تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي والستون 61 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والسبعون
يقف أمام الشرفة فى الغرفة التى مر على وجوده بها
اسبوعين..اسبوعان بعد اصرار طاهر وكرم على وجوده
معاهم، اسبوعان على اخر لقاء بينهما، داخله منهارًا وخارجه يتماسك بشق الأنفس
ليته يعود كالسابق ليته يعود، جذب خصلات شعره بعنف
معاتبًا نفسه بحدة لم يستطع السيطرة عليها، حقًا تمناها
من قلبه، لكن الحقيقة أنه سيظل شاردًا دون وطن دون
دفء
البعد يكوى
الفقد يكوى
الاشتياق يكوى
هو تذوق الثلاثة طيلة حياته لكن هذه المرة، لكن هذه
المرة المرارة اشد والخسارة أكبر، لكنه يفضل أن يظل
ضائعًا وحيدًا وتكون هى بألف خير. آآه حارقة خرجت
من احشائه
فجأة فتح الباب بقوة ووقف امامه كرم هاتفًا:
-ولا تامر آهات بقى
-نعم
لكزه طاهر فى كتفه قائلًا:
-ما تخلص يا بنى بالذوق احسن تبقى بالغصب
نظر له بامتعاض ثم بدء بتأوه فأشار له كرم أن يزداد
ثم اخرج هاتفه من جيب بنطاله يضغط على زر المكالمة
ثوانى وقد آتاه الرد فهمس:
-بيسان لو تنفعى تيجى دلوقتى ضرورى الواد تامر تعبان
-اه لا ماشيين على تعليمات انتى لسه هتسألى يلا الحقينا
*****
كانت تقف تصتنت إليها فاقتربت مسرعة تسألها
-فى ايه بيسان ماله تامر
-مفيش
قالتها مسرعة وهى تلتقط حقيبتها فاسرعت تارا خلفها
-هاجى معاكِ
وقفت بيسان ترمقها بشفقة وأسى، مسحت تارا دمعة هاربة وهى تقول:
-عارفة انه مش عايز يشوفنى
- الفكرة
اوقفتها وهى تفتح باب السيارة هاتفة:
-الفكرة مش وقتها يلا بينا بسرعة
******
-لما تسألنى مالك اقولها عندى أيه اه
قال هذه الجملة تامر وهو معترض فأجابه كرم:
-آه عندك مانع تعبان إن شا لله تقولها عندى واوه
فجأة كان تامر يفتح المطواة قائلًا بسخرية:
-وهيبقى حلو لو عملتلك أنا واوه دلوقتى
تحمحم طاهر قائلًا
- مش بردو الرجالة تقف مع بعضها وانت
ابو الرجولة ياتامر
حك ذقنة بالمطواة قائلًا:
-حيث كدا آه آه عايز الدكتورة بيسان
اقترب منه طاهر قائلًا بغيظ:
-طب هتتلم ولا ازعلك بجد
وقبل أن يكمل جملته كانت تدخل بيسان وخلفها تارا
اغمض كرم عينيه بأسف هذا ما لم يحسب له حسبان
فابتسم قائلًا
-نورتوا
ولجت ببسان مسرعة تفحص تامر ثم عقدت حاجبيها متسائلة
- هو ماله بيشتكى من أيه؟!
اجابها كرم بتلقائية:
-منى أنا
قهقة كلا من طاهر وكرم وطرق كلا منهما كفه بأخيه
احتقن وجه بيسان فابتلع كرم وهو يميل على اخوها
-عليها نظرات ترعب ياض انفد بجلدك
-قولت ماله
سألتهم باستنكار فاجابها تامر باختصار:
-الجرح شد شوية بس طاهر وكرم كتر خيرهم اتخضوا عليا
هزت رأسها بتفهم فوقف طاهر خلفها هاتفًا
-بيسان محتاج اتكلم معاكِ
بعد مرور نصف ساعة انصرف طاهر وبيسان وكرم الذى
استئذن ليحضر القهوة
اقتربت هى من الفراش هامسًا:
-أنا خوفت عليك
-ليه يعنى دا شئ عادى بعد العملية ماكنش فى داعى لوجودك وتتعبى نفسك
يائسة، ضائعة، راجية:
-انت مش بتردى على اتصالاتى ليه؟!
-لأن ببساطة ببقى نايم تعبان فبلاش تتعبى نفسك ياتارا
رجائه يتشح بعذاب ألمه الحى، فحاولت هى أن تتغاضى عن طريقته هاتفه
-طب مفيش تحسن شوية زيادة عشان تنزل الشغل
بقى وكفاية راحة كدا
عيناه تخونه لينظر لعينيها بألم وضعف اغمض عيناه
قائلًا بقهر:
-لأ، مش هكمل فى شركة وبلغت طاهر بكلام دا
-تامر انت مش عايز ترجع الشغل عشان أنا هناك
-لأ طبعًا هو فى أيه بينك عشان يمنعانى أن أنزل شغلى
لاتعلم ذنبها لتعاقب بهذه الطريقة، ذنبها أنها احبت شخص
قرر التخلى عنها، هى تريده أن يكون لها القشة التى تنقذ الغريق وليست القشة التى تقسم ظهر البعير، فهى تحتاج
لمن يعتنى بها:
-قول بصراحة السبب وطريقتك ديه معايا
شايفنى ازاى ياتامر
كان كطفل الصغير الضائع وسط الزحام ارتسم البرود
ثم احابها:
-السؤال دا اتكرر كتير كل شوية شايفنى ازاى بنى ادمه
عاديه كانت شغالة معايا وخلصنا بلاش نصعبها على بعض
لم بعتنى بها احد لم تجد الحنان وقتما احتاجه وحيدة الروح دائمًا تحتاج من يدلها ويمسك بيدها همست بوجع
-وياريتها سهلة زى ما انت بتتكلم كدا، بس كل اسبابك
انا عارفها عن إذنك
*****
لكم طاهر كيس الملاكمة لدقائق قبل أن يتوقف لاهثًا بعنف لا يستطيع التحكم فى تلك النيران التى تلتهم قلبه هاتفًا
-هو أنا هفضل كدا كتير أنا والاستاذ بدر فى مقارنة
متجننيش يا بيسان انهارده لا دلوقتى احسمى الموضوع
أنا مش قابل الوضع دا
لم تجيبه وبدأت هى الأخرى بلكم كيس الملاكمة بعنف
ثم توقفت تلتقط انفاسها لاهثة، نظرت فى عمق عينيه
قائلة بثقة:
-أنا رديت على بدر من اسبوعين تقريبًا وقولتلوا انى
بتمنى ليه حد احسن منى ودا من قلبى لأنه هو يستاهل
وماكنتش هسيبه وقت اطول وحتى لو ماكنتش أنت
اخدت خطوة دية كان هيبقى ردى على بدر نفس الكلام، لأن بدر يستاهل يكون مع حد بيحبه
نفذ صبره وجن جنونه هاتفًا:
-بدر بدر خلاص بقى، ومتحاوليش يا بيسان تلعبى معايا بالطريقة ديه
رمقته باستنكار هاتفة:
-طريقة ايه ياطاهر، حاسب على كلامك وبعدين
اقترب منها اكثر فعندما يعترف القلب بالعشق يصبح الأنهزام فى اعلى درجاته، هامسًا بتألم:
-بغير يا بيسان، ومعنديش مخ افكر بيه وقت ما بغير
عليكِ، ياترى قلبك بقى هيحن عليا امته ولا هتسبينى كدا
كتير لا عارف أكل ولا اشرب ولا أنام ولا اشوف شغلى
صدقينى أنا قلبى مفيش غيرك وملكك يا بيسان
قولى أنك سبتى بدر عشانى، اتكلمى يابيسان
-خايفة يا طاهر
-خايفة منى أنا يا بيسان
ادارت وجهها بعيدًا فهى اعتادت أن تسير على اوجاعها
متفادية أى ألم جديد:
-خايفة من وجع جديد فى حياتى أنا بقيت متعودة على
حياتى كدا متأقلمة حاب حياتى ومرتاحة فيها، خايفة
اتوجع وقلبى يتكسر
-بعد الشر على قلبك دا أنا اتكسر واتوجع، ولا أنه يمسك
سوء، سلمى قلبك ووعد عمرى ما هأذيه ولا هجرحه
سلميه هكون رفيق، وزوج، وحبيب، هكون سند وضهر
وحصنك المانع، قوليلها يل بيسان وريحى قلبى
ما يقوله فوق طاقتها وما يخبرها به كثير للغاية، ما يقوله
لا تقو على تحمله، لم تجد رد تشعر انها على وشك الاغماء
تابع هو بنبرة عاشق:
-بحبك وأى حاجة قبلك مش فاكرها
عقلها يقاوم ويقاوم ويحارب القلب، لكن القلب يخبره
بأنه سقط من زمن وهو الآن فى منتصف طريق العشق
اكمل طاهر وهو يتابع تحشرج انفاسها هاتفًا:
-قوليها وريحى قلبى
لقد حان وقت اعترفها له فمهما تهربت عليها البوح
بما يختبأ قلبها، فتتهدت قائلة:
-قول لقلبك يرتاح
انتفض قلبه الثائر من اعترفها الغير مباشر تتهرب وهو
يعلم لكن يكفى انها تقبلت ارتباطهما يكفى عيناها وما
تبوح به، ويبقى اعترافها، فهمس:
-ربنا يريح قلبك يا روح القلب، وحيث كدا اجيب نوجا ونيجى نطلب إيديك ونشرب الشربات
اطرقت رأسها فى صمت فظل نظره معلق بها وبملامحها
وهدوئها، لا يعلم شئ سوى انه غارق، متى وكيف لا يعلم
لكن هل للعشق توقيت أو انذار
*****
جلس هاشم رابتًا فوق ساق ضياء بعد أن جلس أمامه
-حمد على سلامة يا ضياء
تلك الكلمات اردفتها لبنى بينما ابتسم ضياء هاتفًا:
-من قلبك؟!
تعترف انها مخطئة لكن من منا لا يخطئ ويصبح
كالثور فى غضبه عندما يرى كسر ابناؤه، تنهدت قائلة:
-من قلبى، أنا عمرى ما كرهتك لكن وجع بنتى كان خلينى
مش طايقة اشوف خلقتك، وربنا يبارك فى اصيل وبكرة
تعرف أنه اكتر حاجة توجع قلبك، أبنك وانت متكتف ومش
قادر تعمل حاجة، أنا لحد انهارده نفسيتى تعبانة بسبب صورة بيلا مش بتفارق خيالى وهى طول الحمل تعيط والمفروض انها اسعد ايام حياتها
تنهد هاشم بقوة وتألم قلبه عند ذكر هذه الذكرى المرة
قائلًا:
-خلاص اللى فات مات واحنا ولاد انهارده وبالمناسبة
أنا حجزت أنا وبلبلة اسبوع فى المالديف نغير جو وكمان
عشان اعصابها اللى تعبت الفترة اللى فاتت
-نعم!!
قالها ضياء معترض ثم أكمل ضياء:
-تروح فين يا هيشو
اجابه هاشم بابتسامة صفراء:
-بلبلة نفسيتها تعبانة بقولك ولازم افكها وادلعها
لكزته لبنى فى كتفه فابتسم ضياء بسخرية قائلًا:
-حضرتك مينفعش معاه الغمز دا الغز اسهل حاجة
ما ترعينا شوية، ولا اقولك خدنا معاك أنا وبيلا
-كان على عينى يا ضاضا بس هو الحجز فردين دا
غير بيلا مش هتسيب اصيل كفاية الفترة اللى فاتت
وانت كمان عندك شغلك معلش تتعوض ياضاضا
ثم تابع هاشم بخبث:
-اظن انت لسه قدامك شوية على دلع مالديف
رمقه ضياء بغيظ ثم نظر للاعلى نحو غرفتهما قائلًا:
-بكرة تروق وتحلى ودلع مالديف يجى لحد عندى وساعتها
مش هرحم حد
-انت وشطارتك
*****
نظرة نجاة بعينين قاتمتين إلى ابناءها وكأنها افعى سامة
زفرت بقوة ثم قالت:
-ياحزنك يا نجاة اللى ما فى واحد ناصفنى زى الحريم
واتجوز ويفرح قلبى الا خبيتى ابنى الكبير خطب، ويوم الخطوبة
قلب بمصيبة قولنا قدر ولطف وفى الاخر تقولى فسخت
الخطوبة وهى كمان ياموكوس مش أنت
والبيه التانى حامى الحمى كل واحدة فى مصيبة يجرى
يساعدها ويقف معاها، طب ساعد أمك ياروح امك لكن
إزاى لازم افضل كدا على نارى
تحمحم طاهر بهدوء قائلًا:
-طب حامى الحمى قرر يأخد الخطوة الجريئة ويتجوز
مش يخطب بس
اطلقت نجاة زغروطة عاليًا وما أن انتهت هتفت بلهفة:
-مبرووك، ومين اللى عليها العين والنية، استنى يا ولا
الدكتورة صح؟!
صفق طاهر عاليًا وهو يقول:
-ايوة بقى يا نوجا يالماحه
-بس يا ولا انت يا اول بختى كدا خلاص هتعتكف تانى عن الجواز
كور كرم يده معترضًا وقد طغى عليه الوجوم وتشنجت
عضلاته:
-امى موضوعى مش قابل للكلام
-ليه بقى إن شاء الله
-لأن زى ما قولتى لو ماكنتش هى هاعتكاف عن الجواز
أن عايزها هى
مصمصت نجاة شفتاها قائلة:
-وأنا كنت اعترضت مش انت اللى انسحبت
-ايوة انسحبت لانها لو ماكنتش عايزنى زى ما عاوزها
يبقى الانسحاب افضل وقفلى على موضوع دا وعندك ابنك
افرحى بيه
نهض متوجهًا نحو غرفته ثوان وكان يلحقه طاهر فوجده
يقف فى الشرفة ويدخن احد سجائره التى عاد لها بقوة
فى الفترة الأخيرة، همس طاهر
-كررم
تحاشى النظر إليه ليتشرنق حول نفسه ويزداد وجعه
-طب ما احنا ممكن ندخل حتى لو من بعيد هى بردو
اكيد مش عارفة تتصرف أو مكسوفة
-ما خلاص بقى مش حابب اتكلم فى الموضوع دا
رفع حاحبه مغمغًا:
-ما خلاص يا عم انت هتعيش دور المجروح العميق عليا
تنهد كرم وأطفأ سيجارته ثم ذهب للفراش ليرتمى عليه
قائلًا بحزن:
-خايف اكون حسبتها غلط يا طاهر المرة دية
-صدقنى يا كرم أنا مبسوط من موقفك وشايف انه كدا
الصح وهى محتاجة توجه نفسها وراجعة راجعة
هز رأسه فى صمت ثم تابع بابتسامة واسعة:
-بس ايه حوار الجواز دا، داخل على طول على التقيل
-مش كفاية شهور بتعذب وأنا مش هرتاح ألا لو بقت
ملكى فى بيتى جوه حضنى
التو ثغر كرم قائلًا بامتعاض:
-حبيبى أنت متربتش مش شايفنى موجوع ومجروح
وانت شغال ملكى وفى بيتى وجوه حضنى، هتموت
وتجوزك وهى معرفتش تربى غور يلا اطمن على تامر
اللى مقرر عليه يسمع تهزأنا من أمك طب طلاق تلاتة الواد
دا مش هيحترمنا بعد كدا هتشوف دا اصلا مترباش
زيك
-اسف ياسطا عندى أنا ديه
-يلا يااسطا غور فى داهية
****
مرت الأيام والحال كما هو الحال
عيناه ترقبها كل ثانية تخونه وينظر إليها، لم يكتفى بحبها بل سقط فى اعماق عشقها السحيق بلا توقف، بل اصبح يتصرف كمراهق اخرق يراقبها من بعيد وقلبه يدفعه دافعًا لالتماس خيالها، فهو الآن يتخيل أنهما معًا يطلب وصالها
وهى تسبل اهدابها كإشارة للقبول لكزته والدته فى كتفه
هاتفه بخفوت:
-بتعمل أيه يا واد يا هاجد هنا؟!
جذبها خارج ردهة المطبخ وهو يهمس:
-ايه هتفضحينا
-مش عيب يا واد وقف تبص عليها كدا وهى فى المطبخ
حك ذقنه يشعر بالاحراج ثم هتف:
-هو عيب فعلًا وميصحش بس
اسرع هاجد وهو يقول::
-يا أمى ديه مرارتى حلالى
التو ثغرها قائلًا:
-ولما هى مراتك وحلالك يا قلب أمك واقف ترقبها
من بعيد ليه؟! الله يرحمه ابوك ولا كنت اقدر على
خاصمه كان عليه واحدة ما خلاص بقى ياسوسو
والله ولا كان يعدها تانى انت مش مسيطر
-ايوة بقى ياسوسو، بس يا سوسو هاجر وضع مختلف
ومش عايز اضغط عليها حابب تصفى على مهلها
وقبل أن تجيبه خرجت هاجر من المطبخ ونظرت فى عينيه وتلاقت امواج عشقهما العاتية لتنكسر فوق جرف
الهجر، تحشرجت انفاسها ثم نظرت لوالدته هاتفة:
-حضرت الأكل يلا بينا
بعد عدة دقائق كانوا انتهوا من تناول الغداء وجلسوا
يشربوا الشاى وبينما هما يتبادلون النظرات والخلسة
فانتهى هاجد من اخر رشفة ووضع الكوب امامه ونهض
ليقبل رأس كلا من هاجر والدته ثم انصرف راقبت
هاجر انصرفه وضربت على قدميها قائلة:
-أنا حاسة أن ابنك هعجبه البعد وبيتلكك وبدل مايحاول
مرة واتنين وتلاتة بيبوس راسى هو وماشى هو أنا امه
-اتلهى وانتِ تطولى تبقى امه دا امه عسل
توسعت عين هاجر بذهول هاتفة:
-دا ناقص تقوليلى وألف مين يهوانى ما تركزى معايا
اخذت الصينية ونهضت قائلة:
-اركز اعمل ايه الرجل خايف على مشاعرك ومستنى
تصفى وتبقى زى القشطة من جوه يعنى عداه العيب
-وكدا هصفى، كدا هعبى منه زيادة
التمعت عيناها بابتسامة ثم سألتها:
-بت يا هاجر فين الصاجات
-الصاجات ديه ملعونة ومن يومها وأنا صحتى فى نازل
ديه ألعن من لعنة الفراعنة
-تصدقى أنا غلطانة والحق عليا ويلا بقى على بيتك
وشوفى هتحلى إزاى المعادلة الصعبة
-لا مش على هاجر أنا هتصرف بطريقتى
*****
جاء اليوم الموعود
يوم خطبتها جلس الجميع فى جلس عائلية، ابتلعت
بيسان بصعوبة وقد ضج قلق فاضح من عينيها وهى
ترى نظرت والدة طاهر لوالدتها ووالدها شحب ووجهها
وانطفأت الحياة بعينيها تشعر بالخزى تتمنى أن تنشق
الأرض وتبتلعها، رمقتهم والدة بيسان باستنكار ثم
حدثتهم وهى تخرج السيجارة من علبتها::
-حد يدخن يا جماعة
تمتم حسين بهدوء:
-لا شكرًا
نظر طاهر نحو بيسان التى اغمضت عينيها محاولة ضبط انفاسها قلبه يختلج بصدره لم يتحمل ألمها ولم يتحمل
بعده عنها، هو يحبها لذلك يتألم، يحب كل شئ بها بل
كل خلية بها
لم تخفى على بيسان نظرة الحقد فى عين والدتها وهى
لم تفعل شئ أم كان عليها طاعة رغبة والدتها وأن تكون
مثلها، ولم تنس أبدًا نظرات والدها وكأنها هى السبب
فى ضياع مستقبله الاقتصادى
حبات العرق بللت مقدمة جبينها تعلم من نظرات والدة
طاهر أنها خسرته، اقنعت نفسها أن جرح اليوم اهون
من جرح الغد، ستبتعد وتقنع نفسها أن الامر عادى
لطالما كانت هى القوية، قاطع طاهر حرب النظرات
قائلًا:
-نقرأ الفاتحة
خيم الصمت فخرج صوت تارا سريعًا:
-مبروك يا بيسان مبروك يا طاهر
ابتسم كرم قائلًا:
-نأجل الحماس خمسة لما نسمع أمين
تحمحم طاهر هاتفة::
-ايه ياجماعة بقول نقرأ الفاتحة
التو ثغر والدتها وهى تنفذ دخان السجائر قائلة:
-بصراحة مش مقتنعة ولا حتى باباها بس هى اصرت
على القاعدة ديه أنا متأكدة انها هتندم بس اوكى
همت نجاة برد عليها بافظع الشتائم لكن امسكها كرم من
معصمها ومال عليها:
-خلينا نقرأ الفاتحة عشان طاهر وبعد كدا يحلها حلل
حدجته بنظرات نارية لكنه اعادة همسه:
-عشان خاطرى
رفعوا الجميع الكفوف يقرأوا الفاتحة بينما هى لم تشعر
بالفرح أو السعادة كالعادة، وما أن انتهوا وقفت تقول
بملامح متهجمة:
-فرصة ...سعيدة، عن إذنكم
ذهبت مسرعة حتى دون أن تبارك لبيسان فتوجهة طاهر
نحوها فهمست بيسان بحسرة:
-معلش ألحق طنط يا طاهر
اقترب منها فترجعت للخلف هاتفة:
-لو سمحت يا طاهر
هز رأسه وذهب خلف والدته فتساقطت دموعها وهى
تنظر إلى والدتها والدها هامسة:
-ليه عملتوا كدا، ليه الفستان دا والشرب دا ليه أنا عمرى
ما طلبت حاجة غير انهارده بس
-وهى الدكتورة الكبيرة المشهورة صاحبة المبادئ بتستعر
من أهلها
ضحكت بسخرية قبل أن تنصرف:
-اهلها
******
بعد وقت طويل من التفكير بدأت فى تنفيذ أول دروب
جنونها وهى ترتدى فستانًا ذو حملات رفيعة يصل إلى كاحلها واختارته بلون الكنارى، وحلت عقدة شعرها
ورسمت عيناها بالكحل الاسود، اغمضت عيناها وهى
تمتم:
-اربعة، خمسة، ستة
وقبل أن تكمل العشرة ولج هاجد متسائلًا:
-هاجر فى قميص غير دا مش لاقى قمصان ودا الزرير مقطوعة
عضت على شفتاها باغواء وهى تقترب منه بهمس خافت
سبب زلزالا مما جعله يريد خطفها فى التو
-أنا غسلت كل الهدوم من ساعة ماكنا زعلانين والهدوم
متغسلتش أنت محتاج القميص ضرورى
-ايوة
اسبلت اهدابها واسرعت تفتح الدرج لتحضر الخيط والأبرة
هاتفة:
-ثانية هخيطوا ليك
-خلاص بلاش، او استنى اقلع القميص
-
اقتربت منه حتى ألتصقت به وفردت يدها فوق صدره
وعندما شعرت تشنجه تحت يدها ابتسمت اكثر لنجاح
مخططها ثم قبضت على حافة قميصه وهى تخيطه
وانفاسها تلفح صدره، اقترب هو منها اكثر وعيناه لا
تحيدان عن شفتاها اقتربت اكثر تقطع الخيط باسنانها
فلمست شفتاها صدره، فثقلت انفاسه هامسًا:
-هاجر
رفعت عيناها ببراءة هاتفة:
-خلصت خلاص
فحاوطها بيده محاولًا السيطرة على جنونه من الفتاك بها
وتتلذذ بكل ما فيها، فاجابها:
-فعلًا خلصتى عليا وجبتى اخرى يا هاجر
-بعد الشر يا شيخ هاجد
وقفته امامه بهذا الفستان وهذه الفتنة اغمض عيناه مقرًا
ومعترفًا أن الانتظار حقًا لم يعد خيارًا:
-أنا كنت مستنى تصفى براحتك بس دلوقتى الموضوع
مبقاش براحتك خلاص انتهى
رفعت كتفاها مداعية البراءة هاتفة::
-على العموم مش هنختلف راحتك هى راحتى بردو
دفن وجهه بين عنقها وجيدها وهمسه خرج مبحوحًا
-يا هاجر هاجر القلب إليكِ فهل من وصال
سمع صوت انفاسها فحاوطت عنقه بيدها قائلة بإغواء
-وصال وامها عينيهم ليك
همس أمام عينيها المذبذبتين
-يسلم عيون هاجر ووصال
والمهم ان ام وصال رضيت عنى
هزت رأسها دون كلام ليرفع يده يحاوط وجهها بيده ويقبل ثغرها المغرى شغفًا وامتلاك
******
جلس امام والدته بعد أن عادوا للبيت حاول ضبط انفاسه بصعوبة ثم سألها بملامح ممتعضة:
-ليه بيسان لأ ليه؟!
دا ماكنش رأيك من الأول
كانت تعبير وجهها لا تقل امتعاض عن ملامح ابنها هاتفة:
-من غير ليه يا قلب أمك مش موافقة عليها يعنى مش موافقة
-انتِ وافقتى على كارما، اشمعنا بيسان
ضربت صدرها بقوة قائلة:
-ايش جاب لجاب يا واد انت، الست بيسان بتاعتك
الولية امها كانت لابسة فستان انا اتكسف البسه فى اوضة نومى، وقاعدة قدامنا عادى وبتشرب سجاير
دية تربى عيالك على أيه، والعرق بيمد يا قلب أمك
فرك طاهر وجهه بعنف قائلًا:
-أنا مالى ومال امها بس
-كلامى خلص يا طاهر، عايزها روح اتجوزها وانسى أن
ليك ام اصلًا
******
بعد مرور شهر
جلس هاشم امامه ثم تحمحم قائلًا:
-ضياء عايز اقولك حاجة
-قول
-لبنى حامل
-يانهار ابوكم اسود
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والستون 62 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والثمانون
الحياة ليست عادلة معه بل قاسية ظالمة، تهوى حرق
روحه، كسر فؤاده، كأنها تسعى لتقيِّده بأغلال من جمر
لتترك بها ندوب لا تندمل وآهات تصدح عاليًا
صمت مطبق دام لدقائق عديدة بينما تامر كان يتلاعب
بيده على الطاولة يرسم دوائر وهمية بلا هدف، خرج
صوت ضياء بنبرة هادئة جادة خالية من روحه المرحة
-ممكن افهم مالك؟! اللى بتعملُه فى نفسك أشبه بالإنتحار
حاول أن يتصنع الثبات وهو يجيبُه:
-العادى بتاعى يعنى مش جديد عليا
-يعنى كنت طول عمرك قافل على نفسك وبتدخن وبس
والشغل حتى مش بتروحُه
لم يصمت وينتظر إجابته فحدثه هاتفًا:
-من غير ما نلف وندور أنت وأنا عارفين أنا
أقصد أيه؟! ليه توجع قلبك وقلبها
كلماته كانت كطرق حاد مسنون على قلبه، تلألأت الدموع
بعينيه، فهو ضائع فى الماضى ميت فى الحاضر أبتسم
بوجع:
-يعنى لو واحد زيّ جه لأختك وقالك بحبها هتوافق
-يا تامر أنا وافقت لأختى على ألعن بنى أدم فى الدنيا
عشان هى كانت عايزاه عمري ما طيقتُه ولا حبيته
وأخدها منى غدر، قوم لما يجى راجل جدع زيك أرفضه
شعر بضيق فى صدره وغصة أعتملت قلبه فهمس:
-لأ ميغركش اللى أنا فيه دلوقتى إنى بشتغل وبقيت
قريب منكم فى الأصل أنا ولا حاجة اصلا، لولا الشغل
بتاع طاهر أنا ولا حاجة، أنا بس أتعرفت عشان معاكم لكن قبل ما اعرفكم كنت رجلي بتورم لف على المحلات
وأى مكان ومحدش بيرضي يشغلنى ودا العادى بتاعى
أنا واللى زيى
تأمله ضياء ثم هز رأسه مستنكرًا:
-ايوة يعنى كل دا إيه إرادة ربك هو جعلنا أسباب
انت بتعترض ليه؟! ربك رحيم بعباده وقال بعد العسر
يسر، وانت شفت كتير وربك أراد دلوقتى يرزقك
اليسر مش بالشغل ولا الفلوس ولا بأى حاجة، دا بقلب
بيحبك هتسلم نفسك ليه وتعيش مشاعر كلها جديدة
أنت بتعترض على رزق ربنا ولا أيه، يعنى كانت
الأول ظروفك حطاك فى خانة معينة وربك أراد
فتح كل الابواب المقفولة ورزقك بخير تقولُه انت
لأ عشان أنا عارف نفسى، تارا اللى طول عمرها
وحيدة وأنا بعترف قدامك كلنا قصرنا فى حقها
عشان كدا هى دورت على راجل وجريت وراك
تحمحم ضياء بإحراج هاتفًا:
-هاقولك على سر محدش هيعرفوا غيرك يا تامر
أول ما رجعت البيت وصحتى رجعت ليا عارف
عملت ايه اول حاجة، فى يوم بالليل نزلت المستشفى
وجبت كل التسجيلات القديمة من يوم الحادثة
حبيت اشوف ردود الأفعال، لقيت أن طاهر وكرم
أجدع إتنين، وكنان حمله تقيل أوى وشالهُ لوحده
وبيسان اللى ماكنتش بطيقها أجدع بنت وأرق واحدة
بس بِتظهر العكس، وأنت كنت شهم بكل ذرة فيك
حتى من قبل ما تظهر النتيجة، وإن اختى لسه
١٢سنة ومعدتهمش لسه مكبرتش محتاجة للي حوليها
وأن مراتى فعلا عمرها قلبها ما دق غير ليا، وتارا اللى
كانت على طول على الهامش
لقيتها عاقلة وكبيرة وكان جوها إيمان رهيب إنك
هتقوم ، تعرف طلعت أنا اضعف واحد واول مشكلة
زعزعت ثباتى ضيعت حاجات كتير ومش هترجع
اه أحب اقولك أن جوز التيران طاهر وكرم كانوا
بيعيطوا جامد عليك وتقريبا كدا نظافتك الشخصية
طول فترة تعبك واحدة منهم هو اللى كان بيدخل
مع التمريض، دا حتى اخو كنان كان بيدخل عندك
من غير ما حد يشوفه يبوس إيديك ويخرج
أستغل الفرص وخد حقك من الحياة وحقك الحقيقى
هو تارا أنا قولت اقولك حاجات أنا غلطت فيها عشان
متغلطش غلطى وتضيع كل حاجة وترجع تندم
كان يمسح دموعه مع كل ذكرى يقولها ضياء بينما
ضياء كان يحاول أن ينفض الغبار من على قلبه
اخذ ضياء نفس عميقًا من هياج المشاعر ثم
حدثه بمزاح كعادته:
-كان نفسى أقولك على حالة كيان بس كنان ينفخنى
إبتسم تامر من بين دموعه هاتفًا:
-لا دي عارفها من غير كلام
-طب ياعم الحساس شاور قلبك وعقلك وأنا معاك
فى أي حاجة ويلا عشان أتاخرت
هز تامر رأسه بصمت وقلبه لا زال يتألم هى هدمت
حصونه واحد تلو الأخر ثم رحلت ليبقى هو فى شقاء
******
بئس قلب يكتم وجعه بداخله ولا يستطع البوح
خرج من المرحاض بعد أن توضأ وهو يردد جملة واحدة
لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، تناول
السجادة ثم فرشها ارضًا وشرع فى صلاته و ما أن
سجد على الأرض خرجت الهمهمات المصحوبة بصوت
بكاءه، وكأنها يقص لخالقه ما يوجعه
ولجت للغرفة ثانية وقد ارتدت إسدالها ثم فرشت
سجادتها وشرعت فى الصلاة خلفه، وما أن أنهى هو
صلاته استدار لها ويطاف بمخيلته المرة السابقة،
رفع وجهها بأنامله يمسح عبراتها برفق، ثم اخذ
يدها يضمها بين أضلعه ليعبر عن ندمه وأسفه
فهو معترف بالخطأ السابق فهمست هى:
-أنا كنت هاقولك بس كنت حابة أكون نسيت تأثير
المرة اللى فاتت عشان لما أقولك تشوف الفرحة
في عينى، حتى كان بقالى يومين بدور على طريقة
حلوة أقولك بيها
هى لا تدرى كيف كان إحساس الذنب يقتله كل ليلة
ابتسم لها هامسًا:
-مش مهم أى حاجة المهم أنك حامل يا هاجر فى بنتنا
انتِ حامل أنا هاكون أب وانتِ أحلى أم
-أنت بجد مش زعلان
نبرة صوتها ودموعها يخسفان بقلبه، فهو لولا صبرا وتثبيتا الله المرة السابقة لمات كمدًا
فجأة توسعت عيناه بصدمة متسائلًا:
-أنت إزاى متقوليش وكل اللى بيحصل بينا دا
انتِ مش عارفة انه غلط، هاجر معقولة
التو ثغرها هاتفة وهى تمسح دموعها:
-هو أيه اللى غلط، لا عادى مافيش مشكلة أنا سألت الدكتورة، وبعدين أنت هتتلكك من أولها عشان تهرب
-أنا اهرب دا أنا ..
قطع جملته يسألها بإستنكار:
-انتِ ازاى مستهترة كدا، وبعدين أنا اعرف أن الست أول
ما بتحمل اول حاجة بتقرف منها جوزها
تلاعبت بحاجبيها هاتفة:
-دول الستات أنا جت معايا العكس وبقيت اتوحم على
الريحة بتاعتك
قهقة وهو ينهض يطوى سجادة الصلاة هاتفًا:
-هاجر استهدى بالله وبلاش حركاتك دي إحنا عايزين
اول تلات شهور يعدوا على الخير
إبتسمت بخبث وهى تنهض ثم تأوهت فاقترب مسرعًا
بخوف حقيقى يسألها بفزع:
-مالك انتِ كويسة؟! حاسة بإيه؟!
-حاسة بدوخة شيلنى لحد السرير
وضع يد تحت قدميها واليد الأخرى اسفل عنقها وحملها
فحاوطت عنقه بيده ثم توجه نحو الفراش ووضعها بنعومة
كأنها زجاج ويخشى عليه من الكسر لكنها لا زالت تحاوطه
فهمست هى:
-يا هاجد هاجر القلب إليك
قبل أن تكمل جملتها كان يكمم فمها هاتفًا:
-أوعى تكملى أنا عايز الكام شهر دول يعدوا على خير
أنا هنزل أقول لسوسو وهابعتها ليكِ
ضحكت عاليًا وهى تقول بخبث:
-ياأبو وصال مستعجل ليه طب ما الصباح رباح
-ولا تقولى هاجد ولا أبو وصال أنا همشى احسن ليا
*****
نزعت البالطو بإرهاق ثم علقته على المشجب وخطت
نحو المقعد وقبل ان تجلس جاءت الممرضة هاتفة:
-دكتورة فى حالة مستعجلة برا
فركت عيناها ثم نظرت نحوها بوهن:
-تانى مش كانوا خلصوا، دخليها بسرعة
ارتدت البالطو ثانية وجلست على مقعدها تنتظر الحالة
توسعت عيناها وهى ترى طاهر يدخل من الباب ثوانٍ
وتبدلت ملامحها هاتفة:
-طاهر عامل ايه؟! مقولتش انك جاى؟!
-الحمدلله
قاطعته سريعًا هاتفة:
-معلش يا طاهر فى كشف مستعجل ممكن تستننى برا
هخلصه بسرعة
إمتعضت ملامحه ثم جلس على المقعد امامها هاتفًا بإعتراض:
-لأ
-طاهر دا مريض هى ربع ساعة أتفضل
دس يده فى جيبه وأخرج منها ورقة صغيرة عليها رقم
ثم وضعه أمامها هاتفًا:
-أنا الحالة اللى قطعت الكشف المستعجل
وما أن أنهى كلامه نهض واقفًا امام سرير الفحص يفك أزارر قميصه فشهقت هى وأغلقت عيناها فتجاهلها
هاتفًا وهو يتمدد على الفراش فصاحت :
-طاهر أنت أتجننت أنت بتعمل أيه؟!
كان ممددًا على الفراش عارى الصدر إبتسم بخبث هو ينظر نحوها هاتفًا:
-هشش هاتى سماعتك وتعالى إكشفى عليا أنا تعبان
وحجز كشف مستعجل، إعتبرينى مريض عادى
رغم إنها يمر عليها العديد من المرضى كل يوم وتفحصهم بهذه الطريقة الا أن طاهر جعلها تتخبط بإرتبارك وخجل يسيطر عليها حتى أن أنفاسها تباطئت وكادت تفقد وعيها
-سماعة أيه؟!
التو ثغره وهو يقول بتسلية:
-البلوتوث يا حبيبتى، يلا تعالى إكشفى أنا مريض ودافع
كشف
-طاهر وبعدين؟!
-أعملك ايه بقالى اسبوعين مش عارف أتلم عليكِ
زمت شفتاها وهى توليه ظهرها هاتفة:
-طاهر كدا مينفعش لو سمحت قوم وأقفل القميص
فجأة سمعت همس بجوار اذنها هاتفًا:
-قفلنا القميص بس ننول الرضا
شهقت بفزع وهى تبتعد عنه هاتفة
-أنت ايه جرالك أنا مبقتش عارفة أتعامل معاك
تزامنًا مع انهاء جملتها صدحت المكبرات بالمشفى بوجود
حالات فى قسم الطوارئ ناتجة عن تصادم سيارتين
همت للانصراف مسرعة فاغلق الباب واحتجزها بين
الحائط والباب فابتلعت وهى تقول:
-لأ فى حاجة مش طبيعية أكيد
مرر عيناه على ملامحها ثم نظر فى عمق عينيها هاتفًا:
-انت صح أنا مش هستنى أكتر من كدا خلاص
-أنت عايز أيه؟!
-النهاردا الإتنين كتب كتابنا هيبقى يوم الجمعة الجاية
بما أنك مش هتبقى فاضية عشان نعمل فرح ونتجوز
معاهم نكتب كتابنا إحنا وانتِ خلصى عملياتك وأنا
هاجهز الشقة
هزت رأسها بالنفى
-أنا مش جاهزة يا طاهر اللى هو إزاى يعنى
ثبت بصره على شفتاها هاتفًا:
-أبقى أجهزى براحتك قبل الفرح أنا روحت لأهلك وحددت
الميعاد، وكتب الكتاب هاكتبه فى الجامع وحجزته قبل ما اجى، الفستان جبت واحد على ذوقى، ساعتين زمن
لو مش هنعطلك
ألتمعت عيناها بالدموع هامسة:
-روحت لأهلى ووافقوا كدا عادى حتى رأيى محاولوش
يعرفُه ، بجد ياطاهر شايف ايه فى واحدة زى عشان
تتجوزها
صمت قليلًا وهو ينظر لعيناها الدامعة تنفس بعمق:
-على فكرة والدتك مكانتش موافقة وكانت عايزة فرح
أسطورى وكتب كتاب فى الفرح، اقنعتها بالعافية
وبعدين شايف إيه فى واحدة زيك، والله أنا شايف
أنا الدنيا كلها بتحسدنى أن واحد زى أخد أشهر دكتورة
فى الشرق الأوسط، اوعى تقللى من نفسك تانى
وأوعى تعيطى قدامى تانى لحد ما نكتب الكتاب
عشان طريقتى فى الرد مش هتعجبك
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها وهى تطالعه
ببراءة، خبط على الباب من الخارج ثم صوت الممرضة
-دكتورة عايزينك فى الطوارئ
حاولت جمع الحروف لتجيب عليها:
-حاضر جاية إسبقينى
همت للإنصرف أوقفها ثانية وهو يقول بتسلية:
-خدى هنا وحق الكشف، انتِ مرضتيش تكشفى عليا
-يا سلام طب والوقت دا كله مش حق الكشف
مد يده نحو قميصه وهو يقول:
-حيث كدا نعيد الكشف وأفك القميص
صرخت به وهى تجز على أسنانها:
-طاهر ميصحش كدا وأوعى فى ناس برا جاية من حادثة
أولته ظهرها وفتحت الباب وأنصرفت من امامه فحك
مؤخرة رأسه هاتفًا:
-مادية أوى ماتت على الكشف، بس بكرة تفحصينى ببلاش
*****
وقفت على باب الغرفة تنظر لها وهى غارقة فى النوم
فابتسمت وحملت صينية الطعام تضعها فى المطبخ
هى رفضت أن تترك حماتها تسكن بعيد عنها واصرت
على وجودها معاها
ولجت لغرفتها وجلست أمام المرآة تمشط شعرها بابتسامة
هادئة وبداخلها ترقص من السعادة من معاملة ساهر لها
رغم حزن قلبه فقد حباها الله به، فهى كم دعت وتأملت بالله خيرًا أن يرزقها الزوج الصالح فرزقها به، وضعت المشط امامها ومدت يدها تفتح الدرج لتخرج ساعته وعطوره وبعض الميداليات الذهبية التى حصل عليها فى الركض كانت تتحسسها بأناملها وكأنه امامها، لم تشعر به إلا وهو يقف خلفها هامسًا:
-عشان تعرفى أن جوزك جامد
استدارت له وهى تهمس:
-انت جيت امته؟!
-من أول ما كنتِ بتشمى فى البرفانات
تلعثمت فى حديثها ثم نهضت واقفة:
-أنا كنت برتب الدرج هحضرلك الغدا
جذبها بقوة إلى صدره هاتفًا::
-على فكرة أنا جوزك وعادى انك تشمى البرفانات
أنا بحط ٣انواع اى نوع عجبك اكتر
همست بخجل
-كلهم حلوين
مال يهمس بجوار اذنيها بنبرة محمومة:
-انت احلى يا مايسة، احلى حاجة حصلتلى فى حياتى
عمرى ما كنت أتخيل ربنا يعوضنى بكل دا، صحيح الأول
كان صوتك بيزلزلنى من جوه، بس بعد كدا عشقتك كلك
من أول يوم
أغمضت عيناها وانفاسه تداعب حواسها ثم فتحت
عيناها تنظر فى عيناه هامسة:
-اجمل هدايا الرحمن فى حياتى أنت شريك العمر والروح
-أنا هدايا الرحمن أنا متأكد أنك كنتِ تستاهلى حد احسن
منى وملتزم اكتر انتِ جوهرة
ثم تابع:
-هو سؤال مش فى محله بس على سيرة جوهرة انتِ
بتعرفى ترقصى
تحمحم سريعًا ليغير حديثه قائلًا:
-هى امى نايمة؟!
هزت رأسها بالإيجاب فمال يهمس لها::
-الكابتن قالى أول ما تروح لازم تأكل بروتين بعد التمارين
-احضرلك الأكل بسرعة
-تعالى هنا، ما أنا هأكلك انتِ دا اجمد بروتين
عضت على شفتاها باستيحاء فحملها فى لحظة وهو يقول
-لأ وكمان قالى لازم اتدرب فى البيت واشيل اوزان
حاوطت عنقه وهى تهمس بجوار اذنه بدلال:
-ساهر أنا بعرف ارقص أحسن من جوهرة ذات نفسها
-احلفى
حركت كتفها بدلال وهى تقول:
-لأ أنت اللى تحكم
قهقة وهو يحملها بين يده كأنه يحمل ريشة هاتفًا:
-طب والله العظيم لولا أنى عارف امى بتكرهنى
قد ايه كنت قولتلك امى دعيالى
-طب نزلنى واستنى عشان هابهرك
******
يوم كتب الكتاب
كان طاهر و بيسان بكامل اناقتهما يستقبلان الحاضرين
بسعادة فى ساحة المسجد أقتربت بيلا من بيسان
هاتفة:
-هى العروسة مش هتبعد عن عريسها، تعالى معانا
يابيسان جوه أنا والبنات
نظر لها بهدوء وهو يهز رأسه، فابتسمت هى وتحركت
مع بيلا للداخل كى تنضم لطاولة النساء
مالت كيان على هاجر تسألها:
-إزاى اقنعتى هاجد يجيبك كتب الكتاب
-هرمونات الحمل واحدة آه، وحبة دموع وفى الاخر أنا
خلاص مش عايزة حاجة طبعًا خاف على زعلى وصحة
البيبى قال محضرش قال دا أنا كنت نكدت على ابن
سوسو سنتين لقدام من غير هدف، المهندسة والدكتورة
جايين زغرطى
لا زالت كيان تحت تأثير كلماتها فلكزتها هاجر فهمست
كيان:
-مش بعرف مش بعرف
دارت ببصرها على الطاولة ثم هتفت:
-ما تزغرطى يا كارما
هزت كارما رأسها بنفى:
-مش بعرف
-طب يا مايسة زغروطة
-غلط ميصحش مينفعش
التو ثغرها وهى تضع يدها اسفل بطنها هاتفة:
-يا وكستى يانى واكيد بيلا مش هتزغرط مفيش مفر
بقى ربنا يستر
اطلقت هاجر زغروطة عالية واحدة تلو الاخر لكزتها
زوجة خالها وهى تزجرها:
-بت يا هاجر اللى فى بطنك اكتمى
-طب ما زغرطى انتِ يا نوجا
رمقتها بطرف عيناها وهى تنظر أمامها هاتفة:
-كان لازمته ايه الإستعجال ما أحنا لو كنا عزمنا قرايبنا
كلهم كان ألف مين يزغرط، بس ملحوقة فى فرح كارما
تبدلت ملامح كيان وهى تنظر نحوها بغيظ ثم نهضت
من مكانها تقترب من بيسان ورفعت هاتفها أمام بيسان
وفتحت بث مباشر هاتفة:
-انهارده كتب كتاب اشطر دكتورة فى مصر، القمر
بيسان، أنا حبييت افتح لايف أول مرة عشان انول
الشرف وتعرفوا انى شيف جامدة والدكتورة تبقى
صاحبتى
إبتسمت بيسان بخجل وبدأت المباركات فى التعليقات
فأشارت كيان لطاهر لينضم إليهما جاء طاهر مسرعًا
ثم حدثها أمام الجميع:
-أنا النهارده ملكت الكون
دقائق وحضر المأذون وشرع فى كتب الكتاب فأنهت
كيان البث وقف بجوارها كنان يهمس لها:
-أنا فخور بيكِ
استدارت له تهمس بدهشة:
-أنا ليه؟!
-عشان قلبك الأبيض أنا بحبك يا كيان بحبك بكل جوارحى، انت كل حاجة ليا أنا عايش عشان انتِ
فى حياتى صدقينى
قبل أن تجيبه صدحت جملة المأذون
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير
نظر كنان لفرحة طاهر وبيسان فهمس لها:
-عقبالنا
اطرقت رأسها وهى تقول باستيحاء
-كلها اسبوعين
على الجانب الاخر
جذب كرم اخيه يحضنه وهو يربت على ظهره بقوة هاتفًا
-مبروك يا طاهر مبروك يا حبيبى
-عقبالك
هز رأسه وتجاوزه طاهر ليصل لبيسان لكن اوقفه تامر
هاتفًا:
-ايه ياجدع بتجرى ليه مش لما نباركلك الأول
-بارك ياسيدى وإنجز
وقف ساهر هو الاخر ومن خلفه ضياء وانضم نظر لهم
هاتفًا:
-خلاص يا جماعة شكر الله سعيكم، ايه طابور الجمعية
تجاوزهم ثم وقف أمامها ومد يده لرأسها ليقربه من فمه
ليقبل ناصيتها هامسًا:
-قلبى هيقف مش مصدق بقيتِ مراتى وتاج على رأسى
لأخر عمرى
رغم انه اصبح اساسى بحياتها لكنه ما زالت تخجل منه
وتشعر بالحرج من كلماته فما بالك من تقبيله لجبينها
أمام الجميع الأمر الذى جعلها تتخضب بالحمرة أغمضت
عيناها تحبس دموعها بصعوبة
اقترب ضياء من كنان هاتفًا:
-البغ ل دا مش بيحس البت هتموت من الكسوف وهى
واقفة قدامه
-ما عشان حضرتك خلاص بقيت متجوز مش حاسس
بأهمية اللحظة دي
ابتعد ضياء وهو يسحب بيلا معه هاتفًا:
-ياساتر يارب حقودى اوى بقيت
على الجانب الآخر سمعت همس من خلفها
-زغروطة كمان يا هاجر واقسم بالله اللى هيحصل منى
مش هتتخيليه
اغمضت نصف عين وانكمشت على نفسها لكنها سريعًا
ابتسمت بخبث قائلة::
-هاجد هاتلى حاجة مسكرة حاسة انى هيغمى عليا
-هاجر مالك مالك؟!
جاءت مايسة مسرعة ومن خلفها ساهر فسألتها:
-مالك يا هاجر؟!
-وصلينى للعربية مش قادرة دايخة
*****
بعد مرور يومين
ولج تامر للعيادة ينظر أمامه بنظرات خائبة ومجروحة
باله مشغول بها، يود فقط الاطمئنان عليها، فقد اصيب
بعشق اسود يدمى قلبه، يعشق بدون أمل قربها ألم
وبعدها عذاب، كان غارق فى حزنه حينما نادته الممرضة
-اتفضل يا استاذ دورك
ما أن ولج تامر نهضت بيسان تستقبله هاتفة:
-اهلا اهلا يا تامر نورت العيادة كلها، بس يارب يكون خير
شكلك تعبان يا تامر
كان وجهه شاحب والهالات السوداء تحيط عيناه، كان
يشعر أنه يحترق مؤلم الشعور بالعجز فهمس:
-تعبان آه
تشفق عليه مما يحمله داخله ولا يوافق حقيقة ثابته، فهذه الحياة قاسية معه فابتسمت:
-طب اطلع على السرير نفحص الجرح الأول
شرعت فى فحص الجرح واحضرت مادة لزجة ووضعتها
على جنبه وبدأت تنظر على الشاشة بينما هو كانت
كالصقيع، تناولت المحارم تمسح الجرح ثم هتفت بمزاح:
-لأ كله تمام تسلم ايد الدكتورة اللى عملتلك العملية
ابتسامة شاحبة فتابعت هى:
-هكتبلك فيتامينات ولازم تمشى عليها وكمان عايزاك
تعملى تحاليل
هز رأسه هو ينهض كانت عيناه تتوسلها كى يطمئن عليها فحدثته:
-شكرًا على كل اللى عملته فى كتب الكتاب طاهر قالى
ازاى انت تعبت، وكمان شايل شغل الشركة كله من ساعة
ما تارا سافرت أنا أصريت أنها تنزل تحضر كتب الكتاب بس هى قالت خلينى على الفرح، أنا بكلمها كل يوم
اطمن عليها، معلش بقى هربت ورمت الشغل عليك
أومأ له وهو قلبه يعتصر ثم حدثها بثبات عكس
ما بداخله:
-مفيش شكر ولا حاجة المهم انها بخير
*****
بعد مرور يومين
كان طاهر يجلس مع تامر فى مكتبه حتى صدح صوت
هاتفه وما أن ضغط على زر الاجابة نهض واقفًا بفزع
-بيسان مالك فيه ايه؟! اهدى وفهمينى
مالها تارا حادثة اي؟! لا طبعًا هسافر معاكِ
سألها بصعوبة::
-تارا مالها؟!
-عملت حادثة فى دبى وبيسان هتسافر ومعاها كنان
وأنا كمان هسافر يلا لازم امشى
*****
بعد مرور عدة ساعات
كان يدور فى شقته كنمر جريح؛ القلق والوجل ينهش
بجسده يفترس روحه شاعرًا بعذاب يختلج قلبه
ما كان عليه الإنتظار كان عليه الذهاب للإطمئنان
عليها، شعر بغصة فى قلبه وهو ليس لديه جواز
للسفر من اساس ومن مثله يعامل معاملة خاصة
إذا اراد الحصول على اوراق
جذب خصلات شعره وهو يجلس على الأرض
مكبل بالأيدى ماذا سيفعل أن حدث لها شيئا
مجرد التفكير يقتله، ظل هكذا حتى اشرقت
الشمس لكنها لم تشرق بداخله، لم يغفو له
جفن يتنقل هنا وهناك حتى دق جرس الباب
****
بعد مرور اسبوعين
وقف كنان يشرف على ترتيبات زفافه بنفسه وهو يعد
الدقائق
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والستون 63 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخاتمة
خيم الصمت على الغرفة حتى أن سقطت الإبرة تسمع رنينها القلق يسيطر عليه فهى شريان الحياة بالنسبة له ثوانٍ وفتح الباب ولجت الممرضة تدفع السرير المتحرك
بتارا بينما هى لا زالت تحت تأثير المخدر
دقائق مرت على تامر كالدهر مسح دموعه بظهر يده
كطفل صغير واقترب منها يقبل يدها ثم اسند جبينه
عليها يتنهد بقوة بأتفاس حارقة، الجميع كان يعلم
ما يمر به تامر من صراع داخلى، بدأت همهمت
تارا التى كانت تحت التأثير الكلى للمخدر
-ولادى فين؟!
رفع تامر رأسه هامسًا بدموع الفرح:
-فى الحضانة وهيجبوهم الحمدلله على سلامتك
همهمت وهى لا زالت فى غفوتها:
-اوعى يطلعوا الاتنين شبه تامر واحد شبه والتانى شبهي لو مش كدا رجعوهم
ضحك جميع من فى الغرفة ثم تابعت هى:
-اصلًا محدش شبه تيمو دا عليه واحدة انتِ الحتة الشمال بتدوخنى
حاولوا كبح ضحكاتهم بصعوبة بينما اقتربت هاجر كى
تسجل لها مقطع فيديو فاستقام تامر يسألها بإستنكار
-بتعملى أيه يا هاجر؟!
-بمسك عليها سيديهات طبعًا
قبل أن يوقفها تابعت تارا:
-وكمان البوسة منه تجنن مش أى حد يعرف يبوس تامر بس
مال كرم على اخيه هاتفًا:
-يا سلام هتضيع مجهودنا كلنا عشان استاذ تامر طب
والله يا طاهر أنا فى البوس جامد ربنا يسامحها كارما
معملتش سيط ليا زى تامر كدا
قهقة طاهر وهو يطرق كف اخيه ثم كبح ضحكاتهما سريعًا
وقبل أن يستدير تامر لهما بدأت تارا فى البكاء وهى تزم شفتاها:
-بس امبارح مرضيش يبوسنى قالي خالى الليلة تعدى على خير وتولدي
شهقة بيسان وكيان فى نفسًا واحدًا بينما كمم تامر ثغرها محاولًا أن يعدها للواقع فتحمحم الجميع
وخرجوا واحد تلو الأخر فى صمت وما أن خرجوا
واغلقوا الباب خلفهم انفجروا من الضحك حتى أن ضياء جلس على المقعد هاتفًا:
-دكتور البنج اتوصى بيها اوى دماغها خفيفة
بعد دقائق كان يخرج تامر من الغرفة بملامح جامدة
بعد أن اخرجته الممرضة فهمس ضياء فى اذنه:
-شكلك وحش بعد ما طلعتك مقصر فى واجباتك جوه قدامنا رمقه تامر بطرف عيناه وهو يحك مؤخرة رأسه:
-وحش اوى
هز ضياء رأسه فى صمت فرفع رأسه ينظر امامه فوجد كنان يهز رأسه هاتفًا:
-اوووى
وما أن نظر نحو كرم وطاهر انفجر من ضحك هاتفًا:
-اوووى اوووى
دقائق وجاءت الممرضة معاها الرضعين بينما وقف تامر
فى مكانه كالصنم ينظر لهما ودموعه تنهمر فى صمت
اغمض عينيه محاولًا طرد الذكريات السيئة فرمقته الممرضة باستغراب هاتفة:
-مش هتسمى وتشيل
هز رأسه بالنفى وبدنه يقشعر كل ما يشعر به مرارة اليتم
فى حلقه كيف هان على من حملته فى بطنها، اقترب كنان يحمل احدى الرضيعين وحمل طاهر الاخر، كانوا يعلموا
أن هذه اللحظة بالتحديد ستكون ثقيلة عليه فهتف كرم
-هاتوا العيال عشان اكبر فى ودنهم
التو ثغر ضياء هاتفًا:
-تكبر لمين دا على أساس أنك شيخ يعنى دول يطلعوا
عفاريت لو انت اللى كبرت هات يا بنى العيال دول أنا هكبر فى ودنهم عض كرم على شفته السفلية وهو يقول بغيظ:
-احب اقولك فى ظل الأجواء اللطيفة لما شرف ابنك التانى محدش شال وكبر للواد غيرى خد الكبيرة وطاهر
اللى اقام فى الودن التانية
توسعت عين ضياء بصدمة همس له طاهر:
-هتجيلوا ذبحة دلوقتى
اقترب كنان من تامر يضع الرضيع بين يده ويطالعه بتشجيع تناوله منه واخذ ينظر لذلك الكائن الصغير
الذى بين يديه كيف هش للغاية، يشبه تارا لحد كبير
كان يرتجف خوفًا وهلعًا، ازدرد ريقه بتوتر وهو يطالع
كنان
-يلا يا تامر عشان تدخل لتارا وتسموا الاولاد مع بعض
التو ثغر كرم هاتفًا:
-يسمى مين معلش هو واحد كرم وواحد طاهر
جز ضياء على اسنانه هاتفًا بغيظ:
-ناقصين تخلف تانى احنا
فتح باب الغرفة لتخرج الفتيات ثم تحدث كيان بإستيحاء:
-تارا فاقت ياتامر ادخلها
ناوله طاهر الرضيع ليضمه تامر بحنو ابويا وما زالت مشاعره تثور اغمض عيناه يتنفس بعمق ثم ولج للداخل
وما أن طالع تارا سقطت دمعات حارقة من مقلتيه دمعات
فرحًا بقدوم الصغيرين اقترب منها يضعهما بجوارها ثم
ابتسم هاتفًا:
-الاتنين شبهك
هزت رأسها بحزن وهى تقول:
-أنا كنت عايزهم شبهك
قهقة من بين دموعه وهو يسألها:
-متأكدة
-مالك
-ابقى أسالى هاجر
اقترب يأخذهما ليضعهم فى فراشهما هاتفًا بعاطفة ابوية
لا يعرف من أين اكتسابها:
-أنا اسمى تامر ماليش حد فى الدنيا وانتوا اخواتى واصحابى اكبروا بسرعة محتاجكم معايا
تكوين جنين داخل رحم الأم وبث الروح به، من اعظم
صنع الخالق، وأجملها حين ترزق الأم بتوأم متشابه
*****
بعد مرور عدة اشهر
ولجت للمكتب كى تطمئن عليه فبرغم من سعادتها بطفليها
ألا انها حزينة بسبب منعها من العمل فقد اصدار تامر فرمانًا حتى يكملا عامهما الأول، وجدت باب مكتبه
مفتوح وقفت تراقب ما يحدث فى الداخل، هناك انثى
مائعة تحاول لفت انتباه زواجها تتغنج بفظاظة ابتسمت بمكر على خطتها بنهاية هى انثى تغير على رجلها
وذهبت نحو المطبخ الخاص بالمكتب وأعدت كوب قهوة
ساخن وتوجهت نحو المكتب وولجت دون استئذان
ومع أولى خطواتها للداخل تعثرت عمدًا لتسكب القهوة
على ساقيها العارتيين ثم شهقت بفزع، نظرت لها بطرف
عيناها وهى تحاول كبح ضحكاتها هاتفة:
-دلق القهوة خير يا قلبى معلش
اجابتها الفتاة بعصبية وهى تتألم:
-خير ايه وبتاع ايه أنا اتحرقت
التو ثغرها هاتفة:
-ابقى حطى كيناكومب وبلاش تيجى جنبه تانى احسن
يبقى فيها دم
توسعت عين الفتاة بعد أن فهمت مغزى حديثها هاتفة:
-تقصدى أيه؟!
-اقصد الحرق يا قلبى، السجادة
تملى توقعنى كدا
انصرفت الفتاة بغيظ، بينما هو عيناه كانت تتوعد لها فاكتفت بنظرة باردة وخرجت دون كلمة واحدة استفزت
اعصابه ورحلت
★★★
فى المساء
كانت تجلس على الفراش وتنفخ فى اناملها كى يجفف
طلاء الاظافر فجأة اندفع الباب بحدة وولج هو بملامح غاضبة جعلته يقطع المسافة بينهما ويهمس
من بين أسنانه:
-تارااا
نهضت بهدوء ثم اقتربت منه تحاوط عنقه بيدها لتبادله
النظرات
شحنات غضب نارية من جهته ونظرات متلهفة متوهجة منها، ثم وقفت على اطرافها اقتربت منه تقبل شفتاه بقبلة شغوفة جامحة للحظات وابتعدت عنه تنظر فى عيناه تراقب بعثرته
صدره يعلو ويهبط محاولًا ضبط انفاسه ينظر إلى
شفتاها فمذاقهما لاذعًا بحلاوة نفض رأسه محاولًا استعادة
ثباته هاتفًا:
-ممكن تفهمينى ليه عملتى كدا؟!
عضت على شفتها السفلية هامسة بدلال:
-اكيد عشان بحبك أومال هبوسك ليه؟!
-تارا أنا مقصدش البوسة أنت فاهمة قصدى
اجابته بنبرة قتالية:
-ما تقصدش البوسة، ومش عجبك خلاص يا حبيبى اتفضل رجعها وحالًا
-تارا
بهدوء مدروس اكثر اقتربت منه واسبلت اهدابها وهمست
باسمه بدلال تغلغل بين مسامه واذاب روحه
-تامر
تنهد فهى تفقده صوابه، وتبعثره فى لحظة ثم تعيد لملمته
فى اللحظة التاليه، ما تلك القدرة التى تملكها عليه؟!
جذبها لتصطدم بصدره الصلب بقوة ويده يمررها على ظهرها صعودًا وهبوطًا:
-أعمل معكِ ايه؟!
-ترجع البوسة ويا دار ما ...
قبل أن تكمل جملتها كان يبتلع باقى كلماتها بين شفتيه
كانت ناعمة مسكرة، ابتعد عنها ثم اقترب من شفتاها مرة اخرى كالمنوم مغناطيسيًا، أما هى كانت تبادله قبلاته ومشاعره بعشق نارى
حملها وكأنها ريشة بين ذراعيه ويدها تلعب بخصلات
شعره، ثم نظرت لعيناه التى تغرق بهما أو بالأحرى
طوق نجاتها
وضعها على الفراش برفق ثم سحبها من خصرها بخشونة
هامسًا:
-هتجننينى
همساته كانت تدغدغ الانثى التى بداخلها فاقترب
يقبلها اكثر ويده تعبث اسفل منامتها فابتعدت للخلف هاتفة بمكر:
-أنا خلاص أخدت حقى
قولى بقى أنا عملت أيه زعلك منى وعصبك ؟!
اعادها لتلصق بصدره ثانية وهو يهمس مسلوب الأراده::
-أنا عمرى ما زعلت منك، وبعدين أنا بقى لسه مأخدتش حقى
اقتربت منه اكثر وهى تحاوط رقبته هاتفه بغنج انثوى:
-لأ لو ليك حق تأخده، آه كله ألا الحق، احنا مش بنأكل
حق حد ابدًا يا تيمو
تشعله شغفًا واشتياقًا اقترب منها اكثر ليكمل ما بدأه وهى تبادله جنونه وشغفه بها
تذوى نساء العالم بجوارها فهى كالبلسم ترطب روحه وقلبه
*****
كان ضياء يجلس يراقب هاشم ولبنى والاخيرة ترص
الأطباق على الطاولة وهاشم خلفها يقترب منها تارة
وبيتعد اخرى بينما هى تحمر خجلًا من همساته فجز
على اسنانه محاول كبح انفعالاته، حتى بدأوا فى تناول
الغداء وكان هاشم يجلس مجاور لزوجته ويده خلف
ظهرها أما هى كانت تطالعه تارة بابتسامة وتارا حانقة
من تصرفاته، ترك ضياء الشوكة من يده ليسأله:
-معلش هو فى أيه؟! مش عامل اعتبار لوجودنا
ابتسم هاشم وهو يقول بمكر:
-اعمل اعتبار ليك يعنى أعمل ايه
جذبت بيلا يده وهى تهمس له هاتفة:
-ضياء فى أيه بتزعق كدا ليه؟!
مالك؟!
توسعت عيناه بذهول وهو يهمس لها:
-أنا اللى مالى انتِ مش شايفة شايب الكوتشينة بيعمل
أيه، دا دا
-دا أيه يا ضياء مالك؟!
-ماليش بس حسيت أن طنط تعبانة شوية وأضيقت عشانها
ابتسم هاشم بهدوء وهو يقول بخبث:
-عشان كدا بفكر اخدها واطلع المالديف كام يوم
-نعااام، هو انت عامل اعتبار لحد هنا عشان نسيبك
تطلع المالديف على جثتى، بعدين صحتك اهدى شوية
السن ليه احترامه
جذب زوجته من خصرها هاتفًا بغيظ:
-أنا ولولو مش بنكبر دا حتى هى كان نفسها أوى فى اخ
لسعد
اطرقت لبنى رأسها بإستيحاء وهى تهمس بإسمه:
-هاشم، دا كان مجرد اقتراح
تناول يدها وهو يغمز لها هاتفًا:
-دا اقترحاتك أوامر خصوصًا الاقتراحات الحلو ديه
رمش ضياء بإهدابه حتمًا سيصاب بذبحة صدرية استدار لبيلا يسألها بحدة:
-انتِ عايزة اخوات تانى ساكتة ليه ما تردى
ابوكِ الحماس خدوا ومش ديه أمك اللى كانت رافضة الخلفة
-ضياء أمك وابوكِ ينفع كدا بردو، أصيل بيلقط منك
وضع ضياء يده على قلبه هاتفًا:
-أنا هتنقط، قومى نلحق العيد ميلاد
جذبها من يدها ثم استدار لهاشم هاتفًا:
-أنا هسيب عيالى هنا عندك يومين تلات سنة اتنين
طالما الفراغ بيخلى الشيطان يلعب فى دماغك
******
كانت تصدر من خلفه ضجة عمدًا، اغمض عيناه محاولا
السيطرة على نفسه وعدم النظر إليها على الرغم من
رائحة سائل الاستحمام خاصتها الذى يثير جنونه
رمقها كنان بطرف عيناه ليرى جمالها الهادئ الذى يفتنه
ابتلع واشاح وجه سريعًا، فهذه المرة هو لم يضعف امامها
بينما همست هى:
-الطقم اللى هتلبسوا انهارده فى عيد ميلاد
تجاوزها وهو يهتف بنبرة جامدة:
-لأ مش هلبس دا أنا هلبس طقم تانى
نظرت إلى ثيابه ثم سألته
-ليه مش عجبك دا
أجابها وهو يتحرك للخارج دون ألتفات إليها:
-اه
اغمضت عيناها تشعر بالاحراج ثم تنهدت بتعب وخرجت
خلفه
★★★
فى الاسفل
الجميع يعمل على قدم وساق اليوم عيد ميلاد ابن كنان
الأكبر، بينما تذمر ضياء ثم رفع بصره لكنان يسأله بحدة
-أنت عازم كرم ليه؟!
قهقة كنان وهو يقول::
-هو عشان الواد ابنك بيلف ورا بنته مش طايقه
-والله يا كنان بس اتخيل الموضوع بحس هموت
أنا نهايتى على ايد هاشم وكرم
-مين بيجيب سيرتى
اغمض ضياء عيناه يستغفر ربه فكم يلاعبه عقله أن يسدد
له عدد من اللكمات الضارية، بينما ابتسم هاجد هاتفًا بصدق:
-ولا نقدر نستغنى عن وجودك يا ابو الكرم
-اخبار الشوى عندك أيه يا شيخ هاجد
قال هذه الجملة كرم وهو يتناول صحن اللحم ليتذوقها
ليشده ساهر من الخلف ويأخذ منه الصحن هاتفًا:
-ما خلاص بقى رايح جاى تأكل من اللحمة مش هنخلص
ونعمل العيد ميلاد انهارده
خرجت كارما من الداخل تحمل ابنتها ثانية ثم اقتربت
من كرم هاتفة بدلال:
-كرم مش عارفة اقعد بيها جوه بتعيط خدها منى
همساتها بغنج ونعومة تطيح بثابته، تناول كرم ابنته هاتفًا:
-قلب كرم طب وامها مش عايزنى
خبط ضياء على كتفه هاتفًا:
-ما تتلم ياجدع أنت مالك؟!
سأله بإستنكار هاتفًا:
-مالك معلش يا ابو نسب، ديه مراتى
-يعنى مش فاهمة
بحركة درامية وقف يقلد إحدى المشهد فى فيلم عربى
وهو يقول:
-عليا طلاق الست ديه مراتى كارما ديه تبقى مراتى
يا كنان ديه مراتى، يا تامر ديه مراتى
ثم تابع:
-يا شيخ هاجد ديه
قاطعه هاجد وهو يهز رأسه له هاتفًا:
-عاش يا كرم طبعًا مراتك شرعًا وقانونًا
ربت كنان على كتف ضياء هاتفًا:
-لأ واد كياد لا وهيأخد ابنك مستقبلًا أنا مشفق عليك
رمقه ضياء بحنق هاتفًا:
-يا جدع انت كمان والله هروح اخد بيلا واروح
★★★
ولج للداخل يبحث عن بيلا، فوجدها تقف بمفردها فى المطبخ تزين قالب الكيك، وقف خلفها يهمس لها
بنعومة:
-عمرى ما شفت حاجة حلوة بتزين حاجة حلوة
استدارت بابتسامة ناعمة تزين ثغرها وهى تطالع
عيناه اللامعة خفق قلبها بشدة فهى حتى الآن تتزالزل
بقربه وقلبها يخرج عن طور هدوءه، فهمست:
-ضياء ايه اللى جابك هنا
اقترب فاصلًا المسافة بينهما ثم راقب المطبخ الفارغ من حولهما ومد يده يعبث بخصلاتها الذهبية، هاتفًا:
-وحشتينى
-ضياء احنا مش فى بيتنا
حملها من خصرها لتجلس فوق الرخامة ولمس بإنامله
وجنتيها المشتعلة هاتفًا بصوته الأجش:
-يبقى فرصة ونروح بيتنا والعيال عند هيشو
اطرقت رأسها تقول بخجل :
-نزلنى حد يدخل علينا يا ضياء
وضع يده على شفتيها هاتفًا وهو ينظر حوله:
-انتِ عارفة أن فى دراسات اكدت أن البوسة المسروقة
احلى ١٠٠ مرة من العادية
قبل أن تدرك معنى كلامه كان يجيبه كنان هاتفًا:
-اظن أن الدراسات ديه قصدها على بيتكم مش هنا
-ايه اللى جابك يا كنان
اجابته بثبات:
-كنت جاية اشوف التورتة خلصت ولا لسه بس خلاص
انت قايم بالواجب
همست بيلا بخجل:
-فضحتنا عجبك كدا
-فضحتك أيه دا أنا جوزك وبعدين مش بسمعك تقولى كدا لهاشم
-ماله بابى مضايقك فى أيه؟!
-عايز يخلف تانى دا مش واكل معاكِ
قهقة كنان هو يقول بخبث:
-شفت طريقة كرم من فيلم الفرح بره الوضع ينطبق
على هاشم انت مالك يا جدع هو انت اللى بتحمل وبتولد
حاوط خصر بيلا لينزلها هاتفًا:
-دا اللى ناقص انا اللى احاسب على المشاريب
★★★
بعد انتهاء عيد الميلاد تجمعوا الفتيات يتحدثون، فضربت
هاجر صدرها هاتفة:
-يعنى كلكم كدا مفيش عندكم بدل رقص
ابتلعت كارما وهى تسألها باستيحاء هامسة:
-هى ليها أهمية يعنى هاجر
-طبعًا، والمفروض انتِ اخر واحدة تسألى السؤال دا
دا الستات اللى عند كرم حاجة كدا ايه بلدى على
ابوه يعنى لازم تبهريه
-طبعا ليها لازمة ديه أساسية وكمان مفاتيح أى باب مقفول
قالت هذه الكلمات مايسة بينما رمقتها هاجر باعجاب هاتفة:
-ايوة بقى يا ميسو يا مسيطر هو ساهر بقى صاحب
اكبر محلات الدهب غير من ورا المفاتيح دي
حكت بيسان مؤخرة رأسها فسألتها هاجر
-الدكتورة مش هتقول رأيها
حكت مؤخرة رأسها مرة اخرى باستيحاء وهزت رأسها بالنفى بينما هتفت مايسة:
-بقولكم ايه فى واحدة بتبيع الحاجات ديه اونلاين
بدل، صاجات خلخال طبلة اللى انتوا عايزينوا جمدان
يعنى
نظرت هاجر نحو كيان ثم مالت عليها تسألها:
-قناة الجزيرة مالها مش معانا
نهضت من مكانها بابتسامة شاحبة هاتفة:
-هروح اعمل قهوة لينا
انصرفت من امامها ظلت هاجر ترمقها بقلق همست لها
تارا:
-ديه هرمونات حمل صح؟!
التو ثغرها هاجر وهى ترمق بيسان بطرف عيناها ثم
همست لها:
-هرمونات الحمل ديه عند اختك
-اختى ايه لا طبعًا
قهقت هاجر وهى تقول:
-لأ بيسان حامل
-حامل!!
-آه، مش طايقة ريحة الشوى ورايحة جاية على الحمام
ونظراتها لطاهر بتقول منك لله، كل شوية تحسى انها
بتنام وهى قاعدة
ضربت تارا صدرها ونظرت نحو اختها التى كانت تقف على مسافة هى وبيلا وبأعلى صوت سألتها:
-بيسان انتِ حامل؟!
صعقت بيسان وهزت رأسها واجابتها بتعلثم
-أنا ليه بتسألى، معرفش
مدت تارا يدها تصافح هاجر بمزاح هاتفة:
-مبروك عليكم فرد جديدة فى العيلة
قهقت مايسة هاتفة بمشاكسة:
-الدكتورة ضربت الحيط بثوابت خليكم انتوا فى مرحلة البدل وهى وصلت ليفيل الوحش
زمت بيسان شفتاها كالأطفال وهى تقول بتحذير:
-والله هروح يابنات
غمغمت بيلا بحزن على صديقتها:
-وبعدين معاكم ديه اسرار
هزت هاجر رأسها بابتسامة فاترة ثم همست لتارا:
-تعالى نشوفى اللى دخلت جوه
استقامت واقفة توجه حديثها لمايسة:
-مايسة كارما مستقبلها بين إيديك ادخل واطلع اشوفوا
جبتوا ايه اونلاين
★★★
كانت تقف أمام الموقد تنتظر نضج القهوة حتى همست لها
هاجر:
-اقفلى على القهوة ديه وقولى مالك
ابتلعت غصة مؤلمة ثم همست بمرارة
-ماليش هو زعلان كل مرة بيصالحنى ونتكلم
بس المر ديه مطول اوى يا هاجر
-ايه السبب؟!
انفجرت كيان باكية وهى تزيل دموع عيانها هاتفة:
-حاسة أنه بيتلكك مش عايزنى اروح دار الرعاية بتاعة
الشباب قالى كفاية هو وتامر، بعد خناق وافقت يدوب
مالحقتش اصالحه، وجالى كومنت على خاص بعد الايف
مش لطيف، انى ملاك وان الشخص دا بيتمنى الجواز منى
ونفسه يتعرف عليا وأنه محتاجنى فى حياته وهو شافها
واتجنن، حاولت اتفهم معاه معرفتش واصر اوقف الايف
قولت لا ومش عجبك طلقنى ومن ساعتها عامل نفسه
زعلان بدل ما يعتذر منى
-لأ وكمان زعلانه ما حقه وكنتِ ممكن تثبته بكلمتين
ولا غاوية نكد، المهم هو محاولش يصالحك خالص
تمتمت كيان وهى تجببها:
-خالص مش عايز يكلمنى بقالوا اسبوع نايم فى اوضة وأنا كمان بعدت عنه
وضعت هاجر اناملها على جبينها ويدها الحرة كانت تستند
على تارا هاتفة:
-صداع من الغباء مش قادرة
همست تارا وهى تشير لهاجر:
-ينفع كدا هتموتى البت العاقلة اللى حيلتنا ما تركزى معانا
شوية يا كيان عشان المرارة فى ذمة لله، بقى تسيبى
جوزك المز كل دا مش خايفة يتشقط منك
تنفست هاجر بعمق هاتفة
-سايبه براحته يا خبتك طب دا كل واحدة بيتصور معاها انقح من اللى قبلها، ما ليه حق هيفكر فيكِ إزاى وانتِ اصلًا، خلى الايف ينفعك يا كيان
هزت رأسها بالنفى وهى تقول:
-ايه كلامكم دا لا دول مرضى، دماغكم راحت لبعيد
-مرضى ايه هتموتينى يا بعيدة،
وانتِ فاكرة جوزك دكتور قلب مجدى يعقوب هو
دا انتِ جوزك رئيس قسم الملبن الفاخر، المفروض
تاخد بالك اكتر وبعدين كنان يبعد عنك كل دا مش
بعيد تكون واحدة من المرضى احلو فى عينها الرجل
بيحبك وبيغير صحصحى كدا بدل ما يطير أحنا بنفتح
عينيك فكيه شوية وصالحى الرجل
غمزت هاجر لتارا وتحركت معاها للخارج بينما وقفت
كيان على جمر من النار
★★★
وقفت أمام المرأة تحاول أن تشجع نفسها وبدأت تميل
للأمام بغنج وترجع للخلف ثانية واخذت تكرر الحركة
عدت مرات، اغمضت عيناها عندما شعرت انفاسه تصل
إليها تلفح مسامها، كتمت انفاسها واستدارت تسأله بصوت
متلبك وقد تضرجت وجنتيها بالحمرة:
-انت هنا من أمته؟!
خلع سترته وألقها على مقعد خلفه هاتفًا بمكر:
-من أول الدلع والرقص
اسرعت تريد المغادرة هاتفة:
-طب هحضرلك الأكل يا ضياء
جذبها من معصمها هاتفًا
-على فين يا قلب ضياء تعالى اقعدى بس
جلست بجواره ترفع حمالة فستان بعدم ارتياح ثم همست:
-كنت بحاول اتعلم الرقص الشرقي بس أنا مش عارفة
ابتلع وهو ينظر لعنقها الذى ظهر بسخاء امامه هاتفًا:
-أحسن، دا مجهود على ارض أنا ماليش فى جو دا
ابتسمت بسعادة هاتفة:
-بجد يا ضياء يعنى مش بتحبه ولا ليك فيه؟
حك ذقنه وهو يغمز لها هاتفًا:
-بجد جدًا بس ليا فى المساج ودا اكتر حاجة تاخد قلبى
عضت على شفتاها باستيحاء هامسة:
-بس أنا معرفش
-لأ دا سهل وأنا هعلمك، واول درس هيبقى عملى أنا
اللى هبدأ
نهضت تبتعد عنه فجذبها لتقع فى حجره هاتفًا بمشاكسة
-تحبيه هارد ولا سوفت
دفنت رأسها فى عنقه تهمس بخجل مصحوب بدلال:
-أنت مش هتبطل وقاحة
-بعد الشر عليا، مش لما هاشم يبطل الأول
ثم تابع يسألها:
- طب اهون عليكِ
ضحكت بنعومة وهى تهمس بنعومة:
-لأ انت كدا قمر
وهمساتها الناعمة وهى تمرمغ رأسها فى عنقه كقطة
كانت بمثابة اشارة خضراء ليخرج مكنونات عشقه لها
★★★
تسير فى الردهة بخطوات واسعة وكل ما يسيطر عليها
حديث هاجر؛ أنها لا تشعر بالراحة حيال كنان، فكيف
يمضى ثلاثة ايام على خصامهما ولم يحاول استمالتها
نحوه، أو مصالحتها أو حتى مشاكستها للتقرب منها
فهذا التباعد مخيف
مضت بخطواتها نحو مكتبه لعلها تبدد هذه الفكرة التى
زرعت برأسها، ومن سوء ظن الذى يوسوس لها
فتحت الباب دون تردد فجأة وجدته يجلس فى المقعد
وأمامه إمراه غاية فى الجمال قوامها ساعة رمليه
انتفض كنان واقفًا بغضب وهو يقول::
-أنت زى تدخلى كدا؟!
رفعت حاجبيها بتحدٍ ثم نظرت
لتلك التى تجلس أمامه بإريحية وملابسها اقل ما يقال عليها فاضحة، فتحمحت المرأة وتناولت حقيبتها
هاتفة::
-طب يا دكتور كنان أحنا على ميعادنا بعد يومين ابقى اشوفك
نظرت نحو كيان بطرف عيناها هامسة:
-واضح أنك مش فاضى
سار كنان خلفها وهى يرمى كيان بنظرات نارية توقف
مع تلك المرأة على الباب الغرفة هاتفًا:
-أنا بعتذر طبعًا
ابتسمت بنعومة هاتفة:
-لأ لأ يا دكتور أنت متعتذرش
على العموم احنا على ميعادنا بااى
راقب انصرفها ثم أغلق الباب خلفها جيدًا، واقتربا حاحبيه من بعضهما، يشعر بالغضب يغزو كل خليه
به، بركان يستشيط بحممه اقترب منها يسألها:
-أيه اللى حصل دا؟!
ومضت عيناها بغضب ونيران الغيرة تشتعل بداخلها
لتجيبه اخيرًا:
-أنا اللى عايزة افهم أيه اللى كان بيحصل
-هو أيه اللى كان بيحصل مش مفهوم، دكتور والمريضة
انتِ بقى إزاى تدخلى عليا الكشف كدا دية خصوصيات مريضة
ابتلعت تتحكم فى نفسها بصلابة وقوة شخصية فرضتها
على نفسها فرضًا فاجابته ساخرة:
-دكتور ومريضة وخصوصيات كمان؟!
دا على أساس انها عندها القلب ولا السكر
دا أنت على رأى هاجر دكتور قسم الملبن الفاخر
رفع حاجبه وهو يشير لنفسه هاتفًا:
-أنا قسم الملبن الفاخر؟!
-ايون والعينة لسه خارجة
-انت جاية هنا ليه؟!
هزت رأسها باستنكار هاتفه:
-والله معاه حق هاجر، وانت هيفرق معاك الزعل
فى أيه وانت كل يوم صورة مع واحدة شكل
ولا فارق معاك مشاعرى
-مشاعرك أيه؟! دول المرضى بتوعى وبنتصور بعد نجاح
العملية
-دا هيقولى نجاح وعملية
صدقت هاجر أنا اللى سايبه زمام الأمور هو أنت فاكر نفسك مجدى يعقوب
جز على اسنانه بغضب:
-طب والست هاجر مجبتهاش تتخانق معاكِ ليه إذا كان كل حاجة هاجر؟!
صمت قليلًا ثم سألها:
-انتِ هنا دلوقتى ليه
انهى كلماته وهو يتنفس ببطء وعيناه الماكرتين تخبرها بصمت أنه هو من انتصر وتأكد سيطرته عليها تجمعت الدموع بعيناها هاتفة:
-عشان أعرف أنت بتعاملنى ليه كدا؟!
-اظن إنك عارفة ياكيان
رمقته بعجز ثم اندفعت نحو الباب مسرعة لكنه جذبها
من معصمها لتنصدم بصدره فحاوط خصرها، فرفعت
بصرها هاتفة:
-انت بطلت تحبنى؟!
توسعت عيناه بصدمة:
-كيان أنا مستغرب أنك انتِ اللى زعلانة بعد اللى حصل
افكار هاجر تداهمها بقوة وهى تقول لها يجب أن تبدله
شوقه أن تتدلل عليه أن تعبر عن حبها له
استجمعت قوتها ورفعت يدها تحاوط عنقه بدلال فطرى هاتفه:
-طب وايه يعنى لما أزعلك وتصالحنى هو أنت عندك
كام كيان
كان راضيًا بثورتها ودلالها مستمعًا ابتلع ريقه من قربها
الحميمى وضمها اكثر وهو يردف بهدوء غريب:
-بس دا ميمنعش إنى زعلان
همست له بنعومة قاتلة وهى تمرر يدها على عنقه هاتفة:
-وأنا جيت لحد هنا عشان اصلحك وارضيك
بدون تفكير كان يلتهم شفتاها بشغف ولم تقاومه هى
بل بادلته اكثر فامتدات يده ينزع حجابها، ومما زاد
جنونه استسلامها التام، ابتعد عنها يلهث بانفاسه فهمست
-بحبك ياكنان
عاد يلتقط شفتاها مرة اخرى بلهفة وهو يهمس لها:
-بحبك يا اجمل حاجة حصلت فى عمرى بحبك
همسات ناعمة انفلتت منها وهى تبتعد وتنظر فى عينيه
ثم عادت تضربه فى صدره هاتفة:
-أجمل حاجة حصلتلك وجالك قلب متكلمنيش كل
دا
-مش عارفة امته هتستوعبى أن بغير بغير يا كيان
-أنا كلى ليك لوحدك يبقى إزاى تغير
قبل أن تكمل جملتها كان يحملها ويضعها فوق سطح
المكتب ثم خبط على الخشب بيده هاتفًا:
-كل شئ بأوانه وكل شئ نصيب وانى اطمن على
خشب وقته جه؟!
زحفت للوراء هاتفة بدلال انثوى:
-كنان بلاش جنان أحنا فى المكتب
كان يعبث بجيدها حاولت دفعة لكنها لم تستطع مقاومته
هاتفة::
-كنان حد يدخل علينا
-قفلت الباب بالمفتاح ومفيش مفر
رفعت يدها تحيط عنقه ثم عضت على شفتها السفلية
هاتفة:
-طب لو طلع الرجل بتاع الخشب بيضحك علينا ومش
متين؟!
تمتم من بين قبلاته هو يؤكد لها:
-هنجرب ونحكم احنا قاعدين هنا للصبح
رفعت رايات الاستسلام وهى تبادله شوقه وعنف عاطفته
بعد مرور بعض الوقت كانت تضبط وضع ثيابها وحاولت ترتيب خصلات شعره المشعث فابتسم هاتفًا:
-الرجل بتاع المكتب طلع صادق والخشب متين وحلال فيه الفلوس
اطرقت رأسها هامسة بخجل:
-كنان
ابتسم وهو يغلق ازارر قميصه ثم غمز لها هاتفًا:
-على فكرة البت هاجر ديه بتفهم أنا تخصص ملبن فاخر
اقتربت منه اكثر وهى تسحبه من ياقة قميصه:
-تخصص ملبن فاخر أنا وبس ياكنان احسن لسه شارية
طقم سكاكين جديد ولسه مجربتوش
نظر إلى شفتاها وبعينيه رغبة واضحة
فمال على اذنيها هامسًا:
-المكتب دا وشه حلو لأ وصحتى جت عليه
حملها ثاتية وهى تصرخ باعتراض ثم دفنت رأسها فى
عنقه فهما على وشك الفضحية فى المكتب
******
بعد مرور يومين
ولج إلى شقته يبحث عنها بعيناه لكنه لم يجدها فجلس على الأريكة ليخلع حذائه ثم نهض واقفًا لكنه فغر فاه
وجحظت عيناه مما يراه، كانت كارما ترتدى جلباب
ضيق باللون الأحمر مفتوحًا من الجانبين وسوارًا فى كاحلها يصدر صوتًا رنان، واساور كثيرة فى معصميها تصدر ضجيجًا، وشعرها ينسدل على ظهرها، رسمت بالكحل على جفنيها خطًا جريئًا ليزيد عيناها أتساعًا، واحمر الشفاه صارخ يزين شفتاها، وكانت تلوك العلكة بفمها يمينًا ويسارًا اقتربت منه بغنج قائلة:
-حمدلله سلامة اتاخرت ليه؟!
لم يفعل شئ سوى انه ظل يحدق بها فاقتربت اكثر
تسأله بدلال:
-اتاخرت ليه يا كوكى؟!
اجابها بصوت اجش وهو يهز رأسه بالنفى:
-لا لأ الاستايل دا مينفعش معاه يا كوكى خاالص
بعد الجو دا تقولى يا سى كرم
تبدلت ملامحها وهى تلكزه بصدره:
-فصيل اوى لازم تغير مودى
-ماعاش ولا كان اللى يغير مودك يا قلب كوكى
بس ايه الجو دا؟!
تشدق فمها بالعلكة قائلة:
-انا احلى ولا الست اللى كانت فى المحل عندك
حاول كبح ضحكاته قائلًا:
-اى ست انا بيدخلى كتير كل يوم هى واحدة بس
دهست قدمه بغل هاتفة:
-اللى كانت بتميص عليك افتكرتها كدا
تأوه بخفوت وهو يحاوط خصرها هامسًا بصوت متحشرج:
-ولا هى وبنات جنسها كله يهزونى يا كارما انتِ بس
اللى هزتى قلبى، انتِ اللى دخلتى وربعتى جوا وقفلتى
الباب
عضت على شفتها باستيحاء ثم تابع هو متسائلًا:
-بس الجلابية دية ناقصها منديل كدا بيبقى على
وسط
ابتعدت مسرعة لتحضر وشاحًا بلون الأسود بها فصوص
تتدلى وتصدرًا اصواتًا هامسة:
-اهو جبته اهو
توسعت عيناه ببلاهة:
-كمان، لا قاعدتك مع امى بقت خطر اوى، اه لو هويدا هانم شافتك كدا
ترقرقت الدموع فى عيناها ثم همست:
-كنت فاكرك هتنبهر وتنبسط باللى عملتوا
-انا مش بس مبهور انا حقيقى عمرى ما شفت جمال
كدا ومهما اتخيلت انى اشوفك كدا عمرك ما كنتى هتطلعى زى دلوقتى بس الفكرة يا كارما انك مش
محتاجة تبهرينى، انا كل مرة عينى بتقع عليكِ بنبهر
كل مره بشوفك فى بيتى وبين ايديا و فى حضنى بعد
اللى مرينا بيه ببقى فى قمة سعادتى، وجودك فى
حياتى فى حد ذاته انبهار ليا
اغمضت عيناها بارتياح ظنت انها لم تعجبه، ثم فتحتهم لتهمس بمكر:
-بجد حيث كدا اروح اغير أنا بقى طالما انت اصلا منبهر
ضمها اكثر وهو يطالع شفتاها التى تتشدق بالعلكة:
-على فين يا بطل بجلابية ديه، مش لما نجرب الخلخال
دا بيرن ولا لأ
مدت يدها لتمررها فى خصلات ذقنه هامسة بغنج:
-ايه دا هو ممكن ميرنش
-طبعًا اومال محدش بقى عنده ضمير يا كارما وانا
لازم اتأكد أن مفيش حد ضحك عليكِ
ابتعدت عنه تسير على اطراف اناملها متسائلة:
-بيرن كدا ولا لأ
-انا شايف ان الايقاع مش هيظبط غير لو ربطتى الحزام
دا
تناولت الحزام تربطه على خصرها ثم تحركت بغنج ودلال، سلبته عقله سحبها من خصرها وقبلها قبله
لا توصف من جمالها، حلقت معاه فوق السحاب
سرق انفاسها وسرق كل نبضه بداخلها، حياتها
معه اشبه بالنعيم
بينما هو حاوط وجهها براحتيه يطالع عيناها بابتسامة
واسعة ببساطة افعالها كلها تشده إليها جنونها، رقتها
نعومتها، غرورها، والأهم أن الذى ينبض بين ضلوعها
ملكه وحده..
*******
كان يراقبها وهى ترتب الأثاث والديكور بتوتر تبتعد
عنه منذ يومين، سئم من بعدها وقف خلفها يحاوط
خصرها هامسًا فى اذنيها:
-انا عملت ايه زعل مراتى القمر منى ومخليها تبعد عنى
حاولت الفرار منه لكنه ثبتها بين ذراعيه فسألته:
-أيه اللى جابك دلوقتى ؟!
-محتاج فلوس ضرورى ومفيش سيولة فى محل جيت
اخد من هنا وهنزل بسرعة بس شايفك متضايقة مالك؟!
استدارت والدموع تملأ عيناها تسأله بحزن:
-هو انت بتحبنى يا ساهر حاسة أنك اتدبست فيا الوحيد اللى مختارش كنت مجبر عليا
-لا مش بحبك
اجابها بسرعة صدمتها ثم ابتسم وهو يقول بنبرة صادقة لمست قلبها:
-لأ، عشان بموت فيك يا مايسة الحب شوية على اللى
جوايا ليكِ، أنا كنت ضايع وتايه، من غيرك أنا ولا حاجة
وانتِ مش معايا، انت عملتِ منى بنى ادم جديد، حتى
الشغل فى محلات الدهب اللى مش بحبه ولا اطيقه
انتِ خلتينى احبه كل حاجة فى حياتى انتِ وجبتى
ليا احلى بنوتة فى الدنيا، السؤال دا بقى ليكِ انتِ
بتحبينى يا مايسة
ابتسمت من بين دموعها وهى تقول:
-بحبك ياساهر
جذبها من ساعدها لتخبط بصدره فثبتها فى احضانه
وانفه تداعب وجنتها بخشونة محبب لها هاتفًا:
-ودا اللى مخليك مش عايزة تكلمينى وبتبعدى عنى
حاولت الابتعاد عنه والمقاومة هاتفة:
-مامتك صاحية
اسرها بين ذراعيه وهو يغمز لها هاتفًا:
-كان فى اوردر أنا استلمته ولقيت نفس الأسم بتاع
كل مرة الفضول خدنى وفتحته وشفت اللى فيه
بصراحة الحاجات المرة ديه جامدة مش هنجربها
عضت على شفتاها وهى تلكزه فى صدره هاتفة:
-أنت فتحت الحاجة كدا ينفع
تأوه وهو يمسك قلبه هاتفًا:
-آه قلبى كدا اهون عليكِ
حاوطت عنقه والتصقت به وهى تهمس بغنج:
-بعد الشر على قلبك
حملها بين ذراعيه هاتفًا:
-لأ يبقى هنجرب الحاجة كلها انهارده
-ساهر انت جاى تأخد فلوس وهتروح المحل
-انا اخدت اجازة اسبوع خلاص عشان اجرب الحاجات
ديه براحتى احسن يكون بعتوا حاجة وحشه كدا ولا كدا
شهقت وهى تعض على شفتاها مداعية القلق:
-تفتكر يا ساهر ممكن يبعتوا حاجة وحشة لأ فعلا لازم
تقعد اسبوع نجربها ونطمن احسن متعاملش معاهم تانى
قهقة وهو يدفع الباب بقدمه وولج للداخل
تجاوز معاها كل العقبات كانت كلبسم لتقيح قلبه، كقطرات
الندى ترطب حياته، بعد أن تجرع الخذلان والقهر والوجع
★*★*★
-هاجد احنا رايحين فين؟!
هذه الكلمات نطقتها هاجر بينما اجابها هاجد وهو يقود السيارة
-متسأليش لحد ما نوصل
بعد مرور ساعتين وقفت هاجر تطالع المكان حولها بانبهار
غرفة ذات وجهه زجاجية أمام البحر مباشرة نظرت للبحر
ثم سألت هاجد:
-هاجد أحنا بنعمل أيه هنا؟!
لاحظت صمته لترفع عيناها إليه تموج فى خضرة عيناه
الصافية اقترب منها يجذبها من خصرها، تصلب جسدها
تحت لمساته، بينما هو كان يعبث بثوبها وتخلص من حجابها سريعًا وهو يدقق عيناه على خصلات شعرها
الناعمة هاتفًا:
-وحشتينى وحبيت اخطفك ليا لوحدى
رأت ذلك البريق الاسر فى عيناه لتنحذب هى بشدة لصوته
الاجش هامسة:
-انت وحشتنى اكتر
تأملها بقلب اضرمت النار فى احشاؤه مال يلثم شفتاها
ببطء ونعومة يرتشف قطرات من رحيقها ابتعد عنها وهو
يأخذ وجهها بين راحتيها هاتفًا:
-اجمل خمس سنين من عمرى يا هاجر عدوا معاكِ
طبعًا ظروف جوزنا وفرحنا خلتنا منعرفش نحتفل يمكن
مفرحتيش زى البنات، أنا حاسس أنى معملتش حاجة تليق بيكِ عشان كدا سبت الاولاد مع سوسو وحابب نقضى كام يوم هنا
اهدته الابتسامة التى تجعل قلبه يتقفز شوقًا لها ثم وضعت اناملها تتحسس لحيته الخشنة
-أنا عايشة معاك فى فرح يكفينى أول لحظة دخلت بيتك
حسيت بالامان، قلبى اطمن، أنا كنت على طول خايفة وقلقانة، معاك حسيت بالسند وضهر، حسيت أنى ملكة فى بيتك، أنا حاسة انى اتولدت على إيدك، أنت وسوسو كنتوا ليا حياة
لم يتحمل اكثر بدون سابق انذار انحنى إلى شفتاها ليعبر
عن مشاعره بطريقته التى يجيدها، ابتعد عنها بعد أن
استنزاف مشاعرها ويده تعبث من تحت ثوبها، جذبها
معه نحو الفراش يطالع عنقها المرمرى ثم هبط بنظره إلى فتحت فستانها هامسًا بمكر وانامله تداعب عنقها
-يا هاجر هاجر القلب إليكِ هل من وصال
استسلمت له، فدفن وجهه فى عنقها فقشعر جسدها
من ذقنه الغير حليقة فضحكت بغنج:
-هاجد دقنك
غمغم هو بصوته الرجولى الخشن جعلها تسبح معه
فى غيوم عشقه.
فى صباح اليوم التالى
كانت تجلس بجواره تراقب البحر وهو نائم فتح عيناه
يجذبها لتقع على صدره هاتفًا:
-صباح الخير
همست وهى تنظر فى عيناه العسلى بل الخضراء لا تعرف
لونهما صاحب العيون المتقلبة، رمشت وبإهدابها وهى تمر
يدها على لحيته تتأمل ملامحه الوسمية هاتفة:
-صباح الهنا، الواحد يصحى من النوم على جمال البحر
ولا جمال عينيك، بصراحة كدا انت مز اوى والبنى ادم
ضعيف
قهقة على جرأتها وفى ثانية كانت هى اسفله وهو يعتريها
فحاوطت عنقه هاتفة:
-مش كنت تقول أنك هتخطفنى أعمل حسابى
لزوم الخطف وكدا
غمز لها هو يقول بوقاحة:
-عيب أنا جايب كل حاجة معايا فى شنطة العربية رغم
أنه مالوش لزوم
تلك الغمزة دمرتها كليًا فهمست بعبث:
-يا شيخ هاجد مش ناوى تكمل الوصال ونجيب اخت
لوصال
قبل كل أنشًا بها بدفء جعلها تنظر بولة اغمضت عيناها
تستمع بلحظاتها معه وقربه منها ودعمه الدائم فهمس
-يا هاجر
قبل أن يكمل جملته اجابته هى بعشق:
-أنا قلبى على طول فى وصال معاك من غير طلبك
نبرتها الناعمة وسعادتها المنتشية جعلها يبتسم ويدفن
رأسه فى عنقها لم يعد يحتمل هذا الحد من الفتنة والنعومة، ليرتوى من عشقها
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل 10000 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الستون
اقترب كرم من طاهر فهو لا يعتبره اخيه الاصغر بل
توأم روحه، قضيا سويًا اجمل سنين عمرهما معًا دائمًا
على الحلوة والمرة، مما يجعلهما شخص واحد تنهد
كرم وهو يرى حالة اخيه فى الايام الاخيرة، يدرك ما
يثقل قلبه، لكنه يود أن يكتشف ما فى قلبه دون ان يوجه
أحد، ضرب كرم كتفه
مسد طاهر ذراعه الملكومة بيده الاخرى متأوهًا بألم
قبل أن يستنكر رد فعل اخيه هاتفًا:
-ايه يا بغل هزار البوابين دا
ابتسم كرم بتهكم هاتفًا:
-حبيبى تسلم، وبعدين ما تنشف ياض انت
من يوم ما بيسان غلبتك وبقيت نايتى اوى
حرك طاهر كتفه ببطء وهو يقول:
-على فكرة أنا اتغلبت بمزاجى
عقد كرم حاجبيه وهو يقول بصوت متلاعب:
-بمزاجك ليه دا حتى عيب فى حقك بنت تغلبك
حاول السيطرة على الإنفعالات المتناقضة بداخله، وقال
بصوت متحشرج:
-محبتش أنها تتكسر أو تتهز ثقتها بنفسها
-اشمعنا يعنى؟
دا انت البعيد قطر وبتطلع نار من بؤقك ايه الذوق دا
انعقد لسانه، سؤاله المباغت شتته من الداخل وهو يلكز اخيه فى صدره بخفة هاتفًا:
-مين ياض اللى قطر
عملت أيه فى موضوعك
-دكتور الغفلة كنان وقف ليا زى العمل متكلمهاش
أنا بتواصل معاها بلاش تخليها تخون ثقة ضياء
وقال بيتصل بيها وهى كويسة، لأ أنا مينفعنيش
الكلام دا أنا هروح لأجدع دليفرى بيسان، ما تيجى
معايا
زفر بغضب وهو يكاد يجن بما يشعر به، كل ذرة فى عقله
تشتتت، اخذ نفس عميق محاولا تهدئة نفسه قائلًا:
-لا روح انت أنا مش فاضى
-ما تبطل شغل العيال دا يا طاهر هو انت عشان زعلان منها
أخذ نفسًا عميقًا يزفره على مهل وهو يقول:
-شغل عيال تنزل من غير ما تقول، تقلب العيادة هى وبدر
-طاهر انت فكرت سبب نزولها ايه طب سألتها عن السبب
مش تامر كان بيقول انها كانت بتعيط يمكن حد ضايقها
اجابه بنفاذ صبر:
-أول حاجة عملتها روحت اطمن عليها لقيت ايه، الأخت
دخلت بدر معاها
ارتفعت زاوية فم كرم وهو يقول بتهكم:
-مالك ياض بدر بدر بدر، أيه هو جوز أمك، يلا بينا
قوم، مش المفروض تقف جنب اخوك
**★**
-أنا عارف أنك لسه بتحبينى مستحيل تنسينى فى يوم
وليلة، عشان خاطر ابننا اللى جاى يا بيلا
قال ضياء جملته وينتظر ردًا واحدًا يريح قلبه، بينما هى
كان يزداد ألم الولادة عليها
الادراك لديها مصاب بنوبة صدمة وتعجب، تأوهت حين شعرت بتقلص شديد فلامست بطنها بخوف ووجع وزاد
بكاؤها هامسة بتقطع:
-بولد أنا، ضياء أاانا هاموت
اقترب منها يضمها والدها فتشبثت به باحثة عن السند
والأمان أو ربما لتهرب من مشاعرها او باحثة عن من يدواى كسرها، رفع ضياء عيناه لها ينظر بصمت مدمج بالحزن، ثم نظر إلى والدها، فتح الباب وولج الطبيب
قائلًا:
-يلا يا ضياء مش مستعجل على البيبى ولا أيه
بالداخل فى غرفة العمليات
ارخت جفنيها من تأثير المخدر، كانت قريبة منه إلى حد كبير، يزداد الاقتراب ويزداد اشتياقه، دون أن يشعر
مسد بيده على خصلات شعرها الذهبية ثم أنحنى
بجذعه يقبل رأسها باشتياق، ينشد احتوائها، يترقب
عناق منها قطعه، لكنه انتفض على صوت صراخ الطفل
فانتصب فى وقفته ومشاعر غريبة تسيطر عليه
تحمحم الطبيب قائلًا:
-ضياء تعالى اقطع الحبل السرى
ابتسم ضياء هاتفًا بشكر وتأثر حقيقى بنبرة مشبعة بالامتنان:
-بجد شكرًا اووى
ألتقط المقص الطبى المعقم ثم اقترب بخوف وهو
يحمل المقص وقام بقطع الحبل السُرى فناول الطبيب الصغير
للممرضة ، وهز رأسه بعملية ليخبره سلامة الصغير
لحظات وكانت الممرضة تقترب تناوله الصغير فضمه لصدره واقترب من بيلا يهمس بجوار اذنيه:
-بيلا فتحى عينيكِ، ابننا وصل
بدأت ترمش بعيناها لتفيق من غفوتها المرضية ونظرت
نحو الصغير والدموع تملأ عينيها:
-قربهُ منى
مال بجزعه يقربُه منها فأغمضت عيناها تستنشق رائحته
ثم قبلته وهى تتفحص كل أنش به
-ضياء البيبى لازم يطلع الحضانة عشان يطمنوا عليه
هذه الجملة قالها الطبيب فهز ضياء رأسه وهو يحمل الصغير للخارج لكنه لم يكمل فقد اعطاه للممرضة
بينما بالداخل وقف الطبيب امامها هاتفًا:
-حمدا لله على سلامة وولادة بدون ألم ولا حستى بحاجة
اهو
بللت شفتها هامسة:
-لو سمحت يا دكتور مش عايزة حد يشوف رجلى كدا
ولا حتى ضياء لبسنى الجهاز قبل ما اخرج من الاوضة
تشنجت عضلاته كأن الصقيع انصب فوق رأسه، مسح
دمعة غافلت جفونه وهو يسمع كلامها، شعر بأن الهواء
ينفُذ من حوله، تحمحم ثم همس بنبرة جاهد أن تخرج
ثابته:
-البيبى اخدته الممرضة، هتخرج هى امته
ابتسم الطبيب بعملية قائلًا قبل أن ينصرف
-خلاص هتخرج حالًا مبروك عليكم
ابتسمت وهى تغمض عيناها لا زالت تحت تأثير المخدر بينما هز ضياء رأسه بامتنان وما أن انصرف الطبيب
ظل ينظر لها لتشبع عيونه المشتاقة منها
***
أوصد عينيه وملامح وجهه متقلصة للغاية محاولًا
صرف تفكيره عن وجود بدر، ليخترق اذنه اثناء محاولة
ضبط نفسه سماع صوتها المتمرد وهى تحدث الممرضة:
-تمام لو جت الاشاعة ابقى دخليها
ثم تابعت وهى تنظر لكرم:
-منورين
ابتسم كرم بحفاوة:
-دا نورك انتٍ يا أجمل دكتورة فى الدنيا وحشتينى والله
ردت عليه بابتسامة صغيرة مرتسمة فوق شفتيها
وبصوت هادئ ورقيق:
-هحاول ابلعها واصدقك
-طب على فكرة عيب انتِ حاجة تانية عندى ويعلم ربنا
-وأنا متأكدة من دا يا كرم
سحب طاهر نفسًا مطولًا وسحبه على مهل، فرمقته بطرف عيناها ثم اكملت:
-وأيه الجديد بعد الرفض
-أنا كلمت كنان وهو قالى هيتصرف، بس يا بيسان عايز
اشوفها وحشتنى أوى
ابتسمت بوداعة وردت بكلمات محاولة إبعاد الحرج:
-احممم، تمام بس اللى اعرفه أن ضياء من اسبوعين
اخدها لدكتور نفسى وعلى فكرة الخطوة دية ضرورية
فلازم تستنى، وعلى فكرة كنت لسه مكلمة كنان وقالى
هى بتاخد خطوات سريعة
ظهر الامتعاض على ملامح طاهر وعدم تقبله لم تتفوه به،
اردف كرم:
-كل دا بلح، أنا مش مقتنع بإى حاجة غير أنى اقابلها
هتساعدينى ولا اتصرف بطريقتى
غمغمت وهى ترفع كتفاها:
-هاحاول بس مش أكيد يا كرم
تهللت اسارير كرم من موافقتها، ليوجه نظره للجالس
امامه بتوتر ممزوج بعصبية فحدث بيسان قائلًا:
-طب أحنا لازم نتغدا مع بعض وممنوع الإعتراض
يا بيسان أنا بعرفك مش بأخد رأيك ومش هينفع
أى اعذار
كان طاهر منتظر ردها على احر من الجمر، فحدثت كرم وهى لا زالت تتجاهل طاهر :
-مفيش اعذار موافقة
غامت نظرات طاهر خلف شرارات غضبه بسبب تجاهلها
الغير مبرر بالنسبة له، نهض طاهر واقفًا بتحفز وهو يقول
-أنا مش فاضى عندى شغل
اسندت ظهرها للخلف وهى تحرك مقعدها يمينًا ويسارًا فى
صمت ظهرت الصدمة جلية على ملامحها من طريقته
فجز كرم على اسنانه بغيظ:
-وأنا قولت اقعد ومفيش اعذار يا طاهر
****
ما زالت ذكرى الولادة والذعر يتملكه، وهو يراها أمامه تعانى عاجز عن فعل ما يخفف عنها ألمها، رغبة ملحة
لسحقها الآن بين ذراعيه ليهدأ البركان الذى بداخله، قطع
افكاره بكاء الرضيع، اقترب برهبة من الفراش الصغير
يتأمل ملامح صغيره الناعمة، براءة ونقاء يُريحان قلبه
من وجع الماضى، يتأمله والدموع تفيض بمقلتيه، مال بجذعه ليحمله برهبة وخوف عكس عيناه التى تمتلأ
بالفرح، ملامحه جعلت ابتسامته تتوسع صغيره يشبه
عمته، نفس لون عينيها، مشاعر ابوية فياضة لأول مرة
يختبرها يصعب وصفها أو تحديد ماهيتها، قربه منه
ليقبل مقدمة رأسه، تعالت صرخة الصغير حتى حدثته
والدته:
-ضياء يا حبيبى البيبى بيعيط عايز بيلا
تغضنت ملامحه وهو يضم الصغير اكثر هامسًا:
-اشمعنا، طب ما أنا شايله اهو
جاوبته لبنى بحنق:
-عايز يرضع هاته بقى
رمقها بإمتعاض ثم قرب الصغير يطبع قبلة اخيرة على
جبهته، اقترب هو يتأملها بعشق وهو يوزع نظراته
بينها وبين الصغير ثم وضعه بين يدها، بينما هى
كان كل انتباهها مع الطفل الذى لم يهدأ مطالبًا بطعامه
فعقد حاجبيه لأنها لم تقم بإرضاعه، كانت توزع
نظراتها بينهم ثم ثبتتها عليه وهى تقول:
-انا عايزة ارضعه
-ايوة لازم ترضعيه دا مش فاصل عياط
التو ثغر لبنى وهى تقول:
-عايزة ترضع البيبى، هو أنت مش واخد بالك عدتها خلصت والطلاق وقع، اتفضل اطلع برا
رمق هاشم بطرفه الذى اغمض عيناه بتوتر ثم دس يده
فى جيب سرواله قائلًا:
-لأ خدى راحتك أنا ردتها لعصمتى خلاص، يعنى هى
مراتى وترضع عادى قدامي
ألجمت الصدمة حواسها من جملته الأخيرة، لحظات وعادت للواقع متسائلة:
-انت بتقول ايه؟!
-ردِتك يا بيلا قبل ما العدة تخلص يعنى انتِ مراتى
قفزت كارما من مقعدها تتعلق فى عنق اخيها بسعادة:
-بجد يا ضياء، مبروك يا حبيبى
وقفت والدته بجوار بيلا تربت على كتفاها قائلة:
-مبروك يا بيلا وإن شاء لله يبقى وش الخير عليكم
البيبى وتبدوأ صفحة جديدة
تملك الغضب منها عندما تأكدت من الخبر وقبضت على الفراش وصاحت بصوت هادر:
-انت اتجنتت ازاى تردنى أنا مش موافقة أنا مش عايزاك
كل اللى بينا انتهى
احتدمت ملامح لبنى بعصبية وصاحت هى الأخرى:
-انت فاكر نفسك ايه؟! هى سايبة تردها من غير موافقتها
ومن غير علمنا أنت هتطلقها وطلاق محكمة وهتبعد عنها
خالص
تجاهلها ضياء وهو يوجه حديثه لبيلا:
-الرضاعة على زعل وحشة على البيبى يرضيكِ
يتعب ولا يزعل مننا من الأول مش عملين حساب لوجوده
لو مكسوفة منهم اطلعهم
رمقته بنظرات خيبة وتفوهت بنبرة مائلة للبكاء
متحاملة تلك الغصة بحلقها:
-ردتنى ليه ماكنش وعدك أنك مش هتردنى غير بمزاجى
ليه عملت كدا
اجابها ببساطة وهو يغمز لها:
-رضعى قبل ولما هنروح اقولك ليه
ابتسمت كارما متسائلة:
-انتوا هتسموا البيبى ايه يا ضياء
فى هذه الاثناء فتح باب الغرفة ووقف كنان على اعتاب الغرفة، التفتت جميع الانظار إليه فابتسمت هويدا ومضت
نحو الذى تغضنت ملامحه بالغضب هامسة بجوار اذنه:
-ولا تفتح بؤقك يا ضياء وابقى ورينى هتعمل ايه
انهت جملتها وهى تتوجه نحو كنان لتحضتنه بفرح هامسة:
-أنا بقيت تيتا يا كنان
واحلى تيته فى الدنيا
ابتسمت كارما متسائلة:
-طب يا تيتا حد يقولى البيبى دا اسمه ايه
اقتربت هويدا من بيلا وحملت الصغير لتضعه بين يد
كنان هاتفة وهى تربت على ذراعه:
-هسميه أصيل زى عمه كنان
استدارت تسأل بيلا:
-أيه رأيك يا بيلا لو مش عاجبك نغير الأسم
ابتسم هاشم وهو يقول:
-حلو اسم اصيل شكله هيطلع ليه فى الفروسية من اسمه
-حلو يا طنط
احتقن وجه ضياء فحدثها:
-أنا مش موافق طبعا
قبل أن ينهى جملته كان الباب يفتح ثانية التفتت الأنظار
كان كرم يقف بابتسامة واسعة ويحمل بيده باقة زهور
قطع ضياء الخطوات الفاصلة بينهم واقفًا امامه يسأله:
-انت ايه اللى جابك هنا
التو ثغر كرم ثم اجابة بتلقائية:
-جاى اخد بقية حسابى انت رفضتنى من غير ما تدينى
حقى
اغمض كنان عينيه من تصرفات كرم الهوجاء، بينما شعر هاشم بتوتر الأجواء، فتخطى ضياء متحركًا نحو كرم
هاتفًا:
-اتفضل يا كرم تعالى
انهى جملته ومال على ضياء هامسًا:
-عدى اليوم معانا وبعدين
زوى ضياء ما بين حاجبيه وجاوبه باستهجان وسخط
-ما عنه ما عدى هو فى أيه الواد دا أنا رفضته
أما هى كانت تقف فى الزاوية تشعر برجفة تحتلها كأنها
تسقط فى بئر عميق لا قرار له، ضغطت على شفتها السفلى
محاولة أن تستجمع ثباتها كلما همت بقول شئ، يتعرقل
لسانها، اسمه ليس بهذه الصعوبة، نطقته وكأنها تقطع
اميال فى الصحراء
-كرم
أما هو من بين الجميع رأها، انحبست انفاسه، كانت عيناه تتفحصها بأعين مشتاقة متلهفة، لم يراها منذ شهر
ازدادت فتنة وجمالًا، اغمض جفنية لثوانى ليمنع تأثيرها
عليه، نيران متأججة بداخله، تنهد بضيق لو كان بمفردهم
لفعل اشياء كثيرة يرغب بها عقله الخبيث،
كل هذا تحت نظرات كنان الذى كان يراقب ردة فعل كارما وإرتباكها ومدى تأثير دخول كرم وابتسم وهو يلاحظ لمعة عينيها
أما كرم نفض هذه الافكار ثم توجه نحو هويدا وهو يمد يده بباقة الورد
-بجد مش عارف ازاى انتِ تيتا بس مبروك
رمقت هويدا احتقان ابنها فابتسمت لكرم بهدوء وهى تقول:
-الله يبارك فيك يا حبيبى عقبالك
-ادعيلى من قلبك ربنا يهدى العاصى
زمجر ضياء من خلفه فهمست هويدا:
-طب يلا كلنا عشان بيلا ترضع البيبى
كانت تتهرب من نظراته بينما هو كان يشبع عيناه منها
طفولتها مع انوثتها الناضجة، ارتسم طيف خفيف على
شفتيه قبل أن يغمز لها وهو يغادر الغرفة، انصرف
الجميع وبقى ضياء مع بيلا فى الغرفة تجمدت تعابير
وجهها الغاضبة عندما بدأ الرضيع بالصراخ فهمست:
-اطلع بره يا ضياء
-اصيل بيعيط خلينى معاكِ
-لأ اطلع يا ضياء
ازداد صراخ الرضيع وكأنه لايريد مغادرته، فتناول غطاء الفراش ومد يده به هامسًا:
-طب خدى دا ورضعيه
تناولته لتحجب نفسها عنه، عواصف عاتيه ضربته
ضم قبضة يده حتى ابيضت ُسُليماته وهو يحاول التحكم
فى غضبه، رفعت بصرها إليه بعد أن القمت صغيرها صدرها
والدموع تملأ عيناها:
-سكت
-بحبك
تقوست عضلة فكها وهى تبتلع غصة مؤلمة فى حلقها
****
-واضح أنك مش طايقة نفسك من ساعة ما كرم
مشى
قال هذه الكلمات طاهر، رغبة حمقاء تلح عليها بالبكاء
لكنها تمالكت نفسها وابتسمت بسخرية قائلة:
-عادى يعنى
كان يلاحظ اضطراب وجهها وصدرها الذى يعلو ويهبط
هامسًا:
-لأ ما هو واضح
اغمضت جفنيها وهى تستمع إلى كلماته، لسانها اصبح
ينعقد ولا تعرف كيف ترد عليه، فسألها بحدة:
-ممكن افهم انتِ بتعاملينى كدا ليه
هل صدر منى حاجة ضايقتك أنا قولت كلمة غلط
تخليكِ تنزلى من شرم بدون ما تعرفينى وكمان مترديش
عليا، مش المفروض كنا قريبين يعني لو عملت حاجة
غلط عرفينى
كانت تخشى مقلتيه برغم برودهما ظاهريًا إلا أن
خلفهما غضب دفين فهمست:
-كنت مخنوقة ياطاهر ومقدرتش اقعد
-من أيه يا بيسان
دمعت عيناها بتأثر وهى تقول:
-أنا اتخانقت انا وتارا جامد أوي
-غريبة يعنى هى مقلتش، بس بردو كان لازم تعرفينى
او حتى تردى عليا، مش اعرف انك نزلتى لا وكمان فتحتى
انتى وبدر العيادة، حبتى الثقة ديه منين فى بدر
وليه تفتحى مع حد وازاى متأخديش رأى
ضيقت عيناها قائلة:
-طاهر أنا مش عيلة صغيرة ومتعودة اخد قرارتى لوحدى
وبدر بنى ادم كويس وهو نفس التخصص وفتحنا مشروع
مع بعض
نظر إليها معاتبا وهو يشعر بنغزات فى الفؤاد فابتلع
متسائلًا:
-المهم انتِ احسن دلوقتى؟ وجودك مع اهلك مريحك
صمتت قليلًا ثم تابعت:
-الحمدلله أنا اصلا بروح ساعتين
-كدا كتير يا بيسان عليكِ
-خلينا نفكر فى حل لكرم احسن
اصدر ضحكات قوية رنانة وهو يقول:
-احنا ندعيله دا اللى نقدر عليه احنا هالكنا
*****
بعد يومين
كان ينهك نفسه فى تصميم الافراح وفجأة جاء صوت
من خلفه، مرر عينيه عليها وسألها بعداونية:
-ايه اللى جابك لسه الاسبوعين مخلصوش
اجابته بحدة:
-فى ايه مالك كل ما تشوفنى تجنن أنا جاية اشتغل
مش اشحت منك
تجهمت ملامحه على الفور وقذف القلم الذى يمسكه
ارضًا ثم قال بامتعاض:
-انتِ مش بتفهمين انا بقرف منك ومن اشكال
ولو هتشتغلى انتِ هنا أنا هسيب الشغل
اجابته بلهجة يلفها البرود وتنافى ما بداخلها:
-قررك وانت حر
نهض واقفًا وهو ليتناول سترته متجهًا للخارج تزامنًا
مع دخول بيسان وكارما فحدثتها بيسان:
-تارا بتعملى أيه هنا
-وانتِ مالك
اقتربت منها تسألها بتهجم:
-انت متعرفيش تتكلمى زى البنى ادميين ابدًا
صرخت بها لتخرج ما فى جعبتها:
-لأ مش بعرف ومعاكِ انتِ بذات لأ، عارفة ليه عشان
عمرك ما كنتِ مصدر ثقة ليا انت عارفة كويس أن
كارما باعتنى عشان الواد الصايع اللى عرفتوا كسرت
بخاطرى وبعدت عننى وكأنى ولا حاجة بالنسبة ليها
وفالاخر كلكم رجعتوا تطبطوا عليها عشان هى اللى
كيوت، صح لكن هى مش كيوت ولا أنا رخيصة زى
ماانتِ شايفنى انا روحت لشلة ديه عشان هى سبتنى
بقيت بخرج وألبس زيهم بدل ما كنا اخوات واصحاب ومش بنفارق بعض، على فكرة هى كانت بسهولة ممكن تفرط فى نفسها لكن أنا ولا
يمكن اعمل كدا أنا اللى ملقتش اختى تقف جنبى انتِ حتى مكلفتيش خاطرك تعرفى سبب الخلاف اللى بينا
كل كلامك كان ازاى تبعدى عن كارما ليه سبتى كارما
خليكِ ماسكة فايدها وابعدى عنى بقى
انهت كلامها وهى تهرول للخارج غافلة عن عيون تراقبها
هبطت مسرعة تقطع الطريق دون انتباه
***
رواية روح بلا مأوى الفصل 10001 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الواحد والستون
فاقت من شرودها، ولحظة واحدة تفصلها عن الصدام
كادت أن تدعسها تمامًا، لولا أن ضغط فرامل السيارة
فى الوقت المناسب، اخرج صاحب السيارة رأسه
من شباك وعينيه تكاد تخرج من محجرهما قائلًا:
-مش تفتحى ايه عميتى، كنتِ هتودينى فى داهية
بتعدى الشارع ومن غير ماتبصى، شكلك شاربة وطينة
على الاخر
ابتلعت ريقها وهى تتأهب للهجوم عليه:
-ما تحاسب على كلامك ماكنتش واخدة بالى
-نعم مش واخدة ايه، انت فاكرة نفسك بتعدى طرقة
بيتكم
صدح صوت من خلفها وهو ينهى المشاداة بينهما:
-خلاص اتكل على الله وحصل خير
رمقته بغضب ثم سارت مسرعة محاولة الهرب لكنه لحقها ونادى عليها فتوقفت بغضب قائلة:
-ايه عايز ايه؟ الشركة وسبتها اشبع بيها
تحركت من امامه وهى تود الأرض تنشق وتبلعها فلحقها
وأوقف سيارة هامسًا:
-اركبى
-لأ
نظر لها بعصبية ودفعها بعصبية ثم أمر السائق بالانطلاق
*****
خرجت الأفعى من جحرها ومعها ابناءها الصغار لتبث
سمها، دقائق ومرت عليها كأعمار طويلة وهى تسترجع كابوسها المرير اخيها من أمها وصل إليها بداخل شقتها ليهددها لم يكفيه ما فعله بأختها ليزيد البله طين ليبتزها
ويهددها بالقتل، لوهلة اصاب ثائر جسدها شلل تمام، تشعر بانفاسها الثقيلة المحملة بالخوف
لكن يكفى هروب.. وقد حان وقت المواجهة ستخبر كنان
بكل شئ ليقف معها
دقائق وكان كنان يصف سيارته امامها وهبط منها ليفتح الباب بحركة مسرحية فابتسمت رغمًا عنها وصعدت
فأغلق الباب خلفها ثم استدار واستقل السيارة فسألته
-شكلك مبسوط
-اوى، أنا لحد دلوقتى مش متخيل أن حضرت ولادت
ابن ضياء أنا حسيت أنه ابنى أنا، كان نفسى وهى بتأخد
منى اقولها دا هيروح معايا
منعت النظر به فهو سيكون ابًا رائعًا، وجوده بحياتها يشبه مصباحًا يضئ فى وسط عتمة الصحراء، العصا التى تتكأ
عليه فتابع هو قائلًا:
-ومش بس كدا فى مفاجأة تانى
-وصلنا
قطبت حاجبيها باستنكار بينما هو صف سيارته امام إحدى
العمارات الفاخرة وأشارة إلى لافتة مكتوب عليها
"عيادة كيان" هزت رأسها متسائلة:
-أيه دا؟!
-سر الانبساط، عيادتى كيان، أيه رأيك
رفعت وجهها مقابل وجهه وسألته والدموع تملأ عيناها ومقلتيها لم تفارق عينيه:
-كنان انت كاتب اسمى أنا على العيادة
-مغرم صبابة..دا الحب قادر .. واحنا غلابة
اطرقت رأسها بخجل واغمضت عيناها كلماته اذابت اوتار قلبها، ارتسم طيف على شفتاه وعينيه لم ترحمها وهو يراقب، حركتها وخجلها الطفولى فهمس:
-يلا عشان نطلع نشوف العيادة
تجمدت تعبير وجهها وهى تسأله بذهول:
-هو أنا هطلع معاك فوق لوحدنا لأ ميصحش
قهقة كنان وهو يقول:
-خايفة من أيه دا احنا قاعدنا متجوزين تسع شهور
فى شقة واحدة فى واوضة واحدة على سرير واحد
وفى الاخر اتطلاقنا واحنا اخوات يا كيان متقلبيش
عليا المواجع الله يكرمك
اشتعلت وجنتيها باللون الأحمر القانى وهمست:
-على فكرة كدا مطمنتش ومش هطلع
تركها ثم توجه نحو حارس البناية حدثه وبعد ثوانٍ
قليلة كانت تنضم له وصعدت معه بصحبة زوجة حارس
العقار، فهمس لها
-حلوة كدا أنا جبت محرم اهو
التقط اذن زوجة حارس العقار كلماته فردت عليه:
-امم محرم يعنى هى مش مراتك حيث كدا
وسع شوية انت لازق فى البونية ليه خليها تتنفس
توسعت عيناه بذهول وهو يقول:
-لأ ديه مراتى على فكرة
اطرقت كيان برأسها للأسفل قائلة:
-لأ احنا مطلقيين
التو ثغر هذه السيدة وهى تسحب ذراع كيان وتتحرك
بها خارج الغرفة:
-هما كدا يا حبيبتى بعد الطلاق بنحلى فى عينيهم
وياترى اتطلجتوا ليه، شكله خانك يا قلب امك
هزت رأسها وقبل أن تنطق:
-لو مش خاين يبقى عنده مشكله لا مؤاخذة وكويس
أنك اطلقتى هتدفنى نفسك معاه
صرخ كنان وهو يقول:
-بس بس، أنا لا مؤاخذة اتفضلى انزلى من هنا اتفضلى
انتفضت من صوته، وانصرفت وهى تسحب كيان معاها
فصرخ ثانية:
-سحبها معاكِ على فين سبيها وانزلى
نزعت يدها بحدة قائلة:
-اهى عندك يا اخويا انا غلطانة انى بقول كلمات الحق
وقف الاثنان ينظران فى اثرها بتعجب هز كنان رأسه:
-عجبك عمايلك كدا
-أنا مالى
خلل اصابعه فى خصلات شعره وهو يزفر بحنق هاتفًا
_انت مالك ما المفروض انت الدليل، وسمعتى بقت على
المحك وكدا مينفعش ولازم نجيب مأذون واتنين شهود
قطعته بتحذير:
-كناااان، وبعدين،
انا اتفرجت يلا بينا بقى كفاية كدا الست ديه هتفضحنا
غمغم كنان بمشاكسة:
-عارفة انا نفسى فى ايه؟!
صمت لتفكر ثم سألته بجدية:
-فى أيه؟!
-عارفة اللبن خالى الدسم
-ايوة
حك ذقنه ثم تابع:
-والعصير الخالى من السكر
أومات بعبوس وهى عقد مابين حاجبيها:
-ايوة مالهم
عض على شفتاه السفلى وهو يغمز بعينه قائلًا:
-أهو أنا بقى نفسى فى قاعدة خالية من الادب
شقهة وهى تضع يدها على ثغرها ثم هرولت قائلة:
-يا طنط استنى انا جاية معاكِ دا طلع نوع تالت
لم يصدق مايسمعه اطرق كفًا بالأخر وهو يقول:
-أنا نوع تالت، ياعمرك اللى بيضيع هدر يا كنان
*****
الألم النفسى من ابشع أنواع الألم، يجعلك فاقد الشعور
والأحساس، يجعلك تعانق الألم، وتستمر فى جلد الذات
الذى يعود بسلب عليك وعلى من حولك فتشعر أن روحك
مغلفة بالجليد ومشاعرك فى بئر سحيق لا قرر له
كانت كتمثال صخرى لا تتحرك انسابت دموعها لتروى
قحط روحها، اقترب منها طاهر وسهام مسموم تفتك
بقلبه قائلًا:
-بيسان أنتِ بتعيطى، طب اهدى اهدى تعالى معايا
خلينا نتكلم
همست بمرارة وحسرة شديدة:
-عايزة اكون لوحدى لو سمحت يا طاهر
-وأنا استحالة اسيبك كدا تعالى المكتب أما ننزل مع بعض
-خلينا ننزل حاسة انى بتخنق هموت
فى السيارة مسحت دموعها وقد تبدلت ملامحها من ملامح هادئة لحزينة هامسة:
-أنا وحشة أوى كدا، أنا مش عارفة ازاى
بس هما كانوا اصحاب وهى رفضت تعرفنى سبب زعلهم
من بعض حتى لما قولت أكلم كارما قالتلى ما تدخليش
فسكت وسابتهم وكان عندى امتحانات ومركزتش ساعتها
فى الموضوع كنت مضغوطة لوحدى فى كل حاجة، وكنت
بشوف كارما بحكم انى بقابل كنان وضياء وهى معاهم
وبكلمها عادى، ولما عرفت اللى مرت بيه فى جوزها اتعاطفت معاها ومش قصدى اجاى على تارا أو انها
رخيصة زى ما قالت، هى كانت على طول معاملتها
معايا جافة أنا تعبت والله تعبت أنا حاولت وأنا اللى
كنت بتصل بحاول اتواصل على طول بس كان فى
حلقة مفقودة يا طاهر
انتهت من سرد قصتها المحزنة، دموعها تزلزل كيانه تحرق من الداخل ويود أن يمد يده ليمسح دموعها تنهد قائلًا:
-على فكرة بقى المفروض متعيطيش خالص وتفرحى
ديه بداية جديدة ليكم، هى طلعت اللى فى قلبها من وجهة
نظرها وانت كمان كلميها صدقينى انت الاتنين بتحبوا
بعض جدًا بس سوء تفاهم يا بيسان مش محتاج لكل دا
كلماته مست قلبها وصميم روحها الدامية، كم تطمئن فى
حضوره، تسمح لنفسه أن تكشف حقيقتها كاملة امامه
ابتسمت بألم ثم همست بضعف:
-شكرًا
ابتسم وهو يشاكسها:
-شكرًا بس، دا لو استشارة عند دكتور نفسى كنتِ دفعتى
قد كدا
راقبت حركت عيناه الاكثر من رائعتين ومظهره الرجولى
شديد الوسامة:
-طب عايز كام
-تعزنينى على الغدا يومين
ضحكت بيسان بسخرية:
يعنى عايز توفر على حسابى تمام
****
تشعر باختناق شديد، كرامتها هدرت، انوثتها جرحت كأنها بزوبعة ألم تلتهمها دون شفقة او رحمة، روحها تنزف من الداخل، كانت تقف وسط الغرفة كورقة ضلت وجههتها وبقيت بلا هوادة وسط الطرقات، بينما هو اقترب بخطوة
متهملة حتى وقف امامها هامسًا:
-كارما ارفعى رأسك وبصى عليا
لم ترد عليه فاصر قائلًا:
-سامعنى ارفعى رأسك وبصى عليا
رفعت عيناها المحمرتين بشدة والدموع تغرق وجهها
وليتها لم تفعل دموعها فعلت به الافاعيل فهمس:
-ممكن ما تعيطيش عشان نتكلم
رمشت باهدابها الكثيفة قائلة:
-مفيش كلام، انت سمعت أنا عملت ايه مع صاحبتى
عشان واحد، وفى الاخر هو عمل فيا كل حاجة وحشة
أنا منفعش ليك أو لغيرك لو سمحت ابعد عنى أنا واحدة
رخيصة
اشعلت فتيل غضبه بكلماتها فصرخ بها:
-اسكتتتى وإياك اسمعك بتقولى كدا على نفسك تانى فاهمة، غلطى زى أى حد بيغلط والغلط يتصلح تارا
زعلانة ومعاها حق، وانت المفروض تحاولى تصلحيها
وتبدأى من جديد بلاش سلبية مش عشانى، بس لازم
عشان تكملى، وموضوعنا لازم اسمع منك رد مش هتسبينى كدا كتير، اللى عدى
انتهى احنا فى الجديد، عايزك قوية حتى لو قررتى
متكمليش معايا ساعتها هبعد واحترم رغبتك
تقضم شفتها فى محاولة بائسة منها لتحكم فى دموعها
أو ربما لتحكم فى نفسها كى لترتمى بين ذراعيه فهى
بحاجة لعناق فهمست وهى تنصرف من امامه:
-ممكن متحاولش توصل تانى كفاية اللى خصل انهارده
تحركت من امامه وقبل ان تفتح الباب كان يغلق الباب
بيده ثانيةً
******
ولج للغرفة وجدها تضع الصغير فى فراشه فوجدها فرصة
فاقترب منها محاوطًا خصرها، مستنشقًا عبيرها الذى سلب
انفاسه وقد حرم منه طيلة الشهور الماضية، دفنًا وجهه
بين ثنايا عنقها، ارتجف جسدها من قربه فحاولت الابتعاد
لكنه منعها بعد أن اصبح وجهه موجهًا لوجهها يتطلع
إلى الفيروز خاصته هامسًا:
-وحشتينى، وحشتينى يا بيلا
اغمضت عيناها من همسه الذى اذاب اعترضها، قلبها يدفعها لوصاله بينما عقلها ينهر بشدة فمد انامله
على وجنتيها الغاضبتين:
-قلبك أنا وحشته أنا متأكد ادينا أنا وقلبك فرصة
يفرض نفسه عليها كعادته المهلكة، مد انامله ليحركها
على شفتيها هامسًا:
-ما شفتش النوم اتعذبت فى بعدك، روحى فرقتنى
بفراقك
حاولت فك حصرها من براثينه لكنها لم تقدر، لثم عنقها
قبلات متفرقة حتى وصلا إ إلى شفتاها لثمهما بنعومة
ثم افترس شفتيها باشتياق يبث لها شوقه وعذابه
بينما هى ذابت بين يده كقطعة شوكولاته ناعمة
لكنها انتبهت على حالها سريعًا فدفعتها بحدة فى صدره
-ابعد عنى، وإياك تلمسنى، أنا مش مجرد ألة لمتعة
بتاعتك وبس، وبعد كدا تدبحنى بكلامك إياك تقرب
منى كدا، مش معنى أنك ردتنى غصب أنك تعمل
كدا، أنا بقرف من نفسى
ألقت كلمتها عليه كالجمر فاشعلت صدره وتهدجت
انفاسها
*****
ولج للداخل يبحث عنها ولم يجدها حتى برزت عروق
رقبته
رواية روح بلا مأوى الفصل 10002 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والستون
فتح كرم باب المنزل فى الساعة العاشرة وملامحه تغمرها
السعادة وما أن وجد والدته فإرتمى بين ذراعيها هامسًا
بسعادة:
-نوجة قلبى ست الكل
ربتت على كتفه متسائلة بفرح:
-أيه يا قلب أمك فرحان ومبسوط خير
ابتعد عنها ليتناول كفها ويقبله بسعادة هامسًا:
-يومين وهنروح لعروسة ابنك المستقبلية
انهى جملته تزامنًا مع خروج اخيه من الداخل فلكمه
طاهر فى كتفه قائلًا:
-أيه ياض الأخبار الحلوة دي؟!
طب مش تقولى عشان اعمل حسابى
تحمحم كرم قائلًا:
-تعمل حسابك على ايه معلش؟!
ضيق طاهر عيناه وهو يقول بثبات:
-أروح معاك ياجدع
-دا بدل ما تقف جنبى وتقطع علاقتك بيا لحد ما نكتب الكتاب
ضربت نجاة صدرها وهى تشهق قائلة:
-يقطع علاقته بمين يا واد انت؟
بعدين اخوك ميروحش معانا يعنى أيه؟
حك كرم مؤخرة رأسه هو يقول:
-الصراحة اخو العروسة مش بيطيق ابنك لله فى لله
-نعم!!
مين دا يا واد اللى يكره ابنى اللى يكره ابنى يكره هدومه
ولما اخوها بيكره اخوك انت عايز تجوزها يا عديم الدم
قهقه طاهر وهو يقول:
-اخوه يبقى جوز بيلا والموضوع شوية غيره مش اكتر
يا نوجا
احنت ظهرها قليلًا وهى تتكأ بمرفقيها على ركبتيها وقالت
:
-طب ما حقه يغير هو طاهر أى حد
هنروح نطلبها أنا وابوك واخوك واخوها غيران دا
يبقى ميجيش هو مراته يا فالح
صفق كرم بيده وهو يقول:
-يا نوجا يا مسيطرة
التو ثغرها قائلة:
-ايوة يا اخويا مسيطرة ومش من اولها هيمشوا كلمة علينا
مين يروح ومين يجى
****
دلفت إلى الشركة بكبرياء وشموخ، ترتدى بنطال اسود
وستره جلدية سوداء، دلفت لداخل مكتبه، فرفع
بصره وظل صامتًا لبعض الوقت، دقائق صمته دبت
القلق والتوتر بداخلها، حمحمت قائلة:
-أنا جيت فى ميعادى
رمقها من اعلاها لإدناها وهو يبتسم، ثم اعاد بصره للأوراق
وهو يبتسم بسخرية:
-بس متقوليش فى ميعادك انتِ متأخرة ساعة
تحولت نظراتها لشراسة وهى تقول:
-معلش هو انت صاحب الشركة يعنى؟!
كتف ذراعيه أمامه يستند بمرفقه الأخر عليه يعقد حاجبيه بسفاهة للحديث وقال ساخرًا:
-يعنى انتى جاية هنا عشان واسطة مش عشان تعرفى
تشتغلى لو كدا تفرق واعتبرى نفسك جيتى فى ميعادك
عضت على شفتها واحنت رأسها خجلًا:
- مش هتأخر تانى عن الميعاد
وضع كفيه فى جيبيه وشد جسده فى وقفته فإزداد طوله
اكثر هاتفًا:
-أهم حاجة أنك بدلتى ملابس الداخليه اللى كنتى ماشية
بيها وكدا اكيد هنتفق
اختفى اللون من وجهها وفرت الدماء منه، رمشت عدة مرات من الوقاحه التى لم تراها من قبل ثم تابع مستفزًا
أياها:
-لما أتاخرتى قولت تبقى سافرت
قال جملته الأخيرة بتلاعب بسخرية، لن تجعله ينول
مراده بإثارة غضبها ليفتك بها من الداخل فتلاعبت بخصلات شعرها قائلة:
-مفيش حجز وهسافر مع بابى ومامى اخر الشهر انت
عارف بقى واسطة وبمزاجى اشتغل شهر يوم أنا ومزاجى
طريقتها المستفزة جعلته يستشيط غضبًا، وصوتها المغيظ
باستفزاز وقبل أن يرد عليها ولج طاهر وألقى التحية
ثم حدثها:
-تارا كويس أنك جيتى حابب نتكلم لوحدنا بخصوص
بيسان
ابتسمت قائلة بهدوء ممزوج بتحدى ومغامرة:
-وقت تانى نتكلم، دلوقتى فى حاجات مش عجبانى
فى الشغل حابة اظبطها مع تامر
تحركت من امامهما تجلس خلف مكتب تامر بعد أن
جذبت فتيل غضبه، وخزت الوحش النائم دون وعى
فوضعها فى رأسه ونصب عينيه
****
ضعف، ألم، شعور بالذنب
اسبوع مر منذ اخر لقاء بابنته، شعور الضعف والذنب
يقتلانه، ما بيده حيلة يعلم أن هاجد على حق، ولا
ينتظر منه أكثر يكفيه ما تحمله، سيكون ظالم أن
طالبه هو بإصلاح هذه العلاقة، استسلم اخيرًا يعى
انتهاء مدة صلاحية اللامبالاة
ولجت زوجته وجدته يجلس فى صمت تام، مما جعلها
تجلى حنجرتها وهمست:
-مصطفى
لم ينتبه لها وظل صامتًا كما هو، فكررت اسمه:
-مصطفى
اجابها ببرود:
-عايزة ايه؟!
ضغطت على اسنانها بغيظ وهى تقول:
-هو انت بتكلمنى كدا ليه؟
هو أنا ذنبى أيه فى اللى حصل؟
ضحكة ساخرة وهو يقول:
-لأ مالكيش ذنب، الذنب ذنبى أنا ومن زمان
بنتى أنا كنت جبتها هنا غصب عن أى حد
قاطعت لهجته الساخرة وهى تقول:
-عايز تفهمنى أنك ماكنتش خايف زى بدليل أنك كنت
بتأجلها
صمت محاولًا التحكم فى غضبه قائلًا:
-أنا ماكنتش خايف على كل دا أنا كنت خايف على
بنتى، خايف على مشاعرها، بس الغلط ملحوق
نهضت واقفة وهى تسأله بحدة:
-مش فاهمة
زفر بغيظ شديد وهو ينظر إليها بجدية، مشددًا على
كل كلمة:
-يعنى بنتى اولًا وقبل أى حد واللى هيريحها هاعملوا
لو حتى على حساب مين
ارعبتها طريقته العدائية التى صرخ بها فسألته بتقطع:
-يعنى أيه يا مصطفى؟
أى كان اللى هتعمله مش هتيجى على هاجد صح
ابن اختى مالوش ذنب فى أى حاجة
كان رده جاف وكأنه لايطيق الرد عليها:
-أى حاجة تخص بنتى متخصكيش
هب واقفًا ينظر لها من فوق كتفه بتهكم، أما هى اطبقت على شفتيها بشدة حانقة.
*****
بعد مرور اسبوع
كانت جالسة خلف المكتب بينما تضع يدها على
سطح المكتب ومالت بجسدها قليلًا فهو انهاك
فى العمل، عينيها العسلية بدت شاردة وكأنها بعالم
اخر غير الذى هى به، بداخلها رغبة قوية فى اغضابه
بسحقه بين يدها، نفضت رأسها سريعًا من تلك الأفكار
الدموية، انتفضت على فتح الباب بقوة فرفعت بصرها
تقابله بتحدٍ:
-انتِ أيه الزفت اللى هببتيه دا؟!
كان نبرته غاضبة، وكأنه قريب منها للحد الذى جعل شعر
بدنها يقشعر، لكنها بعناد واضح لم ترفع رأسها بقيت تستريح، لكنه خبط الطاولة بعنف، مما دفعها لترفع
رأسها مجبرة، وجدته يقف بجانب الطاولة ووجهه
لا ينذر بالخير، قالت من بين اسنانها:
-خير
ضرب المكتب ثانية وهو يميل بجزعه عليها ثم حدثها
بنبرة صوت تحمل الكثير من الغضب:
-اتكلمى عدل، وبعدين مين قالك تعدلى الشغل
اللى عملته
حدثته ببرود مستفز:
-مين اللى يتكلم عدل أنا ولا انت
بعدين غيرت الشغل عشان ماكنش عاجب العروسة
جز على اسنانه وعينيه تضيق عليها، فكان ذلك يعتبر إهانة له مما جعله يسألها مستنكرًا:
-عروسة ايه اللى مش عاجبها هى اللى كانت مختارة
أنا هغصبها على حاجة يعنى
-لأ بس اظن الأول حماتها هى اللى غصبتها
وهى قررت تفاجئ حماتها بالتغيير، أو تجيبلها ذبحة
يوم الفرح
ابتسم وهو يهز رأسه، اتسعت عينى تارا وهى تنظر إلى
ابتسامته، وملامحه الرجولية الخشنة، ذلك الشنيع
يبتسم، سألته ولا زالت الابتسامة تملئ شفتاها:
-انت بتضحك زينا أهو
اجابها بجفاف وهو يزيح عينيه عنها قائلًا:
-بس المفروض تبلغينى والمفروض مفيش أى حاجة تتغيير
غير لما أعرف
قال جملته وجلس على المكتب المقابل لها يعمل على
الحاسوب، بقيت تارا جالسة امامه تطالعه لا تعرف لما
يعاملها هكذا عكس معاملته مع الأخرين، رفع تامر رأسه
عن الحاسوب فاحتقن وجهها بحمرة قانية
*****
اغمضت عيناها بوجع شعرت بلذوعة فى حلقها تريد
خنقها لكنها ابتلعتها تنهدت بشدة وجلست على المقعد
مع تنهيدة تعبر عما بداخلها روحها تصرخ بوجع تطالب
الإنصاف ثم سألت الرجل الذى أمامها:
-ومامتها عارفة ولا انت بتتصرف من دماغك
اجابها الرجل الجالس امامها:
-يا استاذة البت مالهاش حول ولا قوة، ابوها مات بعد
سنة من ولادتها وامها اتجوزت وجوزها مش عايز البت
وابوها مقطوع من شجرة، واهل امها مش عايزينها
وهى مرمية ليل نهار فى الشارع أنا والناس قررنا
كدا
حل صمت مطبق مؤلم بقدر ألم روحها الذى لم يندمل
بعد، فأبتلعت هامسة:
-تقدر تسيبها من دلوقتى وأنا بنفسى هخلص الأجراءات
-كتر خيرك هتكسبى فيها ثواب
انصرف الرجل وعادت كوابيسها تداهما بشدة، وكأن
أحدهم رماها فى البحر وهى لا تجيد السباحة، لتغرق
بدأت انفاسها تضمحل وكأن صخور فوق صدرها، عينيها تذرف الدموع، جسدها بدأ ينتفض، تلك الذكريات التى
تتمنى أن تنساها تهاجمها بضراوة
بعد مرور ما يقارب ساعة ولج كنان مندفعًا فرفعت رأسها
إليه تبكى وتبكى كأنها لم تبك من قبل، تقلصت ملامح كنان
مستفسرًا، أنها ليست مجرد دموع هى خناجر تغرز بقلبه
-كيان حبيبتى أهدى وفهمينى أيه اللى حصل
كانت تهز رأسها يمينًا ويسارًا، هذا العالم الغير عادل
غير رحيم بأحد، غير رحيم بطفلة خمس سنوات
حتى أن والدتها باعتها من أجل الزواج واكمال حياتها
غير رحيم حين تخلى جميع الأهل عن طفلة لا حول
ولا قوة لها ليرموها بالشارع، العالم غير رحيم عليها هى
نفسها حتى هذه اللحظة، سردت له ما سار، شعر بأنفاسه
تنحصر فى صدره، رؤيتها هكذا ولم يجوز له بضمها
نوع من العذاب واحراق لروحه، لملم شتاته وهمس لها
-دموعك دي بتعمل فيا اللى مفيش عدو يقدر يعمله
فيا، بتدبحينى من جوا، واللى بيعذبنى ان أنا بعيد كدا
لو سمحتِ اهدى، عارفة ساعة ما عرفت أنك هتفتحى
ملجأ كنت رافض وقولت دا غباء، ازاى وانتِ مش قادرة
تتجاوزى اللى حصل، هتعيشي جوه نفس الظروف تانى
مع كل طفل، بس مع مرور الوقت فكرت، أنك اكتر شخص
مناسب انتِ مريتى بنفس الظروف وصعب تأذى حد زى
اللى بنسمع عنه فى دور الرعاية، انت سند للاطفال دي
ربنا اختارك، وعشان البنت دي وغيرها لازم تقوى عشان
تقدمى أحسن حاجة ليها ولغيرها، مش كل حد داخل
المكان بنفس الظروف يحصل معاكِ كدا، انت اقوى
ودموعك بتعذبنى يا كيان ارحمي قلبى
مسحت دموعها بظهر يدها لكن لازالت شهقاتها مستمرة
فهمس لها:
-قومى اغسلى وشك ويلا بينا نهلة مستنيانا على الغدا
نهضت فى صمت تام بينما هو فرك وجهه بعنف مزقته
ببساطة، والحقيقة أن الملجأ يلمس النقطة الأضعف بداخلها مما يعرقل شفاؤها
****
صوت بكاء الصغير يملأ الغرفة ولم يهدأ فترك ضياء كل
ما بيده واسرع للأعلى
فرقت جفونها بإرهاق، اصيل بالكاد يغفو مدة لا تتجاوز
ساعة لا تستطع أن تنعم ببعض الراحة، كل خلية بجسدها
تأن، رفعت الغطاء واستقامت تجلس على حافة الفراش
مسرعة تبحث بيدها عن الجهاز وهى ناعسة فجأة
وجدت يد تعاونها، فأنتفضت لتستعيد وعيها كاملًا
توسعت عيناها بصدمة عندما وجدته ضياء، صرخت
وهى تنتفض للخلف وتدثر نفسها بالغطاء:
-انت ايه اللى جابك اطلع بره، اطلع بره لو سمحتِ
اطلع أنا مش محتاجة مساعدة منك، أنا مش عاجزة
تزعزع قلبه من مكانه، تحطم كل شئ بداخله، بدأت
الدموع المالحة بالسقوط، شعر بإنهياره، بعد كل رباطة
جأشه الذى حاول أن يصمد لكنه ينهار، صرخة عالية
من الصغير وكأنه يحتج على الوضع، فمضى نحو فراش
الصغير ومال بجذعه ليحمله ثم توجه به خارج الغرفة
لكنه لم يقدر على الحركة فجلس على الدرج وهو
يحتضن صغيره يحركه يمينًا ويسارًا، فى بعض
الأحيان يكون صعب للغاية ازالة وجع تسرب بين
العروق، نظر ضياء إلى الصغير الذى تشبث فى اصابعه
واستشعر كأنه يعاتبه على عذاب والدته فهمس بتحشرج:
-والله ما كان قصدى، بكرة تكبر وانت الوحيد اللى هتعذرنى ومش هتلومنى
شعر بيد تربت على كتفه ثم جلست بجواره:
-حبيبى، وحد الله شوية والدنيا هتهدى وهتشوف الأيام
بتنسى بس أنت متستعجلش عشان تبقى راجعة بإرداتها
تنهد بألم:
-تعبت يا أمى
تناولت الصغير من بين يديه تهدهده قائلة:
-عيب لما تقول تعبت قدام ابنك كدا
هات اصيل وقوم يلا على شغلك واعمل حسابك
الجماعة جايين قريب
-بردو يا أمى، اللى انتِ شايفة صح اعمليه أنا تعبت
*****
بعد مرور يومين
ظهر الضيق على ملامح ضياء حتى أنه لن يستطيع
مسايرتهم بكلمتين فقط، كانت جلسة عائلية بين
العائلتين لكن ضياء اصر على وجود هاشم معه،
كانت بيلا تحمل صغيرها وملامحها باهتة
ولم تفرق كارما عنها شئ بينما كان يجلس كلا من
كرم وطاهر وامامهما حسين ونجاة، فهمست هويدا
باحراج:
-منورين يا جماعة
التو ثغر نجاة وهى ترمق ضياء بطرف عينيها قائلة:
-بنوركم طبعًا
عاملة أيه يا بيلا وحشتينى يا حبيبتى
كدا بردو الجواز ياخدك مننا
ابتسمت بيلا بهدوء:
-وانتِ اكتر يا طنط، أسفة لو قصرت
-اسفة أيه دا انتِ بنتى، هاتى حبيب تيتة اشوفه
ابتلع طاهر وهو يرمق كرم الذى سيطر عليه التوتر بينما ضياء كان يجلس على جمر حمم بركانية قد شبت بصدره، وجع ينهشه وهو يرى ابتسامتها، يحدج والدته بنظرات نارية وهو يقبض على كفه لعله يريح ذلك الألم
نهضت بيلا وهى تحمل الصغير لتضعه بين يدها فابتسمت
نجاة قائلة:
-ماشاء لله قمر، دا شبه مامتك أوى
ابتسمت بيلا باستيحاء وهى تقول:
-لو حضرتك ركزتى فملامحه هتلاقيه شبه عمتو كارما
كانت كارما تنظر موضع قدميها فابتسمت نجاة وهى
توجه حديثها لهويدا:
-ما شاء لله عروستنا قمر
اشفق عليها كرم كثيرًا محبوبة قلبه، كل مرة يرها بها يزيد حبًا فوق حبه، بدت وكأنها حاربت كل شئ بها عقلها ونفسها لتجلس فى هذا التجمع، ابتسم حسين بتودد
وهو ينظر إلى ضياء:
-احنا جايين نطلب ايد اختك وبنتنا لأبنى كرم
لم يجيبه ضياء ووزع نظراته بين كلا من كارما والدته
اغمض ضياء عيناه بإرهاق وهو يتذكر زواجها السابق
وما عانته اخته لا يريد تزوجيها لم يحتمل الفكرة
استأنف حسين حديثه وهو يرى حيرته:
-يابنى أنا عيالى والحمدلله مطلعوش مرتاحين حصلت
لينا ازمة وهما صغيرين وكنت بشتغل كل حاجة وباخد
كرم معايا ايد بايد فى كل حاجة، ولما سافرت سيبتهم
ورايا رجالة سدوا مع امهم، أنا مسكت محلات ابويا
ورثى بعد ما توفى، يعنى شقيوا على القرش وشافوا
تعب امهم وعمرهم ما يّجوا على حد
ابتسمت هويدا وهى تجيبه بإحترام:
-ودا شئ يرفعهم فى نظرنا اكتر
بس حابة اعرفكم أن كارما سابق ليها الجواز ومرت
بظروف صعبة و
قاطعها كرم قائلًا بحزم:
-هما عارفين وباقى التفاصيل تخصنى أنا مفيش داعى
للكلام دا، أنا طالب ايدها وكل طلباتكم أوامر
ابتسمت مرة اخرى وامتلئت عيناها بالدموع وهى تقول:
-ماليش طلبات غير تحافظ عليها وتصونها، والقرار كله
يرجع لأخوها
الجميع أعينهم منصبة على ضياء لكنه كانت نظراته مصوبة على بيلا وكأنه يستمد شجاعته منها فابتسمت وهى تهز
رأسها بالإيجاب، رمق كارما بخوف اخوى، فربت هاشم
على قدمه كى يطمئنه لا يعلم لما توقع أن يرفع بصره
يجده كنان، فقال بنبرة احترام وتقدير لا تخلو من
الوجع:
-أنا ماليش طلبات غير راحة كارما
قلب كرم سيخرج من مكانه فهمس:
-مش محتاجة تقولها راحتها أهم منى أما طلباتك بخصوص أى شئ أنا معنديش اعتراض علي أى حاجة
أنا موافق
ضحكت نجاة وهى تقول:
-بما أن ابنى مدلوق على الآخر كدا وعمره ما كان مدهول
كدا نرأف بحالته ونقرأ الفاتحة
ابتسم هاشم وهو يقول:
-نقرأ الفاتحة والله عندك حق
رفعت الكفوف جميعًا يقرأون الفاتحة وما أن انتهوا
حتى قال كرم:
-والفرح الشهر الجاى
هز ضياء رأسه بالنفى قائلًا:
-لأ فى خطوبة الأول وبعد كدا الفرح عاجبك
عاجبك مش عاجبك انت حر
زمجر كرم فمال طاهر على اذن اخيه وهو يقول:
-اثبت الواد دا بيطفشنا بالطريقة
اجابه طاهر وهو يقول:
-دا عين العقل عقبال ما نجيب البدل اومال هنحضر بالترنجات
***
بعد مرور شهرين
-مالك؟!
تلك الكلمة نطقتها تارا بشفتاها متيبسة، بينما اجابها تامر
بفتور:
-ماليش
عينيها العسلية حدقت به بقوة وهى تقول بعناد:
-ايه هو اللى ماليش شكلك متضايق
رفع رأسه ببطء وهو يقول بحزم:
-أحنا خلصنا شغل يلا أروحك
هزت رأسها وقالت له بعناد اكثر:
-لأ بقى احنا مخلصين شغل بدرى وأنا مش هاروح غير
لما أعرف ايه اللى مضايقك
جذب خصلات شعره بعنف واطبق شفتيه بقوة على بعضهما حتى اصبح خط رفيع ليجيبها بهمس بطئ
لكنه كان اخطر من أى صوت صخب:
-اللى مضايقنى ميخصكيش
-لأ يخصنى أحنا بقينا تيم واحد مفيهاش حاجة لو فضفضت شوية، أنا هسمع واوعدك مش هقطعك
حدق بها بعين محمرة وهو يقول بتألم:
-أنا موجوع
جملته هزتها قبضة حديدية اعتصرت قلبها فسألته
متألمة:
-طب ليه ما تحاول تقولى وتفضفض معايا يمكن ترتاح
يمكن اطلع أنا ثقة جرب
تصلب جسده، واكفر وجهه بتعابير مظلمة لا تُقرأ، ماذا
يقول لها؟ كيف يخبرها بعذاب روحه التى تتعذب منذ
ولادته بعذاب سادى، رفع بصره لتلك الدخيلة التى
تتخطى الحواجز وتتسلل وتتعمق إلى داخله
فتنهد يسرد لها قصة حياته ثم انتهى قائلًا:
-اللى وجعنى اكتر البيبهات اللى بتيجى كل اليوم الملجأ
دموعها تقف فى حنجرتها كغصة تأبى النزول تألمت لأجله
لكنها فاجأته هامسة:
-ممكن أطلب منك طلب ولو سمحت مترفضش
ضيق عينيه وهو يحدق بها قائلًا:
-طلب!!
لقد كانت أجابته تعبر عن استنكاره من ردة فعلها فتابعت
-هو انت ممكن تودينى الملاهى
ارتفع حاجبه الأسود الكثيف كما ارتفعت نبرة صوته بتشدق:
-ملاهى!!
ملاهى أيه؟!
أنا فاضى للكلام دا؟! هاوصلك ولا هتروحى
رمشت باهدابها الكثيفة قبل أن تجيبه:
-مش هاروح، وانت هتودينى أنا شغالة من فترة ومعرفش
حد هنا ومحتاجة اغير جو
ارتفع حاجبه وهو يقول بسخرية:
-انت مدركة أنا بقول ايه وانتِ بتقولى أيه؟!
بعد مرور عدة ساعات كانت تقف خلفه وهى ترتدى سترته
بينما هو يقوم بألتقاط عدة صور لهما بعد أن انتهى سألته
بريبة:
-طب بذمتك مش حاسس أنك فكيت؟
مش حاسس أنك مبسوط
لا يعلم كيف وافقها وكيف أثرت عليه، فهى كساحرة
مغوية، غرق معها فى عالم لم يختبره من قبل، تنهد
مسترخيًا قائلًا:
-رغم أنك لوحدك قادرة تعصبينى وتجننينى، لكن أنا
اتبسطت أوى، حاجة أول مرة اجربها كنت مبسوط
صمت كل منهما وهى تنظر لعينيه ذلك القاسى الاشبه بالحجر، قلبه حجر صوان بدا كأنه طفل صغير يتألم
يقطع نياط القلب، ابتسمت وهى تقول بهمس:
-أنا جعانة
سكنت ملامحه من أى تعبير وواقف أمامها بطوله
الفارع:
-لأ كدا كتير أنا اللى معايا مش هيكمل تأكلى فى أى
مطعم
اطرقت رأسها باستيحاء وهى تقول:
-مش مهم اى مطعم، أنا جعانة
*****
بحث عنها فى غرفتها ولم يجدها، فتغضنت ملامحه
واصبحت لا تنذر بالخير، طرق باب غرفة بدر وولج
دون استئذان، ليتلاقا حدقتياه الغاضبتين بعيناها
التى تشبه جرة العسل، ليتوجه ليجلس فى المقعد
المقابل لها، وحدثها وهو يحاول إلا يفقد اعصابه:
-انتِ هنا ليه؟! أنا دورت عليكِ فى الأوضة بتاعتك
قاطعه بدر بهدوء:
-ايه طاهر يا جدع طب قول السلام عليكم
ابتسم باقتضاب ثم نظر إلى ساعة يده يتفقدها
ثم رفع بصره إليها وتابع توجيهاته:
-ازيك يا بدر بس مستعجل، قومى يا بيسان عايزك
توسعت عينيها بصدمة من طريقته ثم اجابته:
-أنا وبدر فى حالة مهمة كنا بنتكلم عنها، أنت محتاج حاجة ضرورى؟!
جز على اسنانه وهو يرمقها فى غيظ محاولًا أن يكبح غضبه ثم هتف محذرًا:
-آه ضرورى وأنا معنديش وقت اتفضلى قومى
رمقته بغيظ ثم جذبت هاتفها من على المكتب ووجهت
بصرها إلى بدر وهمست بإحراج معتذرة:
-أسفة، عن اذنك يا بدر
ابتسم طاهر بسماجة:
-اسفين بقى يا بدور
بعد قليل فى غرفة الكشف الخاص بها
نفخت فى عصبية، وشعرت بدمائها تغلى فى عروقها، من
شدة استفزازه إليها ثم مررت اصابعها فى خصلات شعرها
القصير فى حنق هاتفة:
-أيه قلة الذوق دي يا طاهر؟!
انت بتعامل بدر كدا ليه؟!
تفحصها فى منتهى الهدوء هامسًا:
-انتِ أيه اللى مقعدك كدا مع بدر لوحدكم
هزت رأسها بيأس من تصرفاته هامسة:
-بربرى وبجح كمان
دا شغل يا طاهر وكان فى حالة مهمة بناقشها معاه
سيطر الغضب عليه ليجد نفسه أنفاسه تلهث قائلًا:
-شغل أيه قاعدين واخر روقان وقال بنتناقش بصى
بيسان اتقى شرى دلوقتى
بداخلها سعادة من طريقته هل يغار عليها، يالسخرية
مشاعرها الصلبة طيلة حياتها قد انصدمت فى
ذلك الجبل لتتفتت وتتبدل تلك الصحراء الجرداء
إلى جنة، هى انثى نقية ذات قيم ومبادئ انجرفت
نحوه فى غضون أيام قليلة ليتها لم تقابله ليتها
لم تعرفه قط، ألجمت مشاعرها تسأله:
-انت ايه اللى جابك دلوقتى؟!
-هشترى بدلة وقولت تيجى معايا
جلست بارهاق على مقعد خلفها:
-أنا تعبانة ومش هقدر كنت معاك أمبارح مقولتش ليه؟!
حدقها بنصف ابتسامة وهو يقول بثقة:
-ربع ساعة وتكونى تحت فى العربية
****
-احنا هنأكل هنا؟!
قالت تارا هذه الكلمات متسائلة فالتو ثغر تامر بتشدق
-اه هنأكل على عربية الكبدة عاجبك أوك مش عاجبك يلا
أروحك
ارتفعت حاجبيها وهى تقول بعتاب:
-هو انت بخيل بتتلكك عشان متأكلنيش أنا كان نفسى
اجربها من زمان يلا اطلب
مجددًا الجمود غلف ملامح وجهه فنهض واستغرق
الأمر بعض الدقائق وكان يضع امامها الصحن الخاص
بها وصحن اخر امامه، دقائق وكانت قد انهت كل ما فى
الصحن فهمست بخجل:
-هو أنا ممكن أكل معاك
رفع تامر حاجبه باستغراب وخالطته الدهشة، ثم قرب
طبقه منها فى صمت واشعل سيجارته، كانت ترمقه
باستنكار كتلة صخر امامها، لا يملك ذرة مشاعر
لكنها هزت راسها نافية وهى تطلع امامها، فمشاعرها
بشكل عام، حب، اعجاب، حزن، احترام، خوف
وهو لديه بعضها فابتسمت وهى ترمقه:
-على فكرة مش هرجع الجاكت دا، الشتا خلص واحنا
فى الربيع، ربنا يكرمك وتجيب الشتا الجاى جاكت
-انتِ مجنونة
ادعت التفكير لتسأله:
-هو دا سؤال ولا انت بتعرفنى عشان اعرف ارد
-خلصتى أكل قومى عشان عندنا شغل الصبح
*****
عدة امتار يفصلونه عن المرأة التى يعشقها بجنون ولا
يستطيع الأقتراب منها، المتمردة، المجنونة بدت
هذه الكلمات ضئيلة جدًا مقارنة بأفعال هاجر الجديدة
سليطة اللسان بل الأنانية، القاسية
غزت انفه رائحة يعرفها جيدًا فاستدار وجد والدته تحمل
بيده صينية البقلاوة هاتفة:
-صينية بقلاوة تستاهل بوقك انت وهاجر عملتها وأنا بدعى ربنا يقرب البعيد
انهت كلماتها وهى تبكى مما جعله يزفر بقوة
-مفيش داعى يا أمى، مفيش داعى
هتفت بقوة لا تعلم من اين أتتها:
-يعنى ايه بقالك اكتر من شهر وانت ومراتك فى بيت واحد
متعرفش حاجة عنها، هتفضل قاعد كدا، البعد دا بيعلم
الجفا قوم اتحرك واطلع ليها شوف حل اومال حياتك
هتقف كدا
هتف بقوة مماثلة:
-عايزة ايه منى؟ عااايزة ايه ارحمينى
اللى فوق دي مش هتحن بصينية بقلاوة، مش هتحن
اصلًا، هاجر بتحاسبنى انا على اخطاء الكل، خلاص
لما بقيت اشوفها كدا بتعذب ياامى ومحدش حاسس
بالنار اللى جوايا، أنا مش قاعد هنا بمزاجى أنا هاريحك
منى لو تاعبك وهامشى عشان أنا اللى تاعبك صح
انطلق مندفعًا فاصطدم بالصينية دون قصد فوقعت على
الأرض، وضعت سوسن يدها على فمها تكتم شهقاتها على
حال ابنها
****
يوم الخطبة
يبدو جذابًا حد اللعنة بينما هى كانت أجمل ما رأت عينيه
يجلسان على الأريكة سويًا فتناول كرم خاتم الخطبة
ليضعه فى يدها فتعالت الزغاريط، وقف بدر فى المنتصف
وصاح بصوت عالى ليلفت انتباه الجميع:
- يا جماعة عايز اقولكم وتشهدوا عليا
أنا بطلب ايد الدكتورة بيسان اجمل بيسان قدامكم
رواية روح بلا مأوى الفصل 10003 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والستون
بعد مرور شهرين
كان كرم يجلس فى محل الصاغة يتابع عمله، وعقله يعمل
فى كل الأتجاهات فهى لم تحدثه منذ قراءة الفاتحة
واليوم موعد اختيار خاتم الخطبة قطع تركيزه صوت
طاهر هامسًا:
-فى أيه ياض مال ايدك بتترعش كدا ليه؟!
الحوار كله أنها هتختار خاتم الخطوبة، لازمتها ايه
الرعشة دي ، أومال لو دخلة الله يكسفك شكلك
مش هتسد وتفضحنا
التو ثغر كرم بتهكم قائلًا:
-مين اللى مش هيسد ياض انت، ولا تحب اثبتلك
قهقه طاهر ثم انحصرت ابتسامته فجاة هامسًا:
-وفر اثبتاتك لحد تانى، عشان متزعلش
-طاهر روح أنا مش ناقصك
اشفق على حالة اخيه، فابتسم وهو يقترب منه متسائلًا:
-أيه يا جدع مالك مش دي اللى بتحبها وهتتجنن عليها
وبكرة الخطوبة مالك؟!
اغمض عيناه، تائهًا، عاجزًا عن فهم تصرفاتها، يخشى
وأد حلمه قبل تحققه، قبل الوصول لعبقها فتح عيناه
هامسًا:
-مش طبيعى يا طاهر رافضة تكلمنى من قراية الفاتحة
أو حتى تنزل من البيت، حتى ميعاد الدهب أمها اللى
حددته، متخيل أنى اروح البيت كل مرة ترفض تقابلنى
أخر مرة مامتها، قالتلى أنا اسفة من طريقتها ولو مش
حابب تكمل حقك
ابتسم طاهر بهدوء:
-طب روق كدا دا حقها وانت عارف ظروفها واكيد الجواز
كفكرة بتخليها قلقانة عشان اللى مرت به، فاصبر معلش
بعد كتب الكتاب الدنيا هتروق عن كدا وهتطمن وتثق
اكتر
ثم تابع مازحًا:
-آه لو أمك شافتك كدا وانت متشحتف هتجيب
البت دي من شعرها
ابتسم كرم ولم يعقب على اخيه ثوانٍ وكانت تدخل هى
ووالدتها، اسرع كرم يتحرك من خلف مكتبه ليرحب بهما
كان ينظر إلى كل أنش بوجهها فهى تسربت إلى قلبه
كالذئبق بكل سهولة ليسقط صريعًا لهواها دون رحمة
أو شفقة منها بادلته هويدا الترحاب ثم جلست فابتسم
طاهر قائلًا:
-تشربوا أيه؟!
-أنا قهوة وانتِ يا كارما
زفرت كارما بقهر، لتتحدث بحزن بعد تنهيدة ألم اخترقت
سكون حزنها
-مش عايزة حاجة
استشعر طاهر توتر الأجواء فحدث هويدا قائلًا:
-أيه رأيك فى المحل؟!
فى دور فوق كمان تحبى تشوفيه؟!
أومأت له بإنكسار وهى ترى الحزن مخيم على ابنتها
نهضت واقفة تتحرك معه للأعلى، بينما جلس كرم فى
المقعد المقابل لها هامسًا:
-وحشتينى
ظلت صامتة فاحترم صمتها يعلم بان حزنها وصمتها
خلفه كارثة وأن تحدثت ستحرق قلبه، فسألها بتوتر:
-تحبى تتفرجى على أيه الأول؟!
أجابته بتخاذل هامسة:
-مش عايزة، أنا مش هقدر أكمل فى الموضوع دا
أنا مش عايزة، لو سمحت قدر ظروفى واوعى تفتكر
أنى كنت بلعب بيك أنا لما قعدت مع نفسى وفكرت
لقيته صعب، أنا مش هنسى كل حاجة عملتها معايا
كل وقفاتك معايا
مدت يدها تلامس السلسال بعنقها وهى تغمض عيناها
بألم وعقلها يستحضر صور اراد دومًا نسيانها، زفرت بوجع
هامسة:
-جميلك هيفضل فى رقبتى، ومش هنساه مهما حصل
أنت تستاهل تبدأ حياة جديدة مع حد طبيعى مش أنا
على فكرة انا مقررة كدا من قبل ما اجى هنا وبلغت
ماما كمان وفاضل ضياء
نظرات الحسرة بعينيه وهو يتمتم بتهكم:
-كملى؟!
يعنى انتِ مفيش أى مشاعر ناحيتى؟!
-لأ مفيش
-كدابة يا كارما
ارتفعت نبرة كرم وهو يقول مستأنفًا:
-عينيكِ اللى أول ما بتشوفنى بتقول كلام لسانك بيقول
عكسه وعشان كدا بتبعديها، الدموع اللى فى عينيك يا كارما دلوقتى
فرت دمعة هاربة لتشاطرها حزنها، ماضٍ اسود يلاحقها
بعد أن كانت حياتها وردية، حسرة على حب اعتبرته
اعظم انتصارتها لكنه كان جحيم، مسحت دمعتها
-بغض النظر ينفع ولا مينفعش ياكارما، كفاية اللى
عدا وانتِ خايفة ومش بتاخدى خطوة كفاية
تدفنى رأسك زى النعام، عشان مستقبلك وحياتك
-أنا هاحاول صدقنى ومش حابة اظلمك، اتجوز وشوف حياتك
ابتسم كرم وحدثها بألم:
-محبتش غيرك ومش عايز اتجوز لو مش عايزانى
بس فى طلب وياريت توافقى، عايز فرصة لخطوبتنا
شهرين مش أكتر، لو مقتنعتيش يا كارما أنا رجل
دمى حر واستحالة افرض نفسى على واحدة مش
عايزانى
-أنا مش حابة اظلمك
قالت كلماتها الاخيرة بنبرة طفلة تائهة ، دقائق وكان يهبط
طاهر ووالدتها من الأعلى فنظر إلى كرم ثم إلى كارما متسائلًا
-شكلها كارما اختارت خلاص يا ست الكل
هزت رأسها بنفى سريعًا:
-لأ لأ مخترتش
حك كرم ذقنه وهو يقول بمكر:
-نفى النفى اثبات
غمز لها طاهر وهو يجذبه لاحضانه قائلًا:
-مبروك يا كوكو عقبال البكارى
توسعت عين هويدا من طريقتهما يعرفان جيدًا كيف
يضعا الأمور فى صالحهما، مهما كانت الظروف
******
فى المساء
الصمت يكبلها مهما حاولت التوضيح لا تسعفها
الحروف تشعر بالعجز، تلك الرجفة المصاحبة لنبضات
القلب الهادرة، تؤكد أنها مصابة بمرض الخوف الذى
يدمر الأمل ويؤيد الراحة، لذلك هى تجد راحتها في العزلة عن الأخرين خوفًا من أن تجرحهم، هزت رأسها بيأس
وهى تحسم امرها تتوجه نحو غرفة اختها::
-تارا انتِ صاحية؟!
رفعت تارا حاجبها وهى تجيبها:
-انت شايفة أيه؟!
حكت مؤخرة رأسها حركتها المعتادة وهى تقول بحرج:
-صحيح، بقولك أيه؟! هتيجى الخطوبة بكرة
كارما قالتلى حاولت تكلمك كتير ومرديتيش
ابتلعت غصة فى حلقها لتقول بكبرياء:
-لأ مش هاروح
-ليه لأ كارما عرفت غلطها وحابة علاقتكم ترجع تانى
وانت بتحبوا بعض، ولا عشانى أنا سوء التفاهم دا
صدقنى انتِ اختى الصغيرة وأنا ماكنتش اقصد
اللى وصلك
-أقولك ليه؟!
عشان هى كارما اكتر واغلى صاحبة ليا لو حد تانى كنت بقيت عادى ولا همنى
بس هى وجعتنى اوى وأنا مش هاسامح وقلبى اتوجع
كدا
اقتربت منها اكثر لتقول بطريقة مستفزة:
-على فكرة، لو كنت انتِ اللى عملتى نفس اللى عملتهُ
كارما مكانتش هتأثر لأنك مالكيش وجود فى حياتى
اتفضلى عن إذنك
خرجت تارا من الغرفة بانتصار واهى وحزن يمزقها من الداخل
تلعن نفسها من تمادى الأمور وتعقدها هكذا
أما بيسان ظلت مكانها والكلمات كانت كالرصاصة سكنت بداخلها
لا تعلم ماذا يمكنها أن تفعل لكنها كانت تتألم فعلا
******
فى اليوم التالى بعد الظهيرة فى الشركة
اما اصعب التألم حين يكون الجرح من المقربين
ما اسوأ من أن تعيش داخل دوامة انت سببها الرئيسى
كانت تجلس فى المكتب وحيدة ودموعها تنهمر فى صمت
كيف تلوم اختها وهى ذنبها اقبح من عذرها لكنها هى اختها الكبرى وتقع عليها مسئولية، هزت رأسها بألم
فى بعض الاحيان يصعب عليك فهم مشاعر من هم حولك
كان تامر يقف فى زاوية يراقب دموعها هى من كانت بالأمس تملأ الدنيا نشاط وحيوية الآن تبكى فى زاوية وحيدة كطفلة ضائعة، هى مزيج غريب؛ كل شئ ونقيضه،
تحمحم قبل الوصول إليها، فمسحت دموعها وهى تنظر
نحوه فحدقها قائلًا:
-يلا اتأخرنا
رمقته باستفهام:
-اتأخرنا على أيه؟!
-الفرح يلا بسرعة
تنهدت للمرة التى لا تعلم عددها قائلة:
-أنا مش هاروح وقولت كدا من أمبارح والشغل كله خلص
خلاص وهناك انت وطاهر وبيلا واظن انت مش محتاجنى
نظر لها بغضب قبل أن يقول:
-دا شغل ومش بمزاجك، يلا عشان لازم نكون موجودين
هناك بدرى
اضطربت قليلا من ملامحه الغاضبة ولكنها اجابته بحدة
-لأ مش هاروح الفرح دا اعتبرنى اجازة
نظر لها بغضب مماثل وهو يقول بعصبية:
-اعتبرك اجازة وانتِ قدامى ازاى؟!
انتِ لازم تكونى قد المسئولية وبلاش الاستهتار بتاعك
اندهشت من كلماته الحادة ورفعت بصرها قائلة:
-بتعمل معايا كدا ليه أنت عارف أنا مش عايزة اروح
ليه؟ انت عارف ليه بتتعمد تجرحنى
عم الصمت أرجاء المكان وهو ينظر فى عيناها المتألمة
سكون تام ألا من صوت انفاسهما، فابتلع قائلًا:
-أنا مش قاصد اجرحك دا شغل زى أى شغل ولازم
تتعودى تشتغلى تحت أى ضغط انت ماليكش دعوة بحد
صمت قليلًا وهو يقول بنبرة صوت هادئ:
-انتِ شغلك جامد ودي حاجة محدش يقدر ينكرها
ووجودك هيفرق، خايفة ليه؟
وبعدين أنا معاكِ ودا شغلنا وهنخلصه
نظرت فى عمق عينيه السوداء كأنها طفلة صغيرة تتلقى المدح من مثلها الأعلى فى الحياة
ثم اجابته وهى تمسح بقايا الدموع العالقة بأهدابها
قائلة بصوت مهزوز وحاجبيها تعكفهما بتألم:
-طالما انت معايا مش خايفة
تلاشت ابتسامته وحل محلها تجهم واضح، وعينيه تحكى أنها بالمنطقة الخطأ، ضغط على فمه ليتها تعلم ان ما به ليس بأحد هو به داء لا يشفى
استدار فجأة دون أن يضيف كلمة واحدة أخرى، سمعته
وهو يقول من وراء ظهره:
-خمس دقايق وتكونى تحت
****
رائحة البخور تعبق بكل ثنايا المنزل، نجاة اشعلت البخور
منذ الصباح، ولجت للغرفة فوجدت كلا من طاهر وكرم
بحلتهما السوداء ترقرقت الدموع بعينيها وهى تمتم
بأيات قرأنية:
-ربنا يحفظكم ويبعد عنكم العين ويتملك على خير
ياحبيبى وعقبالك يارب ياطاهر
-أن شاء لله يا نوجا
تمتم بهذه الكلمات طاهر فغمز له كرم وهو يوجه حديثه
لوالدته:
-دا احنا شكلنا هنفرح بتيتو قريب يا نوجا
-أنا بقول أن شاء الله مالك
قهقه كرم وهو يقول:
-انت بتتكسف يا واد والله يانوجا دا شكله هيتجوز قبلى
-حبيبى النق بتاعك دا اللى موقف حالى خد بالك
رفعت نجاة يدها للأعلى وهى تدعى بتضرع :
-يارب افرح بيكم فى يوم واحد واطمن عليكم قبل
مااموت
ارتمى كرم بين ذراعيها وهو يهز رأسه بنفى:
-بعد الشر احنا من غيرك ولا حاجة ربنا يبارك فيكِ
انتِ وسحس
اجابها طاهر بصوت متحشرج:
-ليه يا امى الكلام دا احنا من غيرك ولا حاجة
وبعدين مش طالبة تنكدى على كرم هو واخد المادة
الخام للنكد اصلا
قهقه كرم وهو يبتعد عن والدته لاكزًا طاهر فى كتفه
****
نظر إلى ساعة معصمه هو يستند على السيارة ينتظرها
سحب نفسًا عميقًا وهو يتخيل زفافهما سيقيم لها
زفافًا اسطوريًا، ارتفعت حرارته من خيالاته الكثيرة
التى يرسمها لهذا اليوم، سيغويها لتسقط صريعة هواه
وترفع راية الاستسلام، سمع صوت حذاء انثوى رقيق
بجواره، اتسعت ابتسامته وهو يدير عيناه عليها
جمدت ملامحه وومضت عيناه بوميض حارق
وهو يطالع ملامحها بافتنان:
-ايه الجمال دا قلبى حرام عليكِ مفيش إحساس
عضت على شفتاها بإستيحاء واخفضت رأسها هامسة بخفوت:
-كنان كدا بتكسفنى ولو سمحت يلا عشان هنتأخر
-والله ما حد مكسوف غيرى، كارما هتتخطب وانا لسه
وضياء خلف وأنا لسه فى مرحلة الخطوبة عارفة
لو ضياء خلف بيبى تانى قبلى هولع فيكِ
ابتسمت بغنج عفوى هامسة برقة:
-مش ههون عليك أنا عارفة
زمجر بصوت أجش هامسًا:
-لأ اثبتى مش ناقص الدلع دا براحة عليا احسن والله مش
مسئول عن اللى هيحصل
ضحكت بخبث انثوى ألهب مشاعره ثم همست بجوار اذنه
وهى تتجاوزه لتستقل السيارة:
-لأ ميصحش بردو ضياء يسبقنا ويجيب بيبى تانى قبلنا
التفت ينظر فى ظهرها غير مدرك قصد جملتها، فرائحتها
شوشت على تفكيره وهو يسحبها داخل أوردته، استدار
مسرعًا وصدره يعلو ويهبط من فرط التوتر، انطلق بسيارته
وهو يطالعها بأعين تشتعل بالحماس، غافلين عن اعين
حاقدة ناقمة، قلوب سوداء، نفوس خبيثة تحيل حياة
الاخرين لسواد، لكن يبقى القدر طوق النجاة الوحيد
وهل سيقف معهما هذه المرة
****
يقف أمام المرآة ينظر لنفسه وهو يرتدى حُلته، فتحت الباب
كانت ترتدى فستانًا من اللون الأخضر،وشعرها الذهبى
ينسدل على ظهرها بانسيابية ابتسم بسخرية، فهى
اصرت على أن ترتدى فستانها فى غرفة كارما
حدثها بتهكم:
-انتِ بردو لبستى هناك؟
تسمرت مكانها ولم تنطق فاستدار ليقترب منها فكان
قادرًا على رؤية ارتجاف جسدها، الفستان الذى احضره
يحتضن جسدها وهو بعيدًا عنها، انفلتت ضحكة حزينة
من بين شفتاه أيغار عليها من فستانها، اقترب اكثر
ليواجهها وقلبه يلتهمها بشوق، بينما هى كانت تطالعه
بنظرات مشتاقة، اهذا هو الشوق الذى يراه فى عينيها
هل ارهقها الفراق مثله، هل اشتاقت بالمثل، رفع يده
ليمرر أنامله على وجنتها برقة، ابتسم وهو يتذكر يوم
زفافهما فهمس بلوعة واشتياق:
-مش كفاية بعد يا بيلا
-اخفضت رأسها وهى تقول بمرارة:
-بحاول ومش قادرة يا ضياء كل يوم أقول خلاص
هبتدى من جديد مش قادرة وانت مش مصدقنى أني
بحاول اوى، وأن وجودى معاك هنا اكبر عذاب ليا
اختنق بغصته وهو يسمعها تتحدث بكل هذا الألم والمرارة
فحدثها وهو ينصرف:
- هستناكِ تحت
راقبه قلبها الملكوم ودموعها تنهمر وهى ترى شحوب
وجهه، تحول من ضياء المرح المشاكس إلى ضياء
الحزين، كل هذا بسببها هى، ارادت ان تندفع خلفه لتحضنه
لتمسح وجعه وألمه، هو لا يستحق أن يكون وحيدًا
لكن شئ فى اعماقها كبلها ومنعها
****
الجميع فى الأسفل
فى انتظار العروس فتوسعت عين طاهر بصدمة وسرعان
ما تحولت للغضب هو يتفحص بيسان من اعلاها لأخمص
قدميها المزينتين بحذاء أنيق احمر اللون ذو كعب عالى
يعلوه فستان باللون الأسود وشعرها بثنياته يتطاير خلفها
وتزيحه عن وجهها، أول مرة يراها هكذا بكل هذا الجمال اقترب منها مسرعًايسألها بحدة:
-أيه اللى انتِ لابساه دا ؟!
بللت شفتيها بتوتر وهى تنظر حولها باحراج متسألة:
-أيه مش لايق عليا وحش
-مش وحش دا زفت انتِ ازاى تلبسى كدا
فين لبسك العادى ازاى تنزلى كدا
احتقن وجهها وشعرت بغصة فى حلقها هامسة
-زفت!!
شكرًا بس عاجبنى
وقبل أن يبرر موقفه تعالى التصفيق من حولهما هبطت
كارما تتأبط ذراع اخيها الذى وقف بها أمام كرم
فاحتضنه كرم ثم مد يده لها وجلسا سويًا
قبل أن يلتفت طاهر لبيسان ليحدثها كانت تنصرف بعيدًا عنه فزفر بعصبية
**
عدة امتار يفصلونه عن المرأة التى يعشقها بجنون ولا
يستطيع الأقتراب منها، المتمردة، المجنونة بدت
هذه الكلمات ضئيلة جدًا مقارنة بأفعال هاجر الجديدة
سليطة اللسان بل الأنانية، القاسية
غزت انفه رائحة يعرفها جيدًا فاستدار وجد والدته تحمل
بيدها صينية البقلاوة هاتفة:
-صينية بقلاوة تستاهل بوقك انت وهاجر عملتها وأنا بدعى ربنا يقرب البعيد
انهت كلماتها وهى تبكى مما جعله يزفر بقوة
-مافيش داعى يا أمى، مفيش داعى
هتفت بقوة لا تعلم من اين أتتها:
-يعنى ايه بقالك اكتر من شهر وانت ومراتك فى بيت واحد
متعرفش حاجة عنها، هتفضل قاعد كدا، البعد دا بيعلم
الجفا قوم اتحرك واطلع ليها شوف حل اومال حياتك
هتقف كدا
هتف بقوة مماثلة:
-عايزة ايه منى؟ عااايزة ايه ارحمينى
اللى فوق دي مش هتحن بصينية بقلاوة، مش هتحن
اصلًا، هاجر بتحاسبنى انا على اخطاء الكل، خلاص
لما بقيت اشوفها كدا بتعذب ياامى ومحدش حاسس
بالنار اللى جوايا، أنا مش قاعد هنا بمزاجى أنا هاريحك
منى لو تاعبك وهامشى عشان أنا اللى تاعبك صح
انطلق مندفعًا فاصطدم بالصينية دون قصد فوقعت على
الأرض، وضعت سوسن يدها على فمها تكتم شهقاتها على
حال ابنها
****
يبدو جذابًا حد اللعنة بينما هى كانت أجمل ما رأت عينيه
يجلسان على الأريكة سويًا فتناول كرم خاتم الخطبة
ليضعه فى يدها فتعالت الزغاريط، وقف بدر فى المنتصف
وصاح بصوت عالى ليلفت انتباه الجميع:
- يا جماعة عايز اقولكم وتشهدوا عليا
أنا بطلب ايد الدكتورة بيسان قدامكم اجمل بيسان
سهم مسنن انغرس بقلبه فعليًا، مُكذبًا نفسه وعينيه
للمرة الثانية التي يجرب بها هذا الشعور القاتل
كانت نظراته جمرات من النار، أما كرم كانت عيناه لا تحيدان عن اخيه، يشاركه الألم والوجع يقسم انه يرى
دموعه دون أن تسقط، أما بيسان كانت تشعر انها على
شفا حفرة من الانهيار والجميع ينظر إليها:
-بدر
قاطعها أن مش مستعجل على الرد
الصمت يخيم على الجميع بينما ضياء كان يطالعه بأسف
تعاطف معه
***
بعد أن جاب الشوارع بسيارته عزم أمره وعاد إلى شقته
ولج للداخل ثم ذهب إلى المرحاض توضأ، ثم خرج ووقف أمام غرفتها بألم فهى كانت دائمًا تصلى معه
قيام الليل، كانت تضع السجادة ليصلى بها حتى
انها كانت دائمًا تقول له "إمامى"، مضى نحو الاستقبال
ومد سجادة الصلاة، وبدأ فى صلاته ووجهه ينُم
عن ما يشعر به من ألم
انتهى من صلاته، ثم استند على الأريكة خلفه يقرأ
القرأن، رفع رأسه لصوت فتح الباب، فأغلق القرآن
واستقام من مكانه يلحق بها وقف خلفها
-هاجر
استدارت بفزع وتركت كوب الماء فوق رخامة
المطبخ، وشعرت فجأة بأن اكسجين الكون قد نفذ عندما
نظرت فى عينيه لكنها سألته ببرود عكس ما بداخلها::
-انت ايه اللى طلعك هنا؟
اجابها بصوت مختنق من العاطفة:
-مراتى وحشتنى، بيتى وحشنى، كل حاجة هنا وحشتنى
كفاية يا هاجر، كفاية بُعد، عايزك جنبى تنامى على صدرى
افضفض معاكِ زى كل ليلة
حاولت أن تتجاوزه للخارج وشعرها الأسود يتحرك حولها
كالخيل بدون خيال هاتفة بحدة:
-وسع من طريقى يا هاجد بلاش كلامك اللى ضحكت عليا بيه أول مرة تفضل تعيد وتزيد فيه
ضاع مجددًا فى عالمها عندما اقتربت منه، فتنفس عبيرها
الذى سبق وتغلغل برئتيه، وترجل بين عروقة كالدم، فهمس
بتألم:
-يا هاجر واخرة اللى احنا فيه دا ايه احنا بقالنا شهور
متعبتيش من كل اللى احنا فيه
-السؤال دا تسألهُ لنفسك شهور ما تعبتش من الكدب عليا
شهور وانا فى حضنك بتخدعنى وبتكدب عليا، الحل
أنك تسيبنى امشى من هنا انت مش حابسنى هنا على فكرة
كان ينظر لها وهى تتنفس بغضب وعيناها العسلية تتسع
وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة، ثم قال لها بحدة:
-طلاق مش هطلقك يا هاجر لأن انتِ دنيتى وكل حاجة ليا غير أنى أنا قولتلك روحى مع كيان يومين يغيروا نفسيتك روحى بس وانتِ مراتى على ذمتى، عشان نعرف نتكلم عايزة ايه تانى اعملهُ
ألم اطبق على صدرها بثقل متين حتى انها لم تستطع أن تتنفس حاولت كبح دموعها، فهذا ليس من العدل هى
احبته، لماذا كان يطعنها كل ليلة وهى بين ذراعيه بسكين
الغدر، لم يترأف بها بعدما عاشت وحيدة فى عالم عرفت
به كل معانى القسوة، والآن هى بقايا إمرأة بعدما جعلها
تشك بأنوثتها، اجابته وصوتها يهتز من الغضب:
-وأنا قولت مش عايزة اروح عند كيان
مش دا المكان اللى هيريح نفسيتى
اظلمت عينيه بالكامل قبل أن يقول لها بصوت خشن
يخلو من اللين:
-عايزة تروحى فين يا هاجر عشان يريح نفسيتك
ارتفع حاجبها للأعلى وهى تقول بوضوح اكثر:
-عايزة اروح عند مرات خالى
ضرب الحائط بجواره وبدا متوحشًا عنيفًا وهو يقول:
-عايزة ايه يا هاجر؟
قولت بيت خالك دا لأ يعنى لأ
ختم كلامه بحدة وعصبية مفرطة، مما جعلها تجيبه
بتحدٍ:
-هو انت فاكر يعنى لما تحبسنى هنا دا الحل
انت أخرك تتحكم فى وجودى،
لكن قلبى وعقلى انى افكر فيه متقدرش
زمجر بغضب كحيوان جريح ثم ثبت عنقها من الخلف بيده، ثم اطبق على شفتيها يقبلهما
بل يمزقهما، كان تعذيب جديد لم تختبره من قبل، ندمت
اشد الندم انها اهانت رجولته بكلماتها لم تكن تقصدها
كانت تدفعه لكنه كان كالحجارة فوق صدرها، وهى تتلوى
بين يديه، ابتعد عنها ليسحبها خلفه لغرفة نومهما رماها
على الفراش وحل ازرار قميصه ونيران جهنم كلها تستعر بداخله الآن، كلماتها نسفت صبره كليًا، لم يتحمل النيران
التى ألتهمته و الخيالات التى رسمتها كلماتها السامة
هى له وحده زوجته وليس لرجل اخر كل ما يسيطر
عليه جسدها بين يديه، أما هى انكمشت على نفسها
وهى تغطى وجهها تنحب بألم هامسة:
-لأ بلاش عشان خاطرى
صرخ وهو يجذبها من يدها لتقف امامه:
-الست المحترمة متجبش سيرة رجل تانى قدام جوزها
أما أنا عمرى ما قربت منك غير وانا طالب الوصال وعمرى
ما قربت غير وأنا شايف االرضا فى عينيك يا هاجر
لكن دلوقتى أنا اللى مش عايز
دفعها بعيدًا عنه وهو يلتقط قميصه وينصرف للخارج
****
-ممكن صورة
قال هذه الكلمات ضياء وهو يحمل أصيل فاستدرات بيلا
تنظر له فتابع بألم:
-هى صورة يا بيلا واوعدك بعد الخطوبة هرجعك بيتكم
وانفذلك اللى انتِ عايزاه وكمان هاسافر يا بيلا بس خلينا
نأخد صورة للذكرى أنا وانتِ وأصيل
انقبض قلبها من كلماته فنظرت فى عمق عينيه وهى تهز
رأسها بالايجاب
****
بالخارج
بعد عدة ساعات انتهى حفل الخطبة بمشاعر متناقضة على
الجميع فرح، حزن، وجع، خذلان
وقفوا بالخارج قبل أن ينصرفوا، فجذب كنان
كيان لينصرفوا فاستدارت هى لتستقل السيارة بجانبه
لكن فى لمح البصر كانت تصرخ، وانصعق الجميع
كان اخيها يضع سكينًا على راقبتها ويبدو أنه بحالة
غير طبيعية تحت تأثير المخدر
انتفض قلب كنان مرتعبًا وهو يتقدم منه فصرخ اخيها
-ارجع مكانك والله ادبحها قدامك
رفع كنان يده دليل علامة الاستفهام قائلًا:
-تمام تمام سيبها ونتفاهم واللى انت عايزه انا هاعملوا
بس سيبها
ضحك بهستريا وهو يقول:
-مافيش تفاهم خلاص معنديش أنا هاخلص عليها
همس بدر لكنان قائلًا:
-دا شارب مش طبيعى متحاولش تستفزه او تقرب نهائي
ابتلع كنان خوفه وهو يقول:
اللى انت عايزه هاعملوا بس سيبها الفلوس اللى تطلبها
هتاخدها
لكز كيان بحقد من الخلف وهو يقول:
-كان من الأول انا بقالى كتير بطلب منها وهى عاملة
فاندام أنا خلاص مبقتش عايز الفلوس أنا عايز رقبتها
اغمض طاهر عيناه ثم اعاد فتحهما ليقول له:
-ليك كل اللى تطلبه أنت واهلك كل حاجة لو عايز تسافر
من بكرة اطلعلكم جوازات بس سيب كيان
ضيق عيناه على الصوت فقهقه عاليًا :
-هو انت بقى حامى الحمى اللى خطفتنى صح
أنا هاحرق قلبكم عليها زى اختها
صرخ ساهر وهو يقول :
-اقسم بالله لو اذتها هيكون اخر يوم فى عمرك
-أنا قولتلها هاتى فلوس وخافى على الناس اللى بيحبوكِ
ورفضت
رمقها كنان بخيبة أمل وعدم تصديق لا زالت تعتبره غريب
عنها لم تخبره بأمر شديد الخطورة مثل هذا، تألمت
من نظراته فصرخت فى اخيها:
-انت مستنى ايه موتنى وخلصنى موتنى موتنى وريحنى
أنا تعبت من الحياة ومن الناس خلصنى بقى
صرخ بها كنان:
-أخرسى بقى اخرسى
ضحك اخيها ضحكات هيسترية اخرى وكأنه بعالم اخر
عالم الهلاوس والمخدرات، اغمض عيناه وهو يقول بتقطع بسبب المخدر:
-حاضر حاضر هريحك هبعتك للاخرة على طول
توسله كنان وهو يتقدم نحوه بحذر لكنه هز رأسه وبدء بغرس السكين
فى لمح البصر كان ضياء ينقض عليه من الخلف، دافعًا كيان بعيدًا عنه، لكن فجأة انفجرت الدماء فى المكان
هرول الجميع وكان كنان أول من جثى على ركبتيه
يصرخ:
-ضياء ضيياء رد عليا، عملت كدا ليه
اجابه بتحشرج:
-عشان ميهنش عليا وجعك يا صاحبى ميهنش ياكنان
وأنا عارف انت بتحبها ازاى والفراق صعب اوى يا كنان
احتضنه كنان وهو يضغط على بطنه موضع ضرب السكين:
-ومش عارف بحبك انت قد أيه؟!
قول أنك قاصد تعمل كدا عشان تنتقم منى قول
قصدك تحرق روحى صح؟
والله يا ضياء ماكنتش اعرف ماكنتش اعرف حاجة انا زى زيك
والله متعملش فيا كدا
-أصيل امانة فى رقبتك اوعى تسيبه ابدًا
خرجت هويدا وبيلا من الداخل على صوت الصراخ واسم ضياء يتردد بينهم، تسمرت هويدا مكانها بينما ركضت بيلا وجثت على ركبتيها وهى تلامس وجه
ضياء تسأله:
-ضياء نايم كدا ليه ؟
قوم يلا ولا انت بتعمل كدا عشان مش عايزنى امشى مش همشى خلاص،
قوم عشان خاطرى مش انت بتحب تخضنى صح قوم يلا
وجهت حديثها لكنان:
-دي خطة منكم ضياء مش هيسيبنى صح
بكى كنان والأرض تحتهما اصبحت بحيرة دماء فرفع
ضياء بصره نحو بيلا ثم مد يده يمسك يدها هامسًا
-المهم أنك تسامحينى، وتعرفى بحبك قد أيه؟!
متعرفيش اصيل اللى حصل بينا عشان ميزعلش
منى لما يكبر
انهى كلامه ثم اعاد بصره لكنان قائلًا:
-شوفت اعترفت بحبها قبلك وأنا كسبت الرهان أنا على طول سابقك
حتى المرة دي هسبقك
انسحبت انفاسه، وجفت الدماء بشراينه، استحال جسده الي البرد، حاول النطق لكن لم يخرج صوت من حنجرته
كل شئ حوله يضمحل ويتماوج امام عينيه، فلت يد
بيلا واسبل اهدابه، صرخ كنان
-ضياء
****
هبط من الأعلى وداخله نيران الجحيم وما أن فتح الباب
ووجد والدته ممددة على الارض اسرع يحملها وهو يصرخ
-امى امى ردى عليا أنا هاجد حبيبك
حاول يتفحص نبضها وهو يصرخ بأعلى صوت:
-لأ لأ مقدرش على العقاب دا ماكنش قصدى أعلى صوتى
هبطت مسرعة على صوت الصراخ لكنها تسمرت وهى تهمس:
-لأ لأ
****
رواية روح بلا مأوى الفصل 10004 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والستون
قبل ساعتين
وقد اوشك الحفل على الانتهاء، كان يقف امامها موليها ظهره يتهرب بنظراته منها، معجبة به جدًا هناك شئ اشعله بها "تامر" شعور لم تختبره من قبل، ربما سمعت عنه لكنها لم تختبره، حالة من الهيام تتملكها وهى بقربه، نهضت من مكانها ثم تجاوزته
وهى تشعر بنظراته التى تخترقها، ثوانٍ واقترب منها
شاب كان يراقبها طول الحفل قائلًا:
-على فكرة شغلك روعة وذوقك عالى كنت حابب نتعرف
نظرت بطرف عينيها نحوه ثم أسبلت اهدابها لذلك الشاب
-مش فاهمة انت قصدك اعملك شغل
-لا نتعرف وممكن الشغل يِّجى بعدين
رمقت ذلك الشاب من اعلاه لأدناه ثم تجاوزته فلحقها مسرعًا:
-طب استنى نتفاهم مالك قفشتى ليه؟!
اقترب "تامر" وازاحها قليلًا وهو يلجم غضبه بإعجوبة قائلًا:
-هو فى أيه؟! ماله الأخ
هزت كتفاها ببلاهة قائلة:
-مافيش كان بيسأل عن الشغل بتاعنا
رفع الشاب حاجبه بتحدٍ وهو يسأله بِحدة:
-وأنت مالك؟!
جز تامر على اسنانه وهو يقترب منه بغضب هامسًا من بين اسنانه:
-أنا مالى هى تبعى وتخصنى كلمة كمان وهخليك فقرة
فى الحفلة فابعد احسنلك
تراجع الشاب خطوة للوراء قائلًا:
-اسفين يا ابو الرجولة ماكنتش اعرف انها تبعك وانا شاب
زيك وميرضنيش
اهدافها لا تخطئ مرماها وقد احرزت واحد للتو، استفزته
ليتحرر الوحش الكامن بداخله، راقبت انصرف الشاب
ثم نظرت إليه قائلة:
-تقيل اوى
-هو إنتِ مش قاعدة فى مكانك ليه؟
تنفست بعمق قائلة:
-زهقت وانت جبتنى غصب عنى هنا
-روحى المكتب يلا هخلص وهالحقك
هزت كتفاها ببراءة هامسة:
-حاضر
*****
فى الوقت الحالى
فى المشفى أمام إحدى الغرف المدون عليها " غرفة العمليات" تقف والدة ضياء تستند برأسها على إحدى
الحوائط وعيناها تسكب سيولاً من الدمع مغرقة وجهها
ولسانها لا يكف عن الدعاء وطلب الإغاثة من الله وإلى
جوارها تقف "كارما" فى حالة صدمة وجوارها
"كرم" عساه يخفف عنها أو يمدها بالدعم
مر الطبيب بجانبهم لتندفع إليه "بيلا" قائلة:
-ضياء كويس صح؟!
تابعت قولها الأخير بنظرة رجاء عله يرأف بحالها ويطمئنها
عليه هامسة:
-قول لى أنه مفيش حاجة وهيروح معايا اصل سيبنا ابننا لوحده
اشفق الطبيب عليها وهز رأسه فى صمت ثم رفع بصره
إلى كنان الذى كان يقف فى زاوية:
-كنان أنت متعقمتش ليه لحد دلوقتى هنحتاجك فى
فى العمليات جوه
نظر إلى كلتا يده الغارقة بالدماء ولم يعطيه ردًا، كانت نظراته مبهمة، لا يستطع أحد تحديدها أو فهمها كأنه بعالم أخر غير هذا العالم وبالأخير همس:
-مش هاقدر، مش هاقدر
تدخل بدر سريعًا:
-كنان صعب اعصابه بايظة معاك أنا والدكتورة بيسان
بالمثل هدرت بيسان قائلة:
-لأ أنا صعب مش هاقدر
مد بدر يده مربتًا على كتفها هامسًا بشفقة وهو ينظر
إلى والدة ضياء قائلة:
-والدته حالتها صعبة وانتِ فى إيديكِ مساعدة معقولة تتأخرى أنا عارف ومقدر كل حالة
-بس
تنهد قائلًا بحزم:
-من غير بس، يلا يا دكتورة على العمليات
أما كيان كان الخزى جليًا على ملامحها المأسورة داخل براكين الحزن وطيات القهر، تقف بعيدًا منكسة رأسها والدموع تغرق عينيها حاولت أن تخطو نحو كنان لكنها لم تستطع مدركة أنها خسرت كل شئ وستظل مكروهة للأبد
*****
كل شئ ضبابى أمام عيناها فهى تبكى منذ مدة، لم يكن
غضبها أو حزنها أو تحطمها إلى هذا الحد سببه "هاجد"
لم يكن ذلك السبب الوحيد على الأقل، فموقف هاجد
اقل بكثير مما عانته بحياتها، وأقل من صدمتها بوالدتها
لكنها ملت الألم، لم تعد تحتمل جرح أخر، لم تعد قادرة
على ما تجرعته من مرارة فقد وعلقم القسوة، فقد كان
أمتلأ قلبها على اخره، خرج الطبيب من الغرفة قائلًا:
-متقلقوش الخطر راح كانت غيبوبة سكر وهى دلوقتى بخير
تنفست الصعداء اخيراً، بينما هو زفر بقوة وهو يستند برأسه على باب الغرفة، ثم رفع رأسه ثبت بصره عليها
ينظر لها نظرات واضحة بشكل مؤلم، وقد تجلى
الألم فى عينيه، لكنه لم ينبث بكلمة واحدة، صمته كان يضعها بين شقى الرحى
نظر لها باستخفاف وهى تمسح دموعها بظهر يدها ثم تركها خلفه ودلف ليطمئن على والدته، شعرت بهذه اللحظة انها وحيدة في هذا العالم
ولجت خلفه وجدته يمسك يد والدته ويقبلها وهو يشهق
كطفل صغير ، كانت تلتقط انفاسها بجهد بالغ فهمس هو بتقطع قائلًا :
-كدا أهون عليكِ تخضينى كدا، صحيح صوتى كان عالى بس دية كانت اول مرة تروحى تعملى فيا كدا، فتحى عينيك بقى
قاطع حديثه دخول الممرضة لتقيس لها الضغط فنهض
هو يقف على الجانب الأخر ودموعه تنهمر على وجنته، لن ينسى هذا الموقف طيلة حياته كل الخوف والقلق الذى تناوب على قلبه.
كانت تراقبه فى صمت تتمزق وهى بعيدة عنه فى هذا الوقت، تريد أن تمده بالدعم والقوة لكنه يسيطر عليها الضعف، لتقف كمشاهدة لترى فاجعة انهياره
فجأة انفتح الباب ليدق قلبها بسرعة جنونية حتى كاد
يدفع بقفصها الصدرى، دموعها تنهمر انهارًا تنحفر
على وجنتيها تاركة أثر لم يكن من الممكن محوه
******
بعد مرور أكثر من ساعتين خرجت بيسان من غرفة العمليات وهى ترتجف وجهها عابس وأعينها دامعة فساد الصمت بينهم طويلًا وهى توزع النظرات بينهم حتى قطع
كنان الصمت وسألها بتعلثم عن حالة ضياء، اطبقت شفتيها
بقهر وهمست بأسى:
-الوضع مش مستقر، الجرح غائر والكبد اتضرر جامد
جذب كنان خصلات شعره وهو يدور حوله نفسه كنمر حبيس ثم توقف
يصرخ فى بيسان:
-يعنى أيه؟!
يعنى أيه تلات دكاترة ومش عارفين يتصرفوا جوه
رفعت بيسان يدها التى ترتجف وفركت جبينها هامسة:
-لو سمحت يا كنان اهدى احنا عملنا اللى علينا وزيادة
صدقنى محدش قصر، بس الحل فى زرع كبد بدل الجزء
المتضرر
كانت والدته تحاول التنفس لكنها شعرت بإن شئ
قد اطبق على القصبة الهوائية لمجرى التنفس لكنها
أشارت لنفسها وهى تقول بفاجعة أم ستفقد فلذة كبدها
-أنا يا كنان أنا خد منى روحى حتى بس أبنى يعيش
بس ضياء يقوم على رجليه، يقوم لأبنه اللى مفرحش
بيه يا كنان، أنا ماليش لازمة من غيره دا ضياء يا كنان
جذبها كنان لصدره وهو يصرخ بوجع قائلًا:
-دا ضياء دا ضياء أنا عارف أنا اللى ماليش لازمة من غيره
إن شاء الله هيقوم ويبقى بخير
-أنا عايزة ادخل لجوزى
أتي صوت بيلا مبحوح متحشرج من اثر البكاء فاجابتها بيسان:
-صعب حاليًا
لم تستطع فى هذه الثانية الحفاظ على رباطة جأشها
فجثت على ركبتيها قائلة:
-لازم ادخله ضياء كان زعلان منى، كان غصب عنى بس
كان عندى أمل أنه هياخدنى فى حضنه تانى أنا وابنه
أنا لو دخلت هيقوم معايا والله هيقوم مش هيكسفنى
دخلونى ليه
اخفضت "بيسان" وجهها وبدأت تنحب هى الأخرى، مما جعل كنان يقترب من بيلا يمد يده ويعاونها على النهوض هامسًا:
-قومى يا بيلا ضياء واصيل محتاجينك قوية
فاضت عينيه ولم يستطع كبحها لا يعلم إذا كان يصبرها او يصبر حاله قلبه ينتفض بقوة ينتفض انتفاضة لعدم الاستيعاب؛ فضياء يصارع الموت بالداخل وهو مكتوف الإيدى
******
الحقيقة هنا تنهش قلبها، الحقيقة حيث بداية النزف والسقوط
تجلس على الاريكة فى صمت ينغرز بداخلها خنجر بارد
يحولها إلى مشوهة
كان ينظر لها نظرات شفقة، شاحبة كانها على شفا الموت
انقباضة يدها، هزت قدميها، تنظر نحو والدها وزوجته بنظرات متهربة
-عاملة ايه يا هاجر؟!
كانت تنوى الانصرف قبل أن يسألها والدها عن حالها بغموض وهو ينظر لملامحها وملامح هاجد الغير مفسرة
شعرت بالأستنكار والقسوة من سؤاله عن حالها فاجابته بإيماءة دون صوت يكفى ما تشعر به الأن من قهر وخزى
رمقتها زوجة والدها بغير رضا ثم سألت وهى تجز على اسنانها بقوة:
-افهم بقى أيه اللى حصل لأختى وصلها لكدا؟!
حدجها هاجد بحنق ثم قال محذرًا:
-خالتى
-لا طالما خالتى وبأعلى صوت كدا يا شيخ هاجد ياللى
تربية إيدى وبتزعق فيا يبقى بسبب المحروسة اللى
قلبت حياة الكل
نهض مصطفى ليجذبها من معصمها بحدة هاتفًا:
-انتِ تخرسى خالص
نفضت يدها وهى تقول بحدة:
-كلمة الحق بتزعل ليه من يوم ما دخلت حياتنا وهى قدمها فقر، فقر علينا كلنا ، أنت مش طايقنى وطايق البيت، وكانت هتموت حماتها وحتى هاجد اللى كان بلسم وانت تشهد شوفت بقى عامل إزاى
استمعت لكلماتها المسمومة بألم مكظوم وشفتاها مرتجفة
ولسانًا تفر الحروف من مخرجه فرارًا حاولت أن تلملم
شتاتها قدر المستطاع قائلة بصوت متحشرج بغصات
البكاء المكتومة:
-أنتوا اللى دخلتونى حياتكم، انتوا اللى أذِتونى
خبيتوا عليا ابسط حاجة حقيقة الرجل اللى المفروض
انه جوزى، اللى انتوا متأكدين أن أنا لو كنت عرفت هو مين كنت استحالة هأقبل بيه، انتوا اللى بوظتوا حياتى
حياتى اللى كنت بحب كل حاجة فيها قبل مخططكم
انتوا اللى غلط مش أنا
عذبت روحه وقلبه بكلماتها القاسية امس والآن قصمته، الألم حارق بصدره، فقد انقلبت الموازين
وانفلتت الأمور من بين يده، فصاح بحدة لتخرج الكلمات
كالسهام المشتعلة بنيران غضبه:
-الغلط هيتصلح خلاص، بس راعوا أنكم فى مستشفى
والمفروض أننا نطمن على أمى
انهى جملته وهو ينظر فى عينيها فاخفت هاجر دمع عيناها بصلابة تحسد عليها، لكن نظراتها
اللائمة فى صمت اوجعته احرقته، فهى نسجته فى خيالها
عدوًا ولم تتهاون عن ضربه فى مقتل
همهمت والدته بصوت خافص فاقترب منها مسرعًا ليطمئن
عليها ثم اقتربت زوجة والدها منها لتطمئن عليها فتراجعت
هى للوراء تجلس على مقعد فى صمت
عاشت طفلة منسية وحيدة
والآن هى منبوذة خارج وطنها
منبوذة بين اهلها
*****
بعد أن خضع الجميع لفحوصات التطابق للتبرع لضياء كانت هى الأخيرة بينما كان طاهر يقف بعيدًا قلقًا عليها ثوانٍ وكانت تخرج خارج الغرفة وارتمت على احدى المقاعد المعدنية بالمشفى إنكمشت على نفسها تحتضنها بوداعة تدعم نفسها كالعادة تغمض عيناها كى لا تبكى فهى دائما تكره أن تظهر ضعفها وقبل أن يقترب منها كان بدر يجلس بجوارها وشملها بنظرات حب ومؤازرة
كان يراقب على الجانب الأخر المنظر ولديه رغبة حقيقة فى تكسير عظام وجه بدر مضى نحوهما لكن اوقفته يد تقبض على معصمه مما جعله يبعد بصره عن بيسان وبدر؛ ليرمق يده ثم رفع بصره ليجده كرم أخيه، جعد جبينه
ليسأله بحدة:
-ماسكنى كدا ليه؟!
اشفق عليه كرم من ألمه فترك يده برفق هامسًا:
-انت رايح تعمل أيه؟!
نظر نحوها بنظرة متألمة ود لو يجذبها من يدها ويخبأها
داخله ليحيلها عن نظرات بدر، أشفق كرم على أخيه من
هذا العذاب فسأله:
-مش قولت أن مفيش حاجة جواك ليها، ومش قولت
أنها مش مناسبة ليك
ابتسم بيأس وملامح ساخرة هامسًا:
- كنت بحاول اكدب نفسى كنت غبى بس لما لقيتها
هتضيع منى اتأكدت من حبى ليها حب بجد انا بحب
بيسان لأ أنا بعشق بيسان
جز كرم على اسنانه وهو يقول:
-وانت بروح أمك مش بتفوق غير لما يتخطبوا
البعيد واقع على دماغه ما قولتلك وانت بتلف وراها
زى التور وقعدت لا مفيش حاجة من الكلام دا
اغمض عيناه ليخفى دموعه حزنه ندمه رغبته فى الصراخ
فهى تسللت داخله، احتلت عقله وقلبه وتوسدت روحه بكل أريحية، همس بصوت باردًا عكس ما به من براكين:
-اللى حصل المرة اللى فاتت مش هيحصل المرة دي
لو رسيت أنى اخطفها واتجوزها غصب عنها
ربت كرم على كتفه وهو يقول بجدية:
-وأنا معاك فى اللى يريح قلبك يا اخويا لو وصلت أن
اخطف بدر واخفيه، أنا فى ضهرك وكسرة قلبك المرة
دي على رقبتى
ارتمى فى حضن كرم فهو يحتاج إلى عناقه بقوة
ربت كرم على ظهر اخيه وهو يخبره أن كل شئ سيكون على ما يرام فهو أول مرة يراه طفل
متردد خائف يحتاج للقوة والدعم، فتشبث به طاهر
اكثر واكثر فحاول كرم تغيير مزاج اخيه:
-نوجا اتصلت تطمن
ابتعد طاهر بعيدًا عن حضنه قائلًا:
-اوعى تكون قولتلها اننا عملنا الفحص
التو ثغر كرم هاتفًا:
-أنا لسه بحكى ليها الوضع لقتها بتصرخ وتصوت وتقولى
اوعى تعملوا كدا وقفلت السكة فى وشى، وتقريبًا راحت
تجهز الصوان
هز طاهر رأسه بيأس فتابع كرم:
- المهم بنت عمك بعد الفحوصات ومش ظاهرة وكان شكلها منهارة على الأخر شكلها مش طبيعى انت مش
شفتها
-كيان تحس ان الدنيا حالفة ما تفرحها ولازم تكسرها
كانت نازلة على السلم من شوية
******
-شكلها روحت مش موجودة فى المستشفى خالص
تلك الجملة قالها كرم لطاهر الذى يقف بجواره كالتمثال
وعينيه تتوسع بصدمة وهو يرى كيان تجلس أسفل
الدرج منكمشة على نفسها تبكى بانهيار، نظر كرم
إلى ما ينظر إليه اخيه فتوسعت عيناه واسرع
إليها يناديها باسمها
-كيان كيان
اسرع طاهر يجثو على ركبتيه ليبعد يدها عن وجهها
-كيان ليه عاملة فى نفسك كدا؟!
كيف تبقى معهم بأعلى والجميع يراها اخت المجرم، كيف تتحمل صراخ والدته ونواح زوجته وهى تخشى أن يتركها هى وطفلها، تخشى على صغيرها من اليتم، كيف تتحمل هذا الذنب ونظرات كنان التى تطعنها فى مقتل بلا رحمة، ضربت على صدرها بحرقة هامسة بتقطع:
-أنا السبب، كل دا بسببى، أنا أنا لو جرى ليه حاجة
أنا هموت، أنا بكره نفسى، بكره النفس اللى بيخرج
منى.
رمقها بألم ثم حدثها:
-دا مكتوب يا كيان وحدى لله هيبقى كويس وهنلحقه
إن شاء الله حد يتطابق معاه
-لا يا كيان مش انتِ السبب أنا السبب أنا اللى غبى وكل
مرة بصدق اننا واحد واستحالة تخبى عليا بس أنا غبى
غبى أو ممكن إنتِ مش شايفانى راجل يعتمد عليه
كانت هذه كلمات كنان الذى كان فى أوج غضبه بسبب صلابة رأسها كل مرة تخفى سرًا مهمًا عنه
ألا يستحق منها التقدير
ألا يستحق أن يكون هو سرها ومأمنها
سهام الذنب تلاحقها كالمتهمة بكل مكان وضعت يدها على ثغرها تكتم شهقاتها وهو يرمقها بنظراته اللائمة ثم تابع وهو يحاول جاهدًا التماسك لكي لا يهدم المكان فوق رؤوسهم جميعًا ليتخلص من تلك الكوارث
التى تنهال على رأسه دون سابق إنذار:
-بلاش أنا تقولى ليا، الحيوان دا لما كان بيهددك مقولتيش
لحد من ولاد عمك ليه؟!
ليه اتعاملتى مع الموضوع كأنه شئ عادى؟
شفتى وصلتينا لفين؟ شايفة ولا لأ؟
زفر كرم بغضب ثم قاطعا بنبرة وإن تخللها العقلانية
لأجل كنان الذى يعانى أمامه:
-تعالى معايا يا كنان نطمن على ضياء دا المهم دلوقتى
ومش وقت الكلام دا
ظل كما هو مكانه يحدق بها بخيبة أمل فاحتدت نظرات طاهر ثم تمتم من بين اسنانه قائلًا:
-كرم خد كنان واطلعوا دلوقتى
انصرفا هو وكرم فجلست على الارض تنظر في اثارهما عيناها
لا حياة بهما روحها مختنقة كأنها تنسلخ عن نفسها ثانية
******
رمشت سوسن باهدابها لتفيق من نومتها القصيرة فاقترب هاجد مسرعًا يقبل يدها وبقلب مرتجف ونظرات وجلة سألها:
-يا ست الكل انتِ كويسة طمنينى؟!
صمتت تنظر له بحنان قبل أن تقول بهدوء:
-اطمن يا حبيبي أنا بخير
دفن وجهه فى عنقها يستنشق عطرها الدافى فربتت على كتفه وكأنها إشارة، بكى بحرقة كطفل صغير
فقلبه تحطم كفتات تجرفه قسوة الكلمات بعيدًا عن
مرمى معشوقته فحبها كالثمرة المحرمة ارادها بشتى الطرق دون النظر لشئ اخر كيفية الحصول عليها غير
عابئ بتبِعات قراره فكر فى نفسه ومتعة قلبه وبهجة روحه بقربها
-اخبارنا ايه دلوقتى؟!
هذه الجملة قالها الطبيب لينتبه له الاخر ويبتعد عن والدته
ابتعد هاجد مطرقًا رأسه نحو النافذة يمسح دموعه ثم
عاد ثانية كان الطبيب يدون بعض الملاحظات فى
التقرير الخاص بوالدته
قبل أن ينطق هاجد كانت تسأله اختها بتلهف:
-طمنى يا دكتور
- اطمنى هى السكر على شوية بس الدنيا تمام متقلقيش الحاجة زى الفل
-والسبب أيه يا دكتور أن سكرها يعلى كدا بقى دا زعل
ولا أيه؟!
حدجها هاجد بنظرات نارية، بينما اجابها الطبيب بملامح منزعجة من تخطيها للأمور الهامة والتركيز فقط على
اشياء ستؤدى لارتفاع سكر المريضة ثانيةٍ:
-لا طبعا مش شرط وارد طبعًا المريضة تكون زودت فى الحلو ولخبطت فى الاكل
-طب يا دكتور محتاجة لأى فحوصات نعملها أى حاجة
عدل الطبيب عويناته الطبيه ونظر للملامح العابسة قائلًا
-هى زى الفل بس لو حابب تفضل لبكرة نظبط السكر
ونعمل فحص شامل مفيش مشكلة، بس متقلقش
-اه ياريت كدا هاكون مطمن اكتر
هز الطبيب رأسه بالايجاب وانصرف خارجًا، وقف مصطفى
قائلًا:
-حمدلله على سلامتك يا ست سوسن والله اتخضينا عليكِ
-تسلم من كل شر
*****
فى فجر اليوم الجديد
عندما ترتكب إثمًا فى حق من عشقته روحك يكون شعور مثل السياط الذى يجلد قلبك بكل قسوة دون ذرة رحمة او شفقة
والاجواء فى المشفى ساكنة تحركت بيسان فى الرواق
متجهة للأسفل لكن قاطع طريقها طاهر بداخله مرارة
كالعلقم تأسر روحه
-رايحة فين؟!
انحرفت نبضات قلبها عن وتيرتها المألوفة بوجوده
اغمضت عيناها قلبها ملغم بألم عقلها مشوش فهو لم يقترب منها من بعد طلب بدر لم تقو على رفع عيناها تنظر إليه
-هنزل اشوف نتيجة التحاليل
انهت جملتها وهى تحك مؤخرة عنقها حركتها المعتادة
نظر لها هو يعشق هذه الحركة، يحبها لا والله يعشقها حد
النخاع، تملك حبها قلبه ويرفض اقتراب رجل اخر منها
فقرب بدر منها يدمى قلبه، فهو من تخاذل للمرة الثانية
ليصفعه القدر مرة ثانية دون رحمة، فتحمحم قائلًا:
-طب هنزل معاكِ
-مفيش داعى أنا هنزل فى الاسانسير والمعمل مش مسموح دخولك خليك أنت
قبل أن يكمل جملته كانت تقف امام المصعد وتضغط الزر
وما أن انفتح الباب ولجت سريعًا نظر فى اثرها بحزن يمزق داخله منتشيًا بخسارته وهو يلعن نفسه من تمادى الامور وتعقيدها هكذا.
ثوانٍ وكانت بيسان تخرج من المعمل وكان الجميع فى انتظارها فى اعلى وما أن وصلت نهض الجميع فتنهدت قائلة
-نتائج التحليل طلعت وحد واحد بس هو اللى مطابق
*****
تخرج الانفاس من صدرها كى لا تخنقها اكثر لا زالت كما هى تجلس على الاريكة شاحبة كالاموات، نظر مصطفى لسوسن النائمة فنهض ليقف امام هاجد قائلًا:
-أنا لما اديتك بنتى ماكنش فى بالى الأمور توصل لكدا
يابنى انت عارف غلاوتك عندى بلاش توصلنا لحيطة
سد وندخل فى محاكم ونتبهدل فيها كلنا أنا هاخد
بنتى دلوقتى وهقوم امشى وانت هتطلقها يا هاجد
وكفاية لحد كدا.
هز رأسه بالإيجاب فى صمت، بينما هى رعشة هزت اطرافها لا تعلم رعشة خوفً او خذلان لكن كل ما تعرفه
أن كل منهما ترك جرحًا داخل الاخر لم يلتئم بعد.
***
رواية روح بلا مأوى الفصل 10005 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والستون
الجميع جفاه النوم طيلة الليل، انتشر الحزن وغصة تملأ الحلوق، تقدمت بيسان منهم بخطوات مهتزة، للحظات ساد الصمت المطبق فى المكان حتى قطعه كنان بصوت واهن يسألها:
-مين يا بيسان؟!
نظرت للورق ثانية ثم وزعت بصرها بينهم قائلة:
-تامر
-تامر
سألها كنان باستنكار ونظرات مبهمة تلاها قولها:
-تامر هو الوحيد اللى انسجته انتطبقت معاه
نظرات كانت جميعها مسلطة على تامر بين خوف وشفقة
وأمل، أما هو كان يشعر انه تحت المجهر فتقدم خطوتين
نحو بيسان قائلًا:
-وأنا جاهز من دلوقتى
-تمام بس فى تحاليل تانية لازم قبل دخول العمليات
حاولت تكميم شهقاتها لكنها انفلتت منها دون قصد دموعها
هبطت بسلاسة متضامنة مع حرقة قلبها، ألم ينهش داخلها
بلا رحمة
تود الصراخ
الفرار
الموت ياليتها تموت وتكون نسياً منسياً قلبها تضخم من فرط الألم فيه، عاجزة عاجزة عن فعل أى شئ او تقبُل
ما يحدث
-طب يلا بينا عشان منضيعش وقت يا تامر
تحرك تامر خلف بيسان لكنه وقف امام كيان ليرفع نظره إليها قائلًا:
-متقلقيش مش هتخلصى منى
اغمضت عيناها بمرارة لم تمنحهما الحياة لونًا غير
الأسود، فحياتهما عبارة عن بحر اسود سحيق، ياليتها
كانت هى وبعد أن يأخذوا العينة تنتهى حياتها بداخل
العمليات فقد سئمت الوجع والحزن والفقد
ظلا ينظرا لبعضهما بصمت فكانوا كلوحة سيريالية من الألم
الخذلان منحوت على وجههما ببراعة، اختتمت نظرتهما بنظرة يعرفها هو جيدًا فابتسم وهز رأسه بالإيجاب
وانصرف خلف بيسان مسرعًا
ظلت واقفة كالمذعورة تود احدهم يشاطرها فى تحمل هذا الحمل، اقترب منها ضاربًا بكل شئ عرض الحائط وحاله لم يكن أقل حال منها، لكن دموعها تعذب روحه وقلبه فهمس بجوارها:
-هيبقوا بخير
اكتفت بهزة رأسها دون النظر إليه فهى الآن بهذه اللحظة
ترى نفسها قاتلة مع سبق الاصرار
*****
خرجت الممرضة بعد أن حقنتها بحقنة مهدئة للأعصاب
فتقدمت هى نحوها بإقدام مرتعشة وكأنها مسيرة وحين
وصلت إلى الفراش نزلت على ركبتيها ببطء حتى اصبحت
أمام وجهها النائم فلاحظت الأرهاق الشديد على ملامحها
المتعبة، ملامح وجهها منكمشة، وزرقان تحت عينيها
مدت يدها تمسد على رأسها هامسة:
-لقوا حد يتبرع لضياء يامامى، ضياء هيقوم وانتِ
كمان أنا خايفة اوى وأنا لوحدى
أما هو كان يقف على اعتاب الغرفة يشعر بالعجز وهو يراها
تتألم وتبكى دون صوت ولم يستطع أن يضمها ويخفف عنها ويخبرها أنها تنتمى إليه وليست وحيدة بهذا العالم
مضى نحوها وجلس جوارها وتسللت يده وامسك معصمها
يمدها بالعون هامساً:
-بس انتِ مش وحيدة أنا هنا، أنا على طول موجود حواليكِ ياكارما معاكِ، وضياء كمان هيقوم بالسلامة
إن شاء الله
اكتفت بالصمت وهى تنظر لوالدتها قاطع صمتها بكلمات
لعلها تفرج عنها :
-عيطى يا كارما، عيطى معقولة كل دا وحابسة دموعك
عيطى عشان تعرفى تسندى طنط لما تقوم
نظرت له كفأر يصارع للخروج من حفرة مليئة بالماء
تحشرج صوتها وهى تقول:
-هيبقى كويس صح؟!
-عيطى يا كارما؟!
انفجرت بالبكاء وهو يربت على كفها لعلها ترتح قليلاً
هناك شخص يكون لك الدنيا وشخص اخر يكون هو
والدنيا عليك يرهقك حتى تصبح انفاسك محرمة عليك
******
الفراق من البداية لم يكن متفق عليه، أما النهاية هو لا يعلمها، كأن شهابًا سقط على رأسه، نقطة من حمم جهنم
نزلت على قلبه واذابته عندما قالت:
-أنا جهزت
عيونه المحمرة لا تحيد عن وجهها اين ستذهب مع والدها
بيته بالطبع لا، بل ستذهب لشقتها هناك حيث ابن خالها الذى يبغضه فهو لا زال يرى أن طاهر كاد أن يكون زوج لهاجر وهو امر غير محتمل
-طب يلا بينا يا هاجر
مرارة العلقم بحلقها فقد حان وقت الفراق أما هو شعر بإن الدنيا بأكملها خرم إبرة من شدة ضيقها كيف له
ألا يراها لا يتخيل أن يأتى من العمل ولايجدها فى استقباله
ويبهجة مظهرها، أن لا يستيقظ على لمسات اصابعها
-وأنا هأقعد مع اختى واراعها بنفسى
تململت نومة سوسن على اثر صوت اختها التى قالت جملتها الاخيرة ففرقت جفونها تسألها بوهن فهى تعلم أن
علاقة اختها مع هاجر شديدة الحساسية :
-هتقعدى مع مين؟!
-معاكِ
ضيقت عينيها وهى تنظر إلى هاجد، فقبض على اصابعه
واطرق رأسه بألم حتى بات هو والألم عملة واحدة
تابعت سوسن:
-لأ روحى لعيالك إنتِ أنا معايا عيالى هاجد وهاجر
مش هيسيبونى ولا أيه
اخفضت هاجر رأسها عدة لحظات شعرت وكأنها علي وشك السقوط والأرض تهتز تحتها، حيث كان بداخلها ألم عظيم لا يعلم به إلا الله، كأنها فى دوامة تسحبها فى كل إتجاه يمينًا ويسارًا فتحمحم مصطفى قائلًا:
-أنا هأخد هاجر معايا يومين واتفقت مع هاجد على كدا
اجابه هاجد باندفاع وعدائية:
-أنا اتفقت أنا متفقتش من الأول معاك على حاجة متفقتش من الأول ولا دلوقتى اتفقت ، أنت اللى مُصر تدوس عليا وعارف الوضع كويس وعارف ومتأكد أنه مش أنا السبب، أنا سمعت كلامك لما كنت كل مرة تقولى استنى عليا يا هاجد أنا اللى هقول لبنتى فى الوقت المناسب ، ودلوقتى عايز تاخدها وانا أمى على السرير فى المستشفى ومش مقدر وضعى أنا متفقتش معاك
وهى كمان بتدوس عليا وأنا موافق ومقدر موقفها لكن
بقت تدوس على كرامتى ورجولتى ولو فتحت بؤى يبقى
سيبنى أنا متفقتش انتوا اللى كلكم اتفقتوا عليا
نظرت سوسن إلى هاجر تسألها:
-هتمشى؟!
لم تنظر إليها فكان النظر إليها اصعب بكثير من قرار الرحيل
بقيت كما هى وجهها شاحب للغاية وشفاها بيضاء، ابتلعت
سوسن قائلة:
-روح يا مصطفى وخد مراتك معاك أنا معايا عيالى
هبطت دمعة منها كراية بيضاء للإستسلام، أما هو انتفض قلبه كمن حكم عليه بالأعدام والآن وفى هذه الثانية نطق حكم براءته، كشخص سكير ربح ورقة يانصيب ولم يكن يملك فلسًا واحدًا.
*****
طرقت على باب الغرفة ثم ولجت وجدته ممدد على
الفراش بصمت يضع يده فوق عينيه وكأنه يحارب
كل شئ بداخله ويده الأخرى بها المغذى مضت نحوه تهمس بأسمه، فرفع يده عن رأسه لينظر إليها مبتسمًا
-تعالى يا كيان
عينيها محمرة ومنتفخة من البكاء فاقتربت تجلس على
المقعد أمامه هامسة بوجع:
-أنا اسفة يا تامر كل دا بسببى أنا
قالت جملتها بإضطراب ليقاطعها هو بقوله الهادئ:
-كفاية يا كيان تحملى نفسك الذنب مش كل حاجة بسببك
خلت الغرفة ألا من انفاسها المضطربة لتقول:
-احمل نفسى الذنب انا السبب يا تامر الناس دي
لو أنا مدخلتش حياتهم ماكنتش باظت كدا، بمزاجى
اوغصب عنى اللى عمل كدا اسمه اخويا وهى تبقى
امى مش كفاية انهم رمونى لا راجعيين يكملوا عليا
وأهو انت بتغامر بحياتك ومستقبلك
ابتسم باستهزاء عن أى مستقبل تحدثه فهو لا ينتمى
لأى شخص فهو نبتة شيطانية لا جذر ولا ثمرة
-اغامر بحياتى!!
ايه الكلام دا يا كيان إنتِ نسيتى أنا مين أنا كنت مرمى
جنب الزبالة يعنى أنا كنت عبارة عن عشا لكلا.ب السكك
وماليش اى لازمة ولا ناسية اللى كان بيحصل لينا
جوه الملجأ وكان بيتاخد مننا قطع غيار للبنى ادميين اللى يدفع اكتر، كنا نصحى من النوم ندور على اللى كان
نايم جنبنا فص ملح وداب ولما كبرنا فهمنا احنا ايه
صدقينى أنا بعمل كدا وأنا فى قمة سعادتى أنى هنقذ
بنى ادم ليه ام واخت وزوجة وابن محتاجينه ياااه
على الأقل لو مت يفتكرونى بالرحمة
انفاسها ثائرة كمصارع انتهى للتو من مباراة طاحنة
-ليه بتقول كدا ليه ليه؟!
طب وأنا يا تامر مش المفروض انى اختك
ابتسم قائلًا:
-أنا مبسوط أنه انا اللى اتطابقت عشانك، عشان انا وانتِ
واحد واحساسك بالذنب ينتهى بمجرد أن العملية تنجح
وعلى فكرة كنان بيحبك اوى وفى حاجات هتعرفيها
منه بعدين المهم أنك مش لوحدك يا كيان
- طب وأنا
اخذت تارا نفس عميق بعد أن قالت جملتها واقتربت منه بخطوات مضطربة تتقدم خطوة وتأخر مائة، نظرت له بألم وعيونها مخضبة بدماء الألم تأبى السقوط لأجله.
أما هو كان ينظر امامه لنقطة وهمية واتخذ من الصمت وشاحاً
حتى لا يخرج مكنونات صدره فاستئذنت كيان وخرجت
-انت كويس
قالتها تارا وهى تشعر بالخوف عليه تشعر بإنه فى منطقة اللاوعى، اغمض عيناه بألم هامسًا:
-هتفرق كويس ولا لأ، مش هتفرق وقت وبقضيه وياريت
يخلص ويرحمنى
-بردو، وأنا
اختتمت كلامها وهى تشير إلى صدرها ليفهم ما ترمى
إليه فسألها بحدة:
-إنتِ أيه؟!
ابتسمت بمرارة وهى تمسح دموعها قائلة:
-مش أنت قولت انى انا تبعك واخصك
انتفض قلبه على اثر كلماتها هى بالفعل نجحت فى اخراج مكنوت صدره، تحاول هدم حصونه وان تجعله يعيد حساباته مرة اخرى لكن الحياة لم تكن عادلة يومًا، لم تكن مسالمة يومًا معه، دموعه تود الفرار وكبرياءه يقف له بالمرصاد
همست من عمق جوفها قائلة:
-اوعدنى أنك هتخرج بالسلامة عشانى أنا لوحدى
ضغط على شفتاه بألم قائلًا:
-متقلقيش لو على الشغل طاهر مش هيستغنى عنك
-أنت لسه شايفنى واحدة رخيصة ياتامر، هو بصراحة
مش انت لوحدك كلهم كدا بيشوفنى أنى سهلة، بايظة
لكن الحقيقة أنا ممكن اكون كدا من بره أنا مش عارفة
ليه انت الحد الوحيد اللى بحاول اثبت انى مش كدا
وقعت كلماتها عليه كفيض من الجحيم، حاول أن يعتدل
فى الفراش وكلماتها تنهال كقذائف. هل يجدى عليه الاعتذار الآن على كلماته الجارحة فى السابق؟!
هل بوسعه الآن أن يجمل ما شوهته كلماته؟!
اكملت تارا وقد حبست دموعها:
-أنا على فاكرة انفع اكون اخت وصديقة وحبيبة بس
حظى مش حلو
-تارا
اسمها خرج من شفتاه مختنق بمخالب الوجع ثم تابع
-اسف ساعتها ماكنش قصدى اللى وصل ليكِ
إنتِ اجدع بنت أنا شوفتها فيكِ حاجات حلوة كتير
متحاوليش تنتقمى من حد فى نفسك وعلى فكرة
أنا كمان حظى وحش اكتر منك أنا حتى أمى رمتنى
فى الزبا.لة
انهى كلماته وقد فرت دمعة حزينة من عيناه، فشاطرته البكاء تبكى على اوجاعه قبل اوجاعها وبقى الأمل يتأرجح
بين ماض مظلم ومستقبل ضبابى فهمست:
-هستناك
*******
غادر هاجد مع مصطفى وزوجته ليجلب بعض الثياب لوالدته فقد قرر الطبيب مكوثها للغد، نهضت هاجر من
مكانها تجلس على المقعد امامها تتأمل ملامحها ثم همست
بصوت مرتجف:
-حقك عليا، لو أنا سبب اللى انتِ فيه أنا موجوعة
بس انتِ متهونيش عليا انتِ اكتر حد حسيت معاه
بدفا العيلة من أول يوم دخلت بيتك كنتِ أم ليا
اخدتينى فى حضنك أنا غلطت فى حقك بس كنت
مصدومة اوى لانى حبيتك قبل حتى مااحب هاجد
كانت اجمل ايام معاكِ كنتِ صاحبتى واختى وامى
عوضتينى عن حاجات كتير، سامحينى سامحينى
انهت كلامها وهى تضع رأسها على الفراش بجوارها
فى صمت، غافلة على من يقف خلفها وكلماتها
تمزق نياط قلبه، تحمحم من خلفها فنهضت مسرعة
تجلس على الأريكة مضى نحوها واضعًا عدة حقائب
أمامها هامسًا:
-اتفضلى
قطبت حاجبيها متسائلة:
-ايه دا؟!
-أكل وكمان لبس عشان تغير الزفت اللى انتى لابسة دا
همست بوهن فهى لم تنم منذ يومين:
-مش عايزة
-هتقومى تأكلى وتغيرى الزفت اللى إنتِ لابسة
-نعم!!
عقدة حاجبيه ووجه مكفهر همس:
-انتِ نازلة بفستان بيتى مش شايفة منظرك
حاولت أن تستوعب الصدمة جاوبته بانفاس متهدجه:
-دا اللى هو إزاى أنا كنت فى ايه ولا ايه؟! انا اتخضيت
ماكنتش عارفة حاجة، أنا لحد دلوقتى مش قادرة اتحرك
من الخضة
اشفق عليها لكنه لم يحرك ساكنًا امامها قائلًا:
-اللى حصل، يلا غييرى ولا مش قادرة تقومى اساعدك
نهضت مسرعة وتناولت الحقيبة وهى ترمقه والشرر يتطاير من عينيها، فمدد جسده على الأريكة هامسًا بتضرع
-يارب أنت اللى اعلم بحال قلبى يارب
*****
البكاء دائمًا هو الحل الأمثل الذى يريح نفوسنا يخلصنا
من الطاقة السلبية التى بداخلنا
يقف داخل غرفة العناية المشددة عاجزًا لا يملك سوى
الدعاء، يقف منكسرًا فى حضور سنده، وحيداً فى جب
الظلام، تأمل جسده المتصل بالخراطيم بنظرة تحمل فى
طياتها العجز اقترب منه هامسًا:
-ضياء
انت قوى وهتقوم تانى، قوم أنا شاكك أنك بتمثل عشان
تصالح بيلا، على فكرة هى استوت على الآخر قوم بقى
ياض بلاش تمثيل قوم عشان أصيل، وطنط هويدا
وكارما، قوم عشانى أنا محتاجك أنا بحاول أكون
قوى بس مش عارف، موت ابويا وجعنى يا ضياء
موته بالطريقة دي نفسى ارمى نفسى فى حضنك
واقولك على النار اللى جوايا، هو انت صدقت ياضياء
ولا لسه، انت هتعمل العملية وتبقى كويس صدقنى
بس قاوم عشان اللى محتاجينك أنا محتاجك اوى
يا صاحبى
ولجت بيسان من الخلف ثم ربتت على كتفه ثم سحبته
للخارج معاها وما أن ولجت للخارج خلعوا الملابس
المعقمة
-متقلقش يا كنان
-العملية امتي؟!
-عملنا لتامر تحليل سيولة وانيميا وابتديت معاه محاليل
ممكن بكرة الصبح هأكون أنا وبدر
أومأ لها ثم قال :
-هكون معاكم
هزت رأسها بالنفى :
-بلاش ياكنان انت هتوترنا خليك انت وادعيلنا
******
جلس الثلاث شباب بجوار تامر على السرير فضغط طاهر
على ابرة المغذى بيده هامساً:
-محاليل ايه دي يا واد تامر؟!
التو فك ساهر بتهكم قائلًا:
-حديد، وطول النهار مستقوى علينا وطلع عنده انيميا
الجاحد
قهقه كرم قائلًا:
-بقولك يا واد تامر بما أنك مضحى كدا أنا الأمعاء تلزمنى
ابتلع طاهر قائلًا:
-الممبار بقى حلاوته وجماله دا نوجا عليها حتت خلطة
ممبار
سألهما ساهر بعتاب:
-هى طنط بتعمل ممبار ومن غير ماتقولوا انتوا مش ولاد
عمى اخس عليكم
لكزه كرم فى كتفه قائلًا:
-متبقاش قماص الأمعاء كتيرة وهنعمل ونعزمك هو صحيح فيه انيميا بس نوجا الخلطة هتنسيك اسمك
جز تامر على اسنانه هامساً :
-خلصتوا اطلعوا بره يلا
لوح طاهر امام وجهه قائلًا:
-خلاص ياعم خلاص مكانش ممبار هناخده منك ما انت
هتدى الكبد لضياء ولا حلو للغريب ووحش لينا قوم يا جدع منك ليه احباب السيدة فكل حتة
نهضوا الثلاثة بعد محاولتهم للتخفيف عن تامر فتوقف
كرم على اعتاب الغرفة قائلًا:
-بس خليك فاكرها يا تيمو عشان لما نجيب ممبار من بره
متزعلش
******
يسيران فى ردهة المشفى لكن فجأة توسعت عين كرم بصدمة قائلًا:
-وربنا لأطلع بروحه دكتور الزفت
توحشت نظرات طاهر اكثر وهو يقول:
-الواد دا لازم يموت
توقف كرم امام بدر الذى كان يحمل كارما الفاقدة للوعى وصدره يعلو وينخفض ثم سأله بحدة:
-هو فى أيه؟!
قال بدر هو يمد يده بكارما نحو :
-كانت واقفة عند الشباك بتعيط وفجأة وقعت من طولها
فكنت شايلها هوديها الاستقبال افوقها
حملها كرم وهو يرمقه بغضب قبل أن ينصرف فسأله
طاهر باستنكار:
-هى أم الزفتة مفيهاش تمريض مفيش دكاترة غيرك
ربت بدر على كتفاه قائلًا:
-أنا دكتور ودي مهنتى أنا مقدر غيرته عليها طبعًا حقه
لسه خاطب جديد، عقبالى أنا كمان، تعالى نشرب قهوة
دماغى هتنفجر
-لأ ولأ
مط بدر شفتاه قائلًا:
-طب هضطر اسيبك محتاج اريح ساعتين عشان أنا وبيسان عندنا اجتماع قبل العملية الصبح
انصرف بدر ولم تظهر على ملامح طاهر أى انفعال لكنه
تنفس بعمق وهو يقول:
-الواد ساهر دا رزقه واسع الممبار كتير بس يخلص
العملية ودينى لأجيب كرشه
*****
فى صباح اليوم التالى
كان يقطع طاهر الردهة ذهابًا واياباً كنمر حبيس بينما
يستند كرم بظهره على الحائط هامسًا:
-بنت يارب ولد يارب، بنت يارب ولد يارب
ما تتهد بقى يا زفت انت خيلتنى فى أيه؟!
-بقالهم تلات ساعات جوه فى اجتماع قبل العملية
حك كرم مؤخرة رأسه قائلًا:
-العملية مش سهلة بردو اهدا
اجابه بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش:
-خلاص يبقى ادخل أنا معاهم جوه
-تدخل فين ياض أنت تفهم فى الطب
اجابه بلامبالاة مدمجة بعدم اكتراث وهو يقول:
-أنا كل اللى يخصنى بيسان وبس
قبل أن يكمل جملته كانت تخرج بيسان بملامح جامدة
حتى السلام لم تلقيه وخلفها بدر لا يقل شئ عنها
وحدثت طقم التمريض بصوت عالٍ:
-جهزوا العمليات، دكتور التخدير بلغوه ربع ساعة
وهنكون تحت
صعدت للأعلى فى مصعد هى وبدر ثم توجهت مباشرة
نحو الغرفة وولجت للداخل قائلة:
-جاهز يا بطل
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل 10006 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والستون
قبل ساعتين
يجلس فى المقعد أمامه منذ عدة دقائق لكنه صامت
ينظر للفراغ أمامه بشرود وذهن غائب فى بحر افكار
متلاطم يقذف به بين طياته، محاولًا السيطرة على
حزنه ووجعه المكتوم بداخله، كسرة قلبه
طعنته بدل المرة ألالاف المرات قبض على اصابعه بقسوة
-على فكرة أكيد كانت خايفة عليك
كانت هذه كلمات تامر، فابتلع كنان غصته المكتومة بحلقه
لكنه لا يستطيع التخلص منها ولا يقوَ على ازالتها
بل تظل واقفة فى حلقه كحجر حُشر فى مجرى تنفسه
فيعيق تنفسه وراحته، ابتسم بألم فتابع تامر قائلًا:
-صدقنى خوف بدليل انها محكتش لحد كانت ممكن
تقول لأى حد مننا لكنها خافت
ارتعش فكه ليهمهم بصوت مختتنق:
-خوف!!
لأ مش خوف دي حواجز هى حطاها بينا ورافضة تشيلها او تساعدنى، أنت متخيل أنه الحيوا.ن دا كان ممكن يقتلها فى لحظة
طب لو هى خايفة ليه مفكرتش فى الحل الأسهل انها
تديه الفلوس اللى طلبها لكن هى وقفت قصاده ودي النتيجة
بعد أن انهى كلماته ارتجف قلبه قائلًا:
-خلينا فيك أنت دلوقتى ومتقلقش من العملية إن شاء الله
هتقوم بخير ، وبعد العملية هتكون بنى ادم طبيعى وهتباشر حياتك عادى جدًا ياتامر
-مش قلقان بس عندى طلبين منك معلش
أومأ كِنان وهو يستمع له بإهتمام تنهد تامر قائلًا بخزى:
-الأول عايزك تسامحينى على أى حاجة حصلت بينك وبين كيان بسببى
اغمض كنان عيناه فدائمًا الحقيقة قاتلة صعبة ثم تابع
تامر
-التانى أنك تسامح كيان ومتبعدش عنها مهما حصل
لأنها بتحبك جدًا بس بتخاف لأنه لسه الماضى مأثر عليها
اوعدنى مش هتسيبها
ساد الصمت للحظات ليجده يقترب منه ويجذبه بين ذراعيه هامسًا:
-وانت كمان اوعدنى تتمسك بالحياة فى ناس محتاجينك
كيان محتاجة وجودك معاها
-استغفر لله، استغفر لله
قال هذا كرم وهو يضع يده على عينين اخيه ، ابتعد كنان
عن تامر وهو يرمقهما بإستنكار فتابع كرم:
-لأ خليك مغمض يا طاهر، دا انت لسه قاصر على الكلام دا
فهم كنان ما يرمى إليه كرم فجز على اسنانه قائلًا:
-ما تظبط عشان أنا مش فايق ليك
تحمحم طاهر قائلًا:
-احنا شكلنا جايين فى وقت غير مناسب
زفر تامر قائلًا:
-انتوا مفيش وقت لا مُرحب بيكم ولا مُناسب ليكم
حك كرم ذقنه قائلًا:
-ابقى فكرنى يا طاهر نوصى بيسان تجيب حتة من لسانه
عشان طول
ابتلع طاهر ريقه هاتفًا:
-يا جمالوا ياتكاتوا ياكرم
تأفف كنان وقال بعصبية:
-خلاص مش وقت هزار
مال كرم على طاهر هامسًا:
-واضح أن الدكتور خلص مع تامر فى الممبار بسعر أعلى مننا
-الواد تامر طلع رخيص باع نفسه بحضن
كان صوتهما مسموع فرمقهما كلا من تامر و كنان بصدمة
فلوح طاهر بيده قائلًا:
-خلاص يا عم الله يسهلُه بقى إحنا ماشيين
****
بعد أن عادوا ثلاثتهم إلى الشقة مسحت هاجر عينيها من الدموع وخرجت من الغرفة وتركت حماتها نائمة بعد
يقظة طويلة، ومرت بالردهة لتجد فجأة عينيه أمامها
أرتعش جسدها بطريقة مخيفة هامسة:
-لو سمحت عايزة اعدى
لمح برودًا غريبًا بعيناها رغم الدمع اللامع بعيناها إلا انها بدت قوية في هذه اللحظة قوية لدرجة مؤلمة لتخليها عنه بأول
منعطف بحياتها، مما جعله يشك للحظات فى حبها له
ذلك الشعور احرقه من الداخل
فرمقها بنظرة تحمل الخذلان وخيبة الأمل هامسًا:
-واخرة اللى إحنا فيه يا هاجر متعبتيش من البعد
والهجر عجبك الوضع الجديد
اسبلت جفونها لينهمر منها الدمع الحارق تشعر بتحطم قلبها لإشلاء صغيرة وشهقة عالية خرجت منها غصب
عنها، جسدها يرتعش بجنون هتفت بحزن وسيل من
الدمع يحجب رؤيتها:
-أنا دا الوضع العادى الدنيا تيجى عليا اعيط واقعد لوحدى
وبكرة انسى بعده عادى اكتم كل حاجة جوايا، بس المرة دي لأ كفاية حياتى اللى بوظتها وأنا ساكتة، بس والدتك تسترد صحتها وهامشى ومش هتشوفنى تانى لأنى تعبت من كل حاجة حتى النفس اللى خارج مني دلوقتى تعبنى تعبنى
ثقل عظيم اجتاح جسدها جاعلًا منها ورقة خريفية فى مهب الريح، سقطت على الأرض فاقترب منها يضمها
لكنها دفعته بقوة ونحيبها يقطع نياط قلبه ولم يستطع
المغادرة، فبقدر رغبتها فى كسر كبريائه ورجولته ضمها
بين أضلعه علها تنفذ بين عظامه وتخترق فؤاده وتعلم
بمدى عشقه، شعر بإرتخائها بين ذراعيه فحملها متوجهًا
نحو غرفته ليتحسس عرقها النابض ابتلع بخوف وهو
يستشعر بطء نبضاتها نهض مسرعًا ليحضر عطره ثم
نثر على يده ومررها بجوار انفها فرمشت بعيناها هامسة
-لو سمحت أنا عايزة أنام مرهقة اخرج برا
هز رأسه حتى لا يرهقها اكثر فاسبلت جفنيها وشعر
بانتظام انفاسها، لكن جسدها كان ينتفض بين الفينة
والأخرى، فاقترب منها يضمها يستنشق عطره الذى
حرم منه ليالى هامسًا بحزن:
-والله حبيتك من أول مرة، وأنا كنت عايز اقولك وغلطت
لما سمعت الكلام وخبيت بس حبى يشفع ليا
اللى حصل فى المستشفى كان هيخلى قلبى يقف يا هاجر
وعد منى إنى ارجعك فى أسرع وقت لحضنى
انصرف من الغرفة بمفرده وشعور الألم يتضاعف بداخله
كلما تذكر لحظات إنهيارها.
******
-جاهز يا بطل
وقفا كلا من كنان وتامر ولكل منهما مشاعر متضاربة
وما أن خرجوا من باب الغرفة وجدوا ساهر والدموع بعيناه وهو ينظر له وكيان تجلس بجواره بهدوء
لا يدل على حياتها سوى انفاسها التى تصعد بصعوبة
وتتعثر فى منتصف حلقها، تسمرت عيناها على تامر
وألم يعتصر قلبها أقوى من أن تفسره دموع اوصرخات
لتضع يدها على أذنيها لتمنعها وصل صوت بكاء تارا
التى انهارت فور خروج تامر من الغرفة
استدارت بيسان لصوت الشهقات فتوسعت عيناها بذهول
وهى ترى اختها كلما مسحت دموعها بظهر يديها زاد نحيبها اكثر بينما طالع كنان تارا وكيان بقلب متألم يعلم أنهما اكثر الأشخاص حزنًا على تامر
ابتسم تامر لتارا ثم اغمض عيناه ليطمئنها لكنه لم يقو
على مواجهة كيان سينهار أن نظر إلى عيناها غادر مسرعًا
نحو المصعد وهو يسمع صوت نحيب تارا
اقتربت تارا من بيسان هامسة بصوت متقطع:
-هيكون كويس صح
ارتجف قلب بيسان على حالة اختها فضمتها بقوة وتشبثت
بيها تارا هامسة:
-أنا خايفة أوى، خايفة عليه
ابعدتها عن حضنها ومسحت على وجنتيها المبللتين قائلة
بعتاب كى تخفف عنها:
-عشان مش عارفة قيمة اختك بتسألى السؤال دا
هيخرج احسن من الأول كمان ادعيلهُ هو وضياء
اسرعت خلف تامر فهى يجب أن لا يؤثر شئ على اعصابها
قبل العمليات
جلس كنان على ركبته امام كيان وابعد يدها عن أذنيها
هامسًا ثم دلك باطن يدها فارتجف قلبها ونظرت لعينيه
بخزى هامسة:
-ابعد عنى أنا سبب كل مشاكل حياتك وانا كل المصايب
ابعد أنا واحدة مستاهلش أنا وشى نحس عليك
-هيبقى بخير هو ضياء
خنجر مسمومًا بمنتصف قلبها وهى تراه يجلس على
ركبتيه يواسيها على خطأها
على الجانب الأخر
كانت تدفن وجهها بين يديها وتبكى بحرقة فهمس بجوار
أذنيها:
-هيبقى بخير ويقوم بالسلامة ياكارما
الدعاء بيغير القدر ياكارما والناس كلها بتدعى ليهم
الموضوع قالب الفيس كله في حملات بس عشان الدعاء
ليهم ادعى ياكارما يقوموا بالسلامة وميوجعش قلبنا على
حد فيهم
-خايفة ياكرم
-يا قلب كرم متخافيش والله هيقوم بسلامة
******
فى الأسفل كانت بيلا فى احضان ابيها الذى لم يفارقها
ولم يدعها تفارق حضنه كان خير داعم وسند وطاهر
انضم لهم يقف بجوارهما
جاء طقم التمريض والأطباء برئاسة بيسان التى كانت
تسير بخطوات واثقة وبوجه زجاجى حتى أنها لم تلتفت
لهم، لكن طاهر قلبه كان ينتفض بين ضلوعه كطير ذبيح وهو يراها أمامه تسير كملكة متوجة وخلفها الحاشية
فى الداخل بعد أن تم تخدير تامر وضياء بدأت بيسان
ترتدى ثياب العمليات ونظرات إلى اجهزة ومؤشرات
القلب ثم اخذت المشرط واقتربت من جسد تامر
وبدأت بتوجيهات
******
بعد مرور اكثر من ثلاث ساعات
كانت تقف فى المطبخ وشعرت به خلفها فاشاحت وجهها
للجهة الأخرى وقد بدت انها لا تريد أن تخوض معه نقاشًا
أو ربما تريد أن تتحدث معه البته ليقول:
-إنتِ بتعملى أكل ايه؟!
نفضت يدها بقوة مما جعل الأوانى تقع أرضًا محدثة ضجة
عالية ثم هتفت:
-انا رجعت بس مش عشانك أنا رجعت عشان اللى نايمة
تعبانة جوه وأول ما هتتحسن همشى، فلو سمحت متحاولش تتعامل معايا
-أنا مستغرب أن بعد كلامك ولسه إنتِ اللى زعلانة
خفق قلبها بقوة، ماذا يعنى بكلامه أنها هى المذنبة بعد
أن تزوجها وهو يخدعها جعلها تحبه فوق حبه لها اضعافًا
-أنت عايز ايه دلوقتى كل حاجة خلصت وانتهت وجودى
هنا مسألة وقت
-عايز بقلاوة
-نعم!!
-بقولك حابب نعمل بقلاوة عشان قومت أمى بالسلامة
اشاحت بوجهها للجهة الأخرى حتى تبقى صامدة فهمست:
-بقلاوة ايه مينفعش احنا بنظبط السكر وكدا غلط
-بس أنا عايز نفسى فيها يا هاجر
كان صوته متألم فكيف لا تشعر هى به، اغمضت عيناها
حتى لا تنهار أمامه هامسة:
-لما مامتك تتحسن هتقوم تعملها هى أنا ماليش فيها
بات كل شئ مسرعًا عندما سحبها من يدها وارغمها على القرب منه، ورفع يدها على فمه ليقبل باطن يدها
وهو مغمض عيناه:
-وحشتينى يا هاجر، بلاش كلمة همشى واسيبك أنا
استحملت منك كلام زى النار على كرامتى ورجولتى لكن
طول ما انتِ قريبة منى أنا قادر اتنفس، بحبك
كان يقبل يدها تارة ويمررها على وجنته تارة مما جعل
رعشة تسرى بجسدها، دفعته فى صدره وخرجت مسرعة
تشعر انها تحترق، بينما هو بالداخل ابتسم قائلًا:
-بتحبينى يا هاجر لسه
******
على حافة بئر الخسارة الجميع بينما هى كانت تحوم أمام
غرفة العمليات زوجها بالداخل عشقها بالداخل، كانت تطلب
منه الطلاق بكل بساطة ليتها ما طلبته ولم تثور ليلة الحفل
ليتها هى مكانه الآن
اما كيان كانت تدور عينيها بغيمة وجع خزى خوف، وبجانبها تقف تارا التى تنظر إلى غرفة العمليات بتيه
وافكارها السوداء لا ترحمها، الجميع ينتظر بوجع مغلغل
ينهش قلوبهم يفتته قطع اطرافها حادة كشظايا
خرجت بيسان ليلتف حولها الجميع وأولهم كنان الذى همس بصوت مرتجف خائف:
-اخبار العملية
لمحت الخوف بعيناه وادركت أن قلبه على شفا الموت
فاخفضت رأسها هامسة:
-العملية تمت بس مقدرش أقول أى حاجة غير بعد ٤٨
ساعة هما هيخرجوا دلوقتى
نظر كنان فى عمق عيناها فتهربت بنظراتها وانصرفت من امامه والجميع سار خلفها لعله تطمئن أحد لكنه انتظر
بدر وما أن خرج بدر سأله:
-بدر قول وطمنى أنت عارف إنى هاعرف اول مايخرجوا
-ضياء الحالة مستقرة نسبيًا، بس تامر الوضع حرج
كان هيفارق مننا فى العمليات وعملنا صدمات ولسه
هنشوف خلال اليومين دول وانت عارف أننا جاهزين
لأى حاجة
-لأ لأ
انتفض كنان على صراخ تارا التى جلست على رخام
المشفى تبكى، اقترب منها كنان وهو يبكى هو الأخر
يضمها ونحيبها يمزقه هامسًا::
-تارا حبيبتى إهدى دا وارد بيحصل فى أوضة العمليات
لكن هو هيبقى كويس صدقينى
****
ما أن ولجت ارتمت على الأريكة وجسدها يرتجف العملية
طرق الباب وولج بدر دون استئذان وجدها ممددة حتى
انها لا تقو على رفع يدها فاقترب منها بكوب عصير وحبة
مسكن لكنها ظلت كما هى دموعها تنهمر فى صمت
فوضع يده وراء رأسها يعاونها على النهوض واليد
الأخرى يحمل كوب العصير ويقربه من شفتاها
فى هذه اللحظة فتح الباب وكان طاهر، الذى توسعت
عيناه بغضب أعمى وسحبها من يدها خلفه غير عابئ
بتعثرها خلفه
****