تحميل رواية «سجن العصفوره» PDF
بقلم داليا الكومي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صوت زقزقة عصفورة على نافذة غرفتها. صوت المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم. صوت أبيها سلطان وهو يوقظها كما اعتاد أن يفعل يومياً. تغلغلوا لأعماق عقلها وهي نائمة. "قومي يا بنتي... اصحي عشان تفطري. جهزتلك الفطار." فتحت هبة عينيها بكسل. شاهدت والدها يقف على باب غرفتها. قفزت من فراشها فوراً. "كده يا بابا ليه بس تعبت نفسك. مش كفاية تعبك طول النهار في شغلك وتعبك في البيت بعد ما بترجع... تطبخ وتكنس وتنضف وبترفض مساعدتي ليك في شغل البيت عشان أذاكر... كمان بتحضر الفطار وتصحيني. طب سيبني يوم أخدمك أنا....
رواية سجن العصفوره الفصل الحادي عشر 11 - بقلم داليا الكومي
ادهم اختار العمل على حاسوبه في صمت تام. تجاهل وجود هبة تمامًا طوال فترة الرحلة.
شغلت نفسها بقراءة مجلة أدبية اختارتها من مجموعة مجلات عرضتها المضيفة عليها. نظرات الحسد والغيرة التي وجهتها لها المضيفة الحسناء أخافتها.
أحست أنها تتمنى أن تكون مكانها بجوار ادهم. وكانت أيضًا تقيمها بنظرة متفحصة، ويبدو أنها أغتاظت من نتيجة تقيمها لها، فانسحبت لنهاية الرحلة ولم تحاول مجددًا مع ادهم.
هبة نظرت في اتجاهه فوجدته ما زال منهمك في العمل على حاسوبه. لم يرفع رأسه بعيدًا عنه إلا عندما أحس بعجلات الطائرة وهي تلامس أرض المطار.
حتى هذه اللحظة، هي فقط تعلم أنهم مسافرون إلى الصعيد. أخيرًا عرفت وجهتهم عندما طائرة ادهم وصلت لجزء خاص من مطار الأقصر الدولي.
سيارة سوداء شبيه بسيارة القاهرة كانت في انتظارهم مع سيارة دفع رباعي أخرى. نفس المنظر الذي شاهدته في القاهرة يتكرر هنا مرة أخرى بنفس التفاصيل. فشخصية مهمة مثل ادهم لا بد وأن يُحاط بحراسة مشددة من رجاله المخلصين أينما ذهب.
هبة لأول مرة في حياتها تسافر. لأول مرة كانت تغادر القاهرة، لأول مرة كانت تركب طائرة. مع ادهم كانت دائمًا تختبر لذة المرة الأولى في كل شيء.
"القرنة".... ادهم قال لها بلدي القرنة بفخر عند وصولهم لمدخل القرية. أخبرها وصوته يقطر فخرًا.
- القرنة فيها أماكن أثرية شهيرة زي وادي الملوك ومعبد حتشبسوت وتمثال ممنون ومعبد الرمسيوم ومعبد سيتي ووادي الملكات.
أكثر آثار الأقصر عندنا. أعجبت بولائه وانتمائه لقرية، ليتها تمتلك الأصل والعائلة مثله.
متعت نفسها بمناظر البلد الخلابة. جو مختلف تمامًا عن الذي اعتادته في القاهرة. النشوة التي أحست بها غمرتها لدرجة أنها فقدت الإحساس بالوقت.
لم تستعد إدراكها إلا حينما توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة. استقبلهم عند البوابة الخارجية لمنزله رجلان يرتديان جلابيات ويحملون بنادق على أكتافهم.
هبة دهشت بشدة ولم تستطع التصديق. وجهت نظرة رعب لادهم. وعندما أحس برهبتها، يده احتوت يدها بحنان بالغ.
بعد اجتياز البوابة الحديدية، السيارة دخلت في حدائق مساحتها شاسعة. في نهايتها منزل أشبه بالقلعة الحجرية مبني على مساحة ضخمة جداً مكون من طابقين.
على الرغم من جمال المنزل الفريد في عمارته وجمال الأراضي المحيطة به، إلا أن هبة تملكها رعب هائل. في قصره في القاهرة كانت سعيدة، أما هنا فهي مقبوضة وتشعر بالخوف. خوف لم تعرف له سبب واضح.
ربما لأنها لم تعتد رؤية ذلك الكم الهائل من البشر في نفس الوقت.
الرجال مع بنادقهم أصبح الآن منظرًا معتادًا من تكراره مرارًا أمامها. فعند سلالم المنزل شاهدت العديد منهم وهم يرحبون بأدهم باحترام واضح. حراس ادهم الشخصيين المسلحين والتي كانت تستنكر وجودهم حوله، يصبح منظرهم متحضرًا جدًا بجوار جيش الغفر الموجودين بغزارة في كافة أرجاء المنزل والحدائق.
ادهم اصطحبها إلى واحد من مجالس عدة تحتل مساحة ضخمة صممت لتناسب كبير عائلة البسطويسي.
في المجلس كان يوجد نسخة لكن كبيرة في السن من ادهم. ادهم ولكن بعد مرور ثلاثين سنة. لكن أيضًا بوجه جامد قاسٍ خالٍ من التعبير، كأنما لم يعرف الضحك أو الانفعال في حياته مطلقًا.
أيضًا شاهدت سيدة عجوز ملامحها بسيطة، وجهها بشوش وحجمها قليل جدًا. فور رؤيتها لادهم، فتحت ذراعيها لاستقباله وقالت بحب وفرحة غامرة.
- ولدي...
ادهم استقبل لهفتها بقبلة حنونة على رأسها وقال.
- كيفك يا أمي... كيفك يا والدي.
سليم.
- بخير الحمد لله. دي بتي عروستك؟
ادهم قال بنبرة حانية.
- أبوي... أمي أقدم لكم هبة مراتي طالبة في كلية الهندسة.
سليم مد يده لهبة بالسلام. هبة استقبلت يده بحذر. يده القوية عصرت يدها. لكنها على الرغم من قوتها، أحست معها بالحنان.
أما والدة ادهم، فوجهها الحنون يرسم تعبيرًا لن تستطيع هبة نسيانه مهما عاشت من عمر. الفرحة الممزوجة بالحب.
أخذت هبة في حضنها وقالت بفرح حقيقي نابع من أعماق قلبها.
- نورتي يا بنتي.
هبة صدمت صدمة عمرها. لأول مرة في حياتها يتم احتضانها. وأحست بحضن والدة ادهم وكأنه حضن أم. أخيرًا تذوقت حضن الأم الذي لم تعرفه يومًا.
على الرغم عنها، دموعها نزلت وغسلت وجهها.
ادهم أحس بدموعها. فأمسك ذراعها بلطف بعد ما تحررت من حضن والدته. كأنه أحس أنها ستسقط على الأرض بدون دعمه لها.
- أمي الحاجة نجية أطيب قلب. عاوزك تعتبريها زي مامتك.
"من غير ما تقولي... أنا ما صدقت لقيت أم".
هبة فكرت.
هبة هزت رأسها بامتنان. لمسة ادهم سببت لها قشعريرة في جسدها مجددًا.
سليم: الرجالة يا ولدي منتظرينك في المجلس. سيبك من قعدة الحريم وتعالي معايا.
ادهم تردد لثوانٍ، لكن نجية شجعته.
- روح يا ولدي. أنا هاخد بالي منها لحد ما ترجع.
ادهم تطلع في عينيها بحنان ثم حرر ذراعها وذهب مع سليم وتركها في حماية نجية.
حنان نجية وفرحتها برؤيتها فاقوا كل توقعاتها. سألت نفسها بقلق.
- ياترى هما يعرفوا إنها بنت سلطان الساعي البسيط؟
حياة ادهم حياة خيالية لم تتخيل وجودها يومًا. عم سلطان الساعي البسيط كان كل دنيتها. منزلهم الصغير كان حصن أمانها. وفجأة دخلت دنيا غريبة من أوسع أبوابها.
فرحة نجية الواضحة والمرتسمة على وجهها طمأنت هبة بأن إقامتها هنا سوف تكون سهلة.
نجية أخبرتها بلطف.
- اخلعي حجابك يا بنتي محدش هنا غريب. لا يمكن راجل غريب يقدر يدخل هنا أبداً.
هبة خلعت حجابها. شعرها الأصفر الحرير تحرر من ربطته.
نجية هتفت بانبهار.
- بسم الله ما شاء الله. زي ما ادهم وصفك بالضبط.
هبة علقت في دهشة.
- وصفني؟
نجية: أيوه. لما سألته إيه شكلها عروستك قال لي "ملاك شعره لون الدهب الصافي وعينيه لون الزرع.. وبشرتها لون التلج".
هبه صدمت من وصفه وقالت.
- هو وصفني كده معقول؟
- هو فعلاً مكنش بيبالغ. شعرك لونه جميل مرة. ما شفتش زيه في حياتي قبل كده.
ضحكت بحنية وأكملت.
- أنا وأبوه سألنا نفسنا كتير عن سبب تعلق ادهم الجوي بيكي، لكن لما شفتك عذرتُه وفهمت. ياما عرضنا عليه يتجوز وكان بيرفض لحد ما عرفنا في يوم إنه اتجوز.
ادهم ولدي جوي وبيأخذ قرار ولا يمكن حد يقدر يعارضه حتى أبوه.
عقل هبة اشتغل فورًا. حاولت أن تفهم. سألت نفسها يمكن نجية ليس لديها فكرة عن الضغط الذي مارسه زوجها على ادهم. هي قالت عرض عليه ولم تقل أجبره.
نجية ما زالت تواصل تعريفها بأدهم الذي لا تعرفه.
- ادهم ولدي الوحيد. جبتُه بعد سنين انتظار. كنت خلاص فقدت الأمل إني أخلف وكنت بتحايل على سليم اللي انتظرني كتير إنه يتجوز تاني وكان بيرفض. وبعد ضغط مني ومن العيلة... سليم وافق أخيرًا ويوم ما قرر يتجوز عرفت إني حامل. سليم غير رأيه ولغى الجوازة وحصلت مشكلة كبيرة وعداوة بين العيلتين لسه لحد اليوم قايدة بينا وبين عيلة الكفراوي، بس متغطية تحت ستارة المصالح. بس على أي شرارة هتولع نار مش هترحم.
اسم ضرب هبة. عائلة الكفراوي. تذكرت عزت المحامي عندما أخبرها عن الضغوط التي كان يواجهها ادهم من أجل أن يتزوج ابنة عائلة الكفراوي. وقال لها أيضًا إنها فتحت الجروح القديمة. الآن فهمت ماهي تلك الجروح القديمة. موقف كان ادهم لا يحسد عليه، ولكنه واجهه بقوة.
نجية أكملت.
- مش هكذب عليكي يا بنتي ومش عاوزاكي تزعلي مني، لكن أنا قلبي انقبض لما عرفت إن ادهم اتجوز واحدة مصرية ومن غير ما يقلنا كمان. بس أما شفتك الحمد لله اطمنت وقلبي انفتح لكِ وهعتبرك بنتي اللي مخلفتهاش في حياتي. وأتمنى منكِ تعتبريني مكان والدتكِ زي ما فهمنا من ادهم إنكِ يتيمة من زمان. عشان كده لو تجيبيني مكان والدتك الله يرحمها هتفرحيني كتير وترتاحي قلبي.
الدموع غلبت هبة. حنان نجية الفياض غطاها من رأسها حتى أصابع قدميها. نجية أم وتحب ابنها لدرجة أنها مستعدة لحبها مثل ابنتها لاعتقادها أنها بذلك تسعد ادهم. آه لو يعلموا الحقيقة. وأنها مجرد لعبة اشتراها كي يسيطر على أوضاعه.
- الدور الفوقاني يا بنتي كله مشغول لادهم ومش هيكون معاكم فيه أي حد. حتى الخدم ومساعدتك عبير هيطلعوا بالطلب بناءً على أوامر ادهم. هو طلب كده.
طابق كامل مغلق عليهم بمفردهم. هبة قلبها هوى في أرجلها من الخوف. كيف ستواجه ذلك الوضع المستحيل؟ ربما ادهم يرغب في حفظ سرهم ولذلك منع صعود الخدم إلا بإذنه كي لا يكتشفوا زيف زواجهم.
هبة تذكرت ذهول عبير عندما تجرأت أخيرًا سألتها.
- انتي تعرفي إيه عن علاقتي بأدهم؟
عبير أجابتها بذهول.
- طبعًا مراتُه. هي دي حاجة تستخبى. البيه بلغني يوم ما اتفق معايا بأني هكون مساعدة عروسته اللي اتجوزها من فترة، بس عمليتها أجلت إتمام وإعلان جوازهم وبلغ كل اللي في البيت بكده.
لو تسمحيلي أسألك... ليه سؤالك ده؟
بماذا ستجيبها؟ لذلك صمتت وتجاهلت سؤالها، ولكن عقلها بدأ في الفهم والتركيز.
ادهم منذ يوم عمليتها وهو قرر أنها سوف تتنقل إلى منزله. واتفق مع مساعدة شخصية لها وابلغ خدمه أنه تزوج. قرر أن يبوح بالسر الذي أخفاه سنوات أخيرًا. خبر انتقالها لمنزله تسرب إلى أهله في الصعيد. وبالطبع طلبوا منه أن يقابلوا العروسة المجهولة التي أخفاها ادهم لسنوات. وقرر أن يظهرها أخيرًا. يبدو أن ادهم تسرع عندما دعاها للإقامة في منزله وتورط بالإعلان عن زواج لا يرغبه.
- اطلعي ارتاحي ونامي يا بنتي. انتي لسه طالعة من عملية. ثم أكملت بخبث. - ومتنتظريش ادهم قريب. لما مجلس العيلة بيجتمع بيه بيقعدوا ساعات كتير ياما. مصالح العيلة كلها في يد ادهم.
يا أم السيد وصلي العروسة لفوق. خليها ترتاح في جناحهم.
أثر ندائها سيدة عجوز ظهرها منحني من أثر الزمن ووجهها رسمت التجاعيد عليه خريطة واضحة المعالم. خرجت من باب جانبي صغير.
أم السيد أشارت لهبة أن تتبعها وصعدت على سلالم رخامية مفروشة بسجاد أحمر سميك.
هبة تبعتها بطاعة. وصعدت خلفها إلى الطابق الثاني الذي كان مختلفًا كليًا في تصميمه عن الطابق الأول.
أم السيد فتحت لها باب غرفة نوم. هبة دخلت منه بتردد وأم السيد خرجت وأغلقت عليها الباب بدون أن توجه لها أي كلام.
رواية سجن العصفوره الفصل الثاني عشر 12 - بقلم داليا الكومي
الفصل الثانى عشر
ام السيد خرجت بدون اي كلمة واغلقت الباب خلفها....هبة استقبلت سجنها الجديد ولكنة هذة المرة سجن لة طابع اثري ....اول شيء لمحته عيناها كان الفراش الكبيرالمحاط باربع اعمدة خشبيه محفورعليهم اشكال فرعونية بديعة يغطيهم ستارة بيضاء شفافة مربوطة برباط ذهبي عند كل عمود...
فراش مذهل لم تري في حياتها تحفة رائعة مثلة.. ظهرة المنجد بقماش القطيفة ذو لون ازرق تراكوازى مع لحاف السرير الذهبي الستان والناموسية البيضاء شديدة البياض بقماشها الفاخراعطوا الفراش فخامة عجيبة ... في طرف اخر من الغرفة كان يوجد صالون كبير منقوش ايضا بالوان ذهبية متداخلة مع درجات متنوعة من اللون الارزق في تناغم مدهش
لمحت بابين مغلقين احدهم علي الجدار المواجهة للفراش ... والاخر اصغربالقرب منها ...استنتجت انه باب الحمام ...حب الاستطلاع دفعها لفتح الباب الاخر الذى لم تتعرف علي طبيعتة في البداية ...عندما فتحتة رأت غرفة ملابس كبيرة ...ممتلئة بملابس رجالية ..بدل وقمصان و....وجهها احمر من رؤية ملابس ادهم الداخلية وخفضت عيناها للارض بحياء ...
لكن هناك علي الارض شاهدت حقيبتين السفرالخاصتين بها اللتان جهزتهما عبير...الحقيبتان كانتا مازالتا مغلقتان....من غرفة الملابس شاهدت باب اخر مغلق لم تجرؤ علي فتحة ففضولها له حدود
هبة عادت لغرفة النوم بعد ان اشبعت جزء من فضولها ... كانت تشعر بالحيرة فماذا يجب عليها ان تفعل الان ..؟ صوت عبيرعلي باب غرفتها تطلب الدخول انقذها من حيرتها ....
عبير : انا بستأذنك ادخل ارتب حاجاتك واجهزلك الحمام
بعد فترة قليلة عبير خرجت من غرفة الملابس تحمل قميص ابيض طويل ستان بحمالات رفيعة وروب يماثلة...هبة دهشت من رؤية ذلك القميص الغريب فهى لم ترة من قبل
الحمام جاهز اتفضلي-
هبة استمتعت بحمامها ..انواع غريبة من الاعشاب عبير اضافتهم لمياة المغطس ...عطروا جسدها بعطر خفيف منعش وفكوا تعب عضلاتها من اثر السفروالاجهاد...
خرجت من المغطس وهى تشعر بالراحة والنعاس لفت نفسها في منشفة كبيرة واتجهت لغرفة النوم... كانت عبير قد خرجت من الغرفة وتركت القميص الابيض جاهزعلي الفراش ...هبة ارتدت القميص الستان الابيض والروب وانتظرت عودة عبير كى تجفف لها شعرها.... شعرها الحرير جفف في دقائق وتموج بحرية فى تموجات لطيفة حول اكتافها النحيلة
رفضت تناول اي اكل او شرب صلت الظهر ودخلت فراشها خلعت روبها والقتة باهمال علي كرسي مجاور لفراشها.. جذبت اللحاف الذهبي الساتان علي جسدها المرهق احست بقشعريرة بسيطة من جو الغرفة المكيف ولكن اللحاف اشعرها بالدفء الفوري فنامت فورا...
بعد ساعات طويلة هبة استيقظت من نومها العميق ...كانت تشعر بالراحة وذهنها صافي... ضوء الاباجورة الخافت بجوار فراشها انبئها انها نامت لوقت طويل وان الوقت اصبح ليلا...شدت جسدها في حركة تلقائية تنشط بها عضلاتها... تثائبت وهى مازالت مغمضة العينين ....اصابعها لعبت في شعرها...كشفت الغطاء عنها بحركة واحدة .. وانزلت قدميها الي الارض وفي نيتها الذهاب الي الحمام... قميصها مع النوم ارتفع حتى اعلي ركبتيها فكشف عن ارجلها الطويلة الجميلة....
فتحت عينيها لتبحث عن طريقها للحمام...فوجئت بأدهم يجلس علي كرسي من كراسي الصالون المقابل لفراشها وهو يراقبها....
عندما رأتة وهو يراقبها قلبها خفق بعنف ...ارتعشت لدرجة ان السرير ارتعش معها ...لاول مرة ادهم يدخل الي غرفتها بدون استأذانها اولا بحثت بسرعة علي روبها كى تلبسة ..تزكرت انها رمتة علي كرسي الصالون بجوارادهم قبل نومها...
هبة عادت للنوم فورا وغطت نفسها باللحاف حتى ذقنها....
من الواضح ان ادهم كان يراقبها منذ فترة...جاكت بدلتة مخلوع ومرمى بإهمال علي كرسي التسريحة...رابطة عنقة ايضا لحقت الجاكت علي الكرسي...
اكمام قميصة مرفوعة حتى الكوع وقميصة نفسة مفتوح حتى خصرة وشاهدت من فتحتة شعر صدرة الاسود....لكن المشهد الاهم كان وجود روبها علي ركبتية....
ادهم كان يحمل روبها بين يدية وعندما ركزت اكثر لاحظت انه ملفوف عدة مرات حوال ذراعة في لفات دائرية
حركتها الفورية بتغطية نفسها باللحاف جعلتة ينهض ويقترب منها ويمد يدة بالروب اليها...
هبة تمسكت باللحاف باحدى يديها واخذت الروب منة باليد الاخري...وبسرعة قياسية كانت ارتدت الروب وربطتة حول خصرها بالحزام تحت نظرات ادهم المتفحصة ثم نهضت من الفراش ...
هبة من سرعتها ربطت الروب علي جزء شعرها... الروب حبس جزء كبير منه بينة وبين جسدها...
ادهم مد يدة وحرر شعرها من الروب ... يدة امسكت شعرها برفق شديد ورتبة علي اكتافها....رعشة عنيفة هزتها بسبب قربة منها ...من لمستة لها...لاول مرة في حياتها رجل يكون بمثل هذا القرب منها ...يلمس شعرها
ادهم مد يدة الاخري ولمس خدها الملتهب بلطف...هبة قلبها خفق بعنف مجددا..احست بالدوار...ارجلها اصبحت رخوة مثل الجلي ولا تستطيع حمل وزنها الخفيف...
احست بضألتها مقارنة بجسد ادهم الضخم...هبة اغمضت عينيها ..احست به بيجذبها لحضنة اصبحت اسيرة بين ذراعية ...لتانى مرة في يوم واحد يتم احتضانها ...حضن نجية اشعرها بالحنان لكن حضن ادهم اوقف قلبها عن العمل ...حاولت المقاومة ودفعة عنها لكن مقاومتها كانت ضعيفة جدا ادهم قربها منة لدرجة ان كل عظمة في جسدها لمست كل عظمة في جسدة....رعشتها وصلت ذروتها في حضنة جسدها كان ينتفض...
فجاءة ادهم انسحب وادار ظهرة لها وتركها ترتعش حتى انها احست انها ستغيب عن الوعى...استدار مرة اخري وواجهها قائلا ... - هبة...هبة انا...انا... وعندما لم تسعفة الكلمات دخل غرفة الملابس واغلق خلفة الباب
هبة جلست علي السرير...ظلت ترتعش لدقائق... ادهم استغرق وقت طويل بداخل الغرفة وهى مازالت في انتظار عودتة اليها ...
هبة انتظرتة بتوتر ...كانت تتوقع عودتة الي غرفتها في اي لحظة .. مراكثر من نصف ساعة وهبة متجمدة من الخوف وخائفة من لحظة رجوعة للغرفة...عبير طرقت الباب بخفة ثم دخلت...
عبير: ادهم بية بيبلغ حضرتك ان العشا هيكون جاهز بعد ساعة وطلب منى اجهزك
هبة سألتها بدهشة شديدة ...- ادهم...انتى شفتية امتى ؟ - طلبنى في غرفتة من 5 دقايق وبلغنى بالتعليمات
غرفتة ...غرفتة......اخيرا فهمت سبب وجود الباب الثانى في غرفة الملابس والحمام....الباب الثانى يوصل غرفة نوم ادهم الخاصة بغرفة الملابس وحمامها
.........
بعد ساعة ادهم كان علي باب غرفة الملابس ودخل منها لغرفتها بدون ان يطرق الباب.. ..كأنة بيجبرها علي ان تتعود علي دخولة الي غرفتها بدون استأذان..
هبة حمدت الله انها كانت مستعدة للنزول ...عبير ساعدتها علي ارتداء فستان حريرى اصفر لة حزام جلدى عريض اسود وارتدت فوقة جاكيت اسود مثل الحزام ... واختارت لها طرحة منقوشة بنفس الوان الفستان ....
ادهم دخل وقيمها بنظراتة فورا ...ثم قال ... - ممتاز ..بس حاليا مافيش داعى للطرحة مافيش اي راجل يقدر يدخل بدون اذنى...
هبة لم تتحرك خطوة من مكانها..".طيب وانت اية..؟ " فكرت مع نفسها
ادهم انتظرها تنفذ تعليماتة وتخلع حجابها لكنها مازالت متخشبة
ادهم امرها بلطف : هبة سمعتينى ...فكى حجابك
هبة ترددت ...ادهم ظهرعلية بوادر نفاذ الصبر ... - لو مفكتيهوش هفكة انا
هبة فورا خلعت الطرحة وشعرها نزل بقوة مثل الشلال
ادهم : ايوة كدة ...ممتاز ...واقترب منها ...وامسك يدها في يدة ... هبة حاولت ان تسحب يدها ...ادهم منعها ... - هبة اهدى...انتى مراتى وهتنزلي ايدك في ايدى..
هبة استسلمت ...كفة حضن كفها واخذها بحنان واضح ونزل السلالم
العشاء المعد لهم كان فاخر بكل معنى الكلمة...اصناف واصناف اهمها كان خروف كامل ينام بفخرعلي طبق كبيرمن الارز المطهى بعناية وايضا كان يوجد جميع انواع الطيور واللحوم المشوية...
طوال عمرها شهيتها للاكل ضعيفه جدا ...لكن منظرالاكل الشهى مع وجود نجية بجانبها وهى تطعمها بيدها جعلوها تأكل بشهية ...السفرة قدمت لاربعتهم لكن في الحقيقة كانت تكفي جيش كامل من كمية المأكولات التي توجد عليها....فكرت في مصير باقي العشاء بعدما ينتهون...
بعد العشاء انتقلوا جميعا للصالون ...بعد فترة ام السيد قدمت الشاي والحلويات
ادهم سألها بعد ان انتهت من التقديم .. - الرجالة كلهم اتعشوا ...؟
ام السيد هزت رأسها بالايجاب وانصرفت لعملها
هبة اخيرا عرفت مصير باقي العشاء ...ادهم كان كريم للغاية مع الجميع وكعادتة يهتم بكل التفاصيل ولا يترك أي شيء للظروف...
طول فترة العشاء كانت مدركة لنظرات سليم المتفحصة وخصوصا لشعرها كأن لونة صدمة...علي الرغم من جمود ملامحة الواضح لكن هبة اكتشفت الحقيقه تحت جموده... القلب الطيب الذي وهبة كلة لعائلتة...
مازالت تشعربلمسة يد ادهم علي يدها علي الرغم من مرور ساعة عليها مازالت تتزكر الطريقة التي احتضنها بها .. حتى انفاسة مازالت تشعر بها علي وجنتها ...تجربتها الاولي في اللمس...وجودها بين احضان رجل...دهشتها كانت شديدة عندما اكتشفت ان احساسها بأدهم لم يكن نفور كما كانت تعتقد...الم معدتها في وجودة لة سبب اخر حاولت ان تفهمة ولكنها فشلت...
خرجت من افكارها علي صوت سليم يقول ... - امتى هنبارك علي سليم الصغير...؟
هبة وجهها احمر لدرجة لم تصل اليها في في حياتها...هلعها وصل للسماء...سليم الصغير..؟
نجية نهرتة بلطف : واة يا ابو ادهم متكسفهاش... البنية خجولة ..الشهادة لله ملاك زى ما ادهم جال مش زى البنات التانية خالص...شوف وشها بجى لونة اية ...
ادهم ضحك وتعمد ان يثبت عينيه علي عنيها واجابهم بثقة... - اطمنكم قريب اوى
رواية سجن العصفوره الفصل الثالث عشر 13 - بقلم داليا الكومي
تفكيرها في تهديد أدهم منعها من التركيز في أي كلمة طوال فترة وجودها مع العائلة في الصالون.
أدهم قال: "قريب أوي". يا ترى ماذا كان يقصد من وراء كلماته؟
لكنه تعمد إيصال رسالة لها. في الحقيقة، أدهم لم يكن يحدثهم هم بل كان يعلمها هي. يطلب منها أخيراً سداد ديونها، إتمام نصيبها المؤجل من الصفقة.
صوت أدهم وهو يطلب منها أن ترافقه لمشاهدة البيت نبهها أنها غائبة في دنيتها الخاصة منذ وقت طويل. الروتين أصبح أنه يمد يده لها وهي تتقبلها بدون نقاش.
أول مكان أخذه إليها كان غرفة مكتبه الخاصة. المكتب ممتلئ بتماثيل وتحف كأنه متحف.
أدهم أجلسها على كرسي مريح وسألها:
- تحبي تشربي حاجة؟
هبه هزت رأسها بالرفض.
أدهم اتجه لجهاز فونوجراف قديم وشغل أسطوانة موسيقية هادئة.
أدهم سألها بفضول:
- بتحبي الموسيقى؟
هبه أجابته وهي تستمتع بالموسيقى التي أدراها أدهم:
- أكيد، هي تسليتي الوحيدة. هي والقراءة. ده الكونشرتو 23 لموزارت.
أدهم أجابها بإعجاب واضح لتعرفها على المعزوفة الرائعة:
- برافو. فعلاً المدرسة تستاهل تمنها الغالي. اتعلمتي السباحة والموسيقى.
هبه ردت بحدة واضحة لم تتمكن من السيطرة عليها:
- أيوه... وكمان اتعلمت التنس. مهارات بنات الطبقة الراقية اللي أنا مش منها، بس فلوسك خلتني منها ظاهرياً. مش ممكن حد يعلق على لبسي أو طريقة أكلي أو تصرفاتي قدام معارفك. بس اللي أنت نسيته إن محدش أبداً سألني عن رأيي في مصيري. قررتوا واتصرفتوا بالنيابة عني. عمرك سألت نفسك أنا موافقة ولا لأ؟ مش يمكن كنت بفضل حياتي القديمة؟
انفجار.
هبه الآن لم يكن له أي مبرر، حتى أن أدهم لم يكن يتوقعه. فهو كان يفتح معها مواضيع مهذبة للنقاش. ولكن أخيراً الكلام المحبوس داخلها لسنتين تحرر. فعلياً، هذه أول محادثة لها مع أدهم باستثناء المحادثات التقليدية المهذبة اللي كانت بينهم منذ يوم مرضها.
هبه كانت تدرك جيداً أن أي شيء اتفق عليه سلطان مع أدهم كان لمصلحتها الخالصة. وضعها الحالي لا يقارن بوضعها السابق، مادياً وعلمياً وثقافياً. لكنها احتاجت لقول ما قالته. أدهم لابد له من دفع الثمن.
أضافت بسخرية متعمدة، إيلامه بشدة:
- طبعاً المزايا دي كانت تمن بيعي. الحمد لله تمني كان غالي. لازم أحس بالفخر.
لأول مرة تشاهد أدهم المتكبر الواثق من نفسه بمثل تلك العصبية.
أدهم اقترب منها وأمسكها من كتفيها وهزها بعنف:
- انتي قررتي تقفلي عقلك وعنيكي عن كل اللي بيجري حواليك. عجبك دور الضحية؟ الطفلة اللي الراجل العجوز اتجوزها من غير علمها ولا رضاها. لو بس فكرتي شوية هتشوفي الحقيقة.
هبه أغمضت عينيها وهزت رأسها برفض لكل ما يقول. هي لا تمثل دور الضحية، فهي لا تنكر فضله عليها. لكنها كانت يجب أن تخرج الكلام المحبوس داخلها منذ سنوات كي تتحرر منه. ربما تأخر كثيراً في الخروج حتى فقد معناه، لكنها احتاجت إلى ذلك بقوة.
أدهم ما زال يتذكر كلامها عنه في مكتب المحامي. ما زال مجروح من وصفها إياه بالعجوز.
أدهم أكمل كلامه بمرارة واضحة:
- أنا فعلاً كنت قررت بعد مقابلتنا في مكتب عزت إني أمسحك من حياتي. أديكي حريتك بعد ما تخلصي كليتك عشان أبقى وفيت بوعدي لسلطان. أخلصك من الراجل العجوز وأسيبك تعيشي حياتك بالطريقة اللي انتي تختاريها. بس للأسف... عمليتك غيرت حاجات كتير.
هبه حاولت أن تشرح له سبب وصفها إياه بالعجوز، وأنها كانت تعتقده أكبر من سلطان، وأن سبب اعتراضها على وضعها ليس له علاقة بسنه أبداً. ولكن صوتها خرج متقطع وجملها غير مفهومة.
أدهم تجاهل محاولتها للكلام وأكمل بخشونة:
- انتي دلوقتي مش الطفلة اللي أنا خالفت قوانين الدنيا كلها واتجوزتها من 4 سنين. دلوقتي انتي ناضجة وتقدرى توزني الأمور صح. بغض النظر عن سبب جوازي منك، انتي إيه كانت خياراتك من غيري؟ طيب حاولتِ طول سنتين إنك تفهمي. قفلتي على نفسك وعلى مرارتك. لو بس شغّلتي عقلك يمكن كنتِ حاولتِ تفهمي. بس أحب أبلغك إن فرصتك للفهم ضاعت. وجه وقت التنفيذ الفعلي. لازم تأهلي نفسك إن جوازنا بقى حقيقة ما فيهاش خلاف وكل الناس عرفوا إنك مراتي وتحويله لحقيقة هي مسألة وقت. مش بمزاجك تدخلي حياتي وتخرجي منها من غير ما تدفعي التمن. اعملي حسابك إنك هتجيبي لي وريث. متوقع مني أجيب وريث. عيلة البسطاويسي لازم تستمر. أنا هسيبك الوقت اللازم لحد ما تتعودي على الفكرة، بس حابب أنبهك إن أنا استنيت كتير ومش هستنى تاني أكتر من كده.
الدموع غلبتها. شهقاتها غطت على صوته. قسوته جرحتها.
أدهم أشار لها بقرف:
- اطلعي أوضتك يا هبه. أحسن لك تختفي من وشي الليلة دي، وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل لك.
هبه تقريباً جرت حتى الباب. لأول مرة يتركها تغادر بمفردها من دونه أو من دون عبير. لكنه لم يستطع تحمل وجودها أكثر من ذلك.
هبه خرجت من المكتب ودموعها الغزيرة تمنعها من إيجاد طريقها. البيت الكبير ما زال متاهة بالنسبة إليها. حاولت أن تتذكر مكان السلالم كي تصعد للطابق العلوي.
بعد صعوبة، هبه كانت في غرفتها أخيراً. وضعها الجديد مخيف بالنسبة إليها. الأمان الوهمي الذي احتمت فيه تخلى عنها الآن.
كلمات عزت ترن في أذنيها. لماذا لا تستطيع الاستسلام وتقبل وضعها؟ ألا يكفيها أنها سوف تصبح زوجة الملياردير أدهم البسطاويسي؟
حقيقة أنها أجبرت على الزواج بدون علمها تكتفها وتجبرها على الرفض. آه لو سلطان كان ما زال حي، لربما كان تحمل نصيبه من اللوم بدلاً من أن تحمل أدهم كل لومها وحده.
أدركت أنها تريد من أدهم أكثر من مجرد زواج تقليدي لإنجاب وريث له. لكنها لم تدرك جيداً ماذا كانت تنتظر منه بخلاف ما أعطاها إياه مسبقاً. على حسب كلامه، أن عمليتها غيرت مصيرها. وجودها في بيته تسبب في تحويل زواجهم لحقيقة. أدهم مجبر عليها بسبب أهله. مجبر على أن يستخدمها من أجل إنجاب الوريث المنتظر، وهذا أكثر ما ألمها.
مصيري تحدد من يوم موافقة سلطان على الصفقة مع أدهم. ولكن أدهم لديه الآن خيارات كثيرة بخلافها.
التفكير أرهقها. فتحت باب تراسها وخرجت تستنشق هواء الليل النقي.
أول ليلة تقضيها خارج القاهرة. منظر ظلام الليل الدامس بتلك الطريقة كان جديد بالنسبة لها. من تراسها راقبت السماء السوداء وهي مزينة بالنجوم. السماء كانت أشبه بثوب مخملي أسود مرصع بحبيبات الماس اللامعة. الظلام منعها من رؤية الحديقة. جو الصباح الخانق تبدل الآن إلى جو مغري به نسمة هواء باردة.
هبه قررت النزول لاستكشاف الحديقة. لم تر عبير من قبل أن يتناولوا العشاء، وهي حتى لا تعرف مكانها الآن. حتى لو حاولت الوصول إليها، فلن تستطيع إيجادها في هذا البيت الكبير.
هبه لفت حجابها بنفسها. نزلت السلالم. فتحت باب البيت واتجهت للحديقة. لم تقابل أي أحد في طريقها. مشت بدون هدف محدد. الضوء المنبعث من المنزل والحديقة حوله منعها من رؤية السماء المخملية كما كانت تريد أن تراقبها. شاهدت منطقة مظلمة خلف البيت فقررت الذهاب إليها كي تراقب السماء منها بشكل أفضل. بالتأكيد الرؤية من هناك أفضل.
عندما وصلت لتلك البقعة المعزولة، تأكدت أنه كان معها حق.
السماء منظرها مذهل من الجزء المظلم كما توقعت. استمتعت بالحرية أخيراً، حتى ولو لوقت بسيط. هبه أخذت نفس عميق. رفعت رأسها للسماء. في لحظة جنون، بدأت تدور حول نفسها برقة. فستانها لف معها. منظر السماء مع الدوران منظر خيالي، لكنها بدأت تشعر بالدوار. الأرض أصبحت تدور معها بعنف. قررت أن توقف الدوران وتوقفت فجأة.
ضحكت عندما أحست بالدوخة تضربها بشدة مع توقفها المفاجئ. رأسها ما زالت مرفوعة للسماء. أنزلت رأسها واستعدت للعودة بعد أن انتشت من المغامرة اللطيفة التي تجرأت وأقدمت عليها. عيناها قابلت أفزع منظر شاهدته في حياتها كلها. فهناك في الظلام كان يقف أضخم كلبان رأتهما في حياتها. الكلبان المتوحشان كانا يراقباها بتحفز، وينظران إليها بنظرة مرعبة أنبأتها أنهم سوف يهجمان عليها حالاً.
من غير أن تنتبه، هبه صرخت بصوت عالي:
- أدهم.
وكأن ملاكها الحارس سمع ندائها. أدهم ظهر فجأة من العدم وهو يجري بلهفة وأخذ جسدها المنتفض من الرعب بحنان وحماية بين يديه وهو يقول:
- متخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي.
هبه تعلقت به برعب شديد. دفنت رأسها في صدره وأغمضت عينيها. لا تريد رؤية ما سوف يحدث لاحقاً. كانت تعتقد أن الكلبين سوف يهجمان عليهما معاً. يداه ضمتها أكثر إلى جسده. أحست به يرتعش مثلها تماماً. سمعته يتحدث إلى الكلبين ويأمرهما بالهدوء.
أدهم حملها بسهولة شديدة بين ذراعيه القويتين كأنها لا وزن لها واتجه بها للمنزل.
طوال الطريق للبيت، هبه ظلت تدفن رأسها في صدره. سمعته يهدد ويسب بأبشع الألفاظ. كان يسب ويهدد حراسته الخاصة وغفر المنزل الذين لحقوا به.
الحراسة والغفر كانوا قد تجمعوا بعد وصوله إليها. سمعته يخبرهم أنه لولا رؤيته لها من نافذة مكتبه وهي تتجه بمفردها إلى منطقة تواجد الكلبان، لكانت هوجمت من الكلبين بعنف. توعدهم أن هذا الإهمال لن يمر على خير.
أدهم صعد وهو يحملها إلى طابقهم العلوي. رفض بقسوة أي عرض للمساعدة من أي حد. أرقدها على السرير بلطف. ما زال يشعر برعبها ورعشتها العنيفة وتمسكها به بقوة. أدهم حضنها بقوة فترة فشلوا في تحديدها. دقائق وربما ساعات.
أدهم طمأنها بصوت هامس:
- هشش. متخافيش خلاص. الحمد لله عدت على خير. بس انتي عارفه، دي أول مرة تنطقي اسمي.
هبه ما زالت متمسكة به بكل قوتها. رعشتها من الكلاب انتهت وبدأت رعشة من نوع آخر. رعشة وجودها في حضنه.
أدهم حاول تهدئتها بلطف. فك حجابها كي يساعدها على النوم براحة. ساعدها على التخلص من جاكيته. مال على أرجلها ونزع عنها صندلها بحنان.
هبه كانت مستسلمة مغمضة العينين. أدهم عاد لشعرها ومسح عليه بحنان فائق وسألها بقلق:
- هبه حبيبتي... انتي كويسة؟
هبه ارتعدت وهزت رأسها. تمسكت به خائفة من أن يتركها بمفردها.
أدهم نهض من السرير. قرر المغادرة على الرغم من اعتراضها الواضح ورفضها مغادرته.
- هبعتلك عبير تساعدك...
فجأة قطع كلامه وكأنه حسم معركته الخاصة. عاد إلى جوارها في صمت وانضم إليها في السرير مرة أخرى. خلع سترته وأخذها في حضنه بلهفة.
رواية سجن العصفوره الفصل الرابع عشر 14 - بقلم داليا الكومي
استيقظت هبة بعد الفجر. اكتشفت أنها في السرير بمفردها. أغمضت عينيها وتذكرت ما حدث بينهما منذ ساعات.
أدهم نفذ تهديده. الزوجة التي كانت فقط على الورق أصبحت الآن زوجة فعلية. فستانها المرمي على الأرض والسرير المدمر أعادوا لذاكرتها لحظات تملك أدهم لها.
حاولت أن تنهض لترتيب الغرفة وتخفي آثار الدمار الواضح، لكن جسدها المرهق رفض الاستجابة لها. التجربة كانت رهيبة. الأمر المثير للدهشة أنها لم تشعر بالنفور أو القرف كما كانت تتوقع. هي استسلمت له تمامًا، وعلى الرغم من خوفها من التجربة، لا تستطيع أن تنكر أنها كانت مستمتعة بكل لحظة قضتها معه، وأنها كانت تستطيع إيقافه عدة مرات ولكنها لم تفعل.
الباب فتح بهدوء. عبير دخلت متسللة وكأنها تخشى إيقاظها. هبة أغمضت عينيها وتظاهرت بالنوم. إحساسها بالخجل منعها من مواجهة أي أحد.
عبير جمعت ملابسها من على الأرض. اتجهت لغرفة الملابس وجهزت لها غيارًا. دخلت الحمام ملأت المغطس بالمياه الدافئة. عادت للغرفة وأيقظت هبة بلطف.
"مدام... اصحي عشان تصلي. أنا جهزتلك الحمام."
ومدت لها روبًا لتغطي به جسدها العاري المغطى باللحاف. عبير أدارت وجهها وتركت لهبة المجال لستر جسدها بالروب. ساعدتها في الوصول للحمام وانتظرتها في الغرفة.
هبة دخلت الحمام ألقيت نفسها في المغطس. تمددت فيه حوالي عشرة دقائق ثم جففت نفسها وارتدت ملابسها وخرجت لغرفتها. وجدت عبير رتبت الغرفة وجهزت لها السرير.
هبة صلت وعادت لسريرها.
عبير طلبت منها بلهجة حانية:
"نامي. انتي محتاجة للراحة. ولا تحبي اجيبلك فطار؟"
هبة هزت رأسها، لكن فضولها غلب خجلها وسألتها:
"عبير... انتي إيه اللي جابك عندي دلوقتي؟"
عبير وجهها احمر بشدة.
"أدهم بيه طلبني وقالي أجي لعندك لأنك أكيد محتاجاني."
هبة أصبح وجهها بلون الطماطم الملتهبة من شدة نضجها.
عبير طمأنتها:
"متتكسفيش يا مدام. ده العادي وأنا هنا عشان أساعدك لو محتاجة أي حاجة. ربنا يسعدك مع جوزك ويوعدني باللي في بالي. عقبالي أنا كمان."
هبة لاحظت أن عبير أصبحت تناديها بالمدام بدلًا من الآنسة أو الهانم كما اعتادت مناداتها من قبل.
"نامي دلوقتي ولو احتاجتي أي حاجة اطلبيني."
هبة عادت للفراش. جسدها مرهق محتاج للنوم العميق. استرجعت كلام أدهم لها. أحست بالخجل مجددًا. كلامه لها وهو يهمس بكلام الحب منذ ساعات ذكرها بحلمها الرائع في المستشفى يوم عمليتها.
عندما استيقظت مرة أخرى، الشمس كانت في وسط السماء. قدرت الوقت بأنه وقت الظهيرة. مدت يدها على الطاولة الصغيرة بجوار فراشها لتلتقط ساعتها لتعلم منها الوقت. يدها أمسكت ساعة أدهم. أدهم نسي ساعته في غرفتها الليلة الماضية. تذكرته وهو يخلعها. كانت آخر شيء خلعه.
هبة أمسكت الساعة الفخمة. الساعة كانت الواحدة ظهرًا. لقد نامت طوال النهار من إرهاقها. ساعته كانت تنطق بالرجولة الصارخة مثله. مجرد لمسها لساعة يده يعيد إليها الذكريات.
هبة أعادت الساعة لمكانها واتجهت للحمام لكي تتوضأ. دخلت الحمام على عجل فوجئت بوجود أدهم يقوم بحلاقة ذقنه وهو عاري الصدر. شهقت من الصدمة وخرجت لغرفتها مرة أخرى. لاول مرة منذ إقامتها هنا يتصادف وجودهم سويًا في الحمام.
طرقات على باب غرفتها بعد قليل نبهتها أنها تجلس متخشبة منذ بعض الوقت.
أدهم دخل الغرفة من الباب الرئيسي وليس من باب غرفة الملابس كما كان يفعل.
أدهم تكلم بلهجة رسمية أحبطتها للغاية.
"أتوقع أنكِ مستنية اعتذار مني. وأنا جيت أعتذر وعشان أطمئنك اللي حصل ده مش هيتكرر تاني. ولما نرجع من هنا هترجعي شقتك زي الأول. والطلاق هيكون بعد ما تخلصي الكلية. ومتقلقيش من حاجة. حياتك هتفضل في نفس المستوى وهتكوني مرتاحة ماديًا مدى الحياة."
وبدون أن ينتظر ردة فعلها على قراراته الفجائية خرج كالإعصار من الباب المفتوح.
على الرغم من أنها كانت تتمنى الحرية وكانت تشعر بالظلم والقهر منذ معرفتها بزواجها الإجباري، إلا أنها أحست بقلبها يتوقف عن العمل عندما ذكر أدهم الطلاق. أحست بالفعل كأن قلبها توقف عن العمل لثوانٍ. لم تشعر به ينبض داخل صدرها. "طلاق إيه طلاق؟" هي لا تريد الطلاق. بل إنها أخيرًا تقبلت فكرة أنها زوجته. ملكة. أخيرًا أحست بدفء العائلة وحضن الأم.
تذكرت مواجهتها مع الكلاب وحضن أدهم القوي الذي حماها بعيدًا عن الخطر. طلاق... لا. هي لا تريد الطلاق خاصة بعد ما حدث بينهما. بعدما اتحدوا وأصبحوا شيئًا واحدًا. بعدما أزيلت كل الحواجز من بينهم.
فكرت مع نفسها بحسرة. "يااه ياهبة... خسرتي تاني... لحظات سعادتك كانت محدودة جدًا. الأمان والحماية هيختفوا. أي سعادة عرفتيها هتختفي مع الطلاق."
سوف تعود لشقتها الباردة وحيدة منبوذة.
لكن أدهم قال "عندما نعود" مما يعني أنه ما زالت لديها فرصة لإصلاح الوضع. لكن أدهم يبدو أنه نادم ولا يريدها في حياته. مهمتها مستحيلة. كرامتها لن تسمح لها بالتوسل، ولكن وجودها بقربه أهم من كرامتها. أهم من أي شيء.
"يااارب... يااارب."
"أغلب الظن أنه سوف يواصل معاملتها كزوجته حتى يوم سفرهم حفاظًا على المظاهر فقط. إذا كان زمن المعجزات لم ينتهِ إذن فهى بحاجة لمعجزة. أدهم لسنوات لم يذكر الطلاق وهي بعيدة عنه. إذن فلماذا اختاره عندما أصبحت زوجته؟"
الحقيقة ضربتها. بالتأكيد هو يخشى أن أطالبه بحقوقي إذا ظننت أني زوجته. الحقيقة. أدهم أراد أن يضعها في مكانها الحقيقي حتى لا تتأمل المستحيل. مجرد زوجة اشتراها لغرض في رأسه. بالتأكيد ليلتها أمس أصابته بخيبة الأمل.
مر يومان وأدهم كان يتجنبها فيهما تمامًا. لكن في أوقات الوجبات كان يتعمد النزول معها للطابق السفلي مما أكد شكوكها بأنه لا يرغب إلا في الحفاظ على المظاهر، وربما أنه لم يكن يرغب في فتح باب التساؤلات. بخلاف ذلك، فعليًا لم تكن تراه.
حادثة الكلاب لم تمر على خير كما توعد أدهم. قام بطرد كل طاقم الحراسة واستبدل الغفر.
عبير أخبرتها بحزن واضح.
"أدهم بيه غضب بشدة عشان كنتِ من غير حراسة. طردهم كلهم وبدل الغفر."
هبة أحست بتأنيب الضمير. فهي السبب في قطع أرزاقهم.
عبير استعطفتها.
"يعني لو ممكن تدخلي له عندهم وتخليه يديهم فرصة."
هبة أحست من لهجة عبير أنها تترجاها بصفة شخصية، فسألتها بفضول لأنه كان لديها بعض الشكوك حول اهتمام وليد حارس أدهم الشخصي بعبير.
"يهمك حد معين فيهم..؟"
عبير ارتبكت بشدة.
"هو يعني فيه حاجة، لكن لسه في أولها. وليد الحارس الشخصي لأدهم بيه معجب بيّ، ومكذبتش عليكي أنا كمان معجبة بيه. والشغل مع أدهم بيه مميز لأنه إنسان محترم وخلوق. بيحترم العاملين معاه ورواتبهم أضعاف أضعاف أي مكان تاني. لكن لو وليد ساب الشغل طبعًا ارتباطنا هيتأخر كتير."
هبة طمأنتها.
"خلاص إن شاء الله هكلمه."
عبير ضحكت بفرح.
"شكرًا ليكي كتير يا مدام. أكيد أدهم بيه مش هيقدر يرفض طلبك. واضح أوي هو بيحبك أد إيه."
هبة فعلاً أحست بالذنب. فهي السبب لأنها تهورت ونزلت بمفردها بدون تفكير. والآن شباب بريء سوف يدفع الثمن. أحست بالاختناق من فكرة أنها السبب في قطع أرزاقهم. لابد لها وأن تتحدث مع أدهم. لكن كيف ستفعل ذلك والعلاقات شبه مقطوعة بينهم؟
عبير تتوقع منها التدخل لصالح وليد، ولكنها لا تعرف أنها نفسها بحاجة لمن يتوسط لها عنده.
قررت أن تتحدث معه اليوم في الليل بعد العشاء، فهي الفرصة الوحيدة التي سوف تحصل عليها قبل أن يختفي كعادته.
مر العشاء بهدوء مثل المعتاد. تمت مناقشة موضوعات عامة. أغلبها كانت تتعلق بكيفية إدارة أدهم لأعمال العائلة. حنان نجية الواضح أثارها بشدة. فأكثر ما سيؤلمها عندما يحين وقت الرحيل هو أنها ستفقد الأم التي أخيرًا حظيت بها. حتى سليم نفسه اكتشفت أن جموده مجرد قناع مضطر لوضعه بسبب مكانته، لكن في حقيقته هو قلب حنون. شوكتها سقطت من يدها في صحنها عندما قالت نجية فجأة بلهجة خبيثة:
"إنتي متغيرة يا بنيتي بقالك يومين. ساكتة بزيادة وهادية أكتر من طبعك. بس بسم الله ما شاء الله احلويتي كمان وكمان. الله يعينك على جمالها يا أدهم. أكيد مدوخك يا ولدي."
للحظات تلاقت عيونهم، لكنها عادت وخفضتها عندما أجاب أدهم بجمود.
"الجمال مش كل حاجة يا ست الكل. المهم جمال الروح."
نجية أجابته بحنان.
"وكده كمان. ما في زي جلب مرتك أبيض وزي الفل. يا بختك بيها يا ولدي. دعواتي ما إني راضية عليكي لازم ربي يرضى عليك."
بعد انتهاء العشاء مباشرة، أدهم اعتذر منهم وقرر الانسحاب إلى مكتبه بحجة العمل.
هبة لحقته عند باب المكتب وقالت بخفوت:
"أدهم لو سمحت... ممكن أتكلم معاك...؟"
أدهم رفع إحدى حاجبيه وركز نظراته عليها بدهشة. لاول مرة هبة تطلب منه الحديث معه بنفسها دون واسطة بينهم.
ثبات هبة تحت نظراته أجبره على الاستسلام والموافقة على طلبها. أشار لها بالدخول قبله.
هبة دخلت بدون تردد وهو دخل خلفها وأغلق الباب.
هبة كانت تشعر بحيرة شديدة ممتزجة بالخجل. انتظرت منه أخذ المبادرة وإعفائها من الحرج الشديد. فكلما تراه يتوقف قلبها من الخجل ولا تستطيع ترتيب الكلام، ودائمًا أدهم يفهم خجلها بطريقة خاطئة. يفهمه على أنه نفور، وهو أبعد ما يكون عن النفور.
أدهم أحس بحيرتها. أشار لها بالجلوس على كنبة سوداء جلدية تحتل جزءًا ضخمًا من مكتبه، ثم جلس بجوارها.
أدهم ضغط على جرس. أم السيد دخلت فورًا.
"هبة تحبي تشربي إيه..؟"
هبة أجابته بخجل.
"شاي."
أدهم وجه حديثه برفق لأم السيد وقال:
"لو سمحتي يا أم السيد.. شاي لهبة وقهوة عشاني."
أم السيد كعادتها خرجت فورًا بدون أي كلمة. لولا أن هبة سمعتها تتحدث من قبل لبعض الخادمات لكانت اعتقدت أنها خرساء.
أدهم قام بتشغيل موسيقى كلاسيكية مرة أخرى كأنه يكرر مشهد المكتب الأخير.
أدهم علق بإعجاب وهو يلمس الفونوغراف بلطف.
"مهما اخترعوا من الآلات الحديثة... الأسطوانات من الفونوغراف صوتها مختلف. تحبي تسمعي حاجة معينة..؟"
هبة هزت رأسها فهي متأكدة من ذوقه العالي في الاختيار.
"لا اللي انت تحبه."
أدهم ابتسم بسخرية.
"اللي أنا أحبه... خلاص ماشي."
ثم اختار أسطوانة "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي. سألها بحدة شديدة.
"إيه رأيك؟"
على الرغم من الحدة الواضحة في صوته، هبة أغمضت عينيها واستمتعت بالموسيقى.
"روعة يا أدهم. لما بسمعها بفتكر جناين قصرك في القاهرة. معرفش ليه."
أدهم نظر إليها بدهشة شديدة وردد بعدم تصديق.
"جناين قصري أنا؟"
هبة هزت رأسها وأكدت.
"أيوه جناينك. تحفة الجناين يا أدهم. نفسي أقابل الفنان اللي صممها عشان أهنيه على ذوقه وعبقريته."
أصبحت تستخدم اسمه بسهولة أدهشتها هي نفسها.
أدهم ما زال يسألها بعد تصديق.
"عجبتك الجناين فعلًا...؟ طيب ده لسه هيكون رأيك لو عرفتي إن أنا اللي صممتها بنفسي."
هبة هزت رأسها وقالت.
"طبعًا... ده أنا كمان بقيت منبهرة أكتر. أنت فنان. طيب أنت عارف... وأنا بسمع الموسيقى دلوقتي تخيلت نفسي برقص في النافورة اللي في الجنينة زي البجعة في الباليه."
أدهم أجابها بسخرية مريرة.
"بس للأسف أنا مش الأمير. الشاب الوسيم الموجود في الباليه."
هبة ردت بعند.
"أنا كمان مش أميرة زي البجعة. أنا بنت فراش عم سلطان. بس برده نفسي أرقص في النافورة."
لدهشتها، أدهم قال بنبرة غامضة.
"إنتي ملكة مش أميرة."
قبل أن تتاح لها فرصة للرد، أم السيد طرقت الباب ودخلت. قدمت القهوة لأدهم والشاي لها وخرجت فورًا.
هبة بدأت تشرب الشاي. جو الموسيقي الهادئ ووجودهم بمفردهم أعاد لها معدتها البسيطة.
أدهم سألها فجأة.
"قلتي عايزة تتكلمي معايا في حاجة...؟"
هبة شعرت بالخجل من نفسها. فوجوده معها أنساها سبب رغبتها الأساسية في مقابلته.
صفت صوته بنحنحة خافتة وقالت.
"أيوه.... بخصوص طقم الحراسة."
أدهم سألها بدهشة بالغة.
"مالهم طقم الحراسة...؟"
هبة أخبرته بندم واضح.
"حقيقي اللي حصل كان غلطتي. هما مالهمش أي ذنب. أنا اتصرفت من دماغي والحمد لله مافيش أي ضرر حصل."
أدهم ضحك بسخرية وسألها بنفس السخرية.
"متأكدة...؟"
هبة احمر وجهها بشدة لأنها فهمت إلى ما يلمح بسؤاله.
هبة تجاهلت تلميحه وأكملت.
"أرجوك يا أدهم... اديهم فرصة تانية. أنا مش قادرة أستحمل فكرة إني أكون مسؤولة عن قطع رزقهم."
أدهم أجابها بصوت هامس.
"في العالم بتاعي يا هبة فيه حاجات مافيهاش تهاون أو تقصير. بس أنا للأسف مقدرش أرفضلك أي طلب. حاضر يا ستي تحت أمرك هيفضلوا."
عيناها لمعت بالامتنان وتعلق في ذراعه في حركة تدل على السعادة.
"شكرًا."
أدهم ضيق عينيه وركز نظراته على يدها المتعلقة به.
"معقول الموضوع ده كان مهم كده لدرجة إنك أول مرة تشكريني وأول مرة تطلبيني طلب. ثم قبض على يدها بقوة. وأول مرة تلمسيني بإرادتك."
هبة هزت رأسها بسعادة بالغة ووضعت يدها الأخرى على يده التي تغطي يدها.
"أيوه مهم جدًا. متتخيليش مهم إزاي."
أدهم أجابها وحيرة واضحة تحتل كل ملامحه.
"حقيقي بتحيريني. بقدم لك الدنيا كلها ومستعد ألبي لكِ أي طلب ومافيش مرة واحدة شكرتيني على أي حاجة عملتها عشانك. وبتشكريني وحاسة السعادة في عينيكي دلوقتي عشان وافقت على طلب ميخصكيش أساسًا."
هبة هزت رأسها بالموافقة.
أدهم قال لها بنفس الحيرة.
"أدفع نصف عمري وأفهمك."
ثم أمسك ذقنها بين أصابعه ورفع رأسها لمواجهته.
هبة أغمضت عينيها. لمسته سببت لها الرعشة. قربه منها أصبح عذاب، ولكن عذاب من نوع آخر. عذاب لذيذ.
هبة خرج صوتها أجش.
"الموضوع أبسط مما تتخيل. مافيش أي صعوبة في فهمي. بس يمكن بشكرك عشان ده الطلب الوحيد اللي أنا طلبته بإرادتي ومتفرضش عليّ."
أدهم أكمل كلامها بمرارة.
"قصدك إني أجبرتك وحبستك مش كده؟ أنا عرفت اللي في قلبك يوم ما فتحتي القفص للعصفورة."
هبة أخبرته بألم واضح.
"متصدقش كل اللي تشوفه. مش يمكن يومها أنا ندمت بعد ما فتحت القفص."
أدهم ردد بدهشة.
"ندمتي؟"
هبة هزت رأسها.
"أيوه ندمت. خفت عليها. صحيح أديتها حريتها بس من غير حماية وأنا معرفش هي تقدر على حماية نفسها ولا لا. أنا عرضتها لمخاطر. القفص كان مانعها عنها."
أدهم اقترب منها أكثر. نفسه يحرك شعرها.
"طيب أنا هديكِ حريتك وهأوفر لكِ الحماية كمان. لآخر يوم في عمري هفضل أحميكي حتى بعد انفصالنا."
هبة كتمت دموعها بداخل عيونها المغلقة. أدهم الآن يعرض عليها حريتها على طبق من ذهب، وليس فقط حريتها بل حريتها تحت حمايته كي لا تتعرض للمجهول مثل عصفورتها التي أطلقت سراحها بدون حماية.
لكنها لا ترغب في حريتها الآن.
طرقات على الباب منعتها من الرد عليه ورفض عرضه القاسي.
أدهم رفع يديه عنها وقال.
"مين؟"
صوت رجالي من خلف الباب قال باحترام.
"بفكر حضرتك بموعدك بعد نصف ساعة."
أدهم أمره.
"خلاص روح أنت يا وليد استنى في العربية. وأنا هاجي وراك."
هبة استغلت فرصة انشغاله بالرد على وليد وجففت دموعها.
أدهم اعتذر منها.
"أنا عندي موعد مهم ولازم أمشي دلوقتي."
هبة هزت رأسها بتفهم وخرجت من المكتب.
رواية سجن العصفوره الفصل الخامس عشر 15 - بقلم داليا الكومي
استيقظت هبة لصلاة الفجر وهي تشعر براحة نفسية غريبة، تصالح مع نفسها يغمرها. هل من الممكن أن مقابلتها مع أدهم أمس كانت السبب؟ مقابلتهم أمس كانت خطوة تقارب جيدة، فعلى الأقل نعمت بلمسته ولو لثوانٍ قليلة. وربما أيضاً سبب سعادتها أن عبير أبلغتها قبل خلودها للنوم أن أدهم رتب لها جولة لمشاهدة آثار البلد الخلابة.
هبة صلت وارتدت الملابس التي جهزتها لها عبير. أخبرتها عبير وهي توقظها:
- هنخرج بدري قبل الحر زي ما أدهم بيه أمر.
ارتدت جينز أزرق اللون وبلوزة بنية اللون من قماش الجرسيه، وانتظرت عبير كي تساعدها في لف طرحة تركوازية بلون عيونها. انتعلت صندل بني مريح على شكل أشرطة رفيعة تتجمع بحلية ذهبية دائرية. وضعت متعلقاتها الشخصية وهاتفها النقال في شنطة الخوص خاصتها وجلست تنتظر قدوم عبير.
لفت لها عبير الطرحة وزينت وجهها بمكياج خفيف. هبة أخذت نظارة شمس بيضاء كبيرة تغطي معظم وجهها ونزلت معها.
كلام أدهم لها يرن في أذانها منذ البارحة. لاول مرة تدقق في ممتلكاتها الشخصية. لديها أكثر من عشر نظارات شمسية، جميعهم يحملون ماركات عالمية. ملابسها تصمم خصيصًا لها على أيدي المصممين المشهورين عالميًا. في الشقة كانت توجد لديها خزنة مليئة بالمجوهرات والتي لم تحاول فتحها أبدًا، ولا حتى بدافع الفضول لمعرفة محتوياتها.
رصيدها في البنك أكثر من مليون جنيه، بالإضافة إلى الشقة التي تساوي ملايين الجنيهات، والسيارة الفخمة، والسائق، والخادمة مدفوعي الأجر. بل وفوق هذا لها مصروف شهري ضخم كانت تعجز عن إيجاد ما تستطيع شراءه به، فكل طلباتها متوفرة حتى قبل أن تطلب. مصاريف كليتها كانت تدفع آليًا من قبل المحامي كل عام.
بالفعل، أدهم أغرقها في نعمته وهي لم تشكره يومًا.
السائق كان في انتظارهم وفتح لهم باب السيارة الخلفي. هبة وعبير ركبوا في المقعد الخلفي، وفي الخلف تبعتهم سيارة حراسة أخرى.
جولتها بدأت بالفطور. فندق خلاب على النيل. من المعاملة المميزة التي تلقتها استنتجت أن أدهم هو صاحب الفندق بالتأكيد. الفندق فخم وراقي، والفطور مبكرًا على النيل مع هواء الصباح النظيف أعطى المكان سحرًا عجيبًا.
سمعت بوجود طاقم تصوير فيلم يقيمون في الفندق منذ أيام، لكنها لم تشاهد أي أحد منهم لأنها، كما علمت، المطعم أُغلق لها وحدها حتى تنتهي من فطورها بحرية ودون إزعاج. مجددًا أدهم يبهرها بتصرفاته الغير متوقعة. كان يعاملها كملكة كما قال. الملكة الوحيدة الحزينة.
بعد الفطور مباشرة بدأت جولة في الآثار، في المعابد. الرهبة تملكتها من عظمة المشاهد. درست التاريخ كثيرًا وأحبته جدًا، لكن رؤيتها له أمامها أشعرتها بالضآلة.
كحرم أدهم البسطاويسي، عوملت كملكة فعلية. جميع الأبواب المغلقة فُتحت لها. استمتعت بجولتها لأقصى درجة، فقط تمنت لو أن أدهم كان صحبها بنفسه. عادت لواقعها، نهرت نفسها بقوة: "لا تتمني المستحيل يا هبة، أين أنتِ من أدهم البسطاويسي؟"
رفضت بقوة كل عروضهم عليها لركوب المنطاد. ربما لو أدهم معها لكانت قبلت بترحاب.
- الساعة دلوقتي قربت على 12 والشمس هتبقى صعبة عليكي. تعليمات أدهم بيه إنك تريحي لبعد العصر.
بالطبع تعليمات أدهم أوامر مطاعة، حتى لو كانت اعترضت، كانت النتيجة ستظل نفسها. جناح أدهم الخاص في الفندق كان مستعدًا لاستقبالها، بالطبع فأين غير ذلك؟ حرم أدهم البسطاويسي ستكون...؟
هبة عادت إلى الفندق مع حراستها. سيارتها توقفت أمام مدخل الفندق. عبير والحراسة رافقوها حتى المصعد. في لحظات انتظارهم للمصعد، هبة لمحت أدهم وهو يخرج من الفندق بصحبة سيدة فاتنة. سيدة جميلة جدًا، شعرها أسود ناعم بلون الليل وترتدي ملابس تفصل كل جسدها الجميل.
هبة تجمدت في مكانها. لم تسمع عبير وهي تناديها في البداية.
- مدام... مدام الأصانصير وصل.
هبة مازالت تنظر في اتجاه أدهم بدون أن يراها، أو ربما رآها وتجاهل وجودها تمامًا.
عبير استدارت ونظرت حيث تنظر هبة المصدومة. بدون وعي منها قالت عبير:
- فريدة جمال.
هبة أخيرًا عرفت وجه فريدة جمال. تذكرت الكلام عن وجود طاقم تصوير الفيلم. فريدة جمال ضيفة في فندق أدهم وتصور حاليًا فيلم هنا. وأدهم أخبرها أنهم سوف يقضون عدة أسابيع هنا لارتباطه بعمل ما. أحست فجأة بروحها تُسحب منها وقلبها المسكين، ارتبكت خفقاته.
أدهم ظل في الصعيد بسبب فريدة، ووافق على إعطائها حريتها بسهولة شديدة.
ألم جسدها زاد. أحست أنها سوف تفقد الوعي. تفسيرها الوحيد لما يحدث لها الآن هو الغيرة. الغيرة على أدهم أكلت قلبها. ولكن ما سبب غيرتها عليه؟ فادهم حر في أفعاله ويتصرف كيف يشاء. الحقيقة أصبحت واضحة لها الآن. "طبعًا بغير عليه عشان بحبه..."
عبير جذبتها بالقوة وأدخلتها المصعد. أوصلتها للجناح وهي شبه مخدرة. الحقائق التي ضربتها كثيرة عليها، وأهمها حقيقة أنها تحب أدهم. نعم تحبه. الفترة التي قضتها في منزله من بعد العملية غيرتها. الأمان الذي أحسته في حضنه ربطها به للأبد. العائلة التي استقبلتها بحنان عوضتها عن يتمها ووحدتها.
الأغرب أنها اكتشفت أنها تحبه منذ يوم لقائهم في مكتب عزت، وأنها وافقت لي أن تكمل دورها في الصفقة حتى تظل مرتبطة به. مرتبطة به بأي طريقة حتى ولو بالاسم فقط.
هبة كبرت وهي تسمع اسم أدهم يوميًا. سلطان كان يحترمه ويعتمد عليه. اكتشفت أنها لطالما أحبته كحصن أمان لهم من حكايات سلطان الخيالية عنه وعن شهامته، وتبقي فقط رؤيته شخصيًا كي تحبه كرجل.
لكن للأسف، أدهم لديه ارتباطات أخرى وهي حمل عليه منذ سنوات. فهو إن كان تزوجها في الماضي للهروب من زواج مدبر لا يريده، إذن فآخر شيء يريده الآن هو استمرار تلك المهزلة واستمرار زواج مدبر آخر. زواجهم أدى غرضه منذ زمن، وربما بنت الكفراوي قد تزوجت الآن. إذن فلماذا سوف يبقيها زوجة له، وخصوصًا بوجود فريدة الجميلة في الجوار؟
نوبة صداع عنيفة ضربتها.
- عبير... عبير... معاكي أي مسكن؟ هموت من الصداع.
قالت عبير بأسف:
- لا بس أنا هتصرف.
غيرت ملابسها لبيجاما خفيفة من قماش الدانتيل، عبير كانت قد أحضرتها لها.
نظرت هبة لنفسها في المرأة بسخرية:
- جهاز عروسة من غير عروسة.
مجددًا قطع تظهر في خزانتها بدون معرفة مصدرها. صداعها زاد لحد غير محتمل، فطلبت من عبير أن تظلم لها الغرفة ونامت في السرير المريح. ربما نامت لدقائق أو أكثر، لكنها استيقظت على يد تلمس شعرها بحنان.
فتحت هبة عينيها فشاهدت أدهم نائمًا بجوارها على السرير. وعندما أحس بحركتها سحب يده فورًا.
- "آه" ... هبة تأوهت بألم ورفعت يدها إلى رأسها.
تعبير غريب ظهر على وجه أدهم وسألها بقلق:
- انتي لسه تعبانة؟
هبة هزت رأسها بألم:
- آه جدًا... عمر ما جالي صداع فظيع كده.
حاول أدهم النهوض:
- طيب هجيب دكتور.
أمسكت هبة ذراعه:
- لا مافيش داعي، بس مسكن وهكون كويسة.
انتبهت هبة ليدها على ذراعه. أدهم أيضًا انتبه. عاد لمكانه وغطى يدها بيده الأخرى. ظلا على هذا الوضع للحظات، لكن صداعها الواضح جعل أدهم ينهض. فتح ثلاجة صغيرة وقدم لها زجاجة مياه باردة مع قرصين من مسكن قوي.
قبلت هبة منه الأقراص شاكرة، وعادت للنوم في السرير وأغمضت عينيها.
استعد أدهم للمغادرة:
- هسيبك ترتاحي.
سألته هبة بحزن:
- عندك شغل مهم؟
أجابها أدهم باهتمام:
- آه جدًا... هشوفك كمان ساعتين تكوني اتحسنتي إن شاء الله.
وخرج فورًا وتركها لصداعها وحزنها وغيرتها.
النوم عاندها لوقت طويل. صداعها مع ألمها الداخلي والتفكير منعوها من النوم بسهولة. فريدة جمال احتلت أفكارها وزادت من ألم رأسها. لكن مع بداية مفعول الأقراص القوية التي أخذتها من أدهم، النوم بدأ يسيطر على عقلها بالتدريج.
رواية سجن العصفوره الفصل السادس عشر 16 - بقلم داليا الكومي
رحلة العودة للمنزل كانت كئيبة جداً. صداع هبة ومزاجها المتعكر منعوها من تكملة جولتها، ففضلت العودة للمنزل مباشرة بعد الغذاء الكارثي.
عبير أيقظتها وجهزتها لأن أدهم كان ينتظرها على الغذاء في مطعم الفندق بالأسفل. المفاجآت مع أدهم لا تنتهي، دائماً يفكر في كل شيء، حتى وجود حقيبة كاملة لغيراتها فوجئت بها في جناحها بعد جولتها الصباحية على المعابد.
فستانها الحالي كان بسيط وأنيق، أعطاها عمراً أكبر من سنواتها العشرين وأناقة تليق بحرم أدهم البسطاويسي.
أدهم نهض فور دخولها المطعم وأوصلها لطاولته الخاصة.
الوجبة كانت لذيذة بشكل مدهش، ومع ذلك هبة كانت تبلع بصعوبة. تذكرت سعادتها الصباحية قبل بدء الجولة وتعاستها الحالية بعد رؤيته يغادر مع فريدة.
دهشت عندما أدركت كيف أن أدهم يستطيع تغيير مزاجها للنقيض، تتحول من السعادة إلى التعاسة في لحظات عندما يتعلق الأمر به. ولكن هكذا هو الحب، يؤلم بشدة كما يفرح بشدة. فإذا اختارت أن تحب، فلتتحمل إلى النهاية. لكنها تعلم جيداً أن الحب ليس اختيار، بل هو قدر.
ناقشوا مواضيع عامة وسألها عن جولتها الصباحية في الآثار. هبة حكت له عن المعابد والمتاحف والإفطار المميز على النيل. على الرغم من أنها كانت متأكدة من أنه كان يعلم كل التفاصيل مسبقاً من جواسيسه، إلا أنه استمع إليها باهتمام شديد وهي تروي له أحداث يومها.
رغماً عنها وجدت نفسها تخبره عن سبب رفضها لدعوة المنطاد بعد الغروب، وأخبرته بحياء أنها كانت تتمنى وجوده معها، ولو كان رافقها لكانت تجرأت وخاضت التجربة.
فرحت للغاية عندما فزع من مجرد تخيل فكرة ركوبها للمنطاد وقال:
"لو كانوا اتجرؤا وعملوها من غير إذني، كنت قتلتهم كلهم."
هبة ابتسمت وقلبها يقرع كالطبول وأكملت حديثها الشيق له بحب. فخوفه الواضح عليها أعطاها أملاً. حكت له عن أدق تفاصيل يومها بسعادة.
ملامح وجهه فضحت شعوره بالاستمتاع لما كانت تحكيه له، فاضطر للاعتراف باستسلام:
"بحب أسمعك وإنتي بتحكي، بتخلي الحاجات كأنها عايشة، وصفك ممتع."
وجهها احمر من الخجل.
"أدهم... حبيبي أنا جيت."
الصوت المقيت كأنه ضربها بسيخ حديد في قلبها، وتحول خفقان السعادة إلى ألم الموت. لفت رأسها لمصدر الصوت بغيظ رهيب وهي متأكدة من هويتها صاحبتها حتى قبل أن تستدير. شاهدت فريدة وهي تقف خلفها وعلى وجهها ضحكة مصطنعة.
أدهم نهض بأدب لتحيتها، وأمسك بيد هبة بلطف وساعدها للنهوض.
"هبة، أعرفك... الفنانة فريدة. فريدة... هبة مراتي."
الضحكة المصطنعة على وجه فريدة غطت على نظرة حقد واضحة جاهدت كي تخفيها، ومدت يدها لهبة وقالت بدلع مفضوح:
"كلنا كنا بنسأل شكلها إيه مراتك اللي إنت مخبيها عن الدنيا كلها... بس أخيراً عرفت."
هبة وجهت لها نظرة تحدي وقالت:
"وعرفتي إيه بقى؟"
فريدة ارتبكت مع إحساسها بحدة هبة في الرد، ووجهت نظرة استنجاد لادهم. الغريب في الأمر أن أدهم كان مسترخياً جداً كأنه كان يستمتع بما يحدث.
أدهم أشار لها بالجلوس.
"اتفضلي يا فريدة لو تحبي تشاركينا الغدا."
"غدا إيه بقى؟ أنا أساساً ببلع بالعافية وبعد ما هي تنضم لينا خلاص نفسي هتقفل تماماً." هبة فكرت وكان صوت تفكيرها كان مسموعاً.
أدهم نظر إليها وقال:
"هبة...؟"
بالطبع هبة لم يكن لديها حل آخر سوى أن تقول:
"اتفضلي."
بكل بجاحة فريدة جلست على الكرسي الملاصق لادهم وهي تأكله بعيونها.
أدهم أشار للجرسون الذي أتى فوراً. فريدة كانت قالت لادهم بدلع عندما سألها ماذا تحب أن تطلب:
"اللي إنت أكلت منه."
الغذاء أصبح حواراً بين أدهم وفريدة التي تجاهلت هبة تماماً كأنها غير موجودة، وأدهم الذي كان مضطراً لإجابتها بأدب. فعلياً لم يفتح معها أي موضوع بنفسه، لكنها في النهاية شغلت وقته كله بأسئلتها التي لا تنتهي.
جملة أوقفت رشفة ماء كانت سوف تبتلعها، وكادت أن تختنق بها.
فريدة قالت بدلع:
"فاكر... يا أدهم آخر سفرية لينا لما كنا في أوروبا من شهر...؟"
فريدة سافرت مع أدهم أوروبا من شهر، قبل عمليتها مباشرة. أدهم كان له علاقة مع أخرى غيرها. الشيطان سيطر على أفكارها، تساءلت والألم يأكل أمعائها: يا ترى ماذا كانت حدود العلاقة بينهم والتي يتخللها السفر سوياً؟
هبة تقريباً ألقت كأس الماء بعنف على الطاولة أمامها ونهضت وقالت:
"عن إذنكم."
أدهم لحقها بسرعة قبل مغادرتها لصالة الطعام.
"هبة استني، مالك؟"
هبة أجابته بترفع:
"معلش كمل إنت الغدا، أنا لسة مصدعة وعايزة أروح البيت."
أدهم سألها:
"متأكدة... أجي معاكي؟"
"لا مفيش داعي... كمل غداك براحتك." وتمنت في سرها أن تختنق فريدة بطعامها.
أدهم أشار لطاقم الحراسة وعبير، اطمأن أنها أصبحت بصحبتهم وعاد يكمل غذائه الكارثي مع فريدة.
في السيارة، هبة سألت عبير بفضول عجزت عن إخفائه أكثر من ذلك:
"إنتي اشتغلتي كتير عند فريدة؟"
عبير أجابتها بقرف عجزت أيضاً عن إخفائه:
"تقريباً سنة."
هبة سألتها مجدداً بفضول أكبر:
"وخلال السنة دي اتعرفتي على أدهم مش كده؟"
عبير هزت رأسها بإشفاق:
"حضرتك بتدوري على المشاكل... أنا حاسة بيكي من لحظة ما شفتيهم مع بعض... بس صدقيني زي ما بيقولوا العبرة بالنهاية، إنتي مراته الرسمية الشرعية، أي حاجة تانية أهيف من إنك تشغلي نفسك بيها."
بالطبع أدهم يشتري ولاء العاملين معه بالرواتب الضخمة التي يدفعها لهم. عبير لن تخبرها أي شيء يتعلق بعلاقة أدهم بفريدة، فهي بالنسبة إليها سر قومي من أسرار رئيسها، لكنها لم تنكر تردد أدهم على منزل فريدة.
"آه يا هبة مكتوب عليكي الشقى... حتى لما حاولتي تفرحي الدنيا استكترت عليكي الفرحة." فمن أغلق باب الأمل لديها أضاع مفتاحه.
وصلوا إلى البيت مع آخر ضوء للشمس. نجية استقبلتها بترحاب شديد وأخذتها معها إلى الصالون.
"أم السيد هاتيلنا الشاي في المجعد الغربي."
هبة تناست أفكارها المؤلمة مؤقتاً واندامجت مع نجية في حكاياتها المثيرة. نجية تقريباً حكت لها عن كل ما يخص أدهم، طفولته، تعليمه. عرفت من نجية أنه درس إدارة الأعمال وأنهى ماجستير فيها من الولايات المتحدة، وأنه استلم العمل من عمر الرابعة والعشرين وطور في الشركات وجعلها تكاد تكون أقوى مجموعة في مصر.
نجية كانت تتكلم بفخر، فخورة بابنها وحيدها وذكائه الخارق. فعلاً أدهم مصدر فخر لأي أم، لأي زوجة. تذكرت شجاعته يوم حادثة الكلاب. أدهم عمل من نفسه درعاً بشرياً لها يتلقى عنها أي ضربة مفاجئة من الكلاب. كان من الممكن جداً أن تهاجمه الكلاب فوراً قبل أن تدرك أنها تهاجم سيدها أدهم.
نجية تكلمت وتكلمت، وهبة استمعت واستمعت. جرأة تملكت هبة جعلتها تسألها فجأة بدون تفكير:
"هي بنت الكفراوي اتجوزت...؟"
نجية ظهر عليها الدهشة:
"بنت الكفراوي؟... آه متجوزة من زمان، إيه اللي فكرك بيها دلوقتي؟"
كيف ستجيب نجية عن سؤالها؟ ماذا ستقول لها الآن؟
هبة حاولت تغيير الموضوع:
"الشاي عندكم ليه طعم تاني، كل حاجة هنا ليها طعم تاني."
حيلتها نفعت. نجية الفخورة بأدهم أيضاً فخورة بأرضها.
"طبعاً إحنا بنزرع كل حاجة، القمح، الخضار، النعناع حتى السكر، عشان كده هنا كله خير."
"عيلة البسطاويسي يا بنتي عيلة أصيلة. البسطاويسي الكبير خلف عيال ياما. جد أدهم كان بيحب العزوة، خلف 3 أولاد و 3 بنات. سليم كبيرهم بس اتأخر ياما في الخلفه، عشان كده كان أدهم أصغر حفيد ليه بس بسم الله ما شاء الله أذكاهم. الخير على إيده زاد وكفى. عوضي سليم يا بنتي عن تقصيري في الخلفه وجيبي لأدهم عزوة." يا الله، تحمل أطفاله في أحشائها. إنها أمنية عزيزة دعت الله أن يستجيب لها.
هبة استمتعت بكل لحظة من حوارها مع نجية، استمتعت وهي تتعرف على أدهم الحقيقي، أدهم بدون قناع رجل الأعمال الذي يرتديه دائماً. حبيبها أدهم. تعرفت على كل لحظات طفولته، حتى ألبومات صوره وهو طفل صغير لم تنجُ من فضولها.
من ضمن الصور شاهدت صورة لأدهم وهو مبتسم. الصورة كانت له وهو في سفاري يغطي وجهه بوشاح يزيد من غموضه، من رجولته، قوته واضحة في ملابس شبابية ليست مثل البدل الرسمية التي دائماً تراه يرتديها.
طلبت من نجية أن تحتفظ بالصورة. نجية فوراً فتحت الغلاف البلاستيكي وسلمتها الصورة والسعادة تقفز على وجهها.
هبة أخذت الصورة من نجية، فتحت حقيبة يدها ودستها فيها بسرعة شديدة كأنها ترتكب جريمة.
قبلت بسرور عرض نجية للعشاء في الجنينة. لأول مرة سوف تقدم لكل عائلة أدهم، الأعمام والعمات وأولادهم. نجية قالت لها:
"هنشوي في الجنينة مع كل العيلة."
هبة صققت بفرح مثل الأطفال وقالت:
"الله، أول مرة في حياتي أشوف الشوي." ثم استأذنت منها للصعود إلى جناحها لاستبدال ملابسها، أن كانت ستقدم لعائلة أدهم، إذن لابد لها من اختيار ملابسها بعناية.
صعدت إلى جناحها وارتدت قفطان مغربي أسود في ذهبي واسع مريح. عبير لفت شعرها بطرحة ذهبية وزينت وجهها بعناية شديدة. هبة طلبت منها أن تحدد عينيها الملونة بشكل صريح في تحدٍ واضح لرغبة أدهم السابقة. أرادت لفت انتباهه إلى جمال عيونها، فلربما تنجح في جعله ينسى فريدة الجميلة عندما يدرك أنها أيضاً جميلة.
دهشتها كانت شديدة عندما لمحت أدهم وهي تدخل التربيعة الصيفية المغلقة المقامة في الحديقة. أدهم كان قد غير ملابسه إلى شورت وتي شيرت وكان يقف على الشواية يقوم بالشواء بنفسه وحوله عدد كبير من الرجال شبهت عليهم أنهم أعمامه.
أدهم عاد إلى المنزل اليوم، لم يقضِ الليلة خارجاً كما اعتاد أن يفعل منذ ليلتهم. مع التربيعة أو مجلس الحريم، تعرفت على عمات أدهم وبناتهم. فعلاً أدهم كان أصغرهم سناً، بنات عماته جميعهم فوق الأربعين.
رحبوا بها بترحاب شديد يليق بمكانتها كزوجة لأدهم. على حسب كلامهم هي زوجة الكبير. لاحظت مكانة أدهم والاحترام الذي يحظى به من الجميع، كبيراً كان أو صغيراً.
المشويات كانت مذهلة، ربما لأن أدهم قام بشوائها بنفسه، لكنها استمتعت بكل لقمة أكلتها وأكلت بشهية عوضت غذائها المشؤوم.
بعد الأكل قدمت الحلويات والمشروبات والعصائر للجميع. أدهم ذهب لتغيير ملابسه وعندما عاد اقترح أن يتجمع الجميع معاً للاحتفال بزواجهم. في البداية شعرت أنهم استنكروا طلبه، ولكن لم يستطيع أحد معارضته وتجمع الجميع رجالاً ونساءً معاً في الحديقة.
أدهم جلس بجوارها واحتوى يدها في يده.
لأول مرة في حياتها تدرك معنى العائلة ولمتها. دنيتها كانت محصورة في سلطان، سلطان كان كل عائلتها، وبعد سلطان أغلقت على نفسها بابها وحياتها. سلطان لطالما صنع درعاً حولها حتى الصداقة العادية منعها منها، وعندما مات تعودت على ذلك وخافت من التغيير. والأكثر خافت من أن تسأل عن حقيقة وضعها الغريب في السنوات السابقة.
صدمتها الآن شديدة، وحيرتها أكبر. إذا كان أدهم قرر الطلاق، فلماذا إذن يحتفل الآن بزواجهم المنتهي؟ فها هو الآن يقدم لها حفلة الزفاف التي لم تحظى بها يوماً. جلست سعيدة إلى جواره تستنشق عطره الذي مازال يسبب لها الرعشة. لم يترك يدها للحظة طوال جلستهم التي لم تعد محل استنكار، بل لاحظت اندماج الجميع بسرور في الاحتفال.
لمة العائلة، أدهم وحبه، أشياء دائماً ما حرمت منها. وللأسف سوف تحرم منها مجدداً. لابد لها من المحاولة. حدثت نفسها بتصميم: "إذا كان هناك أي أمل إذن سوف أتمسك به إلى آخر نفس في حياتي."
رواية سجن العصفوره الفصل السابع عشر 17 - بقلم داليا الكومي
الفصل السابع عشر
خبرة هبه العاطفية المعدومة وعدم معرفتها ابدا بأي طريقة من طرق الاغراء كانوا حاجز امام محاولتها لجذب ادهم اليها ...ادهم اخذها مضطر ومن المؤكد الان انه يرغب في التخلص منها في اسرع وقت حتى يتفرغ لخططه الاخري..." لفريدة "....الغيرة تمزقها لكن باي حق تعترض وهى تعرف جيدا شروط الصفقة ...المساعدة الوحيدة لها كانت من عبير ونصائحها ...عبير نصحتها بالصبر والتغاضى عن تصرفات ادهم التي اصبحت مستفزه...كرامتها لم تسمح لها بالبوح حتى لعبير عن حقيقة زواجها بادهم ... هبة فكرت بسخرية " عبير فاكرة ان ادهم بيحبنى هقلها ايه ..؟ " لكن تصرفات ادهم لم تعد تترك مجال للشك في طبيعة علاقتهم الغريبة ...
تقريبا ادهم نقل اقامتة للفندق....منذ يوم حفلة الشواء وهو يقضى كل نهاره في الفندق ومعظم لياليه ايضا...حتى المظاهر لم يعد يحافظ عليها ...التغيير في موقفة بعد الحفل اربكها ...في الحفل رفع سقف توقعاتها للسماء عندما اصرعلي جلوسها بجوارة واعلنها عروسه ثم بعد ذلك اهملها بدرجة كبيرة وملحوظه ...هبه اصبحت الان في نظرهم العروسة المهجورة ... نظرات الشفقة في عيون نجيه وسليم كانت واضحة وظاهرة كأنهم يواسوها الالم في قلبها كان مضاعف ..الم الغيرة والم تأنيب الضمير ...في نظر الناس ادهم خائن مهمل لزوجته وذلك المها جدا فادهم لا يستحق... ليتهم يعلمون ماذا فعل ادهم لها ... ليتها تستطيع ايفائه حقه ...ادهم انتشلها من المجهول.. امن لها حياتها وعرض عليها الحمايه والامان وبدون اي مقابل ولوعندها الشجاعة الكافية لكان من المفترض ان تترك منزله وتعود الى شقتها وتعفيه من الحرج لكنها لا تستطيع التخلي عن لحظاتها المتبقية معه حتى لو قليلة ... المؤلم انها فتحت عيونها وقلبها كما اخبرها من قبل انها لا تفعل لكن للاسف بعد فوات الاوان...
الليالي القليلة التى كان يقضيها في المنزل كانت تسهر فيها وراء باب الحمام تستمع الي صوت المياة وهى تجري في المواسيرفتعلمها انه بالقرب منها ...فقط يفصل بينهم باب ... صورته وقميص مستعمل له يحمل رائحته اخذته سرا من غرفة الملابس... اخفتهم في مكان سري...كانت تلجأ اليهم عندما تتأكد انها بمفردها....رائحته كانت تزكرها بحضنه بلمسته ... تزكرت ايضا عندما قررت التجول في الحديقة منذ ايام لكنها كانت قد تعلمت من درسها السابق فاعلمت حراستها بنيتها في التنزه في الحديقة علي الرغم من عدم اقتناعها لكنها لم ترد ان تسبب لهم المزيد من المشاكل ولتجنب مواجهة شبيهه بمواجهتها السابقة مع الكلاب فضلت الجوله ومازالت الشمس تبعث باخر خيوطها...طلبها الوحيد من حراستها كان ان يتركوها تتجول بحرية ...هى فقط كانت تعلمهم بمكان تواجدها لكن اخر ما كانت تريده هو ان تتجول بصحبتهم الوحيد الذى تمنت صحبته كان ادهم وحده... تتبعت ممر حجري حتى نهايته ...رائحة لطيفة من نباتات عطرية عطرت الجو برائحة اشبه بالتوابل ...في نهاية الممرلاحظت وجود درجات سلمية بسيطة تؤدى الي جلسة خشبية محاطة بالنباتات وفي داخلها ارجوحة كبيرة صعدت السلالم بفرح وجلست علي الارجوحة سعيدة باكتشافها لذلك المكان الرائع... المكان كان اشبة بكشك للشاي ...محراب يختلي فيه احدهم بنفسه ...علي طاولة كبيرة امامها شاهدت العديد من الجرائد اليومية وكتاب مفتوح يدل علي ان احدهم يقرؤه حاليا...المكان كان معد لشخص يحب العزلة والتفكير والقراءة في هدوء ..لاحظت ايضا وجود علبة من السجائر وولاعة ذهبية انيقة وفنجان قهوة ممتلىء لمسته بلطف فعرفت من حرارته انه مازال ساخنا وينتظر صاحبه ليقوم بشربه... هبه قررت الانسحاب حتى لا تزعج صاحب الجلسة....همت بالعودة عندما سمعت صوت ادهم...تطلعت من بين الشجيرات المحيطة بالجلسة الخشبية فشاهدت ادهم في الخلف يتحدث في هاتفه النقال ... كان واضحا من اسلوب كلامه انه غاضب فهو كان يعنف احدهم بشدة علمت انها مكالمة خاصة بالعمل وسمعته يقول .. - بلغهم ان ادهم البسطاويسى محدش يقدر يلوى دراعه...موضوع الاثار ده موضوع قديم واللي هيتجرأ ويفتحه يبقي بيحاربنى انا شخصيا ...وانت عارف كويس انا اقدر اعمل فيهم ايه .... هبه انسحبت للارجوحة مجددا تزكرت كلام سلطان عن مصدر ثروة عائلة ادهم ....في خلال علاقتهم القصيرة لم تشاهده من قبل بمثل ذلك الغضب الهادر ...صوته كان يجمد الدم في عروق اشد الرجال ...فضلت اعطاؤه الخصوصية في مكالمته وعادت للجلوس علي الارجوحة ... ادهم هو صاحب الجلسة اذن لا داعى لانسحابها السريع ...ربما لو تلكعت قليلا فسوف يعود ويراها ... تناولت الكتاب المفتوح من علي الطاولة لاحظت انه كتاب للكاتب البرازيلي باولو كويلو.... الصفحة المفتوحة امامها اشار احدهم الي جملة فيها .." يُحَب الْمَرْء لِأَنَّه يُحَب، فَلَا يُوْجَد سَبَب لِلْحُب" قلبها خفق بعنف احست بغيرة تمزقها اذن بالفعل ادهم يحب ...اشارته بالقلم علي تلك الجملة خصيصا دونا عن أي جملة اخري في الكتاب تدل علي ذلك...اغمضت عيناها المليئة بالدموع بالم ... لماذا وضع القدر ذلك الرجل المميز في حياتها وفي نيته حرمانها منه ...؟ بالفعل ادهم مميز ... رجولتة طاغية , جاذبيته مدمرة وفوق ذلك هو مثقف قوى , مسيطروكريم لاقصى درجة...رجل من المستحيل ان تقابل مثله مرة اخري في حياتها القادمة...رجل يستمع الي الموسيقي ويقرأ لباولو كويلو بالاضافة لنجاحه الساحق في عمله ...رجل يكاد يكون وجوده خيالي ولولا انها رأته بنفسها لما صدقت وجود شخص مثله ... هى ايضا تحب القراءة والموسيقى ...تزكرت اقتباس قرأته من قبل لكويلو زكرها بحالتها قبل ادهم وبعده .." بإِمْكَان الْكَائِن الْبَشَرِي أَن يَتَحَمَّل الْعَطَش اسْبُوعا وَالْجُوْع أُسْبُوْعَيْن ، بِإِمْكَانِه أَن يقْضَى سَنَوَات دُوْن سَقْف ، لَكِنَّه لَا يَسْتَطِيْع تحمل الْوَحْدَةِ لأَنَّهَا أَسْوَأ أَنْوَاع الْعَذَاب وَالْأَلَم " هاهي ستعود لوحدتها قريبا ...ربما تحتملتها في الماضى لانها لم تعرف غيرها لكن الان بعد كل ما مرت به مع ادهم لن تستطيع الابتعاد عنه مجددا
جففت دموعها بسرعه وتركت الكتاب مكانه حينما شعرت بعودته ... ادهم تفاجأ تماما عندما وجدها تجلس في صومعته الخاصة عيناه بحثت عن مرافقيها وعندما اطمئن ان احدهم كان يراقبها من بعيد اعاد انظاره اليها ادهم تردد لحظات ثم جلس علي الارجوحة بجوارها ... الحارس المراقب لها من بعيد انسحب فوررؤيته لادهم يجلس بجوارها...هبه تناولت فنجان القهوة من علي الطاولة في حركة دلال وقدمته له وهى تقول بدلع ... - قهوتك بردت...
ادهم مد يده وتناول يدها الممسكة بالفنجان يداه احتوت يداها والفنجان للحظات ثم رفع يدها بالفنجان الراقص علي طبقه بسبب رعشتها الي فمه وارتشف بعض القهوة ببطء شديد ...هبه احست بفرح غامر من حركته التلقائيه ...ادهم ترك يدها الحاملة للفنجان والتقط علبة سجائرة واشعل سيجارة ... - مكنتش احب ادخن وانتى موجوده بس حقيقي محتاج سيجارة دلوقتى .. هبه هزت رأسها بتفهم وعلقت بدهشة ..- انا معرفش انك بدخن... ادهم اجابها بسخرية واضحة تحمل نبرة هجومية.. - بدخن احيانا مش دايما يعنى بس هو انتى فعليا تعرفي عنى ايه...؟ غالبا عرفتى اسمى بعد عمليتك مش كده ...؟ قبل العملية نسيتى كل حاجه عنى لدرجة انى شكيت انك راجل ألي مش انسانه بتتنفس... هبه ردت عليه في الم ... - ادينى بحاول اعرف بس انت مش مدينى فرصة... ادهم ركزعيونه علي عيونها وسألها بوحشية شديدة... - هبه انا تعبت ... انتى عاوزة ايه بالظبط ....؟ فهمينى لانى مش فاهمك بحاول اريحك وانفذ ليكى رغباتك... عاوزه منى ايه تانى ...؟
هبه ردت عليه بيأس ...- مش عاوزه حاجه يا أدهم
ثم غادرت صومعته وتركته بمفرده ..كلامة المها حتى النخاع ..سألها ماذا تريدىن منى ...؟ حظها العثرجعله يعتقد دائما انها تريد منه اشياء مادية هى لا ترغب في نقوده ولا في شقته ولا في سيارته انما ترغب في حبه ولكن كيف ستطلب منة ذلك ...؟ دموعها غطت علي مجال رؤيتها فتعثرت في طرف فستانها الطويل وسقطت ارضا وهى تتأوه بألم ...وليد انتبه الي سقطتها فهى كانت قد ابتعدت عن صومعة ادهم كثيرا... وفي ثوانى قليلة كان بجوارها ومد يده اليها ليساعدها علي النهوض ولكن فجأه ادهم اقتحم المشهد بغضب.... وجه نظرات نارية الي وليد وقال له بتهديد ... - اياك تلمسها..ثم حملها برقة بين يديه واعادها الي الارجوحة وجلس الي جوارها ...
شهقات دموعها المتة فنظراليها وهم بالحديث لكن عندما تأكد من مدى عذابها فضل الصمت وما كان سيقوله فقد للابد ...وضع ذراعه حول كتفها واراح رأسها علي كتفه ...سألها برقة شديدة ... - في الم في رجلك ...؟
هزت رأسها بالنفي ...كيف تشعر بالالم بعدما حملها بنفسه واحتواها بحنان امرها بلطف .... - ابقي خدى بالك ... وخصوصا وانا مش موجود...عارفه لو كان وليد لمسك وساعدك تقومى كنت دفنته هنا في الجنينة ....
هبه ضحكت علي الرغم من دموعها ... - كان زمان عبير دفنت نفسها وراه... دى بتحبه جدا ونفسهم يتجوزوا بقي ادهم ادارها اليه ونظر في عيونها ... وسألها متألما... - هبه تعرفي ايه عن الحب ...؟ هبه اجابته بحياء ...- الحاجه الوحيده اللي اعرفها انه بيغيرالانسان وبيغير كل مفاهميه ...بيدخل من غيراذن وكمان من غير سبب...
ادهم سألها مجددا ...- وحب عبير لوليد هو اللي علمك الحب ...؟
ماذا ستخبره ...؟ ليتها تتمتع بالجراءة الكافية للاعتراف له بحبها لكنها تعلم النتيجة فهى حتى وان اخبرته بحبها فستزيد وضعهم المحرج سوءا ...
هبه فضلت الصمت فالصمت احيانا ابلغ من الكلام ...
عندما لم يتلقى ادهم رد منها علي سؤاله اخبرها بألم ... - عشان خاطرك هساعدهم يتجوزوا ...بعد ما نرجع هتكفل بكل مصاريف جوازهم ...
هبة نظرت اليه نظرة عجز ادهم عن تفسيرها لكنه اخذها في حضنه بحنان عندما عادت دموعها للنزول مجددا ...لم يعلم انها كانت تحسد عبير علي سعادتها...
مراسبوعين اخريين وادهم لم يغيرمن نظام بقائه في المنزل حتى مشهد الحديقة الاخيرلم يحسن الوضع بينهم ...مزاجها المتعكربزيادة منذ يومين عرفت سببه ...دورتها الشهرية اختارت ان تنزل وتزيد من قلقها وتوترها
الم بطنها منعها من النزول من غرفتها علي الفطور مثل كل يوم... عبير قدمت لها شراب النعناع الساخن واقراص مسكنه لتخفيف المها
تقريبا قضت اليوم كله في السرير ...قضته بين النوم والقراءة ...شهيتها للاكل معدومة من الالم.....
اخيرا المها اصبح افضل قليلا ولكنه مازال موجود ..قررت اخذ حمام سريع ...كسلها طوال اليوم اعطاها رغبة في بعض الحركة ففضلت احضارغياراتها بنفسها دون اللجوء الى عبير ...بدون ان تنتبه لقميصها الشفاف دخلت الي غرفة الملابس لاحضارغيار....بالصدفة وجدت ادهم هناك .. كان ايضا يحضرغيار لنفسه ....الصدمة جمدتهم سويا...ادهم قررالانسحاب ويتركها بحريه ....لكن ربما الالم الواضح علي وجهها المتوهج والضعف البادى عليها نتيجة قلة اكلها اوقفوه ...
ادهم سألها بقلق ...- هبه انتى كويسه ...؟
هبه افتقدته لدرجة مخيفة لم تكن تدرك انه من الممكن الاحتياج لشخص ما بمثل تلك الدرجة العنيفة المسببة للالم الجسدى وليس فقط النفسي
هبه هزت راسها...
ادهم اقترب منها وسألها بشك...- وشك اصفر وشكلك تعبانه ...اطلبلك دكتور
هبه احمر وجهها من الخجل ..- لا لا مافيش داعى حاجة عادية
ادهم سالها بقلق واضح ...- حاجة عادية ازاي يعنى..؟ انتى علي طول تعبانة ومش بتقولى...؟
احراج هبه وصل لاقصى درجة فكيف ستفهمه طبيعة مرضها الحالي...؟
هبه ركزت نظرها علي الارض وقالت بخجل .... - عادى ده تعب شهري عادى عند كل الستات
اخيرا ادهم فهم سبب مرضها ...لكن علي عكس ما كانت تتوقع الم شديد احتل ملامحه...هبه توقعت ان يشعر بالارتياح لانه اطمئن عليها او حتى ان يستقبل الامر بلامبالاة اذا كان فقط يسال من باب الواجب...لكن الالم الشديد الواضح عليه اربكها....
ادهم اقترب منها وامسك يدها بقوة وسألها بخشونة ...- متأكده ؟
لمسته سببت لها نار في كل جسدها ..قربه منها جننها ...اخيرا بعد اسابيع احست به بالقرب منها مرة اخري ...
هبه ردت بإرتباك ...- ايوه طبعا
يده الممسكة بيدها هبطت بجواره علي الفور وقال في صوت امر ..
- خلاص اعملي حسابك هنسافر بكره مافيش لزوم لاستمرارنا هنا اكتر من كده...
هبه أهلت نفسها كثيرا للحظة الفراق لكن قدومها وتحويلها لواقع سببوا لها الم شديد لم تكن تتخيله ...لاول مرة تعرف ان الالم النفسي يسبب الم جسدى حقيقي... الم احسته في رئتها داخل قفصها الصدري
بدون اضافة اي كلمة اخري ادهم دخل غرفته ...هبه تسمرت في مكانها لوقت طويل تفكر في الصراخ والانهيار لا وربما افضل فكرت في الذهاب الية تترجاه ...كانت ممزقة بين التذلل له والحفاظ علي كرامتها ... لاول مرة تمتلك بيت حقيقي واسرة ..انا لا اريد العودة للقاهرة مجددا يارب ساعدنى اعمل ايه...؟
ربما مرت ساعات وهبه علي نفس وضعها في غرفة الغيار ...اول عوده لها للواقع كانت علي صوت عبير...
عبير سألتها بدهشة ...- انتى هنا واحنا بندور عليكى...؟
هبه انتبهت... - بتدوروا عليه..؟
- ايوه اختفيتى من فترة وقلقتينا واخر حاجة كنت اتوقعها انى الاقيكى هنا
هبه تشجعت وسألتها بامل ...- ادهم بيدورعليه...؟
عبير اجابتها ... - لا البيه خرج من بدري وقال انه هيبات في الفندق وطلب منى اجهز الشنط للسفر ...لكن انا ومامته دورنا عليكى ...الحاجة قلقانه عليكى وطلبتك في غرفتها...
هبه تفاجئت بشدة لاول مرة نجيه تطلبها في غرفتها فهى لم تدخل غرفتها من قبل... عبير ساعدتها علي استبدال ملابسها واوصلتها لغرفة نجيه وتركتها عند الباب
ترددت كثيرا ثم دخلت الغرفة بخوف وقلق... كانت متوترة بشدة وتسألت عن ماذا عساه حدث ؟ نجيه كانت مستلقية علي السرير..هبه سمعت صوت تأوهات صادرة منها بصوت عالي ....هبه فعليا قلبها خلع من الفزع ...فهرعت اليها وهى مفزوعه وبدون ان تشعر مالت عليها وسألتها بهلع واضح ...- ماما مالك خير...؟
تأوهات نجيه انقلبت لابتسامة خبيثة وهمست ... - روحى سكري الباب وتعالي
هبه مازالت مرعوبة ولا تفهم الوضع جيدا لكنها نفذت طلب نجيه التى اشارت لها ان تقترب اكثر منها واخذتها من يدها واجلستها بجوارها علي الفراش...
نجيه قالت بحنان ...- انا حسيت بيكى كنتى تجصدي لما جلتى ليه امى بصحيح حاساها يا هبه ...؟
هبه امسكت يدها وقالت بألم ... - انتى الام الوحيدة اللي عرفتها في حياتى
نجيه ربتت علي يدها بحنان...- وانتى كمان يا بنيتى دخلتى جلبي... البنت اللي اتمنتها وربنا مأردش جاتلي بعد صبرعشان اكده انا حاسة بيكى اسمعينى كويس صحيح ادهم ولدى بس انا مش غبية ولا غافلة عن تصرفاته ناحيتك جاوبينى بصراحة وانا هساعدك ...انتى بتحبي ولدى وباجيه عليه ؟
الامل جواها نمى وترعرع... هبه ردت بلهفه ...- ايوه بحبه
نجيه ضحكت بإنتصار ...- خلاص اعتمدى علي الله وعليه ... صحيح يا بنتى انا مش متعلمة زيكم بس عاجلي صاحى وواعى ...ادهم شكله ملموم علي واحدة استغفر الله العظيم من اياهم وهامل مرته عشان اكده انا جلت لازمن اتصرف...مش ادهم بس اللي ليه جواسيس انى كمان ليه ...
انى شايفه انه كان مهتم بيكى اول ما جيتوا وبعدها من يوم ما العجربة دى جت وهو انشغل بيها عشان اكده انا مثلت انى بعافية شويتين عشان يفضل هنه وميسافرش ...انا يا بنتى صحتى زى الفل ..بس ادهم حنين مش هيهون علية يسافر وانا اكده ....انا عرفت ان العجربة هتسافر بكره ....الله يسهل ليها تسافر وانتم افضلوا هنه لحد ماربنا ييسرها ليكم.. بردك بعيد عنيها افضل والدور والباجى عليكى بجى ....رجعى جوزك لحضنك
الست ملهاش الا راجلها ...وربك حلل حبك لجوزك ...انتى ربنا وهبك جمال ...استغليه صحيح وهتكسبي...انا معرفش اية اللي بينتكم بس انا اعرف ولدى زين ...من يوم ما خبرنا انه اتجوز وهو حالة غير....
الامتنان الذي غمرها من موقف نجيه اكبرمن انها تعبرعنه بالكلام... كل ما استاطعت فعله انها القت بنفسها في حضن نجيه وبدأت بكاء مكتوم بداخلها منذ سنوات.. بكت سلطان وبكت وحدتها ...بكت حبها المستحيل لادهم..
نجيه هدئتها ومسحت علي شعرها بحنان...- ابكى يا بنتى ..ابكى بس في حضنى بس... بنتى لازم تكون جويه ...لو هتدخلي الحرب لازم تستعدى ليها كيف تسمحي لجوزك يبات برات فرشته ...؟
هبه قالت بألم ...- قوليلي اعمل ايه ..؟
نجيه اخبرتها بحكمة وبخبرة سنوات عمرها ...- الراجل يا بنيتى بيحب يحس برجولته ...ضعفك بيجذبه أي نعم لكن ممكن يوصل لدرجة انه يخنقه الراجل لازمن يحس بالتهديد الخفي ...لو صرحتى انك هتسيبه هيفتحلك الباب ولو اطمن لوجودك وملي ايده منك..هيهملك...صدجينى يا بنيتى ولدى عاوزك بس بيكابر انا ام وافهم...
ابدئي تشغلي وقتك بأي حاجة بعيدة عنه ...انا علي اعطله هنه اسبوع كمان وانتى بجى شعليله في الاسبوع ده خلي راسه تلف
هبه شكرت نجيه بقبلة علي كفها .... خطة نجيه بسيطة لكن مذهله ... "شعليليه "
رواية سجن العصفوره الفصل الثامن عشر 18 - بقلم داليا الكومي
به ذهلت من نفسها عندما اكتشفت أنها تستطيع إغراء أدهم.
شعلة أدهم بدأت كما خططت مع نجيه.
بحكم الحصار الأمني الذي يفرضه أدهم عليها، فمن المحال إثارة غيرته.
بالإضافة إلى أنها لم تكن متأكدة من احتمالية غيرة أدهم عليها.
فالغيرة والحب توأمان لا ينفصلان، ولدا من نفس الرحم.
صحيح، أوقات تواجده في البيت زادت بشكل ملحوظ، لكنه ما زال يغيب الليالي خارجاً.
كانت تتحين أي فرصة لوجوده كي تنفذ خطتها.
مبدئياً، تعمدت دخول غرفة الملابس بأقل شيء تستطيع ارتدائه بدون أن تكون مبتذلة، وخصوصاً عندما كانت تسمع صوته في الحمام.
لعدة مرات دخلت عليه غرفة الملابس وهو يبدل ملابسه وهي ترتدي أقل القليل.
لعدة مرات أيضاً، تعمدت أن تطيل وقت استحمامها وجلست في الحمام في هدوء، فلربما يخطئ وجودها ويدخل وهي مازالت بالداخل.
لكن للأسف، طوال الأسبوع وهو حجر لا يلين.
كان يتجاهل وجودها تماماً.
اليأس تسلل إلى قلبها، دفاعات أدهم الحصينة ضدها أحبطتها.
"أنا مين عشان أملي عينه ويهتم بيه؟"
بمرور الوقت، وصلت لدرجة الاستسلام.
"خلاص يا هبه، ربنا يسعده في حياته... ارحمي نفسك بقى."
القرار اختمر في دماغها، سوف تطلب منه العودة إلى شقتها بمجرد أن تراه.
نجيه تحسنت، أو لم تستطع التمثيل أكثر من ذلك، ولن تستطيع إبقاءه بقربها لوقت طويل.
ربما الأمل الوحيد الآن أن يطلب منها البقاء عندما يشعر بنيتها في الرحيل.
راهنت على آخر أمل لديها، فماذا لديها لتخسره؟
هبه انتظرت أدهم.
سمعته في الحمام.
شجعت نفسها.
"خلاص اتشجعي يا هبه."
لبست روبها وخبطت على باب غرفة الملابس.
أدهم فتح الباب، صدم لرؤيتها وكأنها آخر مخلوق يتوقع رؤيته عند بابه.
"لو سمحت ممكن أتكلم معاك؟" قالت هبه بأدب.
أدهم أجابها بعد تردد: "طيب استنى هلبس وأرجعلك."
بعد فترة، أدهم خرج وأخذها لخارج جناح النوم.
أخذها لصالون يطل على الحديقة من أعلى.
أدهم رفض استقبالها في غرفة نومه، وكأنها وباء معدٍ سوف يلوث غرفته.
أدهم سألها بعصبية: "خير؟"
"أرجوك يا أدهم، أنا من الأساس بحاول أرحمني." فكرت في داخلها.
قالت هبه بطريقة مباشرة، حاولت أن يخرج صوتها طبيعياً خالياً من المشاعر: "أنا عايزة أرجع شقتي... الدراسة خلاص هتبدأ."
وكأن أدهم بركاناً انفجر ولم يعد يستطيع السيطرة عليه بعد الآن.
"إنتي أبرد وأغبى واحدة شفتها في حياتي. اعملي حسابك أنا ها أتجوز فريدة. لو تحبي تفضلي مراتي براحتك، لو حابة تطلقي براحتك، بس يكون في علمك الطلاق مش هيتم إلا لما تخلصي كليتك. وعدي لسلطان مقدرش أرجع فيه."
الدنيا دارت من حولها بقوة.
حاولت أن تسند نفسها على أقرب حائط خلفها كي لا تهوي أرضاً.
كلماته ترددت في عقلها. "هيتجوز فريدة."
"خلاص ياهبه، أملك مات واندفن."
معجزة مكنتها من تمالك أعصابها وقول: "مبروك. أتمنالك السعادة مع الإنسانة اللي أنت اخترتها."
غضب أدهم وصل لمرحلة الانفجار، اقترب منها.
يده تكتفت في قبضة.
في لحظة أحست أنها موجهة لها، لكنها في الحقيقة مرت من فوق رأسها بملليمترات قليلة وخبطت في الجدار من خلفها.
قوة لكمته أحست معها أنها حطمت الجدار ويده معها.
هبه حاولت أن تلمسه تطمئن على يده.
أدهم منعها بنظرة نارية جمدتها فوراً.
الدموع تهدد بالنزول، لكن كرامتها منعتها من السماح لهم بالحرية.
أدهم أمسك يده المصابة بيده الأخرى، وقال بغضب: "إنتي لو مصنوعة من لحم ودم زينا كنتي حسيتي من زمان، لكن اللي اكتشفته إنك مش حقيقية، حتى الإله حقيقية وموجودة، لكن إنتي عايشة في دنيا لوحدك ومكتفية بيها. لسة مرارتك مسيطرة عليكي. كمان عندك كمية غباء وسذاجة مشفتهاش في حياتي. إزاي مش مدركة إني بحارب عشان أسيطر على نفسي وإنتي بتتجوّلي بحرية ولابسة هدوم مثيرة تولع حتى القديس."
هبه حمدت الله أنها حالياً ترتدي روب فوق قميصها الشفاف، وإلا كانت قللت من نفسها لأقصى درجة وأكدت عرضها لنفسها عليه.
أدهم مد يده السليمة وفك حزام روبها في حركة مفاجئة.
قميصها الشفاف انكشف وكشف جزء كبير من جسدها الجميل.
رغبة لمعت في عيون أدهم.
في لحظة كانت بين يديه.
سعادتها بوجودها في حضنه لا يوجد لها وصف.
قربه منها شلها.
رعشات بسيطة من كل عضلاتها كانت هي استجابتها.
دقائق أدهم فقد السيطرة على نفسه في أنفاسها.
يداه كانت تتجول بحرية في كل جزء من أجزاء جسدها.
لكن عندما عاد إليه الوعي، أبعدها عنه بحركة عنيفة وقال بقرف: "متخافيش وترتعشي كل أما أقرب منك، أوعدك دي كانت آخر مرة، اطمني."
ثم خرج من الصالون فوراً.
مشكلة حياتها الأساسية، أدهم لا يستطيع أن ينسى نفورها الأول منه.
الانطباع الأول يدوم كما يقولون.
هو فسر رعشتها خوف ونفور، ولكنه مخطئ في ذلك.
لن يسامحها مطلقاً على رغبتها في القيء عندما رأته لأول مرة في حياتها.
لكن فعلياً، هي تستحق احتقاره.
أدهم يحب امرأة أخرى، وهي حاولت لأيام إغراءه، وعندما استجاب وضعف أخيراً، ارتجفت بين ذراعيه.
ولسوء حظها، فسر موقفها بشكل خاطئ.
طبعاً من حقه أن يحتقرها وينعتها بأسوء الألقاب.
دموعها تحررت أخيراً.
الآن سعادة أدهم هي ما يهمها، فهو يستحق أن يكون سعيد.
جففت دموعها بعد رحيله.
ارتدت ملابسها على عجل وذهبت لرؤية نجيه، الآن هي تحتاج لحضن الأم بشدة.
طرقت باب غرفتها بلطف.
وعندما دعته نجيه للدخول، هبه دخلت وهي محنية الرأس.
بدون كلام، نجيه فتحت ذراعيها لاستقبال هبه بكل حب.
عندما انتهت هبه من ثورة الدموع، أخبرت نجيه بألم: "قال هيتجوزها يا ماما، خلاص ما فيش أمل."
نجيه ربتت على كفها بحنان: "خابرة بحالك يا بنتي وعارفة نار الغيرة وجربتها قبل كده. مشكلتك يا بنتي إن جوزك مش أي راجل، جوزك قوي قوي، وما فيش حد يقدر يغير قراره. هو صحيح ولدي، لكن أنا خابراه زين عنيد ولما بيقرر حاجة بيبقى وازنها مليح."
وكأن نجيه تخبرها ما لا تعلمه.
هبه سألتها بألم: "حاولت معاه كتير، ما فيش أمل، هو مش بيحبني ومش عاوزني."
"لا يا بنتي، حتى لو قال هيتجوزها، هو بيحبك برضه. الصبر يا بنتي، معلش استحملي. الست العاقلة تدافع عن بيتها وجوزها لآخر نفس."
"خلاص ما فيش بيت، أنا طلبت أتنقل شقتي لوحدي."
نجيه عاتبتها بألم: "مش أنا جلت لك يا بنتي لو طلبتي تمشي هيفتح لك الباب. أدهم كرامته بالدنيا، في راجل هيعيش مع مرته غصب، مين يقبلها على نفسه؟ إنتي صغيرة يا بنتي وحظك إن جوزك أكبر بكتير، لا هو عارف يفكر بعقلك وقلة خبرتك، ولا إنتي قادرة تكسبيه لأنك قليلة الخبرة وبريئة. إنتي سبتيه لواحدة عندها خبرة تلف أي راجل وواقفة تتفرجي."
"لكن هو بيحبها."
"لا، أنا مشفتش ابني بيحب إلا لما عرفتك، لكن هي عرفت تغريه وتحسسه إنه راجل."
في النهاية، نجيه واجهتها بغبائها. هي لا تستحق أدهم لأنها أضعف من أن تكون زوجته.
هبه انتظرت أدهم أمام غرفة مكتبه لساعات.
وعندما يئست من عودته، عادت إلى غرفتها تجر أذيال الخيبة.
نجيه أمرتها بانتظاره في الداخل.
وعندما فتح أدهم الباب وشاهدها تنتظره، تردد للحظات ثم أغلق الباب وسألها بلهجة عادية: "عندك طلب تاني؟"
هبه أجابته بألم: "لا بس جيت أطمن على إيدك، شفت دكتور."
أدهم هز رأسه بسخرية: "لا اتعودت أداوي نفسي بنفسي. عايزة حاجة تانية؟"
هبه تمالكت دموعها وانسحبت في صمت، فدموعها الآن لن تثير سوى اشمئزازه.
الأمر الجيد الوحيد الذي فعلته في حياتها كان مساعدة عبير ووليد على الزواج.
فأدهم وعدها بمساعدتهم، إذن فسوف يفعل.
لن تنسى مطلقاً فرحة عبير الغامرة حينما أخبرتها، لدرجة أنها احتضنتها وأمطرتها بالقبلات.
مشاهدة الأحباء يجتمعون سوياً أمر لا تستطيع منع نفسها عن المساعدة فيه إذا ما استطاعت.
لكنها أيضاً رثت نفسها وحبها الميؤوس منه، ولكن للأسف لن يستطيع أحد مساعدتها أبداً.
رواية سجن العصفوره الفصل التاسع عشر 19 - بقلم داليا الكومي
أخيرًا استسلمت هبه. أدهم يحب فريدة. ولأنها تعرف الحب جيدًا، قررت أنها سوف تنسحب من حياته. فكل محاولاتها باءت بالفشل.
كلمة واحدة شغلت تفكيرها، فكرت فيها ليل نهار. نجيه دائمًا ما كانت تلمح إلى قوة أدهم. قوته التي لاحظتها بنفسها. أدهم حاليًا هو الأمر الناهي لكل العائلة. نجيه أخبرتها في ذلك اليوم الذي استدعتها فيه في غرفتها.
"فرحت يوم ما أدهم خبرنا بالجواز. هذا يعني أنه أبلغهم بنفسه."
في علاقتها بأدهم الكثير من التناقضات التي تلحظها. تشعر أحيانًا بغموض أدهم، وأحيانًا أخرى تشعر به واضح وصريح. كلام عزت كله لها في مكتبه عليه الكثير من علامات الاستفهام. لابد وأن تفهم وإلا سوف تجن.
أدهم سوف يقضي ليلته في الفندق كالمعتاد. هبه قررت أن تدخل غرفته تشاهدها ولو لمرة واحدة. أمنيتها أن ترى فراشه. فهذه آخر ليلة لهم هنا وغدًا سوف يفترقون. تسلحت بالجرأة ودخلت.
رائحته تعبق الجو. أمسكت عطره وأغمضت عينيها تمليء عقلها من رائحته علها تحملها فيه للأبد. تجولت وتجولت حتى أرهقت. فراشة المرتب بعناية كان يحمل رائحته. دفنت رأسها في المخدة وبدأت البكاء. بكت حتى ارتاحت، بكت حتى نامت.
استيقظت على أدهم وهو يهزها برقة. الخجل والحياء من موقفها المفضوح سببا لها توتر رهيب. لحسن حظها أدهم لم يتحدث، لم ينطق أي كلمة. بل أخذها في حضنه بقوة ونام بجوارها بملابسه.
أدهم نام فورًا وأصبح نومه عميق وكأنه لم ينم منذ أيام. لكن هبه قررت أن تستيقظ حتى الصباح كي تستمتع بآخر لحظاتها بقربه. فلربما تكون تلك اللحظات هي آخر ذكرياتها معه.
وعندما استيقظ مجددًا بعد فترة نظر إليها برغبة شديدة ثم غابا في عالمهم الخاص.
الصباح التالي كانوا في الطائرة التي حملتهم بعيدًا عن أجمل أسابيع عمرها. ساعات وكانت في قصره في القاهرة. بعد ليلتهم الأخيرة هبه فضلت تجنبه خلال رحلة العودة. بعد أن اكتشفها في غرفته خافت من مواجهته.
دهشت بشدة عندما وصلوا القصر فهي كانت متوقعة منه أن يوصلها لشقتها كما هي طلبت منه. لكن آخر شيء تستطيع فعله الآن هو أن تسأله أو تفتح معه موضوع انتقالها مجددًا بعد انفجاره الغاضب.
دخلت غرفتها ونامت ساعات وساعات بعدما أرهقتها الدموع والصداع ضربها بقسوة. حالتها النفسية وصلت للحضيض. فأدهم تجنبها بطريقة مقيتة هو أيضًا منذ استيقاظها في حضنه هذا الصباح.
استيقظت على صوت عبير يطلب منها النهوض. كان لا يوجد لديها أي مزاج لتغيير ملابسها أو لرؤية أي أحد. لكن تحت إلحاح عبير هبه نهضت. أخذت حمامًا سريعًا وارتدت فستان شيفون أخضر بلون عينيها معه طرحة منقوشة.
عبير جهزتها وببراعة حاولت أن تداري عيونها الحمراء المنتفخة. هبه أجبرت نفسها بالقوة حتى تستطيع تلبية طلب أدهم والنزول للعشاء مع ضيوفه كما أبلغتها عبير عن رغبته.
صدمتها الأولى كانت في الضيوف أو بالاحرى في الضيفة الوحيدة التي وجدتها برفقة أدهم عندما نزلت من غرفتها. الضيفة كانت فريدة. بالمظهر الذي ظهرت به فريدة أقل وقت توقعته هبه أنها قضت على الأقل ست ساعات كاملة في الاستعداد لعمل شعرها ومكياجها حتى تظهر بمثل هذا التألق. فريدة كأنها خرجت للتو من كاتالوج للموضة. كل شيء فيها صائب.
صدمتها الثانية والأشد كانت ذراع أدهم المحيطة بكتفيها والتي حتى لم يحاول أن ينزلها عنها مع دخولها للصالون. تذكرت يداه اللتان أحاطتها بحنان في حضنه طوال الليل. لكن حاليًا أدهم يريها مكانتها الحقيقية. تقلبه يخيفها فهو قادر على الهبوط بها لأسفل أرض بعدما يكون قد رفعها حتى عنان السماء. هو الآن يريها وضعها الحقيقي في حياته. زوجة مجبر عليها بسبب وعد قطع لرجل ميت.
آخر محاولة لإنقاذ كرامتها. فرصتها للخروج برأس مرفوعة. كرامتها الجريحة أعطتها القوة للتحمل. أعطتها القوة لتدخل إلى الصالون متجاهلة المشهد القاتل أمامها. بكل كبرياء دخلت حيث فريدة وتجاهلت أدهم تمامًا. من داخلها تتمزق وروحها تموت ببطء وظاهريًا هي مثل جبل الثلج. أصبحت مثل التمثال الخالي من الروح والمشاعر.
زيادة في إذلالها عند تقديم العشاء أدهم أخذ فريدة إلى غرفة الطعام الفخمة وترك هبه لتلحقهم بمفردها. آه لو كان لديها أمل حتى لو ضئيل لكانت حاربت. لكانت قطعت وجهها بأظافرها وجذبتها من شعرها المصفف بعناية. لكنها للأسف علمت جيدًا من داخلها أي جانب أدهم سوف يأخذ إذا ما تجرأت على إهانة فريدة. أصبحت بين نارين. نار أنها تثور وتشتمها وتطردها خارجًا ونار أخرى تحثها على المحافظة على كرامتها وتقبل وضعها.
العشاء كان كابوس بكل ما للكلمة من معنى. مع أن فرحة الطباخة أبدعت في الوجبة كعادتها إلا أن طعمها بالنسبة لهبه كان طعم الجير.
أخيرًا العشاء انتهى وهبه تستطيع الانسحاب الآن وتركهم بمفردهم. بعد تقديم الحلويات هبه تحججت بالصداع والإرهاق من السفر. أدهم رحب تمامًا بإنسحابها. أثناء خروجها من الصالون سمعت أدهم يخبر فريدة أنهم سوف يكملون السهرة في الخارج.
خنجر غرز في قلبها بدون أي رحمة. قوة غريبة مكنتها من الصمود حتى النهاية وانسحبت بكرامتها. فازت في معركة الكرامة وخسرت في معركة الحب.
كلمة النهاية كتبت أخيرًا. لابد أن تترك القصر فورًا. أدب أدهم يمنعه من طردها لشقتها. لكنه بالتأكيد يتمنى أن تأخذ هي تلك الخطوة المحرجة من نفسها. فور صعودها لغرفتها هبه طلبت من عبير الاستعداد لترك القصر في الحال.
عبير أبلغت أدهم بقرارها بالرحيل في الحال. وعندما سألتها هبه عن ردة فعله أجابتها عبير:
"وافق فورًا... وخرج مع فريدة."
موافقة أدهم الفورية كانت كتابة كلمة النهاية ليس فقط لإقامتها في القصر لكن لزواجهم أيضًا. هبه قررت الرحيل قبل عودته. الوداع يصعب عليها الأمر. خافت من انهيارها التام أمامه. الألم يصبح غير محتمل.
شعرت أنها مخنوقة فقررت التجول في الحديقة حتى تنتهي عبير من حزم أغراضهم. بعد حوالي ساعة عبير أبلغتها أنهم مستعدون الآن للرحيل.
هبه أخذت جولة أخيرة تودع بها المكان. تلكأت عند كل شبر تحفظ تفاصيله. بعد مقاومة مع نفسها قررت أخيرًا تقبل فكرة الرحيل.
وقفت متخشبة وحقائبها الكثيرة تنقل إلى السيارة. عبير أدخلتها إلى السيارة كأنها طفلة لا حول لها ولا قوة. دموعها نزلت بهدوء حفرت قنوات على وجهها. كحلها مع مسكرتها حولوا عيونها الجميلة لعيون الباندا.
السائق تحرك بالسيارة. خرج من القصر. راقبت بلوعة الحدائق وهي تختفي حاملة معها أجمل أيام حياتها.
بعد عدة دقائق من مغادرتهم القصر هبه صرخت في السائق وقالت بصوت أمر:
"ارجع."
بدون نقاش نفذ السائق طلبها واستدار بالسيارة جهة القصر مجددًا. وسط أحزانها وطلبها من عبير أن تقوم بحزم أمتعتها هبه نست كنزها المدفون. كنزها الذي دفنته تحت مخدتها بعد رجوعهم من الصعيد. صورة أدهم وقميصه المستعمل الذي يحمل رائحته. هبه صرخت وأمرت السائق بالرجوع كي تذهب وتحضرهم. لا يمكن أن تغادر بدونهم فهم كل ما تبقى لها منه. سوف تصعد لغرفتها وتحضرهم ثم يذهبوا للمجهول مجددًا.
توقعت بالطبع عدم وجود أدهم بل وربما سيقضي الليلة خارجًا.
السيارة أنزلتها أمام القصر. هبه أبلغت عبير وألماس أنها سوف تصعد لغرفتها لإحضار شيء نسيته وسوف تعود فورًا. عبير وألماس أصبحتا كل ما لديها الآن. كنزها سيساعدها على الصمود. هبه صعدت الدرج بهدوء شديد كانت تتسلل مثل اللصوص. وصلت لغرفتها. يداها بحثت عن زر الإضاءة وجدته بصعوبة في الظلام وأضاءت الغرفة.
المنظر الذي شاهدته عندما فتحت الضوء هزها بقوة. ضربها بعنف كأنها تعرضت لزلزال عنيف. إحساس الإنسان إذا ما ضرب ألف لكمة مجتمعين معًا. هناك على فراشها السابق شاهدت أدهم يحمل غلالة نومها التي خلعتها عنها قبل نزولها للعشاء المشؤم. عبير بالتأكيد نسيت أن تجمعها مع أشياؤها الأخرى. أدهم كان يحمل غلالتها قرب قلبه وعيناه مليئة بالدموع.
رواية سجن العصفوره الفصل العشرون 20 - بقلم داليا الكومي
قرصت نفسها بعنف حتى تتأكد أن المعجزة التي تراها بعينيها الآن هي حقيقة وليست حلم.
أدهم كان يحمل قميص نومها بين يديه وهو يبكي بحزن.
الدموع التي تلمع في عينيه حقيقية جداً، لا يمكن أن تكون حلماً.
لا يمكن لحلم أن يكون بمثل تلك الروعة.
هبة صرخت بعدم تصديق:
- أدهم؟
أدهم رفع رأسه ببطء، وجودها صدمة بقوة.
أدهم قاطعها، منعها من أن تأخذ فرصة للتعبير أو للكلام.
هاجمها فوراً:
- الحمد لله رجعتِ تشهدي على ذلي الكامل. ارتحتي؟ انتقامك تم، حققتي أمنيتك أن تكسريني بالكامل. تشوفي بعينيكي ذل العجوز اللي غصبك على الجواز بدون إرادتك. ومش بس كدة، استغل لحظة ضعفك وأجبرك على معاشرته. اطمني، أنا احتقرت نفسي كفاية بالنيابة عنك.
هبة اقتربت منه، ما زالت تخشى أن تستيقظ من الحلم على الحقيقة المرة. حلم ذكرها بآخر رائع في المستشفى يوم عمليتها.
هبة قالت برجاء:
- أدهم، أرجوك اسمعني.
أدهم أجابها بمرارة:
- خلاص يا هبة، خلص الكلام. امشي. إيه اللي رجعك؟ حياتك قدامك. أنا حولت لك ملايين كتير أوي. الحراسة هتفضل معاكي. مفتاح قفصك بقى معاكي، اخرجي. حصلي العصفورة.
هبة أمسكت يده بقوة وقالت:
- أدهم، ممكن تسمعني لحظة واحدة.
أدهم:
- اديني بس فرصة أشرحلك سبب رجوعي.
هبة رفعت المخدة بيدها الأخرى وأخرجت الصورة والقميص من تحتها. نظراته تركزت على ما تحمله في يدها.
هبة أكملت بصوت خافت يكاد يكون غير مسموع:
- رجعت لأني نسيت قميصك وصورتك. الذكريات الوحيدة اللي هتبقى لي منك.
أدهم هز رأسه بعدم تصديق:
- هبة، أنا مش فاهم.
هبة أجابته بمرح:
- معقول أدهم الذكي الملياردير لسه مفهمش؟ أدهم، سامحني على كلمة قلتها في لحظة غباء. أدهم، أنا كبرت وبابا بيشتغل عندك، عارف يعني إيه؟ يعني حياتنا كانت متوقفة عليك. صبح وليل بابا بيشكر فيك وفي أخلاقك ويتكلم عن إمبراطوريتك. أنا لما قلت عجوز، فعلاً كنت فاكراك أكبر من بابا الله يرحمه. آخر حاجة أتوقعها إن ملياردير زيك عمره في الثلاثينات.
أدهم عيناه اتسعت من الصدمة.
- أدهم، أنا لما شفتك اتصدمت من سنك. اتصدمت لأني اكتشفت إن السواق اللي أنا اعتبرته سواق يوم المستشفى هو أنت.
أدهم هز رأسه بمرارة واضحة:
- طبعاً اتصدمتي لدرجة إنك رجعتي. رجعتي كل اللي في معدتك لما شفتيني. هبة، عندك فكرة عن الألم اللي أنا حسيته يومها لما عرفت إنك قرفانة من العجوز اللي اتجوزك. يومها الدنيا اسودت في وشي. كنت على استعداد إني أتنازل عن ملياراتي كلها في مقابل إني أكسب حبك. عشان كده قررت أسيبك في حالك وأرحمك مني.
لكن لما عملتي العملية ورحت لك المستشفى وشفتك وإنتي لسه في التخدير. قربت منك، ولأول مرة في حياتي بأخدك في حضني. عرفت إني مقدرش أبعدك عني تاني.
هبة مشاعرها جياشة. الكلمات خانتها. التعبير بالكلمات أقل من الموقف. حب أدهم واضح في كلامه، في ألمه، في دموعه.
هدوء حاول أن يتكلم. دورها الآن في الكلام.
- أدهم...
أدهم أكمل باستسلام وكأنه لم يسمعها تناديه:
- خلاص يا هبة، إنتي شفتي انهياري الكامل. آخر حاجة كنت أتمناها إنك تشوفيني بالضعف ده. بس لازم أتمسك بآخر أمل لو فعلاً موجود. إنتي رجعتي عشان الحاجات دي. إيه بالنسبة ليكي؟ أنا إيه بالنسبة ليكي يا هبة؟ سجانك العجوز ولا جوزك وحبيبك؟
هبة قالت بحب واضح:
- أنا غبية وعنيدة زيك بالظبط.
أدهم ضمها بقوة لدرجة أنها شعرت أن عظامها سوف تتكسر:
- هبة، ارحميني، أنا مش حمل سخريتك مني.
هبة منعته يكمل كلامه. أصابعها الرقيقة لمست شفتيه:
- أدهم، أنا بحبك. قولي فعلاً إنت اللي كنت في حلمي في المستشفى؟ إنت كنت موجود؟ ده مكنش حلم، مش كده؟
أدهم شدد من ضغطه عليها. الأمان الذي أحسته في حضنه يساوي كل الدنيا.
- أيوه يا هبة، أنا كنت هناك. وكانت أول مرة آخدك في حضني. أنا كنت في المستشفى من لحظة وصولك. ولو كنت أقدر أستحمل أشوفك وإنتي في العملية، كنت كمان دخلت معاكي العمليات. بس للأسف مقدرتش.
هبة فكرت بفرحة غامرة. الحمد لله مكنتش وحيدة يوم العملية.
طمعها زاد فسألته بجراءة:
- أدهم، إنت بتحبني من امتى؟
أدهم شعر بقوة ضغطه عليها، فخفف ضغطه قليلاً. حاول أن يحررها من قبضته. هبة اعترضت بتذمر وتمسكت به بقوة.
أدهم أخيراً ضحك ثم قال:
- اصبري بس. كده هتخليني معرفش أركز في اللي هقوله واللي عندي مهم ولازم تسمعيه.
هبة وافقت تحت ضغط أدهم. أخذها بحنان طاغٍ، وأوصلها لأريكة مريحة في التراس.
أدهم أخذها مرة أخرى في حضنه.
هبة انتظرت أدهم يكمل بلهفة. أخيراً سوف تسمع منه الكلمة التي انتظرتها طويلاً.
أدهم صفا صوته. استجمع شجاعته أخيراً وقال:
- هبدأ معاكي من البداية. مرة من 4 سنين. دخلت مطبخ مكتبي أطلب حاجة من عم سلطان. هناك مشفتش عم سلطان، لكن شفت ملاك. ملاك صغير لابس فستان. المنظر اللي شفته جمدني في مكاني. شفتك قاعدة على كرسي ورجليك الجميلة بترتاح على كرسي تاني. إيدك بتلعب في شعرك بحرية. في حياتي عمري ماشفت حاجة بالجمال ده. فضلت أراقبك دقايق زي المتخدر. كنتِ مشغولة بمذاكرتك لدرجة إنك ملاحظتيش وجودي.
رجعت مكتبي، طلبت سلطان. من نفسه قالي عن بنته الجميلة هبة. هبة اللي خايف عليها من البلطجية. تصدقيني لو قلت لك إني حبيتك من لحظة ما شوفتك. حسيت بالخوف عليكي، بالرعب إن ممكن حد يقربلك أو يؤذيكي. عشان كده عفيته من شغل الفترة المسائية وعرفت مدرستك. كنت بروح أراقبك من بعيد زي المراهقين.
كنت مستعد أقتل لما في يوم من الأيام سلطان قالي عن البلطجي اللي اتحرش بيكي على السلم. أقسم بالله كنت رايح أقتله يومها. لكن لما هديت، فكرت أفضل. البلطجي أنا اتصرفت معاه تصرف عمره ما هينساه في حياته. ولحد النهارده مرمي في السجن.
عرضت على سلطان تنتقلوا شقة الزمالك. سلطان خاف مني أكتر من البلطجية. تخيلي، خاف عليكي مني. أكيد حس في كلامي إني مهتم بيكي. حس بلهفتي في صوتي. شاف إعجابي في عيوني. خاف عليكي مني لدرجة الرعب. طبعاً أنا كنت محرج من نفسي ومكسوف، إزاي أنا وأنا عمري 31 سنة أحب طفلة من نظرة واحدة لدرجة الجنون.
شهقة صدمة من هبة منعته يكمل كلامه.
أدهم أمرها بلطف:
- هش، اسمعيني للآخر. إزاي هفهم سلطان إني بحبك وخايف عليكي؟ سلطان كان كله كبرياء وكرامة. رمى عرضي في وشي وتقريباً شتمني وصمم يسيب الشغل. وقالي اللي خلقنا مش هينسانا وهو قادر يساعدني أحافظ عليها.
وقتها الحل الوحيد قدامي كان إني أطلب منه إيدك. رعب سلطان زاد أضعاف من طلبي. غالباً اعتبرني معتوه. حاولت أقنعه إن ده لمصلحتك وإني مستعد أديله كل الضمانات اللي يطلبها بأني مش هقرب منك غير لما تكبري. واتفقنا على عمر 20 سنة إنه مناسب. لكن سلطان برده فضل متردد وهو اللي اقترح إنك متعرفيش أي حاجة لحد ما هو يقرر. الفلوس وقتها فتحت كل السكك وكتبنا الكتاب بدون علمك.
هبة عجزت أذناها عن التصديق. المفاجآت كثيرة عليها لدرجة أنها خافت أن يتوقف قلبها من الفرحة. أقصى أمنياتها كانت أن يحبها أدهم. لكنه الآن يخبرها أنه أحبها منذ البداية.
أدهم أكمل بألم:
- أنا كنت ناوي فعلاً إني أفضل بعيد. كل فترة كنت بروح أراقبك من بعيد وإنتي خارجة من المدرسة. جمالك كان بيزيد يوم بعد يوم وكنت بتجنن عليكي أكتر وأكتر. لكن كنت مطمن إنك بأمان. بس لازم تصدقيني، أنا مطلبتش من سلطان إنه يحبسك أو يضيق عليكي. أنا فتحت له اعتماد مفتوح وخفت أسأله يعتبرني بتدخل في شؤنك وبأخل بوعدي له. بعد وفاته، على الرغم من إني كنت قررت أخرجك من حياتي، لكن غصب عني كنت بلاقيني بروح عند كليتك أراقبك من بعيد برده. كل كتاب أو رواية قريتيهم أنا قرأتهم الأول قبل ما أبعتهم لك. كل حاجة بعتهالك اخترتها بحب وقضيت الأيام بتجهيزها ليكي.
هبة أدركت الآن لما رائحته كانت دائماً مألوفة لها وتسبب لها ذكري مبهمة، فكل كتاب قرأته كان يحمل رائحته وبصمته.
- خطتي لما قررت أتزوجك كانت إني أتعرف عليكي بالتدريج. أخليكي تحبيني زي ما أنا بحبك. أبداً عمري ما كنت هفرض نفسي عليكي أو أجبرك على أي حاجة. لكن بمرض سلطان عرفت إن النهاية قربت لأن سلطان صمم يريح ضميره.
لما نقلت سلطان المستشفى، بلغني إنه هيقولك. قالي باللفظ: "أنا روحي متعلقة لحد ما أقول لها". على الرغم من خوفي وقلقي مكنش عندي أي حل تاني. رحت أجيبك من البيت وأنا متوقع الانفجار في أي لحظة. كنتِ قلقانة ومضطربة لدرجة مرعبة. شفتك في نفس الفستان اللي كنتِ لابساه يوم ما سرقتي قلبي. كان نفسي آخدك في حضني، بس إنتِ اعتبرتيني السواق وركبتي. أنا كنت غرقان في قلقي محستش غير وإنتي بتفتحي باب العربية وبتركبي. وإنتي كنتِ في دنيا تانية لدرجة إنك محستيش بوجودي. عرفت إني حظي معاكي شبه معدوم لأني عارف إن سلطان هيقولك وأنا مقدرتش أمنعه. ومعرفتك بالطريقة دي عن جوازنا كانت هتدمر أي أمل لي في حبك. لكن قررت أحاول معاكي مرة تانية بعد وفاته. وإنتي عارفة الباقي. عزت ومكتبه.
هبة أخيراً استطاعت أن تتمالك أعصابها وسألته:
- عزت قالي عن صفقة وجواز والدك غصبك عليه.
أدهم انفجر في الضحك. ضحكته ترجعه العديد من السنوات للوراء. حيويته عادت كأنه كان نبتة حرمت وقت طويل من الماء وارتوت أخيراً.
أدهم أكمل:
- لما كان رد فعلك على قربي منك الترجيع. الدنيا اسودت في وشي. حبيبتي اللي بحبها من سنتين ومستنيها بصبر. قرفانة مني سببتلها الغثيان. تفتكري فيه راجل واحد في الدنيا يستحمل كده؟
هبة نفت بقوة:
- أدهم، أنا مرجعتش لأني حسيت بالنفور والقرف. أنا رجعت لأني دخت وجاتلي نوبة صداع نصفي. كان بقالي يومين من غير أكل. صدمات ورا صدمات، آخرها اكتشاف إنك مش كبير زي ما أنا كنت فاكرة. يومها ريحة برفانك كانت قوية جداً وهي اللي قلبت معدتي. أي ريحة قوية وقتها كانت هتسببلي كده، مش إنت أبداً أو قربك. أنا بطبعي عندي صداع نصفي ولما بيكون عندي أي ريحة قوية بتخليني أرجع.
أدهم ضحك بمرارة:
- يومها روحت كسرت البرفان، كسرت كل حاجة في طريقي. ومن يومها مستعملتوش في حياتي أبداً لأنه بيفكرني بذلي.
أدهم أكمل بخبث:
- بس بصراحة، أنا يومها كنت مزودها. يمكن خلصت العبوة كلها عليه. فضلت ساعتين أغير في لبسي. كنت عارف إنك أول مرة هتشوفيني. حبيت أظهر في أحسن صورة. الألم تجلى بوضوح على وجهه الوسيم.
- حبيت أظهر أصغر عشان أعجبك. بس كانت مكافأتي إحساسك بالقرف مني. عشان كده أخدت قرار نهائي إني أبعد عن حياتك. الفت حكاية الصفقة في ثواني وعزت وصلها ليكي عشان أحفظ أي جزء من كرامتي المجروحة. على الرغم من رفض عزت في البداية إنه يشترك معايا، لكن وافق في الآخر وساعدني لما شاف حالتي يومها. لو لاحظتي، حكايتي كان فيها تناقضات كتير لأن بعرفش أكذب. لكن فعلاً أنا كنت ناوي أشيلك من حياتي وأحاول أواصل حياتي من غيرك. عرفت إن مفيش أي أمل لينا مع بعض. وفضلت طول سنتين بحاول أنساكي. لكن عمليتك غيرت كل حاجة. رجعتك لحياتي بقوة. بعد ما لمستك مرة، كان لا يمكن أكتفي.
أدهم ضحك فجأة:
- إنتي عارفة بنت الكفراوي دي عمرها كام سنة؟
هبة هزت رأسها بترقب.
أدهم أكمل ضاحكاً وقال:
- 45 سنة ومتجوزة من أكتر من 20 سنة. يعني قبل ما إنتي تتولدي.
عدوى الضحك انتقلت إليها.
- عشان كده مامتك استغربت لما سألتها عليها.
أدهم سألها بفضول:
- ماما؟
هبة ردت بحياء:
- آه، مامتك. الأم الوحيدة اللي عرفتها في حياتي. ساعدتني كتير عشان أحاول أكسبك. وجهها احمر من الخجل.
- قالت لي: "شعللي لي".
أدهم انفجر في الضحك:
- يعني العروض دي مكانتش عفوية؟
هبة وجهها احمر بعنف وهزت رأسها بالموافقة. هي قالت لي: "أنا هخليه هنا والباقي عليكي".
- أدهم ضحك بمرح:
- بصراحة، كنت شاكك. ماما طول عمرها صحتها بمب وعمرها ما اشتكت من حاجة. والدكتور كمان قال إنها كويسة جداً. أنا كنت على آخري. عاوزك بطريقة خلتني زي المجنون. وبس باب بيفصل بينا. كنت بهرب من البيت للفندق. وماما ساعدتك تجنيني أكتر؟
هبة ابتسمت:
- كانت بتساعدني بإخلاص. قلبها حنين أوي. قد إيه أنا كنت فرحانة إني أخيراً شفت حب أم لابنها. حب الأم عمري ما جربته.
أدهم ضمها بحنان:
- أنا هعيش عمري أعوضك عن أي حنان.
هبة دفنت رأسها في صدره. دقات قلبه تسمع صداها في أذنها. يا الله. الحمد لله.
أدهم أكمل:
- تصرفات ماما خلتني أسأل نفسي كتير. لكن عمرها ما وجهت ليها أي سؤال. بعد حادثة الكلاب، احتقرت نفسي. أنا استغليت ضعفك. أفرق إيه عن الكلاب؟ إنتي كنتِ خايفة وأنا استغليتك. يمكن الكلاب أحسن مني. قررت خلاص، لازم أبعدك عني. لازم تاخدي حريتك. كفاية تدخل في حياتك وإجبارك على حاجات إنتي مش عاوزاها. كلمة الطلاق كانت صعبة جداً على نفسي. لكن إنتي كنتِ تستاهلي تختاري حياتك بنفسك.
هبة غمغمت كلام غير مفهوم بصوت خافت جداً.
أدهم سألها بحنان:
- بتقولي إيه يا حبيبتي؟
- هبة كررت كلامها بصوت أعلى قليلاً:
- أنا مكنتش معترضة يومها. أنا كنت أقدر أرفض.
أدهم سألها بخبث:
- يعني عاوزة تقولي إنك كنتِ موافقة؟
هبة هزت رأسها بخجل.
- هبة، أنا بحبك لدرجة لا يمكن تتخيلي إنها موجودة. بحبك لدرجة إن حياتي فاضية مالهاش أي معنى من غيرك.
هبة سألته بجراءة:
- وفريدة؟
إحساس رهيب بالذنب غطى وجهه.
- هبة، أنا فعلاً مش فخور عشان موقفي مع فريدة. بس أنا كنت بتمسك بأي حاجة تنقذ كرامتي وتطلعني بأقل الخساير. كان لازم تصدقي إني مش عاوزك. بصراحة، فريدة كانت بتدعوني استغلها. كانت بترمي نفسها عليا بطريقة واضحة. وأنا قبلت اللي هي بتقدمه من غير ما أديها أي وعد. في الأول استغلتها في الصعيد لما حسيت غيرة في تصرفاتك. وبعد كده استغلتها هنا لما اتأكدت إنها مش غيرة. كنت بتمنى تثوري وتطرديها. تبين لي حبك. غيرتك. لكن برودك خلاني أضغط عشان تمشي وترحميني قبل ما أنهار كلياً.
هبة علقت بغيظ:
- أنا كنت بموت لما شفتها معاك. ومت فعلاً لما شفت إيدك محوطة كتفها. طيب والجواز؟
أدهم أجابها بألم:
- أنا مصيري اتحدد من يوم ما شفتك. لو إنتي مش في حياتي، يبقى خلاص ما يهمنييش أي واحدة تانية مهما كانت. فريدة كانت وسيلة لإبعادك بسرعة لأن سيطرتي على نفسي كان ليها حدود. كانت خايف آخدك تاني من غير إرادتك، أو الأسوأ إني أركع وأطلب منك تفضلي معايا.
هبة لمست وجهه بحنان:
- آخر أمل كان عندي إنك تكوني حامل. فضلت أسبوعين في الصعيد على أمل إنك تكوني حملتي واربطك بيه للأبد. يمكن لو جبنا طفل توافقي تفضلي مراتي. كنت هرضى بأي حاجة تخليكي جنبي. في نفس الوقت كان عندي حجة الشغل عشان أخليك جنبي هناك. هناك على الأقل كان بيتقفل علينا باب واحد. كنت حاسس إننا لو رجعنا القاهرة هتطلبي ترجعي شقتك فوراً وساعتها كنت هبطل أشوفك. الفكرة في إنك هتبعدي عني جننتني. هبة، أنا فعلاً كنت بتعذب في حبك. الحب مؤلم فعلاً، وخصوصاً لما يبقى من طرف واحد. والمستحيل بقى لما تحس إن الطرف التاني بيحتقرك وبيكرهك.
لما عرفت خلاص إنك مش حامل، سلمت إن نصيبنا الفراق. وقررت السفر.
هبة سألته بأمل:
- يعني مفضلناش هناك عشان فريدة؟
أدهم نفى بقوة:
- أبداً. علاقتي بفريدة فعلاً علاقة شغل. فريدة بتصور فيلم تاريخي ثقافي عن الأقصر بلدي اللي بحبها جداً. وأنا فخور بيها وبتاريخها. أظن إنها عملت الفيلم مخصوص عشان تقرب مني. وأنا قررت أنتج الفيلم عشان أضمن جودته وأصرف عليه كويس عشان يطلع زي ما أنا عاوز. الفيلم تصويره شغال من شهور. صورنا في مصر وخارج مصر. وجه وقت تصوير الأقصر. طبعاً كان لازم الطقم ينزل في فندقي، ما أنا المنتج. معقول هدفع لهم في فندق تاني؟
علاقتي بيها كانت شغل بس. النهاردة أنا مكنش عندي أي نية أروح معاها أي مكان. لما اطمنت إنك مشيتي، رجعت فوراً أشم ريحتك، يمكن أتصبّر شوية.
هبة ردت بلهفة:
- أنا كمان رجعت عشان قميصك فيه ريحتك. عشان صورتك تفضل في قلبي. عشان أنا مقدرش أعيش من غيرك أبداً.
أدهم أمسك يدها بقوة:
- متأكدة ياهبة؟ لازم تكوني متأكدة من موقفك ومقررة بحرية. هبة، لو عشتي معايا مش هقدر أسيبك أبداً. هبة، فكري، أنا أكبر منك بـ 15 سنة.
هبة ردت بكسوف:
- أدهم، أنا بحبك. اكتشفت إني بحبك وإنا في حضنك يوم حادثة الكلاب. اكتشفت إن الأمان في حضنك إنت بس. والعيلة وفرحتها معاك حسيتهم. أدهم، إنت اديتني كل حاجة حلوة في الدنيا ومطلبتش مني أي حاجة في المقابل. أنا اللي كنت أنانية وغبية بشكل فظيع واستاهل أي عقاب تعاقبني بيه إلا إنك تبعدني عنك.
أدهم أمسك خصلة من شعرها الجميل، أخرجها من محبسها تحت حجابها ولفها حول إصبعه:
- هبة، أنا متملك. وحبك خلاني مجنون تماماً. بس اللي أنا حاسه ناحيتك أكبر من الجنون. صدقيني، لا يمكن حد هيحبك أبداً زي ما أنا بحبك.
هبة اقتربت منه أكثر. استمتعت بهمسه لها بكلمات الحب. كلمات أسكرتها كلياً. غابت معه عن عالم الواقع حتى صرخت فجأة:
- السواق. العربية. عبير.
أدهم أيضاً تنبه إلى الجمع المنتظر لهبه في الأسفل. على مضض رفع هاتفه واتصل بالسائق وصرفه وأمره بإبلاغ عبير وألماس بإلغاء ترتيبات الانتقال.
هبة حاولت الكلام.
أدهم تنفس براحة وأسكتها بضمة أقوى:
- هبة، اسكتي بقى. ضيعنا وقت كتير. لقد سجنتك في دنياي فأصبحت أنا سجينك. وعدت كالرضيع أتمنى حنانك. ولسنوات انتظرت رضائك فكنت كالغريق أتعلق بثيابك كالطفل التائه في رحابك. لكنني كنت سجانك، فظلمت نفسي وظلمتك. فهل ستحبين يوماً سجانك؟ فاصفحي عني واستردي الآن حياتك. وأنا سأتحمل اللوم راضياً عن كل أحزانك. وها قد فتحت لك القفص مرغماً فطيري وانعمي في فضائك. واتركيني ألقي جراحي بدونك. فقدري أن أكون ذليلك. فأنا العملاق الذي يتحول إلى قزم أمام نظراتك. وعدت أنا لسجن نفسي فلم أعد أحتمل احتقارك. يا عصفورة القلب سأظل للأبد أسيرك.
وتمر خمس سنين نجد العصفورة السجينة تحررت بالحب وهي جالسة أمام النافورة تستمع للموسيقى ويحضنها أدهم وأمامها طفلين سليم وسلطان. سليم 4 سنين وسلطان سنتين بيلعبوا وهو طلب منها ترقص رقصة الباليه بحيرة البجع.