تحميل رواية «شمس العاصي تشرق من جديد» PDF
بقلم نورة عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في المستشفى.. فتحت عينيها بتعب لتصدم برؤية عاصي أمامها. حاولت النهوض لكنها لم تستطع من شدة التعب. لتَقول بدموع: ابني فين يا عاصي؟ وانت عرفت مكاني منين؟ والله لو ابني جاله حاجة المرة دي مش هاسامحك يا عاصي، والله ما هاسامحك. اقترب منها ونزل لمستواها. لتلفح أنفاسه الدافئة وجهها قبل جبينها. وهو مغمض عينيه يستشعر بقربها منه. لقد اشتاق إليها كثيراً. ليقول بهدوء: ابننا كويس وبيجهزوه عشان نرجع بيتنا. أدارت وجهها عنه لتقول بغصة: مش راجعة معاك يا عاصي. سيبني في حالي بقى، حرام عليك. عاصي: ما هو حالك حالي ي...
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورة عبد الرحمن
اجهشت شمس بالبكاء.
ليسرع إليها بقلق: بتعيطي ليه؟ طب خلاص خلاص، بلاش عياط، اهدي بس.
استلقت بين أحضانه وشهقاتها تعلو.
ليشدد باحتضانها ويربت على كتفها يحاول تهدئتها وهو مشوش لا يعلم ما الذي يجول بداخلها.
حتى استكانت وهدئت شهقاتها.
لتخرج من أحضانه تمسح دموعها باختناق تحاول عدم البكاء مرة أخرى.
ليحتضن وجنتيها بكفيه ويهمس بحنان: حقك عليا، بس انت كمان حاولي تقدري اللي أنا فيه.
انت جمبي طول الوقت مش عارف المسك، اخدك في حضني، حتى مش عارف ابوسك، كل ما اقرب منك تمنعيني.
بالنهاية أنا بشر وانت مراتي، حلالي، وحرام اللي انت بتعمليه فينا، بتبعديني ليه؟ انت مش بتحبيني؟ مع اني شايف حبك بعينيكي، بس تهربك مني ده يخليني وسط أسئلة كتيرة ملهاش جواب.
عارف اني جيت عليكي قوي زمان، بس انتي مش شايفة محاولاتي عشان اخليكي تنسي واحاول اصلح كل حاجة عشان نبتدي من جديد.
مش ملاحظة ده ياشمس؟
هزت شمس رأسها بالإيجاب دون النظر إليه.
ليرفع ذقنها ويحدثها بحنو: بصيلي وطلعي اللي جواكي، عايز اعرف بتفكري بإيه.
شمس: عاصي، أنا اتكلمت كتيررر قوي ومعدش عندي حاجة أقولها، عايزة أسمعك، عايز نبتدي من الأول، كل حد فينا يطلع اللي جواه عشان حبنا يكبر مش يتدفن جوانا.
ضحكت بغصة: حبنا؟ هو انت بتحبني ياعاصي؟
نظر إليها بصدمة: إيه الهبل ده؟ أمال أنا بعمل كل ده ليه؟
شمس بدموع: عشان أنا أم ابنك.
عاصي: لا والله، تصدقي إنك هبلة. إيه الكلام ده؟
شمس بدموع: أنا سمعتك بنفسي وانت بتقول الكلام ده لتميم. وغير كده نسمة قالتلي اللي قولتهولها.
عاصي: أه، هي نسمة بالحكاية؟ ماشي، وقالتلك إيه ست نسمة بسلامتها؟ وانت مصدقاها؟
شمس: إنك عايزني أفضل معاك عشان ابنك ميترباش بعيد عنك، وإنها لو خلفت هي كمان هتفضل مراتك ومش هتطلقها.
عاصي بانفعال: نسمة لو خلفت مية عيل مش ممكن أسيبها على ذمتي ثانية واحدة بعد كل اللي عملته.
شمس: عاصي، امسك يدها. انت مصدق الهبل ده؟ دي عايزة تخرب علينا حياتنا. أنا لو مكنتش عايزك مكنتش عملت كل اللي عملته، انتي تعبتيني معاكي وأنا مستحمل. ده لو مش حب يبقى إيه؟
شمس: يبقى إنك عايز تحافظ على ابنك.
عاصي: انتي مصدقة الهبل ده؟
شمس: أنا سمعتك بنفسي، وانت بتقول الكلام ده لتميم.
عاصي بانفعال: بكابر، كنت بكابر على نفسي، مكنتش عايز أعترف إني بحبك، كنت بنكر ده، بهرب منه.
شمس: عاصي، أنا عملت كل حاجة عشان أثبتلك حبي، بس انت لسه عايز تصدق نسمة، وأنا متأكد إنك عارف ومتأكد إن نسمة عايزة تخرب حياتنا.
عاصي: شمس، مش عايزة تتكلمي؟
شمس: عاصي.
عاصي: ماشي ياشمس، أنا هسيبك الفترة دي، حاولي تفكري بجد المرة دي والقرار عندك. أنا زي ما انتي شايفة عملت كل حاجة عشان أصلح اللي بينا، بس واضح إنك عايزة تخربيها لما دخلتي ناس أساساً هما مش عايزنا نفضل مع بعض. فكري بكلامي وقرري، أنا ماشي.
شمس: هتروح فين؟
عاصي: مش مهم، لما تعرفي تاخدي قرار بجد ابقي كلميني.
ليقترب من رحيم النائم ويقبله ويغادر بصمت.
***
حليمة: مالك يا بنتي سرحانة في إيه؟
غزلان: مفيش يا دادا، بس عزت اتأخر قوي، وبكلمه فونه مقفول.
حليمة: متقلقيش، أكيد عنده شغل.
غزلان: …
حليمة: صحيح، انت مقلتيش حصل إيه ووصلتوا لحد فين؟
غزلان بتهرب: أنا هروح أتصل بعزت تاني.
حليمة بابتسامة: استني هنا، هتهربي تروحي فين؟
غزلان: بس يادادا، انتي بتكسفيني.
حليمة بفضول: يعني حصل؟
غزلان بخجل: محصلش يادادا.
حليمة: ليه بس كده؟ انتو اتخانقتوا؟
غزلان: لا والله، محصلش.
حليمة: أمال إيه؟ أنا بشوفكم مبسوطين ودايماً مع بعض، إيه يمنعكم؟
غزلان بخجل: أنا والله يادادا ببقى، يعني… بس بس، يعني انتي فاهمة يا دادا. بتكسف كل ما يقرب مني، بتكسف قوي وبخاف وببعد، معرفش أعمل إيه.
حليمة: يابنتي، الكسوف ده عادي، وعزت جوزك وده حقه.
غزلان: عارفة والله، بس ببقى مكسوفة منه قوي، وهو يعني يبان عليه إنه زعل، بس بيحاول ما يظهرش ده.
حليمة: ولحد إمتى هتفضلوا كده؟ هو انت لسه مش متقبله عزت جوز ليكي؟
غزلان بتسرع: لا والله يادادا، مش كده. والله أنا الفترة اللي فاتت شفت عزت تاني، غير اللي كنت بعرفه. بقي يهتم بيا زي أي اتنين بيحبوا بعض، وياخد باله مني وشايلني عن الأرض شيل.
حليمة: طب إيه المانع؟
غزلان: منا قلتلك يادادا، بتكسف والله وببقى خايفة.
حليمة: لا، ده مش عذر، انتي…
ليقاطعهم دخول عزت، ترتسم على وجهه ابتسامة: مساء الخير، عاملين إيه؟
ليجلس بجانب غزلان ويقبل وجنتها بسرعة، لترتبك وتبتعد بخجل.
حليمة: الحمد لله يابني، اتأخرت كده ليه؟ غزلان قلقت عليك قوي.
عزت نظر بضيق إلى غزلان التي تتهرب بعينيها: كان عندي شغل جامد.
حليمة: نهضت من مكانها. ربنا معاك يابني.
غزلان: على فين يا دادا؟
حليمة: هروح أنام أنا بقى.
عزت: لسه بدري عالنوم.
حليمة: منتا عارف، أنا بنام بدري، بس شفت غزلان مشغول بالها عليك وقلت أفضل معاها لحد ما ترجع. تصبح على خير.
لتغادر، وتتركهما لوحدهما.
عزت فور خروجها التصق بغزلان ليغمزها بابتسامة: إيه؟ لحقت أوحشك؟
غزلان حاولت أن تتباعد، لكنه أمسكها: على فين؟
غزلان: هعملك حاجة تشربها.
عزت جذبها إليه بخفة لتلتصق به: مش عايز حاجة، عايزك.
غزلان بتوتر من قربه: اااا…
عزت: ششش.
ليقترب منها ويقبلها برقة. حاولت التهرب، لكنه منعها، ليتعمق بقبلتها حتى ذابت بين يديه و…
***
سهى: انت هتنام وتسيبني؟
تميم: معلش ياحبيبتي، تعبان وعايز أرتاح.
سهى بدموع: انت معدتش تهتم بيا ولا تحبني ياتميم.
تميم أغمض عينيه بضيق: ياحبيبتي، كل ده عشان قلت عايز أنام.
سهى: ماشي ياتميم، ماشي، نام.
تميم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سهى بشهقات: وصلت لكده ياتميم؟ بتشتكيني لربنا؟ ياتميم، دي آخرتها.
تميم: يابنتي، يابنتي، اهدى، اهدي. النهارده قلبه معاكي، نكد كده ليه؟
سهى: أنا نكدية ياتميم؟ ماشي، ماشي، روح كمل نومتك.
تميم: خلاص، مهو مش هعرف أنام بعد كده.
سهى: ماشي، يبقى هنام أنا.
تميم: استني هنا، انتي طيرتي النوم مني وهتروحي تنامي؟
سهى: مش النوم أهم مني؟ روح نام ياتميم، روح. أساساً انت معدتش بتحبني.
تميم بضحك: خلاص يابنتي، أهو أنا صحصحت وعايز أسمعك. وبعدين مين قال إني مش بحبك؟ أنا بعشقك قد الدنيا دي كلها.
سهى: خلاص بقى.
تميم: خلاص إيه؟ منا مش هسيبك لحد ما تتكلمي.
سهى بدلال: مش عايزة.
تميم: اممممم، يبقى عايزاني أصالـحك.
سهى بدلال: ابعد عني، مش عايزة.
تميم حملها بضحك: لا، مهو أنا عايز أصالـحك بالغصب.
لتشهق بخوف: سيبني ياتميم، مينفعش تشيلني كده، أنا حامل.
وقف بصدمة مما سمعه، لتتشبث به وتحيط عنقه بيديها، وتهمس له: نزلني ياتميم.
تميم: انتي قلتي إيه؟
سهى: نزلني ياتميم، نزلني.
تميم أنزلها بهدوء، ليمسك كفيها بسعادة وعينان تتراقصان من الفرح: انتي حامل بجد؟
سهى بابتسامة هزت رأسها: …
تميم: يعني، يعني أنا هبقى أب بجد؟
سهى بسعادة وهي تمسك وجنتيها: هتبقى أحسن أب بالدنيا.
تميم بحماس: أنا عايز بنوتة، بنوتة زيك كده بجنانك وحنانك، وعايز أسميها حياة.
سهى: بس أنا عايزة ولد.
تميم: مش مهم، اللي يجيبه ربنا يا بنتي نعمة. المهم… تعالي، تعالي، بلاش تفضلي واقفة كده، هتتعبي.
ليجلسا على السرير.
تميم: عارفة ده أحلى خبر ومفاجأة بالدنيا دي كلها.
سهى: لدرجة دي كان نفسك بالعيال؟
تميم: وأكتر. ده أكتر حلم أنا بحلم بيه بعد جوازي منك. انت مش عارفة أنا مبسوط قد إيه.
سهى بضيق: بس انت ولا مرة قلتلي إنك عايز عيال.
تميم: عشان عايزها تيجي من عند ربنا. مكنتش عايز أزعلك وأضغط عليكي، وأهي جت من عند ربنا والحمد لله، يارب، الحمد لله.
سهى: ياحبيبي ياتميم، طول عمرك مبتحبش تزعلني.
تميم: عشان انتي أحلى حاجة بحياتي ياسهى. وهفضل أحمد ربنا على وجودك طول العمر.
سهى: وانت وجودك نعمة من ربنا ياتميم، ربنا ميحرمنيش منك يارب.
***
هند: أكيد غلطانة ياشمس، إيه اللي هببتيه مع جوزك ده؟
شمس: منتي مش حاسة باللي جوايا، نار وقايدة.
هند: لا، حاسة قوي باللي انتي فيه، بس انت بجد عبيطة، إزاي تمشي ورا كلام الست اللي كانت بيوم شريكتك بجوزك وطلقها ورماها؟ أكيد هتبقى عايزة تعكنن عليكم.
شمس: ياهند، افهميني، مش بس كلام نسمة، أنا كمان سمعته يقول الكلام ده لابن عمه تميم.
هند: بصي ياشمس، حتى لو سمعتيه، بس كل حاجة بتبين العكس، وإنه متمسك بيكي انت وعايزك. ممكن يابنتي يكون بجد بيكابر على نفسه ولما اتأكد من مشاعره صارحك بيها. على فكرة بقى، الراجل صعب جداً يعترف بحبه، خاصة لو كان زي جوزك.
شمس: مش عارفة ياهند، أنا تايهة.
هند: لا، انت مش تايهة، انتي عارفة كل حاجة، وعارفة ومتاكدة إن عاصي بيحبك، بس عايزة تتدلعي شوية وتعذبيه. بس أظن كفاية عليه كده.
شمس: …
هند: ياشمس، الرجالة معندهاش صبر زينا، ومبيحبوش النكد. ممكن يقلب ويدور على واحدة تانية تريحه وتنسيه النكد اللي انتي معيشاه فيه.
شمس بشهقة: قصدك إيه ياهند؟ ممكن يفكر بوحدة تانية؟
هند بمكر: منتي أكيد اللي هتجبريه على كده. وأنا بصراحة شايفه إن الراجل عداه العيب، عمل كل حاجة عشان يرضيكي، بس بقى انتي ربنا يهديكي.
شمس بتوتر وقلق: وشك؟ يعني، يعني هو ممكن يخوني؟ لا، لا، عاصي ميعملش كده، هو عارف إنه هيخسرني كده.
هند: منتي اللي بتبعديه ياشمس، وبصراحة أنا بشوف إنه معذور لو عمل كده.
شمس بانفعال: لا، مهو مش بمزاجه. أنا هروحله.
هند: هتروحي فين يا مجنونة بالوقت المتأخر ده؟
شمس: منا مش هسيبه، أنا لازم أصالحه ياهند.
هند: طب استني، انتي عارفة هو فين؟
شمس: أيوا.
هند: طب استني، هخلي عم معتز يوصلك. لتكمل بغمزة: وابقى سيبي رحيم عندي عشان تاخدي راحتك.
شمس: ربنا يخليكي ليا، هروح أنا.
هند: ربنا معاكي.
لتغادر شمس، ويدخل عمران. ويقترب منها بود: محنا بنعرف ندي نصايح أهو. والنصايح دي مش المفروض تقوليها لنفسك.
رفعت حاجبها باستنكار لتقول: تقصد إيه ياعمران؟ انت ممكن تبص لغيري؟
ليعيد كفيه إلى الوراء يتكأ على السرير: والله معرفش، لو مراتي بتهملني، ممك…
لتقترب منه بسرعة وتهمس أمام شفتيه بجرأة لم يعهدها من قبل: قبل ما تفكر تعملها ياعمران، هندمك، أقسم بالله.
عمران أحاط خصرها ليجذبها إليه بشدة: اتلمت ده تهديد بقى؟
هند: بالم. احسبها زي ما انت عايز، واوعى كده، سبني.
ليغمزها ويديرها بلحظتها ويعتليها: طب دلعيني واهتمي بيا عشان مبصش لغيرك.
هند: انت…
ليقاطعها بقبلة عميقة و…
***
في المزرعة.
شمس: ازيك ياعاصي.
عاصي وهو يحرك يده على رأس حصانه صهيب: إيه اللي جابك ياشمس؟
شمس: مش عايز تشوفني؟
عاصي: …
شمس: شمس، انتي لسه زعلان؟
عاصي: …
شمس: طب فاكرة أول مرة شفتك فيها؟
نظر إليها بشك: انتي فاكرة؟
شمس: ومش هنسى ياعاصي، إحنا اتقابلنا بالمزرعة لما أصيل حصاني معرفتش أسسيطر عليه وكان هيوقعني لو متدخلتش انت.
عاصي: وليه مقولتيش من الأول الكلام ده؟
شمس: مش مهم.
عاصي: وإيه المهم عندك؟
شمس: فاكرة انت قلتلي إيه ساعتها؟
عاصي نظر إليها بتسأل.
لتقول: قلت "خدي بالك لاياخدك حتة… متقدريش ترجعي منها".
لتكمل شمس بغصة: وأنا اهو ياعاصي، بحتة مش عارفة أرجع منها. أنا عايزة أفضل معاك، مش عايزة…
عاصي: انتي ساعتها قلتي "مش أنا اللي أتوه عن طريقي".
شمس: بس انت توهتني، أنا تايهة بجد، مش عايزة أخسرك ولا عايزة أبعد عنك، بس كرامتي، ونسمة، والكلام اللي قالته، وكمان افتكرت كلامك لابن عمك، كلها جت على كرامتي. كل اللي كنت بفكر فيه إنك سايبني على ذمتك بس عشان رحيم عشان أربيه، وأنا قلبي كله بقى ملكك، واتحملت منك كتير قوي، مفيش ست تعرف تتحمله وبعد. كل ده أسمعك تقول إنك عايزني بس عشان أنا أم ابنك. طب حط نفسك مكاني.
عاصي: انت حط نفسك مكاني، راجل بمكانتي وهيبتي قدام الناس داير وراكي من محافظة لمحافظة ومن مكان لمكان عشان إيه؟ كل ده هاااا…. عشان إيه؟ مش عشان بحبك؟ اتحملت زعلك وكل حاجة عملتيها، وانت لا، مش عاجبك، جيتي عليا أكتر ودستي قلب أكتر وأكتر، ودلوقتي جاية تقولي نسمة قالت؟ انت لو عندك ثقة بنفسك وفيا، مكنتيش هتثقي باللي اسمها نسمة دي. أنا رجالة بتترعب تتكلم معايا، وانت عملتي إيه ها؟
شمس بدموع: آسفة، نفسي كانت صعبة عليا قوي.
عاصي أدار وجهه عنها بضيق، لتقترب منه وتمسك كتفه: أنا آسفة، انت لسه زعلان؟
عاصي مسح شعره بضيق عندما سمع صوتها الباكي، ليستدير إليها ويقول: المشكلة إني مش هعرف أزعل منك.
شمس مسحت دموع بابتسامة وشهقات: حقك عليا، مش هزعلك تاني.
جذبها إلى أحضانه، لتتشبث به الأخرى تستشعر الأمان والدفء، ليهمس لها بحنان: متعيطيش، وأنا معاكي.
شمس: ربنا يخليك ليا.
عاصي بضحك: أهو شفتي الرضى والرواق حلو إزاي؟ مش هنخسر حاجة يعني.
فور دخولهما المنزل، عاصي التفت حوله يتأكد بأن أحد لا يراه من العاملين بالمنزل.
شمس: في إيه؟ بتتلفت حوليك ليه؟
ليفاجئها بحملها ويصعد بها الدرج.
شمس بخجل: نزلنا ياعاصي، هعرف أطلع لوحدي.
عاصي: لا، ودي تجي؟ لازم أشيلك، منا محروم منك بقالي كتيررر قوي، لازم أرحب بيكي بطريقتي.
لتضربه بخفة على صدره: بس بقى.
عاصي: انت اللي بس، وكفاية خدودك يحمروا كده عشان مش هلم نفسي لحد ما نطلع أوضتنا.
لتدفن وجهها بصدره بحرج.
ليهمس لها بعشق: بموت فيك وأنتي كده.
ليضعها على السرير ويقترب منها.
شمس بحرج وتهرب: احم، إحنا مش هنروح ناخد رحيم من عن…
ليقاطعها عاصي: رحيم مين؟ رحيم عند خالته. أنا مصدقت وبقينا لوحدنا.
بس يا…
عاصي: اششششش، سيبيلي نفسك النهاردة، عشان انت وحشاني ولازم تتعاقبي على كل الفراق ده.
شمس بتذمر: اتعاا…
ليقاطعها بقبلة عنيفة، سرعان ما تحولت إلى قبلة هادئة لطيفة، بث فيها شوقه وحبه لها و…
وتمت بحمد الله.
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورة عبد الرحمن
بعد مرور يومين في قصر العدوي، اقتحم تميم مكتب عاصي بعد أن عاد من السفر وانتهى من تسليم البضاعة.
ليجد عاصي يعيد رأسه إلى الخلف ويستند على الكرسي بغصة، فهو فقد المرأة التي قامت بتربيته ومنحته كل الحب الذي افتقده بغياب والدته.
تميم بقلق: سهى، سهى بخير يا عاصي؟ هي فين؟ بكلمها كتير ما بتردش، أكيد تعبت وزعلت قوي، أنا عايز أشوفها قلبي واكلني عليها.
عاصي: اهدى هي كويسه بأوضتها وعندها شمس بتداريها.
تميم بقلق: أنا عايز أروحلها يا عاصي مش هسيبها لوحدها.
تنهد عاصي بتعب: ماشي يا تميم اطلعلها.
ربت تميم على كتف عاصي ليواسيه عندما لاحظ الحزن بعينيه: ربنا يرحمها يا خوي، كانت تعبانة قوي الفترة الأخيرة، ارتاحت من التعب.
أغمض عاصي عينيه بغصة ليضع يده على يد صديقه يطمئنه بأنه بخير هامسًا بخفوت: ربنا يرحمها.
روح شوف مراتك، وأنا كمان هطلع أرتاح عشان تعبان قوي.
أسرع تميم ليصعد إلى غرفتها ووجد شمس تحاول تهدئتها.
تنحنح بحرج وعيناه تترقبان زوجته التي ذبلت ملامحها، لتجهش بالبكاء فور رؤيته وهمست باسمه بوهن كأنه سيخلصها مما هي فيه.
أسرع إليها متناسيًا وجود أحد داخل الغرفة ليحتضنها ويمسح شعرها بحنان، ويسمعها بعض الكلمات لكي تهدأ.
انسحبت شمس بهدوء وهي ترى كم الحب بعيني تميم لسهى وقلقه عليها، وكيف يعاملها كطفلة صغيرة، فهو لم يبخل عليها بمشاعره وأحاسيسه.
شعرت بغصة وتمنت لو أن عاصي يعاملها هكذا، يظهر لها الحب كما يفعل تميم.
لتذهب إلى غرفتها، وقفت عندما استمعت لصوت عاصي وهو يحمل طفلهما الذي تركته منذ قليل نائمًا ويتحدث معه.
عارف يا ابني أنت اللي فضل لي بالدنيا دي، لما أكبر عايز أستند عليك، الكل عايز يستند عليا، الكل هنا محتاج لي، محدش حاسس إني كمان محتاج أريح، محتاج فاصل من كل المشاكل اللي حواليا، من كل حاجة، بس هانت يا رحيم، بكره هتكبر وتشيل الحمل عن أبوك.
عارف كان نفسي أسميك سالم على جدي الله يرحمه، بس أمك ربنا يهديها، أمك يا رحيم تعباني قوي يا ابني، مش عارف أعمل معاها إيه.
مخلياني واقف كده لا طايل أرض ولا سما، ولا عارف أبعد عنها وأسيبها في حالها، ولا عارف أرجع زي الأول.
ليقبل صغيره بحب: أنت اللي مصبرني يا ابني، حاسس إنك العوض ليا عن كل حاجة.
دخلت شمس عليه لتجده يداعب صغيره ويحمله.
ليضعه على سريره ويتحول للبرود وقال بهدوء: كان بيعيط ومحدش عنده.
شمس: كان نايم ورحت أطمن على سهى.
عاصي بهدوء وهو يوليها ظهره ويداعب وجنتي طفله: ما تسيبيهوش لوحده تاني.
أومأت برأسها وهي تراقبه يذهب إلى الحمام ليقول: نيميه عشان هبات هنا.
شمس بارتباك وتعجل: ما ينفعش.
نظر إليها وهو يرفع حاجبه: وما ينفعش ليه؟
شمس بتوتر من نظراته: عشان مش هيخليك تعرف تنام.
عاصي: لما أشتكي لك أبقى اتكلمي.
شمس: ما أنت عندك أوضة مراتك ما تبيتش عندها ليه؟
عاصي بتحذير: آخر مرة تناقشيني بحاجة بأقولها، هابات هنا يعني هابات هنا، وما تدخليش باللي ما لكيش فيه.
ليكمل طريقه متجهًا إلى الباب ويغلقه بعنف.
******
بعد مرور أسبوع، كان يعمل بمكتب منزله حتى دخل تميم متذمرًا: شوف لك حل مع أختك يا عاصي أكيد مش هسيبها كده.
رمى الأوراق من يده بتذمر من تميم الذي يتذمر دائمًا من سهى.
عاصي: في إيه تاني يا تميم، سهى عملت إيه؟
تميم: مش عارف يعني حابسة روحها بالأوضة مش راضية تطلع منها، حتى أنا نقلت بيتكم عشان أبقى جنبها ومش عاجبها، لا مش بس كده، كل ما أحاول أطلعها من الغم اللي هي فيه تتخانق معاي وتنكد وعاللي خلفوني.
عاصي بابتسامة من تذمر صديقه: مش أنت اللي أصريت عالجوازة دي، يبقى تستحمل.
تميم بضيق: أنا ما عنديش مشكلة يا عاصي والله بس مش كده، دي مقضية يومها بكاء وغم وحزن، دي حتى...
ليصمت بحرج فقد نسي أنه يحدث أخيها ليقول مغيرًا الحديث: وأنت عملت إيه مع شمس؟
عاصي: ما فيش جديد.
تميم: ما تكابرش يا عاصي، اتكلم مع البنت وطيب خاطرها بكلمتين بدل ما توجع قلبك وقلبها معاك، أنا شايف عشقك ليها بعينيك.
ضحك الآخر ساخرًا: عشق إيه يا أبو عشق أنت فاكرني عيل بعشق وبحب، عاصي العدوي ما عندوش الكلام ده.
تميم: مش عليا الكلام ده ده أنا حافظك صم، وشايف حبك ليها.
عاصي: أولًا شمس تبقى مراتي، وعشان وجعتها وكسرتها، وأنا عارف الكسرة للست تبقى صعبة قوي، قلت أسيبها تبعد يمكن ترضي كرامتها شوية عشان أنا جيت عليها قوي، وهي فاكرة إنها بكده بتعاقبني، سبتها براحتها يمكن أكفر عن اللي عملته فيها، وأخليها ترضى أنوثتها شوية وتفتكر إنها وجعتني زي ما أنا عملت.
نظر إليه تميم بشك: يعني أنت ما بتحبهاش، طب ما تسيبها ترجع لأهلها، مش هي عايزة كده؟
عاصي: ما ينفعش، شمس مراتي وأم ابني، ما ينفعش أسيبها كده.
تميم: مش مصدقك يا عاصي، أنا حافظك وعارفك، أنت مش بس بتحبها أنت بتعشقها، وحتى لو ما كانش بينكم رحيم، مش هتسيبها برضه.
ضحك ساخرًا: قلت لك ما حبيتش حد بحياتي ولا هاحب لا شمس ولا غيرها، وبعدين مش كنا بنتكلم عن سهى؟
لتقاطعه شمس باقتحامها المكتب تمسح دموعها لتقول بضعف وانهيار بعد أن سمعت ما قاله لصديقه، لكنها قالت بصوت خائف يرتجف: عاصي...
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورة عبد الرحمن
عاصي وهو يجلس بجانبها: "الحكيم طمنك وقالك إن رحيم بقى كويس خلاص... مش فاهم أنتِ بتعيطي ليه؟"
نظرت شمس إليه بصمت ودموعها تتناثر. مد يده يحتضن وجنتها بود، محاولًا التقرب منها، هامسًا: "خلاص هيبقى كويس، بلاش عياط." مرر إبهامه على وجنتها يمسح دموعها، لتدير وجهها عنه بقهر.
اقترب منها أكثر ليدير وجهها إليه هامسًا بود: "كفاية عياط... خضتيني عليكي لما دخلتي عليا معيطة النهاردة."
لتقول بشهقات: "أنتَ مشفتش رحيم، كان سخن قوي وتعبان."
عاصي: "والحمد لله هو كويس دلوقتي... هي سخونية والحكيم قالك هيبقى كويس."
مسحت دموعها وحاولت النهوض ليمنعها وهو يقول: "هتروحي فين؟"
تهربت بعينيها عنه تحاول جاهدة عدم النظر إليه، فهو كسر كبريائها بكلماته لتميم عنها.
*******
هند: "خلاص يا عمران كفاية لحد كده، أنا زهقت، ما عدتش قادرة أتحمل."
عمران: "طب ممكن تفهميني متعصبة ليه؟"
هند بضيق: "عشان أنتَ مش معايا طول الوقت، سرحان وبتفكر مش عارفة بإيه."
عمران: "شغل يا حبيبتي، شغل."
هند بغيرة: "لا مش شغل، أنتَ من ساعة ما سمية ماتت وأنتَ متغير قوي... بس أنا خلاص مش قادرة أتحمل يا عمران، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده، حرام والله حرام." لتجلس وتبكي بقهر على حالها.
جذبها إليه محاولًا تهدئتها هامسًا بحب: "يا هند والله شغل ومش زي ما أنتِ فاكرة... يا حبيبتي أنا عارف إني جاي عليكي بس..."
نهضت بضيق منه لتقول: "أنا هروح المزرعة يا عمران، وهاخد أمي معايا."
عمران: "ما ينفعش يا حبيبتي."
قاطعته بدموع: "أنا تعبت وعايزة أرتاح شوية، عايزة أفكر لحد فين هيوصل بينا الحال يا عمران."
عمران بحدة: "يعني هنوصل فين؟ مش فاهم."
هند بتوتر من نبرته الحادة: "أنا عايزة أبعد الفترة دي يا عمران... عشان خاطري وافق."
تنهد بضيق وهو يرى الدموع بعينيها: "ماشي يا هند، هوصلك بكرة أنتِ ومرات عمي."
هند مسحت دموعها: "بجد يا عمران؟"
عمران: "مش عايزة كده خلاص، اللي أنتِ عايزاه... بس ننول الرضا يا ست هانم." ليجذبها إلى أحضانه محاولًا احتوائها.
*******
في اليوم التالي، في منزل عاصي العدوي.
عاصي: "أهلًا أهلًا، منورنا والله يا عمران."
عمران: "تسلم يا عاصي."
عاصي: "اتفضل ادخل."
عمران: "لا والله مستعجل، عايز شمس تجي عندنا كام يوم."
عاصي بضيق: "ليه؟ هو حصل حاجة؟"
عمران: "لا أبدًا، بس وحشتني وبقالي كتير ما شفتهاش."
عاصي بتوتر: "إيه الكلام ده يا عمران، ما البيت بيتك، تقدر تجي لها بأي وقت."
عمران: "معلش أنا عايز أخدها معانا تغير جو... ممكن تبعت حد ينده لها؟"
عاصي بضيق: "هروح أنده لها بنفسي، مش هتأخر."
أومأ الآخر برأسه.
ليسرع عاصي ويجدها قد بدّلت ثيابها وجهزت نفسها وصغيرها.
فور رؤيته قالت: "عمران هنا؟"
عاصي بضيق: "لا والله شايفك جاهزة أنتِ وابنك، يعني متفقين على كل حاجة أنتِ وأخوكي وأنا آخر من يعلم."
شمس بتوتر: "والله من شوية كلمني، أنا قولت له ممكن أنتَ ما تقبلش، بس عمران قالي سيبيه عليا."
عاصي: "ماشي يا شمس، هعديها لك المرة دي، بس ما فيش مبيت هناك."
شمس: "بس أنا..."
عاصي: "والله لو سمعت كلمة كمان ما فيش مروح من الأساس."
شمس بضيق: "ماشي."
عاصي: "ما تكشريش كده وحصليني، أخوكي مستنيكي تحت."
أومأت برأسها وتبعته بضيق من تحكماته.
******
غزلان: "مش قولت أمك هنا، هي فين؟"
إياس وهو يقترب منها: "نسيت أقولك، اتصلت بيا من شوية وبلغتني إنها هتروح عند خالتي."
ابتعدت عنه واتجهت إلى الباب لتقول بخوف: "طب هروح ونبقى نيجي وقت تاني لما تكون أمك هنا."
ليجذبها من ذراعها ويحيط خصرها بذراعيه هامسًا: "على فين؟ دا أنا مصدقت."
غزلان بخوف: "ابعد يا إياس، ابعد لحسن أصرخ والله... ابعد عشان خاطري."
لكنه تجاهلها وووو.
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورة عبد الرحمن
شمس: إيه اللي حصل؟ عمران بيقول إنكوا متخانقين.
هند بضيق: أخوكي تعبني قوي، معرفش أعمل معاه إيه.
شمس: إيه الكلام ده؟ عمران روحه فيكي.
هند بغصة: سمية حتى وهي ميتة معكننة عليا حياتي، طول الوقت سرحان وبيفكر فيها وبيلوم نفسه على موتها، بيقول إنه هو اللي أهملها عشان وصلت لكده.
شمس: يا حبيبتي سمية ماتت، أنتي كده بتخربي حياتك على حاجة مالهاش أساس.
هند: أنتي مش حاسة بيا، أنا تعبت خلاص، لما كنت حامل ما كانش جنبي وأنا كنت محتاجاله وقتها، سابني وراح يفسحها برا، ما قلتش حاجة وما اعترضتش. خلفت بنتي وهو مش جنبي، داير وراها من حكيم لحكيم. ولما ماتت ورجع، فضل شهر ما بيتكلمش معايا ولا حتى يعبرني، وطول الوقت مكشر في وشي وكأني السبب في موتها.
شمس: يا حبيبتي دي مراته وعشرة عمر، أكيد هيتعب لما تموت بالشكل ده.
هند: مش بس هو اللي تعبان، أنا كمان تعبانة وخلاص ما بقاش فيا حيل، تعبت، تعبت قوي يا شمس وهو مش حاسس بيا.
لتجهش بالبكاء وتقول وسط شهقاتها: مشكلتي إني بحبه ومش قادرة أبعد عنه.
ربتت الأخرى على كتفها لتقول: أقلها أنتي عارفة إن عمران اختارك واتجوزك عشان رايدك وبيحبك، إنما...
لتصمت وتهبط دموعها بقهر.
مسحت هند دموعها لتقول: حقك عليا يا شمس، أنا عارفة اللي فيكي مكفيكي.
شمس بشهقات: ليه لما نبقى قافلين على قلوبنا بالمفتاح نقابل أكثر حد هيوجعنا ونسلمه المفتاح من كيفنا وبرضانا عشان يدعس في كل مرة ويسيبنا نكره الساعة اللي عرفناهم فيها.
ابتعدت عنها هند وهي تمسح دموعها.
هند: أنتي كويسة؟
شمس بغصة: لا مش كويسة، بحس بروحي بتتسحب مني، معرفش أعمل إيه، قلبي وجعني قوي يا هند.
هند: حصل إيه تاني؟ عملك حاجة ابن العدوي زعلك بحاجة؟
شمس: المشكلة إنه ما بيعملش، ما بيتكلمش، ساعات يبقى متعصب ومش طايقني وساعات يبقى حنين، أنا تهت مش فاهماه يا هند.
هند: شكلك أنتي اللي محتاجة تتكلمي يا شمس مش أنا.
*******
دفعته بكل ما أوتيت من قوة لتهرب إلى الباب وأرادت الخروج، لكنه أمسك بها وهو يقول بابتسامة سامة: تعبتيني قوي معاكي، خلاص اتهدي بقى.
بكت بحرقة لتصرخ به: سيبني يا إياس، سيبني والنبي.
لكنه لم يستمع لها ليسحبها إلى الغرفة وسط صراخها و دفاعها عن نفسها.
دفعته بقوة وهربت إلى المطبخ لكنه لحق بها وأمسكها.
لتقول بشهقات ورجاء: سيبني يا إياس.
لكن الآخر لم يستمع لها لتبعده عنها محاولة الوصول إلى أي شيء لتدافع عن نفسها به. هاتفها يعلن عن مكالمة. والأخرى مستمرة بما يفعله حتى التقطت صينية وضربته بها عدة مرات ليشعر بالدوار. أسرعت إلى هاتفها تستنجد بمن يتصل وكان عاصي لتقول برجاء: الحقني يا عاصي.
انتفض من خلف مكتبه وهو يستمع لصرخها، لكن تبعها الآخر يجذبها من شعرها.
عاصي بجنون يكرر اسمها: غزلان، غزلان أنتي فين؟
ليسمع صوت إياس يقول بغضب: بتضربيني يا... والله لأربيكي.
ليشعر بقلبه يخرج من مكانه وأخته بين يدي ذلك الـ... ليلتقط مفاتيح سيارته ويغادر وهو لا يعلم أين هي.
ليقول بلهفة: غزلان، غزلان أنتي فين ردي، أنتي فين يا غزلان. ألو، ألو، ألوووو.
غزلان بشهقات وهي تعلم بأن عاصي ما زال على الهاتف: أنا وثقت فيك يا إياس، قلتلي أمك ببيتكم، عشان خاطري ابعد عني.
لكن الأخرى لم يجبها، صفعها بجنون صارخا دون وعي: بتضربيني!
أما عاصي ما أن علم أنها بمنزلهم حتى أسرع بسيارته إليهم.
*******
هند: اتكلموا مع بعض، اسأليه إيه اللي حصل، ما ينفعش تفضلي كده.
شمس ببهوت: أسأله أقوله إيه يا هند؟ أنا سمعته بيقول لابن عمه أنا باقي معايا عشان ابننا مش عشان حاجة تاني.
هند: وأنتي مش باقية معاه عشان ابنك كمان؟
شمس: ...
هند: أنتي لسه حاسة بحاجة ناحيته؟
شمس بدموع: مش عارفة، أنا حاسة إني متلخبطة يا هند مش فاهمة حاجة.
هند: أنتي مش بتقولي متغير وعاوز يرجع زي الأول يبقى أكيد في حاجة حصلت. شمس حاولي تتكلمي معاه وتفهمي منه إيه اللي حصل، أكيد عرف حاجة بتخصك وعرف إنك مظلومة.
شمس بتهرب: سيبك مني يا هند وخلينا فيكي، كفاية على عمران كده، حرام والله اللي بتعمليه فيه، خدي بنتك ورجعي بيتكم عشان هو قلقان عليكي قوي.
هند: لا يا شمس مش هرجع.
شمس: يا هند.
هند: عشان خاطري يا شمس سيبيني براحتي.
شمس: اللي تشوفيه مش هغصب عليكي، بس فكري كويس بلاش تخسري عمران عشان أنتي عارفة قد إيه بيحبك.
أومأت الأخرى برأسها وهي تنوي معاقبة عمران على ما يفعله بها.
*******
وصل عاصي أمام عمارة إياس ليهبط من السيارة بسرعة. هم بالصعود. ليلتقي بغزلان أمام الباب كانت هاربة تبكي.
أسرع إليها بقلق: عملك حاجة؟ أنتي كويسة؟
أومأت برأسها تقول بشهقات: كويسة يا عاصي.
عاصي: هو فين الـ...؟
غزلان ببكاء: فوق، ضربته على نفوخه وهربت.
أراد الصعود إليه لتمسك يده وهي ترتجف خوفا: خدني من هنا يا عاصي.
عاصي: مش قبل ما أربي الـ... اللي فوق.
انهارت باكية لتقول: عشان خاطري خدني من هنا.
شعر بالقلق عليها وهو يراها بهذه الحالة.
*******
أمام منزل العدوي.
ابتسم بحب لأخته الصغرى لتنظر إليها بتعجب: مالك؟ أنا قلت حاجة تضحك؟
عمران: والله وكبرتي يا شمس وبقيتي تقوليلي هعمل إيه.
شمس بابتسامة: وأنت عايزني أفضل عيلة؟ أني بقيت أم لو ملاحظ.
لتشير إلى طفلها.
عمران بحب: أحسن أم بالدنيا كلها.
شمس: إن شاء الله تعيش يا عمران وما اتحرمش منك يا خويا. سلام أنا بقى، اتأخرت.
عمران: شمس.
شمس نظرت إليه باستفهام.
عمران: سامحيني.
شمس: على إيه يا عمران؟
عمران: عشان الفترة اللي فاتت ما كنتش واقف جنبك وأهملتك قوي.
شمس: لا ما تقولش كده يا عمران، أنت عمرك ما قصرت معايا بحاجة. وأنا عارفة اللي مريت بيه الفترة اللي فاتت صعب قوي.
عمران: أنا عايز أسألك حاجة وتجاوبيني عليها بصراحة.
شمس: وأنا عمري كذبت عليك يا خويا؟ اسأل براحتك.
عمران: أنتي مبسوطة مع جوزك يا شمس؟
صمتت وأدارت وجهها الجهة الأخرى.
ليكمل عمران حديثه: لو مش مرتاحة ومراته عاملالك مشاكل أنتي مش مجبورة تتحملي، ولو على ابنك أربيه مع عهد بنتي.
شمس بارتباك وتوتر: أنا بصراحة يا عمران...
ليقاطعها.
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورة عبد الرحمن
فتح عمران نافذة السيارة ليبتسم فور رؤيته لعثمان. نزل من السيارة محتضنًا الآخر.
عمران: حمد الله على السلامة، جئت متى؟
عثمان: الله يسلمك. بعد الظهر وصلت. أنتم هتفضلوا كثير بالعربية ما بتنزلوا ليه؟
شمس بابتسامة: إزيك يا عمي وخالتي نجية والبنات عاملين إيه؟
عثمان: الحمد لله. أنتِ عاملة إيه والبيه الصغير عامل معاكِ إيه؟
شمس ابتسمت وهي تنظر لصغيرها: النايم الحمد لله كويسين. خالتي نجية جاءت معاك؟
عثمان: لا يا ستي ما رضيتش تنزل. قلت أنزل أنا عشان وحشتوني قوي. يلا خلوني ندخل بدل وقفتنا هنا.
عمران: لا معلش أنا مستعجل. أشوفك وقت ثاني.
لينظر إلى شمس هامسًا لها: ما تنسيش يا شمس، متى ما احتجتيني هتلاقيني جنبك.
ابتسمت لأخيها لتقول بهمس: إن شاء الله تعيش يا أبو عهد وما يحرمنيش منك، قادر يا كريم.
ليقبل الآخر رأسها ويغادر.
*******
كان يجلس بهدوء أمام الشاطئ يتذكر تفاصيلها الصغيرة، غزلان الطفلة التي كبرت بين يديه. يحفظ كل تفاصيلها لكنه لا يمل من تذكرها. استند بيديه على الأرض يعيد رأسه إلى الخلف مغمضًا عينيه تداعبه نسمات الهواء اللطيفة. يبتسم لها وكأنها أمامه. شعر بالانزعاج عندما سمع هاتفه يرن. ابتسم فور رؤيته لاسمها ليحمل الهاتف بسرعة ويجيبها بلهفة.
لكنه سرعان ما تغير مزاجه عندما سمع صوتها الباكي.
غزلان بشهقات: خالي أنا محتاجاك. تعالى بسرعة.
عزت نهض من مكانه بفزع: في إيه؟ صوتك ماله؟
لتجيبه بشهقات: تعالى خذني من هنا، أنا مش عايزة أظل مع عاصي، عايزة أرجع عندك.
عزت: طيب طيب اهدئي، أنتِ فين؟
غزلان: أنا بالبيت. عندهم.
عزت: مسافة السكة وهأكون عندك، ما تعيطيش كفاية.
أغلق الهاتف وأسرع إلى منزلهم.
أما الأخرى فدخل عليها عاصي بغضب هادرًا بحدة: بتكلمي مين؟
غزلان بخوف من مظهره: خالي بكلم خالي عزت والله.
جذب الهاتف من يدها وقال بتحذير: من النهاردة ما فيش زفت موبايل وما فيش خروج من البيت.
غزلان ببكاء: بس.. أنا..
عاصي بحدة: أنتِ إيه؟ هااااا؟ أنتِ إيه؟
أنتِ عارفة كان هيحصل لك إيه؟ كنتِ هتخسري إيه بطيشك؟
جذبها من ذراعها بعنف: رحتِ معاه بيته ليه؟ لدرجة دي ما تربيتيش؟
غزلان بانهيار: بس بس كفاية، حرام عليك. قلت لك مليون مرة قال لي أمه كانت هناك.
تدخل عثمان: في إيه يا عاصي؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
عاصي أغمض عينيه: ما حدش يتدخل بيني وبين أختي.
شمس تقف بعيدًا لا تستطيع فعل شيء وهي أساسًا تعرف غضبه.
أما نسمة تراقب ما يحدث بصمت ولا تعلم ما الذي ينتظرها بعد.
سهى بتعب تحاول التدخل لكنه طردهم.
غزلان بخوف: ما كنتش عارفة إنه لوحدنا والله.
جذبها من شعرها: عايزة تجيب لنا العار؟ يا بنت العدوي يا ريتك ما رجعتِ ولا شفت خلقتك.
وصل عزت بقلق واقتحم المنزل.
رأى عثمان ليسأله بخوف: غزلان فين؟
عاصي فين؟
ليسمع صراخ غزلان. ما إن سمعه عزت حتى شعر بقلبه يعتصره ليقتحم الغرفة دون تفكير: إيه اللي بيحصل هنا؟ وأنت ماسكها كده ليه؟
غزلان ببكاء شديد أرادت أن تحتضنه لكن الآخر يقبض شعرها: خالي الحقني يا خالي.
عزت بغضب: إيه اللي بتعمله بأختك ده؟ سيبها.
عاصي: أختي وبأربيها.
عزت بغضب اقترب منه محاولًا جعله يتركها ليقول: غزلان متربية أحسن تربية. سيبها يا عاصي. بأقول لك سيبها.
دفعها عاصي لتسقط على السرير ليسرع الآخر باحتضانها هامسًا بحنان: أنتِ كويسة؟
غزلان بشهقات: خذني من هنا يا خالي عشان خاطري، مش عايزة أظل عندهم.
نهض وساعدها بالنهوض ليقول: حاضر يا حبيبتي حاضر، يلا بينا.
ليقف عاصي بوجههم: على فين؟
عزت: أنا غلط يا عاصي، أنا غلط عشان رجعتها لكوا وقلت أهلها وهيحافظوا عليها. أنا غلط، لينظر إلى تلك التي تتشبث بثيابه: حقك عليا يا غزلان، أنا اللي عملت فيكِ كده.
لكن عاصي جذبها من ذراعها ليبعدها عنه.
عزت محاولًا تمالك أعصابه: عاصي سيبني آخذها معايا. مش هأسيبك تعمل فيها كده. أنا عمري ما مديت يدي عليها، تيجي أنت تضربها كده؟
عاصي: يا ريتك ضربتها يمكن كانت اتربت.
عزت بغضب: غزلان تربيت يدي، ربيتها أحسن تربية.
عاصي بسخرية: لا والله ونعم التربية.
عزت بتحذير: عاصي.
عاصي: وأنا قلت كلمتي، مش هتخرج من البيت ده إلا على بيت جوزها أو قبرها.
أجهشت الأخرى بالبكاء والآخر يحكم قبضته على ذراعها.
ليقول عزت دون تفكير: وأنا هأتجوزها.
صدمة ألجمت الجميع ليقفوا مذهولين مما يقول، بمن فيهم عاصي.
لتصرخ به غزلان ببكاء: أي الكلام ده يا خالي؟
نظر إليها بهدوء محاولًا طمأنتها ليقول لها: أنا مش خالك. أنا بأبقى ابن خالك وأظن كلكم تعرفوا ده. وأنتِ أولهم يا غزلان.
عاصي صمت وأرخى قبضته على يدها. لتقترب منه الأخرى بصدمة وتقول: أنت خالي؟ مش ممكن الكلام اللي بأتقوله ده.
عزت نظر إليها بهدوء. لينظر إلى عاصي يسأله: قلت إيه؟
عاصي: دون تفكير موافق بس بشرط.
وقف الجميع بصدمة لتنهار الأخرى بالبكاء لتصرخ بهم: أي الهبل ده يا خالي؟ أي الكلام اللي بأتقوله ده؟
وأنت يا عاصي موافق على إيه؟ ده خالي خالي، افهموا، عزت يبقى خالي.
أغمض عينيه الآخر بغصة.
ليهدر بها عاصي: مش خالك، عزت يبقى ابن خالك هاني وأنتِ عارفة ده كويس عشان كده. أنا ما عنديش مانع بس بشروطي.
تقدم نحوه عزت: وأنا جاهز لكل حاجة.
تقدمت شمس من غزلان عندما لاحظت هدوء ملامح عاصي واحتضنتها تحاول تهدئتها.
أما عاصي قال وهو ينظر لشمس وغزلان: مش هتخرج من البيت لحد ما يتعمل لها فرح وتروح بيتك.
عزت: بس الأسبوع الجاي عندها امتحان.
عاصي: مش مهم الامتحان يتأجل.
عزت: ويتأجل ليه؟ ما هي هتخلص السنة دي آخر سنة لها بالمعهد.
عاصي: ده اللي عندي.
عزت: ما ينفعش كده.
عاصي بحدة: أنا قلت.
ليقاطعهم عثمان بمهادنة: أنا هأوديها يا عاصي تمتحن وأرجعها.
عاصي نظر إلى عمه ونظر إلى غزلان التي لا تزال تحت الصدمة: ماشي يا عمي.
غزلان بسخرية: يعني خلاص هتستر عليا دلوقتي؟ وأنا كنت عملت إيه عشان كل ده؟
عاصي: مش عايز كلام كثير.
غزلان: حرام عليك كده والله حرام.
اقترب منها عزت وود التحدث إليها ليوقفه صوت عاصي.
إيه يا عزت؟ نسيت الأصول ولا إيه؟ زمان البنت كانت شايفاك خالها إنما دلوقتي ما تفكرش تقرب لها قبل كتب الكتاب.
عزت نظر إليها بضيق والأخرى تنظر إليه بعتاب. ليومئ برأسه وقال: ماشي يا عاصي. أنا همشي دلوقتي واليوم اللي تخلص غزلان امتحانها هيكون كتب الكتاب والفرح.
وقفت الأخرى دموعها تهبط بصمت وهي تنظر لهما وهما يخططان لحياتها ومستقبلها. لتسرع إلى غرفتها وتتبعها شمس وسهى.
عزت: أنا عايز أفهم إيه اللي حصل عشان تعمل معاها كده، أظن ده من حقي.
أومأ له عاصي ليتبعه الآخر إلى الحديقة ليخبره بما حدث.
******
كانت تجلس في الشرفة بعد أن نامت ابنتها تتذكر عمران فهي بغيابها عنه ليوم واحد اشتاقت له. تنهدت بضيق حتى شعرت بيدين تحيطها وتضع على كتفيها معطفًا. التفتت لتجده عمران.
أرادت النهوض متصنعة الغضب لكنه أمسك يدها يمنعها من المغادرة. جلس بجانبها وهو يجذبها إليه هامسًا: الجو برد مش كده؟
هند..
عمران: على فكرة وأنتِ مش بالبيت ما قدرتش أقعد فيه عشان كده حملت روحي وجئت لك.
هند..
عمران: وحشتيني.
هند أدارت وجهها عنه ولكن بداخلها تشعر بالسعادة. فهو لم يحتمل بعدها عنه.
عمران: مش هتقولي حاجة؟
نهضت من مكانها متصنعة البرود لتقول: عايزة أنام. تصبح على خير.
عمران نهض مسرعًا بابتسامة: ما كلنا عايزين ننام، يلا بقى أصل اليوم كان متعب قوي.
رفعت حاجبها لتقول بسخرية: لا والله.
ليحملها الآخر ويتجه بها إلى السرير هامسًا: يا بنت بأقول لك وحشاني. ليضعها على السرير واقترب منها لكنها ابتعدت عنه لتقول بضيق: ابقى نام لوحدك هأروح أنام عند أمي.
عمران: عند أمك فين؟ ده على جثتي.
هند بتحذير: عمران.
عمران وهو يقترب منها: قلب عمران وعيون عمران وروح عمران.
هند: بس بقى كفاية.
لتحاول المغادرة ليجذبها إليه ويستلقي على السرير معها وسط تذمرها هامسًا: اتهدي وسيبيني أنام خلاص مش هأعمل حاجة.
هند بعند: لا سيبني.
ليقاطعها بقبلة شغوف ويبتعد عنها هامسًا: والله لو اتحركتِ من جواري هأكمل ومش هأسأل بزعلك. اتهدي بقى وخلينا ننام.
لتستكين بين أحضانه وهي تشعر بالسعادة لتمسكه بها هكذا.
******
نسمة: وحشتني قوي بقالك كثير ما تباتش عندي.
عاصي جلس ببرود على السرير وهو يوليها ظهره: عملتِ كده ليه؟
نسمة جلست بجانبه وأمسكت يده: بتتكلم على إيه؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟
عاصي: ليه بعتِ لي صور شمس على موبايلي وأنتِ متأكدة إنها ما لهاش ذنب؟ ليه؟
لينهض من مكانه ممسكًا ذراعها بعنف: اتكلمي وأنا سامعك.
نسمة: كذب. مين اللي قال لك كده؟
عاصي: ما تكذبيش. أنا سمعت أمي عواطف وسهى بيتخانقوا عشان أمي بتداري عليكِ.
نسمة: عاصي أنا ما عملتش حاجة. والله.
قاطعها بحزم: ما تحلفيش. والله لو عاملة أمي وهي بقبرها كنت دفنتك مطرحك يا نسمة. أنا سبتك هنا لحد ما تأكدت.
مش عايز أغلط فيكِ يا بنت الناس وأزعل أمي بقبرها. حضري حاجتك وأنتِ طا.
لتضع يديها على فمه تمنعه من نطقها وتقول برجاء: ما تطلقنيش يا عاصي، ما تنطقهاش. أنا بأحبك وعملت كل ده عشانك.
أبعد يدها عن فمه ليقول: ما عادش ينفع الكلام خلاص يا بنت الناس أنتِ طا.
قاطعته بشهقات ودموع: أنا حامل يا عاصي.
عاصي بصدمة.
وشمس تبكي وقد استمعت لحديثهم صدفة. وضعت يدها على فمها بصدمة ودموعها لم تتوقف.
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورة عبد الرحمن
كان يجلس في الحديقة يحاول استيعاب ما سمعه من نسمة، هل حقًا حامل؟ هذا الشيء الوحيد الذي لم يكن بحسبانه.
أما شمس فكانت تراقبه من الشرفة تحمل صغيرها لكي ينام، دموعها تنهمر بصمت، لتراه يخرج مسرعًا بعد أن أتاه اتصال.
******
عثمان طرق الباب على غزلان ليقول لها بود:
أقدر أتكلم معاكي يا بنتي؟
غزلان أومأت برأسها لتمشي أمامه ويجلسان بالصالة.
عثمان: أنتي عارفة عاصي بيحبك قد إيه.
غزلان بدموع: عاصي ما بيحبنيش، عايز يتحكم بحياتي على غلطة أنا ماليش ذنب فيها.
عثمان: والله بيحبك، ولما عرف إن ليه أخت فرح ومصدق شافك وخدك تحت جناحه.
غزلان بشهقات: أومال ليه بيعمل فيا كده؟ ليه أنا عملت له إيه؟
عثمان: طب يا بنتي تقدري تهدي شوية ونفكر بالعقل كده؟
مسحت دموعها ونظرت لعثمان ليقول الآخر: أنتي شايفة روحك صح لما روحتي مع إياس البيت لوحدكم؟
غزلان: والله قالي أمه هناك.
عثمان: حتى ولو ما كانش ينفع تروحي البيت مع أي حد حتى لو كان خطيبك.
أنزلت رأسها إلى الأرض.
ليكمل الآخر: طب افرضي عملك حاجة عفشة، هتعملي إيه؟
غزلان: ...
يا بنتي أخوكي عايز مصلحتك.
غزلان: مصلحتي إنه يحبسني بالبيت ويحرمني من تعليمي، ويجبرني أتجوز الراجل اللي مربيني ومعتبراه خالي.
عثمان: بس كلنا عارفين إن عزت مش خالك.
غزلان: بس يا عمي...
عثمان: ما بسش، أنا شايف إنه بيخاف عليكي وهيحافظ عليكي.
غزلان: بس أنا مش قادرة أشوفه غير إنه خالي.
عثمان: معلش مع الوقت هتتعودي.
غزلان: أنت مش هتتكلم مع عاصي؟
عثمان: أتكلم معاه بإيه؟ عاصي خلاص دماغه قفل وما بيحبش حد يناقشه بأي حاجة، عاصي بيحبك يا بنتي أنتِ من ريحة أمه وأي حاجة بيعملها بيعملها عشانك ومع الوقت هتعرفي ده كويس، أنا حبيت أقولك الكلمتين دول عشان ما تاخديش بخاطرك منه.
غزلان: ...
*******
في سيارة عاصي.
تميم: زي ما قلت لك يا عاصي احنا جينا عشان نوديه المخزن لقينا عزت عامل فيه كده.
عاصي ابتسم بداخله وقد اطمأن بأنه فعل الصواب عندما قبل بزواجه من أخته وهو يرى إياس ملقى على الأرض جراء ضرب عزت له، ليقول: سيبوه يا تميم ده خد جزاته خلاص.
********
نسمة تحدث والدتها على الهاتف.
نسمة: أعمل إيه يا يمه؟ ما عرفتش أعمل حاجة إلا إني أكذب أقوله إني حامل.
والدتها: الكذب حبله قصير يا نسمة، بكرة هيعرف إنك مش حامل ولا حاجة.
نسمة ببكاء: وأنا هعمل إيه؟ ما هو كان هيطلقني يا يمه.
والدتها: وهتعملي إيه دلوقتي؟
نسمة: مش عارفة، أبوس يدك يا يمه خرجيني من المصيبة دي.
والدتها بتفكير: ماشي، من بكرة الصبح تجهزي وتعدي عليا وهنشوف نعمل إيه بالمصيبة دي.
مسحت دموعها لتقول: حاضر يا يمه حاضر، من النجمة هكون عندك.
*******
خرجت من الحمام تلف جسدها بالمنشفة وتجفف شعرها أمام المرآة حتى شعرت به يبعد خصلات شعرها ويقبل عنقها ويدفن وجهه بها ليحيط خصرها بكلتا يديه يجذبها إليه أكثر. استدارت لتصبح مقابلة له، ليهمس لها بتوهان: وحشتيني.
لم تبدِ أي ردة فعل ليعيد دفن وجهه بعنقها يسمعها كلماته الرقيقة الدافئة التي افتقدتها منذ زمن.
شعر بالريبة فهي لم تحاول إبعاده عنها، تقف أمامه دون مقاومة على غير العادة.
ليبتعد عنها وينظر إليها بشوق هامسًا بقلق: أنتي كويسة؟ أومأت برأسها بغصة وأرادت الابتعاد عنه لكنه أمسكها مجددًا ليحملها ويقبلها بشوق ولهفة ويخبرها كم يشتاق إليها.
*******
عمران: مش كفاية بقى ونرجع بيتنا؟
هند: أرجع لوحدك أنا هفضل هنا.
عمران: بلاش دلع وخلاص كفاية عليكي كده، يلا قومي حضري حاجتك.
هند: مش راجعة يا عمران مش راجعة.
عمران بتحذير: هند!
هند ضمت يديها إلى صدرها وأدارت وجهها عنه.
ليقول الآخر: ما خلاص بقى أنا ورايا مصالح وشغل، يلا حضري حاجتك وخلينا نرجع بيتنا.
هند: مش...
ليقاطعها وهو يحيط خصرها هامسًا بتوهان: مش إيه؟
هند بارتباك: مش مش مش...
عمران: مش مش إيه؟
هند حاولت إفلات نفسها لكن الآخر يثبتها لتقول: سيبني يا عمران.
عمران: أسيبك ليه؟
هند: عشان عشان...
عمران: ها عشان إيه؟
هند: عشان مينفعش.
عمران قبل جبينها ليقول: مينفعش إيه؟
هند: عمرااا...
عمران انتقل إلى شفتيها ليقبلها بعشق والأخرى تبادله دون وعي منها، حتى قاطعهم رنين الهاتف، حاول عمران تجاهله لكنه استمر بالرنين، ليبتعد بضيق عنها والأخرى تنفست بسرعة ولعنت نفسها لأنها ضعفت بين يديه.
ليقول لها وهو يأخذ أنفاسه سريعًا: راجع لك ماشي، ما تتحركيش من مكانك.
*******
حل الصباح على أبطالنا.
استيقظ عاصي متأخرًا ولم يجد شمس بجانبه، ابتسم بسعادة وهو يتذكر الليلة الماضية وهي بين أحضانه.
لينهض من سريره بنشاط، بحث عنها داخل الحمام ولم يجدها ولم يجد طفله أيضًا.
ظن بأنها نزلت لتتناول الإفطار مع العائلة.
دخل الحمام وبدل ثيابه.
ليخرج بنشاط والابتسامة لم تفارقه ليقابله تميم: ما شاء الله أي سر النشاط ده؟
عاصي وهو يبحث عنها بعينيه: عندك إيه النهارده؟
تميم: هنزل الغردقة عشان هقابل ناس هناك.
عاصي بابتسامة: لا طلعت الغردقة سيبها لي، هاخد شمس ورحيم ونقضي وقت هناك ونكون اتفسحنا وخلصنا شغلنا كمان.
تميم بغمزة: ماشي يا عم، شكلك مظبط أمورك.
عاصي: الله أكبر من عينك.
تميم: من عيني أنا؟ والله ظالمني.
عاصي: طب مراتك فين دلوقتي؟
تميم بضيق: لسه نايمة زي عادتها من ساعة ما ماتت أمها.
ربت على كتف صديقه ليقول: ربنا يهديها.
تميم: يا رب.
عاصي: هروح أشوف شمس راحت فين.
تميم: هو أنت ما تعرفش؟
عاصي: إيه؟
تميم: جه عمران وخدها بدري، أنت ما تعرفش؟
خرج من غرفته واتصل بعمران عدة مكالمات ولكنه كان يفصل بوجهه.
تميم: في إيه يا عاصي؟
لم يجبه وأسرع إلى سيارته يحاول مهاتفة عمران مرات عدة حتى أجابه أخيرًا.
عاصي: شمس معاك؟
عمران ببرود: لا.
عاصي بتوتر: إزاي وتميم قالي إنها خرجت معاك؟
عمران: كانت معايا ودلوقتي وصلتها المطار وسافرت.
عاصي بصدمة: إيه؟
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورة عبد الرحمن
اقتحم عاصي مكتب عمران وهو في قمة غضبه، هادرًا بحدة:
"مراتي وابني فين؟"
كان عمران يراجع بعض الملفات مع أخيه حازم، لينظر إليه ويقول:
"اتفضل اقعد يا عاصي."
رد الآخر بنفاذ صبر:
"مش عايز أتزفت أقعد، عايز مراتي وابني."
نهض حازم بحدة، فقد طفح به الكيل من عاصي الذي لا يرى أحدًا أمامه، ليقول بحدة:
"متحترم نفسك وتتكلم عدل."
تجاهله عاصي ونظر إلى عمران هادرًا بتحذير وهو يمد سبابته بوجه الآخر:
"هتقولي مراتي فين وإلا لا يا عمران؟"
نهض عمران ببرود وقال:
"لا، واتفضل اقعد عشان نتكلم ونتفاهم."
لم يحتمل الآخر برود عمران، اقترب منه وأمسك ياقته مهددًا:
"مراتي وابني هيرجعوا يا عمران وإلا..."
أبعده حازم بعنف هادرًا:
"أنت اجننت؟ إزاي تمد يدك على عمران؟"
ليجيبه الآخر وهو يدفعه:
"اطلع منها أنت، هو أنا لسه عملت حاجة؟ ده أنا هطربقها."
حازم:
"لا شكلك اتجننت رسمي، شمس خلاص مش هتبقى مراتك وهطلقها يا عاصي ورجلك فوق رقبتك."
استشاط غضبًا من كلمات حازم له. ليضحك بسخرية من شدة قهره، وقال:
"آه أطلقها وتقعد عند مراتك؟ عشان تطردها زي المرة اللي فاتت؟"
اتسعت عينا حازم بصدمة ليمسكه من قميصه ويقول بحدة:
"أنت بتقول إيه؟"
دفعه عاصي ليقول:
"ما هي جت لكم قبل كدة ومراتك طردتها. عايزها تتذل مرة ثانية؟ دلوقتي افتكرت إن ليك أخت؟"
عمران:
"كفاية بقى خلاص، وأنت يا حازم سيبه وخلينا نتكلم عشان مينفعش اللي بتعملوه أنتول مش عيال."
حازم ما زال تحت الصدمة ليغادر بانفعال من المكان وسط نظرات عاصي وعمران له وهو يشعر بالخزي، هل حقًا ما قاله عاصي؟ هل حقًا زوجته وحبيبته طردت أخته من المنزل عندما استنجدت بهم؟
تنهد عمران بضيق من وضع أخيه، فهو يعلم كم يعشق زوجته، وأراد اللحاق به لكنه يجب أن ينهي الأمر مع عاصي أولًا. لينظر إلى عاصي بهدوء ويقول:
"اتفضل يا عاصي عشان نتكلم."
عاصي:
"نتكلم بإيه؟ بقولك عايز مراتي وابني."
انفعل عمران ليقول بغضب حاول كتمه:
"ومراتك مش عايزة ترجع."
عاصي:
"يعني إيه؟"
عمران:
"اللي سمعته. شمس عايزة تتطلق."
عاصي ضحك ساخرًا:
"طلاق؟ عايزة تتطلق؟"
عمران جلس بهدوء وقال:
"أيوه يا عاصي، وأظن اللي بقوله ما يضحكش. وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف."
تغيرت ملامح عاصي للجدية، ليقول بهدوء:
"ماشي يا عمران بس أظن من حقي أتكلم معاها."
عمران:
"خلاص وقت الكلام يا عاصي. شمس مش عايزة إلا الطلاق."
عاصي محاولًا التهرب:
"وابننا؟ أنت شايف إن الطلاق مش هيأثر عليه؟"
عمران:
"رحيم مش أول طفل ولا آخر طفل هيعيش في الظروف دي."
عاصي:
"أنا عايز أتكلم معاها وأظن ده من حقي."
عمران:
"هي مش عايزة، وده آخر كلام عندها."
عاصي:
"وأنا مش هطلق. وخليها تخبط نفوخها بالحيط."
عمران بهدوء:
"أنا أول مرة أشوف أختي كده، ولا مرة شفتها مقهورة للدرجادي. باين عليك وجعها قوي عشان كده بقولك طلقها يا عاصي. أنا اللي جوزتهالك كنت فاكر إنك هتبقى سندها وتسعدها بس الظاهر إني كنت غلط. شمس بهت لونها، سرحانة طول الوقت، وأنا مش عايز أخسر أختي."
نهض عاصي من مكانه ليقول:
"لو عايز كل حاجة ترجع زي الأول وشمس ترجع زي زمان وأحسن، قولي هي فين عشان لو ما قولتش هعرف مكانها لوحدي."
صمت عمران ليقول:
"أنا قولت اللي عندي يا عاصي، زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف."
"براحتك." قالها عاصي واتجه إلى باب المكتب. ليمشي خطوتين ثم يعود. نظر إلى عمران مطولًا، ثم قال بهدوء حاول إظهاره:
"شمس مراتي وهتفضل مراتي لحد آخر يوم في عمري. بلغها الكلام ده يا عمران، أنا مش هتخلى عن أم ابني."
ليغادر ويترك الآخر.
جلس عمران خلف مكتبه بضيق من عناد الاثنان، فهو حاول التحدث قبل ذلك مع شمس وتغيير رأيها أيضًا دون جدوى. حتى أنها لم تخبره سببًا واضحًا لقرارها هذا إلا أنها أخبرته بأنها لم تعد تستطيع العيش مع عاصي بعد اليوم.
أما عاصي فور خروجه من مكتب عمران أجرى مكالماته وأمر الجميع بالبحث عنها.
*****
دخل حازم المنزل لتستقبله زوجته بهية بابتسامة:
"حمد لله عالسلامة يا حبيبي، رجعت بدري. وحشتك وإلا إيه؟"
قاطعها ليسألها وهو ينظر إلى عينيها مباشرة:
"شمس جت هنا قبل كدة وأنت طردتيها؟"
ابتلعت لعابها وتغيرت ملامحها وهي تنظر إلى وجهه المحتقن من شدة الغضب.
بهية بتوتر:
"أنا... أنا... يا حبيب..."
قاطعها بحدة وهو ممسكًا ذراعها بعنف:
"هي كلمة وحدة، طردتيها وإلا لا؟ انطقي."
بهية:
"والله يا حازم كنت كنت..."
حازم:
"آه أو لا."
أومأت برأسها بخوف. ليدفعها الآخر باختناق ويجول داخل المنزل بغضب فهو يحبها ولا يمكنه أن يضربها ليفرغ جام غضبه عليها.
نهضت بسرعة وأمسكت يده برجاء تقول بين شهقاتها:
"حازم أنا والله ما كان قصدي أنا بس..."
قاطعها بعد أن نزع يده منها بحدة ليقول وهو يشعر بغصة بصدره:
"أنت طالق، تاخدي حاجتك وتغوري، مش عايز أشوف وشك. ومصرفك أنت وابنك هيجيلك لحد عندك."
صاحت بمرارة:
"لا يا حازم عشان خاطري لا."
جلست على الأرض ترجوه ببكاء، لكنه غادر قبل أن يضعف أمامها فهو حقًا يحبها جدًا.
*******
تميم كان يحاول التودد لزوجته سهى دون جدوى، لينهض بضيق من جانبها هادرًا باختناق:
"لا بقيت دي ما بقتش عيشة يا بنت الناس، خلاص أنا جبت آخري معاكي."
سهى بدموع:
"قولتلك تعبانة أنت ما بتحسش ليه؟"
تميم:
"أنا ما بحسش بيكي؟ لا يا شيخة بصي لنفسك، باحاول أعمل أي حاجة عشان أرضيكي وما فيش فايدة."
سهى:
"أنا خسرت أمي، أمي. أنت ليه مش قادر تحس بيا؟"
تميم:
"وأنا؟ أنا مش بعد جوازنا بشهرين أمي ماتت؟ ما عملتش كدة وأنت أكتر حد عارفه كنت متعلق بيها قد إيه؟ بس مع كل ده ما أهملتكيش يا سهى، وحاولت أنسى. مع إنه موت أمي هيفضل غصة بقلبي لحد ما أموت بس ما جيتش عليكي بكل ده وكنت بأعاملك بما يرضي ربنا بس أنت دلوقتي بتعملي إيه؟ هااا بتعملي إيه؟"
سهى:
"..."
تميم ارتدى قميصه بإهمال واتجه إلى الخزانة ليجمع ثيابه بعشوائية داخل حقيبته.
سهى بدموع:
"أنت بتعمل إيه؟"
"هغور من هنا، ولما تعقلي تعرفي مكان بيتنا، خلاص طفح الكيل يا سهى مش قادر أتحمل أكون قريب منك وبتبعديني كده. فكري كويس يا بنت الناس عشان دي ما بقتش عيشة."
ليحمل الحقيبة ويغادر ويترك الأخرى تبكي بقهر.
******
على النيل تجلس شمس وهي تحمل طفلها تداعبه بحب حتى أتاها صوت شاب طويل ذا ملامح رجولية هادئة من خلفها. يبتسم بحب وقال:
"والله حرام عليكي تيجي من غير ما تبلغيني."
نهضت بابتسامة واسعة واتجهت إليه ليحتضنها ويقبل رأسها:
"وحشتيني بجد بقالي كتير ما شفتكيش."
شمس بحب:
"وأنت وحشتني أكتر والله يا حبيبي."
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورة عبد الرحمن
بعد مرور أسبوع
كانت تعمل في المطبخ بضيق وغضب، ترمي الأواني وتصدر أصواتًا تخبر الجميع بمدى غضبها وغيرتها.
حتى شعرت بيدين تحيطان خصرها ويدفن وجهه بشعرها، استكانت للحظات وأغمضت عينيها تشعر بقربه منها، ليهمس لها بود:
"مالك يا روحي؟"
أبعدت يداه عنها واستدارت وهي تمسح دموعها.
رؤوف بصدمة احتضن وجهها بقلق:
"بتعيطي يا هنا؟ مالك يا روحي؟"
هنا بشهقات:
"مين البنت دي؟"
رؤوف مسح دموعها ليقول:
"دي شمس بنت عمتي، ما أنا قولتلك."
هنا ببكاء:
"لا ما قولتليش إنكم قريبين من بعض كده، أنت من ساعة ما شفتها ما بصيتش لخلقتي وطول الوقت تتكلموا مع بعض."
رؤوف بابتسامة حانية:
"إيه ده، أنتِ بتغيري من شمس؟"
مسحت دموعها بكمها بعنف واستدارت لتكمل عملها، لكنه جذبها إليه ليهمس لها:
"بصيلي وقولي كل اللي في قلبك."
هنا:
"..."
رؤوف:
"على فكرة، ما ينفعش تغيري من شمس."
ردت عليه بانفعال:
"وليه إن شاء الله؟ مش ست؟"
رؤوف باستفزاز:
"شمس ست وزي القمر و..."
هنا بقهر:
"اسكت، اسكت خلاص، مش عايزة أسمعك تاني."
أمسك وجنتيها بحب وابتسم على انفعالاتها ليقول:
"لا لازم تسمعي عشان ترتاحي."
هنا:
"ما فيش حاجة تريحني إلا إنك تاخدها وترجعها مكان ما جت."
أغمض عينيه يحاول احتواء زوجته ليقول بابتسامة:
"تروح فين؟ ما ده بيتها كمان."
أجابته بانفعال:
"يا سلام! وأنا إيه؟ ماشي أنا اللي همشي وأسيبلك البيت عشان تتهنوا فيه."
لكنه أمسك معصمها يمنعها من التحرك ليقول بجدية شعرت بها:
"تروحي فين؟"
هنا:
"هغور وأسيبهالكم مخضرة."
رؤوف بتحذير:
"هنا! لاحظي إني بحاول أتكلم بشويش، ما تطلعيش جناني عليكي، وسيبيني أتكلم."
ضمت يديها إلى صدرها لتقول:
"عايز تقول إيه؟"
تنهد الآخر ليضربها بخفة على وجنتها هامسًا:
"بلاش التكشيرة دي عشان أعرف أتكلم."
هنا بانفعال:
"أنا وشي كده، عايز تقول إيه؟ قول."
رؤوف:
"شمس دي زي أختي، إحنا مربيين سوى وما ينفعش تغيري منها."
ردت عليه مقاطعة:
"يا سلام! بقى أنا عيلة عشان أصدق الكلام ده؟"
رؤوف:
"يا بنتي سيبيني أكمل، هو أنا لسه قولت حاجة؟"
نظرت إلى الجهة الأخرى تعبر عن غضبها ليجذبها إليه ويحيط خصرها هامسًا:
"ما أنا قولتلك بلاش التكشيرة دي."
هنا نظرت إليه والدموع تتلألأ في عينيها تهدد بالسقوط.
شعر بها زوجها ليقول:
"أنا وشمس راضعين على بعض يا بنتي، فاطمني وبلاش تطلعي جنانك عليا، ماشي؟"
شعرت براحة لكنها ما زالت تشعر بالغيرة فهو أهملها جدًا منذ أن جاءت شمس، لتدير وجهها عنه ليقول لها:
"وكمان متجوزة وبتحب جوزها، أنتِ مش شايفة ابنها معاها؟"
تهلل وجهها لكنها قالت بضيق:
"بس أنت من ساعة ما جت هنا وأنت أهملتني وما بقتش تهتم بيا، وكل وقتك مقضياه معاها."
رؤوف:
"يا سلام! ومين قال كده؟"
هنا:
"أنا بشوف بعيني كده."
رؤوف:
"لا ونبي بلاش تشوفي حاجة تاني يا بنتي، دي الدنيا كلها عندي بكفة وأنتِ بكفة لوحدك، بلاش تقارني نفسك بحد عشان أنتِ غير كل الناس، أنتِ روحي، أنتِ النفس بتاعي، بلاش تصغري عقلك، ماشي؟"
هنا ابتسمت وأدارت وجهها للجهة الأخرى.
ليدير وجهها إليه بابتسامة ويقبل جانب شفتيها وقال:
"مش سامعك."
شعرت بالخجل ليقبلها بعمق أكثر وهي تبادله حتى ابتعد عنها هامسًا:
"بحبك."
لتبتسم الأخرى وتدفن وجهها بصدره، فهذا ما كانت تحتاجه، اعترافه بحبها الذي لم تسمعه منذ يومين.
**********
يوم زفاف غزلان وعزت.
سهى بحب:
"ألف مبروك يا حبيبتي."
غزلان ببهوت:
"الله يبارك فيكي يا سهى."
سهى:
"مالك يا حبيبتي زعلانة كده ليه؟"
غزلان وقد اغرورقت عيناها بالدموع وشهقات تعلو:
"أنا، أنا مش عارفة، مش، مش قادرة أستوعب إني اتجوزت خالو عزت."
تنهدت سهى بابتسامة:
"يا حبيبتي عزت مش خالك وخلاص بقى جوزك، وأنا شايفة أنتِ بتحبيه وتثقي فيه قد إيه، فإيه المشكلة؟"
غزلان:
"المشكلة إن محدش حاسس بيا، أنا مش قادرة، مش قادرة يا سهى، ما أقدرش أشوفه إلا إنه خالي، ما أعرفش أشوفه غير كده، بحبه عشان هو خالي وبس."
سهى مسحت دموعها بحب وحنو:
"هتتعودي يا حبيبتي، خلاص ده بقى جوزك يا غزلان وأنا بق..."
قاطعهم طرقات على الباب وكان عاصي وتميم.
كانت عينا سهى مركزتان على تميم لكن الآخر تجاهلها تمامًا.
اقترب عاصي من غزلان التي مسحت دموعها بسرعة ولم تنظر إليه وقال:
"ألف مبروك."
غزلان:
"..."
عاصي:
"أنتِ مخصماني وإلا إيه؟"
غزلان:
"..."
عاصي اقترب منها وضمها إليه وقبل رأسها وقال:
"مع الوقت هتعرفي إني عملت كل ده عشان مصلحتك."
غزلان:
"..."
عاصي:
"يلا عشان جوزك مستنيكي عشان تروحوا بيتكم."
شعرت غزلان بانقباضة بصدرها، فلطالما كان ذلك المنزل ملجأها الوحيد، منزلها الذي تحبه وعاشت به طفولتها وشبابها، لكن هذه المرة تختلف، ستدخل المنزل بصفة لم تتوقعها يومًا.
ليقطع شرودها سهى:
"يلا يا حبيبتي عشان ما تتأخريش."
تقدمت بخطوات خائفة وعاصي يتقدمها ويمشي أمامها لتودع الجميع وتجلس بجانب عزت الذي لم تسعه الفرحة بهذا اليوم الذي لطالما حلم به.
قاد سيارته بعد أن ودعا العائلة وغادر بعروسه.
كان عاصي يراقب السيارة وهي تبتعد حتى اختفت عن الأنظار ليتنهد بارتياح.
أما تميم ودع عاصي وغادر المنزل أيضًا بالوقت الذي كانت سهى تتجهز لتغادر معه لكنها شعرت بالغضب عندما رأته يغارد بسيارته دون أن يتكلم معها.
********
بهية:
"خلاص يا مرات أخويا خلاص، محمد مش هيمد يده على ابنك تاني."
زوجة أخيها:
"بعد إيه؟ بعد ما ضرب ابني؟ ابنك خلاص ملوش قعاد عندنا، أول ما يرجع أخوكي هيوديه بيت أبوه، أنا اتصلت فيه وهو على وصول."
بهية ببكاء:
"أنتِ بتقولي إيه؟ محمد ما عملش حاجة وابنك هو اللي ضربه."
زوجة أخيها:
"أنتِ بتبجحي كمان؟ مش كفاية مستحملينك بعد ما جوزك رماكي رمية الكلاب، عايزانا نشيل ابنك كمان؟"
بهية بشهقات:
"أنتِ بتقولي إيه يا مرات أخويا؟"
زوجة أخيها:
"زي ما سمعتي."
بهية برجاء:
"عشان ربنا يا مرات أخويا، أنا ما عنديش إلا ابني."
زوجة أخيها:
"وإحنا مش ملزمين نربي ولاد العالم."
بهية:
"بس، بس حازم بيبعتله فلوس كل فترة."
زوجة أخيها:
"لا يا أختي مش عايزين الفلوس دي، ياخد ابنه ويصرف عليه بنفسه، وأنتِ تشوفي حياتك بقى وتتجوزي."
بهية بصدمة:
"أنتِ بتقولي إيه؟"
ليأتيها صوت أخيها:
"زي ما سمعتي."
بهية:
"سمعت إيه؟ عايز تجوزني يا أخويا؟"
أخيها:
"آه وماله، ما أنتِ مش أول وحدة ولا آخر وحدة."
بهية بانفعال:
"لا مش هيحصل."
أسكتها بصفعة أسقطتها أرضًا ليجذبها من شعرها هامسًا بفحيح:
"أنتِ بتعاندي معايا يا بنت أبويا؟ شكلك نسيتي أنا مين، بس ملحوقة ممكن أفكرك لو عايزة."
قالت بخوف وألم فهو ما زال يمسك شعرها:
"ده، ده قد أبويا، أنت، أنت إزاي هتعمل فيا كده؟ حرام عليك، والله حرام عليك."
ليأتيها صوت زوجة أخيها تقول بسخرية:
"لا والله بتتبطري على النعمة، ما أنتِ مطلقة وعندك عيل، تتحمدي ربك عشان رضي بيكي."
دفعها أخيها ليقول:
"زي ما سمعتي."
ليأخذ طفلها وقال:
"ابنك ده مكانه عند أبوه مش هنا."
نهضت بفزع وأسرعت إليه تبكي وترجوه بأن يترك طفلها معها لكن دون جدوى ليأخذه ويعيده لعائلته.
*****
عثمان:
"بسرعة الحق يا عاصي!"
عاصي نهض من خلف مكتبه بتعب وقلق:
"في إيه يا عمي؟"
عثمان:
"مصيبة يا عاصي، مصيبة."
عاصي:
"..."
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورة عبد الرحمن
استأذنت حليمة وتركت عزت وغزلان لوحدهما بالغرفة المزينة، فقد تفنن عزت بتزيينها، فهذا اليوم الذي كان يحلم به طوال حياته.
تقدم نحوها بهدوء، أما الأخرى فما زالت دموعها تغرق وجنتيها بصمت دون أن يشعر بها عزت. رفع ذقنها لينظر إلى وجهها الذي اشتاق إليه، ليصدم برؤيتها تبكي. أغمض عينيه بغصة ومسح دموعها برقة هامسًا أمام شفتيها:
"مبروك."
مسحت دموعها ونظرت إليه مطولًا بصمت.
ابتعد عنها الآخر محاولًا التحكم بمشاعره، فلطالما كان يمنع نفسه عنها. أما اليوم فهي زوجته، ملكه وخاصة به، لكن لا، لن يفعل هذا الآن، لن يجبرها على شيء. ستكون له لكن بإرادتها.
سمع صوتها الباكي لتغرز سكينها بصدره:
"أنت عملت كده ليه يا خالو؟"
شعر بأنفاسه تهرب منه، شيء ثقيل يطبق على صدره، ليقول مبتسمًا ببهوت:
"هو في عروسة بتقول لجوزها خالو؟"
ردت بانفعال لم يعهده منها:
"عشان أنت خالي، والجوازة دي أنا... أنا معرفش حصلت إزاي. أنت... أنت فاهم الجوازة دي يعني إيه؟"
صمت ولم يجبها، بل تهرب بعينيه منها.
اقتربت منه لتدير وجهه إليها:
"بص لي هنا يا خالو، قول لي إن ده محصلش. قول لي إنك هتفضل خالي دايمًا، سندي في الدنيا دي، اللي ربتني وكبرت على يدك. قول لي إن كل ده كابوس وبس عشان خاطري."
عزت:
"جوزك يا غزلان، افهمي بقى. أنا جوزك وهفضل جنبك لحد آخر يوم في عمري، جنبك وفي ظهرك."
صاحت به بدموع تناثرت:
"لا لا، أنا مش عايزة كده. أنت مش ممكن تبقى جوزي."
باغتها بقبلة عميقة وعنيفة، والأخرى تحاول إبعاده دون جدوى، ليبتعد عنها بعد لحظات وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، لتجلس على الأرض بانهيار.
أما هو فلم يحتمل مظهرها هكذا، ليلتقط مفتاح سيارته ويغادر.
*********
"بتعملي إيه؟"
قالتها هنا لشمس التي تنظر لصورة، لتخفيها بسرعة وتقول بحرج:
"ولا حاجة."
هنا:
"مش هتخليني أشوف صورته؟"
شمس بارتباك:
"هو... هو مين ده؟"
هنا:
"مش دي صورة جوزك برضه؟"
شمس:
"لا... أنا... أنا... أنا..."
هنا:
"هو أنتِ سبتي جوزك ليه؟ لو بتحبيه للدرجة دي."
أبعدت شمس نظرها عن الأخرى وتغيرت ملامح وجهها.
لتقول هنا:
"أنا آسفة إن كنت قلت حاجة زعلتك."
شمس:
"لا أبدًا يا هنا ما قولتيش حاجة. بس أحيانًا البعد أحسن لينا وبيحافظ على مشاعرنا وكرامتنا اللي بتنتهك كل ثانية مع اللي بنحبهم."
هنا:
"بس البعد ضعف، أنتِ بتتخلي عن حاجة أنتِ عايزاها ومحاولتيش تحافظي عليها. بصي مثلًا لا سمح الله لو زعلت من رؤوف في يوم، مش ممكن أبعد عنه. عارفة هعمل إيه؟ هتمسك بيه، هتكلم معاه، هعاتبه، هفهمه زعلي على إيه ومن إيه."
شمس:
"الكلام مش هينفع في ظروفي."
هنا:
"والهروب كمان مش هينفع."
شمس:
"بس أنا ما هربتش يا هنا."
هنا:
"هو أنتِ شايفة نفسك ما هربتيش لما جوزك ما يعرفش مكانك؟"
شمس:
"هو أنا مضايقاكي بقعدتي عندكم؟"
هنا:
"لا طبعًا أنا مش قصدي كده. أنا آسفة ما كانش قصدي اللي أنتِ بتقولي عليه ده والله."
شمس:
"ولا يهمك."
هنا:
"أنا والله بس كنت عايزة أريحك بدل ما أنتِ كل الوقت ماسكة صورته كده، وشايفة الزعل في عينيكي. صدقيني أي ست لازم تدي جوزها فرصة واحدة على الأقل عشان ما تخسرهوش، وأنتِ فكري في ابنك يا شمس."
شمس:
"..."
هنا:
"يا شمس لازم تقعدوا تتكلموا، وافتحوا قلوبكم لبعض."
شمس:
"خلاص يا هنا، إحنا هنطلق، ما بقاش ينفع الكلام ده."
هنا:
"بس هو رافض الطلاق."
شمس:
"مصيره يوافق."
هنا:
"ما أظنش يا شمس، ما هو واضح إنه متمسك بيكي."
شمس بغصة:
"متمسك بيا عشان أم ابنه."
هنا ابتسمت بسخرية:
"عشان أم ابنه؟ لا أنتِ فاهمة غلط. ما فيش راجل بيتمسك بست عشان هي بس أم عياله."
شمس:
"قصدك إيه؟"
هنا:
"قصدي هو متمسك بيكي أنتِ يا شمس وعايزك أنتِ. فكري بكلامي كويس. أنا هروح أعمل الأكل."
لتكمل بابتسامة:
"عشان أنتِ عارفة رؤوف لما يجوع يقلب إزاي."
ابتسمت شمس ببهوت وغاصت في ذكرياتها مع عاصي، وأخذت تفكر بكلام هنا لها.
********
في المستشفى.
عثمان:
"عاصي، روح يا ابني ارتاح شوية. خلاص عمك بقى كويس."
كان عاصي يضع رأسه بين يديه يحاول تجميع شتاته، ليقول لعمه:
"أنا بجد محتاج أرتاح يا عمي، أرتاح لفترة كبيرة من كل حاجة."
عثمان ربت على كتفه:
"ربنا يعينك يا ابني. قوم روح يا ابني."
نهض عاصي وقال:
"لو جد حاجة بلغني يا عمي ماشي، وأنا هكون عندك الصبح بدري."
أومأ له عثمان برأسه ليغادر الآخر، وأخرج هاتفه واتصل بتميم.
تميم:
"أيوه يا عاصي."
عاصي:
"عرفت مين اللي عمل كده؟"
تميم:
"خالد النجوي يا عاصي، دخل في مناقصات وهمية وخسر عمي أحمد كل حاجة، عشان كده تعب وخدوه المستشفى."
جز عاصي على أسنانه ليسمع صوت تميم:
"هنعمل إيه دلوقتي؟"
عاصي:
"سيبني أفكر وهبلغك. أكيد مش هنسيب خالد يتمادى معانا أكتر من كده."
تميم:
"ماشي يا عاصي، سلام."
عاد عاصي إلى منزله ليقول لإحدى الخادمات أن تعد له القهوة، واتجه إلى غرفته هو وشمس. فتح الخزانة ومرر يده على ملابسها وأشيائها وكأنها تعمدت أن تترك كل الأشياء التي تذكره بها.
أخذ قطعة ثياب واستنشقها بعمق وكأن شمس بين يديه. قطع شروده الخادمة التي استأذنت وقدمت له القهوة، ثم غادرت وتركته غارقًا في ذكرياته معها.
وبعد لحظات، شعر بنفسه يتعرق بشدة، أنفاسه بدأت بالتسارع. ليسمع الباب يفتح وخطوات نسمة الهادئة تتقدم نحوه، كانت تضع الزينة وكأنها عروس بيوم زفافها. تقدمت نحوه بقميص نوم يظهر مفاتنها لتجلس على حجره وتحيط عنقه بدلال هامسة:
"وحشتني."
لم يدع لها مجالًا لقول شيء آخر ليعتليها.
*******
"عمران قوم رجع مراتك، زمانها هتموت عشان ابنها."
حازم:
"خليها تتربى يا عمران."
عمران:
"حازم، أنت عارف أهلها وطباعهم، قوم هاتها واجمع عيلتك، كفاية لحد كده، لو مش عشانها عشان ابنك."
حازم:
"..."
عمران:
"اسمع كلامي يا حازم، خلاص بهية أكيد حرمت."
حازم:
"سيبه كمان شوية، أنا عايز أربيها يا عمران، عايزها تحرم تعمل كده تاني. أنا بحبها آه، بس ما بحبش كمية السواد اللي جواها، لازم بهية تنظف، لازم تتغير."
عمران:
"وأنت فاكر البعد هيغيرها؟ ده ممكن يقسيها أكتر. قوم يا حازم، قوم يا أخويا ربنا يهديك ربنا يهديك."
ليقاطعهم صوت هاتف عمران وكانت هند تبكي.
هند:
"الحقني يا عمران، عهد تعبانة جدًا."
انتفض عمران من مكانه بقلق:
"مالها عهد فيها إيه؟"
هند ببكاء:
"مش عارفة، سخنة قوي، تعالى بسرعة."
عمران:
"طب طب اهدي اهدي يا هند، وأنا مسافة السكة وهكون عندك."
هند بشهقات:
"بسرعة يا عمران بسرعة عشان خاطري."
رواية شمس العاصي تشرق من جديد الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورة عبد الرحمن
حل الصباح على أبطالنا ليعلن عن بدء يوم جديد.
كانت نسمة تنام بعمق بين أحضان عاصي، تغمرها السعادة بعد ليلة أمس.
أما عاصي، فاستيقظ على رنين هاتفه ليفتح عينيه بتململ وضيق، ويصدم بوجودها بجانبه بغرفته وعلى سرير شمس. انتفض بفزع من هذا المنظر، فهي تنام على صدره ومظهرهما يؤكد له بأن أمس كانت ليلة حافلة مع نسمة التي قرر إبقائها فقط لأجل الحمل.
استيقظت الأخرى على صراخه.
عاصي بصدمة: أنت بتعملي إيه هنا؟
نسمة: عاصي أنا...
عاصي: أنتِ إيه؟ وزفت إيه؟ إيه اللي جابك أوضتي، انطقي!
نسمة ببكاء مصطنع: أنا جيت أتكلم معاك، وأنت... أنت اللي أصريت إن... إن يحصل كده.
عاصي بصدمة مسح على وجهه محاولًا تمالك أعصابه ليقول: هو... هو ما حصلش حاجة صح؟
نسمة: ...
عاصي: انطقي! اتكلمي!
نسمة ببكاء: حصل، وأنا مراتك وده العادي، وأنا ما أجبرتكش، أنت اللي عملت كده.
تقدم نحوها ليمسك ذقنها بعنف، أراد ضربها.
لتقول بأنفاس متقطعة من الألم: عاصي... سيبني.
تذكر بأنها حامل، دفعها بعيدًا عنه، مسح شعره بتوتر ليقول بحزم: غوري، مش عايز أشوف وشك.
نسمة: عاصي أنا...
عاصي بانفعال وهو يرمي ملاءات السرير على الأرض بغضب: غورررررري... لحسن يمين بالله أوريكِ وش تاني.
لملمت نفسها، حاولت أخذ ثياب من خزانة شمس ليوقفها بغضب: أنتِ بتعملي إيه؟
نسمة بخوف من مظهره: أنا... أنا ما ينفعش أخرج كده.
رمى معطفه عليها ليقول بحزم: حاجة شمس ما تمديش يدك عليها، أنتِ فاهمة؟ وغوري دلوقتي.
ردت عليه بقهره وبكاء: أنت ليه بتعاملني كده هاا؟ مش أنا اللي أجبرتك على ده أنت إمبارح أصريت يحصل كده.
صاح بها: كفاية كفاية بقى! ليمسك ذراعها ويخرجها خارج الغرفة، يلعن نفسه مئة مرة على ما حدث.
أما نسمة فقد ابتسمت بانتصار وأسرعت إلى غرفتها تتذكر ما حدث عند الطبيبة.
الطبيبة: حضرتك زي الفل ومفيش حاجة تمنع الحمل.
والدة نسمة: أومال ليه لسه ما حصلش؟
الطبيبة: ده عند ربنا يا حضرتك.
نسمة ببكاء مصطنع ورجاء: عشان خاطري يا دكتورة أنا عايزة أحمل بسرعة، جوزي بيهددني وعايز يطلقني لو ما حصلش حمل.
الطبيبة: إيه التخلف ده؟ ده كله بأمر ربنا.
نسمة: أبوس يدك ساعديني.
تنهدت الطبيبة لتقول: والله ما أعرف أقولك إيه.
نسمة: عشان خاطر ربنا أنا عايزة يحصل حمل بسرعة، أنا بحب جوزي ومش عايزة أخسره.
الطبيبة بعد تفكير: بصي يا مدام، هو ممكن أديكي نوع دوا معين تاكليه، إن شاء الله يحصل حمل، بس ضروري تلتزمي بالتعليمات كويس.
نسمة: حاضر حاضر هعمل أي حاجة المهم يحصل الحمل.
كتبت لها الطبيبة على مجموعة من الأدوية ومن بينهم ثلاث حبوب. أخبرتها بأن تتناول كل يوم حبة وبعد ذلك يجب أن يحدث علاقة حميمة بينها وبين زوجها لمدة ثلاث أيام.
تغيرت ملامحها وبهتت، فعاصي لا يرغب حتى برؤيتها، كيف له أن يلمسها بعد أن عرف بالحقيقة؟ لكن والدتها أشارت لها لتطمئنها. ثم خرجا من عند الطبيبة ليذهبا عند إحدى الصيدليات ويخبران صاحبها بأن زوجها يعاني مشاكل في العلاقة الزوجية، ليعطيهما نوعًا من الأدوية التي تساعد على تحسين العلاقة.
عادت من ذكرياتها لتبتسم وتغوص بذكريات الليلة الماضية، لكنها سرعان ما عبست عند تذكرت بأنه طوال أمس كان يناديها شمس. دمعت عينيها بغيظ، لتمسح دموعها وتفكر كيف ستجتمع مع عاصي الليلة أيضًا لكي يحدث الحمل بسرعة.
أما عاصي كان يضع رأسه بين يديه يلوم نفسه على ما حدث أمس، مع أنه لا يتذكر شيئًا، يحاول استيعاب ما الذي حدث له وكيف يضعف أمام غرائزه فهو لم يفعلها قط. ليتنهد باختناق واتجه إلى الحمام ليغتسل عله ينفض غبار تلك الأفكار من رأسه.
********
كانت هند نائمة بجانب ابنتها وعمران يحتضنها بحب ويلعب بخصلات شعرها، يتذكر خوفها أمس على طفلتهما وبكائها المرير بين أحضانه.
طفلته الصغيرة أصبحت أم، لكنها مازالت تلجأ إليه عندما تضغط عليها الحياة.
قبل جبينها مغمضًا عينيه بحب كبير.
حتى سمع طرقات على الباب، نهض من جانبها بعد أن غطاها جيدًا وقبل ابنته، ليتجه إلى الباب ويجد والدة هند تنظر إليه بعتاب.
عمران: خير يا مرات عمي؟
والدة هند: عايزة أكلمك يا عمران، حصلني تحت هستناك.
لتغادر من أمامه بهدوئها المعتاد.
أما عمران خرج من الغرفة ولحق بها بقلق.
********
شمس استيقظت ولم تستطع النهوض من سريرها، تشعر بأنها مجهدة كثيرًا. تنظر إلى طفلها النائم تفكر هل حقًا أخطأت عندما لم تواجه عاصي بما عرفته؟ ولم تمنحه الفرصة ليدافع عن نفسه؟
هل حقًا كان يجب أن تحدثه وتفهم ما يجول بداخله؟
هو حقًا كان سيترك نسمة لأجلها، لكن نسمة الآن حامل. تنهدت بضيق من نفسها ومن محاولتها إيجاد عذرًا لعاصي. هل حقًا هي تحبه لهذه الدرجة؟
حسنًا، ماذا الآن؟ ماذا يفعل عاصي في هذه اللحظة؟
هل هو سعيدًا ببعدي عنه؟
هل يبحث عني؟
هل سامح نسمة على فعلتها وستظل زوجته؟
أسئلة كثيرة تدور بعقلها حتى قطع شرودها طرقات على الباب ليأتيها صوت رؤوف من خلف الباب.
رؤوف: شمس... أنتِ لسه نايمة؟ ما نزلتيش ليه؟
نهضت وعدلت هيئتها، وضعت حجابها وهي تقول: نازلة يا رؤوف، انزل أنت وأنا هحصلك.
رؤوف: ماشي يا حبيبتي ما تتأخريش.
نزل رؤوف ليجد هنا مندمجة بإعداد الإفطار، قبلها قبلة سريعة هامسًا: هو أنتِ بتحلوي كده إزاي؟
هنا: ...
رؤوف: أنتِ صحيتي إمتى؟
هنا: من بدري.
رؤوف: طب مالك مكشرة كده ليه؟ هو أنا عملت حاجة؟
هنا رمقته بنظرة سريعة لتعود لعملها وتقول: هو أنت بتقول لشمس حبيبتي ليه؟
رؤوف بضحكة: أنتِ بتغيري من شمس يا يا روحي؟
استدارت لتنظر إليه بضيق وتقول بانفعال: بغير حتى من أمك، بلاش أسمعك تقولها كده تاني.
رؤوف: ده تهديد ده ولا إيه؟
هنا: والله أفهمها زي ما أنت عاوز.
أحاط خصرها ليجذبها إليه بحب: إحنا بنبقى زي القمر لما بنغير كده ليه؟
هنا: بطل بقى.
قبل وجنتيها ليهمس لها: الخدود دي بقت زي الفراولة وعايزة تتأكل.
هنا بخجل: بقولك بطل بقى واوعى عشان ما تعطلنيش.
رؤوف: يا بت أنتِ عملتِ فيا إيه؟
هنا بدلال رفعت كتفيها: ما عملتش.
انقض على شفتيها بقبلة طويلة، والأخرى تبادله بسعادة، ولم يبتعدا عن بعضهما حتى سمعا صوت خطوات شمس تقترب من المطبخ.
ليعدلا هيئتهما بسرعة والارتباك ظاهر على هنا، فوجنتيها اشتعلتا حرجًا وسعادة فرؤوف يستطيع تغيير مزاجها دائمًا بحنانه وحبه لها.
شمس: أساعدك بحاجة؟
هنا بحرج: لا تسلميلي.
ليغمزها رؤوف: ما أنا ساعدتها يا شمس.
لتبعد هنا نظرها عنه بحرج.
******
كان حازم يلاعب طفله، وهو يفكر ببهية.
حازم: أمك عاملة إيه يا محمد؟
محمد بطفولة: هي بتقول إنها كويسة، بس... أنا بشوفها بتعيط لوحدها دايمًا.
اعتدل بجلسته: بتعيط ليه؟ هو حد عملها حاجة؟
محمد: مرات خالي بتتخانق معاها دايمًا.
حازم: بتتخانق معاها ليه يا حبيبي؟
محمد: تتجوز يا بابا تتجوز.
شعر بغصة بصدره: تتجوز مين وليه ومن إمتى؟
محمد: ما أعرفش بس ماما لما قالت لأ خالو ضربها جامد وجابها من شعرها.
نهض حازم بانفعال: ضربها؟
محمد: أيوة يا بابا، أنت ليه سيبت ماما تروح عندهم؟ هما مش بيحبونا يا بابا وماما هناك طول الوقت بتعيط، هما وحشين قوي.
أمسك برأس ابنه ومسح شعره ليضمه إلى صدره: ما تخافش يا حبيبي، كل حاجة هترجع زي الأول.
ليغادر، شياطين الجن تتطاير أمام عينيه.
***
عمران: في إيه يا مرات عمي، قلقتيني.
والدة هند: في إنك مهمل مراتك وبنتك وراميهم هنا بالمزرعة وما بتسألش عنهم.
عمران: أنا... ما أنا على يدك حاولت كتير معاها وهي مش راضية.
أم هند: عشان هي بتحبك، وأنت لسه عايش على ذكرى مراتك.
عمران بحرج: والله دي أوهام من هند يا مرات عمي، أوهام أنا صح كنت حاسس بالذنب عشان أهملت سمية جدًا، بس مش زي ما هند فاكرة، هند مراتي وأم ابني وأنا بحبها.
أم هند: عارف يا عمران، أنا حاسة إني غلطت لما طلبت منك تتجوزها، عشان كنت عايزة أشوفها مبسوطة دايمًا، بس اللي حصل عكس اللي كنت عايزاه، أنا بشوفها تذبل كل يوم قدام عينيا وما أعرفش أعملها إيه.
دخلت عليهما هند ودموعها تغرق وجنتيها.
هند ببكاء وقهر: إيه اللي سمعته يا أمه؟
عمران: ...