تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الواحد والاربعون
استيقظت بيسان على صوت جرس الباب لتقم من نومها مشتتة ولم تستعد كامل وعيها بعد، ليسكن
ملامحها الإستنكار وبمحرد أن وقعت عينيها على
كيان النائمة بجوارها تذكرت ما كان بالأمس، فنهضت بهدوء للخارج تبحث عنه بعينيها
على الجانب الأخر
كانت الصدمة ترتسم على ملامح طاهر ثم دهشة مهلكة لروحه شعر بقلبه يتهشم كأنه سقط من سابع السماء
إلى الارض لينكسر إلى اشلاء، همس بخفوت:
-هاجر
اجابته بهدوء:
-عامل ايه يا طاهر؟ اُومال فين كيان؟
قبل أن يجيبها سمعت صوت انثوى من الخلف مناديًا باسمه، نظرت بيسان وهاجر لبعضيهما باستغراب
وكل منهم تحمل تساؤلات حتى رفعت هاجر حاجبها
الأيسر متسائلة وهى تطالع طاهر:
-هو ايه اللى بيحصل هنا؟!
وانتوا كنتوا نايمين هنا مع بعض
جز على اسنانه، فهى هاجر لسانها يسبق تفكيرها كالعادة
فاجابها باقتضاب:
-ادخلى يا هاجر، كيان فى الاوضة اللى هناك ادخللها
ولجت هاجر للداخل وقد لاحت على قسمات وجهها الإستغراب، رمقتها بطرف عيناها وهى تلوى ثغرها
ثم تحركت للداخل وتركتهم خلفها، نكست بيسان
رأسها ولم تعلق، فتحمحم وهو يشير نحو المطبخ
قائلًا:
-انا حضرت فطار بما أنك مش بتعرفى تعملى أكل
كادت أن تجيبه حتى تلقت رسالة نصية على هاتفها
وما أن فتحتها شهقت بفزع وألجمتها الصدمة
فسألها بريبة:
-فى ايه؟!
-عمو زهير مات
-ازاى؟!
هزت رأسها بصدمة وهى تحدثه:
-مش عارفة حاجة لسه، بس ممكن طلب يا طاهر
هز رأسه بالايجاب مؤكدًا فحدثته:
-كنان هيكون لوحده اكيد ضياء مش هيكون معاه
وعمو زهير مهما عمل هيفضل ابوه، وكنان وميعرفش
حد تانى هنا ممكن تكون معاه ومتسبهوش لوحده
حرام، اعتبره رجاء شخصى يا طاهر ممكن ..
-مفيش داعى لكل دا، دا واجب يلا بينا، وكمان تغيرى
هدومك مش هتروح العزا كدا
******
اوصدت نهلة الباب خلفها لتكون بمفردها وجلست
على الأريكة ورأسها كاد أن ينفجر من كثرة
التفكير لا تعلم كيف تتصرف تعطى ابنها القرص او تطالعه هي اولا ظلت تفرك يدها بتوتر ثم قررت فى
نفسها أن تطالعه هى اولًا، جلبت الحاسوب ثم وضعت
القرص بداخله وظهرت صورة زهير:
-ابنى الغالى، انا وقفت قدام العالم كله، كله وانا عارف
انى غلط ومهزنيش غير انهيارك وضياعك، عارف اكيد
بتقول مصعبش عليك الناس، كان شيطانى اقوى منى
يا كنان، فى ناس نفوس ضعيفة زى، ونفوس زيك ياكنانالشيطان ميعرفش يضحك عليها، اتمنى تفتكرنى
بالخير، انا مهربتش انا عملت الصح ليك، وزى ما قولتلك
شيطانى اقوى منى اخاف اصلح اعمل حاجة غلط اكبر
دا غير ان ضياء عمره ماكان هيسكت لو فضلت عايش
كان هيحبسنى ودا كان هيبقى وصمة عار عليك
طول العمر، متقلقش كلم رأفت وهو هيمشى كل
حاجة طبيعى، كمان رأفت معاه اوراق تثبت انك مش متورط فى اى حاجة، انا عارف انى غلطت بس بتمنى
انك تسامحنى، سامحنى عشان البنى ادم اللى
خليتوا جواك، خلى بالك من نهلة لانها تبان انها
اقوى واحدة بس هى اطيب حد،
حاجة اخيرة وعارف انها صعبة بس خلاص انا
مفارق كيان حبيتك اكتر من نفسها وبعدت لما
انا هددتها، ورفضت تقولك حاجة عشان متتوجعش
وتكسرك وانا استغليت كل حاجة ضددها روح ليها
وخليكم دوا لبعض ياكنان
اخذت تبكى بحرقة فهو من اوصلهم لما هما فيه الآن ضيع احلامهم وشتت حياتهم، حالة ابنها يُرثى لها
كيف سيتحمل كل هذا، حتما سينهار اكثر عندما يعلم
ان والده هو من فرق بينه وبين زوجته همست بحرقة
ام قلبها يحترق على حبة قلبها:
-هتتحمل كل دا ازاى يا كنان، يارب ابنى ماليش غيره
ارزقه الصبر يارب هونها عليه
مسحت دموعها بالقوة فهى الآن يجب أن تكون اقوى
من أجل ابنها، خبأت القرص داخل خزانتها مؤقتًا
وامسكت بهاتفها كى تحدث ذراع زوجها الايمن
رأفت كى يقوم باجراءات الدفن
****
ولجت للغرفة ثم خلعت حجابها واقتربت من كيان لتفيقها، فتحت كيان عينيها ثم نهضت تجلس امامها
ودون مقدمات سالت دموعها على خديها فمسحتها
باناملها سريعًا اغمضت هاجر عينيها بألم لا أم تحنو
عليها ولا أب تستند عليه ثم همست هاجر:
- عيطى وطلعى كل جواكى عشان تهدى يا قلبى
بس لازم تقابلى الدنيا بقلب جامد لازم تقوى بقى
كفاية يا كيان احنا المرة دية كلنا حواليكِ انتِ
مش لوحدك مش لوحدك ما حدش يقدر يأذيكى
سرعان ما دخلت كيان فى نوبة بكاء مريرة هى وحيدة دونه فى الأيام التى مضت كان لها ابا حنونا واخا وصديقا وحبيبا كانت ترمى وجعها بين يده اين هو الآن همست:
-ليه هو كمان سابنى يا هاجر هو انا وحشة اوى كدا
ليه يا هاجر ليه؟ كله بيسبنى هو انا وحشة ومنبوذة
من الكل ليه؟ طب ليه كان بيعاملنى اميرة لما هو
هيشك فيا وهيسيبنى
همت هاجر بالرد عليها لتجادلها لكنها انعقد لسانها بسبب
انهيارها ظلت تربت على كتفها كى تهدأ
*****
انهى رأفت اجراءات الدفن وكان معه طاهر الذى
لم يفارقهم للحظة، وتم نقل الجثمان إلى المقابر
بينما كان يسير كنان جسد بلا روح يشعر بالإنكسار
والخذلان اين اعز الناس لقلبه فهذا الموقف رحلوا وتركوا قلبًا ينزف جراحًا لا يبرأ وحزنًا لا يهدأ ووجعًا مقيمًا، تمت مراسم الدفن وهو كالغائب
فى المساء فى إحدي قاعات المناسبات اقيم عزاء كبير لزهير وكان هذا بناءًا على اصرار نهلة، وقف كنان وبجواره طاهر وكرم لأخذ واجب العزاء، كانت
عيناه مثبت على الباب ينتظرها؛ ينتظر قدومها
هى، اقسم بداخله لو جاءت الآن سيردها إلى عصمته
كل ما يحتاجه أن يرتمى باحضانها ليغوص بعناق دافئ ويبكى يريد احساس الدعم والأمان
بعد مرور الوقت وقد انتهى العزاء لثم قلبه شعاع من
اليأس، كادت مشاعره تنثر دماء، الخراب يسكن روحه
المهجورة، فقد هجره كل شئ إلا الحزن
فى هذه اللحظة يرفع لقلبه القابع على قدرته للتحمل
فقد هجره السند والرفيق والحبيبة ولازال ينبض
بعد انتهاء العزاء وانصرف الجميع وقف طاهر امامه
هامسًا بصدق:
-البقاء لله، ربنا يصبرك على فراقه ، بس دا حال الدنيا
ولازم تجمد
اطرق رأسه بألم ثم رفعها يود سؤاله عنها لكن كبريائه
منعه فاجابه بضعف:
-ونعم بالله
-طب هوصلك
هز رأسه بالنفى قائلًا:
-شكرًا كفاية تعبك كدا انا هاخد والدتى وهااروح
******
-وربنا يا طاهر هموتك
تلك الكلمات قالها كرم وهو يجز على اسنانه، قطب
طاهر حاجبيه:
-ايه يا حيوان انت حد جه جنبك
-ولا ساحلنى معاك من الصبح ليه ها؟!
توسعت عين طاهر بدهشة قائلًا:
-ولا انت معندكش دم دا واجب ساحلك دا اية
-واجب ايه؟! انا المفروض مع الجهة التانية
فرك طاهر وجهه متسائلًا:
-جهة ايه يا جهبذ يا ترعة المفهومية
التو ثغر كرم قائلًا:
-يعنى المفروض ابقى مع ضياء فى فريقه ضد كنان مش آجى اقف مع كنان ولا انت مش صافى وعايز تبوظ الجوازة
-ضد ايه هو فريق كورة، واحب اقولك اعقل وبطل
هبل الجوازة دية مش هتكمل اصلا
انقض كرم على طاهر يسحب عنقة تحت معصمه ليخنقه هامسًا:
-هتم يا سنجل يا بائس وايه رأيك هاجيب الشركة
المنافسة ليك هى اللى تعمل الفرح
-ايه اللى بيحصل هنا دا؟! انتوا بتتخانقوا
تركه كرم وهو يبتسم قائلًا:
-دكتورتنا القمر، لا نتخانق دا ايه بس عضلات رقبته
كانت قافشة عليه وكنت بفكها
ابتلعت لعابهابتوتر وقد استرجع عقلها نظرات طاهر لهاجر صباحًا لا تعلم سبب ضيق صدرها فهزت رأسها بهدوء
-تصبحوا على خير همشى أنا
تحركت فأوقفها طاهر مسرعًا:
-على فين؟!
-هااروح
-ما انتِ سبتى عربيتك لما روحتى تغيرى وجيتى معايا يبقى لازم اوصلك
اجابته بجدية:
-مافيش داعى
-لا ازاى، يلا وبالمرة ندور على حتة نأكل فيها انا لسه
مااكلتش
ابتسمت بضعف وهى تتوجه نحو السيارة قائلة:
-اه، ياريت نشوف اى لقمة ونعض فيها رأيك
استقلا السيارة وانطلقا، وقف كرم يضرب كفًا بالاخر
قائلًا:
-يا ابو الواجب مش ملاحظ انك نسيت حاجة
الواجب قتلك وعندى انا بتقلب ندالة يخربيت
شورتك
*******
كان جالس فى غرفته يعبث فى هاتفه حتى توسعت
عيناه ونهض واقفًا يشعر بغضب يشتعل بداخله، كيف يرحل هكذا دمر حياته وقتل والده، وجع يضرب صدره
شعر بقهر لا يوصف، حقيقة مؤلمة رحل ولم يأخذ
ثأر والده منه، رحل وتركه فى مواجهة كنان
اخذ يضرب ويحطم كل شئ امامه حتى ولجت
بيلا مسرعة على صوت الحطام فشعر أن قدميه
اصبحت كالهلام وخرت قواه، فهو امام والدته
واخته كان صخر كالجليد لكن فى حضنها يبكى
كطفل رضيع يئن بوجع هامسًا:
-هموت يا بيلا من الوجع حاسس أن ابويا مخلفش
رجل معرفتش اخد حق ابويا مات فطيس وماكنش
ليه ابن رجل يعرف يأخد حقه مقهور ، لعبوا بيا يابيلا
ابويا فى ترابه مش راضى عنى اكيد
-بابك اكيد كان راضِ عنك يا ضياء متحملش نفسك
فوق طاقتها انت كنت هتعرف منين اللى اسمه زهير
دا كلنا كنا بنشوف تصرفاته اب ليك هتعرف منين بالنفوس الخبيثة دية، انت اقوى من كدا ولازم
تثبت ان باباك خلف راجل وأد الأزمات انت هتقوم
وتقف وتكون مصدر فخر لينا كلنا
زفر بعمق وكأن الحزن وجد راحته بين ثنايا قلبه
ليسكن قلبه فأكملت هى:
-بابا عايز يقابلك بس انا قولتله مش دلوقتى
مش حابة يشوفك كدا، حابة الكل يشوف ضياء
اللى ضحكتوا بتملا اى مكان اوعدنى ترجع بسرعة
لضياء حبيبى اوعدنى
ساد الصمت فى الغرفة واناملها تتخلل خصلات شعره
برفق بينما هو ظل ينظر امامه بضياع فى عالم اخر يتذكر ذكرياته مع والده..
*****
صباح اليوم التالى
وقفت نهلة فى الاستقبال تنتظر قدوم هويدا التى قابلتها بترحاب وقدمت لها التعازى فتنهدت نهلة
-ربنا يرحم اموتنا جميعًا يا هويدا
ضياء عامل ايه دلوقتى
هزت هويدا رأسها بأسف:
-حالته صعبه اوى يا نهلة، اكيد ضياء ماكنش فى واعية
لما عمل كدا مع كيان انتِ عارفة انهم
قاطعتها نهلة قائلة:
-اخوات، عارفة انهم اخوات يا هويدا وبتمنى ضياء ميعملش حاجة يندم عليها، دية كل المستندات اللى
تثبت براءة كنان ابنى من اى شئ، كنان تربيتك قبل
ما يكون تربيتى يا هويدا، واللى عمل كدا عند ربنا
وهو اللى بأيده الحساب، مفيش حاجة ضد ابنى
بس ممكن ضياء يشوه سمعة زهير بسهولة بس
انا واثقة فيكِ، انك مش هتسيبى عيالنا يقطعوا
اخر حبل الود بينهم يا هويدا، كفاية على كنان اللى بيمر
بيه انا لازم امشى دلوقتى
*****
مضى اسبوعان على كنان وهو منعزل عن العالم الخارجى، استسلم لحالة الضعف والحزن التى تملكته
كان شبه ممتنعًا عن الأكل، ونمت ذقنه واصبح كالمتسكعين
شعور مخزى بالهزيمة يجتاحه؛ شعور التخلى من
اصعب ما يمر به المرء فجأة يتحول الدفء والأمان
لخوف وبرودة تجتاح اوصالك
لماذا هى تخلت عنه حتى أنه لم تكلف نفسها واجب العزاء وكأنه لم يظهر بحياتها كان عبء عليها، هل علمت
بما فعله والده
فتحت والدته باب الغرفة رمقها بطرف عيناه
ورن هاتفه بالحاح تزامنا مع دخولها فتناول
يجيب بارهاق
-دكتورة شاهندة انتِ عارفة انى واخد اجازة
-ممكن تهدى، مفيش اى حد عندك
-طفل، انا جاى حضرى العمليات
نهض من على الفراش وقف امام والدته فسألته:
-انت نازل يا كنان
تنهد وهو يهز رأسه:
-طفل واقع عليه لوح ازاز ومفيش دكتور هناك يشتغل
الحالة، واللى موجود مش هيسد، حرام يعيش متشوة
عمره كله
رمقت القرص المضغوط بيدها وهى تقول:
-بس انا عايزاك ضرورى
-لما ارجع مش هتأخر، ادعيلى اعرف اساعد الطفل دا
-هستناك وربنا يقدرك على كل خير
*******
-ايه هتفضل حابس نفسك كدا كتير يا ساهر
تلك كلمات قالها طاهر لساهر بينما همس ساهر
-اللى حصل كان كتير عليا الفترة اللى فاتت مش متخيل
أن فى ناس كدا، موجوع على ميرا أوى
-طب وكيان ذنبها ايه
-مالهاش ذنب يا طاهر انا مش باعد عقاب او زعل
انا بعدت عشان محرجهاش لما تشوفنى، عشان هتبقى
مكسوفة منى بعد كلام امها ياطاهر
زفر طاهر بسأم:
-بس هى محتاجالك اكتر
-انا عارف بس انا هسافر
اسبوعين ايطاليا اطمن على ماما هناك وارجع نكون
نسينا اللى حصل
-اللى يريحك ياساهر بس انا عملت كتير عشان علاقتك
بكيان متهدهش يا ساهر انتوا محتاجين بعض صدقنى
****
بعد مرور عدة ساعات خرج من العمليات وازاح كمامته
بعملية، هرولت إليه والدة الطفل:
-طمنى يا دكتور ابنى عامل ايه ووشه
-اطمنى حضرتك ابنك زى الفل الخياطة كلها تجميل
ومش هتسيب اثر وكمان هو طفل لسه ملامحه بتتغير
وكل دا هيروح ولو فى أى اثر لأى حاجة هنعمل ليزر
متقلقيش
بكت بحرقة قائلة:
-عايزة اشوفه
-وحدى الله واحمدى ربنا ان مافيش ضرر اكبر
شوية وهيخرج على اوضته
تركها خلفه وتوجه لغرفته وجلس على مقعده مُسندًا
رأسه للوراء، وفجأة دخل ضياء كالعاصفة الهوجاء
يركل المكتب امامه بكل قوته، مكشرًا عن انيابة
وقام بلكمة بقوة اسقطته ارضًا وهو يهمس:
-اية اللى جابك هنا، انت اى مكان بتدوسه هتوسخه
ايه اللى جابك ياكنان
نهض كنان وهو يمسح االدماء السائلة من انفه بألم قائلًا:
-ألزم حدودك يا ضياء انا عامل حساب لكل حاجة بينا
-ولو ملزمتش حدودى ايه اللى هيحصل ها؟!
هتموتنى زى ما ابوك قتل ابويا
وبعدين ايه اللى كان بينا غير انكم كنتوا بتستغفلونى
شايفنى ارجواز مش اكتر
تقدم كنان نحوه بخطى ثقيلة قائلًا:
-ماكنتش اعرف حاجة، وانا زى زيك، عايز تصدق
يا ضياء صدق مش عايز شوف اللى يريحك واعمله
عايز تاخد تار ابوك انا قدامك واعمل اللى يريحك
-طول عمرى اسمع ان حرامى عينه قادرة وقوية
وادينى شوفتها، بس ايه الو.ساخة ظية انت ازاى قادر
تستحمل نفسك كدا وتبص فى عينى
لكمه كنان بعنف وهو يصرخ:
-اخرس بقى، انت مش بتحس مش فاكر اللى كان بينا
انا قاعد اقول معذور معذور، اوعى ياكنان دا ضياء
ضياء وانت ايه مافيش دم
اخذ ضياء يكيل له اللكمات ويبرحه ضربًا ليفرغ شحنات
غضبه وقهر ثم نهض وتركه، واخرج من جيبه ورق وقلم
قائلًا:
-امضى يا كنان دا تنازل عن كل شئ بيجمعنا مع بعض
المركز هنا وفى دبى احنا مبقاش ينفع نتجمع مع بعض تاني فى مكان واظن كفاية اللى سرقته
تناول كنان القلم ونقش حروف اسمه ثم رمى القلم
من يده قائلًا:
-يارب كدا ترتاح ياضياء
اولاه ظهره مندفعا نحو الباب ثم اغلقه خلفه بقوة
تناول ضياء الاوراق يمزقها وهو يصرخ بشدة قائلًا:
-عمرى ما هرتاح يا كنان عمرى ما هرتاح يا صاحبى
*******
كان يجلس فى سيارته يعلم انه يجتاز اقسى مراحل حياته فقد صديق طفولته، والده، معشوقته، صرخة مؤلمة تحررت من صدره يعلم أن الطريق الذى سيختاره سيؤذى روحه ببعده عنها، انهمرت دموعه كأنها تواسيه، ظهرت امامه تضم سترتها وترتجف
من البرد هرولت سريعًا داخل البناية، اغلق عيناه بألم
فهو سيحسم مصيره المؤلم وسيرحل، لكن ذلك الذى يكتنفه بشقه الأيسر لا يناشد سوى قربها يود لو يذهب خلفها ليسألها كيف استطاعت نسيانه وكأنه لم يكن بحياتها يومًا همس بمرارة:
-همشى ياكيان وانا بتعذب من هجرك
ومن عار ابويا، ومن غدر ضياء بيا، أنا عارف انك مش
لوحدك ممكن القدر يجمعنا تانى وممكن تشوفى حياتك
من غيري بس هتفضلى كيانى لحد اخر نفس فيا
*******
ولج إلى الفيلا بهدوء ثم اتجه إلى غرفته واخرج حقيبته ووضع داخلها ملابسه ثم اغلقها وجلس
على الفراش بألم وضعف لكنه عزم الرحيل
حمل حقيبته ثم توجه نحو غرفة والدته ليطمئن
عليها ووضع ورقة بجوارها، ثم رحل
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والاربعون
الخسارة
هذه الكلمة الوحيدة التى تتردد داخله كسكين حاد ينغرز بقلبه يشقه إلى نصفين، ولج لغرفتها ليودع ذكرياته بها جلس على الفراش بضعف وهو يهمس
بداخله ليته يموت هو حقًا لا يقدر على شئ
يشعربإنه سينهار فى أى لحظة، على حافة بركان
تمتم بنبرة باكية وضعيفة:
-تعبان يا كيان، ذنبى اية عشان اتحاسب على كل
دا، حتى ضياء نظرات الكره اللى فى عينيه بتوجعنى
اوى دا ضياء اخويا انا معرفش حد غيره، انا خسرت
كل حاجة، كنت متوقع انك تيجى تقفى جنبى بس
حتى فى دية خسرت، انتوا صح انا اكيد اتكره
نهض نحو خزانتها وفتحها ليخرج سترتها منها ليستنشق
رائحتها انهمرت دموعه بلا توقف ودموع الرجال غالية ولكنها هنا تعنى القهر والخزى.
******
شعر بأن العالم ينهار فوق رأسه، فهو منذ ساعة يسير
فى الشوارع بلا هوادة ولا يعلم إلى اين يذهب ودموعه تنهمر فوق وجهه يتذكر تفاصيل حياتهم معًا يشعر أنه فى فيلم سينمائى مأساوى، وقف يفرك فروة رأسه بعنف
لعله يكون بحلم او كابوس ليفيق منه لكنها الحقيقة القاسية، تعبت أقدامه فجلس على الرصيف غير عابئ بمن حوله من المارة حتى حالته استوقفت احدى المارة:
-انت كويس يا استاذ؟!
هز رأسه فى صمت ودموعه تنهمر بوجع ثم نهض وهو يجر اذيال الخزى وذهب إلى بيته وما أن رأته والدته بهذه الحالة المزرية شهقت وهى تقترب منه:
-ضياء ايه اللى عمل فيك كدا
ثم تابعت بفزع:
-اوعى تكون قربت من كنان
-حاولت ومعرفتش كنت عايز ءأذيه هو واكسره، بس انا
اللى اتكسرت
هزت رأسها والدموع تغرق عينيها:
-ليه يا بنى ما انا وريتك كل اللى يثبت براءته
صرخ فى وجهها بعنف قائلًا:
-ما هما بردوا اللى زوروا الاوراق من الأول، حتى اوراق
موت ابويا اتلعب فيها اصدق ازاى، انا سكت عشان
خاطرك وعشان دموعك وانتِ بتحلفينى لكن عليا
انا كان لازم افضحه بحق كل السواد اللى عملوه
-ما هو زيه زيك ليه كدا المفروض تبقوا مع بعض زى
ما كانت الدنيا بتحسدنا عليكم
نفرت عروق رقبته وجز على اسنانه، فتدخلت بيلا مسرعة:
-معلش يا طنط نأجل كلام لبعدين ضياء شكله تعبان
******
رحل الليل سريعًا رحل بسرعة البرق حاملًا فى جوفه
الكثير، وبدأت اشعة الشمس تنتشر داخل غرفتها
نهضت نهلة مسرعة لتبحث عن ابنها فهى لم تشعر
كيف غفت، انزلت قدمها على الارض وارتدت خفها
المنزلى لكن لفت نظرها هذه الورقة التى بجوار فراشها ارتعشت يدها وهى تتناولها وقد تحققت ظنونها عندما قرأت مابها
-أنا عارف انك هتزعلى من قرارى دا بس فى نفس
الوقت هتعذرينى، كنت محتاج ابعد سامحينى
فترة ومش هاغيب يمكن شهر او اكتر او اقل المهم
اول ماهستقر هاكلمك خليك قوية عشانى
انا راجع، دا مش هروب ولا انانية بس انا وجودى
حاليا هيتعبك ويضعفك عشان خاطرى خليكِ قوية
زى ما انتِ
سقط قناع جمودها، وفتك بها حزنها وهى ممسكة الورقة بيدها قائلة بقهر:
-انا قوية ياابنى عشانك، عشانك انت اما انا جوايا انهيار
محدش حاسس بيه عمرى كله ضاع مع ابوك على فاضى صبرت كتير عشانك وفى الآخر صحيت على الكابوس المرعب دا، صحيت على سنين عمرى اللى ضاعت، ربنا معاك يابنى ويردك ليا
هى مزيج بين القوة والضعف، الشدة واللين
هى طفلة بريئة والمرأة قوية هى بالنهاية أم
*****
كانت جالسة بشرود بعد انتهاء التصوير، تحاول أن
تكون طبيعية لكن لم تقدر فهى فى انتظار مصيرها
المجهول وكيف ستتعامل مع والدتها واخيها
وساهر الذى لم يهاتفها طيلة هذه الفترة ليطمئن عليها
بعد ماحدث وهى لاتشعر قطع افكارها دخول طاهر
وتامر، اغمضت عيناها ثم ابتسمت بهدوء:
-اية اللى جابكم
ابتسم تامر بسماجة:
-اخر الشهر بقى ومش معايا فلوس وقولت آجى اتغدا هنا
توسعت عين طاهر بصدمة ثم قبض على تلابيب تامر قائلًا:
-انت قصدك ايه؟ انا مش بديك مرتب يكفيك
مصيبة لتكون بتشرب حاجة وبتضيع فلوسك عليها
ابتسم ليهمس بمكر قائلًا:
-دا انت اخوك خصم نص المرتب كل ما الفارة تنرفزهُ
قطبت كيان حاجبيها متسائلة:
-فارة! فارة ايه
-ما علينا بصى يا كيان انا شفت الارض للملجأ وهنبتدى
نبنى ونخلص الأوراق تحبى يبقى الإسم ايه
رمقت طاهر بعيناها ثم نظرت لتامر وابتسمت قائلة:
-ملجأ الهدى، على اسم ماما هدى اللى ربتنى الله يرحمها
منحها طاهر ابتسامة شاحبة وقد بدأت يداه بالتعرق قائلًا:
-عايز اقولك حاجة يا كيان مش عارف تهمك ولا لأ
زهير والد كنان اتوفى من اسبوعين
انحبست انفاسها لوهلة لكنها عادة تتنفس ثانية، وهى
تنظر لعيناه بتساؤل:
-انت بتقول ايه؟!
-اللى سمعتى كنان والده اتوفى من اسبوعين
دمعت عيناها تلقائيًا وحاولت النطق لكن لم تخرج
منها حروف مرتبة ثم همست:
-وكنان عرف، قصدى محدش قالى ليه؟!
تنهد طاهر قائلًا:
-يا كيان انتِ حالتك ماكنتش سامحة نتكلم معاكِ
تحبى اروح معاكِ تعزيه
-ازاى بس كان لازم اعرف
فرك طاهر وجهه قائلًا:
-بس فى حاجات كمان لازم تعرفيها
بعد أن انتهى من سرد ما ساد صمتت للحظة ثم تابعت بعدها وهى تتناول حقيبتها قائلة:
-لأ هروح أنا لوحدى
********
وما أن دخلت الفيلا سقطت دمعة حزينة من عيناها
هنا فى هذا المكان حاصرها وضاقت انفاسها، لم يشفع
ما مرت به ولم يتركها بحالها حتى انه شكك ابنه بها
فعندما نضعف ونسلم نفوسنا للشياطين، نخسر كل شئ
ولا نفيق إلا بعد فوات الأوان
تنهدت بوجع وهى تنتظر قدومه، فى تلك اللحظة
هبطت نهلة من الأعلى والغضب يملأ عيناها لدرجة
الاحمرار، ابتلعت كيان بصعوبة وهمست:
-البقاء لله
حاولت نهلة السيطرة على اعصابها قائلة:
-مش شايفة انها متأخرة
رمشت عدة مرات ثم قالت بوجع:
-ماكنتش اعرف وكانت عندي ظروف وماحدش قالى
ممكن اقابل كنان
تغيرت ملامحها فجأة فأصبحت كيان غير قادرة على تحديد أن كانت ضعيفة، حزينة ام قوية، قاسية
-كنان ابنى هو فين؟!
ابنى امشى الكل خانه ماحدش كان امين على قلبه وكأنه
مش بيعرف يحب، وقفتى قصاده وقولتيلهُ بكرهك
وضياء شك فيه خونه وقالوا بكرهك، وابوه هز ثقته
فى نفسه وشيلوا الليلة وعذاب ضمير وقالوا سامحنى
ابنى طفش مشى ساب ورقة وقال الحزن كان اكبر
من قلبه، قالى خليكِ قوية وهارجع وانا هاستنى ابنى
وهيرجع كنان وكلكم هاتشوفوا، جاية دلوقتى ليه
ليه مقولتيش لكنان على الحقيقة يمكن كان عرف
يلحق حاجة ، طب كان حافظ عليكى او حتى على
صاحبه انتِ جيتى متأخر انا صحيت ملقتش ابنى
هرب من كل حاجة
اغمضت عيناها قائلة بألم يعترى قلبها بعنف:
-انا كنت خايفة اوى من تهديده قالى مش هخلى ابنى
يعترف بعياله منك، كنت خايفة اوجع كنان فى ابوه
وسنده وانا جربت الكسرة دية قولت امشى شوية
وهينسى واحدة زي، بس مقدرتش لكن كنان هو اللى وجعنى
اغمضت نهلة عيناها من تصرفات زوجها تتمنى أن تختفى هذه المعاناة همست كيان:
-هو سافر فين؟!
-معرفش معرفش أى حاجة غير انه ساب ورقة
وقالى لازم اكون اقوى واستناه
هزت كيان رأسها ثم انصرفت نحو الباب بخطوات متثاقلة كأنها مكبلة بالاصفاد تختنق انفاسها وتحرق
فؤادها بقسوة،
هل هذه النهاية ولن تراه ثانية؟!
هل هذا الفراق الحقيقى؟!
******
-لو سمحتِ يا بيلا عايز اقابل ضياء
قالت هذه الكلمات كيان بينما اردفت بيلا
-كيان ضياء تعبان وخارج من المستشفى صحته لسه
مش مظبوطة لو اى حاجة تخص موضوعه هو كنان ممكن تت
قبل أن تكمل جملتها قاطعها ضياء هاتفًا:
-أنا موجود يا كيان خير
رمقت بيلا ثم رمقته قائلة:
-ليه عملت كدا، ليه صدقت فيه كدا
انت كنت عنده اهم من نفسه ليه ها لييه
دوست عليه اوى كدا ليييه؟ مجاش لحظة فى بالك
انه ممكن يبقى فعلا ضحية زيك يبقى مالهوش حد
غيرك
اجابها بنبرة ساخرة:
-وممكن يبقى حرامى فعلًا زى ابوه مش احتمال بردوا
.
تفاجئت بنبرته الساخرة ثم صرخت بحدة ودموعها متساقطة:
-لا مش زيه لأ، لأ كنان مش كدا، لأن ابوه اجبرنى
اسيبه وعشان هو ميعرفش سيبته، عشان هو طول
الوقت كان معاك زهير لعب على الكل، عشان لما
شاف كارما فى المطار مقالش انا مالى ولما انزل
اقول لضياء، كنان راح لجوز اختك لوحده يا قاتل
يامقتول، وفى الحالتين خلصها هى، مصدقش انها
ممكن تكون عملت حاجة غلط ولا شك للحظة
انها تكون غلط، فى الآخر سلم جوزها خوفًا عليك
عشان متوديش نفسك فى داهية، انت بقى رفعت السلاح فى وش مين يا ضياء فى وش كنان
كنان برئ من كل حاجة اتصدم فيك وانت معرفتش
تقوم بدور الصديق
صرخ وهو يضرب الحائط بقبضته بقوة صرخ ليثأر
لكرامته المجروحة قائلًا:
-انا مصدقتش وسافرت واتأكدت ورجعت هنا اتأكد
من الحساب المركز دا بتاعنا الشحنات هو اللى ماضى
عليها اعمل ايه ها؟
بلاش شايفة انتِ محروقة عليه
ازاى عشان بتحبيه صح، لو عرفتى انى انا السبب
فى موته انا وبيلا هتعملى ايه ردى عليا قلبك
هيتكوى ازاى دا ابويا يا عالم مات غدر سندى
كل حاجة ليا، انا مش عارف امسك مشرط مش عارف اشتغل
مش عارف انام مش عارف اشتغل مش قادر استحمل
انا كمان مش مصدق اللى بيحصل بينا بس اعمل ايه
مسحت دموعها وهى تراقب انهياره قائلة:
-متعملش هو طفش خلاص وماحدش عارف
راح فين يعنى مش هتشوفه ريح نفسك طالما
صدقت انه حرامى
وضع يده على موضع قلبه الذى ينزف بغزارة فالجراح
غائرة، والصديق طبيب الروح بعيد
******
بعد مرور ثلاثة ايام
جلست هاجر وهى تستند على رخامة المطبخ وتقضم
الخيارة، ثم طالعت وجه كيان قائلة:
-يا شيخة لوجه الله افرديها انا تعبت
-تعبتى روحى يا هاجر وبلاش تتعبى نفسك معايا
لوت فمها ساخرة وهى تقول:
-لا ازاى نكدى خدى راحتك
-لسه مافيش منه أى خبر
لما عرف موضوع تهديد ابوه ليه مكلمنيش
-لأ غلطان وقماص مش من حقه يزعل شوية زى اى
بنى ادم، بعدين يا حبيبتى انتِ عاملة ليه بلوك من
كل حتة اية عايزه يكلمك على الغسالة مثلا
رفعت حاجبها بغيظ قائلة:
-هاجر انتِ فى صفى ولا فى صفه
قلبت عيناها للأعلى مدعية التفكير ثم قالت بسماجة:
-فى صف جوزى هاجد شيخى قال صفكم قال
اسمعى اما اقولك مش الولية امه قالتلك قالها
خليكى قوية انا راجع، انتِ كمان خليك قوية
لحد ما الدوك يرجع وبالمرة تكونى فكيتى عشان
لما يرجع تشخلعيه
لكزتها فى كتفها بحدة قائلة:
-اتلمى هاموت واطمن عليه هاتجنن ..كويس حزين بيأكل
ولا لأ ايه اخباره
-شوف يااخويا سهوكة البت مش دا اللى كرشتيه وقولتيلهُ بكرهك بكرهك
قبل أن تجيبها رن جرس الباب فقفزت هاجر لتفتح
الباب وما أن فتحت توسعت عيناها بذهول فهمست
بيسان:
-هى كيان موجودة؟!
-ها، اه يا حبيبتى
البيت بيتك طبعًا ما انتِ اتفضلى ما انتِ دايسة
قطبت بيسان حاجبيها ثم استدارت متسائلة:
-بتقولى ايه؟!
اجابتها هاجر ببراءة مزيفة:
-بقولك سمى الله واتفضلى
هزت رأسها على مضض ثم قابلت كيان التى بدا عليها الارهاق بابتسامة ناعمة:
-عاملة ايه يا كيان شكلك مرهق اسفة انشغلت اليومين
اللى فاتوا
هزت كيان رأسها بالنفى قائلة:
-لا بس ضغط شغل، انا عارفة انك مشغولة وقتك مش ملكك طبعًا
تحمحمت هاجر قائلة:
-بس براحة بلاش شكلك مرهق مش عايزين نخضها على
نفسها يا
-اسمى بيسان
-وقتك ضايع فى اية يا بيسان بقى
لكزتها كيان وهى ترمقها بتحذير قائلة:
-دكتورة بيسان جراحة
هزت هاجر رأسها وهى تقول بعلو:
-جزارة يعنى؟!
-الكائن دا بيقول ايه؟!
-اية كائن دية؟!
همست كيان من بين اسنانها فى اذنيها:
-معترضة على كائن وجزارة عادى
رفعت كيان رأسها وهى تضرب ظهر هاجر بمرح قائلة
-بتموت فى الهزار
أومأت بيسان بامتعاض وبعد مرور فترة ليست بطويلة
وقفت بيسان تستأذن للرحيل فهتفت كيان:
-ما لسه بدري يابيسان
رمقت هاجر بطرف عيناها ثم قالت:
-مرة تانية تكونى فاضية وكمان ورايا عيادة
انصرفت ثم استدرت كيان لهاجر لتوبخها:
-اية قلة الذوق دية
-اسكتِ انتِ لما كنتِ متدهولة كانت هى وطاهر هنا
مش ناقصين احنا مصايب
-اوعى تكونى لسه ياهاجر
نهضت هاجر كالملدوغة قائلة بحدة:
-اوعى تكملى ازعل، ويبقى باللى بينا انا بعشق هاجد
بس دية حستها الحياة عندها ايزى وكمان البت دية
عينها من طاهر ولازم تعرف تعمل حدود زينا
دية الحكاية كلها
طرق الباب ثانية قطع حديثهم فهمست هاجر لكيان:
-روحى افتحى لتكون ناسية حاجة هنا من المرة اللى
فاتت وتكون مكسوفة منى
-يخربيت لسانك
وما أن فتحت الباب وجدته كرم فابتسمت كيان
وما أن ولج اغمض عيناه باشمئزاز مزيف:
-مين هاجر اللى وحشانى
جلست فوق الاريكة قرفصاء قائلة:
-عامل ايه يا كرم ومرات خالى عاملة ايه
وايه اللى جابك هنا
همس بخفوت بينه وبين نفسه:
-دا ربنا نجده طاهر لا نجدنا كلنا
اقترب يجلس على المقعد المقابل لها قائلًا:
-الحمدلله يا هاجر، كنت جاى اخد بطاقة كيان
عشان فى اوراق بنخلصها دا يضايقك فى حاجة
-لأ يا كرم، بس شكلك مش عاجبنى مالك كدا ياكرم
شكلك كدا بتحب ولا اية ما تعترف يا واد مفرهدنى
حك مؤخرة رأسه قائلًا:
-انا القطر دايس عليا يا هاجر سبينى فى حالى
-البت القصيرة صح صح دا اخوها الدكتور هيدوس على وشك
ابتسمت كيان بهدوء وهى تلكز هاجر:
-القصيرة يعنى الفارة هى كارما اخت ضياء
الله بس انت عارف انها لسه مفقتش من الطلاق
ضربت هاجر على صدرها هاتفة:
-يا مصيبتك يا مرات خالى فى عيالك كمان متطلقة
فرك كرم وجهه وهو يقترب من هاجر بتحذير:
-عارفة لو أمى شمت خبر يا هاجر هقتلك
وبعدين يا كيان مش دية اللى نتكلم قصادها
يا كيان هاتى البطاقة خلينى امشى
هزت رأسها ثم نهضت مسرعة تحضر له الاوراق
تناول وهو يشير لهاجر بيده حركة تدل على القتل
-ابن عمك بقى قتال قتلة، احكيلى حوار البت دية
تنهدت كيان بارهاق:
-يلا يا هاجر روحى امشى يلا بقى
تناولت هاجر حجابها وهى تقول:
-قال بتطردينى من الجنة دا ناقص يتكتب على باب شقتك (بيت الناس) لحل المشكلات والنكد وسعى
اروح اشوف جوزى ياختتى
*****
-ايوة كدا يامايسة اديهم فى جنبهم وعرفيهم الصح من الغلط
قال هذه الكلمات هاجد تزامنا مع وصول هاجر التى
طوت ذراعيها مستفسرة:
-غلط وصح ايه اللى هتعرفهُ مايسة ليهم يا هاجد
توتر هاجد ثم اجابة بهدوء:
-دا الشباب المهملين فى حق الصلاة وهى قالتلهم الاحاديث عقوبة تارك الصلاة
-اممم، لا بارك الله فيها
بعد مرور عدة دقائق بدأت هاجر فى الاندماج مع الجمع
وهى ترمق هاجد بطرف عيناها حتى أن صوت ضحكتها
اصبحت عالية، فنهض هاجد قائلًا:
-معلش يا جماعة انا عندى شغل، يلا يا هاجر
عشان تحضرى ليا الهدوم
جذبتها حماتها من معصمها هامسة فى اذنيها:
-جالك الموت يا تارك الصلاة
-ابنك دا بجح وفاكر نفسه هيقلب الترابيزة عليا
طب انا هفرجهُ
*****
فى الأعلى
وما أن اوصد الباب وحدجها بنظرات نارية، فانفجرت هاجر باكية انتفض يسألها بلهفة:
-مالك يا هاجر فيكِ ايه؟!
-انت مش شايف بتزغرلى ازاى وقاعد تجز على اسنانك
تنهد بنفاذ صبر:
-ودا ليه ها ردى عليا؟!
هو انا مش قولت متضحكيش قدام حد بصوت عالى
ولا تهزرى مع شباب العيلة بكل اريحية حصل ولا
محصلش
هزت رأسها بالإيجاب واجابته بين شهقاتها:
-حصل، بس انت بتمدح فى مايسة ليه بقى؟!
ضرب كف على الاخر قائلًا:
-ماكنش مدح حتى هى بطلت تقولى شيخى
وانا كلمتى عادية، سؤال انتِ شايفة نفسك غلطانة
ولا لأ دلوقتى
-غلطانة ايوة
التو ثغره قائلًا:
-طب اعتذرى
انفجرت فى بكاء ثانية قائلة:
-لا انت اللى هتعتذر
-نعم مش انتِ اللى غلطانة
-انا غلطانة وانت هتعتذر
اقتربت منه تريح رأسها على صدره ابتسم بيأس
فقد اصبحت ماكرة تعزف على اوتار قلبه العاشق
حد النخاع، خفق قلبه بجنون فدق ناقوس الخطر
بداخله مرتين؛ الأولى بدموعها والثانية بملمساته كالقطة:
-حيث كدا ندخل اوضتنا نعتذر براحتنا
فابتسمت وهى اكثر من مرحبة حتى تظهر له عشقها الخفىوكيف اصبحت متيمة به
*****
فى صباح اليوم التالى
بعد أن كسى قلبها الهم الأيام الماضية حتى انها لم تنتبه
لنفسها كان ينتابها الدوار بشكل متكرر صباحًا، حتى أنها
تلتقط انفاسها بصعوبة لكنها قررت حسم الأمر وارسلت
للصيدلية لإحضار إختبار الحمل وهى الآن فى انتظار
النتيجة رفعت بيلا الاختبار وجدتته شرطتان فهمست
-انا حامل
ابتسمت ببهجة تزور قلبها وقد هجرتها منذ عدة الايام هذا الخبر حتما سيكون مفتاح الفرج
******
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والاربعون
كان ضغطها مرتفع بسيطًا وهذا ما يقوله جهاز الضغط، لكن حدس ابنتها يقول أن هناك خطب ما فسألتها كارما:
-ليه بس كدا يا ماما ضغطك عالى مش قولتلك تهدى نفسك شوية
كلمات ابنتها قضت على كل ذرة صبر بداخلها دموعها
هددت بالسقوط فحدثتها قائلة:
-وازاى ميعلاش الضغط ياكارما ازاى
لسه نهلة مكلمانى وقالتلى كنان مشى وساب المستشفى
واخوكِ مش طبيعى عشان يمسك الشغل
ابوكِ لما اتوفى يا كارما اتقدم ليا ناس كتير وأنا قولت لأ عيالى اهم حاجة عندى وعشت على ذكرى ابوكِ وكل احلامنا انا وهو كنت بحققها فيكم وفى الأخر كل حاجة كدا بتتهد عيالى بيضيعوا فرع دبى ماحدش ماسكه وهنا الشغل بيضيع وابنى كمان، أنا عملت اية غلط استاهل عليه العقاب دا
مدت كارما يدها تمسك بكفها كانت باردة كالتلج مرتعدة
وترجتها بألم:
-عشان خاطرى يا ماما متقوليش كدا
ضياء وكنان كان لازم يبعدوا عن بعض
وضياء شوية وهيفوق وبالنسبة للمستشفى انا هنزل وامسك الشغل
-وانتِ تفهمى ايه بس يا كارما فى شغل الطب
اغمضت عيناها خائفة تائهة لكنها تريد أن تقف بجوار اسرتها فى أسوء وقت تمر به، ابتسمت وهى تربت على كفها قائلة:
-هو انا بقولك هدخل اوضة العمليات أنا هامسك الإدارة
بس ولو فى حاجة وقفت قصادى هكلم بيسان لحد
ما ضياء يهدى وهيرجع لشغله
ثم تابعت بحزن قائلة:
-ومتنسيش أنا لو كنت كملت الكلية كنت زمانى
فى آخر سنة وانا إدارة اعمال، اهدى بس انتِ
وانا هأكلم بيسان وهانزل من انهارده الشغل
ربما هى من تحتاج هذه الفرصة، لتتأكد أنها قادرة علي
التحدى وأنها قادرة تكمل حياتها بعد طلاقها
نهضت وهى تخفى حزنها بابتسامة هادئة، حملت
جهاز الضغط ووضعته فى الخزانة وعزمت امرها
********
زمجر كرم بحدة فاستهزأ طاهر هو ينظر بعيدًا عنه
فتح كرم عيناه بعصبية هاتفًا:
-النور يا حيوا.ن انت
تجاهل طاهر حديثه واغلق الخزانة بقوة ثم انحنى يربط حذائه، فصرخ كرم ثانية:
-طااااهر
-صوتك يا بغل انت مش عاجبك النور متجيش تتخمد
جنبى بالليل يابارد
رمقه كرم بأعين ضيقة ثم سأله بفضول:
-انت رايح فين كدا باللبس السبور دا على الصبح
وقف طاهر امام المرآة يلقى نظرة على نفسه ثم ابتسم
بغرور قائلًا:
-انا رايح الجيم انا وبيسان هنلعب ماتش
قفز كرم مسرعًا من على الفراش قائلًا:
-انا جاى معاك
-ايه شغل حشر الدماغ فى كل حاجة دا انت تيجى
ليه ومش كنت عايز تتخمد
ابتسم كرم بسماجة:
-عيب يا جدع هاشجع اخويا
تنهد طاهر وهو يسأله:
-وبعدين يا كرم؟! وآخرته أيه؟!
تحولت ملامح كرم واجابه بجمود:
-مالك يا طاهر فى أيه؟!
أنا باخد كل حاجة بضحك وهزار بس كلامك على طول ناشف فى الموضوع دا انت شايفنى حاجة صعبة حد يرضى بيها
نفى طاهر برأسه سريعًا قائلًا:
-مش قصدى والله بس يا كرم انا خايف على قلبك
مش عايزك تتوجع زىّ الموضوع صعب
هى مطلقة وانت عارف دماغ امك
غير اخوها مش سهل يوافق
-سيبك من امك اخوها مش سهل يوافق ليه ياطاهر
لييه
جذب طاهر خصلات شعره بعنف قائلًا:
-اخوها حاسس انه قصر معاها اول مرة عشان كدا
المرة دية هيبقى صعب فاهمنى
موضوع السن هيشوفه ازمة وهيرفض
اجابة كرم بضيق:
-سن أيه هى ٢١ سنة وانا ٣٤
يعنى مش حاجة ليه محسسنى انى ماشى على عكاز
انا شايف انه عادى، بعدين أنا حبيتها ومعرفش ازاى
انا عمرى متهزيت كدا غير قدامها هى أول مرة شوفتها
تحت البيت كانت بتبص ليا بغباء ومش فاهم ليه
تانى مرة حستها تايهة، حستها عايزه تعيط وفجأة حسيت
انى عايز اخدها فى حضنى اول مرة يا طاهر فى
حياتى احس كدا مش بأيدى اعمل ايه؟!
لا يعلم يبكى ام يبتسم على حال اخيه لكزه فى كتفه وهو يبتسم قائلًا:
-مش مكسوف ياجدع دية هى عقلة صوباع والباقى شعر
تعمل فيك كدا
ابتسم كرم معترضا:
-مسمحلكش تقول عليها كدا متعرفش دموع عقلة الصوباع دية مش بتنيمنى الليل
-كرم انت بتكدب ياكرم انت صوت شخيرك بيجيب اخر
الشارع، المهم الشعر اللى طلعلوا بنى ادمة دا بتبادلك
نفس الشعور
ضحك هازئًا وهو يحك مؤخرة رأسه:
-لا بس بتخاف منى
-اصدقك فى دية يابنى العلاقة دية مؤذية والله
انهى طاهر جملته وهو يضحك وقطع ضحكته دخول
والدته وملامحها لا تفسر فابتلع طاهر توتره وهو يرمق كرم بطرف عيناه قائلًا:
-صباحوا يا نوجا يا قمر
-اخرس يا واد انت
اطرق رأسه ارضًا هو يهمس:
-نكد بلا هدف
اخذت الملابس كى تغسلها واستدارت ثم عادت ثانية:
-بذمتك انتوا مش مكسوفين من نفسكم كدا وانا فى سنى دا بغسل واروق ليكم
اجابها كرم مسرعًا:
-سن ايه دا انتِ لسه بطة، وبعدين لو تعبانة نجبلك واحدة تساعدك فى شغل البيت
القت الملابس التى بيدها على الارض وهمست من بين
اسنانها:
-واحدة تساعدنى يابارد هو اللى بيجرى فى عروقك دا
ايه
اجابها طاهر مازحًا:
-شربات ورد
اجابته بحنق بالغ:
-وانت معندكش ريحة الدم يا طاهر
واحدة تساعدنى ايه انا عايزاكم تغوروا و تتجوزوا افرح بعيالكم مافيش دم مافيش احساس عايزة اشيل
عيالكم
اقترب منها كرم ثم تناول يدها يقبلها قائلًا:
-قريب اوى يا نوجا وهتشيلى عيالى وعيال عيالى كمان
ابتسمت بسعادة قائلة:
-بجد يا واد يا كرم يعنى فى واحدة، هى مين وانا اخطبها قولى
-صبرًا يا ست الكل هظبط بس دنيتى واخدك انتِ
والحج ونروح نطلبها واجبلك انتاج يعمل ازعاج
ابتسم طاهر بتهكم قائلًا:
- انتاج يعمل ازعاج مش كفاية قرفك بعدين وانا ايه شفاف
-آه شفاف ومش هتلاقى حد يعبرك لو ماشوفتش بنت حلال وخلصتنى
نظر نحوها بألم قائلًا:
-كله نصيب انجز ياكرم مستنيك تحت
*****
كانت تقف فى مطبخها تقطف اوراق النعناع التى
زرعتها بعناية ثم وضعت الاوراق الخضراء ذات الرائحة النفاذة فى كوب الشاى حتى قطع لحظاتها جرس
الباب فتوجهت لتفتح ووجدته ابنها ابتسمت بسعادة:
-صباح الخير يا هاجد تعالى
-صباح الفل يا امى
-تعالى اشرب معايا الشاى
قبل رأسها قائلًا:
-لا يا ست الكل متأخر مش هينفع هاجر زمانها نازلة
تشرب معاكِ
تأملته لبرهة ثم سألتها بقلق:
-كلمت ابوها يا هاجد
-كلمتهُ كلمتُه وقالى استنى عليا شوية وهاتصرف
تقلصت ملامحها قائلة بغضب:
-وبعدين بقى كدا كتير هو مش شايف انه كدا بيجى عليك لا كدا اكلمه أنا الرجل دا
رد هاجد بجدية:
-متدخليش انتِ ياامى هو وعدنى انه هيتصرف وهعدى
عليه تانى النهارده
******
مال كرم على طاهر يهمس فى اذنه بسخرية:
-لا شكل بيسان جاهزة هى مش خايفة على نفسها
اقترب كرم وطاهر منها ولا زالت ملامحها جامدة، تلف شريط حول يدها ثم رمقته بطرف عيناها قائلة:
-أيه جايب اخوك يتوسطلك
هز طاهر رأسه بيأس قائلًا:
-انا اصلًا مش عارف وافقتك ازاى
بقولك فكك يلا بينا نفطر فى أى حتة
علت شفتاها ابتسامة ساخرة قبل أن ترد عليه قائلة:
-طب ما تقول انك خايف اسهل
توسعت عين طاهر بصدمة بينما اردف كرم:
-انتِ شاربة ايه على الصبح مقوى قلبك مش شايفة
فرق السعرات
-انت لسه متعرفش بيسان لما تحط حاجة فى دماغها تعمل ايه، هتلعب يا طاهر ولا المسحوب مغلوب
هما الحالتين واحدة لعبت او ملعبتش
حدق بها لدقائق وملامح وجهه مشتدة الأوتار حانقة حرك رأسه لليمين قليلًا ثم لليسار قليلا وكور
قبضت يده يضرب بها كفه قائلًا:
-ابتدى يلا بينا
وقف طاهر فى المنتصف بينما كانت بيسان تدور حوله
وابتسامة السخرية تملئ وجهه وعلى حين فجأة لكمته
فى انفه بقوة فانفجرت الدماء بغزارة بينما كان طاهر ممسكًا انفه يتأوه ضربته بركبتها فى بطنه غير عائبة بتلك الدماء
اعتدل طاهر وانفاسه تحترق ينظر لها بغضب ثم حاول أن يلكمها لكنها تفادته بخفة ومهارة حاولت أن تلكمه
ثانية لكنه صدها ودفعها بحدة حتى كادت أن تسقط
اقتربت منه فاسرع يلكمها لكمة قوية فى بطنها،
فانحنت تتأوه ولم تنظر كثير فاعتدلت كى تلكمه
فقبض على يدها باحدى يديه، فقفزت فى الهواء
وركلته بقوة بقدمها فى صدره ليختل توازنه ويقع
على الارض، بحركة سريعًا كان طاهر يمسكها من
قدميها لتقع أرضًا ثم امسك كتفها كى يثبتها لتستلم
كان كرم يتابع بصدمة لا يصدق أنها فتاة، كانت تقاتل بمهارة وحرافية عالية، المعركة بينهم حامية وفى لمح
البصر بيسان كانت تضرب طاهر فى انفه بيدها الحرة
ثم لفت يدها حول رقبته، حتى كف طاهر عن المقاومة
فتركته قائلة:
-عشان متحاولش تقلل من قدراتى تانى
رمش باهدابه هو ينظر لها يبتسم بداخله بتعجب هو
كان من السهل أن يهزمها لكنه اراد فوزها، اراد ان تظل كما
هى لا تهزم من أى شئ او اشخاص، اوظروف اراد أن تبقى
قوية، هى بالفعل قوية
كانت تنظر له وقلبها يهتز من منظر الدماء التى تسيل
من انفه على رغم من انها طبيبة جراحة تجيد استخدام
المشرط ورؤية الدماء بالنسبة لها كرؤية الماء
فهى كانت دائمًا خالية المشاعر، قليلة الأحساس
فركت مؤخرة رقبتها وهى تقول بأسف:
-مناخيرك هتحتاج تلج عشان متورمش
جثى كرم على ركبتيه قائلًا بطريقة درامية:
-تلج! دا عايز كفن عشان نغسل عارنا طول النهار رايح
الجيم وراجع من الجيم ويشرب ٥ كيلو لبن الصبح
عامل لينا مجاعة فى البيت وفى الأخر تتهزم كدا
بكل سهولة ياخى حسبى الله فيك
قبل ان يجيبه صدح صوت هاتف بيسان فنهضت تخرجه
من حقيبتها ثم اجابت على هاتفها:
-اهلا يا كارما
-ازاى دا؟! طب وضياء؟!
-اممم، طيب انا عندى شغل دلوقتى ممكن تروحى
وانا كمان شوية هاجيلك ومش هتأخر
انهت الاتصال واستدارت وجدت كرم فى وجها فانتفضت بفزع:
-يامامى، ايه يا كرم خوفتنى
-خوفتك ايه دا انتِ كان ناقص من شوية تطلعى نار
من بؤقك انجزى مالها
تنهدت وقصت له تفاصيل المكالمة
فحك ذقنه بتفكير قائلًا:
-شايف الواد المتكوم دا تعالجيه عشان امه لو شافته كدا
وعرفت انك السبب هتعلقك وهتقتلوا وتغسل عاره بايدها، هستناكِ هناك متتأخريش يلا سلام انا
ثم تابع وهو يقول لأخيه:
-قوم يا بابا امسح الدم اللى مطرطش فى كل حتة
برستيجك فى الجيم بقى شرشوبة والله
انهى جملته وانطلق مسرعًا للخارج مدت يدها لطاهر
لتعاونه على النهوض وهى تقول:
-اخوك دا مجنون مش طبيعى
-حقيقة يلا نفطر اعوض الدم دا
اغمضت عيناها بأسف:
-اسفة بس عندى شغل لازم امشى مرة تانية بقى
متنساش التلج
*****
اخرجت الأكل من الفرن ثم نزعت القفازات والقتهم
بوهن، فلم ترى عينيها طريق للنوم منذ امس
ضائعة، مشتتة، خاوية الروح، منطفئة
كأن الحياة نصبت خيمة العزاء لموتها، حياتها
سوادء هو كان طاقة النور لحياتها، وقعت اسيرة لحزنها
لكن السؤال الذى يطرق رأسها ماذا
لو عاد، ستعود إليه، لكن جرحها منه غائر
وربما هو لا يريدها رفعت رأسها للأعلى تهمس:
-يارب، يارب انا كنت راضية بحياتى
مش كان كفاينى الناس اللى رمونى وعاشوا حياتهم
والله قلبى كان برد وعايشة وراضية، ليه اتعلق وقلبى
النار تولع جواه، يارب يارب
صدح صوت الجرس فرمقت الساعة باستنكار ما زال
الوقت مبكرًا، فتحت الباب لتجده ساهر
-ممكن ادخل
تنحت جانبًا تفسح له الطريق فولج للداخل واغلقت
الباب خلفه ولحقته للداخل قائلة:
-فطرت؟!
-يعنى هتفطرينى؟!
فبرغم هجره الفترة الماضية لكنها لم تغضب منه فهى
تعى حجم المعاناة التى يعيشها، لكن اكثر ما جعل نياط
قلبها يتمزق، انها كانت تود أن ترتمى بين احضانه هو
كى تبث شكوى قلبها فابتسمت ودموعها ترقرقت بعيناها
-اه كله بثوابه بقى
اجابها بارهاق بائن على ملامحه:
-طب ليه الدموع دية؟!
ساد الصمت ولم تجيبه فتنهد قائلًا:
-انتِ وحشتينى اوى ياكيان
رمقته بعدم تصديق فأكمل:
-انا ممكن بعدى عنك الفترة اللى فاتت دية ترجمتيه
غلط يا كيان، بس انا بعدى لكذا سبب، اولهم انى
محبتش تشوفى حالتى وجعى على ميرا عمره
ما يبرد يمكن حاولت اكون ثابت بس جوايا نار
نار بتزيد ومش بتقل موت ميرا مش موت عادى
دي كسرة ضهر طول العمر، كان سبب فى تعب امى
وموت ابويا غصب عنى ابويا يا كيان عارف انه مالوش
معاكِ غير الذكريات الوحشه، بس أنا كان ليا حاجات كتير طول الوقت ياكيان انا خايف على مشاعرك انتِ
بس لما سمعت كلام الست دية وازاى اختِ بطيشها
وقعت فريسة ليهم اتوجعت اوى وحسيت انى
كنت بعيد عن اختِ ومش قد المسئولية هو الاكيد
ذنبك، بس لو كنت جنبك بحالتى كنت هوجعك اكتر
انا حسيت ان اختنا لسه ميتة حالا يا كيان ميرا كانت
ممكن تتغير سهل اوى ياكيان، ومتموتش وهى خسرانة
دنيتها واخرتها كانت لسه طفلة كيان غلطة ابويا
دمرتنا مش عارف فاهمانى ولا لأ انا كنت محروق وكان وجودى جنبك وانهياري فى الوقت دا هيوقعك انتِ اناكنت بصرخ وبسب وبلعن فى اللى كان السبب
أنا لسه ما أخدتش تارى ولا ممكن اهدى
بئس قلبًا يكتم بداخله حزنًا لينفجر قهرًا انهى كلامه ببكاء مرير كان هشًا وضعيف للغاية، اقتربت منه تضمه
ودموعها تنهمر على وجوههم:
-انا اسفة انا عارفة انه اللى المفروض اهلى هما السبب
يمكن لو ماكنتش حملت فيا ماكنش حصل كل دا
ابتعد عنها وهو يمسح عبراته قائلًا:
-عرفتى بعدت ليه؟
انت مش السبب فى أى حاجة خالص انت ضحية
زى أنا وميرا كمان صحيح هى كانت غلطت بس ضحية
اوعى تقولى كدا تانى انتِ وجودك نعمة فى حياتى
انا رجعت لملمت نفسى تانى عشانك يا كيان عشان
انا وانتِ مالناش غير بعض
كيان بحنان:
-طب يلا عشان نفطر وتوصلنى الشغل
-يلا بينا، بس صحيح انا هسافر اسبوع وارجع
انتهى ثباتها الزائف قائلة:
-هتسافر فين وتسيبنى يا ساهر لوحدى تانى
اقترب منه يقبل رأسها قائلًا بحنو:
-اسبوع واحدة اطمن على ماما وارجع اصلا ماقدرش اتأخر واسيب اختى القمر هنا لوحدها وعلى فكرة
هارجع اعيش معاكِ هنا الواد الزفت تامر دا قرفنى
طول الليل يكلم نفسه
-مش هتتأخر عن اسبوع
-والله مش هاقدر يا كيان هو يا دوب اسبوع
********
وقفت فى المرحاض تحمل اختبار الحمل بيدها
وابتسامة مشرقة تزين وجهها واضعة يدها فوق
بطنها بسعادة هى حامل ستنجب طفل من ضياء
ستكبر عائلتها، لكن فجأة تسلل البرودة بداخلها
من رد فعل ضياء وهو بهذه الحالة لكنها ستحرص
ان يكون اليوم مميز، خرجت من المرحاض
فى الخارج كان ضياء مستلقى على الاريكة فمنذ
ما حدث بينه وبين كنان وهو لم يخرج من غرفته
شعور متناقض بداخله حزن، قهر، شعور بالذنب
كان مغيب تمامًا ولم يترسخ بعقله سوى الاخذ
بالثأر اعماه شيطانه، اصبحت ملامحه باهتة عيناه
محمرتان، لأول مرة يشعر بالعجز، فقد سلب منه
القدر رفيقه، قلبه يخبره ببراءته لكن كلما اراد التفكير
بعقله يخبره بأن كنان يرتدى قناعًا للبراءة، قطعت تفكيره
بيلا:
-ضياء مش هتنزل تفطر معانا تحت
-لأ افطروا انتوا
تنهدت قائلة:
-براحتك بس ممكن طلب يا ضياء عشان خاطرى
مترفضش
ممكن نتعشا بره لو سمحت انا محتاجة اخرج جدًا وانت
كمان
-مش قادر بجد يا بيلا سامحينى
اكملت بالحاح:
-عشان خاطرى وحياة بيلا يا ضياء خلينا نخرج
ساعة واحدة نتعشا برة
-ماشى شوفى عايزة تروحى فين
ابتسمت بسعادة وانقضت عليه تقبله بفرح، كانت ابتسامتها كشعاع من النور يضئ عتمة حياته
القت عليه التحية وخرجت مسرعة لتستعد لسهرة
المساء ولتجهز المفاجأة كما يجب أن تكون
*******
-يا فندم دية كشوفات القبض والمرتبات
وفى ناس عاملة شكوى كانوا متابعين مع دكتور ضياء
وكنان ومتفقين على العمليات وهم سلموا الشغل
لدكاترة تانيين والمرضى رافضين، غير انه فى شحنات لازم
حد يمضى عليها المستشفى بقالها اسبوعين مش
شغالة ورأفت مش موجود
تلك كانت كلمات موظف الاستعلامات اغمضت كارما بارهاق ثم اردفت:
-سيب كل حاجة واخرج وانا هاتصرف اتفضل
وضع الملفات امامها فرمقتهم بوهن ثم دفنت وجهها بين
يدها لا تعلم من أين تبدأ، نهضت متجهة للخارج فهى بحاجة للهواء سارت مسرعة فى اروقة المشفى
حتى خرجت إلى الحديقة، ووقفت فى زاوية بعيدة
تجهش فى البكاء حائرة، تائهة
وقف كرم بجوارها ونياط قلبه يتمزق لأجلها ثم همس:
-على فكرة هتقدرى
مسحت دموعها سريعًا قائلة بحدة:
-هو فى أيه؟
هو حضرتك بتراقبنى؟
-ايوة
كلمة واحدة نطق بها جعل عينيها تتوسع بدهشة:
-وليه انت مالك ومالى
كان قلبه يدق كالمجنون لأول مرة يشعر برجفة تجتاح
روحه فهمس بصوت يكاد يكون مسموع:
-يادى النيلة على اللي بيحصلى
-بتقول ايه؟!
ابتسم على حبها الذى نبت بقلبه لها ولم يعرف له نهاية
ابدًا فاجابها بخداع:
-بصراحة بيسان كلمتنى قالتلى فى مكان شغل
ليا هنا وانا جيت قالتلى هتيجى هى بعد شوية
داعب الهواء خصلات شعرها الثائرة، واطلقت زفيرًا
حارقًا لتخفف قليلًا مما ازدحم بداخلها:
-تشتغل ازاى يعنى؟!
هو انت محتاج انت بتشتغلنى
تلقى كلماتها برحابة صدر قائلًا:
-عندى مشاكل مع اهلى وكنت محتاج الشغل فعلا بس
لو وجودى هنا مش مرحب بيه طبعًا دا مكانك ومقدرش
افرض نفسى
اولاها ظهره مغادرًا فأوقفته متسائلة:
-انت تفهم فى الطب
-لأ، بس هامسك ادارة المكان، الحسابات، اى حاجة
محتاجة تظبط انا محتاج الشغل
تنهد قليلا ثم سألها:
-قرارك ايه موافقة ولا اتكل على الله اشوف اكل عيشى
فى حتة تانية
-موافقة تعالى اوريك الملفات اللى هتستلمها
******
تهاوت الساعات سريعًا وحل المساء وقد حجزت بيلا
طاولة على النيل مزينة بالزهور الفواحة كان عشاء
رومانسى على الطريقة الكلاسيكة واحضرت علبة
وضعت بداخلها اختبار الحمل وارتدت فستانًا باللون
الازرق لون ضياء المفضل
كان ضياء يطالع الطاولة بفتور ثم ثبت نظره
على النيل الذى تكسيه ظلمة موحشة هل يقارن
هذا الظلام بالعتمة التى بداخله لكنه يعلم أن هذا
الظلام سيزول عن النيل فى الصبح عندما تشرق
الشمس اما هو خيم بداخله اخذ نفسًا عميقًا
فهمست بيلا:
-هو النيل كان واحشك كدا ولا أنا اللى مش عايز
تشوفنى
-انت عارفة ايه انتِ اية بالنسبة ليا
نفت برأسها متسائلة بدلع:
-مش عارفة ممكن تعرفنى؟!
مرت دقيقة من الصمت وهو حقًا مرهقًا، مستنزفًا وقف قائلًا:
-هادخل التواليت دقيقة واحدة وهاجى
انتهزت الفرصة واشارت للنادل ليأتى بكعكة التى عليها
صورة طفل رضيع وما أن انهت حديثها كانت تقترب
منها احدى صديقتها من أيام الجامعة:
-بيلا معقولة عاملة اية؟!
ابتسمت بيلا بهدوء:
-الحمدلله انتِ عاملة
رمقت صديقتها الطاولة ثم سألتها بمكر:
-عشا رومانسى ايوة بقى ياستى مستنيه البوى فريند
-انا هنا مع جوزى هو دخل جوه التواليت
-عن حب ولا يا بيلا
تذمرت بيلا من كثرة اسئلتها تريد ان تخرج العلبة
قبل مجئ ضياء:
-حب
شهقت الاخرى تزامنًا مع وصول ضياء الذى كان يقف
خلفها قائلة:
-حب يبقى طاهر تصدقى فرحتلك عشان اتجوزتى حب
عمرك والله الجامعة كلها كانت بتقول اللى بينكم حب مبروك
كانت كلماتها تقفز بين اذن ضياء هائجة ثائرة فى كل
اتجاه لترتطم بداخله فى النهاية كمطرقة هوت فوق
رأسه، اى صقيع هذا الذى انصب فى روحه فى هذه
اللحظة حتى بيلا وحبها خدعة ووهم
مادت الأرض ببيلا فى هذه اللحظة، شعرت بكل شئ
وضده اصابها الذعر من نظراته وهو يقترب منها
قبض على يدها بحدة ثم تناول حقيبتها من على
الطاولة همست بتوسل:
-ضياء اسمعنى عشان خاطرى بليز
اعارها الأذن الصماء وسحبها بحدة كان النادل فى هذه
اللحظة يحمل الكعكة متجهًا نحو طاولته كانت الدمعة
تترقرق بعيناها وهى تطالعها كان الجو لا ينذر بهبوب
عاصفة تبعثر احلامها هكذا، كيف تغير كل شئ هكذا
لحظة، كانت عينيها تنظر له تطلب الغوث منه لكن
لم يسمع فتح باب السيارة ودفعها للداخل ثم اغلق
الباب، وفى لمح البصر كان ينطلق يسابق الريح
وضعت يدها على بطنها ودموعها تنهمر:
-بالراحة يا ضياء هنموت بالراحة
ظل كما هو حتى صف سيارته اسفل الفيلا فمدت يدها
فصرخ بها:
-كنتِ بتحبيه بتحبى طاهر وانا المغفل صح
-ضيااء
-انزلى .. انزلى يا بيلا بقولك انزلى
هبطت من السيارة فانطلق مندفعًا فوضعت يدها على فمها لتكتم شهقاتها
****
كان يقف تحت المياه الجارية ليغسل ترسبات الماضى
فهو لن يفيده الصراخ والعويل على ما فات يجب
أن يبدأ من جديد، انهى حمام وخرج للخارج
وقد اعد فنجانًا من القهوة يراقب هذا العلو وسقوط
الثلوج من خلف نافذته، حتى طرق الباب توجه
ليفتح فابتسم بهدوء فبادلته شاهندة الابتسامة
-حمدلله على السلامة يا دكتور
*****
فى منتصف الليل مرت الساعات وهى تقف تنتظر
ضياء فى الشرفة بشرتها البيضاء شاحبة عقارب
الساعة تدوى فى رأسها كاجراس الكنيسة، دموعها
تكوى وجنتها، تريد أن يأتى ليمسح دموعها، يربت
على يدها يخبرها ان كل شئ سيكون بخير لماذا
تركها هكذا القلق يقتلها هو يعرف كم هى ضعيفة
دونه كم تحتاجه كيف يتركها هكذا لافكار تخنقها
****
كان ضياء فى احدى نوادى السهر محاولًا فتح
عينيه فيطبق الألم على رأسه كل شئ زائغ
امامه اول مرة يتناول زجاجة خمر، راح يسأل
نفسه لماذا لم تخبره بحبها لطاهر، لماذا لم تخبره
اخته بساد.ية زوجها، لماذا يكشف مكر زهير
الاجابة ببساطة لأنها مغفلًا يشعر بالحسرة بداخله
نهض من مكانه ليذهب للبيت حتى يأخذ الاجابة
على اسئلته، بعد مرور ساعة كان يصف سيارته
لا يعلم كيف وصل حتى اكثر من مرة كانت السيارة
ستقلب به هبط من السيارة..
******
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والاربعون
ولج للداخل واغلق الباب خلفه ومع صوت الإغلاق
رفعت رأسها ولكنها لم تعيره انتباها ولا زالت تتفحص
هاتفها، اقترب ببطئ وهو يتأملها باستنكار قائلًا:
-السلام عليكم ياهاجر
كانت تجلس على الأريكة بأريحية غير مكتدرة له وتمتمت ببرود:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة
حدجها هاجد بغيظ لعدة لحظات ثم سألها:
-فى أيه يا هاجر مش شايفانى دخلت حتى مش رافعة
عينك من الفون، مالك؟! فى أيه؟!
-مفيش، عادى يعنى كنت بشوف حاجة
رفع حاجبه بسخرية:
-مفيش وعادى يبقى كدا فى مصيبة
ضيق زيتونته متسائلًا:
-ايه اللى حصل مزعل روح القلب
-عشان زعقتلى وتعصبت عليا امبارح
اتسعت حدقتي هاجد من الصدمة:
-مش انتِ اعترفتى انك غلطانة وانا صلحتك عادى
-ايوة، بس انا طول نهار بتسبنى لوحدى وبترجع بليل
حل ازرار قميصه ومازال وجهه يحتفظ بالابتسامة:
-دا شغلى، غير كدا قولتلك اشغلى الوقت الفاضى عقبال
مااجى بتصاميم الفساتين
لوت شفتاها ثم اجابته بحنق:
-اه، قصدك تقولى حلى عن دماغى وشوف حاجة تشغلك
عنى
طالعها بنظرات مستنكرة ثم اجابها باستهزاء:
-لا شكلها طلبت نكد ومش لقيه حاجة تتخانقى وتنكدى
عليها
ثم تابع:
-بقولك ايه، طب ما الصباح رباح ونهار ليه عينين
واكيد هعمل حاجة الصبح تعرفى تنكدى عليا بيها
واعتذر وتأسف كمان
اجابته بحدة وهى تشير إلى نفسها:
-قصدك انى بعمل نكد ومشاكل يا هاجد
انا نكدية
اقترب منها اكثر مد يده محاوطًا خصرها ملاحظًا
ارتعاشها ورجفتها ثم اقترب اكثر واكثر مخرجًا همسًا
مثير آثار بها الخدر كالمغيبة:
-مين قال بس كدا
انا مراتى قمر كفاية بس ضحكتها بتنور الكون
-شايفنى ازاى يا هاجد
-شايفك لطف ربنا بيا وكأن فى ليلة ربنا اراد تحقيق
كل دعوة مؤجلة ليا على هيئة هاجر
فلحظة واحدة بس اول ما شفتك احتلتينى كلى
انهى جملته ثم لثم عنقها هامسًا بصوته الأجش:
-يا هاجر هاجر القلب إليكِ فهل من واصل
أطلقت تنهيدة بائسة، حزينة كتلك المشاعر التى تسيطر عليها، فقد تأخرت زائرتها الشهرية وكان لديها امل حتى صباح اليوم قبل أن تأتى ضيفتها الغير مرحب بها قائلة:
-مش هينفع ياهاجد
تنهد بقوة فقد تأكد للتو ما سبب تقلب مزاجها فحدثها:
-يا هاجر دية ارزاق ولسه ميعاد رزقنا مجاش بلاش
كدا وقابلى الموضوع برضا وربنا هيكرمنا
-انا عارفة انه رزق بس نفسى فى بيبى اوى ياهاجد
ويكون منك انا بحبك وكنت طول عمرى وحيدة
ابتلع غصة ثم ابتسم قائلًا:
- فين الحب دا، واضح انك مش بتحبينى زى ما بحبك
عايزه تجيبى بيبى يأخدك منى على فكرة من الاول شهر ينام لوحده فى اوضة تانية
توسعت عيناها بذهول قائلة:
-ايه دا انت هتبقى اب مفترى ولا أيه؟!
انا ابنى هينام جنبى وانت بقى تنام فى اى حتة
اقولك انزل نام عند سوسو تحت
اختفت ابتسمت هاجد هامسًا بضيق:
- انت ناوية تعملى فيا كدا بجد يا هاجر
على فكرة انا بغير جدًا
اهدته ابتسامة خدرته وهى تلف ذراعيها حول
عنقه ثم طبعت قبلة على وجنته قائلة:
-انت تغير من بيبى بردو دا انت القلب ودقاته، متقلقش هنزله هو عند سوسو وانا استفرد بيك حلو كدا
كان مفقود فى بحور عشقها، تائه عن العالم والمنطق
تحمحم وهو ينزل يدها قائلًا بانفاس ثقيلة:
-بقولك ايه نكدى اسهل النكد دلوقتى مقدور عليه
*******
ولج لغرفته واغلق الباب خلفه وهو يترنح، ثم نظر
فى عينيها نظرة طويلة لم تفهمها، ولم تريد أن تفهمها
فلم تكن توحى بالخير ابدًا، دموعها الساخنة تنساب
بين اهدابها فى صمت، تقدم نحوها لكنه كاد أن يسقط
فاسرعت إليه تسانده، فانبعث رائحة الخمر منه،
شعرت بالغثيان يهاجمها، فاستجمعت بقايا صوتها الضائع وسألته باستنكار:
-انت شارب يا ضياء؟!
مشاعر متضاربة كل شئ ونقيضه، كاحتراق النيران
كبرود جسد غادرته الروح، كبكاء الملكوم، كالصمت
المرير للمفجوع
وبالحقيقة لم يكن غضبه وحزنه إلى هذا الحد بسبب
ما سمعه، او لم يكن هو السبب الوحيد على الأقل
لكنه مل الألم، لم يعد بامكانه تحمل أى جرح اخر
لم يعد قادرًا على الصمت امام ما تجرعه من مر
الحياة، علقم فقد ومرارة جراح نازفة، امتلئ قلبه
بوجع وقهر ولم قادرًا على التنفس سألها بصوت
مختنق:
-كنتِ بتحبيه يا بيلا، طب ليه مقولتيش قبل الجواز
سؤاله ثقيل صعب ومؤلم، مسحت دموعها بظهر كفيها
قائلة:
-لأ لأ انت أول واخر حب بحياتى يا ضياء
لو سمحت خلينا نتكلم الصبح انت مش فى واعيك
نظر فى عيناها بضياع طويلا يمزقه الألم:
-هو أنا مغفل اوى عشان كلكم تعملوا معايا كدا
ثم صرخ بهياج:
-كنتِ بتصدينى من الاول عشانه صح؟!
طب ماانا سألتك وقالتى مفيش حاجة بينكم
سألتك ولا لأ
اشتد بكاؤها قائلة:
-مفيش حاجة كان مجرد زميل مقرب، شوية اعجبت بيه لكن محبتش غيرك والله ياضياء مع بس عرفت الحب هو اول حد عاملنى من غير يبص على رجلى
ويبحلق فيا وجعنى بس مش اكتر
ممكن تهدى بلاش نتكلم عشان انت مش فى واعيك
عشان خاطرى
-دا الوقتى بس بقيت فى وعى يا بيلا دلوقتى بس
ولا عندك حق واحد زى اصلًا مغفل
قولى قولى كنتِ بتصدينى عشانه صح ولما هو
قرب من كيان قولتى تغظيه بيا مش كدا، بس الموضوع
قلب بقى وغصب عنك بقت جوازة، آآه وعشان كدا
ماكنتيش بتطيقى كيان دبستك فيا وعشان البيه
حبها هى وانتِ لأ
ران الصمت لبرهة بدت طويلة جدًا محملة باحاديث
كثيرة طالعته بعينين مفحوعتان، كلمااته كانت تقحم اسنانها فى قلبها، مزقت روحها إلى اشلاء فى كل مكان
شعور حارق بالخذلان لا تصدق أن هذا هو ضياء
مسحت دمعة هاربة من عينيها:
-انت بتشك فيا أنا يا ضياء مراتك بلاش بيلا حبيبتك
ثم تابعت بحرقة وهى تمضى نحو الخارج
-أنا مش هرد عليك دلوقتى بس الصبح نتكلم لأنك
مش فايفة وهخرج انا بره
جذبها من معصمها بحدة وهو يغرس اصابعه فى لحمها ثم سألها وهو يتألم:
-قولى فيا أيه ماكنش يتحب عشان تحبيه هو
نظرت له بغضب مختلط بما اضاف الكحل السائل على
ملامحها من وجع
-اخرس بقى يا ضياء انا محبتش طاهر، فوق فوق انا هحسبك على كل كلمة لما تفوق اوعى ايدى
هزها بعنف وهو يلتقط انفاسه قبل أن يفجر قلبها
قائلًا:
-ليه خدعتينى زيهم ليها انا قصرت معاكِ فى
أيه من يوم ما عرفتك وانا بتمنى رضاكِ حتى
اعاقتك اتقبلتها ورضيت بها وهو مقبلهش ومفكرش فيكِ
ارتعش بدنها ارتعاشة واحدة كلماته زلزلتها، جملة
واحدة غرست ألف خنجر فى قلبها، حاولت التنفس
فلم يكن يدلف الهواء إلى رئتها دخلت فى حالة هياج
واخذت تضربه بيدها على صدره:
-اعاقتى؟!
انت غبى ازاى تقولى كدا، انت ازاى توجعنى كدا
عملتلك أيه تدبحتنى كدا؟! حرام عليك يا ضياء
أنا هريحك من المعاقة دية نهائى
دفعته بحدة فسقط على الفراش خلفه واستسلم
لتلك الغيمة التى سحبته، اما هى اخرجت حقيبتها
من الخزانة لتجمع ثيابها وآه تعتصر قلبها كانت اكثر ضعفًا اكثر وجعًا وهى تنظر لكل جزء بالغرفة وقفت
امام المرآة تنظر لنفسها بمرارة هى حقًا معاقة
كم هى غبية ارادت أن تنسى ألم ماضى بحياة
جديدة فانتهى الأمر بألم مضاعف
*****
فى صباح اليوم التالى
انتفض هاجد من رقاده العميق على صوت صراخ هاجر
التى تجلس بجانبه نفض عنه كسل النوم متسائلًا بلهفة
-فى ايه يا هاجر مالك
زمت شفتها تبكى كالاطفال:
-فى اية يا حبيبتى مالك
بسطت يدها امام وجهه قائلة:
-ضفرى اتكسر ياهاجد
جز على اسنانه بغيظ قائلًا:
-بالله يا هاجر الصراخ دا كله عشان الضافر اتكسر
انا صحيت بفزع
رمقته بملامح متجهمة، كئيبة قائلة بضيق:
-هو أنا لازم تتكسر رقبتى عشان تحس انها حاجة
كبيرة يعنى، على العموم شكرًا
-يخربيت الهرمونات وسنينها
لا طبعًا يا قلبى بعد الشر عليكِ بس حقيقى اتخضيت
انهى جملته وهو يتناول يدها يطبع قبلة ناعمة ثم اكمل:
-صباح الورد يا قلبى
-قصدك مساء الخير، بقالى ساعتين بصحيك عشان
تنزل الشغل
سحب هاجد الغطاء وهو يقول:
-لا مش نازل انهارده وسبينى اريح ياهاجر
زفرت بضجر قائلة:
-انت هتنام انا اصلًا كنت متفقة مع مرات خالى انى
هروح عندها انهارده لو هتنام اروح ساعتين وارجع
نفض الغطاء عنه بحدة قائلًا:
-لأ مفيش روح هناك
رمقته باستغراب قائلة:
-فى ايه يا هاجد، هو كل ما اقولك اروح هناك تقولى
لأ ليه؟
اجابها بانفعال:
-لأ وخلاص لأ يعنى مش فاضين ومن غير ليه
ابتلعت غصة قائلة:
-ماشى كمل نومك
نهضت من على الفراش لكنها فجأة اصبحت بين يدها
وهو يضمها بتملك قائلًا:
-لأ عشان بغير ياهاجر ارتاحتى كدا
-من مرات خالى يا هاجد
ركز نظراته على عينيها وانفاسه تحرق وجهها قائلًا:
-من ابن خالك يا هاجر، اللى اسمه طاهر مش بحب
بصته ليك
-بس انا ..
حاولت أن تنطق لكنه وضع يده على ثغرها هامسًا:
-انتِ فوق اى شك يا هاجر بس انا بغير راجل زى اى
راجل
كلماته اثارت لديه الكثير من الاحاسيس، سقط الأدراك
والتفكير العقلانى امام عناقه الملتهب انفاسه ونظراته
ارسلتها لعالم اللاوعى وفقدت السيطرة، كالعجينة
اللينة بين يده كانت كالمنومة مغناطيسية، فجأة
شفتاها احتلت شفتها وغزتهم بعنف لكنه كان عنف
رائعًا ابتعد عنها قائلًا:
-قومى يا هاجر الله يسترك قومى يا بنت الناس
اللى يعرفك لا يعرف نوم ولا راحة، ويلا اجهزى
عشان فى مفاجأة ليكِ
نظرت لها بعدم تصديق فابتسم وهز راسه بالايجاب
فجذبته من يده قائلة:
-طب يلا يلا عشان نلحق المفاجاة من اولها
هز رأسه بيأس من تصرفاتها الطفولية قائلًا:
-بموت فيكِ يا هاجر
*******
اراد أن تستعيد كامل اتزانها أن يهدم الجدران بينها وبين
الحياة، أن تصبح قوية بنفسها وليس بفضل وجود احد
حتى هو نفسه، ضيقت بيسان عينيها متسائلة:
-يعنى انت فهمتها أنك محتاج الشغل
-ايوة مش عايزها تحس انى بساعدها خالص
عايزها تحس بقوتها
حكت مؤخرة عنقها حركتها المعتاد قائلة:
-على ما اعتقد كدا أن كارما محظوظة
ابتسم كارما بسخرية:
-مش اوى كدا الكل شايف انه يا حرام تبص لو واحد
زى عشان كدا حابب انه متحسش بمساعدتى
عشان لو نصيب توافق بارداتها مش رد جميل
او مساعدة
ابتسمت بأسف قائلة:
-اسف لو كنت اتكلمت فى موضوع السن قبل كدا
وضيقتك
-عادى هو انتِ بس كمان طاهر
سألته فى توتر:
-هو عامل ايه؟!
قهقة كرم قائلة:
-قاعد طول الليل فى شارع عشان نوجا متعرفش
وجه بليل وقفشته الصبح بهدلته
شعرت بالضيق لكن قطعها دخول كارما للمشفى
كانت تزين ثغره ابتسامة هادئة ثم همست:
-صباح الخير وهو انا تأخرت
حاول كرم كبح ضحكاته فالساعة تخطت الثانية
عشر ظهرًا فابتسم قائلًا:
-لا فى ميعادك بظبط
رفعت بيسان احدى حاجببها قائلة:
-اتاخرتى يا كارما واتاخرتى اوى كمان انا هنا بقالى
ساعتين وظبطت حاجات كتير والمفروض كنتى
تعرفيها ومفيش وقت عندى اعدها تانى دا غير
أنك عشان تبقى مسئولة عن مكان لازم تكونى
اول واحدة موجودة الصبح
حاولت كارما أن تبرر لها لكن بيسان رفعت يدها
امامها كى توقفها قائلة:
-انا مش عايزة اسمع مبررات الشغل لازم تكونى
قد المسئولية، ضياء وكنان عمرهم متأخروا
الموضوع تقيل بس لازم تتعودى معاكِ الاستاذ
كرم هيقولك اللى عملتوا، هجى بكرة الصبح
ساعتين وامشى حاولى تفهمى الشغل بسرعة
لانى مش متاحة على طول
رمقت كرم بطرف عيناها وهى تشعر بالاحراج، بينما
كرم كان بداخلة براكين من اسلوب بيسان التى حملت
حقيبتها ورحلت فلحقها للخارج مناديًا عليها فاستدارت:
-افندم
-ليه كدا
طوت ذراعيها امام صدرها قائلة:
-لأ جو اطبطب ودلع دا مش لونى انا اساعد بس
مش فى كى جى احنا هنا، وهى كانت لازم تعرف
واظن جو نانسى عجرم دا شغلتك انت سلام يا كرم انا مش فاضية
جز على اسنانه:
-انا نانسى عجرم
******
اخذت والدته تهزه بعنف ليفيق من نومه العميق،
تململ ضياء فى نومته بانزعاج فوضعت يدها
على فمها لا تصدق حالة ابنها رائحة الخمر
تفوح منه صرخت بانفعال وهى لا زالت تلكزه:
-ضياااء قوم، قوم يا ضياء
فتح عيناه بصعوبة ورأسه سينفجر من الألم وضع
يده على رأسه قائلًا بصوت متألم:
-ايه يا ماما فى أيه خير؟!
-خير!! فى أيه؟! انت بتشرب يا ضياء بتشرب
أنا مش مصدقة نفسى فين ابنى ليه بتعمل كدا
ليه بتهدنى حرام عليك
يشعر برأسه ستنفجر فوق كتفيه، صداع مؤلم ودوار عنيف، اغمضت عيناها متحسرة على حال ابنها فهمست
-قوم معايا ادخل خد دوش وعقبال ما اعملك القهوة
واجبلك مسكن
بعد عدة دقائق تقدمت والدته وهى تحمل صينية عليها
فطورًا كوبًا من القهوة، جلست إلى جواره ووضعت الصينية امامها على منضدة وقدمت
له حبة المسكن ثم ناولته زجاجة الماء
فاخذ المسكن وارتشف بضع قطرات من زجاجة ثم
ناولته كوب القهوة، انهى كوب القهوة ووضعه امامه
والبدء الألم يخف بعض الشئ، فسألته بعتاب ممزوج
باللوم:
-انت عملت ايه مع بيلا يا ضياء
رفع نظره إلى والدته برعب ثم نظر حوله فى الغرفة
يبحث عنها ثم ابتلع فى خوف متسائلًا:
-بيلا فين؟!
فهو اخر ما يتذكره حينما فتح الباب ووجدها تبكى
غلف الصمت المكان ثم نظر لوالدته:
-هى فين ياامى
-هو اللى حصل ما تفهمنى
سرد لها ما سار معه فشهقت اللعنة على ابنها حطم
زوجته وحطم نفسه معاها دون أن يدرى، فرك
وجه بحدة هو لم يتذكر شئ
-انت اتجننت تشك فى مراتك اللى حطنا كلنا فى عينها
مش دية بيلا اللى اتجننت عليها خلاص بقيت عايش
جوا المؤمرة، طب ما اختك كانت متجوزة والمفروض
كانت بتحب الزفت دا واتطلقت، هل حرم قلبها يحب تانى ويتفتح لبنى ادم محترم انت بتحسبها على ايه
وكمان بتشرب انت اتجننت هو انت كنت مسكتها
بتخونك الواحدة بتخطب وتفسخ وتجوز عادى يابنى
خربت بيتك
-انا مش فاكر حاجة والله بس اكيد مأذتهاش انا
اتوجعت بس قوليلى ايه اللى حصل
-انا سمعت صوتكم بليل ومفهمتش خرجت لقتها ماشية
حاولت اترجها مرضتش تتكلم وكانت منهار اتصلت
اطمن عليها ابوها قال لازم تروح هناك ضرورى وصوته
ماكنش مريحنى
هبط الدرج خاوى بلا قوة يتهاوى يكاد يسقط، كيف يمضى الحياة بدونها؟! كيف تتركه وحيدًا
يشعر بثقل على صدره مرارة العلقم فى حلقه باتت
حياته حزينة مؤلمة
*****
ياللمرارة التى كانت تحملها كلماته، تجلس على الفراش
دون جهازها تنظر لساقها وتبكى منهارة دموعها شلالات
انفاسها ستتوقف أن لم تتوقف عن البكاء شهقاتها تعلو
ونحيبها يرتفع وصرختها تدمى القلب شعور بالخذلان
والقهر يهاجمها بضرواة فهى اعتبرته وطنها الأوحد، لكنه طعنها بقسوة تنظر لساقها بقهر وتصرخ:
-أنا ذنبى أيه فى دا؟! ليه يوجعنى باكتر حاجة بتعذبنى
أنا كنت عايزه افرح معاه، كسرتنى وكسرت فرحتى ياضياء
فى الاسفل كان والدها يسمع صراخها باسم زوحها وتأكدت شكوكه، استطاع أن يستنتج كل شئ
بسببه صرخت لبنى:
-هنسبها تموت نفسها كدا
قاطعها طرق الباب فذهب يفتح وجد ضياء امامه
فسحبه من يده وادخله واغلق الباب ثم قبض
على تلابيبه وقال بغضب اشعل رأسه:
-عملت ايه فى بنتى من يوم ما دخلت البيت دا وانا
عاملك ابنى ليه تأذيها ليه؟ لو كنت زهقت كنت سابها
ليا سليمة كنت متوجعهش ليه كدا
انهى كلماته وخانته دموعه يبكى بحرقة على حال
فلذة كبده بينما كان ضياء منكسًا رأسه على كسر الثقة انتفض ضياء على صوت صراخها من الاعلى
الذى اوقف نبض قلبه قائلًا:
-والله العظيم، والله العظيم مش فاكر حاجة خالص
انا ماكنتش فى واعى أنا هطلع اتكلم معاها
اجابه والدها بصرامة قائلًا:
-انسى مش هتشوفها حتى
تركه وذهب لوالدته يبكى كطفل صغير لكنها هوت
بكل قواتها على وجهه بصفعة قوية لكن لم يهتز
فقط اغمض عيناه بألم واكمل رجائه قائلًا:
-ماكنتش حاسس والله هى اغلى من روحى وانتِ عارفة كدا
اقترب منها زوجها يضمها فهرول ضياء للأعلى
وما أن فتح الباب وجدها تبكى بشدة وجهها أحمر متألم
بمرارة وعيناها مثبت امامها فى نقطة ما، كان خنجرًا ينغرس بشراسة فى صدره، هيئتها المتألمة كانت اشد وطأة على قلبه:
-بيلا
اخترق صوته قلبها فانتفض من على الفراش مسرعة فوفعت ارضًا فهى لم تنتبه أنها دون الجهاز
كلماته كانت تتردد فى عقلها تطعنها مثل سكين صدأ ينغرس عميقًا فى قلبها اخذت تجذب الغطاء مسرعة لتخفى قدمها المبتور، فجثى على ركبته مسرعًا حاول أن يهدأ لكنه لم يزيدها سوى هياج، كانت تصرخ وهى تجذب كل شئ حولها لتخفى ساقها
كان ضياء يطالع حالتها وفى قلبه ألف بركان ثائر،
هبطت دمعة حارقة وهو يراه تختبأ منه بعد أن كانت
قطعة من روحه، نظراتها تبعث فى قلبه المرارة
ما تفعله الآن اشبه باصدار حكم بموته همس
بصوت متحشرج:
-بيلا انا ماكنتش فى وعى، ابوس ايدك متدبحنيش كدا
-هشش متكملش متكملش انا مش عايزه اسمع منك
حاجة خالص انت خلاص دبحتنى طلقنى لوجه لله
كانت تنظر له بكره تكره كما لو تكره آدميًا فى حياتها
ألألم المبرح فى قلبه تفتك به:
-بيلا انتِ عارفة انا بمر بأية انا ماكنتش فى وعى انا غلطان، انا موجوع بعد كنان هزنى اوى ضعفنى هدنى
وانتِ اكتر حد حاسس بيا بلاش تعذبينى، مش فاكرة
اى حاجة صدقينى انا عمرى ما أذيكِ
انهى كلمته وحاول ان يلمسها لكنها تراجعت للوراء وهى
تصرخ:
-عايز تعرف أنت قولت ليا ايه؛ طاهر مرضيش بيا عشان اعاقتى، وانى احمد ربنا انك رضيت باعاقتى عرفت قولت ايه
وانا بحلك منى طلقنى طلقتى طلقنى
تسمرت نظراته على وجهها الممتقع فى الألم الجمته الصدمة سياط يضربه بلا هوادة، شعر بروحه
تنسحب من بين خلاياه وانفاسه تتلاحق وجف
حلقه كالصحراء قاحلة،اكملت صراخ يهز جدران
البيت ويدمى القلب:
-طلقنى طلقنى حرام عليك، حرام عليك انا مستهلش
منك العذاب دا طلقنى طلقنى ابوس ايديك كل
ما هبص فى وشك هفتكر كل حاجة
يابابا خدوه بعيد عنى ابوس ايديكم خليه طلقنى
مش هقدر اشوفه تانى
ولج والدها ومن خلفه والدتها
صعق من هول المنظر انحنى مسرعًا يحملها على
الفراش فصرخت:
-غطونى ماتخلهوش يشوفنى ابوس ايديكم ،طلعوا بره
صرخت لبنى وهى تضربه على صدره بهياج:
-اطلع بره وطلق بنتى طلقها
هاتوا دكتور بنتى هتضيع منى
سحبه والدها للخارج فصرخ ضياء لأحدى الخدم وهو يكتب ورقة قائلًا:
-هاتوا الحقنة ديه بسرعة
مادت به الارض فجلس على الارض وهو ينظر لوالدها
-ماكنتش فى وعى دا ربنا مش بيحاسب البنى ادم
اللى مش بيكون فى وعيه
كان والدها نظره مثبت على غرفة لكن كلمات ضياء
اشعلت به نيران فصرخ به:
-بس هى كانت فى وعيها وانت دبحتها شوفت حالتها
ثم جثى بجواره قائلًا برجاء:
-طلقها يا بنى طلقها ابوس ايديك بنتى هتروح منى
ماليش غيرها لما امها رفضت اننا نخلف تانى
انا كان ممكن اتجوز بس مهانش عليا اكسرها
هى ولبنى، دلوقتى هما بيتكسروا قدامى أنا
اعتبرتك ابنى هى مش هترتاح غير كدا يرضيك
نقف فى المحاكم وتموت بيلا بالبطئ
-مقدرش، مقدرش اعيش من غيرها
-لو بتحبها ارحمها هى مش هتقدر تكمل
كل حاجة احنا متنازلين عنها ابوس ايدك متحرقش
قلبى عليها
الندم شل تفكيره قلبه ينزف ويصرخ بلا رحمة، كان
يحميها من كل اذى واصبح هو مصدر الاذى اجابه
بصوت مخنوق:
-بتحكم عليا بالموت بالحيا اعتبرنى
-لو طلقتها يا بنى يمكن يبقى فى فرصة لرجوع
بقولك كدا عشان بعتبرك ابنى ارحم ضعفها
احضرت احدى العاملات الحقنة تناولها مسرعًا وولج للداخل، فوجدها تهذى بهستريا:
-انا عندى اعاقة هو قالى كدا هو يامامى بعد كل دا
مش عايزه، ابعدوا عنى، غطينى كويس، كان بيقرف
منى يامامى
صرخ مقاطعًا اياها:
-محصلش انتِ اميرة فى قلبى والله ماكنتش فى وعى
ارحمينى يا بيلا كفاية وجعى كفاية كفاية
-ارحمنى انت وطلقنى ارحمنى طلقنى
اخذت تشد خصلات شعرها بعنف وقف عاجزًا فى هذه
اللحظة يبحث عن يد العون التى كانت دائمًا بجواره
رفيق العمر، ظل واقفًا يرى انهيارها المفجع للقلب
صرخت والدتها قائلة:
-انا كنت مراهنة عليك وقالتلى لا انا مش عايزه اتوجع
قولتلها دا السند والضهر ليه يابنى
-خلينى اديها الحقنة
-مش عايزه اشوفه يابابا هو انا مش بنتك هتسبنى
اتعذب كدا يا بابا
-انتِ طالق يا بيلا
انهى كلماته وهو يقترب منها حاولت النهوض والابتعاد
عنه إلا والدها جذبها إلى احضانه قائلًا:
-اهدى حبيبتى خلاص
كانت تبكى بنحيب اقترب ضياء من كتفاه ثم قام بحقنه فهمست:
-ابعدوا يابابا عنى دا شايفنى معا...
استسلمت لمفعول المخدر وسحبتها غمامة سوداء
*****
سارا الاثنين متجاورين فى المحل وكانت السيطرة
على ضجيج قلب كل منهم ضربًا من المستحيل
تنظر إليه بسعادة مد يده يتناول يدها يتخلل اصابعه
اصابعها لم تكن هناك لغة لترجمة مشاعرهم سوى
العيون فهمس لها:
-ايه رأيك يا هاجر
-المحل حلو واللبس جميل اوى انت هتشترى هدوم ليا
قهقة هاجد قائلًا:
-انتِ مش ملاحظة حاجة
قطبت حاجبيها متسائلة:
-فى أيه؟!
-دية تصميمك يا هاجر الفساتين بتاعتك
ودا محلك
توسعت عيناها بسعادة ولم تصدق ما تسمعه هرولت
تقلب فى الفساتين بفرحة طفلة صغيرة:
-ديه فساتين ودا محلى بجد
بس كدا كتير يا هاجد
رفع يدها ولامسها بشفتاه قائلًا:
-روحى مش كتير عليكِ يا هاجر
تعالى اوريك المفاجأة التانية، اخرجها لتقف امام
لافتة المحل فكانت اسمها "وصال"
تعلقت فى رقبته فانزل يدها قائلًا:
-احنا يعتبر فى الشارع
فابتسمت بخجل:
-فرحة المحل نستنى
-بقينا سيدات اعمال بقى
نحن لا نحتاج إلى رجلًا يبيع الحب كلامًا
أو رجلًا يجبرنا أن نتخلى عن انفسنا فى سبيل ارضاء
رغباته، نحن نحتاج إلى من نجد السكن والأمان بجواره، نحتاج لمن يمنحنا القوة
******
فى اليوم التالى
الفراق شعور متناقض اكثر قسوة واشد راحة بعد العناء
فرقت جفنيها بصعوبة وجدت والدها بجانبها مسحت
دمعة فرت من عينيها ثم همست قائلة:
-انا عايزه الطلاق يكون فى محكمة يابابا لو سمحت
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والاربعون
كثيرًا ما تخرج الأمور عن مسارها الطبيعى دون السيطرة عليها
ليكبلك فجأة شعور العجز، ارتمى بجسده على الفراش
الروح تئن، الجسد هلك، والنبض القلب افترق
هو عاجز ومكبل
صراخها المحموم لازال يخترق صدره بلا رحمة
تعذبه كلماتها وما يعذبه اكثر واكثر انه هو سبب
ذلك الجرح الذى اجتاحها، لم تسمح له مداوة جرحها
تركته خالى الوفاض من جميع المشاعر التى تتكون
لدى البشر، ليصبح جثة هامدة شبح لرجل قد رحل
رحل حين قررت ذبحه بسكين صدِأ وتركته
يريد البكاء، الصراخ يتوسل عينيه أن تفيض بدموع
لعل البكاء يريح قلبه الملكوم الذى ينزف ألمًا
ولجت والدته للغرفة وقلبها ينزف دمًا على فلذة كبدها
حاولت كبح دموعها ثم اقتربت منه هاتفة بحدة:
-فين مراتك يا ضياء؟!
لم يجيبها لا زال فى بوتقة الصدمة، مدت يدها تهزه بعنف وهى تصرخ به:
-قوم كلمنى هتفضل ساكت كدا قوم
انتفض من على الفراش يصرخ كالملدوغ قائلًا بوجوع
ممزوج بالقهر:
-طلقتها، طلقتها
لا هى اللى سابتنى سابتنى ياأمى
دبحتنى وداست عليا حاسبتنى على كلام قولته وماكنتش فى وعى
ارتمى على الأريكة خلفه وهو يضع رأسه بين يديه
هامسًا:
-وجعتها من غير مااقصد ودبحت روحى معاها
الوجع المرة دية تقيل اوى، وهى رفضت تسمعنى
يمكن لو كانت سمعتنى كان قلبها حن عليا
كم تأثرت هى بكلماته، وكم تود أن تخفف عنه ولم
لا فقلب الأم لا يحتمل شئ على فلذة كبدها لكنها
ألتزمت الجمود والتزمت بقناع البرود:
-عملت معاك زى ما انت عملت مع كنان ما هو بردو
كان روحه فيك، وانت رفضت تسمعه
-لأ لأ دية مش زى دية يا امى أنا مصدقتش حاجة
على كنان غير لما أتأكدت بنفسى هما اللى ضربونى
فى ضهرى، انت معايا ولا معاه يا أمى أنا بموت حرام
سقط قناع الجمود امام انهيار ابنه جذبته بين ذراعيها وهى تربت بحنان فوق كتفه
قائلة:
-اهدى وكل شئ يتحل يا حبيبى، عشان تعرف متسبش
نفسك للضعف تانى
ويوم ما تيأس تلجأ لربنا مش للشرب يا ضياء مش للشرب ابنى أنا مش يعمل كدا
حياته اصبحت صحراء قاحلة ارض بور متشققة لا حياة
بها
******
كلماته لكمة استهدفت قلبها، شدت عليها الغطاء تدثر
نفسها من صفعات الخزى التى تنغرس بقلبها
ذبحها بهذة العبارة القصيرة، تحجرت الدموع بعيناها
بعجز وإنكسار، لم يشتت انتباهها عن بحر المرار الدموى
الذى ابتلعها سوى كلمات والدتها التى ولجت تحمل
صينية الطعام قائلة:
-يلا يابيلا حبيبتى عشان تأكلى انتِ ماكلتيش حاجة
من امبارح
تجاهلت حديثها ونظرت إلى والدها:
-أنا عايزة اتطلق يا بابا
جذبها والدها بين ذراعيه وهو يربت على ظهرها
بحنان قائلًا:
-اهدى يا بابا هو طلقك اهدى عشان خاطرى
-لأ بالمحكمة، بالمحكمة عشان لو عرف ميرجعنيش يابابا
ابتلعت والدتها حزنها وهى تضع الصينية على الطاولة ثم اقتربت تسألها بريبة:
-يعرف أيه؟!
هو انتِ حامل يا بيلا؟!
انتِ حامل؟!
شقت صدرها صرخة فشلت أن تكتمها خرجت معلنة عن طعنة نافذة إلى القلب والروح معًا وضعت يدها على بطنها
قائلة:
-ملحقتش افرح بيه يابابا كان نفسى اقوله واشوف الفرحة فى عينيه، كنت مستنية يأخدنى فى حضنه من الفرحة لكن صدمنى، أنا عمرى ما فرحت فرحة كاملة
على طول ناقصة زى أنا بالظبط
اغمضت والدتها عيناها بألم تود لو أن ضياء امامها الآن
ثانية لتصفعه مرة اخرى بسبب ما فوته على ابنتها
وعلى نفسه، بينما هاشم شعر بإرتجاف ابنته بين يده
فسرت الرجفة فى قلبه هو، رفع بصره يطالع زوجته
التى تسمرت مكانها بعجز وقهر
********
كان يرتدى معطفه الجلد ويتمشى على شاطئ البحر
سار بخطواته لأخر الطريق حيث يوجد اماكن للجلوس
على اطراف الممشى، ثم سرح بنظراته لسطح النهر العاكس للقمر الذى جعل الذكريات تجتاح عقله فتزداد
قوة الضربات، يشعر بطعنات فى صدره، قلبه متألم من
بعد وهجر اقرب الناس إليه مسح دموعه
التى خانته، تنهد بضيق حين سمع صوت انثوى من خلفه
-ممكن اقعد معاك
تنهد ولم يلتفت إليه متسائلًا:
-أيه اللى نزلك فى الليل كدا يا دكتورة
التو ثغرها قائلة:
-دكتورة، أنا لقيتك نازل قولت اجاى اتمشى معاك
-الجو برد اطلعى
-آه برد، أنا بحب الشتا وخصوصًا هنا فى سانت كاترين
تحس انك فى بلاد بره ولا أيه رأيك
هز رأسه فى صمت، فتنهدت تحدثه بحدة طفيفة:
-انت لسه موضوع ضياء مضايقك على فكرة بقى
الورقة اللى مضيت عليها ولا حاجة ومش بس كدا
أنا ممكن اكلم بابا ونرفع قضية وتأخد حقك بسهولة
والأهم أن المستشفى عمو هنا محتاج دكتور زيك شاطر
وهنبقى أنا وانت تيم مع بعض فى كل حاجة ياكنان
انا مااحبش اشوفك كدا
ميز كنان مغزى حديثها فابتسم بتهكم ثم اجابها بهدوء:
-آه، اسمعى يا دكتورة أنا مش للبيع خالص يعنى
جو الباكدج على بعضه دا مش جوى خالص ممكن
حد مبتدأ أما أنا لأ وانتِ عارفة ليه كويس
غير انى فكرت ولقيت أنى محتاج راحة ومش هبدأ
شغل دلوقتى وبالنسبة لبيت الجبل فشكرًا لأنى انا كنت محتاج
مكان زى دا يهدى اعصابى واكيد مش هطول وانتِ
تقدرى تنزلى القاهرة لو حتبة
أما بخصوص ضياء احنا اخوات فبنزعل ونتصالح
لكن فى الاخر اخوات وأنا مش عايز أى حاجة منه
تعالت اصوات الامواج المتلاطمة تزامنًا مع تصاعد غيظها
لكنها ابتسمت ببرود فهى جولتها الأولي ولن تستسلم
مبكرًا فالقدر تحالف معها عندما طلق زوجته وهجر
رفيقه، كنان بالنسبة لها كان حلم فهو طبيب ماهر
له مستقبل فى عالم الطب سيحتل مكانه عالمية
غير انه جذاب عقبت باستهجان شديدة :
-على فكرة كلامى على ضياء قولت عشان اهديك
لكن أنا عارفة، أما بالنسبة لحوار الباكدج انت ظلمتنى
بجد أن بتكلم من باب الصداقة مش أى حاجة تانى
يا دكتور والشغل دا حاجة براحتك
فرك وجهه بعنف ثم حدثها:
-اسف أنا دماغى فيها ألف حاجة وحقيقى مجهد من
التفكير يلا بينا الجو بقى برد اوى
حاولت بعث بعض الحزن لملامحها كى تبدو متأثرة ستجاهد لتحرق كل ذكرياته مع
هذه اللقيطة، وأن تتطمس كل معالمها فى قلبه، هى
لم تبدأ اللعب بعد فأسبلت اهدابها قائلة:
-حيث كدا بقى تعزمنى بكرة على الغدا عشان اسامحك
هز كتفيه وأوما بالايجاب وهو ينهض واقفًا
*******
فى اليوم التالى
بصدق اعتبرته وطنها الأوحد، درعها الحامى من لفحات
الزمن رغم وجود الجميع حولها لمساعدتها لكنها تحتاجه
هو ولا تعلم لماذا ربما لأنه استوطن القلب بلا منازع
تود التخلص من هذا العشق الذى اغرقها فى ثمالته
حد النخاع، حتى لا تعلم لماذا هى هنا الآن مشاعرها مبعثرة، لكنها تريد أن تعلم أين هو ومع من، قاطع
شرودها صوت نهلة قائلة:
-نورتى يا كيان
قالت جملتها وبتنهد ونظرات عتاب فابتسمت كيان بشحوب هاتفة:
-نور حضرتك ياطنط
ساد الصمت ثانية حتى سألتها كيان:
-هو حضرتك اطمنتى على كنان
هزت رأسها بالإيجاب قائلة:
-ايوة
-طب فين هو؟! هو كويس
-هو كويس بس معرفش هو فين
-هو حضرتك مسألتيش هو فين
نظرت إلى عيناها قائلة:
-لأ مسألتش اللى كلمتنى شاهندة وطمنتنى انهم بخير
خنجر انغرس بقلبها تنفست بعمق رافضة إطلاق العنان
لدموعها ظلت على وضعها لدقائق ثم نهضت واقفة
وانصرفت بعد أن ألقت التحية
وقفت فى الخارج لتلقط انفاسها المتسارعة وانفجرت
بالبكاء، سئمت هذه الحياة التى لم تمنحها سوى قبحها
مسحت دموعها بحرقة هى أقوى، ستنسى، ستعيش دون
بكاء، دون ذكرياتها معه ستنسى ما يؤلم قلبها فهى تركها
والديها وأكملت حياتها ستكمل هى ليست بضعيفة ابدًا
*******
بعد مرور شهرين
-احنا رايحين لكرم ليه؟!
تلك الكلمات نطقت بها بيسان وهى تسير بجوار طاهر
فى اروقة المشفى فاردف طاهر:
-ماما عيد ميلادها النهاردة وهنروح نجيب هدية
وطبعًا الصاحب ليه ايه عند صاحبه غير انه يمرمطه
ابتسمت بيسان باتساع:
-عشان نوجا على فكرة مش عشانك وأنا كمان هااجيب
هدية
-لا متحسسنيش انى دبستك
قهقه وهى تشير امامها قائلة:
-الصراحة اه وماكنش معايا غير ١٠٠ لأخر الشهر بس يلا
كرم اهو
تقدما نحو كرم ثم وقفا امامه، فوضع كرم الملفات التى بيده فى الاستقبال متسائلًا بتهكم:
-خير أيه اللى جاب النار جنب البنزين
رمقه طاهر باستنكار:
-نار وبنزين ايه يا بغل انت؟!
-لا جو الصداقة دا مش ماشى معايا كل مرة تدخلوا
عليا كدا وافضل احجز بينكم انتوا متنفعوش غير
مرات اب وابنها
قاطعته بيسان باعتراض:
-ألزم حدودك يا كرم وبلاش أنا
فى هذه اللحظات ولجت كارما من الخارج كانت ترتدى
سترة جلدية حمراء وكنزة بيضاء وبنطال اسود وحذاء
رياضى باللون الأبيض تلقى التحية على الجميع يحترمها
الكبير قبل الصغير فهى اثبتت مهاراتها وجدارتها كسيدة
اعمال، كيف بحق الله الأنسان يزداد جمالًا كل يوم، تجعله حتى لا يقدر أن يطرف بعينيه عن مراءها وتغدق الجميع بابتسامات دون رحمة، علت دقات قلبه كالمطرقة، فرؤيتها كل يوم تجد الأمل فى نفسه ويخفق قلبه بالطرب، فقلبه سفينة وعيناها المرسى
وقف كرم موجهًا كافة حواسه يتأملها بشغف
لكزه طاهر فى كتفه:
-يا بغل انت ما تحترم نفسك انت بتبص ليها كدا ليه
الناس كلها واخدة بالها، أنا لو من اخوها اطلع بروحك
تأفف كرم بضجر:
-طاهر انت جاى ليه؟!
-كل مرة تنسى عيد ميلاد أمك جاى عشان نشوف نجيب هدية أيه لأمك
قرص كرم مقدمة انفه قائلًا:
-أنا شايف نجبلها احفاد هدية
ضحك طاهر ضحك رجولية خشنة قائلًا:
-عاش يا كرم احلى هدية وهتفرح نوجا اوى
لفها بقى لفة هدايا ويلا بينا على بيتنا
طوت بيسان ذراعيها متسائلة:
-ايه اللى بتقولوا دا
تحمحم كرم بحرج قائلًا:
-الدكتورة حمدا لله علي السلامة انتِ هنا من امته؟!
-من أول الاحفاد
-سفيان
تسأل طاهر باستنكار:
-مين سفيان
اجابه كرم بفخر:
-سفيان اول الاحفاد
مد طاهر يده يصافح اخيه ويحتضنه قائلًا:
-حبيبى ياابو سفيان
فغرت فاهها وهى تقف امامهم تقسم بداخلها أنهم مجذوبين
جاءت كارما وقفت امامهم تلقى التحية:
-عامله ايه يابيسان؟!
وحشتينى
اهلا يااستاذ كرم، اهلا يااستاذ طاهر
مال طاهر على اخيه يهمس فى اذنيه:
-ايه جو صغيرة على الحب دا، دية بتقولك يااستاذ
كرم، اللى يتكسف من بنته عمه يسك على الاحفاد يابيشا
لكزه كرم وهو يبتسم قائلًا:
-اهلًا ياانسة كارما
هز طاهر رأسه بيأس قائلًا:
-أنسة كارما اخص الله يكسفك اومال فين ام سفيان
قطبت كارما حاجبيها بينما قهقت بيسان بصوت عاليًا
جعلت كل من فى الردهة ينظرون لها فاشتعلت
عين طاهر بنيران قائلًا بحزم:
-بيسان صوتك فى أيه الكل بيبص عشان صوت ضحكتك
شعرت بالاحراج من ملاحظته أمام الجميع فقامت بحركتها المعتادة وحكت مؤخرة عنقها قائلة:
-سورى مااخدتش باللى
-طب يلا بينا عن إذنكم ابقى شوف هتجيب لنوجا أيه
ياكرم
*******
هل مررت بشعور الحياة الرمادية؟ أن تقف فى المنتصف فتتساوى الحياة مع الموت، حيث توجد السعادة مملوءة بالمرارة والألم،
هل مررت أن تظل حبيس لحظة معينة غير قادر على
المضى او الرجوع للماضى، هل اختبرت أن تقتل
مشاعرك الوليدة دون أن تطفو على السطح
هى مرت بكل هذا تجلس على الأريكة المقابلة للنافذة
كبرياؤها مجروح وقلبها ملكوم لككنها تشتاق إليه حد
الجحيم
فتحت والدتها الغرفة تحمل اكياس بيدها ثم جلست
امامها بسعادة تخرج محتويات الكيس قائلة:
-بصى جبت ايه لحبيب او حبيبة تيتا
جبت للإتنين بصى يا بيلا نزلت أنا وباباكى جبنا
حاجات كتير ولسه فى حاجات تحت فى العربية
ضمت الشال لتحمى نفسها من رعشة ليس لها علاقة
بالنسيم البارد رعشة وهى تتذكر فراقهم وطلاقهم
كرهت غشاوة الدموع التى تفضح ضعفها امام الجميع
فسألتها والدتها:
-مش فرحانة بالحاجة يا بيلا
قلبها الملكوم دفعها لتهمس بمرارة وعذاب وهى تضع
يدها على صدرها:
-كفاية كفاية، أنا كنت مستنية اليوم دا عشان أعمل
كل دا مع ضياء، كنت مجرد ما اتخيل أنى حامل اطير
من الفرحة وانا بتخيل رد فعل ضياء، كنت محددة كل
المحلات اللى هنلف عليها، مش قادرة اشوف حاجة
ولا اجيب حاجة لو سمحتِ يامامى بلاش تورينى
حاجة تانى اعملِ اللى انتِ شايفاه
مااشد قسوة حين تغفو على أمل حياة جديدة وتصحو على كابوس
يقلب حياتك رأسًا على عقب بعد أن كان الوجه يشرق
بالنور ينطفأ ذلك النور ليحل محله الظلام والعتمة
وقفت حياتها عند هذه النقطة وانتهى الأمر
******
-عايز اقابل ضياء موجود
تلك الكلمات التى نطق بها هاشم فابتسمت هويدا
وتنحت جانبًا
-اتفضل يا استاذ يا هاشم موجود
بيلا عاملة أيه انا برن عليها كتير وجيت ولبنى قالت نايمة تعبانة
هز رأسه بأسف قائلًا:
-معلش اللى حصل معاها مش شوية هى زى كارما اعذريها
-طبعًا انا كنت عايزة اطمن عليها
أنا مش هابرر لأبنى هو غلط بس بيعشقها صدقنى وهو
مكانش فى وعيه اللى حصل معاه كان كتير عليه لكن
هو روحه فيها، انت عارف بنتى حصل فيها ايه
دا حد كارهها وطماع وبيستغل بنتى لكن ضياء
قاطعها هاشم قائلًا:
-لكن ضياء دا ابنى وأنا عارف وعشان كدا أنا هنا انهاردة
لأن كل ما يجى البيت بيلا ترفض تقابله وحابب اتكلم معاه
******
كلما تجدد لديه أمل أن تسمح له بأن يراها أو تجيب على هاتفها لكن ينتهى به الأمر كل يوم ميت فى زاوية
من إحدى زوايا الغرفة متكومًا على نفسه غارقًا
بالعتمة، يتآلفها وتآلفه لينتهى الأمر به نائمًا دون أمل
واحد، كان عقابها عسير واعظم من احتماله
كانت تلجأ له أن ضاقت دنياه تبكى على صدره كل
ليلة وهى تسرد له العذاب الذى مرت به، الله وحده
يعلم عمق الجرح الذى تسبب به فى قلبها
انفتح الباب وكان هاشم فانتفض ضياء من على الفراش
متسائلًا بلهفة:
-انت أيه اللى جابك؟! بيلا كويسة؟!
-أنا المفروض ادبح عجل أنى خلصت منك والله
تنهد ضياء بألم وهو يقول:
-هى كويسة
اجابه هاشم قائلًا:
-طول ما بنتى فى حضنى تبقى زى الفل
المهم انت شكلك مش كويس
-وهابقى كويس ازاى وهى قلبها بقى اجمد من الحجر
عليا
زفر هاشم وهو يقول برزانة:
-لو أنا جيت وأنا مش فى وعى قولتلك أنت مش راجل
دا انت معرفتش تحمى اختك وجوزها كان بيذلها وانت
مغفل
توحشت عين ضياء ونفرت عروقه فربت هاشم على
ساقه قائلًا:
-كل واحد مننا عند خط احمر ما بالك بنتى قعدت عشر
سنين تعانى وانت الوحيد اللى وثقت فيك
خنجر يخترق صدره بسبب شعوره بالذنب وحده الله
يلهمه الصبر على الوجع الذى يسكن حنايا قلبه ، تابع
هاشم قائلًا:
-وكلنا بنلغط وانا مش جاى اعاتبك خالص انت كبرت
فى نظرى لما احترمت كلمتى وطلقتها أنا جاى اساعدك
عشان انت زى ابنى
غلبت الدموع ضياء قائلًا:
-أنا فى أسوأ احلامى عمرى ما كنت اتخيل أن اعيش
كل دا
-أنا ابنى ميعيطش بيلا محتاجة ضياء القديم محتاجلك
هى واللى فى بطنها
تنبهت حواس ضياء ورفع بصره فهز هاشم قائلًا:
- اللى فى بطنها بيلا حامل
-ازاى؟!
قطب هاشم حاجبيه قائلًا بخبث:
-انت هتخلينى اندم انى جيت اظبط كدا يلا
ايه هو اللى ازاى
ولا تكون عندك مشاكل
-أنا زى الفل لأ طبعًا
وقف هاشم يغلق زر سترته وهو يرمق ضياء باشمئزاز
-احلق كدا وظبط نفسك ريحتك طالعة وتعالى المكتب نشوف حل فى
مصيبتك، لأن عدتكم طول الحمل
انهى جملته وانصرف فولجت هويدا فارتمى ضياء
كطفل صغير بين ذراعيها يبكى كأنه يتعلم الكلام للتو قائلًا:
-ربنا يا أمى كان عالم، وهو أحن عليا من الكل
ربنا أحن عليا وبعت ليا أمل جديد ياامى
*****
كان يجلس فى سيارته فى الخلاء حتى جاء رجل
يجلس على دراجة بخارية ثم وقف بجوار السيارة
ونزل ليفتح باب السيارة ويجلس بجانبه
فسأله كنان وهو ينظر امامه:
-عملت أيه؟!
-خلصت يابيه؟!
كله تمام العقود بقت فى ادينا وطبعًا هو فاكر أنه ليه
نصيب فى الاثار
قهقة كنان قائلًا:
-كمان نصيب دا طماع اوى
-ودية الفلاشة اللى عليها كل السهرات والدلع
تناول كنان الفلاشة قائلًا:
-طير انت وبلغنى بالجديد
****
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والاربعون
مر شهرين ولا زالت الكلمة تتردد فى اذنيها هو مع شاهندة، كانت تضم نفسها كأنها تواسيها، واجهشت فى بكاء صامت لا صوت له، الأمر كان بمثابة الموت شنقًا ولا أثر يدل على جريمة القتل، اهذا هو كنان ذاته الذى كان يغدقها بكلمات الحب والعشق، وحضنه الدافئ كان بمثابة الجنة هى تتمتع به اخر، شعور اليتم يجتاحها ليس يتم الابوين، هى بالفعل يتيمة لكن يتم اول حضن
دافئ بحباتها، لازالت تشعر برائحته تعلق بها ليس بجسدها بل بروحها
ارهقها البكاء وهى ضاغطة على نفسها، لا تعلم لِمَا تتألم هكذا هما بالأساس انفصلا وقد انتهى وهو بدأ حياة جديدة
*****
ولج كرم للمكتب ببعض الملفات كى يحصل على توقيع
كارما، وضع الملفات امامها بعد أن ألقى التحية تناولت
قلمها لتنقش حروف اسمها، فدفعها شعور غريب لتسأله
بفضول:
-هو انت مروحتش مع بيسان واخوك ليه؟!
كنت روح معاهم مش كانوا جايين عشانك الدنيا تمام وممكن تمشى
سألها بضيق جلى على ملامحه:
-امشى فين؟! الشغل مش ليه مواعيد؟! ولا وجودى مالوش لازمة
هزت رأسها بالنفى سريعًا وهى تنهض من مكانها فهو بعد
الله كان له الفضل فى ادارة المشفى ولم تقصد الاساءة كان يقف بهيبة لا يضاهيها أحد، ليسود الصمت بينهم حتى همست هى بتلعثم:
-لا لا أنا قصدى العكس، أنا يعنى قصدى أنك صاحب المكان ولو حابب تروح معاهم دا براحتك لأن الدنيا
ماشية تمام دا بسببك بردو
مرر عيناه على وجهها حتى نظر إلى عينيها الساحرة
تجعل من ينظر لهم يهيم لشدة جمالها كأعين ظبي:
-غزالة والله غزالة
-نعم
تحمحم وهو يقول:
- بسببك مش بسببى أنا شغال هنا وبقبض وهو كان
جاى يفكرنى بالمناسبة مش عشان اروح معاهم
حدثته باندفاع:
-عشان تشوف عايز تجيب لنوجا أيه
ابتسمت بسعادة أيعقل أنها تسأل من باب الغيرة اجابها:
-بصراحة محتار
استدارت تجلس على المكتب وهي تقول بتوتر:
-كنت محتاج تروح معاهم
-دا مصر كلها محتاجة تيجى معايا عشان اجيب حاجة
تعجبها
ابتسمت بشحوب قائلة:
-ربنا يخليكم لبعض يااستاذ كرم
-يارب هو فى أغلى من أمى وانهاردا عيد ميلادها
ابتسمت باتساع ولا تعلم السبب بينما هو لاحظ تغيرها
فوجدها فرصة ليحدثها قائلًا:
-ما بلاش استاذ كرم دية حاسس إنى عجوز وطالع على
المعاش، خليها كرم، كرم من غير استاذ
-لا طبعًا ميصحش
قطب حاجبيه بضيق:
-هو أنا كبير أوى كدا ولا ايه
-لأ، دا احترام مش قصدى حاجة بس عشان الشغل
لكن أنا مش بحب الرسميات خالص اصلا، وهقول كرم
تخبط قلبه كطفل صغير سمع نداء أمه فقال بصوت
محموم ومنخفض:
-هو واضح أن نجاة رزقها واسع وهاروح بالاحفاد
-بتقول أيه؟!
فرك وجه قائلًا:
-لا متركزيش معايا بقالى يومين منمتش
سألته بفضول:
-طب جبت أيه لنوجا ياكرم
تخربط وتعثر بالكامل حين سمع اسمه من بين شفتها:
-يخربيت الرقة، أنا جبت اخرى بصى أنا شايف لازم يبقى فى رسمية فى الشغل قوليلى يااستاذ كرم احسن
ثم تابع بصوت منخفض:
-احسن اقسم بالله احطك على كتفى واروح بيكِ وابقى
ورينى جدع مين هيجى يأخدك
كادت قدماها تخبطا فى بعضهم من شدة الخجل وهى
ترفع كتفاها بجهل ماذا تقول:
-بص انت عايز تروح تنام فعلا ممكن تروح عادى
وبلاش تفهم غلط أنا موجودة طول النهار
******
هاجر يا حبيبتى مقموصة ليه دلوقتى؟!
تلك كلمات قالها هاجد وهو يجز على اسنانه بينما هى اردفت:
-طبعًا مقموصة انت بتعملنى السواقة ولا بتذلنى
-أنا اسف نتعلم من الأول
لوت فمها بسخرية قائلة:
-ما خلاص أول حاجة عرفنها هنحط المفتاح فى الكالون
جز على اسنانه قائلًا:
-بردو كالون هو باب شقة يا هاجر ماشى ما علينا وبعد كدا بتجيبى الفتيس عند حرفr دا
تأففت بضجر قائلة:
- حرف r يعنى الدوغرى عارفة
-ماشى دوغرى ربنا يجعلنا من أهل الدوغرى ياستى، كدا هى دايرة دوسى تحت رجلك البنزين بقى وهى تمشى تمام يلا ورينى
وما أن وضعت قدمها على البنزين رجعت السيارة للخلف فصرخت:
-ألحقنى يا هاجد
-دوسى فرامل، دوسى فرامل
-راحت فين؟!"
-راحت فين دا ايه تحت رجلك دوسى
اوقفت السيارة بعصبية قائلة:
-هو انت بتزعق ليه مش فاهمة
ابتسم بهدوء محاولًا كبح غضبه:
-يا هاجر خايف عليكِ
-خلاص فهمت استنى شوف كدا
تحركت السيارة للأمام ببطئ ابتلع هاجد خوفه وهو يقول
الشهادة بدأت تسير فحدثها:
-لازم قبل ماتكسرى يمين تدى إشارة
-أنا ادى اشارة ازاى يعنى اغمز ولا أيه
-تغمزى لمين هو احنا بنلعب كوتشينة
ضرب كف بالأخرى وقبل أن يكمل كلامه مرت بجانبهم
سيارة ذو أحمال ثقيلة فهتف
- هاجر خدى بالك ياهاجر النقل دا يا هاجر
اقفى طيب سبيه يعدى النقل ياهاجر
اسرع هاجد يقف السيارة تجنبًا لوقوع حادثة، ففتحت
هاجر عيناها قائلة:
-افتح بقى
-افتح وهو انتى بتغمضى وانتى سايقة
هى تورتة عيد ميلادك وبتتمنى امنية ايه اللى افتح
دا، انت مش وش تعليم انتِ واخدة الغباء هواية
توسعت عيناها بالغضب قائلة:
-روحنى يا هاجد وحالا بقى
صر على اسنانه وهو يقول:
-انزلى يا هانم عشان نبدل الأماكن
*****
كان هناك صمت قليل، تجرعت كيان كوب الماء واسقطت بضع القطرات على ثيابها
علي أى حال فقد انتهى التصوير، كان يراقبها تامر وهى
تفرك يدها بتوتر، وجهها قد إحمر، فهمست:
-تشرب قهوة؟!
لاحظ صوتها المرتجف بينما هى استدارت تصنع القهوة
ثم وضعت كوب القهوة امام تامر وجلست هى على إحدى الكراسى تشرب قهوتها بشرود، سألها تامر
وهو يحدق بها وهى تشرب قهوتها:
-مالك يا كيان
ابتسمت قائلة:
-مفيش بس الجو برد
قهقة تامر ثم صمت وهو يطالعها بتهكم قائلًا:
-هو بعد كل اللى عشناه فاكرة مش هاعرف لو متضايقة
نظرت له مطولا ثم قالت:
-انت صح
هى صفصفت علينا تعرف يا تامر أنا كنت صح لما قولت
أنا استحالة حاجة تبعدنى عن تامر قولت مش كفاية
اللى شوفناه ، والدنيا اللى جاية علينا هنيجى أحنا كمان
على بعض، وأنا أهو مكذبتش وانت اللى فضلت
إحمر وجه تامر إحراجًا وهو يقول:
-انتِ فاكرانى طبعًا فضلت عشان ماليش حد مش عشان
حابب اكون جنبك فضلت عشان مفيش بدايل
لم تنظر له وتنهدت بضيق:
-انت اكتر حد كان عنده بدايل يا تامر ومبعدتش
كنت ممكن تبعد عشان تبدأ حياة جديدة، كنت ممكن
تبعد عشان أنت تعبت ومش لسه هتشيل هم تانى
حقك تعيش حياتك
-حياة أية بس هو أنا أعرف حد فى العالم كله غيرك
تفتكرى يا كيان أنا ابن حلال فعلًا ولا زى ماكانوا
بيقولوا
-يا تامر" إن اكرمكم عند الله اتقاكم "
أنا همشى معاك للآخر لو حتى كدا انت ممكن عند ربنا
احسن ربنا من واحد تانى نسبه معروف وبيعمل معاصى
ابتسم بتهكم:
-دا كلامى أنا وانتِ لكن الناس حوالينا مش معترفين
بكدا أنا ابن حرام أنا جرثومة أنا وباء
-أحنا اللى هنغير الفكرة دية ونحاول نساعد الناس اللى
زينا يا تامر يمكن حصل معانا كدا عشان نبقى سبب
لغيرنا
اغمض عيناه محاولًا اخراس صوته الداخلى لكنه تنهد
قائلًا:
-كيان هو لو أنا غلطت فى حقك ممكن تسامحينى
قطبت حاجبيها باستفهام بينما تابع هو قائلًا بأسف:
-أنا يا كيان كنت بتعمد أكون قريب منك فى وجود
كنان الأول كنت شايفك حقى من الدنيا، بتاعتى لوحدى
كنت بمعنى اصح بستفزه بس والله لما شفت حبك ليه
بعدت ياكيان أنا كنت
اشارت له بيدها ليصمت، بينما تامر كان يشعر بالصفعات
اللامرئية تتوالى عليه كان ينظر لها وانهاعلى مايبدو
غير متأثرة او مصدومة، حاولت كيان الحفاظ على
ثباتها قائلة:
-عارفة
ردها ألجمه فبقى يطالعها فى صمت وكانت الصفعات
لا زالت تتوالى على وجه كانت كلمتها بمثابة طعنة
بصدره بينما وجهه تحول للون الأبيض وقد شحب
شحوب الموتى فهمس:
-عارفة أيه؟!
-عارفة اللى قولتوا واللى كنت بتحاول تعمله كنت
فاهمة كل حاجة
اغمض تامر عيناه لعدة لحظات ولم يظن أن دموعه
ستهبط على وجنته سارع بفتح عينه وهو يقول:
-ولما انتِ عارفة وفاهمة ازاى قبلتى تكلمينى لحد دلوقتى ازاى يعنى مش فاهمة
-لأنك مكانش قصدك اذية وانا متأكدة يمكن شوية غيرة
زى ما أى أخ بيغير على اخته مش صح كدا
هز رأسه بالنفى وعيناه تلتمع بالدموع:
-الأول كان قصدى ياكيان بس بعد كدا صح
-لأ الأول كان كدا ياتامر كان كدا والله بس انت اللى كنت مترجم غلط لكن أنا عارفة قلبك انت استحالة تأذى
حد ما بالك لو أنا
لم تستطع أن تكون قاسية عليه، كما حال الدنيا على
قلبه، "فويلُُ للقاسية قلوبهم" فابتسم بوجع قائلًا:
-يعنى مش زعلانة ومسامحة
تود أن تجهش بالبكاء فهما ضحايا، بداخلها ألم سقيم
لم يشفى:
-مسامحة بس بشرط، هتمسك شغل الملجأ ومن غير
فلوس، يعنى ترجع من دا على دا قولت أيه؟!
-قولت أنك على طول هتفضلى الأحسن، موافق موافق
يلا بينا بقى
*****
وقفت السيارة امام دار الايتام فدخل إلى الساحة
الواسعة الملحقة بالمكان كانت الساحة مملوءة
بالألوان والالعاب كان الأطفال يلعبون فى مجموعات
ويصحبهم فى المجموعات افراد من الجمعية، فقد
افتُتح الدار منذ اسبوع اشرف طاهر على كافة
الأجراءات، ابتسمت بمرح طفولى وهى تقول
-أنا جيت
هرول جميع الأطفال إليها فجلست معهم ارضًا، وقف
تامر يراقبها فهى تركته وانخرطت مع الأطفال فطفولتها
الناقصة لا يشبعها إلا هؤلاء الصغار، ظلت هكذا لساعات
وسط الصغار، بينما يشعر بخنجر فى قلبه لما تسبب
فيه من مشاكل لكنه سيحاول أن يصلح أى شئ
****
يمضى النهار طويلًا ويمضى الليل اطول بين دموعها
واهاتها كان هاشم يراقب ذبولها يومًا وراء يوم، يتصنت
إلى صوت بكائها الذى لا تظن أن احد يسمعه، لذلك
قرر المواجهة اليوم فهو لن يتركها تدمر نفسها وجنينها
ويقف مكتوف الأيدى تحمحم:
-عاملة يا قلب بابا
ابتسمت بشحوب:
-الحمدلله
-بيلا، ضياء عرف بالحمل وهو تحت
تكلمت بيلا باندفاع:
-ليه يا بابى ليه كدا انت عايز تموتنى انا مش عايزة
لا لا مش عايزة اشوفه
اخذ هاشم انفاس طويلة ثم زفرها بقوة قائلًا:
-حرام، كان لازم يعرف وانتِ لازم تواجهي انتِ مش
ضعيفة واللى عايزاه هو اللى هيتم
*****
كانت تقف فى المطبخ بشرود وهى تتذكر سبب خلافهم
فاحتقن وجهها بالغضب وهى تجز على اسنانها اخذت
تقطع الخضراوات بحدة ثم وضعت المقلاة على الموقد
بعنف فاصدرت صوتًا عاليًا، وقامت باشعال النيران، وتناولت الخضراوات وألقتها فى المقلاة بعصبية مفرطة
كل هذا تحت نظرات حماتها، ولج هاجد للمطبخ وهو
يبحث عنها بعينيه فسألته والدته:
-داخل المطبخ ليه يا هاجد؟!
رمقها هاجد وهى توليه ظهرها ولاحظ مدى عصبيتها من حركاتها فتنهد قائلًا:
-اقولت اجاى اخد حاجة معكم
ناولته والدته بعض الصحون قائلة:
-رص الاطباق ديه وخليك مع عماتك واحنا هنجيب الأكل
وجايين
زفر بقوة شاعرًا بالأحباط فهى حتى لما تلتفت إليه
فحمل الصحون وانصرف للخارج، بينما وقفت
حماتها بجوار هاجر قائلة:
-الواد ماله قلب امه بيلف وراكِ من امبارح وانتِ
عاملة مش من هنا ايه مش هنتقى لله شوية بقى
غسلت يدها ثم جففتها بالمحارم الورقية وهى تقول
بنبرة اجرامية قائلة:
-لأ، كان على عينى بس ابنك الدحلاب دا أنا مش
هعديه ليه المرة دية
وبقولك أيه خليك فى صفى عشان بصفى
ضربت حماتها على صدرها قائلة:
-يا نهار اسود هى حصلت دا أنا خفت، بت يا هاجر
مالك انتِ بتتحولى
هزت رأسها بالايجاب قائلة:
-حصل، يلا خدى بقى العيش واطلعى وخدى بالك لو ضحكتى
فى وشه انا هزعل وانا زعلى وحش احنا هنسيبه كدا
مع نفسه لما يعرف غلطه ويجى يعترف
رمشت بذهول غير مصدقة ثم همست:
-احنا!!
هو أنا هزعل من ابنى دا عمروا ما غلط فيا، وكمان هكشر فى وشه هو عمل ليا حاجة
تناولت هاجر السكين وهى تنظر لحماتها بمغزى ثم بدأت فى تقطيع الخيار ببطئ درامى قائلة:
-قدرى عمل يا سوسو
توسعت عين حماتها وهى تتناول سلة الخبز قائلة:
-ربنا على مفترى، قلب أمك ياهاجد، هروح اودى العيش
هرولت حماتها للخارج، ابتسمت هاجر بانتصار ثم ضبطت وضع حجابها، وخرجت خلفها فى الردهة
لكن قبل أن تصل للخارج جذبتها يد قوية داخل المرحاض كادت أن تصرخ لكن يده عرفت طريقها إلى فمها
تنهد بقوة فقد اشتاق إليها، اشتاق لغنجها، إشتاق لضحكتها، تمنعت نظراته على كل شبر بها لتستقبلها
وجنتيها المتوردتين خجلا ثم عينيها المشتعلتين
غضب، لا تنكر أن إلحاحه فى ارضائها اشبع غرور
الانثى بداخلها، ازاحت يده عنها متسائلة:
-ممكن اعرف ايه دا؟!
ازاى تتدخلنى الحمام كدا؟!
-هو انت مش واخدة بالك من جروب الواتس
ابتسمت بداخلها ثم سألته بمكر:
-ماله؟!
يعلم انها تراوغه لكنه اجابه:
-ناحر قلبى اقول الخصام حرام، وأهمية صلة الرحم واهمية الزوج يمكن تحن يا بطل قلبى ومفيش فايدة
ابتسمت بالاتساع ثم تصنعت الجدية قائلة:
-اه ربنا يقعدوا فى ميزان حسناتك
غمز لها بعيناه قائلًا:
-طب ومفيش حسنة لينا عندك تمسح غلطة صغننة
تنهدت فهو يمارس سطوته عليها فتنهدت قائلة بصوت بالكاد يكون مسموع:
-ابوسوا عادى الواد مز لا وكمان جوزى
-بتقولى ايه؟!
-بقول معترف بغلطك يعنى
هز رأسه بالايجاب قائلًا:
-ايوة أنا غلطان يبقى انتِ اللى تصالحينى هغلط واصالح كمان
قهقهت هاجر فوضع يده مسرعًا على فمها هامسًا:
-هتفضحينى احنا فى الحمام والناس بره
عضت على شفتاها السفلى باستيحاء ثم رفعت بصرها
قائلة:
-طب كويس انك عارف احنا فين
يلا بينا بقى نتغدا ونبقى نتصالح بعدين
همت للخروج فجذبها من خصرها يضمها إلى صدره هامسًا:
-ابدًا، مفيش لقمة هتنزل معدتى غير لما اتصالح
ضحكت بخفوت قائلة:
-لو ماكنتش تحلف
اقتربت منه تطبع قبلة ناعمة على وجنته تزامنًا مع فتح
الباب فابتعدت عنه مسرعة لتشهق عمة هاجد ووالدته:
-انتوا بتعملوا ايه؟!
تلعثمت هاجر قائلة:
-كنا كنا ولا حاجة؟!
مصت عمته شفتاها قائلة:
-ولا حاجة ازاى هو الحمام بيدخلوا اتنين
كان يشعر بدلو ماء بارد سقط عليه فى ليلة ثلجية فاجابتها هاجر قائلة:
-كان بيعلمنى الوضوء الصح ازاى
اه هو شافنى بتوضأ غلط فكان بيصحح ليا
لوت فمها وهى تقول بخبث
-وخلصتوا وضوء بقى على كدا
اجابها هاجد ببساطة مختصرة:
-تعالى يا عمتى احنا خلصنا ادخلى
خرج هاجد ومن خلفه هاجر، فولجت عمته للداخل واغلقت الباب خلفها، بينما والدة هاجد سحبت يد هاجر هامسة:
-فين جوا عبده موته والاجرام بتاع المطبخ
كله دا ضاع كدا وتتقفشى القفشه الوحشة ديه
-كل منك
ولا مش منك كله منك انتِ
-انا يابت منى ليه يا موكوسة هو فى الهم مداعية
والفرح منسيه
اقتربت منها هاجر تطبع قبلة قوية على وجنتها قائلة:
-كله منك يا سوسو جايبه واد قمر مش بعرف اقاومه
*****
هبطت من الأعلى فوجدته يجلس فى الاستقبال
فقبضت على شالها تحمى روحها الصغيرة الاشبه
بالطفلة، تقلصت ملامحها بالألم وهى تقف أمامه
فقالت بصرامة:
-عايز أيه يا ضياء
كانت بداخله نيران الله وحده يعلم بحاله؛ نيران
لاتندمل، نيران مؤلمة إلى حد لا يطاق، تسرسبت
من بين يده كالرمال، اقترب اكثر وهو يمرر بصره
عليها لا يتخيل كيف تبتعد هكذا وكيف تحمل عدم
رؤيتها كل يوم، رباااه كم اشتاق أن يضمها لصدره
أن يقبلها، احتياجه لها بين ذراعيه الآن فوق طاقته
لا يعى شئ إلا هى، يتشرب ملامحها كان يرتوى
من عيناها، رمشت بعيناها التى تلتمع بدموع حتى
لا تسقط قائلة:
-لو معندكش كلام اتفضل امشى
نظر إلى عينيها بألم قائلًا:
-بتعملى فينا ليه كدا، انتِ اكتر واحدة عارفة بحبى
ليكِ ليه تبعدى كدا
-انا اكتر واحدة عارفة بحبك بس مش عارفة إذا كنت بحبك
ولا لأ صح؟! يبقى لازمتها ايه العيشة مع بعض
أنا عايزة طلاق محكمة عشان نخلص
ثبت نظره على بطنها وهو يقول بألم:
-أنا غلطان عارف، بس أنت عارفة أنا كنت بمر بأيه ساعتها، عشان ابننا يا بيلا اوعدك انى هنسيكى
ارجعيلى
ارتعش فكها وهى تقول بحدة:
-مالكش دعوة بيه، ابنى لوحدى، وانت روح دور على
واحدة معندهاش اعاقة خلف منها أما دا ابنى لوحدى
احتدت ملامح ضياء وهو يقول:
-ابننا او بنتنا مش لوحدك يا بيلا، أنا ممكن اردك حالا
بس عايزها برضاكِ اعقلى بقى
جاء والدها على صوت صراخهم فخطت إليه وقد تحررت دموعها كطفلة ضائعة ثم إرتمت فحضنه:
-مش عايزاه يردنى يابابى، قولتله ليه أنا مقدرش
اعيش معاه بعد اللى سمعته أنا موجوعة اوى انتوا
ليه مش حاسين بيه
ربت والدها على ظهرها وهو يوجه حديثه لضياء
قائلًا:
-وأنا بقولك يا قلب بابى استحالة يردك لو مش برضاكِ
مفيش حاجة هتم غير برضاكِ اهدى عشان البيبى
لم ينطق ضياء عيناه كانت تتكلم كان يحدق بها وهى
تحتمى بوالدها منه شعر برغبة فى انتزاعها من والدها
وضمها إلى صدره كى يهدأ، كان يجب أن تبقى وتشكيه
لنفسه، وكان سيفديها بروحه
ولجت والدتها قائلة بقوة:
-انت عملت اللى فى دماغك يا هاشم بس أنا بنتى
مش مستغنية عنها وحجزت تذاكر وهنسافر صحتها
عندى أهم
******
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والاربعون
-وأنا موافقة وعايزة اسافر يا مامى
انهت جملتها، لكنها انتفضت وهى بحضن ابيها على صوته، وفجأة قست ملامحه وهو ينظر إلى حماته قائلًا:
-مافيش سفر يعنى مافيش احسن أنا هردك لعصمتى
وعند بعند يا بيلا
احتضنت والدها وقالت بصوت متحشرج من البكاء:
-ليه يا بابى قولتله
ربت والدها على ظهرها وهو يقول:
-عشان دا حقه يا قلبى لكن انتِ محدش يقدر يجبرك
على شئ حتى لو رجعك وردك أنا ممكن مخلهوش
يعرف يشوف ضفرك تانى بس اهدى انتِ
ثم تابع وهو يقول لزوجته:
-خدى بيلا واطلعى بيها فوق
اغمض ضياء عيناه يشعر باختناق وهو يتخيلها تبعد عنه
ولا يعرف مكانها، فتح عيناه وراقب انصرافها ثم رفع
اصابعه وهو يقبِض على خصلات شعره وهو يهمس
كالمجنون:
-مستحيل تسافر وتبعد عنى أنا عايزها فى بيتى عايز
اكون جنبها وهى حامل
-خد بالك أنك بتعلى صوتك عليها فى وجودى أنا مجبتكش وكلمتك عشان تتعامل معاها بالغشامة دية
تنفس بلهاث وهو يجلس امامه قائلًا بوجع:
-ساعدنى ارجعها أنا ماليش حد ألجا ليه بعد ربنا غيرك
أنا مش عايش بعيد عنها
اخذ نفس طويل ثم زفره بقوة:
-انا بحاول بس لازم ترجع زى الأول تعرف أمته تقرب
وتطبطب وامته تبعد اعتبر نفسك بتحاول تكسبها لأول
مرة، مش حقك وعايز ترجعه ويلا قوم روح عشان أحنا
رايحين للدكتور وهنشوف البيبى
لم يعجبه كلماته الاخيرة لكن هاشم كان قاصدًا متعمدًا
فاجابة ضياء بحدة:
-تشوف البيبى من غيرى ازاى؟!
-احمد ربنا إنى عرفتك بالبيبى، أنا جيت قولتلك عشان
أى حد ممكن يغلط بس وجع بنتى ودموعها كل ليلة دا
مش بالساهل ابدًا كسرت بنتى دية كسرت قلبى بس بقول
يمكن لما تعرف تمسكك بيها تهدأ، فأكيد مش هضغط
عليها أكتر وتيجى معانا كمان، يمكن هى لما تشوف البيبي تهدا شوية والدنيا تتحل فهمت، أنا اعتبرتك ابن ليا وانت لازم تحط نفسك مكانى وتفهمنى
هبطت دمعة حزينة كراية استسلام، مسحها سريعًا،
ونهض وهو يرمق الدرج للاعلى بقهر ثم اتجه للخارج حتى بات هو والألم وجهان لعملة واحدة
*****
انتهى الأجتماع وبقت كارما مع موظف الحسابات لمراجعة بعض الفواتير وكان معهم كرم الذى كان
يشتعل بداخله، بينما هى كانت تتابع بتركيز تام غير
غير منتبهة لهيئته ولا وجوم ملامحه، يود أن يجذبها
من معصمها ويخرج بها، ربما جنون أو تملك أو راحة
انهت حديثها مع الموظف بابتسامة واسعة فبادلها
الابتسامة وهو ينصرف للخارج، فحدجها كرم بنظرات
نارية فحاولت التهرب من نظراته
فساد الصمت المطبق لعدة لحظات؛ لحظات لا تخلو
من التوتر والارتباك عقب نظراته، قاطع الصمت دخول
إحدى العاملين بالمشفى متسائلًا:
-تشربوا ايه ؟!
اجابه كرم قائلًا:
-قهوة سادة
ونطقت كارما تزامنًا معه فى آن واحد:
-نسكافية لبن خفيف معلقة سكر واحدة
طالعته بذهول وخفق قلبها خفقة ليست عشق لكن مزيج متناقض من المشاعر، فكيف يعرف أدق التفاصيل بينما هو طالعها بابتسامة واثقة فهى من لحظة الأولى وشمت
على قلبه هم بالكلام لكن قطعهم صوت الهاتف فطالعت
الشاشة بارتباك ثم ضغطت على زر انهاء المكالمة قائلة:
-أنا هشرب النسكافية فى مكتبى
تشنج فكه وهو يوزع نظراته بينها وبين الهاتف رامقًا اياها باستفهام ثم سألها:
-ليه؟!
صدح رنين الهاتف بإلحاح ثانية زفر بحدة قائلًا:
-ما تردى
-مكالمة مش مهمة عن إذنك
هرولت للخارج كأنها تختبأ منه، أما هو كان يرمقها بغموض، لكنه اجبر نفسه على الصمود رغم تلك
النيران المشتعلة بداخله
*****
حصل كنان على قدحًا من القهوة يعيد إليه نشاطه فهو
قضى ليلته فى غرفة العمليات، وها هو قد عاد لمكتبه
ثانية، وقبل أن يرتشف أول رشفة كان رنين الهاتف يصدح:
-أممم تمام أوى وأنا اخر الشهر هاكون موجود عندك
واخلص كل حاجة بنفسى
على الجانب الأخر كانت شاهندة تشتعل غيظًا من تصرفات كنان زفرت لهيب مشتعل لتهدى من روعها
ثم اتجهت إلى مكتبه، طرقت باب الغرفة ودلفت
بابتسامة واسعة:
-بجد يا كنان العملية دية كانت مستحيلة أنت حقيقى
عالمى
-مش أوى كدا
-هو أيه اللى مش اوى دا العملية السنة اللى فاتت
كان فى دكتور حاول يعملها ونسبة نجاحها كانت
٦٠% أما انت النجاح بتاعها ٨٠% وديه نسبة مش
قليلة، أنا بعت الفيديو لكذا مستشفى وجه الرد
فورى أنه حابين يشتغلوا معاك فرصة ايه رأيك
ابتسم بهدوء:
-أنا راجع القاهرة يا شاهندة اخر الشهر
سألته بحدة فشلت أن تكبحها:
-عشان مين؟!
نظر فى عمق عيناها ثم اجابة باقتضاب:
-هو انتِ ناسية امى هناك
-لا طبعا طنط نهلة بكلمها كل يوم بس هى ممكن تيجى
معانا
-معانا؟!
سألها وهو يرتشف القهوة، لازالت انفاسها مشتعلة
وهمست :
-معانا على اساس اننا تيم واحد
هز رأسه بتفهم قائلًا:
-طبعا تيم واحد بس أنا مش هسافر
-طب انا حابة اعزمك انهاردة على العشا والرفض ممنوع
-شاهندة أنا بقالى يومين منمتش ممكن نأجلها مرة تانية
اوعدك أنا اللى هاعزمك
*******
بعض الليالى لا ترحل سريعًا تسير ببطئ لنبش الجروح
تنهدت كارما وهى تمسح دموعها هى حقًا لا تهتم لتصرفات كرم الواضحة وضوح الشمس، فعندما
تنكسر اجنحتنا لا تعود تغرينا المرتفعات كما كانت
فى الماضى بل تصبح مصدر ألم، ولجت هويدا وجدت
ابنتها شاردة فسألتها:
-مالك يا كارما
-ماليش يامامى بس حابة احكى على حاجات حصلت معايا ومش حابة تكون فى حاجة مش عرفنها
ابتسمت لها والدتها تشجعها على الحديث فسردت
لها كارما منذ أول لقاء مع كرم، وما انتهت هزت هويدا
رأسها بمرارة وهى تقول:
-يااه يا كارما كل دا وانا محستش يا بنتى تبيعى دهبك
ويضربك ومفكرتيش مرة تلجأى ليا، طب بلاش اخوكِ
أنا يابنتى امك
ياللمرارة التى تحملها كلماتها والأسى فى نظراتها
اخرجت كارما بتنهيدة معذبة:
-كان مهددنى وكنت خايفة اجبلكم العار زى ما بيقول
كان كابوس يامامى
جذبتها بين ذراعيها فهى طفلتها المدللة تربت على ظهرها ثم بعدتها بهدوء وهى تضيق عينيها:
-بس اللى اسمه كرم دا بيعمل كدا ليه معاكِ
-معرفش ومش فارق معايا بس حبيت اعرفك أنا
خلاص مابقتش اثق فى حد
ابتسمت والدتها وهى تراقب تعبيرها الباهت قائلة:
-الناس مش زى بعض حقيقى أنا مش حابة أنك تنتبهى
لحاجة غير مستقبلك ودراستك بس الحياة يابنتى
تجارب والناس مش زى بعض وبردو متحطيش حاجة
فى دماغك
ثبتت والدتها نظرها عليها وهى تسألها بخبث:
-هو أنا اصلًا شفته مرة واحدة وشكله جدع بس ممكن
يبقى زى الزفت باهر
اجابتها بتلقائية:
-لأ لأ مفيش وجه مقارنة دا بقالوا شهرين ماسك المستشفى الكل بيشكر فيه جدع مع الكل واخوه
شريك بيلا شكلهم ناس محترمين
ابتسمت والدتها وهى تتمنى بداخلها أن تنال ابنتها
التعويض على ما عانته ثم قالت:
-يلا بينا نشوف اخوكِ ماله
*******
هل تعلم أنك كلما اردت نسيان شئ بقوة ترسخ
فى عقلك اكثر واكثر، وبالفعل هو ما يحدث معها
كلما حاولت دفع تلك الذكري باقصى ما تملك تعود
حاضر بداخلها بقوة تتقاذفها فى دوامة الوجع والألم
محاولة لملمة روحها فى محاولة يائسة
ولج والدها إلى الغرفة حتى انها لم تنتبه عليه فاقترب
يجلس بجوارها فانتفضت وهى ترمقه قائلة:
-بابى خضتنى
-أنا بقالى ساعة واقف وانتِ مش هنا
وبعدين يا بيلا؟!
وضعت يدها أعلى اليسار وهى تقول:
-هنا وجعنى أوى يابابا، وجعنى ومش قادرة اتنفس
انشق قلبه لنصفين على وجع ابنته ثم ابتسم ابتسامة
باهتة قائلًا:
-،وليه كل دا يا بيلا، أنا سايبك كل دا على راحتك بس كدا
كفاية لازم تفوقى لنفسك انتِ كام شهر وهتبقى أم
فاهمة معنى الكلمة ولا لأ، مسئولية وروح معلقة فى
رقبتك، وفى الأول والأخر ضياء دا بشر وغلط
وأن المحب لمن أحب رحيم
دا ضياء مفيش حاجة تشفع ليه
بكت بحرقة قائلة:
-عشان هو ضياء يابابا وجعنى عشان ضياء قال
عليا عندى أعاقة
-وليه تتوجعى اصلا انتِ مفيش فيكِ عيب نهائى
وأنا مش مقتنع بكلمة اعاقة دية خالص واياكِ تقولى
كدا تانى، انتِ زى الفل زيك زى اى بنت درستى
واشتغلتى الاعاقة فى التفكير وانتِ لازم تتجاوزى
الفكرة دية كفاية تحبسى نفسك جوها انتِ طبيعية
كلمة ضياء وجعاكِ كدا عشان انتِ مصدقها
لو مش مصدقها المفروض تكملى حياتك، تنزلى شغلك
مش تحبسى نفسك، انتِ اقوى من كدا عشان البيبى
اللى هيجى انتِ كاملة ومتسمحيش لحد يقلل منك
انا ومامتك هنا معاكِ المفروض تكونى اقوى من كدا
مسحت دموعها وهى تقول:
-أنا بحبك اوى يابابا
-وانا اكتر يا قلب بابى رغم انى بحب حد اكتر منك شوية
ابتسممت من بين دموعها قائلة:
-لبنى طبعًا
اخفض صوته وهو يقول:
-مش لبنى بس وطى صوتك احسن تسمعنا
-مين يابابا
-البيبى دا اللى لسه ماشرفش روحى فيه هو لسه
متحركش، اوعدينى تكونى اقوى من كدا عشانا
انهى جملته وطفرت الدموع بعينيه فمدت يدها تربت
على وجنته قائلة:
-اوعدك بس بلاش دموعك دية
*******
كانت نيران ضياء تشتعل بداخله، نيران الهوى ذاك الهوى الذى حرم عليه كما حرمت الجنة على ابليس فاق ضياء من شروده على صوت كارما وهى تغنى بمرح قائلة:
-مين حبيب بابا؟! مين قلب بابا؟!
مين هيبقى بابا؟!
طالعها بابتسامة واسعة وهو يقول:
-أنا
قطبت حاجبيها قائلة بضيق:
-بابا مكشر ليه كدا؟! عايزين بابا فرفوش
ضحك ساخرًا:
-فرفوش!! انهارده راحوا وشافوا البيبى وأنا اهو قاعد
فى البيت
حملقت فى اخيها بعض الوقت قائلة:
-عارف يا ضياء أول مرة شفت تعاملك مع بيلا حسيت
قد أيه أنا غلطت فى حق نفسى وانت عارف تحتويها
ازاى، ومتأكدة كمان أنك هتعرف المرة دية صحيح صعب
بس انت قدها
-تفتكرى
هزت رأسها بتاكيد وهى تقول:
-جدًا، وكمان لو كنان
نفرت عروق رقبته واحمرت عينيه قائلًا:
-متجبيش سيرته، نهائى هو سبب كل دا فهمتى
ابتلعت بصعوبة ثم هزت رأسها بالايجاب وانصرفت
فى صمت
*****
كان يرمقها وهى تأكل باستنكار فرفعت عيناها باستيحاء قائلة:
-طاهر بلاش تبص كدا حقيقى جعانة ومن امبارح
صاحية من العمليات للعيادة للمستشفى تانى
-السؤال بقى ليه كل دا، مش شايفة انه ضغط عليكِ
نفضت يدها من الأكل قائلة:
-اُمال هاعمل أيه فى حياتى دا شغلى يا طاهر كل
حياتى هنا مكانى وماليش مكان تانى، فين اهلى؟!
فين اصحابى؟! فين جوزى؟! فين خطيبى؟!
مافيييش، حياتى فاضية ومن غير الشغل اتجنن
ظلت نظرتهما معلقة للحظات تبث هى حزنها الصامت
ويبث هو وجعه عليها فابتسم قائلًا:
-يا شيخة منك لله، أنا جاى الساعة واحدة ونص بليل
وجايبلك أكل عشان تقولى فين اصحابى
هربت بنظراتها قائلة:
-ربنا يكرمك بجد كنت هاموت من الجوع ومحدش
هينزل دلوقتى يجيب ليا أكل، شكرًا
-بس يكش يتطمر فيك
-اممم شكلك عايز حق الأكل، ولا أقولك خدوا
هز رأسه بيأس وهو يقول:
-هو فى حاجة فاضلة انتِ حتى معزمتيش عليا يلا
بالهنا والشفا
عضت على شفتاها السفلى بحرج:
-اسفة بس كنت جعانة بجد اسفة
براءة لا تسع المرء إلا أن يبتسم تحدث طويلًا حتى طلوع الفجر لتخبره عن نفسها اكثر وهو كذلك
******
بعد مرور عدة اسابيع
وقفت كارما فى رواق المشفى وهى تتحدث فى الهاتف
والابتسامة تزين ثغرها وما أن اقترب منها كرم ارتبكت
واغلقت الهاتف مسرعة هامسة بتوتر:
-صباح الخير
اشتعل رأسه حين رأها تغلق مسرعة، أيعقل أن تكون تحدث زوجها أو شخص اخر كاد أن يجذب الهاتف من بين يدها لكن استعادة هدوئة أوما فى الصمت وصدره يعلو ويهبط بانفعال فسألها:
-الشغل تمام
هزت رأسها قائلة:
-ايون وضياء كمان شوية وجاى عشان هيرجع تانى
كانت نظراته ممثبته على الهاتف، هز رأسه محاولا
اطفا الافكار برأسه حتى لا ينفجر بها
******
-بيتحرك يا هاشم شايفه أهو على ااشاشة
كانت تلك الكلمات تقولها لبنى لهاشم بينما وقف ضياء
يطالع الشاشة امامه والدموع تملئ عينيه فانتهت الطبية
واخرجت محرمة ورقية لتمسح بطن بيلا المنتفخ،
فتحرك الجنين تحت لمساتها فهمهت:
-البيبى شكله هيطلع شقى
وضعت لبنى يدها على باطنها ثم صاحت قائلة:
-هاشم تعالى بسرعة
بسطت هاشم يده فوق بطنها المنتفخة وعندما استشعر
حركة الجنين اغمض عيناه، وشعور قوى يدهمه،
أما ضياء كان ينظر لتعبيره بقلب يقطر دمًا ثم نظر
إليها بوجع فانهمرت دموعها بألم فابتسم لها بضعف ثم
انصرف للخارج وقف امام النافذة محاولًا سحب هواء
لصعوبة التنفس شعر بيد تربت على كتفه فاستدار
وجده هاشم قائلًا:
-واحدة واحدة، وكويس انها اقتنعت انك تيجى معانا
فى اعماقه تمنى أن تغفر ويغتسل من خطأه، يتبرأ
من صورة المذنب فى عينيها، أن يمحى ما سار
كأنه لم يكن
*******
ذهب ضياء لمكتبه وجلس خلفه غارقًا فى عالمه الخاص
حتى بدأ الصخب وتوافد العاملين بالمشفى عندما علموا
بعودته، فدخل كرم إليه فرفع عيناه وقد تحولت نظراته
بشراسةاخو طاهر ماذا يفعل بمكتبه ثوان وكانت كارما تدخل
خلفه:
-حمدلله على سلامة يا دكتور
لم يعريها انتباه وظل محدقًا بكرم قائلًا بحدة:
-انت بتعمل ايه هنا؟!
نظر كرم لكارما ثم تنهد قائلًا:
-بشتغل
-نعم!!
اسرعت كارما بتدخل قائلة:
-دكتور بيسان رشحته للادراة وهو اللى ماسك كل حاجة
ولولاه الشغل كان وقع
نهض ضياء وهو يقف أمامه قائلًا:
-مؤهلاته ايه عشان يشتغل فى مكان زى دا
همت كارما برد فزجرها ضياء بنظراته فانهارت كل وسائل الدفاع لدى كارما فاشتعل كرم من طريقتها
معها فاجابه بعلو:
-أنا خريج تجارة والحسابات لعبتى أنا ابن سوق
وبعون لله ادير اتنين زيها نهيك على الحسابات
اللى كانت كلها مضروبة وكل واحدة كان عامل
مصلحة العبد لله مشى الشغل على شعره، يعنى
لو انت بطل فى مجالك أنا الاستاذ اللى بدرسهالك
ومرة تانية حمدلله على سلامة وعن إذنك عشان
عندى جرد
وما أن اغلق الباب خلفه حتى توسعت عين ضياء
قائلًا:
-الواد دا ايه اللى شغله هنا
-هو انت بتكلمه كدا ليه دا هو اللى مسك الشغل كله
فى غيابك وأنا كنت بتعلم منه يدوب
سألها مستفسرًا
-ايه اللى شغلوا هنا هو محتاج
رفعت كتفاها ثم اجابته:
-كان متخانق مع اهله ومحتاج شغل
ابتسم ضياء بسخرية وهو ينقر سطح المكتب قائلًا:
-شغل!!
الواد دا بيصيع، ماشى
من بكرة انتِ هتقعدى من المستشفى
همت باعتراض لكنه قاطعها:
-أنا خلاص موجود وبعدين الكلية بدأت ولازم تركزى
وتنزلى فى الاجازة يا قلبى أنا تقلت عليكِ
*****
شعرت بيد تكمم فمها وتسحبها للداخل توسعت عيناها
بذهول ما أن رأت كرم وبالكاد استطاعت الحفاظ على
صدمتها قابعة بداخلها فهمست بتوجس قائلة:
-انت ازاى تعمل كدا
كان كرم هادئ، بينما يضع كفيه فى جيب بنطاله الجينز
باهت اللون قائلًا:
-تتجوزينى
كانت كتمثال صخرى وقفت مكانها دون فعل شئ كانت
تقف صامتة بينما هو يكاد يحترق نيران تحرق روحه
فهمس:
-أيه خرستى
-انت اتجننت انت شارب ايه؟!
لو فمه بسخرية قائلًا:
-شارب المر، هو حضرتك مش واخدة بالك انى كنت بتهزق جوه
فتحت عيونها الزيتونية وهى ترمقه بأسف:
-آه، سورى بس ضياء الفترة
تجاهل كلامها وهو يقطعها قائلًا:
-هشش، أنا مش دكتور نفسانى هتحكى ليا مشاكل اخوكِ أنا بقولك تتجوزينى
شعرها الاشقر ثار حولها مع تحركها فهمس لها:
-شعرك اللى مجنن امى دا، المهم انا هجى اطلبك من اخوكِ انهارده، لأنه هو أكيد قالك مفيش نزول هنا تانى صح
-برافو عرفت ازاى؟!
زفر بحنق وقال مع قبضة مشتدة:
-بالله انتِ عديتى من كى جى تو إزاى
عرفت لأنه صايع مش تلميذ ما علينا ابقى قولى للحاجة
تتلألأت الدموع بعيناها وهى تقول بوجع يمزقها من داخل::
-أنا مش بفكر فى جواز تانى خلاص
لو سمحت وسع خرجنى كدا ميصحش
تكلم من بين اسنانه بغيظ:
-مش بأخد رأيك ومش وقت عقدك دية خالص، اخوكِ بظبط عشر دقايق وهيخرج يدور عليكِ عشان تروحى
ومش حلوة انه يقفشنا خالص هنا
صدح رنين فاهتزت حدقتيها بارتبارك فأظلمت عيناه
وهو يسألها بغضب:
-مين؟ وليه مش بتردى قدامى
-وانت مالك
حاولت أن تتجاوزه للخارج لككنه سحبها بغضب:
-ردى عليا اقسم بالله لو طلع جنانى مش هتعرفى
تسدى معايا
نظرت إلى عينيه واجابته بوجع ولم تتحمل فكرة أن يهينها بهذا الشكل :
-دا كنان بس مينفعش اكلمه قدام ضياء ومش حابة
ازعل ضياء بس دا كنان مهما كان، وانتِ مالك عشان
تتكلم كدا معايا
مسح كرم وجهه بكفه فى محاولة لأستعادة هدوء
ثم اشار إلى موضع قلبه قائلًا:
-دا قلبى كان فيه نار كل مااشوفك بتكلمى الفون
بعدين نبقى نشوف حوار كنان دا بعض الجواز
نظرة له كارما باستياء قائلة:
-هو انت مش بتفهم مش هتجوز أنا
ابتسم بسماجة قائلًا:
-لأ أنا اللى هتجوزك مش انتِ وأنا مش بأخد رأيك هو
البعيدة مش حاسة بسحلتى وراها دا اخوكِ فاهم من
اول مرة
-كرم
نطقت اسمه بكل نعومة كقطة صغيرة تتغلل بروحه
هز رأسه فقد اخذته افكاره إلى مكان لا يريد الذهاب
إليه، لا يريد التفكير فى نعومتها ودلالها فهمس:
-بلاش جنان وتنادى علينا واحنا فى اوضة لوحدنا
الله يسترك، خلينى اروح اطلبك من أهلك بدل مااخوكِ
يدخل ويأخدنى على اوضة العمليات على طول
-مش فاهمة يا كرم هو المشكلة فى اسمك كرم دلوقتى
-متقوليش اسمى خالص غير بعد كتب كتاب
-كتب كتاب مين؟!
-أمى، كتب كتاب امى، يلا كارما لأنه فعلًا لو حد دخل
هنا اخوكِ هيعملنى فأر تجارب وهى خلى كلية طب
كلها تتدرب عليا
تركها وذهب نحو الباب، يخرج رأسه وهو يقول بخفوت:
- أنا هطلع وانتِ بعد شوية أول ما ارنلك اطلعى وربنا
يستر
*******
وما أن فتحت الباب حتى انهار كل شئ حولها جذبته
إلى احضانها وهى تبكى بحرقة قائلة:
-وحشتنى يا كنان استحالة تسافر تانى
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والاربعون
ولجت كارما لضياء قبل أن ترحل وجدته مغمض العينين
يستند برأسه على المقعد وملامحه حزينة وما أن اقتربت تهمس بأسمه فاعتدل فى جلسته سريعًا وازال
دموعه قبل أن تراها اخته، ثم فتح قبضة يده وتناول منها خاتمه ليضعه فى اصبعه قائلًا بابتسامة باهتة:
-تعالى حبيبتى
سقطت دمعة على وجهها المبتسم وهى تقول:
-هو انت بتعيط يا ضياء
-لا مش بعيط دا عينى بتدمع عشان غفلت
اقتربت منه تضمه بحنان اخوى قائلة:
-عشان خاطرى متعملش كدا وكل حاجة هتتحل ممكن
شعر باختناق رهيب قلبه كاد أن يقف من شدة الألم،
والدموع حارقة تغزو عيناه فهمس بوجع:
-كان نفسى إنهارده احس بحركة البيبى، كان نفسى أول
ماسمعت صوت دقات قلبه اضمها ليا، كان نفسى دموعها
تبقى فرح مش وجع حاسس بالدنيا بتضيق عليا أوى
يا كارما هى وحشتنى ومش عارف حل
أنا خذلتها وخذلت ابنى اللى لسه ماجاش الدنيا
حل الصمت لثوان ثم مسحت دموعها قائلة بسعادة:
-البيبى ولد يا ضياء؟!
هبطت دمعة اخرى لكنه مسحها وهو يقول باختناق:
-ايوه ولد
-حبيبى عمتوا، بس أنا هاغير عشان هتحبه اكتر منى يا ضياء
هز رأسه بعنف وهو يقول:
-لا هو ولا أى حد ياخد مكانك فى قلبى يا كارما
-حيث كدا يبقى نخرج مع بعض أنا بقالى كتير مخرجتش
ومش خرجت خالص فى مصر، ويلا كمان نجيب حاجات
للبيبى أنا عمته ولازم ادلعه
اخذ نفس عميقًا وهو يقول:
-خليها مرة تانية لسه عايز اشوف الشغل
اجابته بفخر:
-الشغل ايه أنا مسيطرة وكله تمام ومافيش مفر هنخرج يعنى هنخرج هاروح اجيب حاجتى ويلا بينا
انصرفت من المكتب بينما هو حاول أن يقاوم مشاعره
ويتماسك أكثر
******
كانت تجلس على طاولة تطل على مروج خضراء
تتابع طاهر بأريحية وهى ترتشف كوب القهوة
وانغام ام كلثوم تشدو فى المكان، اقترب منها
طاهر متسائلًا:
-ايه رأيك فى الشغل دا؟!
رفعت نظرها وهى تقول باعجاب:
-المكان روعة وجميل والشغل برفكيت يا طاهر
-دا كله شغلى لأن بيلا مش موجودة
ادعيلى المؤتمر اللى فى شرم الشيخ الشركة بتاعتنا هى اللى تنظمه
-الشغل روعة يا طاهر، وانا واثقة فيك وانت تستاهل
ومتأكدة أنك هاتروح المؤتمر دا والشركة هتبقى عالمية
تنهد هو يتمعن في ملامحها متسائلًا:
-بتثقى فيا!!
ضحكت وهى تهز رأسها بيأس هاتفة:
-مش عارفة ليه بس أنا بثق فيك
-طب يلا اوصلك شغلك والحق اخلص بقية الاوردارت
عشان حرام الواد تامر بيفرهد منى
*****
دلفت للمكتب واغلقت الباب خلفها، فرفع كرم عينيه
بتعجب وتساءل بمرح:
-هو صحيح الشوق غلاب ولا أيه؟!
طب ماانا قولت هاجى اخطبك بالليل مستعجلة ليه
اقوم اروح لأخوكِ دلوقتى بدل ما نتقفش كدا
نهض من مكانه يقترب منها وهى لا زالت تقف عند الباب
فهمست بتوتر:
-هو انت ممكن تبطل لو سمحت مينفعش كلامك دا
كان يسمع نبرتها المهتزة ويحارب نفسه بصعوبة أن
يضمها فسألها:
-كلام ايه اللى مينفعش
-أنك عايز تيجى وتقابل اخويا
اجابها ببساطة:
-كلام أيه انا راجل طالب الحلال والحلال يعنى
ادخل من الباب دا مضايقك فى ايه
اخذت نفس بصعوبة وهى تتشبث بالباب خلفها قائلة:
-ضياء حالته النفسية صعبة بيمر بحاجات مضايقاه بلاش
تكلمه فى حاجة، غير أنى مش عايزة اتجوز
كان يرمقها وداخله بركان من التناقض ربما عشقه لها
يعميه عن الحقيقة الواضحة على وجهها أنها لا تريده
لكنه لم ييأس فصدمها قائلًا:
-وايه المقابل؟!
كانت تطالعه بصدمة هذا الرجل مخيف وغامض فهى
لم تنجو بروحها المذبوحة سلفًا كى تقدمها له مرة
ثانية:
-انت اتجننت مقابل ايه؟!
رفع كرم حاجبه قائلًا:
-مش عيب تبقى هربانة من kg2
ونيتك تبقى كدا
المقابل انك تقنعى اخوكِ أنك تنزلى الشغل إلا هاجى
اطلبك حتى لو كلكم مش موافقين هتجوزك
مرت لحظات وهما يتبادلان النظرات قبل ان يقطع هو
تواصلهما بنظرة اخيرة عميقة، ثم مد يده يفتح الباب
قائلًا:
-يلا يا كوكو قبل ما اخوكِ يقفشنا
لو مجيتيش بكرة هاكون عندكم بالليل
*****
فى مساء اليوم التالى
فتح هاجد باب الشقة وولج للداخل وكان الهدوء يعم
المكان وما أن تقدم للداخل، حتى اسرعت هاجر تتعلق
برقبته تحضتنه بشدة هامسه امام شفتاه:
-وحشتنى اتأخرت ليه؟!
اجابها وهو يلثم عنقها وانامله تتحرك على ظهرها بنعومة:
-إنهاردا اخر الشهر وتقفيل الحسابات
كانت عيناها السوداء تحملق فيه بهيام قائلة:
-كل شهر وانت طيب ياقلبى
يتابع حركة شفتاها وما أن انتهت اخفض
رأسه مقبلا شفتاها برقة يتذوقهم بتمهل، ابتعدت عنه
وحدثته بصوت مبحوح بفعل قبلاته:
-روحنا انا وماما الحسين إنهاردا ولفينا فى المحلات
هناك واشترينا حاجات كتير، وجبتلك مفاجأة
-بجد يعنى اتبسطوا، جيبتى ايه ياترى سبحة، ولا جلابية
امتدت يدها لتحل ازرار قميصه وهى تهمس بدلال:
-تؤ تؤ، لا دا ولا دا يا قلب هاجر حاجة تانية
ثانية واحدة هاروح اجبها
ابتعدت عنه ثم توارت داخل الغرفة بضع لحظات
وكانت تخرج حاملة بيدها شئ مما جعل عين هاجد
تتوسع بصدمة هامسًا باستنكار:
-ايه دا يا هاجر؟!
اجابته وفى عيناها نظرة مرحة قائلة بخبث:
-ايه مش عارفه، دا الدُف
-ايوة ما انا عارف ليه جايبه دا وعشان مين
هو فى فرح قريب
وضعت الدف جانبًا لتستمر اناملها فى حل ازارر واحد
تلو الأخر وهى تقول بمكر:
-مش انت قولت ان الاغانى حرام طب بذمتك ارقص
ازاى أنا بقى قولت اتصرف واجيب دا انت تطبل
وانا ارقص
يشعر باناملها على حانية عنقه اغمض عيناه وانفاسه
تتهدج ثم توسعت عيناه من كلماتها هامسًا بذهول:
-انا اطبل؟! وانتِ ترقصى؟!
هزت رأسها بالايجاب وهى تتلاعب بحاجبيها، ازاح
يدها وهو يسألها بريبة:
-اوعى تقولى ان امى كانت معاكِ وانتِ بتشترى الدف دا
اسبلت اهدابها مدعية البراءة، جز على اسنانه متساءلا:
-قولتلها ايه وانت بتشترى الزفت دا
التو ثغرها ثم اجابته بابتسامة واسعة:
-قولتلها هاجد بيحب يصوم اتنين وخميس
وهشترى دا عشان ابقى اصحى بيه زى المسحراتى
اصح يا هاجد صحى النوم، اصحى يا هاجد احنا بقينا
فى شهر الصوم
ربنا ما يقطعلك عادة يا شيخ هاجد
فرك وجهه بيده وزفر انفاسه بقوة متساءلًا:
-وهى قالتلك ايه بقى؟! اظنى معجبهاش وانتِ اصريتى
واتضايقت طبعًا
تعالت ضحكاتها وهى تقول:
-قالتلى الست القوية متهزهش غير الطبلة
ضرب كف بالاخر وهو يضحك ساخرًا:
-امى الست العاقلة هاجر ضيعتها وجننتها
-طبعًا يا حبيبى عاقلة عشان كدا اول ما رجعنا
ادتنى الصاجات بتوعها قالتلى حاجة نحاس من الاصلى
وحافظى عليهم عشان بنتك
-هو انا لما اخلف بنت هسيبها ليكم
زمت شفتاها بتذمر طفولى محبب لديه، ماكرة باتت تعلم كيف تتلاعب باوتار قلبه، تنهد ثم طالعها بابتسامة عاشقة وهو يأخذ وجهها بين راحتيه:
-هتجنيننى يا هاجر
نظراته تصل لقلبها قبل عينيها ضاعت من لمساته وذابت فى ضحكاته الرجولية وان كان للعشق اسم سيكون ممزوجًا باسمه، فقد ربت القدر على قلبها لتفوز به
وقفت على اطراف اناملها وطبعت قبلة ناعمة
كالفراشات على وجنته وهى تقول:
-طب يلا عشان انا عايزه نجرب الدف
ابتسم بخبث ولمعت فكرة فى رأسه وقام بتنفيذها
على الفور، وضع ذراعيه تحت ركبتى هاجر حاملًا
إياها متجهًا بها إلى غرفتهم بينما هى شهقت بصوت
عالى متذمره:
-مش هتضحك عليا هتطبلى وهرقص يعنى هرقص
اخذ صوت ضحكاته المتسليه فى التعالى:
-دا احنا هنطبل ونرقص للصبح بس كله بالدور
فى صباح اليوم التالى
شعرت به يداعب خصلات شعرها برفق فرفعت رأسها
التى تتوسد صدره هامسة:
-صباح الخير
-صباح الورد، شفتى اخرة مجهود الرقص بتاع امبارح
الضهر اذن ولسه نايمة
ابتسمت بخجل قائلة:
-بس بقى، هقوم احضرلك الفطار بسرعة
هز رأسه بالنفى قائلًا:
-لأ، هفطر تحت مع سوسو وخليكِ مريحة وابقى انزلى
براحتك
لمح طيف الحزن بعينيها فسألها:
-أيه مالك اتضايقتى عشان هفطر تحت
-لأ، طبعًا بس أنت ليه مش عايزنا نكشف احنا داخلين
على سنة جواز ليه بترفض مش عايز تخلف منى
تنهد وهو يفرك وجهه قائلًا:
-اللى يسامحك يا هاجر بقى أنا مش عايز اخلف منك
أنا بقول لو هنكشف يبقى بعد أول سنة وبلاش استعجال،و مش حابب تشغلى بالك عايز تكونى واثقة فى ربنا اكتر وانتِ قولتيها سنة يا هاجر مش عشر سنين وعلى العموم بكرة هرجع وأخدك ونروح للدكتور
اتفقنا
نهضت تقبله فى وجنته بسعادة قائلة:
-حبيبى يا هاجد اتفقنا، انت عارف أن الأطفال نقطة ضعفى
ابتسم بضعف قائلًا وهو يضمها بتملك:
-انتِ اللى نقطة ضعفى يا هاجر
******
-أُمال يا هاجر كل ما اقول اتفرج على فرحك يقولوا
مش موجود
قالت هذه الكلمات عمة هاجد بينما اردفت هاجر قائلة
-لأ ليه مش موجود، هو على الفلاشة اللى عالشاشة هنا
تناولت هاجر جهاز التحكم وضغطت على زر التشغيل
وبعد البحث فى القائمة قامت بتشغيل حفل زفافها
تزامنا مع دخول حماتها التى تحمل صينية المشروبات
فتوسعت عيناها بفزع هاتفة:
-ايه دا مين شغله
-دا عمتوا كانت عايزة تتفرج على الفرح
وضعت سوسن الصينية على الطاولة بينما ترمقها عمة
هاجد بتحدٍ فهى باتت متأكدة أن رفض زوجة اخيها
ورأه خطبًا ما، ابتلعت سوسن قائلة:
-هاجر يا حبيبتى عندى غسيل فى الغسالة والبلكونة
عليها غسيل ممكن تأخدى تنشريه عندك
نهضت واقفة وهى تهز رأسها بالايجاب واتجهت للخارج
لتخرج الملابس من الغسالة وتأخذها للأعلى
على الجانب الأخر
-ما الفرح موجود اهو اُمال ليه بتقولى مش هنا
كانت هذه كلمات عمة هاجد بينما لكزتها مايسة فى يدها
فسحبت يدها بحدة قائلة:
-مالك يا بت فرح ابن اخويا حرام اتفرج عليه
زفرت سوسن بحنق قائلة:
-دا على اساس انك محضرتيش الفرح يعنى
مصمصت عمة هاجد شفتاها قائلة:
-وهو الفرح لما اتفرج عليه الدنيا هتخرب وبعدين
ودا المهم الفرح كان اسلامى وأنا عايزة اشوف هاجد
ران الصمت بينهم لدقائق وهما يشاهدون حفل الزفاف لكن فجأة توسعت عين عمة هاجد بصدمة قائلة:
-هو مين اللى قاعد ايده فى ايد هاجد دا فى كتب الكتاب، مش دا مصطفى جوز اختك
انهت جملتها تزامنًا مع وقوف هاجر على اعتاب الغرفة
ولكن لم ينتبه لها أحد بينما ابتلعت سوسن بصعوبة
وهى تقول:
-ايوة هو ووطى صوتك هاجر متعرفش حاجة
ضربت عمة هاجد على صدرها قائلة بحدة:
-يعنى أيه متعرفش، أنا كنت حاسة أن الجوازة دية وراها
حاجة وابن اخويا اتدبس فيها، يعنى اختك كانت غضبانة
هنا عشان متاخدش بنت ضرتها تعيش معاها عشان خايفة تخرب بيتها تقومى انتِ مجوزاها لأبنك ذنبه أيه ابن اخويا يبقى كبش فدا
-اسكتى بقولك متعرفش حاجة، وبعدين هاجد
ابتلعت مايسة وهى تقول:
-هاجر
كانت هاجر واقفة دمعة تسقط وراء دمعة حتى علت
شهقاتها وكأن احدهم اشعل عود ثقاب بقلبها، شعرت
بالأرض تهتز أسفلها، وكل لحظة قضتها مع هاجد
بدأت تأتى فى مخيلتها كشريط سينمائى، منذ بداية
زواجها حتى هذه اللحظة، كل لحظاتها الحزينة والسعيدة
والمؤلمة، بينما صرخت والدة هاجد فى عمته:
-ارتحتى كدا، ارتحتى انتِ بتعملى كدا ليه ها؟!
قبل أن تجيبها كانت تسحبها ابنتها وتتوجه للخارج قائلة:
-معلش يا مرات خالى حقك عليا
انصرف الاثنين بينما بقت هاجر كتمثال تحدق فى حماتها مرت عدة لحظات ثم حاولت ان تلملم شتاتها
قائلة:
-هاجر يا بنتى الموضوع مش زى ما انتِ سمعتى
افهمينى يا حبيبتى
*****
خرجت هاجر من الغرفة مندفعة وكأن احدهم سكب عليها المواد المشتعلة، ثم اشعل عود ثقاب ورماها به، لتشتعل بها النيران وما أن خرجت حتى انصدمت بهاجد الذى قد وصل للتو، ظلت واقفة مكانها
والدموع تنهمر من عينيها تعذب روحها وهى ترمقه بوجع مُدمى، بينما لحقتها حماتها من الداخل فنظر هاجد لوالدته وعيناه تسألها فى صمت فاغمضت عيناها بأسف، فقبض على أصابع يده بقوة وحبيبات العرق تشكلت على جبينه، وعلى رغم برودة الجو إلا أن درجة حرارة جسده فاقت الاربعين وعلم أنها لحظة المواجهة، نظراتها التى ألقتها عليه، سحبت قلبه من بين ضلوعه بكل قسوة ودهسته دون رحمة
همست بنبرة لاحياة فيها وهى تحدق به:
- أنت ازاى كدا، ليه عملت كدا فيا
قاطعتها حماتها وهى تجذبها من معصمها برفق قائلة:
-اهدى يا هاجر عشان تفهمى الموضوع صح
نزعت يدها بحدة وهى تصرخ بحدة قائلة:
-انتِ تخرسى خالص انتِ كدابة
نيران مستعرة بالغضب شبت بداخله من فظاظتها مع والدته فى لمح البصر كان يرفع يده للأعلى
ويهبط على وجنتها بصفعة قوية وشديدة، شهقت والدته بفزع، أما هى ابتسمت بمرارة ولم يبدد ألم
الصفعة، الألم الذى سكن يسار صدرها، كانت تهز
رأسها بهستريا، لعل هذا الكابوس ينقشع وينجلى
فهذا هو حبيب القلب، لكنها أيقنت انها مستيقظة
وهذا هو الواقع المرير اجهشت ببكاء يمزق نياط القلب
كألم سقيم لا يشفى، اليوم هى قد ماتت أليس من العدل أن تتم مراسم الدفن، انطلقت نحو الباب
اقتربت منه سوسن تضربه على صدره بقوة قائلة:
-ليه عملت كدا ليه؟! ليه يا هاجد؟! ليه يا بنى؟!
كان غير واعى وكأنه بعالم اخر علمت الحقيقة من
غيره همس لوالدته بقهر:
-مستحملتش تغلط فيكِ قدامى بس انتِ ليه قولتلها ليه ياامى؟! ليه ياامى؟!
-مش أنا عمتك خلتها تشغل الفرح ولما شافت مصطفى
قالت كلام ما يتقالش ألحقها يا بنى بالله عليك
ترضيها روح
******
اندفع هاجد داخل شقته يبحث بعينه فى الأرجاء كطير حبيس، وقد اخلو سبيله لتو، يبحث فى الغرف كالمجنون ولكنه، لم يجدها، رحلت اصابعه قبضت على خصلات
شعره، وهو لا يعلم ماذا يفعل، مسح على وجهه عدة
مرات ثم هبط للأسفل مسرعًا حيث شقة
والدته:
-مشيت يا امى هاجر مشيت كل حاجة انهدت فجأة
-كل شئ يتحل بس يلا نلحقها هى اكيد راحت بيتها
واتصل على مصطفى يجى حالًا
أومأ لها والحزن يعلو وجهه فلم يتمالك قلبه من لهفته
عليها، لم يعرف كيف خرج صوته من فمه المتجمد
فقط خرج اسمها من بين شفتيه بلوعة قائلًا:
-هاجر هتسامحنى صح؟!
اغمضت والدته عيناها بأسى، بينما هو يشعر بإيادى
قوية تكتف جسده بلا رحمة، ألم يفوق قدرته على التحمل، صرخات محمومة وآنات مكتومة، واصوات
متداخلة ومتشابكة بين الحزن والقهر والعشق والبكاء
وطعم داخل فمه يشبه العلقم، حاول أن يحرك قدميه
التى تيبست بصعوبة
***
وصلت لشقتها وارتمت على المقعد تشعر بالاختناق وكأن
الماء حولها من كل حدب وصوب ولا عليه سوى الاستسلام للغرق، دموعها تسيل محرقة وجنتيها،
قلبها يحترق كأنها داخل أتون مشتعل،تناولت هاتفها بإيدى مرتعشة تضغط على زر
الأتصال، قاطعها صوت الجرس تحاملت على نفسها
لتفتح الباب وما أن وجدتهما أمامها سالت دمعاتها
وهى تهذى بارتجاف:
-انتوا جايين هنا ليه؟!
ما خلاص مهمتكم خلصت خلاص مفيش داعى تتعبوا
نفسكم اكتر، خلاص كفاية كدا عرفت أنك اهم حاجة
عندك صلة الرحم وأنك حافظت لخالتك على بيتها
كتر خيرك عايز أيه تانى
اغتاله وجع عتيد مسرف فى عطائه حد الكرم وهو يرى
آثار اصابعه على وجنتها فمد يده ليلامس وجنتها قائلًا:
-هاجر حبيبتى انتِ فهمتى غلط كل حاجة ممكن تسمعينى
ابتعدت عنه وهى ترسم ابتسامة عجفاء مبتورة وقد غلفها حزن معتق لتهمس بصوت خافت موجوع:
-حبيبتك مش كفاية بقي ما بقولك سمعت كل حاجة
-والله العظيم اللى سمعتيه غلط، والله أنا طلعت مع
عمى مصطفى بالصدفة وشوفتك، اقسم طلبتك
منه عشان حبيتك من أول مرة، ومعرفش انك متعرفيش وحاولت والله إنى اقنعه نقولك قبل الجواز بس رفض، وقالى خلاص أجل الجواز دلوقتى، خفت تضيعى منى والله، حسيتك وافقتى فى لحظة
تهور يا هاجر، وهو قالى هيقولك أنا بعدين
وافقت أنا دا أنا كنت نايم صاحى بحلم بيكِ، سبحانه من اول مرة حط محبتك فى قلبى، ياهاحر اللى عمتي قالتهُ كله غلط، ومش هو دا سبب جوازنا والله
وما انهى جملته حتى ولج ابوها وما أن رأى هيئتهم ارتجف
قلبه على ابنته فألقى التحية ثم تساءل عما يحدث،
صرخة فلتت من احبالها الصوتية بألم قبل قذفها
للهاتف بعصبية تجاه الحائط:
-كفااااية بقى كفاية بتسأل فى أيه يعنى مش عارف
اخذت تنحب وتصرخ بكلماتها قبل أن يهبط من الأعلى
خالها وطاهر على صوت الضجيج والصراخ، لكن الصدمة ألجمتهم من حالتها التى أول مرة يروها هكذا، فخرج
صوت مصطفى كأنه فى بئر عميق:
-طب خلينا نهدى ونتكلم ياهاجر
بأعين تائهة تلتمع بالدموع:
-نتكلم فى أيه ها ؟! طب خلينا نتكلم ماشى
بعتنى ليه؟! بعتنى ليه؟!
أنت مراتك رفضت وجودى معاك صح، وانت جبتنى
هنا ورمتنى وأنا معترضتش عارف ليه؟! لأن قلبى
كان حاسس والله قلبى كان حاسس أنك متجوز بس
قولت حقه، وعمرى ما فى يوم قولتلك متسبنيش
لوحدى عشان مابقاش بخنقك، رغم انى كنت بخاف
أنام لوحدى والله وكنت أصحى اجرى على بيت
خالى فوق، مرات خالى كانت بتعاملنى زى بنتها
بس مش كلهم كانوا بيرحبوا بوجودى وكنت بقول
عادى، ومرضتش اطلب منك تيجى ولا احملك فوق
طاقتك ليه ترخصنى كدا، ليه أنا آذيت مراتك فى
أيه عشان تعملوا فيا كدا
اغمض طاهر عيناه بألم فهى تقصده هو بحديثها ، أما
والدها كان قلبه ينقبض على فلذة كبده يعلم غلطته
الفادحة فاجابها قائلًا:
-محصلش انا بس خبيت، لكن هاجد طلبك منى لما شافك مافيش اتفاق والله بيحبك وطلب كتير انى
اقولك بس أنا
اشارت إلى وجنتها المحمرة أثر صفعته قائلة:
-بيحبنى، شايف اثر الحب على وشى، حقه يضربنى
ويدوس عليا بجزمته انت رخصتنى ليه
بعتنى ليه، هاجد ضربنى بالقلم على وشى
توحشت عين مصطفى وهو يرمق هاجد بينما الاخر رمقه بأسف، أما هى تحركت تقف امام طاهر قائلة بوجع:
-انت صح، انت طلعت صح
هو قالى انه بيشوف عمته فيا، قالى كل تصرفاتى
بتفكره بيها، قالى نفس الجينيات انا اكيد وحشة وانتوا صح
اغمض طاهر عيناه يود أن يربت على كتفاها يهدأها يود صفع هاجد، لكنها انتفضت على صراخ هاجد:
-هااااجر تعالى هنا يا هاجر واهدى يا وخلينا نتكلم واحنا هاديين
تحركت وقفت امامه تطالعه بخواء ماذا ارادت سوى
رجل يحبها ويحتويها لكنه كسرها، تزوجها مجبورًا
يبدو أن قدرها أن تحيا هكذا حياة خاوية لا حق
لا ان تحلم بالمزيد:
-ليه عملت كدا، آه وعشان كدا مش عايز تخلف منى صح عشان كدا مش مستعجل صح والحقيقة أنك مش عايز منى عيال بس أنا غبية، مش انت بتخاف ربنا، ليه توجعنى كدا.. أنا كنت ممكن أوجعك تعرف قبل ما اتجوزك والله ما قدرت
ثم توجهت تقف امام حماتها قائلة:
-والله كنت ممكن اوجعه بس انتِ وهو مهنتوش عليا
مقدرتش اكسر فرحتكم، انتِ عاشرتينى شوفتينى وحشة
اذيتكم، ليه مقولتيش ليها كدا، ليه حرام عليكم
انهت كلاماتها وهى تقف امام والدها:
-انا عندى اخوات صح، تعرف أنا بحسد كيان عشان عندها اخ وأنا لأ، يعنى انت كنت مبسوط وكل دا بيحصل ليا يابابا، طب ماانت رمتنى هنا وعشت
لوحدى ليه وسكت ليه كل دا، انت كمان كنت خايف
منى ابوظ حياتكم
نطق خالها وهو يراها تنهار هاتفًا:
-كفاية يا هاجر وتعالى معايا فوق، اوعدك حقك
أنا هجيبه والله بس اهدى يابنتى
اقترب منها هاجد ليأخذها بين احضانه فبكاءها يمزق
قلبه كل خلية به تنتفض وحديثها يصفعه مزيدًا مرارته
ووجعه فهمس بألم:
-بالله يا هاجر مش دية الحقيقة أنا غلطت عشان مديت ايدى بس، حقك عليا انتِ غلطتى فى امى وكان غصب
عنى فكرى شوية هتفهمى كل كلامى، هاجر أنا كنت
بتعذب كل يوم عشان يوم زى دا حسى بقلبى يا هاجر
انتفضت كالملدوغة بعيدًا عنه تشعر انها فى بئر موحل كانت تصرخ بقهر وتضرب صدرها وتنهمر دموعها
بوجع حتى شعرت ألم اسفل بطنها وشئ دافئ
يسيل على قدميها صمتت فجأة تنظر اسفلها
وجدت دماء تسيل على قدميها، رفعت بصرها
لهاجد قبل أن تخرج منها صرخة عالية من شدة
الوجع لتغيب عن الوعى
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والاربعون
كانت تسير بجوار ضياء بسعادة طاغية، وهى ترى
تحسن حالته المزاجية، ابتسامته بدت مشرقة أكتر
لقد تحسن على ما يبدو وهو يختار أشياء صغيرة
بعد مرور وقت غادرا كلا من ضياء وكارما من المول
التجارى بعد جولة تسوق طويلة يحملون أكياس
كثيرة بينما كارما كانت تضحك فى الخفاء فرمقها
ضياء بعيناه الذكيتان متسائلًا:
-اية ضحكة الخبث دية؟!
حركت كتفاها ببراءة قائلة:
-ولا حاجة؟!
تفحصها بنظراته لحظات ثم تنهد قائلًا:
-إنجزى، اعترفى
-اصل قولتلى مش هاحب حد زيك ودخلنا المول
ومفتكرتنيش حتى بدبوس مشبك
-أيه اللماضة دية كنت هاجبلك ايه أنا من محلات البيبهات
زمت شفتاها كالأطفال قائلة:
-اهو بترد على نفسك اهو كله محلات بيبهات
المول مليان محلات كنا دخلنا محل تانى بس
يلا عشان حبيب قلب عمتو
-يا سلام وانا عينيا لعمتو تؤمر
بعد وقت قليل وقفت أمام محل فضيات تنظر بسعادة
وانبهار، وهى تتفحص المشغولات الفضية حتى لفت نظرها خاتم كان عبارة عن مجموعة من الفصوص
التى تمازجت بين الأحمر والازرق فاشارت باصبعها
لضياء فقطب حاجبيه متسائلًا:
-اشمعنا فضة يا كارما طب..
قاطعته وهى تجذب يده للداخل قائلة:
-بحب الفضة أوى يا ضياء بليز هاته
صدح صوته الرجولى وهو يشير إلى الخاتم قائلًا:
-لو سمحت عايزين الخاتم دا
أجابه مالك المحل قائلًا:
-تمام، واضح انك يا فندم بتفهم فى الفضة الخاتم اللى
فى إيدك بيقول كدا
ابتلع بمرارة متسائلًا بلهفة:
-هو لو عايز اعرف اللى مكتوب على الخاتم تعرف ولا صعب
امسك بالعدسة المكبرة وجال بها يتفحص الخاتم فكانت
كتابة مطبوعة بخط صغير على جانبى الخاتم ومن الداخل، بينما تسارعت دقات قلب ضياء ولا زال الرجل
يتفحص الخاتم ثم نطق قائلًا:
-الجانب الأول مكتوب
كن رفيقًا لدربى رحيمًا بقلبى فأنا تركت العالم لأجلك
أما الجانب التانى
لا تراهن على عشقى فأنا اقدس قلبى كأنه ديانة
وارفض المساس به
ابتسم بوجع وهو يلتقط الخاتم وقام بإدخاله فى اصبعه
وغمغم متألمًا:
-شكرًا كام سعر الخاتم
بعد ان انتهى زفر بحرقة وهو يتجه نحو سيارته، اغلق
الباب بعنف واستند على عجلة القيادة، ناظرًا أمامه
بعينين غائمتين قائلًا بمرارة:
-بيلا كانت عاملة حساب يوم زى دا كويس اوى
كانت عندها النية انها تسيبنى وسط الطريق
-ضياء، انت اكتر حد فينا عارف وجع بيلا يا ضياء
لازم تصبر عليها شوية أنا متأكدة لما تهدى هتعذرك
وهل يملك خيارًا اخر، سيحترق فى صمت، قاد سيارته
لكنه انتبه للإشارة فضغط الفرامل وارجع رأسه للوراء
وقد شعر برؤيته تتشوش وهو يعيد ألاف الذكريات
التى حفرت فى اعماقه معها، صدره يختنق يشعر إنه
يموت لكزته كارما برفق حين ارتفعت بوق السيارات
من خلفهم، مسح دمعة حزينة وهو يعيد تشغيل السيارة
ويتابع السير
*****
كان هاجد مستمع بوجع لكلمات الطبيب وكأنه صوب نحو صدره سهمًا مسمومًا فاصاب نياط القلب بتهتك:
-المدام كانت حامل لكن للأسف فقدنا الجنين
متقلقوش الحمل كان فى الأول ومش محتاجة
عملية
تهدج صوته، وانهمرت دموعه بعد إفصاح الطبيب
أما عن حال مضغته فكانت تأن وجعًا، حاول أن يلملم
شتاته متسائلًا:
-هى كويسة أهم حاجة
ربت الطبيب على كتفه قائلًا:
-هى زى الفل متقلقش، بعدين اجمد كدا شكلكم لسه صغيرين وتعوضوا وتجيبوا عشرة
انهى الطبيب كلماته وانصرف بينما هو اصابت الكلمات
صميم قلبه، شعر بعبراته تجرى فى مجرى القناة الدمعية
وصدى ألمها يتردد فى صدره اردف يقول عاجزًا فى البكاء:
-بتقولى ماكنتش عايز تخلف منى دا أنا كنت هتجنن على الخلفة أكتر منها، بس ماكنتش حابب اوجعها يا أمى كنت عايز افهمها أنها هى أهم حاجة فى الدنيا عندى لكن مفيش سجدة ما دعتش
فيها يرزقنى بطفل منها شبهها يملى حياتى وحياتها يعوضها عن وحدتها، كان نفسى بس ماكنتش حابب
اوجعها وأقولها نفسى فى بيبى واخليها تشيل هم الموضوع دا
نظرت له والدته بعجز وقلة حيلة ثم ضمته إلى صدرها
شدد من احتضانها وتماسك بها كأنها ملاذه الوحيد
مغمغم فى توسل:
-مش هاقدر اعيش من غيرها، هى فهمت كل حاجة
غلط ودبحتنى ياامى
-اهدى يا ضنايا ويلا بينا لازم تكون جنبها دلوقتى
تحرك هو ووالدته لغرفتها ليجدوا الممرضة تخرج من الداخل قائلة:
-حمدلله على سلامتها تقدروا تدخلوا تشوفوها
تحرك هاجد ومن خلفه طاهر، فتوقف هاجد يرمقه بحدة
مستعدًا للمعركة الوشيكة قائلًا:
-انت رايح فين؟!
ضيق طاهر عيناه بعدم فهم قائلًا:
-فى أيه؟!
فى واحدة جوا مريضة وانت حضرتك مش محلل ليها ووجودك كله مالوش لازمة اصلًا
تدخلت كيان قائلة بانفعال:
-دا وقته، ارجع يا طاهر ارجع انت كمان وسع كدا
ولجت كنان ووقف هاجد على اعتاب الغرفة، حثته
والدته على التقدم للداخل، وما أن وقعت عيناه عليها
وجدها شاحبة، سياط الواقع يجلده والحقيقة المرة
كانت ترمش بأهدابها وهى تصحو من غفوتها المرضية
نظرت حولها تشمل المكان القابعة فيه، تغلق عيناها مرة
تلو الأخرى لتتأكد انها لا تحيا فى كابوس بل فى واقع مرير، رفعت عيناها
بألم ترمق كيان التى تجلس بجوارها، ومع الحقائق المشتعلة داخلها همست بتساؤل:
-هو الدم اللى نزل دا كان من أيه؟!
ضمتها كيان قائلة:
-المهم سلامتك انتِ ياهاجر وكل حاجة تتعوض
وما أن انهت جملتها هبطت اناملها تمسد اسفل بطنها المسطحة وهى ترمق هاجد بنظرات عتاب ممزوج بقسوة
ثم ابتسمت بتهكم وهى تخبرها عن مدى خسارتها
*****
الهواء اختنق فى صدره عيناه المتسعتان يهز رأسه بذهول، لا يريد حتى تمرير الخبر لموضع التركيز فى
عقله، كيف يفعل وكيف يصدق إنها إنصاعت وراء
تهديدات والده وتركته، ابتلع كنان ريقه بصعوبة
وهو يمسح فى دموعه المسترسلة قائلًا باختناق:
-كنتِ شايفانى إزاى يا كيان؟ يحصل كل دا من ابويا
وأنا معرفش، كنتِ شايفانى مش أمان وسند عشان
تحكيلى
ولجت والدته للداخل فإنهى كنان حديثه وهو يستدير
محاولا التغلب على دموعه، فتنهدت والدته قائلة:
-وبعدين يا كنان انت رجعت عشان تحبس نفسك
وتفضل تعيد فى السى دى، ولا أنا غلطانة
-ليه عمل فيا كل دا أنا لو كنت عدوه مكانش آذانى كدا
الغريبة أن مع كل اللى بيعمله وماكنش موافق عليها
عشان نسبها، نسب أيه وهو ايده مليانة دم ناس غلابة
وانتِ كمان ماكنتيش عايزاها، كان نفسك مكملش معاها
انتِ كنتِ موافقة على بيسان مع علمك بأهلها اخلاقهم
ايه، لكن كيان لأ، محستوش بقلبى اللى بيحبها ويتعذب
فى بُعدها، قولى يا أمى انتِ كمان فرحتى بطلاقنا
رمقته والدته بنظرة غاضبة وهى تقول:
-هو أنا هاخاف منك يا كنان أنا لما رفضتها، رفضتها قدام
الكل، لكن لما شُفت أنك بتحبها بجد أنا سكت رغم أني
كنت بشوف كل محاولاتك وهى مش بتحاول بس قولت
ممكن عشان ظروفها ومحتاجة تكون أقوى، وروحت
لصديقة ليا جوزها صاحب اكبر قنوات فضائية ومن
ضمنهم قنوات الطبخ، ورشحت كيان تشتغل هناك
واديتهم لينك صفحتها وكلموها واشتغلت هناك وحاليا بقت شيف قد الدنيا، لما كنت رفضاها قولت
قدامك واستحالة أعمل حاجة ليها من وراك، ولما جات
تسأل عليك قولتلها أنك مع شاهندة، عشان خلاص هى
لو عايزاك تبقى هى اللى تدور عليك وتجرى وراك
كفاية بقى لحد كدا هى لازم تكون قوية عشان تقدر
تكمل معاك وتفتح بيت، الحب بتاعك مش كل حاجة
لازم تكون قد المسئولية والبيت وتعرف تواجه الدنيا
احيانا يكون فى جعبتك كثير من البكاء والصراخ يكفى العالم وهذا ما فعلته هى، أما هو تهدلت اكتافه
وهو يقول بصوت مهتز، منكسر، مهزوم:
-أنا اسف يا أمى سامحينى بس أنا فعلًا مصدوم
-واضح أن هتقابلنا حاجات كتير من عمايل زهير وهتصدمنا، وانت لازم تكون أقوى من كدا على
الأقل تعرف ترجع للناس حقها، وتفكر كمان فى
مستقبلك
تنهد مستجلبًا هدوءه قائلًا:
-إن شاء الله، بس انتِ فعلًا عملتى كدا عشان كيان
جلست بجواره وهى تحاول أن تهدأه بكلمات بسيطة
-أنا ماكنتش حاباها وخايفة من اخلاقها بس هى اثبتت
ليا العكس، بس هى محتاجة تكون اقوى، و هى على
فكرة ابتدت البرنامج بتاعها دلوقتى بقى رقم واحد فى مصر، بتطلع لايف كل يوم من عربيتها بتتكلم مع الشباب
وفتحت ملجأ، بتأخد خطوات فى حياتها وبتتقدم
المهم انت بقى فين خططك للمستقبل بتاعك
تناول يدها يقبلها هامسًا بحنو:
-ربنا يباركلى فيكِ أنا دلوقتى ماليش غيرك
أما خططى أنا بدور على عيادة صغيرة هافتحها وفى
مؤتمردولي فى شرم الشيخ للشباب مدعوا فيه هارجع
من هناك وافتح العيادة واشتغل
*****
مررت بيسان نظرها بلهفة على طاهر فور دخولها المشفى وكأنها تتأكد أنه لم يصيبه شئ ثم رمقت
كرم الذى يستند على الجدار خلفه وملامحه لا تفسر
فهمست متساءلة:
-فى أيه يا طاهر قولتلى تعالى المستشفى بسرعة ليه
انتوا كويسين
سرد لها طاهر ما سار مع هاجر بخليط من مشاعر ألم
ندم، حزن، كانت عيناه تلتمع بالدموع وهو يتذكر هذا
المشهد، ليس بينها وبين هاجر شئ لكنها تشعر إنها
تكرهها هى لم تمسها بسوء، مشاعر عدائية داخلها
دون مبرر عقلانى فتجهمت ملامحها الرقيقة قائلة
بحدة:
-أيوة يعنى دية مشكلة بين راجل ومراته انت دخلك ايه
وجايبنى أنا هنا ليه؟!
فرك طاهر وجه بعصبية مفرطة:
-عايزك تدخلى تطمنى وتطمنينى أنا حتى روحت للدكتور، قالى متقلقش انا طمنت جوزها
-هادخل جوة بصفتى أيه يا طاهر
-بصفتك دكتورة يا بيسان فى أيه مالك
-دكتورة!! ولنفرض بس أنا مش شغالة هنا
-ماشى يا بيسان أنا اسف إنى ازعجتك واتصلت بيكِ
انهى طاهر جملته بتعب واضح، كانت تشعر باحتراق
داخلها لكن لا تعلم مصدره زفرت نفسًا ساخنًا بينما كانت الدماء تضخ داخل جسدها من الأعلى للأسفل ومن الأسفل للأعلى بلا هوادة ثم تحركت وهى تتجاوزه داخل الردهة من امامه فسألها:
-انتِ رايحة فين؟!
ابتلعت ضيقها متجاهلة هذه النغزة قائلة:
-هاشوف الدكتور اللى ماسك الحالة هيقبل أدخل عندها
ولا لأ
-شكرًا
بعد مرور بعض الوقت
كانت تطرق باب الغرفة ولكن لا توجد اجابة فتنهدت بضجر حتى جاءها صوت من الخلف قائلًا:
-دكتور بدر اقدر اخدمك ازاى
استدارت له بابتسامة هادئة هاتفة:
-دكتورة بيسان فى حالة جت هنا وعرفت إن حضرتك
دكتور الطوارئ ممكن ادخل اطمن عليها
صوتها كان هادئًا ناعمًا وقع على قلبه كوقع الماء المثلج
على ريق صيفى شديد الظمأ فأجابها:
-طب مش لما تطمنى عليا الأول
-نعم!!
-لا اوعى تفهمى غلط أنا بعاكسك عادى
رفعت بيسان حاجبها المنمق قائلة:
-دا ايه القلب الميت دا
اجابها بفخر قائلًا:
-اصلى أنا دكتور جراح متبلد المشاعر
ابتسمت وهى تهز رأسها قائلة:
-دية حقيقة احنا بعد فترة بنبقى فقدنا جزء من الشعور
-متقوليش انتِ جراحة
أومات برأسها ثم قالت:
-تسمح ليا أدخل اطمن على المريضة
ابتسمت له ثم تحركت متهادية بمشيتها الرقيقة التى
تراقصت على اوتار قلبه
بعد ساعة تقريبًا
خرجت بيسان من الداخل ووقفت تتحدث مع
كرم، هدؤها استفز طاهر فسألها:
-بيسان أيه؟ مش المفروض تطمنينا
-اطمنك يا طاهر على ايه ، هاجر فقدت البيبى واكيد
مش في احسن حال حالتها الصحية كويسة مفيش قلق
لكن وضعها النفسى مش مطمئن خالص
جاء صوت من خلفها ليؤكد على كلامها قائلًا:
-نفس اللى قولته بالظبط
هى عادى جدًا ممكن تخرج هى صحيًا مافيش حاجة
والنزيف وقف بس واضح أنها نفسيًا فيها حاجة
التفتت بهدوء وهى تبتسم قائلة:
-دكتور بدر شكرًا جدًا عشان سمحت ليا بالدخول
كهالة من النور سكنت تفاصيل روحه وبعثرته كانت
عينيه تطوف على ملامحها بإعجاب شديد فتخضبت
وجنتيها باللون الأحمر القانى فاجابها بمزاح:
-فى اربع اوض فى الدور لو تحبى تدخلى كمان ياريت
وعندى عمليات كمان ساعة لو حابة تيجى معايا ياريت
رفع طاهر حاجبيه وهو يجز على اسنانه:
-مين الاخ وتروح معاك فين؟!
-أنا بدر، وبيقولى يا بيبو شوف انت تحب تقولى أيه اما تروح فين؟ أوضة العمليات
ثم تابع وهو يتجاهل طاهر:
تصدقى يا دكتورة بيسان أنا طول عمرى نفسى أدخل سياحة وفنادق بس للأسف
التنسيق دخلنى طب لأ ومش بس كدا بقيت جراح
وأنا بدوخ من ريحة البنج
قهقت بيسان وهى تقول:
-يعنى مش كنت بتدح ولا خايف من الحسد يا دكتور
هز رأسه بالنفى قائلًا:
-وعهدلله ابدًا بس امى مجتهدة فى الدعوات شوية
ضحكتها كانت كالوقود فى مراجل طاهر نيران بداخله
فحدثها طاهر بحدة:
-بيسان مش كنتِ مستعجلة من شوية يلا عشان العيادة
توسعت عين بدر متسائلًا:
-دكتورة عندك عيادة، هاتى العنوان والرقم بيبقى
فى حالات محتاجة تتابع برا ومش هلاقى احسن
منك ابعتهم ليكِ
زمجر طاهر متسائلًا:
-هو انت تعرفها أيه العشم دا
اجابه بدر ببرود وهو يلتقط يده قائلًا:
-طب شبكة العشرة دول ولا كأنها بنت خالتى ومتربية معايا
نزع طاهر وتحفز للاشتباك لكن كرم جذبه وهو يحذره بنظراته اما بيسان اخرجت الكارت ببشاشة قائلة:
-شرف ليا يا دكتور اتفضل الكارت اهو
استأذنت بيسان وتحركت نحو الخارج بينما بدر يسير
بجانبها فلم يستطع طاهرالسيطرة على نفسه اكثر فنادها بنبرة محترقة متوارية قائلًا:
-استنى يا بيسان هاوصلك وارجع تانى، اقفى
وقبل أن يتحرك قبض كرم على معصمه قائلًا بخبث
وهو يحاول كبح ابتسامته:
-رايح فين؟! ميصحش هتمشى ومش هتطمن على هاجر
-هاوصلها وهاجى بسرعة
-ابوك لو خرج و ماشافكش هيزعل
زفر بغضب وهو يرمق يد كرم التى تقبض على معصمه
فجاء صوت بدر من الخلف:
-خليك يا تيتو المسافة هوصلها أنا لحد تحت ومش هسبها غير لما تركب
انصرفت، بينما اتسعت عين طاهر وهو يسأله بعدم استيعاب وهو يسب ويلعن:
-مسكتنى ليه؟! دا بيقولى يا تيتو دا ناقص يقولى انى انا
كمان ابن خالته
اردف كرم بحزن زائف قائلًا بعتاب:
-ياجدع رايح فين مش لما نطمن على بنت عمتك الاول
ثم همس بين نفسه:
-خليك هنا وولع مع نفسك براحتك
****
فى الغرفة بالداخل
قلبها ينزف ألمًا، ليتها تملك القوة لبتره من داخلها
لو كان باستطاعتها ما تعذبت لحظة لكنه ألتصق
بقلبها كلعنة سوداء وصار وشمًا ابديًا على قلبها
كان يوعدها أنه لن يسمح لأحد أن يؤذيها فهى
طفلته المدللة، لن يسامح من يبكيها وللسخرية
كان هو هذا الرجل، فرت دمعة من عينيه
مسحها سريعًا وهو يتذكر الألم الذى نبع من كل
كلمة نطقتها، قلبه يعتصر من الألم ربما اخطأ لكنه لم يكن يملك خيار اخر والله وحده يعلم كما ترجى
والدها لإخبارها، لكنه كان يخبره انه ينتظر الوقت
المناسب وقد انتهى الوقت المناسب واسدل الستار بفقدانه لجنين تمناه وقلبيين مجروحين
كانت هاجر تحملق فى السقف واضعة يدها على
اسفل بطنها، فاقترب منها حسين بألم وهو يضمها
إلى صدره فدفنت رأسها فى صدره تبكى بحرقة
لم يستطع هو ايضًا كبح دموعه فالخال والد بالدم
والقلب، تشبثت به اكتر وهى تنحب بهذيان ذبيح:
-أنا كنت راضية يا خالوا ليه عملوا كدا فيا، ليه يعملوا
فيا كدا
كانت كيان ترمقهما بوجع أتيًا من قعر قلب ملكوم
لم تجد سندًا او أمان يومًا كانت تحيا وسط الاشواك
ودمار، بلا هواية بلا جذور، ارتعشت شفتاها
ببوادر بكاء بحسرة على حالها، فلماذا عمها تخاذل
فى البحث عنها، تريد أن تصرخ عليه فقلبها من كترة
ما مر به اصبحت مسنة فى الستون من عمرها لكنها
لملمت شتات امرها وهى تستمع لعمها قائلًا:
-أنا ليا كلام تانى صدقينى أنا هتصرف بس اهدى
الدكتور قال الخروج دلوقتى عادى وهتروحى معايا
عند مرات خالك هتتجنن عليكِ كل شوية اتصال
انتقل هاجد مسرعًا من مكانه يقف أمام الفراش قائلًا
بحنان وحزم:
-هاجر مش هتبات برا بيتها وهتروح معايا
أكدت والدته على كلامه قائلة:
-هاجر بنتى وهتروح معايا وتقعد تحت لحد ما تتحسن
تحمحمت كيان بحرج قائلة:
-يا جماعة أنا شايفة هاجر محتاجة تبعد عن الضغط شوية وإنها تروح معايا دا احسن حل وانا هاخد اجازة
واكون معاها
اغمضت هاجر عيناها بوجع وهل يضر الشاة سلخها بعد أن ماتت ذبحًا فتحت عينيها لتنظر لذلك الذى يقف امامها قائلة:
-أنا هروح بيتى الناس تعبوا وخططوا معقولة ابوظ
تعبهم كدا عشان شوية زعل اهبل واضيع التضحية
بتاعتهم
دموعها كصاعقة كهربائية تنزل على قلبه وصوتها الحزين بكاؤها العالى رقدتها هكذا على الفراش لا حول ولا
قوة لها، كفها الصغير الذي تشبث بخالها نيران تنبش
بصدره، تنهدت والدة هاجد وهى تكتم البكاء فى صدرها
على حالهم قائلة:
-هتروح معانا وإن شاء الله تبقى احسن
*****
فى اليوم التالى
نهض كنان من نومته بضيق شعور مخيف جاثم فوق
صدره منذ أمس، تمتم مستغفرًا ثم تناول قميصه
ليمرره فوق رأسه ليرتديه سريعًا وخرج من الغرفة
بإكملها متجهًا إلى المطبخ ليصنع كوب قهوة وما أن
سكبها تناول الفنجان بيده، فجأة فرقع الفنجان مكسورًا
وجرح إحدى أصابعه تناول محرمة ورقية سريعًا
ثم وضع يده موضع قلبه محاولًا تكذيب نفسه قلبه
ينتفض وصورتها أمام عينيه
*****
هبطت من الأعلى بخطوات متمهلة، فبطنها اصبحت
منتفخة أكثر، تشعر بالجوع ستأكل أى شئ يقابلها
وما أن جلست على الطاولة هتفت:
-أنا جعانة اوى يا مامى أنا حاسة انى عقبال ما أولد
هاكون بقيت بيلا فى تلاتة
-بالهنا يا قلب مامى المهم صحتك انتِ والبيبى بخير
صدح صوت جرس الباب لكنها لم تعيره انتباه وظلت
تأكل بشراهة، حتى سمعت صوته، صوت من حطم
قلبها؛ ظنته أمانها وسندها لكنه خذلها، حطم قلبها
وتناثر لشروخ من الألم
كان ينظر لها باشتياق لازال صدره يحمل عبقها قبل أن
تطرده خارج مملكتها وتركه ليصبح شريدًا محرما
عليه جنتها، فاضطر للابتعاد لكن قلبها يعلن العصيان
متوسلًا البقاء لعل مرور الوقت يخفف خذلانها منه
لا يلومها فهو خذلها وطعن قلبها وضع الاكياس
جانبًا وهو يقول:
-أنا قولت الحق افطر معاكم قبل ما اروح المستشفى
التو ثغر هاشم قائلًا:
-مش كنا ارتحنا منك
-يا هيشو عيب طب أنا جايبلك هدية وصارف ومكلف
وجايب حبة حاجات لحفيدك عجب
كان يتحدث وهو يرمقها بطرف عينه فنهضت واقفة
وهى تقول بألم:
-أنا شبعت وهطلع اوضتى
زجرها والدها قائلًا:
-اقعدى يا بيلا خلصى أكل كنتِ بتقولى جعانة
-شبعت
ربت والدتها على كتفاها وهى توجه حديثها لهاشم
بتحدٍ قائلة:
-وخلاص شبعت وسيبها تطلع تريح احسن لها
جز هاشم قائلًا:
لبنى بيلا هتكمل اكلها
لم يستطع ضياء أن يسيطر على اختناقه اكثر فتح أزرار قميصه لمجرد تخيله أنها لم تعد تحل له لم
يستطع أن يضمها لصدره ولمس بطنها المنتفخ امامها كى يشعر بركلات
ابنه، الوجع يغتال اضلعه ضلعًا ضلعًا، بينما زجر هاشم
لبنى كى تتركهما سويًا فنهضت وهى ترمقه بحدة
فهمس ضياء بضعف قائلًا:
-وحشتينى يا بيلا، مش عارفة تفتكرى ليا حاجة واحدة
تحنن قلبك عليا، حاجة واحدة تخلينى أكون قريب منك
ومن ابنى فى اكتر وقت محتاجنى فيه
كانت صامتة وهى تستمع له رغم أن القلب كان يصرخ
صراخًا كصراخ العويل، فهى أيضًا اشتاقت له وعلى ذكر
الاشتياق انهمرت دموعها وانفلتت شهقة منها وهى تقول:
-لا بفتكر حاجات مش حاجة واحدة بفتكر كتير
فرحنا وخروجنا والدلع وقلبى يبقى بيحن وهيتجنن
لكن لما افتكر الكلمة بتاعتك بتهد وبتكسر ، اقسم بالله
بحاول كل يوم، محتاجة وجودك جنبى تسندنى وأنا
تعبانة، لما اقوم ارجع الصبح، عايزة انزل اشترى حاجات
للبيبى معاك عايزة افرح ومش قادرة وجعنى إنك شفتنى
كدا وجعنى اوى بتحرقى نفسى انسى هموت وانسى
-ماكنتش فى وعى يا بيلا انتِ اكتر واحدة حاسة باللى
كنت فيه، ازاى مش قادرة تستوعبى كدا
قلبها يبكى ممزقًا لأشلاء داخل ضلوعها هامسة بحرقة:
-ياريتك كنت ضربتنى كنت سامحتك ياريتك كنت قولتلى بكرهك أنت دوست عليا يا ضياء ودا
قضاء ربنا ونهاية علاقتنا اقبل والوقت هينسينا
كانت تبصق كلماتها عليه كمن يبصق السم فثار وهو يصرخ ويشير لخاتمه قائلًا:
-الخاتم دا مكتوب عليه أيه ها
كنتِ على استعداد فى أى لحظة ترمينى برا حياتك
عشان غلطة دا اسمه غدر عارفة يعنى ايه يعنى
كنتِ معايا فى حضنى ومستنية اللحظة اللى ترمينى
فيها، أنا مستاهلش القسوة دية حقيقي مستاهلش
خذلتك عارف وعملت غلط بس جاى طالب الغفران
قلبك يشفعلى، مش متخيل ازاى قادرة تكملى حياتك
عادى كدا
نهضت واقفة تسير ذهابًا وايابًا وهى تصرخ بقلب ينقلع
-أنا غدارة، ليه ها عشان كنت بقعد احكيلك أنا الموضوع
دا تاعبنى ازاى وبحس بإيه، كنت اقولك أنا لو خلفت مش
هخلى عيالى يشوفونى ابدًا كدا انت، بس انت بس ياضياء، أنا حتى مش بخلى اهلى يشوفنى أنا اللى
مستاهلش القسوة دية لو تعرف تنسينى قولى
حاولت التقاط انفاسها بصعوبة وشعرت بشئ ثقيل
يضغط اسفل بطنها فصرخت صرخه هزت جدران المنزل
*****
خرجت من المصعد واطرقت رأسها تضع المفاتيح فى
حقيبتها وشعرت بشئ ينغزها فى جانبها ثم يد
تكمم فمها لتسحبها للمصعد مرة اخرى قائلًا:
-الشيف كيان اللى لو خلصت عليها هورثها
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الخمسون 50 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخمسون
-الشيف كيان هطلع بروحك
كلمات شوشة عقلها وهى تتردد كصدى يأبى التوقف حتى استطعت استيعاب الموقف، خوف غريزيًا دب
بداخلها وهى بالكاد تتذكر الاوقات السعيدة بحياتها
ثم قالت بهدوء عكس ما بداخلها:
-أنا جيت الدنيا غلط اصلا فانت هتبقى عملت جميل
فيا من يوم ما جيت وأنا تقيلة على الكل ياريت تخلص
وتريحنى
لكزها من خلف بحدة وهو يقول بتبرم:
-بطلى هرى كتير انتِ مش قدام الكاميرا أنا عايز فلوس
عشان أنا مش هعرف اقعد هنا عشان اخوكِ الحيلة بيدور
عليا وأنا لازم اهرب احسن ما يتهور ويروح فى داهية
ويحصل اخته، فى إيدك انتِ حل المشكلة دية إلا عليا وعلى اعدائى
إنهى كلماته وهو يضغط (بالمطوة) اكثر على رقبتها
كانت كلماته أشد نكأ على قلبها كنكأ الزيت المغلى
على الجسد، اعتصرت عينيها بالدموع قائلة:
-انت وهى منكم لله، ذنبها أيه اللى موتها ذنبها أيه
أنا بحمد ربنا أن واحدة زيها مربتنيش، فلوس مفيش
عايزة تموتنى موتنى أنا مش فارق معايا
دفعها بحدة بعيدًا عنه فاستدارت تنظر له كتمثال لا روح
ولا حياة فيه عيناها متسمرتان عليه دون حراك، كانت
عيناه تشبة قسوة عين والدتها أما هو حركة (المطواة)
أمام عينيها قائلًا:
-أنا هديكى فرصة تفكرى وتجهزى الفلوس، احسن اخوكِ
الأمورة هيوحشك
حاول الهروب لكنها قبضت على مقدمة قميصه هاتفة:
-والله ما هسيبك وهصوت وهلم الدنيا عليك، انتوا
اللى زيكم جواكم سواد متستحقوش الحياة، مش هسيبك
فى لمح البصر جرح يدها بالمطواة وفر هاربًا، وقفت مكانها تتأمل جرحها بوجع، بكت على عمرها الضائع فى دهاليز العتمة تهز رأسها كأنها تراهم امامها تهمس برجاء:
-كفاية بقى سبونى فى حالى مش كفاية اللى حصل
مش كفاية اللى عشتوا عايزين أيه تانى، ارحمونى
اغمضت عيناها تستجمع قوتها ثم اخرجت محرمة
ورقية من حقيبتها كى توقف الدماء ضغطت بكل قوتها وهى لا تعلم مصدر الألم أن كان يدها أو قلبها
خرجت من باب البناية لتصطدم بتامر يقف بجوار
سيارتها، ابتسم وهو يقترب منها لكنه قطب حاجبيه:
-ايه دا مالك؟ ايدك مالها وشكلك عامل كدا ليه؟!
-السكينة عورتنى وأنا بطبخ
أومأ وهو يقول:
-طب يلا بينا على مستشفى
بللت شفتيها بطرف لسانها وهى تناظره بحذر قائلة:
-مش جرح كبير يلا بينا وسوق انت
مدت يدها داخل حقيبتها تبحث عن سلسال المفاتيح
ثم اعطته له، تركته فى توتر فسألها:
-كيان فى حاجة
ابتسمت ابتسامة زائفة قائلة:
-يا بنى مفيش حاجة بس متضايقة هطلع هوا كدا إزاى
فهمت بقى
ابتسم وهو يقول:
-انتِ قمر فى كل حالاتك
أومأت بمكر وهى تقول:
-متحاولش مفيش مرتب وهتشتغل فى الملجأ ببلاش
قهقه بصوت رجولى وهو يقول:
-هو باين عليا أوى
بينما على الجانب الاخر كان يراقبها كنان وبداخله صخب من المشاعر العاتية؛ مزيج مشاعر من الألم والاشتياق، اللهفة، الحزن يود أن يبكى من لهفة اشتياقه، ومر افتقاده لكن تشنجت عضلات كنان عقب ضحكهم سويًا، ألم مريع يشق صدره، رفع يده المجروحه ينظر لها بتهكم ثم هز رأسه بلا معنى وهو يشعر بأطنان الألم موضوع فوق قلبه
*****
كان ضياء يقف أمام غرفة الطبيب بملامح شاحبة يتحاشى النظر إلى والديها يشعر أنه عارى بسبب
نظراتهم التى تخترقه
ثوانٍ وكان يخرج الطبيب فربت على كتف ضياء
شارحًا حالتها:
-متقلقش كدا هى والبيبى زى الفل
جملة كانت كفيلة بإزاحة غشاوة الحزن عن روحهم
زفر ضياء بارتياح ثم سأله:
-اومال أيه اللى حصل معاها
-دا طلق مبكر نتيجة ضغط أو شد عصبى فى برشام
هتمشى عليه وكمان نسبة الميه قليلة شوية عند البيبى
عشان كدا لازم راحة تامة ليها بعيد عن أى ضغط
ودا لسلامتهم
انهى الطبيب جملته وانصرف بينما خط من الألم أرتسم فى عين ضياء مترافقًا بمرارة تنكأ فى قلبه كالمشارط، تحركت والدتها وهى تسير للداخل ترمقه بطرف عيناه
وقف هاشم امامه قائلًا بتروٍ:
-الحمدلله ربنا ستر، بس مش كل مرة هتسلم
أنا لما جيت كنت فاكر ضياء اللى قبل الجواز هو
اللى هيرجع بنتى مش ضياء الجديد
انت بتحاول معاها كأن روجعها ليك حق مكتسب
مش بتبذل مجهود، أما قبل الجواز كان موافقتها
ورضاها هدفك الوحيد، راجع نفسك ياضياء
ولما ترجع تانى لنفسك، تعالى ورجع بيلا أما دلوقتى
اسف أنا معنديش بنات للرجوع أنا روحى فيها لو
جرى ليها هى والبيبى حاجة أنا اموت
أوما دون اعتراض وابتعد واكتافه متهدلة هو أيضا كان
سيقف نبض قلبه لمجرد تخيل أنه سيفقدها هى أو الجنين
****
ظهرت القسوة فى عين مصطفى وهو يحدث زوجته بغضب، يشعر بالندم حقًا فهو المذنب الوحيد صرخ بها
قائلًا:
-انت السبب فى كل دا قولتلك بنتى تعيش معانا
لكن انتِ رفضتى، كانت هتعملك أيه؟!
لمعت عين زوجته بشرار وهى تقول:
-لأ مش أنا السبب يا مصطفى انت السبب، مش طول
عمرك رافض تعرف أهلك بجوازنا وأنا على الهامش
مش دية بنت الست اللى كنت بتقول عليها جبروت
مش دية بنت الست اللى رفضت تخلي اخوها يعترف بنسب
بنته، أنا خفت على عيالى منها آه منها ومين يضمن لى
انها متطلعش زى امها، عيالى اهم حاجة فى حياتى
وأنا حافظت عليهم أنت اللى عشت عمرك مخبى جوازنا
ولما حبييت تعترف بجوازنا عشان تجيب بنتك تعيش
معايا، بعدين تعالى هنا ماله هاجد ابن اختى هتفرق
فى أيه معاها إذا كان ابن اخت مراتك، هى بتتبطر
على نعمة ربنا ليه بيحبها لازمته أيه دور المظلومه
ابتسم مصطفى بتهكم يبتلع الحنظل بحلقه، ثم نطق
قائلًا بسخرية مقيته:
-مش انتِ السبب ولا حد أنا بس ضعفى، ضعفى وصل
بنتى لكل دا
ثم تابع وهو يصرخ سببًا عجزه قائلًا:
-أنا مستهلش كلمة أب، أنا وجعت بنتى بإيدى بس
هحيب بنتى تعيش هنا واللى مش عجبه يمشى
-انت بتطردنى يا مصطفى؟!
ابتسم مصطفى مستهزئًا وهو يقول:
-للأسف متأخر أوى
***
بعد رفض تام أن تبقى فى الأسفل ولجت هاجر
لشقتها ومن خلفها زوجها وحماتها، شعورها كان
أشبه بمن تلقى عدة رصاصات فى قلبه فغدى
ينتفض طالبًا الرحمة بطلوع الروح، جاء همس
حماتها من الخلف:
-تعالى معايا يا هاجر نحضر غيار وتدخلى تأخدى
دوش وتغيرى عشان الدم اللى نزل عليكِ
كتمت هاجر انفاسها التى تسارعت انفعالًا من حديث
حماتها وقلبها ينبض بوجع محرق هى فقدت جنينها
رفعت عيناها البرائتين ترمقه، كانوا برائتين لكن معذبتين نظرتها كسياط على قلبه فخرج صوته
متحشرج وهو يضع يده على كتفاها قائلًا:
-خليكِ يا أمى أنا هكون معاها
نزعت يده فى حدة ثم ارتدت قناع الجمود والبرودة
الذى طالما كرهتم فى والدتها برودها القاتل، المميت
المقيت، عيناها معتمان بغضبها ورغبتها العارمة فى اخذ حقها والثأر لكرامتها ستجعله يكرهها، كما كان الجميع يكره والدتها؛ كانت تجعل من يتعامل معها يتمنى الموت
وهم من حكموا بإنها شبيهتها، وهذا بالأخص ما كانت تسعى دومًا أن تثبت عكسه، لكنهم جميعًا يروها انعكاسها، فليكن ستميت هاجر وتحيا والدتها
لا يستطيع تحمل رؤيتها هكذا يريد أخذها بين احضانه
يبكون معًا لفقدانهم الجنين، همس بنبرة متحشرجة تنبض
بألم قائلًا:
-خلينا نتكلم يا هاجر واحكيلك كل حاجة بتفاصيل هتعذرينى
-أنا عذراك متقلقش، انت عندك حق وكلكم، ماهو حرام
بردو بيت يتخرب وعيال تضيع ومترباش وسط اهلها
والحمدلله محصلش حمل زى ما كنت خايف
استغفر وهو يمسح وجهه بكفيه بقوة ثم رفع عيناه
الناضجتين بألم قائلًا:
-مين قالك انى ماكنتش عايز اخلف أنا كنت بتمنى أ..
قطعته قائلة بهدوء مستفز:
-طب معلش مالقكش نصيب أنا داخلة أنام وانتوا البيت
بيتكم
طريقتها غريبة كليًا عليه، يشعر أنه مكبل؛ شعور مرير
بالعجز يكبله، كان يحيا فى كابوسًا منذ زواجهم ينتظر
اليوم الذى سينتهى، لتأتى الرياح بما لا تشتهي السفن
وانتهى الكابوس بكابوس ابشع ربتت والدته على كتفه
قائلًا:
-معلش حبيبى فترة وهتعدى وبكرة تحكى لعيالك
هنزل اعمل ليها أكل اجمد وطول بالك
انتظر انصرافها دقيقة، اثنين، ثلاثة ثم انفجار بالبكاء
كطفل صغير قد ضل طريقه
****
-والله وانت كمان وحشتنى
هذه الكلمات نطقتها كارما تزامنًا مع دخول كرم الذى
اقتحم غرفة المكتب فاغلقت الهاتف متسائلة:
-أيه الهمجية دية
خبط على المكتب بكفيه وهو يجز على شفتاه السفلى
قائلًا:
-الحلوة بتكلم مين؟!
-وانت مالك؟!
-بت انجزى احسن اعدلك
توسعت عيناها بذهول قائلة:
-انت اتجنتت دا كنان بس بجد انت مالك
حك ذقنه وهو يقول:
-اممم طب بصى بقى أنا لما اسالك تردى على طول
ثم تابع بتهكم:
-لما كنان تقولى ليه وحشتنى أنا تقوليلى أيه
-انت قليل الادب
قهقة عاليًا وهو يضع على صدره قائلًا:
-دا أنا متخرج من تحت إيدى استاذة قد الدنيا دلوقتى
فى قلة الادب معلش اصل نوجا قصرت فى التربية
سيكا
بللت شفتها وهى تقول:
-اطلع بره
انهت جملتها تزامنا مع طرق الباب فأذنت بالدخول
فكان أحدهم قائلًا:
-،دكتور ضياء عايز حضرتك فى المكتب
فى مكتب ضياء كان يدور كالليث الجريح وما أن ولجت
كارما توسعت عيناها بذهول:
-مالك يا ضياء؟!
-بيلا والبيبى كانوا هيضيعوا منى
شهقة كارما متسائلة:
-هو أيه اللى حصل
سرد لها ضياء ماسار معه ثم حدثها:
-فى مؤتمر فى شرم جت ليا دعوة منه بس أنا قررت ما سافرش عشان مش عايز اسيب بيلا بس لازم ابعد دلوقتى هسافر وهاخدك معايا
انهى حديثه مع دخول كرم الذى استنكر حديثه قائلًا:
-على فين بقى إن شاء لله
وصلت خفقات قلب كارما عنان السماء لكنه تداركه نفسه سريعًا قائلًا:
-تروح وترجعوا بسلامة إن شاء لله
استدار ضياء قاطبًا متجه نحوه وهو يسأله بفظاظة:
-انت إزاى تتدخل كدا انت فاكر نفسك فين؟!
ابتلع كرم اهانته قائلًا:
-أنا خبطت كتير بس محدش رد عليا
-أمم، طب كويس إنك جيت احنا هنسافر وهنسيب الشغل كله عليك
انهى ضياء كلماته بابتسامة صفراء، صمت كرم قليلًا ثم
اجابه بأسف قائلًا:
-طاهر الشركة بتاعته طالعة منظمة لمؤتمر ومصر يأخدنى معاه أنا كنت جاى اطلب اجازة
وكلنا بداء الحب حمقى أمال ضياء رأسه الي اليسار قليلا قائلًا بسخرية:
-طب والشغل كلنا هنمشى ونسيب المستشفى
صمت كلاهما فتحدثت كارما قائلة:
-خلاص هفضل أنا، اصلا مش عايزة اسافر
زفر كرم بغيظ حتمًا ستصيبه بجلطة ثم شرح بغيظ:
-لا عادى ما الشغل ممكن يمشى واحنا هناك وممكن نبقى
نتابعوا من هناك عن طريق كاميرات المراقبة
خطى ضياء نحو مقعده ثم جلس متسائلًا:
-ليه احنا وليه واو الجماعة يا استاذ كرم خير
هو انت ناوى تنزل معانا فى نفس الفندق
حك كرم مؤخرة رأسه وهو يرمق كارما التى تقف فى
الزواية كالفأر المبلول هامسًا:
-نفس الفندق دا أنا نفسى فى نفس الأوضة
فلتت شهقة من كارما تمتم كرم بغيظ:
-التالت بتاعى هيبقى بعد بكرة بسبب غبائك
صرخ ضياء وعيناه اصبحت شرر وهو يسأله:
-انت بتقول أيه؟!
اجابه كرم بثبات:
-بقول لو نفس الأوضة دا انت يا دكتور ضياء الدنيا كلها
هنا بتمدح فيك بقول يارتنى انزل معاك فى نفس الاوضة
بس انا وطاهر هنبقى مع بعض للأسف
أوما ضياء بارهاق قائلًا:
-خد الإجازة اللى انت عايزها، اعتبر نفسك فى اجازة
*******
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
-طاهر!
تلك هى الكلمة التى نطقتها بيسان ثم اردفت:
-انت ايه اللى جابك هنا؟!
مسح وجه براحة يده خارجًا من كل شئ، يشعر بالتعب
فهو لم يغمض له جفن منذ ثلاث ليالٍ يشعر كأنه بدوامة:
-جابنى حضرتك بتقولى هتروحى دلوقتى لوحدك
اجابته هادئة بثبات:
-اه عادى فيها أيه كنت هروح باوبر عادى
لكن انت شكلك تعبان هتسوق إزاى
هز رأسه نافيًا:
-أنا فعلا مش هسوق مش شايف قدامى هنروح اوبر
بس مش هسيبك لوحدك على الاقل
حاولت كبح فضولها لكنها لم تستطع فسألتها:
-هاجر عاملة أية؟!
-الله يكرمك متفكرنيش عشان اصرت وروحت مع جوزها
ولا حد عرف يقنعها
طوت يدها امام صدرها قائلة:
-عشان ببساطة هى بتحبه ومتأكدة من حبه ولو ماكنش
كدا عمرها ماكانت رجعت معاه الوقت هينسى ويداوى
لكن الأصل هاجر دورت على مأوها وحتى وأن اختلفوا
حتى لو طريقة تفكرها لرجوع مش صح بس البنى أدم
فى لحظة ضعفه مش بيدور غير على آمن مكان ليه
واظن قدامك كيان وبيلا
-لو مكانها هتعملى كدا؟!
تساؤل لمس أوتار قلبها البائسة ليدغدغها فأجابته:
-ممكن لأ وممكن آه، بس الأكيد أنى شفت لهفة جوزها
وهو خايف عليها وأنا بفحصها بظبط لما بيكون جاى
طفل مع امه العيادة وافحصها بيضربنى ويقولى
ماما وابعدى عنها، جوزها كان كدا بيحبها يمكن
لما تسمعه تعذره
ثم تابعت:
-المهم خليك هنا هغير وهجاى
بعد مرور عدة دقائق ولجت وهى تقول:
-يلا يا طا
توسعت عيناها بصدمة طاهر ممدد على فراش الكشف
يطوى يده على صدره، ابتسمت ابتسامة هادئة ثم
اقتربت تسحب الغطاء عليه وانصرفت للغرفة المجاورة
وجلست على المقعد لكنها لم تستطع منع نفسها اكثر
فاشعلت زر الشاشة التى امامها التى تتصل بكاميرة
مراقبة للغرفة المجاورة، كانت تنظر إليه وقلبها يدق
بعنف ذقنة الشقراء، كانت تنظر إليه بتشرب ولم
تغفل عن النظر لأنش واحدة يبدو كملاك وهو نائم
غير ذلك البربرى الذى يتعامل معها، وضعت يدها
على موضع قلبها، شعرت انفاسها اضمحلت والاكسجين
نفذ همست وهى تقول لنفسها:
-طاهر، طاهر بيسان ملقتيش غير طاهر دا قلبه وعقله
مع واحدة تانية طول عمرك محافظة على قلبك ايه
اللى جرى دا لسه واخدك تكشفى عليها
اطبقت شفتاها على بعضهما وقبضت على يدها حتى ابيضت، تشعر بنيران شبت بداخلها ولاتعلم هذه نيران
الحب أم نيران الغيرة، اغلقت الشاشة سريعًا وهى
تقول:
-لأ لأ بس عشان بقالى فترة مش بتعامل مع حد غيرة لا
****
فى الصباح
شعر طاهر بتشنج عضلاته فخرجت منه
آنه خافته ثم رمق المكان حوله باستنكار وسرعان
ما استطاع التذكر، انتفض من نومته يبحث عن هاتفه كى يتصل بها، عدة لحظات ولجت وبيدها كوبان من
القهوة فمدت يدها له بكوب القهوة، فتناوله وهو
يحك بالأخرى مؤخرة رأسه قائلًا:
-أيه الاحراج دا؟!
-لا عادى ولا يهمك، انا متعودة على النومة هنا
المهم انت ارتحت عندنا
ارتشفت قهوتها وهى تنظر له بابتسامة فضحك هو
الاخر قائلًا:
-أنا مش برتاح غير والواد كرم رجله فى وشى
المهم استرى عليا ومحدش يعرف
ثم تابع بتلقائية:
-بس تغيير بقى اول حد اشوفه على الصبح انتِ
احتقن وجهها بالحمرة القانية، ثم استدارت ترتب الملفات
فى محاولة لضبط اعصابها حتى همس بصوته الأجش:
-يلا عشان تروحى واوعى تقولى هشتغل تانى
لازم تروحى عشان تنامى
نبض قلبها بين ضلوعها وشعرت أن الاحبال التى تأخذ منها الانفاس قد انغلقت، ارتدت قناع الجمود قائلة:
-لا همشى لأنى رايحة اجيب تارا من المطار
-دا بجد مقولتيش ليه؟
هتوصل امته؟
رفعت كتفاها قالت له وهى تزم شفتاها:
-هما اصلا قالوا ليا من يومين وامبارح بليل تارا
قالتلى انها جاية عشان محبتش تيجى مع بابى
ومامى
-حيث كدا يلا بينا نطلع على البيت اجيب العربية عشان
لو معاها شنط هى هتقعد فين صحيح
-هما حجزين فى فندق هشوفها تقعد معايا ولا هتروح على الفندق على طول
*****
فى المطار
عينيه كانت تحدق كرم وكأنه يود قتله فقال له وهو ينفث كلامه نفث:
-ممكن افهم ايه اللى جابك معانا
اجابه بكل بساطة:
-جاى اجامل بيسان
امتعضت ملامح طاهر قائلًا:
-هو مش عزال هو جاى تجامل.
اختها جاية من السفر
انت ايه اللى يحشرك انت
قاطعتهم بيسان هاتفة:
-تارا وصلت أهى
جسد ناعم رقيق دون افتقاره للمقومات الانثوية، ترتدى
فستانًا اسود قصير ذو حملات رفيعة و ترتدى من الأعلى بلوزة بيضاء بهلهلة بشكل جذاب وحذاء
ابيض رياضى، اقتربت اكثر ثم بحركة عفوية جذبت
شعرها من الخلف ليتدل على كتفها، عيناها بندقية
كعيون المهر الصغير، وكلما اقتربت اكثر موجة اعجاب
طاهر وكرم تعالى رويدًا رويدًا فهمس طاهر:
-ابويااا أنا ايه الفتنة دية
ضرب كرم كف بالأخر قائلًا:
-الألماس دا هرب ازاى من الجمارك مفيش ضمير مفيش
حلاوة كدا
وما أن وقفت امامهم همت بيسان لتحتضنها
لكنها كالعادة فجأتها ببرودة المشاعر قائلة:
-هاى بيسان
سياط من الألم تلسع قلبها ابتسامة شاحبة مغلفة
بالخزى:
-حمدلله على سلامة ياتارا
رفعت تارا عينيها وهى ترمق طاهر وكرم متسائلة:
-مش هتعرفنى
أنا على حد علمى أن اسود قصر النيل مكانهم مش هنا
تارا اخت بيسان
ابتسم طاهر بشغف وهو يقول:
-اموت فى بعد النظر طاهر حسين
ابتسم كرم باتساع وهو يغمز بطرف عيناه:
-كرم، رغم أن مفيش اكرم منك بعد المجاملة دية
-مش بعرف اجامل دية حقيقية
بس غريبة بيسان تعرف شباب وعادى كدا والحياة بيس
اهو وسابت الطب كانت خنقانا ليه بقي
-حافظى على كلامك يا تارا
زمت شفتاها بضيق قائلة:
-رجعنا تانى لتعليمات، وتوجيهات دكتورة شفاعة
استنكر طاهر اللقب متسائلًا:
-شفاعة
أومات له لتؤكد على حديثها قائلة:
-ايوة شفاعة أنا اقولك كان فى دكتورة فى دبى اسمها شفاعة وابحاث والجو دا وفى الاخر مخها لسع واتجننت
قهقه طاهر بصخب وهو يكرر اللقب، ضحكاته مزقت نياط قلبها، لا أحد يواسى وجعها لا صديقه لديها تخبرها
بما تمر به لتساندها قليلًا ولا حتى أخت، ووالدتها ليس
موجودة بالأساس، رمقت طاهر بوجع وتلألأت الدموع
عيناها لكنها احكمت المحابس الدموع قائلة:
-يلا عشان عندى شغل
التقطت تارا نظرتها المتألمة التى ترمق بها طاهر فابتسمت بتهكم ثم تعلقت بذراع طاهر لتسير
معه قائلة:
-يلا بينا وبالمرة اقولك على بقيت الألقاب بتاعتها
قهقة طاهر ثانية متسائلًا:
-معقولة هو فيه اكتر من شفاعة
تنهد كرم بحنق وهو يقول:
-يخربيت امك ياكرم مش بتفوق غير فى دقيقة 90
*******