تحميل رواية «صفقة حب» PDF
بقلم شيماء جوهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحيانًا الإنسان يكون أمامه كل شيء بين يديه، ومع ذلك لم يراها ولم يشعر به، تغيّر مجرى حياته للأحسن أو الأسوأ، دائمًا الاختيار بين أيدينا ومعظمه يكون سوء اختيار نندم عليه. لكن يجب أن يصطدم في شيء أقوى لكي نشعر بقيمته، لكن عندما تتحول المشاعر مجرد اتفاق لأغراض معينة.. هنا يجب أن نتوقف سوف تعكس الحياة رأسًا على عقب لدوامة متعبة حقًا. الساعة الثانية ظهرًا، موعد رجوع محمود إلى المنزل لتناول وجبة الغداء كالمعتاد بدلًا من تناولها بالشركة بمفرده، مع زوجته تهاني. توقفت السيارة أمام فيلا الإبياري لينزل منه...
رواية صفقة حب الفصل الأول 1 - بقلم شيماء جوهر
أحيانًا الإنسان يكون أمامه كل شيء بين يديه، ومع ذلك لم يراها ولم يشعر به، تغيّر مجرى حياته للأحسن أو الأسوأ، دائمًا الاختيار بين أيدينا ومعظمه يكون سوء اختيار نندم عليه.
لكن يجب أن يصطدم في شيء أقوى لكي نشعر بقيمته، لكن عندما تتحول المشاعر مجرد اتفاق لأغراض معينة.. هنا يجب أن نتوقف سوف تعكس الحياة رأسًا على عقب لدوامة متعبة حقًا.
الساعة الثانية ظهرًا، موعد رجوع محمود إلى المنزل لتناول وجبة الغداء كالمعتاد بدلًا من تناولها بالشركة بمفرده، مع زوجته تهاني. توقفت السيارة أمام فيلا الإبياري لينزل منها رجل وقور في الخمسين من عمره، دقائق ووجد طفلته بابتسامتها الحانية باستقباله. اقترب منه الخادم ليحمل عنه حقيبته السوداء متجهًا لمكتبه. ركضت نحوه بخفة وارتمت بصدره، ضمها إليه بكل حب وحنان لتقول بصوت هامس:
- وحشتني.
ابتعد عنها ليقبل جبينها وهو يقول بحب:
- أنتِ اللي وحشتيني أكتر.. عايز أفهم أنتِ ما بتكبريش أبدًا.
ضحكت تهاني وهي تقول بمرح:
- لا لا خليني كده دائمًا صغيرة وحلوة في عينيك.
ابتسم محمود لبرائتها، مهما طالت الأيام والسنين يشعر في كل مرة كأنهما ثنائي حديثي الزواج، كل يوم والحب يكبر في قلبهما. ستظل زوجته وابنته وحبيبته إلى آخر نفس يخرج منه. فقال وهو يداعب وجنتيها:
- أنتِ مش بس حلوة شكلًا، كفاية روحك وقلبك الطيب يا تهاني.. ربنا ما يحرمناش منك أبدًا.
عانقته تهاني بشدة. تنهدت بعمق وارتسمت بسمة عريضة على ثغرها وقالت:
- ولا منك يا رب.
ابتعدت عنه مستطردة بمرح:
- يلا ادخل ريح في مكتبك شوية عقبال ما الأكل يكون جاهز.
ابتسمت وأرسلت له قبلة في الهواء وهي تبتعد عنه متجهة إلى المطبخ. ابتسم محمود بشدة واتجه هو الآخر إلى غرفة مكتبه. جلس على المقعد وهو يدور به يمينًا ويسارًا ولا تزال البسمة مرتسمة على وجهه، يفكر في ذكرياتهما معًا.
دقائق ودخل الخادم يخبره بالقدوم على الفور. خرج من مكتبه وبدأوا في تناول الطعام. يقدم السفرجي الطعام المتبقي، يتناول محمود طعامه في صمت. بعد عدة دقائق نظر إلى ساعة يديه ومن ثم تجهم وجهه على الفور.
التفت إلى تهاني قائلًا:
- طارق نزل الكلية ولا لسه نايم متأخر زي عوايده؟
تهاني تركت ما بيديها بضيق، نظرت إليه قائلة:
- آه الحمد لله، خف عليه شوية يا محمود مش كده.
عقد أصابع يديه بضيق، رفع رأسه والتفت إليها قائلًا:
- يعني أنتِ مش شايفة تصرفات ابنك اللي تشل.
أقبلت عليه بلهفة ومسكت يديه قائلة:
- بعد الشر عليك ما تقولش كده، مش شغال معاك في الشركة كويس أهو.
محمود ربت على يديها ثم تنهد في ضيق قائلًا:
- مش كفاية يا تهاني أنتِ اللي مدلعاه على الآخر.. أما نشوف هيعمل إيه في الصفقة الجاية.
اندهشت تهاني قليلًا ثم نظرت إليه بتساؤل:
- صفقة إيه؟! قصدك بتاعة هاشم الجوهري؟
هز رأسه قائلًا:
- آه هو.
ما زالت محتفظة بتلك النظرة، قالت بتساؤل:
- بس إزاي!! ده في غيبوبة بقاله سنة!
نظر إليها مذكرًا إياها بما حدث:
- أنتِ ما تعرفيش إن بنته هي اللي ماسكة الشركة في غيابه.
اندهشت تهاني، يبدو إنها تناست الأمر بالفعل:
- بجد! الله يكون في عونها.
تناول هاتفه من جيب بنطاله وضغط على بعض الأرقام، قال دون الالتفات إليها:
- هتصل بيه أشوفه فين.
*******************
قد يطرأ المرء منا بين الحين والآخر خضوعه في مسلك غير مرغوب فيه، على عكس ما يتمنى ويرغب.. يضطر بالضغط على نفسه من أجل الإقدام لحياة أخرى والاستمرار فيها، ولو لمدة مؤقتة حتى يتحسن الوضع.
في إحدى شركات الأدوية، خروج ودخول الموظفين إلى مكاتبهم.. صوت رنين الهواتف، دخل موظف إلى فتاة تبدو في العشرينات من عمرها بعد أن أذنت له بالدخول، تعتلي مكتبها بكل جدية، تتحدث في الهاتف وفي يديها اليمنى قلم توقع على بعض الأوراق المهمة. بعد عدة دقائق تركت القلم من يديها ووضعت سماعة الهاتف مكانها. تناولت حقيبتها في عجالة وركضت سريعًا إلى الخارج. يخرج الموظف من مكتبها "رئيس مجلس الإدارة"، لتقابل نور صديقتها التي رأت اندفاعها دون الالتفات إليها.
نور بقلق:
- إيه يا بنتي روقي أعصابك مش كده، اتفقتي معاهم؟
*****************
تجلس بإحدى مدرجات ملعب كلية التجارة، نظرت له في الخفاء على وجهها علامات الغضب، هذا الشاب الوسيم الذي يركض أمامها.. بهيئته الطويلة يحرز الأهداف بكل بساطة بعضلاته الخفيفة.. يبدو سريع الحركة بشعره الأسود.. الذي يتطاير أثناء قفزه ليسجل الهدف.. يحيي جمهوره بكل ثقة عالية ويشير إليهم، إنه مشهور بفلانتينو الكلية.
يشير إليه من بعيد صديقه إيهاب.. يبدو وجود أمرًا هامًا، بعد انتهائه من اللعب اقترب منه وقذف له منشفته.
إيهاب ابتسم قائلًا:
- إيه يا عم ما تخف شوية ده أنت لميت بنات الكلية كلهم ما فيش حاجة كده.
طارق التفت إليه باسمًا ورد بثقة:
- أعملك إيه دي الكاريزما يا ابني.
ضحك إيهاب ثم ألقى نظره إلى المدرجات وقال:
- طب يا صاحب الكاريزما استلقي وعدك.. سارة جاية شايطة عليك.. ورد على المخروب بتاعك بقاله سنة بيرن.
تلك الكلمة أفزعته، نظر له بقلق وقال:
- مخروب! يخربيت كده.. يا نهار أبيض.. أبويا يا جدع.
تناول هاتفه على الفور، وجد أكثر من مكالمة هاتفية من محمود، فزع من صوت رنين الهاتف الذي بين يديه. وجد اسم المتصل "dad".. رد على الفور.
طارق يعلم جيدًا تأخيره على الرد، طالما هاتفه محمود أكثر من مرة.. إذا يوجد أمرًا هامًا:
- ألو أيوة يا بابا.
أتاه صوت محمود من الجهة الأخرى بكل جدية:
- أنت فين يا طارق؟!
تحكم طارق في انفعالاته لكي يبدو متزنًا، رد بهدوء:
- في الكلية هكون فين يعني.
محمود بنفس النبرة قال:
- وإيه الدوشة اللي عندك دي الكلية برضه؟!
طارق توتر ونظر إلى المكان حوله ثم قال:
- آه أنا في ملعب الباسكت.
تذمر محمود عندما سمع تلك الكلمة اللعينة، كلما يبحث عنه يجده فيها، رد بغضب وقال:
- يعني سايب دراستك ومحاضراتك ورايح تلعبلي في الملعب.
شعر بالانزعاج من حديثه لكنه رد بهدوء.. كي يمتص غضبه:
- يا بابا المحاضرة اتلغت قلت أروح الملعب مع صحابي شوية.
رد بنفس النبرة:
- صحاب الندامة.. تعالى لي على الشركة حالًا يلا.
طارق بقلق:
- ليه في حاجة؟!!
تنهد محمود بضيق ثم رد بهدوء وقال:
- هيكون في إيه يعني شغل طبعًا.. يلا ما تضيعش وقت مستنيك وإياك تتأخر أنت سامع.. سلام.
أغلق معه محمود بضيق. لاحظت تهاني بداية انفعاله، فربتت على يديه كي يهدأ قليلًا. تنهدت بحيرة، لا تعلم ماذا تفعل مع طارق وهو يثير غضب والده هكذا بين الحين والآخر. لم يكمل طعامه ذهب لغرفة مكتبه تناول حقيبته وعاد إلى الشركة مرة أخرى حتى يكون في انتظار طارق.
طارق منذ أن أغلق معه محمود المكالمة وهو مندهش وما زال نظره معلقًا على الهاتف. اعتاد على العمل مع أبيه لكن الآن يبدو أن الأمر هام. اندهش إيهاب من صمته وشروده، فقال:
- حصل إيه يا ابني.
طارق نظر إليه بقلق قائلًا وهو يجمع أغراضه في الحقيبة:
- لازم أمشي دلوقتي أبويا عايزني في الشركة الظاهر في حاجة.
إيهاب بهدوء:
- طيب نتقابل بالليل بقى.
قال وهو يتحرك بضعة خطوات دون الالتفات إليه:
- ماشي يلا سلام.
منذ ذلك الوقت، سارة ما زالت تقف بكل غضب وانفعال حتى بعد انتهائه من اللعب لم يلتفت إليها ولم يلاحظ وجودها بعد.. هذا الأمر الذي استشاطها غضبًا أكثر. تحركت نحوه مسرعة حتى وصلت أمامه.
اندهش من وجودها أمامه هكذا وهي يبدو عليها الغضب، ولكن هذا ليس الوقت المناسب، لقد تناسى أمرها بالفعل.
نظرت إليه بغضب وقالت:
- استني هنا رايح فين وسايبني.
نظر لها بانزعاج وقال:
- عايزة إيه يا سارة مش فاضيلك دلوقتي.
وضعت يداها على خصرها مع اهتزاز قدميها قائلة:
- ما بتردش على الفون ليه؟
طارق تنهد بضيق وعقد ساعديه قائلًا:
- كنت عاملة سايلانت ما سمعتوش.. سلام ونتكلم بعدين بقى.
تركها دون أن يستمع إلى ردها وهي تكاد أن تنفجر غيظًا.
ذهب كي يبدل ملابسه سريعًا. بعد ذلك استقل سيارته مسرعًا حتى لا يتأخر عن موعد والده.
صدم بفتاة مارة نحوه وهو خارج من البوابة، فرمل السيارة مسرعًا ونزل على الفور بكل ضيق حتى يرى إن أصابها شيء أم لا.
وقعت الفتاة أرضًا ممسكة بقدمها بكل ألم وهي تنظر إليه بانفعال وغضب، كادت أن تصعقه على وجهه إن أتاح لها الفرصة:
- إيه ده مش تفتح يا أستاذ ماشي تخبط في الناس.
نظر لها بضيق وقال:
- أنا برضه!! أنتِ اللي دخلتي فيا.
تمالكت الفتاة ألمها وحاولت النهوض مرة أخرى. إنه حقًا عديم الذوقية بدلًا من مساعدتها يتمادى في موقفه ويبرر خطأه. نظرت له في حنق وقالت وهي تمسك قدمها من الألم:
- لا والله هو أنا اللي بسوق!! مش كفاية كنت هتدهس رجلي.
تنهد بضيق وزفر بشدة وهو ينظر إلى يمينه. التفت إليها وقال بانفعال:
- اسمعي يا حاجة أنا مش فاضيلك وورايا الأهم.. سلام.
عاد إلى سيارته بكل حنق وانفعال وذهب سريعًا وتركها متألمة وحيدة هكذا.
لم تتحمل الفتاة انفعاله وأسلوبه معها يا له من وقح حقًا. صرخت من شدة غيظها وقالت:
- أنت يا بني آدم آآآه صحيح إنسان ما عندوش ريحة الدم.
*******************
وصل إلى الشركة وما زال الغضب يتملكه. تنهد بعمق واستجمع قواه لكي يهدأ قليلًا خرج من سيارته ودخل الشركة إلى أن وصل إلى مكتب محمود، طرق على الباب.
دخل بعدما سُمح له بالدخول.
دخل طارق واقترب من مكتبه قائلًا:
- إزيك يا بابا؟ حضرتك طلبتني؟
محمود ترك الأوراق التي بين يديه وانتبه إلى طارق وهو يقول بهدوء:
- أه، تعالى يا طارق اقعد وركّز معايا.
جلس على المقعد المقابل للمكتب وقال:
- في إيه يا بابا؟
محمود تنهد ونظر إليه بثبات وهو عاقد أصابع يديه، ثم قال بجدية:
- كل خير.. هكون طالبك عشان إيه يعني، أكيد شغل.. بص، أحنا داخلين على صفقة مهمة جدًا ولازم تتم.
طارق شعر بنبرة والده الجدية بأن الصفقة الجديدة مختلفة عن أي صفقة أخرى، نظر إليه بهدوء قائلًا:
- تمام، طيب صفقة مع مين؟ حد نعرفه يعني ولا من بره؟
محمود بنفس النبرة:
- لا ده معروف جدًا.. أشهر من النار على العلم، أنت تعرفه وسمعت عنه كتير.
طارق بعد دقائق من التفكير لم يتوصل لمعرفة هذا الشخص، نظر إليه بتساؤل وقال:
- مين ده يا بابا؟
محمود:
- هاشم الجوهري.
اندهش طارق وقال:
- مش معقول! هاشم الجوهري رجل الأعمال المشهور؟! ده كويس جدًا على فكرة.. بس إزاي أنا سمعت أنه في المستشفى، داخل بغيبوبة بقاله سنة.
محمود ابتسم ابتسامة خفية لتحمس طارق، استرد قائلًا:
- أه هو.. عارف أنه في غيبوبة بس بنته هي اللي ماسكة الشركة حاليًا وهي اللي هتنفذ معاها الصفقة.. بنت بميت راجل، من ساعة تعبه وهي ممشية الشركة زي الساعة.. بس خد بالك من حاجة مهمة.
طارق عندما سمع إنها فتاة تجهم وجهه قليلًا وقال:
- بنته اللي مسكاها حاليًا، طب تمام، إيه هي؟
نظر إليه محمود بكل جدية وبنبرة صارمة محذرًا إياه:
- إنها شخصية جد وبتحب شغلها أوي ومعندهاش وقت للهزار ولا الكلام الفارغ، ها أظن فاهمني كويس.
انزعج طارق من كلمات والده.. لقد شعر بالضيق حقًا من تلك الكلمات التي تشبه الوصايا العشر، كلما وجد في أي موضوع فتاة.. فنظر إليه وقال في حنق وبدأ نبرته في العلو:
- يووووو، الموضوع خانقة من أولها.. لزومها إيه المحاضرة دي.. مش كل تعامل مع بنت تقولي خلي بالك.
طرق محمود كفيه على سطح المكتب بغضب ونظر إليه بضيق وقال:
- ما تحترم نفسك شوية وتتكلم بأدب.. وأنت تطول تشتغل معاها أصلًا.. لزومها إني بعرفك طباعها من دلوقتي عشان ما تشدش معاها في الكلام.. فبلاش تضايقها، معاملتك مع البنات ساعات بتكون جافة يا طارق.. وبالمناسبة عشان ما تسألش كتير اسمها سلمى.
تماسك أعصابه قليلًا ثم قال وهو يستعد للقيام:
- ماشي يا بابا أنا ماشي.
محمود نظر إليه بضيق وقال:
- هخلي السكرتيرة تاخدلك معاها ميعاد وتبقى تروح الشركة تقابلها وتتفقوا على الشغل، وهتلاقي ملف الصفقة على مكتبك.
نظر طارق إليه بهدوء وتساءل:
- طيب ماشي على بكرة بقى، النهارده مش هينفع.. ودي بتدرس إيه؟
محمود بنفس النبرة الجدية المحذرة، لأنه يعلم أسلوبه جيدًا:
- في فنون جميلة يا سيدي، وأتكلم معاها براحة شوية وبعد كده تطلع على المستشفى تجيب والدتك عشان عربيتها عطلت، تمام؟
طارق تنهد بضيق قائلًا وهو ينهض:
- طيب يلا سلام دلوقتي.
***
خرج من مكتبه وهو في حالة من الضيق لأسلوب والده بسبب حديثه عن سلمى، فشعر بأنها غير مرغوب بها وبالتعامل معها من الأساس، ولا يريد مقابلتها.
استقل سيارته وقادها في غضب، تناول هاتفه وضغط على بعض الأرقام.. هاتف إيهاب كي يذهب معه إلى المشفى، بعد ذلك يعود بتهاني إلى المنزل ويكمل جولته مع إيهاب.
مر طارق لأخذ إيهاب ثم انطلقا إلى المشفى، وصلا أمام البوابة وركن سيارته أمامها.
قبل أن يخرج توقف قليلًا مندهشًا.. ما الذي أتى بها إلى هنا؟ خرجا من السيارة ودخلا إلى المشفى وهو يراقبها بعينيه، يملئه الفضول إلى أن رآها وهي تدخل إلى غرفة العناية المركزة.
جلست تهاني مع الطبيب المختص وهي تعمل بعض الفحوصات الطبية ومنتظرة طارق كي يمر عليها.
عقله ما زال منشغلًا بها، قرر الذهاب إليها ليعرف سبب زيارتها.. لا يعرف سر الفضول الذي انتابه منذ أن رآها أمام المشفى.
اندهش إيهاب هو الآخر من شروده واقترب منه قائلًا:
- إيه مالك؟!
استعاد وعيه وهو ينظر إليه ويقول:
- لا أبدًا مفيش.
اتجه سريعًا وراءها إلى غرفة العناية المركزة.. اقترب من الزجاج الخارجي للغرفة، تبدو مظلمة وبها إضاءة خافتة، لا يرى المستلقي على الفراش بل يرى من يجلس بالمقعد المجاور له، نعم.. إنها هي تلك الفتاة التي تشاجر معها أمام بوابة الكلية.. وقف لحظات وتأملها جيدًا، وجدها حزينة.. تبكي.. لا يرى ملامح وجهها من كثرة الدموع التي تكتسحها.. لوهلة تعاطف معها، لا يعرف ماذا يفعل! هل ينتظر إلى أن تهدأ من روعها ويتحدث معها؟ أم يذهب ويعود إليها في وقت لاحق؟
بعد دقائق أتى شاب في منتصف العشرينات، دخل العناية في هدوء، اقترب منها دون أن تشعر بوجوده، جلس جوارها ومسح دموعها سريعًا ومن ثم ضمها إلى صدره بحنان وأخذ يربت على منكبيها.
أمسك بيديها بهدوء وقاما معًا للخروج من العناية وما زالت الدموع تتساقط من مقلتيها.. ابتعد طارق سريعًا من مكانه حتى لا تراه.
ظل ثابتًا في مكانه مندهشًا من هذا الموقف.. من يكون؟ ولما ضمها إلى صدره هكذا؟ وقامت معه بكل استسلام.
لحظة خروج الفتاة، قابلت طارق وارتسم على وجهها اندهاش مع آثار البكاء.. دقائق صمت بينهم إلى أن تصادفت أعينهم...
رواية صفقة حب الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء جوهر
دقائق وتلاقت أعينهم، بداخلها تسأل ودهشة من تلك المصادفة العجيبة التي جمعت بينهم. شرد في عيونها الحزينة التي تنبعث منها ألم وأسرار مكبوتة في أعماقها، ذات الملامح الرقيقة التي تبدو أصغر من عمرها غير واضحة المعالم بسبب كثرة الدمع المزروف من مقلتيها.
نظرتها تحمل الدهشة والضيق في الوقت ذاته، تذكرت فعلته منذ قليل. بدون أي كلمة تحركت من أمام الباب وأكملت طريقها.
ظل طارق ثابتًا في مكانه دون حراك، شريدًا منذ رؤيتها. اندهش إيهاب من حالته إلى أن أفَاقه من شروده:
- إيه يا بني، روحت فين؟ تعرفها؟
طارق نظر إليه بهدوء وقال:
- أيوه، أبقى أقولك بعدين. يلا عشان ماما مستنية.
ذهب طارق إلى تهاني في غرفة الفحوصات، بعد الانتهاء اعتذر طارق لعدم مقدرته على الذهاب الآن، على أن يعاد النظر في الأمر مساء اليوم كي يعيد تهاني إلى المنزل لأنها تبدو مجهدة.
في مساء اليوم الحالي، خاصة في غرفة طارق. يجلس على فراشه يفكر في تلك الفتاة العجيبة التي رآها ظهيرة اليوم، على الرغم إنه كان منزعجًا منها قليلًا منذ ما حدث، إلا أنه تعاطف معها عندما التقى بها بالمشفى.
لم يفكر بما حدث كثيرًا، واعتبره إنها مجرد مصادفة ليس إلا من الطبيعي أن تحدث. تناول هاتفه وأجرى اتصالًا بإيهاب كي يتنزها قليلًا.
******************
شعورنا في بعض الأحيان بوجود جبل كبير راسخ على صدورنا، نشعر بعبء كبير لا نستطيع احتماله، فقد قدرتنا على التصدي قد نفذت ولم نعد نحتمل بعد الآن. متكئة على فراشها بشرود وحزن كالعادة، أصابها الكلل والمشقة منذ غياب هاشم الجوهري ودخوله العناية المركزة. أصبحت هي كل شيء فوق عاتقها وكل يوم يزداد الحمل أكثر وأكثر، إلى أن أعصابها لم تعد تحتمل أي صدمات بعد.
تعالت صوت قرعات باب الغرفة إلى أن سمعته سلمى. دخل يوسف مبتسمًا بعدما سمع الأذن بالدخول.
اقترب من فراشها وجلس على أطرافه. نظر إليها في حيرة وحزن على حالها الذي تبدد يوم بعد يوم.
ربّت على يديها مبتسمًا وقال:
- ها، الجميل سرحان في إيه؟!
اعتدلت سلمى في جلستها، ترتسم على وجهها معالم الحزن، ولكن نظرت إليه باسمة كي تخفيه وقالت:
- ولا حاجة يا يوسف، أنا كويسة.
تنهد بحزن وضم يديها بقبضته، نظر إليها بحزن قائلًا:
- مش عايز كل ما ترجعي من عند بابا ألاقيكي في الحالة دي.
لم تتحمل كتمان ما بداخلها أكثر من ذلك، خاصة عندما سمعت تلك الكلمة التي أثارت مشاعرها، انتفضت عيناها من البكاء قائلة:
- وحشني أوي يا يوسف.
تحرك يوسف وجلس بجوارها وضمها إليه بحنان. ربّت عليها وقال بهدوء:
- إن شاء الله هيقوم لنا بالسلامة. بس قولي أنتي يا رب، مالناش غيره.
تنهدت بحزن وهي تمسح دمعة سقطت من مقلتيها قائلة:
- ونعم بالله. يا رب.
ابتسم وأكمل قائلًا:
- طب قومي بقى عشان العشا.
تنهدت بحزن وقلة حيلة ثم استردت قائلة:
- لا، مليش نفس. كُل أنت.
أبعدها قليلًا عنه، ثم مسك يديها وارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة قائلًا:
- ده كلام برضه! أنتي عارفة إنك اللي بتفتحي نفسي على الأكل، ولو ما جيتيش أنا مش هاكل ها.
التفتت إليه بنظرة متعبة وقالت:
- عشان خاطري يا يوسف، بجد تعبانة مش قادرة. الكلية مع الشركة هنجت.
تنهد بحيرة من تلك العنيدة، لا يوجد سوى طريقة واحدة حتى يجعلها تبتسم، وتستعيد حيويتها من جديد. وقف سريعًا وقام بحركات فجائية بنبرة مرحة قائلًا:
- ما هو عشان كده لازم تاكلي. هقوم ولا أزغزغ؟
انقض عليها على الفور وبدأ بدغدغتها، لم تتحمل سرعته. تعالت صوت ضحكاتها وهي تقول:
- ههههه لا خلاص حرمت يا بيه. قايمة أهو.
ظل يضحك على هيئتها وهي ممددة على الفراش متعبة من كثرة الضحك. تنهدت بسعادة وهي منبسطة ذراعيها.
كان حقًا في قمة سعادته بعد أن رآها بضحكاتها الرنانة التي تعلو الغرفة، حمد الله على عودة الابتسامة إلى وجهها مرة أخرى.
مدت يداها بابتسامتها الرقيقة، رد ابتسامتها ومد يداه هو الآخر وجذبها نحوه. خرجا معًا والبسمة ما زالت تعلو شفتيهما.
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى على صوت رنين هاتفها. تحسست الكومود وتناولت الهاتف بوخم شديد. نظرت إلى اسم المتصل، تغيرت تعابير وجهها، ردت باستياء وبنبرة ناعسة قائلة:
- ألو، أيوه يا عاصم.
رد بهدوء وقال:
- أيوه يا سلمى، أنتي فين؟!
تنهدت بضيق ولكن ردت بهدوء وقالت:
- هكون فين يعني؟ في البيت.
رد بنبرة جافة نوعًا ما قائلًا:
- ما روحتيش الشركة لغاية دلوقتي، دي الساعة 9 يا هانم.
تنهدت ووضعت يداها على جبينها بإرهاق قائلة:
- معلش يا عاصم، ما نمتش كويس ومرهقة جدًا. ثم عايزة أفهم هي شركتك ولا شركتي؟
تذمر عاصم لتأخيرها، ورد بنبرة جافة وصارمة. كاد أن يعلو صوته:
- آه، نايمة ولا على بالك وعلينا شغل قد كده. ده ما فيش تحمل للمسؤولية خالص. لا يا هانم ما تنسيش إننا شركاء حتى وإن كل واحد فينا في شركة.
تجمدت الدموع في عينيها بسبب أسلوبه البغيض معها، لأول مرة يتهمها بالتقصير في حق العمل ومحادثتها بتلك النبرة المغايرة، لا تعرف سر تحوله عليها بهذا الشكل منذ ارتياد والدها إلى المشفى. تنهدت بهدوء وردت بضيق:
- عاصم، حاسب على كلامك. أنا برضه ما فيش مسؤولية وعمري ما قصرت في شغل الشركة!! إيه ما بتفهمش!! بقولك كنت تعبانة ما فيش تقدير ولا نظر. هاخد شاور وأنزل. سلام يا عاصم.
أنهت المكالمة على الفور قبل أن تسمع رده. ألقت الهاتف بجانبها على الفراش سريعًا وشرعت بالبكاء الشديد بعد ما ارتمت على فراشها ودفنت وجهها حتى لا تخفي دموعها حتى عن نفسها.
سمعت صوت يوسف ينادي عليها من الخارج، قامت على الفور ومسحت دموعها سريعًا وخرجت له.
****************
يجلس طارق بساحة الكلية مع صحبته، ولكن يعتبر إيهاب من أقرب أصدقائه. يتسامرون كالعادة.
اقتربت سارة منه بعدما رأته من بعيد. تعلو فوق شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تقول:
- هاي، إزيك يا طارق؟ عامل إيه؟!
طارق رفع رأسه من الحاسوب ونظر إليها في هدوء قائلًا:
- الحمد لله كويس يا سارة.
قالت بعدما عقدت ذراعيها في ضيق مصطنع:
- إيه يا حبيبي، ما كلمتنيش امبارح ليه؟ كده تسيبني كل ده!
تنهد بضيق ولكن نظر إليها ورد بنبرة هادئة:
- معلش كان عندي شغل وجبت ماما من المستشفى، ما كنتش بلعب يعني.
أومأت وبعد تفكير قالت:
- طيب عندك إيه النهارده؟ ما تيجي نخرج.
تنهد ونظر إليها آسفًا ثم قال:
- مش هينفع بجد، ورايا شغل مهم النهارده ولازم يخلص.
رفعت سارة حاجبها الأيسر مستنكرة لما يقول، فصاحت به في ضيق وبدأ صوتها في العلو:
- شغل إيه ده اللي أهم مني؟ أنا بجد ما بقتش فاهماك.
لم يروق له رد فعلها ونبرة حديثها. شعر بالانزعاج على الرغم من كل هذا فهي لم تقدر مسؤولياته بعد. فنظر لها وقال:
- سارة، أنتي عارفة كويس، إياكي تعلي صوتك عليا تاني. ما تتكلميش في مواضيع الشغل دي. صفقة مهمة للشركة خلاص رضيتي فضولك؟ ثم إيه اللي مش فاهماه؟
زفرت بشدة وعقدت ذراعيها وقالت بضيق:
- أنت الجد الصارم في شغلك ولا طارق اللي ما بيبطلش ضحك وهزار مع صحابه؟
عقد حاجبيه بدهشة ثم رد بهدوء على غير المعتاد:
- الاتنين. أنا الاتنين يا سارة. إيه الغريب في كده مش فاهم.
زفرت بضيق من هدوئه وهي تشعر بالضيق وهو لا يبالي لتقول بنفس النبرة:
- في إني بحسك بوشين. مدير شركة جد أوي في شغلك وتقيل مع البنات حتى عندك في الشركة ولا مرة شوفتك بتبتسم في وشهم حتى. وحاجة تانية مع صحابك ضحك وهزار وسفر ساعات والحياة فلة وتيجي عندي تقلبلي الوش الخشب عكس الشركة تمامًا.
تنهد بقوة ورد بهدوء شديد:
- شوفي يا سارة، أنا عمري ما كنت بوشين الحمد لله ولا هكون. حياتي هي هي ومليش إلا شخصية واحدة ووش واحد. في الشغل لازم أكون صارم وجد ولا عايزاني أهزر مع دي وأضحك مع دي وتبقى سايبة بقى. صحابي الحاجة الوحيدة اللي بطلع فيها همي وبكون على طبيعتي وبفصل بيهم من جو الشغل وأقربهم إيهاب وأنتي عارفة كده كويس. هو لما بعرف أفصل بين شغلي وحياتي الشخصية أبقى متناقض؟! وحكاية باجي عندك بصدرلك الوش الخشب دي أنتي عارفة سببها كويس. في حاجات الواحد ما بيعرفش يتخطاها بسهولة.
أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى ولم تستطع الرد عليه، فلا تجد كلام لقوله فقط جهمت وجهها بغيظ. نظر لها مطولًا ثم قال:
- أنا لازم أمشي دلوقتي وهكلمك بليل، سلام.
قالها وهو يضع الحاسوب بالحقيبة مستعدًا للذهاب.
تذمرت سارة وشعرت بالضيق، قالت وهي تنظر إليه شزرًا:
- ماشي يا طارق، سلام.
نظرت إلى أصدقائه الذين كانوا يستمعون لحوارهم، أو بمعنى آخر تلك المناوشات التي تنتهي بنفس النهاية. فشعرت بالضيق ورحلت على الفور لصديقاتها.
****************
في إحدى شركات الأدوية، حيث السلطة والمال من يتحدثون دون غيرهم، لهم كل الرأي والرأي الآخر. يجلس عاصم على مكتبه وبيديه الهاتف. يتأرجح بالكرسي يمينًا ويسارًا وهو يتحدث بضحكاته العالية.
- ها يا حبيبتي، لا لا تمام على ميعادنا ما فيش مشكلة.
ردت الفتاة من الجهة الأخرى بنبرة تخيرية وقالت:
- طب وخطيبتك هتعمل معاها إيه؟!
ضحك ورد باستهزاء، كأنه يستنكر ما يتحدث عنه:
- خطيبة مين اللي بتتكلمي عنها دي!! لا طبعًا أنتي اللي في القلب. ثم دي مالهاش في الخروجات ولا بتاع.
أومأت وردت بدلال:
- طيب ما تتأخرش يا حبيبي عشان ما أقعدش لوحدي.
رد عاصم متسائلًا:
- هو سابك ولا إيه؟!
قالت الفتاة بنبرة ضيق مصطنعة:
- اه، تخيل. بس والله ما أنا عتقاه.
ضحك عاليًا. ها هو المعلم النجيب يستمع إلى نتائج تلاميذه، بما هو من خداع وعدم أمان:
- هههههه الله عليكي، تربيتي.
شعرت بالانتصار لكلماته، أعطاها دافع أكبر للاستمرار في طريقها. ضحكت وقالت بثقة:
- هههههه عيب عليك.
سمع عاصم أثناء ذلك صوت قرعات على الباب، ظن بأن تكون هي.
نظر إلى الباب بترقب، ثم عاد يستكمل حديثه قائلًا:
- بقولك إيه، اقفلي دلوقتي، هكلمك بعدين، شكلها هي.
ابتسمت وردت سريعًا بدلال:
- طيب متتأخرش.
أنهى عاصم الاتصال متعجلًا:
- طيب طيب سلام.
دخلت سلمى بعدما سمعت الإذن بالدخول بوجه مقتضب. اقتربت منه ووضعت على مكتبه ملفًا، ثم أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى دون البوح بأي كلمة.
نظر إليها بضيق على رد فعلها. دقائق وقطعت الصمت دون النظر إليه بنبرة صارمة:
- اتفضل، الأوراق دي لازم تتمضي حالًا.
نظر إليها بضيق قائلًا:
- اممممم، طيب.
وقع الأوراق، وبطرف عينيه كان ينظر إليها، التي ما زالت موجهة وجهها إلى الناحية الأخرى.
أنهى التوقيع سريعًا. دون الالتفات إليه، حملت الملف وكادت أن تتحرك متجهة إلى الباب، قالت دون الالتفات إليه:
- شكرًا عن إذنك.
قام بحركة سريعة وأمسك بيديها:
- استني يا سلمى، عايزك.
نظرت إلى يداه الممسكة بيديها بإحكام، ثم نظرت إليه بغضب وقالت:
- سيب إيدي يا عاصم، أوعى.
ترك يداها بهدوء ثم نظر إليها غاضبًا وقال:
- في إيه يا سلمى؟!
نظرت له وقالت باستهزاء:
- لا ولا حاجة، اسأل نفسك أنت عملت إيه.
تنهد بضيق ثم نظر إليها ورد بهدوء:
- كل ده عشان قلت لك كلمتين بتوع الصبح دول.
نظرت إليه بازدراء وتعجب مما يقول قائلة:
- دي مش أول مرة تهيني وتتهمني بتقصير، وأنا باسكت وما برضاش أتكلم عشان بابا، أما أنت زودتها أوي على فكرة.
عاصم رد بنفس النبرة:
- متزعليش، مش دي حقيقة؟!
شعرت بالضيق أكثر لكلماته وإثبات اتهامها بالتقصير أكثر، فردت بانفعال:
- لا طبعًا! حقيقة إيه! فين التقصير ده من يوم ما مسكت الشركة يا أستاذ؟!
أومأ برأسه ونظر لها بتساؤل وقال:
- كنتِ فين إمبارح الساعة 2 الضهر يا سلمى؟ شفت نور وسألتها عليكِ قالت لي كانت مستعجلة وأخذت حاجاتها ومشيت.
عقدت ذراعيها وقالت بهدوء:
- أه، روحت أودي ورق مهم ليوسف وطلعت على المستشفى أشوف بابا، هو ده التقصير اللي بتتهمني بيه؟! ده أنا ما أخدتش ساعتين على بعضهم.
يبدو أن عاصم مُصر على تقصيرها، نظر إليها وقال بنبرة عتاب:
- يعني أنتِ لسه مش معترفة بغلطك؟!
شعرت بالضيق أكثر وأكثر، كادت أن تنفعل من طريقة حديثه، ولكن تماسكت والتفتت إليه وردت بنبرة هادئة ببعض الضيق:
- اممم، واضح إن الكلام معاك ما بيجيبش أي نتيجة، عن إذنك عندي شغل.
تحركت خطوات للأمام، شعر بالضيق من تصرفها. أقدم هو الآخر بضعة خطوات وثبت أمامها. نظرت له بضيق وتحدي. نظر هو الآخر في عينيها بغضب وقال:
- أنا لسه ما خلصتش كلامي.
نظرت له بتحدي وهي مثبتة عينيها في عينيه قائلة:
- خلاص يا عاصم، ما فيش كلام يتقال، سلام.
تقدمت بخطوات سريعة إلى الخارج دون أن تستمع إلى رده، حتى لم تهتم مطلقًا لندائه الذي كان ينادي عليها بانفعال وبصوت مرتفع:
- سلمى سلمىىىىىىىىىىى.
*******************
عادت إلى مكتبها، دفنت وجهها بين طيات كفيها، بعد أن طرقت بيديها على سطح المكتب بغضب. تنهدت بعمق ورفعت رأسها بعدما سمعت قرعات الباب.
مسحت وجهها بكفيها بهدوء، نظرت إلى الباب قائلة:
- ادخل.
دخلت نور بابتسامة عريضة، ولكن اختفت بالتدريج عندما رأت حالة سلمى لم تبدُ بخير على الإطلاق. اقتربت منها وجلست على المقعد المقابل للمكتب قائلة:
- إيه اللي حصل! اتخانقتي مع عاصم برضه؟!
تنهدت سلمى بحيرة، نظرت لها بهدوء وقالت:
- وإيه الجديد يا نور، يلا أعمل إيه بقى، إنسان مغرور.
تنهدت نور بحزن وحيرة على حال صديقتها، فهي تحملت الكثير منذ مرض والدها ولكن لم تعد تتحمل بعد. قامت واتجهت نحوها. ضمتها إليها وربتت على منكبيها قائلة:
- معلش يا حبيبتي، استحملي شوية عشان باباكِ حتى، عايزاه يفوق ويلاقي الدنيا مدربكة؟
وجهت عينيها إلى الفراغ وقالت بحيرة:
- يا ريت يا نور يفوق، تعبت من عاصم بجد، ما فيش حاجة عاجباه أبدًا، إيه ده! مش ممكن، عايز مني إيه ده!
قبلت نور رأسها وربتت عليها مرة أخرى، أما سلمى فهي تمالكت نفسها عن البكاء. عادت نور إلى مقعدها وفضَّلت تغيير الموضوع، يكفي الحديث عنه أكثر من ذلك:
- ربك هيسهلها، ما روحتِش الكلية النهارده ولا إيه؟!
رفعت يداها باستسلام مع رفع شفتاها للأعلى، قالت بهدوء:
- لا يا ستي، هو أنا عندي وقت، لما تسمح لي الظروف باروح، يوسف بيجيب لي المحاضرات لو فِضي عنده وقت.
ابتسمت نور وقالت:
- طب كويس إني حضرت النهارده، فكرتيني أديلك اللي خدناه، الأهم تركزي في المشروع اللي علينا تسليمه كمان يومين وسيادتك عملتِ نصه.
زفرت بضيق وعادت بظهرها على مقعدها:
- أعمل إيه يا نور، والله نفسي أخلصه، بس بجد إن شاء الله هابدا أكمل شغل عليه على بالليل.
ابتسمت ثم تذكرت شيئًا ما وقالت:
- آه بالحق، رجلك عاملة إيه دلوقتي؟
زفرت بضيق عندما تذكرت هي الأخرى ذلك الأبله الذي صدمها أمس:
- ما تفكرينيش بالمتخلف ده، الحمد لله دهنت مرهم بتاع كدمات قبل ما أنام والحمد لله أحسن سنة.
ضحكت نور على تعبيرات وجهها وهي تتحدث:
- مش قادرة أنسى شكلك لما رجعتِ من عند يوسف كنتِ عاملة إزاي، ما سبتيش موظف يا عيني إلا لما طلعتِ عليه ظرابينك يا مفترية.
صاحت بها بغيظ:
- ما هو اللي الغرور راكبه وما هانش عليه حتى يطمن عليا وكنت على آخري، يلا بقى نصيبهم كده.
ضحكت نور بشدة ونظرت لها سلمى بتحذير أن تصمت.
شعرت سلمى بالقليل من الراحة بعد الحديث مع نور، فهي ملجأها الوحيد الذي يطوي صفحات الضيق والغضب كلما يتمادى عاصم بالحديث معها، فلا تستطيع إخبار يوسف بذلك حتى لا تثير غضبه وحدوث إشكال بينهم بسبب خلافاتهم المتكررة فهو يخاف عليها ويحبها كثيرًا.
بعد أن شعرت نور بأنها تبدو بخير الآن، أمدت لها بالمزيد من الحماس والطاقة الإيجابية لكي تتماشى مع الوضع الحالي، وأداء عملي أكثر فاعلية.
تركتها تكمل عملها وعادت هي الأخرى إلى مكتبها.
****************
اتصل محمود بطارق أثناء قيادته وهو بطريقه إلى شركة الجوهري، لتذكيره بموعده مع سلمى. أخبره بأنه في الطريق إليها وأنه على علم بالموعد.
توقفت السيارة أمام الشركة، ترجل من سيارته وهو ينظر إليها بتمعن. تقدم بضعة خطوات إلى أن أصبح بالداخل.
توجه إلى مكتب السكرتارية بعد أن ألقى التحية، نظر إلى السكرتيرة وقال:
- السلام عليكم، عندي ميعاد مع الآنسة سلمى الجوهري، ممكن أقابلها؟
ألقت نظرة على طارق الذي يقف أمامها بوسامة وجمود ثم إلى الحاسوب أمامها، تبحث عن وجود ميعاد مسبق له أم لا. بعد دقيقتين التفتت إليه قائلة:
- أه يا فندم، أستاذ طارق الإبياري؟
- أه مظبوط.
- ثواني أديها خبر.
رفعت سماعة الهاتف وأخبرت سلمى عن وجود طارق بالخارج بموعد سابق. أعادت السماعة إلى مكانها ثم نظرت له وقالت باسمة:
- اتفضل يا فندم، آنسة سلمى بانتظارك.
ابتسم لها شاكرًا، تركها وفي طريقه إلى المكتب اصطدم بعاصم دون قصد. نظر طارق إليه معتذرًا:
- آه أنا آسف، ما أخدتش بالي.
نظر إليه عاصم بنظرته المعتادة، من أخمص قدميه إلى خصلة شعره بريبة وتساؤل عن وجوده بالشركة، فإنه للمرة الأولى يراه:
- امممم، حصل خير، أي خدمة؟!
تعجب طارق من سؤاله، من هو كي يسأل عن سبب تواجده هنا:
- عندي شغل، في مشكلة؟!
******************
تركه طارق يحترق أكثر وينزعج أكثر من رد فعله وأسلوبه، ولم يعطِ له فرصة الرد على حديثه، وفي خاطره تساؤلات كثيرة.
وصل إلى مكتبها وقرع على الباب، دخل بعدما سمع الإذن بالدخول.
دخل طارق، وجد فتاة في أوائل العشرينات، تقف باتجاه النافذة وموجهة ظهرها إليه.
تنحنح طارق كي تدرك وجوده. التفتت إليه وكانت المفاجأة .......
اندهشت سلمى من وجوده بمكتبها في هذا الوقت، ودون شعور صاحت به بغضب شديد:
- أنت!!
من هذه؟! ومن أتى بها إلى هنا؟! وماذا تفعل؟! كل هذه التساؤلات تدور في مخيلته وتحتاج الإجابة عليها. نظر لها بنبرة اندهاش وتساؤل وهي تتقدم خطوتين إلى أن أصبحت أمام مكتبها ليصيح بها:
- هو أنتِ!! أنتِ بتعملي إيه هنا؟! كده كملت.
ردت باندهاش أكثر:
- أنت اللي بتعمل إيه هنا؟!
جلست على مكتبها. أشارت له بالجلوس هو الآخر، نظرت له واستكملت بنبرة جادة:
- جاي تكمل تهزيقك بتاع إمبارح؟! آخر حاجة ممكن أتصورها إني أشوفك تاني، خير.
نظر لها بحنق فتذكر حديث والده، زفر بضيق وقال وهو ممسك أعصابه:
- والله لو كنت أعرف إني هأشوفك هنا ما كنتش عتبت الشركة من أصله، غلطانة وبتقاوحي.
طرقت على المكتب بغضب وقالت وهي تشير للباب:
- مستني إيه، اتفضل وشوف أنت جاي هنا ليه أصلًا.
تنهدت بقوة محاولة منه الحديث بهدوء:
- واضح إن في سوء تفاهم.
عقدت ذراعيها ونظرت له بهدوء نوعًا ما:
- مممم، حضرتك طارق الإبياري، مش كده برده؟!
تجمعت الخيوط الآن أمامه بعد أن أدرك الموقف، ويبدو ما تم جمعه صحيحًا، نظر لها وقال بتأكيد:
- تمام، يبقى أنتِ ....
ابتسمت ابتسامة خفية وقالت بنبرة جادة وهي مسندة على مقعدها بوقار بعدما أدركت الموقف هي الأخرى:
- أيوه أنا، سلمى الجوهري.
وضحت آثار الدهشة أكثر على وجهه، غير معقول! إذا الفتاة التي صدمها بالسيارة وأوبخها بالحديث، والتي رآها في البارحة بالمستشفى هي سلمى الجوهري؟!!!!! إذا! تبقى تساؤل وحيد، من هو الذي كان يضمها إلى صدره وكانت في غاية الاستسلام له؟ فاق من شروده على صوتها:
- أحم، أستاذ طارق.
نظر إليها مطولًا ثم تساءل بفضول:
- عرفتِ منين إني طارق الإبياري؟
ردت بجدية وهي تنظر في عينيها بثبات:
- بعيدًا عن أن السكرتيرة بلغتني بدخولك واتفاجئت باللي خبطني بس عرفت إنه أنت.
ما شاء الله سمعتك سبقاك.
عقد حاجبيه بعدم فهم:
ـ يعني إيه مش فاهم؟
تنهدت سلمى براحة وقالت بمنتهى الهدوء:
- من أسلوبك معايا أدركت إنه أنت، أسلوبك الجاف مع البنات.. هو فيه كلمة تانية بس مش حابة أقولها.
رفع حاجبيه باندهاش:
- ياااه للدرجادي مسمع.. بس كلمة إيه دي؟
ردت بجدية:
- طبعًا الكل عارف طارق الإبياري معاملته إزاي مع الجنس اللطيف.. بلاش أحسن تزعل.
ابتسم بسخرية:
ـ قال جنس لطيف قال.. لا قولي مش هزعل.
أومأت برأسها بتفكير ثم قالت ساخرة:
- طيب أفتكر أنك إللي أصريت.. أسلوب متعجرف ومتعالي وزفت.
نظر لها مطولًا يستوعب ماذا قالت للتو، لهذه الدرجة ترى أسلوبه بهذا الشكل أم هذا رأي الجميع في معاملته؟
طال الصمت حتى قطعته:
- أنا مسمحلكيش على فكرة.
ردت بمنتهى الهدوء الذي يثير استفزازه:
- مالك اتعصبت كده ليه؟ أنت إللي أصريت تعرف.. ثم ده إللي بيتقال هو أنا جبت ده من عندي؟
نظر لها بغضب ليرد بحنق:
- متحكميش عليا من مجرد كلام.. لما تتعاملي الأول يبقى لسانك يتكلم.
ضحكت بشدة فهو عقد جبينه بدهشة وضيق من برودها وأسلوبها، لتنظر له وتقول باستنكار:
- والله البينة إللي تحكم.. طريقتك معايا من الأول لطيفة خالص.. تبين أد إيه إن معاملتك مرنة ومش مجبر تتعامل معايا.
رفع حاجبه باستنكار هو الآخر ولم يروق له كلامها، فرد سريعًا:
- بتتريقي حضرتك؟
ابتسمت سلمى ببرود:
- والله إللي على راسه باطحة.. أنت شايف إن أسلوبك معايا كويس أو مش كويس دي حاجة ترجعلك.. وعلى العموم ده مش موضوعنا اتفضل اتكلم في إللي كنت جاي عشانه.
نظر لها بجدية قائلًا:
- أولًا في بينا شغل، مصلحة يعني بين شركة الجوهري والإبياري، أظن عندك فكرة بالكلام ده.
أومأت برأسها وردت بنفس النبرة، عاقدة أصابع يدها:
ـ اها بخصوص صفقة الأدوية وإلا ما كنتش حددت معاك ميعاد.
ابتسم طارق وهو يقول:
- اها تمام ندخل في الموضوع....
بعد مرور أسبوع على مقابلة طارق وسلمى، والأمور بينهم على ما يرام نوعًا ما إلا ما يخلى من مشاحنات بينهم، وحديثها المليء بالبرود والهدوء الذي بين الحين والآخر يتعجب بشأنه، كيف لها أن تكون هكذا.. أيقن تمامًا حديث والده، فتاة ذات شخصية قوية تحب عملها وتتقنه.. أسلوب جاد في الحديث أو التصرفات، خاصة نبرة صوتها التي لا تتغير طوال فترة حديثهما، يشعر بوجود شيء غامض في حياتها ليجعل من فتاة في مثل عمرها بقدر من الجمال والرقة والتفكير بطبع حاد هكذا، فلا يستطيع التفوه بكلمة مازحة خارج الموضوع.
صارمة.. حازمة.. كلمتها كالسيف وهذا ما أعطاها مصدر ثقة كبير لكل عملاء الشركات من الصفقات والعقود رغم صغر عمرها، بالإضافة إلى سير العمل بشكل مبهر بغياب هاشم كأنه متواجد بقلب الشركة وأكثر.
ولكن لم يرَ ابتسامتها بعد، كأنها محذوفة من قاموس حياتها.. وعلى الرغم من تعاملاتها الجادة، إلا أنها تخفي بها نظرة الحزن التي تكسو عينيها، لا يتم ملاحظتها إلا من تمعن بهما جيدًا.
ولكن على الرغم من ذلك لم تثر إعجابه من ناحية التعامل، فهي جادة، عابسة الوجه كما يقول، لا تعطي للحديث أي فكاهة، نظراتها صارمة، أحيانًا يشعر بالملل أثناء التعامل معها؛ وهو يعلم إنه مجبور على ذلك بأمر والده.
عاصم منذ مرض هاشم وحجزه في العناية المركزة، وكل أمور الشركة أصبحت تحت سلطاته أكثر؛ باعتباره شريك مساهم بها، تغيرت تعاملاته مع سلمى بالتدريج تغير تمامًا، لم يعد عاصم التي تعرفه من قبل، فرض سلطته عليها وتحكماته بدون داعي.
على الرغم أن خطبتهما كانت بدون سابق معرفة تمامًا، وتمت بعد مدة ليست بطويلة بسبب شراكة والدهما على الأخص، إلا أن تعاملاته معاها كانت في منتهى الذوق والرقة، بشكل لائق وجذاب.. تلون بأسلوبه ولباقته، أحبته بالفعل لم تكن تعرف أن كل هذا ما هو إلا طبقة من قشرة ذهب، باطنها صديد متعفن.. تم اكتشافه بعد تغير معاملته لها، بعد ارتياد هاشم المشفى بفترة قصيرة، لم تكن على إدراك سر تغيره، أصبح قاسي الطباع.. عنيف.. عصبي.. يتشاجر على أتفه الأسباب وأبسطها، بداعي وبدون داعي.. ولكن كسر الحب من ناحيته في قلبها، ولكن فهو أولًا وأخيرًا خطيبها، تأجل زفافهما بسبب ما حدث، وهي على يقين أن ما حدث له بسبب غياب هاشم وكل شيء على عاتقهما.
فهو كان يعرف عنها الكثير من هاشم ومن مصادر أخرى.. يخطط لكي تقع في شباكه، وبالفعل حدث وتمت خطبتهم على الفور.
دخلت تهاني مكتب محمود بعد أن سمح لها بالدخول، حاملة صينية بها فنجان من القهوة المضبوطة المعتادة له، وضعت الصينية على سطح المكتب وجلست على المقعد المقابل له، تنظر له حتى ينتهي من عمله.
كان منهمكًا في دراسة الأوراق المبعثرة على سطح المكتب والتي بين يديه.
ترك الورق بعدما انتبه من وجودها، التفت إليها قائلًا:
- تسلم يدك يا حبيبتي.
ابتسمت له وهي تنظر إلى ساعة يدها قائلة:
- ميتحرمش منك أبدًا، مش كفاية شغل كده.. قوم ريح شوية عشان تقدر تواصل الشركة.
رد عليها وهو يفحص بعض الأوراق بتركيز دون النظر إليها:
- خلاص فاضل حاجة بسيطة أهو وهخلص على طول.. ثم طارق مش في الشركة عشان أريح شوية، لازم حد فينا يكون موجود.
صمتت بضعة دقائق بعدما رأت انشغاله هكذا، أرادت الاطمئنان على شيء ما.. فكسرت الصمت بعد ارتكاز ساعدها على سطح المكتب:
- متعرفش طارق عمل إيه في حكاية الشغل الجديدة؟
رد محمود وهو ما زال منهمكًا في عمله دون الالتفات لها:
- لا الحمد لله الأمور ماشية تمام، على الله يتعدل شوية معاها.
شعرت بقليل من الضيق على كلمته الأخيرة فقالت:
- متقساش على طارق كده يا محمود، على يدك بيعمل إللي عليه في الشركة وممشي الشغل كويس.
تنهد بهدوء، ترك الأوراق ونظر لها بوجه صارم ورد بنبرة جادة:
- عارف يا تهاني إن طارق راجل يعتمد عليه، بس عايز أحمله المسؤولية أكثر ويشوف التزامات الشركة أكثر، ما هي هتبقى بتاعته هو واخته في النهاية.. أفرضي جرالي حاجة ولا....
قاطعت تهاني حديثه بلهفة قبل إكمال حديثه بحزن قائلة:
- بعد الشر، ربنا يباركلنا فيك.. مش عارفة من غيرك هنعمل إيه.
تنهد بهدوء ورد بابتسامة صغيرة:
- كل واحد وله نهاية وأنا عايز لما نهايتي تيجي أكون مطمن عليكوا.
تهاني أدمعت عيناها وكادت أن تتساقط، نظرت إليه وقالت بنبرة حزينة منفعلة:
- متقولش كده تاني أنت سامع!! ربنا يطولنا في عمرك، متقلقش طارق من صلبك وقد المسؤولية، حملك عليه شوية، ما أنت شايف شايل الشركة إزاي معاك.
عيناه أدمعت هو الآخر، شعر بسعادة كبيرة لحب زوجته وخوفها عليه بهذا الشكل من مجرد كلمة، قام من مقعده واتجه نحوها.. ضمها بذراعيه من الخلف في حب، قبل رأسها وابتسامة لطيفة قال:
- بس يبعد عن الشلة البايظة دي أحسن حاجة.
يجلس طارق على إحدى الطاولات في النادي مع صحبته، حاملًا على ساقيه الحاسوب المحمول، يعمل عليه بانهمك، فمنذ مقابلاته بسلمى عندما يسمع اسمها من أبيه يتذكر ما تفعله به وكلماته التي يقصد بها مضايقاتها لأسلوبها البارد يضحك كثيرًا وهو يتعجب.. لذلك لما يجب أن يراها غاضبة، فتبدو جميلة وطفولية أثناء ذلك.
لفت انتباهه صوت إيهاب مازحًا:
- تعرف يا طروق أنا شامم في الصفقة دي ريحة جوازة.
ترك الحاسوب فجأة، نظر إليه باندهاش ورد بانفعال خفي:
- أنت بتقول إيه!! جواز لا لا أنسى.
ضحك إيهاب واسترد حديثه بازدراء:
- هههههه وأنت مستغرب ليه؟
اندهش طارق من حديثه الذي يكاد أن يكون جاد نوعًا ما، رد عليه بسؤال:
- إيه إللي خلاك تقول كده؟
ابتسم ابتسامة خبيثة واسترد حديثه مرة أخرى:
- يعني بنت حلوة وأبوها صاحب شركة كبيرة والصفقة مش صغيرة.
أدرك طارق ما يعنيه جيدًا، رد بضيق:
- جواز لا لا طبعًا، أنت اتجننت! اتجوز دي! ها ضحكتني على طول جد جد، الحياة مش كلها جد.. وعندية جدًا صعب التعامل معاها، عمري ما شفتها بتضحك، خايف لو اتجوزتها ترفع عليا قضية خلع عشان سبت نور الصالة والع.
ضحك إيهاب بشدة، وقال بثقة:
- ههههه بكرة تقول هوبا قال وهتشوف يا كبير.
انزعج طارق من أسلوب حديثه وثقته العالية فيما يقول، أدار وجهه إلى الناحية الأخرى تعبيرًا لعدم تقبل الحوار أو استغرابه، إن من الممكن تطور الأمر إلى الزواج، لا لا مستحيل بل من رابع المستحيلات.
عبث إيهاب وهو ينظر له بخبث:
- تصدق بقى أنا حاسس إنك أنت إللي ظالمها.. مش يمكن معاملتك معاها هي إللي مدياك الانطباع ده.. عمر أسلوبها يجي من فراغ.. لكل فعل رد فعل يا صاحبي.
نظر له مطولًا ولم يرد، يفكر في حديثه فقط، نوعًا ما هو محق ولكن لن يعترف بذلك ويراها هي المخطئة.
حزينة.. شريدة.. وحيدة.. تشعر بأنها وقعت على جذور رقبتها، كأنها بحلم جميل وأفاقت منه.
في العناية المركزة، سلمى جالسة على الأرض، ساندة جسدها النحيل على فراش هاشم، يتسلط ضوء القمر خفيف جدًا من نافذة الغرفة.
لم تكتفِ عيناها من هطول الدمع الغزير الذي أشبه بالأمطار، وهي تنظر إلى هاشم بحزن.. عادت بذاكرتها إلى ساعات ليست بكثرة من هذا اليوم.
"فلاش باك"
سلمى متجهة لسكرتارية عاصم، تستفسر منه على شيء ما، لاحظت عدم وجود السكرتيرة على مكتبها، أيقنت بالتأكيد إنها بالداخل.
أكملت طريقها إلى أن وصلت إلى باب المكتب، أمسكت بمقبض الباب وكادت أن تفتح.. أوقفها باندهاش صوت ضحكات عالية.. خليعة، ومزاح كبير.
اتسعت عيناها في خوف وقلق وتجاهلت ما سمعته حتى تتأكد بنفسها.. اقتربت بأذنيها على الباب لكي تسمع جيدًا ما يحدث بالداخل، وكان الحوار والمشهد كالتالي..
تجلس السكرتيرة الخاصة بعاصم على سطح المكتب، بطريقة غير مضبوطة وخليعة للغاية.. عاصم يقترب منها أكثر ويحاول مداعبتها..
ضحكت السكرتيرة بصوتها الرنان وقالت بدلال:
- وبعدين معاك يا أستاذ عاصم، ما يصحش كدة.
ضحك عاصم بخباثة وهو ينظر إليها، غارزًا أصابع يديه بين خصلات شعرها المنسدل على كتفيها:
- هو اللي ما يصحش... استني بس.
ابتسمت وردت بخلاعة:
- الله! أفرض آنسة سلمى جت وشافتنا.
عاصم باستهزاء قال:
- أنتِ هتخافي من سلمى ولا إيه؟! ولا يهمك منها.
لم تتحمل سلمى ما خطر بمسامعها، وضعت يديها على فمها وتمالكت سقوط دموعها، لم تنتظر كثيرًا، فتحت الباب على غفلة.
تجمدت في مكانها بصدمة ودهشة مما رأت، فتحت فمها من الصدمة، تساقط الدمع الغزير على وجهها، لا تصدق ما رأته.
نزلت السكرتيرة على الفور، نظرت لها من أخمص قدميها إلى خصلة شعرها بقرف وانفعال شديد، خرجت بسرعة وأغلقت الباب خلفها.
عاصم في حالة توتر وارتباك شديد، كأنه يقف على حد السيف أو على الأشواك، محاولًا إخراج نفسه من هذا المأزق سوى بعلو الصوت والغضب:
- إيه يا سلمى مش تخبطي الأول؟! يصح تدخلي من غير استئذان كدة؟
سلمى لم تستوعب ما يقوله، يرد بكل بجاحة كأنه لم يفعل شيئًا، نظرت له بانفعال وغضب:
- نعم! وأنت يصح اللي بتعمله ده؟! ها؟! وكمان بتبرر موقفك؟! أنت إيه يا أخي؟
رد بارتباك مبررًا بغضب:
- عملت إيه يعني؟! موظفة وكنت بمضيلها على ورق شغل مهم للشركة.
كادت أن تصفعه على وجهه، لكن تماسكت، أثار استفزازها وغضبها أكثر:
- لا بجد! وهو الشغل ما ينفعش غير بالمرقعة وقلة الأدب؟ إيه اللي قعدها كدة على مكتبك؟!
قام من مقعده واتجه نحوها يحاول أن يهدئ من روعها، رد بنبرة هادئة كأنه تفاجأ مما تقول بكل برود:
- إيه ده! هي كانت قاعدة على المكتب؟! لا لا كان مستهيالك مش أكتر.
سلمى لم تحتمل أسلوبه، كادت أن تنفجر غيظًا، ضربته على كتفيه بعنف والدموع سالت بغزارة أكثر على وجهها، ردت بانفعال زائد:
- أنت هتعميني كمان؟! إيه يا أخي حرام عليك، ما عندكش دم خلاص مش كفاية.
توتر عاصم وتوجس من حالة انفعالها ورد فعلها، حاول أن يهدئ من روعها، وضع يديه على كتفيها، أزالتها بكل عنف، نظرت له بحدة وانفعال:
- شيل يدك من عليا، ابعد عني.
عاصم اقترب منها أكثر مصطنعًا الرقة:
- سلمى يا حبيبتي ده شغل، شغل. أنتِ اللي في القلب، وأنتِ عارفة كدة كويس.
نظرت له وابتسمت بتهكم وعدم تصديق، استردت بحدة وصرامة وهي تنظر في عينيه:
- أنا اللي عرفاه كويس إني غلطانة إني وثقت فيك في يوم من الأيام.
خرجت راكضة على عجل من مكتبه، وظل ينادي عليها بانفعال وغضب.
"عودة"
فاقت سلمى من شرودها وهي ما زالت تفكر فيما حدث، نظرت إلى هاشم وما زالت دموعها منهمرة، تتحدث إلى حالها:
- عجبك يا بابا اللي أنا فيه، أنا استحملت كتير أوي عشان خاطرك، كده كفاية لحد كده، عمال يخون وبسامح زي الهبلة، لا يمكن أستمر معاه بعد كده، أنا تعبت بجد تعبت، امتى تفوق بقى وتخلصني من اللي أنا فيه؟ ما بقتش قادرة أستحمل، هو كان اشتراني عشان يعمل فيا كل ده؟! كفاية كفاية.
دفنت وجهها في الفراش وانهارت من البكاء إلى أن غلبها النوم.
*****************
تحرك يوسف في غرفته ذهابًا وإيابًا بقلق وخوف، وهو ينظر إلى ساعة يده بحيرة، تنهد بعمل وظل يفكر، كانت الساعة قرابة الثانية عشر منتصف الليل ولم تعد سلمى إلى المنزل حتى الآن، إلى أين ذهبت يا ترى؟
اتصل على الشركة، من الممكن أن تكون هناك، لا يوجد رد على الإطلاق.
ما العمل إذا؟ يشعر بالعجز، لا يوجد إلا حل واحد فقط، ولكن نظر إلى ساعته.
الوقت متأخر بالفعل، احتمال ضعيف أن تكون عند عمته سميحة إلى هذا الوقت المتأخر دون الاتصال به لطمأنته عليها، وإذا فعل وقام بالاتصال بها سوف يجعلها تقلق بشدة عليها، فما العمل يا ترى؟ فلا يوجد سوى الاتصال بنور صديقة سلمى المقربة، يمكن أن تعرف مكان وجودها أو تكون معها.
كان مترددًا في بداية الأمر، ولكن تغاضى وتناول هاتفه واتصل بها، توتر عندما سمع صوتها ولا يعرف من أين يبدأ الحديث:
- أحم السلام عليكم.
ردت نور بصوت نائم:
- وعليكم السلام، مين معايا؟!
يوسف بإحراج:
- أنا يوسف الجوهري أخو سلمى، آسف جدًا على الإزعاج.
نور اندهشت من اتصاله في هذا الوقت المتأخر، ردت بقلق وتساؤل:
- أها أهلًا أستاذ يوسف، خير في حاجة؟!
توتر أكثر بسؤالها، تنحنح واسترد حديثه:
- هي سلمى مش عندك؟!
نور اعتدلت جلستها على الفور باستغراب مما سمعت، نظرت على الساعة الموجودة بسطح الكومود:
- سلمى! لا مش عندي.
أنابه القلق أكثر، مسك قلبه بهدوء ورد بتساؤل حتى يطمئن قلبه قليلًا:
- ولا في الشركة؟!
قلقت نور هي الأخرى من تساؤلاته ونبرة صوته:
- احنا خلصنا شغل من بدري، وأنا روحت وسلمى نزلت معايا ووصلتني، معنى كلامك إنها ما روحتش.
جلس يوسف على أقرب مقعد وقلبه يدق بسرعة كبيرة جدًا، امتلكه الخوف وبدأت تراوده أفكار سيئة تكاد أن تكون حدثت لها:
- بجد! لا للأسف الساعة داخلة على 12 و5 دلوقتي، أنتِ قلقتيني بزيادة.
وضعت نور يديها على قلبها بقلق شديد:
- مش معقول! هتكون راحت فين دلوقتي؟!
شعر يوسف بأنه قلقها وأثار الرعب في عدم رجوعها، اعتذر قائلًا:
- أنا آسف على إزعاجك، أنا هنزل أدور عليها، فونها ما بتردش عليه.
تنهدت بضيق وردت بحزن:
- لا أبدًا ولا إزعاج ولا حاجة، أرجوك أول ما توصلها بلغني على طول، عايزة أطمن عليها.
تنهد بهدوء وقال:
- حاضر مع السلامة.
أغلق معها على الفور، تناول مفاتيح سيارته من الكومود، فتح باب الغرفة وركض على السلم في عجالة إلى أن وصل إلى البوابة.
استقل السيارة وقاد بسرعة جنونية، يفكر إلى أي مكان يمكن أن تلجأ إليه في هذا الوقت المتأخر، وكل الأفكار الشيطانية تحوم حول عقله، طرأ في خاطره شيئًا ما، انحدر بالسيارة بجنون يمينًا متجهًا إلى المشفى، يشعر بأن من الممكن أن يجدها هناك.
*****************
وصل إلى المشفى وخرج من السيارة وأغلق الباب بانفعال وركض إلى الداخل كالمجنون.
اتجه إلى العناية المركزة، وبالفعل كما توقع وجدها بالداخل، جالسة على الأرض بالقرب من فراشه، رأسها مدفونة بالفراش ساكنة دون حراك.
اندهش لرؤيتها بهذه الحالة، اعتصر قلبه وتنهد بضيق وحزن، اقترب منها ونزل إلى أن وصل لمستواها، محاولًا إيقاظها بهدوء وبصوت خفيض:
- سلمى سلمى اصحي يا حبيبتي.
رفعت رأسها بوجه نائم للغاية وآثار الدموع مطبوعة على وجهها، تألم لرؤيتها بهذا الشكل، نظرت له تتمتعن بالوجه الذي أمامها في الظلام، مسكت رأسها بألم:
- يوسف آه آه دماغي.
أمسك يديها في قلق وخوف، ورد بهدوء:
- مالك يا سلمى؟ إيه الدموع دي! قلقتيني عليك، كنت حاسس إني هلاقيكي هنا، بتعملي هنا إيه دلوقتي؟!
ردت بصوت نائم وحزين:
- كنت مخنوقة أوي، ما قدرتش أروح، رجليا جابتني على هنا، أتكلم مع بابا، متأكدة إنه سامعني وحاسس بيا.
يوسف:
- طب يلا بينا نكمل في البيت، ترتاحي شوية شكلك مرهق جدًا وتحكيلي على اللي حصل، يلا نور قلقانة عليك أوي لازم نطمنها.
قامت معه بكل استسلام، أثناء الطريق كان ينظر إليها بين الحين والآخر، وجدها حزينة، شريدة في عالم آخر، ساندة رأسها على زجاج النافذة.
وصلوا المنزل وأدخلها غرفتها كي تستريح قليلًا، عند باب غرفتها ظل واقفًا ينظر إليها بحزن وحيرة، كلما تذهب إلى المشفى تعود بتلك الحالة، ولكن اليوم أسوأ بكثير عن كل مرة، بداخلها ألم وحزن كبير ترفض البوح به، تنهد بعمق ودعى الله من قلبه أن يغير حالها ويصبر فؤادها.
خرج وأغلق الباب خلفه وعاد إلى غرفته، جلس على الفراش، تناول هاتفه واتصل بنور كي يطمئنها على عودة سلمى، ها هو آنذاك يستطيع أن ينام بسلام بعدما تطمئن على سلمى، ولكن خاطره مشغول بما حدث لها اليوم.
بعدما خرج يوسف، ارتكزت ظهرها على الوسادة، تعود بذاكرتها إلى ما حدث البارحة ودموعها تتساقط من مقلتيها بغزارة إلى أن غلبها النوم.
*****************
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى بجسد متعب ومجهد، وجع بالرأس، تشعر بالصداع الشديد.
قامت من الفراش واغتسلت وصلت فرضها بعدما أبدلت ملابسها.
خرجت من غرفتها ونزلت إلى البهو، وجدت يوسف ينتظرها على مائدة الطعام، لم يرد إيقاظها حتى تستريح وتأخذ كفايتها من النوم.
وقف مبتسمًا وجلسا معًا لتناول الفطور، لم يتحدث معها فيما حدث الليلة البارحة وانتظر إلى أن تكون بخير أولًا.
انتهت من فطورها وخرجت هي ويوسف على الفور، استقلت سيارتها متجهة إلى الشركة ويوسف إلى الكلية، مستقلًا سيارته هو الآخر.
وصلت إلى الشركة وصعدت إلى مكتبها، أثناء جلوسها وهي ما زالت تفكر فيما حدث، وقررت بأنها لا يمكن أن تصمت على ما حدث، إذا تعدى حدوده معها بعد ذلك يجب أخذ موقف منه حتى وإن كانت تحبه.
أثناء شرودها سمعت طرقات الباب، فاقت ونظرت له بعدما تنهدت بعمق وقالت بهدوء:
- أيوه مين؟!
فتح يوسف الباب بهدوء وأدخل رأسه وقال:
- ممكن أدخل؟!
ابتسمت سلمى بهدوء وقالت:
- طبعًا، تعالى يا يوسف.
دخل يوسف وجلس قبالها متأملًا إياها بامتنان، فاندعشت سلمى وعقدت جبينها لتقول بتساؤل:
- مالك يا ابني متنحلي كده ليه؟!
تنهد براحة وهو ما زالت عيناه معلقة عليها، ليرد بهدوء:
- اللي يشوفك النهاردة ما يشوفكيش امبارح.
تغيرت تعبيراتها للحزن لوهلة، ثم ارتسمت على ثغرها بسمة مصطنعة:
- أنا دلوقتي أحسن ما تقلقش، بس جسمي متكسر شوية.
يعرف جيدًا بأن هناك شيئًا كبيرًا قد حدث جعلها تغفل وتبيت بالمشفى بالقرب من والدهما، ولكن طريقة ردها تحاول بقدر الإمكان أن تغير مجرى الحديث، فقرر أن يتركها الآن، ابتسم وقال:
- ما هو النومة ما كانتش ظريفة خالص بصراحة.
بس الحركة هتفكِ.
ابتسمت حتى سمعت قرعات الباب لتدخل نور في حماس ولهفة، ولكن توقفت لوهلة وسيطرت على انفعالها عندما رأت يوسف جالسًا. ابتلعت غصتها وهي تنظر إليه وهو بدوره ابتسم بشدة لمجرد رؤيتها. طالت نظراتهم لمدة دقيقتين ثم نهض:
- طيب هسيبكوا أنا بقى.
قالت نور سريعًا بصوت مبحوح:
- هو إذا حضرت الشياطين ولا إيه يا أستاذ يوسف؟
فهم يوسف ما تعنيه جيدًا، فرد سريعًا ليوقف سوء الفهم الذي حدث:
- لا أبدًا والله إزاي تقولي كده. قصدي عشان تقعدوا مع بعض براحتكوا يعني، متفهمينيش غلط.
اكتفت نور بالإيماء وابتسامة صغيرة، ودعهم ثم خرج.
كل هذا وسلمى كانت تتابع بابتسامتها الرقيقة في صمت الأحداث وهي تنظر لنور بغرابة. جلست والأخيرة ثم أردفت:
- هو أنتوا إيه حكايتكوا أنتوا الجوز بس عشان عايزة أفهم. واحد يجي والتاني بسرعة يخلع سواء أنتِ أو هو. في إيه؟
نور بعدم فهم نوعًا ما:
- ولا حاجة يا لوما عادي يعني.
تنهدت بحيرة لتقول بطريقة سينمائية:
- الحكاية فيها أن وكان وصار وأخواتهما.
ضحكت نور بشدة على أسلوبها، لتحسم الحوار:
- عادي والله. هو زي ما قال يوسف كده عشان ناخد راحتنا. المهم اللي حصل إمبارح ده! دمي هرب لما يوسف كلمني وقالي إنك من صباحية ربنا مروحتيش.
تذكرت سلمى ما حدث وتغيرت ملامحها للحزن سريعًا، ثم ردت ساهِمة:
- كالعادة كنت بزور بابا. محستش بنفسي وأنا بحكيله، مدرتش بنفسي ونمت.
ربتت نور على يدها بحب، تشعر بآلامها وتقدر مشاعرها. تنهدت ثم قالت:
- طيب من فضلك خلي بالك مرة تانية. متعرفيش أنا مت من الخوف عليكِ إزاي. ربنا قادر يفوقه قريب متقلقيش كله هيعدي.
ابتسمت سلمى وردت برضا:
- ونعم بالله. اديني منتظرة الفرج.
*****************
يقال إن البرود له ناسه، وعاصم هو رئيس القبيلة. على الرغم مما حدث البارحة إلا إنه لم تهتز منه شعرة واحدة، كأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق بمنتهى البرود واللامبالاة.
لكن هذا ليس ما يثير تفكيره ويشغل خاطره. بل منذ أن رأى طارق وهو في اتجاهه لمكتب سلمى وأسلوبه معه، أثار غضبه وفضوله. أراد أن يعرف من يكون هذا الشخص ليتكلم مع عاصم السيوفي على هذا النحو.
جالسًا على مكتبه ومعه صلاح، الذي يعتبر ذراعه الأيمن ومنفذ لجميع مصائبه. نظر له بصرامة وبنبرة غاضبة قال:
- اسمع. عايزك تعرفلي كل حاجة عن البني آدم ده. أنت فاهم!
ابتسم بثقة قائلًا:
- متقلقش أعتبره حصل.
بنفس النبرة استرد حديثه:
- 24 ساعة وتعرفلي مين هو.
ثم نظر إلى الفراغ وهو يقول لنفسه: "أما نشوف حكايتك إيه معاه يا ست سلمى."
رواية صفقة حب الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء جوهر
في الكلية، خاصًة عند ملعب الباسكت.
ظلت سارة ممسكة هاتفها تلعب به وتتفحصه بعصبية، منتظرة انتهاء إيهاب تمارينه.
أشارت إليه عن بعد.
بعد أن رآها، اقترب منها وعلى وجهه ارتسمت عليه بسمة صغيرة.
تترقبه كلما يخطو بخطوات سريعة إليها، وقدميها تهتز بإنزعاج وضيق.
إيهاب إلى أن وصل إليها، ومازالت البسمة تعتلي شفتيه.
تناول حقيبته وأخذ منها منشفة صغيرة.
مسح وجهه وجلس بجانبها بكل هدوء وهو مدركًا حالتها العصبية التي تبدو عليها من قبل الاقتراب منها.
بينما هي ازدادت انزعاجًا من برود رد فعله، غير مبالٍ بحالتها.
التفت إليها باسمة وقال:
"يا أهلاً.. إزيك يا سارة عاملة إيه؟"
نظرت له بضيق هي الأخرى، مع رفع حاجبها الأيسر شذراً قائلة:
"على أساس إنك لسه شايفني من ساعتين."
ضحك وهو ينظر إليها:
"ههههههه وأنتِ مفيش حاجة بترضيكِ أبدًا.. ها خير."
استكملت حديثها بنبرة تحقيق قائلة:
"فين طارق؟.. راح فين؟.. من بعد ما خلصت المحاضرة ملهوش أثر، وفونه مغلق أو غير متاح."
إيهاب أومأ رأسه نافيًا لما تقول:
"وأنا أشعرفني هو فين!، ثم في إيه هو مافيش غير طارق في الكلية تسالي عليه."
استكمل مازحًا وقال:
"ثم مينفعش إيهاب يعني."
نظرت إليه شذرًا، وردت بإنزعاج:
"وبعدين معاك يا إيهاب هو أنا ناقصاك."
شعر بأنه يزيد من انفعالها أكثر، تداخل بهدوء قائلًا:
"طيب طيب متزعليش براحة على نفسك شوية."
حدقت في وجهه، وردت مصطنعة نفس نبرة التحقيق قائلة:
"امممم طارق فين؟.. أنت صاحبه وأكيد عارف مكانه."
ابتسم إيهاب بسمة خفية، أدرك فيما معنى استجوابها.
استدراجه إلى مبغاها ولكن لن يرسي معها إلى بر.
أصطنع التفكير ثم قال:
"اممممم عنده شغل يا ستي ها.. كده ارتحتي؟!"
نظرت له في ريبة و قالت:
"شغل فين ده؟!"
إيهاب انفعال قليلًا:
"أمرك عجيب يا ستي، وأنا أشعرفني بشغله فين."
أدركت لا فائدة من استدراجه بعد الآن، فهو صديقه المقرب ولن يتفوه بكلمة عن مكان تواجده، سوف تبحث بنفسها.
قامت على الفور بعد تناول حقيبتها، نظرت إليه بكل ضيق:
"ماشي أنا هتصرف، سلام يا إيهاب."
تركته وذهبت، ظل يتابعها بعينيه إلى أن اختفت.
قال محدثاً نفسه:
"سلام.. ربنا يستر عليك يا طارق."
لم ينتظر كثير.
تناول هاتفه وأجرى اتصال على الفور.
"ألو يا كبير."
رد طارق بإنزعاج خفيف:
"إيه يابني، مش عارف إني عندي شغل دلوقتي."
رد إيهاب، بينما يلحن أداءه وهو يتحدث:
"إنه القدر قادم إليك فاستقبله."
ضحك طارق بعدما أدرك مقصد إيهاب:
"إيه ده سارة.. اها عشان مشيت بعد المحاضرة على طول."
رد إيهاب بنبرة تنبيه:
"ألحق.. بس دي شكلها كده جايلك على الشركة."
استكمل ضحكاته على تصرف سارة، الذي كان يتوقع منها صدور تلك التصرفات.
رد بثقة:
"هههههه مش معقول يا سارة.. كمان الشركة!! على العموم هتروح مش هتلاقيني موجود، أنا في العربية وعندي شغل مهم."
تنهد بعمق وشعر بالاطمئنان، ثم تذكر شيئاً ما فقال:
"الصفقة دي؟ تقصد يعني مش هتقولي مين البنت بتاعة المستشفى دي؟"
طارق بهدوء وسرعة قال:
"اها هي، لما أشوفك النهارده أبقى أقولك، يلا سلام دلوقتي عشان وصلت."
أغلق طارق المكالمة، دقائق و وصل إلى الشركة.
وصلت سارة إلى الشركة بالفعل.
توجهت إلى مكتب السكرتارية.
"لو سمحتي عايزة أقابل أستاذ طارق.. ممكن؟"
ردت السكرتيرة بهدوء:
"للأسف يا فندم مش موجود.. نزل من ربع ساعة."
سارة أخفت اندهاشها وتساءلت:
"متعرفيش راح فين؟"
ردت السكرتيرة بنفس الحالة:
"معنديش فكرة.. عنده شغل برة."
سارة استردت بنفس النبرة:
"اها طيب هيرجع الساعة كام ولا متعرفيش بردو؟"
السكرتيرة بابتسامة قالت:
"أستاذ طارق ملهوش مواعيد محددة في العمل الخارجي.. لما بيخلص بيرجع على الشركة."
ردت باقتضاب:
"امممم ماشي شكراً."
خرجت سارة مسرعة والغضب يتملكها، تكاد أن تنفجر غيظاً.
لا تعرف ماذا تفعل الآن.
ترجل من سيارته ودخل إلى الشركة بكل برود وثقة.
ثم توجه إلى السكرتارية.
دقائق وكان يقرع على باب مكتبها.
سلمى في ذلك الوقت كانت منشغلة ببعض الأوراق والمستندات التي أمامها على سطح المكتب.
تحدثت دون الالتفات إلى الباب وقالت:
"ايوة مين؟"
فتح الباب وأدخل رأسه مبتسماً ثم قال:
"ممكن أدخل؟!"
تركت الأوراق من يديها وهي تنظر إلى ساعة يدها.
أشارت إليه بالقدوم:
"اتفضل يا أستاذ طارق في معادك مظبوط."
جلس طارق على المقعد المقابل لها، وهو يقول مبتسماً:
"بحب شغلي آه، بس بحترم مواعيدي."
سلمى ابتسمت بخفية وقالت:
"تمام أوي كده متفقين.. وأنا كمان.. ها نبتدي؟"
رد طارق بجدية وثقة:
"تمام.. لسه بعتلي إيميل هيردوا في خلال يومين بالكتير، لو كده هتم الصفقة."
عقدت أصابعها وهي تنظر إليه، متحدثة في ثقة:
"كويس جدًا إن شاء الله هيوافقوا، ده بيزنس كبير بالنسبالهم ومعتقدش هيضعوا صفقة زي دي من أيديهم."
طارق منبهر بثقتها وأسلوب حوارها، تبدو حقاً تدرك ما تفعله.
ابتسم وأيد حديثها:
"فعلاً كفاية العميل الأجنبي في الموضوع هيساعدنا في موضوع المعامل جدًا."
تنهدت وسندت ظهرها بالكرسي المتحرك التي تجلس عليه، وعادت إلى الخلف قليلاً.
استردت بجدية:
"لازم نعمل جهد شوية عشان الصفقة دي تتم، متعرفش مهمة بالنسبالي ازاي مش ليا أنا بس.. لا.. لبابا وللشركة وباقي الشركاء، عموماً لأن نسبة أرباحها فوق الـ 90% يعني نسبة الحد الأقصى مش قليلة لشركة زي دي يا أستاذ طارق، فمش عايزين تأخير أو تقصير، لو فيه أي حاجة هيبقى في وشي أنا لأني أنا إللي ماسكاهة حاليًا."
أراد أن يطمئنها أكثر بالعمل، فابتسم لها قائلاً:
"متقلقيش أنا عارف إنك بتحبي شغلك جدًا وجادة فيه."
اقتربت من المكتب وهي تنظر إليه في ثقة:
"طب كويس إنك عارف كده، ده هيسهل الشغل ما بينا."
طارق باسمًا:
"إن شاء الله.. بعد يومين هبعتلك الرد بتاعه."
نظرت له بابتسامة خفية وبثقة قائلة:
"تمام وأنا في انتظارك، أكيد هيوافقوا."
دقائق من التفكير قاطعتهما، بعد تردد التفت إليها قائلاً:
"أنتِ وراكي حاجة أو عطلتك عن شغلك؟!"
سلمى بثقة ردت قائلة:
"لا أبدًا، ثم أنت واخد مني ميعاد تبقي فين العطلة، عموماً كويس أن كان ميعادنا دلوقتي عشان عندي مشوار هام."
طارق استرد بنفس النبرة:
"تحبي أوصلك ولا حاجة؟"
سلمى باقتضاب نظرت إليه ولكن ردت بهدوء:
"لا ميرسي أنا معايا عربيتي مش عايزة حد يوصلني."
استعدا للخروج من المكتب، استأذن وترجل إلى باب المكتب.
ينظر إليها وهي تتناول حقيبتها وبعض الملفات في حوزتها.
نزلا من الشركة وكل منهم اتجه إلى سيارته.
وجدت سلمى هبوط عجلات السيارة.
وقفت حائرة لا تعرف ماذا تفعل.
قبل أن يستقل سيارته وجدها بهذه الحالة ولكن لا يعرف السبب.
اقترب منها بهدوء ليرى ماذا حل بها وإذا لزم الأمر يمكن مساعدتها.
نظر إلى السيارة وقال بإندهاش:
"إيه ده.. هي عملتها معاكِ؟"
تنهدت سلمى وردت بضيق وعصبية:
"آه للأسف الفردتين على الأرض.. أموت وأعرف ده حصل إزاي."
تم طارق ضحكاته، ولكن تعبيراته فضحت كل شيء.
فأشار إلى سيارته وقال:
"طب يلا تعالي أوصلك."
سلمى نظرت له بجدية وضيق بعدما لاحظت بأنه على وشك الضحك على الحالة التي تبدو عليها.
عاقدة ذراعها وقالت ببرود كي تثير استيزازه:
"لا شكراً أنا هاخد تاكسي.. مش عايزة من سيادتك أي خدمات."
أيقن بأن ما حدث لعجلات السيارة عقاباً لها على ذلك الأسلوب الذي قد اعتاد عليه بالفعل، فلن تتغير سلمى الجوهري.
فرد بكل تلقائية:
"تاكسي إيه وأنا موجود متعمليش ما بينا تكليف."
نظرت إليه مباشرة في عينيه وردت بابتسامة صغيرة وبكل هدوء.
ولكن بنبرة يفهمها جيداً:
"متخيل إني ممكن أركب معاك!!.. سوري."
شعر بأنه يريد أن يرتكب جناية من نبرة صوتها ونظرتها، من ذلك الطريقة التي لا تتغير في معاملاتها معه.
زفر بشدة وقال:
"تصدقي أنا غلطان عشان عايز أساعدك."
سلمى نظرت إليه بإندهاش على إصراره في الركوب معه، انْفَعَلَت وكاد صوتها أن يعلو:
"محدش طلب منك مساعدة.. ما قلت مش محتاجة حد يوصلني هستنى تاكسي، اتفضل شوف وراك إيه، ثم مابركبش مع حد غريب."
تعجب من رد فعلها.
وأخذ يتمتم في سره بضيق "يا لها من شخصية عصبية تنزعج سريعًا ولا تحتمل."
تركها وعاد إلى سيارته وأستقلها، جلس ربع ساعة ينظر إليها وهي في قمة كبريائها وعنادها تنتظر سيارة أجرة، لا يعرف سر وقوفه والنظر إليها هكذا ولم يذهب إلى الشركة، فضوله مع تلك الشخصية الباردة يريده أن يعرف رد فعلها بعدما خسرت عجلتان من سيارتها، هل تستمر في برودها أم ستحاول أن تجد حل.
ما أخر هذا الكبرياء يا ترى؟
أدارت وجهها للناحية الأخرى وتجاهلته تمامًا عندما شعرت بأنه مازال يجلس في سيارته وينظر إليها، تعجبت وشعرت بالضيق من طيلة نظراته إليها، لماذا يقف هكذا وماذا ينتظر؟
يا له من شخصية غريبة.
منْدهشة من بقائه طيلة هذه المدة ولا يتحرك، قررت أن تتجاهل وجوده واندهشت على عدم وجود سيارة أجرة مرت من هنا حتى الآن.
نظر إلى الساعة وجدها قد مرت عشر دقائق أخرى على وقوفهما هكذا دون نفع أو فائدة.
بعد تفكير عاد إليها مرة أخرى كي يرد كبرياءها، يدعو الله أن يلين هذا الكبرياء قليلاً وتستمع إليه.
وقف بجانبها وهي تشعر به دون أن تلتف إليه، ولكن تشعر بإنزعاج:
"ممكن كفاية عناد.. مفهاش حاجة لو وصلتك يعني، كده هتتأخري على مشوارك وشغلك و لا ملهوش أولوية؟!"
التفتت إليه سريعاً وإرتسمت على وجهها علامات الغضب من حديثه.
علمت بأنه يسترجع لها كلماتها منذ قليل بعد آخر اجتماع لهم، خاصةً تأكيداً على تقصيرها في العمل.
أرادت أن تثبت له ذلك.
نظرت له نظرة تحدي وهي تفكر وتشير عقلها قبل اتخاذ أي قرار.
وصل محمود الفيلا، استقبله الخادم وتناول عنه الحقيبة لكي يدعها في المكتب.
اتجه إلى الحديقة الداخلية في آخر البهو.
وجد تهاني جالسة على إحدى المقاعد المجاورة لحمام السباحة تتصفح الجريدة.
جلس بجوارها وألقى السلام:
"السلام عليكم."
التفتت إلى صوته وهي تلقي الجريدة جانباً.
نظرت إليه باسمة:
"أهلاً.. وعليكم السلام.. حمد الله على السلامة."
محمود باسمًا:
"الله يسلمك."
تهاني اعتدلت جلستها كي تكون موازية له أثناء الحديث، ثم قالت:
"جيت بدري النهارده، كنت في مشوار ولا حاجة؟"
تنهد محمود ورد دون تعبير على وجه:
"آه كنت في المستشفى بزور هاشم."
انتبهت إليه منصتة لحديثه:
"بجد!!.. وهو عامل إيه دلوقتي؟"
تغير معالم وجه إلي الحزن:
"الدكاترة بتقول احتمال يفوق قريب، لكن أمتى! .. الله أعلم."
تنهدت براحة وهي تقول:
"طب الحمد ربنا يقومه بالسلامة."
نظر لها ورد بنبرة محذرة:
"أمين يا رب.. بس اسمعي، متجيبيش سيرة لطارق بالموضوع ده."
اندهشت لكلماته وقالت متسائلة:
"ليه كده؟"
استرد بجدية:
"ابنك ماشي في الشغل كويس مع سلمى، صحيح حاسس بجمود شديد في علاقتهم، بس عايزه يكمل الصفقة معاها فسيبيها تعرف بظروفها."
استسلمت لكلماته بهدوء:
"ماشي اللي تشوفه."
التفت حوله وقال بتساؤل:
"هي فين نونا صحيح وحشتني العفريتة دي."
ضحكت تهاني وقالت:
"في كليتها.. مدوخاني مش عارفة أعملها إيه."
ضحك محمود ونظر لتهاني وقال بكل حب:
"ههههههه أنتِ هتوهي عن بنتك يا تهاني، هي عندية زي أمها."
محمود وتهاني ضحكا كثيراً:
"ههههههههه."
عندما يتملك الغضب والانتقام من صاحبه لا يرى أمامه أي شيء كان.
لا يريد سوى أن يحصل على ما يريد، وأن تحدث غايته ومبتغاه.
بأي ثمن كان هكذا يبدو عاصم من المرة الأخيرة عند لقائه بطارق، وتكلفة صلاح بالأمر.
وهو الآن في انتظار المعلومات.
من يكون؟ ومن أين أتى؟ وما العلاقة الناشئة بينه وبين سلمى.
مازال يفكر ويحدث نفسه، ليرى كيف التصرف بهذا الأمر.
"أكيد في حاجة بتتم في الشركة وأنا معرفهاش، بس أما نشوف يا سلمى."
دقائق ووصل صلاح إلى مكتبه، جلس على المقعد المقابل له.
ينظر له في اندهاش منذ إن وصل وهو شريد في عالم آخر.
أخذ ينادي عليه حتى يفيق من شروده.
"عاصم.. عاصم، أنت يابني."
أفاق عاصم من شروده، كم من مدة وهو يفكر في الأمر.
إلى هذه الدرجة يهتم من يكون هذا الشخص؟
على الرغم أنه التقى به مرة واحدة.
ولكن أسلوب حديثه جعله دافع للبحث وراءه.
نظر إلى صلاح وقال باهتمام وفضول:
"ها عملت اللي قلتلك عليه؟"
ابتسم ورد بثقة:
"مش قولتلك اعتبره حصل، بص يا سيدي ده طارق الإبياري."
قاطعه عاصم مستفهماً:
"ابن محمود الإبياري؟"
استرد صلاح حديثه:
"ايوووووة هو.. طارق محمود الإبياري، متخرج من كلية التجارة قسم بيزنس اممم إدارة أعمال.. ماسك الشركة طبعًا مع أبوه، بس شاطر في شغله جدًا وتخصصه ساعده جدًا في الإدارة، الظاهر كده في موضوع شغل تقيل أوي بملايين مع سلمى."
تحرك للخلف وللأمام بمقعده المتحرك في شرود، يفكر في حديث صلاح ويبدو عليه الغضب:
"بقى كده يا ست سلمى، دي أخرتها!!.. بتعملي صفقة من ورايا، لا ومش أي صفقة دي بملايين، أنا كنت حاسس بحاجة في الشركة من الأسبوعين اللي فاته ماشي يا سلمى."
تحرك عاصم بمنتهى العصبية وخرج من مكتبه.
اتجه إلى السكرتارية أولاً بعصبية:
"اتصلي بشركة الجوهري، شوفي الآنسة سلمى."
شعرت السكرتيرة بالإرتباك من حالته، فأجرت مكالمة لعدة دقائق، فتجهم وجهها وهي تنظر له منتظرة رد فعله، أنهتها وردت بهدوء:
"مش موجودة يا أستاذ عاصم، دي لسه خارجة من 10 دقايق."
نظر لها مندهشاً، استرد بغضب وانفعال:
"خرجت!! راحت فين ومع مين؟"
توجست أكثر من نبرة صوته، أردفت سريعاً:
"مع أستاذ طارق الإبياري."
أطرق بديه على سطح المكتب بغل وغضب، نظر لها واسترد بنبرة مقتضبة:
"طاارق!! متعرفيش راحوا على فين؟"
استردت السكرتيرة سريعاً:
"السكرتيرة قالتلي لو حد سأل عليا أنا في المستشفى."
توجه نظره إلى الفراغ، وقال بنبرة غضب:
"ماشي يا سلمى، أما أوريكِ واخدة الأستاذ وسحباه على المستشفى."
يبدو أن عاصم ينوي على شر، ولن يقف مكتوف الأيدي هكذا.
خرج من الشركة واستقل سيارته وقادها بكل غضب، متجهاً إلى المشفى.
طال النظر له إلى أن وصلت لحالة يمكنها أن تفقد برودها.
"على فكرة أنت بتضيع وقت.. ومنظرنا وإحنا واقفين كده مع بعض مش كويس ومش لطيف بالمرة ها.. اتفضل بقى من هنا بدل ما أفقد هدوئي."
يضحك طارق وكأنه قرب أن يصل إلى مراده:
"أنا بقى واقف كل ده ومستني للحظة الفقدان دي، من ساعة ما عرفتك وأنتِ هالة من البرود والاستفزاز مسيطرة عليكِ.. ولا حاجة خرجت عن شعورك.. فعندي فضول أشوف اللحظة دي، لحد امتى هتحتفظي بيها وبكبريائك."
شعرت سلمى بأنها سوف تنفجر في أي لحظة وتخرج عن شعورها من كلماته اللزجة، فقررت التماسك قليلاً، لن تناله مراده وما يتمنى أبداً، فعقدت ذراعها ونظرت له في ضيق ولكن تحدثت ببرود:
"لو ممشيتش من هنا هصوت وهلم عليك الناس وأقول بيتحرش بيا، والناس ماهتصق عركة وهيصهوا فيها، وساعتها مش هتمشي من هنا سليم."
رفع حاجبه في دهشة وصدمة من ردها الغير متوقع بالمرة، لقد تعدت البرود بمراحل، فقد دخلت مرحلة الجنون، وتلك الشخصية الغامضة لا يمكن أن يتوقع منها أي رد فعل.
ضحك بعدم تصديق ليقول:
"أنتِ اتجننتي حقيقي، لولا أنك بنت كنت اتصرفت تصرف تاني.. عامل بس اعتبار لأبوكِ وللصفقة دي وأشوف آخرة اللي بتعمليه ده إيه."
تركها بعنف وغضب شديد للغاية، لا يعرف لما ترك نفسه يقترب منها ويتمادى في مراقبتها بهذا الشكل، إلى أن يصدر منها هذا رد الفعل، قرر أن يتجاهلها تماماً ويأخذ موقف بعدما حدث، وبالفعل ركب سيارته وتحرك مسرعاً.
شعرت بالراحة من رد فعلها، وفي نفس الوقت بالضيق كأنها تمادت في معاملتها معه، ولكن أقنعت نفسها بأنه يستحق ذلك، من طلب منه انتظارها، فليتحمل نتيجة انتظاره إذاً، ولكنه كان قاسياً بالفعل.
نظرت لساعة يدها بالفعل تأخرت ولم تأتي سيارة أجرة حتى الآن، فمكان الشركة بعيد قليلاً عن الطريق العمومي، زفرت بحنق وضيق أكثر لما حدث، فتناولت هاتفها واتصلت بيوسف.
"ايوة يا يوسف.. أنت فين؟"
رد سريعاً:
"في العربية.. خير يا قلبي."
زفرت بضيق أكثر لتقول بإنزعاج:
"تعالى وصلني لإني مخنوقة وجبت أخرى، العجلتين نايمين و مفيش ولا تاكسي عدى من قدامي معرفش اللي حصل النهارده."
تنهد وحاول أن يمتص غضبها:
"طيب أهدي خالص ومضايقيش نفسك.. أنتِ فين؟"
ردت بضيق:
"قدام الشركة.. يلا بسرعة مستنياك."
رد يوسف وهو يزيد من سرعته:
"مسافة السكة.. سلام."
أغلقت المكالمة وعقدت ذراعها بضيق، وهي تتحدث لنفسها بعصبية وكلمات غير مفهومة، وكل دقيقة والأخرى تنظر في ساعة يدها بلهفة.
بعد قليل وصل يوسف وركبت سلمى بجواره، فأغلقت الباب بغضب شديد ثم عقدت ذراعها بغضب أكثر وهي تصيح به:
"اطلع."
نظر لها بدهشة وتعجب وبدأ يقود وهو ينظر لها ليقول:
"لا حول الله يا ربي، في إيه يا بنتي.. مش عصبية عجلتين نايمين أبدًا."
نظرت له بضيق لتقول:
"سوق وأنت ساكت يا يوسف.. بجد مش ناقصة كلام حاليًا وأنا فيا اللي مكفيني."
تنهد يوسف بحيرة وبدون أن ينظر لها تحدث بهدوء:
"طيب مين ضايقك بالشكل ده.. اتخانقتي مع نور طيب."
ردت سريعًا:
"لا طبعًا، ربنا ما يجيب ما بينا خناق.. هبقى أقولك بعدين يا يوسف، حقيقي مش قادرة أتكلم وأنا متنرفزة كده، لما أروح نبقى نتكلم.. المهم وصلني لبابا وأنا لما هخلص هاخد تاكسي."
ابتسم بحب وراحة لأنه جعلها تهدأ قليلاً، ثم قال:
"خلصي وكلميني، مفيش تاكسيات."
ابتسمت وأومأت برأسها بنعم.
دقائق ووصلت للمشفى، ودعته وصعدت متجهة إلى قسم العناية المركزة.
خرج عاصم من قسم العناية بعدما انتظر ظهور سلمى فلم يراها بعد، ودخل لممر أخر يبحث عن طبيب.
في ذلك الوقت الذي وصلت فيه سلمى لتدخل هي العناية ومنه إلى والدها.
يقود السيارة بضيق وهو يردد كلمات غير مفهومة بعصبية، نادماً نوعاً ما عن انتظاره ورد فعله، ولكن شيء يجذبه بفضول ليعرف سر غموضها، كأنها تخفي شيئاً لا تود لأحد معرفته، وكانت هذه النتيجة.
فلا يوجد نفع ولا فائدة منها.
قطع شروده رنين هاتفه، فتناوله من جيب حلته ليكون المتصل محمود، فبدأ المكالمة على الفور:
"أنت فين يا طارق؟"
رد بهدوء نوعاً ما ويريد السيطرة على أعصابه:
"أنا راجع الشركة، لسه مخلص مع سلمى.. بقولك إيه يا بابا أعفيني أنا من الصفقة دي."
غضب محمود لما سمعه، لم يتوقع منه بعد هذه المدة بأن يطلب منه هذا الطلب، تجهم وجهه وتسأل:
"ليه؟ اللي حصل ما كنتوا ماشيين كويسين."
انفجر طارق هنا دون إرادة منه، كأنه منتظر كلمة أو موقف صغير ليخرج عما بداخله:
"في إني مش قادر أتحمل أسلوبها ولا تصرفاتها معايا أكتر من كده.. منكرش إنها جد وشاطرة في شغلها.. بس خلاص."
حاول محمود أن يتماسك ليرد بهدوء نوعاً ما:
"يابني يا حبيبي مش سبق وقلتلك.. واديك قلت بنفسك أهو، يبقى إيه اللي جد في الموضوع عشان تسيب الصفقة بعد ما قطعت فيها شوت كويس."
زفر بشدة وأكمل:
"بس أسلوبها بارد وجامدة في التعامل.. مفيش مرة اتقابلنا فيها ومتخانقناش."
تنهد محمود بحيرة فلا يستطيع أن يشرح له شيء، فرد بهدوء شديد:
"معلش يا طارق هي طبعها كده يابني، أتحمل شوية لحد ما هاشم يفوق على الأقل."
زفر بشدة وصاح ليرد بحنق:
"أمتى بقى لإني جبت أخري من البنت دي."
هنا شعر محمود بأنه كان محقاً عندما طلب من تهاني عدم إخباره بإيقاظ هاشم قريباً حتى يكمل هو الصفقة ويتحمل قليلاً.
فكر قليلاً ثم قال:
"المهم.. قبل ما ترجع الشركة تروح على المستشفى عشان تجيب نتيجة تحاليل وأشعة والدتك."
تنهد بضيق وصمت لحظة:
"ماشي يا بابا.. سلام."
أنهى معه المكالمة وهو يفكر في هاشم الجوهري، يتمنى أن يستيقظ سريعاً كي ينهي تعامله مع سلمى بأي شكل، لذلك قرر أن يذهب إليه أولاً ليطمئن على حالته.
وصلت سلمى المشفى وقبل أن تخرج أوقفها يوسف قائلاً:
"أول ما تخلصي رني عليا عشان أجيلك."
أومأت برأسها باسمة ثم نزل من السيارة وتحرك يوسف مغادراً.
في نفس الوقت وصل طارق وصعد درجات السلم وعند الباب تقابلت أعينهم دون كلام، فقط كلماتها تتحدث في صمت، ضيق وغضب واستفزاز وبرود لكل منهما.
دخل طارق ولم يعطيها أي اهتمام، ودخلت خلفه وهي تشعر بالضيق منه، سارت بجانبه وأنتبهت بأنهم يسلكون نفس الطريق، نظرت له في دهشة ما الذي أتى به إلى هنا، لقد وصلوا لقسم العناية المركزة.
وزادت حيرتها أكثر عندما يقترب من غرفة والدها.
تلاقت عيناهما في صدمة عندما لامس طارق يداها بالخطأ وهما يفتحان باب الغرفة في ذات اللحظة، توترا وزال يداه سريعاً وهو يشعر بالإحراج، وهي كذلك وكانت أشد حرجاً.
رنوا لأعين بعض مدة قصيرة إلى أن قطعت هي الصمت عندما نظرت له وتكلمت بجدية:
"اللي جابك هنا؟"
قرر أن يرد لها ما تفعله معه بنفس الأسلوب:
"والله أنا أروح المكان اللي يعجبني في الوقت اللي يعجبني."
نظرت له بغضب، فأدركت حينها بأنه يرد لها ما فعلته، فقررت الدفاع بهجوم، لتصيح به بجدية:
"يا سلام!!.. يعني تيجي ورايا لحد هنا ده اسمه إيه."
زفر بضيق وهو يضع يداه على خاصرته:
"شوفتيني مشيت وراك!!.. أما أمرك عجيب صح."
تنهدت بضيق وعقدت ذراعها:
"أومال اللي جابك عند بابي."
نظر لها ورد بمنتهى البرود:
"جاي أزوره وأطمن عليه.. في مانع؟"
لم تجد رد أو دفاع لكلماته، فأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى وقالت بضيق:
"لا مفيش مشكلة."
دخلا إلى غرفة العناية المركزة وجلسا بجوار فراش هاشم.
غرفة مظلمة تنيرها ضوء القمر المنسدل من الشرفة، ينير الغرفة نوعاً ما مع وجود مصباح سهارة صغير بجوار الفراش.
نظرت سلمى إلى هاشم الغائب عن الوعي، الممدد على الفراش بسكينة وهدوء، ابتسمت وأشارت إلى طارق قائلة:
"بابا.. ده أستاذ طارق الإبياري، شريك معايا في صفقة الأدوية الجديدة.. يلا اتفضل سلم عليه."
نظر لها واندهاش من رد فعلها كثيراً، وعن طريقة تقديمه إليه هكذا، كأنه يعي ومدرك ما حوله.
ولكن نال إعجابه طريقة تعبيرها، ابتسم رغم عنه ونظر إليه قائلاً:
"احم إزيك يا أستاذ هاشم، أنا طارق أظن آنسة سلمى لسه عرفاك بيا، تشرف جدًا بمعرفة حضرتك، نوعدك أن الصفقة هتم وتكون أحسن لو حضرتك كنت موجود وعملتها بنفسك، ويا رب تقوملنا بالسلامة قريبًا."
الابتسامة تعتلي وجه سلمى رغم عنها من أسلوب رده، اندماجه فيما فعلت والاستمرار فيه دون تكلف أو اصطناع.
لاحظت إنه ينظر إليها أبدلت تعابير وجهها لتعود مثلما كانت.
فهذه المرة الأولى لرؤية ابتسامتها.
نظرت له بتعابير جدية قائلة:
"ها مش خلاص سلمت وأطمنت عليه مستني إيه."
شعر بالحرج، فقرر أن يلاعبها ويثير استفزازها، فقال بخبث:
"ها لا أبدًا، ممكن أستناك أوصلك؟"
سلمى نظرت له بضيق وضاعت عيناها، كأنها سوف تطلق نيرانها عما قريب:
"تاني!!.. اتفضل أنت يا أستاذ طارق عايزة أتكلم مع بابا لوحدنا.. ممكن؟"
أخفى ابتسامته وقال:
"اها طبعًا ماشي عن إذنك."
كان منزعج منها قليلاً، يحادث نفسه قائلاً بإنها تخصص إحراج.
ولكن هو من مهد لنفسه هذا الطريق بتدخله فيما تفعل بسبب فضوله.
خرج طارق من العناية وتركها تنفرد بوالدها قليلاً.
لم يستطع الذهاب وتركها بالداخل، لديه فضول عجيب يجذبه نحوها، عن تلك الشخصية العجيبة؛ على الرغم من استفزاز أسلوبها.
إلا إنها تبدو تخفي شيئاً ما بداخلها.
الآن كل ما يشغل خاطره شيء واحد، عندما تذكر رؤيتها للمرة الأخيرة في المشفى من ذاك الشخص الذي كان متواجد معها واحتضنها هكذا؟
ظل يراقبها خلف زجاج العناية دون إصدار صوت.
شردت سلمى وتناست نفسها مثلما تفعل كل مرة، عندما تأتي إلى هنا وتقص على هاشم كل ما تفعله بصفة يومية.
فهي اعتادت على زيارته كل يوم في نفس الميعاد أو متأخر قليلاً.
ينتظرها طارق في الخارج، يراها وهي تتحدث معه.
كأنه يراها ويسمعها.
تأملها قليلاً وجدها على الرغم شدة قوتها وصلابتها من الخارج.
إلا إنها تبدو كالطفلة من الداخل تحتاج إلى الحنان واللطف، إلى وجود شخص يشعر بها ويحنو عليها، إلى يد تربت عليها وتنسيها كل متاعب وشقاء يمكن أن تكون مرت بها في حياتها.
شرد معها وبها.
عاد عاصم إلى العناية بعدما انتهى من إجراء مكالمة، شعر بالغضب الشديد عندما رأ طارق يقف أمام زجاج العناية.
اقترب نحوه وأمسك بمنكبه بشدة.
تفاجأ طارق وفاق من شروده على قبضة عاصم.
التفت إليه قائلاً بنبرة جادة منفعلًا:
"إيه اللي عملته ده! .. أنت مين؟"
عاصم بغضب:
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
اندهش طارق كثيراً من هذا التساؤل من هذا الشخص الغريب، نظر إليه واسترد بنفس النبرة:
"وأنت مالك أنا بعمل إيه هنا، وأنت مين أصلًا عشان تسألني."
دفعه عاصم إلى الوراء من منكبه، حتى اصطدم بالحائط:
"رد على قد السؤال بتعمل إيه هنا؟"
طارق استشاط الغضب والدم في عروقه بعد هذه الحركة، دفعه هو الآخر بإنفعال وغضب:
"أوعى يا أستاذ أنت ابعد عني، وأنت مالك مش لما أعرف أنت مين!!"
ازداد غضب عاصم هو الآخر، رتب هندامه بعصبية واقترب منه:
"أنا هعرفك أنا مين..."
دبت مشاجرة حادة بينهم، كل هذا وسلمى في عالم آخر، لا تشعر بأي شيء ولا تسمع شيئاً حتى الآن ما يحدث بالخارج.
شعرت بوجود حركة غريبة وغير منتظمة بالخارج، شعرت بالتوجس والقلق.
قامت على سرعة بعدما مسحت آثار الدمع على وجهها.
اتجهت نحو الباب وفتحته على الفور.
صرخت بشدة.
ووضعت يداها على فاهها من الصدمة، عندما وجدت شجار كبير يشوب بين عاصم وطارق.
من أين أتى عاصم؟ وماذا يفعل هنا؟ ولماذا لم يغادر طارق بعد؟
حاولت فض الشباك بينهم وهي تصرخ وتبكي من هول ما تراه من عنف.
محاولة فهم ما يحدث أو ما حدث.
ولكن كانا يتكلما في وقت واحد.
لم تعد تحتمل بعد، صرخت قائلة:
"إيه ده!! بس بس أنت وهو، سيبه يا عاصم ابعد عنه."
عاصم بصوت عال:
"ابعدي أنتِ يا سلمى.. اسكني خالص، حسابك معايا بعدين لازم أربي الحيوان ده."
أكمل شجاره معه، دفعه طارق قائلاً:
"متحترم نفسك يا أستاذ أنت.. أنا ساكتلك من ساعتها ومش عايز أتكلم وابعد عنها أحسنلك."
فضت الشباك بينهم وهي تنظر إلى عاصم بإنفعال:
"أنت بتهددني ولا إيه، لا بجد أنت حقيقي زودتها أوي، سيبه يا عاصم بقولك ابعد عنه."
انفعل عاصم بها وازداد علو صوته:
"مش سايبه لما أعرف البيه بيعمل معاك هنا إيه."
انفعلت سلمى أكثر، حتى كاد الدم أن ينفجر من عروقها وهي تفض بينهم للمرة الثالثة:
"وأنت مالك أنت بقولك سيبه يا اخي اوعى كده."
لم يحتملها عاصم وهي تدافع عنه وتفض بينهم.
دفعها بقوة حتى وقعت أرضاً طريحة تتألم من قوة الدفع.
لم يتحمل طارق ما فعله عاصم للتو.
من دفعه لها بهذه الطريقة، كان يخاف عليها كثيراً في ذاك الوقت.
غلا الدم في عروقه، انقض عليه ولكمه لكمة قوية قائلاً:
"أنت اتجننت!!.. ازاي تزقها كده."
عاصم مسك وجهه من قوة اللكمة، ورأى آثار الدم منصبة على يديه.
شعر بالغضب أكثر، فانقض عليه هو الآخر:
"وأنت مالك يا بني آدم أنت."
دفعه طارق بقوة إلى أن وقع أرضاً، ركض سريعًا إلى سلمى.
التي كانت ترتجف خوفاً وقلقاً لما يحدث بينهم.
ساعدها على النهوض ومسح دموعها بسرعة، وهي ممسكة بذراعه ومازالت تبكي وهو يطمئنها إنها سوف تكون بخير.
نظرت إلى عاصم وقالت وهي تزرف الدمع بحرقة:
"لا بجد مش قادرة خلاص أستحمل أنا تعبت."
عاصم على ما يبدو انتفى عقله بالفعل، لم يضع بإعتباره ما فعله بها للتو، ومازال مبرمجاً في غبائه وانعدام تركيزه:
"متغيريش الموضوع مين ده يا سلمى؟"
مسحت دموعها ونظرت إليه في تحدي، استردت بصرامة:
"أستاذ طارق شريك معايا في الصفقة الجديدة، خلاص ارتحت."
ارتفعت نبرة صوته بغضب:
"آه قولي كده بقى، بتعملي من ورايا صفقات من غير ما أعرف؟، من ورايا يا سلمى؟!"
سلمى بإنفعال:
"وأنت يهمك في إيه الشركة ولا أصحاب الشركة، كل اللي همك الأرباح وبس، لكن شغل مفيش، أنا اللي شايلة الشركة دي ومتنساش أنا رئيس مجلس الإدارة هنا وأي شغل مهم للشركة باخد قرار فيه مع باقي الشركاء.. وسيادتك ابن الشريك يعني ملكش أي قرار أنت فاهم."
عاصم استرد بنفس النبرة:
"لا مش فاهم يا سلمى وأنا زيي زيك في الشركة دي، تعالي نتكلم في الشركة."
جذب ذراعها بشدة حتى تألمت سلمى كثيراً، انتزعها طارق من بين يديه بقوة وخبأها خلفه حتى لا يقترب منها مرة أخرى.
فصاح به بغضب:
"لااااااا أنت زودتها أوي، ابعد عنها وإياك تقربلها أنت فاهم."
عاصم ابتسم بسخرية:
"لا مش فاهم..."
تناول سلاحه الناري من داخل سترته السوداء، أطلق عيار ناري على طارق وهرب سريعاً.
صرخت سلمى بشدة وانهيار وهي ممسكة به، وهو يقع أرضاً متألماً من شدة الضربة.
تجمع كل من في المشفى آثار صوت إطلاق النار.
لم يكن في ممر العناية أي شخص كان، هدوء تام أثناء الشجار.
تفرق المجتمعين، منهم من يسعف طارق ويوقف النزيف واستدعاء الطبيب.
ومنهم من يركض خلف عاصم محاولاً الإمساك به.
ظلت سلمى تصرخ بشدة، بخوف وألم.
تشعر بالعجز، لا تعرف ماذا تفعل.
كل ما حدث كانت هي السبب المباشر فيه.
سلمى بإنهيار تحاول إفاقة طارق بأي طريقة وهي تصرخ:
"أستاذ طارق.. طاارق.. طااااااااااااارق."
رواية صفقة حب الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء جوهر
حاولت نور الاتصال بسلمى كثيرًا. الهاتف مغلق أو غير متاح. سألت عنها السكرتارية، فعرفت بأن لديها عمل في الخارج، ومن المفترض أنها أنهت زيارتها للمشفى مبكرًا لحضور الاجتماع، ولكنها تأخرت.
***
سلمى لا تزال تبكي بشدة مما رأته، وهي تحاول إفاقة طارق بصياحها:
"أستاذ طارق.. طارق طااااارق فوق أرجوك.. حد يلحقنا."
في هذه الأثناء تجمع كل من بالمشفى من أطباء وخلافه حولهم. طارق فتح عينيه أخيرًا وهو ممسك ذراعه من الألم. فقد أصابت الرصاصة منكبه. بينما هو غارق في ألمه ودمائه، نظر لها وحاول تهدئة روعها قليلاً. لأول مرة يرى ضعفها.
"أنا كويس الحمد الله.. جات سليمة."
مسحت سلمى دموعها وصاحت به:
"سليمة إيه بس مش شايف بتنزف؟"
رد بألم ونبرة صادقة بالفعل:
"المهم أنتِ كويسة؟"
أجابت بنبرة شبه هادئة، تناست فيها خلافهما تمامًا نوعًا ما:
"كويسة.. المهم أنت سيبك مني دلوقتي."
لم يجب عليها فقد تم حمله على الترولي وإلى غرفة العمليات على الفور، فقد نزف كثيرًا من الدماء.
هدأت سلمى قليلًا ولكن قلبها ما زال متوترًا ويداها ترتعش. تخشى أن يحدث له شيء بسببها. بعد قرابة نصف ساعة خرج طارق من غرفة العمليات، وتمت إزالة الرصاصة بسلام وتم نقله إلى غرفة عادية كي يستريح.
قرابة الخمس دقائق دخلت سلمى بعد خروج الطبيب. جلست بجواره حتى يستفيق. ارتسمت بسمة لا إرادية عندما وجدته يحاول فتح عينيه، فأقبلت عليه بهدوء قائلة:
"حمد الله على سلامتك."
رد طارق باسمًا بعفوية:
"الله يسلمك."
استردت حديثها بنفس النبرة:
"أنت كويس دلوقتي؟"
أجاب طارق بإرهاق بسيط:
"الحمد الله بقيت أحسن."
رغم ما حدث ولكن سلمى الفضول كاد أن يقتلها. يوجد شيء لا تعلمه. تطلعت إليه وتغيرت نبرتها إلى علامات استفهام قائلة:
"الحمد الله.. هو إيه اللي حصل بالظبط عشان يحصل كل ده؟"
توتر طارق من نبرتها، فكيف يبرر ما حدث. اقترح بأن يخبرها الحقيقة فقال:
"مفيش.. كنت واقف برة عند العناية لقيت مرة واحدة الأستاذ ده بيقولي أنت مين وبتعمل إيه، سؤال عجيب هو ماله أصلًا وقام دبّت خناقة."
تفاجأت سلمى من كلماته فشعرت بالضيق والدهشة، ولكن رد بهدوء تام وجدية:
"امممم أفهم من كده إنك ممشيتش واستنيتني. لو كنت مشيت مكنش حصل اللي حصل."
نظر لها طارق لا يعرف ماذا يقول. هو نفسه لا يعلم لما فعل هذا من الأساس. لا يستطيع أن يعترف أمامها إنه كان ينظر إليها ويراقبها خلف زجاج العناية بدون هدف أو مبرر محدد، وإلا سوف يكون في موقف محرج له للغاية. فلن يدع لها الفرصة كي تستخف به أو تحدثه بأسلوبها المستفز هذا مرة أخرى. فلم تكن هي هدفه الأساسي لزيارة المشفى في هذا التوقيت، فرد ببرود سريعًا:
"هو أنا واقفلك مثلًا، ما أقف في المكان اللي يعجبني."
شعرت بالغرابة أكثر والضيق من رد فعله. فنظرت له وقالت بنبرة جادة ومنفعلة:
"لا والله.. ربنا ستر على اللي حصل ده. مكنتش جيت مكنش حصل كده."
حاول طارق التغاضي عن انفعالها، وكأنها محور الكون كي يتركه ويذهب خلفها أينما تكون. وعلى صميم بأنه يراقبها، فمهما قال لن تصدق أن لقاءهما كان مجرد مصادفة ليس إلا. تنهد بقلة صبر ورد بألم:
"أولًا أنا جيت في الأساس عشان أجيب تحاليل وأشعة والدتي، وقلت بالمرة أطمن على أستاذ هاشم، يعني مش جايلك مخصوص ولا ماشي وراك."
نظرت له ولم ترد. تكره انتصاره عليها بهذا الشكل. ظلوا في هذا الوضع بضعة دقائق وكل منهم أدار وجهه في ناحية مختلفة متجنب الآخر. ليقطع صمتهما بفضول وتساؤل:
"آه صحيح هو مين الحيوان اللي ضربني ده؟"
نظرت له سلمى باستنكار وهي ترفع إحدى حاجبيها قائلة:
"امممم الحيوان ده يبقى خطيبك."
نزلت تلك الكلمة على طارق كثقل الجبل فوق رأسه. مشاعر متداخلة وغير مفهومة. حزن، ضيق، وإحراج. لجم لسانه وعقله لحظة واحدة. فلم يكن لديه اكتراث من قبل كي ينظر إلى يداها. لا يعرف لما يشعر بالحزن عندما علم بشأن خطبتها. لا يعرف توضيح مشاعره. فاكتفى بالاعتذار منها قائلاً:
"احم.. أنا آسف مكنتش أعرف إنه خطيبك."
شردت لحظة في حزن ثم تنهدت ونظرت له قائلة بنبرة هادئة:
"ده يبقى ابن شريك بابا، ماسك شغل باباه لأنه مسافر 6 شهور حاليًا عقبال ما يرجع.. وطبعًا الطرفين عشان يكبروا الصفقة لازم بمشروع جواز."
طرق في ذهنه سؤالاً بديهيًا، فقال دون تفكير:
"وعلى كده بتحبيه؟"
لم تستطع التغاضي عن هذا السؤال. فلن تسمح له بالاقتراب منها هكذا أو يقتحم حياتها الشخصية بهذه البساطة. لن تسمح له على أي حال. فرمقته بنظرتها وقالت بجدية بالغة:
"أظن دي مسألة شخصية ملكش إنك تدخل فيها وﻻ إيه يا أستاذ طارق! .. على العموم حمد الله على السلامة مرة تانية."
شعر بالإحراج للمرة الثانية. يبدو سلمى تخصص وضع من أمامها في هذه المواقف. ويبدو أن سؤاله ليس مناسبًا على ما يبدو عليه داخل غرفة بمشفى.
لحظات وسمعت نغمة هاتفها. تناولته واستأذنت لتخرج وتجيب. كانت المتصلة نور:
"ألو أيوه يا نور."
اندفعت نور عندما سمعت صوتها وصاحت بها:
"أنتِ فين يا بنتي؟ روحتلك الشركة السكرتيرة قالتلي عندك شغل برة وعارفة إنك رايحة المستشفى.. أتاخرتي ليه كل ده مش عارفة إن عندك اجتماع!"
تذكرت سلمى ارتباطها بالشركة. فتحت فاها بشدة وطرقت كفها على جبهتها وهي تستجمع ذاكرتها لترد بصدمة:
"يا خبر!! .. أنا اتلخمت في اللي حصل لي ونسيت موضوع الاجتماع ده خالص."
صاحت بها نور بنفس النبرة:
"حصل إيه؟ أنا من ساعتها قلقانة عليكِ."
قصت عليها سلمى ما حدث. قلقت نور للغاية ولم تصدق بأن عاصم تصدر منه تلك التصرفات المشينة. صاحت بها في قلق:
"يا خبر.. أنتِ فين دلوقتي؟ .. كويسة؟"
تنهدت سلمى بعمق ثم ردت بكل هدوء:
"الحمد الله.. المهم هو اتضرب بالنار بسببي."
أنهت معها نور المكالمة في لهفة:
"طيب طيب أنا جايلك سلام."
أنهت سلمى المكالمة وعادت لطارق مرة أخرى. جلست والفضول كاد أن ينطق من عينيه يريد معرفة من المتصل لتخرج ترد هكذا بهذه السرعة. فلا يعرف من أين أتى بهذا الفضول نحوها. فأجابت عليه دون التفوه بكلمة كأنها تشعر بما يدور في عقله. فنظراته لها كانت تنطق قبل لسانه:
"سوري كانت صاحبتي بتطمن عليا.. كان عندي اجتماع بس اللي حصل نساني كل حاجة."
اطمأن ولكن شعر بالأسف على ذلك. فرد سريعًا:
"يا خبر.. أنا آسف الظاهر إني اتسببت لك في مشاكل بمجيئي هنا."
نظرت له بضيق وكأنها تقول له هلا تذكرت الآن واعترفت. ولكن تغاضت عن مجادلته فتنهدت بعمق وردت بنبرة ضجرة:
"اللي حصل حصل خلاص مفيش داعي.. للأسف هو اللي متهور شوية أنا اللي بتأسف لك عن اللي حصل بسببي."
ارتسم على ثغره بسمة صغيرة وهو يقول:
"لا مفيش داعي للأسف.. كمان أنا قلقت عليكِ من تصرفاتها."
اكتفت بابتسامة مجاملة ولم ترد. مرت عشر دقائق وسمعا قرع على الباب. دخلت الطارق وكانت نور. اقتحمت بلهفة وهي تقول:
"ألف سلامة عليك يا..."
لجم لسانها عندما رأت طارق بجوار سلمى. ما هذا!! وهو أيضاً تفاجأ بوجودها. شعرت سلمى بالغرابة من هذا الموقف فلم تفهم سر تجهم وجهها بهذا الشكل. فأقبلت عليها حتى لا تشعر بالإحراج قائلة:
"أهلًا يا نور.. إيه مالك في إيه؟"
لم تنتبه نور لحديثها، فقط تركيزها منصب على وجود طارق وهو طريح الفراش هكذا. ركضت إليه وصاحت به بلهفة وهي تتفحص وجهه وجسده:
"طارق!! أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت كويس؟ إيه اللي حصل؟"
تطلع إليها بغرابة. من أين تعلم بتلك الحادثة. فقال سريعًا:
"أنتِ اللي بتعملي هنا إيه يا نور؟"
تجلس سلمى بينهم ولم تفهم أي شيء بعد. من أين يعرفون بعضهم البعض. ولماذا أقبلت عليه بتلك اللهفة والشوق؟ وماذا يحدث بينهم؟!
***
عاصم في وقت هروبه من المشفى، قاد سيارته بسرعة جنونية والخوف والرعب يتملكه بشدة. وﻻ يعرف ماذا يفعل بعد ما حدث. اعتقد بأن الرصاصة أدت إلى وفاته. أوقف سيارته بسرعة على جانب الطريق وقام بمهاتفة صلاح. انتظر إلى أن تم الرد عليه فصاح به بغضب وإنفعال:
"ألو أنت فين يابني؟!"
تفاجأ صلاح من انفعاله وصاح به بلهفة هو الآخر:
"في الشركة إيه مال صوتك؟"
رد عاصم بنفس النبرة:
"أنت لسة هتسأل يلا تعالي مستنيك في كافيه..."
أغلق صلاح معه مسرعًا:
"طيب طيب مسافة السكة."
قاد سيارته واتجه إلى المكان المنشود. دقائق ووصل صلاح وهو يبحث عاصم. إلى أن رآه يشتعل في مكانه وهو يشرب سيجاره بكل انفعال وغضب. جلس على طاولته وهو يقول في قلق:
"خير اللي حصل؟ مين اللي بهدلك كده؟"
قص عليه عاصم ما حدث. كل هذا ويستمع إليه صلاح بدهشة. فرد بصدمة:
"يا خبر ضربته بالنار وبعدين..."
رد عاصم بنبرة منفعلة:
"مش عارف أنا اتعصبت منه طلعت المسدس ضربته وهربت على طول."
صلاح بنفس النبرة والدهشة:
"طب وهو حصله إيه؟ مات؟"
عاصم بنفس النبرة وهو يطلق الدخان في الهواء بعصبية:
"مش عارف، مصيبة ألا يكون جراله حاجة لازم نتصرف بسرعة."
شرد صلاح قليلاً ثم قال بتردد:
"طب وهتعمل إيه ف..."
لم يستطع إكمال حديثه، فصاح به عاصم:
"ما تنطق في إيه."
ابتلع غصته وقال بقلق:
"أنت ناسي إن سلمى شاهدة على اللي حصل. أفرض لو جراله حاجة هتشهد عليك."
عاد عاصم بظهره إلى الخلف وهو يطلق دخان سيجاره بشدة. وعلى ثغره بسمة خبيثة. تطلع إليه ثم قال بكل ثقة:
"لا متقلقش سيبك منها دلوقتي أنا هعرف أتصرف معاها كويس."
***
سارة منذ أن خرجت من الشركة أصابها الجنون. ﻻ تعرف إلى أين قد رحل كل هذا الوقت. حتى هاتفه لم يتم الرد عليه. مرت عدة ساعات وعادت إلى الشركة مرة أخرى ولم يأتي بعد. بعد مدة من اليأس هاتفت إيهاب.
يجلس إيهاب في منزله. تلقى العديد من الرسائل النصية مرسلة من سارة. لا يريد فتحها أو قراءتها حتى كنوع من العقاب. دقائق وسمع رنين هاتفه وجد المتصل سارة. تردد كثيرًا فتناول هاتفه ورد على مضض:
"ألو أيوه يا سارة في إيه تاني."
صاحت فيه سارة بغضب:
"صاحبك فين يا إيهاب! من الصبح وهو مبرددش عليا ولا بيكلمني.. حتى أنت كمان مطنش مسدجاتي هو في إيه بالظبط؟"
تنهد بضجر ثم قال بضيق:
"ولا حاجة يا ستي هيكون في إيه يعني أكيد في الشغل يعني."
ردت بإنفعال كبير، لأنها على يقين بأنه لا يقول الحقيقة:
"شغل! شغل إيه ده أنا لسة جاية من الشركة لتاني مرة ومش موجودة."
شعر بالقلق بالفعل. لقد تأخر في موعده مع سلمى. هدأ من روعه قليلًا كي يحسن التفكير، ثم تساءل باهتمام:
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
تنهدت بضيق ثم قالت:
"داخلة على 5 كده."
لا لقد تأخر عن المعتاد. حاول أن ينهي معها حاليًا حتى يستطيع الاطمئنان على صديقه ويعرف ما حدث. فرد بنفاذ صبر كي لا تشعر بشيء:
"طيب وإيه المطلوب مني دلوقتي يا سارة."
شعرت بالبرود من أسلوب حديثه، فقالت بغرابة:
"مالك يا ايهاب بتكلمني كده ليه؟!"
شعر إيهاب بأنه أطال في معاملتها الخشنة. رق نبرته قليلًا ثم قال بهدوء:
"مفيش حاجة يا سارة مش في المود شوية أنا معرفش حاجة لو عرفت هكلمك."
أمسكت أعصابها قليلًا فردت قائلة:
"ماشي يا إيهاب.. سلام."
زفر إيهاب ورد بنفس النبرة:
"سلام يا سارة."
أنهى معها المكالمة وهو يؤنب نفسه. ولكنه يرى بأنه أنسب عقاب لنفسه وليس لها. فقد تماسك طوال المكالمة حتى لا تشعر سارة بشيء متعلق بطارق عندما علم بشأن عدم عودته بعد، خاصة مجيء سارة إلى الشركة مرتان. نظر إلى ساعته وقام بمهاتفة طارق، ولكن لم يرد عليه فزاده القلق أكثر. أين ذهب يا ترى؟ فسر كل منهم مع الآخر. فقرر الاتصال بمحمود ألا يكون عاد إلى المنزل.
***
يجلس محمود في الحديقة وبيداه جريدة متمعن في قراءتها. دقائق وسمع تهاني تنادي عليه من الداخل:
"مش يلا يا محمود الغدا، استنيتك في ميعادك وأتأخرت.. كفاية كده؟"
ترك الجريدة وأدار وجهه لها وهو يقول:
"مش نستنى الولاد الأول بالمرة، بما إني مريح شوية هنا.. معرفش اتأخروا كده ليه.. هي كلمتك؟"
اقتربت تهاني منه وردت قائلة:
"كلمتني الساعة 2 كده وقالت لي إنها هتعدي على صاحبتها بعد الكلية ولسة مجتش."
نظر في ساعة يداه ثم قال:
"طارق كمان أتأخر كان المفروض يكون في الشركة من بدري بعد معاده مع سلمى بس مرجعش.. كده الشركة لوحدها."
جلست تهاني بجواره وتساءلت:
"وعرفتِ إزاي؟"
نظر لها محمود بغرابة ثم قال:
"نعم! أنتِ ناسية إني صاحب الشركة!! .. ثم إيهاب صاحبه لسة مكلمني دلوقتي بيسأل عليه وقال إنه من الساعة 1 ومرجعش الشركة وتلفونه مقفول."
تنهدت تهاني بحيرة فقالت:
"خير يا رب.. أكيد أتأخر معاها ولا شكله راح هنا ولا هنا متقلقنيش معاك."
نظر لها وقال باسمًا:
"خير إن شاء الله الغايب حجته معاه زمانهم جايين."
***
سلمى لا تزال لا تفهم شيء على الإطلاق فيما يدور حولها. فصاحت بهم بغرابة:
"في إيه يا جماعة أنتوا تعرفوا بعض؟ .. تعالي يا نور."
جلست نور على أقرب مقعد وهي ما زالت متفاجأة، وأيضًا طارق. فردت بثقة بالغة:
"أيوه طبعًا عز المعرفة.. ده طارق أخويا."
نظرت لها سلمى ببلاهة ولم تستوعب بعد ما تقوله، حيث رفعت إحدى حاجبيها وهي تقول:
"نعم؟!"
ابتسم طارق على وضع سلمى وهي تجلس بينهم كالبلهاء. وصدمتها الكبرى لكونه أخيها. ثم نظر إلى نور وقال باهتمام:
"نور أختي يا سلمى.. بس أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
ضحكت نور وهي تنظر إلى طارق وقالت ببلاهة:
"أنت اللي بتعمل إيه هنا.. سلمى صاحبتي وجاية أطمن عليك."
تطلعت سلمى إليهم ثم قالت بعدم تصديق:
"مش معقول.. أنتوا أخوات؟!"
تذكرت نور مشهد أخيها. تناست تمامًا الحالة التي يبدو عليها فنظرت له وقالت باهتمام:
"أيوه أنتِ متعرفيش ولا إيه؟ هو إيه الحكاية سلامتك يا طارق إيه اللي حصل؟"
رد سلمى هي بشرود وما زال عقلها لم يستعب بعد تلك العلاقة:
"أنا اللي عايزة أفهمك."
كتم طارق ضحكاته كي لا تلاحظها كلاً من سلمى ونور. نظر إلى الأخيرة وقال بهدوء:
"سلمى يا ستي تبقى شريكتي في الصفقة الجديدة يا نور اللي بابا قالك عليها قبل كده."
لم تستطع نور كبت ضحكاتها عندما تذكرت الحوار الذي دار بينها وبين والدها والوضع الذي تبدو عليه الآن. فردت وهي ما زالت تضحك:
"اها هو أنتِ يا ست سلمي ههههههه ما كنت تقولي إنك داخلة شغل جديد معانا كنت زماني قولتلك طارق مين."
ما زالت سلمى في حالة البلاهة التي عليها:
"هو في إيه؟"
ضحكت نور واستردت بحماس:
"أصل طارق مبطلش كلام عنك يعني عن شريكته في الشغل الجديد.. وبابا قالي إن الشركة داخلة صفقة أدوية كبيرة بس مكنتش أعرف إنها مع شركتك كل ده من غير ما أعرف."
سلمى بعد تفكير وربط الأحداث بعضها ببعض. نظرت لطارق بشك وترقب موجهة حديثها لنور:
"صدفة عجيبة.. بس كلام إيه ده اللي بيقوله؟"
كتمت نور ضحكتها وهي تنظر لقسمات وجهها المتوعدة لطارق. ثم ابتسمت لطارق وغمزت له. همس لها بمعنى "هتضربي لو اتكلمتي". ضحكت ثم قالت بمرح:
"لا يا ستي أكيد كل خير يعني."
شكت سلمى من همساتهما. فردت بعدم ارتياح وضيق:
"امممممم ماشي يا نور."
ضحكت نور وهي تنظر لكل منهم وعلى وجهه علامات تفهمها جيداً. ثم قالت بمرح:
"هههههه مالكوا انتوا الاتنين.. شكلي هضرب منكوا دلوقتي."
ردت سلمى بهدوء وهي تنظر لطارق:
"أنا كمان معرفش إنك تبقي اخت طارق.. فرصة سعيدة."
طارق بابتسامة مجاملة:
"أنا أسعد."
لا تزال نور في حيرة من أمرهم. فنظرت له باهتمام متسائلة:
"هو إيه الحكاية يا طارق.. مفهمتش من سلمى حاجة."
لم يريد طارق فتح الحديث بوجود سلمى. فأجاب بهدوء:
"لما نبقي نروح بقى يا نور.. أهم حاجة إن سلمى كويسة دلوقتي."
مرت دقائق في صمت عجيب بينهم. فقط ينظروا إلى بعضهم البعض دون إبداء أي كلمة. شعرت سلمى بالإحراج فقررت قطع الصمت بينهم فقالت:
"الحمد الله.. احم سمعت وأنا برة الدكتور كتب لك على خروج.. الحمد الله إن الرصاصة جات في كتفك."
ضربته نور بمزاح على ذراعه وقالت:
"ألف حمد الله على سلامتك يا بطل تعيش وتاخد غيرها."
***
بعد مدة قليلة خرجوا من المشفى بعد تصريح مباشر من الطبيب. نور وطارق وصلا الفيلا بالطبع بعد قيادة نور للسيارة. فطوال الطريق ساد الصمت بينهم. منتظرة أن يصلا إلى المنزل أولاً لتفهم سر علاقة عاصم بأخيها وكيف انتهى المطاف بلقائهما سوياً.
ولكن ماذا تقول لوالديها عندما يروا طارق في هذه الحالة. لابد أن تجعله يصعد أولاً ثم تتحدث إليهم.
بعد انتظار طويل سمعا صوتهما بالداخل فخرجوا لاستقبالهم. ليتفاجئوا بذراع طارق المربوط. ركضا نحوه في لهفة وتهاني تصيح بنور بقلق:
"ابني.. إيه اللي حصل لاخوكِ يا نور؟"
محمود بنفس اللهفة والصياح:
"إيه اللي حصل مال دراعك يابني؟"
لم يستطع طارق الإجابة على كل هذه التساؤلات. ﻻ يزال ذراعه يؤلمه. حتى نور نفسها ﻻ تعرف ماذا تجيب. فما توقعته وتخشى منه قد حدث بالفعل. وهي ﻻ تعلم شيئاً بعد. فقررت أن تنهي الأمر على الفور وذلك عندما التفت إليها طارق بنظراته لنجدته. فنظرت لهم وقالت وهي تحاول إنهاء الأمر في هذه اللحظة:
"مش وقته كلام دلوقتي يا ماما سيبوه يستريح وأنا هحكيلكوا كل حاجة."
سندت نور اخيها إلى غرفته واطمأنت إنه استغرق في النوم من شدة إرهاقه. أغلقت الباب بهدوء ونزلت للاطمئنان والديها. فقصت لهم ما حدث وعن المشكلة التي وقع فيها لولا وجود طارق.
تذمر محمود لما حدث. فضرب كف على الآخر وصاح بضيق:
"مش معقول ده إنسان طايش و متهور."
تهاني بحزن:
"الحمد الله، سلمى لا حول لها ولا قوة، ربنا يعينها على المفتري ده."
نور نظرت لوالدها وقالت بعتاب:
"ايووو بس حضرتك مقولتليش إن الشغل الجديد مع سلمى الجوهري، دي صاحبتي لولا كده كنت نبهت طارق قبلها، مكنش عاصم اتهجم عليه ولا ضرب عليه نار."
وقف محمود في غضب شديد ثم صاح منفعلًا:
"عاصم تعدى حدوده، يتعدى على ابني ويضرب عليه نار!! .. هاشم اللي حط بنته في الموقف ده من الأول عشان الشركة تكبر يجوز بنته من ابن شريكه وهي من حقها تختار شريك حياتها هنقول إيه بقى ربنا معاها."
قلقت نور من انفعال أبيها. اقتربت منه أكثر وهي تحاول تهدئة روعه:
"يا رب، كل مشكلة ولها حل.. متعرفش ده بيعاملها في الشركة إزاي يا بابا قرف بجد ربنا يهدي."
صاح محمود بشدة وطرق بيده على سطح الطاولة:
"أنا هأدبه بمعرفتي عشان يفكر تاني يضرب نار على ابني."
قاطعته نور سريعًا كي لا تحدث مشكلة كبيرة:
"متتعبش نفسك يا بابا.. طارق هيعمل معاه الواجب وزيادة."
تنهدت تهاني بحزن وقالت:
"واخوكِ عامل إيه دلوقتي؟"
ردت نور وهي تهم بالمغادرة:
"الحمد الله، سيبوه يستريح شوية بكرة الصبح هيكون أحسن بكتير، هطلع أنا كمان لأني تعبت تصبحوا على خير."
ردت تهاني ومحمود:
"وأنتِ من أهله يا حبيبتي."
تركتهم وصعدت إلى غرفتها كي تستريح قليلاً. ولكن الحوار بين محمود وتهاني لم ينتهي.
"عجبك اللي حصل ده؟!.. كلي زي ده يضرب ابن محمود الأبياري بالنار.. ليه كل ده وعشان إيه؟"
ربتت على يديه محاولة تهدئة من روعه:
"سيب ابنك يتصرف معاه يا محمود.. هدي نفسك بس."
زفرت بشدة واسترد بغضب:
"هو أنا لسة هستناه لما يتصرف.. أنسي يا تهاني."
عم الصمت بينهم وتهاني تدعو الله أن يمر ما حدث بسلام على الجميع. يكفي أن ولدها الوحيد يبيت بين أحضان جدران هذا المنزل معها وإنه بخير وعلى ما يرام الآن.
***
فكرت كثيرًا أن تعود إلى الشركة مرة أخرى، ولكن الحادثة جعلتها مشوشة للغاية وعديمة التركيز. تحتاج لمزيد من الراحة كي تستعيد ربط ما رأته اليوم من مصادفة عجيبة. فقررت أن تعود للمنزل أفضل.
وبالفعل عادت بأرهاق شديد وصعدت لغرفتها مباشرة. مرت على غرفة هاشم ولم تستطع الانتظار أمامها كثيراً. غالبت مشاعرها ودخلت غرفتها.
مددت بتعب وإرهاق شديدين على فراشها وهي تفكر. كأن شريط سينما يمر أمام عينيها. أيكون تلك الشخصية المستفزة شقيقًا لصديقتها المقربة؟ لا يشبهان بعض على الإطلاق. وكيف تتصرف معه بعد الآن؟ وكيف لم تلاحظ تشابه الأسماء بينهم وشركة والد نور التي تتعامل معها منذ سنوات؟ كيف لم تنتبه لكل هذا من قبل؟ أكانت مغيبة أم الظروف التي تمر بها دعلتها تفقد تركيزها؟ إذا أدركت هذا من قبل لما كانت علاقتها تصل به لهذا الحد. لم يصب بسببها قط.
تفكر بما حدث اليوم وعن تلك المصادفة العجيبة. وعن تصرف عاصم الأحمق. لا تتصور بأنه يصل إليه الجرأة ويطلق عليه الرصاص. إنه متهور لا تنكر ولكن ليس لدرجة القتل. صدمت منه كثيرًا وتحمد ربها على أن طارق بخير وأصبح على ما يرام. فهي لن تتحمل إذا حدث له أي مكروه بسببها. ولكن ما يكون رد فعله على شروع قتله من عاصم؟ قلقة كثيراً ففكرت بوالدها حتى يفيق حتى ينجدها من ذلك الذئب البشري الذي يسمى خطيبها. فلن تتحمل كوارثه بعد ذلك. ولكن لا يجب أن يعلم يوسف بأي شيء مما حدث. لا يجب.
زفرت بشدة بضيق على الحالة التي وصلت إليها فقامت بدلت ملابسها وجلست قليلًا تعمل على حاسوبها.
عاد مساء يوسف وذهب مباشرة لغرفة شقيقته كما اعتاد أن يفعل. دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. ابتسم عندما رآها تعمل في سلام. أقترب منها وجلس على فراشها وهي بدورها رفعت رأسها باسمة وأغلقت الشاشة منتبهة له. قطع الصمت ليقول:
"إيه أخبار يومك النهارده؟"
تلاشت البسمة عندما تذكرت. وهو لاحظ ذلك ولم يعلق. ولكن ابتسمت بتصنع:
"الحمد لله... عادي متشغلش بالك."
أدرك من طريقة حديثها القلقة بأن أمرًا ما قد حدث وهي لا تريد أن تخبره بشيء. تخشى شيئًا ما بخصوص عاصم. فهو المحور الأساسي الآن لأي شيء يعكر صفوها. فقرر استدراجها ليعرف ما تخفيه:
"آه بالحق.. إيه أخبار شغلك مع طارق؟"
توترت وشعرت بالضيق قليلًا عندما سمعت أسمه. فحاولت أن تبدو طبيعية:
"الحمد لله الشغل ماشي تمام لحد دلوقتي."
لم يشعر بالراحة لنظراتها أبدًا. ها هي تخفي شيء بخصوص طارق هو الآخر. تنهد ثم قال بجدية:
"أومال مالك من ساعة ما أخدتك من المستشفى وأنا حاسك متغيرة."
هربت بعينيها منه. تخشى أن تواجهه وتفضح كل شيء:
"ارهاق يا يوسف ما أنت عارفه."
تنهد بضيق كبير. فقد اقترب صبره من النفاذ. تهرب من عيناه وترد على قدر السؤال هاربة منه. وتتعدى ما يحاول أن يصل إليه منها بطريقة غير مباشرة. ولكن أسلوب حديثها ككل فضح كل شيء تحاول تخفيه. فقد سأم. فرنا إليها وهي ارتبكت من نظراته لها. ابتلعت غصتها منتظرة رد فعل إلى متى سيظل هكذا. وفي داخلها تدعو الله أن لا يذكرها. وقال بنبرة صارمة وجدية:
"هتفضلي كده لحد أمتى؟"
كادت أن تتحدث لكنه قاطعها بصرامة جعلتها تفقد النطق حتى:
"تخبي تخبي ومفيش كلام.. مفكراني نايم على وداني وحاجة زي دي ممكن تعدي عليا عادي كده؟!! .. لا يا باشمهندسة.. أنا عدتلك كتير يا سلمى إنك تخبي اللي بيضايقك عشان عارف إنك في الآخر بتعرفي تتصرفي وبيضايقني جداً إنك بطلتي ترجعيلي عشان متهورش.. لكن لما الموضوع يوصل لشروع في قتل لا وألف لا يا سلمى.. مش هسمحلك."
نظرت له في صدمة مما يقول. كيف له أن يعرف بهذه السرعة. معه حق في كل كلمة تفوه بها. ولكنها تخاف عليه كثيرًا. فهو ما تبقى لها في هذه الدنيا. أيقنت أن نظراته وطريقة تحديثه منذ البداية لها دافع. استجمعت شجاعتها وقالت بصوت مهزوز:
"أنت مين قالك؟"
صاح بها بغضب:
"هو ده كل اللي همك!! مين قالك!! .. ومش همك اللي دمه ساح والمشكلة اللي ممكن تحصل على عملة خطيبك الطايش.. أدعي بس أن طارق ميتهورش. لإنه مش هيسكت على حقه."
هنا انفجرت فيه غاضبة عندما تذكرت:
"وهو حد قاله يستناني وأنا جوة عند بابا."
نظر لها بصرامة، بأنها دون أن تدري باحت بكل شيء. عقد ذراعه أمامه وقال بجدية:
"أيوه بقى، اللي جاب طارق الإبياري المستشفى."
قامت سلمى بهجوم واعتدلت جلستها. فقد شعرت بنبرة اتهام من أخيها. فصاحت مدافعة:
"وأنا مالي يروح مطرح ما يروح.. أنا اتفاجئت بيه في المستشفى داخل معايا، قلت أكيد جاي لحد هنا وأنا مالي، بس لقيته مكمل معايا الطريق لحد العناية، ولما سألته قالي إنه جاي يطمن عليه، فمتجيش تعاتبني على حاجة مليش يد فيها."
نظر لها ورد بعتاب:
"أنا مش بعاتبك يا سلمى، بس لما الأمور توصل للخطر كان لازم تعرفيني عشان أتصرف. أفرضي كان جرالك حاجة ساعتها كنتِ عملتي إيه؟ وأنا كان هيبقى حالي ازاي من بعدك؟ .. أنتِ عارفة إني مليش غيرك أصلًا ً في الدنيا دي.. فأنتِ غلطانة ولازم تعترفي بغلطك."
تعرف سلمى جيدًا أن كل كلمة محق بشأنها، ومعترفة خطأها. ولكن تلقي اللوم الأكبر على طارق. فلا تشعر بشيء الآن سوى بالضيق الشديد منه ومن عاصم. خاصةً هذا الأخير. نظرت له وهي عابسة:
"ماشي يا سيدي أنا غلطانة.. اللي حصل حصل بقى وأهو بقى كويس الحمد لله.. ممكن تقفل الموضوع لحد كده؟"
تنهد يوسف بعمق وحيرة. تمنى أن تكون استعابت ما قاله لها، وحقاً كفى إعطاء الموضوع أكبر من حجمه.
خرج وتركها تفكر في حيرتها وكيف ستواجه مصيرها معهم بعد ذلك حتى غلبها النوم.
***
في صباح اليوم التالي لم يستطع طارق الذهاب إلى الشركة بسبب كسره. فاتجه إلى النادي. فكانت سارة بإنتظاره تبحث عنه بنفس حالة الأمس. وكانت تنوي أن تتشاجر معه. ولكن عندما رأت ذراعه المربوط قلقت كثيراً وأقبلت عليه بلهفة:
"إيه ده مال دراعك حصل إيه؟"
طارق كان يخشى أن تعاتبه عما حدث البارحة. فهو ليس لديه مجال للجدال معها الآن. نظر لها ورد بضيق:
"مفيش حمد الله على السلامة الأول.. الحمد الله جات سليمة."
اعتذرت منه سارة وقالت:
"سوري يا حبيبي قلقت عليك.. إيه اللي حصل؟"
تنهدت بضيق وهو ينظر إلى ذراعه:
"رصاصة بسيطة كان في شغل متشغليش بالك."
عندما ذكر كلمة شغل استشاطت منها غضبًا:
"إزاي يعني؟ آه شغل مع ست سلمى الجوهري هي اللي شلفطتك كده."
تنهد طارق بعمق وضيق. فنظر إليها ورد بحزم:
"متتكلمي عليها عدل.. بلاش، متنسيش إنها شريكتي ها ومش هي اللي هتضربني بالرصاص يعني ده واحد معتوه."
ردت بنفس النبرة:
"آه ومتنساش إنك حبيبي ها مين ده اللي ضرب عليك نار؟"
تنهد ثم قال بحنق:
"خطيبها يا ستي اللي اسمه عاصم."
تفاجأت سارة من تلك الكلمة التي نزلت على رأسها دلو ماء ثلج. وأخذت تردد الاسم في سرها.
لاحظ طارق شرودها وصدمتها أثر كلامه. فقطع شرودها باهتمام:
"إيه ده أنتِ تعرفيه؟"
ظهر توترها وهي تقول:
"لا وأنا أعرفه منين يعنى."
نظر لها طارق بغرابة ثم قال بشك:
"ماشي يا سارة يلا عشان عندك محاضرة."
لم يكن يشعر بالراحة من تعلثم سارة وتوترها. فلم يكترث الأمر كثيراً. أما هي تدعو بمرور اليوم على خير. بعد ساعتان قابل إيهاب فأقبل عليه بحفاوة الذي بدوره صدم مما رأه:
"حمد الله على سلامتك، إيه يابني إيه اللي حصلك؟"
تنهد طارق بضيق ثم قص عليه:
"خطيبها اتهجم عليا يا سيدي وأنا كنت بالمستشفى بعد ميعاد."
رفع إيهاب حاجبه بعدم فهم:
"مستشفى إيه أنا مش فاهم حاجة واحدة واحدة عليا كده.. أنت من امبارح مختفي متأخر ومبتردش عليا."
رد بنفاذ صبر:
"البنت اللي خبطتها ف الكلية واللي شوفناها في المستشفى هي سلمى الجوهري."
إيهاب بغير استيعاب:
"لا بتتكلم جد!! إيه ده وهي كمان مخطوبة؟!"
كأنه تذكر ما حدث. فرد بعصبية:
"آه واحد همجي مبيتكلمش إلا والمسدس في أيده."
أقبل عليه إيهاب باهتمام:
"ها وبعدين إيه اللي حصل؟"
استرد حديثه قائلاً:
"بعد ما خلصنا شغل كانت نازلة تشوف باباها في المستشفى، وأنا روحت أجيب أشعة وتحاليل أمي، جاه اللي اسمه عاصم معرفش ظهر منين شكله بيراقبنا وأتخانق معايا."
استنشق إيهاب الصعداء بأريحة وهو يقول:
"الحمد الله إنها جت على قد كده، أبعد عن الجدع ده مش مستريحله من كلامك عنه."
قوس شفاتاه بضجر وهو يقول:
"ولا أنا بطيقه الصراحة."
قرر إيهاب تغيير الموضوع فقال:
"ها هتعمل إيه النهارده.. هتطلع على الشركة؟"
نفى مسرعاً:
"لا الشركة محتاجة كتابة ومجهود وأنا مش قادر بسبب دراعي ولا ليا نفس أروح الكلية كفاية.. كفاية نزلت شوية أغير جو.. أنا هروح بقى سلام."
تركه طارق وقاد سيارته مسرعًا يفكر بضيق لما حدث. نظر لذراعه وابتسم لوهلة. أما إيهاب يخشى على طارق من المدعو عاصم كثيرًا. وما يمكن أن يفعله فيما بعد.
***
يجلس محمود وتهاني على مائدة الطعام. منشغل بقراءة الجريدة الصباحية كالعادة وهو يتناول فطوره. وتهاني تصب له فنجال من الشاي وتقدمه له. نظر لها وقال في اهتمام:
"أخبار طارق إيه دلوقتي؟"
دقق قلبها وشعرت بقشعريرة تسير في جسدها عندما ذكر اسمه. تخشى من رد فعله عندما يعلم بما حدث. فيعلم الله بأنها حاولت منعه قدر المستطاع ولكن هو لا يستجيب لها وصمم على تنفيذ أهواءه. فعندما ذهبت إلى غرفته لتطمئن عليه تفاجئت به وهو أمام المرآة يرتدي ملابسه. اندهشت كثيرًا واقتربت منه وهي تصيح:
"ممكن أفهم لابس كده ورايح فين على الصبح؟"
تنهد بعمق. فهو يعلم جيدًا أن خروجه من المنزل وهو في هذه الحالة لن يمر مرور الكرام على والديه. ولكن يجب أن يخرج. ألتفت إليها وقال بنبرة هادئة نوعًا ما:
"خارج يا أمي.. في مشكلة؟"
عقدت ذراعها أمام صدرها باعتراض:
"على فين يا طارق وأنت لسة تعبان وخارج من المستشفى امبارح."
تنهد مرة أخرى وابتسم محاولًا ألا ينفعل:
"رايح النادي يا حبيبتي.. ثم أنا مش تعبان للدرجة اللي أنت متصورها.. الحمد الله يا أمي رصاصة في الكتف."
رفعت تهاني حاجبها مستنكرة لما يقول. واستهزاءه بتلك الرصاصة لتقول:
"وهي يابني الرصاصة اللي في كتفك دي بالساهل.. أفرض كان جرالك حاجة.. مفيش خروج يعني مفيش خروج."
تذمر طارق ورد بضيق:
"أمي أبوس أيدك سيبيني أخرج.. أنا مخنوق وموجوع وفيا اللي مكفيني."
تحولت نبرتها إلى الجدية. لن يستجيب معها إذا ظلت تجادله كثيرًا هكذا:
"بقى كده يا طارق.. أنا هناديلك أبوك يجي يتصرف معاك عشان أنا خلاص تعبت."
كادت أن تخرج وقف أمامها مسرعًا. وقال برجاء:
"ماما أرجوكِ أنا مخنوق من قاعدة البيت ومحتاج أغير جو.. هطق."
شعرت بشيء من الاستسلام لطلبه. فكسرت عليه قلبها من حالته النفسية وتلك الحادثة التي مر بها. تنهدت بقلة حيلة:
"عارف أبوك لو صحي هيعمل مشكلة يا طارق.. وأنت عارفه كويس."
قبل وجنتيها وقال بحنان:
"البركة فيكِ أنتِ بقى يا ست الكل هاتتمنى أن تراه سعيدًا. ويصعب عليها حالها عندما يكون حزين. فقلب الأم من يحركها في نهاية الأمر. ولكن ردت عليه بنبرة جادة وتحذيرية:
"متتأخرش يا طارق.. إياك."
ابتسم طارق وهو يغادر الغرفة:
"متقلقيش.. سلام."
فاقت من شرودها على صوت محمود يناديها:
"تهاني.. تهاني.. في إيه يا حبيبتي روحتي فينن."
نظرت له في قلق:
"ها.. لا أبداً سرحت شوية."
استأنف سؤاله مرة أخرى:
"بسألك طارق أخباره إيه دلوقتي؟.. جهزتيله الفطار."
توترت ونظرت له ثم قالت بتردد:
"ماهو.. خرج الصبح وراح النادي."
تغيرت معالم وجهه إلى الغضب وكاد أن يرد بانفعال قاطعته كي تحسم الموقف:
"والله ما في حد مدلعه غيرك.. الولد تعبان يقوم ينزل النادي."
ربتت على يداه وقالت بحنو:
"ولا مدلعاه ولا حاجة.. سيبه بس يغير جو هيزهق وتلاقيه داخل علينا دلوقتي."
مرت قرابة العشر دقائق وسمعا صوت جرس الباب. ذهب الخادم ليفتح دلف طارق للداخل مارًا بغرفة الطعام وعلى وجهه ابتسامة مصطنعة:
"أهو يا ست الكل متأخرتش زي ما قلتي."
ابتسمت وردت سريعًا:
"جيت بدري عن العادة."
تنهد وهو ينظر إلى والده يراقب رد فعله:
"زهقت وتعبت.. قلت مادام غيرت جو شوية أروح أستريح شوية بقى."
نظرت تهاني لزوجها بابتسامة انتصار:
"مش قلتلك هيزهق ويجي على طول."
نظر لها محمود وابتسم. لقد فهم محاولتها في تعدي الأمر والتستر على طارق. يفهم قلبها الحاني واستعمال أمومتها في الوقت اللازم:
"ماشي يا طارق.. ممكن بقى تفهمني سبب المشادة بينك وبين عاصم إيه.. ملقتش غير ده وتتخانق معاه."
تعصب طارق ورد بانفعال على هذا الاتهام:
"أولاً مش أنا اللي اتخانقت معاه هو اللي زي الهمجي ضربني.. كنت رايح في أمان الله بعد الميتنج مع سلمى أشوف أشعة ماما لقيت سلمى بالصدفة داخلة معايا المستشفى تطمن على أبوها قلت بالمرة أطمن عليه وأشوفه لقيته جاه بتعمل إيه ومعرفش إيه وإللي حصل حصل بقى."
شعر بشيء من الراحة عندما سمع ما حدث منه بشخصه. قرر تركه الآن وهو سيتصرف بمعرفته في الأمر:
"خلاص يا طارق الحمد لله إنها جت على قد كده.. أطلع أوضتك استريح دلوقتي."
نظر لهم طارق بصمت وصعد إلى غرفته. وتبادلت النظرات الصامتة بين محمود وتهاني في قلق.
***
منذ حادثة أمس وسلمى تتجنب رؤية عاصم والحديث معه بشتى الطرق. ﻷنها ﻻ تعرف رد فعلها إن رأته. في نفس الوقت ﻻ تعلم شيئًا عن طارق.
في منتصف اليوم قرعت نور باب مكتبها ثم دخلت. كانت منشغلة تمامًا في حفنة الأوراق التي بين يداها. تنحنحت وهي تقول:
"احم نحن هنا."
سلمى رفعت رأسها وقالت باسمة:
"نور تعالي يا حبيبتي."
اقتربت منها وجلست على المقعد المقابل لها. ثم قالت بحماس:
"أخبارك إيه النهارده.. طمنيني عليكِ."
كان التردد يملأ عقلها. تريد الاطمئنان عليه ولكنها محرجة. حسمت أمرها وتنحنحت قائلة:
"الحمد الله عدت على خير.. احم أخبار طارق إيه؟"
نور:
"نام أول ما روحنا سيبناه يستريح شوية صحيت الصبح أطمن عليه.. بس إيه اللي في وشك ده حصلك حاجة؟ الحمد الله إنها جات على قد كده."
تنفست سلمى الصعداء بأريحة بعدما تأكدت أنه بخير الآن. تحسست وجهها تذكرت بأنها قد أصابت أمس. ابتسمت وقالت بنبرة هادئة:
"اها فعلاً الحمد الله."
فتحت نور حقيبتها وأخذت منها حفنة من الأوراق. فقالت وهي تمد يداها:
"خدي هتنسيني محاضرات النهارده أهي، آه وخلي بالك الأسبوع الجاي في عملي ها لازم تحضري يعني."
تناولت منها الأوراق ووضعتها في حقيبتها. نظرت لها وكاد الدمع أن ينفر من عينيها. فقالت بحب:
"مش عارفة أقولك إيه ربنا يخليكِ ليا بجد، أنتِ اللي مهونة عليا الشغل مع الكلية."
ابتسمت نور وهي تربت على يداها بحنو:
"عيب يا بنتي متقوليش كده."
دقيقة وسمعن قرعات على الباب. دخل يوسف ومنذ إن شاهد نور ارتسم على ثغره بسمة عريضة بكل تلقائية. وأكمل خطواته نحوها مرحبًا بها:
"أهلاً ازيك يا أنسة نور أخبارك إيه؟"
شعرت نور بصوت ضربات قلبها فجأة. فتنحنحت بإحراج قائلة:
"احم الحمد الله تمام."
سلمى تراقب نظراتهم وتبتسم. فقطعت إحراج نور قائلة بمرح:
"احم مفيش ازيك يا سلمى ولا إيه."
نظر لها يوسف متوعداً لقطع هذه اللحظة بينهم. فقال بمزاح:
"لا طبعاً أزاي بس يا لمضة."
ضحكت على حالته وقالت:
"هههههه طيب ماشى."
دقيقة وقال يوسف وهو يتطلع إلى نور:
"يلا عشان نتغدى قلت مادام المحاضرات خلصت بدري فرصة نتغدى سوا، يلا معانا يا آنسة نور."
شعرت نور بالإحراج. تناولت حقيبتها وقامت وهي تنظر لسلمى. تحاول بقدر الإمكان التغاضي عن النظر ليوسف وهي تقول:
"احم لا معلش مش هقدر، استأذن أنا عشان هروح أطمن على طارق.. عن إذنكوا."
خرجت نور مسرعة ولم تبتعد عيناه عنها إلى أن اختفت عن ناظره. كل هذا وسلمى تتابعهم. فتنحنحت وهي تحاول المزح معه:
"احم نحن هنا يا سيدي."
رمقها بنظرة تحذيرية وهو يقول:
"بس يا لمضة اقعدي ساكتة.. عايزة إيه."
لم تتمالك سلمى نفسها من الضحك وهي تقول بدلال:
"هههههه ولا حاجة.. ها هتغديني إيه بقى."
***
في المساء ظل طارق إلى غرفة نور. ففضوله عن سلمى بدأ يكبر. قرع على الباب ثم طل برأسه مازحًا:
"ممكن أدخل يا نور؟"
ابتسمت نور واعتدلت في جلستها وقالت:
"اها طبعاً اتفضل، عامل إيه دلوقتي يا طارق؟"
اقترب طارق وهو يجلس قبلها على الفراش ثم قال:
"الحمد الله تمام أحسن من الأول."
تنهدت نور بأريحة. ثم نظرت له بشك وهي تقول باسمة:
"امممم خير قعدتك دي فيها حاجة قول قولى."
أدرك طارق جيداً بأن شقيقته من تشعر به وما يدور بخاطره. فضحك على هذا وهو يقول:
"ههههه أنتِ على طول فقساني كده."
ضحكت نور بشدة وهي ترد بمزاح:
"هههههه عيب عليك يا طروق أنا نور برده.. ها أتكلم."
طارق متردد كثيراً كيف يسأل عنها وبأي حجة:
"بقولك إيه حكاية سلمي دي؟"
نظرت له نور ببسمة خبيثة وقالت:
"امممممم وأنت عايز تعرف عنها إيه بالظبط."
طارق باهتمام:
"عايز أعرف كل حاجة."
عقدت نور حاجبيها بغرابة عن سؤاله. فردت بسؤال:
"اشمعنى يعني ها؟"
ارتبك طارق وﻻ يوجد لديه حجة مقنعة ليجيب عليها. فرد سريعاً:
"مفيش.. مجرد فضول.. مش بشتغل معاها بردو، ثم عايز أعرف كتلة الاستفزاز والبرود دي سببها إيه."
رفعت حاجبها باستنكار. وردت بضيق:
"لاحظ اللي بتغلط فيها دي صاحبتي ها.. مسمحلكش على فكرة."
تنهد بكل ثم رد سريعاً:
"مش دي الحقيقة يعني!! .. وبعدين يلا عشان خاطري."
ابتسمت نور وبدأت بالقص:
"لا مش حقيقة (تنهدت) ماشي يا سيدي سلمى كده باختصار..."
رواية صفقة حب الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء جوهر
فضوله بشأن شخصيتها الغامضة أمامه جعله ينجذب نحوها، وهذا طبيعي لأي شخص منا يقترب نحو المجهول.
كادت نور أن تبدأ بالحكي، قاطعها طارق قائلاً:
- أنتوا أصحاب مش كده؟
نظرت له نور وهي تعقد حاجبيها بضيق، ثم ردت بنبرة تحذيرية:
- متقاطعنيش يا أما مش هحكي حاجة.
أردف طارق مسرعاً:
- لا خلاص كملي.
تنهدت نور بنفاذ صبر، ثم استردت حديثها:
- بص يا سيدي.. سلمى صاحبتي من أولى كلية، اتعرفنا على بعض وشوية شوية بقينا صحاب. بجانب الدراسة كانت بتساعد باباها في الشغل. حصل اللي حصل وباباها من سنة عمل حادثة ودخل في غيبوبة. طبعاً الشركة والمصنع بقوا من غير رئيس، مفيش غير سلمى واخوها هما اللي مسكوا الشركة في الوقت ده لحد دلوقتي. بس كده.
فكر طارق قليلاً في حديث نور، ولم يجد بعد الإجابة على تساؤلاته. لماذا هي هكذا؟ من داخله يشعر بأن هناك شيئاً ما أثر على تعاملاتها معه بهذا الشكل. نظر لها وجاء في خاطره الحادث، ليتحدث بغيره خفية:
- ألا صحيح.. إزاي شخصية زي سلمى ترتبط بواحد زي عاصم؟ ده بجح ومتهور. قبلت بيه على إيه ده؟ أوعي تقولي بتحبه.
ابتسمت نور على نبرة أخيها في الخفاء، وأجابت على سؤاله:
- قبل كده سلمى اتخطبت لعاصم ابن شريك باباها، يعتبر شريك مهم اللي معاه شغل كتير. المهم اتخطبوا. عاصم حاطط مناخيره في الشركة بكل كبيرة وصغيرة وبيعملها بقسوة مرة وبرقة مرة حسب مصلحته منها. واستحملت كتير عشان الشراكة اللي بينهم وعشان باباها. يمكن تكون في مشاعر بس مش عارفة بصراحة. بص معتقدش.. بس بحس التعود، بقالهم 3 سنين مخطوبين. إنها بتحاول تأجل موضوع الجواز لحد ما تحبه أكتر. بس معرفش إن ممكن تكون بتحبه فعلاً ولا لأ.
طارق منصت ومندمج تمامًا لحكيها، وهو متعجب من قوة تحملها الخارجية. أدرك من داخله أن علاقتها بعاصم قد غيرت أو هي من عوامل تصرفاتها على هذا النحو. تنهد وهو يردف قائلاً:
- ياااا حياتها غريبة.. واستحملت كل ده عشان مستقبل الشركة!
تنهدت نور بحزن وأردفت:
- كان نفسي تتجوز اللي قلبها يختاره، بس أقول إيه.. نصيب.
تنهد طارق ورد بهدوء وهو يبدو عليه الشرود:
- فعلاً ونعم بالله. يلا بقى روحي نامي.
عقدت ذراعها وهي ترفع إحدى حاجبيها اعتراضاً. فأردفت بضيق طفولي:
- بقى كده يا سي طارق تستفرد بيا وتعرف اللي عايزه وتكرشني كده؟ أنا مخمصاك، ثم سيادتك اللي تهوينا، دي أوضتي.
ضحك طارق واقترب منها يدغدغ وجنتيها بمزاح قائلاً:
- ههههههه بقى كده.. ماشي بلاش غلبة، تعبان بجد عايز أنام.
ضحكت نور وقالت:
- هييييح طيب، على فكرة أنا في أوضتي. يلا تصبح على خير.
ضحك طارق وقال باسمًا وهو يهم بالخروج:
- وأنتِ من أهله يا قمر.
خرج طارق وذهب إلى غرفته وهو يفكر في حديث شقيقته.. متعجبًا من الجدية البالغة التي ترتسمها على وجهها وتصرفاتها، وبداخلها قلب مليء بالرقة والحنان تحتاج من يحنو عليها ويأخذ بيديها، ولكن هذا ليس كل شيء.
***
هدأ عاصم من روعه قليلاً عندما علم بشأن طارق بأنه على ما يرام.. وذلك عندما أرسل صلاح إلى المشفى للتحقق عن حالته، إن كان قد توفى أو أصابه مكروه. فأخبره الطبيب بأنه بخير وخرج برفقة من كانوا معه.
منذ ذلك الحين وهو يحاول الوصول إلى سلمى بشتى الطرق، ولكن لم تكن ترد على اتصالاته بعد، حتى في الشركة تتجنب رؤيته منذ الأمس.
يجلس في مكتبه وكأن لم يحدث شيء من أول أمس.. يتحدث في هاتفه بإنسجام مع ذات الفتاة.
- ها وأنتِ عاملة إيه؟
أقبلت عليه بقلق قائلة:
- كويسة، طمني أنت عليك. إيه اللي حصل امبارح؟
اندهش عاصم من معرفتها ما حدث، فلم يعرف سوى صلاح وسلمى فقط. فتساءل باهتمام شديد:
- حصل إيه؟ آه.. عرفتي منين؟
تغاضت الفتاة عن النبرة التي يتساءل بها، كل ما يشغل تفكيرها معرفة ما حدث. فردت بنفس النبرة القلوقة:
- مش مهم عرفت منين.. إيه اللي حصل؟
عاد عاصم للخلف وهو يضع قدمًا على أخرى، يتأرجح بمقعده المتحرك. فأجاب بثقة بالغة ونبرة متغطرسة:
- واحد بيحاول ياخد حاجة بتاعتي يبقى لازم أقطع أديه قبل ما يفكر يمدها.
صاحت به بشدة:
- اها بس متوصلش إنك تطلع المسدس وتقتل، أنت كنت هتروح في داهية ساعتها.
انفعالها وغضبها أثار الشك في داخله، فقال بنبرة استجواب:
- هو أنتِ تعرفيه ولا إيه يا حبيبتي؟
توترت الفتاة من نبرة تساؤله، فردت نافية على الفور:
- وأنا هعرفه منين يعني؟
ارتعاش صوتها زاده شكًا بأنها على معرفة به. فحاول استدراجها قائلاً:
- أومال بتدفعي عنه بقلب جامد كده ليه؟
شعرت بزيادة خفقان قلبها، حاولت التماسك بالقدر المستطاع ثم قالت بجدية:
- أنا مبدفعش عنه، أنا خايفة عليك أنت اللي كنت هتروح ورا الشمس.
نبرتها جعلته يتغاضى قليلاً عن شعوره الداخلي. فأعطته نوعًا من زيادة الثقة بالنفس الشديد دون أن تدري. فقال بثقة مبالغ فيها:
- لا متخافيش، أنا أعجبك أوي. حتى لو كان جراله حاجة كنت هتصرف.
أدرك بأنه يستطيع فعل أي شيء باستغلال نفوذه وسلطته. فردت بعدم اطمئنان:
- يا خوفي من دماغك دي.
ضحك عاصم بشدة سعادة على تلك الجملة، فرد مسرعاً:
- ههههههه أنتِ الأصل يا أستاذة، منك نتعلم.
ردت الفتاة بتعجب:
- لا والله عيب عليك، ده أنت مفيش في دماغك اتنين.
سمع قرعًا على الباب، دخلت السكرتيرة بعد إذن منه قائلة:
- أستاذ عاصم، الإجتماع جاهز والكل منتظرك.
رد مسرعاً:
- طيب روحي أنتِ وأنا جي وراك.
أردفت السكرتيرة وهي تهم بالخروج:
- حاضر يا فندم.
خرجت السكرتيرة وأكمل مكالمته بشيء من العجالة:
- بقولك إيه يا حبيبتي، سلام دلوقتي.
ردت بحزن مصطنع:
- ليه بس كده، ملحقناش نتكلم مع بعض.
رد بعجالة:
- أشوفك بليل بقى عشان عندي اجتماع مهم النهارده.
فقالت الفتاة بدلال:
- اممم زعلانة منك.. حاضر يا سيدي، هستنى لبليل.
ينهي عاصم المكالمة ضاحكاً وهو بالقرب من الباب:
- ههههههه بموت فيك، يلا سلام.
الفتاة بدلال:
- سلام يا حبيبي.
***
ذهب عاصم إلى غرفة الاجتماعات، وجد الجميع حاضر من بعض الشركاء وكبار الموظفين. جلس أمامها وحاولت التغاضي عنه كأنه غير موجود، بلامبالاة كبيرة مما أدى بالغضب الشديد لعاصم. حاول الإمساك بأعصابه بالقدر المستطاع.
دخلت السكرتيرة ووضعت أمام سلمى مستندًا وهي تقول:
- اتفضلي يا آنسة سلمى، الأوراق اللي حضرتك طلبتيها.
ردت سلمى بجدية بالغة:
- تمام، اتفضلي أنتِ.. احم، أظن إن أستاذ عاصم موجود، نبدأ الإجتماع بقى.
لم يبعد عينيه عليها أبداً وهو يشعر بالغضب الشديد من تعاملها بالتجاهل هكذا، وهي تشعر بنظرته كالسهام في جسدها، تكاد أن تحرقها. فبدأ بمشاكساتها وإلقاء اللوم عليها قائلاً:
- طبعًا زي ما أنتوا عارفين، إحنا متأخرين جدًا في الطلبية الأخيرة بسبب الآنسة سلمى وتأخرها بتاع امبارح اللي أجل اجتماعنا النهارده.
نظرت إليه سلمى بكل حنق، كأن ما حدث ليس جزءًا منه. فردت بتحدي كأنها ترد نفس اللوم عليه:
- أظن يا أستاذ عاصم إنك عارف الظروف الطارئة اللي خلتني محضرتش الاجتماع وإللي حضرتك جزء منه.
نظر لها أحد الشركاء بتساؤل:
- جزء من إيه يا آنسة سلمى؟
ارتسم على ثغرها بسمة تحدي وانتصار، وعيناها منصبة عليه بضيق بالغ لتقول:
- أبدًا، مشكلة بسيطة بسبب الشغل. يبقى متجيبش الغلط والتقصير عليا يا أستاذ عاصم، ولا إيه؟
رد الشريك مردفاً:
- ولا يهمك يا بنتي.. بس أهم حاجة إننا لحقنا الوضع، لإنها بضاعة بملايين.
نظرت له باسمة ثم ردت بجدية:
- أنا عارفة كويس يا انكل، وأنا عمري ما قصرت في الشركة ولا في شغلها والحمد لله المنتجات كلها اتوزعت على الصيدليات اللي بنتعامل معاها ومن غير ما ندفع الشرط الجزائي.
أدرك بأنها أشعلت الحرب بينهم. سار الاجتماع بشكل جيد، وكل مرة يحاول جعل سلمى مخطئة بقراراتها أو برأي تتخذه، وكانت تتجاهله كثيرًا ببرود ولامبالاة شديدين، فأشعلت النار أكثر بداخله.
نور كانت تجلس تراقب قذائف كلماتهم وجه بعضهم البعض، فتتدخل للدفاع عنها في صميم العمل فيزداد حنق عاصم أكثر. في نهاية الاجتماع، رمقها بالهجوم على الجوار في البداية:
- الحمد لله بس يا رب متتكررش تاني.
ابتسمت بسخرية وقالت بحزم:
- والله يا أستاذ عاصم، مش حضرتك اللي تحدد يحصل ولا ميحصلش. دي ظروف طارئة لا بإيدي ولا بإرادتي. أظن إن الاجتماع خلص، عن إذنك.
انتظر عاصم خروج جميع من بالقاعة كي يختلي بها، ولا يزال ينظر إليها بغضب شديد، وهي تقوم بإلمام بأوراقها ولا تعطيه أي اهتمام على الإطلاق.
قامت من مقعدها وكادت أن تخرج، فقام بسد منافذها بذراعه. نظرت له بحنق شديد وتحدي. فقال بغضب:
- أنتِ فاكرة اللي حصل ده هيعدي بالساهل؟
لم تحتمل طوال الفترة السابقة السكوت أكثر من ذلك. فصاحت به بإنفعال شديد:
- أنت ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟ إيه مفيش دم؟ مش كفاية المصيبة اللي حصلت بسببك دي.
صاح بها هو الآخر بغضب:
- لما أشوف خطيبتي معاها واحد غريب من ورايا وبيتقابله، يبقى لازم أحط حد للموضوع.
لم تحتمل سلمى اتهامه لها بهذا التصور، فزاد انفعالها وصاحت به بشدة وجدية بالغة:
- أنت اتجننت!! حاسب على كلامك شوية. أنت شوفتنا فين، كباريه ولا شقة مفروشة؟ كنا في مستشفى بنزور بابا. عربيتي عطلت وأصر يوصلني وأنا مردتش. أول مرة يخرج معايا في حتة.
صاح بها بغضب أكثر:
- سلمى، متعليش صوتك عليا، متنسيش إني خطيبك وبغير عليك.
نظرت له بازدراء. وابتسمت بسخرية وهي تقول بحنق:
- أنت اللي نسيت إني خطيبتك يا أستاذ.. عن إذنك.
خرجت ومعها نور من غرفة الاجتماعات ومن الشركة بأكملها، وعادت إلى شركة الجوهري، وأثناء الطريق وهي تردد كلمات غير مفهومة وبمنتهى العصبية، ونور تحاول منها تهدئة روعها قليلاً.
***
منذ إن رأت سارة ذراع طارق المربوط وهي تشعر بالضيق الشديد، وأحيانًا ما تشرد. وها هي تجلس في كافتريا الكلية إلى أن رآها إيهاب بمفردها من بعيد، ابتسم وهم بالإقتراب منها وجلس بجوارها فلم تشعر به بعد.
تنحنح وهو ينادي عليها:
- احم.. سارة.
لكن سارة لم تجب.
أشاح بيديه أمام عينيها وهو يقول:
- سارة، أنتِ سمعاني؟
فاقت من شرودها وهي تقول:
- ها.. اها معاك، هكون فين يعني؟
نظر لها إيهاب بغرابة مردفاً:
- مش باين.. من ساعتها بكلمك ومبتردش.
تنهدت سارة وردت بهدوء:
- سوري يا إيهاب، مخدتش بالي.
ابتسم إيهاب ثم تطلع إليها بتمعن وقال:
- ولا يهمك.. مالك بقى ساكتة وسرحانة كده ليه؟
نظرت له بضيق ثم قالت بلامبالاة:
- لا عادي يا إيهاب، عايز إيه؟
شعر إيهاب بالضيق من طريقة تعاملها، ولكنه تغاضى عنه الآن. فأجاب بهدوء:
- بطمن عليكِ، بلاش يعني؟ مالك يا سارة، أنا مبقتش عارف انتِ عايزة إيه بالظبط.
تنهدت بضيق ثم نظرت له متسائلة:
- هتفرق في إيه لو فهمت؟ آه صحيح، شوفت طارق النهارده؟
بعد المحاولات للاطمئنان عليها تقوم بالسؤال عن طارق، لا يعرف ماذا يفعل. قام إيهاب بوجه مقتضب. فأوقفته سارة بنبرة متسائلة بها رجاء:
- إيه يا إيهاب، رايح على فين.. استنى معايا شوية.
لم يستطع التحمل أكثر من هذا، فصاح بها في انفعال:
- أنتِ إيه يا سارة، مبتحسيش! أقعد معاكِ عشان إيه ها! أنا مش استبن تخليني أقعد أو أمشي زي ما أنتِ عايزة.
اندهشت سارة من انفعاله عليها بعدما كان هادئاً، لا تعرف ما حدث له. فصاحت به هي الأخرى:
- في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. أنت أضايقت كده ليه؟ كل ده عشان قولتلك أقعد معايا شوية!
رأى إنه لا داعي للجدال معها بعد الآن. فقال وهو يهم بالذهاب:
- مفيش فايدة ولا عمرك هتفهمي حاجة.. عن إذنك.
تركها وأسرع في خطواته، بينما سارة أخذت تنادي عليه:
- إيهاب، استني يا إيهاب.
صادف في طريقه طارق، أوقفه بسرعة، وهو يستفسر عن ذهابه المفاجئ وهو ممسكًا بذراعه:
- إيه يا بني، استنى أنت رايح على فين؟
حرر ذراعه من يده وهو يسير. وهو يقول بضيق:
- سيبني يا طارق دلوقتي، أنا مش ناقص.
أوقفه طارق وصاح به:
- أسيبك يعني إيه! إيه الحكاية؟ أنت اتخانقت مع سارة؟
حقًا لا يعرف ما يحدث ولا هو يشعر به، هكذا كان يتحدث إيهاب مع نفسه. فرد بضجر وهو يرحل:
- سارة!! معلش يا طارق، عايز أكون لوحدي شوية، عن إذنك.
تركه ورحل وما زال طارق واقفًا في مكانه مندهشًا مما حدث، ما به كي يكون في هذه الحالة. اقترب من سارة ليستفهم منها ما حدث:
- ماله ده، حصل إيه؟
ردت سارة بضيق:
- مفيش يا طارق، أنا كمان معرفش.
فقال باهتمام مرة أخرى:
- طب متعرفيش مين اللي ضايقه؟
صاحت به سارة في حنق:
- يوو يا طارق، سلام دلوقتي.
تركته وذهبت ولا يعرف ما الذي أصابهم. وقف في مكانه متعجبًا للغاية:
- الله! هو إيه اللي حصل؟ مالهم هم الاتنين؟
***
سلمى منذ إن تركت الاجتماع وعادت إلى مكتبها، وهي تستشيط غيظًا وغضبًا من عاصم. ترى إنه من الجيد مواجهته حتى لا يتدخل في شؤونها مرة أخرى، لا تصدق البتة ما يفكر فيه على الإطلاق.
تركتها نور قليلاً وعادت إلى مكتبها ترسل طلبًا عبر بريدها الإلكتروني. رفعت سماعة الهاتف واتصلت بعامل البوفيه، طلبت فنجالًا من القهوة.
يوسف بالقرب من مكتبها بعد عدة دقائق. رأى عامل البوفيه كاد أن يدخل لسلمى، فوقفه قائلاً:
- استنى يا عم علي، لمين القهوة دي؟
أجاب الساعي:
- دي للباشمهندسة سلمى.
على الصينية كوبًا من العصير بجانب القهوة، فتناولها ثم قال:
- طب هات الليمون ده، واعملي واحد نسكافيه.
رد الساعي بهدوء وهو منصرف:
- حاضر يا أستاذ يوسف.
رحل العامل ثم قرع يوسف على الباب. دخل وجد حالة سلمى البائسة، اقترب منها وجلس على المقعد المقابل لها متسائلاً باهتمام:
- في إيه يا سلمى، حصل إيه؟
رفعت رأسها ثم لاحظت الكوب، تذكرت الحادث وما فعله عاصم حينها. قررت أن لا تقول له عن المشادة التي حدثت بينهم فردت بهدوء:
- مفيش.. إيه ده؟ فين القهوة اللي طلبتها؟
رد يوسف بجدية:
- مفيش قهوة وأنتِ بالعصبية دي، اشربي الليمون يهديكي أحسن. إيه اللي حصل؟
لم تتحمل سلمى كبت ما تحمله بداخلها، يجب أن تحكي له ما حدث فسقطت عبراتها رغمًا عنها. ثم صاحت بإنفعال:
- البيه بيشك فيا! مش كفاية عارفة عمايله وساكتة.
أقبل عليها يوسف بجدية وانفعال:
- حصل إيه تاني؟
استردت سلمى بنفس النبرة:
- كل ده عشان طارق قابلني في المستشفى لما جه يزور بابا. شك حاجة بيني وبينه.. تخيل وصل تفكيره لفين!!
طرق على سطح المكتب بشدة بضجر وهو يقول:
- إيه الهبل ده؟ بيستعبط باين له. أنا رايحله.
قام يوسف وكاد أن يتحرك، أمسكت به سلمى بذراعه وقالت بقلق:
- لا استنى، هتعمل إيه؟ الموضوع اتلم خلاص، مش ناقصة مشاكل.
نظر لها وهو يرمقها بنبرة غاضبة، ثم قال:
- سلمى...
قطعته سلمى سريعاً وأصطنعت البسمة وهي تقول بمرح:
- ها بقى يلا نقوم نتغدى لإني هموت من الجوع بجد.
حاولت سلمى تغيير الموضوع بأي طريقة، لأنها تعرف انفعالات أخيها جيدًا. من الممكن أن تحدث مشاكل عديدة هي في غنى عنها، فقد تحملت كل هذا من أجل والدها ولن تستمر في هذا القيد إلى أن يفيق.
أما يوسف يشعر بالضيق من تصرفاتها، ويعرف بأنها تغير مجرى الحديث كي تشغل تفكيره بسئ آخر، تتغاضى عنها وتسايرها وهو للأسف يعرف السبب جيدًا، يدعو الله من قلبه أن يزول ذلك السبب بأي شكل من الأشكال، حتى يستطيع أن يتحرك ويقدم على خطوة واحدة بدلًا من إحساس العجز الذي يقيده ولن تستطيع سلمى آنذاك إيقافه.
***
عاد إيهاب إلى طارق في الفيلا وهو يحاول إخفاء ما يشعره بالضيق، وذلك بعد اتصال طارق به وإلحاحه بوجوب الحضور لمعرفة ما به من تغيير حالته النفسية التي رآه عليها في الكلية. فترة وطارق ينظر له دون أن يبدي إيهاب. فصاح به:
طارق:
- لا حول الله ولا قوة إلا بالله.. قاعد في خلقتي ساعة، متتكلم يابني إيه اللي حصل؟
رد إيهاب لكي يحسم الأمر:
- خلاص بقى فكك من الموضوع ده.
نظر إليه طارق طويلًا ثم قال بهدوء:
- بخصوص سارة مش كده؟
حاول إيهاب الهروب من سؤاله، فرد بإنفعال:
- أنا اللي مضايق من فترة، المهم يلا نشتغل شوية، ألا الترم قرب يخلص.
علم طارق بأنه يهرب من السؤال، فضحك تلطيفًا للجو:
- ههههه مين ده اللي بيتكلم عن الشغل ده إيهاب!!
نظر له إيهاب بضيق وقال:
- أيوه إيهاب يا سيدي، صدق.
ضحك طارق وقال:
- طب كويس أوي، فرحتلك بجد.
سمع قرعًا على الباب ثم دخل الخادم قائلاً:
- أستاذ طارق، في مخبر عايزك تحت.
تعجب طارق وهو يقول:
- مخبر؟ عايز إيه ده كمان؟
نظر إيهاب لطارق وهو يقول بتفكير:
- غريبة دي، يكنش بخصوص...
قطع حديثه عندما وجد تهاني بالغرفة، فقد سمعت بوجود المخبر، فقالت بقلق:
- في إيه يابني، كان عايز منك إيه ده؟
تنهد طارق فرد بهدوء:
- مفيش يا ماما، كان عايزني بموضوع ضرب النار.
ردت بنفس النبرة:
- وهتعمل إيه؟
قام طارق وهو يهم بالخروج قائلاً:
- هروح أشوف في إيه.
ذهب طارق وإيهاب إلى قسم الشرطة، وهو على دراية أكيدة بأنه بشأن الحادث. ظل يفكر طوال الطريق.. إلى أن وصلا إلى القسم ودخلا.
أقبل طارق قائلاً:
- خير يا فندم.
أشار له الضابط على المقعد قائلاً:
- كل خير يا أستاذ طارق، بخصوص الاعتداء اللي حصل عليك من السيد عاصم بشروع طلق النار عليك.
رد طارق في ثبات:
- حصل خير يا فندم، كان بينضف المسدس بتاعه، خرجت طلقة غصب عنه.
شك الضابط به فقام بتساؤله:
- يعني محاولش الاعتداء عليك؟
أجاب طارق بنفس النبرة الثابتة:
- لا يا فندم، زي ما قلتلك.
نظر له بشك وهو على يقين بأنه يتستر على عاصم:
- على الرغم إن الدكتور قال في التحقيق إنه كان بيتخانق معاك قبلها وطلع مسدسه وضرب عليك نار.. غير والدك السيد محمود الإبياري تاني يوم الحادث جاه وقدم بلاغ ضده.
تساؤلات كثيرة بداخل طارق، وما كان عليه إلا السكوت وعدم إبداء أي كلمة.
تعجب الضابط من تسرعه وعدم الاعتراف عليه، فنظر له وقال بهدوء:
- على العموم، هتحفظ القضية ضد مجهول.
قام طارق وقبل أن يهم بالخروج قال:
- أقدر أستأذن دلوقتي؟
أشار له الضابط بيديه بمعنى المغادرة، ثم قال بتأكيد:
- اتفضل، بس لو اتعرضلك تاني يا ريت تبلغ المرة الجاية.
خرجوا من القسم وإيهاب متعجب من رد فعل طارق كثيرًا، ويستشاط غضبًا من نفيه. تماسك إلى وصلوا الفيلا.
صاح به إيهاب بغضب:
- إيه اللي أنت عملته ده؟
رد بلامبالاة:
- عملت إيه؟
قال إيهاب بنفس النبرة:
- ليه معترفتش على عاصم وقلت إنه فعلاً اتهجم عليك؟
رد طارق بقلق:
- عشان خاطر سلمى متبهدلش أكتر من كده، كفاية اللي حصل، كل ده كان بسببي.
صاح به إيهاب معترضاً:
- إزاي يعني؟ كان لازم تتكلم، كنت هتروح فيها لولا ستر ربنا، ولا نسيت؟
أرمقه طارق نظرة ثم رد بجدية:
- لا منستش، بس أنت مش فاهم حاجة، يبقى تقفل على الموضوع أحسن.
تنهد إيهاب في حيرة من أمره، لا يعرف ما الذي ينوي عليه في سكوته عن حقه هكذا. اقترب من ياسه فقام وهو يقول بضيق:
- أمرك عجيب بجد، أنا هتعب نفسي معاك على الفاضي. هناديلك نور تتصرف معاك أحسن.
تحرك إيهاب نحو الباب، قام طارق مسرعًا ومنعه من الخروج وهو يقول بحزم وتفكير:
- لا استني، مش لازم تعرف نور حاجة دلوقتي.
اندهش إيهاب من رد فعله ثم عقد ذراعيه وقال بتذمر:
- مش معقول تاني، ليه بس؟
رد طارق بشرود:
- اسمع اللي بقولك عليه وخلاص.
قرر إيهاب أن يستسلم لرغبته الآن، إلى أن يجد برًا يرسو عليه:
- طيب أما نشوف آخرتها معاك إيه.
كانت نور بالقرب من الباب وسمعت الحوار الدائر بينهم. متعجبة كثيرًا من موقف أخيها وفي نفس الوقت تستجديه وتخاف عليه من موقفه أمام سلمى، ولا زالت في حيرة من أمره لماذا فعل كل هذا. وما الذي يخطط بشأنه يا ترى؟
في المساء عاد محمود إلى المنزل وقصت تهاني ما حدث، وبعد تساؤلات لم يعرف رد طارق عن المحضر، فلم يستطع أن يرى أحدًا ما يعتدي على ابنه وينتظر إلى أن يرى رد فعله هو. كان لابد أن يتحرك ولا يقف ساكنًا. أرسل في طلب طارق الذي تهرب من الإجابة ورد باختصار شديد حتى ينهي الأمر، ولكن محمود لم يكن مطمئنًا لتصرفه على الإطلاق، وشك بأنه فعل شيئًا ما.
أما نور قررت أن لا تخبر سلمى بما حدث، وتترك ما سمعته إلى وقت يستلزم به الحديث.
مر أسبوعان ودخلت الممرضة غرفة العناية المركزة تزيح الستائر قليلاً. اندهشت من تحريك هاشم يديه. ركضت سريعًا لإبلاغ الطبيب.
رواية صفقة حب الفصل السادس 6 - بقلم شيماء جوهر
قد يكون الشيء سارًا في ظاهره، ولكن عندما نقترب منه أكثر فأكثر يصبح عكس ذلك، وقد يكون باطنه خافيًا عما تُجمِله الأيام وما إلى ذلك. فلا نعلم أي منهم خيرًا لنا.
تفاجأت الممرضة وهي تزيح الستار عن النافذة بتحريك هاشم يديه. لم تستوعب إلا عندما رأته وهو يحاول فتح عينيه ببطء.
تفاجأت مما حدث للتو وركضت سريعًا كي تبلغ الطبيب. دقائق وعادت سريعًا مصطحبة معها الطبيب، فوجد هاشم ساكنًا في مكانه وعيناه مغلقة، كأنه لم يفق بعد.
اندَهش الطبيب والممرضة ثم نظر لها وصاح بها موبّخًا إياها:
- فين ده اللي فتح عينيه؟ مش تشوفي كويس؟
تفاجأت الممرضة ولا تعرف ماذا تقول، فقد رأته بأم عينيها مفتوح العينين أمامها. ردت في حيرة من أمرها والتوتر يملأ صوتها:
- والله يا دكتور لسه مفتح عينيه دلوقتي.
عاد هاشم مرة أخرى وفتح عينيه. لاحظت الممرضة وأخذت تصيح في لهفة بالغة كأنها رأت أشباح:
- أهو يا دكتور بيفوق، فتح عينيه.
صاح بها بسرعة:
- ناديلي الدكتور اللي متابع حالته حالًا!
ركضت الممرضة سريعًا ومعها الطبيب، وعين هاشم ثابتة لا تتحرك.
******************
سلمى في منزلها ومعها نور. تجلس أمام حمام السباحة شريدة، تبتسم تارة وتدمع تارة. لقد اشتاقت لوالدها كثيرًا. فقد ترك عليها حملًا كبيرًا. كانت تظن في مقتبل الأمر بأنها على قوة كاملة لتحمل تلك المسؤولية، وبالفعل كانت كذلك، ولكن ما لم تستطع تحمله هو عاصم. تدريجيًا أزال القناع الذي يخفي حقيقته، ولا تعرف أن ما تخشاه كان صحيحًا أم لا.
خاصة بعد حادث المشفى، شعرت بأنها لا تعرفه من قبل، شخص غريب عنها، بعيد كل البعد. فلا تزال تعيد شريط الأحداث أمام عينيها.
تنهدت نور وهي تربت على منكبيها، مردفة بحزن:
- كفاية تفكير في اللي حصل بقى.
مسحت عبراتها وردت وهي تنظر للأمام شريدة:
- مش بفكر في عاصم. هل يا ترى أنا بحبه فعلًا؟ لو كنت بحبه ليه مش مبسوطة لما بشوفه؟ ليه مش برتاح في الكلام معاه؟ لكن بابا وحشني أوي يا نور، سنة و6 شهور دلوقتي بعيد عني، نفسي يرجع تاني.
تنهدت نور بحزن فهي تشعر بحزنها وبمأساتها وهو بعيد عنها من جميع النواحي، فقد تحملت الكثير ولا تعرف كيف تهون عليها. فربتت على يديها وقالت بنبرة حانية:
- إن شاء الله. تعرفي أنا متفائلة بالموضوع ده، إن شاء الله هيفوق قريب. مش الدكتور قالك من فترة إن قريب هيفوق؟ ثقي بالله يا حبيبتي وربنا ييسر أحوالك مع عاصم. متنسيش إنك هتبقي مراته بعد كده، لازم تتفهموا أكتر من كده.
ابتسمت بتهكم وأردفت:
- ونعم بالله، أنا حاسة بكده بردو. ربنا يستر بجد. إنما عاصم مفتكرش إني ممكن أكمل معاه بعد كده.
تكاد نور الرد على جملتها الأخيرة، فدخلت الخادمة مقاطعة إياها قائلة:
- آنسة سلمى، تليفون عشانك.
التفتت إليها سلمى وردت بهدوء:
- من مين؟
أجابت الخادمة:
- واحد بيقول المستشفى.
صاحت بها سلمى بلهفة كبيرة:
- إييييييه!!
قامت تركض سريعًا ترد على الهاتف وخلفها سلمى. أنهت المكالمة وهي تضحك بشدة وتكاد أن تطير فرحة، فظلت تقفز في الهواء.
شعرت سلمى بأن ما حدث كان على ما يرام. أقبلت عليها نور بلهفة واهتمام:
- حصل إيه، طمنيني.
صاحت سلمى فرحة:
- بابا فاق يا نور، بابا فاق.
ابتسمت نور بشدة وصاحت بها:
- إيه بجد!! مش قلتلك؟ يلا بينا بسرعة.
*************
ركضت نور وسلمى سريعًا إلى الخارج. ركبتا السيارة وقادت الأخيرة بسرعة جنونية. عشر دقائق ووصلتا إلى المشفى، فسبقت سلمى نور بسرعتها إلى العناية المركزة بكل فرحة وحماس.
فتحت الباب ووجدته ينظر إليها وهو يحاول الابتسام. بكت سلمى من فرحتها وركضت نحوه تقبّل عطر يمناه. أجشت في البكاء فرفع يديه بصعوبة وربت على رأسها. رفعتها وهي تمسح عبرتها التي أصبحت كالشلال، فأقبلت عليه بشوق ولهفة:
- ألف حمد الله على سلامتك يا بابا. مش مصدقة نفسي، أخيرًا رجعتلي تاني.
رد هاشم بصوت ضعيف ومهزوز:
- بلاش دموع يا حبيبتي، أنا جنبك أهو.
ابتسمت سلمى وردت بنبرة باكية:
- غصب عني بجد من فرحتي، ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
ابتسم هاشم وقال:
- ولا منك أنتِ وأخوكِ.
كل هذا ونور كانت تقف عند الباب بعدما لحقت بسلمى، وشاهدت المشهد المؤثر بينهم، فأدمعت عيناها وقالت باسمة:
- ألف حمد الله على السلامة يا أنكل، عقبال ما تقوم لنا بالسلامة.
رد هاشم:
- الله يسلمك يا نور. فين يوسف يا سلمى؟
سلمى مسحت عبرتها وهي تبحث عن هاتفها بلهفة:
- يوسف هكلمه حالًا، انشغلت بيك. المستشفى لسه مكلماني، ملحقتش أكلمه.
ابتسمت نور، فهي تحاول مساعدتها، فأقبلت عليها مردفة:
- روحي كلميه وأنا معاه.
ابتسمت سلمى وقالت وهي تركض للخارج:
- طيب يا نور.
*******************
اتصلت سلمى بيوسف وأخبرته بإفاقة والدهما. كانت فرحته لا توصف. في قرابة ربع ساعة كان بالمشفى ولقاؤهما كان حاسمًا للغاية.
بعد الاطمئنان عليه اتصلت نور بوالدها وفرح كثيرًا هو وتهاني على عودة محمود سالمًا. أما طارق كان سعيدًا بعودة هاشم إلى الشركة ويكون المشروع تحت قيادته.
بهذه المناسبة قرر يوسف وسلمى إقامة حفلة لعودة هاشم بعد فترة غياب، وبالطبع الكثير من المدعوين من ضمنهم عاصم.
محمود في حديقة الفيلا، أقبل على تهاني قائلًا:
- جهزي نفسك بقى كمان تلات أيام الحفلة اللي عاملينها ولاد هاشم، هتكون على الساعة 7. هاجي من الشركة ألاقيكي جاهزة. بقولك من قبلها أهو عشان مرجعش ألاقيكِ مش جاهزة.
تساءلت بهدوء:
- تمام متقلقش. هتبلّغ طارق مش كده؟
نظر لها وقال وهو يهم بالخروج:
- أكيد هقوله يحضر، ده أهم واحد، وزمانه عرف. يلا عن إذنك.
******************
خلال الأيام الثلاثة لا تزال سلمى تباشر العمل في الشركة مثلما كانت تعمل من قبل، وتعود مبكرًا كي تراعي والدها. أما عاصم فتفاجأت بتغير معاملته لها للأفضل، الرد بهدوء، يتغاضى أحيانًا عن عصبيتها وعنادها. كانت مندهشة حقًا عن سر تغيره المفاجئ بنسبة 180 درجة منذ عودة والدها. ولم تعرف السر بعد.
عملها مع طارق كان يسير كما هو إلا إنها شعرت بتسارعه في العمل عكس ما كان في السابق، حسبت حالة الاستعجال التي عليها بسبب عودة هاشم وأراد إنهاء الصفقة سريعًا. فلم يروق لها الطريقة التي يعمل بها، طالما أحبت كل تفصيلة تأخذ حقها. فنشب بينهم الخلافات على أدق التفاصيل، فسرعته جعلتها تشعر بأنها مقيدة بالوقت. فعاد إلى حالته الأولى لمعرفته بها، لم يتحمل عنادها وعصبيتها، ولكن لا يعرف أن لكل فعل رد فعل، وما بدر منه كان رد فعل طبيعي لما فعله، لأنه يعرف كيف تحب عملها وجديتها به. فلم يعودا يتحملا سيرة كل منهم.
جاء يوم الحفلة والمقامة في فيلا هاشم الجوهري. استعدت سلمى وكانت في منتهى الجمال والأناقة. ارتدت فستانًا فضيًا فاتح اللون، بحمالة رفيعة مجسم من الجزء العلوي، مطرز بفصوص صغيرة جدًا لامعة، صففت شعرها للأعلى.
أما نور كانت ترتدي فستانًا وردي اللون، مصففة شعرها على ظهرها وكانت جميلة حقًا، لدرجة لم يستطع يوسف إبعاد عينيه عليها بإعجاب، فلم تلاحظ نور ذلك.
في تمام الساعة السابعة نزلت سلمى ويوسف لاستقبال المدعوين. ونور كانت تساعد سلمى في الإشراف على البوفيه.
نور طوال الوقت تنظر في ساعة يديها بقلق، لا تعرف سر تأخر أسرتها. فقد أصبحت الساعة الثامنة والحفلة مستمرة. لاحظ يوسف انسحابها من الحفلة بوقفها جانبًا، فاقترب منها متسائلًا:
- مالك يا آنسة نور؟
التفتت إليه وردت بشرود:
- ها، لا مفيش حاجة.
استرد يوسف باهتمام:
- شكلك قلقان من شوية، وبتبصي في الساعة. أنتِ مستنية حد؟
أجابت بهدوء:
- أه، بابا وماما اتأخروا فبستغرب تأخيرهم.
ابتسم يوسف وقال لطمأنتها:
- أكيد في حاجة عطلتهم، متقلقيش.
ردت نور دون النظر إليه:
- أه يمكن بردو.
قرر يوسف خف توترها قليلًا، دقائق وقطع الصمت قائلًا:
- طب يلا نروح لسلمى.
أثناء الحفل سلمى لم تزِل عينيها من البوابة وتنظر في الساعة، منتظرة شخصًا ما. حتى عاصم لاحظ ذلك، الذي كان يراقبها طوال الحفل. أقبل عليها يوسف ونور قائلًا:
- الجميل سرحان في إيه؟
فاقت سلمى من شرودها وهي تقول بشرود:
- يوسف خضتني، لا أبدًا مش سرحانة ولا حاجة.
نظر لها باسمًا وكأنه يتحدث بالألغاز:
- تعرفي أنا حاسس إن في حاجة هتحصل النهاردة، بس مش عارف إيه هي.
سلمى بتفكير:
- حاجة زي إيه مثلًا؟
رد يوسف بتخمين:
- خبر، قرار مش عارف أحدد. الجو العام عند بابا وأنكل حامد بيقول غير كده.
تنهدت سلمى وقالت بلامبالاة:
- أكيد بيتكلموا في شغل كالعادة يعني، ما أنت عارف مفيش جديد.
ابتسمت نور وقالت بمرح:
- يا خبر النهاردة بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
نظر يوسف لسلمى وهو يقول:
- هنعرف قريب. عمومًا عندك حق. آه صحيح أومال فين طارق؟
شعرت بالضيق لمجرد ذكر اسمه، فردت بلامبالاة:
- طارق مين؟ أه تقصد طارق الإبياري؟
ضحكت نور وردت بمرح كالعادة:
- ههههههه اسمع بتقولك طارق مين، شكلك مش طايقاه يا سلمى، هو رخم حبتين.
نظرت لها سلمى بضيق ثم نظر يوسف لها ضاحكًا:
- هههههههه أه فعلًا، أنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟ هو المفروض إنه يكون معزوم. أنتِ معزمتوش ولا إيه؟
ردت سلمى عليهم بضيق ولامبالاة:
- لا متخانقناش بس هو فعلًا رخم، خليت السكرتيرة تكلمه. ثم أنا مالي هو راح فين عمومًا هو حر.
ابتسمت نور وردت بمرح:
- إيه يا حبيبتي أنا أقول رخم. لاحظي إنك بتتكلمي عن أخويا، شكلكوا أنتوا الاتنين عايزين تضربوا بعض.
لم يتحمل يوسف كبت ضحكاته، فهو يعرف مناغشاتهم التي لا تنتهي، فالتفت إلى سلمى وقال ملطفًا:
- مفيش فايدة منك يا لوما.
ﻻ ده العادي من ساعة ما اشتغلوا سوا.
حاولت نور تغيير الموضوع تلطيفًا للجو العام، فغمزت لسلمى باسمة وأردفت مازحة:
- بس إيه يا عم الحلاوة دي بس ولا رجعت ابتسامتك تاني.
ابتسمت سلمى وردت قائلة:
- أنتِ كمان زي القمر.. وبعدين الابتسامة دي سببها بابا.. بجد يا نور مش مصدقة أخيرًا فاق.
ترددت نور قبل أن تسأل، لإنها تعرف الإجابة جيدًا:
- آه صحيح وأخبار الشركة إيه؟
أجابت بأريحية:
- كويسة وأخيرًا بقى هرتاح من الصفقة دي.. مش المفروض بابا يمسكها؟
ضحكت نور فكما توقعت الإجابة، فلا تعلم بأن وقت الراحة لم يحن بعد، فصدمتها لتقول:
- هههههه باباكي حالته الصحية متسمحش دلوقتي هو آه اتحسن بس لسه.
أغمضت سلمى عيناها في غضب لما سمعته، هذا يعني عليها احتمال طارق قليلًا، فردت بتذمر:
- اممممم قولي كده.. يا ستي سيبيني أفرح شوية.
اقترب منهم عاصم، أقبل على سلمى باسمًا وبمرح:
- إيه الحلاوة دي بس.
ابتسمت سلمى باصطناع وردت:
- ميرسي يا عاصم.
نظر لها مطولًا ثم قال بتردد:
- ممكن نتكلم مع بعض شوية يا سلمى؟
نظرت لها نور وغمزتها، بمعنى يجب التحدث بمفردكم قليلًا.. التفتت إلى يوسف وقالت:
- طيب هسيبك أنا دلوقتي، يلا يا أستاذ يوسف.
فهم يوسف نظرة نور، فذهب معها وهو ينظر لسلمى وعاصم:
- يلا عن إذنكوا يا جماعة.
انتظرت سلمى مغادرتهم ثم التفتت إلى عاصم وهي عاقدة ذراعها، متسائلة بجدية:
- ها يا سيدي عايز إيه؟
ابتعدوا قليلًا ثم أشارت لها نور لكي تعطي له فرصة ليتحدث.. فقطع عاصم الصمت:
- حرام عليك يا سوسو أسبوعين بحايل فيك يا حبيبتي موضوع وعدي وأنتِ عارفة أد إيه بغير عليك.
عندما تذكرت ما حدث لم تتحمل، فصاحت به غاضبة:
- دي مش غيرة يا عاصم ده شك.. عارف أنت خليت شكلي إزاي.
نظر لها وقال بحب:
- بحبك يا سلمى.. أنتِ حبيبتي وخطيبتي وقريب هتكوني مراتي.. أنتِ عارفة إن مفيش في القلب غيرك.
نظرت له بعدم تصديق وقالت بضيق:
- لا واضح إنك بتحبني فعلًا.. طالما بتحبني ليه عمايلك معايا كل شوية بالشكل ده!! ما أنا كمان بغير عليك يا عاصم بس مش بالشكل بتاعك ده وقلت كتير هيتغير بس مفيش نتيجة يا أخي.
حاول عاصم تغيير الموضوع فقال بلهفة:
- سيبك بس من الكلام ده.. المهم وحشتيني.
لم تستطع سلمى تصديق ما يقول، فرفعت حاجبها باستنكار قائلة:
- مممممممم لا والله!!!
نظر لها عاصم بحزن وقال:
- إيه مش وحشتك؟
تنهدت سلمى وقالت بجدية:
- عمايلك دي اللي مش بتخليك توحشني.
أمسك يداها وقال بحماس:
- أنا بقى محضرلك مفاجأة هتعجبك قوي.
ابتسمت سلمى وردت متعجبة:
- مفاجأة إيه دي؟
ابتسم لها بحب وقال:
- هتعرفي دلوقتي.
نور ويوسف لا يزالان في مكانهم لمراقبة الحال، إذا تهورت سلمى كعادتها.. وأثناء حديثهم تنهدت نور وهي تقول بهدوء:
- ربنا يصلح الحال ما بينهم مصيرهم في الآخر الجواز لازم يتفاهموا سوا.
رد يوسف بهدوء، فكان على إعجاب بطريقة تفكيرها:
- يا رب الفترة اللي فاتت وعلى طول بيكلمها عشان تصالحوا بس برافو عليكِ إنك خليتينا نمشي.
نظرت له وردت بجدية:
- مكنش في حل إلا كده.
*******************
عاد محمود من الشركة على أمل أن يجد تهاني مرتدية ملابسها ومستعدة.. دخل إلى مكتبه وهو ينادي عليها:
- يلا يا تهاني أنتِ لسه ملبستيش اتأخرنا زمانهم مستنينا.
أقبلت عليه تهاني وهي تحمل حقيبتها قائلة:
- أنا خلصت أهو أنت إيه اللي أخرك كده؟
رد محمود وهو يفرغ حقيبته من الأوراق والمستندات:
- كان في أوراق مهمة في الشركة مكنش ينفع تتأجل، يا دوب خلصتها وجيت على طول.. فين نور؟
ردت تهاني مذكرة إياه:
- ما أنت عارف.. نور مع صاحبتها من الصبح.
نظر لها وقال باستعجال:
- آه صحيح زحمة الشغل نستني.. طارق موجود في أوضته؟
ردت بتفكير:
- لا شكله مع أصحابه ولا حاجة.
عقد حاجبيه ورد بغضب:
- أصحاب إيه دلوقتي هو مش عارف الأستاذ إن في ميعاد منبه عليه.
حاولت تهاني تهدئة روعه قليلًا:
- طيب براحة بس وشوف هو راح فين.
****************
الهروب من الواقع بالنسبة له أسلم حل، لا يعرف إنه مهما هرب مصيره بالعودة والمواجهة.. فرغم علمه بشأن الحفلة إلا إنه قرر الابتعاد بشتى الطرق، فذهب بعيدًا مع أصدقائه.
يجلس طارق أمام شاطئ البحر في شرود تام، جلس إيهاب بجانبه وقال:
- إيه يا بني من ساعة ما جينا وأنت قاعد كده يبقى إيه لزمته مجيتنا.
رد طارق بجدية دون أن يلتفت إليه:
- لو زهقت ممكن تنزل عادي مفيش مشكلة.
شعر إيهاب بضيق طارق، فحاول الاستفهام منه عما حدث:
- لا يا سيدي مش كده.. طب فيها إيه لو كنت روحت يعني.
التفت إليه طارق وصاح به بغضب:
- هو أنا كنت بطيقها في الشركة لما أجي الحفلة، ثم أنا جي هنا ليه مش عشان كده.. دي حتى مش هي اللي عزمتني خلت السكرتيرة تكلمني، كمان عايزني أروح!
لم يعرف إيهاب أن يحمل عنه، فرد بهدوء:
- ربنا يستر وأبوك مش يكلمك عشان تروح.
كاد أن يرد طارق فسمع رنين هاتفه، تناوله بكلل ثم نظر إلى إيهاب وقال بضيق بعدما رأى اسم المتصل:
- قريت فيها يا عم أهو أبويا بيتصل.
لم يتحمل إيهاب نظرته فضحك بشدة:
- ههههههههههه.
تغاضى عنه طارق ورد على المتصل قائلًا:
- ألو أيوه يا بابا.
رد محمود بكل غضب:
- أنت فين يا أستاذ مش عارف إن في ميعاد منبه عليه النهاردة.. أنت فين دلوقتي.
لا يعرف طارق ماذا يقول بشأن سفره المفاجئ، حسم أمره وقال:
- أيوه يا بابا أنا في الساحل.
اتسعت عين محمود صدمة ودهشة، لا يعرف كيف يفكر هذا الابن العنيد.. تعالت نبرة صوته وانفعل بغضب شديد:
- بتقول إيه؟ ساحل إيه ده كمان!! أنت تنزل لي دلوقتي حالًا.
تنهد طارق بضيق شديد ثم صاح بضجر:
- يا بابا مش عايز أجي هو بالعافية.. ثم حضرتك وماما ونور كفاية قوي.
انفعل محمود أكثر ورد بنبرة تهديدية محذرًا إياه:
- اسمع.. هتيجي الحفلة حالًا وإلا هيكون في تصرف تاني.
رد طارق بحزم:
- يا بابا.....
ولكن لم يستطع إكمال حديثه، فقد قطع محمود الخط.
كاد أن يهشم هاتفه غيظًا وغضبًا، فوقفه إيهاب سريعًا.. فتنهد بحيرة وهو يقول:
- ها مفيش فايدة برضه؟!
صاح بغضب:
- قفل في وشي السكة.
ربت إيهاب على منكبه وقال بحسم:
- مفيش مهرب هتعمل إيه دلوقتي أنت مضطر تروح.
تنهد طارق بعمق ورد بشرود وتفكير:
- هييييييح مش عارف أفلت من الحفلة دي إزاي.. بس هتصرف.
********************
أغلق محمود الخط وهو في منتهى العصبية والانفعال، وأطلق ما تبقى منها على تهاني التي تحاول تهدئة روعه قليلًا، فصعد ليستعد ورحلا معًا إلى الحفلة.
بعد السلامات والحديث عن صحته أخذا يتحدثان في أحاديث عامة ومن ضمنها العمل:
- شركتك نورت يا هاشم، إيه يا راجل الغيبة الطويلة دي.
تنهد هاشم ورد بشرود:
- حاسس إنهم مية سنة.
ربت عليه محمود باسمًا:
- عمومًا حمد الله على السلامة والشركة في غيابك ماشية زي الفل البركة في سلمى.
ضحك هاشم وهو يفكر في حديث محمود:
- مصدقتش إن سلمى تعمل كل ده طلعت بميت راجل صحيح.. وطبعًا طارق المجهود اللي بنهم في المشروع الجديد.
ابتسم محمود ورد قائلًا:
- ربنا يخليهالك وتفرح بيها إن شاء الله.
ابتسم هاشم وهو ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء وهو يقول:
- إن شاء الله قريب جدًا في أخبار كويسة، أومال طارق فين مشوفتهوش لحد دلوقتي.
توتر محمود من كلماته، فأردف وهو يسير:
- آها ثانية واحدة هشوفه.
تركه وذهب إلى تهاني وهو في قمة غضبه وإحراجه قائلًا:
- ممكن أفهم ابنك فين لحد دلوقتي.. كده يكسفني قدام هاشم!
ردت تهاني وهي تتلفت حولها.. ثم قالت بصوت منخفض وهي تحاول تهدئته:
- اهدى بس ألا حد ياخد باله.
نظر لها وصاح بها بصوت يكاد أن يكون مكتوم:
- يعني مش شايفة عمايل ابنك اللي هتجنني!
ردت مدافعة عنه وإعطاء عذر له:
- زمانه جي.. أكيد في حاجة عطلته.
قال بغضب دون أن ينظر إليها بحزم:
- ابنك ده علاجه الوحيد هو الجواز اللي هيربيه ويتحمل المسؤولية بجد.
تنهدت تهاني بحزن وقالت يائسة:
- أنت عارف رأي ابنك في الموضوع ده.
نظر لها بجدية وهو يقول بنبرة تنذيرية:
- بعدين هنتكلم فيه المهم أشوفه فين دلوقتي.
******************
مر الوقت قرابة ساعة والحفلة تسير على ما يرام، تعجبت سلمى من عدم حضور طارق مع والديه، بعدها أدركت بأنه يمكن لا يريد رؤيتها بعد الخلافات بينهم، تغاضت عن تلك الفكرة وهي لا تزال تفكر في سر تأخره.
منذ أن تركها عاصم وقلبها غير مطمئن، تشعر بتدبير شيء ما حولها.. فأقبل يوسف عليها وعلى وجهه علامات تعجب قائلًا:
- صحيح اللي سمعته ده يا سلمى؟
تفاجئت سلمى من بداية حديثه الغامضة، فردت بتساؤل واهتمام:
- سمعت إيه؟
ألقى عليها يوسف المفاجأة الكبرى:
- عاصم حدد ميعاد الفرح مع بابا لقيته بيتكلم أنكل حامد مع بابا.
اتسعت سلمى عيناها دهشة، إذن هذه كانت المفاجأة التي أراد عاصم أن يصدمها بها!!.. يا ويلها منهم، صاحت به في صدمة وانفعال:
- إييييييه.. كده من نفسه مش المفروض ياخد رأيي في حكاية زي دي!
ربتت نور على يداها كي تهدئ من روعها، فقد تعالت نبرة صوتها دون دراية منها أثر انفعالها، وبدأت الأنظار تلتف حولها:
- كده كده المفروض إنكوا مخطوبين وهتتجوزوا بالنسباله مش فارقة تعرفي ولا متعرفيش طالما باباه وأنكل هاشم اتفقوا على الميعاد.
ضربت سلمى كفًا على الأخرى وهي ناظرة لها بحنق، لتقول في غضب شديد:
- بذمتك لو كنت مكاني هتقولي الكلمتين دول، احنا في زمن سي السيد ولا إيه.. بقى كده يا عاصم هي دي المفاجأة اللي محضرهالي مش معقول بجد..
وأنا اللي قلت هيصالحني على عمايله بتاعة الفترة اللي فاتت دي.
ضحكت نور وصاحت بمرح:
- هههههههه ولا وهتدبسي يا جميل.
صاحت بها سلمى بغضب، وقالت قبل أن ترحل:
- بس يا نور هو أنا ناقصة؟ لازم أفهم اللي بيحصل كويس.
ذهبت سلمى بخطوات سريعة أشبه بالركض لتستفهم عن تلك المهزلة التي حدثت منذ قليل، لأنها يجب أن تتحدث مع عاصم ووالدها سريعًا. ركضت نور ويوسف وراءها لأنهم يعرفون جنونها وعصبيتها جيدًا في تلك المواقف.
وجدت عاصم يقف مع هاشم ومحمود وحامد، أي تجمع بموافقة الأغلبية ولا كأنها هي من تتزوج. تنظر إليهم بصدمة وغضب شديد، رآها هاشم فأشار إليها قائلًا:
- تعالي يا سلمى خلاص اتفقنا على ميعاد كتب الكتاب الشهر الجاي.
نظرت له سلمى ببلاهة وعدم تصديق، ولم تتفوه بكلمة. أقبل عليها حامد باسماً:
- ألف مبروك يا ولاد عقبال فرحكم إن شاء الله.
نظر لها عاصم باسماً ورد بنبرة مرحة:
- ألف مبروك يا حبيبتي، إيه رأيك في المفاجأة دي؟
أرمقته بنظرة غاضبة ومنفعلة للغاية، لا تريد سماع صوته حتى. وأيضًا لم تتفوه بكلمة، اندهش الجميع من سكوتها غير المعتاد، فالتفت إليها هاشم متسائلًا:
- ها إيه رأيك يا سلمى؟
ابتسمت بتهكم، ثم ردت بضيق:
- هو يفرق رأيي يا بابا بعدما قررتوا! ولا كأني صاحبة الشأن ولا اللي هتتجوز أساسًا. بس إيه القرار المفاجئ ده؟!
أرمقها هاشم بنبرة غاضبة، فلم تروق له الطريقة التي تحدثت بها أمامهم، تغاضت عن نبرته ورأت إن ما فعلته هو الصواب.
أقبل عليها حامد ورد قائلًا:
- ولا مفاجئ ولا حاجة انتوا مخطوبين بقالكم 3 سنين كفاية كده عايزين نفرح بيكم.
ردت سلمى بثبات وحزم:
- تفرحوا بينا لما تاخدوا رأيي الأول، لاحظ حضرتك إنك بتتكلم بصيغة الجمع مش المفرد، مش تقرروا براحتكم ولا كأني هنا. عن إذنكوا.
حالة من الصمت والإحراج الشديد والتعجب مما بدر من سلمى، ولا يعرف ماذا يقول هاشم معتذرًا لهم.
رحلت سلمى وهي تشعر بداخلها بقليل من السلام النفسي، تحسنت قليلًا عندما أطلقت ما كبت في داخلها، لو لم تتحدث فكاد أن يحدث لها شيء.
وعلى الرغم من ذلك فهي على علم ودراية كبيرة أن ما حدث لن يمر مرور الكرام لهاشم أبدًا، فهي غير مبالية لما يحدث، فعلت ما يرضي عقلها فقط.
لقد تفاجأ يوسف ونور بحديث سلمى، ولكن كان على يقين بأنها لن تصمت وهي تراهم يقررون حياتها دون علمها، بناء على شخصيتها وكان في باطن نفسه سعيد بما حدث حتى لا يفهموا صمتها ضعفًا منها، وفي نفس الوقت يخشى ما يحدث بعد الحفلة.
عادت سلمى إلى أدراجها وهي تشع غضبًا وانفعالًا:
- عجبك اللي بيحصل ده؟ كده يتفقوا من غير ما أخد قرار حتى.
رد يوسف بحماس:
- إحساسي كان في محله. كما توقعت في حاجة هتحصل. بس أنتِ كنتِ جبارة يا بنتي ثبتيهم كلهم.
قالت نور بحزن عما حدث:
- هي حاجة تضايق إنهم ماخدوش رأيك بس مصيركوا هتتجوزوا يا سلمى.
ردت سلمى منفعلة:
- عارفة يا نور بس أنا لسة مش مستعدة للجواز أخدوني على سهوة.
أردف يوسف بجدية:
- اللي حصل يا سلمى كده كده دلوقتي أو بعدين هتتجوزوا، ثم مش هتعرفي تعترضي على بابا.
تنهدت سلمى بضيق شديد، فالخبر جاء بموعد غير مناسب، كأنهم يضغطون على قرارها بحالة هاشم. فردت بضيق:
- عارفة حالته الصحية متسمحش. أعمل إيه بس يا ربي دبرني.
يوسف بتفكير:
- كده مفيش حل إلا إنك تقعدي مع بابا وعاصم وتتفاهمي معاهم.
ضحكت سلمى بسخرية:
- لا أنسى. بابا لا يعني لا مفيش نقاش، بذمتك مش ناسي اتخطبنا إزاي؟ عاصم هيتحجج لي بمية حاجة وباباه شور يعني هيأثر عليه بقالكم كام سنة مخطوبين ومش عارفة إيه، ومش هيلغوا قرار كتب الكتاب ولا هعرف آخد منهم حق ولا باطل. اللي مضايقني في الموضوع ده كله مش عاطيني أي أهمية في أخذ القرار وبيتصرفوا على كيفهم.
ربتت نور وقالت ضاحكة:
- معنى كده مبروك مبدئيًا. مبروك يا لوما والله وأشوفك عروسة.
نظرت لها سلمى بغرابة وقالت:
- أنتِ خلاص عملتيني عروسة.
ضحك يوسف على طريقة نور، ثم نظر إليها باسماً:
- عقبالك يا آنسة نور.
شعرت نور بالإحراج من نظرته وابتسامته، فتنحنحت مردفة:
- أحم إن شاء الله وأنت كمان.
لا يزال يوسف معلقًا نظره عليها:
- يا رب.
لا تعرف كيف تهرب منه، شعر بها فابتسم. غيرت الموضوع قائلة:
- أحم غريبة أوي كل ده وما جاش.
تساءل بتأكيد:
- مين ده طارق؟
ردت نور بجدية:
- أها اتأخر أوي.
سلمى كل حين تختلس عيناها خلسة وتنظر إلى الباب. مرت ساعتان وانتهت الحفلة بعدم مجيء طارق، وهذا ما جعل محمود يزيد في غضبه. فسأله هاشم عن سر غيابه:
- إيه اللي حصل يا محمود ما جاش ليه لحد دلوقتي؟
نظر محمود للساعة بلهفة، ثم قال بقلق:
- أنا قلقت والله كلمني وقالي إنه في السكة.
ركضت نور نحو محمود وصاحت بلهفة:
- بابا طارق وصل أهو، يا خبر إيه ده....
ذهب معها محمود ثم صاح عندما رآه:
- هو فين ده؟ إيه اللي عمله في نفسه ده؟
طارق يقف بجانب سيارته أمام الفيلا، سلمى تبحث عنه بعينيها إلى أن تقابلت نظراتهما في ثوانٍ صامتة بينهم.
رواية صفقة حب الفصل السابع 7 - بقلم شيماء جوهر
طارق يقف بجانب سيارته أمام الفيلا، سلمى تبحث عنه بعينيها إلى أن تقابلت نظراتهما في ثوانٍ صامتة بينهما، حوار دار لم تكن ألسنتهما لتبوح به.
الجميع واقف مندهش للغاية على شكل طارق، وما سواه في حالته المضحكة كثيرًا، التي كبتت ضحكتها هي ويوسف قدر ما يستطيعان، فنظر لها متعجبًا وقال:
- إيه اللي طارق عامله في نفسه ده؟! إيه اللي حصل؟!
رفعت نور منكبيها بعدم المعرفة وهي تنظر لأخيها ببلاهة:
- والله ما أعرف أنا ماسكة نفسي بالعافية الموضوع في أَن.
قضب يوسف جبهته وهو يتساءل بغرابة:
- وعرفتِ إزاي؟!
ارتسمت على شفتيها بسمة جانبية وهي تقول بثقة:
- وراه حاجة.. عيب أخويا وعارفاه.
ضحكت سلمى رغم عنها، فالهيئة التي أمامها لا تستطيع المرء منا أن يراها دون أن يبتسم حتى، تعجبت من حاله وهي تنظر لنور متسائلة هي الأخرى:
- غريبة إيه اللي بهدله بالشكل ده؟! هههههه.
تنهدت نور بحيرة من أمر أخيها، فردت وهي لا تزال نظرها معلقًا على طارق بتفكير:
- علمي علمك بجد.
شعر محمود بالحرج كثيرًا من تلك الهيئة الغريبة التي يرثى لها ولده، وتأخره عن الحفلة حتى انتهت، فأقبل على هاشم كي يرحلا سريعًا ويكفي ما حدث حتى الآن يستأذنه بالرحيل:
- إيه اللي حصل لطارق؟!
تعذر محمود بأي كلمة يبرر مظهر ولده:
- مش عارف الظاهر حصل حاجة في الطريق، نستأذن إحنا على تليفونات بقى.
صافحه هاشم وهو يقول مودعًا:
- أكيد إن شاء الله.
نظر محمود إلى نور ففهمت مقصده، ودعت سلمى سريعًا وسابقت والديها على السيارة مقبلة على طارق وهي تضحك على هيئته بشدة، نظر لها بغضب فتغاضت عنه وأكملت ضحكها وهي تستقل السيارة.
محمود في حالة غضب وإحراج شديدة، قال دون أن يلتفت لتهاني:
- ابنك شكله عمل مصيبة، شايفة منظره.
حاولت تهاني تهدئة روعه قليلًا وهي تقول بنبرة متوترة:
- شكل العربية عطلت ولا حاجة.
رد محمود قائلًا بحنق شديد:
- حسابه معايا لما نروح.
وصلا إلى السيارة وقبل أن يستقل محمود نظر لطارق بحنق شديد ونظرة متوعدة حاول طارق أن يتفاداها، استقلا السيارة جميعًا ورحلا سريعًا.
طوال الطريق يدعي طارق أن تمر هذه الليلة على خير، لأنه يعلم أن عقابه عسير عندما يصلون إلى المنزل، وهو يفكر في سبيل للخروج من هذه الأزمة.
لاحظت نور نظرات محمود التي يخطفها من المرآة كل حين على طارق، وهو ينظر له بحنق شديد وهو يستغفر بهمس، وهي تضحك بشدة دون صوت، إلى أن غمزها طارق في ذراعها كي تصمت.
وصلوا المنزل وترجل محمود سريعًا إلى الداخل وخلفه تهاني، أما طارق ونور يسيران ببطء هو يفكر في مخرج وهي تضحك، إلى أن أصبحا في مواجهة والدهما، فقالت له بهمس وهي تبتعد عنه:
- استلقي وعدك يا حلو.
رد بنفس الهمس:
- ربنا يستر.
اقترب منه محمود وصاح بغضب:
- ممكن أفهم إيه اللي حصل النهاردة ده؟! خليت رقابتي زي السمسمة.
لم تحتمل تهاني أن ترى انهيار زوجها أمامها، ويحرق في أعصابه هكذا، فنظرت لطارق وصاحت فيه معاتبة:
- إيه اللي أخّرك يابني مش معاك ميعاد مع أبوك!
رد طارق مدافعًا عن نفسه:
- أعمل إيه كنت جاي في السكة والطريق زحمة بالليل.
استرد محمود صياحه بنفس النبرة:
- وإيه اللي أخّرك يا أستاذ.. أنا مكلمك من بدري جاي بعد 3 ساعات إن شاء الله.
أردف طارق متذمرًا بعناد:
- الله مش أنا جيت في الآخر أهو، جيت أنا ولا مجتش!
وضع محمود يدًا على الأخرى وهو يصيح بحنق:
- بعد إيه يا حبيبي بعد ما كسفتني قدام الراجل والحفلة ما خلصت، ما لسه بدري.
حاول طارق بشتى الطرق أن ينهي هذه المحاكمة الآن قائلًا:
- خلاص يا بابا اللي حصل كان غصب عني.
أخذ محمود يتفحص ملابسه بغرابة، ثم قال منفعلًا:
- وإيه اللي أنت عامله في نفسك ده!.. إيه اللي بهدل هدومك كده؟!
رد طارق بمنتهى المبالاة وكأنه لم يفعل شيئًا:
- منا كويس أهو.
حرك محمود رأسه نحوه وهو عاقد ذراعه وأردف في حزم:
- بص لنفسك في المرايا يا أستاذ وأنت تفهم.
لم تستطع نور كبت ضحكتها على قسمات وجه أخيها وهو يجيب بشكل طفولي، تعالت صوت ضحكتها وهي تقول بأنفاس متقطعة:
- هههههههه شكلك مسخرة ههههههه يا خراشي.
هيئة طارق يبدو بملابس متسخة، ثنى بنطاله حتى ركبتيه بشكل غير مهندم، واضعًا حلته السوداء على منكبيه بطريقة عشوائية، بالإضافة إلى ربطة عنقه على منكبه الآخر وهي هاوية، غير أن قميصه أصبح رمادي اللون من أثر هباب السيارة بعدما كان أبيض، حتى وجهه وذراعيه لم يسلما من لون قميصه، إلى هيئة شعره الهائشة كأنه تعرض لصاعق كهرباء لتوه.
نظر طارق لنفسه وبرر قائلًا:
- وأنا جاي في السكة العربية عطلت مني قعدت ساعة مفيش عربية فاضية قولت أصلحها حصل اللي حصل واتبهدلت.
فهم محمود ما قد نوى عليه طارق من نبرة حديثه ونظرة عينيه التي يعرفها جيدًا، فقبل أن يتغاضى عما حدث ويرى ما أخّر أفعاله هذه:
- ماشي يا طارق هعديها لك المرادي.. قسمًا بالله لو اتكررت تاني حسابك معايا أنت عارفه كويس.. بكرة تروح لهاشم وتعتذر له وتسلم عليه كفاية الموقف البايخ اللي حطيتنا فيه.
رد طارق بهدوء ونبرة مستسلمة:
- حاضر يا بابا.
تركه محمود وهو يرمقه بنظرته الغاضبة وصعد إلى أعلى، أقبلت عليه تهاني بضيق لتقول:
- كان لازم تزعل أبوك يا طارق، يلا يا ولاد تصبحوا على خير.
صعدت تهاني خلفه ولم يتبق سوى طارق ونور، التي منذ أن غادر محمود لم توقف ضحكتها، نظر لها بحنق شديد وركض خلفها وهو يتوعد لها، وهي تصيح بالاستغاثة ضاحكة.
توقفت قليلًا وهي تلتقط أنفاسها من الضحك الشديد والركض في ردهة الفيلا لتقول وهي ما زالت تضحك:
- هههههههههه أحمد ربك إنها عدت على خير.
أشار إليها طارق الذي خارت قواه ووقع على الأرض يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يقول:
- تعالي أنتِ بقى اللي مبطلتيش ضحك طول الطريق بتضحكي على إيه.
ضحكت نور وقالت بسخرية:
- إيه يا عم مش شايف منظرك كنت مهاجر ولا إيه شبه السمكرية كده ههههه.
قام طارق وهو يقول:
- بطلي يا رخمة.. طيب يا نور.
وضعت نور يدها على قلبها وهي تقول ضاحكة:
- متخيل منظرك قدام سلمى ويوسف هههه بجد آخر فصلان.. موضوع العربية ده مش مريحني إيه الحكاية؟!
حاول طارق الهروب من نظراتها التي يفهم مقصدها جيدًا، فهندم ملابسه بشكل مضحك وقال وهو يصطنع الجدية:
- ولا حكاية ولا رواية أنا طالع أخد شاور وأنام تصبحي على خير.
غمزت له نور وهي تدرك إنه يهرب من مواجهتها، فردت بمداعبة:
- كده ماشي بس الموضوع في أن برده.
تركها طارق وصعد لغرفته، استحم ودلف على فراشه، صعدت نور خلفه نفس الحالة وهي تفكر ماذا فعل يا ترى، فهي تشك به كثيرًا وتعلم بأنه خلفه كارثة.
بعد رحيل محمود وأسرته نظرت سلمى إلى يوسف بتعجب مما رأوه، لم تكترث سلمى كثيرًا لما حدث ودخلا إلى الداخل بصحبة أخيها وأبيها.
اتجهت إلى غرفتها ثم بدلت ملابسها واغتسلت متجهة إلى فراشها، تدثرت جيدًا وهي تشعر بآلام جسدها من إجهاد يوم طويل لتجهيز الحفل وما شابه.
تركت الأفكار تزحف إليها في سكون الليل وهدوئه فيما حدث بالحفل، ما حدث لطارق والأهم مفاجأة زواجها من عاصم دون علمها، تشعر بالخوف والقلق ولا تعرف إن كان بسبب دخولها في حياة جديدة أم هي غير راغبة في هذه الزيجة، إنها تحبه وإنما المفاجأة جعلتها ترتبك ولا تعرف السبب، فأصبح زواجها الآن أمر واقع.
بعد فترة ليست بقصيرة سمعت طرقات على باب غرفتها، توقعت أن يكون يوسف، وبالفعل كان هو، أدخل رأسه وقال بهدوء:
- لسه منمتيش يا سلمى.
تنهدت سلمى وردت بلا معالم بوجهها:
- هيييييح لا مش جاي لي نوم خالص.
قضب يوسف جبهته متسائلًا:
- بتفكري في إيه؟!
زفرت سلمى وردت بهدوء شديد:
- في بكرة.. قرار جوازي المفاجئ ده مخليني أرتب أفكاري، جوازي منه صح ولا غلط؟!
دخل يوسف وأغلق الباب خلفه، اقترب من فراشها وجلس على حافته، نظر إليها وقال بتفكير:
- محتاجة تقعدي مع نفسك تفكري شوية.
اعتدلت سلمى في جلستها وهي تردف بحيرة بالغة:
- مش عارفة أنا بحب عاصم تقريبًا، المفروض مكونتش قلقانة من الخطوة دي بس خايفة منه ألا ميتغيرش بعد كده.
ابتسم يوسف وهو يربت على يديها، محاولة منه لطمأنتها:
- كل أمورك هتبقى تمام محدش عارف الخير فين، مبروك يا عروسة.
أدركت سلمى من حديث أخيها بأنه أمر واقع بالفعل، ارتسم على ثغرها بسمة باهتة وهي تقول:
- الله يبارك فيك عقبالك.
ابتسم يوسف بشدة ورد بكل شوق:
- إن شاء الله.. مش هطول عليك أكتر من كده، تلحقي تنامي شوية تصبحي على خير.
قام يوسف متجهًا إلى الباب، فأردفت سلمى قائلة بابتسامة:
- وأنت من أهله.
في صباح اليوم التالي استيقظت نور ثم توجهت إلى الحمام وتوضأت وصلت فرضها، جلست على فراشها تعبث في هاتفها ثم صاحت على المربية، دقائق ودخلت لها قائلة بابتسامتها الحانية:
- صباح الخير يا دادة.
ابتسمت المربية وقالت بحب:
- صباح الفل يا بنتي.. أحضرلك الفطار؟!
حركت نور رأسها نافية ثم قالت بهدوء:
- لا لا مش دلوقتي بعدين.. اعمليلي نسكافيه.
ردت المربية بحنان وهي ما زالت محتفظة ببسمتها:
- على الريق كده.. مش كويس عشان صحتك.
ضحكت نور فرحة من اهتمامها بها وردت متسائلة:
- ههههههه متقلقيش عليا.. بابا وماما صحيوا.
ردت المربية بهدوء:
- البيه في الشركة وست هانم في الجنينة.
تنهدت نور وهي تنهض:
- ماشي يا دادة استعجلي لي النسكافيه بسرعة.
خرجت المربية وخلفها نور، توقفت فجأة وهي في طريقها للأسفل، مارة على غرفة طارق، فسمعت حوارًا عجيبًا شد انتباهها بشدة، عادت إلى الخلف خطوتين.
كان الباب غير مرصود جيدًا، فرأته وهو يجلس على فراشه يتحدث في هاتفه.
أقبل عليه إيهاب باهتمام:
- إيه يا بني ما قولتليش عملت إيه مع أبوك امبارح؟
زفر طارق ورد بضيق:
- اسكت، الحمد لله إنها عدت على خير، قولتله العربية عطلت.
ضحك إيهاب وهو يقول:
- ههههه بس شكلك أخذت نصيبك من التهزيء.
أغمض طارق عينيه لحظات وهو يتذكر ثم قال بضجر:
- بس ما تفكرنيش، كويس إنه ما حصلش حاجة. آه لو يعرف اللي فيها إني سافرت الساحل عشان أهرب من الحفلة.
قال إيهاب بحذر:
- أحد من عندك شك في حاجة؟
ابتسم طارق وقال بثقة:
- لا.. بس نور أعتقد، ما أنت عارف دماغها كويس إزاي تفضل ورا الحاجة لما تجيب قرارها.
ضحك إيهاب لإنه يعرف كيف تفكر نور من حديث أخيها عنها:
- ههههههههه ربنا يستر وما تتكشفش.
ابتسم منتصرًا، وهو يقول بثقة:
- لا اطمن، ما اعتقدش إنها عرفت حاجة.
اتسعت نور عيناها دهشة مما سمعته للتو، تأكدت الآن إنه كان يخفي شيئًا ليلة الأمس، وشكها كان بمحله. فقالت في سرها بنبرة متوعدة "بقى كده يا سي طارق.. اصبر عليا بس".
اقتربت من الباب ودخلت عليه سهوًا بنظرة شك وتوعد، وعيناها على الهاتف. بلع طارق غصته بصعوبة وهو يقفل الهاتف وظل ينظر إليها في صمت. ثم صاح بها متلعثمًا:
- إيه يا نور مش تخبطي!!
استندت على الباب بذراعها وهي تعقده أمامها. ثم قالت بحزم وجدية:
- الباب كان مفتوح على فكرة.. كنت فين يا طارق امبارح؟
ارتبك طارق وهو يقول مندفعًا:
- هأكون فين يعني وأنتِ مالك.
ابتسمت بانتصار في خفاء. ثم أردفت وهي تهم بالخروج بجدية:
- طيب ابقي سلمي لي على الناس اللي في الساحل.
وقف طارق متفاجئًا بحديثها وأدرك بأن سره أصبح معلنًا للجميع. أوقفها وهو يقول بحذر:
- استني يا نور.. احم أنتِ عرفتي؟
استدارت نور وهي باسمة. نظرت له وهي تقول بوعيد:
- سمعت كل حاجة.. بقى كده إيه رأيك أقول لسلمى؟!
لا يمكن أن تعرف سلمى شيئًا عن سبب تأخره، فلا يسلم من حديثها ويكون أمامها هاربًا منها. أوقفها طارق:
- لا سلمى مين بتهزري، اهدي بس واقعدي.
ابتسمت نور وهي تقول بخبث بعدما جلست بجواره على الفراش:
- اممممم بقى كنت بتهرب من سلمى عشان كده اتأخرت على الحفلة وما رضتش تيجي!!
تنهد طارق بضيق ثم جلس على فراشه وهو يقول بضجر:
- هو أنا بطيقها في الشركة لما أطيقها في الحفلة، الحمد لله إن أستاذ هاشم فاق عشان أكمل معاه المشروع.
ضحكت نور وقالت:
- هههههه لدرجة دي مش طايقها، على العموم هتستريح منها قريب.
قطب جبينه وهو يقول باهتمام:
- اشمعنى يعني؟
ابتسمت بعدما رأت الاهتمام والفضول ينطق من عينيه قائلة:
- ما تنساش تبارك لسلمى، كتب كتابها على عاصم كمان شهر.
تفاجأ طارق كثيرًا بما قالته، وظهر عليه الحزن لا يعرف لماذا، فلم تلاحظ نور. بعد دقيقة من الصمت رفع رأسه إليها وقال باهتمام شديد:
- إيه بتتكلمي جد؟ امتى ده حصل؟
تنهدت نور وهي تقول:
- امبارح في الحفلة.. بابا عاصم وأنكل هاشم اتفقوا على كل حاجة.
أردف طارق بحذر مترقبًا جوابها:
- وهي موافقة؟
أجابت نور بثقة:
- طبعًا ده خطيبها يا ابني، مصيرهم لبعض للجواز، ثم بيحبوا بعض.
تنهد طارق بضيق خفي ثم أردف بلا مبالاة:
- طيب كويس.. ربنا يهني سعيد بسعيدة.
ابتسمت نور وهي تغمز له:
- عقبالك كده أنت وسارة.
ارتسم على وجهه بسمة باهتة وقال:
- اها إن شاء الله قريب.. مش لما أفرح بيكي الأول.
ضحكت وهي تقول بمرح:
- هههههه لا يا عم أنت الكبير الأول.
ربت طارق على وجنتيها ضاحكًا وهو ينهض:
- هههه ماشي يا لمضة.
نظرت له نور بتساؤل:
- رايح الكلية ناو ولا إيه؟
تنهد وهو يجيب:
- اها إن شاء الله، عايز كمان أشوف سارة.
أقبلت عليهم تهاني متسائلة:
- نازل يا حبيبي؟
ابتسم طارق وهو يقول:
- اها يا ماما ما تستنينيش على الغدا.
تساءلت تهاني باهتمام:
- هتتغدي بره ولا إيه؟
غمزت له نور مداعبة:
- على فين العزم؟
أزاحها عن طريقه بخفة وهو في طريقه إلى الحمام:
- بس يا لمضة، رايح أقابل أستاذ هاشم.
ابتسمت تهاني وقالت:
- فيك الخير يا ابني وبالمرة تعتذر له على اللي حصل امبارح.
التفت إليها وقال بهدوء:
- اها أكيد يا ماما.. يلا عن إذنكوا.
تركهم وذهب إلى الحمام ثم بدل ملابسه وقاد سيارته متجهًا إلى منزل هاشم.
نور بمجرد أن تأكدت من خروج طارق، ركضت إلى غرفتها واتصلت بسلمى.
******************
وصل طارق فيلا هاشم، ضغط على الجرس بعد دقائق فتح له الخادم مرحبًا به وقاده إلى الصالون. تركه وبعد دقائق أقبلت عليه سلمى، التي كانت على اضطرار لمقابلته بناءً على رغبة والدها.
رحبت به بوجوم قائلة:
- أهلًا يا أستاذ طارق اتفضل.
رد بهدوء وهي يجلس:
- شكرًا.
عقدت أصابعها وهي تنظر له وقالت بجدية:
- امممم خير.. إيه سبب الزيارة.
تعجب طارق وشعر بالضيق من طريقة حديثها الجافة، فنظر لها بضيق وهو يجيب بنبرة جازمة:
- أنا جاي أطمن على أستاذ هاشم وأعتذر له عن عدم حضوري امبارح، لكن يبدو الوقت مش مناسب.
ردت سلمى بلا مبالاة:
- بابا كويس الحمد لله.. اطمن.
لم يتحمل طارق أسلوبها المهين وقرر الرحيل على الفور، وبالفعل نهض وهم بالانصراف وهو متجاهل وجودها، توقف أثر مناداة هاشم له على درجات السلم:
- إزيك يا طارق.. أهلًا بيك مالك أنت ماشي ولا إيه؟
رد طارق بضيق موجهًا الحديث لهاشم، بينما نظره منصب على سلمى:
- اها كنت جاي أطمن على حضرتك وأعتذر لك عن موقف آخر مرة.
أشار له هاشم بالجلوس وهو يقول:
- طب اتفضل يا ابني، تشرب إيه؟.. قدمتي له حاجة يا سلمى؟
ابتسم طارق بسخرية وهو يقول:
- آنسة سلمى عملت الواجب وزيادة.
نظرت له سلمى بحنق وتعجب، فبادلها النظرة بجانبية. التفت لهاشم ومد يداه يصافحه باسمًا:
- طب أستأذن أنا وهبقى أجي لحضرتك وقت تاني.
أوقفه هاشم بحزن:
- ما يصحش يا بني تمشي كده على طول حتى ما شربتش حاجة.
ابتسم طارق وقال له مودعًا:
- ما لوش لزوم المرة الجاية إن شاء الله.. عن إذنك.
سارت معه سلمى لتودعه، فالتفت إليها قبل أن يخرج وقال بلا مبالاة:
- اها نسيت نسيت أبارك لك.
تساءلت سلمى بغرابة:
- على إيه؟
ابتسم بتهكم وهو يقول:
- على الجواز طبعًا.
زفرت سلمى وردت بابتسامة باردة وهي تقول:
- اها ميرسي الله يبارك فيك وعقبالك.
رد طارق بنفس الابتسامة:
- قريب إن شاء الله.. على فكرة طريقة حياتك بالشكل ده هتتعبك فعلًا.. سلام.
خرج وتركها تشتعل من نظرته ونبرته لها، ولم تفهم مقصده بعد من هذه الجملة. أغلقت الباب بعنف وركضت على غرفاها وهي غاضبة للغاية، كيف ينتصر عليها بهذا الشكل، وكيف يرد عليها بلا مبالاة هكذا.
حياتها ليست باختيارها من الأساس.
أما طارق كان يقود سيارته متجهًا إلى الكلية وهو يشعر بالضيق الشديد نحوها، مغتاظ كثيرًا من نبرة التعالي والبرود التي تحدثه به، وأسلوبها المستفز.
*******************
وصل الكلية وجلس في الكافتريا منتظرًا سارة تنتهي من محاضراتها، هاتفه إيهاب وأقبل عليه. قص عليه كل ما حدث في مقابلة سلمى، وأخذ يهدأ من روعه قليلًا.
- اهدي يا ابني بقى بنت تعمل فيك كده.
رد طارق بغضب دون أن يلتفت إليه:
- هتجنني يا إيهاب من تصرفتها، مش عارف بتعمل ليه كده.
ربت إيهاب على منكبيه وقال:
- خلاص هانت ومش هتتعامل معاها تاني مش صاحب الشركة فاق خلاص؟
ابتسم طارق بتهكم وقال:
- والجديد اللي عرفته من نور هتتجوز كمان شهر.
رد إيهاب بلا مبالاة:
- ده بجد ومالك زعلان ليه؟
نظر له طارق بضيق وقال:
- وهي تفرق معايا إيه عشان أزعل، المهم أنا قررت قرار.
قطب جبينه قائلًا باهتمام:
- إيه هو؟؟؟
رد طارق بتحدي وقال:
- إن شاء الله قررت إني أخطب سارة.
اتسعت عين إيهاب بصدمة وقال:
- ايييييه!!!
******************
فكرت سلمى كثيرًا في كلام طارق، ولكن ما يزعجها حتى الآن قرار أمس المفاجئ. تشعر بشيء غريب بداخلها، ترفض قرب عاصم لها رغم تغيره المفاجئ منذ استيقاظ هاشم، عاد عاصم التي كانت تعرفه من قبل، الحنون والمحب، ذو الاهتمام البالغ. أين كل هذا طيلة سنة ماضية عندما كانت تحتاجه بشدة أكثر من أي وقت؟ لماذا ظهرت حاليًا؟ لماذا الآن؟ ما الذي يخطط له يا ترى؟
قررت أن تهتم بدراستها الآن قبل أي شيء، فعليها الاستعداد الآن للذهاب إلى الكلية، فصعدت لأعلى سريعًا.
******************
عاصم يشعر بالسعادة والانتصار الكبير الذي حققه ليلة أمس. أخيرًا ستصبح سلمى ما بين يديه الآن، بل قريبًا ومن ثم يستطيع أن يتسلل إلى شركة الجوهري بطريقته الخاصة معها، ولكن سلمى قد تغيرت تمامًا منذ ركود هاشم في غيبوبة، فتعامله معها يجب أن يكون بحذر شديد، فمثلما استطاع الارتباط بها من قبل بحيلة ما يستطيع بنفس الطريقة فعل أي شيء. يجب أن لا يلاحظ تغير تعاملاته معها كأنه متواجد بينهم قبل سنة أو أكثر.
قطع تفكيره قرعات الباب ليدخل صلاح مهلهلًا:
- إيه يا عم الأخبار الحلوة اللي على الصبح دي.
ضحك عاصم بغرور:
- مش قلت لك سلمى في يوم مصيرها ليا.
ضحك صلاح وبتشجيع:
- هنيالك يا عم.. صيدة كبيرة أوي.
صاح به بضيق مصطنع:
- أنت هتقر فيها ولا إيه.. الموضوع محتاج تكتيك.. أنت عارف الوصول لسلمى مش بالساهل، وسكوتها ده مش مريحني.
ضحك صلاح باستنكار:
- ومن امتى سلمى بتتكلم يعني.. ما أنت عارف اللي فيها.. ما تقدرش تقول لأبوها لا إلا يروح فيها.. فأي قرار بتاخذوه بتسلم ليه.
ضحك بمكر وهو ينظر إليه:
- ما ده الخيط اللي بأمسك عليه سلمى لما تجيب آخرها في العناد.. هي بتحبه وبتخاف عليه..
بس لا مش ده اللي أقصده.
صلاح بعدم فهم قضّب جبينه:
- أومال تقصد إيه؟
عاصم وضع يداه على ذقنه وبتفكير:
- سلمى حاسس إنها بقت قوية. كل اللي اتعرضت له خلى قلبها جامد. مكنتش كده أبدًا. لو فكرت تطيح بحد في يوم هيكون أنا. وده اللي مخوفني.
هز رأسه نافيًا ما يقول:
- لا يا سيدي اطمن. سلمى شخصية مسالمة جدًا وأغلب ما تكون. أنت بس عليك تضحك بعقلها كلمتين وتبقى في جيبك.
رمقه ثم قال بعد تفكير:
- تفتكر؟!
رد صلاح بثقة مبالغ فيها:
- أراهنك بألف جنيه أما تيجي في يوم وتستعجل وتقولك اتجوزني.
ضحك عاصم لمجرد التخيل ونيل ما يتمنى، وأخيرًا سوف تصبح سلمى ملكه إلى الأبد.
ضحكت نور بشدة على تصرفات طارق، وهي تفكر في طريقة تجعله يحسّن معاملته مع سلمى ولم تجد على الإطلاق.
سمعت صوتها تهاني، التي قرعت على الباب ودخلت تنظر إلى نور بغرابة شديدة. اقتربت منها وجلست على فراشها وهي تنظر لها بتساؤل:
- كنتِ بتكلمي مين ومسخسخة كده؟
ابتسمت نور وردت:
- هيكون مين غيرها يعني. دي سلمى يا ماما.
ابتسمت تهاني وقالت:
- هي صحيح هتتجوز عاصم الشهر الجاي؟
تلاشت ابتسامتها لتقول بجدية:
- للأسف آه.
اختفت ابتسامتها هي الأخرى بقلق:
- ليه للأسف يا بنتي. مش بيحبوا بعض؟!
أومأت برأسها نافية ثم تنهدت بحيرة:
- لإنه من الآخر كده ميستاهلهاش. يبان إنه من برة بيحبها. بس الحقيقة اللي زي عاصم ده مبيحبش إلا نفسه وبس، جوازه منها عشان يضمن الشراكة بين أبوه وأنكل هاشم. تحسي كده جوازة ملهاش مشاعر من الطرفين.
تنهدت تهاني بحزن وهي تتمتم:
- الله يرحمك يا فريدة. لو كنتِ عايشة مكنش حصل كل ده.
ابتسمت نور وقالت بحب:
- أد كده كانت شخصيتها قوية؟
ابتسمت تهاني وأكملت:
- جدًا. وكان هاشم بيعملها ألف حساب. وجودها كان عامل مؤثر جدًا على حياتهم خاصةً سلمى متعلقة بيها جدًا عن يوسف.
تنهدت وقالت بحزن:
- ربنا يفرحها بجد ويسعدها لأنها تستاهل ده وأكتر. أيًا كان اللي هيحصل لازم تكون مقتنعة بقرارها.
حاولت تهاني تغيير مسرى الحديث الحزين لتقول بمرح وهي تضع يدها على وجه نور بحب:
- ها مش هتروحي الكلية النهارده ولا إيه. قبل أي حاجة مش هسيبك إلا لما تفطري. شغل المكاتب والكلية ده مبحبوش.
ضحكت نور وردت بمرح وهي تبعد يداها وتقبلها:
- هقوم ألبس ونازلة دلوقتي. ثم يا ست الكل أنا بيتفتح نفسي وأنا في الكلية مع سلمى. أهو بنشجع بعض.
اصطنعت تهاني الضيق:
- بقى كده يا ست نور. احنا بنقفل نفسك.
ضحكت نور وردت بسرعة:
- أبدًا يا ستي مش قصدي. بس مباكلش إلا على بعد المحاضرة الأولى، على الأقل أكون حرقت ذهنيًا ونفسي تتفتح كده.
ضحكت تهاني وهي تنهض وتهم بالخروج:
- طيب قومي الساعة هتعدي وأنتِ قاعدة كده.
خرجت ونهضت نور هي الأخرى بسعادة، تحمد الله كل دقيقة على نعمة وجود والدتها، فهي نعمة عظيمة وغالية ولا تقدر بأي ثمن على الإطلاق.
رواية صفقة حب الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء جوهر
أطمأنت سلمى على والدها بإعطائه الدواء، والإشراف على غذائه. استقلت سيارتها متجهة إلى الكلية.
قادت بغيظ وهي تتذكر مكالمة نور لها، ورأت أن التصرف الذي بدر منها سليم، نظير ما فعله في الحفل، كنوع من العقاب. ولكن لا تدري أي نوع من أنواع العقاب، ما شأنها حول عدم مجيئه أو حضوره بوجه عام، فهي دائمًا على خلاف معه، ولكن شيئًا ما بداخلها جعلها تشعر بذلك.
كانت نائمة واستيقظت على رنين هاتفها، مدت يداها على الكومود بحثًا عن الهاتف، ردت فأتاها صوت نور:
- إيه يا بنتي صحي النوم، كل ده الضهر هيأذن.
ردت بصوت نائم:
- ليه، الساعة كام دلوقتي؟
أجابت نور باستعجال:
- الساعة 12 يا هانم، قومي يا بت ورانا محاضرات.
اعتدلت سلمى جلستها وهي تقول:
- طيب طيب قايمة خلاص.
قالت نور بتلقائية:
- ألا صحيح طارق جاي دلوقتي.
قطبت سلمى حاجبيها بدهشة وتساؤل:
- جاي فين؟
ردت نور سريعًا:
- ركزي يا حاجة، جايلك يعني، يطمن على أنكل هاشم ويعتذر عن عدم الحضور.
زفرت سلمى بعدم اهتمام:
- طيب يعني ما يجي وأنا هعمله إيه، مش بردو عشان العربية عطلت وكده.
لم تستطع نور كبت ضحكتها وهي تقول بخبث:
- ههههههه أصلك متعرفيش اللي فيها يا بنتي.
قطبت سلمى حاجبيها باهتمام شديد:
- حصل إيه؟!!
أجابت نور بحذر:
- من الآخر كده طارق كان بيحاول يزوغ من الحفلة علشان متتقبلوش.
صاحت سلمى بها بضيق:
- نعم!! بقى كده هو أنا مسكاله العصاية! ومين قالك إني كنت عايزة أشوفه أصلًا!
ردت نور بابتسامة خبيثة:
- اممممم عليا بردو ده أنتِ عينك مبطلتش تدوير.
شعرت سلمى بالإحراج، لم تكن تعلم بوجود من يراقبها، أو معرفة ما يتوق به عيناها، فردت سريعًا متنحنحة كي تنفي كلامها:
- احم بطلي هبل ها.
شعرت نور بإحراجها، فضحكت وهي تستكمل الحديث:
- ههههه طيب مكنش عايز يروح، مش كفاية اللي بيحصل في الشركة بهدل نفسه زي ما شوفتي. قال يعني إنه كان بيصلح العربية.
ردت سلمى بعد تفكيرها في حديث نور، بنبرة وعيد:
- اها قاصد يعني. طيب.
قلقت نور من نبرتها ألا يعرف طارق ما حدث، فخفضت نبرتها وردت بحذر:
- بقولك إيه، متقوليش لحد إني قلتلك، محدش يعرف الموضوع ده حتى بابا وماما.
عكس ما توقعت سلمى، فتساءلت باهتمام وفضول:
- أومال أنتِ عرفتي إزاي؟
تنحنحت نور وقالت مداعبة:
- احم مصادري الخاصة يا بنتي.
ضحكت سلمى وقالت بمرح:
- ههههه يا جامد أنت، طيب متقلقيش.
تنهدت نور وهي تنهض وأردفت:
- طيب قومي اجهزي قبل ما يجي، هو في السكة ناو.
نهضت سلمى هي الأخرى وهمت بإنهاء المكالمة:
- اوك يلا سلام نتقابل في الكلية.
أنهت نور باسمة:
- سلااام.
أغلقت سلمى بغضب وهي تقول في سرها بتوعد "أما وريتك يا طارق..."
******************
صعق إيهاب من قرار طارق، كان متوقع خطبتها ولكن الخبر مفاجئ بالنسبة له. نظر له طارق وأكمل بجدية:
- اها زي ما سمعت المفروض كفاية كده نعرف بعض من أولى كلية.
تطلع إليه إيهاب وأردف بتأكيد:
- طارق أنت بجد متأكد من مشاعرك ناحيتها؟
رد طارق بثقة:
- أكيد طبعًا.
حاول إيهاب جس نبضه قائلًا:
- طب وهي؟
أجاب بنفس الثقة:
- بتحبني كمان زي ما بحبها.
اندهش إيهاب من هذا القرار المفاجئ، فقال باهتمام:
- اشمعني يعني الخطوة دي دلوقتي؟
تنهد طارق بأريحية وهو يعود بظهره إلى الخلف، هو ذاته لا يعرف، أو بالفعل يعرف ولكن ينكر، كأنه يشعر بالهزيمة عندما علم بزواجها، كأن شيئًا ما كاد أن يتكون وتحطم واختفى فجأة، لا يعلم حقًا، فهناك أشياء كثيرة مبهمة بداخله تحتاج لترتيب، فأخبر إيهاب بالجزء الظاهر فقط من الحقيقة، أو بمعنى أصح شبه الحقيقة:
- المفروض كنت هاخد الخطوة دي من زمان، بس زي ما أنت شايف كل مرة يطلع حاجة تبوظ الموضوع.
لا يعرف إيهاب إن كان ما يشعر به صحيحًا أم لا، ولكن في نهاية الأمر القرار يعود له، فربت على منكبه قائلًا:
- على العموم ربنا يعمل اللي فيه الخير.
نظر له طارق ورد ساهيًا:
- ونعم بالله عندك حق.
حاول إيهاب إنهاء الحوار سريعًا فقال:
- طيب يلا روح على الشركة عشان متتأخرش أكتر من كده.
نهض طارق وهو يفكر في قراره:
- ماشي يلا سلام. نتكلم بعدين.
ابتسم إيهاب ولوح له بتفكير وشرود هو الآخر:
- اوك سلام.
تركه طارق وذهب إلى الشركة، طوال الطريق يفكر في قراره مليًا. لا يعرف ما اتخذه من قرار صحيح أم لا، أوقات يشعر بأنه الحل المناسب وأنهم في نهاية المطاف أقدارهم سوف تجمعهم سويًا، وأوقات يشعر بأنها لا تشعر به ولا تشبهه في تفكيره حتى. وفي نفس الوقت يشعر بأن هذا القرار ليس نابعًا من صميم فؤاده، بل يوجد شيء خفي بداخله يجبره على فعل ذلك ولا يعرف حتى الآن ما هو.
******************
على الرغم من مكوث هاشم في المنزل وعدم عودته للشركة بعد، إلا أنه بدأ يعمل في مكتبه، بمراجعة بعض الأوراق القديمة قبل دخوله المشفى.
دخل يوسف وتعجب مما رأى، ثم ارتسم على ثغره بسمة صغيرة، فمن لديه عادة من الصعب إيقافها، والعمل بالنسبة له عبادة.
أقبل عليه يوسف قائلًا:
- مش كفاية شغل يا بابا، صحتك يا حبيبي. يلا قوم ارتاح شوية.
رد هاشم دون النظر إليه:
- هخلص الورقتين الأول اللي في أيدي دول.
جلس يوسف على المقعد قبله، وهو يتمعن فيه باسمًا. لاحظ هاشم بمراقبته فتطلع إليه بعدما ترك الأوراق والقلم من يداه قائلًا بتعجب:
- مالك بتبصلي كده ليه؟
أجاب يوسف وهو مازال محتفظًا ببسمته:
- مفيش فايدة، عارف إنك بتحب شغلك قد إيه. عرفت دلوقتي سلمى طالعة لمين.
ضحك هاشم وهو يقول:
- ههههههه عارف إن سلمى بتحب شغلها ومعندهاش هزار في الموضوع ده.
رد يوسف بنفس البسمة:
- طبعًا من شابه أباه فما ظلم.
ضربه هاشم على يداه بخفة ومداعبة وهو يقول:
- بس يا ولد، ركز أنت في المصنع بس.
لاحظ يوسف من بين مداعبة أبيه وابتسامته، كأنه يخفي شيئًا، قطب حاجبيه في تساؤل:
- لا من الناحية دي متقلقش. مالك يا بابا شكلك مضايق ليه؟
تنهد هاشم بعمق وهو يقول بتفكير:
- أختك يا سيدي مش عارف أعمل فيها إيه.
نظر له باهتمام وهو يقول بقلق:
- ليه إيه اللي حصل؟
زفر هاشم ورد بتعجب:
- طارق كان هنا الصبح يطمن عليا وقابلته مقابلة وحشة، مشي وهو مضايق، ليه بتعمل كده؟
تنهد يوسف بأريحية بأن شقيقته بخير، ثم ضحك على كلام أبيه. فقد تذكر ما يحدث بينهم بمجرد هذه الجملة، فقال:
- هههههههه مفيش فايدة بردو زي القط والفار.
نظر له هاشم وتساءل بعدم فهم:
- قصدك إيه؟
أردف يوسف قائلًا:
- أصلهم على طول معاملتهم مع بعض جافة ومرخمين على بعض، بس شغلهم مبيتأثرش بالكلام ده زي ما حضرتك شوفت.
هتف هاشم بحزن:
- يا خبر ليه كده؟
أردف يوسف بتفكير:
- أنا عن نفسي مش عارف إيه سبب المعاملة دي لبعض، بس بصراحة بيفصلوني ضحك.
ضحك هاشم هو الآخر ليقول:
- ههههههه عشان كده المعاملة لما قابلته، ربنا يصلح الحال.
تنهد يوسف بأريحية وقال:
- آمين.
تنهد ثم نظر له مجددًا:
- أومال هي راحت فين دلوقتي؟
رد يوسف سريعًا:
- خرجت من حبة وكانت مستعجلة جدًا. يا إما راحت تشوف محاضراتها اللي بسبب الشغل مبقتش بتحضرها أصلًا، يا طلعت على الشركة.
********************
بعد الانتهاء من المحاضرات توجهت نور وسلمى إلى الشركة، لم تكن نور لتعرف أن ما قصته سوف يزعجها بهذا الشكل، ظنت أنها سوف تتجاهل الأمر وتتغاضى عنه. فقد قصت لها سلمى ما حدث بينها وبين طارق بكل غضب وانفعال، وتحاول نور تخيل المشهد وتضحك.
- ههههههههه مش قادرة أمسك نفسي.
رمقتها سلمى نظرتها الحارقة، فصاحت بها بغضب:
- بس بقى الله مش كفاية هو. شوفتي بيبصلي إزاي.
مازالت نور تضحك فردت سريعًا:
- أومال مستنية رد فعله إيه بعد اللي عملتيه! كأنك بتطفشيه بالذوق.
صاحت سلمى بانفعال:
- استفزني اللي عمله. أعمل إيه يعني. ثم ما أنتِ عارفة إنه رخم.
ابتسمت نور وقالت بحب:
- شكلك متعرفوش كويس، هو اها بيحب يغلس بس طيب وحنين أوي.
هدأت سلمى من روعها قليلًا ثم ردت بهدوء ولامبالاة وهي عاقدة أصابعها، تهتز بمقعدها يمينًا ويسارًا:
- وأنا مالي هو أنا هناسبه. عمومًا هانت.
رفعت نور إحدى حاجبيها وهي أردفت بدهشة:
- هو أنتوا بتاخدوا بعض بالجزم وأنتوا بتشتغلوا؟! والله لو ضراير مش هتعملوا كده.
ردت سلمى بجدية:
- هو اللي بيستفزني بكلامه وفي الآخر بيزعل. اللي بيني وبينه شغل والمرة الجاية على دماغه.
تنهدت نور بأريحية ثم نظرت إليها وقالت بمداعبة:
- هييييح يا عالم بكرة مخبي إيه.
ابتسمت سلمى وقالت:
- فكرتيني يوسف بعتلك السلام.
توترت نور بمجرد سماع اسمه، فقامت على الفور وهي أردفت مسرعة:
- عليه السلام، أنا يدوب أروح بقى مكتبي عشان الشغل وكده.
تفهمت سلمى إحراجها، فضحكت بشدة على حالها وهي تقول:
- ههههههه ماشي يا نور نتكلم بليل أو بعد ما تخلصي.
ردت نور وهي تسير:
- اوك سلام.
خرجت نور وهي تدعي بأن ما حدث مر على ما يرام، وشكت بأن سلمى لاحظت ارتباكها ولكن تغاضت عن الأمر. عادت لمكتبها وبدأت بالعمل تنشغل به تدريجيًا.
********************
قبل أن يغادر طارق الكلية حاول الاتصال بسارة، كي يراها قبل أن يذهب. ولكن وجد هاتفها مشغول أو غير متاح حاليًا.
اتجه إلى الشركة سريعًا كي يخبر والده بقراره. عند وصوله كان التردد يملئه، تشجع وقرع على الباب.
دخل بعدما سمع الإذن بالدخول.
وجد محمود منشغلًا بمكالمة هاتفية، أشار له بمعنى الجلوس، جلس قبله وانتظره حتى ينتهي من مكالمته.
تنحنح طارق كي يبدأ الحوار.
قال محمود بجدية رافعًا عينيه:
"أهلًا يا طارق، جاي متأخر النهارده يعني؟"
رد بهدوء:
"أبدًا، خلصت مشواري وجيت على طول."
أردف محمود باهتمام:
"تمام وإيه الأخبار؟"
رد طارق بضيق خفي:
"لأ تمام."
نظر له محمود بتمعن، فهو يعرف ما وراء تلك النبرة الهادئة، فقال:
"ها خير، شكلك بيقول في حاجة."
رد طارق بتردد:
"بصراحة آه."
عقد محمود يديه أمامه وهو يقول باهتمام:
"اممممم سامعك."
ابتلع غصته وقال سريعًا قبل أن يرجع عن قراره:
"من الآخر كده أنا عايز أخطب."
اندهش محمود من طلبه، فأردف سريعًا في تساؤل واهتمام:
"نعم!! تخطب مين؟"
أجاب طارق سريعًا بثقة:
"سارة..."
اتسعت عيناه دهشة أكثر، ثم صاح به قائلًا:
"أنت بتهزر!!"
رد طارق بضيق:
"ليه بس يا بابا، فيها إيه يعني؟"
زفر محمود بنفاذ صبر وحاول أن يكون هادئًا، فقال بتماسك:
"يا ابني يا حبيبي، نسيت اللي عملته معاك زمان؟! دي كانت هتوديك القسم، دي شلق.. هي دي اللي عايزها تكون شريكة حياتك؟! هتدخلك في مشاكل، ثم دي مش زي تفكيرك من أساسه."
حاول طارق التمسك بقراره، فرد بجدية:
"الموضوع ده قديم وسارة بقت كويسة زي ما حضرتك شايف."
رجع محمود بظهره إلى الخلف وهو يتنهد بقوة حيرة من أمره، فحاول استكشاف ما بداخله قائلًا:
"يعني أنت مصمم؟"
شعر طارق بعدم موافقة والده، فنظر له ورد بجدية:
"حضرتك على اعتراض في إيه.. هي ولا المبدأ؟"
رد محمود بضيق:
"هي طبعًا.. هيييح شوف اعمل اللي يريحك بس مترجعش تندم في الآخر، أنت كبرت والمفروض تتحمل مسئولية شوية، مع إن بنت إبراهيم صاحبي أحسن منها بكتير."
نهض طارق بعدما انزعج من حديثه:
"ماشي يا بابا، عن إذنك."
تحرك وقبل أن يصل إلى الباب أوقفه صوت محمود محذرًا، فالتفت إليه وهو يقول:
"عشان يكون في علمك، جوازك منها مش هيكمل."
لم يرد عليه وأكمل طريقه للخارج، كان يعلم محمود بعدم رده، فقد كان على قصد من قول هذه الجملة كي يفكر مليًا، فمن الممكن أن يختار الطريق الصحيح ويعود عن قراره.
*******************
تتابع العمل في اندماج شديد، حتى قطع تركيزها صوت قرعات الباب، توقعت الطارق إما نور عادت من جديد أو يوسف الذي يمر عليها كالعادة بين الحين والآخر، وليس بكل تأكيد طارق، فلا يحضر إلا بميعاد سابق، خاصة بعد الفصل المحرج الذي وقع به منذ قليل.
سمحت بالدخول دون أن ترفع رأسها وهي تكمل عملها. نظر لها باسمًا ثم جلس في المقعد المقابل لها وقال بنوع من المرح:
"أحبك وأنت مركز يا جميل."
تصنمت سلمى لدقيقة عندما سمعت الصوت، تحاول تمييزه جيدًا وتصدق بأنه هنا بالفعل، رفعت رأسها وتفاجئت به بالفعل بابتسامته التي لم ترها منذ فترة طويلة وهي لا تزال متعجبة.
تركت القلم من يدها وعقدت أصابعها وهي تنظر إليه بجديتها المعتادة، وهي مقررة منذ أمس ألا يمر اتفاقهم بسلام، حاولت أن تصطنع الموافقة نوعًا ما أمام أخيها وصديقتها، ولكن المواجهة الحقيقية تكون أمامه، فقطعت الصمت بلهجة حادة:
"جاي هنا ليه؟"
رفع حاجبه بدهشة واستنكار من رد فعلها، وتذكر الحوار الدائر بينه وبين صلاح قبل أن يقرر الذهاب إليها وهو متردد من رد فعلها، فحاول تثبيتها كالعادة ما يفعل ويفشل في النهاية:
"بقى دي مقابلة تقابليها لي بعد ما قطعت كل المشوار ده عشان أشوفك.. مفيش وحشتيني.. إزيك.. أي حاجة كده."
زفرت سلمى بقوة وعلى وجهها لا توجد أي مشاعر على الإطلاق، فردت بنفس الطريقة:
"وإحنا من إمتى بقى كان في بينا الكلام ده إن شاء الله.. أنجز يا عاصم ورايا شغل.. عايز إيه؟"
شعر بالضيق الشديد من رد فعلها المعتاد، والذي زاد هذه المرة، لم يتحمل وهو لا يعرف السبب، فهو ما يدركه في الوقت الحالي أن ما يخشاه قد يحدث الآن، فتعالت نبرة صوته بخشونة وضيق شديد:
"في إيه يا سلمى.. مالك بتكلميني كده ليه.. ناسيه إني خطيبك ومن حقي أجيلك أشوفك في أي وقت؟!"
شعرت بالضيق أكثر، لترد منفعلة:
"لأ مش ناسيه.. بس سيادتك نسيت إن ده مكان شغل وبس، مش مكان تيجي وتقابل فيه خطيبتك.. وجودك هنا في مكتبي يبقى له علاقة بالشغل وبس مصلحة بينا وبس.. إنما تيجي تضيع وقتي والكلام الفاضي ده لأ أنا مش هسمح."
اتسعت عيناه دهشة وغرابة ولم يصدق ما سمعه منها للتو، لقد تغيرت كثيرًا وانقلب حالها رأسًا على عقب، زفر وصاح بها بحنق:
"ممكن أعرف سبب تحولك الفظيع ده إيه؟"
اقتربت بمقعدها نحوه أكثر وهي شابكة أصابع يدها، لتنظر له وتجيب بجدية:
"أنا متغيرتش ولا اتحولت يا عاصم.. اسأل نفسك أنت السؤال ده، أنت اللي اتحولت لـ180 درجة من ساعة ما بابا رجع لوعيه مش أنا."
نظر لها ولا يعرف ماذا يقول، لم يجد الرد المناسب لأنه يعلم بأنها محقة، ولكن الكبر سيطر عليه ليجعله ينفي ذلك:
"أنتِ اللي مكنتيش عاطياني فرصة أقرب منك يا سلمى، ومكنتيش شايفة كل ده."
ضحكت بعدما سمعت كلامه وبسخرية أردفت:
"نعم!! مين معلش اللي بيحاول يقرب لمؤاخذة مسمعتش كويس!!.. ده اللي هو أنا يعني؟! عاصم أنت مصدق نفسك بجد!! مستوعب اللي بتقوله؟!!.. ولا عايز تلبسني بأي غلطة والسلام وأبقى أنا الوحشة وأنت الملاك البريء اللي مبيغلطش."
سلمى قوية.. نعم أصبحت قوية بالفعل.. لم تخش منه كما كانت تفعل من قبل، بل لا تبالي به على الإطلاق والعتاب أصبح على الملأ، لم يستطع الانتصار عليها هنا ولا حتى الرد عليها.. فحاول الرد عليها بإفراغ الغضب والضيق عليها:
"لأ مقولتش إني ملاك بس أنتِ كل اهتمامك بالشركة وبس."
نظرت له بمكر ثم تبسمت وهي تقول بهمس:
"مش الشركة دي اللي اتهمتني بالتقصير والإهمال فيها؟.. حولتها دلوقتي لاهتمامي!!"
زاد حنقه وغضبه منها، تتذكر كل كلمة وكل تصرف يصدر منه، كأنها وحدة للذكريات المخزنة، لم يستطع أن يكسبها أو يضعفها بكلمة، ترد على كل كلمة بتقرير وتتجادل معه بكل صراحة، فصاح بها:
"مش معقول بجد.. أنتِ خنيقة مكنتيش كده قبل كده."
طرقت على سطح المكتب بضيق ثم نهضت ولكن ردت بهدوء ونبرة صارمة:
"تعرف ليه يا عاصم.. عشان كنت هبلة.. كنت بفوت مرة واتنين وتلاتة.. وأقول معلش يا سلمى استحملي عشان خاطر الشركة وأبوكِ، مهما كان ده خطيبك.. لكن رصيدك بيخلص وبينتهي.. وأنا مقصرتش، عطيتك فرصة مرة واتنين وعشرة.. وأنت بتستغل إني بفوت وأسامح وبتزيد في اللي بتعمله.. وكل مرة بدوس على قلبي ومشاعري ولا تعملي أي اعتبار.. فلحد هنا وكفاية أوي يا عاصم."
حاول عاصم السيطرة على الوضع بأي شكل من الأشكال، يشعر بنبرتها الانسحاب أو الانفصال منه:
"سلمى حبيبتي.. أنتِ عارفة كويس أنا بحبك قد إيه.. اديني فرصة وأنا هثبت لك مدى تمسكي وحبي ليكِ."
رنت إليه فترة تحاول أن تحلل كلامه، نبرة صوته وتعبيرات وجهه، فلم تجد بهما أي صدق، تشعر بأنها تسير في تيار معاكس، اضطرت ألا تساير عقلها وتعطيه آخر فرصة له، فقريبًا سوف يكون زوجها.
قطعت الصمت الذي دام بينهم قرابة عدة دقائق، والذي كان عاصم آنذاك الوقت يتحرى شوقًا لسماع ردها:
"لأ والله محصليش الشرف إني أعرف.. شوف، مش قادرة أتكلم دلوقتي ودماغي مش فيا.. ربنا يعمل اللي فيه الخير."
نهض عاصم ورد بعدم فهم:
"يعني إيه؟"
ردت سلمى بجمود:
"يعني اتفضل دلوقتي يا عاصم.. أخذت وقتك وزيادة كمان.. متعطلنيش أكتر من كده."
نظر لها قليلًا ثم غادر وكل الغضب والانفعال الزائد مرسوم على وجهه، لم تكن هي خطيبته التي يعرفها، لم تكن هي على الإطلاق، ولم يفهم ردها ماذا كان قبول أم رفض.
فشعورها الآن يختلف، فقد أفصحت ما بداخلها.. راحة داخلية عميقة للغاية تغمر حالتها النفسية.. هكذا أفضل بكثير لها وله، أغمضت عينيها والبسمة تزين ثغرها.
دخلت نور مكتبها وهو خارج ورأت حالته العصبية التي لم يلاحظ مرورها بجانبه، رفعت حاجبها بدهشة فلأول مرة تراه بهذا الشكل.. ما الذي جرى بينهما يا ترى..
دخلت على الفور ووجدت سلمى جالسة خلف مكتبها في هدوء شديد على عكس ما كانت تتوقع.. جلست أمامها والدهشة تملأ وجهها وتساؤلات كثيرة تدور في عقلها، سندت على المكتب لتقول بدهشة:
"لأ بقى ما أنا لازم أفهم.. متسبنيش كده."
ابتسمت سلمى ورفعت رأسها قائلة:
"مالك بس يا قلبي.. داخلة حامية كده ليه؟"
صاحت بها بنفس النبرة:
"ماله عاصم خارج ضارب في وشه كده؟"
تنهدت سلمى وشردت بحزن:
"قلت له اللي المفروض يتقال من زمان.. فطبيعي يخرج بالحالة دي."
لاحظت سلمى بانشغال نور بهاتفها، فنظرت لها بفضول:
"بتكلمي مين بتركيز كده؟"
أجابت دون النظر إليها:
"ده طارق.. متتخيليش مفقوع منك قد إيه."
شردت قليلًا واختفت البسمة من وجهها وشعرت بالضيق.
رواية صفقة حب الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء جوهر
خرج طارق من الشركة ولم يروق له حديث والده على الإطلاق، قاد سيارته بضيق وهو يفكر فيما دار بينهم. أحيانًا يشعر بأحقية كلامه وحينًا آخر يكذب مشاعره ويرى أن ما اتخذه من قرار صحيح غير قابل للنقاش.
لذلك قرر إنهاء الموضوع بشكل رسمي وحتمي. تناول هاتفه واتصل بها.
في ذات الوقت كانت سارة على مكالمة بأحدهم، ألقت نظرة على الهاتف فوجدت مكالمة من طارق على قيد الانتظار. تنهدت وأكملت حديثها قائلة:
- بقولك إيه أقفل دلوقتي هكلمك بعدين.
أتاها صوت المتصل ليقول بدلال:
- ليه كده بس ملحقتش أشبع منك.
ابتسمت سارة على تلك المغازلة في نبرة صوته، فبادلته بنبرة مائعة نوعًا ما وقالت:
- طارق بيتصل سلام دلوقتي أكلمك لما أقفل معاه.
رد المتصل بنفس الأسلوب:
- طيب يا حبيبتي متتأخريش عليا.
ابتسمت سارة وقالت بنعومة:
- سلام.
أنهت المكالمة معه سريعًا وقامت بالرد على طارق فورًا. بعد ساعة تقابلوا في إحدى الكافيهات على البحر.
على إحدى الطاولات كانت تجلس سارة قبل طارق، الذي مر قرابة عشر دقائق منذ جلوسهما وهو ساهِم على هذا الحال. قلقت سارة من حالته، فأخرجته من شروده قائلة:
- خير يا حبيبي قلقتني عليك.
نظر لها طارق مطولًا وهو يفكر، قلقت من صمته ونظرته المتمعنة لها. قطع صمته وقال بجدية:
- كل خير، مش كفاية كده يا سارة؟
قضبت سارة حاجبيها بغرابة فتساءلت بعدم فهم:
- كفاية إيه؟!
تنهد طارق وأكمل بنفس النبرة:
- ارتباطنا ببعض مش نعمل خطوبة؟
تفاجئت سارة من حديثه، واتسعت عيناها دهشة. لم تكن تتوقع أن يقدم على تلك الخطوة في هذا التوقيت، كانت تتمنى لو أتى باكرًا.
لا تعرف ماذا تقول، وحاولت إخفاء توترها وهي تقول بنبرة هادئة ومنخفضة:
- خطوبة!! احم بس لسة بدري يا طارق.
نظر لها ببلاهة، لم يتوقع هو الآخر رد فعلها، لم تكن هي سارة من مدة تلمّح له بالزواج، فلما هذا يا ترى؟!
رفع إحدى حاجبيه وهو يرد في دهشة:
- بدري إيه يا حبيبتي أحنا 4 سنين وشوية عارفين بعض وبنحب بعض يبقى ليه التأجيل بقى.
كلامه منطقي ولا تملك الرد، بعد لحظات من التفكير قالت:
- طيب سيبني أفكر وهرد عليك.
نظر لها بتعجب ولكن رد بضيق:
- تفكري!! كنت بحسبك هتفرحي لما أقولك.. ودي حاجة كنتِ منتظراها مني.
خشيت سارة أن يفلت من يدها، فأردفت مسرعة توضح وجهة نظرها قائلة برجاء:
- لا يا طارق مش كده.. بس سيبني أفكر عشان خاطري.
نظر لها متفحصًا قسمات وجهها، محاولة منه الكشف عما بداخلها. تنهد ثم قال بنفس النبرة:
- ماشي يا ستي اللي يريحك.
حاولت سارة تغيير نمط الحوار فقالت بنظرة خبيثة:
- اممممم أومال أخبار شريكتك إيه؟
هنا شعر طارق بالضيق الشديد بمجرد سماع سيرتها، وتذكر بآخر أخبارها ولا يعلم السبب. وفي ذات الوقت لن يسلَم من تساؤلات وغيرة سارة المعتادة عليه. فانفعل وهو يقول:
- لا حول الله يا رب إيه اللي جاب سيرتها دلوقتي، أطمني يا ستي هتتجوز قريب ارتحتي.
تفاجئت سارة، وابتلعت غصتها بصعوبة، فردت بشرود حيث تغيرت معالمها فجأة ولاحظ طارق هذا ولم يعره اهتمام:
- معقول.. عرفت أمتى؟
رد بعدم اكتراث:
- تقريبًا امبارح كده.
ظهر توتر سارة وكاد أن يشحب لونها. تساءل طارق بقلق واهتمام وهي تحاول الإخفاء:
- مالك يا حبيبتي أنتِ كويسة؟
سهمت ثم نهضت فجأة وقالت دون النظر إليه:
- آه بس محتاجة أروح تعبانة شوية.
نهض طارق هو الآخر وقال بقلق:
- ألف سلامة عليك طيب يلا أوصلك.
رفعت رأسها وقالت بعجالة:
- تمام يلا.
خرجا من الكافيه سريعًا واستقلا السيارة وفي طريقهما لمنزلها. أثناء الطريق كان يخطف نظرات لها ليجدها ساهِمة تنظر إلى المارة، وصلت منزلها ونزلت دون إبداء أي كلمة، حتى طارق تعجب كثيرًا من أمرها اليوم.
عاد طارق إلى المنزل ولم يمر على الحديقة ليمر على والدته كالعادة، بل صعد إلى غرفته مباشرة ليفسر ما حدث اليوم، محاولة منه لربط الأحداث.
تفاجئت تهاني بعودة طارق دون سماع صوته، فهي ليست بعادته. لم يمر وقت طويل ودقت الساعة الثانية بعد الظهر، موعد وصول محمود للمنزل.
كالعادة كانت تهاني باستقباله بابتسامتها الحانية. وعلى المائدة لاحظت تغير زوجها على غير عادته يوميًا، فأقبلت عليه متسائلة باهتمام وهي تربت على ساعديه بخفة:
- مالك يا حبيبي في إيه؟
تنهد بعمق وضيق، ترك الملعقة من يداه ثم أردف بضيق دون النظر إليها:
- ابنك مبقتش عارف دماغه دي رايحة فين.
قضبت حاجبها وقالت سريعًا بعدم فهم:
- قلقتني إيه اللي حصل؟
طرق بكفه على سطح المائدة بخفة وهو يردف بغضب:
- ابنك يا ستي عايز يخطب سارة.
اتسعت تهاني عيناها دهشة وقالت:
- نعم!! ملقاش غير سارة ويتجوزها! الولد ده اتجنن ولا إيه؟
ضرب محمود كفًا بالأخرى بحيرة كبيرة ورد بضيق:
- مش عارف بجد، مصمم عليها يا ستي وراسه وألف سيف يتجوزها فجأة كده، أنا قلتله أكتر من مرة أبعد عنها مفيش فايدة. خليه ونشوف نتيجة تصرفاته هتبقى شكلها إيه وميجيش يعيط لنا في الآخر.
قالت تهاني بعد تفكير ولكن بنبرة ضيق:
- عشان كده طلع على أوضته ومرضيش حتى يسلم عليا زي ما متعود كل يوم.. ولا حتى رضي ينزل يتغدى معانا.. وأنت موافق يتجوزها؟ إيه اللي بتقوله ده!!
نهضت سريعًا وهي تتوعد له قائلة:
- حسابه معايا الولد ده.
نهض محمود سريعًا هو الآخر كي يهدئ من روعها قليلًا وهو يقول:
- استني بس يا تهاني رايحة فين، هو هنا من أمتى؟
ردت سريعًا:
- قبل ما تيجي بشوية.
تركته وصعدت لغرفة طارق، وهو يحاول إيقافها.
قرعت تهاني على الباب عدة قرعات متتالية وسريعة ثم دخلت الغرفة فجأة، تفاجأ طارق بدخول والدته بهذا الشكل الانفعالي ولا يعرف ما حدث.
نهض على الفور وهي تعقد ذراعها وتنظر له مطولًا. قطعت الصمت وهي تقول بجدية:
- صحيح اللي سمعته ده؟
شعر بالقلق من نبرتها، فرد بعدم فهم متسائلًا:
- سمعتي إيه؟
أجابت تهاني على نفس الوضع:
- عايز تخطب اللي اسمها سارة دي؟!
لم يأخذ هدنة من إقناع والده حتى يدفع في نفس النقاش مع والدته ويحاول إقناعها هي الأخرى، أو بالأحرى يضعها أمام الأمر الواقع. زفر بشدة وهو يقول بضيق:
- مالها بس سارة يا ماما.. ماهي بقت كويسة أهي.
زفرت بغضب ولكن حاولت أن تتفاهم معه بهدوء، فأردفت قائلة:
- يا حبيبي مش دي الزوجة اللي تناسبك ولا تبقى أم لعيالك.. فوق لنفسك أنت عمرك ما حبيت سارة، ولا نسيت اللي عملته فيك؟
كلام تهاني فتح له الأبواب المغلقة منذ سنوات، شعر بالحيرة والشرود بالتفكير في حديثها مع رد فعل سارة معه، ولكن كان يكابر ما يشعر به. فصاح بها بغضب:
- لا منستش، بس قررنا إننا نبدأ من جديد.. أنا فعلًا بحبها يا ماما وشايف إنها هتسعدني.
كادت أن تصيح به تهاني، قاطعها محمود قائلًا بهدوء:
- لو كنت بتحبها بصحيح كنت زمانك نسيت اللي حصل من زمان وبدأت معاها صفحة جديدة زي ما بتقول، كنت عارف أن اليوم ده هيجي بعدين، بس كنت متوقع إنك من نفسك هتسيبها لما تفكر بعقل، وواضح إنك معندكش عقل أصلًا.
شعر بالضيق والانزعاج الشديد من حديث والده، ولكن المكابرة مازالت مستمرة في داخله لا يعرف ماذا يقول بعد حديث والده، الذي نظر لتهاني نظرة تعلمها جيدًا فقالت بهدوء متماسك:
- يعني أنت مصمم تتجوزها؟
رفع طارق رأسه وقال بتحدي:
- أيوه.
تنهدت تهاني بنفاذ صبر وقالت:
- ماشي يا طارق.. اتجوزها، بس حسك عينك تيجي في يوم وتشتكي منها.. أنت سامع؟ اللي بيشيل أربة مخرومة بتخر على دماغه، أنت المسؤول عن اختيارك.
تركته وخرجت هي ومحمود، غارقًا في أفكاره لا يعرف ماذا يفعل، فقد طفئ حماسه وقلت فرحته. ظل شريدًا يفكر في حديث تهاني ولم يصل لنتيجة بعد.
أنهى عاصم المكالمة التي كان يجريها وعلى وجهه علامات الغضب والتفكير، فاق من شروده على صوت قرعات الباب، ليدخل صلاح منه مهللًا:
- إيه يا دنجوان عصرك وأوانك، مالك متعصب ليه كده؟
نظر له بطرف عينيه وهو يقول بهدوء:
- هي فين العصبية دي؟ أنا بس متنرفز شوية.
ضحك صلاح ثم قال مداعبًا:
- سلمى ولا الجو؟
زفر بشدة وهو يقول:
- ميفرقوش عن بعض، الاتنين نكد.. بس الجو لينة حبتين شوية دلع على دلال كده يعني، وأديها اتقمصت وعاملة لي مناحة عشان عرفت بخبر جوازي منين الله أعلم.. إنما سلمى متحفظة جدًا ولا عطياني ريق حلو.
رد صلاح بعدما داعب ذقنه مفكرًا:
- مش يمكن عندها حساسية من طريقة خطوبتكوا لبعض؟
قال عاصم بضيق:
- بس مش كده يعني الموضوع عدى عليه وقت طويل أوي وخدنا على بعض، بس مش عارف منشفها ليه دي.
رفع صلاح حاجبه وقال باستنكار:
- يعني قفشتك أكتر من مرة مع السكرتيرة ومش عايزها تنشف، ده غير إنها صابرة عليك إكرامًا لأبوها اللي كان مرمي في المستشفى بقاله سنة وشوية.
هنا تذكر آخر كلماتها معه، فصاح به عاصم بغضب:
- يووووووو هتقرفني أنت كمان، ماهي عارفة إنها مجرد نزوة.
نهض صلاح وقبل أن يرحل رد بجدية:
- أنا خايف عليك من رد فعلها بعد كده، خد بالك.
تركه وذهب يفكر قليلًا في حديثه، فهو شاهد رد فعلها منذ قليل بالفعل، ولا يعرف كيف يتعامل معها في الفترة القادمة. يجب أن يكون مراعي لكل كلمة وتصرف يقوم به ثم لم يعطِ له اهتمامًا بعد.
في صباح اليوم التالي بعد أن استعدت نور للذهاب إلى محاضراتها، مرت بجانب غرفة طارق، حيث وجدت الباب مفتوحًا على مصراعيه.
وأمام المرآة وجدته يهندم ملابسه ويبدو متألقًا، سندت على الباب ورسمت بسمة صغيرة على ثغرها وهي تقول:
- يا سيدي يا سيدي إيه ده كله؟ متشيك كده ليه على فين العزم؟
التفت إليها طارق ضاحكًا وهو يرد:
- هههه بس يا لمضة رايح أقابل سارة.
نظرت له نظرة خبيثة ثم ابتسمت مداعبة:
- امممم سارة برضه!
نظر لها محذرًا، فهو يعلم مقصدها جيدًا، ثم قال بمزاح:
- أه سارة أومال هتكون مين يعني؟ أصل عقبال أملتك أخوكي هيخطب قريب.
المفاجأة أذهلت نور كثيرًا، وسعدت لخبر أخيها فصفقت وهي تصيح بمرح وفرحة:
- لا مش معقول أخييييييرًا! يا بشر طارق باشا هيخطب أمتى أمتى!
كان طارق سعيدًا حقًا لفرحة شقيقته له، ثم قال بحماس وهو يضحك:
- ههههههه استني عليا الأول كلمت بابا في الموضوع ووافق وكمان يومين ولا حاجة وأروح أخطبها.
صفقت نور بحرارة وهي تصيح:
- أيوه بقى مبرووووك يا طروقة.
ابتسم طارق وقال بحب:
- الله يبارك فيك عقبالك أنتِ كمان.
رفعت نور يداها اعتراضًا وهي تقول مداعبة:
- يا سيدي نطمن عليك أنت الأول بس وأشوف نفسي أنا بعدين.
ابتسم طارق ثم رفع إحدى حاجبيه مداعبة وهو يقول:
- الله يكون في عونه بجد.
ضربته ضربة خفيفة على منكبه وهي تردف بحزن طفولي:
- إخس عليك يا طارق ده أمه دعياله هو يطول يا ابني.
أزاحها طارق من طريقه وهو يخرج مردفًا:
- طب أوعي يا لمضة هتأخر على ميعادي كده.
غمزت له نور مداعبة بمرح:
- أيوه يا عم هنيالك يا فاعل الخير.
التفت إليها طارق بمزاح:
- بس يا بنتي بلاش قر.
لم تتمالك نور ضحكتها وأطلقت العنان لها:
- ههههههههههههههههههههههه.
تركها وخطى خطوات سريعة على درجات السلم وهي خلفه. تناولت هاتفها واتصلت بسلمى كي تستعد للخروج.
*************
تجلس سارة على إحدى الطاولات تنظر في ساعة يدها تارة وعلى باب النادي تارة أخرى. عندما رأت إيهاب مقبلًا عليها حاولت تجنبه، ولكن هو بعد غلق صفحتها أحب رؤيتها ويقدم بالسلام عليها عندما رآها تجلس بمفردها.
اقترب منها وجلس قبالتها وهو يقول باسمًا:
- إزيك يا سارة عاملة إيه؟
ردت سارة دون أي تعبير على وجهها، فقط قالت بهدوء:
- الحمد لله تمام.
لحظة صمت قطعها إيهاب وهو يقول:
- مالك قاعدة لوحدك ليه؟ كده مستنية حد؟
نظرت سارة في ساعة يدها وهي تقول:
- آه طارق بس مش عارفة اتأخر كده ليه، متعرفش هو فين؟
أجاب إيهاب بلامبالاة:
- لا وأنا أعرف منين.
لاحظت سارة طريقة حديثه المتغيرة، فسألته متعجبة:
- مالك يا إيهاب؟
نظر إليها باسمًا وقال ببرود:
- ماليش يا سارة أنا كويس. آه صحيح نسيت أبارك لك.
ردت سارة بغرابة وعدم فهم:
- على إيه؟
أجاب إيهاب بنفس الأسلوب:
- خطوبتك أنتِ وطارق.
ردت بابتسامة خفيفة:
- آه عقبالك أنت كمان.
قال في سره بلامبالاة، وقد ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه:
- كان نفسي تكوني أنتِ.
شرد قليلًا، فنادت عليه سارة:
- إيهاب إيهاب روحت فين يا ابني.
فاق إيهاب من شروده وهو ينظر أمامه وجد طارق مقبلًا عليهم، فنهض وهو يقول سريعًا:
- ها مفيش طارق وصل أهو أسيبكوا أنا بقى.
رحل إيهاب بعدما صافح طارق، فقد شعرت سارة حقًا بتغيره عما قبل، شريد ويبدو عليه الحزن. كذلك طارق ولا يعرف يقول له ما به لأنه يعرف صديقه جيدًا.
**************
بعد المحاضرة سلمى ونور في الكافتيريا كالعادة، حيث سلمى تتكئ بذراعها على الطاولة. عيناها مغلقة قليلًا ويبدو عليها الإجهاد.
لاحظت نور غفوتها فهزتها سريعًا وهي تصيح بها:
- أنتِ يا بنتي إيه فوقي.
زفرت سلمى بعمق وهي تفرد ذراعيها بتعب، فردت مثاوِبة:
- المحاضرة كانت طويلة ومملة أوي.
ضحكت نور وهي تأكل شطيرتها ضاحكة:
- هههههههه الدكتور ناولنا السنة دي بس خير متقلقيش.
نظرت لها سلمى وهي تقول بكلل:
- متعرفيش سيكشن الثلاث اتأجل أمتى؟
لم ترد عليها نور فكل تركيزها منصب على الطعام ليس إلا، فصاحت بها بغضب:
- سيبي الأكل ده وركزي معايا.
ردت نور وهي تلتهم شطيرتها:
- اممممممم ناقص ليمون مجبش ليه ده.
لم تتمالك سلمى ضحكتها وسط غضبها وهي تقول:
- هههههههههه شكلك مسخرة بجد وأنتِ بتاكلي، سيبي الكبدة دي وخليكي معايا شوية، ليمون إيه بس.
نظرت لها نور بحزن طفولي وهي تقول معترضة:
- مش لازم آكل عشان أشحن من جديد، بطاريتي فصلت الله، ولا عايزاني أهنج في المحاضرة.
ردت سلمى بنفس الحالة:
- ههههههههه والله محسساني إني بتكلم مع موبايل نوكيا القديم ده أبو زراير عارفاه ههههههه.
نظرت لها بضيق طفولي وهي تضع شطيرتها على الطاولة. عقدت ذراعيها وهي تقول بضيق طفولي:
- أنتِ رخمة، طب والله ما أنا واكلة ها.
ضحكت سلمى بشدة على حالتها الطفولية، وهي تنظر لها بحب قائلة:
- هههههههه حقك عليا يا ستي بس أنتِ فصلان بجد ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
ضحكت نور فرحة من حديثها، وأنها ظلت لفترة طويلة في حزن مردفة:
- ههههههه ولا منك يا لوما أيوه كده اضحكي اضحكي.
استردت سلمى حديثها مداعبة:
- هههههههه بتحبي الأكل جدًا، أنسي مقولة قلب الأنثى قطة، قولي قلب الأنثى في معدتها.
ضحكت نور بمزاح وقالت مختلط بجدية:
- ههههههه عمرك ما شوفتي علاقة ناجحة غير مع الأكل، ولا شوفتي بطاطس اتنكت عليك عشان ما عليهاش كاتشب، ولا البطيخ جبتيله جبنة تركي بدل المش.
استكملت سلمى مزاحها وأردفت:
- ههههههههههههه بصراحة ما شوفتش، أمشي من هنا يا بت أنتِ جبارة.
تنهدت نور بأريحية وهي تأخذ قطمة من شطيرتها وهي تقول:
- طيب بس خلي الواحد ياكل بضمير.
خطفت منها الشطيرة كأنها تعاقبها وقالت بجدية مصطنعة:
- هاتي ساندوتش قربتي تخلصي الكيس كله.
فتحت الكيس وأخذت منه شطيرة وبدأت تتناولها:
- آه صحيح أخبار الشغل إيه مع طارق.
شعرت بالضيق من مجرد السيرة، فردت بثبات وجدية:
- كويس الحمد لله.
ابتسمت نور وهي تقول:
- تبقي باركي له بقى.
قطمت سلمى قطعة وقالت باللامبالاة:
- إشمعنى يعني هيتجوز!
اندُهشت نور وقالت ضاحكة:
- ههههههه جبتي التايهة آه هيخطب قريب.
وضعت سلمى الشطيرة على الطاولة بصدمة وقالت بمفاجأة:
- إييييه!
رواية صفقة حب الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء جوهر
إندهشت نور وقالت ضاحكة:
- ههههههه جيبتي التايهة، أها هيخطب قريب.
وضعت سلمى الشطيرة على الطاولة بصدمة وقالت بفاجأة:
- إييييه!!
عادت نور بظهرها إلى الخلف، تنهدت وقالت بأريحية:
- أها ربنا يسعده يا رب.
كاد الفضول أن يقتلها لمعرفة من التي ملكت قلبه، فحاولت كشف ما في صدرها دون أن تثير اهتمامها وقالت:
- متعرفيش هيخطب مين؟
ردت نور:
- سارة زميلته في الكلية.
زميلته! إذا المعرفة جيدة بينهم لكي يقدم على هذه الخطوة، تبقى سؤال يكاد الفضول ينهش في أعماقها، ولا تعلم لما تشعر بالخوف من الإجابة. فقالت سلمى بتساؤل وعدم اكتراث مصطنع:
- على كدة بيحبها بقى؟
زفرت نور وقالت بتفكير:
- على ما أعتقد بيحبها، أصله ما بيتكلمش عليها كتير. هانت وترتاحي من مقابلته أسبوع عشان ترتيبات الخطوبة.
سهمت سلمى فجأة بعد حوار نور، كانت تبدو طبيعية من الخارج إنما من الداخل تشعر بالغرابة من نفسها، على إحساسها بالضيق المفاجئ لما سمعت من خبر خطبته، وإنه من الممكن يحبها. حاولت بقدر الإمكان أن تزيل هذه الفكرة من رأسها وسوف تتعامل مع الخبر بلامبالاة كأنه شيء عادي.
**************
مر أسبوع ولم يحدث طارق سلمى في هذه الفترة، ذهب بصحبة أسرته ليتقدم لسارة، فتم قراءة الفاتحة. فلم يكن محمود يروق له تصرف ابنه، لكنه تركه يفعل ما يريد فهو في نهاية المطاف من يتحمل نتيجة اختياره، فتركه يتحمل المسؤولية قليلًا.
وكانت علاقة سلمى وطارق جافة للغاية كالعادة بعد ذلك، ناقر ونقير. فقد تغيرا أكثر بعد معرفة كل منهم ارتباط الآخر. وعند عودتهم للعمل معًا لا يتحدثان إلا في الضروريات لا أكثر.
مر أسبوعان حاول طارق التقرب من سارة أكثر، على الرغم من محاولتها تبادله نفس الشعور. بدأوا في تجهيز ترتيبات حفلة خطوبتهما. وعلى ذلك فقد أجل موعده الأخير مع سلمى، التي شعرت بالضيق بداخلها ولكنها تصنعت اللامبالاة وعدم الاكتراث لشعورها بأقصى ما يمكن، وفضلت التركيز مع عاصم ومستقبلها معه فهو في نهاية المطاف زوج المستقبل وشريك حياتها القادم، لأن كتب كتابهم يقترب ويجب أن تشغل تفكيرها قليلًا عن طارق.
يوسف دائمًا ما يطمئن على أخبار نور دون أن تلاحظ، ولكن سلمى من لاحظت اهتمامه بها.
انشغل عاصم بأعمال الشركة، وبين الحين والآخر يتهاتفون عبر مكالمة لا تتعدى ثلاثين دقيقة فقط لا غير، محاولة منه أن يكون لطيفًا معها حتى موعد عقد قرانهما.
*************
يوم الخطبة، كانت في قاعة كبيرة وكل الحضور من كبار رجال الأعمال، وعلى رأسهم هاشم الجوهري. محمود وتهاني يستقبلون المدعوين، بينما الأخيرة كانت تحاول إظهار البهجة في هذه المناسبة السعيدة، لحظة خطبة ابنها الوحيد. فهي غير راضية عن هذه الزيجة بالمرة ولا تعرف كيف تلتقط السعادة في مثل هذا اليوم.
نور كانت ملازمة لطارق في كل شيء هي وإيهاب، الذي كان سعيدًا حقًا لفرحة صديقه، فاعتبر ما مر كأن لم يكن، إلى أن أقبل عليهم يوسف مؤخرًا مهنئًا إياه لخطبته، فأراد طارق سؤاله عن حضور سلمى ولكنه تراجع في نهاية المطاف، فشعر بأنها لن تأتي.
ترددت سلمى كثيرًا قبل ذهابها إلى الحفل، لا تعرف سبب تغير حالها من دهشة عليها بما يلازمها شعور غريب من الضيق غير المفهوم، لمجرد خطوبته. فكرت كثيرًا عدم مجيئها إلى الحفل، ولكن لا لن تكرر نفس فعلته الحمقاء بها، فقررت مواجهته وتحدي نفسها لا شخص آخر، وإنه مجرد حفل لا أكثر وعدم الاكتراث لأي شيء، وبالفعل ذهبت برفقة والدها وأخيها.
طارق وسارة جالسان في مكان العروسين مبتسمين بعضهم لبعض عندما يختلس كل منهم النظر إلى الآخر، ولكن في بعض الأحيان تشرد منه وتبقى ساهمة يبدو عليها القلق، إلى أن تذكرت آخر مكالمة أجرتها مع شخص غريب، بعدما قام طارق بتوصيلها إلى المنزل وهي تفكر بحواره. تناولت هاتفها وأجرت مكالمة.
صاحت سارة بعصبية قائلة:
- ألو كنت فين من ساعتها؟ برن عليك من شوية ما بتردش ليه؟
أجابها صوت من الجانب الآخر بنبرة هادئة:
- ما فيش يا حبيبتي، في الشركة هكون فين.
ثارت به سارة بنفس الأسلوب:
- صحيح اللي سمعته ده؟!
رد بعدم فهم متسائلًا:
- سمعتي إيه؟
صاحت سارة بنبرة جافة:
- أنت هتستعبط عليا؟ هو في غيره!
ضحك وهو يقول بنبرة استفزازية:
- ههههههه أنت عرفتي! طيب ما فيش مبروك؟!
شعرت بالضيق الشديد من ضحكته الساخرة، فصاحت به بعدم تصديق:
- أنت بتهزر كمان! دي آخرة حبي ليك تسيبني بالسهولة دي!
صاح بها بجدية مصطنعة وهو يقول:
- أسيبك إيه يا عبيطة هو أنا أقدر أستغنى عنك!
أردفت سارة بشك وعدم اطمئنان:
- طيب أما نشوف.
قبل أن تكمل حديثها قال سريعًا باهتمام:
- ألا صحيح عرفتي إزاي؟
تنهدت وهي ترد بضيق:
- مش مهم عرفت إزاي كفاية إني عرفت وخلاص.
حاول تغيير مجرى الحديث فقال:
- ماشي يا سارة، وأخباره معاك إيه؟
ردت بسخرية:
- شوف المفاجأة بقى، الظاهر كدة قريب هتخطب يا حبيبي.
عاصم بدهشة:
- إيبييه خطوبة؟!
ردت سريعًا بتحدي:
- آه أتخطب، ما أنت هتتجوز وتعيش حياتك، مش من حقي أعيش حياتي أنا كمان ولا إيه؟
لا يعرف ماذا يقول فهي محقة، فما له أن يرد بضجر وتحدي هو الآخر:
- مممممم ماشي يا سارة على البركة، بس عارف إنك هتاخدي كفايتك ومصلحتك منه وهترجعيلي تاني.
استفز سارة طريقة حديثه، فأنهت معه المكالمة بضيق:
- اممممم طيب أقفل دلوقت طارق ويتنج، سلام.
ظلت غارقة في شرودها وبحر أفكارها إلى أن انتشلها طارق بصوته وهو ينادي عليها:
- سارة.. سارة روحتي فين؟
انتبهت له وقالت بعدم تركيز:
- ها أنا معاك أهو.
ابتسم طارق وقال برقة:
- بتفكري في إيه أنتِ مش معايا خالص.
ارتسمت سارة على ثغرها ابتسامة مصطنعة:
- معاك بقلبي يا حبيبي.
ضحك طارق بشدة وهو يصيح مداعبًا:
- الله أكبر كان فين الكلام الحلو ده من زمان!
ردت معاتبة والبسمة تحتل شفاتها:
- هو أنت كنت بتسيبلي فرصة أكلمك أصلًا، وبعدين أدينا بقينا مع بعض على طول أهو.
مسك طارق يداها وطبع عليها قبلة رقيقة وهو يقول باسمًا:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبتي.
ردت سريعًا بنفس البسمة:
- ويخليك ليا أنا كمان.
*************
الجو العام مليء بالفرحة من جانب العروسين، إلى أن بدأت أصوات الموسيقى والأغاني تعلو في المكان. قام طارق وسارة إلى المنطقة المخصصة للرقص ومعهم أصدقاؤهم.
تجلس سلمى على طاولتها ساهمة لا تتحرك، ونور تقف من بعيد بيدها هاتفها تلتقط بعض الصور ومقاطع الفيديو للحفل، لاحظت بقرب أحدهم ناحيتها ومتمعن بها جيدًا، إلى أن سمعت صوت تعرفه ينادي باسمها:
- آنسة نور.
قطعت شرودها وهي تقول بفجأة:
- أستاذ يوسف خضيتني.
ابتسم وقال وهو ينظر إلى حلبة الرقص:
- مش مشتركة معاهم ليه؟
قوست نور شفاتيها للأعلى وقالت بلامبالاة:
- لا مليش في الجو ده، ثم مش شايفني بصور.
ضحك يوسف ثم قال بتساؤل وجدية:
- بس شكلك مش مبسوط.
تنهدت نور بحزن ثم سهمت في الفراغ قائلة:
- عادي خطوبة أخويا وأنا فرحانة عشانه بس مش مرتاحة.
شعر يوسف بنبرة الحزن تتسلل على صوتها، فأردف بجدية واهتمام:
- ليه كده؟
زفرت نور وهي ت رد بحيرة:
- مش عارفة.. عمومًا مادام بيحبها يبقى خلاص ربنا يسعده ودي نهاية أي اتنين بيحبوا بعض.
نظر لها يوسف بعمق وأطال نظرته، فقال بابتسامة عذبة ونبرة حب:
- عقبالك إن شاء الله.
شعرت نور بإحراج شديد من نبرة صوته، التي خرقت قلبها هي وكلماته البسيطة. حاولت الخروج من الموقف سريعًا، فردت بارتباك:
- احم ميرسي وحضرتك كمان ونفرح كلنا بسلمى يلا نروحلها قاعدة لوحدها.
سبقته بخطوات سريعة وهو يبتسم بشدة من خجلها وارتباكها، الذي يجذبه نحوها أكثر، تجعل قلبه يخفق بشدة.
ذهبوا لسلمى فلم يجدوها!!
**************
مر الحفل بسلام بالتهاني والقبلات، اصطحب طارق سارة للاحتفال بخطوبتهما سويًا وبمفردهما، وعاد كل حي إلى حيث أتى.
فكرت سلمى كثيرًا فيما حدث بالحفل وهي تشعر بالضيق، فمنذ أن عادت إلى المنزل وهي شريدة، متكئة على وسادتها تفكر.
تجلس سلمى على طاولتها تشاهد طارق وسارة يرقصون (سلو). عرض عليها يوسف الرقص معه ولكنها أبت بسبب أنها لم تكن في حالة مزاجية سيئة، لمجيئها رغماً عنها.
بعد الانتهاء من الرقص، قررت مباركته لكي تثبت لنفسها بأن ما يحدث لن يشكل فارقًا معها، وإن وجودها مجرد تأدية واجب ليس إلا.
نهضت سلمى وسارت تقترب منه، وهو نظره منصب عليها إلى أن لاحظتها سارة واشتعلت الغيرة في قلبها.
أقبلت عليه بابتسامة صغيرة:
- مبروك يا أستاذ طارق.
بادلها الابتسامة قائلًا:
- الله يبارك فيكِ عقبالك أنتِ كمان.
ردت ولا تزال تلك البسمة تزين وجهها بتحدي:
- قريب جدًا ما تقلقش.. مبروك يا عروسة.
ردت سارة بابتسامة باردة وضيق:
- الله يبارك فيكِ.
شعرت سلمى بالضيق من طريقة ردها، لذلك قررت أن تنهي الحديث سريعًا وترحل على الفور، فردت بلامبالاة:
- احم تمام قلت أجي أباركلك قبل ما أمشي.
تجهم وجه طارق وشعر بالضيق فجأة لمجرد عدم وجودها، فرد بلهفة واهتمام:
- تمشي ليه بس؟
ردت بنفس الأسلوب:
- عادي بس مليش في الجو ده أوي، ثم ده واجب بردو ولا إيه.
طارق عاتب نفسه على الشعور بهذا الإحساس، في المقابل تلقى البرود في الرد، فدافع عن مشاعره قائلًا بالاكتراث:
- امممم أكيد طبعًا.
سلمى:
- امممم طيب عن إذنك.
**************
قطع شرودها صوت الباب، انتبهت وأذنت بالدخول.
اعتدلت في جلستها بينما يوسف دلف للداخل باسماً:
- لسة صاحية.
ارتسمت على ثغرها بسمة صغيرة، فقالت بهدوء:
- تعالى يا يوسف.
اقترب منها بخطوات هادئة وجلس على طرف فراشها قائلاً باهتمام:
- أنتِ كويسة يا سلمى؟ مشيتي بدري ليه؟
ابتسمت بسخرية ثم قالت بهدوء:
- امممم متقلقش عادي صدعت قلت أروح أحسن.
لم يصدق ما تقول، فتلك البسمة الساخرة خلفها الكثير، فتساءل بشك:
- متأكدة إن مفيش حاجة مضايقاكِ؟
هزت رأسها نافية على الرغم أنها تعرف بأن ستارها انسدل قبل ذهابها للحفل. اكتفت بالصمت، إنما هو حاول نبش ما بداخلها ليعرف أكثر قائلاً:
- طيب يعني مكنتيش عايزة تزوغي من الحفلة؟!
رمقته بنظرتها الغاضبة وتحولت من حالتها الهادئة إلى بركان ثائر كان خامداً وتحول لمجرد كلمة لتقول:
- أنت عارف كويس إني مكنتش عايزة أحضر، ثم روحت عشان بابا وأنكل محمود ميزعلوش.
ضحك يوسف تلطيفاً للحديث، فلم يقصد البتة إثارة غضبها فقال على الفور:
- ههههههه طيب خلاص مضايقيش نفسك كده، مفيش فايدة فيكوا حتى المناسبات مش طايقين بعض.
زفرت سلمى بضيق كي تنهي هذا الحوار بهدوء:
- ماشي تصبح على خير.
خرج يوسف من غرفتها وعادت إلى وضعها الأول، وهي تشعر بغرابة إحساسها بالضيق. فقررت أن تطرد تلك الفكرة من رأسها وتنسى ضيقها منهم. مدت يداها لتغلق النور وخلدت للنوم في سلام.
**************
وصل طارق الفيلا قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، ترتسم البسمة شفتاه من بهجة تلك السهرة التي قضاها مع سارة.
وجد الجميع نيام، فبدل ثيابه واستحم بعد إنهاء مكالمته معها. كان سعيداً بالخطوة التي أقدم عليها، في نفس الوقت يحاول ترجمة نظرات سلمى له، هل هي عِند أم تحدي أم ماذا؟
تبدلت قسمات وجهه من فرحة إلى تسهيم. وبدأ يسأل نفسه:
"يا ترى أنا اللي عملته ده صح ولا غلط؟ فعلاً بحب سارة ولا مجرد إحساس وهمي وخلاص؟ فعلاً بحبها ولا أنا بنتقم من إحساسي ولا لنفسي؟ أكيد الخطوة دي هتبان مصيرها في الآخر."
إلى أن غلبه النوم من كثرة التفكير. مر أسبوعان والحياة اختلفت عليهم بكل المقاييس، بدأ طارق وسلمى الهروب من بعض وتجنب مقابلتهم، حتى في العمل كانت تتعمد سلمى تجاهل نظراته وعدم الاطلاع عليه، ولكن قد يخطف أحد منهم نظرات خاطفة للآخر دون أن يشعر بذلك... إلى أن جاءت خطوة غيرت مجرى حياتهم على الإطلاق.
**************
في فترة تجنب سلمى التعامل مع طارق، حاولت من الناحية الأخرى الاقتراب من عاصم باعتباره شريك حياة المستقبل فيما بعد، وزوجها المستقبلي لا بد أن تتقبل واقعها المفروض عليها وتفيق من أحلامها.
عاصم لاحظ هو الآخر بتغير سلمى إلى الأفضل قليلاً واندهش من تغيرها المفاجئ كثيراً، فبادلها القرب أيضاً، ولكن ما زال من لديه خصلة لن تزول عنه في النهاية، فخيانة المشاعر عرق دساس لا نستطيع التخلص منه سوى بقطعه.
ذات يوم خرجت سلمى من مكتبها متجهة إلى مكتب عاصم، تحتاج توقيعه على بعض الأوراق. قرعت على الباب ودخلت على الفور، أفلتت ما تحمله بين يداها وفاها فاغر من الصدمة. عيناها متسعة دهشة والدمع يسيل من مقلتيها بغزارة لما رأته من مشهد قاس على قلبها بشدة.
لم تصدق بأن ما تراه هو عاصم يقبل السكرتيرة الخاصة به بهيام وهي مستسلمة له. تفاجأ لصوت ارتطام الملفات أرضاً ولم يستطع اللحاق بسلمى، التي ركضت مسرعة على الفور بعدما أن رمقتهما نظرة احتقار.
ركض عاصم خلفها متجهاً إلى مكتبها فلم يجدها، عاد لمكتبه وتناول مفاتيح سيارته وهاتفه وسترة بدلته وركض سريعاً كي يلحق بها.
قاد سيارته وأخذ يبحث عنها إلى أن وجدها. ظل يسير خلفها إلى أن وصلت لمنزلها، نزلت وهي منهارة من البكاء وهو خلفها ينادي عليها. جذبها من يداها ليوقفها قبل أن تصعد درجات السلم.
قال عاصم مبرراً:
- استني يا سلمى متفهميش غلط.
أزالت قبضته من معصمها بكل غضب. صاحت به بعصبية مفرطة ولا يزال الدمع ينهمر من عينيها:
- أنت مستوعب اللي بتقوله؟! أفهم غلط إيه بعد اللي شوفته ده؟! الهانم في حضنك وبتبوسها وعايزني أفهم صح بتاع إيه ده. أنت إيه يا أخي مفيش دم مبتحرمش.
أصبح في مأزق كبير لا يعرف الخروج منه، فقد رأته متلبساً بالفعل. نظرت له شزراً واحتقار فلا يوجد مبرر لفعلته، قامت على الفور بنزع الدبلة وخاتم الخطبة وألقت بهما في وجهه بعنف وشدة ثم تركته وركضت مسرعة إلى الأعلى، لم تعطيه فرصة واحدة للحديث سدت عليه جميع منافذه. استجمع ما تبقى من كرامته ورحل.
انهارت من البكاء حتى غطت في نوم عميق، كي تهرب من واقعها المحزن الذي لم ترَ فيه يوم جيد على الإطلاق. قررت بالفعل إخبار والدها بانفصالها وهي تعرف إن مثل هذه الخطوة سيغضب منها هاشم كثيراً، فخطبتهما كانت أساس بنى عليه علاقته مع حامد، فسوف تثار مشكلة كبيرة على تلك الفعلة بكل تأكيد.
لكن بلا فلن تكترث للنتائج المترتبة لما يحدث الآن، فقد اكتفت منه ولن تستطيع تحمل أساليبه الخادعة بعد، فقد سئمت منه. إذا فليكن ما يكون.
قامت من فراشها وبكل تحدي تناولت هاتفها واتصلت بنور. يجب أن تطفئ نار قلبها المشتعل بالحديث مع أحدهم كي تشفي غليلها منه، ولن تجد أقرب من نور وأخيها. اتفقتا على اللقاء في منزلها بعد الانتهاء من العمل، وبالفعل وصلت في موعدها.
صعدت إليها وجدتها غاضبة للغاية، وأثر الدمع طابع على وجنتيها. ضمتها إلى صدرها وهي تحاول فهم ما حدث، فهي لم تفهم شيئاً من صراخها وعصبيتها.
ربتت نور على يداها برفق كي تهدأ من روعها قليلاً وهي تقول:
- ممكن أفهم سبب عصبيتك إيه دلوقتي؟
ردت سلمى وكأنها لم تسمع شيئاً، بشيء من الغضب الشديد:
- وأنا قلت إنه اتغير وانصلح حاله شوية. بس أقول إيه ديل الكلب عمره ما بيتعدل أبداً، أنا اللي غلطانة زي الهبلة أسامح مرة واتنين وتلاتة عشان ميحصلش مشاكل بس المرادي لا لاااااااا على جثتي أرجعله تاني.
التفتت إلى نور وصاحت بعصبية:
- الحيوان اللي اسمه خطيبي بيخوني رابع ولا خامس. المرادي بقى غير كل مرة متلبس رسمي، ومع السكرتيرة تاني البيه بيبوسها وحاضنها. الواطي يا ربي. أعمل إيه ها أعمل إيه أكتر من كده قربت منه عشان أتنيل على عيني وأقدر أكمل حياتي معاه لكن ده ميطمرش فيه حاجة أبداً.
تسمع نور لحديثها باهتمام ولا تصدق أن الأمر وصل لهذه الدرجة، فهي الأخرى قد اكتفت من تصرفاته، حاولت تهدئة روعها قليلاً فقالت بضيق وحزن على حالها:
- حيوان يا بنتي ميستاهلش دمعة من عينيك أبداً. يروح في داهية أنتِ استحملتي وجيتي على نفسك كتير أوي عشانه. كفاية بقى يا سلمى.
ردت سلمى بنفس الحالة:
- ومين قالك إني هكمل معاه تاني؟ أنتِ بتهزري؟! إن شاء الله الشركة باللي فيها تولع بس مش على حساب كرامتي أكتر من كده. خلعت الدبلة والخاتم ورميتهم في وشه، بكرة هبعتله كل حاجته مش عايزة حاجة تربطني بيه. كويس إنه حصل كده قبل كتب الكتاب وإلا كنت اتورطت توريطة سودة.
قالت نور بنبرة تشجيعية:
- جدعة كويس إنك عملتي كده ومش مهم أي حاجة تانية. بس هتقولي لأنكل هاشم إيه؟
نظرت لها وقالت بتحدي:
- هقوله كل حاجة ومش هخاف منه ولا من أبوه. هستنى بس لما يرجع. اسمعي يا نور مش عايزة طارق يعرف أي حاجة عن الموضوع ده خااااالص خالص. تمام؟!
أومأت نور رأسها إيجاباً ثم قالت بثقة:
- ما يكونش عندك فكرة.
زفرت سلمى بارتياح وهي تفكر بما سوف تفعل فيما بعد.
**************
في المساء عادت نور إلى المنزل وهي تشعر بالغيظ الشديد من عاصم، وكانت على وفاق مع سلمى لتركها له في الوقت المناسب قبل عقد قرانها عليه.
لما سمعت أنين صوت قفل الباب أيقنت إنها نور. فنادت عليها وأقبلت عليها على غير العادة بوجه يشوبه الضيق. جلست قربها ووجدت والدها حاضراً أيضاً.
سألها محمود عن سبب وجومها أخبرته بما حدث. زفر بضيق وهو يخبط كف بأخرى:
- لا حول ولا قوة إلا بالله بقى الحيوان يعمل فيها كده.
أقبلت تهاني بحزن قائلة:
- واطي صحيح مش مكفيه أنها مستحملاه وجاية على نفسها عشان أبوها. بس أقول إيه هو أول مرة يعملها.
تفاجأ محمود من تلك الكلمة الأخيرة فقال بذهول:
- هو كمان نيلها أكتر من مرة؟! أومال بعد الجواز هيعمل إيه؟ هاشم مش هيسكت من رد فعلها.
شعرت نور بالضيق أكثر فانفعلت قائلة:
- يعمل اللي يعمله يا بابا كفاية كده. بس أهم حاجة سلمى اشترطت عليا إن طارق ما يعرفش حاجة عن الموضوع ده خااااالص خالص.