تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة فتحي
الحب يدخل قلوب الرجال بدون استئذان يتسلل
داخلها ببراعة، بينما يطرق باب الانثى أولًا
****
ولج للداخل فوجدها تتنقل بهدوء ترتب الشقة،
فألقى سترته على الأريكة ثم جلس ينزع حذاءه
وهو يراقبها حتى اقتربت منه واضعة ذراعيها فى
خصرها قائلة بحدة :
- لا أسمع انا مش هفضل الم وراك كتير كده
انت هنا مش فى فندق اه ..
انت مش صغير
كمان عشان كل حاجه تبهدلها كده
فى الوقت السابق كان حديثها معه هكذا يخرجه
من تعقله أم الآن فهو سعيد لعودة شخصيتها
اولتلك الأقنعة الزائفة التى تحاول أن تثبت من
خلالها أنها بخير، ابتسم يهز رأسه بالإيجاب :
- حاضر
ابتسامته جذابة الجاذبية الشرقية هزت رأسها تنفى هذه الافكار قائلة :
- انت بتاخدنى على اد عقلى
اتفضل قوم شيل كل حاجة ودخلها على الأوضة جوه
ابتسم وهو يلملم اغرضه قائلًا بمزاح :
- تمام كده تحبى اروح اجيب الشرشوبة وامسح كمان
انا فى المسح معنديش ياما ارحمينى
ضحكت بخفوت على طريقة مزاحه ثم اشارت له
على باب غرفته :
- لا شكرًا اتفضل
*****
بعد أن انتهت من الأعمال المنزلية قامت بصنع قهوتها
وتوجهت نحو الأريكة وجلست تشاهد احدى قنوات
الطهى بكامل تركيزها خرج من غرفته وجدها صامته
تشاهد التلفاز، توجه وجلس على مسافة لا بأس بها
منها، رمقته بتوتر وهمت بالأنصراف إلا أنه اوقفها
قائلًا :
- رايحة فين ؟!
رفرفت كيان عدة مرات باهدابها ونظرت امامها :
- هروح انام، تصبح على خير
طالعها بتمعن وهو يثبت مقلتيه على تفاصيل وجهها :
- هو انتى مالكيش اصحاب
سحابة حزينة طغت على لمعت عيناها وهى تقول :
- لأ معنديش
شعر بحزنها ثم سألها :
- أومال لو بتحبى تخرجى بتخرجى مع مين ؟!
أطرقت رأسها أرضًا :
- كنت بخرج مع ماما هدى الله يرحمها وبعد كده
مابقتش اخرج
رفع نظره صوب عينيها و يقول بابتسامة هادئة :
- يعنى الحال من بعضوا، طب ممكن تخرجى معايا
نغير جو
تهلل وجهها كطفلة صغيرة وهتفت دون وعى :
- بجد بجد
شعرت بخجل بسبب اندفاعها ثم اجابته وهى تنهض :
- لا مش هينفع ممكن تروح مع ضياء تصبح على
خير
نهض هو الاخر وهو يقف امامها قائلًا بنبرة حازمة :
- لأ انا وانتى قدامك نص ساعة وتجهزى تمام
هزت رأسها بالموافقة وهى تحاول الهرب
من نظرات عيناه التى تحاصرها
*****
يجلس معاها فى مطعم فاخر على النيل،
تطالع النيل امامها وسعادة جالية على ملامحها
يشعر براحة رهيبة تكمن بخلاياه عند رؤية ابتسامتها
فاصبح يكتفى بصمتها، التفت لها فوجدته يطالعها
بنظرات غريبة عليها فقالت :
- ميرسى على الخروجة
اومأ لها بابتسامة هادئة :
- ميرسى ليكى انتى أنا كنت محتاج اغير مود من ضغط الشغل
رفعت عيناها إليه متساءلة :
- انت بتشتغل هنا مش قولت جاى وماشى
استند بمرفقيه على الطاولة وهو يجيبها :
- احنا بنفتح مركز التجميل
فرع فى مصر وانا حاليًا
بشرف عليه المفروض ماكنتش اجى لأننا بنسلم
الشغل لشركة وهى بتخلصهُ وبنزل على الافتتاح
بس كان فى مصلحة عايز اخلصها بس دلوقتى
عرفت انه كله نصيب ومكتوب
اطرقت رأسها وهى تطرق باناملها على الطاولة قائلة :
- هو انت هتمشى امتي ؟!
شعر بضيق يعتمر صدره بمجرد ذكرها رحيله فهو
يشعر انه مسئول عن سعادتها سألها بنبرة يغلب
عليها الحدة :
- انتى عايزانى امشى ؟!
زهقتى ؟!
همت برد عليه لكن قطعها رنين الهاتف فطالعت
الشاشة ثم ضغطت على زر الاجابة :
- الو باشمهندس طاهر
- لا مفيش حاجة ..
اكيد هكون موجودة الصبح
ابتسمت ابتسامة واسعة وهى تتحدث :
- لا مش لدرجة هربت بكره هكون موجودة
بداخله يشتعل نارًا لكنه يحاول تفسير السبب او
يعلم لكنه يحاول أن ينكره فدائمًا ما كان يسمع
الغيرة على شخص لكنه أول مرة يعلم أنها تؤلم
كأى مرض جسدى زفر بحرارة وهو يطالع ابتسامتها
انهت المكالمة فأسرع وهو يقول بضيق:
- عايز أيه ؟! هو متعود يكلمك متأخر كده؟!
هزت رأسها بالنفى واحتدت ملامحها :
- شغل عادى وبيأكد عليا ميعاد بكرة .
لا مش متعود
ساد الصمت بينهم طويلًا ثم قالت له بصوت مختنق :
- عايزة اروح
نهض فى ثبات يقف امامها وهو يطلب الحساب
اخرج النقود من جيبه ووضعها فى ظرف الحساب
ثم اردف بحزم :
- يلا بينا
*****
فى صباح اليوم التالى
خطت خطواتها داخل الشركة وهى بأوج لحظات
سعادتها قد حصلت على وظيفة ثابتة
رفعت معصمها تطالع ساعتها وصلت فى ميعادها
طرقت على الباب ودلفت للداخل وما أن وقعت
عيناه عليها حتى وقف يطالعها وكأنها أول مره يراها
هل هذه ابنة عمه فعلًا، نعم الشبه واضح بينهم
عيناها بهم محبة وطهارة وصفاء لكن ملامحها
الجميلة ذابلة، لكنه اقسم أنه لن يتركها بعد الآن
لن يتركها تواجه ذئاب عائلته بمفردها
بللت شفتيها ثم حدثته بنبرة منخفضة اخرجته من شروده :
- لو مش فاضى ؟!
انا ممكن امشى وآجى بعدين
ابتسم وهو يهز رأسه بالنفى قائلًا :
- رجعتى فى كلامك ولا أيه اتفضلى اقعدى
تقدمت تجلس على المقعد امامه بينما هو نهض
من خلف مكتبه يجلس على المقعد المقابل
لها ويرمقها بنظرة تحمل فى طياتها الكثير
والكثير، لكنه كابح ظهور أى شئ على وجهه
ثم قال :
- بس يعنى المكتب نور من دخلتك على الصبح
زمت شفتيها ثم قالت بنبرة منبهة :
-تااانى
تحرك من امامها ليجلب فنجانين ووقف امام ماكينة
صُنع القهوة ثم اردف :
- يا ست كيان بالراحة عليا كل مرة كده
طب والله المكتب نور بيكى
تحرك وهو يضع فنجان القهوة امامها بينما هى ابتسمت
باستيحاء :
- ميرسى..
ياريت العقود عشان امضى لأنى عندى
محاضرة
- كلية أيه ؟!
- اداب تاريخ
اومأ لها بالإيجاب ولم يُرد أن يضغط عليها اكثر
فتوجه يجلس خلف مكتبه ووضع العقود امامها
وعليها القلم لكنه تعمد اخفاء اسمه وضعت القهوة من يديها على الطاولة
وهى تلتقط القلم وتنقش اسمها فى الخانة الفارغة
بينما هو حك ذقنة النامية قائلًا :
- طب مش كنتى تقرأى العقود الأول ؟!
قطبت جبينها ثم سألته :
- قصدك أيه؟! ما الأنسة بيلا بعتالى نسخة على واتساب
غمز لها بمكر قائلًا :
- طب مش ممكن اكون بمضيكى على بيع املاكك
تذمرت بغضب طفولى قائلة :
- باشمهندس انا مش غبية
ضحك بتوسع ثم هز رأسه نافيًا :
- تؤتؤ مش قصدى بس أنا بنبهك
كمان مبحبش حد يقولى باشمهندس ممكن
طاهر بس مش بحب الألقاب
رفعت نظرها إليه ثم ابتسمت وهى تهز رأسها :
- لا مينفعش
اجابها باصرار :
- لأ ينفع اوى ..
كمان انا حجزت مكان وابتدوا يشتغلوا
فيه وهيبقى مطبخ كبير وانت الشيف المسئول عن
كل حاجة وهيبقى فى مساعدين تحت ايديك
استغرقت كيان عدة دقائق وهى تستوعب ما قاله
ثم هتفت معارضة :
- لأ كده كتير انا مش شيف ولا ده مجال دراستى
يعنى أنا على قدى مينفعش
- الدراسة مش كل حاجة وانتى
قدها وانا واثق فيكى واعملى حسابك عيد ميلاد بيلا
اول حاجة هتبتدى بيها
ثم اكمل حديثه بغمزة :
- اشربى القهوة وقولى رأيك يمكن تاخدينى مساعد شيف
التو ثغرها وهى ترتشف القهوة قائلة :
- اخدك مساعد شيف عشان قهوة من الماكينة
الطموح حلو بردو
قهقه الاثنان معًا ثم نظر لها بتمعن فهو ليس امامه سوى
الصبر حتى تنطوى أيام الفراق وتبدأ ايام المصارحة
ويتصل حبل الحب
****
بعد الظهيرة
ما لبث أن دخل ضياء المكتب وجدها تنهض تلملم
اشياءها توسعت ابتسامتها ثم حدثتة قائلة :
- ضياء !!
وقف امامها وهو يتأملها بأريحية ثم تقدم منها يمد يده لها بصندوق صغير :
- صباح الورد ..
أنا جيت ألحقك قبل ما تروحى
المكتبة عشان جايبلك حاجة يارب تعجبك
ابتسمت وبدءت بفتح الصندوق وجدت داخله
هاتف والكثير من انواع الشوكولا الفاخرة فقطبت حاجبيها ثم رمقته بنظرات متساءلة
وهى تحمل الهاتف ابتسم قائلًا :
- افتحى..
الباسورد تاريخ افتتاح المكتبة
وادخلى على الجاليرى وهاتى اول فيديو
ادخلت كلمة السر ثم فتحت المقاطع وشاهدت
فيديو مجمع لها يحمل صورها على اغنية
عيونها تتدرج كامواج البحر الزرقاء وهى تطالع مقطع
الفيديو افعاله تُأسر قلب أى امراة فرفعت عيناها إليه
وضعت يديها على شفتيها وهى تنظر له باعجاب :
- ايه الجمال ده مش معقولة عرفت تجمع الصور
دية كلها ازاى
جلس امامها بثقة قائلًا :
- شغل التصميم ده لعبتى انا جنياس فى الحتة دية
ده غير إنى بعشق التصوير وخاصة الاماكن النادرة
والسياحية انا عندى لاب للصور دية
جلست هى الاخرى وعينيها تلمع بحماس قائلة :
- وأنا جدًا وحاولت فترة اتعلم التصميم بس مليت
بسرعة بس بحب اماكن التصوير اوى
صمت للحظة ثم اردف :
- انتى صح وطلعت فى حاجة بتجمعنا
انا مستعد اعلمك
مدت يديها تناوله الهاتف وهى تقول :
- بس مش عايزه اتقل عليك
وقف وهو يلملم اشياءها معاها وهو يقول :
- الفون ده ليكى وهعلمك عليه هدية منى
ويلا عشان اتأخرنا على المكتبة
حينما يهوى قلب الرجل أمراة
قتلت ألف امرأة داخله ولا يرى سواها
*****
بعد مرور عدة ساعات توجه ضياء إلى المركز التجميلى
وبداخله سعادة يشعر أنه بفصل الربيع والازهار
الفواحة تتفتح بصدره برائحة الحب
وما أن وطئت قدمه المكتب وجد كنان يمضى على
اوراق متأففًا بكلل ثم رفع نظره يحدجه بنظرات
نارية :
- البيه كان فين من الصبح مش فيه اجهزه طبية
المفروض تمضى على استلامها وجاية بأسمك
جلس ضياء على مقعده وهو يزفر متسائلًا :
- هااا مالك يا سيدى؟!
وأيه اللى مضايقك كده ؟!
زمجر كنان ثم قال :
- أيه مسمعتش اللى قولتوا
التو ثغر ضياء ثم ابتسم بتهكم :
- لا أنجز مش هقول مالك كتير انا مش مرتبط بيك
القى كنان القلم من يده ثم إتكأ على مقعده للخلف
وهو يغمض عيناه بارهاق وسرد له ما عاشته كيان بأسى وما أن انتهى، اعتدل فى جلسته يستند
بمرفقيه على سطح المكتب يتابع ردة فعل ضياء
بينما ضياء تجمدت ملامحه يحاول استيعاب حجم
تلك المعاناة التى عاشتها ثم ضيق عيناه بشك قائلًا :
- انت متأكد ولا خيالها واسع اصل الموضوع صعب أوى
تنفس بعمق ليرد عليه بانهاك :
- بغض النظر إنى صدقت كلامها من أول حرف
لأخر وملامحها الدليل لكن بردو امبارح اول مروحت
اتصلت بالمحامى وأكد كلامها
تساءل ضياء بتعابير مهتمة :
- طب ناوى على أيه ؟!
استرعى كلامه انتباه كنان فسأله مستفسرًا :
- فى أيه ؟!
مش فاهم قصدك
استطرد ضياء يقول بجدية :
- يعنى انت عملت الجواز ده حجة عشان تديها الشقة
ومش تشك ولا تدور وراك انك ما اخدتش اى اجراء ضدها
وكانت حجتك أنك مش هتقدر توفر مكان ليك
فبقول خلاص ومتضغطش اكتر عليها بقعدتك
فى الشقة معاها وحاول تديها مبلغ كويس
وعرفها الحقيقة وبعد كده طلقها تشوف
حياتها وكفاية اللى شافتوا من يوم ما اتولدت
بهتت ملامحه وجف حلقه شاعرًا بغصة فى صدره من كلمة الطلاق لكنه حاول اعطاءه تفسيرًا ارتجاليًا كى
ينطلى عليه حتى يعلم هو السبب الأساسى فقال :
- تانى يا ضياء متركز معايا شوية انا بنزل ادور عليه
فى المنطقة هناك على اساس انى من اهل الحتة
عشان حد يوصلنى بالسمسار ده الكل بيقول هو الكبير
فى كل حاجة وماحدش بيبيع غير بأذنه فكده لو سأل
هيعرف إنى مش جاى من بره وبدور على مكان اوسع
مش هيشك وهيطمن وهشوفه خصوصًا أن ملف
القضية اتقفل على ما اظن
تعقدت تعبيرات وجه ضياء قائلًا :
- ما كفااااية يا كنان هو ايه ..
مش حاسس باللى انت
فيه متورط فى ..جوازة ..وحوار مالكش فيه وعمى
هو اللى هيتصرف ..
طلقها وعوضها ماديًا وخد بالك
انت كده بتأذيها كمان
خرج عن صمته بجملة واحدة :
- أنا ماشى مش ناقص كلام منك
خرج من المكتب وقطع الردهة بخطوات متسعة
وسريعه
*****
ولج طاهر إلى منزله من بعد انتهاءه من حفلة اليوم
بأرهاق خلع سترته وألقاها على المقعد ثم تقدم وهو
يجوب المكان بعينه يبحث عن والدته حتى وقعت
عيناه على التى تجلس على الأريكة ولا تعيره انتباه
وقف امامها يحدجها بغيظ ثم هتف :
- هى ماما فين ؟!
لم تجيبه وظلت على وضعها وهى تضع طلاء الاظافر
ثم رفعت يديها وهى تطالع اظافرها باعجاب
زفر طاهر بغضب وهو يمسح على شعره مرورًا بوجهه
فصاح بها بحدة :
- هاااااجر أيه اطرشتى مش سامعة ؟!
بقولك ماما فين والباقى ؟!
تنهدت وهى تغلق زجاجة الطلاء ثم اجابته فى تعجب :
- هو انت مش قولت يا هاجر متدخليش اوضتى
ومالكيش دعوة بأى حاجة تخصنى
بتكلمنى ليه بقى ؟!
صر اسنانه بغيظ محاولًا أن يتحكم بغضبه قائلًا :
- اه متقربيش من اوضتى
ومالكيش دعوة بأى حاجة تخصنى
بس لما أكلمك تردى عليا
اجابته ببرود :
- ايوه يعنى مش شايفنى مشغولة بحط المانيكير
كور كف يديه من شدة غيظة ونظراته تحمل الوعيد قائلًا :
- وانتى طالعة من بيتكم عشان تحطى المانيكير بتاعك
هنا ..
انجزى ماما وكرم وبابا فين
التو ثغرها ثم نفخت فى اظافرها حتى تجف
ورفعت عيناها إليه تجيبه :
- خالى نزل المحلات وخد كرم معاه
ماما نزلت تجيب حاجات للبيت وسابت البيت
فى امانتى انا .... على الله حكايتك بقى
تابع طاهر بنفس نبرة صوتها قائلًا :
- على الله ياخدك ..
على الله ياخدك يا هاجر
ثم انصرف موليها ظهره وهو يتمتم ببعض الكلمات :
- مستفزة بنى ادمة مستفزة
******
بمجرد أن دلف للداخل وداعبت انفه رائحة الطعام
وتلاقت أذنه صوت الاغانى فابتسم تلقائيًا وقادته
خطواته نحو المطبخ كالعادة تعمل وتصب كامل
تركيزها فى الطهى وقف خلفها يحدق بها
فى صمت ثم اقترب يغلق اللاب خلفها،
انتفضت ثم استدارت، وجدته يقف خلفها
فابتسمت بهدوء :
- حمدلله على السلامة انا خلصت وكنت هتطفيه
تمتم كنان مبتسمًا :
- لأ خلاص اتعودت خدى راحتك أيه كل الأكل ده
عندك اوردر
هزت رأسها بنفى :
- لأ ده أكل للملجأ متعودة أعمل كده من ايام
ماما هدى هما اكتر ناس مننا نكون قريبين منهم
صمت للحظات هو يعمل خير دائمًا لكن لم يفكر ابدًا فى اطفال الملجأ، تنهد ورمقها بابتسامة ثم انصرف إلى غرفته، هزت كتفها بعفوية وهى تطفأ الموقد على الطعام
بعد مرور ساعتين خرج من غرفته فوجدها تجلس
امام شاشة التلفاز تشاهد احد برامج الطهى كالعادة
فجلس بجانبها وهو يمد يده لها بقرص مدمج
قطبت حاجبيها وهى ترمق القرص متسائلة :
- أيه ده ؟!
ابتسم لها ابتسامة بسيطة ثم قال :
- السى دى ده بتاعك
جحظت عيناها ثم قفزت من مكانها وهى تضرب صدرها ثم حدثته موبخة :
- يا نهارك اسوود سى دى بتاعى يعنى أيه
انت كنت حاطتلى كاميرات بتتجسس عليا
يابن ال.
سحبها من ذراعها بين اصابعه الغليظة ليمنعها من اكمال
وصلة توبيخها قائلًا :
- أيه دماغك القذرة دية
ده السى دي بتاعك لكارتون روبنزل الجزء التانى
كنت للاسف جايبوا ليكى بس خلاص انا غلطان
نهض واقفًا يوليها ظهره فاسرعت تمسك يديه
وهى تترجاه قائلة :
- اسفة اسفة مقصدتش ممكن السى دى عايزة اتفرج
عليه
التفت لها طالع لمعة عيناها فهى انثى بروح طفلة
ومازالت لم تتجاوز طفولتها فتلألأت الدموع بعيناها
هكذا تثبت انها مولودة للتو من رحم البراءة
حاول كبح نفسه من ضمها وتجفيف دموعها
بشفتاه نفض افكاره سريعًا وهو يناولها القرص
فقفزت بسعادة وفرحة فجلس ثانية.
فسالته بتوتر :
- انت هتتفرج معايا ؟!
وضع ساق فوق الاخر ورفع حاجبه بمشاكسة :
- لو مش عجبك اخده اتفرج جوه
هزت رأسها بالنفى :
- لا هوا هاجيب اللاب واجى
بعد مرور ساعة وقد وصل الفيلم الكارتون المنتصف
فجاءة شعر بثقل يرتمى فوق كتفه رمقها بطرف
عيناه فوجدها تغط فى نوم عميق ابتسم بداخله
وظل يراقبها وقلبه يثور بداخله كأنه بحرب حاول ان يكبح جماح نفسه إلا أنه خضع لقلبه مد ذراعه يضمها وكأنه يخشى عليها من الخدش، حتى تثاقلت جفونه هو أيضا
فى الصباح شعرت باشعة الشمس تتسلل
لعيناها فتحت عيناها بتمهلل قطبت حاجبيها
ثم كتمت شهقاتها بيدها وتسللت بهدوء على
اطراف اصابعها نحو غرفتها
****
بعد مرور عدة ساعات فى مكان عملها انطفأت الأنوار فجأة وهى تعمل بالمطبخ الجديد
فشعرت بهلع وهى تتخبط بين الأوانى خوفها بلغ
ذروته، التقطت اذنيها صوت اقدام لكنها لم يهدأ
ذعرها بل تضاعف حاولت أن تبتلع ريقها بصعوبة وهى
ترتجف قائلة :
- مين ؟!
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة فتحي
مييين ؟!
حاوطت نفسها بذراعيها وهى تنكمش على نفسها كلما سمعت صوت الأقدام تقترب. مرت دقائق قليلة وعادت الأضاءة، طالعت وجه طاهر فتنفست الصعداء وقدميها أصبحت كالهلام ودموعها تنهمر على وجنتيها، فجلست قرفصاء أرضًا.
فأسرع طاهر يجثو أمامها ويهدئها قائلًا:
- كيان مالك ؟! ده النور عمل قفلة بس، في إيه لكل ده ؟! كيان انتي كويسة ؟!
أومأت له وهى ترتجف، فنهض مسرعًا يحضر لها كوبًا من الماء وهو يرمقها بحيرة، يبدو أن هناك خطب ما.
- طب اتفضلي اشربي واهدي كده، ماكنتش أعرف إن قلبك خفيف كده.
مسحت دموعها بظهر يديها، كانت حركة طفولية بحتة، فكانت في غاية البراءة والفتنة معًا.
فتحدث طاهر وهو ينظر للأعلى قائلًا:
- لأ لأ.. متوصلش لكده.. أعوذ بالله منك مش كده.
- ابعد عني أنا بتلكك.
قطبت حاجبيها مستغربة:
- انت بتكلم مين ؟!
رد بتلقائية:
- لا ده الشيطان هو اللي كان بيكلمني.
تراجعت للخلف بتوجس:
- نعم!!!!!
ارتسمت الجدية ثم أشار لأذنه وهو يقول:
- اسف، كانت معايا مكالمة في السماعة البلوتوث.
هزت رأسها بتفهم. حاول أن يعاونها على القيام لكنها رفضت، وتحاملت على نفسها لتكمل العمل.
فقال:
- من بكرة هيكون في معاكي المساعدين، أما النهارده أنا المساعد بتاعك، إيه رأيك ؟!
- لا معلش كده مش هعرف اشتغل.
- ليه ؟! أنا هاساعدك، بس انتي مش خايفة النور يقطع ؟!
عضت على شفتيها بخوف:
- لا، لو كده خليك بس ممكن تقعد من غير ما تساعدني.
نظر إلى حركة شفتيها ثم نظر للأعلى قائلًا:
- عارف إن البني آدم ضعيف، بس ياريت تهدا شوية عليا أنا على أخرى.
ثم رمقها بابتسامة وهو يشير إلى أذنه، فهزت رأسها وأكملت التحضيرات.
***
مر يومان منذ آخر جلسة بينهم، وهو لم يراها. لا يعلم ماذا أصابه، كل ما يرغب به هو الاطمئنان عليها، فقط الاطمئنان عليها. وقف في الردهة أمام باب غرفتها وهو يطالع النور من تحت عقب الباب، ففي هذه المدة القصيرة علم أنها تنام وتترك الإضاءة، يعلم أنها تخشى الظلام، كل هذا يعلمه في هذه الفترة.
لكنه ما لا يعلمه لماذا لم تخرج من غرفتها، رغم أنه منذ تلك الليلة وهو أقنع نفسه أن ذلك الشعور ليس سوى تعاطف معها، لكنه عزم على توفير كل سبل الأمان لها حتى وإن لم يكتمل ذلك الزواج.
فتحت باب غرفتها فجأة، وجدته يقف أمامها، فشهقت كأنها رأت شبحًا للتو.
بينما هو ابتسم كأنها أضاءت عتمة روحه. شعور غريب يتسلل لقلبه بمجرد رؤيتها بخير.
فقال:
- صباح الخير.
ساد الصمت لثوانٍ، وقد فاجئها وجوده أمام باب غرفتها.
سألته مستفسرة:
- انت واقف قدام باب الأوضة ليه كده ؟!
أجابها دون تردد:
- كنت جاي أطمن عليكي، مش ظاهرة بقالك يومين.
تلاقت عينيها بعيناه الزيتونية، لا تعلم سبب خفقات قلبها الذي كاد أن يخرج من محجره، لكنها فسرت سعادته باهتمامه، لأن لا أحد يريد أن يطمئن عليها.
فأجابته:
- لأ، بس عشان جدول الميدتيرم نزل وكمان استلمت شغل جديد في الشركة، وباشمهندس طاهر سلمني أول حفلتين ومنهم عيد ميلاد بيلا، فمضغوطة.
أجابها بتهكم وبنبرة حادة:
- خلاص بلاها وركزي في امتحاناتك كده كتير.
هزت رأسها بالنفى قائلة:
- لا مينفعش، مش عايزة أخسر ثقة الباشمهندس، ده أول أوردر يطلبه مني، ده غير إنه وفر لي مكان زي مطبخ كبير وأنا المسئولة عنه. أنا هحاول وهاقدر بإذن الله.
شعر بضيق من نفسه من تلك المشاعر المفرطة، تلك المشاعر التي تلامس قلبه خلسة كلما رآها، أو تزيد نيرانه كلما نطقت اسم رجل آخر غيره.
تنهد بثقل قائلًا:
- اللي يريحك، بس المهم صحتك في الأول.
أطرقت رأسها من نظراته التي تحاصرها قائلة بخفوت:
- تمام.
***
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تشيح بوجهها عنه قائلة بتذمر:
- خلاص يا ضياء، مش عايزة أتعلم، انت بتتريق عليا وبس.
رمقها بعدم تصديق بينما ارتشف من قهوته وهو يردف بهدوء:
- بيلا بتريق إيه، دي حاجات سهلة، وانتي مافيش فايدة، لازم توريني كارنيه الكلية بتاعك.
احتل الغيظ كل دماءها، ثم حدثته بابتسامة باردة:
- لا مش هوريك حاجة ومش عايزة أتعلم، ويلا بقى عشان في كتب عايزة أرتبها.
ابتسم ضياء بتلقائية:
- عنيفة أوي في ردود أفعالك، لا مش هامشي هرص معاكي الكتب.
تريثت لبرهة ثم ابتسمت بمكر قائلة:
- تصدق حلو العقاب ده، يلا بقى ابدأ.
أكمل بنفس النبرة ثم أردف بخبث:
- هو ده عقاب، ده انتي حنينة أوي.
ثم استرسل:
- لا لازم أرص الكتب وأنا شايف الضحكة، وأنا آسف على التنمر كمان.
أومأت له وهى تجلس في الكرسي المقابل له، والتقطت جهاز التحكم وقامت بتشغيل موسيقى هادئة:
- طب طالما اعتذرت، أنا عيد ميلادي آخر الأسبوع ده وهنعمل حفلة في بيتي.
توقف عن رص الكتب وهو يعقد ما بين حاجبيه قائلًا:
- آخر الأسبوع ده اللي هو بعد كام يوم، لسه فاكرة تقولي ليا، إحنا تقريبًا كل يوم مع بعض.
تنهدت بثقل قائلة:
- أنا الصراحة مش حابة أعمل عيد ميلاد، بس طاهر رتب كل حاجة، هو وماما.
طاهر، اللعنة. رغمًا عنه كاد يموت من الغضب، كلمات تذكر أن طاهر يسبقه بخطوة إليها.
أوصد عينيه محاولًا أن يستجمع ثباته، ثم أردف بنبرة أشد حزمًا:
- أيوه بصفته إيه هو اللي يرتب لعيد ميلادك.
هواء قاسي كالجليد يتخلل الصمت بينهما.
حاولت أن تتجاهل شعورها كأنثى بغيرته التي ترضي روح الأنثى بداخلها، ثم أجابته وهى تتحاشى النظر إليه:
- طاهر صديقي المقرب من أيام الكلية، أو بالاحرى صديقي الوحيد لأني مش باخد على حد بسهولة، وكانت من ضمن أحلامنا إننا نبقى مصممين حفلات، ومع أول عيد ميلاد ليا قرب واحنا مع بعض، حبي يعمل تجربة وكلم ماما وعملوا العيد ميلاد كله من ترتيبه، وكانت حفلة ولا أروع، وساعتها اتشجعنا وفتحنا الشركة، ولأن أول حاجة اتعملت عيد ميلادي.. طاهر بيرتب ليه كل سنة تلقائي.
سحر رأسه متفهمًا بصمت. فكل ما عليه الآن هو الصبر، فالصبر دائمًا مفتاح الفرج.
فأصدر صوتًا خافتًا وهو يجيبها باقتضاب:
- امممم تمام.
***
في المساء، ولج كنان للداخل، هو يجوب بعينيه المكان حتى ظهرت شبح ابتسامة تعزف على ثغره وهو يرمقها بتفاجؤ.
نائمة على الأريكة، الكتب تقع على الأرض ومازالت يدها قابضة على القلم.
أولاها ظهره تاركًا إياها نائمة، إلا أنه وقف عاجزًا، كيف يتركها هكذا وهي نائمة على الأريكة.
هز رأسه بيأس، ثم دنا منها يحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفتها، وكانت رائحتها تتغلغل داخله وتخلق جاذبية يصعب مقاومتها.
وضعها على الفراش برفق، وكأنه يقوم بمهمة ذرية بالغة التعقيد.
وحينما انتهى سحب الغطاء يدثره عليها ثم تمتم:
- مش حاسة بنفسك من كتر التعب، دماغك ناشفة. تصبحى على خير.
***
في صباح اليوم التالي، فرقت جفنيها بصعوبة من أشعة الشمس التي تسللت لغرفتها. فجأة انتفضت بفزع، فاليوم امتحانها.
نزعت عنها الغطاء ووضعت قدميها أرضًا، ثم عقدت حاجبيها في استنكار، فقد أدركت للتو أنها نائمة على فراشها، فهي آخر ما تذكر أنها كانت على الأريكة وتلخص المادة.
أمسكت رأسها وكأنها تثبت مكان عقلها. التقطت الهاتف فطالعت الساعة، فدارت حول نفسها وهى ترتدي ملابسها حتى لا تتأخر على الامتحان.
خرجت من غرفتها ترتدي بنطال من الجينز وبلوزة باللون الوردي وحجابها الأبيض وحقيبتها على ظهرها.
وجدته يقف في المطبخ يقطع الخضار، فاقتربت منه متسائلة:
- صباح الخير، انت بتعمل إيه ؟!
- صباح الورد، بحضر فطار لينا.
أجابها ببساطة، فهزت رأسها بالنفى قائلة:
- لا شكرًا، عندي امتحان هتأخر.
أكد كلامه وهو يمد أمامها الصحن:
- لأ هتفطري بسرعة.
نظرت للأريكة ثم نظرت له بشك متسائلة:
- هو انت رجعت إمتى امبارح بالليل ؟!
رفع نظره إليها وبداخله يود أن ينفجر من الضحك فقال:
- رجعت متأخر شوية.
حبست أنفاسها وهى تقول بتوتر:
- وأنا كنت فين ؟!
رفع كتفيه بعدم فهم ثم سألها بمكر:
- أنا هعرف منين انتي كنتي فين ؟! إيه ده هو انتي ماكنتيش هنا بليل ؟! كنتِ فين ؟!
كانت تتفرسه بنظراتها لتتأكد من صحة كلامه. انتابها الشك للحظات ثم قالت:
- لأ، أنا كنت نايمة جوه، هاروح فين ؟! كده هتأخر، سلام.
حبس أنفاسه يمنع نفسه من الضحك ثم قال:
- هترجعي بعد الامتحان الساعة كام ؟!
أجابته وهى تتجه صوب الباب:
- لأ، هتأخر، عندي تحضيرات بكرة عيد ميلاد بيلا.
التو ثغره ثم هز رأسه متفهمًا.
***
بعد الظهيرة، بعد الانتهاء من امتحانها ذهبت لعملها مسرعة وبدأت في تحضير الطعام بنصف عقل، بداخلها مازالت تشعر بشيء غريب في حديثه، أيعقل أن يكون هو من حملها لفراشها؟ هزت رأسها بنفي:
- لا لا مستحيل.
كان طاهر يقف على مسافة قريبة منها ثم قطب ما بين حاجبيه وهو يراها تحدث نفسها، فاقترب منها وهو يضحك:
- إيه سماعة بلوتوث بردو، ولا هي جينات العيلة.
رمقته بغرابة:
- باشمهندس طاهر، مش فاهمة بتقول إيه ؟!
قرص مقدمة أنفه قائلًا:
- لا متركزيش معايا، قولتلك طاهر بس.
- لا مينفعش.
تركته واستعادت كامل تركيزها وبدأت في العمل، لكنه قرر مشاكساتها حتى تناديه باسمه بدون ألقاب.
كلما قطعت شيئًا وضعه في فمه وبدأ في فتح الثلاجة وإخراج السلطات، كل هذا تحت نظراتها المتذمرة.
ثم تناول كيس المكسرات وبدأ في تناوله.
كانت ممسكة بالسكين بيدها ثم حدثته بانفعال:
- طاهررر بس بقى، أكلت كل المكسرات اللي هتتحط على الرز، حتى السلطات بوظتها.
ابتسم قائلًا وهو يلاعب حاجبيه:
- أيوه كده طاهر من الأول.
***
وقفت أمام المرآة تطالع نفسها ثم التفتت له بتذمر قائلة:
- ضياء، إنت إيه اللي جابك معايا، أنا كان لازم موافقش، ماله الفستان ده، ها ده الفستان العاشر وانت شغال لأ لأ.
كان جالسًا واضعًا ساقه فوق الأخرى، هز رأسه بالنفى:
- تؤ تؤ، انتي مش شايفة كتفه عريان.
تنهدت بثقل ثم قالت:
- هروح اغير، أنا مش هاشترى.
ثوانٍ ولجت البائعة وهى تقول:
- الفستان اللي طلبته حضرتك.
أومأ لها ثم قال:
- بليز اديه للأنسة تقيسه.
طالعته بيلا بذهول، تكاد تجن من فوضى المشاعر بداخلها، فكل حركة يفعلها معها تنعش كل خلية بداخلها.
التقطت الفستان وهى تتجه للداخل، وما أن ارتدته حتى شهقت من جماله.
أزاحت الستار عن الغرفة، فهب واقفًا يطالعها بنظرات عشق خالصة.
عيناها الفيروزية الفريدة تأسره، بينما هي حاولت كبح دموعها بصعوبة قائلة:
- الفستان حلو.
هز رأسه بالنفى، بينما هي تحولت ملامحها للحزن.
فهمس بجانب أذنها قائلًا:
- انتي اللي حليتي الفستان، مش هو اللي حلو.
أطرقت رأسها باستحياء ثم توجهت نحو المرآة ثانية تطالع نفسها.
***
في المساء.
- انت رايحة عيد الميلاد بكرة ؟!
تلك الكلمات التي أردفها كنان وهو يقف خلفها.
التفتت له قائلة:
- لا، أنا مش هاروح، في ناس هي اللي هتبقى مسؤولة هناك.. انت هاتروح ؟!
حك مؤخرة رأسه قائلًا:
- لازم أروح، ضياء أكد عليا كأني أبوه.
ضحكت وسلطت نظراتها عليه بتوتر ورطبت شفتيها وهى تتمتم:
- ربنا يباركلك فيه، تصبح على خير.
قرر البوح عما في صدره، أنه يريد أن يقضي وقت معها، فـ أوقفها قائلًا:
- خليكي سهرانة معايا، لسه بدري.
أغمضت عيناها لبرهة لتُسكن نبضات قلبها، ثم تلاقت عينيها بعيناه، ولأول مرة تغوص بملامحه هكذا، جاذبيته طاغية.
انتبهت على نفسها وأخفضت بصرها ولملمت نفسها ثم همست:
- عندي امتحان الصبح وبعد كده هطلع على الشغل.
قلبه يؤلمه على تلك الصغيرة التي تتكبد متاعب الحياة بمفردها.
غامت عيناه بحزن واهتزت تفاحة آدم خاصته هامسًا:
- مش كتير عليكي.
أجابته بحزن وهى تبتسم قائلة:
- لأ، اتعودت على كده. تصبح على خير.
- تصبحى على خير.
***
تقف أمام المرآة وهى تمشط شعرها وتدندن بعض الأغاني. سمعت صوت فتح الباب من خلفها فابتسمت بسخرية ولم تلتفت، فهى تعلم من الذي وطأت أقدامه الغرفة.
ثوانٍ وصدح صوته عاليًا:
- هاااااااجر.
التفتت له وهى تزم شفتيها بسخرية قائلة:
- خير.. أفندم، عايز إيه من هاجررر.
تحرك بؤبؤي عيناه داخل مقلتيه بغضب وأصبحت ملامحه مغتاظة، فهتف من بين أسنانه:
- انتي بتعملي إيه في أوضتي، انتي مش بتفهمي.
أومأت له ثم تجاوزته تجلس قرفصاء فوق الفراش قائلة:
- أوضتك سابقًا، دلوقتي دية أوضة كرم، مش انت انسحبت بردوا.
انعقد حاجبيه بغيظ وكاد أن يصرخ بعلو صوته، فقد نفذ صبره منها. لما لا ينقض عليها الآن ويخنقها بالوسادة حتى تلفظ أنفاسها ويخلص البشرية منه.
تنهد يسألها بغيظ:
- هاجر، هو اللي بيجري في عروقك ده إيه ؟!
رفعت نظرها للأعلى مدعية التفكير:
- امممممم.. شربات يا عينيه.
التو فمه بسخرية:
- قولي فسيخ مش شربات، المهم أي حاجة غير الدم.
همت بالرد عليه، قاطعها دخول كرم وهو يجفف شعره ثم نظر إليها بابتسامة:
- صباحووو يا جوجو.
- صباحوو يا كوكو.
ثم أكملت بثقة قائلة:
- صحيح يا كوكو، هي مش دية أوضتك وأنا ينفع أدخلها.
عقد كرم حاجبيه بضيق، بينما ابتسم طاهر بشماتة وهو ينتظر الرد.
فقال كرم:
- إيه الكلام ده يا هاجر، انتي بتسألي دا الأوضة والبيت كله تحت أمرك.
طالع طاهر بصدمة وذهول وهو يزمجر:
- أه قول كده بقى، انت ليك معاها مصلحة والمصالح بتتصلح مش كده، فتبعينى أنا.
ثم استرسل:
- وانتي ما تطلعي عند خالك عاصم شوية، ليه نصحى من النوم نتصبح بيكي وننام على خلقتك.
برد:
- أجابته ببرود:
- أحبوش، لا هو ولا مراته.
وقف والده على أعتاب الغرفة قائلًا:
- صباح الخير، عاملين إيه ؟! معلش عايز طاهر شوية.
انصرف طاهر وهو يتمتم، بينما اقترب منها كرم يمد يده وهو يهمس:
- علبة السجاير.
لوت شفتيها وهى تجلس على حافة الفراش:
- سكتك خضرا يا كرم، قال علبة سجاير قال، أحمد ربنا إن مقولتش لخالي ومرات خالي، آه كمان بلاش عشمك فيا يقتلك لأني معرفهش.
سكت لأمتى:
- بييييياعة أوي يا هاجر.
لوحت بيدها قائلة:
- يلا يا بابا، هنرش ميه، اتكل على الله، بلاش غلّبهم، تفرّقنيش لسه اليوم طويل.
جز على أسنانه قائلًا:
- هاجر، انتي اللي يتعامل معاكي المفروض يخرج أعصابه عصب عصب، يطبطب عليه عشان يتكلم معاكي.
***
خيرر يا باباه.
هذه الجملة التي نطق بها طاهر.
تنهد والده بثقل قائلًا:
- أنا عايز أشوف بنت عمك، من ساعتها وهي شاغلة تفكيري.. وأكيد مش عايزها تعرف أن أنا والدك.
جلس طاهر بجوار والده قائلًا:
- تحب تيجي الشغل وتشوفها، أنا هبقى أعرفك بيها من بعيد، ولا أقولك مش انت مسافر السخنة صح، شغل صح، في فرح في السخنة تعال وشوفها.
ربت حسين فوق كتف ابنه قائلًا:
- الدم الدم يا بني، هيحن من غير ما تعرفني.
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة فتحي
لا نملك عصا سحرية لأرجاع الحياة للوراء،
لكن القلوب تعود بالإهتمام والحب
*****
فى يوم الحفل ذهب كنان بصحبة ضياء إلى الحفل
كان كنان يرتدى قميصًا ابيض يبرز عضلاته وبنطال
اسود وصفف شعره بعناية اضاف له جاذبية
وكان ضياء يرتدى حليته الرمادية، يبحث عنها
بانظاره بينما كنان كان يطالع المكان باعجاب قائلًا :
- شغلهم راقى اووى
وزع ضياء نظراته بالمكان وهتف بتهكم مغتاظ :
- عادى يعنى مش للدرجة
لكزه ضياء فى كتفه قائلًا :
- انت قاصد صح ؟!
قرص كنان مقدمة انفه قائلًا :
- عشان تبطل تسحلنى معاك وبعدين حاسس إنك جاى
اوى على طاهر، ده شخص محترم وذوق
- ايوه أنا مفترى عايز ايه ؟!
رفع كنان كتفه بعدم اكتراث واخيرًا بعد البحث عنها بعيناه وجدها تقف مع صديقتها او كما يظن فقادته خطواته إليها ومعه كنان ثم قال :
- كل سنة وانت طيبة
التفت له بفستانها الذى اختاره هو، كان بلون الزهرى
ذو الياقة مطرزه بالفراشات واكمام طويلة من قماش الشيفون وعلى
الصدر فراشات كثيرة وشعرها الطويل الذى
جعلته للخلف بصورة راقية وانيقة فكانت غاية
فى الجمال والكمال مع ابتسامتها الساحرة
فهمست :
- وانت طيب يا ضياء
ابتسم كنان قائلًا :
- كل سنة وانتى طيبة
اومأت له بايجاب ثم اشارت إلى والدتها قائلة :
- مامى
الدكتور كنان والدكتور ضياء
توسعت عينا ضياء وكنان وتبدلت ملامحهم بصدمة
والذهول فقال ضياء :
- صاحبتك اسمها مامى حلو الإسم وجديد
هزت رأسها بنفى بينما ابتسمت والدتها فاردفت
بيلا تصحح معلوماته :
- ضياء مامى .
مش اسمها دية مامى بجد
كنان بصوت هادئ :
- ربنا يبارك فيها بس اللى يشوفها يقول اصحاب
وميعرفش مين الكبيرة كمان
والدتها بابتسامة واسعة :
- ميرسى ليكم ولذوقكم، بس أنا عمرى ما بقول انها
بنتى على طول بقول بنت اختى عشان متكبرنيش
بيلا بابتسامة واسعة كشفت عن نغزتيها المُهلكتين قائلة :
- كده يا مامى
تابع ضياء بمشاكسة قائلًا :
- لا يا كنان احنا نقفل المركز ونرجع على دبى طالما
فى حد زى طنط بيهتم بجماله
أومأ كنان مؤكدًا على كلامه :
- اتفق بشدة
قطع حديثهم صوت والدها مناديًا ومعه الضيوف، فابتسمت له وهى تهز رأسها ثم قالت :
- ضياء خمسة هاشوف دادى وارجع، نورت يا دكتور
كنان
رفع ضياء نظره على باب الحديقة فطالع
كيان فلكز كنان قائلًا :
- ايه ده كيان جت اهى هى كمان
وقف كلا من كنان وضياء يطالعها كانت ترتدى فستانًا
بلون الأسود وعليه كنزه من الجينز وحجاب بلون الأحمر
كانت تخطو ببطء وكأنها طفلة تتعلم المشى نظراتها
وملامحها تقول انها تخشى الناس، تحرك كنان للذهاب
إليها وفجأة تخشبت قدماه وهو يرى طاهر يتقدم
منها وقف بجوارها واخرج هاتفه ومد يده بها للأعلى
يلتقط لهم صور وهى تبتسم له وترفع يديها
بعلامة النصر واخرى وهى ترسم العبوس اصبح
كنان يجلس على فوهة البركان، انطلق كالثور
الهائج ولكنه وجد شئ يعوق حركته فالتفت فكانت يد
ضياء :
- اهدى أيه مالك ده شخص محترم وذوق
اعطاه كنان نظرة تحمل فى طياتها الكثير والكثير
فرفع ضياء يده علامة الاستسلام وسار خلفه
بينما كنان إلتهم الخطوات الفاصلة بينهم حتى وقف امامها يرمقها شزرًا، هى كانت على علم بوجوده لكن نظراته غريبة جعلتها ترتبك، ابتسم طاهر :
- دكتور كنان اعرفك الشيف الجامد بتاعنا كيان
رمقها ثم رمقه وجميع مؤشرات جسده تنذر بشئ
واحد انه على حافة انفجار فقال :
- كيان
اسرعت وهى تقول :
- اتعرفت عليه فى الافتتاح فرصة سعيدة
يا دكتور كنان عن اذنكم
تجاوزته ورحلت بخطوات سريعة، اشعلت فتيل غضبه
بفعلتها الهوجاء فلماذا تتحاشى ذكر علاقتهم؟ حاول
التماسك بهدوءه ورزانته المعهودة ، بينما تحدث طاهر
بنبرة يغلب عليها الغيرة :
- اتعرفتوا على بعض ازاى بقى ؟!
اجابه ضياء باقتضاب :
- بيلا عرفتنا عليها
بينما كنان اشاح بوجهه للجهة الأخرى، انصرف طاهر
ووقف ضياء بجوار صديقه متساءلًا باستغراب:
- فى أيه ياكنان كنت هتقول أيه ؟!
*****
وقفت فى زواية بعيدًا عن الصخب وهى تتذكر
نظرات كنان وغضبه، هل كان سيعلن ما يربطها
به انها تكون زوجته، نظراته كانت تثبت ذلك، نظرات اسد تعدى على ممتلكاته ابتسمت
بتهكم على ما نسجه عقلها من احلام وردية لم تكن
تحلم بها يومًا
- أيه اللى جابك ؟!
تلك الجملة نطقها كنان من الخلف مما جعلها تنتفض
ثم تنفست الصعداء واجابته بنبرة جاهدت لرسم القوة بها :
- ماكنتش هاجى بس طاهر اصر اجى كمان عشان بيلا
غلت الدماء بعروقه ترى لأى مدى وصلت العلاقة
بينهم لكى ترفع الألقاب :
- طاهر !!!!
اطرقت رأسها بحزن فهى ظنته يستنكر أن تنطق اسمه
بدون القاب ثم رفعت عيناها بحزن قائلة :
- اكيد هو اللى اصر انا مش هاشيل الألقاب منى
لنفسى
توسعت عيناه بذهول مما وصل إليها من حديثه،
تلك الغبية، تبدو كطفلة صغيرة تحمل روح انثى
حزينة، اعينها تحمل البراءة والاغواء فى نفس
اللحظة هى طفرة بكل ما بها فريدة من نوعها سحب نفسًا
عميقًا كأنه لم يتنفس لأعوام قائلًا :
- سلمى على بيلا ويلا عشان نمشى
هزت رأسها وانصرفت فهى لم تعد قادرة على تحمل
طغيانه اكثر، بينما هو طالعها وهى تخطو بخطواتها
بعيدًا وايقن بداخله أن مشاعره لم تكن تعاطف او
عطف
****
على الجانب الاخر
- الفراشات هتاكل منك حتة
تلك الكلمات اردفها ضياء وهو يطالع بيلا
ابتسمت بخجل :
- ميرسى يا ضياء
بادلها الابتسامة بسعادة وعشق وهتف بنبرة مفعمة
بمشاعر :
- على فكرة النهارده ميحسبش
بكره انا هاحتفل بعيد ميلادك بطريقتى عشان اقدملك الهدية
كلماته تتهادى فوق اوتار قلبها الراضى بكل ما يقدمه
لها حتى انها تناست امر اعاقتها وعاشت معه الجنون
فقالت :
- طب ما الفستان كان هدية
هز رأسه بالنفى قائلًا :
- لا ده مالوش علاقة
مطت شفتيها باغراء بدون وعى قائلة :
- تمام
حك ضياء مؤخرة رأسه ثم همس :
- اموت واعرف بطعم ايه ؟!
اجابته ببراءة :
- هو ايه يا ضياء اللى بطعم ايه ؟!
قهقة عاليًا ثم قال :
- انواع الكنافة اللى هناك دية
هزت رأسها بتفهم قائلة :
- طب انا هاروح واشوف نطفى الشمع
ونفتح البوفيه
انصرفت من امامه فطرق كفًا بالأخرى :
- ده يوم افتتاح البوفيه مش هارحمهم
****
جلس ضياء وكنان على طاولة معًا ينظران امامهم
بنظرات ثاقبة حيث كانت تقف بيلا بصحبة كيان
لكن اشتعلت النيران داخلهم فجاءة عندما اقترب
منهم طاهر، جاهدوا فى الحفاظ على ثباتهم،
حتى مال ضياء على كنان قائلًا :
- سمج اوووى
مازال كنان على وضعه يضيق عيناه قائلًا :
- لا وبيلزق كده
همس ضياء بخفوت :
- تحس أنه عايز علقة كده
قطب كنان حاجبيه ثم اردف وهو يحك ذقنه :
- مش هيأكل معاه شايف عضلاته شبه الباب
الواد ده عايز يتاخد على سطوح الواد حمادة
ابتسم ضياء ثم اردف بشر :
- او نعملوا عملية تحويل مسار ونرتاح منه
- تحويل مسار ليه مالنا ومال معدته احنا
هز ضياء رأسه بالنفى وهو يغمز له مردفًا :
- يا جدع تحويل مسار من طاهر لطاهرة
تاء مربوطة يعنى وصلت
طالعه كنان بصدمة قائلًا :
- عنيف اوى انت يا ضياء متوصلش لكده
ثم استدار وجد بيلا قد رحلت وطاهر يمد يده لكيان
بوردة حمراء جز على اسنانه ثم نهض واقفًا :
- حضر اوضة العمليات يا ضياء
قهقة ضياء قائلًا :
- طب استنى نفتح المركز مش كان حد ذوق طاااه
****
التف الجميع حول الطاولة التى عليها كعكة عيد الميلاد
وبدأوا بالاغانى وانطفأت الأنوار فوقف كنان خلفها يهمس فى اذنها :
- اسبقينى على العربية بره دلوقتى حالًا
انتفضت من صوته ومن قربه بهذه الطريقة ثم قالت بنبرة خافته بعناد::
- نعم!!!
بنبرة حازمة لا تقبل النقاش قال :
- من غير كلام كتير يلا على بره
*****
بعد مرور عدة دقائق كانت تقف امام السيارة، تطالع
الباب وجدته يقطع الطريق ثم فتح باب السيارة دون
أن ينظر إليها واستقل هو السيارة خلف عجلة القيادة
حدق بها بصمت ثم حرك محرك السيارة وانطلق
استدار لها متساءلًا :
- أنا شايف علاقتك مع طاهر مرتاحة اوى
تمتمت بصوت خافت وهى تحاول ان تكون طبيعية فاجابته متساءلة :
- مش فاهمة تقصد أيه ؟!
لكن هى فى حدود الشغل
اجابها فى امتعاض :
-كل ده وفى حدود الشغل
ساد الصمت بينهم للحظات حتى وجدته يسير فى طريق غير طريق المنزل فهتفت :
- ده مش طريقنا رايح على فين ؟!
تجاهلها حتى توقف فجأة بسيارة وصفها جانبًا قائلًا :
- انزلى
ترجلت من السيارة وهى تنظر امامها فهو صف
امام احدى محلات الحلويات الشهيرة فى وسط
البلد فرمقته فى استغراب فابتسم قائلًا :
- أيه رأيك نأكل ايس كريم ونتمشى
التمعت عيناها بالفرحة ثم هتفت فى حماس :
- ياريت انا بحبه أوى
وقف امام عربة الايس كريم يختاروا الأنواع مد يده
لها بعلبة الايس كريم اخذتها بسعادة ثم تناول هو علبته
وسار بجانبها فبرغم من هدوء الليل إلا أنها
كانت تجد ضجيج داخل قلبها يجعلها تشعر بالفوضى
بداخلها، وقعت عيناها على بائع بالونات الهليوم
كانت تطير عاليًا بسبب الهواء الطلق
فلاحظ هو ابتسامتها الخفية للبلونات فالأكيد
أنها حرمت من أبسط الاشياء فى طفولتها فجأة
قطع بها الطريق يقف امام الرجل وهو يسألها :
- تاخدى أى واحدة
اشارت إلى صدرها وهى لا تعلم تبكى ام تفرح
ارتجف فكها وهى تهز رأسها والدموع تتلألأ بعيناها
فهم هو حرب المشاعر التى بداخلها فسأل الرجل :
- كلهم بكام
ابتسم الرجل بسعادة بالغة فسوف ينتهى من بيع
البلونات ويعود إلى منزله
فاجابه مسرعًا فهز كنان رأسه وهو يعطيه النقود ثم تناول
البلونات يعطيها لها حاولت كتم شهقاتها قائلة :
- كانت كفاية واحدة بس
ابتسم وهو يقول :
- كفاية الفرحة دية ..
بعدين خلى الراجل يروح
تابع سيرهم وهى عيناها معلقة بالبلونات مثل الفراشة
الحايمة على النور وبعد سيرهم مسافة لا بأس بها
كانوا يقفوا امام كورنيش النيل ثم جلسوا وهم
يطالعوا النيل فى صمت ثم نظرت له بامتنان :
- شكرًا على الحاجات دية
هى ليست ملكة جمال لكنها تحمل روحًا تجعلها أجمل
نساء العالم بأكمله بل هى اجمل نساء العالم فى نظره
تنهد قائلًا :
- المهم عندى إنك اتبسطى
رفعت بصرها للبلونات ببسمة راضية وسعيدة تزين
ثغرها، تشعر بان غرفة من قلبها فتحت ليتسلل
بداخلها شعاع النور، أما هو بداخله رغبة ملحة فى ضمها
لجعلها ضلعًا رفيقًا لروحه فجأة بدأت فى الحديث وهى تنظر امامها بحزن :
- تفتكر لو كان شافنى وضمنى لصدره اول ما اتولدت
كان حس إنى بنته، يمكن كنت صعبت عليه
عارف لما بشوف بوست على الفيس عن حنان
الأب وهو السند غصب عنى دموعى بتنزل مش
بحقد ابدًا بس كان نفسى اجرب الشعور ده
لما كنت بشوف البنات يوم الامتحان وباباهم
واقف يدعمهم ويقويهم كنت على طول اسال
نفسى ياترى شعورهم أيه ؟!
يعنى مبسوطه؟!
اصعب شئ لما يبقى مصدر الأمان هو مصدر وجعك
طب عارف ساعات اركب الميكروباص وممكن يركب
راجل كبير فى السن افضل ابص ليه واقول يا ترى انت ابويا
حاولت أن تتمالك نفسها لكن دموعها انهمرت على وجنتها
شعر بسهام تخترق مضغته ( قلبه) من حديثها ثم مد يده يمسح دموعها من على وجنتها مثبت بصره على عيناها
قائلًا :
- انتى تعرفى أن عينكى فيها سحر ..
الحزن اللى
فيها بيسحر، رغم أن الحزن بيطفى بس انتى
لسه فيها لمعة الأطفال، فيها نور اى حد يشوفه
يمشى ورا، عينين لايق عليها الفرح يا كيان انسى
انتى تستاهلى حياة احسن
قلبها ينبض بعنف كأنه فى حلبة مصارعة، طائرة
باجنحة الهيام الجارف لكن عقلها يذكرها بالنهاية
المأساوية، ارجعت رأسها للخلف بارتباك، فوضع
يده فوق يدها فانتفضت تنزع يديها منه فطارت
البلونات فاندفعت خلفها وغشاوة من الدموع
غطت عيناها فانصدمت بشخص لف يدها حول
خصرها مسحت دموعها سريعًا قبل ان تشعر
بيد تقبض على معصمها وتسحبها خلفه
فابتسم ذلك الشخص بتهكم :
- فى أيه بس ما الناس لبعضيها وكفاية كده واتكل
على الله أنت
تشبثت بقميصه من الخلف وهى ترتجف قائلة :
- كنان يلا بينا لو سمحت انا خايفة
حرك ابهامه على شفته السفلى قائلًا برغبة:
- هى القطة مالها ؟!
مش عاجبها ولا أيه ؟!
في ثوانى كان يلكمة فى صدغه فوقع ارضًا وانقض
عليه كنان بلكمة حتى اصبحت الدماء تسيل من
انفه
فجاءة صدحت سيارة الشرطة ونزل الضابط قائلًا :
- هاتلى الناس دية على البوكس نشوف حكايتهم
ايه ؟!
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة فتحي
نظرة بائسة كست عيناه نحوها، كأنها كُتب عليها الشقاء والقهر. لم يتخيل أبدًا أن اليوم سينتهي هكذا.
رمق ذلك الرجل الذي يجلس أمامه بنظرات مشمئزة مزعوجة، ثم أعاد نظره إليها ثانية. مال عليها ليطمئنها ببعض الكلمات حتى قاطعه دخول ضياء.
وما أن وقع نظره على كيان وكنان معًا قال:
"آداب تاني يا كنان يا بني؟ أيه اللي جرالك؟"
قاطعه الضابط بحدة:
"انت يا بني آدم انت ناسى نفسك فين؟ وإيه آداب اللي بتتكلم عليها؟"
التفت لكنان وهو يهمس:
"مش آداب؟"
صر كنان أسنانه وهو بداخله يمطره بوابل من الشتائم.
فابتسم ضياء للضابط قائلًا:
"هي في كلية آداب وكل مرة يضيع عليها الامتحان."
لم يقتنع الضابط بحديثه:
"اقف هنا على جنب لحد ما نشوف حكايتكم."
توسعت عين ضياء:
"لا أنا مش معاهم، أنا دكتور وكنت جايب المحامي عشان نخلص."
ابتسم الضابط بتهكم قائلًا:
"لا هتقف كده على جنب ووسع من وشي أحسن هتبات هنا كلكم."
***
خارج قسم الشرطة، حيث بدأت أشعة الشمس أن تتسلل، معلنة عن يوم جديد ربما يحمل الأمل للبعض.
كان كنان على وشك نعت ضياء بلفظ خارج، إلا أنه راعى وجودها. ثم حدثه بحدة:
"البعيد مش بيميز، داخل تقول آداب؟ انت داخل تأكد على حبسنا جوا؟"
تلوى فمه ثم حك ذقنه وهو يطالع كيان بنظرات ذات مغزى قائلًا:
"ألاه هو انت شلفطت الراجل اللي جوا ليه ها؟"
أجابه كنان باقتضاب:
"انت هتروحنا لحد البيت ومسمعش صوتك."
رد عليه بسخرية قائلًا:
"كان على عيني والله، بس عندي مشوار الصبح بدري، فاطلب أوبر، أنا مش السواق الخصوصي بتاعك."
انصرف ضياء دون أن يسمع رده. فاندمجت عيناها بعيناه. فابتسم لها يطمئنها. وأخرج هاتفه وبدأ في الضغط على الشاشة مرات عدة. دقائق وكانت تقف أمامهم السيارة.
***
ولجت للداخل بإرهاق ممزوج بالحزن، تحاول السيطرة على ارتجاف قدميها ويديها. لحظات بسيطة من السعادة سرقتها من الحياة غير العادلة، لكنها لم تكتمل.
تهربت بمقلتيها بعيدًا عنه، تشعر بخنجر قاسٍ في فؤادها. لم تشعر بتلك الدموع التي غزت مقلتيها. رفعت يديها سريعًا تمسحها. حاولت أن تستعيد ثباتها المبعثر.
رأى عبرات عينيها التي تغزو مقلتيها، يشعر بما تشعر به، بداخله شفقة وحزن وألم عليها. وقف أمامها بابتسامة قائلًا:
"بقينا رد سجون؟"
طأطأت رأسها بألم قائلة:
"أنا آسفة."
ضحك وهو يحك ذقنه النامية قائلًا:
"لا بس حلو جو الأكشن والمغامرة."
توسعت عيناها بصدمة قائلة:
"إيه ده؟ إيدك اتجرحت؟ اقعد اقعد، هاجيب علبة الإسعافات."
يجلس على الأريكة بينما هي تضع كفها تحت كفه، وبالآخر تقطب جرحه. كانت قريبة منه جدًا حتى أن عبقها يتسلل داخل خلاياه. فرائحته كانت عنبر. كان يحاول كبح جماح نفسه أن يفك حجابها ويحتجزها بين ذراعيه ويده تتحرك بحرية داخل خصلات شعرها. خرجت آنة خافتة منه عما يجوب صدره.
رفعت بصرها سريعًا قائلة:
"أنا خلصت خلاص أهو، معلش وجعتك."
ارتسم الوجع قائلًا:
"شوية."
"هاروح أنام شوية عشان أنزل على الشغل."
نظر بطرف عيناه ثم تنهد يتمتم:
"طب مش هناكل؟ أنا جعان أوي."
قطبت ما بين حاجبيها تطالعه باستنكار، فهو دائمًا يتناول الفطور وحده:
"طب افطر."
رفع يده المصابة مدعيًا الألم قائلًا:
"طب كده إزاي؟"
"هعملك سندوتش والقهوة."
هز رأسه بالنفى قائلًا:
"لا لا، مش هيسد معايا خالص، جعان أوي."
تلوى فمها بسخرية قائلة:
"مش المفروض إنك في جزرين؟"
"كنت..."
تنهدت وتوجهت للمطبخ ترتدي مريلة المطبخ. بينما هو انصرف من أمامها. وكعادتها انفصلت عن العالم الخارجي بمجرد أن تبدأ في الطهي.
مرت عدة دقائق وكان يقف أمامها يرتدي تي شيرت أسود ويضع المنشفة حول عنقه وبعض قطرات الماء تنهمر على وجهه من شعره المبلل. ابتلعت بصعوبة من هيئته هكذا. تحرك يقف بجانبها متسائلًا:
"خلصتي ولا لسة؟"
أجابته بتشتت:
"هااااا."
ابتسم بانتصار عندما طالع تأثيره عليها وقرر مشاكساتها. لكن قاطعه رنين هاتفها. فطالعته ثم تجاهلت الرد.
رمق الهاتف ثم رمقها رافعًا حاجبه:
"ما تردي وتشوفي مين؟"
"خلاص بطل رن."
صدح رنين الهاتف مرة ثانية فتنهدت تلتقط الهاتف وتضغط على زر الإجابة:
"ألو.. صباح الخير."
"لأ بس حسيت نفسي تعبانة شوية فروحت."
"لأ مش حاجة كبيرة، قلة نوم."
كل هذا تحت نظرات كنان القاتلة وقد برزت عروق رقبته من شدة الغضب، بينما هي تكمل:
"نعم.. لأ صعب مش هينفع. لأ مش هينفع. مش فكرة أهلي ولا امتحانات صعبة. حاول أفكر بس هو صعب... تمام، مع السلامة."
أنهت المكالمة وبدأت في سكب الطعام في الصحون. هذه الحركة من التجاهل أثارت جنونه فسألها بحدة:
"كان عايز إيه؟"
رفعت كتفها بعدم اكتراث قائلة:
"كان بيشوفني مشيت امبارح فجأة ليه؟"
رفعت عيناها وجدته ينتظر تفاصيل أكثر:
"فرح بنت خالة بيلا في السخنة، هيسافروا يومين هناك آخر الأسبوع. وبما إني الشيف عايزينى أسافر هناك بس أنا رفضت لأن أساسًا الفندق هيجهز كل شئ بس هو عايزني مشرف."
تلألأت فكرة في رأسه فابتسم وقد تبدلت ملامحه قائلًا:
"طب دي فكرة حلوة، هتكوني خلصتي امتحان، روحي غيري جو."
جهزت رأسها بالنفى:
"لا مش بحب السفر، مش هاروح."
حك مؤخرة رأسه قائلًا:
"لا هتسافري.. بس معايا. أكيد ضياء هيزن إني أروح معاه، فنسافر مع بعض، وافقي بس قوليلهم هاتروحي وترجعي لوحدك."
***
بعد الظهيرة.
في شارع المعز بالقاهرة، يُعد أكبر متحف للآثار الإسلامية بين العهد الفاطمي والمملوكي. شارع أثري به عبق التاريخ ومنشآت أثرية رائعة.
كانت بيلا بصحبة ضياء، يسيطر عليها الانبهار. تلألأت عيناها بسعادة، فهي لم تأت لزيارة ذلك الشارع من قبل. لكنها علمت خطأها. بينما ضياء كان يحمل كاميرا يلتقط لها صورًا كثيرة.
وقفت أمام محلات المهن التقليدية تشترى تذكار من هذا المكان. بزغت عيناها عندما وصلت أمام دكانًا بداخله الأزياء التقليدية، العباءات، الملاءات اللف، والبراقع بمختلف ألوانها، مطعمة بأزرار ذهبية.
وقفت ترتدي هذه الملابس فوق ثيابها وضياء يلتقط لها صور عديدة. انقضى النهار حتى جاء وقت الغروب. جلسوا على مقهى ذو طابع قديم يأخذون استراحة وكوب قهوة يسمعون أغاني أم كلثوم. فقالت:
"أنا مبسوطة جدًا ولا عمري تخيلت إني أتبسط كده يا ضياء، بجد ميرسي على اليوم الجميل ده."
ابتسم بلطف متمتمًا:
"المهم تكوني اتبسطي. كل سنة وانتي طيبة."
قطبت ما بين حاجبيها قائلة:
"بردو انت عايش في دبي إزاي عارف كل حاجة هنا؟"
طالعها بابتسامة جذابة قائلًا:
"شوفي يا ستي، والد كنان مستثمر كبير في مصر، حوار مشاركات وكده، فكان بينزل في إجازة الصيف يشوف شغله، وكنا أنا وكنان بننزل معاه، هو يشتغل واحنا نلف الدنيا هنا."
هزت رأسها بتفهم. دقائق وكانت تستقل السيارة بجواره في طريقهم للعودة للبيت. شردت في إعاقاتها التي تخفيها عنه. ثبتت نظرها عليه، ضياء بوسامته ومكانته الاجتماعية وأسلوبه الأنيق الذي يحرص دائمًا أن يعاملها به كأنها ماسة يخشى عليها من الخدش، فهو حلمًا بعيدًا بالنسبة إليها. تنهدت بثقل تتابع الطريق أمامها حتى وصلوا أمام منزلها، فصف سيارته.
فابتسمت له بامتنان قائلة:
"شكرًا على اليوم الجميل ده."
"شكرًا ليكي انتي إنك تكرمتي عليا بيه، في مفاجأة مستنياكي جوه."
توسعت عيناها بذهول وترجلت من السيارة تتجه للداخل مسرعة.
***
طلت بزرقاوتيها، تخشبت قدماها. كانت في حالة انبهار. أمامها حوضًا من السمك به جميع أنواع سمك الزينة وبجواره أرجوحة تتدلى حبالها من جذع شجرة متين ملفوفة بالورد وتنتهي بلوح خشبي مسطح، تشبه أرجوحة الأميرات.
سيطرت الصدمة على ملامحها. دمعت عيناها. ثم سمعت خطوات من خلفها فالتفت، وجدته يقف خلفها يضع يده في جيب بنطاله. همست:
"انت اللي عملت كده يا ضياء؟"
مال برأسه قليلًا ثم سألها مستفسرًا:
"إيه وحش؟"
هزت رأسها يمينًا ويسارًا قائلة:
"لأ طبعًا، بس منين عرفت إني بحب أسماك الزينة، كمان المرجيحة تخطف القلب.. ضياء اللي عملتو واده كتير."
نظر لها بطرف عيناه مردفًا:
"ده اسمه فطنة، مش أي حد أنا. أما المرجيحة فده لأني بشوفك أميرة ولازمك المرجيحة دي طبعًا."
وقفت وهى تنظر أمامها وداخلها صراع. تشعر بذلك العشق الذي يسوق القلب دون تريث، لكن العقل ينهرها بقوة. أما قلبها يترجاها أن تتركه يعيش هذه المشاعر ويظل عقلها يقول أنه حلمًا، أما الواقع فليس لها.
بابتسامة زائفة:
"ده من أسعد أيام حياتي، ميرسي جدًا يا ضياء."
***
في المساء.
في أحد المطاعم الفاخرة جلس كلاهما، ضياء وكنان. بينما اردف ضياء بملل:
"في إيه يا كنان مش فاهمك، عازمني هنا ليه؟ أنا كنت محتاج أروح أنام."
نظر له وأفكاره تتقاذفه يمينًا ويسارًا كيف يجعله هو من يتناجاه. تابع بثقة:
"حبيت نغير جو مع بعض وكمان عرفت إن بيلا فرح بنت خالتها آخر الأسبوع."
ابتسم وهو يقول:
"آه في السخنة وهما يومين. وعلى فكرة أنا هاروح."
وصل إلى مراده. ابتسم داخله بخبث ثم قال بحدة طفيفة:
"وحضرتك ناوي تسحلني معاك طبعًا؟"
أجابه ضياء مسرعًا:
"لأ."
رفع كنان شفتاه مستنكرًا:
"إيه هو اللي لأ ده؟"
سأله ضياء متعجبًا قائلًا:
"مالك يا بني في إيه؟ هاروح أنا وانت خليك هنا عشان الشغل."
صاح كنان بانفعال قائلًا:
"يعني انت تسافر وتهيص وأنا اتسحل هنا؟"
توسعت عين ضياء بذهول قائلًا:
"انت بتعلي صوتك ليه؟ انت عايز إيه مش فاهم؟"
تنهد ليردف بكبرياء:
"أروح معاك."
قهقه ضياء على أفعال صديقه الطفولية قائلًا:
"قلب أمك."
تلوى ثغر كنان بتهكم. بينما اردف ضياء بجدية:
"لو الموضوع زي ما أنا فاهم أنا شايف أنه صعب يا كنان. أهلك مش هيوافقوا وكمان هيبقى الموضوع حمل عليك، غير إنها فعلًا ظروفها مش مناسبة ليك. و..."
وبرزت عروق رقبته وارتسم الغضب على ملامحه:
"متكملش يا ضياء عشان اللي بينا... الموضوع ده ميخصش حد غيري أنا. وأنا مش عيل صغير."
فرك ضياء وجهه بكفه:
"أنا عايزك تفهم، موضوع بيتها اللي تهد، وأبوك اللي طرف فيه، هي شخصيًا، مامتك استحالة تقبل بيها. كمان خطيبتك..."
كهب واقفًا يلملم أشياءه قائلًا:
"أنا مش خاطب حد. وكل اللي بتقولوا ده، هقعد معاها ونتكلم فيه. يلا سلام."
***
كان طاهر ممددًا على فراشه ويده خلف ظهره يطالع الصور التي التقطها لهم بنظرة عاشق يبتسم لأبتسامتها ويتذكر مشاكستها في المطبخ قبل الحفل. شرد بخياله بزوجته ابنة عمه وهو يقف خلفها في المطبخ يهمس في أذنيها بكلمات الغزل بينما هي تبادله باستحياء.
فجأة انتزع منه كرم الهاتف يطالع صورتها وهو يطلق صفيرًا:
"مين المزة؟"
انتشل منه الهاتف وهو يهتف بعصبية قائلًا:
"إيه قلة الأدب بتاعتك دي؟ داخل من غير ما تخبط وكمان تخطف الفون وتقول مزة!!!! ما تحاسب على كلامك."
رتمى كرم بجسده على الفراش وهو يضيق عيناه:
"تؤ تؤ، الحمقة دي يبقى الموضوع بجد وكده انت محتاج نصيحتي."
طالع طاهر بابتسامة ثم هز رأسه سريعًا قائلًا:
"في دي عندك حق، أنا عايز نصيحة زير نساء زيك."
"مفيش حاجة ببلاش."
"عايز إيه يعني؟"
أخرج كرم علبة السجائر بتكاسل من جيبه وأشعل واحدة ثم قال:
"هشرب السيجارة ولا كأنك شوفت حاجة."
توسعت عين طاهر بفزع قائلًا:
"يانهار أسود، انت بتشرب سجاير؟"
أطلق دخان سيجارته في الهواء الطلق مردفًا:
"مش وقت اندهاش، لأن لو أمك عرفت هولع فيك."
"يا شيخ منك لله."
قال طاهر جملته وهو يراقب والدته من فتحة الباب شبه المغلق. ثم ترك مكانه وتوجه يفتح شباك الشرفة.
اقترب كرم من أن ينهي سيجارته ثم أطفأها وألقى بجسده على الفراش قائلًا:
"تعالى يا بييييه، بتحب ومقضيها صور، عايش دور عبد الحليم."
تأفف طاهر ثم تابع:
"المشكلة إننا لسه عارفين بعض بص، أصلًا الموضوع ده معقد."
"لا نفكه وندخلها من ثغرتها، هي بتدرس، ولا خلصت، ولا إيه نظامها، ولا بتشتغل إيه؟"
هز طاهر رأسه قائلًا:
"هي في آداب قسم تاريخ وبتحب المطبخ أوي، شيف يعني."
ساد الصمت للحظات ثم ابتسم طاهر بفخر قائلًا:
"عرفت ثغرتها، مش بتحب التاريخ. أنا هقولها أوعي تذاكري تاريخ بغير عليكِ من عين جالوت.. وكل ما تعمل أكل أقولها يا تكاتوا يا حركات."
وعض كرم شفته السفلى بغيظ:
"مينا موحد القطرين فخور بيك وبهبلك صدقني. بالنسبة للتكات والحركات إن شاء الله النار تولع فيك. يا جدع خربيتك ضيعت هيبة التاريخ."
أجابه بامتعاض:
"أيوه، عندك ثغرة أدخل منها ولا تنمر وبس."
ضحك كرم بتهكم وهو يضرب أخيه بالوسادة:
"آه ابقى ادخلها من عين شمس. ويلا اقوم مش ناقصة هبل على المسا."
***
يوم السفر.
تستقل بجواره السيارة. لا تعلم كيف انساقَت لأوامره. كيف هدمت ذلك الحاجز الذي تضعه بينها وبين الناس. لقد تحولت تحت تأثير ذلك الرجل كالكفيفة تسير على خطاه. تنهدت تنفض هذه الأفكار عنها. ستستمتع بهذه الأيام ثم يكون ما يكون.
تذمرت وهى تسمع هذه الموسيقى الهادئة. حاولت أن تتأقلم معها أو حتى تدندن على أنغامه. بحركة تلقائية مدت يديها تغلق الراديو.
أما هو نظر لها بطرف عيناه باستنكار:
"قفّلتي ليه؟"
تلوى فمها ساخرة:
"وربنا حاولت بس مش قادرة. الموسيقى دي عصبتني. هو إحنا في الأوبر؟"
زجرها بنظرة استنكار ثم نظر أمامه يتابع القيادة بحاجب مرفوع وفم ملتوٍ قائلًا:
"بقى الموسيقى دي تعصب؟"
بحثت في حقيبتها عن شيء ما وهو يتابعها بنظراته. ثم أخرجت فلاشة تمد يديها بها:
"فلاشية بس إيه آخر روقان."
انزعجت ملامحه متسائلًا:
"اسمها فلاشية؟ يخربيت اللغة، انتي بتشتميني الإنجليزي على فكرة."
مدت يديها تضع الفلاشة وتشغل الأغاني. وما أن صدح حتى هزت رأسها قائلة:
"اهو كده جو الرحلات مش جو الجنازات العسكرية."
قطب كنان حاجبيه بدهشة ثم صرخ بها بنبرة هادرة:
"مهرجانات.. بتشغلي مهرجانات.. اقفلي اللي شغلتيه ده."
تأففت بضيق وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة:
"اه مهرجانات، مش أحسن ما انت بتنام كده وهنعمل حادثة... مش عاجبك اروح أركب في باص شغل ونهيص."
أجابها معنفًا بحدة قائلًا:
"نعم؟ إيه تهيصي دي؟ كيان اسكتي متقفلنيش من اليوم."
بعد مرور ساعة كانا يغنيان معًا على أغاني هادئة وهو يطرق بيده على المقود. كانوا في حالة انسجام معًا. بينما هو كان يتابع تعبير وجهها بابتسامة راضية.
فجأة توقفت عن الغناء وحركاتها البلهاء وهى ترى نظراته لها. فصمتت تنظر أمامها. بينما شعر باستحيائها. كل حركة منها تجذبه. يجد جمال الحياة وعالم جديد لم يختبره من قبل في جمال عيناها.
***
"أما نشوف آخر التحكمات."
هذه الجملة قالها ضياء وهو يتكئ على سيارته أمام أحد الفنادق في السخنة. بينما رمقه كنان بنظرة استخفاف قائلًا:
"مش وصلتها وقمت بدور سوبر مان؟ إيه هتنزل معاهم في الفندق ليه؟ خالة العروسة مثلًا؟ يالا يالا افهم يلا، ده أنا بعززك، افهملك."
ركل ضياء في كتفه قائلًا:
"قدامي، أما نشوف إيه الحوار، مش مرتحلك."
وقف كنان ومعه ضياء وكيان أمام عاملة الاستقبال ذات الشعر المصبوغ بالأحمر ووجهها يحتوي على كمية كبيرة من مستحضرات التجميل. فهمس ضياء لكنان:
"لأ أحمر ويحير."
غمز له كنان وهو يهمس له:
"أحمر على أبوه يا بطيخ."
عضت كيان شفتيها قائلة:
"انت بتقولوا إيه؟"
قهقه ضياء وهو يطالعها:
"كيان سوري، نسينا إنك معانا."
ثم نظر لكنان وأكمل:
"شكلنا هنتعب على ما نتظبط."
حمحم كنان وهو يسأل الموظفة على حجز الغرف. طالعته بدلال قائلة:
"أيوه يا فندم، في غرفتين باسم كنان."
هز رأسه متفهمًا ثم نظر لكيان مدعيًا الضيق قائلًا:
"دلوقتي يا كيان أنا حاجز أوضتين ليا وليكي بس للأسف ضياء مش لاقي حجز."
حك ضياء ذقنه وهو يطالعه بدهشة قائلًا:
"يابن **** لأ شابوو، سالكة يابااااده، فندق أبوك يا جاحد أصلًا."
قاطعته هي باستغراب:
"طب عادي فيها إيه؟ انت وهو أوضة، دول يومين."
لم يعلق ضياء على حديثها. بينما اكتفى بنظرة بطرف عيناه. لكنان الذي تحدث بدوره:
"استحالة، أنا وضياء مع بعض، ده بيشخر وبيهلوس طول الليل، لا النوم معاه مش مريح صعب."
أطلق ضياء ضحكات متتالية قائلًا:
"بيييياع أوي بيييياع."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"أنا ممكن أروح ليا غرفة تبع الشركة في الفندق معاهم، وانت أوضة وضياء أوضة، كده اتحلت."
برزت عروق كنان قائلًا بضيق:
"أفندم!!!!"
ربت ضياء على كتفه قائلًا بخبث وهو يميل على أذنه:
"بالراحة على نفسك، انت صغير على الذبحة."
وهى بتضرب ولا تبالي. نفض كنان يد ضياء قائلًا بنبرة حازمة:
"امسك ضياء مفتاح أوضتك واتفضل. وانتِ جاية معايا من البيت يعني هتفضلي معايا لحد ما نسافر، وصلت يلا بقى عشان وقفتنا طولت."
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة فتحي
فرك وجهه بضيق وهو يطالع تلك المرابطة في الزاوية.
وكلما اقترب منها خطوة كادت أن تذوب داخل الحائط.
تأفف من خوفها غير المبرر قائلًا:
- ممكن أفهم إنتِ خايفة كده ليه؟!
أنا عايشة معاك من شهرين، حصل مني حاجة تستدعي الخوف ده.
أوعي تفتكري إن باب الأوضة كان ممكن يمنعني عن حاجة.
هزت رأسها بنفي قائلة بحزن:
- ده شيء بيبقى جوايا، بس أنا مش خايفة.
يود أن يسحبها بين أحضانه، لكنه سينتظر حتى تعتاد عليه حتى لا يخيفها.
عزم أمره، أول شيء سيفعله عند العودة للقاهرة هو إخبار أهله بكل شيء.
قاطعته هي قائلة:
- طب أنا لازم أروح دلوقتي أشوف الاستعدادات، لأن طاهر كان مصمم أروح معاه، بس قولتلوا إني هكون هناك من أول اليوم.
ضم قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله وقست نظراته:
- أيوه يعني إيه مصمم حضرته دي؟
أجابته بحزم لتنهي النقاش قائلة:
- يعني ده شغلي وأنا ملزومة بيه، وبالنسبة ليا أنا فرصة ما أقدرش أضيعها.
عن إذنك.
طالعها بنظرات تحمل في طياتها وعد بالأمان، وعد أن لا تحمل عبئًا للظروف أو الضمائر.
أجابته بنظراتها الممزوجة بالحيرة والتوتر والخوف.
قطع الصمت قائلاً:
- كده كده أنا وضياء رايحين ناخدك معانا.
- بلاش كده أحسن.
أجابته بنبرة يكسوها الحزن.
انصرفت، بينما هو مازال على وضعه بداخله يتألم لأجلها.
***
- بس كده، هو ده اللي جيت عشانه؟
قالت كيان جملتها باستغراب.
هو يعلم أن وجودها ليس له أهمية بالنسبة لحفل الزفاف، فطهي الطعام وإشرافه يخص الفندق، الحجز شامل كل شيء.
لكن وجودها سيفرق معه.
هو تنهد قائلًا:
- المهم إنك تقولي المنيو، كده كويس ولا لأ؟
وبعدين يا كيان، إحنا تيم، ويا ستي طالما الأكل تمام، ساعديني.
أنا مش شايفاني مسحول.
ابتسمت بترحيب مردفة:
- أوك تمام أوي، قولي أقدر أساعد إزاي.
ظل يتأملها بإعجاب ثم قال:
- المفروض إني أقولك نشرف على تصميم الورود، بس أنا مش شايف وردة غير.
ارتبكت وهي تحاول تضبط وضع حاجبها ثم قالت:
- طب تمام، هروح أشوفه.
كل هذا تحت نظرات كنان الذي وصل للتو بصحبة ضياء.
ثم بدأت جلسة التصوير للعروسين على الشاطئ.
انضم إليهم ضياء ومعه هاتفه، وبدأ في التقاط صور لبيلا.
بينما هي كانت تطالع الجميع بنظرات متألمة.
اعتصر فؤاده عليها.
فوق كل هذا، هو مطلوب الابتعاد عنها كأنها لا تعنيه.
رسى يخت كبير على الشاطئ أمامه وصعدت العروسة وأصدقائها، وكان معهم ضياء، فهو لا يفارق بيلا، أصبح كطيفها.
أما هي فمازالت على أعتاب الشاطئ.
فجأة اقترب منها طاهر بخفة يقذفها بالماء.
ابتسمت وهي تخبأ وجهها منه.
بدأت محركات اليخت تعمل، وقبل أن تنطلق، سحبها معه على اليخت.
انتفض كنان في جلسته، حاول اللحاق بهم، لكن كان اليخت انطلق يشق المياه.
وقف كأسد جريح تم حبسه بالقفص.
لتوبعد مرور ساعتين، كان اليخت يقف على الشاطئ والجميع يهبطوا بسعادة.
ساعتين مروا عليه سنين.
اقترب منه ضياء سريعًا وهو يعلم بما يمر به صديقه:
- كنااان، اهدى، محصلش أي حاجة، أنا كانت عيني عليه.
تمتم كنان بقسوة:
- ابن *****، مش عارف لازق فيها ليه.
أقسم بالله أطلع بروحه قبل أن يرد.
اقتربت بيلا بابتسامة لطيفة قائلة:
- نورت يا دكتور، مبسوطة أوي إنكم جيتوا، يارب اليوم يعجبكم.
ارتسمت ابتسامة شاحبة.
وحده الله يعلم كيف يحاول مالك أعصابه:
- مبروك.. أكيد عجبنا.
ابتسمت ثم انصرفت تلحق بصديقاتها.
وهو عينه مثبتة على تلك التي تجلس في الخلف بمفردها شاحبة.
قرر ضياء مشاكسته قائلًا:
- نقتله ونخلص.
رفع حاجبه بشر قائلًا:
- السكينة تكون حامية.
ماتخليش حد يشوف وأنت بتقتله عشان حرام.
متفصلش راسه عن جسمه غير لما يطلع الروح.
ضيق ضياء عيناه متسائلًا:
- مش دية طريقة دبح ال...
قاطعه كنان بحزم قائلًا:
- ميفرقش عنهم.
- اشطا، انطلق أنا.
بعد أن ابتعد ضياء بمسافة، ناداه كنان قائلًا:
- بقولك، مش عايز دم كتير.
ثم رمق مكانها، وجده خالياً.
بحث عنها بنظره، وجدها تغادر.
تنهد بحدة وتحولت ملامحه بغضب وقسوة وهو يسير خلفها ليرى ما الذي يبرر لها فعلتها.
***
عاد لغرفتهم بعد أن انتظر ضياء، وجدها تجلس على الأريكة تطالع هاتفها.
ما أن انتبهت حتى نهضت واقفة بارتباك.
فعلتها هذه أشعلت فتيل غضبه، فقبض على معصمها قائلًا:
- أااايه؟
هي الهانم مالها؟
ما كانت زي الفل وبيترشميه عليها على شاطئ الغرام، وكمان بيسحبها معاه على اليخت.
مالك بقى وش الخوف ده أيه؟
بقرون؟
أنا فقدت قدرتي على النطق فقط.
تهز رأسها بالنفي وقطرات دموعها تغرق وجنتيها.
حاول النطق ببعض الكلمات غير المفهومة:
- إيدي، معرفش، أنا ماليش دعوة، إيدي، أنا اتفاجأت.
أنا بخاف من الميه أصلاً.
قلبه يضعف أمام دموعها، يخشى عليها حتى من نفسه.
ترك معصمها، رفعت يديها تدلكه وهي تبكي بحرقة:
- أنا ماكنتش عايزة آجي أصلاً، ماليش دعوة باللي بيعملوا وهو اللي شدني كده.
أجابها بانفعال:
- هو إيه اللي يخليه يتجرأ ويعمل معاكي انتي بالذات كده هاااا؟
همست بصوت ضعيف متقطع:
- مش عارفة.. أنا مالي معرفش.
اندفعت تفتح باب النافذة الكبيرة التي تطل على البحر، وجلست على كرسي خشبي صغير وهي تغطي وجهه بيدها.
لم يحرك ساكنًا، بل ظل ينظر لها من بعيد وقلبه يثور عليه ويتمرد، لكن عقله يؤيد ثأر كرامته.
فهو كان ينوي الصراخ عليها، ربما صفعها، لكن بعد ما رأى حالتها يريد فقط ضمها إلى أحضانه.
بعد صراع مع نفسه، قادته خطواته للخارج، يجلس على المقعد الخشبي الآخر وهو يطالعها.
أما هي فكانت ساكنة تطالع أمواج البحر، وداخلها يتألم بسبب الكلمات التي بصقها في وجهها.
لا تعلم لما كلماته جرحت كرامتها هكذا، فهي دائمًا تحاسب على ذنب لم تفعله، حتى أنها هي من دفعت ضريبة نزوة والدها وطمعه، وضريبة أم أرادت أن تكمل حياتها على حسابها.
تشعر بخواء روحها، أرهقها دور الفتاة القوية.
تود أن تصرخ من قسوة العالم عليها، لماذا هي عليها أن تتحمل إهانة الآخرين.
مضت الدقائق عليهما في صمت تام.
نهضت واقفة، فحدثها مسرعًا:
- كيان، لو سمحتي اقعدي.
وقفت مكانها، رفع نظره مرة أخرى قائلًا:
- اقعدي.
جلست ثانية، ونظرت له بطريقة أول مرة قلبه يختبرها منها، نظرة معاتبة كطفلة لأبيها.
حدثها:
- أي حد مكاني كان هيعمل كده.
ابتسمت بتهكم وسط دموعها التي مازالت تهطل.
فهو يتحدث وكأنه زواج حقيقي وأن غيرته على زوجته واجبة.
هزت رأسها قائلة:
- هو اللي عمل كده ومعرفش ليه؟
إيه اللي يخليه يتجرأ؟
معرفش، ممكن شافني واقفة لوحدي.
بس الأكيد إني تعبت.. تعبت أشيل ذنب مش ذنبي.
شلت ذنب الكل وماحدش في الدنيا فكر فيا لحظة.
تعبت من التعب والوجع.. من إني أفضل لوحدي.
أتحمل ذنب رد فعل أي حد.
دخلت في نوبة بكاء مرير، وشهقاتها كانت تشق سكون الليل.
سهام تخترق فؤاده.
نهض من مكانه، يجلس بجوارها على المقعد الخشبي الصغير، يضمها إلى صدره ويهدئها، زافرًا بحنق، ناقمًا على نفسه لما أوصلها إليه.
أما هي فتشعر وكأن حضنه كقطعة الثلج التي تثلج نيرانها.
تشبثت به أكثر وهي تكتم شهقاتها بصدره.
فجأة كان الاثنان يقعان أرضًا بعد أن انكسر المقعد الخشبي ولم يتحملهما.
انفجر هو ضاحكًا، وهي كانت تبتسم من بين دموعها.
ساعدها على الاعتدال وهو ينفض الرمال عنها.
شعرت بلمساته تخترق روحها مما جعل جسده يتشنج تحت لمساته.
***
- إنتي كنتي بتكلمي مين يا بيلا؟
كان هذا سؤال والدتها وهي تقف خلفها.
أجابتها بيلا:
- ده ضياء بيسأل الفرح إمتي، قولتله الساعة ٣ هيبتدي.
ابتسمت والدتها هامسة بحب:
- ضياء شاب هايل، لايقين أوي على بعض.
تجعدت ملامحها بضيق قائلة:
- إيه لايقين دية؟
إحنا أصحاب.
برقت عين والدتها قائلة بحدة طفيفة:
- إيه أصحاب دية؟
ضياء واضحة مشاعره من ناحيتك للكل، إذا كان كل اللي في الفرح بيقولوا خطيب بنتك من اللي هو عاملهُ معاكي.
عينيه فضحاه، إنتي كده اسمك بتلعبي بيه يا بيلا.
توسعت عيناها بصدمة من حديث والدتها وأجابتها بضيق:
- لا عادي، إنتي بس اللي بيتهيألك عشان عاوزة كده.
لكن هو عادي وأنا عادي.. لو سمحتي يا مامى، عايزة أنا.
تنهدت والدتها تهز رأسها بيأس قائلة:
- أنا مش هتكلم بعد كده، باباكي هو اللي لازم يتدخل.
انصرفت والدتها، وارتمت هي على الفراش خلفها تنحب قائلة:
- عارفة كل ده، بس مش من حقي حتى أفرح يوم.
استحالة بالذات ضياء يعرف، مش هستحمل يسيبني.
هو أو حتى استحمل نظرة شفقة من عينيه، كله إلا كده.
جففت دموعها قائلة:
- كل شيء بعد الفرح يتظبط.
***
يجلسوا على الرمال وأمامهم البحر بكامل سحره، لكنه مثبت نظره عليها هي الساحرة بكل ما بها من حزن وإغواء وبراءة.
سألها فجأة قائلًا:
- كيان، قوليلي نفسك في إيه؟
أشارت لنفسها ثم تنهدت تنظر أمامها قائلًا:
- أنا نفسي؟
حاجات كتييير.
نفسي ما حدش يعيش اللي عشته.
نفسي ما أفتحش الفيس ألاقي إنهم لقوا طفل أمه رمته في الزبالة أو حطته في كارتونه يتحمل غلطتها هي وأبوه لحظة متعة وضعف منهم يدفعوا تمنها العمر كله.
فين العدل؟
نفسي قوانين تنهي الجواز العرفي بين الأهل بحجة الأساس الإشهار.
إنت عارف فيه واحدة اتجوزت زي ماما كده بعقد عرفي، جوزها اتوفى، حاولت توثق العقد العرفي ما عرفتش.
لجأت لأهل جوزها قالوا تمام نوثقه بس شرط التنازل عن الورث، وغيره كتير محاكم الأسرة مليانة.
ولا جوازات العرب ويمشوا وتفضل الأم مش عارفة تطلع لابنها شهادة ميلاد.
عارف الموضوع يبان من بره إيه التفاهة دية؟
هي البلد هتسيب كل البلاوي اللي وراها عشان تشوف الهبل ده.
بس أبدًا والله، إحنا أغلبنا هنفضل مرضى نفسيين ليوم الدين.
يعني لو في قانون ما كانش فيه عيال في الملجأ من غير أهل.
لما يكبروا هيطلعوا إيه...
في كتير منهم هيضيع ويبقى قاتل، سارق، متحرش.
هيبقوا جاني ومجني عليهم في نفس الوقت.
يسمعها بقلب يأن، أقسم بداخله أن ما تتمناه سيحققه، لكن ماذا يفعل هو في ذلك.
ابتسمت بألم قائلة:
- مملة أنا.
هز رأسه بالنفي قائلًا:
- أبدًا.
ما تيجي ننزل الميه.
- لأ لأ، أنا بخاف، استحالة أنزل الميه.
التفت لها وعيناه تطمئنها أنه هو أمانها، فقال بحنو وهو ينهض واقفًا ويمد يده يجذبها معه:
- متخافيش وأنا معاكي.
شعرت بدفء كلمته وصدقها.
نظراته اخترقت ثنايا روحها.
سارت معه كطفلة مطيعة، وما أن لمست المياه قدمه تراجعت للخلف تشد على يده بخوف:
- بلاش بلاش يا كنان، أنا خايفة.
لمسات يديها ونطق حروف اسمه من بين شفتيها بعثرت ثوابته أكثر، فسحبها معه للمياه.
أغمضت عيناها برعب، وفتحتها كانت المياه تغطي نصف جسدها.
تشبثت بقميصه أكثر، فقال:
- سيبى نفسك واستمتعي بالميه.
- لأ هغرق، يلا نطلع.
همس بخفوت قائلًا:
- ده أنا اللي غرقت.
فجأة شبك يديه معًا خلف ظهرها كحصن لها، وباتت أنفاسه تلفح وجهها.
انتفضت هي بين يديه تشعر برعشة تسري في جسدها.
قلبها يخفق بجنون وانفاسه تحرق بشرتها، فابتسم هو:
- كده مش هتغرقي، ممكن تسيبى نفسك في الميه، متقلقيش.
رفعت عيناها إليه وسألته بصوت مجهد:
- مش هتسيبني؟
هز رأسه بالنفي وزاد من ضمها إليه قائلًا بنبرة ذات مغزى:
- استحالة يا كيان أسيبك.
تمت كل شئ وقررت تسرق لحظات من الزمن معه، ستظل ذكرى لها مدى الحياة.
ضحكت وهي تلعب بيديها في الماء:
- حلوة أوي.
- إنتي الأحلى.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه باستيحاء وهي تهمس:
- كفاية كده، يلا نطلع.
تابع حمرة خجلها، ابتسم لها بحنو وانصاع لها وخرج من المياه.
***
- كيان، هطلب أكل.
الكلمات نطقها كنان بعد أن أخذ حمامًا دافئًا، فوجدها نائمة على الفراش.
اقترب منها يمرر يديه على وجنتها.
أغمض عيناه وهو يقسم أن كل شئ سيتغير للأفضل.
دثرها بالغطاء وظل بجوارها.
***
في صباح اليوم التالي، بدأت تتململ في نومتها.
شعر بحركتها، طالعها بحنو.
ونهض مسرعًا يتمدد على الأريكة موليًا ظهره حتى لا يثير ذعرها.
فرقت جفونها، وجدت نفسها مغطاة.
انتفضت تتحسس ملابسها، وضعت يديها على رأسها، وجدت نفسها بحجابها وثيابها كما هي.
تنهدت بارتياح، ثم جابت الغرفة بعينيها، وجدته نائمًا على الأريكة.
نهضت ترفع الغطاء، مقتربة منه تطالعه ببسمة صادقة.
هي لا تعلم ماهية شعورها نحوه، فهو حلم مستحيل بالنسبة لها، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
تنهدت بثقل، وتوجهت لحقيبتها، تفتحها وتختار منها ما يناسب اليوم، ثم توجهت للمرحاض.
دقائق وكانت تخرج من المرحاض بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها.
كل هذا وهو يشعر بها.
فتح عينيه بتكاسل، مدعيًا النعاس قائلًا:
- صباح الخير.
- صباح النور.
هي الساعة كام؟
رفعت معصمها تطالع الساعة قائلة:
- الساعة ١٢، والمفروض الفرح الساعة ٣.
مط ذراعيه وهو يتثاءب وكأنه نام سنين، وهو لم يغمض له جفن.
ظل يراقبها طول الليل.
عقد حاجبيه:
- إنتِ لابسة ورايحة فين كده؟
أجابته وهي تضع أشياءها داخل حقيبتها:
- الفرح.
نهض واقفًا وهو يتوجه صوب المرحاض:
- هنفطر الأول.
ضيقت حاجبيها متسائلة:
- أومال إيه نباتي دية؟
إيه اللي جرى؟
استدار لها ببسمة صادقة قائلًا:
- البركة فيكي، من يوم ما شوفتك ونفسي اتفتحت على كل حاجة.
كست الحمرة خديها من مغزى كلامه.
قلبها ينبض بعنف، استدارت مولية ظهرها مدعية البحث عن شيء في حقيبتها.
بعد مرور نصف ساعة كانوا قد انتهوا من الطعام.
فنهضت مسرعة صوب الباب، فأوقفها مناديًا قائلًا:
- كيان، لو سمحتي خليكي بعيد عن طاهر عشان ما يبقاش فيه فرصة لأي احتكاك.
هزت رأسها كطفل مطيع.
***
الشاطئ مزين بورود، صديقات العروس جميعهم يرتدون نفس اللون.
حتى بيلا ترتدي فستانًا طويلًا يرسم منحنيات جسدها ببراعة، ورفعت شعره للأعلى.
اقترب منها قائلًا:
- العروسة قمر.
التفتت له بابتسامة جعلت قلبه يهوى بين قدميه:
- أنا مش العروسة.
غمز لها بطرف عيناه قائلًا:
- هو فيه عروسة غيرك هنا؟
متحاوليش تقنعيني، أنا مش ابن امبارح.
قهقهت ثم أجابته:
- لا ما هو باين عليك.
اتسع بؤبؤ عيناه بصدمة:
- قصدك إني كبير في السن؟
نظرت أمامها على العروسة وابتسمت نصف ابتسامة قائلة:
- مش أوي.
توه فمه وهو يتمتم بتهكم:
- أقولك عروسة تقوليلى كبير في السن.
انتهى حفل الزفاف وكل يستعد للرحيل، وهي تتجنب طاهر.
كل هذا تحت نظرات كنان الذي كان يجلس على فوهة بركان نشط.
توجهت صوب مطبخ الفندق، فوجدت شخصًا كبيرًا في العمر، يبدو أنه في العقد الخامس من عمره يتجول في المطبخ.
قطبت حاجبيها وهي تسأله:
- حضرتك عايز حاجة؟
أنا أقدر أساعدك.
زلزال ضرب كيانه، فهي فولة وانقسمت نصفين، نسخة مصغرة من أخيه.
أصبحت أقدامه كالهلام، اهتز في وقفته، فاسرعت تسانده قائلة:
- حضرتك كويسة؟
هز رأسه بالإيجاب قائلًا:
- بخير الحمدلله.. إنتي شغالة هنا؟
- لا مش شغالة.
سألها ثانية:
- اسمك إيه؟
قطبت حاجبيها لكنها جاوبته:
- اسمي كيان عاصم.
أغمض عيناه بألم، يود أن يضمها لصدره، لكن يبدو من هيئتها أنها تنعم بحياتها.
فابتسم لها بحنو أبوي:
- كيان، اسم حلو أوي.
عاشت الأسماء يا بنتي.
- أقدر أساعدك إزاي؟
أنا لازم أمشي دلوقتي أدور على دكتور هنا طيب.
خرج تنهيدة حارة على حظ أخيه العاثر، يملك ابنة كهذه ولا يعلم عنها شئ.
رفع بصره قائلًا:
- إنتي ساعدتيني خلاص.
***
استقل طاهر سيارته، فقد قرر زيارة صديقه في أحد الفنادق القريبة قبل نزوله القاهرة.
جلس في بهو الفندق ينتظر نزوله، لكنه شعر بنزول صاعقة من السماء عليه.
كنان وكيان معًا؟
كيف؟
توجه للاستقبال يسأل عنهم، علماً أنهم نزلاء غرفة واحدة.
لجمت الصدمة لسانه وعجز عن الرد.
دقائق وكان كنان يخطو بخطواته خارج الفندق.
وجدها فرصة، وبعد أن علم رقم الغرفة بصعوبة، طرق الباب.
ثوانٍ وكان يطالع وجهها بمنامتها.
ابتلعت ريقها الذي أصبح كالحنظل، شحب وجهها وفرت منه الدماء:
- طاهر!!!!!
أردف طاهر بحدة قائلًا:
- إيه الهانم اللي عاملة كيوت وبريئة، اتكشفت على حقيقتها وقد إيه هي واحدة سهلة ورخيصة.
تساقطت دموعها بغزارة وحرقة.
هزت رأسها بألم قائلة:
- لو سمحت اسمعني.
طالعها بنفور واشمئزاز وكأن قلبه يحترق:
- اسمع إيه هااا.. اسمع إيه غير اللي شوفته.
بس يا ترى بقى بالليلة ولا بالأسبوع؟
رفعت كفها لتصفعه بسبب كلامه، لكنه قبض على معصمها وهو يدفعها للداخل وأغلق الباب خلفه.
فسقطت أرضًا تبكي قهرًا وهي تسرد ما عاشته:
- أنا مش كده، كل حاجة في حياتي ما حصلتش بإرادتي.
أنا كنت تحت رحمة الظروف.
عمري ما اخترت حاجة.
انتهت من سرد قصتها المأساوية وهي شهقاتها تعلو.
وهو يقف مكانه كالمصعوق.
كيف تحملت كل هذا بمفردها؟
حتى أن كنان أيضًا استغل ضعفها.
يشد خصلات شعره يكاد أن ينزعها من منبتها.
حاول الاقتراب منها لتهدئتها، لكنها تراجعت للخلف برعب.
أغمض عينيه بقهر على ابنة عمه وما عاشته.
فقال:
- أنا أسف، صدقيني أنا أسف، بس كل حاجة هتتحل.
لو سمحتي ممكن تقومي.
طالعته وهي تكتم صراحتها في حلقها قائلة:
- لو سمحت مش عايزة حد يعرف حاجة، واتفضل اطلع بره دلوقتي.
علت وتيرة أنفاسه ثم قال بألم:
- متقلقيش، وكل حاجة هتتحل.
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة فتحي
بعد مرور يومين، عادوا جميعهم إلى القاهرة وقد اقترب موعد الافتتاح.
أخرج ضياء زفرة طويلة نابعة من أعمق رئتيه. لاحظ كنان ذلك، الذي لا ينفك من الضجر وهو يطالعه هاتفه، فقال له:
- فيه إيه في الفون؟ ما تخليك عامل كده.
ألقى الفون على مكتبه يتنهد بثقل. لم تطل فترة معرفتهم ببعض، لكنهم كانوا يقضون معظم يومهم معًا. كان يرى الحب في مقلتيها. اعتدل في مقعده يقول:
- مش عارف، بيلا مش بترد من ساعة ما رجعنا.
ضيق كنان عيناه قائلًا:
- من ساعة ما رجعنا إيه؟ دول هما يومين يعني. عادي وممكن تكون تعبانة من السفر أو ضغط الشغل.
أجابه بإرهاق:
- للأسف ياريت كده. روحت امبارح المكتبة لقيتها موجودة ولما سألتها قالتلي كانت نايمة لما مردتش على اتصالاتي، وما فيش خمس دقايق وقامت عشان رايحة زيارة لبنت خالتها.
زم كنان شفتيه وكأن الحديث أصاب جرحه هو أيضًا قائلًا:
- أنا كمان كيان فيها حاجة غريبة غير اللي سافرت معايا، مش عارف في إيه.
ابتسم ضياء بتهكم قائلًا:
- حتى في دي حظنا زي بعض... بس يا كنان ممكن تكون كيان نفسها في فستان أبيض وطرحة بعد ما شافت العروسة، ومتنساش طريقة جوازكم اللي هو ما زال سر أصلًا.
أومأ له مؤكدًا لحديثه مردفًا:
- كلمت ماما الصبح وهي جاية آخر الأسبوع. وبفكر أعلن عن يوم فرحنا في الافتتاح، إيه رأيك؟
- مبروك يا كنان، ولا عمري كنت أصدق هتتخطف كده.
- مبروك انت كمان، شكلها التوبة هتتقبل المرة دي.
***
تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا. عزمت أمرها أن تقص لهما سراً معها ومعرفة طاهر بزواجها منه، ستطلب منه الانفصال. عند هذه النقطة شعرت بانسحاب روحها. صدرها يعلو ويهبط وبداخلها يرتجف، لكن ليس هناك مفر. توجهت لباب الغرفة تفتحه وجلست على الأريكة صوب الباب صامتة تراقب الباب بعينين ذابلتين.
بعد مرور وقت، كان الباب يفتح ويدلف للداخل. انتفضت من جلستها تهرول إليه. كاد أن يفتح ذراعيه ويضمها لصدره حتى وقفت على مسافة لا بأس بها تطالعه بعشق فقالت هي:
- كنان لو سمحت، في موضوع مهم عايزة أتكلم فيه معاك.
ابتسم كنان قائلًا:
- ده إيه الرضا ده؟ عينيا ليك يا كيان. هدخل آخد دش وأجيلك عشان أنا كمان عايزك. تمام؟
هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت:
- أنا كمان في حاجات هجيبها من السوبر ماركت من تحت وهطلع بسرعة تكون أخدت الدش بتاعك.
- تمام، اتفقنا.
***
تجلس على الفراش وتضم ركبتيها لصدرها ودموعها تسيل على وجنتيها وهي تشاهد شاشة الهاتف تضيء باسمه. لا تعرف كم مرة اتصل بها حتى الآن. قلبها يتألم. اعترفت لنفسها أنها وقعت في حبه حتى النخاع، لكنها قررت أن تتجاهله. لعله يرحل ويهجر. هي لن تتحمل نظرة شفقة منه، هو بالأخص. لن تتحمل أن تتحول نظرات الحب بعينيه إلى شفقة. مدت يدها تفتح الدرج واخرجت شريط مسكن وتناولت منه حبة مسكن. فالصداع يفتك بخلايا عقلها.
***
- أيوه يعني إيه يا بابا؟ هنستنى إيه تاني؟
تلك الجملة قالها طاهر بحدة لوالده ثم تابع:
- بعد اللي حكيتوا ده كله وتقولي نستنى نشوف عمك؟ لا مش هاستنى وهاروح أجيب كيان وأبقى خلي مرات عمك تقرب منها ساعتها أنا اللي هقف ليها ولعمي، لكن إني أسيب كيان مع واحد غريب مش هيحصل.
وقف والده أمامه قائلًا:
- طب اديني فرصة لبكرة وأنا هرد عليك.
أغمض طاهر عيناه قائلًا:
- آخر ميعاد بكرة، مش هاستنى تاني.
وما أن فتح الباب، طالع هاجر رافعة أحد حاجبيها متسائلة عما يدور في الداخل. لم يتمالك طاهر أعصابه ولم يعد يتحمل وجودها الغير مرغوب فيه، وكل ما رآه أمامه ما قامت به والدتها من سنين. صرخ بها:
- إيه في إيه؟ أنت مالكيش بيت؟ معندكيش دم؟ اتفضلي امشي من هنا، كل حاجة متدخلة فيها... أنتِ ده مش بيتك، افهمي.
وقفت تحدق به والدموع تشق طريقها لوجهها. كتمت صوت بكائها وهرولت من أمامه بقلب منكسر.
***
بعد أن جلبت ما ينقصها، توجهت إلى مدخل البناية. وقفت أمام المصعد ثوانٍ وانضمت تقف بجانبها فتاة بشعر أشقر وعينين خضراوتين وتضع الكثير من مساحيق التجميل. انفتح باب المصعد، دلفا الاثنين سويًا فسألتها كيان:
- الدور الكام؟
أجابتها بابتسامة:
- ٧.
قطبت كيان مابين حاجبيها، فهو نفس دور شقتها. ربما تكون في زيارة للشقة المقابلة. ثم ضغطت على الرقم. طالعتها الأخرى باستغراب فتابعت:
- أنا جايه لخطيبى.
هزت كيان رأسها بتفهم. ولما فتح المصعد، سبقها هي بينما انحنت كيان تحمل الأكياس ثم خرجت. كان الباب يفتح وهما الاثنان معًا. وقف كنان مدهوشًا بينما نطقت بيسان:
- وحشتني يا كنان.
كان نظره مثبتًا على من تقف خلفها. فاستدارت هي ترمقها بتعجب. ابتسمت كيان وهي تمد الأكياس له قائلة:
- طلبات السوبر ماركت حضرت.
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة فتحي
أعارها الأذن الصماء، كل ما يشغله باله تلك التي رحلت.
كيف تفعل هذا؟ لمَ لم تطالب بحقها به؟ أليس هو زوجها؟
داخله يتألم، حتى أبسط حقوقه لا تعترف بها.
لوحت بيسان بيدها أمامه قائلة:
- كنان، أنت مش معايا خالص.
أجابها بنبرة خشنة قائلاً:
- أنتي إيه اللي جابك؟ ليه متصلتيش وقولتي إنك في القاهرة؟
لوت فمها ثم أجابته بضيق:
- قولت الافتتاح قرب وأعملك مفاجأة، بس الظاهر معجبتكش.
تنهد بضيق قائلاً:
- لا، بس أنا هنا قاعد لوحدي، وميصحش. ممكن تروحي ونقابل بكرة كده أحسن.
اتسعت عيناها من أسلوبه الفظ على غير العادة، لكن صدقت كلامه قائلة:
- شكلك متوتر عشان الافتتاح، نتقابل بكرة. باي يا كنان.
طرق على الباب. نهض يهرول يفتح الباب.
طالعة وجه ضياء بانتقاضة ضارية. كان يقبض على تلابيبه قائلاً:
- أنت إزاي تدي لبيسان العنوان هنا؟ أنت بتستعبط يا ضياء؟ قصدك إيه بحركة زي دي؟
نفض ضياء يده عنه قائلاً:
- في إيه؟ أنت اتجننت؟ بيسان إيه؟ أنا هكلمها ليه؟ مفيش غير إن أمي نهلة اللي كلمتني من يومين عشان أطمنها عليك.
أنفاسه أصبحت ثقيلة، صدره يعلو ويهبط بعنف. وهو يلتف حول نفسه:
- بيسان كانت هنا. أكيد أخدت العنوان من أمي.
اتسعت عين ضياء بصدمة قائلاً:
- بيسان كانت هنا؟ طب وكيان إيه اللي حصل؟
- كانت تحت بتجيب حاجات وطلعوا مع بعض في الأسانسير. وكيان أول ما شافتها ادتني الحاجات على أساس إنها تبع السوبر ماركت ومشيت. ولسه مرجعتش.
أشفق ضياء على صديقه والحالة التي بها قائلاً:
- اتصل بيها طيب.
أغمض كنان عيناه بقهر ثم حدثه بألم:
- مش معايا للأسف، مش معايا رقمها.
ثم تابع بلهفة:
- ضياء، اتصل ببيلا هات الرقم منها.
انقبض قلبه فوراً يشعر بنيران في صدره. فهو أيضاً يريد سماع صوتها، لكنها لا تجيب. أخرج هاتفه من جيب سترته وقام بالاتصال. يحاول مرة تلو الأخرى.
فرك وجهه بيديه قائلاً:
- أنا كمان تعبت، مش عارف مش بترد ليه عليا؟ طب كيان ممكن تكون راحت لحد من صحباتها؟
وضع وجهه بين راحتيه قائلاً:
- مالهاش حد، متعرفش.
حدثه بتنهد زائف:
- روح أنت يا ضياء.
ربت على كتفه قائلاً:
- خليني معاك يا كنان لحد ما تطمن.
- لا، امشِ أنت.
***
تجلس هاجر على الفراش تنكمش في نفسها. جسدها كان يرتجف مع كل شهقة. تدلك بيدها يساراً أعلى القفص الصدري لعلها تخفف من وجع قلبها. لم تصدق رد فعله الصادم. ابتسمت بتهكم على نفسها، فهو لم يتقبلها أبداً.
ظلت محتضنة ذاتها. طرق الباب ثم دخلا والدها. حاولت تصنع الابتسامة. جلس والدها على حافة الفراش قائلاً:
- بتعيطي ليه يا هاجر؟
هزت رأسها بالنفي قائلة:
- لا يا حبيبي، أنا مش بعيط.
تنهد والدها:
- أنا وافقتك يا هاجر لما خالك جه عشان نرجع نعيش هنا، وإنك تبقي قريبة منهم. لما أمك ماتت عشان كلام عمك… لا يا هاجر عشانك أنتِ واللي في دماغك. بس لو هيجي عليكِ، لا يا بنتي. وأنا اللي هقفلك. أنا ميرضنيش وجعك ولا دموعك.
قاطعته مسرعة بثبات وقوة زائفة:
- هو إيه اللي حصل لكلامك بس يا بابا؟
- أنا مش هستنى يحصل أكتر من كده. اسمعي، في عريس متقدم لك وأنا موافق. هيجي الأسبوع الجاي وتقعدي معانا نشوفه. وكفاية يا هاجر كده.
قال والدها كلمته بحزم، بينما هي كانت تود أن تصرخ بأعلى صوتها من القهر.
***
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
مجرد فكرة أنها غائبة لمنتصف الليل لا يعلم عنها شيئاً جعلت النيران تشعل بصدره وتنهش قلبه. سيل من المشاعر تجتاحه: غضب، خوف، قلق، ندم، عشق. يقطع البهو ذهاباً وإياباً. روحه تحترق بالجحيم من فرط قلقه عليها.
سمع صوت سلسال المفتاح في الباب. اقترب منها بخطوات سريعة وهو يقبض على معصمها بقسوة قائلاً باضطراب:
- كنتي فين كل ده؟ أنتي كويسة؟ في حاجة حصلتلك؟
بصعوبة ألجمت لسانها من سؤاله: لماذا لم تخبرني؟ لماذا؟ لماذا قلبها يتألم هكذا؟ تظاهرت بالبرود نافياً حزن ووجع عيناها:
- كنت بتمشي شوية. إيه؟ في إيه؟
حالة من الهياج العصبي أصابته قائلاً:
- تتمشي؟ الساعة بقت اتنين بعد نص الليل؟ كنتي بتتمشي فين لحد دلوقتي؟ ها؟
تجاوزته وهي تمر لغرفتها قائلة بنبرة ذات مغزى:
- أنا مش بطالبك بأي مبررات، وأنت كمان لو سمحت تلتزم بكده.
قبل أن يصل إليها، كانت تدلف إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها. ترتمي على الفراش. أنفاسها تختنق، الألم يعصف بصدرها. كم تألم قلبها في هذه الحياة. ظلت تؤنب نفسها قائلة:
- أنتي مالك؟ خاطب ولا لأ؟ متنسيش نفسك. كل الحكاية اتعاطف معاكي. بلاش طمع. عايزة منه إيه؟ ها؟ يعترف مثلاً بجوازكم؟ مش لما يعترف أبوكي بيكي؟
أكملت بتضرع قائلة:
- قلبي وجعني أوي يا رب. يا رب ارحمني. تعبت من كل حاجة يا رب. أنا كنت عايشة لوحدي وراضية.
زاد من الطرق على الباب قائلاً:
- افتحي يا كيان. هنتكلم.
لما أجابته بصوت متحشرج أثر البكاء:
- لو سمحت، عايزة أنام.
ما إن وصلت نبرتها المتألمة الباكية، جن جنونه. يخبط على الباب قائلاً:
- افتحي، نتكلم. أفهمك كل حاجة. افتحي يا كيان.
لم يصله أي استجابة منها أو رد. ظل يحطم كل شيء أمامه، حتى نفذت طاقته وسقط على الأريكة بارهاق. ثوان وكان يغرق في النوم.
***
يستند على سيارته أمام الشركة ينتظرها، كي يعلم سبب تجاهله هكذا؟ ماذا فعل حتى أن اتصاله لم تجب عليه؟ اعتدل في وقفته عندما وجدها تصطف سيارته. ترجلت، وجدته أمامها يعقد ذراعيه أمام صدره متسائلاً:
- ممكن أفهم ليه مش بتردي عليا؟ أنا حصل مني حاجة ضايقتك؟ في إيه يا بيلا؟
صوت دقات قلبها تصم الآذان. قدماها أصبحتا كهلام. حاولت الثبات مردفة:
- ضياء عامل إيه؟ آسفة بس مضغوطين اليومين دول. غير أني مرهقة من السفر.
علم أن جميعها حجج واهية. ابتسم بسخرية قائلاً:
- وإيه كمان يا بيلا؟ فاكراني عيل صغير مش بفهم؟ ما تقولي إيه اللي حصل لكل ده. انطقي.
نظرت حولها في المكان ثم أجابته:
- أنا شايفة إنك محتاج تهدى. وعن إذنك، عندي شغل.
انصرفت من أمامه بقلب يئن من الوجع. بينما هو شعر بقهر رجولته. هل كانت تتسلى معه فقط؟
***
فرق جفنيه بصعوبة وهو يشعر بألم يفتك بجسده. وضع يده على رأسه يشعر بألم. اتسعت عيناه عندما وجد باب غرفتها مفتوحاً. انتفض يبحث عنها ولم يجدها في الشقة كلها. ارتدى ملابسه سريعاً وهبط يستقل سيارته.
سمع رنين هاتفه لكنه تجاهله. صدح رنين الهاتف ثانية. أخرج من جيبه بغضب يجيب على الهاتف:
- أيوه يا ضياء. أنا رايح على الشغل بتاع كيان. تعالى على هناك. لا رجعت امبارح. سلام.
أغلق هاتفه ووضعه في جيبه. تحرك بسيارته يسابق الريح، وكأن الأرض خلت من البشرية. بعد نصف ساعة، كان يقف أمام مكان عملها. صف سيارته وتوجه مباشرة إليها.
شعرت بفزع حين رأته أمامها. عقب على فزعها بجملة واحدة:
- يلا معايا لو مش عايزة شوشرة وقلق هنا.
طالعته بعدم تصديق، فتابع بتحدي:
- تحبي تجربى؟
بصمت كانت تسير خلفه حتى وقف ضياء أمامهما، فقال كنان:
- اركب يلا يا ضياء خلينا نمشي.
بعد مرور وقت، تحدث ضياء وهو يخبط على تابلو العربية قائلاً بحدة مصحوبة بالألم:
- مش فاهم ليه بتبعد؟ عملت إيه؟ أنا سألتها كتير مش بترد. بتحاول تتهرب مني وبس.
لا تعلم لما شعرت أن السبب هو إعاقة بيلا، وأنه ليس لديه علم بها. وصل إلى مسكنهم وكان يصف سيارته. ترجلوا من السيارة.
وقفت كيان تقول:
- أنا عايزة أتكلم مع ضياء لوحدنا.
- نعاااااام. هكذا كان رد كنان. بينما تدخل ضياء يهدأ الأجواء:
- عايزاكِ في إيه يا كيان؟ تحت أمرك.
- لأ، لوحدنا. الموضوع يخص ضياء لوحده، وبالأخص بيلا.
انقبض كنان على معصمها وبرزت عروقه:
- عايزة إيه ها؟ آخرت اللي بتعمليه ده إيه ها؟
نزعت يديها منه بحدة. وقف ضياء أمامه قائلاً:
- خمس دقايق بس. معلش عشاني أنا.
انصرف بعد أن حدجها بنظرات نارية. التفت لها ضياء متسائلاً:
- خييير يا كيان. مالها بيلا؟
فركت أصابعها بتوتر، تتمنى أن لا تكون مخطئة وتكون سبباً في إنقاذ علاقتهم. ابتلعت توترها تقول:
- أنا عارفة إني ماليش حق أتكلم في حاجة زي دي، بس مش عارفة ليه حاسة إنها السبب.
اتسعت عيناه بتلهف مردفاً:
- قولى يا كيان بسرعة.
تحمحمت ثم قالت بصوت مهزوز:
- إعاقة بيلا.
- إعاقة!!!
اتسع فاه وعيناه معاً. عن أي إعاقة تتحدث؟ فهو لم يرَ في جمالها. فسألها مستفسراً:
- إعاقة إيه؟
تنهدت وهي تقول:
- بيلا مركبة طرف صناعي لأن عندها بتر في الساق.
لا يزال تحت تأثير الصدمة. كانت على حق. هو لا يعلم. قررت أن تتركه يستوعب الفكرة وتصعد:
- عن إذنك.
***
ما زال الباب مفتوحاً. يقف في انتظارها. ولجت من الباب، تغلق الباب خلفها. انتفض وهو يقبض على معصمها بشدة نابعة من روحه المحترقة. سحبها خلفه حتى وقف في البهو وعيناه مثل اللهب. ألقاها بنظرة مستفهمة حادة:
- ممكن أفهم إيه اللي حصل ده؟ إزاي تقولي أنا وضياء لوحدنا ها؟
جف حلقها ثم أجابته:
- فيها إيه يعني؟
اقترب منها ويده تحاوط خصرها والأخرى تفك حجابها قائلاً بنبرة عاشق متملك:
- فيها إنك مراتي وملكي أنا لوحدي. كياني، أنتِ. حجابك ده المفروض ميتلبسش قدامي أنا جوزك.
مصدومة من سيل اعترافاته. يكاد يخرج قلبها من مرقده. ثبت نظره على شفتيها الخوخيتين اللتين حلم بتذوقهما. وفي ثانية، كان ينقض عليهما بقبلة عميقة بربرية يروي ظمأه ويثبت ملكيته لها. والغريب أنها كانت مستسلمة لهجومه. مد يده خلف رأسها يثبتها.
طرق على الباب بعنف جعلها تنتفض بين يديه وتحاول الهرب منه. ابتعد عنها بصعوبة وما زال الطرق مستمراً، بينما هي فرت بالهرب إلى غرفتها. وقفت في الزاوية تنتحب، لا تصدق كيف استسلمت له؟ كيف ضعفت هكذا؟ هو لديه خطيبة. كيف كانت ستعيد ماضي والدتها؟ قدماها كهلام. سقطت أرضاً تضم ركبتها إلى صدرها وظلت تهز رأسها بهستيريا. كيف قلبها عشقه؟ ظلت تفرك شفتيها بعنف حتى كادت أن تدميها قائلة:
- الحب ده مش مكتوب على اللي زيك.
بينما عند كنان، ما أن فتح الباب، جمدت الصدمة حواسه ونطق أخيراً:
- ماما؟!!!!
لكزته بكتفه وهي تتجاوزه للداخل. تجوب بعينيها تبحث عنها حتى طالعت باب الغرفة الموصودة. هرول يلحقها حتى دون أن يغلق الباب:
- أه ماما يا كنان! ولا كنت فاكر مش هاعرف أجي وأعرف أخبارك أنت والهانم اللي شاقطها؟
أمسكها كنان برفق من ذراعها قائلاً:
- ماما اسمعيني. خليني أوضحلك كل حاجة.
نفضت يده بحدة واندفعت تفتح الباب ولم يستطع اللحاق بها. وما أن فتحت الباب، وجده متكومة على نفسها. انخلع قلبه. جثا على ركبته أمامها يمسح دموعها قائلاً:
- كيان مالك؟ إيه اللي حصل؟
هدرت به والدته قائلة:
- بلا مالها بلا نيلة. بقى عشان عماراتهم اتهدت اللي أبوك كان شريك فيها، تقوم تتجوزها؟ طب عوضها فلوس ومش جواز. أنا ابني يتجوز واحدة مالهاش أصل؟ مشكوك في نسبها؟
قاطعها كنان بحدة صارخاً:
- مااااااااما كفاياااااا.
حاول أن يمسك وجه كيان إلا أنها انتفضت واقفة تمتم:
- تعويض العمارة اللي تهدت؟ آآآآه.
- كيان اهدى. أنا كنت ناوي أفهمك كل حاجة.
أجابته والدته بحدة:
- تفهمها إيه ولا إيه؟ طلقها. مش ابني اللي يتجوز واحدة مالهاش أهل.
جاء صوت من خلف يعنفها:
- مين دية اللي مالهاش أهل؟ كيان عاصم الكومي عز الجهيني؟ بنت أكبر تاجر دهب في الصاغة؟ وأنا ابن عمها طاهر حسين الكومي عز الجهيني.
اتسعت عين كنان قائلاً:
- أنت إزاي دخلت؟ وإزاي ابن عمها؟
طالعة من أدناه لأعلاه:
- الباب كان مفتوح. وعرفت من فترة من اسمها في العقد واتأكدت من كده. يلا كيان تعالي معايا.
وقف كنان أمامها وتحولت عيناه للاحمر القاني قائلاً:
- كيان مراتي مش هتخرج من هنا.
سحبته والدته وهي تهتف بحدة:
- مرات مين؟ أنت اتجننت؟
ابتسم طاهر بتهكم:
- شاطر. اسمع كلام مامى.
ثم انتهز طاهر فرصة انشغالهم وسحب كيان التي ما زالت تحت الصدمة، فقط تتحرك عيناها. وقف كنان أمامه قائلاً:
- مش هتخرج من هنا.
* * *
قال.
بدون مقدمات، كان طاهر يلكمه في وجهه، فاختل توازنه ووقع أرضاً، ثم نهض يصرخ:
- كيان.
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثامن عشر
تجوب الغرفة ذهابًا وايابًا، تبدلت ملامحها للضيق والحنق وهى تنظر إلى كنان الذى يجلس باريحية
يجلس على مقعده بابتسامة واسعة لا يصدق
نفسه أنه عاشق مراهق يتلذذ بغيرتها يشعر
بالنشوة، أول مرة يرى غيرتها
زادت الأجواء شعلة مع الشد والجذب وتصاعدت
ابخرة الغضب منها وهى ترى أنه يتحدث بعقلانية
شعرت بالاختناق فدائمًا تنقلب اوقات سعادتها إلى
حزن اقتربت من المقعد تجذب حقيبتها الجلدية
واستدارت على عقبيها لتتوجه نحو الباب، امسكت
بمقبض الباب ناوية الرحيل
لكن تخشب جسدها عندما شعرت بذراعيه تلتف
حول خصرها ملصقًا جسدها بالباب خلفها، زفيرًا
حارًا اخرجه بقوة وهو يتفحص عيناها قائلًا بعشق
جارف:
-قوليها ياكيان قوليها صريحة قولى بحبك وبغير عليك
قولى أنا مراتك ودا حقى
لسانها يعجز عن البوح بعشقه خانها تلك المرة كالمرات
السابقة، لن تنكر أنها لن تستطيع وتلجأ كل مرة للهروب
رغمًا عن رغبتها فى البوح، لكنها لم تستعد بعد للحرب
الشرسة التى ستخوضها امام والده، عبست ملامحها
باستياء ثم دفعته بحدة بسيطة فى صدره قائلة:
-مراتك!!
أنت معملتش احترام لوجودى، أنت كنت بتاكلها بعينيك
يا دكتور..
وقال أنا مبحبش الواسطة وتسلم عليها ساعة ايدك
فى ايديها
عطرها تسرب إلى انفه ازكم انفاسه، زادت فتنة وجمالًا
وهى تشتعل بنيران الغيرة وهذا مؤشر خطر على صحته
تأوه بوجع زائف وهو يشير إلى صدره:
-آآه، انتِ بتضربينى ياكيان
تجمدت تعابير وجهها الغاضبة وهى تطوى ذراعيها
امام صدرها قائلة:
-هى دية بقت ضربة ما طبعًا ايدى مش زى ايد
الدكتورة بتاعتك
اقترب اكثر منها يتناول يدها ويطبع قبلة ناعمة عليها
وهو يراقب تذبذب شفتيها المغويتين وبحر العقيق
الأسود وهو ينظر إليها لمس أرنبة انفها بانفه ليهمس
أمام شفتيها:
-ولا ميت دكتورة يملوا عينى، انتِ بقيتى جوه روحى
اكتر من جوه روحى كمان بتجرى فى عروقى
بقيتى رفيقة قلبى وحبيبة روحى، مبقاش ليا
نفس او رغبة او نجاح فى الحياة كل إلا عاوزه أنتِ
ختم عبارته بقبلة ناعمة بالكاد لامست شفتيها ارسلت
رعشة كهربائية من فقراتها العظمية لأطرافها الاربعة
استقام فى وقفته وهو يبتعد عنها يطالع حركاتها الرتيبة، تهز بها جسدها
بطريقة غير ملحوظة ثم سألته سؤال كالصفعة:
-حب بجد ولا شفقة اصلها بتفرق
تقدم نحوها بخطوات مدروسة سحبها اكثر نحوه
ضمها بقوة اكثر هامسًا:
-السؤال دا عشان قلبك لسه موصلش لدرجة حبى
ليكِ ياكيان، منكرش الاول اتاثرت شوية وبعدين بقيت عاشق
حد النخاع كل اللى مطلوب منك بس تحسى بحبى
وغيرتى ولهفتى وانتِ هتعرفى
انفاسه دمرتها، تنحى العقل جانبًا، كان مثبتًا نظره
عليها بينما هى لا تستطيع أن تشيح نظرها عنه،
ابتلعت توترها فهى تعرف تلك النظرة جيدًا وقبل أن تعترض
كان يلتهم شفتيها توسعت عيناها بصدمة سرعان
ما اغمضت عيناها وهى تستشعر بإن قبلته زادت
تعمق تسحبها معه فى دوامة عنيفة حاولت الابتعاد
مبررة:
-كنان احنا فى المستشفى
-انتِ مراتى لو على المريخ محدش لية حاجة عندنا
احتوى رأسها بين كفيه يقبلها ثانيةٍ ثم فرق القبلات
على جفنيها ووجنتها ثم خلع حجابها والقاه على الأرض
استعادت عقلها وفاقت من دوامته لتضربه فى صدره
للابتعاد زمجرت بحدة وهى تدفعه ابتسم وهو يراها
احمرت وجنتاها محاولة التقاط انفاسها التى سرقها
فى جوفه قائلًا:
-مالك متعصبة لية أنا كنت حابب اوضحلك الفرق
بين الحب والشفقة
-وقح
طرق على الباب من الخلف جعلها تلتقط حجابها وتتوارى
خلفه، لكزته بخفة من الخلف وهى تهمس بضعف:
-اوعى تفتح الباب لو حد دخل دلوقتى هموت
حاولت ضبط حجابها مسرعة بينما هو استدار مبتسمًا
لها قائلا :
-بعد الشر انتِ مراتى نقول تانى
مازال الطرق مستمر رمقها بنظرة سريعة ثم اذِن بالدخول انفتح الباب ليجد انه ضياء وبيلا بصحبته
كان كنان يقف مستندًا على مكتبة فصاح ضياء
كالاحمق قائلًا:
-أية يا بنى ادم انت ساعة عشان تفتح والله الواحد
يفكرك جايب نسوان فى المكتب
شهقة منفلتة من تلك التى تقف فى الزاوية رمقها بطرف
عينه ثم اعاد نظره إلى كنان وهو يحك مؤخرة
رأسه بينما كنان يطلق شرر من النار فهمس بصدق:
-أنا بجد معرفش أن كيان هنا، كانت مزحة ورشقت
ابتسمت بيلا بعملية محاولة تغير الحديث قائلة:
-مساء الخير يا جماعة عاملين أية ؟!
احنا جايين عشان التسليم المفروض المكتب هيستلم
شغل النهاردة عشان الافتتاح
ابتسم كنان بمجاملة:
-الحمدلله، انت اخبارك أيه يا بيلا؟!
طبعًا تنورى
ثم صوب نظره نحو ضياء قائلًا ببرود وغطرسة:
-انت اية اللى جابك وجودك مالوش لازمة اصلًا
تقدم ضياء يقف بجواره قائلًا بهمس:
-حاول تحترمنى قدام مراتى
مازال الباب مفتوحًا وقف كرم على الاعتاب يطرق الباب
هزت بيلا رأسها بابتسامة ناعمة لتسمح له بالدلوف ثم
حدثتهم:
-الباشمهندس كرم هيستلم شغل شركتنا والحفلة
خلال اسبوع
تقدم للداخل ثم رمقهم جميعًا سريعًا وثبت نظره على
كيان:
-عاملين ايه يا جماعة
كيان اخبارك اية
تقدمت خطوات تقف بجوار كنان قائلة:
-الحمدلله يا كرم انت عامل أية؟!
******
غشاوة حاوطت عيناها اخر شئ تتوقعه أن يقترب
منها رغمًا عنها الأمر اشبه بالاغتصاب بكل قذارة
شعرت بغصة مؤلمة بحلقها انفاسه تسحبها لنوبة
من الغثيان، تحولت ملامحها النضرة إلى الشحوب
نظرات الانتصار تملأ عيناه القاسية، اقترب يهمس
بجوار اذنيها:
-أيه يا كوكو حد يعامل جوزه كدا
سحبت قوتها المختزنة تحت طيات الخضوع
ودفعته بحدة بعيدًا عنها وهى تتنفس بهدر :
-انت مش رجل، الرجل يعنى الأمان وانت ولا حاجة
انت رخيص يا باهر، رخيص لما تصور مراتك عشان
تبتزها دا اسمه رخص وعهر أيه حاجة بعيد عن الرجولة
كل دا من عقدة نقص جواك عشان أنت ولا حاجة
أنا ساكته عشان مكسرش اخويا بواحد و** زيك
جاءها رده سريعًا صفعة قوية جعلت الدماء تسيل
من شفتيها قائلًا:
-مش عارف مين اللى هيبقى رخيص لو نزلت
فيديوهاتك فى كل حتة وانا ساعتها ولا اعرفك
أنا شكلى مش باين حاسبى على كلامك يا قطة
صرخت بحرقة وهى ترتمى على الفراش بقهر:
-منك لله يا باهر زى ما دمرتنى
رمقها باشمئزاز ثم صفع الباب خلفه فاصدار صوتًا
عاليًا مما جعلها تنتفض اكثر
*****
ساروا جميعًا فى رواق المشفى حتى وصلوا إلى حديقة
المشفى حيث يقام حفل الافتتاح وبدأت بيلا بالشرح
وانتبه لها كلا من ضياء وكنان بينما انتهز كرم الفرصة
ومال على كيان يهمس لها قائلًا:
-كيان عايزك فى خدمة
عقدت حاجبيها من طريقته ومن نبرة صوته فابتلعت ريقها
قائلة:
-خير!!
-اخت ضياء كارما بقالى يومين مش عارف اوصلها
ما تحاولى تعرفى من اخوها هى فين وليه مختفية
ضربت على صدرها بقوة وتوسعت عيناها قائلة:
-يا نهارك أسود انت علقت البت
انتبه الثلاثة لهم ثم استداروا وعلامة الدهشة والتعجب
تحتل وجوههم ابتلع كرم ريقه بتوتر قائلًا بحدة زائفة:
-ايوة علقتها وكويس انها جت على قد كدا
هاجر دية اكتر بنى ادم مستفز وانتِ اصلًا متعرفهاش
صمتوا لثوانى ثم اعادت بيلا ما تقوله ابتسم كنان
داخل نفسه على اندماجها مع افراد اسرتها قد تكون
خطوة لتخلصها من ذكرياتها بينما هى تنفست الصعداء
همس كرم من بين اسنانه:
-هتودينا فى داهية ماكنش طلب اومال الكل بيقول
جدعة جدعة جيتى عندى أنا وشطبتى
هزت رأسها بيأس ثم تقدمت تقف بجوار كنان انتهت
بيلا من حديثها بينما صفق لها ضياء بحرارة قائلًا:
-بجد شابوه
ابتسم كنان بعملية قائلًا:
-روعة يا بيلا تسلم افكارك
اتسعت ابتسامة كيان قائلة جملتها وهى ترمق كرم:
-حلو اوى متوقعة يوم الافتتاح هيبقى جامد وهيبهر
الكل خصوصًا انطى نهلة وانطى هويدا
هز كنان رأسه بسعادة بينما حدثها ضياء بأسف:
-للأسف ماما وكارما رجعوا دبى تانى هى اصلا
كانت جاية عشان فرحنا
اغلق كرم جفنيه بألم، شئ ما بداخله يخرج عن السيطرة
تفحص المفكرة التى بيديه مدعيًا تسجيل بعد الملاحظات لم يتحدث سوى بضع كلمات قليلة ثم
غادر
******
-أية رأيك بقى مش فكرة
قال تلك الكلمات كنان وهو يغمز بعيناه لضياء وهما
يقفوا أمام محل الدراجات البخارية بينما قطب
ضياء حاجبيه متسائلًا:
-أية الحوار فهمنى
سرد له كنان ماحدث هز ضياء رأسه بتفهم قائلًا:
-يعنى أنت هتشتريه بس هتفهمها أنه قسط
ياعينى على الجدع لما تبهدله الأيام
بالداخل اخذت كيان نفس عميقًا وهى تحرك بؤبؤ عيناها بين الدراجات البخارية انضم لها كنان بعد قليل
وهو يدس يده فى جيب بنطاله قائلًا:
-أنا شايف النوع دا مناسب خصوصًا فى توصيل
الطلبات وكدا
استدارت له وهى تهز رأسها بالموافقة، وقف ضياء
بجوار كنان ثم اخباروا كيان وبيلا عن مخططاتهم
للقيام بجولة بالدراجات البخارية كانت الفتاتان
أعينهم تشع بالحيوية والحماس، فى ثوان
كان يستقل كلا من كنان وضياء الدراجات البخارية
سارت الفتاتان واستقلتا الدراجة البخارية خلفهما
تشبثوا جيدًا ثوانٍ وكان ينطلق ضياء وكنان يتسابقون
بمرح والفتاتان يصرخان بسعادة و تفجر الادرينالين بداخلهم، طاروا بعيدًا عن الازدحام والضوضاء حتى وصلوا
أعلى جبل المقطم هبط كل منهم من على دراجته
وجلسوا على صخرة كل ثنائى على مسافة لا بأس
بها همس كنان:
-مبسوطة؟!
كانت اطلالة رائعة على القاهرة من اعلى المقطم الهواء
نظيف ومنعش همست كيان:
-اوووى الجو هنا يجنن
مد يده احاط كتفاها بحنو وهو ينظر امامه فصاح
ضياء قائلًا:
-عم الدنيا خف شوية انا مش معايا البطاقة ولا حتى
الباسبور
استدار كنان له كانت عيناه كالجمرتين يجز على اسنانه اما كيان كانت كالفأر المبلول، فرفع ضياء يده دليل علامة الاستسلام، لكزته بيلا فى كتفه قائلة:
-أية قلة الذوق دية؟!
ينظر إلى خصلاتها الثائرة بفعل الهواء اهلكت نبضات
قلبه فغمز لها مردفًا بوقاحة:
-سيبك انتِ أول مرة اشوف مكنة راكبة مكنة
تزايدت نبضات قلبها ثم عضت على شفتيها تعلم منحنى
حديثه ثم هتفت بدلال مدعية البراءة:
-يعنى أية؟!
-لأ الموضوع دا محتاج شرح هناك على السرير بتاعنا
حيث أقدر افهمك انواع المكن باستفاضة
انفلت من شفتيها شهقة، وهى تسبه عديم التربية
الوقح، المنحل ثم همست بخفوت:
-بس ضياء هو كل حاجة وقاحة كدا
-مش بعرف افكر فى حاجة تانية طول ما انتِ وحشانى
على الجانب الأخر نظرت كيان لكنان بحزن وهى تشير
نحو المطعم الذى على بعد خطوات منهم قائلة:
-أنا جوعت اوى
جذب خصلات شعره وسب عقله كيف لم يتذكر أنها لم تأكل منذ الصباح همس بأسف:
-أنا ازاى نسيت أنك ماكلتيش حاجة وانتِ معايا من
الصبح اسف بس عشان تعذرينى ببقى عامل ازاى
وانتِ معايا، بنسى حتى اسمى بتوه فى بحر عينيك
زمت شفتاها بتذمر ومعدتها اصدرت بعض الاصوات
فهمست قائلة:
-مش وقت رومانسية خالص، انت مجوعتش؟!
قهقة عاليًا ثم نهض لينفض الغبار من على بنطاله ومد
يده ليجذبها بقوة جعلها ترتطم بصدره فهمس بجوار
اذنها:
-جوعت بس عايز أكلك انتِ
توسعت عيناها وهى تعض على شفتاها السفلية وتحول لونها الوردى إلى احمر متقد وبدأت اطرافها بالارتعاش ثم تقدمت تتابع السير فسحب ضياء يد كنان للخلف خطواتين قائلًا:
-ما تهدى يا عم الشباب والرياضة الغلبانة بتحمر
وتصفر فى ايدك وقاعدة تشهق كل شوية ناقص
تفور فى وشنا البوكس لو عدى هسلمك تسليم
أهالى خد بالك
تحولت ملامحه وجز كنان على أسنانه حتى استمع
ضياء صوت اصطكاكهما ابتلع ريقه بتوجس لكن كنان
خالف توقعاته وهو يربت على كتفه قائلًا:
-ما دا العشم بردو يا صاحبى
ثم تركه وتقدم يسير بجوار كنان بينما ضياء فرك
وجه قائلًا:
-الواد دا ناوى على غدر يا منجى من المهالك يارب
بعد قليل كانوا يجلسوا فى المطعم يحتسون القهوة
بعد تناول وجبة دسمة ولا زال كنان محتفظًا بابتسامته
وعيناه تلمع بمكر فحدث بيلا قائلًا:
-الفرح بتاعكم كان حاجة فوق الخيال لحد دلوقتى
تريند ومتصدر الاعلام مش عايزه اقولك اتسحلت
ازاى مع ضياء
-أنا لسه متابعتش غير امبارح وحقيقى مبهورة، وبجد
اسفة على تعبك يا كنان
اجابها كنان بكل بساطة قائلًا:
-لأ اسفة على أية، طول عمرى مسحول معاه كدا
كل ما يحب يعمل مفاجأة كدا مرة أخلى السما تمطر
ورود ومرة اولع قناديل مضيئة رومانسى على طول
بصق ضياء قهوته فى وجه كنان فرمقه كنان بتقزز
وهو يسحب محرمة لينظف قميصة أما كيان توسعت
عيناها بذهول بينما بيلا طالعته بنظرة متوعدة قائلة:
-والله وكل دا بقى لمين إن شاء الله؟!
******
خرج كنان من الحمام عارى الصدر لا يرتدى سوى سراول
قطنى قصير ويلف منشفة حول عنقه مضى نحوها واحتضانها من الخلف فاجفلت من لمسته عندما شعرت
أنه عارى الصدر، أوتار قلبها تصرخ هلعًا ومضات من الماضى تمر أمام عينيها بشتى الطرق
تحاول ابعاده عنها وهى تلتقط انفاسها المسلوبة تلجلجت وتلعثمت:
-كنان كدا مينفعش لو سمحت ابعد، ابعد لو سمحت
ارغمها على الالتفات وهى بين يده ثم همس امام
شفتاها قائلًا:
-مش كفاية بعد
اغمضت جفنيها وهى تشعر بتذبذبات نبضاته الثائرة
هتفت بنبرة متحشرجة محاولة كبح دموعها قائلة بقهر :
-فى حاجات فى الماضى مش قادرة اتخطاها مش
عارفة بحاول ومش قادرة .. كنان انا ابتديت اروح
لدكتور نفسى أنا حابة أكون كويسة
اسند جبينه على جبينها ومد يده يتناول كفيها المرتعشة
بين كفيه قائلًا:
-دية خطوة صح لو أنى كنت حابب تشاركينى فيها
من الأول، بس متأكد هتبقى كويسة عشان انتِ عايزة
كدا وعشان عارفة أن مستنيكِ
وضع كفها أعلى اليسار لديه شعر بقشعرة بدنها اثر
لمس صدره العارى لكنه همس بصوته الأجش ليخترق
جدار قلبها مردفًا:
-المهم أنك تكونى حاسة بدا حاسه بنبضاته اللى بتزيد بقربك، وتأكدى أن دا عشق مش شفقة
أنا بقت حياتى بتلف فى مدارك صدقينى بحبك
وهستنى يا كيان هستنى وأنا فى لهفة اليوم اللى
تكونى فيه مرتاحة ومأمنه بحبى وحاسة بقلبى
اللى ابتلى بداء العشق، وتعرفى انى جيشك اللى
استحالة يتهزم سألتى حب ولا شفقة
دا عشق يا كيان مش حب
وقفت مشدوهة تنظر إلى عيناه، هربت دمعة من عينيها
تأثرًا بكلامه وأدتها سريعًا باناملها وهى تنظر فى عيناه
مرة اخرى تحتفظ بتلك النظرة إلى الخلود، سحبها
معه للفراش بينما وقف يرتدى تيشرته قائلًا:
-جيبلك حتت فيلم كارتون جامد
الفار الطباخ احسن شيف عشان ما تفتكريش نفسك لوحدك الشيف
دخل تحت الغطاء بجوارها يسحبها إلى صدره أكثر
ثم قام بتشغيل الفيلم الكارتونى على هاتفه فهمست
-كنان ميرسى
- كنان وسنينه يا ستى اتفرجى وانتِ ساكتة
هزت رأسها بالايجاب وهى تبتسم باستيحاء ثم حدثته:
-أنت ازاى تعمل كدا مع ضياء حتى لو هزار دا تقيل اوى
-هشش، أنا عارف بتصرف ازاى مع الاشكال دية
هزت رأسها بيأس ثوانٍ وتثاقلت جفونها تنام على ذراعيه كطفل صغير فاتحة ثغرها ابتسم كنان على هيئتها ثم
طبع قبلة هادئة على وجنتها ودثرها بالغطاء اكثر
*****
-روح نام يا ضياء أنا هسهر مع بابى عشان واحشنى
تلك الجملة نطقتها بيلا بتحدٍ وهى تندس داخل احضان والدها، فرك ضياء وجهه بعصبية وهو يسب ويلعن كنان
فنطق حماه بانتصار قائلًا:
-اه يا ضياء روح ريح جسمك يا حبيبى حتى فى هالات
سودة بدأت تظهر تحت عينك
فرك وجهه قائلًا بنفاذ صبر قائلًا:
-بيلا قومى يا حبيبتى
-قولتلك بابى واحشنى ولا اقولك أنا مش هقوم
غير لما تخلى السما تنزل ورد أو تنور ليا قنديل
نور ها
قهقة والدها وهو يرمق ضياء بطرف عيناه قائلًا بخبث:
-معقوله هيخلى السما تنزل ورد دا جو عشاق من الدرجة
الأولي
-شفت حتى بابى اهو اعترف دا جو عشاق مش علاقات عادية
اقترب منها وعيناه لاتنذر بالخير يحملها بين ذراعيه
كشوال بطاطا كخف ريشة تحمل على كتفه وصعد بها
الدرج اما هاشم كان يصرخ من الاسفل فاستدار له
قائلًا:
-خد بالك انت كدا نكشتنى وأنا فى النكش مقولكش
يا هيشو وهنشوف رأى بلبلة
تتلوى بقوة كثعبان على كتفاه تضربه على ظهره بشراسة حتى وصل إلى غرفتهم وضعها على الفراش
برفق تنهدت وهبت واقفة تطوى ذراعيها امام صدرها
قائلة:
-رومانسى اوى مع الكل مشاعرك فياضة
-ابدًا عمرى ما كنت ولا هكون غير معاكِ لأنى مغرمك
وعلى فكرة كنان بيعمل كدا هزار عشان موقف الصبح
بتاع المكتب هزار
-عبيطة أنا
اقترب منها يمرر يده على وجنتها خفقات قلبها تصدر
كالطبول تدوى فى ارجاء جسدها وتدفقت الحمرة
إلى وجنتيها ليقول هو:
-قطع لسان اللى يقول كدا مين دية اللي عبيطة
كانت بعالم اخر بسبب قربه المهلك، ثم همس فى اذنيها
-الواد كنان دا حقودى سيبك منه وتعالى افهمك يعنى
أيه مكنة وراكبة مكنة
-ضياء
اقترب يهمس امام شفتيها وهما لا يفصلهم سوى بعد الانشات:
-هو أنا قولتلك متناديش اسمى من على قرب كدا تانى ولا لأ
******
فى نسمات الفجر الأولى وقف طاهر ينظر إلى السماء
والنجوم، مر أكثر من شهر وهو يتخبط ويتيه بين اعترافه ونكرانه كتم تأوه يخرج من اعماقه وهو لا
يصدق حب هاجر الذى سرق لبه وخطف قلبه
يشعر بالغرابة وهو بعيدًا عن عينيها، دون أن يشاكسها
تلك الخبيثة تسللت داخله دون أن ينتبه نطق اسمها
بتلذذ:
-هاجر
لكن عندما تذكر خطبتها جعل شياطينه تتراقص فى مقلتيه يسب ويلعن ذلك السمج الدخيل لكنه سيعود
وسيستردها من ذلك المتعدى نعم هو تعدى على
ممتلكاته
****
فى صباح نفس اليوم اطلقت والدة هاجد البخور بالمنزل
بأكمله حيث اليوم زفاف ابنها كانت تتمتم بالآيات القرآنية
والأدعية كى تكتمل فرحة ابنها الذى جافى النوم جفنيه
طيلة الأيام الماضية
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل التاسع عشر
وقفت بيلا تتابع انعكاس ضياء فى المرآة، فغمز لها
بعيناه جعل الدماء تتوقف فى شرايينها، استدار ضياء وتقدم نحوها، امتلات عيناها بالدموع ظلت تنظر إلى
تقاسيم وجهه عيونه الخضراوتين التى تشع عشق
همست:
-ميرسى على كل حاجة يا ضياء
على كل احساس ومشاعر حلوة عيشتها ليا على
كل مرة كنت بتخطفنى من حزنى لعالم الفرحة بتاعك
سحبها نحو حضنه ليضع يد خلف رأسها واخر على
على ظهرها وهو يستمع إلى صوت بكائها الذى جعله
يغمض عيناه ويسحبها إلى حضنه أكثر من مرة بضع
دقائق ثم شاكسها:
-لا عايز اشوف الضحكة انهارده، احنا هنتنقل بيتنا
الجديد اللى هيشهد على معارك تاريخية وثوارت وذكريات
لكزته فى كتفه وهى تبتسم:
-كله كدا وقاحة وبعدين معاك
-دا أنا وانتِ والشيطان تالتنا وتقوليلى بعدين معاك
يلا الشنط نزلت خلينا نلحق الشغل
هبط ضياء وبيلا للطابق الأرضى كان هاشم ولبنى يجلسوا على طاولة الطعام يتناولون الإفطار فانضموا
إليهم، ثبت ضياء نظره على الباب ثم نظر إلى ساعة معصمه فى ذلك الحين دق جرس الباب ابتسم ضياء
وهو ينظر إلى صحنه ثوانٍ وكانت تدخل إحدى العاملات
وبيدها باقات زهور حمراء، صفقت بيلا يدها عاليًا
ثم نهضت تتناولها من بين يد العاملة فحدثتها باحترام:
-مدام بيلا الورد دا مش لحضرتك
عبست ملامحها متسائلة:
-اومال لمين الورد الأحمر دا على الصبح
-للبيه الكبير
توسعت أعين الجميع بصدمة فنهض ضياء ليأخذ الكارت
المرفق ويقرأه على الملأ:
-صباح الخير
انا رجعت مصر متتصورش أيامنا وحشتنى إزاى أنا
هاجيلك الشركة قريب ونرجع ايامنا تانى
تجمدت الدماء بعروق هاشم ألتفت برأسه سريعًا ينظر
إلى زوجته ولم يتلقى منها سوى هدوء مخيف، اعاد
نظره إلى ضياء وهو يزأر بهياج قائلًا:
-أنت بتقول أيه يابنى أدم انت؟!
التو ثغر ضياء بخبث مردفًا:
-أنا مالى هو أنا اللى بقول دا اللى مكتوب على الكارت
نهض هاشم من مقعده يجلس بجوار زوجته وزادت
حيرتها وهو يتسأل بتوجس:
- حبيبتى اكيد فى غلط فى الكارت ومش أنا المقصود
تحمحم ضياء قائلًا:
-لا مكتوب من تحت إلى هاشم بين قوسين (هيشو)
لكزته بيلا فى معصمه، بينما لبنى طالعته بملامح جامدة
اقلقتهم قائلة:
-هيشو ورجعت من بره وتقولى غلط
بيلا خدى ضياء ويلا يا حبيبتى عشان متتأخروش
-يا مامى اكيد فى غلط
سحبها ضياء من معصمها برفق قائلًا:
-يلا يا قلبى مش كان عاجبك الورد الاحمر هاجبلك أنا
شحبت ملامح بيلا وهى تقابله بنظرة خائفة منصدمة:
-ضياء بابى ومامى ممكن يتخانقوا
-بابى دا لسانه متبرى منه ادعيله هو بيتحاسب دلوقتى
******
تسلل خفية إلى المنزل ملتفتًا حوله ليتأكد أن لا يراه
أحد، حتى وصل إلى غرفة والدته واضاء المكان بتلك
الأضاءة الضعيفة لكنها تكفى، قطب حاجبيه عندما
لم يجدها، توجه لغرفته وولج للداخل وجد كرم
ينام على فراشه، اغمض عيونه وهو يهز رأسه بيأس
جلس على حافة الفراش وهو يحدثه:
-انت يا كرم قولت ميت مرة مبحبش حد ينام فى
اوضتى
تذمر كرم فى نومته قائلًا:
-هشش، السرير كتير انت أيه اللى جابك اصلًا
فرك طاهر جبينه وهو يحاول التحكم فى انفعالاته فطاف عقله فكرة مجنونة فتناول زجاحة الماء وسكبها عليه فانتفض كرم مذعور بينما تحدث طاهر وهو يشير له بأصبعيه بتحذير قائلًا:
-غصب عنى ادلقت عليك أوعى تحاول
وبعدين أمك فين؟!
جز كرم على اسنانه وهو يخلع تيشرته المبلل قائلًا:
-هتلاقيها عند هاجر
بس وحياة امك لأوريك
ابتسم باتساع على ذكر اسمها قلبه يخفق بعنف بل سار
يتقافز بداخله بعشوائية، لملم ابتسامته ليحمحم
بخشونة وهو ينهض قائلًا:
-طب أنا هنزل ليهم
نهض متوجهًا نحو الباب فأوقفه كرم قائلًا:
-النهارده فرح هاجر
كم من المؤلم أن تحطم حلم شخص بكلمة، استدار
وهو يسأله بقلب يخفق بعنف من فرط الخوف:
-فرح هاجر؟!
ازاى؟!
-بقالى اسبوع يا طاهر بحاول اوصلك مش عارف
انت حتى مروحتش الشغل والفون غير متاح
خرج عن طور تحكماته وهو يصرخ بعصبية:
-كنت اتصرف مش لازم توصلى، اضربها اكسر دماغها الناشفة، هى مش بتحبه هاجر بتاعتى أنا يا كرم
-ازاى بس وانت قولت مش واثق يا طاهر كل شئ
قسمة ونصيب يا طاهر
شعر بأن الهواء لم يعد يتسع صدره، قلبه يتحطم
ضاقت به الدنيا، تمتم بلهجة قاتمة وهو يندفع
نحو الباب قائلًا:
-دا على جثتى أنه يحصل أنا هكسر دماغها
ومش هتكون غير ليا
****
حين اتحدث عن جمال القدر اتحدث عن اليوم الذى
سيعقدنى بك وسيجعلك حلالى، فأنا ممتن لعشوائية
الصدف التى اوصلتتى إليكِ
خرج هاجد من الحمام يسعل بشدة من رائحة البخور
نظرت له والدته باستياء، تجاهلت نظراته وجلبت
المبخرة تلف حوله وهى تمتم ببعض الايات القرآنية
والادعية، همس هاجد ساخر:
-مش كفاية بقى أنا قومت مفزوع على كمية الدخان
دية أنا قولت هولع قبل ما اتجوز
بعد الشر، فاضل كام ساعة ويتكتب الكتاب وتبقى أحلى عريس فى الدنيا، وتشوف هاجر بالفستان
الأبيض اللى اختارناه قمر
اتسعت ابتسامته الرائعة وملامح وجهه المشرقة اثلجت صدره بكلماتها وادخلت السرور لقلبه، فدائمًا قلب العاشق دليله
يعلم انه ستكون ملكة على عرش الجمال كملكة اغريقية
فاق من شروده على صوت والدته قائلة:
-أنا حضرت ليكم اكل فوق وعملت صينية بقلاوة كبيرة
تجاوزها وهو يمضى نحو خزانته قائلًا بخفوت:
-مالهاش لازمه البقلاوة اتهارده
اسرت والدته ضحكتها بصعوبة فقد سمعت ما قاله
ثم تركته وانصرفت للخارج
*****
طرق بعنف على الباب، تململت فى نومتها واضعة وسادتها فوق رأسها، لكن الطرق يزداد زفرت بسأم
وهى تنفض الغطاء بعيدًا عنها وهى تسب وتلعن تناولت اسدالها توجهت نحو الباب لتجد طاهر امامها وملامحه لا تنذر بالخير شعره مشعث وعيناه تطلق شرر، سرعان ما انفلتت منها شهقة، فى ثانية كان يكمم فمها ويلج للداخل ويغلق
الباب خلفه قائلًا:
-اخرسى يا هاجر مسمعش صوتك
انسحبت الدماء من وجهها وكأن قلبها توقف عن الضخ
انصاعت له وهزت رأسها بخنوع رفع يده عنها فهمست:
-انت هتقتلنى ولا أيه؟!
وهتطلع خلف الاسوار اعقل يا طاهر أنا بنت عمتك
-اخرسى يا هاجر بقولك.. ازاى هتتجوزى انهارده ؟!
وأنا يا هاجر.. طاهر؟!
رمشت وعيناها تتسع بصدمة تتمثل فى حدقتيها وحديثه
لا يعنى سوى شئٍ واحد، شهقت بدموع وهى تسأله:
-قصدك أيه؟!
-أنا بحبك يا هاجر...بحبك كنت محتاج وقت بس..لكن
انتِ بنسبة ليا أول حب بحياتى صدقينى انا مش متخيل
ازاى توافقى على المهزلة دية انتِ بتحبينى يا هاجر
أنا ومش حد تانى
تسمرت مكانها للحظات وهى لا تستوعب أن طاهر
يصرخ بها معلنًا عشقه، اغرقت الدموع وجنتيها قاطعته
بلهجة حادة وعالية والجدية ترتسم على وجهها:
-والله لسه فاكر، ودا نمت صحيت اكتشفت حبى
اللى هو يوم الفرح بتاعى، لدرجة دية شايفنى
رخيصة جاى النهارده تقولى بحبك بسهولة كنت
فين من ساعة الخطوبة، بلاش فاكر معاملتك ليا
قبل الخطوبة أنت اكتر حد وجعنى
رمقها بحزن وقلب منفطر وهو يلاحظ خيبة الأمل بعينيها قائلًا:
-عارف، بس كنت خايف يا هاجر
-خايف؟! من أيه؟! منى أنا؟!
صرخ بعصبية ممزوجة بألم:
-من عمتى يا هاجر، عمتى اللى خلتنا نترمى بره
بيتنا لسنين يا هاجر وابويا يتغرب وامى دمعتها
منشفتش امى كانت تستنى كرم ينزل عشان
تبكى وكانت فاكرانى مش فاهمها كل حاجة كانت عمتى
سببها، أنا غصب عنى يا هاجر ولما كنتِ بتحاولى
تستفزينى كنت بشوفها فيكِ بس أنتِ مش هى
انا شوفتك وانتِ واقفة مع ساهر و كمان كيان
أنا اسف كان غصب عنى بس أنا كنت بحبك
واستحالة اسمح بالفرح دا يتم
نيران اضرمت بداخلها شاعرة باختناق حاولت التقاط
انفاسها لتصرخ بوجع وقهر:
-عشان غبى ومش بتحس ولا عمرك حبتنى يا طاهر
على طول شايف أمى فيا، مش شايف اللى أنا عشته
وعانيته مش شايف معاملة الكل وهما بيحاولوا يعوضونى، اطلع يا طاهر بره، فى راجل جه طلبنى
ودخل البيت من بابه ونزلت أنا وامه اخترت فستان
الفرح واستحالة اكسر فرحتهم، عارف ليه يا طاهر عشان
أنا مش زى عمتك ولا أنانية اطلع بره أنهارده هيتكتب
كتابى، ولما تحس انى وحشتك أبقى افتكر عمتك
انا دلوقتى اتأكدت من اختيارى وأى حاجة يا طاهر
هتعملها استحالة اسامحك أو اكون ليك
بهت من طريقتها ثم فرك وجه بعصبية وجل ما يدور
بعقله أنه سيدفع ثمن غبائه..!!
سيعاقب بالفراق..!!
سيعاقب على ذنب لم يقترفه
يشعر بأنه في كابوس، انشق قلبه نصفين وادمعت عيناه من قسوة قلبها ابتلع غصة بحلقه قائلًا:
-بس انتِ بتحبينى أنا يا هاجر عمرك ما هتكونى
مبسوطة
ابتسمت بوهن فماضيها يبتز حاضرها فكيف سيكون
مستقبلها:
-وعمرى ما نكرت وكان باين للكل بس بعد مبررك
استحالة نعيش مع بعض اكيد هيجى وقت وهتقارن
تصرفاتى بأمى حتى لو بحسن نية، اطلع يا طاهر
وجودك هنا ما يصحش زمان بابا جاى، اكيد ليك
نصيب مع غيرى، اكيد احنا مش مكتوبين لبعض
بدليل كتب الكتاب بعد كام ساعة
-بلاش وجعى يبقى بإيدك انتِ، اى حد إلا انتِ يا هاجر
أنا بحبك بكل ذرة فيا، وكتب الكتاب يتلغى عادى
-قولتلك مقدرش اكسر فرحتهم بالطريقة البشعة دية متكملش اكتر من كدا وبلاش توجعنى وتوجع نفسك
يلا يا طاهر امشى
تقدم نحوها بحذر وقبل ان يمد يده لوجنتها ابتعدت
للوراء وادارت مقبض الباب واشارت بيدها للخروج
قلبها يتلوى ولكنها على يقين انه قدر محتوم النفاذ
وليس لأحد يد به، ستطوى الماضى وسوف تبدأ
حياة جديدة أملًا فى بعض السعادة ولا تعلم ما
يخبؤه القدر
تساقطت دموع طاهر وهو يندفع للخارج لكنه توقف
يسألها بصوت متحشرج من بين دموعه:
-مفيش أمل يا هاجر؟!
رفعت عيناها إليه بنظرة لم ير اشد منها حزنًا بحياته
علم منها أنه سيتجرع كؤوس العلقم باقية حياته
اكمل طريقه للخارج
*****
ولج للداخل وكلمات تلك الاغنية تنساب بصخب إلى
مسامعه فتوجه صوب المطبخ كانت تتحرك بابتسامة عابثة وخصلاتها
الفحمية تحاوط وجهها لتعطيها فتنة وجرأة كأجمل
أمراة بالعالم بذلك الثوب الاسود الذى يحتضن
جسدها بنعومة وبه شق واسع من الظهر وقف
بتلك الزواية حيث يراها ولا تراه كانت تقوم بمزاح وتتبادل الحديث مع والدته يبدو أنها كانت
تعلمها الطهى كانت رؤيته لها بهذه الابتسامة تساوى
مائة عام من السعادة، هى نعمة و لعنة فى نفس
الوقت تجلب له السعادة ويمكن سحبها فى غمضة
عين مع كلمة مع موقف، تقدم نحوهم بقلب ملئ
حتى التخمة بالحب فهمس :
-هنتغدا أيه النهارده يا شيفات
اجابته والدته بحنق:
-طواجن ويارتنى ما كنت دخلت معاها هنا أنا كل يوم
بأكل واستمتع بس انهارده بعد ما شفت كمية الدهون
دية استحالة أكل
قهقة كيان على حماتها التى انصرفت مسرعة خارج
المطبخ وكأن الدهون ستلتصق بها فاقترب منها
كنان وهو يعض على شفته السفلية فرجعت للوراء
حتى انصدمت برخامة المطبخ خلفها فاقترب منها
اكثر فهمست باستيحاء:
-كنان حد يدخل علينا عيب ما يصحش كدا
مد يده يلتقط تفاحة من خلفه ثم قضمه قائلًا وهو يغمز لها:
-أنا كنت بس عينى هتطلع على التفاحة اللى وراكِ
انتِ دماغك راحت فين؟!
أنا ملاحظ اليومين دول تفكيرك بقى كله فى المواضيع دية
اتسعت عيناها بصدمة، لتغزو الحمرة وجنتيها وهى
تدفعه بصدره مبتعدة عنه محاولة أن تجمع الحروف
التى تناثرت بفعل كلماته:
-كنان.. ااتفضل بره عشان اخلص اللى ورايا وألحق
الفرح
حاوط خصرها من الخلف فسكنت بين يديه فهمس فى
اذنيها:
-أنا لغيت كل شئ ورايا عشان نروح مع بعض الفرح
استدارت بين ذراعيه ثم ارتفعت على اصابع قدميها لتجارى طوله معلقه يديها على كتفه وطبعت قبلة
ناعمة على وجنته بسابقة أولى لها فدائمًا هو المبادر او المعبر عن عشقه لها شد أكثر علي حضنها وهو يهمس
بجوار اذنيها بصوته الاجش:
-عارفة اللى انتِ عملتيه دا أيه
هزت رأسها ببراءة قائلة:
-كنت بشكرك
ضاع معها وبها من اثر لمساتها فهمس:
-تسمحيلى اشكرك بشدة انا كمان
-وقح على فكرة ، يلا بسرعة أحنا اتاخرنا
قالت جملتها وانفلتت للخارج فحك مؤخرة رأسه:
-لعنة الحب اهى، الناس تدوق حلاوة الحب وجمال
الحب وانا الوحيد اللى دوقت اللعنة اول حاجة
*****
-أنا جهزت أنا رايح بس عشان كيان أنا مش طايقك
اصلًا
تلك الكلمات نطقها تامر وهو يرمق نفسه فى المرآة
هز ساهر رأسه بيأس وهو يتمتم:
-يارب هو أنا كان ناقصنى
ثم استرسل:
-يابنى أنا عملتلك حاجة
-هو اللى عملتوا مع كيان شوية محدش حاسس باللى
عاشتوا قدى، أنا اصلًا مش عارف هى ازاى قبلت تتعامل
معاك
عقد ساهر حاجبيه هادرًا:
-قولتلك كذا مره ماكنتش اعرف ولما عرفت كان
متأخر واستحالة كنت هقبل بحاجة زى دية
التو ثغر تامر بتهكم:
-ما اظنش؛ بيتهيألى الظروف الاخيرة هى السبب
أنك تقبل كيان فى حياتك
حاول ساهر كظم غيظه وضبط انفعالاته رغمًا أنه
يتعمد وضع الملح على جروحه اللينة فأجابه:
-انت بسنغرب من طريقة تفكير المجتمع وبتلوم علي الناس رغم انك زى معظمهم بتحكم من غير ما تفهم او تتعامل مع البنى ادم اللى قدامك..يلا هنتاخر
ساد الصمت بينهم وهو يطالعه بنظرات باهتة خالية من
المشاعر ثم قال بصوت فاتر
-يلا بينا
*******
فى المساء
فى قاعات الأفراح حيث يقام حفل الزفاف كما يسمى
زفاف اسلامى صف كنان سيارته وعلى ملامحه علامات
الضيق هبطت كيان وهو خلفها ثم همست:
-مش ناوى تفرد وشك دا
اشاح بوجه للجهة الاخرى قائلًا:
-لأ وابقى فكرينى لما نروح اقطع الجامبسوت دية
حاولت كتم ضحكاتها قائلة:
-حاضر أول ما نروح على طول هجبلك المقص بنفسى
-كيان متستفزنيش بطلى ضحك
هزت رأسها بالإيجاب قائلة:
-يلا بقى أنا داخله زمان الميكاب ارتست جت جوه يلا بقى
******
ولج طاهر لغرفته وتذكر حينما كانت تشاكسه وتقوم
بنقل اغراضه من مكانها وضحكاته التى كانت تملأ بيتهم ليدنو من الفراش بوهن لم يتحمل فكرة فراقها داخله مهشم لفتات، لا يريد أن يحيا بلاها حياته لا معنى
دونها، فتح باب الغرفة وولج كرم رفع طاهر عيناه بتلقائية نحوه شاعرًا بندم بالغ وخزات بقلبه يهمس
من شفتاه وهو ينحب:
-خلاص كدا هاجر ضاعت منى يا كرم
اغمض كرم عيناه بألم على حالة اخيه قائلًا:
-يمكن كدا احسن ليكم مالكمش نصيب ولعله خير
أنا هروح عشان الواجب بس وانت نام شوية
لعله خير يا طاهر
ظل يردد كلماته بصوت خفيض يتخلله نشيج بكائه
ونهنهاته التى جعلته كطفل صغير يبكى على ضياعه
لوالدته فى منتصف الطريق غير قادر على السير
يشعر بالخوف والضياع
*****
-ايوة حضرتك جاى مع مراتك انا لازمتى أيه
-تلك الكلمات قالها ضياء وهو يرمق كنان بطرف عيناه
استند كنان على سيارته قائلًا:
-تسلينى
-نعم هو اراجوز تصدق انى غلطان انى جيت
جذبه كنان من معصمه قائلًا:
-ما تهدى كلها ساعة ونروح اهى عربية العريس
اللى مليانة ورد وصلت
قهقة ضياء وسرد له على مقلبه بحماة هز كنان رأسه
بيأس قائلًا:
-يعنى تسيب البيت وتسيب للراجل مصيبة
أنا مشفق عليه منك
-هشش، يستاهل وانت دورك جاى على فكرة
التو ثغر كنان بسخرية قائلًا:
-ولا تقدر
*******
بدأ المدعوين بالتوافد إلى الزفاف كانتا قاعتي الافراح
يتميزوا بالرقى والجمال كانت هاجر ترتدى فستانا
ابيض ينساب على جسدها وحجابًا ابيض وتاج
كتاج الملكات مرصعًا بالالماسات (زائفة) كانت ملكة اغريقية جلست
بجوارها كيان متسائلة:
-مالك يا هاجر؟!
ابتلعت هاجر قائلة:
- مافيش التوتر العادى بتاع اى عروسة
هزت كيان رأسها على مضض بينما اقتربت حماتها تسحبها معاها وسط ساحة الرقص وهى تضمها
إلى صدرها بحنو أموى
بينما على الجانب الأخر كان يقف هاجد متألقًا كعادته
يرتدى بدلة سوداء (ميتالك) وقميصًا ابيض ورابطة عنق
سوداء زادته وسامه وهيبة فبدى مفتول العضلات
ممشوق القوام وكان يقف بجواره حسين ومصطفى
والد هاجر أما كرم كان يقف فى الزواية كمن يقف
على الجمر، ثوانٍ وولج المأذون لتتسع ابتسامة هاجد
وهو يرحب به ربت مصطفى على كتفه وبدأ المأذون
فى اجراءات الزواج ثم قدم الدفتر لهاجد الذى تناول
القلم مسرعًا ونقش حروف اسمه فى الرقعة البيضاء
ابتسم مصطفى وهو يحمل الدفتر متوجهًا لابنته قائلًا:
-مبروك يا جوز بنتى
اثارت كلمات حماة مشاعره وهو يحمل الدفتر حيث تقبع تلك التى احتلت عرش قلبه، بينما استقبلت والدة هاجد مصطفى بتباشير الفرحة وردت لتعلن للجميع عن
سعادتها قائلة:
- جه يا بنات، دفتر المأذون وصل يا بنات
وضعت الدفتر امامها على الطاولة وجلس والدها بجوارها وزعت نظراتها بين والدها والدفتر تنفست
بعمق ثم نقشت حروف اسمها وتعالت الزغاريط
بينما اخذت والدة هاجد الدفتر وتوجهت به
لأبنها تحضنه والدموع تغرق عيناها قائلة:
-مبروك يا غالى وبقت حلالك
فى هذه الاثناء وصل طاهر بملامحه التى يرثى لها
وما أن سمع صوت الزغاريط جثى على ركبتيه بصدمة
محاولًا فهم الإنقلاب الذى ظهر بحياته والحزن الذى
غيم عليه، القهر يطفو بداخله، وما أن رأه ضياء اسرع إليه بينما كان كنان يراقب خوفًا من ان يراه أحد
ساعده ضياء على النهوض واخذه معه داخل سيارته
قائلًا:
-وحد لله، كل شئ نصيب
-هى كانت نصيبى أنا
قرص ضياء مقدمة انفه هو يتمتم بخفوت وبصوت يكاد
أن يكون مسموعًا:
-ما البعيد كان أعمى
ثم حمحم قائلًا:
-بس دا اللى كان مكتوب من الأوائل
اخذ هاجد عروسته وخرج الجميع من القاعتان فألتقت
كيان بتامر وساهر ووقفت تحدثهم فقال تامر فجأة:
-انهارده ١٤ فى شهر والمفروض القمر طالع
والله أول مره اشوف قمرين
رمقه ساهر شزرًا اما كيان فتوسعت عيناها من غزله الصريح بها حتى جاء صوت يصرخ من خلفها بأسمها التفت
فوجدته كنان تجمدت فى مكانها...
رواية روح بلا مأوى الفصل العشرون 20 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل العشرون
كانت مشاعر هاجد تثور وقلبه لا يتوقف عن الخفقان
وعيناه تجوبان فستاتها الأبيض الذى ابرز منحنياتها
بسخاء داخله متأجج بنيران مشتعلة لم تخمد سوى بقربها ليرتوى منها
أما هى وقفت فى منتصف الأستقبال حاولت أن تجمع
شتات نفسها وهى تراه يقف امامها يبتسم، أتدعه
أما تخبره ما يجول بخاطرها وما سار معها
نظر هاجد لعينيها ليلمح بها التشتت فقرر هو أن يتولى
دفة الحوار حتى ترسو السفينة على ضفتيه، فاقترب
منها محتوٍ وجهها بينما ارتجف جسدها اثناء لمسه
لوجنتها، اهتزت حدقتيها، شفتاها تصطك ببعضها هاشة للغاية لكنها لم تفقد جمالها ملامحها الناعمة التى اسرته منذ أول لقاء، عازمًا هو أن يهدم حصونها رويدًا رويدًا، كان
يشبع شوقه المضنى بعيناها الشجية؛ فهو اشتاق
حد الجحيم لرؤيتها فى بيته بين يده، يتوق لقبلاتها
الحارة لكنه سيتسلح بالصبر
شحوب روحها كان يوازى الألم الجروح داخلها، كانت مقلتيها تجول داخل محجريها في كل الاتجاهات ما عداه تتلاشى النظر إليه عقلها يموج بها للعودة للساعات الماضية التى التهمت روحها وقلبها، سجدت اهدابها
على جفنيها، فهمس هو بصوته الأجش:
-مبرووك يا هاجر
فتحت عيناها ولأول مرة تطالع عيناه عن قرب مشاعر
مبهمة ومبعثرة تتسرب بين نياط قلبها ابتلعت ريقها بإرتباك
وهى تحاول التملص من يده مردفة بتلعثم:
-متشكرة، اأقصد الله يباركلك
توسعت عين هاجد بذهول من تلعثمها فى الحديث
وبدت كفأر مبلول فأنفجر ضاحكًا:
-الله يباركلك أية هو أنا بشحت
أومال فين ال ١٠٠ لسان يا هاجر
انكمشت ملامحها بضيق ثم أشارت إلى صدرها قائلة:
-انت تعرفنى عشان تهزر معايا
-لأ بس قولت يمكن عشان كتبنا الكتاب واتجوزنا فعادى
أني اهزر معاكِ
شعرت بغباء ما تفوهت به فقطع افكارها قائلًا:
-ممكن تدخلى تغيرى جوه وأنا هغير فى الحمام
بس بسرعة عشان نأكل أنا جعان اوى
تنفست الصعداء وانصرفت تتوارى داخل الغرفة
******
حدث ما لم تتوقع ظل طوال الطريق صامتًا يرتدى
قناع البرود ولم ينفجر بها كما توقعت، توجه للخزانة ليتناول
ملابسه ليستعد للخروج ثانية حينما انتهى من ارتداء
ملابسه وقفت امامه واردفت بهدوء:
-هو انت خارج؟!
تجاهل سؤالها بل تجاهلها كليًا ووقف أمام المرآة يعدل هندمة ملابسه، فركت يدها بتوتر وقفت خلفه مشتتة
ازدردت ريقها بصعوبة قائلة:
-أنت متضايق منى؟!
-لا
اجابها باقتضاب وهو يتجاوزها، اودعته بنظرة مترددة
ثم همست:
-هو أنت زعلت من كلام تامر هو ممكن يكون ماخدش
باله من كلامه
قهقه باستفزاز ثم اردف بهدوء متناهى:
-أزعل ليه؟!
معقول ازعل وفى رجل بيمدح فى جمال مراتى
أنا لازم أكون اسعد رجل على وجه الأرض،
طب بذمتك أزعل ليه إذا كنتِ أنتِ متضايقتيش
وبتطلعى مبرر وكأنه دا شئ عادى، اللى هو عادى
أن رجل يقف يتغزل فيكِ
شعرت بنصل حاد ينغرس فى صدرها من تلميحاته
كان يضغط عليها ليستفزها، اغمضت عيناها بوجع
ثم فتحت عيناها قائلة:
-كنان ممكن تحاسب على كلامك، أنا مقولتش أنه عادى
بس بقول هو ممكن مقصدش وأنا اكيد مش هسمح
لأى حد يتكلم معايا كدا بس يمكن عشان تامر واخد
عليا
اضمرت النيران بداخله تلاشت طبقته فصرخ بها ليفزعها:
-يعنى أيه تامر واخد عليا، وأى حد لأ وهو عادى
طبعًا هتقولى عشان ظروفه وأنا المفروض اسكت
واشوفه عينيه بتأكلك يتغزل فيكِ واربع ايدى
وابقى مبسوط صح
هزت رأسها بالنفى وانهمرت دموعها على وجنتيها مختلطة بكحلة عينيها روحها تحترق هو يعلم أنها
تخشى الصوت العالى:
-لأ، وليه تستحمل كل دا أنا قولتلك ردى قبل كدا
طلقنى لأنى مش هاعرف ابعد عن تامر واللى زيه
لأنهم محتاجين ناس جنبهم وانت اكيد مش هتتقبل
أى ردة فعل حتى لو عادى
سكين حاد انغرس بصدره قطعت نياط قلبه، اقترب
منها كفهد يستعد للانقضاض على فريسته، يجذبها من
معصمها واظافره تنغرس بلحمها ثم همس من اسنانه
الملتحمة وصب جام غضبه عليها:
-أطلقك أنا عشان مش قادرة تبعدى عن تامر يا كيان
دا ردك يا هانم على كلامى، بدل ما تقولى غلط وهقطع
علاقتى بيه دا رد واحدة على جوزها عايزه يطلقها
عشان تاخد راحتها مع راجل تانى
حاولت الفكاك من براثنه وجسدها ينتفض بين يدها
قائلة:
-لأ طلقنى عشان مش واثق فيا، عشان كل حاجة بينا
مختلفة كل حاجة بينا هتبقى مع الوقت أصعب عشان
تجريحك المستمر وتلميحاتك اللى استحالة أى واحدة
عندها كرامة تقبلها
جذبها إليه مقبلًا إياها بعنف كرد على كلماتها التى أدمت قلبه وضعت يدها على صدره
قاصدة ابعاده وهى تئن فاصبحت قبلاته حانية
ومازالت تدفعه بيده فوضع جبينه على جبينها
وهو يهمس بتملك:
-طلاق مش هطلق وانتِ بتاعتى وعلى فكرة أنا
لو مش واثق فيكِ مش هخرجك من البيت، وتامر
دا هتبعدى عنه يا كنان
ابتعدت عنه وتضم نفسها على الفراش وهى تبكى
بنحيب:
-لية كل ما اخد خطوة ارجع عشرة لورا
لية كدا؟!
*****
كانت ليلة اكتمال القمر بالسماء حاوطته النجوم بشكل
تؤازره باضاءة الكون ليلة قلبت حياة الجميع لم يجد ضياء بدا من مشاطرة طاهر حزنه هز رأسه بتنهيدة
ونظراته مسلطة فى الفراغ امامه ثم حدثه بنظرات
مطمئنه محاولًا نفض أى تفكير سلبى عن رأسه:
-يا طاهر محدش بياخد اكتر من رزقه فى الدنيا
وهى مش رزقك أنا حاسس بيك بس دا قضاء
الله اتمنى ليها حياة سعيدة وانت كمان حاول
تنساها وتبص لقدام
شعر بوخزة بقلبه على ذكرها فهو لم يستوعب
أنها تزوجت شخصًا اخر فهمس بألم:
-مش متخيل أنها تسيبنى وتبيعنى كدا بسهولة
حدق به ضياء بضع ثوانٍ ثم عقب على حديثه قائلًا:
-اظن أنها عملت كتير بس أنت ماكنتش مركز
كان باين عليها فكل تصرف
خبط طاهر على تابلوه السيارة امامه بعنف عدة مرات
وهو يصرخ بنشيج يتخلله البكاء:
-أنا غبى غبى
-ولا.. ايوة غبى.. وإياك ترزع على تابلوه كدا تانى
هو مال حرام واتفضل انزل انت كدا وقتك معايا
خلص
-انت مين قالك اصلًا تجبنى البيت
ماشينى من هنا كل حاجة هتفكرنى بيها
ودينى الشركة يا ضياء
زم ضياء شفتيه لعدة ثوانى دون رد عليه يرمقه
بشفقة على حالته كلما تخيل أنه كان من الممكن أن يوضع فى هذا
الموقف ليستسلم بالنهاية امام نظراته المتوسلة
وحرك محرك سيارته وانطلق
*****
وقف ساهر شاعرًا برغبة عارمة فى الفتك بتامر
فهو رأى اكثر من مرة ما يؤكد على حب كنان
لشقيقته وأن كانت طريقة تعارفهم خاطئة لكن
ما يظهر كنان لها من حب يغفر له الافعال الطائشة
زفر بحدة قائلًا:
-انت مش شايف انك زودتها مع كيان النهارده
عقد تامر حاجبيه متسائلًا:
-مش فاهم تقصد أية؟!
فرك وجه بكفيه قائلًا:
-انت ازاى تقولها كدا قدامى ها؟!
وجوزها سمع الكلام أية الحل دلوقتى؟!
-عادى انا متعود اتكلم مع كيان عادى بحسن
نية واظن انى ماتعدتش حدودى وقولت حاجة خارجة
تقدم ساهر حتى وقف امامه وهو يجز على اسنانه قائلًا:
-لا اتعديت وجوزها سمعك واكيد هيحصل بينهم مشاكل
بسببك، بينها وبين البنى ادم اللى بتحبه
تجعدت ملامح تامر قائلًا:
-كيان بتحب كل الناس اصلًا بدليل انها اتقبلتك فى
حياتها، واللى بينى وبينها ميخصكش وبلاش تعيش
دور الأخ دا
-لأ هاعيش دور الأخ وإياك تتجاوز حدودك تانى
انا رايح لوالدتى المستشفى وياريت تبطل طريقتك دية
هز رأسه بحركة بسيطة وملامحه مبهمة ثم قال بصدق:
-ربنا يطمنك عليها
*****
ولج ضياء إلى الفيلا أول يوم لهم معًا فى بيتهم
وما أن رأى بيلا انفرجت شفتاه بابتسامة عريضة
وتغرزت نواجذه وغمازاته المحببة لها، وهمس لها
بمشاكسة:
-اللى وحشنى، جيت جرى عشان نحتفل بالبيت
الجديد ونوثق اللحظة
انشق ثغرها بابتسامة وهى
تخطف النظر اتجاه والدها الذى يجلس خلفها لتغمغم
بصوت خفيض وهى تتحدث بحزن:
-انت كمان وحشنى بس يا ضياء بابى هنا متخانق مع مامى وانا زعلانة عليهم
جدًا.. وبابى جه يقعد معانا يومين
-نعم!!!
يقعد فين ومع مين
صدح صوت من الخلف قائلًا ببرود:
-هنا معكم يا ضياء مضطر وانت زى ابنى.. لبنى مش
عايزه تقعدنى اعمل اية لحد ما اعرف مين السبب
استدار له ضياء وفهم ببديهية ما يريمى إليه بحديثه
وعقب بطريقة مغتاظة:
-طب مش تحاول ولا تسيب البيت كدا
ولا أنت ما صدقت وجاى تقعد عندنا
قضمت بيلا شفتيها بحرج وهى تلكز ضياء بكتفه
قائلة:
-أية دا يا ضياء بابى ينور فى أى وقت
منه لله اللى كان السبب فى اللى حصل دا وزعل
بابى مامى يارب تجيلوا مصيبة وحياته تولع كلها و
توسعت عين ضياء بصدمة ثم كمم ضياء فمها سريعًا:
-بس حرام يا حبيبتى اكتر من كدا مصيبة اية
اممم قصدى حرام ندعى على حد احنا نقول ربنا يسهلوا
رفع هاشم حاجبه ثم اخفض عينه مدعيًا الحزن:
-أنا حاسس أن سكرى هيعلى عليا من كتر الحزن
دا انا شكلى هموت وانا نايم قولى للبنى انى بحبها
-بعد الشر يا بابى انا بكرة هروح لمامى أنا وهكلمها
وايه رأيك انا هنام معاك الليلة عشان وحشنى حضنك
بهت ملامح ضياء، ليضحك هاشم على تعبيره وقال
وهو يشرع لترك المكان متوجهًا مع ابنته للأعلى نحو
الغرفة:
-تصبح على خير يا ضياء ادعيلى اصحى الصبح
ألقى المشكلة اتحلت ها يا مسهل
*****
بعد مرور اكثر من ساعة وقفت هاجر تنظر لنفسها فى المرآة المعلقة بالغرفة
كانت ترتدى قميصًا وضعته لها زوجة خالها وشعرها
الغجرى المتناثر حول وجهها المستدير كأى فتاة كانت
تحتاج والدتها ودعمها فى يوم كهذا، زفرت تغمض
عيناها محاولة طرد تلك الدموع التى تتزاحم للخروج
من محابسهم لكنها فشلت
بينما فى الجهة الأخرى كان هاجد يجلس على المقعد يعبث فى هاتفه وهو ابعد ما يكون عن التركيز فكان جل تركيزه على من دخلت الغرفة ولم تخرج، نهض هاجد
وقلبه يعربد بين جانبيه بجنون، طرق على الباب
هامسًا اسمها بنبرة اجشة، لتفتح الباب ببطء
قطب حاجبيه عندما وجدها باسدالها، وقف
ينظر إليها بنظرات ثاقبة يتمهل بها امام وجهها
والذى اخذ الاحمرار بشدة فاخفضته تتهرب من
تفصحه فجذبها من يدها برفق ليجلسها على
طاولة الطعام قائلًا:
-أنا جعان اوى يا هاجر كل دا جوه
-طب كل استنتنى ليه؟!
اجابها بمزاح قائلًا:
-انتِ عايزة الناس تأكل وشى ويقولوا مستناش مراته
أنا مش عبعال اللى فى ريا وسكينة
زمت شفتيها قائلة:
-لو دا هزار وإفيه انصحك بلاش تهزر تانى
قهقة عاليًا وهو يفصص الحمام امامه قائلًا:
-للدرجادى دمى تقيل
مد يده أمام فمها بقطعة حمام، لتتسع عيناها من فعلته وارجعت رأسها للخلف وزعت النظرات بينهم
فكانت عيناه كضوء القمر الساطع أول مرة تتفرس ملامحه هكذا خصلاتة البنية الحريرية وبشرته البرونزية
توردت وجنتيها حين لاحظ نظراتها لتتلعثم بخوف بتوتر:
-شكرًا كل انت، أنا شبعانة
مد يده يضعها خلف رأسها وهو يدس قطعة لحم داخل فمها ثم سألها بهدوء وهو مازال يضع الطعام فى فمها:
-كتت بتعيطى ليه يا هاجر؟!
صدمها بحديثه وتوقف عقلها ولم تعلم بما تجيبه
حتى همست بخفوت:
-كنت محتاجة امى زى أى بنت فى اليوم دا
مسح بواقى الطعام من على شفتيها بابهامه برفق اغمضت عيناها بسرعة لتقاوم تلك الرعشة التى تغزو كيانها الضعيف فهمس لها:
.-اعتبرينى أمك واختك يا هاجر
ثم هز رأسه بنفى سريعًا معقبًا على كلماته:
-بلاش اختك دية لااتفهم غلط اصلها وحشة فى حقى
طأطأت رأسها وعلى ثغرها ابتسامة بسيطة لكنها
كانت له ابتسامة مشعة بأمل نطق بعشق دفين قد
آن الاوان للبوح به:
-أوعدك أكون أهل ليكِ
انسابت كلماته كترنيمة هادئة على قلبها ليهوى جبل الصقيع وأول مرة تستشعر دفء الكلمات كان يوعدها
بأمان ووطن ودفء استشعرته من كلماته لكن برأسها
اسئلة تحاصرها وداخلها يتخبط بحثًا عن أجابة
لماذا هى؟!
قاطع حبل افكارها قائلًا:
-يلا بقى يا هاجر عشان انا مش شايف قدامى هاموت وانام
-انت هتنام؟!
جملته البسيطة كانت كالمطرقة تدق جميع حواسه ودماؤه الهادئة التى اصبحت تثور داخل عروقه فهو
يريد قربها حد الجحيم لكنه لم يريد أن يفرض نفسه عليها من أول ليلة، سيكون ذلك الفارس الذى يخطط
ويصبر ويترقب حتى ينقض على قلاعها ويحطمها
ويحتل قلبها ولم يستسلم حتى ترفع راية العشق
****
بعد أن ادخلت الطعام المطبخ توجهت للغرفة ووجدته نائمًا على الفراش فاردف:
-هاجر يلا تعالى نامى عشان اطفى النور
لم تجد حروفها هربت من لسانها قلبها ينبض بعنف
يهتز ويهتز فى حلقة دموية كادت تجعلها صريعة لتو هى ليست بحزينة انه اتمت هذه الزيجة لكنها خائفة
فقط، لكنها ستمنح نفسها فرصة أومأت له لتجده يمد كفه العريض على الفراش وهو يضرب بخفة على مكانها بجواره لكنه همس:
-هتنامى ازاى باسدالك ياهاجر؟!
-عادى اه، عادى بقوم اصلى بليل
ابتسامة هالكة لمحتها على ثغره:
-روحى يا هاجر غيرى الله يهديكِ
بعد ثوان كانت تخرج من الحمام ترتدى منامة من الحرير
بلون الأسود تتكون من بنطال وبلوزة وشعرها الغجرى
متناثر على وجهها كانت كالشمس فى لهيبها، كانت
غجرية سليلة اساطير البندقية، عينيها
تميمة سحرية ابتلع ريقه محاولًا النجاة من بين امواج
الغرق قائلًا:
-سبحان الخالق
توجهت نحو الفراش دون الرد عليه واطفأت النور
قائلة:
-تصبح على خير
يود سحقها بين احضانه ان يضمها بكل قوته حتى يشعر بأن عظامها ستنكسر بين يداه
ترفع له القبعة انه استطاع التحكم فى اعصابه بسبب قربها المهلك
قائلًا بهمس
-تصبحى واللى فى قلبى فى قلبك يا هاجر
يا من جعلتى القلب ينبض لنبضك
يا سرقة الروح بتفاصيلك يا فخى الذى عشقته
***
******
فى صباح اليوم التالى
جلس تامر يتناول فطاره بمفرده وهو يبتسم بانتصار حينما يتذكر ما سار أمس فهو حين
لمح كنان مقبلًا عليهم فتعمد مغازلتها قاصدًا أن يستمع ما تفوه به تنهد قائلًا:
-كيان اصلًا حقى انا من الدنيا وعوضى عن كل اللى
شوفته واستحالة اسيبها كدا بسهولة