تحميل رواية «سجن العصفوره» PDF
بقلم داليا الكومي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صوت زقزقة عصفورة على نافذة غرفتها. صوت المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم. صوت أبيها سلطان وهو يوقظها كما اعتاد أن يفعل يومياً. تغلغلوا لأعماق عقلها وهي نائمة. "قومي يا بنتي... اصحي عشان تفطري. جهزتلك الفطار." فتحت هبة عينيها بكسل. شاهدت والدها يقف على باب غرفتها. قفزت من فراشها فوراً. "كده يا بابا ليه بس تعبت نفسك. مش كفاية تعبك طول النهار في شغلك وتعبك في البيت بعد ما بترجع... تطبخ وتكنس وتنضف وبترفض مساعدتي ليك في شغل البيت عشان أذاكر... كمان بتحضر الفطار وتصحيني. طب سيبني يوم أخدمك أنا....
رواية سجن العصفوره الفصل الأول 1 - بقلم داليا الكومي
صوت زقزقة عصفورة على نافذة غرفتها.
صوت المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم.
صوت أبيها سلطان وهو يوقظها كما اعتاد أن يفعل يومياً.
تغلغلوا لأعماق عقلها وهي نائمة.
"قومي يا بنتي... اصحي عشان تفطري. جهزتلك الفطار."
فتحت هبة عينيها بكسل. شاهدت والدها يقف على باب غرفتها. قفزت من فراشها فوراً.
"كده يا بابا ليه بس تعبت نفسك. مش كفاية تعبك طول النهار في شغلك وتعبك في البيت بعد ما بترجع... تطبخ وتكنس وتنضف وبترفض مساعدتي ليك في شغل البيت عشان أذاكر... كمان بتحضر الفطار وتصحيني. طب سيبني يوم أخدمك أنا."
"يا حبيبتي أنا سامعك طول الليل سهرانة بتذاكري. كان لازم أحضرلك الفطار وأصحيكي."
غادرت هبة السرير بنشاط. مالت على كف والدها وقبلته في امتنان.
والدها عم سلطان... كل حياتها. من يوم وفاة والدتها وهي تلدها وليس لديها أي أحد سواهُ في الدنيا. والدها كما يقولون "مقطوع من شجرة". وحيد بدون عائلة أو أي أقرباء حتى من بعيد. ووالدتها أيضاً كانت كذلك. حتى عندما تزوج سلطان من فتاة طيبة القلب تحبه... القدر القاسي لم يمهله وقتاً للسعادة وأخذها منه يوم ولادة بنتهم الجميلة هبة. أسماها هبة لأنها هبة من الله أعطاها إياه ليعوضه بها عن حرمانه من زوجته الحبيبة. هدية السماء إليه. أنارت أيامه القاحلة برقتها وجمالها.
"يلا يا هبة... الفول هيبرد ده أنا عاملهولك يا حبيبتي زي ما بتحبي."
"حاضر يا بابا هصلي وأجي."
خرج سلطان من الغرفة ليصنع لها الشاي. وهبة خرجت معه ودخلت الحمام توضأت وعادت غرفتها لتصلي.
"الحمد لله."
مع كل فرض كانت تحمد الله على حياتها وعلى والدها. فهو تحمل كثيراً من أجل أن يربيها ويعلمها. فشخص آخر في نفس ظروفه... كان تزوج منذ زمن بعيد وأحضر لها زوجة أب. لكن هو فضل أن يعيش حياته لها. ضحى بكل شيء حتى لقمته كي يعلمها ويوفر لها كل ما يستطيع توفيره.
بعد الصلاة خرجت هبة للصالة كي تتناول الفطور مع والدها الحنون.
ستة عشر عاماً مرت على نفس المنوال. سلطان يتفانى في دور الأب والأم لها. لم تشعر يوماً بنقص في الحنان. حياتهم البسيطة لا يوجد بها أي تعقيد. بيتهم البسيط مكون من غرفتين وصالة صغيرة وحمام في منطقة شعبية في القاهرة. ومع ذلك كان بالنسبة إليها نعمة من الله. درع الأمان الذي تتحامى فيه. حب أبيها يغطيها. عم سلطان لم يبخل عليها يومياً بكل ما يملك. حتى أنها تتذكر جيداً الآن تضحية أخرى تضاف إلى لائحة تضحياته التي لا تنتهي. فعندما كانت أصغر كانت تراه يدخن السجائر وبعد ذلك لم تعد تراه يفعل ذلك. ثم أدركت أنه ضحى حتى بمزاجه من أجل أن يوفر جنيهات السجائر القليلة لها. هذا ما أدركته عندما كبرت. الجنيهات القليلة أضيفت لميزانيتها هي. عم سلطان بسيط الحال والمكانة وفر لها حياة معقولة من دخله البسيط. من عمله كفراش في شركة رجل ثري جداً. هبة لا تتذكر بالتحديد متى بدأ سلطان بالعمل لديه. لكنها بالتأكيد تتذكر التحسن الملموس في حالتهم المادية منذ أن بدأ سلطان ذلك العمل.
"تسلم إيدك يا بابا الفول النهاردة جميل. الحمد لله. أنا هدخل أجهز عشان معطلكش."
علقت هبة على فطور والدها اللذيذ برقة شديدة ودخلت إلى غرفتها تجهز نفسها وتستعد للنزول إلى مدرستها.
منذ يوم دخولها إلى المدرسة وسلطان اعتاد توصيلها حتى باب مدرستها ويعود في وقت الانصراف ليرجعها للمنزل مجدداً. حتى عندما وصلت لمرحلة الدراسة الثانوية سلطان أيضاً كان يقوم بتوصيلها إلى المدرسة. في البداية كان يرافقها على قدميه فمدرستها السابقة كانت بجوار منزلهم تماماً. ولكن بعدما انتقلت إلى المرحلة الثانوية والمدرسة أصبحت في حي آخر. سلطان أصبح يعاني معاناة شديدة عند توصيلها من وإلى المدرسة. فميزانيتهم المحدودة لم تكن تسمح لهم أبداً بركوب سيارات الأجرة. لكن القدر الكريم تدخل. فعندما علم صاحب العمل بمشكلته أعطاه سلفة من راتبه تسدد على أقساط مريحة ساعدته على أن يشتري دراجة نارية كانت كمعجزة لهم رحمتهم من ذل المواصلات العامة. ومن ميزانية سيارات الأجرة الخرافية.
دخلت هبة إلى غرفتها. ارتدت زي المدرسة الكحلي. لمت شعرها الأصفر برباط رفيع وجعلته على شكل ضفيرة. أخذت شنطتها وخرجت إلى سلطان المنتظر بهدوء.
دائماً سلطان كان ينتظرها بصبر. لم يشتكي يوماً من انتظارها. أخبرها أنه سينتظرها للأبد حتى آخر يوم في عمره.
سلطان كان دائماً يذكر الموت. كان دائماً قلبه يحدثه أنه لن يعيش طويلاً. وكان أيضاً يبوح بتلك المخاوف لهبة التي كانت تشعر بالرعب من مجرد ذكر الفكرة. فماذا ستفعل هي بدونه؟
ركبت هبة خلف سلطان الذي أنزلها أمام مدرستها وأكمل طريقه إلى عمله كالمعتاد. ومثل كل يوم كانت تجده في انتظارها قبل ميعاد الانصراف كي يرجعها إلى منزلهم الصغير. كان يقوم بالطبخ وأعمال التنظيف اليومية بحب ويشجعها كي تذاكر. أمنيته أن يراها مهندسة.
وصل سلطان المدرسة قبل ميعاد الانصراف بقليل كعادته. انتظرها بلهفة. البنات بدأوا في الخروج.
هبة كانت قادمة في اتجاهه مع إحدى صديقاتها. فرحتها التلقائية التي يلاحظها على وجهها كل يوم عندما تراه تشرح قلبه تسعده. بنته هبة الجميلة. جميلة جداً. شعرها أصفر وعينيها ملونة بلون عجيب. لون بين الأزرق والأخضر. كانت زوجته الراحلة جميلة جداً وأيضاً تحمل نفس لون شعر هبة ولكن عيناها كانتا عسليتان. وكانت دائماً تردد على مسامعه قصة مشكوك في صحتها لولا الدليل الذي كان يراه في ملامح هبة الأجنبية "أنا عندي أصول فرنسية جدة جدتي كانت فرنسية رفضت تسيب مصر مع الحملة واتجوزت مصري".
هبة بنته جميلة جداً وضعيفة وهشة للغاية والمثير للدهشة أنها نفسها لا تدرك مقدار جمالها الرباني النادر. هبة من الله ولكن جمالها النادر وضعفها يرعبانه. من لها غيره في هذه الدنيا كلها؟ ماذا لو حدث له أي مكروه فلمن يتركها وقتها؟
صوت رد عليه من داخله طمأنه: "اللي خلقها وخلقك أحن عليها منك ألف مرة."
عندما وصلوا إلى البيت، حاولت هبة أن تساعد سلطان في تحضير طعام الغذاء. لكنه رفض كالمعتاد وأمرها بلطف: "ادخلي ريحي شوية عمّا أخلص. ده أنا عامل لكِ النهاردة المسقعة اللي إنتِ بتحبيها."
لطالما حاولت هبة المساعدة لكنه كان دائماً يرفض بحزم ويقول: "طول ما أنا عايش أنا هخدمك بعيوني."
"ياه يا بابا تسلم لي وتسلم عيونك."
في الواقع كانت حالتهم المادية (تعبانة) لكنها كانت حينما تستمع لحكايات البنات في صفها عن الضرب والإهانة والمعاملة السيئة التي كانوا يتلقونها في بيوتهم كانت تحمد الله على حياتها وعلى حب سلطان الذي غمرها والذي عوضها حتى عن حنان الأم الذي لم تعرفه يوماً. اقتنعت أن الرزق ليس فقط نقود متوفرة وحياة مريحة إنما الأهم أن يكون في شكل بيت مستقر وأب حنون متفهم. فما فائدة الأموال الكثيرة إذا لم تتهنى بها في حضن عائلة سعيدة.
ما كان ينغص عليهم هنائهم في حياتهم البسيطة هو أنه في الفترة الأخيرة وخصوصاً بعد أحداث الثورة منطقتهم الشعبية امتلأت ببلطجية وشبيحة والذي فاق الاحتمال أن أحدهم شغل الشقة الفارغة فوق سطوحهم. وفي الليل كان يجمع أصحابه لعمل جلسات أنس. رائحة المخدرات والشراب مع ضحكات الساقطات التي تتسلل إلى مسامع السكان كانت الروتين اليومي المعتاد عليه طوال الليل في الفترة الأخيرة. وللأسف لم يكن أحد من السكان قادر على الاعتراض. هؤلاء البلطجية كانوا دائماً يحملون الأسلحة البيضاء وحتى الأسلحة النارية في العلن ويهددون باستخدامها إذا ما تجرأ أحدهم بالاعتراض على الوضع. وبالفعل لم يتجرأ أحد على الاعتراض.
حتى سلطان نفسه اكتفى بتكثيف حمايته لهبة وتغاضى عن السفور الذي كان يحدث فوقه يومياً. ضحكات السيدات الخليعة كانت تصل لمسامعه هو أيضاً وكان يرى عبدة وهو يصعد يومياً حاملاً زجاجات الخمر بفجور.
الأتـاوة التي كانوا يفرضونها على السكان والبائعين دفعت بصمت. فمن تجرأ على الرفض نال نصيبه من العنف. فواجه التهديد ثم الضرب وحتى القتل.
بعد الغذاء الشهي الذي أعده سلطان لهبة. نهضت هبة وبدأت في المذاكرة بكل همة كعادتها. هدفها الأوحد النجاح بتفوق كي تكافئ سلطان عن كل قطرة عرق بذلها في سبيلها. والدها المسكين أضاع عمره من أجلها. من أجل تعليمها. من أجل أن يلبي كل ما يستطيع من احتياجاتها.
قلة الإمـكانيات جعلتها تذاكر بهمّة أكبر فلا يوجد احتمال لأن تأخذ الدروس الخصوصية مثلها مثل كل البنات في صفها. ولكنها كانت متفوقة حتى بدون دروس. الكثير من المجهود جعلها دائماً الأولى على صفها مما أثار غيرة البنات. كانت دائماً ترى الغيرة في عيونهم والتي أرجعتها لمستواها العلمي. لكن سببها الحقيقي كان جمالها الآخاذ.
بحلول الساعة الخامسة استعد سلطان للذهاب إلى عمله. الفترة الثانية من عمله تبدأ في الساعة السادسة مساء وتنتهي في التاسعة. صاحب الشركة كثيراً ما كان يأتي أيضاً في الفترة المسائية وبصحبتة بعض الضيوف الهامين مثله فهو أحد أقطاب المال في البلد. سلطان كان يحرص على إتمام عمله لإرضاء رئيسه السخي معه وكان دائماً يردد: "البيّه على قد ماهو طيب وحنين بس دقيق في شغله وبيحب الدنيا نضيفة ومتلمعة والبوفيه عمران بكل المشاريب وحتى الساندوتشات الخفيفة عشان الموظفين ميحتاجوش حاجة من برة."
في الماضي القريب قبل أن تعزل الست حسنية الخياطة جاره وتهرب بجلدها من البيت كان يترك هبة معها ويذهب إلى عمله في الفترة الليلية وهو مطمئن نسبياً عليها. لكن الآن بعد رحيلها أصبح مضطر لترك هبة وحيدة.
الست حسنية طفح كيلها من البلطجية وقررت الرحيل خوفاً على بناتها من الوضع المخيف في المنزل والحارة. كان يذهب إلى العمل وقلبه ينزف الدماء وكان يأمرها بعدم فتح الباب مطلقاً لأي سبب.
لكن لسوء حظه جمال هبة كان يزداد ويزداد كل يوم. ونظرات الحيوان عبدة المقيم فوقهم كانت تأكله. وهم في طريقهم اليوم إلى المنزل عند عودتها من المدرسة لم يكن وجود سلطان معها رادعاً له كي يخفض بصره أو يستحي فهو كان كائناً بلا أخلاق تماماً.
دخل سلطان لهبة غرفتها قبل خروجه. أعاد عليها جملته اليوم وقلبه ينزف دماً: "نور عيني أنا نازل متفتحيش الباب أبداً سامعاني."
هزت هبة رأسها بالموافقة فهي لم تكن بحاجة أبداً لتحذيره. من نفسها كانت تغلق الباب بالمفتاح وتجر خلفه أريكة كبيرة علها تحميها.
ودعها سلطان بعينيه ونزل السلالم استعداداً للمغادرة. كان لا يزال في مدخل العمارة وقبل خروجه للشارع لمح عبدة البلطجي يجلس على القهوة المقابلة للمنزل ويراقب المدخل بعيون مثل عيون النسر الجارح وكأنه ينتظر شيئاً ما.
قلب سلطان لم يطمئن أبداً بسبب جلوس عبدة بذلك الشكل. جميع الفئران تدخلت وشكلت حرباً ضارية بداخله. استدار وصعد السلالم مرة أخرى.
فوجئت هبة به يعود من جديد. عندما سمعت الجرس كادت أن تموت رعباً. لكنها عندما سمعت صوته من خلف الباب أزاحت الأريكة وسمحت له بالدخول: "بابا مالك خير حصل حاجة؟"
طمأنها سلطان وقال: "إنتِ مخرجتيش من زمان... مش عاوزة تغيري جو؟ هاتى كتبك وتعالي معايا أذاكر في الشركة."
سعادة هبة كانت قصوى بقراره. ليس فقط بسبب أنها لم تخرج فعلياً منذ أشهر ولكن بسبب خوفها الفظيع الذي كانت تشعر به في كل مرة كان يخرج فيها سلطان ويتركها في المنزل. كانت تستمع إلى أصوات مخيفة خلف باب منزلهم وكأن أحداً يتعمد إخافتها. لم تخبر سلطان يوماً بما تسمعه لأسباب عديدة ربما أهمها خوفها عليه من بطش البلطجية إذا ما حاول مواجهتهم.
"ثواني وأكون جاهزة."
دخلت هبة غرفتها فتحت خزانة ملابسها. من غير تفكير أخرجت فستان العيد وارتدته بسرعة. كم تحب هذا الفستان فهو كان آخر هدية لها من طنط حسنية أعطته لها وهي تبكي وتقول: "هتوحشيني. على عيني يا بنتي. بس الوضع بقى صعب أنا خايفة على البنات. ربنا معاكم يا بنتي وتنجوا أنتم كمان. الفستان ده أنا خيطته لكِ عشان تفتكريني. أنا دايما هسأل عليكِ بس أنا ربنا فتحها علي وعملت اسم مش بطال والناس بدأت تطلبني بالاسم عشان كده هقدر أنقل من هنا."
قررت هبة ارتداءه. من يوم العيد وهي لم تخرج والفستان أيضاً لم ير النور من يومها. أيضاً لابد وأن تشرف أباها في عمله. لابد أن يروا مجهوده الجبار في الاعتناء بها وحيداً. فهو يستحق أن يرى الناس مجهوده ليعلموا أنه لم يحرمها من أي شيء أبداً.
الفستان حسنية مصنوع من قماش منقوش حريري يغلب عليه لون الزرع له حزام أبيض عريض. يصل لتحت ركبتيها بشبرين يظهر جزء صغير من رجليها البيضاء الجميلة. انتعلت صندلها الأبيض الذي كانت ترتديه بحرص بالغ في مناسبات قليلة فهو رقيق للغاية ولا يتحمل شقاء المشي.
تطلعت لنفسها في المرأة ثم أمسكت الفرشاة وبدأت تمشط شعرها الأشقر الحريري. سمعت صوت سلطان يناديها بلطف.
"يلا يا هبة هتتأخري. بسرعة."
لمت هبة شعرها كذيل حصان في تموجات متمردة على جانب كتفها الأيسر وحملت كتبها وخرجت تجري من الغرفة.
رواية سجن العصفوره الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي
فور وصولهم إلى الشركة، أدخلها سلطان مباشرة إلى المطبخ.
أجلسها على طاولة طعام في ركن المطبخ وقدم لها الشاي وقال لها بحنان:
- يلا حبيبتي ذاكري.
ثم غادر المطبخ ليباشر عمله.
هبة اندمجت في المذاكرة. فترة طويلة مرت وهي ما زالت مندمجة، لا تشعر بأي شيء. موظفو الشركة علموا أن سلطان أحضر ابنته وأجلسها تذاكر في المطبخ، فتجنبوا أن يزعجوها وربما تجنبوا أن يحرجوها.
هبة أحست بالأمان والراحة أخيرًا بعد أسابيع من الخوف. سوف تذاكر بدون خوف. نعمة وجود أبيها إلى جوارها لا يعادلها أي شيء آخر. انحناؤها المتواصل منذ ساعات على كتابها جعلها تشعر بألم في ظهرها ورقبتها.
قامت تتجول في المطبخ. خلعت صندلها وعادت مجددًا للجلوس على الكرسي. رفعت رجليها على كرسي أمامها، فستانها ارتفع حتى ركبتيها. سيقانها البيضاء الجميلة ارتاحت بنعومة على الكرسي. أصابع قدميها الصغيرة تنفست بارتياح خارج الصندل.
أغمضت عينيها ويداها حررت شعرها وفكت ربطته، فنزل كشلال الذهب على كتفيها. هزت رأسها تبعد شعرها عن عينيها. دلكت عضلاتها المنهكة لدقائق ثم واصلت مذاكرتها.
تلك الدقائق من الدلال أعادت إليها همتها وأكملت بنشاط.
عند الساعة التاسعة كانت تقريبًا قد اكتفت وأحست بالرضا من نتيجة تحصيلها.
سلطان أيضًا كان قد أنهى عمله. هتف بسعادة غامرة فور دخوله المطبخ:
- البيه الله يكرمه أداني 500 جنيه وقالي جيب حاجة حلوة لبنتك وأنت مروح. عشان كده الـ 500 جنيه دول بتوعك اختاري هتعملي بيهم إيه.
هبة شهقت من الصدمة. خمسمائة جنيه دفعة واحدة خارج الميزانية معجزة لم تشهدها من قبل.
- يالله يا كريم. الفرحة غمرتها حتى النخاع.
- خلاص يا بابا أنا عرفت هنجيب بيهم إيه. يلا بسرعة عشان نلحق المحلات قبل ما تقفل.
- لا لا يا هبة مش ممكن الفلوس دي بتاعتك يا حبيبتي.
- يا بابا يا حبيبي أنت بتلبسني خوذة وأنت مش لابس، إشمعنى أنت؟ لازم عشان خاطري تلبسها، أنا بخاف عليك.
دموع الفرحة ملأت عينيه. بعد إصرار رهيب من هبة وتوسلات، سلطان أخذ الخوذة التي كان ثمنها مائة وتسعون جنيهًا.
سلطان: كده فاضل 310 جنيه. أنا عارف بقى هنعمل بيهم إيه. أنا عازمك على العشاء في أغلى مطعم.
هبة اعترضت بشدة:
- لا يا بابا مينفعش، خسارة الفلوس.
سلطان دمعت عيناه:
- دي يا حبيبتي هتكون أول مرة هعزمك فيها بره، مش خسارة فيكي أي حاجة.
هبة اقترحت عليه بقناعة شديدة:
- خلاص ناخد الأكل ونروح نقعد على النيل، أنا بحبه أوي ونفسي أشم هوا نضيف.
ومجددًا سلطان أذعن تحت إصرارها. فرقة هبة وضعفها كانوا دائمًا ينتصرون. من كان يستطيع مقاومة طلب لهبة الملائكية.
سلطان اكتفى بإحضار مشويات للعشاء من مطعم فخم وكنافة بالقشطة كتحلية لها لأنه يعلم مقدار حبها لها. وأخذها للجلوس على النيل بناءً على رغبتها.
سلطان اقترح بسعادة بعد العشاء:
- عارفة بقى يا حبيبتي الباقي لازم تجيبي لنفسك بيه فستان جديد. بكرة إن شاء الله بعد المدرسة هاخدك المحلات.
كعادة كل يوم، هبة وجدت سلطان في انتظارها على باب المدرسة. ولكن في ذلك اليوم كان يرتدي الخوذة الجديدة بفرح.
سلطان أخبرها بفرحة غامرة عندما رآها:
- أدهم بيه الله يكرمه ويعمر بيته قالي "يا سلطان خلاص متجيش الفترة الثانية وراتبك ماشي زي ما هو مش هيجري حاجة يعني لو كل واحد قام عمل طلبه بنفسه". يعني الحمد لله مش هسيبك لوحدك بالليل تاني أبدًا.
وكالمعتاد بدأ سلطان يعدّد في صفات أدهم الحميدة كما يفعل كلما يتذكره.
- ده ابن حلال وكريم وبيعملنا كويس، ربنا يكرمه. ابن عز طول عمره صحيح.
دائمًا سلطان كان يتحدث بالخير عن رب عمله الملياردير أدهم البسطاويسي. ويكفيها إعفاؤه لسلطان من عمله في الفترة الثانية حتى تتأكد بنفسها من استحقاقه لكل مدح اختصه به سلطان طوال سنوات عمرها الأخيرة. فشعرت بامتنان بالغ تجاهه.
منذ أن وعيت وبدأت في الفهم وأبيها يعمل كساعي خصوصي لمكتب أدهم البسطاويسي. بالتحديد منذ ثمان سنوات ومن حينها تحسنت أحوالهم المادية بدرجة كبيرة. فأدهم البسطاويسي كان كريمًا مع موظفيه بطريقة ملحوظة. أباها اعتاد الثناء عليه كل يوم. والآن أشفق أدهم على ابنه سلطان من ظروفهم الصعبة وأعفى سلطان من عمله في الفترة المسائية كي لا يتركها وحيدة في تلك الظروف المرعبة والتي أصبحت تواجهها يوميًا. فكرت مع نفسها وامتنان كبير يغمرها من شهامته مع أبيها.
- "أكيد عنده بنات عشان كده فاهم خوف بابا عليها".
بعد أسابيع طويلة، أخيرًا عاد لها إحساس الأمان أثناء مذاكرتها لدروسها. كانت تجلس على الطاولة في صالة منزلهم وبجوارها سلطان وهو يقرأ في المصحف.
- "الحمد لله".
ساعات عمله في السابق كانت تقضيها في الرعب من المجهول، واستراق السمع عبر الجدران للأصوات التي تخيفها.
شهران مرا منذ رحيل حسنية، فكانت تغلق فيهم على نفسها باب شقتهم بالمفتاح وتظل تدعو الله أن يسترها ويمر الوقت بسلام حتى عودة سلطان من عمله في العاشرة. لكن الحمد لله بفضل رحمة أدهم البسطاويسي وعطفه، سلطان لن يتركها في المنزل وحيدة مجددًا.
مع عمل سلطان لفترة واحدة، أصبحت حياتهم أفضل. وأيضًا تحسنت صحته كثيرًا. وعندما اطمأنت لوجوده بجوارها، زاد تركيزها وتحصيلها ارتفع بشكل كبير.
كل شيء كان يتحول للأفضل واستمتعت بالوضع الجديد لفترة. لكن كل شيء تغير فجأة وتكهرب الجو مجددًا. فعند عودتهم في أحد الأيام من المدرسة، سلطان كان يوقف دراجته النارية تحت منزله كما كان يفعل دائمًا، فاعترضه أحد البلطجية وقال بغباوة:
- ده مكاني، شف لك مكان تاني.
الخوف احتل سلطان. لم يخف على نفسه، بل خاف على هبة حتى الموت. فهو أدرك أن البلطجي يعطله لغرض ما، وبالتأكيد هو غرض دنيء مثله.
سلطان أجابه بتوتر بالغ:
- طيب يا ابني.
ثم أشار لهبة بالصعود لمنزلهم فورًا وغادر على دراجته لإيجاد مكان آخر لها وهو يرتعد من الخوف.
خوفه الأعظم وأسوأ كوابيسه كانوا على وشك التحقق. لكنه ما إن ابتعد حتى فهم الغرض من حركة البلطجي "عبده". الحقيقة ضربته بقوة، فالبلطجي كان يعطله كي ينفرد عبدة بهبة على الدرج.
سلطان ترك دراجته في وسط الشارع بدون اهتمام وعاد بأقصى سرعة إلى هبة.
هبة صعدت الدرج وهي تجري بقوة. قلبها يخفق بعنف. دقات قلبها تصم آذانها من قوتها. وصلت لباب منزلهم وانتظرت أباها، فهي لم تملك يومًا مفتاحًا، فهي لم تحتاجه أبدًا، فسلطان كان يوصلها حتى الباب دائمًا ولم تضطر يومًا لحمل مفتاح في المدرسة. لسوء حظها، رأت عبده البلطجي ينزل الدرج وهو يتطلع إليها بعيون شريرة تفضح.
هرب الدم من عروقها وتساءلت برعب:
- أنت فين يا بابا؟
رعبها وصل إلى السماء مع اقتراب عبده منها لدرجة أنها شمت رائحة مقرفة تفوح من فمه القذر.
عبده اقترب أكثر منها حتى أحست بلفح بأنفاسه القذرة على وجهها.
هبة ألصقت نفسها في باب شقتهم وكأنها تستنجد به.
الدموع حبستها بصعوبة. صوت خطوات والدها التي تطوي السلالم جريًا أعطاها الأمل في الخلاص. خطوات والدها المقتربة لم تؤثر في عبده الذي قال بوقاحة:
- مسيرك ليا يا جميل، وقريب أوي.
ثم وجه نظرات تهديد وتحدي لسلطان كأنه يتحداه أن يعترض على ما قاله.
وببرودة أخرج مدية صغيرة من جيبه لوح بها في تهديد في وجه سلطان ثم هوى بها في حركة تهديد صريحة على كفه عدة مرات.
بعدما أنهى تهديده الفج، عبدة دفع سلطان بكتفه بقوة أطاحت به على الأرض وهو في طريقه لنزول الدرج.
سلطان اتجه فورًا لهبة المرعوبة كي يطمئن عليها. خوفه على هبة وصل لحد الجنون. قلبه يبكي ويقول: "آه من الظلم والفقر والذل والضعف".
سلطان أدرك أن عبدة وضع هبة في رأسه ولن يتوانى حتى ينالها. جمالها المبهر لعنة عليها منذ الآن. لابد وأن يهربوا، يغادروا هذا المكان الموبوء. لكن السؤال الأهم إلى أين؟
وكان أسوأ ما في الأمر اكتشافه منذ أيام قليلة أنه مريض بقلبه وحالته خطيرة.
القهر أكل قلبه. خوفه على ابنته من الدنيا من بعده سيطر على تفكيره. إذا كان لا يستطيع حمايتها من عبدة في وجوده، فماذا ستفعل إذن عندما تكون وحيدة في مواجهته؟
سلطان أدخل هبة المرعوبة إلى المنزل وأغلق الباب بقوة.
- هبة حبيبتي طمنيني، لمسك؟
هبة هزت رأسها برعب:
- لا.
سلطان:
- الحمد لله. الحمد لله.
تركها ورفع يديه إلى السماء وقال:
- يارب احميها. مالناش غيرك.
عندما أتى سلطان ليأخذها من المدرسة في اليوم التالي، أحست بشيء غير طبيعي في تصرفاته. كان متوترًا وخائفًا ويتلفت من حوله باستمرار.
- بابا مالك طمنيني مالك؟ أنا خايفة.
- مفيش يا هبة. عاوزك لما تروحي تلمي في شنطة صغيرة خالص كام غيار والحاجات المهمة. الحاجات المهمة العزيزة عليكي بس يا هبة فاهماني؟
- نص ساعة وتكوني جاهزة عشان نمشي.
- نمشي؟ هبة تساءلت في دهشة.
- نمشي نروح فين يا بابا؟
سلطان:
- متسأليش دلوقتي. ادعي ربنا يسهلها ونطلع بالسلامة وبعد كده هفهمك كل حاجة.
لسان سلطان بدأ في الاستغفار بدون توقف.
- "استغفر الله العظيم".
كررها بلا توقف، حتى بعد ما وصلوا إلى منزلهم وهو ما زال يردد.
هبة نفذت طلبه بسرعة. أشياؤها القيمة قليلة جدًا. وهو أكد عليها ضرورة إحضار حقيبة صغيرة لا تلفت الانتباه إليهم.
في حقيبتها المدرسية المعتادة وضعت كتبها وأدواتها جميعًا وحشرت في حقيبة يدها فستان حسنية وبعض الغيارات الداخلية. وأهم ما حملته معها كان الصورة الوحيدة التي لديها لوالدتها.
خرجت بسرعة إلى سلطان الذي كان ما زال يستغفر.
سلطان قادها لخارج المنزل وأركبها على الدراجة النارية خلفه مجددًا.
أحد رجال عبدة البلطجي شاهدهم وأخرج هاتفه وبدأ في عمل اتصال.
هبة حضنت شنطتها بقوة. أما سلطان فتوكل على الله وقاد دراجته النارية بأقصى سرعة وخرج من الحارة وكأن شياطين العالم كلها تطارده.
رواية سجن العصفوره الفصل الثالث 3 - بقلم داليا الكومي
هبة لم تفهم تصرف والدها الغريب. نفذت تعليماته حرفياً وجمعت أقل القليل، ونزلت معه من المنزل بدون أي كلام أو سؤال. كيف تستطيع سؤاله وهو متوتر وخائف بهذا الشكل؟ فأجلت فضولها وتساؤلاتها.
سلطان أوقف دراجته النارية تحت بناية فخمة في حي أفخم. أخذها من يدها وصعدوا في المصعد إلى الطابق الرابع. اتجه إلى إحدى الشقق وأخرج مفتاحاً من جيبه وفتح بابها وأدخلها برفق.
دهشة هبة واستغرابها من تصرفات والدها كانت بلغت عنان السماء. لكن عندما فتح الباب ودخلت إلى الشقة الفخمة والترف الواضحين أوقفوا عقلها تماماً عن العمل. لم تكن تتخيل وجود مكان بهذا الجمال في حياتها. إذا لم تكن هذه هي الجنة، فكيف إذن الجنة ستكون؟
دهشتها وصدمتها من فخامة الشقة أثاروا انتباه سلطان. بحكم عمله عند أدهم البسطاويسي، هو اعتاد رؤية أماكن بمثل تلك الفخامة، بل وأفخم كثيراً. أما هبة المسكينة، فلم تغادر الحارة مطلقاً سوى إلى المدرسة.
أدهم البسطاويسي أحد أغنى أغنياء مصر، إن لم يكن الأغنى بلا منازع. عائلته كبيرة ومشهورة في الصعيد، من هؤلاء الناس أصحاب المقامات والنفوذ. يقال أن جده في الماضي عثر على كنز من الآثار وقام ببيعه، ومن يومها وأموالهم تعبأ في شكائر كما يقولون. والده مشهور بالقوة والقسوة، وأدهم هو الواجهة المتحضرة لتلك العائلة. أدهم الذي تعلم في أحسن الجامعات استطاع أن يسيطر على أموال العائلة وتحويلها لمليارات. رأسمالهم أكبر من رأسمال دول صغيرة. قوة عائلته مع ذكاء أدهم وقوته حولوا الأموال الطائلة والسلطة التي كانت لديهم لإمبراطورية قوية لها اسمها.
هذه الشقة التي فتحت ابنته فمها ببلاهة عندما رأتها، كانت شيئاً عادياً وبسيطاً بجانب ما كان يراه في قصر البسطاويسي عند ذهابه إلى هناك.
كان دائماً يستمع إلى حكايات الموظفين في الشركة عن فخامة قصر أدهم. الحكايات المبالغ فيها التي كان يستمع إليها كانت تقول أن صنابير المياه في قصر البسطاويسي صنعت من الذهب وأن مقابض الأبواب زينت بأحجار كريمة.
سلطان دخل وأغلق الباب بالمفتاح وبكل الترباسات الموجودة خلف الباب وتنفس بارتياح.
"الحمد لله."
عاد الوعي لهبة عندما رأته يغلق الباب.
"بابا، إحنا بنعمل إيه هنا؟"
تجنب سلطان النظر في عينيها وقال:
"إحنا هنعيش هنا."
الصدمة التي تلقتها هبة كانت عنيفة، لدرجة أنها لدقائق تخشبت وفقدت القدرة على الكلام. وعندما أخيراً استطاعت الكلام، كان صوتها منخفض مبحوح.
"بابا، إنت أكيد بتهزر."
اقترب منها سلطان وأمسك كتفيها بحنان وقال:
"هبة، أنا بتكلم جد. من هنا ورايح، انسي أي حاجة عن حياتك القديمة. انسي أي حاجة غير إن اسمك هبة سلطان. حتى مدرستك أنا نقلتك منها لمدرسة تانية. خلاص يا هبة، عيشتنا هتبقى هنا."
من الطبيعي أن أي فتاة أخرى كانت ستشعر بالفرحة وتنبهر بالمكان ولا تهتم بكيفية حدوث هذه المعجزة. لكن عقل هبة أبى أن يرحمها. عقلها العنيد مليء بمليون سؤال وسؤال.
"بابا، فهمني بس... إزاي..."
قاطعه سلطان. فهي لا ينبغي عليها أن تفكر ولا أن تقلق بعد اليوم، فوضعها الجديد حماية لها من كل خوف، ولتدع الخوف له هو وحده ليعاني منه لباقي عمره.
"آخر مرة يا هبة هنتكلم في الموضوع ده. أنا هقولك اللي لازم تعرفيه وبس. أنا عملت خدمة لأدهم بيه، فكان قصادها إنه كافئني وسمح لنا نعيش في الشقة دي وناخد بالنا منها لحد ما أمورنا تتحسن."
هبة قد تكون اقتنعت، أو قد تكون استسلمت بأنها لن تأخذ منه أي معلومات إضافية. ولكن في النهاية حملت حقيبتها وبدأت في البحث عن غرفة لها.
بدأت تتعود على فخامة الشقة تدريجياً بعد زوال الصدمة. انزاح الضباب عن عقلها وبدأت في التركيز. الشقة الضخمة تحتل طابقين كاملين من المبنى ويربط بينهما سلم داخلي.
الطابق العلوي يحتوي على ثلاث غرف نوم أشبه بالأجنحة، لكل غرفة حمام خاص بها وصالون، وملحق بكل غرفة غرفة أخرى تحتوي على أرفف، عرفت فيما بعد أنها تسمى غرفة الملابس. وفي الطابق السفلي توجد ثلاث غرف أخرى أصغر من أولئك اللاتي يحتلن الطابق العلوي، منهما اثنتان لهما حمام خاص، وأخرى بدون. ويحتل معظم الطابق السفلي صالون مهيب قد تكون مساحته أكبر من مساحة شقتهم القديمة بأكملها.
المطبخ في حد ذاته حكاية، ملحق به غرفة خادمة بحمامها الخاص.
بدون تفكير اختارت لنفسها إحدى الغرف الصغيرة التي لها حمام خاص بها، وسلطان أخذ الغرفة الصغيرة القريبة منها والتي كانت بدون حمام.
أخبرها سلطان بتردد:
"ما تجربيش تاخدي واحدة من الغرف الكبيرة اللي في الدور التاني."
نظرت إليه هبة برعب:
"لأ يا بابا، إزاي؟ وافرض صاحب الشقة رجع لأي سبب؟ خلي الدور اللي فوق جاهز ومتوضب لصاحبه، وإحنا خلينا تحت. ده حتى غرفتي من فخامتها وجمالها مش قادرة أصدق إني هستعملها. تفتكر يا بابا، مش المفروض نستعمل غرفة المطبخ؟"
هز سلطان رأسه بشدة:
"إيه يا بنتي اللي بتقوليه ده؟ بكرة هتفهمي كل حاجة، وغرفة المطبخ من بكرة في خدامة هتيجي تعد فيها تنضف وتطبخ."
اتسعت عينا هبة. صدمة أخرى أضيفت إلى سلسلة الصدمات السابقة.
"خدامة؟ أمال إحنا شغلتنا إيه هنا؟ ضيوف؟"
ظهرت الحيرة على ملامح سلطان لبعض الوقت ثم أجابها:
"شغلتي آخد بالي من البيت واللي فيه في غياب صاحبه. وإنتي شغلتك تذاكري وتنجحي. كمان نسيت أقولك، أنا من النهاردة اترقيت في شغلي. البيه الله يكرمه خلاني أمين مخزن من مخازنه. المخزن قريب من هنا. يعني في مدرستك الجديدة لما أصحابك يسألوكِ باباكِ بيشتغل إيه، تقدري تقولي لهم مدير مخزن."
امتلأت عيناها بالدموع. فهو يعتقد أنها كانت تخجل منه.
"إنت طول عمرك أحسن أب، وأنا عمري ما خبيت أو انكسفت من شغلك. إنت في نظري أحسن أب في الدنيا."
غمرت السعادة سلطان.
"الحمد لله، اللهم ديمها نعمة علينا يا رب."
المعجزة التي حولت حياتها لم تنتهِ بعد. على الرغم من أنها لم تحرج يومياً من الركوب خلف والدها على دراجته النارية، إلا أنها أحست بالراحة عندما علمت أن وسيلتها الجديدة للذهاب إلى مدرستها هي الباص الخاص بالمدرسة والذي سيُوصلها يومياً ذهاباً وإياباً. وسيلة آمنة، فخمة ومريحة. والأهم كان الزي المدرسي الموحد والذي وصل في اليوم التالي لإقامتها في الشقة. تساءلت بدهشة:
"إمتى بابي جهز ده كله؟"
وجدت ثلاثة أطقم من الزي المدرسي، ولدهشتها كانوا مناسبين لها تماماً، وكأنهم صُمموا خصيصاً لها. بألوان جميلة من درجات النبيتي وجاكيت أسود أظهر شعرها الأصفر كأنه شلال ذهب على كتفيها النحيلتين.
هبة مختلفة، هبة جديدة. أخيراً كل البنات تساووا. نفس الزي، نفس وسيلة المواصلات. لكن هبة ما زالت مميزة عنهم بمستواها العلمي المميز وجمالها الملفت، والأهم أخلاقها العالية.
ولكن تبقى دائماً السؤال المؤرق الذي عجزت عن إجابته. ما المقابل يا ترى؟
رواية سجن العصفوره الفصل الرابع 4 - بقلم داليا الكومي
سنتان مرتا مثل الحلم منذ انتقالهم.
هبة اعتادت الغموض ويئست من الفهم، ولكنها دائما انتظرت أن ينتهي الحلم فجأة كما بدأ.
مدرستها الجديدة، مدرسة بنات الطبقة الراقية. كل شيء فيها بحساب حتى الكلام.
مديرة مدرستها الجديدة مشهورة بصرامتها. في وقت المدرسة لم تكن تسمح للبنات بأي عمل غير هادف، فدائما وقت الطالبات مشغول في عمل أشياء مفيدة كالدراسة أو القراءة.
حتى وقت الراحة في منتصف اليوم الدراسي الطويل أجبرت البنات على قضائه في النادي الرياضي الملحق بالمدرسة أو المسبح أو ملاعب التنس.
"الرياضة والقراءة كغذاء للروح". كان شعار المدرسة وحرصت المديرة على تطبيقه بحذافيره.
مدرسة مميزة، قلة فقط من استطاع أن يدخل بناته فيها ليس فقط بسبب سعرها الخيالي، لكن السبب الأهم شروطها الأخلاقية المستحيلة.
معظم البنات اعتبرتها نوعًا من أنواع السجن. قواعد صارمة لابد أن تتبع.
المدرسة كانت تجربة فريدة نفذتها مديرة معروفة بشدتها وصرامتها. وقت الدوام كان من الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساءً، حتى في أيام الإجازة الصيفية.
المدرسة شغلت كامل وقتها لسنتين، وفي الإجازات الصيفية أيضًا كانت تذهب لتعلم الإتيكيت وفن ترتيب السفرة ودراسة اللغات بالإضافة إلى البرنامج الرياضي اليومي.
الامتحانات النهائية على الأبواب.
السؤال الغامض ما زال ينهش عقلها.
"إيه اللي جاي؟ بعد ما أخلص الثانوية هروح فين؟"
والسؤال الأهم: "بابا جاب الفلوس دي منين؟"
كانت عيونها تتسأل، لكن نظرات الارتياح المصحوبة بالألم في عيون سلطان كانت تمنعها من الضغط عليه.
في نظرها، سلطان هو أفضل وأشرف أب في الدنيا. لا يمكن أن يكون قد اختلس من عمله الجديد. المخازن؟ هو أصبح أمين مخزن كما قال.
"استغفر الله العظيم."
"يالا الشيطان اللعين."
نهرت شيطانها.
"يارب سامحني. لا يمكن سلطان يعمل كده. سلطان اللي مبيسبش فرض ومربي بنته على الشرف والأمانة، لا يمكن يكون مختلس، لا يمكن يخون الراجل اللي ائتمنه على ماله وحاله."
وكالعادة، دفنت أفكارها وشغلت نفسها في الامتحانات. شهر يفصلها عن إنهاء المرحلة الثانوية، وأيضًا عن تحديد مصيرها.
الأمر المثير للدهشة، حتى لدهشتها الشخصية، أنها اندمجت تلقائيًا مع وسطها الجديد. فلم تظهر مختلفة أو منتقدة في وسط بنات الطبقة الراقية، بل على العكس، ظهرت وكأنها ولدت منهم.
اندمجت معهم ببساطة تحسد عليها، أو ربما لأنها فضلت الانعزال وعدم التدخل في شؤون الأخريات وشغلت نفسها فقط بأمور الدراسة، فكونت حولها هالة من الغموض. فعرفت بـ "البنت الشاطرة".
لم يكن سبب انعزالها هو إحساسها بالعار من مهنة أبيها كساعي بسيط أو أمين مخزن، ولكن انعزالها كان لتجنب الدخول في تفاصيل هي نفسها لا تستوعب معظمها. فمن أين لسلطان أمين المخزن البسيط بمثل هذا المبلغ الخرافي المدفوع للمدرسة أو تلك الشقة الفخمة التي تسكن فيها؟
فسرت نظرات الارتياح في عيون سلطان لأنه أنقذها من مصير أسوأ من الموت تحت رحمة عبدة وتهديده، ووفر لها حياة لم تكن تعلم حتى بوجودها، من بيت فخم لمدرسة أغرب من الخيال، وخادمة جاهزة لتلقي طلباتها حتى قبل أن تطلبها.
وأيضًا نظرات الألم كانت في عينيه. ربما ضميره يأنبه بسبب.
فضولها غلبها لمعرفته، لكنها فشلت.
"إيه السبب يا بابا في نظرات الألم دي؟ إنت بتخبيها بس أنا بحسها وبفهمها مهما حاولت تخبيها."
"مدام الماس... مدام الماس... بابا اتأخر النهاردة. هو بلغك إنه هيتأخر؟"
"لا يا آنسة هبة، هو مبلغنيش بحاجة."
"أنا قلقانة أوي. موبيله مقفول. أنا هتجنن. أنا حتى معرفش مكان شغله عشان أسأل عنه."
الدموع سالت أنهارًا على وجنتيها. تمسكت بهاتف المنزل في حضنها، وسيلتها الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي، فهي لا تملك هاتفًا محمولًا خاصًا بها.
فجأة رن الهاتف وهي ما زالت متمسكة به في حضنها.
هبة انتفضت، لكنها تمالكت أعصابها ورفعت السماعة بسرعة.
ردت بلهفة.
"الورد عليها صوت رجولي هادئ."
"آنسة هبة؟"
هبة هزت رأسها بعنف، ثم اكتشفت أن محدثها لا يستطيع أن يراها.
"أيوه."
نفس الصوت الرجولي بنبرة تعاطف.
"آنسة متقلقيش، والدك تعب شوية في الشغل ونقلناه المستشفى."
شهقات الدموع المحبوسة خرجت أخيرًا. هبة انهارت تمامًا.
الصوت أكمل بقلق واضح.
"أرجوكي يا آنسة متقلقيش، والدك بخير. وطالب يشوفك. عربية الشركة هتوصل لحد عندك وهتاخدك توصلك لعنده في المستشفى."
هبة سألت بخوف.
"ممكن أسأل مين حضرتك؟"
الصوت الهادئ رد بعد تردد للحظات.
"أنا أدهم البسايطسي."
عصافير رفرفت في معدتها مع إجابته.
ألقت سماعة الهاتف من يدها بدون إضافة أي تعليق. ودخلت جريًا إلى غرفتها كي تستعد للخروج والدموع تغسل وجهها الجميل. عيونها الخضراء أصبحت بلون الدم.
فتحت خزانتها.
على الرغم من الترف الذي أصبحت تعيش فيه في الفترة الأخيرة، إلا أنها اكتشفت أنها لم تملك يومًا نقودًا في يدها أو حتى خرجت للتسوق بنفسها. جميع احتياجاتها كانت تصل إليها من جهة مجهولة.
لم تضطر يومًا للطلب. كانت تستلم ملابس داخلية، أحذية، بيجامات، عطور، ملابس رياضية للمدرسة، كل شيء كان لديها ما عدا شيء واحد انتبهت حاليًا أنه مفقود: ملابس ترتديها عند الخروج.
هبة انتبهت أنها لمدة سنتين لم تخرج فعليًا من المنزل. "من البيت للمدرسة ومن المدرسة للبيت". حتى أيام الإجازات عندما كانت تذهب إلى المدرسة كانت ترتدي زي المدرسة، وأيضًا رحلات المتاحف والمكتبات التي كانت تنظمها المدرسة لزيادة ثقافتهم كانت تذهب أيضًا بنفس الزي.
الخزانة المتسعة ممتلئة عن آخرها، ولكن عندما بحثت عما تستطيع ارتداؤه لم تجد.
في ركن مهمل من الخزانة وجدت فستانًا بسيطًا منقوشًا. الفستان الوحيد الذي حملته معها من حياتها القديمة. فستان حسنية ما زال ينقذها كلما احتاجت للخروج.
بدون تفكير، ارتدت خيارها الوحيد على الرغم من مرور السنين، الفستان ما زال مناسبًا لها. ارتدته بسرعة ولمت شعرها في ضفيرتين وخرجت.
الماس أبلغتها فور رؤيتها.
"آنسة، حراسة المبنى اتصلوا وقالوا إن فيه عربية في انتظارك تحت."
هبة هبطت الدرج بسرعة، حتى أنها لم تستطع انتظار المصعد.
في الأسفل أمام البناية كانت توجد سيارة سوداء فخمة لم تتعرف على نوعها.
أكملت جريها بدون توقف، فتحت الباب الخلفي وركبت بسرعة.
"حضرتك هتوصلني لبابا؟"
السائق أجابها بتردد.
"أيوه."
صوته يذكرها بشيء ما، عجزت عن تحديده بسبب اضطرابها الشديد.
أسندت رأسها على النافذة بجوارها وأغمضت عينيها وأكملت بكائها.
فتحت عينيها مجددًا على صوت السائق يقول:
"وصلنا."
انطلقت كطلقة المدفع من السيارة عندما توقفت أمام المستشفى. وصلت الاستقبال في سرعة قياسية.
"غرفة سلطان إبراهيم لو سمحتي."
الموظفة تطلعت للجهاز الموضوع أمامها وقالت.
"208 الدور الثاني. اطلعى بالأسانسير."
هبة لم تنتظر إرشاداتها للوصول لغرفة سلطان. الدرج أسرع في الوصول. صعدت جريًا للدور الثاني. عينيها بحثت بلهفة على أرقام الغرف. جرت لرقم 208، فتحت الباب ودخلت بسرعة.
رأت سلطان نائمًا ومحاطًا بالأجهزة من كل جانب. صرخت بانهيار.
"بابا... بابا حبيبي..."
سلطان فتح عينيه. أمسك يدها بضعف ملحوظ ثم أغمض عينيه مجددًا.
هبة تمسكت بيده بقوة. هي حاليًا بين نارين. فهي ترغب بالبحث عن طبيبة للاستعلام عن حالته، وفي نفس الوقت خائفة من إفلات يده، خائفة من المجهول. فسلطان كل عائلتها.
ولكن لحسن حظها، فتح الباب ودخل الطبيب ومعه ممرضة.
الطبيب بادرها بقول في شفقة واضحة.
"شوفي، لازم تعرفي إن والدك لما جه كانت حالة قلبه حرجة جدًا. بس الحمد لله قدرنا نتدخل وننقذه وده بأمر الله طبعًا. لازم تعرفي إن وجودك في غرفة العناية المركزة لأن أدهم بيه أمر بكده. بس لازم تتبعي التعليمات. المفروض الزيارة هنا ممنوعة، عشان كده أنا بطلب منك تمسكي أعصابك ومتعمليش أي حركة هيستيرية، وإلا هتعرضي صحته للخطر تاني."
هبة هزت رأسها بفهم. عرفانها بالجميل لأدهم يطوق رقبتها.
سألت بصوت يكاد يكون مسموعًا.
"بابا عامل إيه؟"
"والدك عنده مشاكل في القلب من زمان وكان لازمه عملية بس هو كان بيرفض يعملها. الحمد لله دلوقتي عدى الخطر، بس ربنا وحده اللي يعرف العواقب لو جاله نوبة تانية. لازم عملية في أقرب وقت."
هبة قلبها دق بعنف. راقبت بقلق والطبيب يقوم بفحصه. دعت الله في سرها.
"يارب نجيه."
وكأن الله استجاب لدعائها. سلطان فتح عينيه مجددًا وتكلم بصعوبة.
"هبة، عملتي إيه في الامتحان؟"
يا الله! على الرغم من وضعه، هو من يطمئن عليها.
"الحمد لله يا بابا، متقلقش. إنت عامل إيه؟ طمني؟"
سلطان رد بضعف.
"الحمد لله يا بنتي."
ثم انتبه فجأة.
"هبة، إنتي جيتي هنا إزاي؟"
"عربية الشركة جتلي البيت ووصلتني هنا."
سلطان هز رأسه بارتياح، وأغمض عينيه مرة أخرى.
هبة عادت للمنزل قبل الفجر بدقائق قليلة. كانت مصممة على البقاء بجواره، لكن سلطان رفض بصورة قاطعة.
"روحي يا بنتي عشان تذاكري لامتحانك الجاي. لو عاوزاني أخف، ذاكري كويس عشان تعرفي تحلي يوم الأحد في الامتحان."
مرة أخرى وجدت سيارة الشركة في انتظارها وأوصلتها للمنزل، ولم تتحرك السيارة من أمام البناية إلا بعدما تأكدت من صعودها لشقتها.
بعد خمسة أيام، سلطان خرج من المستشفى أخيرًا. خلال الخمسة أيام التي قضاها في المستشفى، كانت تذهب إليه يوميًا بنفس الوسيلة، نفس سيارة الشركة وأيضًا نفس السائق، الذي كان أحيانًا يختلس النظرات وتجده ينظر إليها بتتمعن في مرآة السيارة الأمامية حين تلتقي أعينهم فيها. وخلال تلك الخمسة أيام أيضًا، لم تبدل فيهم فستان حسنية عنها في كل زيارة كانت تذهب إليه فيها.
"نورت البيت يا بابا. الحمد لله إنك بخير."
هبة استقبلت سلطان على باب المنزل. أوصله للداخل اثنان من موظفي الشركة، وهبة أوصلته لسريره.
على الرغم من أنه خرج من المستشفى، لكن سلطان حاله لم يكن على ما يرام، وكأن سنوات عدة أضيفت لسنوات عمره السبعة والأربعين.
أخيرًا انتهت الامتحانات. هبة انتظرت النتيجة بقلق. حلمها كان دخول كلية الهندسة لتحقيق حلم سلطان في أن يراها مهندسة.
ما كان يقلقها فعليًا هو التفكير في انتظار المجهول.
شغلت نفسها بالتركيز على صحة سلطان وتعافيه، وركنت خوفها وقلقها في جانب مظلم من عقلها.
أخيرًا وصل يوم الحسم. هبة تفوقت بامتياز. مجموع درجاتها يتخطى الـ 97%. الحمد لله.
سلطان بدأ في البكاء. بكاء عن سبعة عشر عامًا قضاه في الحلم، وأخيرًا تحقق حلمه. الحمد لله استطاع إكمال رسالته معها. الحمد لله هبة نجحت بتفوق وستلتحق بالجامعة، بكلية الهندسة كما تمنى دائمًا.
مضى شهران منذ النتيجة، وهبة قُبلت في كلية الهندسة. وسلطان صمم على إلحاقها بجامعة خاصة على الرغم من مجموعها الكبير الذي كان يمكنها من دخول أي جامعة حكومية تريدها.
الفصل الدراسي الأول سوف يبدأ مع بداية الأسبوع القادم.
مشكلة هبة الأبدية: الأسئلة التي بلا أجوبة.
"بابا هيتصرف إزاي؟ صاحب الشقة هياخدها إمتى؟ والسؤال الأهم... هلبس إيه في الكلية؟ أنا معنديش لبس."
منذ خروج سلطان من المستشفى، لم يخرج من غرفته إلا نادرًا. حتى أنه لم يستطع الذهاب إلى عمله.
الماس أبلغتها أن سلطان يريد رؤيتها في غرفته فورًا.
هبة طرقت باب غرفة سلطان ودخلت.
"بابا بعد إذنك، حضرتك طلبتني؟ أنا كمان كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع..."
سلطان أشار لها بالدخول. جلست بجانبه وأخذت يده بين يديها بحنان.
"بابا معلشي بس أنا زي ما إنت عارف هدخل الكلية قريب، والكلية يعني مفيهاش زي موحد زي المدرسة، أنا هعمل إيه؟... كمان أنا عمري ما خرجت لوحدي، هروح إزاي؟"
سلطان كأنه انتبه لأزمتها. التفكير وإحساس الذنب ضرباه. ألم صدره ازداد، أصبح يتنفس بصعوبة.
سلطان فكر.
"لازم أقولها. هبة لازم تعرف النهاردة، هي تمت 18 سنة والسر اللي أنا شيلته سنتين لازم يتعرف."
ذنب سلطان أصبح حملًا لا يطاق. أحس أن الهواء نفذ من الغرفة.
سلطان جذبها أقرب إليه وقال:
"هبة سامحيني، أنا عملت اللي عملته عشان مصلحتك. أوعي تكرهيني في يوم من الأيام. هبة، أنا بحبك وخفت عليكي. لولا اللي أنا عملته كان زمان عبدة خدك مني."
وجهه أصبح أزرق بلون مخيف.
هبة صرخت وسط دموعها.
"بابا ارجوك متتكلمش، أنا هطلب الإسعاف. بابا مش مهم أي حاجة، أنا مسامحاك، مهما عملت إنت في نظري أعظم أب."
سلطان صمم.
"هبة لازم تعرفي مني. لازم أعرف إنك سامحتيني قبل ما أموت."
بكل العزم الموجود في الدنيا، سلطان ضغط على نفسه من أجل أن ينطق بالحقيقة. صوته كان مهزوزًا متقطعًا.
"هبة... هبة سامحيني... الحقيقة الوحيدة اللي لازم تعرفيها إنك... إنك... زوجة أدهم البسايطسي من سنتين."
سلطان أخيرًا ارتاح من الكابوس المخيف. أخيرًا تحرر.
مع آخر حرف نطقه، اللون الأزرق في وجهه اختفى وتبدل بلون أبيض باهت وتحجرت عيناه.
هبة صرخت بأعلى صوت لديها.
"بابا..."
رواية سجن العصفوره الفصل الخامس 5 - بقلم داليا الكومي
صدمة موت سلطان غطت على أي صدمة أخرى، حتى صدمة اعترافه الرهيب لها. ربما اعتقدت أن سلطان اختلس من رئيسه، أما أن يكون زوجها هو، فذلك شيء لم تتوقعه على الإطلاق في أسوأ كوابيسها. ومع ذلك، لم تهتم حاليًا سوى بسلطان، الذي فقدت عيناه بريقهما.
الماس سمعت صراخها وطلبت الإسعاف. ولكن عند وصول المسعفين، أبلغوها بما كانت تعرفه بالفعل.
"البقاء لله."
كلمتان ستغيران حياتها للأبد. رددت لنفسها بانهيار: "بابا مات... بابا مات."
"آه يا والدي الحبيب... لطالما عشت من أجلي. لم يفكر في نفسه يومًا، كان دائمًا يفكر بها."
هبة حبست نفسها في غرفتها ليومين كاملين. رفضت رؤية أي أحد، ففي النهاية، من لديها ليعزيها أو حتى ليهتم؟
هبة فكرت بمرارة. لقد أصبحت وحيدة في العالم، وحيدة لتواجه مصيرها، بمفردها لتواجه خبر زواجها بدون علمها أو رضاه. بالتأكيد هو كان لديه أسباب قوية لتزويجي دون علمي لرجل عجوز. أدركت مدى عذابه خلال الفترة السابقة لكتمانه السر عنها.
في حياتها لم ترَ أبدًا وجه أدهم البسطاويسي، زوجها. لكن بحسبة بسيطة، توقعت. إن سلطان يعمل لديه منذ 10 سنوات على الأقل. رجل في مكانة أدهم، وفي مثل عمره، لابد وأن يكون متزوجًا منذ زمن بعيد، وربما لديه العديد من الأبناء.
أحست بالرعب، فحبست نفسها في غرفتها علها تختبئ منه، خائفة من الخروج من الغرفة، فلربما تراه في الخارج، أو ربما يأتي ليأخذها. ولكن رعبها الأكبر كان خوفها من أن يطردها، فإلى أين ستذهب حينها؟
ولكن خطتها فشلت. فالماس دخلت تبلغها في هدوء كعادتها.
"آنسة، في واحد عاوز يقابلك بره."
هبة قلبها هوى حتى أرجلها بعنف واصفر وجهها.
"واحد... مين؟"
الماس أجابتها بنبرة آلية.
"واحد قدملي كارت مكتوب فيه إن اسمه عزت حمدي المحامي وعاوز يقابلك ضروري بخصوص مسائل الورث والإجراءات القانونية."
هبة هزت رأسها في دهشة.
"ورث إيه ورث؟"
فهي تعلم جيدًا أن لا أملاك لأبيها، وأن أكبر مبلغ رأته في حياتها كان مبلغ الخمسمائة جنيه التي أعطاها أدهم لأبيها يوم زيارتها لشركته.
أدهم البسطاويسي، رعبها الأكبر. هل هذا المحامي من طرفه؟
تحت ضغط الماس، هبة خرجت من غرفتها. في الصالون، شاهدت رجلًا في حدود الخمسين من عمره، في عمر أبيها رحمة الله تقريبًا. فكرت في نفسها.
عند دخولها للصالون، نهض المحامي فورًا وأخذ يدها في يده وقال:
"البقاء لله."
صمت لبعض الوقت ثم أكمل.
"أعرفك بنفسي، أنا عزت حمدي المحامي، محامي والدك الراحل. ومن النهاردة محاميكِ أنتِ."
هبة تفاجأت.
"محامي بابا؟ فلماذا كان لديه أحدهم؟ والأهم، لماذا أنا سأحتاج لمحامٍ؟"
المحامي استعد للمغادرة.
"التعليمات اللي عندي إني مطولش هنا، بس أعزيكِ في والدك الله يرحمه. وأبلغك إني المحامي بتاعك. وبلغك كمان إني منتظرك يوم الاتنين الصبح في مكتبي. بعد إذنك يا آنسة."
وانسحب بدون إضافة أي كلمة أخرى، وتركها تقف مذهولة.
هبة استوعبت أخيرًا. الشقة والمدرسة، ومنصب سلطان الجديد، ثمن تم دفعه مقابل شرائها. فهمت أخيرًا سبب عدم امتلاكها للملابس. فهمت أيضًا سبب عدم خروجها من المنزل. استنتجت أنها حبيسة، أسيرة لأدهم وسلطان كان سجانها المخلص.
استرجعت حياتها في السنتين المنصرمتين، أسرها في القفص. هي لم تعترض يومًا على حبسها. قبلت بالموجود طالما والدها كان معها يحميها كالمعتاد، طالما أنفاسه معها. لم تشعر يومًا بالأسى والسجن لأنها لم تكن تفهم. توقعت أنها مجرد محمية من سلطان كعادته معها.
فجأة، رأت قضبان سجنها المحيطة بها. حدوده أصبحت واضحة ومرئية الآن. هي كالعصفورة المحبوسة في قفص. صحيح أنه قفص من ذهب، لكنه في النهاية سجنها، سجن العصفورة.
في النهاية، أتى يوم الاثنين. هبة حاولت بكل الطرق أن تتفادى وصوله. سهرت طوال الليالي، تجنبت النوم، خائفة من النوم فالنوم يقرب المسافات. ولكنه في النهاية أتى على الرغم من كل محاولاتها.
في الساعة العاشرة صباحًا، أبلغتها الماس بوجود سيارة في انتظارها في الأسفل. نفس السيارة السابقة، لكن مع اختلاف السائق. في المرات القليلة الماضية، حالتها النفسية منعتها من التركيز في السائق، إلا أنه بالتأكيد لم يكن مثل هذا السائق العجوز ذي السبعين عامًا الذي فتح لها باب السيارة باحترام بالغ.
تذكرت على الرغم منها نظرات السائق الآخر لها في المرآة، فشعرت بالرجفة تسيطر عليها. هو كان ضخمًا بطريقة ملفتة للانتباه، عضلاته كانت واضحة بشكل ملحوظ من تحت سترته السوداء. رائحة عطره النفاذة ما زالت في أنفها، تذكرها بيوم مرض سلطان.
ركبت على المقعد الخلفي بتردد، وانطلق السائق بالسيارة فورًا كأنه أحس بترددها.
بعد الوفاة مباشرة، الماس أعطتها ملابس سوداء عديدة. ضمت كل القطع التي من الممكن أن تحتاج إليها. وصلت الملابس بنفس الطريقة السابقة التي كانت تصلها بها في السابق. الملابس فصلت لأجلها، كعادة أي قطعة كانت تستلمها. القطع بتوقيع مصمم مشهور قرأت عنه في مجلة الأزياء، ومن قماش فاخر جدًا.
الماس اختارت لها تايور أسود، تنورته تصل إلى كاحليها، وحذاء أسود أيضًا برقبة عالية. هبة فجأة، بدون تفكير، قررت تغطية شعرها بحجاب أسود وجدتْه مع ملابسها. الطرحة كانت من قماش الساتان الطري. أخذت حقيبة يد سوداء من المجموعة الجديدة، مصنوعة من جلد التمساح الأصلي. حقيبتها فارغة، فليس لديها أي متعلقات شخصية لوضعها بداخلها. فلأول مرة في حياتها تخرج من المنزل بمفردها.
خصلات شعرها الأصفر الناعم جاهدت للثبات في موضعها تحت طرحتها التي اختارت ارتداءها. ولكن الخصلات خسرت الحرب من شدة نعومتها، فانهالت بفوضوية على وجهها الجميل من تحت حجابها.
عذابها بدأ حالًا، فالسيارة أخيرًا توقفت تحت بناية ضخمة، والسائق اتصل برقم ما وانتظر في مكانه. بعد قليل، نزلت سيدة متوسطة العمر من البناية وفتحت لها باب السيارة، وعرفت نفسها قائلة:
"أنا سميرة، سكرتيرة الأستاذ عزت. هو مستنيكي فوق."
هبة تبعتها مثل المخدرة. صعدا إلى مكتب فخم، كل أثاثه مصنوع من الجلد الأسود، معبق برائحة الدخان. رائحة ذكرتها بدخان سلطان قبل أن يقلع عن التدخين ليوفر ثمن السيجارة من أجلها.
هبة جلست فورًا، أرجلها عجزت عن حمل وزنها الخفيف. كانت متوترة بدرجة كبيرة، فالمجهول الذي طالما سعت لمعرفته سوف ينكشف اليوم.
دخل عزت حمدي لمكتبه بمفرده. أمر السكرتيرة بالمغادرة.
"مدام، اتفضلي على مكتبك. اقفلي الباب وراكي، لكن سيبى الباب الداخلي مفتوح."
بدون أي نقاش، سميرة نفذت أوامره فورًا، ثم غادرت من الباب الذي دخلت منه معها. عزت أكمل طريقه وجلس على كرسي مقابل لها، حاملاً في يده مغلفًا أحمر اللون.
"آنسة هبة، أنا هدخل في الموضوع على طول. في السنتين اللي فاتوا حصلت حاجات كتير، أحداث كتير كانت مبهمة ليكي، بس أنا هفهمك كل حاجة."
عزت فتح المغلف وأخرج منه بعض الأوراق. ناولهم إياها.
"أفضل إنك تشوفي بنفسك."
هبة بدأت في تصفح الأوراق. عقلها توقف عن العمل. الخوف من المجهول سيطر عليها، احتل كيانها. ارتجفت بشدة وهي تقرأ.
المجموعة الأولى من الأوراق كانت عقد بيع شقة في الزمالك للقاصر هبة سلطان إبراهيم، وولي أمرها هو سلطان إبراهيم يحي، والبائع أدهم سليم البسطاويسي. العقد تاريخه يعود لسنتين مضتا. شقة الزمالك، شقتها منذ سنتين.
مجموعة الأوراق التالية كانت عقد مكتوب بين سلطان إبراهيم يحي كطرف أول، وأدهم سليم البسطاويسي كطرف ثانٍ. بدأت تقرأ بعينيها.
"بسم الله الرحمن الرحيم. العقد شريعة المتعاقدين. تم الاتفاق بين الطرف الأول المذكور أعلاه مع الطرف الثاني المذكور أعلاه على أن يمنح الطرف الثاني مبلغًا وقدره مليون جنيه مصري وشقة الزمالك المذكورة في العقد إلى كريمة الطرف الأول على أن يكون التسليم بعد الزواج الرسمي الشرعي بين كريمة الطرف الأول هبة سلطان إبراهيم والطرف الثاني أدهم سليم البسطاويسي."
هبة أحست بالغثيان. رمت الأوراق على الأرض بعصبية شديدة، ورفضت أن تكمل القراءة. هي وعدت سلطان أنها سوف تسامحه، وفعلاً قد سامحته. مهما فعل، فقد كان دافعه الوحيد هو مصلحتها. لكن الخنزير الثاني، الذي وافق على الزواج بطفلته واستغلال ظروفها، لا يمكن أن تسامحه أبدًا مهما حييت.
عزت حاول إعادة الأوراق إليها.
"لسه أهم ورقة، آخر ورقة، قسيمة جوازك."
هبة ردت بقهر ودموعها تغرق وجهها الجميل.
"قصدك قسيمة عبوديتي؟ قسيمة بيعي لراجل عجوز أكبر والدي الله يرحمه؟ هشوف إيه؟ مصيري اتحدد من زمان. ياترى أنا عندي اختيار؟"
عزت عيناه اتسعت من الصدمة وتطلع ناحية الباب المفتوح بقلق.
"آنسة، اسمعيني. انتي فاهمة غلط. يمكن أدهم بيه فعلاً أكبر منك بكتير، بس هو مش راجل عجوز زي ما انتي فاهمة. أدهم بيه عمره 4 و..."
صوت قوي جهوري خرج من الباب المفتوح يقول بتحذير:
"عزت! أنا هتكلم عن نفسي."
قلب هبة بدأ في الخفقان بسرعة مجنونة عندما سمعت صوته. أحست بضيق في التنفس من شدة خوفها. جسدها كله كان يرتعش بعنف.
رعبها اليوم أعاد لذاكرتها رعبها يوم تهجم عبدة البلطجي عليها. لم تتمكن من رفع رأسها لتواجه مصيرها الأسود.
على الرغم من أنها لم تتعرف إلى عزت من قبل، لكنه عندما انسحب فور ظهور أدهم البسطاويسي قادمًا من الغرفة الأخرى، رعبها تضاعف. فها هي الآن وحيدة في مواجهته.
عزت وكأنه أخذ أمرًا بالخروج، فخرج مثل الآلة المطيعة وتركها بمفردها في مواجهة خنزير غريب عنها من المفترض أنه زوجها.
صوت خطواته التي تقترب منها زاد الألم في معدتها. رأسها المحنية ألمها لأنها كانت تجبرها على الانخفاض بقسوة.
زوجها المزعوم اقترب منها لأقصى لدرجة. عيناها لمحت حذاءه، حذاء جلدي أسود لامع ويعلوه بنطال أسود. رائحة عطره القوي أثارت معدتها فسببت لها غثيانًا غير محتمل. الكرة غلف قلبها المملوء بالمرارة.
أدهم جلس على الكرسي المجاور لها وطلب منها بصوت هادئ:
"هبة، هبة لو سمحتي ارفعي راسك."
رائحته القوية ما زالت تهددها بإفراغ معدتها في أي لحظة. حمدت الله على عدم أكلها لأيام، وإلا كانت النتيجة مرعبة. هو أمرها أن ترفع رأسها، لكنها حقيقة لا تستطيع فعل ذلك. طالما شكله مجهول بالنسبة لها، إذن هي تستطيع التظاهر بأنه غير حقيقي.
أدركت أنها ألقت بالأوراق أرضًا خوفًا من رؤية صورته على قسيمة عبوديتها. صورته المجهولة أعطتها الراحة لفترة، لكنه الآن يجبرها على المواجهة. رائحة عطره القوي ستظل في أنفها إلى الأبد، تذكرها بواقعها الأليم، تذكرها بأسوأ لحظات حياتها، يوم مرض سلطان ويوم بيعها.
أحست بيديه تتحركان في اتجاهها وكأنها سترفع رأسها بالقوة. الخوف من لمسته نفضها. رأسها رُفعت وأدارت ناحيته بإرادتها الحرة كي تتجنب لمسته المحتملة غير المحتملة.
فوجئت برجل في أوائل الثلاثينات من عمره، طويل، عريض المنكبين، ضخم بدون ترهل ولا وزن زائد. كان كتلة من العضلات. عيناها أكملت رحلتها لوجهه، وجه أسمر بلمحة من الوسامة وذقن مربع وفك قوي. صعقت عندما تعرفت عليه، فهو كان نفس السائق الذي أوصلها إلى المستشفى يوم انهيار والدها والأيام التي تلت. ما زالت تتذكر نظراته لها في المرآة، الآن فهمتها.
ذكرى وفاة سلطان، مع رائحة عطره القوي، مع مفاجأة اكتشاف أنه السائق الذي أوصلها مرارًا دون الكشف عن هويته الحقيقية، بالإضافة لاكتشافها حقيقة أنه شاب وليس عجوز كما كانت تظن. عوامل مجتمعة أوصلت غثيانها لذروته.
هبة اتجهت بأقصى سرعة لديها في اتجاه الحمام وهي تضع يدها وتغطي بها فمها في حركة تدل على كتمان قيئها، ودخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة.
رواية سجن العصفوره الفصل السادس 6 - بقلم داليا الكومي
الفصل السادس
هبة دخلت الي الحمام الملحق بمكتب عزت وهناك افرغت معدتها..احست ببعض الارتياح غسلت وجهها بماء بارد وخرجت لاكمال حفل تقرير المصير....
لدهشتها عندما خرجت من الحمام وجدت مكتب عزت فارغ...رأسها استدارت بخوف وهى تبحث عنة ...ولكنها لم تجد لة أي اثر...ارجلها المسكينة عجزت عن المقاومة فانهارت جالسة رغما عنها..تجمدت لدقائق مثل تمثال خشبي...
بعد فترة قليلة عزت دخل الي المكتب وعلي وجههة علامات الضيق... - ادهم بية مشي لانة مرتبط بموعد..
هبة اتنفست بإرتياح...الحمد لله محنتها انتهت مؤقتا ...
عزت احس بارتياحها الواضح لمغادرة ادهم...فقال بإشفاق ... - هونى علي نفسك الامور يا بنتى...انا عارف انك اتفاجئتى بس لازم تشوفي الامور بنظرة ايجابية ...انتى عارفة كام بنت في مصر مستعدة ترتكب جريمة وتكون مكانك ؟؟؟
هبة ردت بمرارة ...- مبروك علي اي واحدة تاخد مكانى
عزت نصحها ... - البكاء علي اللبن المسكوب مش هيفيد زى ما المثل بيقول...دلوقتى عندنا وضع ولازم نتعامل معاة ....حياتك في فوضي ولازم تترتب..
هبة هزت راسها بالموافقة
عزت اكمل ...- انا هوصفلك الوضع الحالي وانتى كملي ليه لو نسيت حاجة...
من غير ادهم بية انتى عندك ايه ؟
الشقة والمليون جنية مرتبطين في العقد بالجواز الشرعى وان كان ادهم بية اتنازل عن شرط اساسي من شروط الجواز الشرعى وسمح ليكم بالسكن في الشقة والتصرف في الفلوس طول السنتين بدون مقابل منك فدة مش معناة انة هيصبر للابد...
طبعا هى تدرك تلك الحقيقة لسنتين وهى زوجة علي الورق لادهم ..تمتعت بشقة فخمة ومدرسة راقية وحياة مرفهة ولكن ما المقابل الذى توقعة ادهم منها...؟ بالتاكيد لابد ان يكون لة هدف ما من وراء تلك الصفقة المستحيلة
وان كان ادهم انتظر لعامان فهو الان لن ينتظر للابد... لقد حان وقت تسديد الدين......
ولتأكيد كلامة عزت اكمل ... - سألتى نفسك لو طلبتى فسخ العقد هتروحى فين ؟
طبعا الاجابة معروفة ...الشارع....
طالما عاشت هبة محمية من والدها أي خبرة لديها في الحياة تمكنها من الاعتماد علي نفسها والصمود بمفردها في العالم ؟؟..سلطان لم يسمح لها بالخروج بمفردها يوما حتى انها لا تعرف اسماء الشوارع او الاتجاهات... كل مالديها هو القليل من التعليم والكتير من البراءة وقلة الخبرة ... طوال حياتها وسلطان يغدق عليها بالحماية والحنان يحبسها ويحتفظ بالمفتاح في قلبة...... - ادهم بية طلب منى اوضحك لك الصورة كاملة عشان تبقي فاهمة بس اشربي عصير شكلك دايخة..
هبة نفذت كلامة فورا ...ياة لاول مرة تشعر بنعمه وجود كرسي فارجلها المسكينة رخوة لدرجة انها ستنهار في أي لحظة...والعصير ايضا انعشها
عزت اكمل حديثة ... - انتى طبعا متعرفيش اي حاجة عن عيلة البسطاويسى اسمحيلي احكيلك من البداية...
سليم البسطاويسي والد ادهم كبير عيلة البسطاويسي الصعايدة... راجل قوى وكلمتة مسموعة ...بس ادهم طلع قوى زية بقوا الند بالند ...ظاهريا سليم بيحاول يكسر قوة ادهم ويفرض قوتة بس في الحقيقة من جواة هو فخور بإبنة الوحيد اللي جابة بعد طول انتظار...بس حقيقة ان ادهم الولد الوحيد حملتة حمل كبير ....الحمل دة كان وصل حد ادهم مقدرش يتحملة وعشان اكون واضح اكتر.. من سنتين والدة كان بيضغط علية يتجوز واحدة من عيلة في بينهم مصالح وكان والد العروسة بيلمح ...سليم بدأ يلوى دراع ادهم عشان يخلية يمشي في الجوازة ...وضيق علية كل الطرق ...مع انة كان عارف كويس ان ادهم مبيجيش بالعند ....ادهم من عمر 24 سنة وهو قايم بكل الشغل وحول المال اللي كان عندهم لامبراطورية امبراطورية تهز الدولة لو اختلت ....كانت اخر مواجهة بينهم مرعبة يومها سليم هددة انة لو مسمعش كلامة واتجوز بنت الكفراوى ...هيمنعة من دخول بيت العيلة في الصعيد للابد...فكان رد ادهم علية انة بعتلة قسيمة جوازكم
هسيب لمخيلتك رسم صورة للى حصل ..الحرب قامت بين سليم وادهم وطبعا لما سليم فشل انة يرجع ادهم عن قرارة استسلم واعلن جوازكم وساعتها الكفراوى بطل يلمح بس شايلها للبسطاويسي وناوى يرد لية القلم قلمين خصوصا انة فتح الجروح القديمة...
وعشان متشغليش بالك بحاجات متهمكيش ...الصفقة المعروضة عليكى دلوقتى من ادهم بية ...يبقي الوضع علي ماهو علية ....انتى هتستفيدى وهو هيستفيد......
ادهم بية وعد سلطان والدك انة هياخد بالة منك ...انتى فعليا مسؤلة منة ...
هو بيطلب منك تكملي دراستك وتسيبي القلق لوقتة...
ياة معقول ...الكابوس انكشف...هتفضل في الشقة ومصاريف كليتها مدفوعة ...دة حلم تانى بيتحقق..
عزت اكمل بوضوح ... - الشرط اللي البية بيطلبة وبيرجوكى متعتبريهوش شرط ...ان الوضع يبقي علي ماهو علية فعليا ...يعنى السواق هيوصلك ويرجعك والخدامة هتفضل معاكى في البيت ولو حبيتى تخرجى اي مكان يبقي بعلمة لانك في الاول وفي الاخر مراتة رسمى وشايلة اسمة.....
شرطة الوحيد ان تظل في السجن ..في الماضى تقبلت السجن بنفس الشروط ولكن وقتها لم تكن تعلم انة سجن ....ولكن حينما علمت الحقيقة المخفية عنها لسنوات توضحت امامها القضبان الخفية ورسمت حدود السجن الرهيب ....
هبة ردت بخفوت : موافقة
عزت : موافقة ؟
هبة : ايوة
عزت : عندك اي شروط..؟
هبة : لا
عزت : خلاص اتفقنا...هبلغ ادهم بية ان الاتفاق ساري...وان مافيش اي وضع هيتغير
هبة هزت راسها بالموافقة
هل يوجد لديها اختيار اخر ...؟ ادهم انتصر ومازال يحبسها في دنيتة والخلاص من سجنة ليس اختيارى......
.......
سنتان اخرتان مروا من عمرها ...نفس الروتين الذي تعودت علية في وجود سلطان كررتة في غيابة ...فقط المدرسة تبدلت بالكلية ...واصبحت من الكلية للبيت ومن البيت للكلية ...الفارق الوحيد ان خزانتها ملئت باحدث الموديلات بدلا من زى المدرسة الموحد ...وكالعادة تجنبت تكوين صدقات حتى لا تكون مضطرة للتبريرات...وكعادتها كانت من الاوائل علي دفعتها تعودت علي الوحدة والحزن...وضعها الغير عادى حرمها من العيشة بصورة طبيعية مثل البنات في مثل عمرها الصغير ...حرمت علي نفسها التعامل مع الرجال فرجل واحد امتلكها علي الرغم منها يكفيها وفي النهاية هى زوجتة شأت ام ابت ولابد ان تخلص له بالكامل حتى فكريا ... فعلي الرغم من أي مرارة تشعر بها لكن وضعها بدونة لم يكن ليقارن ابدا بوضعها الحالي...
دائما كانت تزكر نفسها بمصيرها لو ظلوا في الحارة تحت رحمة عبدة وتهديدة... وكلمتة " مسيرك لية يا جميل" ورائحة انفاسة المقززة تجعلها تشكرادهم علي وضعها مهما بلغت غرابتة.....
احساسها بالكراهية نحوة قل كثيرا لكن كان لابد وان يتحمل احدهم اللوم سلطان الان ميت ولايوجد غير ادهم يتحمل كل اللوم...كل المها وحرمانها...
سلطان استغل سلطتة كأب وقرر بالنيابة عنها ونفذ ....
صدمتها عندما اكتشفت ان ادهم اكبر منها بخمسة عشر سنة فقط وليس بثلاثين او اكثر كما كانت تعتقد سببت لها الحيرة ..عزت قال لها ان نصف بنات مصر يتمنوا ان يكونوا مكانها... بالطبع فشاب بمثل وسامتة واموالة يستطيع اختيار أي فتاة تريد وستذهب الية راكعة ..لكنه اختارها هى ... اذن فما سبب احساسها بالمرارة والذى لا تستطيع التخلص منة ؟
منذ يوم مواجهتم المقيتة في مكتب عزت وادهم لم يحاول ابدا الاتصال بها...مصروف شهري ضخم كان تستلمة بانتظام...كل فترة خزانتها تتجدد بالكامل باحدث الازياء وافخرها... جميع ثيابها صممت خصيصا لها وبيد اشهر المصممين العالميين ... الماس جاسوس ادهم المخلص كانت تلازمها مثل ظلها ...كانت حلقة الوصل بينها وبينة والمدهش انها لم تسمعها يوما وهى تحدثة ... الماس لم تفارقها ابدا ..حتى يوم اجازتها الاسبوعية كانت ايضا تقضية معها لانها علي حسب كلامها ليس لديها مكان اخر لتذهب الية فهى في الخامسة والاربعين من عمرها ولم تتزوج ابدا ولا ترغب في الزواج ...
علي الرغم من حالتها النفسية المضطربة ..جمالها كان يزداد كل يوم بشكل ملحوظ ...حاول معها الكثيرون لاستمالتها ولكنها لم تتأثر مطلقا...
بسبب رفضها الغير مبرر من وجه نظرهم... سموها غريبة الاطوار وتحملت فدائما اعتادت اطلاق الالقاب عليها ...وهى فعلا غريبة الاطوار من يتحمل العيش لسنوات وهو مسجون بارادتة بين اربع جدران حتى لو كانت تلك الجدران مصنوعة من الذهب ...اربعة سنوات مرت وهى مسجونة عشرون سنة مرت وهى مسيرة ....عصفورة تعودت علي السجن فحتى لو فتح لها القفص لن تستطيع الطيران
رواية سجن العصفوره الفصل السابع 7 - بقلم داليا الكومي
سجنها الإجباري الاختياري أصبح أكثر من سجن. في كل يوم يمر عليها كانت تتعلق به أكثر، فالحرية أصبحت مصدر رعب لها. حمل لا ترغب في حمله. السجن أصبح ملجأها ووحدتها أصبحت رفيقتها. أصبح لديها الوقت الكافي للنظر بتروٍ في أحداث الماضي. التصرفات المبهمة بالنسبة لها فيما مضى أصبحت الآن مفهومة.
بعد انتقالهم للحي الراقي والشقة الفخمة، سلطان أبلغها أنه لن يستطيع استخدام دراجته النارية بعد الآن. قال لها في خجل:
- ممنوع. طبعًا مش مسموح لبنتي اللي ساكن فيها مليونير إنه يسمح لموتوسيكل يركن جنب عربياته الفخمة اللي أقل واحدة فيهم سعرها معدي المليون.
حينها سلطان أخبرها أنه طلب من سائق المخزن توصيله كل يوم إلى المخزن وإعادته للمنزل بعد انتهاء الدوام. وأبلغها أنه خزن دراجته النارية في المخزن لأنه لم يعد في حاجة لها حاليًا.
هبه استرجعت تصرفات سلطان منذ يوم انتقالهم. اكتشفت اكتشافًا مذهلاً هزها. على الرغم من جو الترف المحيط بهم، سلطان لم يحاول كسب أي مكسب شخصي لنفسه. حتى أبسط الأشياء مثل الملابس. على الرغم أنه حافظ على مظهر لائق مناسب للمكان، إلا أنها اكتشفت في الحقيقة أن سلطان فعليًا كانت خزانته فارغة إلا من بعض الملابس القليلة التي تسترها.
اكتشفت أن المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم اختفى من حياتها. اختفى لأن الشقة لم يكن بها واحد وسلطان رفض شراءه من أموال هبه. سلطان اعتبر أموال هبه أمانة، رفض أن يمد يده عليها ويستفيد منها بأي طريقة، واعتبر هبه بنفسها أمانة عنده. أمانة حافظ عليها بحياته لأدهم.
"شغلتى آخد بالي من الشقة واللي فيها"، هكذا أخبرها يوم انتقالهم من الحارة. حافظ لأدهم على ممتلكاته الغالية بما فيهم هي شخصيًا، أثمن الممتلكات.
تذكرت في يوم عيد ميلادها السابع عشر. يومها سلطان فاجأها بسلسلة ذهبية. مصحف ذهبي صغير يتدلى حول عنقها الجميل. حينها سلطان دمعت عيناه وهو يقول:
- أنا بعت الموتوسيكل النهارده. خلاص مَعَدش له فايدة ومش هيكون له استخدام تاني. افتكري دايما إن السلسلة دي بفلوس الموتوسيكل. حبيبي يا بابا، جبت لي هدية بفلوسك وكنت عايزني أعرف كويس إنها منك مش من تمن بيعي.
بعد عدة أشهر، اكتشفت بالصدفة أن المصحف يفتح. فتحته فوجدت بداخله الصورة الوحيدة التي كانت لديهم لوالدتها الراحلة. سلطان سلمها تركتها. كل ورثها منه. كل ممتلكاته كانت دراجته النارية وصورة والدتها.
السنة الدراسية انتهت. سنة أخرى مرت من عمرها. رفضت كل الدعوات لحضور حفل انتهاء العام الدراسي كالمعتاد. في أيام المدرسة كانت تقضي إجازتها الصيفية في المدرسة، أما الآن فشهور الصيف طويلة كئيبة تقضيها بين حوائط سجنها.
حاليًا فترة الإجازة سجن انفرادي. حفظت جدران البيت شبر شبر. من اليوم ستبدأ الإجازة. ستبدأ العذاب. الدراسة كانت تشغل وقتها في شهور السنة الدراسية. أما الآن فهي تستعد لشهرين من السجن الانفرادي.
مع وصول سائقها ليقلها إلى المنزل، هبه ودعت حريتها الجزئية واستقبلت سجنها الانفرادي.
...
ألم عنيف في بطنها أيقظها من النوم. حاولت النزول من الفراش لطلب المساعدة من الماس، لكنها لم تستطع. المشي يسبب لها ألم رهيب. عادت لفراشها. نوبة غثيان ضربتها. لابد لها من المحاولة مجددًا.
ليتها طلبت المساعدة عندما شعرت بالألم قبل نومها، لكنها اعتقدت أن النوم سيريحها. ضغطت على نفسها وحاولت الذهاب لحمامها. الألم غير محتمل. الدموع غلبتها. صرخت في ألم وأمسكت بطنها. رعشة هزت كل جسدها، رعشة لم تستطع السيطرة عليها. حرارتها كانت مرتفعة وعرق غزير يتصبب منها.
"يا رب ساعدني". وكأن دعواتها استجابت. الماس فتحت بابها ودخلت الغرفة وهي تصيح بقلق:
- آنسة هبه، مالك خير؟ سمعت صرخة وأنا معدية من قدام بابك.
- الحقيني، هموت من الألم. مش قادرة.
الأحداث التالية مرت عليها بين الحلم والحقيقة. الماس اتصلت بالإسعاف فورًا. فقط عشرة دقائق ووصلت سيارة إسعاف وطبيب. في خلال دقائق الانتظار القليلة، الماس ساعدتها على ارتداء ملابسها وجهزت لها حقيبة ملابس صغيرة. بدأ وكأن الماس تلقت تعليمات وقامت بالتنفيذ.
الإسعاف نقلتها لمستشفى كبير وضخم بالقرب من شقتها. نفس المستشفى الذي نقل إليه سلطان. في دقائق كانت شخصت حالتها بأنها التهاب في الزائدة الدودية ولابد لها من دخول العمليات فورًا. الألم النفسي لوحدتها ألمها أكثر من ألم بطنها. تقريبًا كانت المريضة الوحيدة في المستشفى التي لا يوجد معها أهل. وكأنها نبتة شيطانية بلا جذور.
صحيح الماس كانت معها عند وصولها، ولكنها اختفت فور وصولها إلى المستشفى. مرة أخرى تنفذ التعليمات بآلية. تلك الآلة لا مشاعر لديها إطلاقًا. الآن لا تتعجب من عزوفها عن الزواج، فهي لا تحمل قلبًا ينبض مثل كل الناس. مكتفية بنفسها بشكل غريب. تساءلت بمرارة أين وجدها أدهم؟
انتقلت إلى غرفة كبيرة في انتظار تحضيرها للعملية. أبلغوها أنها ستدخل إلى العمليات بعد ساعة واحدة فقط. أصوات المرافقين للمرضى الآخرين التي تطمئنهم تسللت إليها من خلال الجدران. الجميع لديه أحد ما بجواره، أما هي فليس لديها أي أحد. اكتشفت كم هو صعب أن تكون موجودة في مستشفى وتستعد لإجراء عملية بدون أن يكون أي شخص بجوارها.
ممرضة مبتسمة بلطف دخلت إليها وساعدتها على استبدال ملابسها لزي المستشفى الأخضر الكئيب. ربطت لها شعرها الأصفر بطاقية خضراء أيضًا. دخلت ممرضة أخرى ونقلوها سويًا لغرفة العمليات. إحساس عنيف بالخوف ضربها. تمنت لو إن سلطان كان مازال معها. في مرضها كان دائمًا يطمئنها وهو يقرأ القرآن بصوته الجميل. حلها الوحيد حاليًا هو استرجاع صوت سلطان وهو يقرأ القرآن، لعلها تطمئن قليلاً. فكرت في نفسها بألم طاغٍ. ما أصعب شعور الإنسان بالوحدة وخصوصًا وهو مريض.
في غرفة العمليات كانت ترتجف بشدة. آخر ذكرياتها كانت صورة طبيب التخدير الوسيم وهو يحقنها بشيء جعل الغرفة تدور من حولها.
...
يا الله ماهذا الحلم الرائع! ليتها لا تستيقظ منه أبدًا. حلمت بوجود شخص حنون رائحته مثيرة يجلس بجوارها على السرير يحتضنها بقوة. يدللها كأنها كنز ثمين، يقبل جبهتها بحنان. حلمت أيضًا أنه يمسح وجهها بمنديل منعش. الحلم الرائع لم ينتهِ بعد، فذلك الجالس بجوارها انتزع غطاء شعرها بلطف شديد وأصابعه مشطت شعرها بحنان غامر. كم ارتاحت لصوته الهامس، لكلامه الذي يجعل قلبها يخفق حتى في الحلم. كان يهمس في أذنها بكلام لم تسمع مثله من قبل، كلام سبب لها قشعريرة في عمودها الفقري. شفتاه تجولت بحرية أكبر على وجهها مجددًا واقتربت من شفتاها. طوال عمرها محرومة من اللمس. حتى في حياة سلطان، لم تتذكر احتضانه لها أبدًا.
أو في الحقيقة احتضنها مرات قليلة. استمتعت بحلمها لأقصى درجة. الحلم عوض افتقارها للمس، للتواصل البشري. شعرت أن بطل حلمها سوف يبتعد. تذمرت بشدة وشعر هو باعتراضها، فعاد لمكانه بجوارها يحتويها بين ذراعيه مجددًا. اقترب منها. جسده ضغط جسدها إليه ووضع ذراع قوية تحت رأسها فاطمأنت أنها محمية واستسلمت بسعادة للدوار الذي كان يهاجمها بشراسة كي يحتل عقلها.
حلمها انتهى والدليل أنها عادت وحيدة مجددًا والرائع الذي كان يحتضنها اختفى مع الحلم. ألم بطنها مكان الجرح يؤكد لها أنها استيقظت بالكامل من التخدير، ففي حلمها لم تكن تشعر بأي ألم، فقط كانت تشعر بالنشوة. فتحت عينيها ببطء شديد. كانت تشعر بالظمأ. لمحت نفس الممرضة التي رافقتها لغرفة العمليات تجلس على كرسي بجوار فراشها.
- ميه... عطشانة. هبه هتفت بضعف.
الممرضة نهضت فورًا. اقتربت منها وقالت:
- حمد الله على سلامتك. لسه شوية على الشرب. لازم الدكتور يشوفك الأول قبل ما أقدر اسمح لكِ بالشرب.
الممرضة أخذت علاماتها الحيوية وخرجت تبلغ الطبيب باستيقاظها. ألم يكن الحلم أجمل يا هبه؟ ها قد عدتِ لوحدتك الأليمة ولألم بطنك. الحقيقة المرة ملأت عيناها بالدموع. "وحيدة في المستشفى يا هبه حتى يوم عمليتك". ربما ستنتهي حياتها هنا كما انتهت حياة سلطان. لكن الألم القوي في بطنها مع كل حركة أو كل نفس أنبأها أنها تجاوزت أزمة المرض وعادت لوحدتها المريرة.
ما حدث بعد ذلك كان شيء لا يمكن أن تتوقع حدوثه أبدًا. الممرضة التي ذهبت لإبلاغ الطبيب أنها استيقظت عادت بسرعة وقالت لها باهتمام:
- عندك زائر بيطلب يدخلك.
هبه كادت أن تقفز من سريرها.
- زائر؟ زائر مين؟... عقلها اشتغل بسرعة الصاروخ. مين ممكن ييجيني؟ أنا معرفش أي حد.
الممرضة:
- أدهم بيه البسطاويسي.
من يوم مقابلتهم الكارثية في مكتب عزت حمدي المحامي وهي لم تره أطلاقًا. كل تعاملاتهم المالية كانت من خلال عزت المحامي وكل طلباتها كانت تصل إليه من خلال الماس. بالتأكيد عندما علم عن مرضها أتى لرؤيتها كواجب ثقيل مفروض عليه. لاول مرة منذ استيقاظها تنتبه لشكل غرفتها. الغرفة لم تكن غرفة عادية. بل كانت جناح فخم جدًا، جناح استثنائي. الممرضة أكملت بحشرية:
- أدهم بيه مهتم بيكي جدًا وطلب مني إني أفضل جنبك من ساعة ما خرجتي من الإفاقة.
كلمة السر أدهم البسطاويسي وأموال أدهم البسطاويسي ونفوذ أدهم البسطاويسي. هبه فكرت في سرها.
حاولت الجلوس لكن ألم بطنها العنيف منعها. تأوهت بصوت عالٍ.
الممرضة اتجهت إليها فورًا:
- استني، إنتي عايزة أدهم بيه يفصلني؟
على الرغم من ألمها الشديد، هبه سألتها بدهشة:
- أدهم؟
- أيوه أدهم بيه صاحب المستشفى. أو بمعنى أدق سلسلة مستشفيات. المستشفى دي واحدة من سلسلة مستشفياته الكثيرة. ثم سألتها بفضول واضح:
- هو إنتي متعرفيش؟ أصلك اندهشتي أوي لما قلت لك.
- لا طبعًا معرفش وهعرف إزاي. ده حتى معرفش أساسًا إن مستشفى كبيرة كده ممكن تكون ملك لشخص واحد.
هبه فكرت. الممرضة ساعدتها على تعديل وضعها بحرص ووضعت لها وسائد خلف ظهرها مكنتها من الجلوس ثم مشطت لها شعرها بفرشاة. هبه لاحظت نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامح الممرضة وهي تمشط لها شعرها.
- شعرك رائع. اسمحيلي أسألك شكله طبيعي مش مصبوغ مش كده؟
- آه طبيعي. عمري ما صبغت.
نظرات الإعجاب الآن اختلطت بنظرات الحسد.
- يا بختك. خلاص جاهزة أبلغ أدهم بيه؟
وبدون انتظار ردها خرجت إلى الصالون الملحق بالغرفة لإبلاغه بأنها مستعدة. أدركت الآن سبب الاستقبال الحافل والمعاملة المميزة التي تتلقاها منذ وصولها، فهي من طرف الرجل الكبير. ضحكت مع نفسها بسخرية.
الممرضة فتحت الباب مرة أخرى وقالت:
- اتفضل يا فندم.
قلب هبه هوى في أرجلها وأمسكت بطنها بقوة بكلتا يديها.
أدهم دخل إلى غرفتها ببطء وهو يراقبها بتتمعن. أضخم وأطول مما كانت تتذكر. بدلته السوداء المصممة خصيصًا له زادت من جو السلطة والقوة حوله. الشيء المختلف كليًا عن آخر مرة رأته فيها كانت نظرة عيونه. على الرغم من أن يومها لم تجلس معه سوى دقائق معدودة انتهت سريعًا، لكنها كانت تتذكر نظرته الحيوية الجريئة. أما اليوم فكانت نظراته مرهقة حزينة. دخوله الرسمي المتحفظ للغرفة أراحها كثيرًا. حياها بأدب وقال بطريقة رسمية:
- حمد الله على سلامتك. يا رب تكوني بقيتي أحسن.
هبه ردت بضعف:
- الحمد لله.
أدهم انتظر بجوار الباب وكأنه يختبر رد فعلها على رؤيته. هدوءها شجعه على الاقتراب من سريرها وقال:
- الممرضة هتفضل معاكي لحد ما تخرجي بالسلامة من هنا. أي طلب ما تتكسفيش. هي هنا عشان تنفذه.
هبه سعلت بقوة. السعال سبب لها ألم فظيع في مكان الجرح، فأمسكت بطنها وتأوهت بألم.
أدهم فزع من ألمها اقترب منها ومد يده كأنه سيلمسها، ثم تردد وسحب يده فورًا وأعادها إلى مكانها. يده غيرت اتجاهها وبدلًا من أن تساعدها ضربت الجرس فوق سريرها. الممرضة دخلت إلى الغرفة فورًا.
- نعم يا فندم.
أدهم أمرها:
- استدعي الدكتور فورًا.
الممرضة نفذت بدون جدال وخرجت وتركتهم.
أدهم سألها بقلق:
- فيه ألم؟
هبه أجابته:
- بس مع حركة أو الكحة.
الطبيب دخل إلى الغرفة فورًا وقال باهتمام ملحوظ:
- تحت أمرك يا أدهم بيه.
أدهم أمره بترفع:
- ريحها فورًا.
الطبيب قام بفحصها وأمر لها بإبرة من عقار مسكن. أدهم انتظر حتى انتهى الطبيب من فحصه لها.
بعد ذلك ثبت نظراته على وجهها لدقائق ثم غادر الغرفة من حيث أتى.
رواية سجن العصفوره الفصل الثامن 8 - بقلم داليا الكومي
بعد يومين، تحسنت هبة كثيراً واستطاعت النهوض من فراشها بمفردها. الممرضة التي كلفها أدهم بخدمتها لم تتركها لحظة واحدة، حتى وقت النوم كانت تنام في غرفة الصالون الملحقة بغرفتها. لم تره مجدداً منذ يوم العملية، لكن اسمه كان يتردد دائماً. أدهم البسايસી، اكتشفت أنه شخصية مسيطرة جداً والجميع يخشاه ويحترمه. كانوا دائماً يتحدثون عنه، عن قوته وقوة قراراته، لكنهم أيضاً كانوا يتحدثون عن إنسانيته ومساعدته للجميع. اكتشفت أنه استدعى أفضل طاقم جراحة في المستشفى لمعاينتها، وكانوا في انتظارها عند وصولها بالإسعاف. في دقائق، تجمع أفضل طاقم في المستشفى بدون نقاش. أوامر أدهم لا نقاش فيها.
سألت نفسها مراراً عن مدى معرفة العاملين في المستشفى بعلاقتها بأدهم. لم يتجرأ أحد منهم عن سؤالها عن علاقتها به، وهي ماذا تستطيع القول.
في مرور الطبيب الصباحي عليها اليوم، سمح لها بالخروج مع تعليمات مشددة بالراحة لمدة أسبوع. هبة ضحكت في سرها بسخرية مريرة من وضعها.
"راحة؟ هو أنا عندي غير الراحة؟"
بعد أن قرر الطبيب خروجها، فوجئت بحضور الماس إلى المستشفى، فهي لم ترها منذ أن تركتها قبل العملية. أحضرت لها الماس حقيبة كبيرة ممتلئة بملابسها، مما أثار دهشة هبة.
"ليه الغيارات دي كلها يا مدام؟ أنا هخرج على البيت مش هحتاجهم."
الماس هزت كتفيها وقالت بروتينية.
"أوامر أدهم بيه."
هبة سألتها بدهشة.
"أدهم طلب منك تجهزي شنطة كبيرة ليه وتجيبيها المستشفى؟ طيب قالك هنمشي امتى؟"
أكملت لنفسها. "هرجع امتى لسجني؟"
لدهشتها، الماس قالت.
"أدهم بيه بلغني أني أحضرلك الشنطة وأساعدك تلبسي ومقالش أي حاجة تانية."
الماس جاسوس أدهم وخادمة المطيعة تنفذ تعليماته حرفياً. وبالطبع لن تسأله عن المزيد من المعلومات ما لم يعطيها إياها بنفسه. هي فقط تنفذ.
هبة جلست تنتظر بملل. أخيراً، تلقت الماس اتصالاً على هاتفها.
"أيوة يا فندم، هي جاهزة."
المكالمة انتهت. كلمات موجزة أنهت المكالمة وحددت مصيرها. وها هي مستعدة، مستعدة للعودة للسجن. أحست بالظلم. مرضها عظم من إحساس الظلم والقهر لديها. ستعود لشقتها مريضة وحيدة وسجينة.
هبة انتظرت اتصالاً آخر من السائق كالمعتاد، لكن ما حدث أذهلها. طرق خفيف على باب غرفتها تبعه دخول أدهم بنفسه للغرفة وإشارته للماس بالخروج. الماس خرجت فوراً. أدهم تعمد الحديث بجدية. كلامه كان خالياً من أي تعبير.
"الأفضل في الفترة الجاية إنك تفضلي في بيتي."
صمت للحظات ثم أكمل.
"فترة النقاهة بتاعتك محتاجة عناية ومكان مفتوح فيه جناين وهوا نضيف. الشقة بتاعتك مش مناسبة."
هبة لم تحاول الاعتراض. المرض والوحدة أرهقاها، فهي تحتاج الآن للشعور بالحماية، بالأمان، وإلا سوف تجن. الوحدة في ظل ظروفها الحالية غير محتملة. هو قال فترة نقاهة، فليكن. ستقبل بعرضه. ستخرج من سجن صغير لسجن أكبر، لكنه كان العرض الوحيد المعروض عليها.
هبة تجنبت النظر إليه وهزت رأسها بالموافقة. موافقتها السهلة أذهلته، وكأنه كان مستعداً لجدالها. عيناه اتسعت بصدمة، ولكنه تمالك نفسه بسرعة. ضرب الجرس فوق سريرها. اقترابه منها أرسل ذبذبات في كل جسدها. قلبها خفق بعنف. الممرضة دخلت بكرسي متحرك وساعدتها على الجلوس عليه. الماس دخلت وتناولت حقيبتها المعدة مسبقاً. أما أدهم، فغادر غرفتها دون إضافة المزيد من الكلام.
الممرضة دفعت الكرسي بلطف وأوصلتها إلى سيارة فان سوداء مفتوحة. السائق تناول الكرسي من الممرضة وأدخلها بالكرسي في السيارة في مكان مخصص للكرسي. السيارة مصممة لاستيعاب الكرسي المتحرك. الممرضة والماس ركبوا بجوارها في الخلف. السائق سحب الباب وأغلقه ثم انطلق إلى وجهة مجهولة. جميع نوافذ السيارة كانت تحمل زجاجاً بلون أسود داكن، وأيضاً مغطاة بستائر سميكة. السيارة مريحة وسريعة تليق بالملياردير أدهم البسايસી ومرضى مستشفاه الفخمة.
هبة أغمضت عينيها وأسندت رأسها على النافذة الصغيرة بجوارها واستسلمت للنوم. لم تشعر بالوقت، ولم تتمكن من معرفة المدة التي قضتها السيارة منذ أن غادرت المستشفى. صوت باب السيارة وهو يفتح أيقظها من نومها. منذ عمليتها، وهي دائماً بحاجة للنوم.
بنفس الروتين السابق. السائق ساعدها على النزول من السيارة وسلم الكرسي، وهي ما زالت لم تغادر للحظة، إلى الممرضة المنتظرة. وصلوا أمام باب حديدي ضخم مزخرف بالزجاج الملون. فتاة شابة في تايور أسود رسمي، منقوش على جيب الجاكت العلوي اسم "عبير". استقبلتهم وأوصلتهم لمصعد داخلي.
هبة بدأت تستوعب مكانها. السيارة أوصلتها حتى باب سفلي في قصر كبير من الداخل. استنتجت أنه يؤدي إلى موقف للسيارات تحت الأرض، والمصعد يرفعهم حتى القصر نفسه. الفتاة ذات اليونيفورم الأسود أوصلتهم للطابق الثاني من القصر. جناح مميز مخصص لهبة، وبجواره غرفة صغيرة للممرضة.
عبير قالت لهم بأدب.
"أي حاجة تطلبوها بس اضغطوا الجرس. أنا اسمي عبير وهكون المساعدة الشخصية للهانم."
الكلمة أفزعت هبة بشدة. مساعدة شخصية؟ هانم؟ بالتأكيد هناك شيء ما غير مفهوم.
عبير ساعدت الممرضة وأرقدوا هبة على السرير بلطف.
هبة سألت عبير.
"فين الماس؟ إيه حصل؟"
عبير.
"الماس موجودة تحت مع الخدم، بس أنا اللي هكون مسؤولة عن خدمتك."
عبير غادرت الغرفة لبعض الوقت. وعندما عادت، كانت تحمل صينية عليها عصير وشاي وقهوة وأنواع عدة من فطائر لذيذة وبعض الحلويات الفخمة التي لم تر هبة مثلها من قبل.
عبير: "أي خدمة تانية يا هانم؟"
عقل هبة الصغير، الذي لم يتعود على مثل ذلك التعقيد من قبل، أحس بالحيرة. دنياها كانت محدودة جداً. سلطان كان كل حياتها.
هبة هزت رأسها.
"لا شكراً."
الممرضة فحصتها جيداً، ثم أخذت علاماتها الحيوية بالأجهزة العديدة الموجودة في حقيبتها. ولاحقاً، ساعدتها على الأكل وشرب بعض القهوة، ثم قالت.
"وقت العلاج يا آنسة هبة."
هبة أخذت علاجها باستسلام. أحست وكأنها دمية يتم تحريكها بالخيوط، وجميع الخيوط تتجمع في يده، في يد أدهم، ليحركها كيفما شاء ومتى شاء.
الممرضة أمرتها بلطف.
"دلوقتي لازم ترتاحي كويس. نامي شوية وأنا هكون جنبك لو احتاجتي أي حاجة. رني الجرس."
ثم غادرت وتركتها فريسة لأفكارها.
أدهم نقلها من سجن لسجن. من سجن صغير لسجن كبير. ولكن على الأقل هذا السجن له حديقة خلابة. هبة تذكرت الحدائق الجميلة التي شاهدتها أثناء صعودها في المصعد الزجاجي. منظر الحدائق من زجاج المصعد كان خرافياً، كأنها حديقة سحرية منعشة، وكأنها تعيش، تتنفس، كأنها حية. في حياتها لم تر زرعاً بمثل هذا الجمال الخلاب. تساءلت بدهشة.
"مين الفنان اللي صمم الجنينة الفظيعة دي؟"
قررت زيارة الحديقة عندما تستطيع السير. التجول فيها يطيل العمر.
بعد تفكير طويل، غلبها النوم بسهولة كعادتها في الفترة الأخيرة.
مر أسبوع منذ يوم عمليتها، وثلاثة أيام منذ انتقالها للقصر. أدهم لم يحاول رؤيتها أبداً، على الرغم من أنها كانت تعلم بوجوده في القصر. وفي بعض الأحيان، كانت تسمع صوته أمام باب جناحها، ولكنه لم يدخل مطلقاً إليها.
الألم في بطنها خف بدرجة كبيرة، واستطاعت المشي بدون مساعدة. تمت معاينتها في الصباح من قبل طبيبها الذي طمأنها أن صحتها أصبحت على ما يرام، وأنها تستطيع الحركة بحرية. ولكنه منعها من ممارسة الرياضة والمجهود العنيف، وأبلغها أن الممرضة لم يعد لوجودها ضرورة.
أسبوع كامل، وأدهم قام بشراء وقت الممرضة. ليل نهار كانت مثل ظلها. الممرضة أخيراً تحررت وتستطيع مواصلة حياتها. سوف تستطيع الخروج، رؤية عائلتها، والعودة لعملها مجدداً. أما هي، فستظل حبيسة.
هبة علمت من الممرضة سهى أن أدهم دفع لها مبلغاً خيالياً في الأسبوع الذي قضته في مرافقتها. أموال أدهم لا تنتهي، وهو يسخرها لتنفيذ أوامره بكل سهولة. جميع مشاكله يستطيع حلها بالمال، "بالكثير من المال"، وهي الإثبات الحي على ذلك.
بعد أن سمح لها الطبيب بحرية الحركة. عبير عرضت عليها نزهة في الحديقة. يا إلهي، أخيراً! هبة طبعاً وافقت بلهفة وقبلت يدها لتستند عليها. عبير ساعدتها على ارتداء ملابسها. اختارت لها فستاناً أخضر اللون، له نفس لون عينيها. مشطت شعرها الحريري بضربات سريعة من الفرشاة. هبة علمت أن عبير كانت تعمل من قبل في مساعدة الفنانات في اختيار ملابسهن وتمشيط شعرهن وعمل زينة وجوههن "لبيسة" كما يسمونها.
عبير أخبرتها أن أدهم عرض عليها الوظيفة منذ أسبوع، وأنها وافقت فوراً عندما عرفت الراتب الشهري الضخم المخصص لها، بالإضافة للسكن والأكل المجاني.
أدهم عرض عليها الوظيفة منذ أسبوع، تقريباً في يوم دخولها إلى المستشفى أو بعدها بيوم. تساءلت والفضول يمزقها. أرادت معرفة إذا ما كان أدهم وظف عبير خصيصاً لها، أم أنه كان سيوظفها على أي حال. الإجابة وصلتها فوراً عندما أكملت عبير.
"البييه طلب مني يوم ما عرض علي الوظيفة أني أهتم بيكي بس. يعني شغلي كله معاكي. أساعدك تختاري اللبس اللي يناسبك وأجهزلك شعرك ومكياجك. وصيفة ليكي يعني."
"بس الصراحة، مكنتش متوقعة إنك جميلة كده. إنتي مش محتاجاني اطلاقاً. اللي اشتغلت معاهم قبل كده كنت بحولهم تمام. لمساتي كانت سحرية. أدهم بيه عرفني عن طريق الفنانة فريدة جمال. كنت مساعدتها الشخصية وعرض علي الوظيفة وأنا وافقت وبصراحة أكتر ما صدقت. فريدة أنانية وعصبية وكانت بتعاملني بترفع كأنها اشترتني. لو تشوفيها من غير لمساتي مش هتصدقي."
كمية المعلومات التي استقبلتها هبة أكبر من استيعاب عقلها. حاولت أن تحلل المعلومات بالتدريج عسى أنها تتمكن من الاستيعاب. أدهم وظف عبير خصيصاً لها. أدهم على علاقة بفنانة تسمى فريدة جمال، والتي من المفترض أنها مشهورة، لكن للأسف، هبة تجهل تماماً أي شيء عن عالم المشاهير والفنانين. سلطان كان متشدداً جداً ورفض دخول التلفاز إلى بيتهم، وبعد موته، هبة لم تتجرأ على كسر أي قاعدة من قواعد حياتها، من قواعد سلطان. القراءة كانت تسليتها الوحيدة. كانت تطلب كتب في الفن والتاريخ والأدب من عزت الذي كان يرسلهم لها فوراً. ثقافة اكتسبتها من مدرستها الثانوية. الوقت أغلى من أن نضيعه في التفاهات، وهي كان لديها الكثير والكثير من الوقت. أول علاقة لها بالتلفاز كانت في غرفتها في المستشفى، ثم في جناحها في قصر أدهم. إذاً، فكيف لها بمعرفة المدعوة فريدة جمال؟
عبير تناولت علبة مكياج وبدأت في إضافة لمسات بسيطة من المكياج عليها. لأول مرة في حياتها تستعمل المكياج. تحديد عينيها بالكحل الأسود أظهر جمال عينيها واتساعهما وروعة لونهما. ملمع الشفاه أضاف لمعة لشفاهها الوردية. هبة شاهدت نفسها في المرآة واندشت من التغيير الكامل في منظرها، من شعرها لفستانها لوجهها. تقريباً لم تتعرف على نفسها. بلمسات بسيطة، غيرتها عبير بالكامل. أصبحت هبة جديدة، أجمل وأكثر غموضاً وجرأة.
عبير أمسكت بذراعها برفق وقادتها إلى الباب.
"نبدأ التمشية؟"
هبة هزت رأسها بالموافقة وهبطت معها إلى الحديقة، فهناك سوف تستمتع بمساحة حرية أكبر، ولو لفترة مؤقتة.
رواية سجن العصفوره الفصل التاسع 9 - بقلم داليا الكومي
استقبلت كل لحظة من لحظات نزهتها في الحدائق الواسعة الملحقة بالقصر بلهفة شديدة. حاولت أن تخزن في ذاكرتها أكبر قدر من الصور تسترجعهم فيما بعد عندما تعود لسجنها. فرصة نادرة لن تعوض ويجب استغلالها جيداً.
مجدداً، أدهم يظهر حسن تقديره للأمور، فدعوتها له للإقامة في قصره أنقذتها. لربما الآن كانت استسلمت لاكتئابها لو كانت خرجت من المستشفى على شقتها. تجربة إقامتها في القصر تجربة فريدة لن تنساها مطلقاً، ليتها تراه لتشكره على دعوته.
"عبير؟" انتزعتها من أفكارها. نبهتها بلطف.
"أنا آسفة، مش قصدي أضايقك... بس مش كفاية كده، انتي لسه ضعيفة بعد العملية."
هبة انتبهت إلى أنها بدأت تشعر بألم بسيط.
"أنا فعلاً تعبت، بس كنت زهقانة ومحستش بالتعب إلا لما انتي نبهتيني."
"انتي لسه مشفتيش الجزء الخلفي من القصر، هناك حمام السباحة والجنينة الخصوصية بأدهم بيه. الجنينة والحمام مكان مغلق، ما فيش حد يقدر يدخل هناك إلا بإذنه. لو تحبي تعالي ريحي هناك شوية."
عبير سندتها برقة. مشوا خطوة بخطوة. دخلوا إلى القصر مرة أخرى.
الريسبشن الضخم يضم أكثر من أربعة صالونات من أفخم الأنواع. طاولة الطعام الكبيرة كان لها اثنا عشر كرسياً.
عبير أشارت إلى باب مغلق وقالت:
"ده مكتب أدهم بيه. فيه صالون وحمام. دخوله ببطاقات إلكترونية خاصة، ما فيش غير اتنين مسموح لهم بدخوله. أدهم بيه ومصطفى المساعد الشخصي وأهم راجل بعد أدهم. بيباشر الشغل لما أدهم بيه يسافر."
"سميرة رئيسة الخدم هي اللي بلغتني بالمعلومات دي وقالت لي إنها بتدخل تنضف المكتب كل يوم، بس لازم يكون مصطفى موجود وهي بتنضف."
دنيا جديدة غريبة عليها. منذ اليوم الذي قرر أدهم عمل الصفقة فيه مع سلطان وحياتها تتحول. صفقة من المفترض في خلاصتها أن يستفيد الطرفين. أدهم تخلص من زواج لا يرغب فيه، وهي تخلصت من الفقر والتهديد.
سؤال ينهش عقلها بقوة: لماذا اختارها هي؟
اسم فريدة اقتحم أفكارها. ربما أدهم تزوجها كي يتمكن من الحياة بحرية وانفلات. تخلص من مشكلة زواجه الغير مرغوب فيه واحتفظ بعلاقاته الأنثوية الغير شرعية. ظاهرياً له زوجة، بس هي في الحقيقة مجرد غطاء. تخلصت من أفكارها بصعوبة. فعلى أي حال، ما شأنها هي بأدهم وخططه طالما هي أيضاً تستفيد.
الصالون ينتهي بأبواب زجاجية تطل على حوض السباحة المميز في تصميمه والحديقة الصغيرة. الأبواب لها ستائر تحمل لون مارون غامق، طياتها القصيرة تغطي فقط نصف الأبواب العلوي.
عبير اقتربت من الأبواب وأدخلت بعض الأرقام على جهاز شبيه بالآلة الحاسبة مخفي جيداً تحت الستارة السميكة وقالت:
"أنا معايا إذن من البية بدخول المنطقة دي عشان أوصلك لما تحبي تتمشي فيها."
بمجرد انتهائها من كتابة الأرقام على الجهاز، الأبواب فتحت فوراً.
عبير ساعدت هبة على الدخول إلى منطقة المسبح. أجلسيتها على طاولة لها مظلة بلون أبيض. أراحتها على مقعد من مقاعد حوض الاستحمام المريحة المصنوعة من قماش سميك وقالت:
"أنا هروح أطلب لحضرتك مرطبات، أكيد انتي عطشانة."
عبير تأكدت من جلوس هبة براحة على المقعد المخطط بالأصفر وذهبت لطلب المرطبات لها. أيضاً من مميزات إقامتها في القصر معرفتها بعبير، فهي على الأقل تحمل المشاعر وليست آلة مثل الماس. أيقنت أنها بسهولة قد تصبح صديقة لها إذا ما توفرت لهم المدة اللازمة لتأصيل تلك الصداقة.
هبة استغلت الفرصة وتأملت المكان من حولها. أدهم له ذوق رفيع في كل ما يختار. أثناء تجول عيونها في المكان لمحت أدهم يخرج من غرفة الغيار الموجودة بجوار المسبح. كان يرتدي شورت سباحة قصير جداً ويحمل منشفة كبيرة في يده مخططة أيضاً بالأصفر مثل المقاعد.
أدهم كان يتجه إلى الحوض ولم يلحظ وجودها حتى الآن. لاول مرة في حياتها عيونها ترى رجلاً يرتدي مثل هذا القدر الضئيل من الملابس. وجهها تلون بكل الألوان المعروفة. الخجل خشبها في مقعدها.
أدهم لمحها وهو في طريقه إلى الحوض. صدمة رؤيتها مسترخية على المقعد بجوار المسبح أوقفته في مكانه. بدا عليه التردد للحظات وكأنه يفكر في العودة من حيث أتى، ولكنه عندما لم يلحظ أي رد فعل عنيف من ناحيتها على وجوده أكمل طريقه للحوض. اختار أقرب مقعد بجوارها وقام بفرش منشفته عليه ببطء شديد.
"عاملة إيه دلوقتي؟" سألها أدهم بتردد.
"الحمد لله." هبة تجنبت رفع عينيها إليه كعادتها.
"مرتاحة هنا؟ في أي حاجة ناقصاكي؟" سألها أدهم باهتمام حقيقي.
"لا الحمد لله." هبة أجابته بامتنان ظهر جلياً على وجهها الجميل.
أردت شكره على استضافتها أثناء أصعب فترة في حياتها. هو لا يدري كم تأثرت باهتمامه وفي تفكيره بالتفاصيل. لكن الكلام انتهى فيما بينهم. فهما غريبان في الحقيقة. ورقة زواج هي كل الرابط الوهمي بينهم. كيف ستبدأ معه حوار وتعبر له عن امتنانها وهي لم تتحدث في حياتها إلا لأي رجل باستثناء عزت المحامي وسائقها الخاص. وهم اعتبروها مثل ابنتهم وعاملوها كما كان يعاملها سلطان رحمه الله.
هبة حاولت النهوض. قررت ترك المسبح له فهي لن تتطفل على خصوصيته. فهو لم يدعوها بل لم يكن يعلم بوجودها عندما اختار السباحة في ذلك الوقت. هو تجنب رؤيتها منذ مجيئها، إذن لن تضايقه بوجودها. الألم البسيط في بطنها عند محاولتها النهوض ظهر على وجهها فوراً.
"هبة انتي تعبانة؟.. في أي ألم؟" رفع أدهم عينيه وركز نظراته على وجهها المتألم وقال بصوت متقطع.
"ألم بسيط مع الحركة." ردت هبة بهمس.
"تحبي أطلب الدكتور؟" ظهر على أدهم الاهتمام الشديد. اقترب منها لدرجة أنها أحست بأنفاسه على وجهها.
"لا، ده عادي مع الحركة الألم بيقل كتير الحمد لله." هزت هبة رأسها.
أدهم نهض فجأة وقفز إلى حوض السباحة. قطع الحوض مرات ومرات تحت نظرات هبة الفضولية. اهتمامه بألمها أثار مشاعرها. لسبب ما لم تستطع المغادرة كما قررت وجلست تراقبه.
أطول منها بكثير مع أنها دائماً كانت تصنف أنها من الفتيات ذوات القامة الطويلة. قد يكون أطول منها بحوالي عشرين سنتيمتراً على الأقل. ضخم جداً. عضلاته متناسقة ومشدودة. شعره أسود طويل وناعم. ملامحه خشنة لكن على الرغم من ذلك كان لديه جاذبية وغموض. لون بشرته أغمق من بشرتها البيضاء الصافية بدرجات. تذكرت كلام عزت المحامي: "أدهم البستاويسي من عيلة كبيرة في الصعيد".
أدهم قطع الحوض عدة مرات برشاقة وفي النهاية قرر الاكتفاء وغادر الحوض بقفزة واحدة. تناول منشفته وبدأ في تجفيف نفسه.
"بتعرفي تسبحي؟" سؤاله فاجأها.
"أيوه اتعلمت في المدرسة." هزت هبة رأسها.
"الحمام هنا فيه خصوصية تامة لو حبيتي تسبحي في أي وقت اطلبي من عبير تجهزلك احتياجاتك."
هبة هزت رأسها مجدداً.
إنها لا تدرك ما هو سبب ألم معدتها الدائم عندما تراه، لكنها أصبحت متأكدة الآن أنها لا تكرهه أبداً. رائحة عطره خفيفة جداً بعد السباحة لكنها مازالت تؤثر فيها.
قوة شخصيته المسيطرة المتكبرة تجعلها مهزوزة أمامه. أدهم معتاد على إلقاء الأوامر ومعتاد أيضاً على تنفيذ أوامره بدون نقاش. بكلمة منه كل حياتها تدار وترتب، وبكلمة أيضاً منه يستطيع إيقاف حياتها وتدميرها إذا هو أراد ذلك. هي تدور في فلكه.
أدهم رفع يده وأبعد خصلة متمردة قررت الهبوط على وجهها. لمسته أرسلت قشعريرة في جسدها كله. أغمضت عينيها في ترقب. أدهم اقترب منها أكثر وهي مازالت مغمضة العينين. كانت تشعر بالخدر يسري في كل جسدها ولم تستطع الحركة بعيداً عنه. خصوصيتهم قطعت عندما اختارت عبير العودة في تلك اللحظة.
عبير عادت بصينية فضية فخمة عليها مرطبات ومأكولات خفيفة. مفاجأة وجود أدهم وقربه الشديد من هبة ألجمت عبير، لكنها تمكنت من هز رأسها باحترام لأدهم الذي أشار إليها بتقديم المرطبات.
هبة أخذت العصير وبدأت تشرب ببطء. فجأة أدهم نهض بقوة وقرر مغادرة المكان بدون أي كلمة أخرى.
...
بعد مرور أسبوع آخر. هبة تحسنت تماماً واستعادت صحتها بالكامل. الألم بطنها اختفى تماماً ومجهودها عاد لطبيعته. محنة العملية انتهت أخيراً، لم تترك لديها سوى ندبة صغيرة طولها ثلاث سنتيمترات في بطنها وذكريات إقامتها الممتعة في القصر.
اكتشفت غرفة الرياضة بجوار المسبح. غرفة مجهزة بأجهزة تماثل أجهزة أفضل النوادي الرياضية. لكن جرحها مازال حديثاً والطبيب حذرها من المجهود قبل شهور. حتى السباحة أجّلها حتى يتعافى جرحها تماماً.
علمت أن أدهم سافر إلى الصعيد في سفرة مفاجئة طوال الأسبوع الماضي، منذ يوم مقابلتهم عند المسبح بالتحديد. سألت الماس عن ميعاد رجوعهم للشقة، لكن الماس للأسف لم يكن لديها أي أوامر جديدة فيما يتعلق بانتقالهم من القصر. فاكتفت بقول: "لما أدهم بيه يأمر".
مر أسبوع آخر وهبة تنتظر أوامر أدهم الجديدة. عندما يئست من الانتظار طلبت من عبير إبلاغ أدهم برغبتها في مقابلته. عبير أبلغتها أنه سافر من الصعيد إلى دولة أوروبية وسيغيب لمدة أسبوع آخر.
انتظرت مرور الأسبوع بصبر. إن كان من المفروض عليها أن تعيش في السجن طوال عمرها، فعلى الأقل أبسط حقوقها أن تختار زنزانتها بنفسها. صحيح القصر أفضل بكثير من شقتها لأسباب لا تحصى ولا تعد، لكن وجودها بقربه يجعلها تشعر بالتهديد. يجعلها تشعر بالتمرد. خافت من أن تتمرد على حياتها القديمة، فكل يوم تقضيه هنا يترك آثاره في روحها الخائنة. كلما عادت أسرع كلما استطاعت تقبل وضعها. تقبلها السابق لحياتها كان كلمة السر التي جعلتها تبتلع مرارة وضعها.
التهديد باحتمالية رؤية أدهم يسبب لها ألماً غامضاً في معدتها تعجز عن فهمه. هي الآن لا تشعر نحوه بالكراهية، إذن فما هو ذلك الإحساس في معدتها كلما رأته أو تذكرته؟
في الحقيقة، هي لم تكن تتعجل أبداً عودتها لشقتها، لكنها أرادت أن تعلم متى ستغادر تلك الجنة التي أدخلها أدهم إياها.
اعتادت الجلوس في الحديقة بعد العصر لشرب الشاي وتناول الحلويات الفاخرة التي تفننت فرحة الطباخة في تحضيرها. كانت تنتظر الغروب يومياً وهي جالسة بالقرب من النافورة. هنا على الأقل عادت لرؤية العصافير وسماعها. منذ يوم انتقالهم إلى الشقة وهي مفتقدة أصوات العصافير عند نافذة غرفتها. كانت تحمل معها بعض الحبوب وتضعها لهم على حافة النافورة الكبيرة التي تتوسط الحديقة وتجلس تراقبهم بالساعات وهم يأكلون بشهية. أصدقاؤها العصافير سوف يفتقدونها عند رحيلها.
"اتفضلي يا آنسة هبة."
هبة رفعت عينيها فشاهدت عبير تحمل قفصاً ذهبياً بداخلة عصفورة جميلة. ريشها بلون أصفر فاقع جداً مطعم بريش صغير يحمل ألواناً مختلفة عند الذيل. أجمل عصفورة شاهدتها في حياتها.
عصفورة جميلة ضعيفة محبوسة في قفص ذهبي تذكرت نفسها فوراً عندما رأتها.
"الهدية دي وصلت ليكي من شوية مع وليد حارس أدهم بيه الخصوصي." أكملت عبير.
أدهم أرسل لها هدية. عصفورة ضعيفة تشبهها بدرجة كبيرة. محبوسة في قفص ذهبي مثلها.
ياترى إيه رسالة أدهم يريد إيصالها إليها بهديته؟
عبير وضعت القفص على طاولة جانبية في التراس المفتوح على الحديقة الرئيسية. لدقائق ظلت هبة تراقب العصفورة. الحبوب كانت أمامها بوفرة لكنها لم تأكل. هبة شعرت أنها حزينة ووحيدة.
الذهب يحيط بها من كل جانب لكنه يظل سجناً يمنعها عن حريتها. العصفورة كأنها كانت تبكي. سمعت صوت نحيبها الهامس. حاولت لمس ريشها كي تواسيها ففزعت العصفورة منها وقفزت بعيداً عن لمستها.
هبة تملكتها رغبة شديدة بفتح القفص للعصفورة. للحرية التي تعاني هي من الحرمان منها. ربما العصفورة سوف تسعد بحريتها. وتستعيد غنائها بدلاً من بكائها. بدون تفكير يدها التي حاولت لمس العصفورة اتجهت لباب القفص وفتحته على مصراعيه. فتحت الباب أمام العصفورة للرحيل. العصفورة ترددت لبعض الوقت ثم قررت أن تأخذ المخاطرة وتغادر للحرية وطارت باندفاع. في نفس اللحظة هبة استدارت للعودة لداخل القصر. شاهدت أدهم يقف عند مدخل التراس وهو يراقبها باهتمام.
رواية سجن العصفوره الفصل العاشر 10 - بقلم داليا الكومي
فتحت القفص بدون تفكير.
العصفورة نفسها ترددت قبل الطيران.
فور مغادرة العصفورة للقفص، هي نفسها أحست بالخوف عليها.
أحياناً يكون القفص حماية وليس مجرد سجن.
هذه العصفورة الجميلة الضعيفة ربما تتعرض للمخاطر بسببها.
هذه العصفورة ربما كانت محبوسة ومحمية طوال عمرها، مثلها.
فهل ستستطيع أن تدافع عن نفسها وتعيش في العالم الحقيقي؟
الندم ضربها بقوة، لكن الوقت قد فات على الندم.
وعندما استدارت للدخول للقصر للبكاء بمفردها على غبائها وتسرعها في إطلاق سراح العصفورة، شاهدت أدهم وهو يراقبها باهتمام شديد.
أدهم كان يقف متخشبًا على مدخل التراس.
موقفها من العصفورة واضح وفهمه بشكل صريح.
هي اختارت أن تمنح العصفورة الشبيهة بها حريتها.
والذي أكد شكوكها أن أدهم لم يتكلم أي كلمة، حتى أنه لم يحيها وغادر التراس على الفور.
بعد ساعتين، أدهم استدعاها في مكتبه.
عبير أوصلتها لباب المكتب وغادرت فورًا بدون أن تحاول مرافقتها للداخل.
من الواضح أن أدهم كان سيء المزاج، لأن عبير كانت متوترة وهي تطلب منها الإسراع.
أدهم كان يطالع بعض الأوراق خلف مكتبه، لكنه نهض فور دخولها وأشار لها بالجلوس على مقعد جلدي مريح أمام المكتب.
جلست في المكان الذي اختاره لها وهي متوترة جدًا.
أدهم بادرها بالقول:
- عبير بلغتني أنك طلبتي تقابليني.
هبة ردت بصوت منخفض خجول:
- أيوه.
أدهم سألها باهتمام:
- خير؟
هبة:
- أنا كنت بس بسأل إمتى هرجع شقة الزمالك.
وكأن أدهم كان متوقعًا لسؤالها.
هبة استنتجت ذلك من رده الفوري على سؤالها.
أدهم أجابها مباشرة:
- أنا طلبت بالفعل من عبير إنها تجهزك للانتقال من هنا.
ارتياح ممزوج بالحزن احتلها بقوة عند سماعها لردة على سؤالها.
فكرت بحزن: "خلاص هترجعي لزنزانتك يا هبة".
فعلى الأقل هنا كان يوجد بشر للتواصل معهم، بعكس الماس الرسمية الروتينية.
هبة قضت معها 4 سنوات.
التواصل بينهما فيهم كان معدومًا.
الماس، جاسوس أدهم كما أسماها هبة، كانت مثل الرجل الآلي، فقط تنفذ التعليمات بمنتهى الدقة والإتقان.
أما هنا، فهي تعرفت على عبير مساعدتها الشخصية، وعلى فرحة الطباخة، وعلى سميرة رئيسة الخدم، وغيرهم، وكانت تستمتع بالجلوس معهم في المطبخ على الرغم من اعتراضهم.
هي أحبتهم وهم أحبوا بساطتها وتواضعها.
كانت ترى في أعينهم التساؤلات عن حقيقة وضعها.
لم يسألها أحد منهم عن طبيعة علاقتها بأدهم، وهي خافت أن تسألهم عن حدود معرفتهم بطبيعة علاقتهم المعقدة.
طالما تساءلت إذا كانوا يعلمون أنها زوجة أدهم أم لا.
هبة نهضت وفي نيتها الذهاب إلى غرفتها والانتظار هناك، متجنبة المزيد من رؤية أدهم حتى تنتهي الماس من التجهيز والاستعداد للرحيل لشقتها.
لكنه عندما أكمل جملته، هبة عادت للجلوس مجددًا من الصدمة.
- أنا طلبت بالفعل من عبير إنها تجهزك للانتقال من هنا...
وتبلغك أنك هتسافري الصعيد معايا.
آخر شيء توقعته هبة في حياتها أن يطلب منها أدهم السفر إلى أي مكان معه، وبالأخص إلى الصعيد.
الرعب في ملامحها جعله يقول بحدة:
- إنتي مراتي قدام أهلي والحجج اللي عندي خلاص خلصت.
إزاي أنا لأربع سنين كاملين مش بعرفك عليهم؟
في الأول اتحججت إنك صغيرة وإني كتبت الكتاب بس ومنتظرك لحد ما تكبري شوية ونتم الجوازة، بس بطريقة ما والدي عرف إنك عندي هنا وتوقع إنك خلاص كبرتي وإني قررت أحول جوازنا لحقيقة، وصمم إنه يشوفك وكمان عمل حفلة كبيرة يحتفل فيها بجوازنا الفعلي.
مع كلامه، هبة أحست بالرعب الحقيقي.
"أسافر معاه للصعيد عند أهله كأني زوجته الحقيقية؟"
هبة ارتجفت من الصدمة.
جسدها كله اهتز برعشات قوية لم تستطع السيطرة عليها.
أدهم أحس برعشتها.
صوته عبر عن غضبه الذي لم يحاول كتمانه.
لاول مرة ينفعل عليها ويتحدث بصوت عالي أخافها للغاية.
- الموضوع منتهي.
إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله.
إنتي مراتي وهتسافري معايا.
عندك اعتراض؟
ولتأكيد جدية قراره، أدهم رفع هاتفه النقال واتصل بعبير يستدعيها للحضور.
عبير وصلت فورًا وانتظرت تعليماته.
أدهم:
- جهزتي اللي قلتلك عليه؟
عبير:
- أيوه يافندم.
أدهم:
- زي ما بلغتِك قبل كده، السفر بكرة بدري واعملي حسابك هتسافري معانا.
عبير:
- حاضر يافندم.
وفي إشارة من يده، هبة فهمت منها أن المقابلة انتهت وأنه يأمرها بالانصراف.
عبير أخذت يد هبة، التي مازالت تحت تأثير الصدمة، وقادتها لخارج المكتب بلطف.
عبير كأنها أحست باضطرابها، ربما من برودة يدها التي كانت متجمدة في يدها، أو ربما من تعبير الذهول المرتسم على وجهها.
لكنها في النهاية أوصلتها لغرفتها بأمان، ومنعت عنها غضب أدهم الذي كانت ستواجهه إذا ما بقيت للحظة واحدة أمامه.
بعد الفجر بساعة واحدة، كانوا في طريقهم إلى المطار في سيارة سوداء ضخمة.
عند نزولها مع عبير استعدادًا للمغادرة، أدهم فتح لها باب السيارة ودعاها للركوب في المقعد الخلفي من السيارة، وركب بجوارها من الباب الآخر.
عبير ركبت في المقعد الأمامي بجوار وليد، الحارس الشخصي لأدهم.
السيارة الليموزين الفخمة كان بها زجاج سميك يفصل المقاعد الأمامية عن الخلفية حيث يجلسون.
سيارة من سيارات الدفع الرباعي وبداخلها أربعة من حراسة أدهم المسلحين تبعتهم مثل ظلهم.
أدهم لم ينطق بحرف واحد طوال طريقهم للمطار.
لكنها لاحظت أنه كان يختلس بعض النظرات إليها عندما تكون تنظر من النافذة.
عند وصولهم إلى المطار، هبة صدمت عندما علمت أن أدهم لديه طائرة خاصة.
طائرة أدهم البيضاء الجميلة كانت في انتظارهم.
صغيرة لكن فخمة بطريقة مبالغ فيها.
كانت تستوعب اثني عشر راكبًا.
فخامتها من الداخل تدل على ثمنها الباهظ الذي من المؤكد أن أدهم دفعه فيها.
أدهم دائمًا يقتني الأجمل ويحتفظ به لنفسه، ويسخر أمواله لامتلاك كل ما يريد، حتى هي.
المضيفة استقبلتهم عند الباب بضحكة مرسومة بإتقان.
أدهم وهبة جلسا في مقصورة خاصة.
الحراسة وعبير جلسوا في المقاعد الخلفية.
هبة لاحظت دلع المضيفة الزائد عن الحد وتدليلها لأدهم، الذي قابله ببرود وكأنه معتاد على ذلك.
بحركة لا إرادية، هبة أمسكت حجاب شعرها ولمسته بإستغراب.
وهي تستعد للسفر في القصر، عبير أحضرت لها فستان طويل بأكمام طويلة وجاكت.
هبة ارتدته بدون أي اعتراض.
بعد ذلك، تفاجأت بعبير وهي تلف حجابًا على شعرها الجميل وتغطيه.
وقبل أن توافق أو تعترض، عبير أخبرتها بلهجة اعتذار:
- أدهم بيه طلب مني إنك تلبسي حجاب طول فترة وجودكم في الصعيد.
وطلب مني إنك ما تستعمليش أي مكياج.
وأنا بلغتُه إن جمالك طبيعي وإنك ما بتستعمليش أي نوع من أنواع المكياج غير الكحل.
فوافق على استعمالك الكحل بس.
لكن كان شكله مذهول لما أكدت له إن جمالك طبيعي تمامًا.
في وسط زي وسطَـه، أكيد متعود على أمثال فريدة اللي بيحطوا المكياج بالكيلو.
مهما كان أدهم متحضر متحرر، لكن أصله الصعيدي يجبره على احترام التقاليد عندما يتعلق الأمر بمظهر زوجته أمام عائلته وأهل بلده.
لدهشتها، عندما تطلعت لنفسها في المرآة وهي ترتدي الحجاب، أحست براحة كبيرة.
وشاهدت نفسها أفضل والمدهش أحلى.
لفة عبير السحرية للطرحة أظهرت وجهها الأبيض البيضاوي، ولون الطرحة الأصفر الذهبي أظهر لون عينيها الخضراء النادر.
فستانها المذهل تلائم مع جسدها الطويل الرشيق بفن.
مع أنها مغطاة بالكامل، لكن النتيجة النهائية لطلتها أنها أصبحت أجمل بكثير، أنيقة ومحتشمة.
عندما شاهدها أدهم عند السيارة قبل مغادرتهم للقصر، ظهرت عليه الصدمة، وعيناه وجهت عتابًا صامتًا لعبير، كأنه يلومها على أن هبة ما زالت جميلة على الرغم من محاولاته.
راحة نفسية غمرتها بعد لبسها للحجاب.
فقررت أنها حتى بعد رجوعهم من الصعيد، أنها لن تخلعه عنها أبدًا.
فلاول مرة في حياتها ستأخذ قرارًا بنفسها وهي سعيدة للغاية بذلك.
حتى كليتها، سلطان اختارها لها، ولم يترك لها حق الاختيار.
أدهم لاحظ حركة يدها على حجابها.
لاول مرة منذ مغادرتهم القصر، يوجه لها الكلام.
- مضايقة منه؟
هبة نفت بقوة.
- أبداً، بالعكس أنا مرتاحة جدًا.
أدهم هز رأسه وأكمل عمله على حاسبه المتنقل الذي كانت المضيفة أعطته له منذ قليل.