تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الأول 1 - بقلم سارة فتحي
لماذا ؟؟
سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا.
***
الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة.
تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة).
توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع.
تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب.
عزمت امرها وفتحت.
وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص.
وقع ارضًا.
تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد.
ثم سحبته للداخل.
***
فى صباح اليوم التالى.
فرق جفنيه بصعوبة.
ومضات خاطفة وعقله فى وقف زمنى عن الوقت الحاضر.
حاول استرجاع ما حدث ليلة أمس لكنه شعر بألم شديد فى رأسه.
حاول رفع يده لكن انقبضت ملامحه بصدمة شديدة عندما وجد نفسه مقيد بالاحبال على مقعد خشبى فى وسط البهو.
ثوانٍ وكانت تتقدم بكل ثبات وبيديها كوب قهوة ترتشف منه بعض رشفات.
ثم اقتربت بتهمل تجلس على المقعد امامه.
أما هو كان يزفر ساخطًا ولاعنا وهو يتحرك بعشوائية فى محاولة لفك قيوده.
ثم نظر لها متسائلًا:
- انتى مين ؟!
رفعت السبابة وهى تهزها بالنفى قائلة:
- لأ لأ السؤال مش كده انت اللى ميين ؟!
ده انا هوديك فى ستين داهيه.
ضحك باستهزاء وهو يرمقها من الاعلى للاسفل:
- فكينى احسلك انتى متعرفيش انا مين ؟!
حدجته بغيظ قائلة باستخفاف:
- حرااامى يعنى هتكون مين ؟!
انت عارف انا هعمل منك عبره لزملائك الحراميه.
تحولت حالته من الحنق والغضب إلى الجمود ثم ابتسمبتهكم:
- واثقه اوى من نفسك انتى ؟!
عايز اعرف هتودينى فى ستين داهيه ازاى ؟!
وهتعملى منى عبره ازاى ؟!
الغضب استفحل نبرتها الباردة وانفجرت هادرة فى وجهه:
- ازاى ؟!
حضرتك كنت بتتهجم عليا فى شقتى الساعة ١٢ بليل.
عرفت انا ممكن اوديك فى داهيه ازاى.
تحكم فى اعصابه بصعوبة قائلًا:
- مش لما تبقى شقتك من اساس.
رفعت عيناها ببهوت، نبرة الثبات فى صوته زعزعت ثقتها بداخلها:
- مش فاهمة انت تقصد ايه ؟!
انت مين اصلًا ؟!
ارتسمت ابتسامة على شفتيه وهو يجيبها بكل قوة و ثقة:
- انا كنان زهير الغامدى ابن صاحب الشقة ديه.
عرفتى انا ميين، دلوقتى تفكينى عشان نشوف مين اللى هيودى التانى فى داهيه.
***
بعد مرور ساعة.
الجم الصمت لسانها وهى تجلس امامه.
رفعت عيناها تطالعه عضلات صدره تنقبض و تنبسط دلالة على كتم غيظه.
ثوانٍ وهدر فى وجهها بعنف:
- أييييه هنفضل كده كتير نشاهد جمال بعض.
عارضته بضعف شديد وبعض التمرد فى جرتا العسل خاصتها:
- انا مش حراميه على فكره الموضوع بس ظروف حصلتلى لكن الشقة زى ما هى انا ماخدتش منها حاجه والمفتاح اهو وانا همشى.
نهضت واقفه لكنه خبط بعنف على الطاولة التى امامه وهو يزمجر بحده قائلًا:
- انتى رايحه فين يا بت انتى هى بالسهوله كده .
انتى ايه حكايتكانتى شكلك نصابه وانا هتصل بالبوليس.
ارتجف بدنها حين شعرت بصدق كلامه.
جلست ثانيةٍ وطافت بعينيها بالمكان تبحث عن الثبات امامه.
تنحنحت بحرج قبل أن تهمس:
- انا اسمى كيان انا مش حراميه حضرتك بس كل الحكايه إنى كنت ساكنه فى العماره اللى أول الشارع اللى كانت واخده الناصية اللى وقعت بسكان السنة اللى فات.
وانا كنت ساكنه مع خالة ماما الله يرحمها اتوفت من سنتين.
هى كانت على طول كل ما نعدى من تحت العماره هنا تقولى ان صاحبتها ساكنه هنا وصاحبتها سافرت من زمان وان الشقه فضلت مقفوله على امل انهم يرجعوا تانى.
على الاغلب تقصد جدتك.
فجاءة بعد ما بقيت ماليش مكان اروح فيه رجلى جابتنى ووقفت تحت العمارة.
طلعت وعرفت افتح الباب وقولت انا مرات ابن صاحب الشقة بس والله انا ما عملت حاجة انا دفعت الفواتير كلها وظبطت كل حاجة فى الشقة هنا صدقنى انا همشى مفيش داعى للبوليس.
لولا العماره اللى اتهدت وصاحبها منه لله استحالة كنت هعمل كده.
صمت صمت كل ما تلقته منه.
فنهضت مسرعة للداخل تحزم حقيبتها وترحل لتبحث لها عن مأوى.
اما هو انحبس مصدر الهواء من رئتيه.
أيعقل أن يهرب من تأنيب الضمير والذنب حتى يلاحقه هكذا.
امتعضت ملامحه وذكريات سيئة تذكره بما مضى تزيد ه تمسكًا بقراره.
رمق باب الغرفة وهو يفرك وجهه ولا يعلم ما عليه فعله.
قطع شروده صوت الجرس.
فتوجه نحو الباب وادار المقبض وطالع وجه شاب غريب متسائلًا:
- هى كيان موجودة ؟!
- انت مين ؟! وعايز أيه ؟!
سأله بتوجس بينما اجابه الشاب باريحية وابتسامة واسعة:
- انا جاى حسب معادى معاها.
تجهمت ملامحه للنفور والتقزز ثم صرخ به بحدة:
- نعم !!! مفيش حد هنا بالاسم ده اتفضل متجيش هنا تانى.
***
خرجت من الغرفة تحمل حقيبتها فى يديها وتتوجه صوب الباب لتنسحب بهدوء.
اوقفها نبرة صوته واتهامه الصريح:
- هى الهانم كانت فاتحة الشقة هنا أيه ؟!
ومستغلة اسمى وحطته فى الطين وبتدى المواعيد للرجاله هنا.
اتسعت عين كيان جحوظا لا تصدق بجاحة شفتيه.
القت الشنطة من يديها وهى تصيح بحدة:
- حاسب على كلامك يا حضرة انا مسمحلك انت ازاى تتهمنى كده ..
انا دخلت هنا عشان معملش حاجة غلط واترمى فى الشارع.
التوت شفتيه بتهكم ثم جلس على اريكة خلفه وهو يضع ساق فوق الاخر قائلًا:
- أومال الأخ اللى كان جاى حسب الميعاد ده أيه ؟!
حاولت كبح محابس عيونها لكنها فشلت وسقط ذلك القناع الذى تستر ورائه قناع زائف من القوة.
فهمست بصوت مبحوح من البكاء:
- ده كان مندوب توصيل لان بعمل اكل وببيع اونلاين وكان المفروض فى اوردر النهارده، انا عارفه انى غلط انى دخلت الشقة بس عمرى ما اعمل حاجة غلط زى اللى فى بالك.
شعر ببعض الندم على تسرعه.
التقط مفاتيحه وهاتفه وانصرف مسرعًا.
***
- هوووووبا السد العالى.
تلك الكلمة نطقها ضياء صديق كنان وهو يجلس معه فى مطعم فاخر على النيل وهو يطالع فتاة ذات قوام ممشوق منحوت.
بينما طالعها كنان من اعلاها لادناه وهو يحك ذقنه قائلًا:
- ديه عبارة عن فلير وبوتاكس.
وقبل أن يجيبه دخلت فتاة ببشرة سوداء ذات قوام ممشوق منحوت ايضًا.
ضحك كنان قائلًا:
- قابل يا سيدى سد النهضة.
قهقه ضياء وهو يغمز له قائلًا:
- لا واحنا كشباب مصرى اصيل وعندنا روح وطنية عالية لازم نهدم حصون سد النهضة ولا أيه ؟!
ونحقق النصر ولا أيه ؟!
اجابه كنان بابتسامة وهو يغمز له قائلًا:
- تفتكر؟!!!
لو على الروح الوطنية موجودة واحنا شباب حسه الوطني عااالى، المهم سمعة مصر.
نهض ضياء واقفًا وهو يقول:
- عيب ياجدع فين الروح فين الوطنية قوم خلينانرفع اسم مصر.
جز كنان على اسنانه مردفًا:
- اقعد يا ضييياء بقى مش وقته.
جلس ضياء وقلق يعتريه:
- فى ايه يا كنان مالك ؟!
تحدث بوهن وضعف شديدين وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا:
- انا مش هيهدى ليا بال غير لما القى المقاول الحرامى ده اللى ورط اسم بابا واختفى حتى لو بابا عرف يقفل الموضوع بمعارفه.
زفر ضياء بحنق:
- طب انت سبت البيت عشان حاجات فى دماغك ومش عايز تقتنع .. ايوه باباك بيشترى الأرض وبيدفع كل الفلوس للمقاول وهو يبنى ويأجر وعمى زهير بس بياخد نصيبه هو مالوش ذنب أن المقاول غشاش ونصاب هو ماله وانت كمان مالك شاغل دماغك ليه ؟!
تنهد وهو يفرك وجه بين يديه ثم سرد عليه ما حدث معه:
- تخيل انا قولت اسكن هناك عشان القى المقاول الحقير ده .. تطلع قدامى البت ديه حسيت انى ديه اشاره من ربنا انى ماشى صح.
ضحك متعجبًا من صديقه قائلًا:
- يا عم إشارة ايه هو انت داخل على جواز.
ضميرك ده محتاج مسكن شويه قوم خلينا نعمل العمل الوطنى ده .. ده احنا هنبقى فخر الدنيا.
لمعت فكره برأسه ثم انتفض كمن لدغه عقرب مسرعًا للخارج واستقل سيارته مندفعًا يسابق الريح حتى وصل اسفل البناية وانطلق مندفعًا للاعلى يطوي الدرجات.
فتح باب الشقة بحدة وهو يبحث عنها فى الغرف ولم يجدها.
اغمض عيناه بألم.
ولج من الشقة للخارج ليبحث عنها.
وفجاءة توسعت عيناه بذهول كانت تنكمش على نفسها فى مدخل البناية تحت درجات السلم.
وقف امامها قائلًا:
- تتجوزينى ؟!
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني 2 - بقلم سارة فتحي
كانت تجلس شاحبة الملامح تحت السلم. ارتفع حاجبها بترقب وهو يقف أمامها. رمقته بنظرة واحدة كدليل على عدم أهمية وجوده.
فهي ضائعة بين افتراضيات تعلم أنها ستعيشها. أغمضت عينيها الحارقتين من شدة التفكير. بينما هو رفع حاجبه مستنكرًا رد فعلها، فتابع:
- انت مش سمعتيني؟! وبعدين إيه اللي مقعدك هنا؟
نظرت نحو الأرض ثم أجابته بحزن يخيم عليها:
- أنا ما أخدتش حاجة من فوق وكل حاجة زي ما هي. دلوقتي عايز إيه؟
وتغلغلت الدموع داخل عينيها ولم يكن لديها القدرة الكافية على إجابته ولا حتى النظر في وجهه. فهي في نظره سارقة. تمتمات صغيرة خرجت منه تنهي النقاش:
- الدنيا ليل، خوفت أمشي دلوقتي، مستنية الصبح يطلع وأمشي.
حاول التحدث معها بلطف:
- طب ممكن نطلع فوق نتكلم؟
- لأ طبعًا مش هطلع معاك الشقة، أنت فاكرني إيه؟
هزت رأسها ثم أجابته بم يشبه الانفعال، تأفف بضجر قائلاً:
- طب ممكن تقومي نروح مكان عام نتكلم فيه، مش هنتكلم في بير السلم كده.
أنهى كلماته تاركًا إياها لتفكر. ثوانٍ قليلة وهزت رأسها بالإيجاب. ربما يكون آخر قشة نجاة.
- إيه رأيك في العرض اللي عرضته؟
تلك الجملة التي نطقها كنّان. ارتفع حاجبيها بسخط، لكنها هدأت نفسها عن التلفظ بأي كلمة خاطئة، وردت باستنكار:
- حضرتك تعرفني عشان تطلب تتجوزني؟ بلاش كده، المفروض إنك جيت ولقيتني واخدة شقتك ولا تكون فاكرني واحدة رخيصة بقى. بعدين أنت تعرف إيه عني؟
تابع محاولاً إقناعها بدون الكشف عن نواياه:
- ولا ده ولا ده، الحكاية كلها إني محتاج الشقة كام أسبوع، وأنتي صعبانة عليا، هتروحي فين؟ ومينفعش تقعدي معايا من غير مسمى. وبعدين مش أنتي قولتي للناس كلها إنك مراتي، فين المشكلة؟ والأهم من كل ده إني هكتب الشقة باسمك مع ورقة طلاقك. ولو على اللي معرفوش عنك، عرفيني أنتِ.
رمشت عدة مرات وبدأت تهز ساقيها بتوتر قائلة:
- مفيش حاجة عني ممكن تعرفها أصلًا. بعدين أنت مستفاد إيه من ده كله؟
نظراته كانت تقتحم أسوارها وهو يجيبها بنبرة صوته الخشن:
- ولا حاجة، بس في حاجة اسمها ضميري. ساعدك بس مش أكتر. بلاش نظراتك دي، لو عايز حاجة غلط ما كنتش قلت اتجوزك. لو موافقة هنكتب الكتاب بكرة وعند مأذون عشان تبقي مطمنة.
لم يكن طلبه منطقيًا أو يدل على شخص سوي، لكنها ليس لديها رفاهية الرفض. أين ستذهب؟ أو بالأحرى ستذهب لمن؟ فهي تتعامل طيلة حياتها كأنها ستلوث من حولها. الخيبة ظهرت بائنة على وجهها. كل ما تشعر به الحيرة والخوف من العواقب، لكنها كانت وستظل أقوى من أي عقبة في طريقها. ردت بثبات دون أن يطرف لها رمش:
- أنا موافقة، بس أمضي عقد الشقة مع عقد الجواز.
رجع جسده على المقعد وهو يجيبها بارتياح:
- ديل.
في اليوم التالي. كانت تجلس على المقعد وسط مشيخة الأزهر وأمامها المنضدة، وفي الجهة المقابلة يجلس المأذون يقوم بتدوين البيانات. أخذت كيان شهيقًا لتمد رئتيها بالأكسجين، أكسجين لا ترغب به ولا بالحياة. حياة تمدها بندبة جديدة في قلبها. رفعت عينيها للجهة الأخرى برهبة وخوف حيث كان يقف هو مع شخص آخر. لكنها ليس لديها خيار آخر. ربما تكون الحياة عقدت معها هدنة.
على الجانب الآخر، حدّق ضياء بنظرات ذهول قائلاً بدهشة:
- أنت بتهزر صح؟ طب ما تكتب الشقة ليها من غير جواز، أنت تعرفها؟ طب فين أهلها دي؟
التوت شفتيه وتأفف قائلاً:
- مش غريبة إني أكتب الشقة ليها وأمشي، ما كده هي هتعرف إن وراها سبب. ولو حاولت تدور كده أبقى ورطت بابا أكتر. ادعيلي ألقى المقاول ده، أنجز وهات بطاقتك.
طرق ضياء رأسه بخزي:
- معايا الباسبور، ينفع أصلًا كلمتني ونزلت بسرعة.
جزّ كنّان على أسنانه قائلاً باستهزاء:
- لا الباسبور ده خليه ابقى…
صمت للحظة ثم قال وهو يغمز له:
- اتجوز بيه أنت.
توجه كنّان ليجلس على مقعده بكل هدوء بملامح غامضة. بينما هي تحدقه بنظرات ريبة شديدة والإرتباك جلي على ملامحها. تحدث كنّان بنبرة رجولية:
- كل حاجة تمام يا حضرة الشيخ.
هز رأسه بابتسامة هادئة:
- تمام بإذن الله.
بعد فترة قصيرة، أنهى المأذون إجراءات الزواج وأصبحا زوج وزوجة رسميًا. كان ضياء يراقب الموقف ببلاهة. صديق عمره تزوج في لمح البصر. فتحمحم قائلاً:
- في مناسبة زي دي أنا المفروض أحضنك ولا أواسيك ولا أوبخك؟
تلوى كنّان حاجبه الأيسر قائلاً بتحذير:
- تسكت خالص فاهم؟
تلوى ثغره بسخرية وتوجه نحو كيان ليمد يده بسلام قائلاً:
- مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا.
امتقع وجهها ثم نظرت ليده الممدودة ونظرت له قائلة ببرود:
- أنا أعرفك إيه؟ عشم ابن خالتي ده… أنا مابسلمش على حد.
سريعًا التقط ضياء يد كنّان ليبارك له لحفظ ماء الوجه وهو يهمس بجانب أذنه:
- ما شاء الله، مش بس حرامية لا وكمان لسانها طويل. طلقها وانفد بجلدك أحسن.
ولجوا لداخل الشقة وهي تقبض على حقيبة يدها بقوة، فهي بداخلها نجاتها. عقدين سيحددان مصير حياتها. عقد قرانها وعقد الشقة، أمانها وسندها في الحياة. لكن هل هو حبل نجاة أم دوامة أخرى طاحنة ستواجهها بمفردها؟ ازدردت ريقها واستدارت له تهتف بنبرة تحمل التهديد والتحذير كي تخفي خوفها:
- بص بقى، أما أقولك. الجواز ده تحت ظروف معينة والشقة بقت باسمي يعني هتقعد هنا بشروطي. وأوعى تفكر إني هخدمك أه، أو أصرف عليك كمان. أصلًا مش مرتحالك.
اقترب منها كنّان بخطوات بطيئة ثم مال عليها متسائلاً بخفوت مرعب:
- انتي اتجننتي؟ انتي بتكلميني كده إزاي؟ أوعى نبرة صوتك تعلى تاني. مين اللي يرتاح لمين ده؟ أنتِ هجامة.
رجفة بسيطة سرت بداخلها ثم استعادت ثباتها الزائف وهي تضيق عينيها متسائلة:
- إلا بالحق، أنت شغال إيه؟
ضيق كنّان ما بين حاجبيه قائلاً باستنكار:
- إلا بالحق؟ إيه اللغة دي؟ أنا دكتور تجميل… جراحة تجميل.
تشدقت كيان بغطرسة قائلة:
- دكتور نفخ يعني إيه التناكة دي؟
سقطت كلماتها عليه كصاعقة من السماء، فوقف كصنم في مكانه فاغر فمه وعيناه يحاول استيعاب الكلمة:
- عيدى تاني، قولتي إيه؟ أنا دكتور إيه؟
أجابته بكل بساطة وهي ترى تحوله:
- دكتور نفخ، معروفة.
اقترب منها يجذبها من معصمها يهمس من بين أسنانه بنبرة تحذير وتهديد:
- اسمعي بقى أما أقولك، مش معنى إني سكت على السرقة إنك تتمادي. كلها كام يوم هخلص وأمشي. بالنسبة لحوار الجواز ده، بس عشان يبقى في مسمى لقعدتنا هنا مع بعض، مش عشان لسانك الطويل، فاهمة؟ مش عايز دوشة.
ترك معصمها ثم توجه صوب غرفته وأخذ معه حقيبته، وأغلق الباب بعنف في وجهها. انتفض جسدها على إثر الخبطة ثم رفعت وجهها للأعلى تهمس بتضرع:
- يارب أنا خايفة ومش عارفة اللي عملته صح ولا غلط، بس مش عايزة أترمى في الشارع يارب. ماليش غيرك.
ثم استرسلت:
- ربنا يستر من دكتور النفخ ده.
على صعيد آخر… سارت تنظر حولها بانبهار. منظر الأشجار والنافورة والمياه وهدوء المكان يبعث في نفسها الراحة والطمأنينينة. ثم استدارت للذي يقف خلفها تهتف بحماس:
- المكان هنا روعة أوي يا طاهر، تحفة خالص. هو ده مكان المكتبة خلاص؟ وكمان الافتتاح هيبقى هنا. أنا عايزة شغل دعاية جامد والحفلة كلها مسؤوليتك.
أجابها بابتسامة واسعة:
- بس كده، أوي أوي. بس الست بيلا تؤمر واحنا ننفذ. الحفلة كلها تجهيزات أكل شرب ديزاينر، كله عليا.
تمتمت تؤكد على كلامه، لكن كان هناك اعتراض بسيط:
- ميرسي أوي يا طاهر، تعبتك معايا وعارفة إن في حاجات مش تخصصك وأنت عملتها عشاني. بس بلاش الأكل ده، أنا أعرف بنوتة من فترة وهي شاطرة أوي وهخليها تتولى موضوع الأكل.
ابتسم لها بحنو ثم قال:
- متأكدة؟ أنا هتفق مع أكبر شيفات المطاعم، حاجة تليق بيكي.
- البنت دي ممتازة، مش هتصدق إنها مش شيف في أكبر المطاعم. هتدوق وتحكم بنفسك في الاحتفال.
أجابها في هدوء مشجع:
- رغم إنك عارفة مبحبش حد يتدخل في شغلي، بس استمري أوي، ندوق ونحكم.
قضت ليلتها ولم يغمض لها جفن، راقدة على الفراش منكمشة على نفسها تنظر في اللاشيء. فهي دائمًا في مواجهة صريحة مع الحياة. حتى أنها من كثرة الصعاب فقدتها القدرة على التمسك بغريزة الحياة. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة فهي تخشى عواقب فعلتها. وافقت على الزواج كطفل صغير يريد العبث بشعلة الشمعة المضيئة ولكنه لا يعي عواقب فعله. عواقب اللعب بنار. تشعر بالبؤس صبغ حياتها. نهضت جالسة على الفراش وهي تفرك وجهها بيدها عندما تسللت أشعة الشمس لغرفتها، فهي لم تستطع النوم مع شخص غريب داخل الشقة.
في صباح اليوم التالي، وقف هو أمام النافذة يتحدث بنبرة صوت منخفضة أشبه بالهمس قائلاً:
- قولتلك يا ماما، أنا اللي في دماغي ده مش جنان. ده واحد ورط اسم أبويا ومش هسكت، حتى لو عرفنا ننوم الموضوع بردوا مش هسكت.
ثم تنهد بثقل يهمس:
- مش لازم تعرفي أنا في ناوي بخير. أرجوكي أنا مش عيل صغير. سلام.
واستدار فخبط بها فتأوهت بخفوت وهي تعض على شفتيها باستيحاء. اقترب منها وهو يلقي نظرة متفحصة إلى منامتها وحجابها غير المنضبط، فهتف بنبرة غليظة حادة:
- انتي واقفة عندك ليه؟ انتي بتتجسسي عليا؟ أنا مش قولت متقربيش من ناحيتي تاني.
هندمت من وضع حجابها سريعًا وهي تحاول أن تظهر بدور الفتاة القوية، فهتفت وهي مدعية البراءة:
- أنا كنت معدية عادي من هنا، وبعدين أنت صوتك واطي ليه ها؟
جزّ على شفتيه وهمس من بين شفتيه:
- معدية عادي منين؟ دي أوضتي، إزاي تدخلي كده؟
أجابته مستنكرة:
- آه أوضتك، بس في شقتي. أنت نسيت؟ بعدين موطي صوتك كده وكلامك غريب، هو أنت عليك تار يا كابتن؟
توسعت عيناه بذهول وهو يشير بإصبعه لصدره هامسًا بشراسة:
- أنا كابتتتن!!!
تمتمت في برود مستفز قاصدة إثارة حنقه أكثر:
- ده أنت كابتن وسيد الكباتن كلهم، مالك بس؟
- اطلعى بره… بره.
قبل أن ينهي جملته، دق الجرس. فأولته ظهرها بكل غرور واندفعت صوب الباب وأدارت المقبض فطالعت وجه ضياء وهو يحمل باقة زهور، فامتعضت ملامحها وهي تهز رأسها متسائلة عن سبب وجوده. ففطن لسؤالها ومد يده بباقة الزهور:
- مبروك، أنا جاي أبارك. ولا أنا جيت في وقت مش مناسب؟ هو كنّان فين؟
مدت يديها تأخذ منه الباقة في استغراب شديد ووجه متجهم قائلة:
- أنت عبيط؟ جاي تبارك على إيه؟ وامشي من هنا. ولو على صاحبك ابقى رنله ينزلك على القهوة.
شعرت بخيال من خلفها وسمعته يغمغم بهدوء مخيف:
- امشي ادخلي جوا حالاً.
تجاوز ضياء كنّان وولج للداخل قائلاً:
- عنوفة أوي المدام.
تجهمت ملامح وجهه ثم انقبضت وهي تعكس انقباض مخيف، ثم تمتم مزمجراً:
- مدام إيه بس؟
قهقه بنبرة ماكرة وهو يغمز له بطرف عيناه قائلاً بنبرة ذات مغزى:
- إيه ده؟ أنت بتعاني من مشاكل ولا حاجة؟ قول، إحنا ستر وغطا على بعض.
صاح كنّان بغضب هادر:
- ضييياء مش فايقلك على الصبح.
رفع ضياء يديه عاليًا علامة الاستسلام وهو يكتم ضحكته.
في الظهيرة، في مكتب بيلا تجلس وأمامها كيان تسجل كل ملحوظة باهتمام جلي حتى انتهت ورفعت رأسها إليها بابتسامة واسعة:
- ميرسي أوي لاختياري ليكي وثقتك فيا يا أنسة بيلا.
ابتسمت بيلا بهدوء:
- أولاً بيلا بس.. ثانيًا وده الأهم، أنا مش بجاملك في الشغل. أنتي بجد أكلك روعة ومتأكدة إنك هتشرفيني قدام المدعوين. المكتبة دي حلم عمري يا كيان. المهم الديزاينر بتاع الحفلة جاي عشان تظبطوا مع بعض.
نهضت كيان بابتسامة صافية قائلة:
- إن شاء الله أكيد.. بس ممكن الديزاينر أقابله يوم تاني، عندي محاضرة وضروري أحضرها.
أومأت بيلا برأسها بهدوء بينما اندفعت كيان مسرعة وأولته ظهرها وخرجت من المكتب. سارت في الردهة مندفعة حتى اصطدمت بصدر عريض فارتبكت، معتذرة وحاولت أن تتجاوزه فوجدته يعترض طريقها ويقف أمامها وعيناه مثبتة على وجهها قائلاً:
- طاهر حسين، وحضرتك؟
رفعت إصبعها السبابة في وجهه محذرة:
- امممم.. طريقة جديدة للشقط.. ابعد عن وشي بالطريقة الرخيصة دي.
وهمت بالرحيل ثم اعترض طريقها مجددًا:
- مش بعاكس على فكرة، انتي متأكدة إننا مانعرفش بعض قبل كده؟
تأففت بضجر وانطلقت في طريقها بينما هو ظل يحدق بها وهو يهمس:
- الشبه الجامد ده حقيقي، يخلق من الشبه أربعين.
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث 3 - بقلم سارة فتحي
انهت يومها الدراسي وعادت سريعًا في محاولة لصرف تفكيرها عن أسبابه الخفية للزواج منها التي تشغل تفكيرها.
عرض بيلا مغري، ولا بد من التجهيز من الآن، فحفل بهذا الحجم يجب أن يكون على أعلى مستوى من جميع الجهات، ولن يكتمل إلا بطعام فاخر.
لجت لغرفتها وأبدلت ثيابها، وعادت ثانية للمطبخ تفتح الأكياس وتفرغ المحتويات، وبدأت تعد الطعام وهي تشعر بالسعادة، فهذا الحفل حتمًا سيعد خطوة مهمة لها، وستتوالى العروض أكثر.
عند هذه النقطة اشتعل حماسها أكثر، وتقدمت نحو الحاسوب وأشغلت الأغاني على أعلى صوت، واند
مجت في التحضير، ولم تنتبه على الذي دلف من باب الشقة.
وما أن دلف، ارتسم على وجهه الانزعاج حين داعبت أنفه روائح الطهي. توجه نحو المطبخ وصاح من خلفها بخشونة:
- انتي بتهببي إيه؟ كل صوت الأغاني دي وإيه ريحة الأكل اللي ملت البيت دي؟
استدارت بفزع من نبرة صوته، ثم هتفت بحدة طفيفة:
- فيه إيه؟ خضتني؟! حد يدخل كده مرة واحدة.. بعدين مالها ريحة الأكل؟ إيه بتطبخوا في بيتكم ببيرفيوم يعني؟
تحولت ملامحه واتجه للحاسوب يغلقه قائلًا بقسوة:
- انتي إيه مفيش دم؟ واحدة غيرك المفروض إنها طلعت حرامية تتكسف على دمها، مفيش تربية! أهلك دول مبذلوش أي جهد في تربيتك يعرفوكي الصح من الغلط.
شعرت بالإهانة، فكلماته اخترقت روحها قبل أذنيها. تلألأت عيناها بدموع تشعر أنها على وشك الانهيار، فرمقته بنظرة أخيرة قبل أن تندفع لغرفتها مغلقة الباب خلفها بعنف.
***
بعد مرور أكثر من ساعتين، يجلس كلا من ضياء وكنان في مركز التجميل الخاص بهم، لكنه مازال تحت التجهيز.
جز كنان على أسنانه هامسًا:
- أديني بدور أهو من ساعة ما روحت المنطقة على أي خيط يوصلني بيه مش عارف.. بس بنزل الفواقول إني محتاج شقة يمكن حد يدلني عليهم.
مط ضياء شفتيه بملل وحاول استمالته قائلًا:
- ما كفاية بقى وعمو زهير عرف يظبط الموضوع وهو ملوش دخل، ولما يظهر السمسار هتعرفوا توصلوا، وخلينا نركز في المركز اللي بنفتحه واللي عشانه نزلنا من بره.. إحنا لازم نتفق مع حد يصمم لينا الافتتاح، أنا كنت سمعت عن شركة بتنظم حفلات على أعلى مستوى.
أجابه كنان بتذمر:
- فيه إيه ياضياء مالك؟ حتة إيفينت مش هتعرف تنظمه؟ مش لقيت الشركة خلاص؟ روح وشوف، مش كفاية عليا البلوى اللي في البيت.
ابتسم ضياء وهو يهمس بنبرة لعوبة:
- سيبك بس جمل يابا الحاج.
قام كنان من مقعده واقفًا، غالقًا زر سترته وصاح:
- تصدق بالله إنت ما عندك دم.. ماتنساش إنها على ذمتي يا جدع إنت.
انصرف كنان، بينما قطب ضياء حاجبيه مستنكرًا:
- هو أنا قولت حاجة غلط ولا إيه؟
***
في المساء، عيناها غارقة في النظر إلى السماء والنجوم، لتشيح بنظرها لتنظر إلى مصابيح الإنارة في الحديقة. سمعت أذنيها صوت طرق على الباب، دلفت من الشرفة للداخل، طالعت وجه والدتها قائلة:
- بيلا حبيبتي إنتي لسه صاحية؟
ابتسمت بعذوبة قائلة:
- آه يا مامي لسه صاحية.
جلست لبنى على حافة الفراش وأشارت لابنتها بالجلوس، جلست بيلا بجوار والدتها وهي لا يعجبها ذلك الغموض الذي تتخذه والدتها كقناع ساتر خلف رغبتها في الحديث. تنهدت بيلا قائلة:
- خير يا مامي؟ من الصبح وإنتي عايزة تقولي حاجة، وكمان بابي. اتكلمي.
سحبت لبنى نفسًا عميقًا وزفرته على مهل قائلة:
- ماشي يا بيلا، من غير لف ودوران ليه رافضة العريس من غير ما تشوفيه؟
تنهيدة حارة خرجت منها لتهمس بأسى:
- لو سمحتي يا مامي الموضوع ده بقى بيتعب أعصابي، ومفيش داعي أقول ليه، ولو سمحتي تحترموا رغبتي.
انقلبت معايير وجه لبنى هامسة بنبرة بها بعض الحدة:
- لأ بقى كده كتير يا بيلا.. فيه ناس كتير عندهم صعوبات ومكملين حياتهم في أمل، ليه بتعملي كده؟ كل ما يجيلك عريس ترفضي؟ ده إنتي قمر مش بتشوفي نفسك في المراية.
ضحكت ساخرة بألم يحتلها من الداخل، ياليتها تستطيع تجاوز تلك العقبة. ملامح وجهها النضرة كساها الألم والإجهاد، فهمست:
- لا بشوف نفسي في المرايا وكمان بشوف إن رجلي مبتورة ومركبة جهاز كمان، بشوف الحقيقة كاملة مش زيكم.. بعدين عرسان إيه اللي بتتكلمي عليهم هااا؟ اللي طمعان واللى مش مناسب نهائي بس بيتقدم على أساس إني ماهصدق؟ بلاش دول، ناسية لما وافقت بالعريس اللي ألحيتي عليا بيه فاكرة؟ فاكرة البوست اللي نزله على الفيس إنه مش فارق معاه الإعاقة اللي عندي وكل ده عشان يبقى تريند؟ ومفرقش احساسي أو حتى خد رأيي؟ بليز يا مامي بلاش الموضوع ده.
أنهت حديثها والدموع تغرق وجنتها. تنهدت لبنى بوجع على حال ابنتها وعقبت بجملة واحدة:
- بس الناس مش زي بعض وإنتي عارفة كده، على العموم تصبحي على خير بيلا.
نهضت واقفة وأديرت ظهرها للخارج وسحبت الباب خلفها. ارتمت بيلا على الفراش تمسح عبراتها، وفجأة تسللت ابتسامة إلى شفتيها عندما مر طيف طاهر أمامها. أغمضت عيناها وابتسمت قبل أن تسقط في النوم.
***
ولج كنان إلى الشقة ورمقها بنظرة علم منها أنها لم تغادر غرفتها من الصباح، توجه نحو المطبخ ليتأكد ظنونه، ليجد كل شيء كما تركه. تنهد وهو يضرب السطح الرخامي بحدة. هو لا يريد أن يقطع مصدر رزقها ولقمة عيشها. توجه نحو الباب وطرق عليها ووقف ينتظر الإجابة. ثوانٍ قليلة وكانت تضع الحجاب فوق رأسها وتفتح الباب، طالع وجهها وعينيها المنتفختان من البكاء، فأشاحت بوجهها للجهة الأخرى تهمس باقتضاب:
- خير!!
غمغم بصوت هادئ:
- أنا مقصدتش إساءة، بعتذر بس الريحة كانت صعبة.
للحظات لا يعلم كيف حدث ذلك، كيف اعتذر منها. بينما هي رفعت عيناها تلاقت بعينيه الزيتونيتين لتهمس بكل براءة:
- على طول بنسى أشغل الشفاط، مش بفتكر غير في نص الأكل.. واعتذارك مقبول وحصل خير.
هز رأسه بملامح ممتنة وهم للمغادرة، فأوقفته:
- كنت بعمل ورقة لحمة، أحضر لك تتعشا معايا؟
ابتسم كنان بلطف قائلًا:
- أنا فيجتريان vegetarian (نباتي).
توسعت عيناها بذهول وهمست بنبرة تحذيرية:
- أنا مالي إذا كنت مدخلتش دنيا.. لأ دماغكم تروحش بعيد، مش عشان بقولك تتعشا ده جدعنة مش أكتر.
ضاق عيناه الزيتونيتين ثم سألها مستفسرًا:
- إنتي تقصدي إيه؟ وإيه مدخلتش دنيا دي؟
لوت كيان شفتيها بتهكم:
- هو إيه اللي تقصدي إيه؟ أنا مالي إذا كنت فيجتريان؟ يعني عذراء ولا لأ؟
أشار إلى صدره وتوسعت عيناه بذهول وكأنه وقعت عليه صاعقة من السماء:
- قصدك إني فيرجن virgin (عذراء) صح؟ إنتي اتجننتي؟
رفعت أحد حاجبيها قائلة:
- كل واحد عارف نفسه، بس ده شيء ميخصنيش إذا كنت فيجتريان ولا لأ.. آه لو سمحت تلزم حدودك.
جز على أسنانه بغيظ متسائلًا:
- إنتي تقصدي فيجتريان يعني عذراء!!!
أجابته بكل ثقة وهي عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
- معروفة، فيجتريان يعني عذراء، هو أنا جاهلة؟
جحظت عيناه وأجابها ساخرًا:
- أبدًا، العفو، ده أنا اللي جاهل، عذراء يعني فيرجن مش فيجترين.
- مش فارقة يعني حرفين.
طرق كفًا بالآخر متعجبًا من ثقتها الزائدة:
- لا تفرق كتير، فيجترين يعني نباتي مش باكل لحوم، فيرجن يعني عذراء، ودي أساسًا للبنت مش للولد. مدرسة إيه اللي كنت بتروحيها بيشرحوا إيه هناك؟
أجابته مندفعًة بتلقائية:
- أنا ماكنتش بروح المدرسة أصلًا، أنا كنت بنزل على الامتحان بسبب.
بنفس الاندفاع سألها:
- ليه ماكنتيش بتروحي؟!!
أطرقت عيناها أرضًا محاولة التملص منه:
- بلاها أكل، هعملك قهوة عن إذنك.
حك مؤخرة رأسه باستنكار:
- شكلك وراكي مصيبة ولازم أعرفها، ثم ضحك ببلاهة قائلًا: قال فيرجن قال.
***
في اليوم التالي، تجلس بيلا في مكتبها تتابع عملها على الحاسوب الخاص بها. طرق على الباب قطع تركيزها، فرفعت معصمها تنظر للساعة، فعلمت أنهم موعد العميل، فأذنت له بالدخول وابتسامة ناعمة تزين ثغرها الوردي.
ثوانٍ وولج ضياء، طالع من تجلس وراء المكتب لثوانٍ، توسعت عيناه بانبهار، فتاة في طور البدر تنير المكتب. تقدم منها قائلًا:
- يا صباح النوتيلا.
رمقته باستنكار رافعة أحد حاجبيها قائلة بحزم:
- نعم؟!!
يكاد يقسم بداخله أنها الأكثر جمالًا على الإطلاق. تحمحم بحرجٍ محاولًا تغيير معنى حديثه بخبث:
- بقولك صباح الخير يا آنسة بيلا، فيه حاجة؟
اتسعت حدقة عينيها مزفرة، فهي سمعته جيدًا، هتفت بنفاذ صبر:
- صباح الخير.. اتفضل ارتاح يا أستاذ...
جلس على المقعد أمامها وأومأ بالإيجاب:
- ضياء نور الدين، دكتور تجميل.
- أهلًا وسهلًا.
بادلته بابتسامة هادئة وهي ترحب به، بينما هو يشكر بداخله عشوائية الصدف التي جمعته بإحدى أميرات ديزني، فابتسم بتوسع قائلًا:
- أنا كنت جاي عشان أنظم حفل افتتاح لمركز التجميل بتاعي أنا وشريكي، وده بعد ما سمعت عنكم.
مررت باهدابها وابتسمت بنعومة:
- تمام يا دكتور، أنا معايا هتتفق على تصميم الحفل وعايزها نوعها إيه، وبعد كده هتكمل باقي التفاصيل، واللي هيروح معاك المكان الباشمهندس طاهر.
أجابها باندفاع:
- بس أنا عايزك إنتي.
صمتت لبرهة ثم قطبت حاجبيها باستنكار:
- أفندم؟!!
أجابها بمراوغة:
- بصراحة عايزك إنتي تخلصي كل حاجة، أنا جاي عشان شغلك الممتاز، واللي أنا شفته.
- الشغل ده شغلي أنا وباشمهندس طاهر ميقلش حاجة عني، وده نظام شغلنا للأسف لو يناسبك.
نظر لها باحثًا عن رد لطريقتها الفظة ثم أردف:
- مفيش مشكلة، أنا ماكنتش أعرف نظام الشغل، هتفق مع باشمهندس طاهر.
أكمل الاتفاق معها في أجواء متوترة وهو يختلس النظرات إليها حتى انتهى الاجتماع.
***
طرق على الباب قطع عملها ثانيةٍ، فرفعت نظره، ولكن هذه المرة تبدلت ملامحها بسعادة أكثر، هامسة:
- تعالي يا طاهر اتفضل.
جلس على المقعد يتنهد بتعب قائلًا:
- اليوم كان صعب أوي خالص بس أنجزت حاجات كتير، والدكتور اللي اسمه ضياء ده غريب، سأل عليكي كذا مرة.. غير إنه مش مهتم بأي حاجة، بس المركز بتاعهم عالمي.
ارتبكت قليلًا متسائلة:
- يسأل عليا ليه؟ أنا معرفوش.
أجابها ببساطة:
- حسيته شخص فضولي.. المهم فين الشيف بتاعت الأكل؟ أنا لازم أبقى متفق معاها قبل الافتتاح، ده مش افتتاح أي حد، ده افتتاح ملكتنا بيلا.
ابتسامة واسعة زينت ثغرها وأجابته بامتنان:
- ميرسي.. هي عندها امتحان عشان كده معرفتش تيجي.
- طب هاتى رقمها واتصرف أنا.
عدة أنفاس متتالية أخذتها، شعرت بثقل يجثم على صدرها، تتسائل بينها وبين نفسها لما الخوف والتوجس. سريعًا التقطت هاتفها ولمست الشاشة عدة مرات بأصابعها ثم ابتسمت بهدوء قائلة:
- بعتلك الرقم، ابقى شوف وقولي.
فتح هاتفه ثم همس في ثقة:
- أحلى افتتاح لأحلى بيلا وهتشوفي بعينيك. همشي أنا عشان الافتتاح والتجهيزات.
***
ولج طاهر إلى غرفته وارتمى بجسده على الفراش من إرهاق يومه. حاول أن يمد يده ليضع هاتفه على الكومود المجاور لفراشه ولم يجده، فنادى على والدته بصوت عالٍ. فجاءت والدته تفتح الباب ومن خلفها هاجر ابنة عمته. فقطب حاجبيه قائلًا:
- هاجر إيه اللي دخلك هنا؟
هتفت بحدة مصطنعة قائلة:
- مش إنت اللي ناديت؟ خييير.
نهض من على الفراش يقف أمامها يهتف بغضب:
- أنا قولت يا أمي، إنتي مالك وإزاي تدخلي أوضتي كده أصلًا؟
توسعت عين والدته بصدمة ثم تحدثت:
- هو مفيش احترام ليا؟
أسرعت هاجر تهز رأسها نفيًا قائلة:
- حقك عليا راسى، آسفة يا مرات خالى.
ربتت على كتفها بحنو ثم نظرت لابنها:
- أفندم عايز إيه لكل الصياح ده؟
لم يلتفت لهاجر وسأل والدته باقتضاب:
- الكومودينو فين؟
- آه هاجر روقت وغيرت النظام.
رفع حاجبه باستنكار:
- وإزاي هاجر تدخل أوضتي وأنا مش موجود؟ هااا؟ إيه اللي مقعدها عندنا أصلًا؟
ألقت والدته عليه نظرة معاتبة، بينما هي نطقت بمحاولة لكسب التعاطف:
- عشان أمي الله يرحمها توفت فبطلع أعوض حنان الأم عند مرات خالى.
قاطعها ببرود:
- إيه ده، هشششششش، حنان أم إيه اللي بتطلعي تعوضي عندنا؟ ده إحنا يوم وفاة عمتي كنا محتارين نعمل فرح ولا ننصب صوان، طب واللي خلق الخلق الناس أكلت وشنا عشان عملنا عزا. قال حنان أم قال.. عمتي عندها حنان.
ضيقت عينيها بغيظ وقلة حيلة، فهو محق. فتحدث ثانية:
- أنا هنقل الزفت، وإياك تدخلي هنا تاني وأنا مش موجود، اتفضلي بقى خدي مرات خالك وحنان واطلعوا برا، عايز أنام.
***
عملها كطاهية يتطلب منها جهدًا، ومع وجود كنان أصبح يتطلب جهدًا جبارًا. فهي تريد الانتهاء قبل عودته، لا تريد المشاكل أكثر. فبعد أيام قليلة سيرحل وتبقى الشقة ملكها هي وحدها. هذه النقطة تجعلها تتحمل الأنفة والاستعلاء منه، لكنها ستحصل على لقب مطلقة، لكن بالنسبة لها لا يهم سوى الشقة، فهي عانت كثيرًا.
شردت في ذكرى..
كانت طفلة في الصف الرابع الابتدائي تقف في إحدى زوايا غرفة الأخصائية الاجتماعية، ودموعها تغرق وجنتها وشظايا الندم تحرق قلبها الصغير. وعلى الجانب الآخر تقف أم إحدى صديقاتها تتحدث بانفعال مع الأخصائية الاجتماعية. وجدتها (خالة والدتها) من قامت بتربيتها.
فتحدثت أم صديقتها:
- استحالة بنتي تفضل في نفس الفصل مع البنت دي اللي حكيتوا لبنتي، مش مقبول البنت دي اللي عاشت، ويخلي أي أم عايزة تبعد بنتها عنها، أسفة بس استحالة أغامر بتربية بنتي، أنا عايزة أنقل بنتي.
تنفست جدتها بصعوبة وهي تتحدث من بين أسنانها:
- معقولة تكوني أم وبتفكري كده.. البنت دي مرتبطة بظروف صعبة، بس المفروض تفهمي بنتك الصح والغلط مش تبعديها، بعدين هي بنتي غلطت عشان اتكلمت مع بنتك، بس إنتي كده بتدمرى نفسيتها ومستقبلها في المدرسة.
تدخلت الأخصائية مقاطعة حديثهم:
- يا أفندم، كل واحد بيمر بظروف. كيان غلطت إنها اتكلمت بتلقائية، بس ده لأن بنت حضرتك صديقتها المقربة، وده اللي إحنا هنحاول نفهمه لكيان ونعمل إعادة تأهيل.
تجاهلت حديثهم وهتفت بنبرة محذرة:
- بنتي هتتنقل ولا أنزل للمديرة وأعمل شوشرة في المدرسة كله.
تقدمت هي من جدتها ولم تمتلك شيئًا سوى دموعها. احتضنت كفها بكفها الصغير وتحولت ملامحها من طفلة لم تتجاوز العاشرة بعد إلى كهلة عجوزة ملامحها تصرخ بالقهر والعجز والحزن:
- أنا عايزة أمشي من المدرسة ياماما.
هدأت. عادت من شرودها على صوت رنين الهاتف، فمسحت دمعة حارقة فرت منها وتناولت هاتفها لتجيب:
- الو.. أيوة أنا مين حضرتك؟
- آه أهلًا باشمهندس طاهر.. آنسة بيلا قالت لي. آسفة إني معرفتش أجي.
- تمام، أنا هسجل رقمك واتس وأبعت لحضرتك المنيو، وأنا مجهزة حاجات معينة بس بردوا إنت تختار.
في هذه الأثناء وصل كنان، بينما هي مولية ظهرها وتتحدث بتلقائية:
- أهم حاجة تعجبك، أنا يهمني طبعًا حضرتك تكون مرتاح في التعامل معايا وماتكونش آخر مرة.
- تمام، نكمل واتس وهبعتلك الصور وتقولي رأيك. مع السلامة.
صدح صوته عاليًا في الأرجاء:
- إنتي بتكلمي مين؟!!!!
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع 4 - بقلم سارة فتحي
الحب من طرف واحد هو عبارة عن شعور متناقض
لاتحب أن تفرض نفسك ولا تقو على إنكاره فى نفسك
****
يجلس ضياء فى مكتبه يقلب فى صور اميرة ديزني
كما لقبها يبتلع ملامحها بابتسامة واسعه فراقت له
فكرة فالتقط هاتفه يضغط على زر الاتصال ثوان قليلة
واتاه صوتها الناعم الرقيق فابتسم قائلًا :
- انسة بيلا معايا
-اممم انا دكتور ضياء لو سمحتى فى حاجات عايز
ابعتها ليك بخصوص الافتتاح اقدر ابعتهم ازاى
- تمام اووى يعنى ممكن ابعتلك واتس على الرقم
ده طب تمام شكرًا اوووى
اغلق الهاتف ونظر لسقف الغرفه وهو يحك ذقنه متسائلًا :
- يا ترى دية هربانة من اى فيلم كارتون
بس بتقفل اوى يا ترى ايه دخلتها
****
بتكلمى مين ؟!!
تلك الجملة اردفها كنان مما جعلها تنتفض على اثرها
وتستدير له ومازالت جفونها مبلله من اثر البكاء
قطب حاجبيه مستعجبًا فوجهها يبدو عليه اثر البكاء
بينما نبرتها وطريقتها فى الرد على الهاتف تنفى ذلك
لكنه مازال على اصراره فاشار بوجهه نحو الهاتف متسائلًا، عقدت ذراعيها امام صدرها :
- خير مالك ؟!
زفر بغضب لكنه حاول تمالك اعصابه قائلًا بنبرة باردة :
- انا لا هتعصب اهو ولا هعلى صوتى
الهانم كانت بتكلم مين وبتقولوا يارب الصور تعجبك ؟!
اتسعت انظارها من تلميحاته ثم هتفت بهجوم :
- انت فاكر نفسك ايه كل شوية تزعق وتشك فى اخلاقى ..
انا كانت ليا ظروف عشان كدة فتحت
الشقة دية وقعدت فيها بدل رمية الشارع، غلطت اه
بس انا مش رخيصة زى كل شوية ما بتلمح فاهم
اقتربت منه بهاتفها بكل هدوء وثقه وهى تلمس بسبابتها الشاشه قائلة :
- ده الرقم اهو اللى كنت بكلمه ده الواتس بتاعه
ثوانى كده وديه صور .. الاكلات... صور اكلات
وقد ارسلت الصور فى التو واتاها الرد سريعًا امام
عيناه بالمدح فى منظر الاكل والتنسيق ..
تبادل النظرات فى صمت تام
القوة منها والندم منه، الثبات منها والخذلان منه
اندفعت صوب الغرفة مولياه ظهرها بينما هو ضرب
بقبضة يده فى الحائط بتذمر :
- لا كدة كتير بجد ايه اللى بيحصل ده
انا هقضيها اعتذرات انا جاى عشان ايه بس؟!
****
ينفع ادخل ؟!!
تلك الجملة اردفتها بيلا وهى تقف امام طاهر على حدود مكتبه
اتسعت ابتسامته بترحاب :
- يا سلام ده انتى تنورى المكتب وصاحب المكتب يفضى ليك مخصوص تعالى يا بيلا
تقدمت بهدوء تجلس امامه والحماس يحتل ملامحها :
- انا مش مصدقة بجد يا طاهر بعد بكرة الافتتاح
انتقل طاهر من مقعده ليجلس فى المقعد امامها قائلًا :
- اولًا انتى تستاهلى كل خير ..
كمان دا شئ بتحبيه
لازم كنتى تاخدى الخطوة دية من زمان ..
بس
اوعى تهملى المكتب هنا وتنسينى
اجابته بنبرة رنانة سعيدة وهى تطالع عيناه العسلية
وذقنه الكثيفة:
- استحالة بعدين لولاك انا ماكنتش اخدت الخطوة دية
وعلى فكرة بالمناسبة دية عزماك على حاجة نشربها
بره أيه رأيك
عبس بحاجبيه محاولًا ادعاء الانشغال :
- مش هينفع
بنبرة خافته غلب عليها الحزن :
- لييه؟!
اجابها معاتبًا بابتسامة واسعة :
- بقى بعد المرمطة دية كلها تقوليلى حاجه نشربها
بدل ما تقوليلى عزماك على الغدا انتى بخيلة ولا ايه ؟!
تنفست الصعداء ثم رمشت باهدابها ولمعت عيونها الزرقاء بابتسامة واسعة قائلة بحماس :
- بس كده خلاص يلا بينا ميعاد المكتب خلص
قبل أن تنهى كلامها قاطعها طرق على الباب فأذن طاهر
بالدخول فطالعوا وجه ضياء، ابتسم طاهر بترحاب
بينما هو شعر بنيران غير متوقعة بصدره من جلستهم سويًا باريحية فتحمحم قائلًا :
- انا كنت جاى عشان اشوف التصميمات الجديدة
بس قالوا انك هنا فى مكتب الباشمهندس
صمتت بيلا ثم اردفت باعتراض :
- بس للاسف مواعيد المكتب خلصت خلاص
توسعت عيناه بعدم تصديق من طريقتها العدائية الغير مبررة حاول طاهر تلطيف الاجواء قائلًا :
- بس عشان الدوك نقعد مخصوص ونشرب فنجان قهوة، اعذر الانسة بيلا
اصل افتتاح مكتبتها بعد بكرة والحماس مسيطر عليها
عشان كده عايزة تخلص اللى وراها اتفضل اقعد
نهض طاهر واقفًا يجلس خلف مكتبه بعدما رمقها تنظر
ارضًا بندم بعد جملتها الاعتراضية الطائشة .
بعد مرور عدة دقائق كان يرتشف اخر رشفه من فنجان
قهوته ثم وجه حديثه إليها :
- على العموم مبروك يا انسة بيلا واسف لو عطلتلك
ردت بحرج :
- لا ابدًا بس هو زى ما قال طاهر الحماس زيادة
قهقة طاهر وهو يطالعها قائلًا :
- شوفت الحماس ده كله اه لو تعرف قعدت اد ايه
اقنعها ايام وليالى والله
حديث طاهر بهذه التلقائية كان يتطلب منه اقصى درجات الثبات حتى لا يسأله على طبيعة علاقتهم التى
تجعله يقضى ليله ونهاره فى اقناعها بمشروعها
تنهد معقبًا :
- بالتوفيق اكيد طالما حاجة
بتحبيها هتنجح
قام طاهر بفتح احد الادراج واخرج منه دعوة ومد يده
بها لضياء ثم اردف :
- دعوة الافتتاح لازم تنورنا وبالمرة هتشوف شغلنا على
الطبيعة يا دوك
ولا ايه يا بيلا ؟!
وضعت احدى خصلاتها الثائرة خلف اذنها وهزت رأسها
بالإيجاب :
- اكيد طبعًا
- بإذن الله هحضر
قال ضياء جملته ثم نهض واقفًا ليرحل وبداخله نبضات
مغايرة عن نبضات قلبه
****
بعد مرور عدة ساعات ولجت من غرفتها متجهة صوب المطبخ متجاهلة وجوده فموعد الافتتاح اقترب
بينما هو كان يختلس النظر إليها وهى تعمل بمهارة
وسط الاوانى والادوات مثل الفراشة بداخله مستنكرًا
تلك القوة وكأنها تستمد قوتها من الطهى مر الوقت
هى تعمل وهو يراقبها خلسة حتى تعالت طرقات
الباب فنهض ليفتح وطالع وجه ضياء بملامحه
المجعدة ثوانٍ وتحولت ملامحه وهو يمد انفه
مستنشقًا رائحة الطعام ويسير خلفها كالمغيب قائلًا :
- وسع يا جدع انت عندك مطعم جوه
ولج للمطبخ فطالع كيان تعمل بجد فصاح قائلًا :
- ياتكاتك يا حركاتك ايه الجمال ده الريحة تفتح النفس
استجابت سريعًا له لتملأ ضحكاتها المرحة وجهها :
- بجد؟!
فجأة كان يقفز فوق رخامة المطبخ متلاعبًا بحاجبيه :
- لا طالما عايزة بجد يبقى لازم ادوق الاول واحكم
تناولت صحن سريعًا تضع له من كل صنف والحماس
يسيطر عليها بينما وقف كنان يغمض عيناه لبرهة محاولًا تمالك اعصابه كى لا يقوم بخنقهما معًا
مدت يدها بالصحن لضياء وقفت كمن ينتظر نتيجة
الشهادة الثانوية لحصوله على الكلية التى يريدها
اما هو كان يلتهم الطعام بنهم شديد كأنه كان عمرًا
يتضور من الجوع
قبل أن يهم كنان بالمغادرة وقعت عيناه على شفاهها
الخوخى وهى تأكلهم باسنانها اثر الخوف اول مرة
ينتبه إلى بشرتها البيضاء الصافية واهدابها السوادء
ملامحها بريئة كطفلة مازالت فى الروضه
فاق من تأمله على صوت ضياء :
- مش معقولة بجد انتى اللى عاملة الأكل ده ؟!
لا ده اكيد شيف عالمى
- بجد عجبك كله انا اللى عملتوا ده اكل مطلوب منى
ردت عليه والفرحة تتملكها من الداخل
صفق بيده عاليًا قائلًا :
- لا بجد شابوه انا خلاص مش هاكل غير من ايدك بعد كدة
المهم نبدأ من جديد
ضياء المحمدى .دكتور جراح تجميلى
بابتسامة واسعة بادلته التعارف :
كيان عاصم عز الكومى
رابعة اداب تاريخ..
شيف مبتدئة
كيله طفح منهما فاردف باغتياظ :
- خلصت حفلة التعارف اتفضل قول جاى ليه ؟!
هبط من على الرخامة :
- طبعًا البيه فيجتريان محروم من النعم دية
التو فمه ساخرًا وهو يرمقها بنظرة ذات مغزى بينما
هى نظرت له باستعلاء وتابعت عملها
***
- انا كلمت كيان وشكلها حد لذيذ ويارب تطلع زى
منظر اكلها
دمها خفيف كمان على الواتس لو كدة هعتمد
عليها الفترة الجاية
قال طاهر جملته بتلقائية وهما يجلسوا معًا فى المطعم بينما هى تبدلت ملامحها وصمتت لحظه ثم ردت مندفعه :
- هى اكيد مش فاضية هى بتدرس ودية اخر سنة ليها
اشتعل الفضول برأس طاهر فهتف :
- انا مش مصدق انها بتدرس هى فى كلية ايه
بس انا بحب النوع ده اللى مش بيفرق معاه لا سن
ولا وقت المهم تحقق هدفها
اجابته بضيق :
- معرفش فى كلية ايه كانت قالت قبل كده ومهتمتش
بالتفاصيل اوى يعنى
ثم استرسلت بارتباك : طاهر معلش عايزة اروح
عقد حاجبيه من تحول حالتها ثم مازحها :
- كل ده عشان عزمتينى خلاص هحاسب انا
لم تتحمل بيلا مزحته فنهضت واقفه تهتف :
- اسفه بس تعبت فجأة يا طاهر محتاجة اروح
التقط سلسال مفاتيحه وهاتفه قائلًا بتوجس :
- تعبانة تروحى المستشفى طمنينى
- لا حاجة بسيطة هروح ارتاح
قالت جملتها وهى تحمل حقيبتها وتحركت خارج اعتاب المطعم وهو خلفها قائلًا :
- طب اوصلك طيب عشان اطمن
- لا ميرسى يا طاهر انا لما هوصل هطمنك
****
يستمع له مهتمًا ثم لوى فمه ساخرًا وهو يقول :
- ايوة وانا مالى بكل ده بقالك ساعه بترغى خير مش
فاهمك..
او فاهمك ومش عاجبنى الحوار
تنهد بعمق وهو يحاول تهدئة نفسه ثم اردف :
- يا جدع مالك بقيت قفوش كده وانا جاى اشحت
منك عايزك معايا بس فى الافتتاح الله مش دية
الشركة المصممة لينا
هز كنان رأسه بنفى ليقول :
- تؤ تؤ وانت رايح تجامل الشركة بقى ولا صاحبة
الشركة أنا وضعى ايه
قطع حديثهم رنين الهاتف عقد ضياء حاجبيه قائلًا :
- ده رقم دولى شكله ماما او مامتك عايزه تطمن
عليك اصلى بقيت السكرتير بتاعك
ثم نهض وتوجه نحو الشرفة ليجيب على الاتصال
بينما كنان توجه صوب المطبخ مدعيًا العطش
وقف على اعتاب المطبخ المفتوح ثم حمحم :
- عاوز كوباية مية بس اكيد مش هعرف ادخل
اخذت تبرطم ببعض الكلمات ثم وضعت كوبًا من الماء
امامه، فارتفع حاجبه تلقائيًا :
- كل ده عشان كوباية مية ما انتى كنتى فتحاها مائدة
الرحمن من شوية هنا ..
بعدين هو دكتور تجميل تقوليلوا اتشرفت وانا تقولى لي دكتور نفخ صح ؟!!
اجابته بنبرة باردة وتعمدت اغاظته :
- انا بردوا ليا نظرة فى البنى ادميين وده شكله يدى دكتور
جز باسنانه على شفتيه السفلى ويضع كوب الماء بعصبية على السطح الرخامى فأدى إلى سقوط الكوب وسكب الماء منه قائلًا :
- قصدك ايه ؟!
لا تصدقى انا حتى مش عايز اعرف قصدك لانه ميفرقش معايا
استدار كنان وخطى خطوتين فقط وكان ضياء يقف
امامه يهتف :
- دية بيسان خطيبتك ..
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس 5 - بقلم سارة فتحي
الاحتواء ليس صعبًا لكنه يتطلب ثقة كل طرف بالأخر
***
الصدمة نزلت عليه الجمت لسانه وحواسه رمقته بنظرات
نارية جزًا على شفته السفلى وهو يحذره من استكمال حديثه ثم استدار
سريعًا ليرمقها وجدها تنهض من الارض كانت تجفف
الماء ويبدو عليها انها لم تسمع شئٍ، بينما هى رمقته باغتياظ ثم هتفت بحدة :
- اييييه واقفين بتتفرجوا على ايه ؟!
رفع ضياء يديه دلالة على الاستسلام هاتفًا :
- أنا ماليش دعوة
لكمه كنان فى كتفه قائلًا :
- انجز يا عم المسالم انت
تحرك معه صوب الشرفة ثم اقترب منه :
- انت يا بنى ادم غبى ايه خطيبتك دية قدامها ها
مال ضياء رقبته نحو اليسار قليلًا وهو رافعًا احدى حاجبيه :
- هى ايه الحكاية بالظبط ؟!
- ولا حكاية ولا رواية الموضوع كله البنى ادمة اللى جوه دية انا معرفش عنها حاجه غير انها فى نظرى
حرامية ..
كمان بيسان لسة مش خطيبتى دية مجرد
كلام بين الامهات مش اكتر مفيش حاجه رسمى
قال جملته بتلقائية رافعًا حاجبه باستهزاء، قهقة
ضياء عاليًا قائلًا :
- طب والله قولت انت جاى هنا مش عشان توريط اسم ابوك بس عشان تهرب من بيسان..
حك ضياء ذقنه بتفكير ثم رمقه بنظرة ذات مغزى :
- بس انت قد الكلام ده .. ده نهلة هانم لو سمعتك
تقلب الدنيا مراجيح وتركب على مقشة زى الساحرة الشريرة.
قاطعه كنان محذرًا :
- متنساش انها امى اتلم
ابتسم بمكر :
- مين اللى جاى معايا الحفلة بكرة ؟!
- مش انا ماليش فيه
جلس ضياء على المقعد خلفه واضعًا قدمًا فوق الأخر
قائلًا بخبث :
- اولًا ده افتتاح مكتبة يعنى كتب وهتلاقى مزاجك
ثانيًا واوعى تفهمنى غلط اصلى ممكن كلمة توصل لانطى نهلة على جو كرومبو اللى انت عاملهُ والبحث عن الجريمة ده وان حياتك فى خطر ..
او طبق اكل من ايد كيان فقول انها
احسن من خطيبتك تنكة هانم ..
توسعت عيناه بذهول من الصدمة :
- ضياء انت بتساومنى انت اتجنتت
صمت للحظة قبل ان يوجه بصره نحو طيف الواقفة هناك قائلًا :
- الضرورات تبيح المحظورات
عايزك معايا انا حاسس انها مش طايقانى وده وحش
في حق تاريخ الصياعة بتاعنا
نظر له باشمئزاز ثم اردف بتفاخر :
- لا حاسب انا تاريخى زى الفل
بعدين حاسس مش متأكد ؟!
انا مش عارف انا مستحملك فى حياتى ليه ؟!
صمت للحظة مفكرًا ثم اجابه :
- الحب يا كيكو بقى
*****
اشرأبت بفيروزتها إلى السماء التى غابت شمسها
لتحتجب خلف تلك الغيوم الرمادية الكئيبة مثل روحها
تخرج زفيرًا من فمها تشعر وكأن
روحها تتبخر مثل الهواء المنبعث من فمها، قلبها محطم
هل هى بالفعل عشقت طاهر تنهدت بأسى قطع شروها
والدتها هامسه :
- بيلا واقفة عندك ليه كده؟!
وقافله الفون بتاعك ليه ؟!
طاهر اتصل عشان يطمن عليكى
انعقد حاجبيها تهمس باستنكار :
-طاهر ؟!
هزت والدتها رأسها بالايجاب :
- ايوة كلميه كان قلقان عليكى ؟!
هو انتى تعبانة ؟!
نظرت لها بأعين خاوية قائلة :
- لا بس عشان ضغط الافتتاح متقلقيش
لم تقتنع بحديثها لكنها انصاعت لرغبتها فى الا تضغط عليها فى الحديث مردفة :
- طب ادخلى حبيبتى ريحى ونامى قبل الافتتاح
هزت رأسها فى صمت وسارت خلفها ثم اغلقت الشرفة
وتوجهت إلى الفراش تجلس ثم انحنت لتخلع الجهاز
****
مر اليوم التالى سريعًا بدون احداث تذكر حيث جاء
الموعد المحدد للافتتاح كان افتتاح ذو طابع كلاسيكى
يتناسب مع شخصية بيلا، الاجواء هادئة والموسيقى
هادئة ولجا كنان يرتدى حلته السوداء، وضياء الذى كان يرتدى قميصًا وبنطال باللون الاسود ويحمل هدية معه
يبحث عنها بانظاره فوقع بصره عليها وهى تقف
مع طاهر لا يسمع من حديثهم شئٍ ولا يرى سوى
ابتسامة تزين ثغرها لا يعلم لَمِ شعر بضيق
فى صدره تنهد واشار لكنان برأسه نحوها وهو
يسبقه بخطوات فتابعه حتى وقف امامها ثم تحمحم :
- مساء الخير
استدار له طاهر بترحيب ماددًا يده :
- دكتور ضياء نورتنا بجد
حاول ان يتغاضى عن صيغة المثنى التى يجمع نفسه
معها دائمًا ابتسامة فاترة قائلًا :
- بنورك ..
دكتور كنان شريكى
- اتشرفنا
تلك الكلمة التى اردفها معًا كل من بيلا و طاهر
ابتسم كنان ثم قال بنبرة هادئة :
- الشرف ليا التنظيم بتاع الافتتاح على مستوى عالى
بجد كده انا هطمن على شغلنا.. بس هو ده اكيد ذوق
حد بيحب الكتب طبعًا
تحولت فجاءة لطفلة صغيرة سعيدة بالاطراء قائلة بنبرة طفولية :
- بجد يعنى الافتتاح والاجواء حلوة انا تعبت عليها
اوى .. بس متقلقش يا دكتور شغلك مش هيقل عن
كده نهائى
اغمض عيناه بانفعال فهى لطيفة مع الكل سواه ثم
فتحها هو يمد يده نحوها بالهدية، فرفعت اهدابها
إليه باستيحاء ثم همست برسمية :
- ميرسى ..
ماكنش فى داعى تعبت نفسك
كاد أن يختنق من طريقتها، فاستئذن طاهر ليرحب
ببقية الضيوف وانسحبت هى ايضا بلباقة لتنضم
لصديقاتها
جاب كنان المكان بعيناه بانبهار ثم وقعت عيناه على
من يشتعل بجانبه فهز رأسه ضاحكًا :
-ايه يا عم المشتعل مالك ؟!
اوعى تكون بتحب وغيران وكده
فاقترب منه ليردف بحزم ونبرة الضيق لم ينحج فى
اخفاءها :
- مش فاهم مالها بتحاول تتجاهلنى ومش طايقنى
ده غير الاخ طاهر الملزق اللى بيتكلم بصيغة إنهم واحد
قهقة كنان على حالته قائلًا بخبث :
- انت غريب ياجدع مش يمكن واحد فعلًا
سيبك الحفلة مليانة مزز تفتح القلب
- الصراحة يتاكلو اكل بس انا بحاول اغض بصرى
ابتسم كنان بتهكم قائلًا :
- لا وانت اللهم قوى ايمانك
****
بينما على الجانب الاخر اصدرت تأوه خافتًا اثر ارتطمها بحائط بشرى ادى إلى
وقوع حقيبتها ارضًا رفعت عيناها تنوى الاعتذار فهى
كانت تسير فى عُجالة لكن عندما انصدمت بعيناه تحولت ملامحها لشراسة :
- احنا هنستهبل بقى ؟!
صمت لحظة ليهتف بنبرة مشدوهة :
- انتى تانى ؟!
عقدت ذراعيها امام صدرها وهى ترمقه بنظرات استحقار قائلة باستهجان :
- والله !!
ده على اساس انها مش مقصودة
تمتم مستغفرًا وبداخله مستعجبًا من تشابه الشكل والطباع بينما يميل برأسه ناحية اليمين ثم قال بابتسامة ساخره :
- اكيد مش هوصل لكده يعنى ..
بعدين انتى مكبرها
فى حق نفسك
توسعت عيناها بذهول وكادت تمطره بوابل من الشتائم
لكنها صمتت ومازالت متشبثة بنبرتها الغاضبة :
- انت قليل الذوق ولولا الافتتاح كنت عرفت رديت عليك كويس
ثم همست بنبرة خفيضة :
- دلوع مامى اوى
إلتقط أذنه همساتها، لوهلة شعر برغبة فى صفعها لكنه
تسلح بقناع البرود وهو يحك ذقنه قائلًا :
- دلوع مامى بس اعجبك اوى
انفرج فاهها مصدومة من جرأته فهزت رأسها بيأس
وتجاوزته، بينما هو وضع يده على صدره هامسًا :
- لسانها عايز قصه بس عسل
***
- مش دية كيان مراتك اللى جاية هناك دية
تلك الجملة اردفها ضياء
رفع عيناه يطالعها كانت ترتدى فستانًا اسود وحجابها
الوردى الذى يتماشى مع بشرتها الحليبيه، تمعن النظر بها
وهو يفكر فهو لم يفهمها حتى، الآن وما دفعها للجوء لشقتهم، فهو عاش معها لكنه يجدها
خليط غريب من الغموض والحيرة والالم والطفولة
والأهم التسامح بداخلها طفلة تتراضى بكلمةٍ
صدح صوت ضياء مناديًا :
- كيان
رفعت نظرها لهم فى نظرة سريعة ثم تحاشت النظر إليه
وهى تتقدم بخطواتها نحوهم قائلة :
- اهلًا
انتوا هنا ليه ؟!
بادرها ضياء بالحديث :
- احنا هنا مدعوين الانسة بيلا هى اللى بتصمم افتتاح
المركز التجميلى بتاعنا
انتى تعرفيها ؟!
ردت سريعًا وهى تهز رأسها كى تنهى الحوار وتنصرف :
- انا بتعامل مع الانسة بيلا من فترة
انا متعهدة الأكل بتاع الاحتفال
كل ذلك وكنان يراقب ربكتها فى الحوار وهى تحاول
أن تنهى الحوار معهم، يشعر انها تعانى من اضطربات
نفسية ، تضع حاجز بينها وبين العالم الخارجى
بينما توسعت عين ضياء بسعادة قائلًا :
- بجد يعنى طلع ذوقها عالى زى فى الأكل
- مش فاهمة تقصد أية !!
سألته مستفسره عند قصده، ثوان وكان البوفيه يفتح
ورفع بصره وجد بيلا تتوجه مع صديقاتها فقال :
- لا متركزيش بس عن إذنكم مقدرش افوت الاكل
والجمال ده
قال كلمته وهو يغمز بعيناه لكنان ثم انصرف أما هى
فلم تعيره انتباه وتقدمت تقف على بعد خطوات تراقب
ردود الافعال على الطعام وهى تأكل شفتيها بتوتر
بينما على بعد خطوات وقف كنان يراقبها هو لا يصدق
انه تزوج من فتاة لا يعرفها لا يعرف عنها شئٍ، لا يصدق
انه تزوج من لصة، تنهد بثقل ففى النهاية هى ضحية
الدناءة والخسة لمن يغشون فى مواد البناء ولا يهتمون
بالأطفال والكبار هدفهم الأول والأخير الربح ولسوء
حظه تورط والده فهذه الصفقات المشبوهة تقدم ووقف
بالقرب منها وهو يضع يده فى جيب بنطاله والأخرى يقرص مؤخرة انفه قائلًا :
- على فكرة اللى هيشوفك كده هيفتكر حاجة من الاتنين اما اول مره تشوفى الأكل اما حاجة تانيه
استدارت له بحدة وهى تمتم مغتاظة :
- تقصد أيه ؟!
رفع كتفاه بلامبالاة ثم نظر امامه ونظرت هى ايضًا امامها مدعية البرود والثبات بينما التوتر جلى على
ملامحها ثم قالت :
- ما يهمنيش رأى حد وانت حر فى تفكيرك
بنى ادم مستفز اوى
دنا منها اكثر بشكل ملفت وهو يجز على شفته السفلى وبابتسامة صفراء قال :
- انتى قد الكلمة دية ؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة وهى تجوب بعينها المكان قائلة :
- انت ازاى تقرب منى كده انت اتجنتت
ابتعدت عنه وهى ترتجف فلأول مرة رجلًا يكون بهذا
القرب انصرفت مسرعة بعيدًا بينما هو هتف بنبرة
مشاكسة :
- انا مش هسيبك إلا لما عرف حكايتك
****
- على فكرة انتى النهاردة جميلة اوى
تلك الكلمات اردفها ضياء وهو يقف خلف بيلا
استدارت بيلا والامتعاض على ملامح وجهها بقوة :
- المرة دية سمعتك كويس هاا ؟!
استكمل حديثه مراقبًا ملامحها وهو يحاول سبر اغوارها :
- اجمل اميرة فى الحفلة النهاردة ، ده حقيقى واللى سمعتيه حقيقى ومش معاكسة، بس انتى واضح ان
شخصيتك عصبية
رمقته بنظرات هادئة حزينة، ملكومة مثل روحها
هى دائمًا تشعر بعجزها ولم تقدر على تجاوزه فهمست :
- تملى الحقيقة مش كاملة ومش كل اللى بتشوفوا
عينينا صح ولو سمحت مبحبش النوع ده من المجاملات عن إذنك
وقف ينظر فى اثرها مصدوم، إهدار لكرامته غير
مسبوق ولا يعلم لِمَ العنف فى ردود افعالها
****
انتهى الحفل وسار كنان بخطوات خارج مكان الحفل
لمحها تقف فى زواية وتعبث فى هاتفها فاقترب منها
يقف امامها قائلًا :
- يلا
رمشت عدة مرات تحاول ادراك مقصده ثم عقدت حاجبيها متساءلة :
- يلا ايه ؟!
- هوصلك
تحولت ملامحها للتمرد والعناد قائلة :
- لا شكرًا انا طلبت اوبر
يشعر بالغضب يتصاعد داخله استنزفت طاقته اغمض
عيونه المشتعلة ثم تحدث من بين اسنانه :
- بقول يلا انا مش هقف كده كتير
عقدت ذراعيها امام صدرها وهى ترفع انفها بعلو :
- محدش قالك تقف اتفضل
فى لحظة كان يقبض على معصمها ويجرها خلفه إلى السياره، توقف امام السيارة فاتحًا الباب وادخلها السيارة
واغلق الباب خلفها ثم استدار هو ليجلس على مقعد القيادة ثم مد يده يفك رابطة عنقه
بينما هى كان يشتعل وجهها غضبًا من سحبها خلفه
التفتت له قائلة :
- ممكن افهم بقى ايه اللى انت عملتوا
شملها بنظرة ثم نظر امامه قائلًا :
- مزاجى اعتبريها جدعنة منى
رفعت حاجبيها وهى تهز رأسها بحنق ثم همست بصوت وصل لأذنه :
- سمج اوى
توسعت عيناه بذهول فلسانها اصبح طويلًا توعد لها بداخله، اما هى تجاهلت حديثه ثم اخرجت الهاتف تطالع صفحتها الاجتماعية على موقع التواصل الاجتماعى
بعد مرور نصف ساعة كان يصف سيارته امام المسكن فنزلت وركبوا المصعد، وما أن ولجوا الشقة اغلق الباب يسحبها من يديها ولصقها بالحائط خلفها ووضع يده يستند على الحائط فوق رأسها ودنا من اذنها يهمس :
- انا ايه عيدى تانى كدة ؟!
حاولت السيطرة على رجفة جسدها بسبب قربه بهذه
الطريقة، صوت انفاسها سار مسموعًا اجابته بتقطع :
- لو سمحت كدة ميصحش ابعد
دنا منها اكثر وهو يمسك طرف حجابها يبتسم بتلاعب
على حالها :
- خلينا كدة لحد ما تفتكرى بقى
اغمضت عيناها بقوة وضربات قلبها تتسارع حتى كاد
أن يخرج قلبها من بين ضلوعها من فرط التوتر والخوف
التو ثغره بابتسامة ساخرة هامسًا ببحته الرجولية :
- طلعنا مش اد كلامنا
فتحت عيناها وتلاقت بعيناه فرمشت باهدابها عدة
مرات قائلة ببراءة الاطفال :
- ماكنش قصدى، لو سمحت ابعد كفاية كده
استقام فى وقفته يدس يده فى جيب بنطاله
قائلًا :
- كفاية عليكى كده مش هعديها تانى ماشى
انطلقت من امامه نحو غرفتها، فابتسم وهو يحك مؤخرة رأسه
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس 6 - بقلم سارة فتحي
فى بعض الاحيان تجبرنا الحياة على تجاهل اشياء،
وأن نصمت ونبتعد ونحن بأشد الحاجة إلى الوصال
لكن هذه ما تسمى بعزة النفس
***
وقف ضياء يحاول كبح مشاعره فى الاقترب منها ثانيةٍ
يطالعها من بعيد وهى وتفف وسط صديقاتها، بالأخير
انحلت عقدت قدميه وسار إليها بعد ما انصرفت صديقاتها، وقف خلفها ثم تحمحم فالتفت له باشراقة
لم ترَ العين فى جمالها فقال :
- كدة كتير عليا والله
بدت علامة استفهام على وجهها وسألته ببراءة :
- فى حاجه يا دكتور ضياء ؟!
تنهد ضياء وهو يحك مؤخرة رأسه :
- ضياء بس كفاية من غير دكتور
هزت رأسها بالايجاب :
- تمام
ثوانٍ وانضم لهم طاهر بابتسامة واسعة :
- ايه رأيك بقى يا دوك فى شغلنا
اجابه بابتسامة فاترة وهو يجز على اسنانه :
- جميل اوى زيك ياباشمهندس
ثم استرسل موجهًا حديثه لبيلا :
- الوقت اتاخر تحبى اوصلك فى طريقى
قهقهة طاهر وهو يضرب كتف ضياء بخفة قائلًا :
- لا دية شغلتى يا دوك انا بقيت السواق الخاص
بتاعها، سواق الهانم كده
احتقنت ملامح ضياء وهو يتمتم بخفوت :
- ابو غتاتك جدع رزل، دم أمك يلطش
ظن طاهر انه يحدثه فسأله :
- بتقول ايه يا دكتور ؟!
طالع بيلا بابتسامة واسعة :
- ده انت محظوظ بس
ثم انصرف ضياء واضعًا يده على قلبه قائلًا :
- طب ليه الغدر والخيانه دية، مش كنا متفقين مالناش
فى جو الحب والتلزيق ده عجبك سحلتى دية وراها
*****
وقفت كيان امام المرأة وهى تفك حجابها، مدت يديها تتلمس وجنتيها
المشتعلتين، لازالت اللحظات السابقة تسيطر عليها
تنظر لنفسها فى المرآة وهى تتأمل نفسها بضعف
قائلة بنبرة متألمة :
- يارب ماليش غيرك عارفة انى غلطت بس استرها
معايا لحد ما الجدع ده يمشى
تراجعت للخلف ترمى بجسدها على الفراش لتقع فى
النوم على الفور
*****
فى صباح اليوم التالى
وقفت على اعتاب الغرفة ترمق البهو بتوجس فوقعت عيناها عليه يرتشف قهوته، خطت قدمها للخارج بصمت
وهدوء، فما حدث ليلة امس جعلها تراه بشكل مخيف
وقفت فى المطبخ بارتباك تعد الفطور
لاحظ وهو يجلس على الاريكة المقابلة للمطبخ مدى توترها وتخبطها بين ادوات الطهى ابتسم وهو يقرص
مقدمة انفه محاولًا كبح ضحكاته على الفوضى التى
سببتها فى المطبخ من اجل كوب قهوة، نهض من مكانه
يضع كوب القهوة الفارغ فى الحوض ثم وقف وراءها
يبتسم قائلًا بجوار اذنها :
- معقول، مش سامع صوتك
ابتلعت خوفها ثم استدارت وهى تستند على الرخامة خلفها طرق على الباب انقذها منه
فرمقها بنظرة سريعة ثم هز رأسه وتجاوزها ليفتح
الباب، طالع وجه ضياء فالتوا ثغره قائلًا :
- نعم على الصبح خلفتك ونسيتك مش كلها
شوية وهقابلك
اغلق ضياء الباب خلفه، وسار للداخل :
- انت ازاى اصلًا تمشى امبارح من غير ما تقولى
وهو يسير للداخل وقعت عيناه على تلك الواقفه فى
المطبخ فابتسم ثم جلس امامها على المقعد قائلًا :
- صباح الجمال على اجمد شيف فيكى يا مصر
تلاشت ملامح القلق والتوتر وابتسمت برقة ثم قالت :
- صباح الخير
- ده ايه الصباح العسل ده اجمل صباح ده ولا ايه ؟!
صدح صوت كنان وهو يزمجر به فاكمل ضياء حديثه
معاها :
- قولت اجى الحق افطر من إيديكى فطرتى
هزت رأسها بالايجاب ولم تستطع ان ترفع عيناها من
ذلك الذى يقف امامهم كالبركان الثائر، التفتت له
ضياء ببرود قائلًا :
- ورايا نتخانق جوه براحتنا
******
وقف كنان وضياء فى الشرفة ينظران امامهما بصمت خرج كنان عن صمته قائلًا :
- خير يا ضياء ؟!
ايه اللى جابك ؟!
صمت ضياء لحظة متنهدًا :
- شاغلة تفكيرى اول مرة اللى بيحصل ده
حابب اتكلم معاها اعرفها ومش مديانى فرصة
والبنى ادم اللى اسمه طاهر ده لازق ليها مش عارف
حاجة عنها كنان الموضوع لازم حل حاسس انه هيقلب
بجد
اغمض كنان عيناه وهو يسند بمرفقيه على سور الشرفة
ثم استقام فى وقفته معارضًا لحديثه :
- اللى هو ازاى مش يمكن بجد بيحبوا بعض مالك ياضياء
مفيش تفكير، بجد ازاى من يومين ؟!
ضياء بحزن بلغ ذروته تنهد قائلًا :
- مفيهاش ازاى وممكن من اول ساعة من اول نظرة
هى كده، على العموم متشغلش بالك سلام
سحب كنان نفسًا طويلًا ثم فرك وجهه بيديه مردفًا :
- استنى هنا ..
انا هحاول اتصرف واعرف حكاية
الاستاذ اللازق ده
أوما برأسه ثم ضيق عيناه كمن يحضر افكاره لسرقة مصرف :
- هنعمل اية يا كبير نخطف طاهر ونهدده او نقتله ونرتاح منه
نظر له بقلة حيلة ثم تحدث من بين اسنانه :
- امشى يا ضياء استنى تحت هلبس ونروح ليها
الشركة وانا هناك هعرف بطريقتى
تحمحم ضياء :
- طب هفطر مع كيان الاول
- ضيييياء
صاح كنان بغضب، بينما رفع ضياء يده دلالة على علامة
الاستسلام وانصرف من امامه
*****
وصلا ضياء وكنان لمبنى الشركة وسار كنان بكل
هدوء وثقة مال عليه ضياء يهمس فى أذنه :
- ده مكتبها اهو
مال عليه كنان هو الاخر متسائلًا :
- مكتب طاهر فين ؟!
هم ضياء بالمعارضة فقاطعه كنان :
- هششششش انا عارف انا بعمل ايه
اشار ضياء على باب فى الجهة اليمين فتقدم كنان
وخلفه ضياء طرق على الباب ثم ولج للداخل
ابتسم طاهر بترحاب :
- اهلًا نورتونا ..
نورت المكتب يا دكتور كنان
رمقه ضياء بنظرات حائرة، بينما تحدث كنان بثقة :
- امم، قصدك تقولى يا دكتور عشان اقولك يابشمهندس
قهقة طاهر :
- ابدًا، خلاص كنان
- طيب معلش الفترة اللى فاتت معرفتش اجى مع ضياء كنت مشغول ممكن اشوف الشغل والتصميم
تحدث كنان برزانة بينما رد عليه طاهر بعملية شديدة
وفتح حاسوبه وشرع فى فتح الملفات كان كنان
يتابع باهتمام شديد بينما كان ضياء يجلس على
الجمر ، انتهى كنان اوما برأسه ايجابًا قائلًا :
- لا الشغل ممتاز، ده كمان تصميم الافراح روعة
اكيد بعد الافراح دية كلها والشغل ده نويت على
الجواز
اشار طاهر إلى صدره ثم هز رأسه بالنفى :
- مين انا .. لا لا استحالة لسه مجتش اللى تهز قلبى
وتهدم حصونه
فجأة نط ضياء من على مقعده صائحًا :
- الله اكبر ..
الله اكبر
جز كنان على شفتيه السفلية لاعنًا غباء صديقه
اما طاهر قطب حاجبيه باندهاش
لاحظ ضياء تسرعه فجلس على مقعده وهو يطالع
كنان بترقب ضحك كنان قائلًا :
- اخيرًا لقيت حد شبهك عشان كل ده
اصل دية وجهة نظر ضياء وماصدق لقى حد زيه
لا يعلم طاهر لِما صورة تلك المشاكسة ظهرت امامه
الآن، اومأ برأسه بالايجاب مردفًا :
- كنان انت مش معانا ؟!
رفع كتفه ثم قال غير مكترس للأمر :
- الصراحة ماليش فى الجو ده، اصل بحس ان الرومانسيات للبنات مش اكتر، يعنى اكيد الانسة بيلا
هى اللى تبقى نفسها مفتوحة للجواز بعد الشغل ده
اجابه طاهر بكل بساطة :
- لا بيلا بقى رافضه الفكرة كلها حاسس اننا مش
لايقين على الشغلانة دية
انهى جملته ثم نهض واقفًا مصافحًا طاهر قائلًا :
- طب يادوب نلحق نشوف المركز ..
اسف عطلتك
*****
- انت غبى صح اللى عملتوا فوق ده
تلك الجملة اردفها كنان بعصبية
- ما خلاص بقى يا كنان عدت خلينا فى المهم هنعمل
ايه دلوقتى مع بيلا دية طلعت كده معقدة
اردف ضياء ساخطًا وهو يفتح باب السيارة
توسعت عين كنان وهو يضرب سطح السيارة :
- ايه هنعمل ايه دية ؟!
انا مالى لحد كده وخلاص اهى طلعت مش مرتبطة اكتر
من كده ميخصنيش وتبطل تحشرنى فكل حاجة
ثم إنك بتفتح باب العربية ليه ؟!
رفع ضياء حاجبيه مستنكرًا سؤاله :
- جاى معاك ياجدع انا جاى من غير عربيتى
اشار كنان برأسه على الباب وهو يزمجر قائلًا :
- اقفل الباب ده اقفلوا يا ضياء متعصبنيش
اغلق ضياء الباب مبتعدًا عن السيارة وهو يرمقه بسخط
ثوانٍ وكان كنان يجلس خلف عجلة القيادة وانطلق
مسرعًا فاصدر غبارًا فى الجو، لوح ضياء فى الجو
ليبعد آثار الغبار قائلًا :
- ما تلاقى ماما اللى جايبهالك، اه لو امه سمعتنى
*****
ولج طاهر لغرفة مكتب بيلا ثم اطلق صفيرًا :
- سيدى ياسيدى بقالى ساعة بخبط اللى واخد عقلك
ابتسمت باستيحاء فكيف تقول له أنه هو من يشغل
تفكيرها :
- بجد، سورى مانمتش كويس من امبارح الافتتاح
طير النوم من عينى
سحب المقعد وجلس امامها يسألها :
- بجد عجبك ؟!
- اووووى
قالت جملتها والسعادة تغمر روحها، ابتسم ثم اعتدل
فى جلسته متسائلًا :
- بيلا هو انت تعرفى كل البنات اللى كانوا امبارح فى الحفل
هزت راسها بالايجاب وبداخلها ينقبض تشعر بما هو قادم ابتلعت ريقها ثم اجابته :
- اكيد كل اللى كانوا موجودين اعرفهم
حك مؤخرة رأسه قائلًا :
- اصلى فى بنت كدة كنت شفتها مرتين وكل مرة
يحصل بينا تصادم، هبقى اجيب الفيديو وتقوليلى
مين ؟!
دب الصداع برأسها فقالت بتثاقل :
- تمام
رفع نظره لها فورًا وسألها سريعًا :
- صحيح الأكل كان روعة ، ايه رأيك نتعاقد مع البنت
دية وتبقى معانا فى كل الحفلات، انا ليه مش شفتها
امبارح المفروض تاخد باقى حسابها هى فين
تمتمت بوجه عابس :
- المفروض تيجى النهاردة او بكرة وقت ما تيجى هبلغك
***
فى المساء ولج كنان للشقة فوجدها تجلس على الاريكة وامامها التلفاز على احد القنوات الافلام الكارتونية ودموعها
تغرق وجنتيها، تنظر دون ان ترى شئٍ او لا تعى شئٍ تضع يديها على شفتيها تحاول أن تكتم شهقاتها
ظل واقفًا خلف الأريكة يوزع نظراته بينها وبين
التلفاز لا يجد سببًا لكل هذا البكاء وكأنها فقدت
احد افراد اسرتها للتو يرى العجز والخوف يسيطر عليها
بينما هى كانت شاحبة كالاموات فاقدة الحياة، حاضره امام التلفاز تشاهد فيلم كارتونى بينما هى فى عالم اخر
من الذكريات، مشاهد محفورة فى ذاكرتها تظل تخترق روحها ظنت ان الوقت هو المعالج لها، وانها تعافت لكن
مازالت روح الطفلة بداخلها تتألم
استدار ليقف امامها تشنج جسدها فور رؤيته ونهضت
مسرعة تخفى دموعها وهى تنظر للأرض لكن دموعها
العالقة باهدابها اعاقة الرؤية فتعركلت فى طرف السجادة وكادت ان تسقط لولا يديه التى حالت بينها
وبين السقوط قائلًا :
- فى ايه مالك ؟!
حصل حاجة ؟!
انتى كويسة ؟!
فلتت منه مسرعة دون ان تنبس بكلمة واحدة واندفعت إلى غرفتها تتوارى بين حيطانها اما هو تنهد بثقل وهو يرتمى بجسده على الاريكة خلفه قائلًا :
- وبعدين بقى مع البنت دية
*****
فى صباح اليوم التالى
- صباح الخير، طلبتينى ؟!
تلك الجملة اردفها طاهر وهو يجلس امام بيلا
اغمضت عيناها وتنهدت بثقل قائلة :
- صباح النور يا طاهر، كنت عايزاك تحضر باقى حساب
كيان هى جاية دلوقتى وبالمرة لو عايز تتفق معاها
تبقى معانا
طرق باصابعه على سطح المكتب ثم تحمحم قائلًا :
- تمام الحسابات جهزوه اصلًا، امممم انا كنت نزلت فيديو
الافتتاح على الفون وكنت عايز اسالك على البنت
دية
رمقته بنظرة مستاءة ثم عقدت حاجبيها بتشكك قبل
ان تسأله :
- هى مهمة اوى كده ؟!
ابتسم وهو يمرر يده بين خصلات شعره قائلًا :
- هى الحكاية
قطع كلماته طرق الباب، فرفعت بيلا نظرها صوب الباب
فطالعت السكرتيرة قائلًة :
- الانسة كيان بره
هزت رأسها بعملية :
- تمام دخليها
ولجت كيان للداخل بابتسامة واسعة قائلة :
- صباح الخير
ابتسمت بيلا :
صباح ..
لكن طاهر لم يعطيها فرصة للرد، بلحظة اصبح امامها
وهو يقول :
- انتى ؟!
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع 7 - بقلم سارة فتحي
اتسعت عيناها بصدمة ثم جزت على أسنانها لتردف بذهول:
- أنت إيه اللي جابك هنا؟
غمز لها بطرف عينيه قائلًا بخبث:
- لا بقى ده أنتِ بتراقبيني وماشية ورايا.
رفعت سبابتها في وجهه ثم قالت بنبرة تحذيرية:
- مسمحلكش، حاسب على كلامك معايا.
لم تعد تتحمل الصراع بينهم أكثر من ذلك لتتحدث بحدة:
- هو في إيه، أنتوا تعرفوا بعض؟
عاد طاهر ليجلس على كرسيه ثانيةً، نظرت له كيان شزرًا لتردف:
- ما أعرفوش، صدف غريبة أو على حسب بقى.
قهقه طاهر وهو يطرق كفًا بآخر قائلًا:
- بردوا أنتِ مصممة.
علا تنفسها الحاد من شدة مشاحنتهم التي أرعبته، من داخلها بشدة قائلة:
- كيان لو سمحتي اقعدي عشان نتكلم.
توجهت كيان تجلس في المقعد المقابل له وهي تتجاهل النظر إليه، أما هو فيراقبها بابتسامة واسعة.
أغمضت بيلا عينيها لبرهة ثم تحدثت وهي تشير بيدها صوب طاهر لتبدأ في تعريفه قائلة:
- باشمهندس طاهر يا كيان، شريكي وهو اللي ماسك كل حاجة معايا.
- ديادية كيان، الشيف بتاع الاحتفال يا طاهر.
ما زال طاهر ابتسامته تزين ثغره ليردف بتسلية:
- اتشرفنا، فرصة سعيدة يا آنسة كيان.
زمت شفتاها وهي تطالع أمامها ثم همست بخفوت:
- شكرًا.
تنهدت بيلا وأكملت حديثها:
- طب يا كيان، الباشمهندس عجبه الأكل والتنسيق وحابب تنضمي للفريق بتاعنا.. أنا قولتلوا إنك مش فاضية عشان أنتي في سنة رابعة.
قاطعها طاهر مسرعًا وهو يحاول إقناعها قائلًا:
- طب سنة رابعة وكلها كام شهر وتخلصي وتبقى معانا.
- ديادية فرصة كويسة.
ما زالت تنظر لبيلا وتتحاشى النظر إليه ثم تحدثت بعلو وهي ترفع رأسها عاليًا:
- هفكر وأشوف ظروفي وهبلغك يا آنسة بيلا.
يبتسم رافعًا إحدى حاجبيه وهو يطالع طريقتها الطفولية، ولم يبالغ إن قال إنها كتلة لطافة متحدثة، قرر مشاكستها أكثر:
- طب هستنى ردك بقى، متتأخريش.
زمت شفتيها بغضب طفولي ثم نهضت واقفة ومدت يديها لبيلا لتصافحها ثم استأذنت قائلة:
- عن إذنكم.
أولتهم كيان ظهرها وتوجهت صوب الباب وأدارت المقبض وخرجت.
تحمحم طاهر ثم نهض واقفًا وهو يقرص مؤخرة أنفه قائلاً:
- عنيفة أوي، همشي أنا بقى.
***
يسير ضياء وكنان معًا في أروقة المشفى ليتفقدا التجهيزات، كلما تذكر أن أعمال البناء أوشكت على الانتهاء واقترب موعد رحيله ولم يصل لهدفه الأساسي وهو إيجاد ذلك المقاول، يتعكر مزاجه ويشعر بثقل على صدره.
نظر له ضياء بطرف عينه وإدرك ما به:
- إيه روحت فين؟ مش عاجبك التجهيزات؟
تجول بنظره في المكان من حوله ثم رمقه ثانيةً قائلاً:
- ممتاز، بس كده الوقت بيجري وموصلتش للزفت ده.
رفع بصره وهو يحاول إيجاد سببًا لإجباره على البقاء معه:
- ونسافر ليه؟ طب ما الفرع اللي في دبي عمو بيديره، واحنا هنا هنبدأ من جديد ليه نسافر؟
انحنى كنان برأسه نحو اليسار وقد اتخذت الصدمة معالمه، لم يصدق أنه سيفضل المكوث هنا، فهو قد بذل مجهودًا كبيرًا لإقناعه لافتتاح فرع المشفى هنا، فتحدث كنان باستنكار:
- أنت عايز تقعد هنا يا ضياء؟
مالت شفتيه لليسار بابتسامة ثم أكمل:
- شكلي كده، أو مش عارف، أنا بقول نأخر سفرنا شوية، مين عارف.
اكتفوا بالتحديق في بعضهم بابتسامة ثم ربت كنان على كتف ضياء قائلاً:
- هفرح جدًا على فكرة، بس إزاي ده؟
أشار ضياء إلى صدره حيث موضع قلبه مردفًا:
- العضو المهزأ ده في جسمي ده شكله هيسحلني.
رفع حاجبيه متعجبًا من رده ثم ضحك بشدة، لكنه توقف وهو يرفع معصمه وينظر في ساعته قائلاً:
- همشي أنا، في حد وعدني إنه هيجيبلي مكان الراجل ده، خليني أكون هناك، هو كمان كان واخد شقة ولحسن حظه إنه مسكنش، كان فرحه آخر الشهر.
***
وقفت في قسم الحسابات تأخذ باقي مستحقاتها المالية، وقبل أن تمد يدها تأخذ الظرف كان يسحبه هو للأعلى.
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- وبعدين بقى بردو المرة دي صدفة بردوا؟
أجابها بهدوء تام:
- مش للدرجة دي، أنا نازل مخصوص عشانك، بس ياريت تصدقي إن المرتين اللي عدوا صدفة كمان، بجد أنت شبه حد أعرفه.
تنهدت الصعداء ثم قالت:
- يخلق من الشبه أربعين، وصدقتك، الظرف بقى عشان أروح.
انفرجت شفتاه بابتسامة واسعة قائلاً:
- طب نبدأ من جديد، طاهر، وأنتي؟
- كيان، اتشرفت يا بشمهندس.
ابتسم ثم مد يده لها بالظرف، فاخذته ووضعته في حقيبتها واندفعت للخارج لتغادر الشركة بأكملها، بينما وقف هو ينظر في طيفها مسلوب الإرادة.
***
وما أن تحرك طاهر من مكتبها فتحت سريعًا شاشة المراقبة في الشركة لتشاهد ما يحدث وتأكدت شكوكه.
ما أن راته يقف معها والابتسامة تزين ثغره، قضمت شفتيها بقوة تكاد تدميهما، شعرت بالمرارة والحزن احتل ملامحها وقلبها يتألم، همست من بين دموعها:
- ليه كده يا طاهر؟
ثم استرسلت:
- هو إيه اللي ليه كده؟ هو أنا اتجننت؟ وهو هيبص ليكي ليه أصلًا؟ أنتي خلاص اتأقلمتي إنك لوحدك.
سمعت صوت خطوات تقترب من باب مكتبها، فرفعت رأسها تمسح دموعها سريعًا، فهي اعتادت أن تبقى نجمة وحيدة في سماء العتمة.
***
عادت إلى شقتها وهي تلعن كبريائها الذي جعلها تتردد في قبول عرض مثل هذا.
رمت حقيبتها على الأريكة وسمعت صوتًا عاليًا يأتي من غرفته، تقدمت على طرف أناملها صوب غرفته وطلت من فتحة الباب الموارب، فكان يوليها ظهره ويبدو أنه يتحدث في الهاتف بانفعال.
وقفت على أعتاب الغرفة تسترق السمع إليه فكانت كلماته مريبة:
- اسمع بس عشان نخلص كل حاجة من غير ما يبقى علينا حاجة، أنت بس هات عنوان المكان اللي قولتك عليه والباقي عليا.
- ده أنا هطلع مش بس قلبه، لا كمان هطلع عينه.
خرجت شهقة منها دون قصد، فالتفت سريعًا وجدها تقف في غرفته وتضع يديها على فمها.
اقترب منها يقبض على معصمها:
- أنتي إيه اللي دخلك هنا؟
- كيان بخوف جلي وتوتر يبدو على ملامحها:
- تجار أعضاء، أنت طلعت تاجر أعضاء؟
أشار لنفسه وعيناه تنذر بانفجار بركاني:
- أنا تاجر أعضاء؟ أنتي اتجننتي؟
أومأت برأسها بالإيجاب مؤكدة على كلامها:
- أومال اللي بيتاجر في القلب والعين ده إيه؟
رمقها بنظرات محتقنة ومغتاظة وأجابها وهو يجز على أسنانه:
- لا طبعًا، أنا مش تاجر أعضاء.
في ثانية كانت تملصت من يديه وقفزت فوق الفراش خلفها وصاحت برعب وهي تضرب بكفها على صدرها:
- مش تاجر أعضاء يبقى آكل لحوم البشر، مالهاش حل تاني، بس طب قبل ما تأكل أعضائي موتني الأول، ما هو أنا مش عايزة أتعذب.
طرق كفًا بآخر وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا قائلاً:
- لا تاجر أعضاء ولا آكل لحوم بشر، انزلي من عندك، كل الحكاية ده واحد عملي شغل غلط وكلامي ده مجاز.
ابتلعت بصعوبة وهي تطالعه بتوجس:
- ده بجد؟
ضرب بكفه الحائط لاعنًا حظه الذي أوقعه في تلك المعتوهة:
- انزلي من على السرير وبلاش تتفرجي على أفلام رعب كتير.
نزلت قدميها على الأرض وهي تشعر بالخجل من غبائها، فتحدثت ببراءة وهي تتجاوزه للخارج قائلة:
- أنا مش بتفرج على رعب، أنا أخرى قنوات طبخ وكرتون بس.
قبض على معصمها برفق وهو يسألها:
- أنتي كنتي منهارة من العياط امبارح ليه؟
هزت رأسها بالنفي وقد بدت الدموع تغزو عيناها فاجابته كاذبة:
- مفيش عادي.
توفم ساخرًا لا يصدقها لكنه سيتركها حتى يحين الوقت.
***
تركها وتوجه لصنع بعض القهوة التي بات عقله يطالبه بها مع تزاحم رأسه بالكثير من الأفكار، فشرد في التفكير ولم ينتبه للقهوة المتساقطة على الموقد، لكن انتزع عقله من شروده صوت صراخها وهي تقف خلفه:
- يالههههوى! أنت بتعمل إيه؟ القهوة كلها بقت على البوتجاز، بهدلت الدنيا.
رمق الموقد ثم رمقها بتهكم قائلاً:
- الصراخ ده كله ليه عشان القهوة فارت؟
جزت على أسنانها وهي تلوح بيديها قائلة:
- ما تفور القهوة في داهية، البوتجاز يا بشمهندس مش بحبه يتبهدل كده، ماكنش خربوش قهوة.
ضيق عيناه وهو يقترب حتى التصقت بالحائط قائلاً:
- أنا باشمهندس، مش قولتلك بلاش أنا وإيه خربوش دي؟
ابتلعت لعابها بصعوبة ثم اردفت:
- يا دكتور، ميصحش كده.
قهقه عاليًا وهو يهز رأسه مبتعدًا عنها:
- دلوقتي بقيت دكتور، يعني عارفة إني دكتور وبتحاولي تستفزيني صح؟ وإيه خربوش ده؟
أومأت له ثم تحدثت بعينين لامعتين من دموع:
- أنت ممكن تروح تقعد بس وأنا اللي هعملك القهوة يا دكتور.
طالعها بتحفز وتوتر وهو يشاهد رجفة جسدها ثم غمغم:
- تمام.
***
دلف طاهر إلى منزله وتوجه صوب غرفته ومد يده يفتح الباب لكنه انصدم من تلك التي تخرج من غرفته.
عض على شفتيه محاولاً السيطرة على غضبه قائلاً:
- خارجة من أوضتي ليه يا هاجر؟ مش أنا قولت متدخليش أوضتي؟
رفعت هاجر إحدى حاجبيها بخبث وهتفت:
- أيوه بقى، ليه مدخلش؟
حاول أن يتمالك غضبه لآخر لحظة أمامها، فهي لا تنفك عن إخراج أسوأ ما فيه:
- أنتي مالك أوضتي وأنا حر.
- أسباب مش مقنعة.
أجابته وهي تضع يديها في وسطها وتتمايل بخصرها.
اعتلت الصدمة محياه ثم صاح بها بغضب:
- هااااااجر!
في هذه الأثناء أتت والدته من الداخل مسرعة وقطبت حاجبيها بتساؤل:
- إيه يا جوجو؟ مالك يا طاهر؟
جحظت عين طاهر بذهول مستنكرًا:
- مين دي اللي جوجو؟
رفعت هاجر حاجبيها وهي تشير لنفسها:
- أنا جوجو، إيه مش عاجبك، تعيش مرات خالي وتدلعني.
ضم طاهر شفتيه بغيظ ثم تحدث قائلاً:
- مرات خالك تدلعك بعيد عني، وأنا مش قولت يا ماما محدش يدخل أوضتي نهائي.
صاحت والدته بنفاذ صبر:
- جرى إيه يا طاهر، جوجو كانت بتساعدني، كتر خيرها.
وقفت هاجر وهي ترتسم الحزن ثم هتفت مدعية البكاء:
- سيبيه يا مرات خالي، هو أنا عشان يتيمة بيعمل معايا كده.
شفقت والدته عليها وضمتها إلى صدرها ونظرت لأبنه بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
- اعتذر يا طاهر.
- وربنا ما يحصل، ولا هعتذر.
- ده هي في قمة سعادتها من يوم ما عمتي ماتت، تصلي على النبي، قال إيه يتيمة قال.
علمت أن حيلتها لم تنفع فاستخدمت آخر وسيلة للدفاع وهي الهجوم، انتفضت من حضن زوجة خالها قائلة:
- وأنت بقى الأوضة فيها إيه مش عايزنا نشوفه؟ ده إيه؟ لتكون بتجيب مجلات مراهقين ولا بتتفرج على حاجات أعوذ بالله.
تهالكت أعصابه ثم وجه حديثه لوالدته:
- عجبك كده؟ أطلع روحها دلوقتي.
ضربت أمه صدرها بصدمة:
- يالههههوى يا طاهر، السكة دي آخرتها وحشة.
ضرب الجدار بيده وهو على وشك الخروج بروحها:
- ماما اسكتي الله يسترك.
- هاجر، أنتي قاعدة عندنا ليه؟ امشي انزلي عند أبوكي، وبعدين أنتي مش سامعة ساهر ابن خالك اللي طول النهار مذاكرة صوته مسمع البيت كله، مفيش أي إحساس بالغيرة.
زمت شفتيها بضيق ثم اردفت:
- كل واحد وطموحه.
- وطموح الهانم إيه إن شاء الله؟
رفعت رأسها بعنجهية وعلو:
- اتجوز.
فرك وجهه بيده وهو يتمتم بغيظ:
- فين الطموح في كده؟ ومستعجلة ليه؟ أنتي كبيرك أسبوع وتتطلقي، دي جينات عمتي.
دلك جبينه فرؤيتها أصابته بدوار، توجه نحو غرفته ودخل ثم أغلق الباب في وجهها، أما هي همست:
- براحتك، بكرة تيجي تحفا على بابي، بس الصبر يا طاهر.
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن 8 - بقلم سارة فتحي
مضى يومين عليها كدهر. تغيبت عن عملها بحجة التعب والإرهاق. لم يخضع عقلها للنوم أو يتوقف عن التفكير في حال قلبها الأجوف الذي اعتاد الوحدة. لكنها هذه المرة لملمت شتات روحها سريعًا وقررت حجب الحزن والضعف عن حياتها، وأن تسير بعزم وقوة وتنظر للحياة بإيجابية وتتجاوز عقباتها. فهي أفضل من غيرها.
تنهدت بعمق وهي تنظر حولها في حديقة المركز. قاطع شرودها صوت طاهر:
- شكله مركز كبير والحديقة بتاعته واسعة عشان شغلنا، بس قوللي أنا حاسك متضايقة مش فكرة ضغط بس.
أنزلت كتفيها ثم همست بنبرة يغلب عليها الحزن:
- شوية ضغوط كده بس تمام أنا أحسن دلوقتي.
- المكان نور وزاد جمال على جماله.
كانت هذه كلمات ضياء وهو لا يصدق نفسه أنه يراها أمامه الآن. هز كنان رأسه من الخلف على أفعال صديقه ثم تقدم بابتسامة واسعة. انضموا يجلسوا في الطاولة معهم. فقامت هي بفتح الحاسوب وبدأت في شرح التنظيمات بمهنية عالية وهي تشير إلى أركان الحديقة.
صدح رنين هاتف طاهر فنهض وقد استأذن ليجيب على هاتفه. ثوانٍ ونهض كنان وهو يغمز بعينيه خلسة لضياء الذي فهم مقصد صديقه وهو يقول:
- طب ضياء كمل أنت مع الآنسة بيلا وأنا هتابع الشغل جوه.
ابتسم ضياء وأومأ بالإيجاب. قائلًا:
- تمام.
رحل كنان بينما ضياء وجه نظره إليها قائلًا:
- تمام اتفضلي كملي.
رفعت كتفيها ثم أجابته بنبرة هادئة:
- كده خلصت خلاص. في أي تعديلات؟
- بعد اللي قولتي والعظمة ديه مافيش.
ابتسمت لمجاملته. فتحمحم قائلًا:
- بصراحة كنت ناوي أجي ليكي المكتبة بس للأسف مش بفهم في الكتب وماليش في القراءة. حسيت إني شكلي هيبقى وحش.
ساد الصمت لثوانٍ ثم تحدثت قائلة:
- أنا القراءة كل حياتي إدمان كده.
اعتدل في جلسته يقول مداعبًا:
- كنان بيحب القراءة. حاول معايا فاداني كتاب من غير ما أقصد الأكل وقع عليه والعصير واتبهدل. وما كنتش قرأت منه غير ١٠ صفحات أصلًا واتخنقت. عرفت إنهم مش كاري ده بعد كنان ما نفخني.
قهقهت على حديثه وهي تهز رأسها بيأس:
- صعب أوي اللي أنت عملته ده. أنا ممكن أرشحلك كتب تقرأها هتشدك.
ارتسمت ابتسامة على شفتيه ولمعت عيناه بوميض، كأنه كان ينتظر هذه الفرصة. فأجابها والحماس يسيطر عليه:
- ياريت. ومتقلقيش مش هوقع عليهم حاجة المرة ديه.
ثم أكمل متسائلًا:
- هو أنتِ اسمك الحقيقي بيلا؟
هزت رأسها بنفي قائلة بنبرة هادئة:
- لأ اسمي نبيلة.
- بيلا كله تمام. آسف الفون كان من البيت.
أردف طاهر تلك الجملة بأسف، بينما هي هزت رأسها عدة مرات بتوتر. أما ضياء صر أسنانه بقوة يهمس بصوت يكاد مسموعًا لنفسه:
- يعني أقوملك دلوقتي أسفلت وشك بالأرض.
- بتقول حاجة يا ضياء؟!
قبل أن يجيبه جاء أحد العمال من الداخل قائلًا:
- دكتور ضياء عايزينك جوه تشوف الشغل النهائي.
تأفف بضجر بينما هي وقفت تحمل حقيبتها:
- طب نسيبك لشغلك واحنا كمان نشوف شغلنا.
هز رأسه على مضض. اتجه للداخل وانصرفا هما معًا.
***
في السيارة تجلس بيلا بجوار طاهر ساكنة تنظر من النافذة بصمت. بينما هو قطع الصمت قائلًا:
- مين عيد ميلاده الشهر الجاي وهنعمل له حفلة؟
أجابته بابتسامة شاحبة قائلة:
- أنا بس بليز من غير حفلة.
بادرها برد سريع وهو يحدقها بنظرات تحذيرية قوية. أما هي حاولت تغيير مجرى الحديث فتحدثت قائلة:
- أنا كلمت كيان عشان الشغل معانا.
التفت إليها بملامح متلهفة:
- بجد؟!!
- وقالت لك إيه؟
حدقته بنظرة حزينة لكنه لم يفهم مغزاها فابتسمت قائلة:
- وافقت.
تبدلت ملامحه فور سماع كلمتها لتحتل السعادة ملامحه قائلًا:
- طب ما تقولي على طول. إيه التشويق ده؟
رمقته بنظرة سريعة ثم نظرت أمامها تسأله بنبرة غالب عليها الحزن:
- ما كنتش أعرف إن الموضوع مهم كده. مش قصدي تشويق.
التمس الحزن من نبرة صوتها. هو يعلم أنها شديدة الحساسية. فأكمل:
- ولو حتى قصدك أنتِ. اعملي اللي أنتِ عايزاه.
هزت رأسها على مضض تنظر أمامها في الطريق.
***
أوقف كنان محركات سيارته أسفل البناية بعد أن صفاها جانبًا. لكن توسعت عيناه بصدمة حين رآها أمامه تقفز فوق دراجة بخارية. ترجل من سيارته مسرعًا يقف أمامها متسائلًا بصوت خشن:
- أنتِ بتهببي أيه؟
نظرت إليه كيان تجيبه بكل ثقة قائلة:
- إيه أول مرة تشوف حد بيركب موتوسيكل؟
حدقها بنظرة مميتة ثم صاح بغضب:
- أنتِ اتجننتي شكلك. هي الهانم بتركب موتوسيكلات؟
ارتجفت من نبرة صوته ثم هزت رأسها بنفي قائلة:
- لا بس اللي هيوصل الأوردر اعتذر. اعمل إيه؟
- استأذنت طنط اللي في الخامس تقول لابنها إني آخد الموتوسيكل بتاعه أوصل الأوردر وأجي.
بسطت له بغيظ وهو يصر أسنانه:
- وبس إيه البراءة ديه. أنتِ ناسيه أنتِ قايلة أنتِ مرات مين. انزلي من على الزفت قال موتوسيكل ابن الجيران وهتسوقي كمان. ما تطلبي أوبر أو تاخدي مواصلات.
أجابته باستحياء قائلة:
- المكان بعيد يعني أوبر غالي ويبقى الأوردر ما جابش همه. والمواصلات الأكل هيبرد والناس مش هيقبلوا يتعاملوا معايا تاني.
أغمض عينيه بيأس قائلًا بحدة:
- انزلي.
سار أمامها وهي سارت خلفه بضجر حتى فتح باب السيارة قائلًا:
- اتفضلي.
- أنت عايزني أوصل الأوردر بالعربية الفخمة ديه؟
- اركبي وخلصيني. إحنا في الشارع والناس ابتدت تتفرج علينا.
أنهى جملته ورمقها بنظرات نارية. أما هي فامتثلت لأوامره واستقلت بجانبه السيارة. بعد مرور نصف ساعة من الصمت وهي تتابع البرنامج والخرائط على الهاتف قالت:
- أيوه هنا. شكرًا أوي. ممكن تنزلني هنا وتروح. ممكن أرجع مواصلات عادي.
فاجأها بسؤاله وهو يحمل كيس الأكل قائلًا:
- في الدور الكام؟
توسعت عيناها بذهول وهي تحاول خطف الأكياس من يده:
- لا لا شكرًا أوي ميصحش.
سحب نفسًا عميقًا في محاولة لتهدئة نفسه:
- في الدور الكام انجزي؟
وضعت كف يدها أمامه قائلة:
- الخامس.
***
بعد مرور وقت تكتم ضحكاتها بصعوبة وهو يطالع بعض النقود في يده باستنكار:
- أنتِ بتضحكي، أنا أخدت تيب؟
تحاولت التماسك قائلة:
- حلال عليكم.
مد يده لها بالنقود قائلًا:
- اتفضلي فلوسك.
- هزت رأسها بالنفي:
- لا والله أبداً. ده حقك لو مش عايز الفلوس شوف حد يتيم محتاجهم. أما أنا لأ مش هاخده.
رمقها بطرف عيناه وهو يتابع الطريق أمامه متسائلًا:
- هو أنتِ مش يتيمة؟
أجابته مندفعًة دون تفكير قائلة:
- معرفش.
فجأة سمعت احتكاك السيارة بالأرض وارتطام جسده للأمام. فخرجت آنة نتيجة الصدمة. نظرت له بتوجس:
- إيه في إيه؟
فرك وجهه بيده قائلًا:
- بصي بقى أنا سيبتك على راحتك على الآخر. بس أنا ممكن أجيب كل حاجة عنك وسايبك بمزاجي. لحد هنا واستوب. في واحدة متعرفش إذا كان أهلها عايشين ولا لأ.
شعرت بغصة مريرة بحلقها وتجمعت الدموع في مقلتيها. أطرقت رأسها للحظات تحاول تمالك نفسها. فكم تمنت أن تولد للحياة يتيمة أهون من أن تترك طفلة وحيدة في الحياة. تعلم أنها بمجرد البوح بما يعتري صدرها سيفتح عليها أبوابًا من الجراح لن تتحملها. سبقتها دموعها للتعبير عن حالتها. تنهمر فوق وجنتها. باءت كل محاولتها للتسلح بالبرود والصمت بالفشل. حتى رفعت عيناها تسرد له ما عاشته:
- معرفش ومش عايزة أعرف. لأنها مش هتفرق عايشين زي مش عايشين. اللي المفروض هي أمي اتجوزت وهي ١٦ سنة تحت السن القانوني بورقة عرفي بس بعلم أهلها. يعني عملوا الإشهار أهم حاجة. بس أهل الراجل اللي خلّفني ماكنوش يعرفوا. كانت جوازة للترفيه لمزاجه لأنه هو كان متجوز. وطبعًا أهل أمي ما صدقوا عريس شارى بقى. عدت أول سنة تمام لحد ما عرفوا إنها حامل. نكر ومش بس كده شكك في أخلاقها وإني اللي في بطنها مش منه. الوضع كده فضل لحد ما أنا اتولدت وبعد كده منفعة أسجل عشان هو رفض. واترفعت قضية نسب أربع سنين في المحاكم. أصلها مش قضية حد مشهور. لحد ما المحكمة حكمت بنسبي ليه. وللأسف كانوا أهله عرفوا وقالوا لأمي افرحي بالنسب. وإحنا متبريّن منها. حتى هو كمان. ومشوا وغيروا كل أماكن سكنهم. الصراحة واللي هي أمي مستنتش كتير. جالها عريس وهي كانت ٢٠ سنة. والكل قال حرام تضيع عمرها عليا إذا كان أبوها رماها. اتجوزت وطبعًا كان أول شرط أنا لأ. وهو كان راجل كويس معقولة هتخسره عشاني. كملت حياتها وأنا فضلت في بيت أبوها. أترعب كل ليلة لوحدي. طفلة أربع سنين مش لاقية حد ولا حد يقول أكلت شربت. كنت أدور على أي لقمة أكلها ولما أتعب أنام في أي حتة. لحد لما كملت ٧ سنين. ساعات أمي كانت تيجي تشوفني ومعاها بنتها. كنت بقول أشمعنا. وكانت تقولي غصب عني.
على صوت شهقاتها وهي تحاول أن تكتمها بيديه. تمزق نياط قلبه على حالتها. ثم أكملت هي:
- ابتدأ اللي المفروض هو أخو أمي. يعني اللي هو الخال. يتحرش بيا. ماكنش ليا نصيب في الأبوة من الدنيا. لحد ما جدي مرة خد باله وقرر لازم أخلص منه. أحسن تحصل مصيبة وابنه يروح في داهية. فخد بعضه ونزل بيا القاهرة عند خالة أمي. ماما هدى اللي ربتني. وقالها عايز أوديها ملجأ. لأنها كانت ربنا مرزقهاش الخلفة. وكانت بتروح ملجأ كتير تعوض نفسها. لقت فيا العوض. وأنا كمان حسيت أول مرة من ٨ سنين بالأمان. هي اللي كبرتني وعلمتني. حتى الطبخ. الله يرحمها. لحد ما البيت اتهد منه لله المقاول. أنا ساعتها كنت بوصل أوردر. قولت هروح فين؟ اللي هي المفروض أمي متعرفش لحد دلوقتي. لأنها مش بتدور عليا أصلًا. بقى ليها حياتها مع جوزها وعيالها. أرجع عند جدي اتوفى. ولا أرجع لخالي عشان يكمل عليا. أصلًا أول ما حد يعرف إنها قضية نسب. وأهلي مش عايزني. يفتكروني رخيصة. ويبقوا عايزينينهشوا فيا. عشان كده الشقة كانت الحل. أنا مش حرامية والله. أنا عمري ما مديت إيدي على حاجة. بس خوفت من الناس. وأنا ماكنش معايا حاجة تثبت شخصيتي. كله ضاع في الشقة. قضايا النسب اللي بينتج منها ناس مش سوية. زي فكرة إن الأب رفض الاعتراف بيهم دية محتاجة عمراد عمرنا نتعالج علاج نفسي. وهنفضل مكسورين من جوانا برد.
نزلت كلماتها عليه كسِهام تخترق قلبه. فأي أب تجرد من الإنسانية ينكر أبوته طفلته ليتركها تواجه قسوة الحياة بمفردها. فدائمًا الأطفال يتحملون أشد وطأة للعلاقة الأسرية الفاشلة. رفع نظره يطالع دموعها تتساقط بغزارة ترتجف بشدة. ندم بداخله لنبشه في جرحها الغائر. بداخله فيض من المشاعر الغير مفهومة. لا يعرف كيف ضمها إلى صدره. فتلك الصغيرة احتملت ما لا يحتمل أحد. فربت على ظهرها لتهدئتها. أما هي تشبثت به وتكتم شهقاتها بصدره. ساكنة قليلًا بين أحضانه.
طرق على الزجاج. فزعها كان شرطيًا قائلًا:
- انزلولي كده يا حلو أنت وهي. شاربين إيه عشان في عز النهار عمل فاضح في الطريق العام.
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع 9 - بقلم سارة فتحي
تجمدت ملامحها فور رؤيتها الضابط لتصيبها مشاعر الرعب والفزع ومازال جسدها ينتفض ودموعها تنساب على وجنتيها.
فاقترب منها الضابط يسحبها من ذراعها فانتفضت برعب جلي.
اما هو وقف أمام الضابط قائلًا:
- انت ماسكها كده ليه؟
حدجه الضابط بنظرات غاضبة ثم أجابه مستهزئًا:
- وانت بقى ضارب إيه وقلبك ميت كده؟
سحبها كنان من يدها خلف ظهره قائلًا:
- ما تلمسهاش دي مراتي، إحنا هنيجي معاك من غير ما تقرر.
رمقه الضابط بنظرات متشدقة ثم أردف بانفعال وهو يلكزه بكتفه نحو الصندوق الخلفي لسيارة الشرطة قائلًا:
- اركب اركب، كلهم بيقولوا كده.
انفلتت شهقة منها فالتفت لها يضغط على كفها وسحبها خلفه ليساعدها على الصعود.
جلست بجواره ومازالت ترتجف. ربت بكفه على كفها فسحبت يديها سريعًا منه تنكمش على نفسها.
تنهد بضيق ثم سأل المجند الذي يجلس أمامه على وجهتهم لأي قسم، فاخرج هاتفه يرسل رسالة لضياء.
وهو يطالعها، وقفت السيارة، ترجلت منها ورفضت قدمها الحركة وظلت تحدق في المبنى وهي تهز رأسها.
ثم رفعت نظرها إليه فحثها بنظراته على السير.
دخلت وهي تتجول بنظارها في المكان، وكل ذكريات المحاكم تقف أمامها. نعم، كانت صغيرة لكن هناك بعض المواقف محفورة في ذاكرتها.
وروحها... لرجل يصرخ بها وبوالدتها إنها ليست ابنته.
كان يطالعها وهو يعي ما يدور في خلجات نفسها من صراع. هو لا يعلم كيف ضمها، لكن ما يعلمه أن كل خلية داخله نخت أمام ضعفها وما عاشته. ما آلمه أكثر أن والده مساهم في حزنها حتى لو دون قصد.
ثوانٍ وكان يقف أمام الضابط في مركز الشرطة الذي هتف بتهكم وهو يطالع دموعها قائلًا:
- بتعيطي دلوقتي، لكن تتحضني في الشارع عادي.
أجفلت نظرها أرضًا لا تقوى على النظر إليه. لم تجد الكلمات التي من الممكن أن تبرر بها.
اما هو استفزته الموقف كله فتحدث قائلًا:
- أنا دكتور كنان وهي مراتي، لسه متجوزين جديد عشان كده مش معايا ما يثبت، لكن صديق ليا هيجيب القسيمة حالًا. ثانيًا ماكنش في عمل فاضح ولا حاجة، وده حتى يقولوه للظابط. كل الحكاية هي عندها مشكلة عائلية وكانت منهارة زي دلوقتي وأنا كنت بحاول أهديها.
أثناء الحديث طرق الباب ودخل العسكري وأدى التحية قائلًا:
- في محامي بره تبع كنان يا أفندم ومعاه واحد صاحبه.
أومأ الضابط بالإيجاب مردفًا:
- دخلهم، خلينا نشوف آخرتها.
تقدم المحامي بعملية وهو يقدم وثيقة زواجهم. طالعها الضابط باقتناع فطلب بإخلاء سبيله بضامن. حيث لا يوجد معه ما يثبت شخصيته، وبدأت الإجراءات.
فطلب من ضياء التوجه بإثبات شخصيته لضمانه، فهز رأسه بالنفى:
- أنا مش معايا البطاقة، بس معايا الباسبور.
جز كنان بـأسنانه على شفتيه السفلى وهو يهمس:
- يابن ***، جاي تضمني من غير البطاقة؟
رمقه ضياء بطرف عيناه وهو يتحاشى النظر إليه ويعلم أن صديقه سيفتك به.
حاول المحامي إنهاء الإجراءات سريعًا والحصول على إذن إطلاق سراحهم. ثم انصرف المحامي وتركهم ثلاثتهم.
وقفوا ثلاثتهم بالقرب من سيارة ضياء. فكان كنان يتأفف ويمسح على وجهه بزفير حار قائلًا:
- أقولك في القسم جاي بالباسبور؟ انت فاكر نفسك رايح بورتو السخنة؟
أجابه بتذمر مصطنع وهو يغمز له:
- وأنا أعرف منين إنك ممسوك آداب؟ قولت هات محامي والقسيمة واتصرف، إيش عرفني بقى، بعدين يا جدع مش عارف تستنى لما تروح البيت.
رفعت عيناها وطالعتهم بدموع سابحة من مغزى كلامها.
أشار لها كنان بركوب السيارة وتابعها بنظره حتى وصلت. كانت ساكنة كالأموات.
ثم التفت له كالبركان الثائر:
- تصدق بالله أنا لو قتلتك قدام القسم هاخد مكافأة إني خلصت البشرية منك.
ابتسم وهو يتحدث بخبث:
- هما اللي نيتهم وحشة. إيه وضع مخل اللي كتبوها في المحضر دي؟ النية في ذمة الله.
هزمر كنان ثم قال بحدة:
- ضياء ولا كلمة تاني، وقدامي على العربية.
امتثلت لأوامره واستقلت السيارة من الخلف.
بعد مرور عدة دقائق كان ضياء يجلس خلف عجلة القيادة وبجواره كنان، أما هي فتثبت نظرها على الطريق وداخلها يرتجف بشدة. تشعر بدقات قلبها تكاد تصم أذنيها من فرط الخوف.
التوتر قاطع صمتهم ضياء قائلًا وهو ينظر في المرآة:
- آسف بقى يا كيان لو أنا عازول بينكم.
صرخ به كنان بحدة جعلت الدماء تفر منه قائلًا:
- ضياء على جنب، وقف العربية.
قطب ضياء حاجبيه باستغراب قائلًا:
- في إيه؟ خضتني، كنا هنعمل حادثة يا جدع.
أجابه بحزم:
- انزلي من العربية، مش هتكمل معانا.
رفع حاجبيه بصدمة قائلًا:
- على فكرة دي عربيتي.
- انزل ياضياء وانجز.
ترجل ضياء من سيارته وهو يتمتم بحنق ونزل أيضًا.
وقف معه أمام السيارة فتحدث كنان:
- انتي مافيش دم عازول إيه وزفت إيه؟
- اومال إيه طاااه ده في عز النهار؟
صر كنان أسنانه:
- هات المفاتيح وهبعتلك العنوان تجيب العربية بتاعتي.
ثغر فمه بتهكم قائلًا:
- نعم؟ انت عايز تسيبني هنا؟ انت بتتلكك عشان تستفرد بيها؟ لا انت حالتك صعبة.
تجاهل حديثه حتى لا يفتك به وركب السيارة واندفع بها يسابق الرياح.
بينما وقف ضياء وفغر فاه وعيناه من الصدمة ثم صاح به:
- كنان يالمتحرش.. يالمقفوش.. انت هتسيبني على الطريق يالمقفوش؟
أخيرًا ترجل كنان من سيارته وهي أيضًا سبقته بخطواتها إلى الداخل.
وقفت أمام المصعد تضغط بيديها المرتعشة على لوحة الأرقام. فرفع عيناه هو للشاشة المضاءة أعلاه. وجده يهبط.
ثوانٍ وولجت وهو خلفها ومازالت الدموع تغرق عيناها.
تنهد بثقل، انفتح باب المصعد فاندفعت صوب الباب تحاول الفتح بمفاتيحها لكنها سقطت منها أرضًا.
فانحنى يلتقطهم من على الأرض وفتح هو. تعثرت بخطواتها نحو غرفتها.
فتنهد بضيق وهو يغلق الباب ثم نزع سترته يُلقيها على الأريكة.
ولج طاهر إلى غرفته فوجد شقيقه الأكبر يجلس فوق الفراش ويفتح الحاسوب الخاص به.
فجلس على حافة الفراش وبدأ في خلع حذائه متمتمًا بضجر:
- حمدلله على السلامة ياسيدي، ممكن أفهم حضرتك قاعد في أوضتي ليه؟ وفاتح اللاب بتاعي ليه؟
كرم بكل برود دون أن يلتفت إليه أجابه:
- أول ما رجعت من السفر أمك لقتها داخلة عليا وملامحها تخض. ولما سألتها مالك؟ قالتلي إنها شاكة فيك تكون بتعمل حاجة كده ولا كده وعايزاني أطمن عليك قبل ما تبلغ أبوك. أصلي البت هاجر رعبتها.
أخذ نفسًا عميقًا يحاول تهدئة نفسه قائلًا:
- هاجر هاجر هاجر، سيب يا كرم اللاب واطلع بره وخلي أمك تبلغ أبوك وأنا هتصرف. والله هجيب أجل الزفتة دي.
رفع كرم إحدى حاجبيه قائلًا:
- خد بالك صوتك العالي ده هيضعف موقفك. بعدين أنا مش عايز أصدمك، ماما قررت إني هنام جنبك هنا على السرير فخليك لطيف.
انفعل وسحب منه الحاسوب بعنف وهو يتمتم بغضب.
بينما ابتسم كرم ببرود قائلًا:
- شكل كلام هاجر صح؟ لا أنا قاعدلك هنا نربيك من الأول بقى ونشوف وراك إيه؟
- كررررم متهزرش اطلع بره أنا مش بحب حد معايا.
تمدد كرم على الفراش ثم انقلب على جانبه وهو يسحب الغطاء مردفًا:
- ولا أنا يابني، بس لازم نطمن قلب ماما. دي ناقص تقول إنك بتجيب نسوان في الشقة.
فرك وجهه بإرهاق ويلعن هاجر في سره. فهي منذ أن سكنت معهم في البيت هي ووالدها بعد وفاة والدتها، وهي أوشكت أن تفقد عقله.
هناك أحداث بحياتنا تقلبها رأسًا على عقب لم نكن نتخيلها يومًا. يمر الوقت وترى أمامك الحقيقة كاملة. فلا يستطيع غصن ضعيف الصمود أمام الرياح العاتية، لينهزم أمام كل محاولات الصمود، خائر القوى.
يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر وغضب بالغ. ماذا يحدث له؟ لا يفهم. هو قلق بشأنها. لكن كلما لاحت أمامه عقله كلامها. طفلة بريئة تتعرض للعنف والقسوة والتحرش أيضًا.
أصبح كالبركان. فأي إنسان تجرد من إنسانيته يرفض أبوة طفلة. هو يعلم جيدًا أنها ابنته. ليتركها تعاني نتيجة رغبة رغبته ونزوته. صدره يعلو ويهبط بعنف كأنه للتو خرج من سباق ماراثون.
حاول أن يغمض عينيه لبرهة ويتوجه نحو غرفتها ليطمئن عليها. قطع الردهة ووقف أمام باب غرفتها:
- امممم كيان ممكن تفتحي؟
لم يجد أي استجابة منها فاعاد الطرق ثانيةٍ:
- لو سمحتي افتحي.
مرت دقائق قليلة وسمع صوت مقبض يفتح. فراجع خطوة للخلف وهو يثبت نظره على الباب. فطالعها وعيناها منتفخة أثر البكاء.
فتحدثا معا في وقت واحد:
- أنا آسف.
- أنا آسفة.
تريث لبرهة ثم عقب على جملتها بنفي:
- انتي معملتيش حاجة عشان تعتذري أصلاً.
لوت شفتيها بابتسامة منكسرة ثم همست:
- كنت عايز حاجة. بتخبط ليه؟ عايزة أنام؟
نظر لها في شفقة وحزن ثم حاول تغيير مجرى الحديث:
- عايزة تنامي؟ انتِ مش جعانة؟ أنا ما أكلتش حاجة من الصبح.
رفعت عيناها إليه ثم قالت بمزيد من الانكسار:
- ماليش نفس.
تنهد بثقل وهو يشعر بالإخفاق والفشل التام. برغم محاولته البائسة لكنه لم ييأس. فقال وهو يضع يده على معدته:
- أنا قولت نتعشى مع بعض.
أطرقت رأسها وهي تجيبه:
- ماليش في الخضار أوووي.
قاطعها بابتسامة وهو يمازحها:
- مش شرط خضار، أي حاجة المهم نأكل.
رفعت رأسها في دهشة وتبدلت ملامح الحزن وهي ترمقه غير مصدقة:
- بجد!!
ابتسم نصف ابتسامة وهو يرمق تغير حالتها قائلًا بمكر:
- لو مش هتعرفي أو مش هتقدرى أطلب من بره.
اتسعت ابتسامتها وهي تتجاوزه نحو المطبخ قائلة:
- هو الأكل يكون جاهز؟ هتبطل فيچترين دية خالص. بص هتدوق وتحكم بنفسك.
سار خلفها للمطبخ وجلس في المقعد أمامها وهو يرمقها تعمل بابتسامة واسعة. كان يعلم أن هذا هو الحل الوحيد للخروج من حالتها، فهذا ما استنتجه خلال الأسابيع الماضية.
بدأت روائح الطعام تداعب أنفه فأغمض عينيه بضيق. لكن سرعان ما فرق جفنيه حتى لا تلاحظ.
بعد مرور ساعة وهي تعمل كانت تبتسم له ابتسامات خافتة وكل تركيزها على الطعام.
وضعت أمامه عدة صحون وهي ترمقه بابتسامة قائلة:
- اتفضل. يارب يعجبك وتغير رأيك.
رمق الطعام ثم رمقها هي متسائلًا:
- هو أنا هاكل لوحدي؟
- أنا ماليش نفس.
قالت جملتها وتحولت حالتها ثانية. أبعد هو الطعام بيده قائلًا:
- لو مش هتاكلي معايا بلاها.
ارتسمت بسمة بسيطة على ثغرها قائلة:
- لا هاكل خلاص.
أحس بداخله بشعور جديد، غريب، قوي يغزو كل خلية في جسده لمجرد أنه نجح في ابتسامتها.
وما إن شرع في الأكل احتلت الصدمة ملامحه. ثم أكمل يتذوق بقية الطعام وهو يتلذذ مصدرًا أصوات عالية وأكمل الطعام بنهم.
أما هي كانت تطالع تعبيرات وجهه والأصوات التي يصدرها. لا تنكر أن طريقته جعلتها تفرح من قلبها.
انتهى من الطعام وهو يستند بمرفقيه على رخامة المطبخ يتنفس بصعوبة. ثم رفع رأسه مردفًا:
- ده انتي عالمية.. إيه ده؟ أنا عمري ما تخيلت أكل الكميات دي؟ لا وفى نص الليل كدة. شابوووو ليكي.
لا تعلم لما احمرت وجنتيها خجلًا من مدحه لطعامها وكأنه يمدحها هي. فنهضت تلملم الصحون.
ففاجأها قائلًا:
- خربوش قهوة بقى من إيديكي.
توسعت عيناها بذهول وهي تتردد بابتسامة:
- انت بتقول خربوش؟
- الحقيني بيه بليز.
هزت رأسها بسعادة وهي تتجه للموقد لصنع القهوة.
في صباح اليوم التالي.
تأوه طاهر عاليًا فرق جفنيه بصعوبة محاولًا أن يرى ما يحدث. وقبل أن يرفع رأسه كانت لكمة أخرى في طريقها إليه.
فانتفض من الوجع وهو يضرب كرم النائم بجواره كأنه في حلبة مصارعة. لكزه طاهر في كتفه:
- انت يا بنى آدم انت نايم ولا بتصارع تيران؟ قوم من هنا.
ركلة كرم بقدمه أدت إلى سقوطه أرضًا. بينما كان مدعيًا النعاس. فصاح طاهر وهو ينهض وينقض عليه قائلًا:
- وربنا انت صاحي وشغال شغل غلاسة. قوم اطلع بره أوضتي.
اعتدل كرم من نومته قائلًا وهو يتلاعب بحاجبيه:
- بعينك. عايزينى أروح أوضتي وتجيب نسوان وخمر هنا وتعمل ليالي حمرا؟ أبدااا البيت ده.
طاهر ثم نهض يرقص على الفراش وهو يغني ويشاركه في الرقص والغناء طاهر:
- يا أم المطاهر رش الملح خمس سبع مرات.
توقف فجأة طاهر وهو يصيح بغضب:
- بااااااس.. عايزين تجننوني؟ قال خمر ونسوان إيه؟ بدخلهم في جيب البنطلون.
رفع كرم كتفيه بعدم اكتراث وهو يعود مرة أخرى للنوم قائلًا:
- أنا عارف. ابقى اسأل أمك أو اسأل هاجر، هي أدرى.
جز على أسنانه وهو يقول بغيظ:
- ده أنا هرش الملح في عين هاجر يكش تتعمى.
وصل طاهر إلى الشركة وبداخله سعادة عارمة سيقابل تلك المشاكسة. توجه نحو مكتب بيلا مباشرة. طرق الباب ودخل يجلس أمامها في المقعد.
تركت الحاسوب من يديها وابتسمت له:
- صباح الخير.
أجابته بابتسامة صادقة:
- صباح النشاط.
حك مؤخرة رأسه متسائلًا:
- هو كيان مضت العقد خلاص؟
تنغصت ملامحها بألم ثم هزت رأسها بنفي:
- لا لسه. اتصلت امبارح بليل عشان تعتذر عن النهاردة.
تمتم في سره بخفوت قائلًا:
- طبعًا كفاية سيرة هاجر على الصبح تقفل اليوم.
قررت حزم الأمر ففتحت الدرج والتقطت منه العقود ومدت يدها:
- دية العقود يا طاهر خليها معاك وبكرة ابعتهالك توقعهم عندك.
ابتسم بتوسع وهو يأخذهم منها. طالع العقود وهو يقرأ البنود حتى توسعت عيناه بذهول والصدمة حينما وقعت عيناه على اسمها وهو يردده:
- كيان عاصم عز الكومي الجهيني.
رواية روح بلا مأوى الفصل العاشر 10 - بقلم سارة فتحي
اشتهى حقًا أن أغيب تحت الأرض، أو ربما لضمة لأنعم ببعض الأمان.
***
فاقت من النوم وهي تشعر بوخزات بكل جسدها إثر بكاء أمس. فشعرت بدموعها تنساب مرة أخرى دون إرادة. لا تدري كيف قصت له تاريخ حياتها بكل سهولة، وكيف تشبثت بأحضانه بهذه الطريقة. حقًا لا تدري، فهي كانت دائمًا تعلم أن دموعها حكرًا عليها، لا يحق لأحد رؤيتها. لا تريد شفقة من أحد، فيكفي ما تعيشه من معاناة. لا تتحمل نظرة شفقة من أحد، فحزنها يكمن بخبايا قلبها الصغير. لكن لا تنكر أن ضمته بقوة وتهدئتها كطفلة صغيرة، كانت كطبطبة على روحها.
نزعت عنها الغطاء وارتدت خُفها المنزلي. تطالع الساعة بجوار الفراش فانزعجت ملامحها، فالساعة صارت الواحدة بعد الظهر. خرجت بمنامتها بدون أن ترتدي حجابها، فهو بالطبع ذهب باكرًا. توجهت نحو المرحاض وغسلت وجهها، ثم توجهت صوب المطبخ لتقوم بصنع القهوة. وهي تضع يديها على رأسها وتتأوه بخفوت قائلة:
"آآآه دماغي هتنفجر من عياط امبارح، فنجان قهوة ومسكن هتبقى تمام."
وقف خلفها وهو يدس يده في جيب بنطاله. أما هي فانتفضت على صوته، ثم استدارت ترمقه بصدمة:
"انت لسه هنا؟!"
أول مرة يراها بدون حجابها. شعرها الأسود الفحمي يصل منتصف ظهرها، بشرتها الحليبية وشفتيها الخوخي. لمعت عيناه بوميض وهو يراها بتلك الهيئة المغرية. نظراته جعلتها تنصهر، فأطرقت رأسها أرضًا. فتدلت خصلات شعرها، فوضعت يديها على رأسها ثم هرولت للداخل قائلة:
"انت بتتفرج على ايه؟ ودى وشك الناحية التانية."
توارت داخل غرفتها، بينما ابتسم وهو يحك مؤخرة رأسه ودقات قلبه تعلو:
"ده ايه الجمال ده."
***
"في إيه يا طاهر مالك؟"
تلك الجملة قالتها بيلا بتوجس لطاهر وهو يقرأ بنود العقد. بينما هو وضع العقود أمامها وأشار بسبابته نحو خانة الاسم قائلاً:
"انتي مش ملاحظة حاجة في الاسم؟"
"كيان عاصم عز الكومى الجهيني."
توسعت عيناها بصدمة قائلة:
"ايه ده، ازاى؟ معقولة!!! ازاى ماخدتش بالي من الاسم."
مسح وجهه باضطراب ثم تمتم بتوتر جلي قائلاً:
"بيلا مش عايز حد يعرف حاجة وخصوصًا كيان لحد ما أعرف إيه الموضوع."
***
خرجت من غرفتها ثانية. وجدته يجلس على المقعد المقابل للمطبخ. فتحاشت النظر إليه قائلة:
"مروحتش شغلك؟"
نظر لها بنظرات هادئة قائلاً:
"بعد أكل امبارح معرفتش أصحى الصبح."
ابتسمت ابتسامة رائعة وهي تعد الفطار:
"وهو أنا كده عملت حاجة؟ أنا ماكنتش مستعدة امبارح. تحب أجهزلك فطار معايا؟"
هز رأسه بالإيجاب. ثم سمع طرقًا على الباب فتوجه لفتحه فطالع وجه ضياء. فتركه وتوجه للداخل. أغلق ضياء الباب خلفه وسار للداخل. فوقعت عيناه على من تقوم بصُنع الطعام فتوجه إليها تلقائيًا وهو يقول:
"احنا هنفطر النهارده ولا إيه؟"
مازالت تشعر بالارتباك بعد ما صار أمس. فهزت رأسها تجيبه بإيجاز:
"روحوا انتوا على السفرة وأنا هحضر الأكل."
أشار لنفسه ثم تحدث مستنكرًا:
"روحوا على السفرة، انتي قصدك أنا ومين؟ أنا بصيغة الجمع؟"
جذبه كنان معه وهو يتمتم ببعض الكلمات. ثم سحب له مقعدًا هامسًا:
"اتفضل اقعد."
أراد استفزازه، فضحك ضياء وهو يغمز له:
"بتنافسني بردوا يا كنان؟ بعدين الأخ النباتي هيفطر إزاي معانا هااا ولا إيه بقى؟ بس تستاهل."
أجابه في نظرة مخيفة بعض الشئ:
"وبعدين بقى."
قبل أن يكمل جملته، بدأت كيان في رص الصحون على الطاولة. بينما كان كنان يختلس النظر إليها وضياء يطلق صفيرًا عاليًا لإعجابه بالطعام. وما أن انتهت، فهمت بالمغادرة. فأوقفها ضياء:
"مش هتفطري معانا؟"
همت بالرفض. فوقف ضياء يسحب لها المقعد وهو ينحني بحركة مسرحية قائلاً:
"الشيف العالمي، تسمحي تتكرمي وتفطري معانا؟"
فابتسمت باستيحاء على حركاته، ثم جلست بتوتر وهي ترمقهم بخجل. وبدأت في الأكل مع مشاكسة ضياء. حتى قاطعه كنان وهو يضحك:
"الأخ مصاحبش غيري أنا وواحد تاني، وده لأن محدش كان بيطيقه في المدرسة عشان سوء سلوكه."
برقت عين ضياء وهو يسعل بالطعام:
"ايه يا راجل، سوء سلوكه دي؟ تفهم هي إيه دلوقتي؟"
ثم أكمل وهو ينظر لها:
"يا ستي والله هو سوء تفاهم."
"بعدين كنت طفل."
"طب قول كده إيه سوء الفهم؟"
تمتمت كيان في هدوء متسائلة:
"لأ أنا لازم أعرف."
أجابها كنان ساخرًا:
"البيه معتقش ميس محبهاش، لا ومش بس كده ده يروح البيت ويصر على الجواز منها. وبعد ما يزعقوا في البيت، يروح يطلب من الميس إنهم يهربوا سوا ويتجوزوا."
لم تتمالك نفسها وقهقت عاليًا ثم هتفت من بين ضحكاتها:
"ده انت كنت خطر على المدرسات بقى. بس متخيلة وانت طفل قمر بعينين خضر وشعر أصفر، أكيد الميسات كانوا بيضعفوا."
اتسع بؤبؤ عين كنان. تعاكس رجلًا آخر أمامه، وحتى وإن كان زواجهم صوريًا، فلا يحق لها. كاد أن ينفجر بها، ولكنه ظل يراقبها بنظرات نارية. فانتبهت إلى نظراته فشعرت بالتوتر. وسريعًا أشاحت بوجهها بعيدًا عنه. بينما هو تمتم بنبرة آمرة موجهًا حديثه لضياء:
"مش خلاص يا ضياء، فطرت يلا انزل وأنا هحصّلك."
"اتفضل."
رمقه ضياء بغيظ ثم نهض واقفًا يوليه ظهره صوب الباب. أما هو، فحدجها بنظرات حادة لا تعلم سببه. ولكنها أصابتها بحزن، فشعرت بوخزات الدموع في مقلتيها. فتحركت بهدوء إلى غرفتها. كان ينظر لها ساخطًا وهي تتحرك:
"قمر.. أبجورة أنا في وسطكم."
***
في نفس اليوم عصراً. ولج ضياء للمكتبة فطالع فتاة تشتري كتابًا. فوقف يطالعها بتمعن ثم همس:
"لأ الفنش مش حلو."
قطبت الفتاة حاجبيها باستغراب. وبينما بيلا لا تقل دهشة عنها، ثم أردفت الفتاة:
"نعم؟!"
أخرج كارت من جيب بنطاله وهو يبتسم:
"ضياء دكتور تجميل. ومعاك في الكارت مكان المركز. هيفتتح قريب."
أومأت بالإيجاب وهي تلتقط الكارت منه. ثم تحدثت والتوا فكها نحو اليسار قليلاً نتيجة عملية التجميل:
"اتشرفت، ميرسي أوي."
ثم توجهت للخارج. ومازالت بيلا تنظر له بدهشة. فقهقه عاليًا:
"شوفتي الفينش بايظ إزاي؟"
توسعت عيناها وهي تقول:
"اللي عملته ده بجد؟"
غمز لها بطرف عيناه ثم أردف:
"لأ أنا في الدعاية معنديش ياما ارحميني. بس فعلًا الفينش بايظ. شفتي بؤها مخاصم وشها إزاي؟"
ضحكت ثم هزت رأسها بيأس وأردفت بجدية:
"ده اسمه تنمر على فكرة."
أمسك الكتاب الذي أمامه يقلب صفحاته. ثم نظر لها وتحدث بجدية:
"أولًا الواحد مش بيتنمر على حاجة خلقة ربنا. دي هي اللي مجتهدة في النفخ بدرجة بشعة. ثانيًا بقى أنا اسمي نمورة من كتر التنمر."
شعرت بضيق من طريقته لذلك فضلت إخفاء أمر إعاقتها. ثم حولت مجرى الحديث قائلة:
"طب خلينا في النوع اللي ممكن تحب تقرأه إيه؟ ميولك يعني إيه؟"
أجابها سريعًا وبتلقائية:
"انحراااف."
حملقت به بنظرات مندهشة حتى هتفت بغيظ:
"نعم؟!"
أدرك زلة لسانه ثم أجابها بكل ثبات وقوة:
"انحراف النفس والسلوك. كتب بتتكلم عن علم النفس. إيه؟ مفيش هنا؟"
عضت على شفتيها ثم أشارت للرف خلفه قائلة:
"في الرف ده هتلاقي طلبك."
تنفس بعمق وهو يراقب شفتيها:
"هما طعمهم إيه بقى؟"
أجابته ببلاهة:
"هما إيه؟"
حك مؤخرة رأسه قائلاً:
"الكتب.. يعني القراءة بيقولوا ليها مذاق خاص."
"هو انت هتختار الكتاب بناءً على إيه؟ لأ بلاش تقرأ أحسن."
أجابته بنفاذ صبر، بينما هو وجدها فرصة:
"أنا بقول كده عايز وقت عشان حوار القراءة ده شكله هيتعبني. ما تيجي نتغدى بره."
***
"هو بابا هنا؟"
تلك الجملة ردّفها طاهر فور دخوله المنزل وهو يشيح وجه بعيدًا عن والدته. لتُثغِر ثغر كرم ثم أجابه ببرود:
"ايه؟ مفيش السلام عليكم؟ تؤ تؤ أخلاقك اتغيرت."
ثم مال على والدته وهو يتلاعب بحاجبيه لطاهر:
"لأ عندك حق، طريقته مش عجباني اليومين دول."
ضربت والدته صدرها برعب وهي تُتمتم بحزن:
"كده يا طاهر توجع قلب أمك؟"
شدّ على شعره من منبته ثم جذب أخيه يهمس في أذنيه:
"هسيبلك أوضتي طول فترة الإجازة بتاعتك، تمام كده؟ وريحني من الحوار ده."
ضاق كرم عينيه بلؤم قائلاً:
"يابني أنا أخوك الكبير وكل اللي يهمني انت مش الأوضة."
ثم استدار لوالدته يجلس بجوارها وهو يربت على كتفها بحنو:
"يا ست الكل، طاهر انتي عارفاه. معقولة تشكي فيه؟ بعدين طاهر مش بتاع الكلام ده. شاب رياضي وما شاء الله صحته زي الفل."
تنهدت براحة وهي تطالع كرم:
"بجد يعني اطمن يا كرم يا حبيبي."
هز رأسه بالإيجاب وهو يطالع أخيه بنصف عين.
طرق طاهر كفًا بالأخر ثم تحدث بنفاذ صبر:
"فين بابا بقى؟"
أجابته والدته مبتسمة:
"جوه يا حبيبي، ادخل."
هز رأسه بيأس من تقلبات والدته وتوجه لغرفة والده في صمت.
***
توزع نظراتها بالمكان بتوتر. حتى جاء النادل يضع صحون الطعام أمامها فطالته بملامح متجهمة. ثم انتظرت انصراف النادل وطالعت ضياء باستغراب:
"هو انت متأكد إنك كنت عايش في دبي على طول؟"
رفع حاجبيه بدهشة وهو يُردف:
"متأكد، بس بنزل مصر عادي.. ولازم أجي أضرب طواجن من هنا وفتة وكوارع."
أومأت ثم قالت وهي تطالع الطعام:
"بس أنا مقدرش آكل الأكل ده، ماليش فيه."
رمقها في تريث ثم تنهد قائلاً:
"أنا حابب نتعرف على بعض أكتر يعني كأصحاب. أنا أحاول أقرأ وانتي تحاولي تاكلي معايا، إيه رأيك؟"
ابتسمت بنعومة حتى ظهرت غمازاتها قائلة:
"طب أنا شايفه إن بلاها تقرأ وبلاها أنا آكل كده.. يمكن تظهر حاجات مشتركة بينا من غير ما نضغط على نفسنا."
هز رأسه بتفهم ثم عقب على كلماتها بتنهيدة تعلن عن خضوعه التام لرأيها:
"تمام كده، حلو أوي. اتفقنا."
***
يجلس في المكتب بنصف عقل، يحاول بكل طاقته يلملم شتات عقله وأن يصرف تفكيره عنها، لكن طيفها يلزمه. نظراتها المنكسرة، دموعها، شهقاتها، خجلها. عند هذا الحد تنهد بثقل.
"تُرى كيف حالها؟"
لا يعلم ماذا أصابه؟! إلا أن مجرد تذكرها يبذر كيانها. صعب ما نمر به هو ما يشغل بالنا وفكرنا ولا نعرف السبب.
نهض واقفًا وهو يتجه للخارج.
***
طرق على الباب ثم ولج للداخل وهو يبتسم. بينما رمقه والده بحنق وهو ممسك المسبحة بيده.
اقترب منه طاهر يجلس بهدوء:
"مساء الخير يا بابا."
ساد الصمت بينهم. ثم رمقه بضيق قائلاً:
"مزعل أمك ليه يا طاهر؟ ليه مخليها قلقانة كده؟"
زفر طاهر بضيق ثم حدثه بجدية:
"أنا عايزك في موضوع مهم.. ممكن معلش تسيب الموضوع ده بعدين.. ده لو في موضوع."
"هو فيه أهم منك يا طاهر؟ وبعدين معاك."
رمقه طاهر بتمعن ثم حدثه بجدية:
"فيه يا بابا، فيه حاجة كبيرة كمان."
اعتدل والده في جلسته وحدثه بنبرة حازمة:
"قول يا طاهر، فيه إيه وخلصني."
مد طاهر يده له بالعقود وهو يشير على خانة الاسم. توسعت عين والده بذهول وشرود أمامه. هو يطوي الورقة ليفكر من أين سيبدأ. فهو الآن وسط دوامات الماضي. تناول نفسًا طويلًا ثم أطلق زفير وهو يتحدث بأسى:
"عمك عاصم طول عمره عايز كل حاجة. اتجوز مرات عمك بس عشان مصالح الشغل. وهو اللي كان مخطط كده عشان أبوها وجدك الله يرحمه كانوا شركاء مع بعض. حب يبقى ليه النصيب الأكبر في التجارة. وهي زي ما انت عارف طريقتها صعبة مع الكل. أنا كنت مشفق عليه وأنا مش شايفه مبسوط في حياته، بس هو اللي اختار. لحد ما عمك ابتدا يتغير وبقى سعيد. قولت أكيد الدنيا اتصلحت. لحد ما في يوم جه لينا واحنا متجمعين أنا وعمتك وجدك ولقيناه داخل ووشه مش بيتفسر. سألناه مالك؟ قال إنه كان متجوز عرفي ومراته حامل. أول رد كان مني، ويشهد ربنا إنه يكتب عقد رسمي فورًا. عمتك الله يسامحها رفضت وقالت عايز تفضحنا وكبرت دماغ جدك. وعمك عشان مصالحه مع مراته سمع كلامها. رغم إن مراته عرفت وكانت أول مرة تتفق مع عمتك على رأي. حاولت كتير معاه بس زي ما هو الطمع ماليه. لحد بعد فترة جه والد البنت ديّة عند الشغل بتاعنا وعمل مشكلة عشان عمك رفض يسجل البنت. ساعتها قولتلوا إزاي وحاولت أتدخل. وجدك منعني. قولتلوا اكتبها باسمك وهاتها هربيها أنا وعمتك. للأسف طلعت ف دماغه وهو يعرف منين إنها بنته؟ هي دي واحدة أهلها جوزوها. يعني بيتجاروا ببنتهم. وللأسف عمك لقى حاجة يسكت بيها ضميره. حاولت أعرف أي تفصيل لكن محدش دلني للأسف. لما تعبت منهم ومن ظلمهم سافرت فترة بره حتى شغلي معاهم سبته. لحد ما جدك اتصل بيا وخلاني أرجع وقال إنهم رضوا البنت وسجلوها خلاص وأمها اتجوزت وأصرت تاخدها هي وعمتك. ساعتها ورتني شهادة ميلاد، أنا كان نفسي أشوفه بس قولت يكفي إنه اعترف بيها وهي أكيد من حق أمها. المهم شوفت أنت البنت ديّة اللي اسمها كيان؟"
أغلق طاهر عيناه بحزن ثم أجابه:
"شوفتها.. شوفتها.. ومن أول مرة لاحظت الشبه، بس طبعًا مركزتش. بس الاسم خلاني أتأكد."
والده في حزن حقيقي قائلاً:
"الدنيا صغيرة أوي.. أخلاقها إيه يا طاهر؟"
تحولت ملامح طاهر من حزن لسخرية قائلاً:
"أخلاقها؟!!! إحنا كمان هنحاسبها بأي حق؟ إحنا نعرف هي اتربت إزاي ولا مع مين؟ ورغم كده شكل والدتها ربتها كويس ومتخلتش عنها زي عمي."
تنهد والده وهو يرمقه بجدية وخوف:
"اسمع، أنا مش عايز حد يعرف حاجة عن الموضوع ده وتخليها تحت عينك. لو كان زمان جدك وعمتك مقبلوش بيها، دلوقتي موجودة. الألعن منهم مرات عمك استحالة ترضى بيها تدخل حياتنا كده بسهولة."
احتقن وجهه بدماء وحسم أمره بنبرة غاضبة وانفعال:
"دي بنت عمي ومحدش يقدر يأذيها ومش هاسمح لحد يقرب منها."