعة ما جه المنطقة اللي هو فيها دي لغاية دلوقت."
للمرة الأولى في حياته، شعر بهذا الخوف بداخله، لكنه أخفى ذلك وأشار بيده قائلًا:
"امشي أنت دلوقتي."
حرك الآخر رأسه بالإيجاب وفتح الباب ليرحل، لكنه وجد "سليم" بوجهه. رحل هو ودلف "سليم"، الذي نظر إلى والده بتعجب بسبب شروده، كما أنه كان يقف وينظر إلى الفراغ وكأن ما وقع على رأسه كارثة كبرى.
تحدث أخيرًا وردد بتعجب:
"مالك يا بابا! هو وليد قالك خبر وحش ولا إيه؟"
لم يجِب على سؤاله، وظل هكذا حتى رفع الآخر صوته:
"بابا؟"
هنا انتبه لوجود ابنه وأشار إلى الملف الموضوع أمامه ليقول:
"شوف الملف، فيه مصيبة وقعت فوق دماغنا."
شعر بالقلق من حديث والده، لذلك التقط الملف وبدأ في قراءة محتواه. وبعد مرور القليل من الوقت، اتسعت حدقتاه هو الآخر ونهض وهو يقول بصدمة:
"إلياس هادي رأفت مرجان؟"
رفع بصره ووجهه تجاه والده ليقول بتعجب:
"أنت مش مفهمّني إن إلياس معدش ليه وجود؟ إزاي يعني بالصدفة يطلع صاحب ياسر ده! لا فهمني علشان مش فاهم حاجة."
***
"ما تنجز يا عمر وقول، قولتلك هيفضل سر لغاية ما تتصرف."
قالها "طارق" لصديقه الذي جلس ليخبره بشيء وطلب منه عدم الحديث بهذا الشأن. فالتقط "عمر" أنفاسه وردد بهدوء:
"طبعًا تعرف عيلة مرجان، مرزوق رأفت مرجان واخواته."
هز رأسه بالإيجاب وقال:
"ومين في مصر ميعرفهمش، مالهم؟"
عقد ذراعيه أمام صدره وعاد بظهره إلى الخلف ليتابع:
"أخوهم هادي اللي مات من 18 سنة، كان عنده طفل اسمه إلياس. الطفل ده يوم ما مات هادي هرب ومحدش عرف عنه حاجة من ساعتها. تلف الأيام ويبقى إلياس صاحب ياسر هو هو إلياس هادي رأفت مرجان."
رفع أحد حاجبيه بتعجب مما يسمعه وردد بتساؤل:
"اللي هو إزاي يعني؟ وعيلته فين من الكلام ده وهو أصلاً عمل بطاقة إزاي من غير ما عيلته توصل لحاجة عنه؟"
حل عقدة ذراعيه ومال إلى الأمام قائلًا بجدية:
"هو ده بقى اللي محيرني وخلاني آجي أكلمك. إلياس ده لغز كبير ولازم أفهمه وأنت لازم تساعدني."
***
"هو فعلًا مكانش ليه وجود لغاية اللحظة دي. هروبه واختفائه السنين دي خلانا نقول إنه خلاص معدش ليه وجود ولا فيه خوف منه. سواء بقى مات أو حد خده ربّاه، المهم إنه بعيد. وفي نفس الوقت طفل، لو الشرطة لقيته كلامه مش هيتخد بيه. مكنتش أتخيل إن بعد السنين دي كلها يظهر تاني، لا والصدفة المهببة إننا اللي قتلنا صاحبه. يعني بالنسبة له الانتقام هيبقى اتنين."
قالها "جمال" الذي وقع خبر وجود "إلياس" عليه كالصاعقة، بينما ضحك "سليم" الذي تقدم خطوتين وهو يقول:
"مالك مرعوب كده ليه يا بابا، ده حتة عيل لا راح ولا جيه. وبعدين مش هيفتكرك ولا هيفتكر حد من أعمامه أصلًا. وحتى لو افتكر، ديته رصاصة واحدة ونخلص منه. مش إحنا اللي نخاف من واحد زي ده، فيه حاجات تانية كتير نخاف منها بس مش إلياس. تحب أخلص عليه؟"
نظر إليه والده وقال على الفور وهو يمنعه:
"أوعى تعمل كده، متبقاش غبي يا سليم. الشرطة لسه بتدور على قاتل ياسر وإلياس أقرب حد لياسر، يعني لو قربت منه حتى لو من بعيد يبقى وقعت في صنارة الشرطة."
جلس مكانه مرة ليضع قدمًا فوق الأخرى قبل أن يقول بهدوء:
"طيب هتتصرف إزاي أو هتعمل إيه؟"
عاد هو الآخر ليجلس على مقعده ثم نظر إلى ابنه ليقول بجدية:
"سيب الموضوع ده دلوقتي لغاية ما أفكر فيه وأدرسه كويس الأول. هشوف هبلغ مرزوق وبكار ولا هعمل إيه."
***
انتهى من عمله هو وصديقه وسارا معًا حتى المنزل، وسط بعض همسات أهل الحارة ونظراتهم، مما جعل "إلياس" يتوقف ليقول بغضب:
"فيه إيه يا مراد، الناس دي من ساعة ما نزلنا من الصبح وهم بيتكلموا ويتهسهسوا ويشاوروا عليا! فيه إيه فهمني."
كان يعلم السبب، لكنه توقف ورفع كتفيه ليقول بهدوء:
"معرفش يا إلياس، أكيد يعني صدفة ومحدش بيشاور عليك ولا حاجة."
وضع كلتا يديه في سترته وردد بنبرة تحمل التهديد:
"لأ فيه يا مراد وأنت شكلك عارف. هتقول ولا أروح أقلبها خناقة وأخلي كل واحد يخليه في حاله؟"
لم يجد مفرًا، فهو يعرف صديقه جيدًا، لا يملك نفسه عند الغضب وسيفعل ما يندم عليه مستقبلًا، لذلك تحدث أخيرًا بنبرة هادئة:
"هقولك يا إلياس. الحارة بقالها يومين ملهاش سيرة غير إن إلياس وبنت خالته قاعدين مع بعض في..."
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع:
"قصدي يعني إنكم عايشين في شقة واحدة ومع بعض وهي كبرت. يعني قعدتكم مع بعض مش حلال يعني."
احمر وجهه من الغضب، لكنه تمالك نفسه قليلًا ليقول بتساؤل:
"وأنت شايف إيه يا مراد؟"
ابتسم صديقه ليهدّئ من غضبه قائلًا:
"أنا شايف اللي أنت شايفه يا صاحبي، بس لو هنتكلم من ناحية الدين فهو مينفعش. على الأقل تكتب كتابك عليها علشان متغضبش ربنا وفي نفس الوقت تخرس أتخن تخين هنا في الحارة."
مرر أصابع يده بين خصلات شعره وردد بتساؤل:
"هعمل ده يا مراد، بس مستنيها تخلص ثانوية علشان مش عايز أشغلها. وبعدين إيلين بنتي قبل ما تكون حبيبتي، أنا اللي مربيها يعني مش هرضى لها أي حاجة وحشة."
في تلك اللحظة، نظرت إليه امرأة كبيرة في السن وهي تسير، فنظر إليها "إلياس" بتحدي قائلًا:
"فيه إيه يا حاجة؟ خدتيلي الصورة ولا لسه؟"
هنا مسك "مراد" معصمه وجذبه بعيدًا وهو يقول:
"اهدأ يا إلياس، متبقاش عصبي، متاخدش كل حاجة قفش كده. وبعدين سيب اللي يبص يبص واللي يتكلم يتكلم طالما أنت شايف نفسك صح."
زفر بقوة ليخرج الغضب الذي بداخله ونظر إلى نقطة بالفراغ وهو يقول:
"كله كوم واللي قتل ياسر كوم تاني. تقريبًا لما وقفوا مع بعضهم نقوا المكان اللي مفهوش كاميرا علشان معرفش أوصل للي عمل كده. حتى العربية اللي خرجت مكانش فيها نمر. هتجنن، مش عارف أعمل إيه."
لوى ثغره باستياء وزفر بقوة قبل أن يقول:
"إحنا لو نعرف نوصل لرقم اللي كلمه ده بس أكيد رمى الرقم."
هنا اعتدل "إلياس" ولمعت عيناه ليقول بسعادة:
"يابن اللعيبة، إزاي غابت عن بالي دي."
ضاق ما بين حاجبيه ليقول بتساؤل:
"إيه؟ هتدور على الرقم؟"
حرك رأسه بمعنى لا وأجاب عليه بحماس:
"موبايل ياسر، أقدر أعمل عليه access من اللاب بتاعي ومش بس كده، ده أنا أقدر أسمع أي حاجة حصلت في المكان اللي الموبايل كان موجود فيه. بس ده مرتبط بحاجة واحدة بس وهي إن لازم ياسر قبلها يكون مفعل الـ access ده من الموبايل بتاعه قبلها. ده سيناريو بينا، لو حد حس إن فيه حاجة مش مظبوطة يشغل الـ access بتاع موبايله والتاني يقدر يسجل ويسمع أي حاجة فيها الموبايل. يارب يكون فعله قبل الحادثة علشان لو فعله فعلًا يبقى هو كان حاسس بحاجة وساعتها هنقدر نسمع كل حاجة. أنا هطلع أشوف اللاب بتاعي، يارب أوصل لحاجة."
***
"البرنامج بتاعنا بقى جاهز، بس لازم نعمل تشيك عليه الفترة الجاية الأول."
قالتها "ميرا" لصديقتها "سما" التي كانت تضغط على أزرار الحاسوب باستمرار. وما إن انتهت حتى أردفت:
"عندك حق يا ميرا، الفترة الجاية لازم نركز شغلنا على إننا نجربه علشان نبقى متأكدين إنه خلص مية في المية."
أغلقت شاشة الحاسوب الخاص بها وضيقت ما بين حاجبيها وهي تقول متسائلة:
"مالك يا سما، حساكي متغيرة أو متضايقة؟"
أغلقت شاشة الحاسوب الخاص بها هي الأخرى ونظرت إلى نقطة بالفراغ وهي تقول:
"مش عارفة يا ميرا، كذا حاجة منها البيت اللي يعتبر عايشة فيه لوحدي ده، ده غير الخوف والقلق من المستقبل، حاسة إني مخنوقة جدًا."
ابتسمت ووضعت يدها على يدها لتقول بحماس:
"طيب واللي يخرجك من المود ده؟"
نظرت إليها بعد أن رفعت أحد حاجبيها:
"إزاي بقى؟"
***
عاد إلى المنزل ووضع المفتاح بالباب ثم أداره ودلف ليقول بصوت مرتفع:
"إيلي!"
جاءت على الفور من المطبخ بعد أن استمعت إلى صوته ورددت بابتسامة:
"أنت جيت من الشغل يا إلياس؟"
حرك رأسه بالنفي وأجاب على سؤالها:
"لأ، صاحب الشغل خرجنا نشم هوا. إيه الأسئلة دي؟ أيوة جيت والصراحة عايزك هاخد رأيك في حاجة."
رفعت أحد حاجبيها ورددت بتساؤل:
"حاجة إيه؟"
اتجه ليجلس على أحد المقاعد الموجودة ثم أشار إليها بالجلوس قائلًا:
"اقعدي وأنا هفهمك."
نفذت ما طلبه منها وسيطرت علامات القلق على وجهها لـ جديته في الحديث. في تلك اللحظة بدأ هو بالحديث:
"بصي يا إيلي، أنا اللي مربياكي من وإنتي في اللفة وأنتي مش بس حبيبتي، لا أنتي بنتي كمان. بس وضعنا ده مش كويس، أنا وإنتي قاعدين لوحدنا في الشقة وده حرام ميرضيش ربنا لأن ده خلوة. أينعم أنا واثق في نفسي وعمري أبدًا ما أضرك، بس مينفعش بردو. أنا فكرت في الموضوع ده كتير بس كل مرة أقول لأ، لسه صغيرة مجاش الوقت، لكن دلوقتي جه الوقت. أنا كنت بخطط للي هعمله ده بعد ما تخلصي ثانوية، بس هعمله دلوقتي علشان ربنا يرضى عنا. أنا بكرة هكتب كتابي عليكي يا إيلي."
اتسعت حدقتاها بصدمة ونهضت من مكانها وهي تقول بسعادة:
"أنت بتهزر ولا بتهزر يا ليسو؟"
ابتسم وردد باعتراض:
"ما قولنا بلاش ليسو دي. وبعدين هو إيه الفرق يا ذكية؟ التهريج هو الهزار."
هزت رأسها بعشوائية وتقدمت وهي تقول:
"لأ لأ، أنا مصدومة دلوقتي هتلاقيني بقول كلام ملهوش معنى. بس قولي هنعزم مين!"
وقف هو الآخر ولوى ثغره قائلًا:
"مش هنعزم حد يا إيلين، ده مجرد كتب كتاب علشان يبقى وجودنا مع بعض ميغضبش ربنا مننا وكمان علشان محدش يتكلم عليكي نص كلمة في الحارة. ده غير ياسر لسه معداش على موته غير أسبوع. الفرح والجواز اللي بجد بعد ما تخلصي ثانوية وتفرحيني تمام."
هزت رأسها بالإيجاب ورددت بحب:
"تمام يا كل اللي ليا في حياتي."
***
تحرك في مكتبه ذهابًا وإيابًا وظل يفرك كفيه بغضب شديد. لم يفهم مصدر غضبه، لكن ما شاهده اليوم بالطبع أغضبه كثيرًا. منع نفسه من الذهاب إلى مكتبها طوال اليوم، لكنه لم يتحمل أكثر من ذلك وانطلق إلى مكتبها على الفور.
وصل بالفعل إلى مكتبها وطرق الباب لترد هي من الداخل:
"اتفضل."
فتح الباب بقوة، وهذا ما لاحظته هي، لكنها أخفت ذلك ورددت بابتسامة:
"اتفضل يا مستر كر."
ضم شفتيه إلى بعضهما بغضب شديد قبل أن يجلس ليقول باعتراض:
"دورا، ممكن بلاش مستر دي؟ متعصبنيش أكتر ما أنا متعصب بالله عليك."
شعرت بالإحراج من طلبه، لذلك نظرت إلى الأسفل وهتفت بتساؤل:
"أقول إيه طيب؟"
لوّح بيده في الهواء وأردف بنبرة مضطربة:
"متقوليش خالص، ارفعي الألقاب بينا، مش معقولة كل ده ومش فاهمة يا دورا. وبعدين مش ده اللي جايلك علشانه أصلًا."
زاد إحراجها أكثر وزاغت عينيها وهي تقول بتساؤل:
"أومال جاي ليه؟"
حاول منع نفسه من سؤالها، لكنه لم يتمالك نفسه وأردف متسائلًا:
"إيه الضحك اللي كنتي بتضحكيه مع علي الصبح ده؟ ما شاء الله، الضحكة كانت من الودن للودن."
احمرّت وجنتاها وعجز لسانها عن الكلام، فرفع هو صوته مرة أخرى:
"ما تنطقي يا دورا، أنا مش بكلم نفسي."
هزت رأسها ورفعت كتفيها لتقول بإحراج:
"مكانش قصدي، بس سألني على هدية لمراته في عيد جوازهم، ولما قولتله هاتلها دبدوب، قالي إنه آخر مرة جابلها دبدوب حطته في صينية البطاطس مكان الفرخة وكانت هتولع في الشقة، وده اللي ضحكني."
تبدلت تعابير وجهه وابتسم قبل أن يميل بجسده إلى الأمام وهو يقول متسائلًا:
"إيه ده، هو علي متجوز؟"
هزت رأسها بالإيجاب وأردفت:
"آه."
شعر بالسعادة بداخله لأنه اعتقد أن بينه وبينها شيء، والآن فهم سبب ضحكها، مما جعله يقول بابتسامة واسعة:
"طيب كويس والله إنه متجوز. طيب وأنتي مش نفسك تبقي دبدوب، قصدي تحطي البطاطس مكان الدبدوب؟ يووه، بقولك إيه، أنا ماشي."
ارتفع صوت ضحكها على ما قاله، وقبل أن يرحل نطقت اسمه أخيرًا:
"استنى يا كرم."
توقف على الفور والتفت ليقول بسعادة:
"أنتي قولتي إيه؟ نطقتيها أخيرًا."
***
استمع إلى طرقات على باب منزله فاتجه صوبَه وفتحه بهدوء ليجد شابًا لا يعرفه، فهز رأسه وقال بتساؤل:
"أنت مين؟"
ابتسم هذا الشاب وردد بهدوء:
"أنا جايلك من طرف ياسر."
اتسعت حدقتاه وأردف على الفور:
"ادخل، ادخل."
بالفعل أدخله إلى الغرفة الخاصة بالضيوف، وما إن أغلق الباب حتى قال بتساؤل:
"مين اللي قتل ياسر؟"
حرك رأسه بمعنى "لا أعرف" وأردف بأسف:
"صدقني معرفش، بس هجاوبك على أسئلة تانية. ياسر عمره ما اشتغل الشغلانة دي ولا عمره اشتغل حاجة حرام. ياسر كان بيعمل ده والفلوس اللي بتطلع كان بيوزعهم على الناس اللي محتاجة بجد عن طريقي أنا. عمره ما خد قرش من الفلوس دي ومش أي بنك كان بيخترقه. كان بيدور على حسابات الناس الفاسدة واللي فلوسها من المخدرات وأي حاجة غير مشروعة ويعمل معاهم كده. ياسر قبل ما يموت جاله اتنين باين عليهم كبار وطلبوا منه يخترق بنك ويحول الفلوس على حسابهم، وهو وافق علشان يبلغ عنهم وطلب ده مني. راحلهم إسكندرية وقبل ما يوصل اتصل بيا قالي ابلغ الشرطة حالا وإنه هيحول الفلوس على حسابي زي العادة ولو حصل حاجة أوصلها ليك لأنه شاكك فيهم وحاسس بغدر من ناحيتهم وقالي أقولك إنه فعل الـ access من قبل حتى ما يقابلهم أول مرة. ده اللي حصل فعلًا وللأسف غدروا بيه وحصل اللي هو كان حاسس بيه. الله يرحمه."
ضغط على أسنانه بغضب وهتف متسائلًا:
"ولما أنت بلغت الشرطة المفروض كانوا يعرفوا إن ياسر بريء وعمل ده علشان يوقعهم بسهولة؟"
هز رأسه بالإيجاب وقال:
"فعلًا ده كان هيحصل، بس لو الشرطة كانت وصلت وهم موجودين ساعتها كنت هقول أنا اللي بلغت وكل حاجة هتوضح. لكن اللي حصل إنهم قتلوه وهربوا، ولما الشرطة وصلت لقت الجهاز اللي تم الاختراق منه وجثة ياسر، يعني محصلش اللي خططنا له."
عبثت ملامحه وتبدلت تعابير وجهه إلى الغضب ليقول بعدم رضا:
"ياسر ده غبي، غبي، غبي. علشان يعمل خير يقوم يعرض نفسه للخطر ويتقتل!"
نهض هذا الشاب وأردف بهدوء:
"ده قدره. هو ساب ليك جواب معايا وقالي أدهولك في الوقت المناسب وده الوقت المناسب. اعتقد فيه إجابات دقيقة أكتر. لو عاوزتني في أي وقت هتلاقيني في الروم السرية اللي بينك وبين ياسر واسمي أشرف. أما عن الفلوس فجزء منها في شقة ياسر وده المفتاح بتاعه."
رحل هذا الشاب وأغلق "إلياس" الباب ليسند بظهره عليه وعلامات الشرود والصدمة تُسيطر على وجهه. حضرت "إيلين" من الداخل ورددت بتساؤل:
"مين الراجل ده وعايز إيه؟"
وقبل أن يُجيبها استمع لطرقات أخرى على باب المنزل، فأشار لها بالدخول، وما إن دلفت إلى غرفتها حتى فتح هو الباب ليُصدم بمن وجده. رفع حاجبيه ليقول بتعجب وحيرة:
"عمر باشا؟!"
رواية شمس الياس الفصل التاسع 9 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
حل هذا الشاب وأغلق «إلياس» الباب ليسند بظهره عليه وعلامات الشرود والصدمة تُسيطر على وجهه.
حضرت «إيلين» من الداخل ورددت بتساؤل:
- مين الراجل ده وعايز ايه؟
وقبل أن يُجيبها استمع لطرقات أخرى على باب المنزل فأشار لها بالدخول وما إن دلفت إلى غرفتها حتى فتح هو الباب ليُصدم بمن وجده.
رفع حاجبيه ليقول بتعجب وحيرة:
- عمر باشا؟!
ابتسم «عمر» وردد بهدوء:
- ممكن اخش؟
هز رأسه بالإيجاب وأشار إليه بالدخول قائلًا:
- اتفضل
بالفعل دلف إلى الداخل وجلس على أحد المقاعد قبل أن يرفع رأسه قائلًا:
- آسف إني جيتلك من غير ميعاد بس أنا فضولي وحش أوي وممكن يخليني اسافر علشان أفهم
ابتسم «إلياس» هو الآخر وجلس مقابلًا له قبل أن يقول بهدوء:
- ايه اللي محتاج تفهمه وخلاك تسافر من الإسكندرية للقاهرة؟
رفع يده وأشار عليه بإصبعه ليقول بجدية:
- أنت يا إلياس، أفهمك أنت، ممكن تقولي ابن هادي رأفت مرجان اللي هرب اسمه ايه!
هنا اتسعت ابتسامة «إلياس» وقد فهم القصد من سؤاله هذا، لم يتأثر بل رفع كتفيه وأجاب ببساطة:
- كان اسمه إلياس
- ممكن اشوف بطاقتك يا إلياس؟
كان هذا الطلب مفاجئًا من «عمر» لـ «إلياس» الذي ضيق ما بين حاجبيه ليقول بحيرة:
- هتفرق يعني؟ هو أنا مش مستاهلة اوريك البطاقة، أنا ابن هادي رأفت مرجان، ده اللي كنت عايز تسمعه
صحا «عمر» وحرك رأسه بمعنى "لا" ليوضح مقصده:
- لا يا إلياس مش ده اللي عايز اسمعه منك، أنا جايلك أصلا وأنا متأكد إنك ابنه، بص يا إلياس مش عايزك تعتبرني ظابط شرطة وفي نفس الوقت مش عايزك تخاف أو تقلق مني، أبوك الله يرحمه ربنا بعته لينا في وقت كنا حرفيا مش معانا فلوس ناكل، كنا ممكن نفطر في يوم ونفضل على الأكل ده يومين وتلاتة بعد عجز والدي الله يرحمه، اللي والدك عمله معانا عمري ما هنساه، مش بس ساعدنا بالفلوس لا ده كان بيعتبرني ابنه وكان بيدفعلي مصاريف المدرسة والدروس وكان بيجيب ليا الكتب، عمري ما هنسى لما ضم وشي بين ايديه وقالي اعتبرني والدك التاني وأي حاجة تحتاجها قولي عليها، أنا فعلا لغاية دلوقتي بعتبره والدي التاني يا إلياس علشان كدا عايزك تعتبرني أخ ربنا بعتهولك يقف جنبك ويكون في ضهرك ده أولا ويشيل همك وسرك ده ثانيا
شعر بالحزن كثيرا على والده ونظر إلى الأسفل قبل أن يقول بنبرة شبه مسموعة:
- كنت قاعد في يوم بتفرج على التلفزيون، طفل بيتفرج على كارتون ومبسوط لغاية ما لقيت بابا جايلي وقعد جنبي وبعدين لفني وخلاني أواجهه، عمري ما هنسى اللحظة دي، بصيت في وشه لقيته كله حزن ودموع فسألته بنبرة طفولية مالك يا بابا أنت بتعيط؟ لقيته ضم وشي بين ايديه وقالي ماما مشيت وسابتنا، فضلت لحظات بحاول استوعب هو قصده ايه، أنا كنت عارف إن ماما في المستشفى بسبب إن عندها كانسر، في اللحظة دي فكرت ماما إزاي سابتنا وهي تعبانة لغاية ما سمعتها من بابا، قالي ماما سابتنا وراحت عند ربنا، ماما ماتت
انهمرت دموع «إلياس» وتابع:
- مصدقتش ودني ساعتها وبصيتله وأنا عيني كلها دموع وقولتله وديني عند ماما، أنا عايز أشوفها يا بابا، لقيته حضني وقالي أنا جنبك يا إلياس، مش هسيبك أبدا وهفضل جنبك، هعوضك عن كل حاجة، على أد زعلي وحزني على أمي في الوقت ده على أد ما كنت معتبر والدي كل حاجة ليا في اللحظة دي، هو اللي معايا وهو اللي هرمي حمولي عليه يمكن يعوضني عن غياب أمي لكن عدى اسبوع واحد بس، اسبوع واحد بس وكنت خسرته هو كمان، بس ساعتها شوفت مين عمل فيه كدا، على قد ما كنت مش عايز اسيبه لكنه وهو بيطلع في الروح طلب مني اهرب وفعلا هربت، هربت علشان اجي هنا واربي رغبة الانتقام جوايا يوم بعد يوم
اقترب «عمر» وربت على فخذه بهدوء ليخفف عنه قليلًا قبل أن يقول متسائلًا:
- رغبة الانتقام من مين يا إلياس وليه هرب أصلا
مسح دموعه التي لمعت في عينيه وقال بهدوء:
- ده السر اللي شيلته معايا السنين دي كلها يا عمر، سيبه معايا لغاية ما يجي الوقت المناسب
رفض «عمر» ما قاله وأردف بجدية:
- أنا قولتلك ايه يا إلياس، مش قولتلك اعتبرني أخوك وارمي حملك عليا علشان اقدر اساعدك؟ فهمني اللغز ده، ليه هربت واختفيت، قصدك ايه باللي إنك شوفت اللي عملوا فيه كدا؟! والدك مات مقتول؟
شعر بجسده يرتعد لاسترجاعه تلك الذكرى وقال بنبرة متقطعة:
- أيوه مات مقتول
اتسعت حدقتاه بصدمة مما يسمعه وهتف بجدية:
- مين اللي قتله يا إلياس وإزاي، اللي أعرفه إن هادي رأفت مرجان مات موتة ربنا
حرك رأسه بمعنى "لا" وابتلع غصة مريرة في حلقه قبل أن يقول:
- مات مسموم، أعمامي اللي قتلوه
وقف على الفور ليقول بصدمة مما يسمعه:
- ايه؟ مرزوق وبكار وجمال؟
حرك رأسه بالإيجاب وزفر بقوة ليقول بنبرة تحمل التهديد:
- اقسم بالله لأخلي حياتهم جحيم، هانت
دلف إلى منزله وعلى وجهه ابتسامة هادئة، كان شاردًا وتحرك ببطئ وعلى الجهة الأخرى كانت «سما» تشاهد تحركه هكذا بتعجب وتابعته حتى ألقى بنفسه على مقعد قطني.
رفعت حاجبيها بدهشة لتقول بصوت غير مسموع:
- اقطع كم التيشيرت ده إن ما كان الموضوع فيه بنت
نهضت من مكانها وأسرعت إليه لتقول بنبرة ذات معنى:
- الله الله واضح إنك في عالم تاني
انتبه لوجودها قبل أن يقول بعدم رضا:
- ايه ياستي التسلط ده، هو الواحد ميعرفش يسرح في بيته أبدا
ضحكت وجلست أمامه لتقول متسائلة:
- مين القطة اللي نونوت لأخويا
رفع أحد حاجبيه ليقول بعدم فهم:
- مش فاهم، قطة ايه
ابتسمت بخبث قائلة:
- أقصد القطة اللي خطفت قلبك ومخلياك ماشي على الأرض كأنك فراشة وطاير كدا
عقد ما بين حاجبيه وأردف متسائلًا بحيرة:
- ايه ده هو باين عليا ولا ايه؟
رسمت ابتسامة واسعة وهزت رأسها بالإيجاب لتقول بنصف عين:
- باين عليك على الآخر، دا أنت فيه قلوب عمالة تطلع منك يا جدع، قولي بقى مين القطة
اعتدل في جلسته ونظر إليها قائلًا:
- هقولك بس اوعي حد يعرف الموضوع ده لغاية ما أشوف هعمل ايه
اعتدلت هي الأخرى وقالت باهتمام شديد:
- متخافش يا باشا سرك في أمان، ها مين بقى تعيسة الحظ
- تعيسة؟! ماشي هعديهالك يا بنت بكار، البنت دي تبقى أول حرف من اسمها د
رفعت أحد حاجبيها وخمنت:
- داليا؟!
حرك رأسه بمعنى لا وأردف:
- تؤ
خمنت مرة أخرى:
- دينا؟
- تؤ
- دنيا طيب؟!
ضحك وحرك رأسه بمعنى لا ليقول على الفور:
- بصي هسهلها عليكي، هي بتمشي ومعاها قرد صغير وطول الوقت تقول أين الأشياء أنا لا أراها
اتسعت حدقتاها وفغرت فاها لتقول بصدمة:
- دورا؟
حرك رأسه بالإيجاب وردد بابتسامة:
- أيوة دورا، بقالي فترة معجب بيها ومهتم والنهاردة لمحت ليها واتكلمت معاها وكدا
ابتسمت بسعادة لتقول بحماس:
- بجد؟ ياااه ده أنا قولت إنك مش ناوي تحب دلوقتي خالص، فاجئتني يا باشا
فرح لسعادتها وأردف:
- بجد فرحانة؟ ده أنا قولت هتعترضي علشان دورا بقى والحوارات دي
حركت رأسها بمعنى لا وأوضحت له قائلة:
- لا طبعا المهمة دي على بابا وماما لكن بالنسبة ليا مش بيفرق معايا الكلام ده خالص، ده غير إني بحب دورا جدا، أنا عن نفسي فرحانة جدا بس هفرح اكتر لو بابا وماما عدوا الموضوع ده على خير
في تلك اللحظة عبثت ملامح وجهه وزفر قائلًا:
- أهو ده بقى اللي خايف منه، بصي مش عايزين نسبق الأحداث، وقتها نبقى نشوف ايه اللي هيحصل وبعدين عايزين نضرب عصفورين بحجر واحد ونجوزك أنتي كمان يا قمر
لوت ثغرها لتقول باعتراض:
- لا أنا مش عايزة اتجوز دلوقتي خالص، عايزة احقق حلمي الأول وبعدين بعدها ابقى أفكر، صحيح أنا طالعة رحلة بكر
رفع أحد حاجبيه وأردف متسائلًا:
- اشمعنا يعني
رفعت كتفيها لتجيبه بهدوء:
- حاسة بخنقة وعايزة اغير جو وميرا قالتلي على الرحلة دي واتفقنا نطلعها مع بعض، ما تيجي معانا
ترك غرفته وتوجه إلى والدته ليجلس بجوارها وهو يقول بابتسامة:
- أيوة يا حبيبتي عايزاني في حاجة؟
هزت رأسها بالإيجاب ونظرت إليه لتقول بجدية:
- أيوة فيه، بص يا مراد أنا كبرت ومضمنش عمري
قاطعها على الفور وردد بهدوء:
- بعد الشر عنك يا ست الكل بتقولي كدا ليه ده أنتي لسة شباب
ابتسمت وربتت على يده قائلة بحب:
- يا حبيبي سيبني اكمل كلامي، أنا عايزة أفرح بيك، مش آن الأوان بردو ولا ايه
ابتسم ورفع أحد حاجبيه ليقول مازحًا:
- شكلك كدا جايبالي عروسة، اعترفي اعترفي
ضحكت على طريقته وهتفت بابتسامة:
- الصراحة كدا آه، ايه رأيك في أماني بنت خالتك نعمة
اتسعت حدقتاه بصدمة ورفض ما تقوله رفضًا تامًا:
- أماني ايه يا ماما قصدك تفرحي فيا مش بيا بقى، أماني دي لو عليها مليون جنيه هدية مش هتجوزها برده، ده غير إن عينها أصلا من إلياس، بذمتك أهون عليكي ترميني لواحدة زي أماني؟! ده أنا طايقها بالعافية علشان خالتو، بالله عليكي يا ماما اقفلي كلام في الموضوع ده
ضيقت ما بين حاجبيها ورددت بحزن:
- ليه بس يا مراد، أماني نعرفها واللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش
ابتسم وقال مازحًا:
- يا حبيبتي ما دي المشكلة إننا نعرفها، لو كانت تدبيسة كنت هلبس فيها وأعيش حياتي في جحيم، الحمدلله إني أعرفها كويس، سيبك من الكلام ده بالله عليكي وقولي عاملة أكل ايه أحسن هفتان وجعان ونفسي أنام
- بجد اللي قولته ده يصدم، مكنتش اتخيل إن ده كله يحصل، معقولة بعد السنين دي كلها الحقيقة تظهر؟!
قالها «عمر» بعد أن سمع إلى الحقيقة كاملة من «إلياس» فكان رد الآخر:
- لسة مظهرتش يا عمر ومش هتظهر لغاية ما أنا ابدأ اخد حقي
هنا وضع يده على فخذه وردد بجدية:
- أنا قولتلك يا إلياس إني من اللحظة دي أخوك، تارك هو تاري، الناس دي مش لازم تعيش في سلام أبدا بس حقنا ناخده بدون ما نخرج عن القانون يا إلياس
ابتسم «إلياس» وعقد ذراعيه أمام صدره ليقول بهدوء:
- متقلقش الخطة اللي في دماغي هتخليني انتقم وفي نفس الوقت بالقانون، لو أنت بجد بتعتبرني أخ ليك يبقى تخلي الكلام ده بينا سر ووقت ما ابدأ التنفيذ هبلغك علشان تساعدني
حرك رأسه بالإيجاب وقال بجدية واضحة:
- تمام يا إلياس اللي تشوفه، أنا بردو لغاية ما تاخد القرار هحط عيني عليهم وهحطهم تحت المراقبة ٢٤ ساعة
نهض استعدادا للرحيل لكن «إلياس» أوقفه قائلًا:
- رايح فين، مش هتمشي غير لما نتغدى مع بعض
ابتسم وربت على كتفه ليقول بهدوء:
- معلش يادوب ألحق اسافر علشان اشوف هعمل ايه، تتعوض مرة تانية إن شاء الله
حرك رأسه بالإيجاب وردد بابتسامة:
- إن شاء الله
رحل «عمر» وخرجت «إيلين» من غرفتها لتقول بعدم رضا:
- وبعدين في الرغي ده كله، بقى أنا مخلصة الأكل من بدري وجعانة ومستنياك تيجي ولما تيجي تقضيها مع ضيوفك كدا؟! وبعدين مين ده؟
تحرك صوب المطبخ وردد بنبرة هادئة:
- حد معرفة كان بيكلمني في موضوع، أنا هجيب الأكل أهو ولا تزعلي نفسك
في صباح اليوم التالي خرجت من غرفتها وهي تحمل حقيبة ظهر ممتلئة فظهر هو أمامها وردد بعدم رضا:
- ايه يابنتي دي كلها ساندوتشات؟ وبعدين أنا وافقت اطلع معاكي الرحلة بس علشان زهقت من جو الشغل والشركة تقومي مشيلاني الساندوتشات
ضحكت ووضعت الحقيبة بيده قبل أن تقول بجدية:
- أنت عارفني مش بحب أي اكل من برا، امسك امسك ده لسة فيه شنط العصير والتساليع
عبثت ملامح وجهه ليقول بعدم رضا:
- يا حبيبي إحنا رايحين رحلة صد رد مش هنبات هناك يعني مش مستاهلة ده كله
تركته وذهبت من أمامه وهي تقول باعتراض:
- ششش مش هنبتديها اعتراض من الصبح، شيل وأنت ساكت يا كرم
- اشيل وأنا ساكت؟ طيب يا سما ماشو
أثناء تحركه وجد والدته التي نزلت الدرج وهي تقول بحيرة:
- ايه ده فيه ايه، ايه الدوشة دي وبعدين لابس أنت وأختك رايحين فين بدري كدا
ترك الحقيبة من يده وجلس على المقعد ليقول بابتسامة:
- طالع أنا وهي رحلة للقاهرة، أهو أغير جو شوية بدل ما أنا مقضيها شغل شغل
نزلت «ابتسام» الدرج وجلست بجوار ولدها قبل أن تقول باهتمام:
- طيب ما تتصل بمريم بنت عمك وخدها معاك الرحلة أهو تقرب منها اكتر
رفع حاجبيه وهو ينظر إليها بعدم رضا ثم نهض على الفور وهو يقول بتهرب:
- يعني أقولك مبسوط وطالع رحلة تقومي منكدة عليا يا ماما، بقولك ايه أنا عايز اتبسط وأغير جو طلعيني من دماغك يا بسبس النهاردة
فردت ذراعها في الهواء ورددت بجدية:
- اسمع
مثل أنه لا يسمعها وتحرك من أمامها وهو يقول:
- سما فين العصير هنتأخر يا بنتي
فتح عينيه على صوت قوي بالخارج فمسح وجهه بكفيه قبل أن يقول بنبرة غير مسموعة:
- ايه الصوت ده فيه ايه!
نهض من مكانه وسار إلى الخارج ليجد المنزل وكأنه تعرض لزلزال، كان كل شيء في مكان مختلف والأرض غارقة بالمياة بعد أن نُزع من فوقها السجاد كما وجد صوت غسالة ملابس قوي للغاية فرفع أحد حاجبيه ليقول بحيرة:
- هو ايه اللي بيحصل
كانت «إيلين» تحمل بعض الملابس واتجهت إلى الغسالة لكنها وجدت «إلياس» وعلى وجهه علامات الدهشة فتركت الملابس وقالت بابتسامة:
- صباح الخير يا ليسو
- ليسو؟ ايه يا بنتي اللي حصل في الشقة ده؟
ضحكت واتجهت نحوه وهي تقول بحماس:
- صحيت بدري ومجاليش نوم قولت أقوم اقلب الشقة واعمل حركة نضافة
تركها وجلس على المقعد القطني المجود خلفه قبل أن يقول:
- بدل ما تذاكري، وبعدين حركة نضافة ايه بس؟! كتب الكتاب بعد الضهر سعادتك يعني بعد ساعتين بالظبط
رفعت حاجبيها وقالت بابتسامة بعد أن اقتربت منه:
- متقلقش ساعة واحدة بالظبط وهتكون الشقة بتبرق وهكون نشرت الغسيل وبعدين اخش أخد دش واجهز
رفع يده ليمرر أصابع يده بين خصلات شعره وأردف:
- كل ده هتخلصيه في ساعة؟ هتهكري الوقت ولا ايه يا إيلي
- اتريق اتريق، بعد إذنك سيبني بقى متعطلنيش خليني أخلص
نهض من مكانه بعد أن ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، التفت متجهًا إلى غرفته لكنه توقف والتفت إليها مرة أخرى ليقول:
- صحيح ايه صوت الغسالة ده؟ أومال فين الغسالة بتاعتنا
زاغت عينيها في المكان قبل أن تقول بأسف:
- اااا... تقريبا كدا باظت
- تقريبا؟
حركت رأسها بالإيجاب ورسمت ابتسامة واسعة لتقول:
- أيوه تقريبا، مش راضية تشتغل وكلمت طنط كريمة قالت إن عندها غسالة قديمة غير بتاعتها وجابتها ليا وصوتها زي ما أنت سامع كدا يشرح القلب
ضحك على ما قالته وردد مازحًا:
- صوتها يصحي الميتين من قبورهم مش النايمين بس
حمل «كرم» حقائب العصائر والمشروبات بيديه وعلى ظهره كان يرتدي الحقيبة التي كان بها الطعام وصعد إلى الحافلة الخاصة بالرحلات وما إن صعدها حتى فتح عينيه بصدمة مما شاهده.
رواية شمس الياس الفصل العاشر 10 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
صعد «كرم» حقائب العصائر والمشروبات بيديه وعلى ظهره كان يرتدي الحقيبة التي بها الطعام. صعد إلى الحافلة الخاصة بالرحلات وما إن صعدها حتى فتح عينيه بصدمة مما شاهده.
كانت «دورا» تجلس وتتصفح هاتفها، لكنها لاحظت من يقف أمامها وينظر إليها بشرود. رفعت رأسها لترى من لتفتح عينيها هي الأخرى بصدمة مما شاهدته. لم تتوقع أن تراه هنا الآن. ظلت تحدق به وهو يحدق بها لوقت طويل حتى جاء صوت «سما» من الخلف قائلة:
- ما توسع يا كرم أنت سادد الطريق يا أخي، واقف بتعمل إيه؟
التفت لها وترك ما بيده على أحد المقاعد. ثم سحبها من معصمها إلى خارج الحافلة قبل أن يقول بتساؤل:
- إيه اللي جاب دورا؟
ابتسمت وعقدت ذراعيها أمام صدرها لتقول بحاجب مرتفع:
- أنا اللي خليتها تيجي وأقنعت بابا إني عايزاها معايا علشان تخرج من جو تعب مامتها.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه ليقول بحب:
- بعشق أمك يا سما، وربنا جميلك ده مش هنساه ليكي خالص.
ثم قبلها من رأسها وركض إلى داخل الحافلة، بينما ضحكت هي على حالته ورددت بابتسامة:
- يلا، قليل اللي بيوفق راسين في الحلال اليومين دول، صدقة على صحتنا.
***
دَلفت إلى الغرفة «تهاني» الطفلة الصغيرة واقتربت من فراش «مراد» الذي كان غارقًا في النوم. تسلقت فراشه قبل أن تصفعه بقوة على وجهه ليقوم من نومه وقد سيطر الفزع عليه قائلًا:
- اااه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ضحكت الصغيرة لتقول بابتسامة مشرقة:
- أنا تهاني مث الثيطان.
استيقظ من نومه واعتدل قليلًا ليقول بعدم رضا وغضب:
- وأنتي تفرقي إيه عن الشياطين يا ولية أنتي، إيه الكشاف اللي ادتهولي على عيني ده؟! وبعدين فتحتي باب الأوضة إزاي يا أوزعة؟
ضحكت مرة أخرى لتجيب على سؤاله:
- أماني أختي فتحتلي الباب.
فرك فروة رأسه وأردف بنبرة تحمل الغضب والتهديد:
- ااااه، قولي بقى إنها أماني، ماشي يا أماني وربنا ما هعديهالك على خير.
وضعت يدها الصغيرة على يده لتقول بحب:
- بليز مث تعمل لـ أماني حاجة.
رفع أحد حاجبيه وأردف بسخرية:
- بليز؟! لا فوقي يا قطة أنتي مش تربية حواري أمريكا أنتي. وبعدين أنتي عارفة لو صحتيني بالطريقة دي تاني هعمل إيه؟
رفعت حاجبيها بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- هتعمل إيه بقى يا ملاد؟
أشار إلى حاملة الملابس الخاصة به وردد بنبرة تحمل التهديد:
- شايفة الشماعة اللي أنا معلق هدومي عليها دي؟! هعلقك من ودانك عليها ولا أقولك هعلقك في البلكونة مكان البصل وكل اللي معدي يحدفك بالطوب.
لوى ثغرها بحزن ورددت بنبرة طفولية:
- كدا يا ملاد؟! أهون عليك بلدو؟
لوى ثغره هو الآخر ليمثل طريقتها ومال برأسه تجاهها ليقول:
- بعد الكشاف اللي خدته على عيني ده آه تهوني عليا الصراحة.
ثم ابتسم وقد خطر في باله خطة للانتقام من ابنة خالته ليقول بخبث:
- بس عندي استعداد أسامحك بس بشرط.
- ثلط إيه؟
اتسعت ابتسامته وقال بهدوء:
- عايزك تجيبي الكبريت وتستني أما أماني تقعد وتولعي فيها، اقصد تولعي في حتة من هدومها.
رفعت حاجبيها وقالت بجدية:
- ولو ولعت فيها هتحبني ومث هتعلقني؟
هز رأسه بالإيجاب وأردف على الفور:
- هحبك؟ ده أنا هعشقك ومش بعيد اخليكي تضربيني على وشي كل يوم. يلا روحي نفذي يا بطلة، أنا عايز أماني تطلع تجري في الشقة وهي بتولع.
ضحكت الصغيرة ونزت من فراشه وهي تقول بسعادة:
- ماثي.
***
كان يجلس إلى جوارها بعد أن تحركت الحافلة ونظر إليها بابتسامة قائلًا:
- على فكرة مكنتش أعرف إنك جاية الرحلة بجد، سبحان الله صدفة غريبة.
رفعت أحد حاجبيها ونظرت إليه لتقول بنبرة ذات معنى:
- صدفة بردو! صدفة إن سما تصر اجي الرحلة معايا.
لوى ثغره لثوانٍ قبل أن يقرر مصارحتها:
- بالنسبة ليا صدفة وأحسن صدفة كمان، سما عملت ده من غير ما أعرف علشان تقربنا من بعض.
شعرت بالإحراج وسحبت حقيبة لها قبل أن تخرج صندوقًا صغيرًا للطعام (لانش بوكس) وفتحته وهي تقول:
- معايا سندوتشات كبدة وكفتة، تاكل إيه؟
اتسعت ابتسامته وردد بحب:
- بصي أنا مكنتش جعان بس لو منك فأنا خلاص نفسي اتفتحت، هاتي كبدة.
استجابت لطلبه ووضعت بيده ما طلبه لتقول بهدوء:
- بالهنا.
قضم الطعام وشعر بلذته لذلك ردد بابتسامة مشرقة:
- الكبدة طعمها تحفة.
ابتسمت بسعادة ورددت بنبرة هادئة:
- أنا اللي عاملاها بنفسي.
التفت قليلاً تجاهها ليقول بابتسامة وبنبرة ذات معنى:
- طيب ده كدا عظمة أوي.
ضيقت ما بين حاجبيها لتقول بعدم فهم:
- مش فاهمة.
اتسعت ابتسامته وردد بغموض:
- هتعرفي بعدين. قصدي المهم خلينا دلوقتي في الكبدة وحلاوتها.
***
استيقظ من نومه بعد مرور ساعة ونصف ونظر حوله ليجد الهدوء فقط. لم يسمع الجلبة التي سمعها قبل نومه مجددًا. نهض من فراشه وسار إلى الخارج ليجد المنزل عاد وكأنه جديد فابتسم وبحث بعينيه عن صغيرته لكنه لم يجدها. وقبل أن يتحرك للبحث عنها داخل المطبخ تفاجئ بباب المرحاض يُفتح وهي تخرج منه. كانت ترتدي فستانًا جديدًا قد أحضره لها من قبل، لكن تلك المرة الأولى التي ترتدي فيها هذا الفستان. ولفت رأسها وشعرها بحجاب يليق على هذا الفستان الأبيض والذي ظهرت فيه كالملاك.
تحرك تجاهها وعلى ثغره ابتسامة هادئة، ووقف أمامها لينظر إلى عينيها بحب. ظل ينظر إليها هكذا فقط وكأن لسانه عجز عن الكلام، بينما كانت هي تبادله تلك النظرات حتى نطق هو أخيرًا:
- أول مرة تلبسي حجاب قصادي.
حركت رأسها بالإيجاب وأردفت بنبرة هادئة:
- ده اللي كان المفروض يحصل من زمان. قررت ألبسه قدامك لغاية ما نكتب كتابنا النهاردة. مش هخلعه قصادك غير لما نكتب الكتاب علشان ساعتها تحس إني بقيت حلالك وملكك بجد.
اتسعت ابتسامته قليلًا ليردد بسعادة غامرة:
- أنتي ملكي من وأنتي في اللفة، ملكي من اللحظة اللي فتحتي فيها عنيكي واتسحرت بيها، ملكي من اللحظة اللي أول كلمة تنطقيها كانت ياس وهو اسمي، ملكي من اللحظة اللي ارتبط فيها مستقبلك بمستقبلي وحياتك بحياتي، أنتي ملكي كل لحظة وكل ثانية.
نظرت إلى عينيه بتأمل وكأنها سُحرت بحديثه هذا عنها ليتابع هو:
- بحب نظرة الحب اللي في عنيكي دي، نفسي دلوقتي اجيبلك واعملك أي حاجة تسعدك وعلشان كدا بعد الكتاب أنا محضرلك مفاجأة.
لمعت عينيها وأردفت باهتمام كبير:
- مفاجأة إيه؟ قول يا إلياس مش بحب التشويق.
هز رأسه بمعنى "لا" وأردف بهدوء:
- تؤ تؤ، هانت كلها ساعتين بالظبط وتعرفي. ممكن بقى تسيبيني اخد دش وألبس علشان كتب الكتاب.
***
شعر بحرجها فنهض من مكانه واتجه إلى سائق الحافلة ليقول بصوت مرتفع:
- إيه ياسطا الهدوء ده إحنا طالعين رحلة ولا طالعين عزا، وسع وسع.
وصل هاتفه بسماعات الحافلة وبدأ تشغيل الأغاني ليقوم الجميع من مكانهم ويرقصون على أنغام الموسيقى، بينما رقص هو بطريقة مضحكة وهو يتقدم تجاهها فلم تستطيع تمالك نفسها وانفجرت في الضحك. وصل هو إلى المقعد وردد بسعادة:
- على فكرة ضحكتك جميلة أوي.
شعرت بالإحراج ونظرت إلى الأسفل بعد أن احمرت وجنتاها فرفع هو كفيه أمامها وقال برجاء:
- يلاهوي هو أنا بقول كدا علشان تتكسفي وتبصي في الأرض، أنا آسف خلاص.
***
كانت «أماني» تتحدث مع والدتها وخالتها بصوتها المرتفع والمزعج كالعادة. جائت الصغيرة من خلفها وجلست بهدوء ثم أخرجت القداحة التي وجدتها بالمطبخ. ولسوء حظ «اماني» كانت تلك القداحة جديدة وممتلئة بالغاز كما كانت سهلة الضغط مما سهل للصغيرة الضغط عليها وتقريبها من ملابس شقيقتها.
ثوانٍ قليلة كانت كافية لتقوم «اماني» من مكانها وهي تصرخ قائلة:
- الحقيني يا ماما أنا بولع.
صرخت الأم ونهضت من مكانها على الفور وهي تقول بصوت مرتفع:
- الحقوني يا ولاد البت بتولع، يلااااهوي.
كان مراد في غرفته يستعد للخروج عندما استمع صراخ ابنة خالته وخالته فاتسعت حدقتاه بصدمة وهو يقول:
- يا نهار ابيض، يلاهوي لتكون تهاني ولعت في أماني بجد؟!
لم ينتظر وركض إلى الخارج ليجد «اماني» تركض أمامه وملابسها تشتعل. فتحرك بسرعة إلى غرفته وسحب مفرش قماشي ثم عاد إليها مرة أخرى بسرعة ولف هذا المفرش حولها في محاولة منه لتهدئة النيران. وبالفعل نجح في ذلك ولحسن حظها أن النار لم تحرقها هي بل أحرقت ملابسها فقط وتركت بعض الاحمرار والجروح على جسدها.
ركضت الأم ومعها خالتها واحتضناها، بينما رددت والدتها بعينان دامعتان:
- يا عيني عليكي يا بنتي، احمدي ربنا لولا ابن خالتك كان زمانك حتة فحم يا حبة عيني.
هنا نظرت «كريمة» إلى ولدها ورددت بامتنان:
- ربنا يحميك يا حبيبي زي ما أنقذت حياتها.
ابتسم وعدل من ملابسه ليقول بهدوء:
- متقولوش كدا يا جماعة دي بنت خالتي بردو، الحمدلله إنها عدت على خير.
في تلك اللحظة حضرت الصغيرة ووقفت أمام «مراد» لتقول بابتسامة:
- ولعت في أماني زي ما قولتلي، مث تعلقني بقى.
زاغت عينيه في كل مكان هربًا من الأعين التي تعلقت به. تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه في الحال فهما كانا يشكرانه منذ ثوانٍ قليلة والآن جائت تلك الصغيرة لتفسد كل شيء.
***
استمعت طرقات على باب غرفتها فرفعت صوتها لتسمح لمن بالخارج بالدخول. وبالفعل دلف «هاني» إلى غرفة شقيقته ليقول بعدم رضا:
- مريومة مالك حابسة نفسك في الأوضة بتاعتك ليه، ما تنزلي نقعد مع بعض، أنا من ساعة ما رجعت من السفر وأنا مقعدتش معاكي غير مرتين بس.
رفعت رأسها ورمقته بابتسامة قبل أن تقول:
- معلش يا هاني أصلي بفكر في المشروع اللي هعمله وبحتاج اقعد مع نفسي في هدوء كدا علشان اعرف أفكر.
توجه وجلس بجوارها ثم نظر إليها قائلًا بجدية:
- المشروع بردو ولا حاجة تانية؟
رفعت أحد حاجبيها لتقول بحيرة:
- قصدك إيه؟
ابتسم وقال بنبرة ذات معنى:
- اقصد بتفكري في المشروع ولا اللي عايزة تشاركيه في المشروع.
ابتسمت هي الأخرى ورددت بنفس الطريقة:
- بردو قصدك إيه مش فاهماك.
اعتدل في جلسته ليكون مواجهًا لها تمامًا وأردف بهدوء:
- أنا فاهم وعارف على فكرة، لاحظت قربك ليه وتعاملك معاه المختلف يوم العزومة، أنا عن نفسي موافق لأن كرم شخصية كويسة ومحترم على عكس سليم اللي دايما متكبر وشايف نفسه أحسن من الكل.
تعجبت من دراية شقيقها بكل شيء مما جعلها تقول بتساؤل:
- غريبة إنك عارف كل ده، وبعدين أنت مراقبني ولا إيه؟
ضحك ومال على الفراش أمامها ليسند رأسه على كفه الأيمن وهو يقول:
- مراقب إيه ده أنا طول اليوم بسمع طراطيش كلام منهم، شوف مريم وكرم، شايف يا سليم هيخطفها منك وكلام عبيط أوي من مراتات أعمامي، الغيبة والنميمة هنا أوفر الصراحة.
ضحكت بصوت مرتفع على طريقته وأردفت بتوضيح:
- لا أنت هنا لازم تتعود على كدا، هنا تسلم عليهم يضحكوا في وشك ويشكروا فيك وبمجرد ما تديهم ضهرك يشتموا فيك ويجيبوا سيرتك بكل ما هو سيء.
وهدأت قليلًا قبل أن ترتسم تلك الابتسامة على وجهها لتتابع:
- أما عن كرم فأنا الصراحة بستريحله، زي ما قولت مختلف ومحترم وكمان قلبه أبيض ومش بتاع مظاهر كدابة، بجد شخصية كرم دي مهددة بالانقراض.
اعتدل مرة أخرى ونظر إليها بعين واحدة وهو يقول بابتسامة:
- يا عيني يا عيني، إيه المدح ده كله. لاحظي إن اخوكي قاعد طيب مش كدا.
***
- إيه شغل الأطفال ده يا مراد أنت اتجننت؟
قالتها «كريمة» لولدها الذي كشفت تلك الصغيرة أمره. وقبل أن ينطق بكلمة واحدة أسرعت «أماني» لتوبخه قائلة:
- أنت مجنون وغبي على فكرة، افرض كنت ولعت دلوقتي كنت عملت إيه؟
هنا ردد بصوت منخفض لا يسمعه أحد:
- ياريتك كنتي ولعتي يا شيخة.
رفعت أحد حاجبيها ورددت بصوت مرتفع:
- بتقول إيه؟
ابتسم واقترب خطوة وهو يقول بود مصطنع:
- بقول بعد الشر عنك يا شيخة، أنا كنت بهزر مع تهاني مكنتش اعرف إنها هتعمل كدا بجد. وبعدين ابقوا اشتموا فيا لما أرجع مش فاضي عندي كتب كتاب.
في تلك اللحظة ضيقت ما بين حاجبيها ورددت بتساؤل:
- كتب كتاب مين؟
توجه صوب الباب وأجاب على سؤالها بعدم اهتمام:
- كتب كتاب إلياس وإيلين.
اتسعت حدقتاها بصدمة فهي توقعت أن يتخذ تلك الخطوة بعد إنهاء «إيلين» لفترة الثانوية، لكنها الآن تلقت هذا الخبر الصادم.
***
على الجانب الآخر ارتدى «إلياس» بنطال أسود اللون وفوقه قميص من نفس اللون ثم ارتدى فوق هذا القميص سترة بيضاء اللون أعطته مظهر جذاب. لم يكتف بذلك بل اقترب من المرآة وقام بتنظيم شعره وسحب عطره المفضل ليضع لمساته الأخيرة. وما إن انتهى حتى ردد بصوت منخفض:
- بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ثم رفع يده إلى السماء وردد بهدوء:
- يارب سامحني واغفر لي، يارب اليوم يعدي على خير واحفظ ليا إيلين، يارب قدرني اسعدها ومظلمهاش معايا.
انتهى أخيرًا وخرج من غرفته ليجدها تنظر إليه بعينان متسعتان. تقدمت بخطوات هادئة تجاهه حتى أصبحت قريبة منه للغاية ورددت بإعجاب كبير:
- طبعا أنا مقولتكش قبل كدا إنك قمر ومز صح؟
ضحك ومال برأسه لتلامس رأسها وأردف بحب:
- لا مقولتيش.
ابتسمت ومسكت سترته بيدها قبل أن تهتف قائلة:
- طيب اديني بقولك أهو، الطقم هياكل منك حتة، أنت أصلا قمر ومع الطقم كدا كتير الصراحة، اوعى تنزل كدا علشان متتعاكسش.
كان ينظر إليها باهتمام وبدون مقدمات ردد بحب:
- بحبك.
شعرت بأنها تمتلك العالم بأكمله في تلك اللحظة وابتسمت هي الأخرى لتقول بهدوء:
- وأنا كمان بحبك أوي.
ابتعد عنها وردد بابتسامة:
- يلا يادوب الحق صلاة الظهر ونكتب الكتاب في المسجد، اشوفك بعد كتب الكتاب يا عروسة.
تابعته يرحل وعلى وجهها ابتسامة لا تعرف مصدرها لكنها الآن سعيدة ولا تفكر بشيء سوى استماعها لعقد القران عبر مكبرات الصوت الخاصة بالمسجد.
خرج «إلياس» والتقى بصديقه «مراد» الذي ردد بسعادة:
- أيوة بقى يا عريس ألف مبروك.
ابتسم «إلياس» وحضن صديقه وهو يقول:
- الله يبارك فيك يا حبيب قلبي، بقولك إيه ده مجرد كتب كتاب مش فرح يعني اهدى ماشي؟
ابتسم وهز رأسه ليقول بهدوء:
- ماشي يا كبير اللي تشوفه.
توجه الاثنان إلى المسجد الذي كان ممتلئ بالمصلين لحضورهم عقد قران «إلياس» مباشرة بعد صلاة الظهر. وبالفعل وقف الإمام واصطف المصلين خلفه لأداء الصلاة في خشوع. وبعد مرور الوقت انتهوا من أداء الصلاة.
بدأ المأذون في كتابة بعض البيانات في عدة أوراق ثم طلب من «إلياس» الامضاء على تلك الأوراق وبعدها طلب من «خلف» نفس الأمر بصفته وكيل العروس. وما إن انتهوا من الامضاء بدأ المأذون في التحدث عبر مكبر الصوت وبدأ بالصلاة على النبي ثم ألقى خطبة قصيرة عن الزواج. وما إن انتهى حتى نظر إلى «خلف» وردد قائلًا:
- قول ورايا، إني استخرت الله العظيم وزوجتك موكلتي شهد محسن عبد الفتاح البكر الرشيد على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين.
ردد «خلف» ما قاله بابتسامة وما إن انتهى حتى انتقل المأذون ونظر إلى «إلياس» وردد بابتسامة:
- قول ورايا يا عريس، إني استخرت الله العظيم وقبلت زواج موكلتك شهد محسن عبدالفتاح البكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين.
ابتسم «إلياس» والتقط أنفاسه ليقول بسعادة:
- إني استخرت الله العظيم وقبلت زواج موكلتك شهد محسن عبدالفتاح البكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين.
هنا ابتسم المأذون وردد بابتسامة مشرقة:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.