تحميل رواية «وسولت لي نفسي» PDF
بقلم روان الحاكم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رشيت البرفان على لبسي كله وأنا مبسوطة. لسه جايباه جديد وريحته جذابة، واللي على آخر الشارع هيشم ريحته. رجعت الطرحة لورا وبينت نص شعري. قصرت البلوزة شوية عشان أبين الحزام بتاع البنطلون. بصيت لنفسي برضى، أكيد الكل هينبهر بجمالي كالعادة. نزلت على السلم وقابلت عيال عمي. نفخت بضيق وأنا بستعد إني أسمع محاضرة ملهاش أول من آخر عن اللبس والأخلاق. فاكرين نفسهم مشايخ وملايكة وهم أسوأ مني، بس بيظهروا نفسهم كده. أصلاً مفيش حد كده. لقيت ياسمين بنت عمي بتسلم عليا. بصيت للبس اللي هي لابساه، لابسة ملحفة زي الشوال...
رواية وسولت لي نفسي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روان الحاكم
جلس كلا من روان وزين أمام الطبيبة التي تُتابع حالتها. كان كلا منهما يشعر بالخوف الشديد من القادم، وتحديداً زين الذي تسارعت ضربات قلبه بشدة. أمسك يد روان فكانت شديدة البرودة، ضغط عليها برفق، يرسل لها نظرات يبث الأمان داخلها، يخبرها أنه معها.
هزت روان رأسها بهدوء وهي تأخذ أنفاسها. رفع زين بصره عنها ووجه أنظاره للطبيبة للتحدث. عدلت الأخيرة من نظارتها، ثم أمسكت التقارير أمامها وأردفت: "للأسف يا دكتور زين، إن حالتها متأخرة. المفترض إني ما كنتش أقول الكلام ده قدامها، لكن أنا تعمدت إنها تسمعه. لازم يكون عندها صبر وعزيمة إنها تتحمل أي حاجة هتمر بيها وتكون مدركة للوضع اللي هي فيه. وعشان كده حبيت أوضح لكم حالتها بالضبط. لازم تبدأ جلسات من النهارده، لأن كل يوم بيعدي بيكون خطر عليها زيادة."
مع كل كلمة تنطقها الطبيبة، زاد ضغطه على يدها، وكأنه يرفض تصديق كل ما تتفوه به تلك الطبيبة ويخشى تركها. لم تنطق روان بشيء، ظلت صامتة. ماذا ستقول إذاً؟ لقد رضيت بالأمر، عزمت ألا تكون ضعيفة وستتحمل ما يحدث، ولكن هل ستقوى على فعل ذلك؟
"تمام يا دكتورة، هنبدأ جلسات من النهارده." بصعوبة شديدة نطق زين حديثه. لا يجب التأخير كما قالت الطبيبة. يصعب عليه الأمر، لكن ما باليد حيلة، ليس بيده شيء سوى الدعاء.
"اتفضلوا استريحوا لحين ما نجهز الأوضة." غادرت الطبيبة لتفعل ما قالت. أمسك زين يدها ثم خرجا لحين تجهيز الغرفة.
"أنا عارف إنك قدها وقوية وهتقدري تتخطي كل ده، وأنا واثق في ربنا إنه هيشفيكي."
هزت روان رأسها بابتسامة وهي تود قول شيء ولكنها تراجعت. لاحظ زين ترددها ليقول: "عايزة تقولي حاجة؟ شوفي نفسك في أي وأنا هعملهولك."
زاد توترها وأخذت تفرك في يدها. كيف تخبره بما تريده؟ أتخبره أنها تريده أن يحتضنها كي تشعر بالأمان؟ اعتادت روان منذ صغرها حينما كانت تشعر بالخوف أو تحزن، تحتضن من أمامها. ورغم أن زين أصبح زوجها، إلا أنها ما زالت تخجل منه. مع زيادة توترها واحمرار وجنتيها خجلاً، علم ما تريده منه، ولكنه حاول المراوغة معها كي يخرجها من تلك الحالة.
"قولي يا روان، متتكسفيش، ده أنا حتى زي جوزك يعني." وإن ظن أن بحديثه هذا سوف يرفع الحرج عنها، فهو مخطئ، ما زادها هذا إلا خجلاً.
"هو... يعني... ينفع. ت... تح..."
"ينفع ت إيه؟ كملي؟"
صمتت روان ولم تجب. لا تعلم كيف أصبحت خجولة لهذا الحد. هذا هو زينها الحبيب، ماذا إذاً؟ لم يرد زين أن يزيد من إحراجها. اقترب منها... ثم على حين غفلة جذبها لأحضانه برفق، وكأنها شيء ثمين يخشى كسره. وهي كذلك بالنسبة له. مسح على رأسها برفق، يخبِرها ببعض الكلمات التي طمأنتها. استكانت روان بين يديه وهي تشعر بالراحة وتحاول تناسي الأمر وما هي مقبلة عليه.
أراحت رأسها على كتفه وظلت متشبتة به كطفلة صغيرة تخشى ترك والدها. ابتسمت بفرحة شديدة لكون زين علم ما تريده دون التحدث، متذكراً عادتها منذ أن كانت صغيرة. أغمضت عينيها وهي تشعر بأنها أسعد شخص في هذا العالم وقد تناست كل شيء حولها، وتردد الحمد فقط.
ما عن زين، يشعر بتسارع دقات قلبه وعقله لم يصدق بعد. محبوبته أصبحت حلاله وبين يديه. وإن كان هناك بعض الصعاب، ولكن يكفي كونها داخل أحضانه الآن. يشعر وكأن العالم بأجمعه بين يديه.
لم يفق إلا على صوت عمر وهو يقول: "الله الله، بقى هي دي الأمانة اللي مأمنك عليها يا زين؟"
ابتعدت روان عن زين بحرج وهي تنظر لعمر بتوتر، ليس وكأن من كانت معه زوجها.
"زوجتي يا حبيبي... بفكرك لو كنت ناسي يعني." قال زين حديثه بارتياحية. نظر له عمر بغيظ من هذا زين، والذي أصبح شخصاً مختلفاً عن زين الذي كان يعرفه. اقترب من روان ثم احتضنها هو الأخير وهو يحاول تهدئتها، يخبِرها أنه معها ولن يتركها.
"مكنش له لازوم تتعب نفسك وتيجي يا عمر." أردف زين بجدية شديدة، فهو لم يكن يريد أن يأتي أحد معه. هو كفيل لأن يهتم بها وحده، وأيضاً لا يريد لأحد أن يراها هكذا. ولكن كان لابد أن يخبر عمر ووالدتها.
"أعتقد روان أختي ومينفعش أسيبها في ظرف زي ده. وعموماً متقلقش، أنا مجبتش سيرة لحد خال..." لم يكد عمر ينهي حديثه حتى وجد باقي العائلة أمامهم.
"غير دول بس." أكمل باقي حديثه حين أبصر الجميع أمامه، حيث كانت ياسمين في المقدمة ومعها والدة روان، وعمها وزوجته، وأخيراً والدته. لم يكن يعلم بأن الجميع سيأتي بعدما أخبره.
نظر له زين بضيق من تصرفاته الطائشة. لم يكن يريد أن يقلق أحد. هي أصبحت زوجته وهو فقط من له الحق الاعتناء بها.
اقترب الجميع من روان يحتضنوها. أدمعت عيونها بتأثر. لولا هذا الابتلاء ما كانت لترى نظرات الحب في أعين الجميع.
"جه ميعاد الجلسة، عمر خد الجماعة كلهم استريحوا تحت عشان مينفعش ندخل كلنا." أومأ له عمر وهو يشير بيده للجميع. أما عن روان، شعرت بالخوف يتسرب إليها مجدداً، فما هي مقبلة عليه ليس بالهين، سوف تخوض تجربة ألم لأول مرة.
أمسك زين يدها برفق وسار معها. "الجلسة مش سهلة يا روان. افتكري إنه اختبار من ربنا ليكي، لعل الابتلاء ده يكون سبب لدخولك الجنة. افتكري إن الجنة تستاهل إنك تتعبين. الجنة اللي فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيها الرسول والصحابة. كل التعب ده هيعدي وهتنسيه، لكن أجرك وحسناتك عند ربنا مش هتروح. بعدين هتحمدي ربنا على الابتلاء ده وتقولي يا ريت كنت فضلت عمري كله كده."
في هذا اللحظة، كانت تشعر بمشاعر عديدة مختلطة. شعرت أيضاً بالحماس. ستقاوم لآخر نفس بها، سوف تستعوض كل هذا عند الله لكي تأخذ الثواب.
وصلا إلى الحجرة المخصصة، أجلسها زين على الفراش وهو يمسح على رأسها، ثم بدأ يتلو بعض آيات الله بصوته العذب لكي يبث الأمان داخلها، حتى أتت الطبيبة وهي تقول: "ها يا روان، جاهزة عشان نبدأ أول جلسة؟"
ارتجفت أوصالها بشدة وخفق قلبها. ها هي أتت اللحظة التي تخشاها. نظر لها زين بألم ولا يدري ما يفعل كي يخفف عنها الألم.
"إيه رأيك أحكيلك قصص عن الصحابة طول الجلسة؟" أومأت له روان بهدوء وداخلها يبكي خوفاً. نعم، هي رضيت، ولكنها تشعر بالخوف وهذا أمر خارج عن إرادتها. بدأت الطبيبة في عمل الجلسة في الوقت الذي بدأ فيه زين الحديث:
"هحكيلك قصة جميلة أوي وأنا بحبها. قصة سمية بنت الخياط، ودي أول شهيدة في الإسلام. لما أسلمت، مكنش لسه فيه من الناس أسلم، واللي بيعلن إسلامه معروف إن الكفار بيفضلوا يعذبوا فيه لحد ما يموت. المهم، لما الرسول بدأ يدعي الناس لعبادة الله وحده وللدين، هي أسلمت هي وجوزها وعيالها. فلما الكفار عرفوا بإسلامهم، خدوهُم عشان يعذبوهم. وربطوهم في صخر على رمال شديدة السخونة من شدة الشمس وفضلوا يعذبوا فيهم عشان يرجعوا، ولكن هي مترددتش لحظة واحدة. لدرجة كل ما الرسول والصحابة يعدوا ويشوفوها بيتأثروا جداً. لما كان بيعدي كان بيقولهم: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة." لما اشتد عذاب الكفار عليها، الرسول طلب منها إنها تمثل إنها ارتدت عشان يسيبوها. أداها الرخصة لكده. قالها: "قولي لقد تركت دين محمد." وطلب منها إنها تسب لما أمروها إنها تسب الرسول. تخيلوا كان رد فعلها إيه؟ قالت: "واللهِ اللسان الذي ينطق بإشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله لا يسب الرسول أبداً." تخيلوا الرسول أعطاها رخصة إنها تسبه قدامهم، أو حتى تقول إنها ارتدت عن الإسلام عشان يسيبوها هي وعيالها، ولكنها مدام قلبها مليء بالإيمان، ولكنها فضلت؟ شافت العذاب أشكال وألوان وبرضو فضلت ثابتة على موقفها. لما أبو جهل سب الرسول قدامها، بصقت في وشه. قام شقها نصين؟ فضلت تتحمل العذاب وتشوف جوزها وأولادها بيتعذبوا على حاجة لو عملتها كمان مكنتش هتاخد ذنب عليها، ولكنها فضلت مصرة على موقفها. شفتي دلوقتي إيه اللي حصل؟ هي بتنعم في الجنة في الفردوس الأعلى، وأبو جهل والمشركين في النار. إحنا جايين الدنيا عشان نبني لنفسنا مكان في الجنة. بل إحنا مش عايزين الجنة بس، إحنا طمعانين في الفردوس الأعلى، نبقى جيران الرسول والصحابة. تخيلي كده تبقي عايشة مع الرسول والصحابة وفي الجنة كمان، اللي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. طب تفتكري الجمال ده كله هيكون بالساهل؟ مش لازم نتعب عشان نوصل للي إحنا عايزينه؟..."
كان زين على وشك استكمال حديثه والموعظة من القصة، ولكن أبصر وجه روان والذي شحب بشدة. في البداية كانت تستمع لحديثه وتحاول المقاومة، ولكن يبدو أن قواها خارت. كانت تضغط على يده بقوة وعيونها حمراء وقد تعرق جسدها وهي تجاهد ألا تبكي. شعر زين بأنه أخطأ من البداية. ما كان عليه أن يخبرها بما قد لا تتحمله الآن. كان من المفترض أن يخبرها القصة قبل الجلسة أو بعدها. فلا هي بسمية بنت الخياط، ولا نحن بعهد الصحابة. فما زادتها إلا عجزاً وهي تكتم شهقاتها خوفاً من أن يكون هذا عدم رضى.
"عيطي يا روان، متكتميش جواكي... صرخي." وكأنها كانت بحاجة لكلماته، حتى انطلقت منها صرخة مدوية في المكان. سقط قلب زين معها. أخذت تصرخ بشدة وتبكي، لقد فاق الألم تحملها. تشعر بأن روحها تنسحب منها. سمع عمر صراخها، فقد كان يقف بالخارج بعدما ترك الجميع. جلس أرضاً وهو يبكي كطفل صغير. وياسمين تقف على بعد منه تتساقط دموعها وتدعو الله لها.
أما عن روان، فقد كان سؤالاً واحداً كان يتردد داخل عقلها. ما الذي كان يحزنها قبل هذا البلاء؟ كانت تغضب وتتذمر وهي معافاة تماماً وترى حياتها بائسة. الآن فقط أدركت نعمة أن تجلس دون ألم. يا الله، لا يشعر بالنعمة إلا من يفقدها. كانت روان كغيرها تتذمر على أي شيء وترى بأنها حزينة وحياتها ليست على ما يرام. والآن ماذا؟ تتمنى فقط أن تعود لسابق عهدها دون مرض ولن تشتكي شيئاً.
حاولت تهدئة ذاتها وتحمل ألم الكيماوي، ولكنها لم تستطع، حتى ازدادت صرخاتها مرة أخرى هزت أركان الغرفة. سقطت دموع زين وهو عاجز عن فعل شيء لها. يتمنى فقط لو يأخذ الألم عنها. فهو يشعر وكأن ألم الكيماوي يسير داخل أوردته هو وليس هي. كان سينهار معها هو الآخر، ولكنه تماسك على آخر لحظة. لا يجب عليه أن يضعف الآن، يجب أن يمدها بالقوة لتحمل ذلك الألم الشديد.
"اهدي يا حبيبتي، اهدي يا روان، هتكوني بخير. قاومي عشاني يا روان، إنتِ قدها. افتكري إن الجنة تستاهل."
"يا الله يا سميع... يا الله يا مجيب يا غفور يا رحيم..." تحولت صرخاتها إلى ذكر الله تعالى. أخذت تردد بعضاً من أسماء الله الحسنى. "يارب اغفر لي كل ذنوبي وذلاتي... يارب ارزقني الجنة."
ظلت تدعو تارة، وتذكر أسماء الله الحسنى تارة، وأخرى تبكي بالم حين يشتد بها الألم. حتى أخيراً، بعد مرور ما يقارب الساعة، انتهت الجلسة.
أغمضت روان عينيها بألم وهي تبكي وتردد بين شهقاتها: "والله يا زين... أنا... أنا. كنت هستحمل... ومكن.. مكنتش هصرخ وأعيط، بس غصب عني مقدرتش. أنا والله راضية ومش معتر..."
"هش خلاص، كل ده انتهى والجلسة خلصت." احتضنها زين وهو يمسح على رأسها وقلبه يأن وجعاً لأجلها. ليته يستطيع تخفيف شيء عنها. ظل يربت على رأسها بحنان ويمسح دموعها، ثم قبل رأسها برفق. "خلصنا خلاص ومعدش فيه تعب، انسي كل حاجة وأنا عارف إنك راضية ومش معترضة. الألم كبير عليكي وعياطك ده نتيجة وجعك مش عشان إنتِ مش راضية." احتضن وجهها بين كفيه وهو يلقي عليها بعض الكلمات حتى هدأت تماماً وتوقفت عن البكاء.
"يلا عشان الكل مستنينا بره، وكمان عاملك مفاجأة." ساعدها زين للوقوف وعدل ملابسها وأسندها عليه كي تستطيع السير. بينما في الخارج كان يقف عمر وهو يبكي لأجلها. اقتربت منه ياسمين تعطيه مناديل وهي تبكي هي الأخرى. الجميع يعلم تعلق عمر بها.
نظر لها عمر بين دموعه، ثم أخذ منها علبة المناديل وأخرج منها واحداً لها وواحد له، ثم أعطاه إياه. أخذته ياسمين. "هي محتاجة إننا ندعيلها... ربنا الوحيد القادر على شفائها ولازم نكون أقوياء عشان نقدر نقف جنبها لأنها محتاجانا في الوقت ده ومينفعش نضعف قدامها." أومأ لها عمر بابتسامة وهو يجفف دموعه. ابتعدت عنه ياسمين ووقفت تنتظر خروجهما وهي تدعو الله أن يلطف بها، ولا تدري ما فعلته خطأ أم صواب، ولكن هيئته وهو يبكي أوجعت قلبها حقاً.
بعد قليل خرجت روان وهي تستند على زين بعدما رفضت أن يحملها حتى لا تقلق أحداً. اقترب منها عمر وهو يحضنها مجدداً، كما فعلت ياسمين هي الأخرى. وصلا لمكان جلوس الجميع، ركضوا جميعاً لها يطمئنوا عليها. ابتسمت روان بتعب وهي ترى نظرات الحب بين الجميع وحاولت جاهدة أن تبدو بخير كي لا تقلقهم.
"عمر... وصلهم كلهم وأنا هاخد روان أخرجها شوية." رحب الجميع بالفكرة، فهي بحاجة لتغيير مزاجها أثر الجلسة. وافق عمر وذهب مع الجميع، بينما زين أمسك يدها وأوصلها لسيارته وركب بجوارها.
توقفت السيارة أمام البحر. نظرت روان حولها، كان المكان مزيناً بشدة وحولها العديد من البلالين باللون البنفسجي. أنزلها زين ثم سار بها تجاه الشاطئ، فقد أتى إلى هنا خصيصاً لأنه يعلم كم تعشق البحر.
تطلعت روان المكان حولها بفرحة. وما زاد فرحتها كون أن زين يتذكر كل صغيرة وكبيرة بها. عادت ببصرها له وهي تقول من بين فرحتها: "زين، المكان حلو أوي... عملت كل ده عشاني؟"
"لو معملتش كل ده عشانك، أعمله عشان مين؟" اقتربت منه هي هذه المرة ثم احتضنته. "أنا بحبك أوي يا زين... أنا مش عارفة عملت إيه في حياتي عشان ربنا يرزقني بيك."
نظر لها زين بفرحة. ها هي صغيرته عادت إليه من جديد، لكن هذه المرة وهي زوجته وحلاله.
"وأنا بحبك من أول يوم ما اتولدتي يا روان، كنتِ أول حاجة أتمناها من ربنا ودعوتي الثابتة في كل صلاة. لدرجة وأنا بصلي بالناس مرة دعيت بصوت عالٍ وأنا ساجد إن ربنا يرزقني بيكي. من كتر ما أنا بقول الدعوة، الجامع كله رد ورايا آمين. وربنا استجاب لدعائي بعد سنين وبقيتي معايا أهو."
أدمعت عيونها مجدداً. شعرت روان بالخجل من سوء ظنها بالله. ها هو الله رزقها بأحن شخص على الوجود. ستحارب السرطان لأجله ولأجل أن تبقى معه وتنعم بدفء أحضانه. لقد انحرمت من مشاعر الأبوة منذ أن كانت صغيرة، ولكن ها هو زين يعاملها كما لو كانت طفلة صغيرة مدللة.
"شوفي جبتلك إيه." أعطاه زين صندوقاً مليئاً بالأشياء. أمسكته روان وهي تخرج ما بداخله، فكان به الكثير من الشوكولاتة التي تفضلها، والحلوى، والكثير من الأشياء حتى وقعت عيناها على شيء يلمع. تركت ما بيدها ثم أمسكته. كانت علبة حمراء مزينة بطريقة تجذب الأنظار. فتحتها روان ثم وجدت بداخلها سلسلة فضة على شكل فراشة.
تطلعتها بانبهار، فقد كانت أجمل ما رأت دون مبالغة. أمسكها زين منها ثم قام بتلبيسها، فقد كان المكان خالياً من البشر ولا يوجد سواهما.
"شكراً أوي يا زين... أنا مش عارفة أقولك إيه."
"فيه واحدة تشكر زوجها برضه؟... نبدل كلمة شكر دي بكلمة بحبك يا زين، اتفقنا؟ خليها تروي سنين الجفاف اللي عشتها بقى." ضحكت روان على حديثه. لم تعتد على زين الجديد الذي أمامها بعد. منذ متى وأصبح زين رومانسياً؟
"خلاص اتفقنا، بحبك يا زين." ضحك زين عليها وهو يعطيها ما قام بجلبِه لأجلها، حتى انقضى اليوم بسلام بعد تعب طويل أرهق كلاهما ليكون تعويضاً لهم عن ما مروا به.
في صباح اليوم التالي، استيقظت روان مبكراً. أدت فريضتها وارتدت ملابسها للذهاب إلى جامعتها. كانت لا تزال تشعر بالإرهاق الشديد أثر جلسة الكيماوي الخاصة بها، ولكنها تحاملت على نفسها. يجب ألا تستسلم وتكمل باقي حياتها بشكل طبيعي.
خرجت حتى وجدت زين بانتظارها. كان زين ما زال رافضاً لفكرة ذهابها كي لا تتعب ويبقى بجوارها، ولكنها صممت على رأيها. انتبه زين لملابسها الفضفاضة التي ترتديها. كانت روان ترتدي فستاناً وفوقه يزين وجهها الخمار والذي زادها جمالاً على الرغم من الإرهاق البادي على وجهها.
ابتلع زين ريقه وهو يقول بمزاح: "هو إحنا مينفعش نقدم ميعاد الفرح ونكمل الجلسات في بيتنا؟ عشان كده كتير عليا بصراحة." يُغازلها بطريقته المميزة. سعدت روان بحديثه. كانت تشعر بأنها لم تعد جميلة كسابق، ولكن نظرات زين لها نفت أي شك داخلها لتعود ثقتها لها من جديد.
فتح لها زين باب السيارة. ابتسمت له روان وركبت بجواره. تذكرت عدم وجود ياسمين.
"أمال ياسمين فين؟"
"مش هتيجي النهارده، بتقول معندهاش محاضرات مهمة."
أومأت له روان وأسندت رأسها على المقعد حتى سمعت صوت زين يدندن بخفوت:
"هي دي اللي اختارتها... اللي دينها مهرها... هي دي اللي اختارتها... اللي دينها مهرها... قالتلي أنا شاري وبيتي حلالي في قلبي حطيها... قالتلي دا بيتنا يا زين، فرحتنا بالصورة والقرآن والحب حياتنا، يبعد عنا شيء اسمه الشيطان.... لقيتها هي اللي لايقالي بس المهر هو حلالي... آيات القرآن الغالي... آيات القرآن الغالي.. عشانه اختارتها."
ضحكت روان والهواء يداعب وجهها مع كلمات زين. مشاعر عديدة داخلها. هنا فقط علمت أن الحلال أجمل بكثير. ماذا إن قامت بتجربة تلك المشاعر قبل عقدها في الحرام؟ هل كانت لتستمع بكل تلك المشاعر داخلها وهي تجربها لأول مرة فقط مع زوجها؟ عكس كثير من الفتيات التي يرخصن أنفسهن تحت مسمى الحب.
وصلا إلى الجامعة. دلف زين منها وفتح لها الباب ثم أمسك يدها وهو يسير بجوارها ولم يترك يدها حتى وصلا إلى المدرج والذي كانت جميع الأنظار عليهم. بدأت الهمهمات من بعض الطلبة، فقد علم الجميع بشأن عقدهما بعدما أعلن زين يوم العقد، كي يعلم الجميع بعلاقتهما كي لا يثير أي شك نحوهما.
ظل زين ممسك يدها حتى أجلسها تحت تذمر روان بأن يتركها، لكن زين لم يأبَ. يخشى أن يتركها ولو لدقيقة واحدة. أما عن الجميع، فقد رأوا بأن تصرفه مبالغ فيه. لا أحد يعلم حقيقة مرضها ولحقدهم لم ينتبهوا للتعب البادي على وجهها وعدم قدرتها على السير بشكل متزن. نحن هكذا دائماً ما نسيء الظن دون معرفة الحقيقة.
ابتعد زين وقف لكي يعطي المحاضرة، لكن عن روان، انتبهت لبعض الهمهمات من إحدى الطالبات: "معقول الدكتور زين في النهاية يتجوز دي؟" "بيقولوا إنه كان بيحبها من زمان." "أكيد بقى هي لبست الخمار عشان يرضى بيها." "أو يمكن هو اللي لبسهولها." "خسارة فيها والله.. حظها بقى." "تفضل عايشة حياتها خروج ولبس وفي النهاية تقع مع واحد زي زين، شوفي حظنا إحنا."
كانت روان تستمع لحديثهم بعيون مغرقة بالدموع. لهم الحق يحسدها على زواجها من زين، لكن هل يعلموا مقابل هذا؟ لقد أهلك المرض جسدها. فقدت والديها منذ صغرها. ولكن يحسدونك فقط على شيء حصلت عليه ولا يروا ما خسرت مقابل ذلك. لم يروا كم الوجع الذي تحملته أثناء جلستها للكيماوي. نظرت لزين فكانت عيونه ثابتة عليها. ابتسمت له وهي تحمد ربها على نعمة وجوده. ترى لهم الحق في حسدها عليه وهي بنفسها تستكثر شخصاً مثل زين عليها.
انتهت المحاضرة أخيراً، والذي كان زين مشغولاً بها خوفاً من أن تتعب. كان سيؤجل محاضراته ويجلس بجوارها لولا إصرارها على الذهاب. ذهب زين ثم جلس بجوارها يطمئن عليها. تشعر بأنها طفلة صغيرة يهتم بها والدها ولم يهتم للنظرات حوله. كل ما يهمه هي فقط. كم هي ممتنة لهذا الزين بشدة.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... ازيك يا دكتور زين." رفع زين أبصاره ليجد دكتور المادة الذي يأتي بعده. رد عليه زين السلام وظل جالساً بجوار روان مما أثار تعجبها.
"إيه يا زين مش هتخرج... مش أنت خلصت المحاضرة؟"
"أنا استأذنت منه إني أقعد هنا معاكي عشان لو تعبتي ولا حاجة."
"يا زين مينفعش كده، أنا كويسة. اخرج أنت متقلقش، هيقولوا إيه كده."
"كله عارف إنك بقيتي زوجتي، وبعدين أنا عايز أحضر يا ستي، عايز أرجع أيام الشباب." غمزه زين في نهاية حديثه لها. ضحكت روان بوهن وهي تضع يدها على وجهها، نسيت كل شيء حولها. أما عن زين، فكان ملتصقاً بها وكأنه ما زال لم يستوعب أنها أصبحت زوجته بعد. يريد أن يبقى معها لأطول وقت ممكن كي يروي ظمأه منها طوال تلك السنين التي مضت خوفاً من ربه. وها هو حظه نتيجة صبره. كان ممسكاً بيدها وكأنه يخشى تركها حتى انتهت المحاضرة وخرجا سوياً تحت أنظار الجميع وهم متعجبون بشدة تصرفات دكتورهم. كيف يعاملها بهذا الرفق وهو يتحدث مع الجميع برسمية شديدة.
"هوصلك للمسجد تصلي الظهر وأروح أنا أصلي وبعدين أرجع آخدك عشان نروح، كفاية محاضرات النهارده كده."
"بس أنت لسه عندك محاضرات تانية؟"
"سبتهم... عشانك." قال زين جملته مع ابتسامة خفيفة ثم رحل. بضع كلمات قليلة كانت كفيلة لجعل الفراشات تدور حولها. أخذت روان تضحك بشدة وهي غير مصدقة لأن الذي أمامها هو نفسه زين ابن عمها والذي لا يكره شيئاً في حياته سوى الحديث مع الفتيات. زين الشاب الجاد والذي لا يمزح إلا قليلاً ولا يغازل أحداً. ما اللعنة التي حلت عليه إذاً؟
لا تعلم بأنها أكبر لعنة أصابته. دخلت للمسجد وأدت فريضتها، ولم تجد أحداً من الفتيات، لذا خرجت تنتظر زين. وقفت بملل وقد بدأت تشعر بالدوار الشديد وزاد إرهاقها وقد بدأ السرطان ينهش جسدها. تساقطت دموعها وبدأ الحزن واليأس يتسلل داخلها. همت لتدخل ولكن استوقفها بعض الفتيات.
"شكلك جميل أوي... أنا أول مرة أشوف حد بالخمار شكله جميل كده." نظرت روان حولها لتجد مجموعة من الفتيات ينظرن لها بإعجاب. شعرت بالخجل والفرحة أيضاً من حديثها ولا تدري ماذا تقول.
"إنتِ اللي جميلة، شكراً."
"ينفع تكلمينا عن الخمار؟ أنا حبيته أوي."
"وأنا كمان نفسي ألبسه من زمان بس عايزة حد يشجعني."
"أيوه وأنا كمان."
شعرت روان بالتوتر، فهي ما سبق لها أن نصحت أحداً. دائماً هي التي تستمع لحور وياسمين، ولكن هذه المرة هي بمفردها. كانت سترفض معللة أنها ما زالت في بداية الطريق، ولكن شيئاً ما داخلها حثها إلى النصح. أخذت نفساً عميقاً وسمت الله وهي تتذكر كل تلك النصائح التي كانت تسمعها، ثم شرعت في الحديث:
"الخمار ده حاجة جميلة أوي، يمكن أجمل حاجة ممكن تعملوها في حياتكم. يكفي الراحة اللي بتحسوها وانتوا لابسينة وانكم بتأدوا فريضة ربنا أمركم بيها. يعني لو أنا مت دلوقتي هكون مرتاحة عشان لابسة اللي ربنا أمرني بيه، لأن كلنا عارفين إن الخمار فرض لا خلاف عليه. إننا نتخلى عن اللبس والموضة ونلبسه ده في ميزان حسناتنا. على عكس اللبس الضيق والبناطيل، طول ما إحنا ماشيين بناخد في سيئات بس وأي حد هيقلدنا هناخد سيئاته. الدنيا مش مستاهلة، إحنا جايين نبني لنفسنا مكان في الجنة. شوفوا الرسول والصحابة ضحوا بأيه، وإحنا مش قادرين نلبس خمار ربنا أمرنا بيه؟ اسمعوا فيديوهات عن الخمار واللبس الواسع وهتحبوه أكتر."
انتهت كلامها والذي شعرت بأنه غير مرتب. يوجد كلام كثير كانت تود قوله ولكن ارتباكها منعها، فهي أول مرة تنصح أحداً. علت البسمة وجوه الفتيات. "بجد كلامك جميل أوي، وأنا هحاول عشان ألبسه، ربنا يجازيكي خير."
شكرها بقية الفتيات وروان تشعر بالفرحة. الموضوع بسيط للغاية. كانت دائماً ترى نفسها بعيدة ولا تصلح لنصح أحد، ولكن ها هي تنصح الفتيات. لم تتم سعادتها على خير وهي تشعر بالدوار يعصف بها وهذه المرة بشدة حتى أنها فقدت اتزانها. لم تجد زين حولها. حاولت العودة إلى المسجد ولم تستطع. ليتها سمعت تحذيرات زين لها ألا تخرج إلا حين يأتي لها.
حاولت المقاومة ولكنها فشلت حتى وقعت وآخر شيء وقعت عيناها مجموعة من الشباب حولها. لا، لا تريد لأحد أن يلمسها. هذا الموقف أشبه بموقف حور حينما فقدت وعيها، حينها أرسلها الله لها لكي يساعدها. أما هي... هل سيأتي زين يساعدها قبل أن يقترب منها أحد؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم روان الحاكم
البارت الثاني والاربعون🌸
سماع الأغاني يسري في الإيمان فيفسده
كما يسري السم في الأبدان.
- ابن عثيمين.
______________________
إستيقظت "روان" وهى تنظر حولها بفزع وآخر ما تتذكره أنها سقطت مغشى عليها أمام مجموعه من الشباب،
هل إقترب منها أحد؟ من الذى اتى بها إلى هُنا!
أبصرت المكان حتى وجدت نفسها داخل المسجد، تسآلت بعيونها عن من أتى بها، دققت الرؤيه فى الجالسه أمامها
حتى فتحت عيونها بصدمه... هذه "سُهير"!!
"أنتِ... انتِ اللي جبتيني هنا؟"
سألتها وهى تنظر تجاها، بينما سُهير إبتلعت ريقها وهى تُجيبها بتوتر بعدما أومأت لها برأسها بعلامه نعم
"انا كنت... كنت جايه علشان أصلي ولقيتك مغمى عليكِ فجبتك هنا"
تنفست الصُعداء وهى تحمد الله، إبتسمت بهدوء وهى تتذكر "حور" حينما فقدت وعيها وساعدتها، الله أرسل لها من يُساعدها كما فعلت معها
ماذا لو تركتها حينما ولم تُساعدها؟ ما كانت لتجد أحد يُساعدها أيضا؟ كما تُدين تدان!! أم أن الله كان سيرسل لها من يساعدها دام أنها تابت، أحذت تردد الحمد داخلها
"روان... انتِ كويسه؟"
"أيوه الحمد لله شكرا يا سُهير"
نظرت لها الأخيره بفرحه وهى ترى روان تنظر لها ببسمه، هل سامحتها؟
"روان انا آسفه... بالله عليكِ تسامحيني، انا والله مش...مش مرتاحه ومش قادره أتخطى فكره إنك مش مسمحاني"
تساقطت دموعها بألم وهى تترجاها لتعفو عنها، أما عن "روان" صمتت وهى لا تدرى ماذا تفعل، لقد تألمت منهم بشده، وكادت تُهلك بسببهم لولا أن الله أرسل لها زين يُنقذها، ظلت مده وهى لا تستطيع تجازو ما حدث لها
، لكن هبط الى عقلها شىء هام، لولا ما تعرضت له ما كانت لتتأثر وتبدأ فى تغيير حياتها وتتقرب من الله وتبتعد عن أصدقاء السوء، حسنا "سُهير" أخذت عقابها يكفى هذا، وأيضا هى بالتأكيد كانت سببا فى أذيه غيرها قبل أن تتغير، لذا ستُسامحها لعلى الله يعفو عنها هى الاخرى
"خلاص يا سُهير.. انا مسامحكِ، انا برضو اكيد كنت سبب فى أذيه ناس تانيه ولو بكلمه، هسامحك علشان الاقى اللي يسامحني انا كمان"
إقتربت منها الاخيره ثم إحتضنتها وهى تبكى بفرحه، أخيرا سامحتها، كانت دعوتها كل تلك الايام الماضيه أن تُسامحها، فقد علمت أن الله يغفر الذنوب فى حقه، ولكن لا يغفر فى حق عباده إلا حين يعفو هم،
إبتعدت عنها وهى تمسح دموعها، هل كانت خائفه لتلك الدرجه من عدم مسامحتها؟
"خلاص متعيطيش انا والله مسامحاكي، انا اصلا مستغربه العياط دا كله عشان قولتلك اني مسمحاكِ؟ اعتقد لو حد تاني مكنش فرق معاه اصلا"
"ربنا بيغفر كل الذنوب، الا الذنوب فى حق عباده، تعرفي إن حتى ولو كنت بصوم ويصلي ممكن مدخلش الجنه بسبب حد أذيته ومسامحنيش! كنت دايما بسمع ناس بتقول عن حد آذائهم مش مسامحاه حتى لو بينه وبين الجنه اني اسامحه، اول مره استشعر معناها فعلا، انتِ مش متخيله انا كنت بفضل ادعى ربنا انك تسامحيني، مش عايزه اموت وانا كنت سبب فى أذيه حد ومش مسامحني، كفايه عليا ذنوبي انا عشان استحمل ذنب غيرى"
نظرت لها "روان" بدهشه من التغيير الطارئ عليها، كيف للانسان أن يتغير بين ليله وضحاها لهذا الحد، تذكرت قول الله تعالى "إنك لا تهدى من أحببت... ولكن الله يهدى من يشاء" إبتسمت لها وهى تربت على كتفها، ولكنها إنتفضت بعنف فجأه مما آثار خوف الاخيره
"زييين... انا نسيته، زمانه قلق عليا"
تذكرت أنه ينتظرها بالخارج، أمسكت هاتفها لتجد العديد من المكالمات الفائته منه، نهضت مسرعه ولكنها شعرت بالدوخه الشديده والصُداع يُعاد لها من جديد، ساعدتها الاخيره وهى تُساندها
"طب إستني، تعالى انا هساعدك تخرجي"
"لا لا، انا هحاول امشي لوحدي علشان" زين" ميقلقش عليا"
أومات لها وهى تتركها ببطء، حاولت السير ولكنها لم تسطتع وكانت على وشك أن تقع مع أُخرى لولا يد سُهير التى لحقتها،
"مش هينفع اسيبك، تعالي بس هوصلك انتِ مش قادره تقفى على رجلك"
إستجابت لها بإستسلام وهى تسير معها للخارج، خرجت حتى وجدت زين يدور حول نفسه بقلق وينتظرها، وبمجرد أن رأها زين حتى ركض نحوها بلهفه
"روان انتِ كويسه، حصلك حاجه؟ برن عليكِ من بدرى، تعبانه نروح للدكتوره؟ حاسه ب اى طيب"
كان يتحدث بلهفه وهى يتفحصها، ضحكت عليه بوهن وهى ترى لهفته وخوفه عليها، مما خُلقت انت يا زين..ياليت الجميع مثلك لكانت الحياه أكثر حنانا
"أهدى يا زين انا كويسه، متقلقيش، دوخت بس شويه عشان كدا سهير جات تسندني"
وأخيرا إنتبه للفتاه الواقفه أمامه مُمسكه بها، كانت ترتدى نقاب ولا يظهر منها شىء، شعر بأن الاسم مألوفا بالنسبه له، ولكنه لم يهتم وهو يغض بصره عنها ويشكرها
ودعتها "روان" ثم سارت معه حتى السياره، فتح لها الباب ثم أجلسها برفق وهو يُقبل رأسها بحنان
"خلى بالك إني كدا هاخد على الدلع دا كتير"
"وانا عندي أغلى منك أدلعه؟"
إحمرت وچنتيها بخجل أثر كلماته الحنونه تلك، والتى تُذيبها، كم كانت تفتقد حنانه عليها طوال تلك السنين
كيف أمضت أيامها دون كلماته التى تبث الأمان داخلها؟
سامحك الله يازين لبُعدك كل تلك السنوات عنها
واخيرا وصلا الى المنزل
دلفت "روان" إلى المنزل وقد غادر هو إلى شقته بعدما إطمئن عليها، كانت مُمسكه بيدها الورود التى أعطاها لها زوجها الحنون وعلى وجهها ترتسم إبتسامه واسعه تُزين ثغرها، توجهت إلى المطبخ أولا لترتشف بعض المياه،
ولكنها توقفت بفزع وهى ترى "عمر" يقف وجميع حواسه مُنتبه لشىء ما، ويقف كالصنم، تعجبت من وقفته تلك
إقتربت منه وهى تنادى بإسمه
"عمر!!.. انتَ بتعمل اى هنا، وواقف كدا ليه"
لم يُجب عليها وهو مازال واقفا ويضع كامل تركيزه على شىء ما أمامه، دققت هى النظر به حتى وجدت بعض حُبيبات السُكر المُلقاه أرضا.. تعجبت أكثر هل يقوم بحراسه السُكر أم ماذا!!
إبتعدت مسرعه بخضه وهى تراه يقوم بفجأه بجمع السُكر مره واحده، هل جُن "عمر" ام تلبسه جان
"ياعمرررر"
وأخيرا إنتبه للواقفه أمامه وهو يمسح بعض العرق الزهمي عنه ويزفر براحه ويجلس على أقرب مقعد له
"فيه اى، انت بتعمل ايه؟ والُسكر اللي معاك دا ليه"
"كنت بعمل شاى ووقع مني شويه سُكر ولقيت نمله جات وبعدين راحت تنهد لقرايبها توريهم السكر، ف إستنيت لما راحت جابتهم وجات وبعدين شلت السُكر علشان مطلعهاش كدابه قدامهم"
ظلت "روان" تنظر له وهى مازالت لم تفهم حديثه بعد، مرت ثواني قليلا بعدما إستوعبت حديثه حتى إنفجرت ضاحكا، يالله هل وصلت به التفاهه إلى هذا الحد!!
اما عنه إقترب منها ببسمه، هاهو نجح فى رسم الضحكه على وجهها
"انت يابني مش هتعقل خالص كدا؟ دا الله يعينها اللى هتاخدك بجد"
قالت حديثها من بين ضحكاتها، بينما ضحك هو الاخر وتخيل لو أنه فعل ذلك أمام "ياسمين" ماذا لتكون رده فعلها، ولكنها ليست مخطئه، أعانها الله عليه حقا..،
"انا هروح اتقدم لياسمين بكره"
♕لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير♕
أخذت نفسها بهدوء وهى مازالت غير قادره على أخذ الخطوه بعد، طالعت اللافته التي أمامها بقلبِ مرتجف
هل أخطأت حينما أتت الى هُنا ام لا؟
ولكنها حقا غير قادره على إستكمال حياتها هكذا، تُريد أن تعيش حياتها ولو لمره واحده، لمَ كل الأشياء تحدث مع الجميع إلا عداها؟ ترى كل من حولها سعيد إلا هى
هى لا تعلم تحديدا أين العيب بعد؟ ألن تفرح ولو لمره واحده في حياتها؟ أن تستشعر طعم الفرح الذى يتحدث عنه الجميع ام كُتب عليها أن تبقى حزينه للإبد
حتى أبسط الاشياء لا تستطيع الحصول عليها،
نفضت كل تلك الاسأله من عقلها وتستعد تلك المقابله والتى أتت لها بعد الكثير من التردد
"السلام عليكم... لو سمحتى أنا المفروض ليا معاد دلوقتي مع الدكتوره"
"وعليكم السلام ورحمة الله، أهلا يا فندم، اسم حضرتك اى؟"
"رغد"
أومات لها السكرتيره الخاصه بالعياده وهى تُشير لها بالإنتظار عشره دقائق، فعلت "رغد" كما طلبت منها بهدوء وهى تشعر بالتوتر الشديد حتى فكرت بأن تعود
جلست على الكرسى وهى ترجع رأسها للوراء وتُفكر فى طلب يونس لها، إبتسمت وهى تتذكر مزحاته ومشاغباته معها، هو يستحق أحد أفضل منها، هى معه تشعر بالضعف الشديد والرغبه فى البكاء كلما شعرت بحنين أحد عليها، عكس طبيعته المتمرده
تُريد أن تعود إلى سابق عهدها ولسانها المتسلط التى كانت تتخذه سلاحا تُدارى خلفه ضعفها، دائما تحاول إثبات أنها قويه وتخطت كل ما قد مرت به، ولكن الحقيقه أنها مازالت عالقه بتلك الذكريات
سمعت الفتاه تُنادي بإسمها، قامت من مكانها وهى تتوجه صوب الطبيبه وجسدها يرتجف، لا تعلم قدومها إلى هنا صواب أم لا، طرقت على الباب عده طرقات ثم سمعت صوت الطبيبه تسمح لها بالدخول
جلست على المقعد أمامها وهى تُفرك يدها بتوتر
بينما تفهمت الطبيبه حالتها كونها متخصصه للامراض النفسيه، وهذه الجلسه الثانيه لها
"ازيك يا رغد... طمنيني عليكِ يا جميل"
"انا.. كويسه الحمد لله"
صمتت قليلا تأخذ أنفاسها ثم عاودت الحديث مره أخرى
"لأ، مش حاسه اني كويسه، انا تعبانه"
"تعالى إستريحي هنا علشان تقدرى تاخدي راحتك"
سارت معها نحو الشيزلونج المخصص لاستقبال المرضى
ثم نامت عليه
"ها يا رغد، قوليلي اى اللي تاعبك؟"
"أنا... انا رفضته بعدما ما أتقدملي، حاسه إني بقيت ضعيفه اوى، وانا مش عايزه كدا، كنت الأول قويه، تعرفى لما بابا وماما ماتوا انا حتى معيطيش
رغم اني كنت بحبهم اووي ومتعلقه بيهم... انا.. انا شوفتهم بيموتوا قدام عنيا، شوفى كنت قويه ازاى وقدرت اتخطى كل دا، لكن دلوقتي انا ضعيفه وهشه
هو.. هو ملوش ذنب معايا، انا كمان بحبه، بس مش قادره اوافق، هخسره زي ما خسرتهم كلهم
تعرفى حتى اليوم اللي اتقدملي فيه حلمت انه مات، زى ما يكون عقلى حتى رافض اني افرح..،
انا امتى هرتاح؟... "
ظلت تحكي لها والاخيره تستمع بإنتباه، كانت تتحدث بشكل غير مرتب وهى تشعر بثقل شديد داخل صدرها، ولكنها رغم كل ذلك لم تبكى، إقتربت منها الطبيبه ثم أحتضنتها وهى تمسح على رأسها برفق وأخذت تربت على كتفها
"صرخي يا رغد.. خرجي كل اللي جواكِ"
نظرت له بتيه، وكأنها تطلب منها أمر صعب يفوق قدراتها
"مش قادره...حتى العياط مش قادره أعيطه"
توقفت تأخذ انفسها ثم قالت
"هو.. هو انا كدا بقيت مريضه نفسيا؟"
♡سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم♡
كان يجلس وهو يُمسك صورتها بين يديه ودموعه تتساقط بحزن عليها، لقد أشتاق لها بشده، اشتاق لضمتها له وهى تُخبره كم تحبه وأنه ولدها المدلل
إشتاق لتناول طعامها الشهى والذى كانت تحضره
خصيصا لأجله
تُرى أين هي الان، وكيف حالها، هل تفتقده أيضا؟ وتشتاق له مثلما يفعل هو!! ظل طوال حياته ظالما لها، وهى من ضحت بنفسها لأجله هو وأخيه، أخيه الذى خسره هو الاخر قبل أن يعرف حقيقته
لم يشبع من حنان أحضانها بعد، تركته وهو فى أمس الحاجه لها، وظل تلك المده يظن بأنها هى من تخلت عنه،
إرتفعت شهقاته عند هذا الحد ويشعر بالم كبير داخل صدره، وجد من يضع يده على كتفه، إلتفت لها فوجدها حوريته، من أخذت بيده لتخرجه من مستنقعه المظلم
كما يُطلق عليه
أحذت تمسح على شعره بحنان وهى تربت على كتفه
تعلم جيدا ما يُفكر به الآن وأنه ظلمها طوال تلك السنين
"متحملش على نفسك فوق طاقتها يا" ليث"، انت اه ظلمتها، لكن انت برضو مكنتش تعرف هى عملت كدا له
وزعلت منها من حبك ليها...، "
"كان ليه يحصل كل دا من الأول؟ ليه مفضلناش مع بعض كلنا انا وهي وبابا وياسر، وليه ياسر يعيش عمره كله مع واحد زى دا ويتحرم من أبوه، كان هيحصل اى لو فضلنا كلنا مع بعض وأتربينا انا وياسر سوا..،
تعرفي أنا طول عمرى كان نفسي يكون عندي أخ ونكون صحاب انا وهو، يطلع عندي أخ ونتحرم احنا الاتنين مع بعض؟ كان نفسي حتى أخده فى حضني واطبطب عليه"
رفع لها عيونه فكانت حمراء بشده ووجه شاحب جعلها تشفق عليها وهى تنظر له بحزن، بينما أكمل هو حديثه
"ياسر مش وحش يا حور، هو.. حامد السبب فضل يزرع فيه الكره، انتِ مسمحاه صح؟ انا طول الوقت كنت حاسس تجاه بمشاعر مش عارف اى هى، مكنتش قادر أذيه رغم لو حد تاني اللي عمل معاكِ كدا مكنتش سبته.. انا بس كان نفسي احضنه ولو لمره واحده قبل ما يموت ياحور.."
سقطت دموعها هى الاخرى ثم جذبته لاحضانها تهدئ من روعه، تشعر به، فقد سبق لها أن فقدت أخيها ووالدتها دُفعه واحده، أخذت تتلو عليه بعض آيات القرآن حتى شعرت أنه قد أستكان بين أحضانها وهى ما زالت تمسح على شعره بحنان كما لو كان طفلها
لم تُرد الضغط عليه بالحديث قد لا يتحمله لذا رأت أنه من الأفضل أن تُخرجه من تلك الحاله أولا ثم بعدها تُحاول الحديث معه لكى يصبر على بلائه
"انا عاوزه آكل كشرى"
رفع لها "ليث" رأسه بتشنج، فقد ظن أن تظل تُحدثه عن الصبر وللحقيقه هو كان فى حاله لا تسمح له بفعل شىء
وهى قد تفهمت هذا دون أن يتحدث، ففى بعض الاحيان لا يكون الشخص يشعر بالحزن حينما تحدثه عن الصبر يشعر بالعجز لكونه لا يستطيع التحمل
"هتيجي نخرج ناكل بره ونتمشي فى الهوا؟ هيكون هو دا الاص التمام"
أومأ لها بهدوء وهو ينظر لها بإمتنان، يشكر ربه على تلك النعمه التى رُزق بها، إرتدت ثيابها سريعا وهى تركض له ثم أمسكت يده بفرحه طفله سيأخذها والدها للتنزه، ضحك عليها وهو يرى الفرحه باديه على وجهها
"كل دا علشان هنخرج ناكل كشرى!"
"لأ، علشان خارجه مع زوجي بليل ناكل والصراحه دي كانت من أمنتياتي فى الحياه الزوجيه"
سارت معه للخارج وهى ما تزال تُمسك بيده والفرحه باديه على وجهها، كيف تكون أحلامها بتلك البساطه؟ ليتها يكون هادئ البال وأحلامه بسيطه مثلها، لا يدرى بأنها تحمل داخل جوفها اضعاف ما يحمل هو.،
وصلا إلى أول محل قابلهم هم ليدخلا ولكن إستوقفهم صاحب المحل وهو يقول لهم ببسمه
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حضراتكم عايزين كُشرى صح؟
رد كلاهما السلام وأومأ له" ليث" تأكيدا على طلبه
بينما تحدث الرجل
"طب ممكن تروحوا المحل اللي فى الشارع اللي بعدنا، صاحب المحل لسه فاتح جديد وبيعملوا كشرى حلو اووي"
تعجب من حديثه ولكنه خمن أن يكون هذا المحل تابع لهم
لذلك سأله على الفور
"هو المحل دا يعني تبعكم برضو؟"
"لأ يابني مش تبعنا، بس لسه المحل فاتح جديد ومحدش يعرفه علشان كدا محدش راحلهم خالص رغم إن حاجتهم حلوه، انا عايزكم تروحوا هناك علشان ميزعلش "
"وطب مش خايف لأحسن ياخد هو الشهره منك والناس كلها بعدين تروحله؟"
"محدش بياخد رزق حد يابني، وانا ربنا بعتلى رزقي طول النهار، فخليه هو كمان ياخد رزقه"
كان "حور" تُتابع حديثه ببسمه وهى تدعو لهذا العجوز والذى يبدو على وجهه الطيبه، بينما ظل "ليث" مصدوما من الموقف، هل ما زال يوجد إناس مثله فى هذا الزمن!
"ربنا يجازيك الفردوس الاعلى يارب" نطقتها وظلت تدعو له، كما فعل "ليث" هو الاخر ثم توجهوا الى المحل الذى أشار لهم عليه أن يذهبوه
القى عليه السلام ثم جلس على المقعد وجواره تقبع "حور" ومجرد أن رآهما صاحب المحل حتى تهلل أساور وجهه بفرحه، نظر كلاهما للفرحه الباديه على الرجل
بحب، طلب "ليث" طبقين كلاهما
قام بتحضير الطبقين ثم قدَّمه لهما
تناولوا الطعام، سعدت "حور" بالطبق الذى أمامها بشده فهى من عشاق( الكُشرى)
بينما "ليث" لم يكن مُحبيه ولكن طلبه مثلما فعلت حور
كان الطعام جميل بحق ظلت "حور" تناول بنهم فى مكان منعزل مخصص للمنتقبات، بينما ظل "ليث" يتأملها بحب وللحظه قد نسى كل همومه وهى معه
إنتبهت له وهى تراه مُصوب نظراته نحوها، تحدثت وهى مازالت تأكل
"شايفاك عينك على طبقى، هو نفسه طعم بتاعك"
نظر لها بتشنج ولكنه ضحك عليها، هل تراه طفسا لهذا الحد، إبتسمت بحب وهى ترى ضحكاته، أخيرا نجحت فى إخراجه من تلك الحاله، لتتحدث أخيرا..،
"كنت عمرك تتخيل إن واحد صاحب محل كشرى يرفض الزبايين اللي جايين ليه رغم انه لسه عنده أكل كتير، ويبعتهم لمحل تاني عشان بس لسه فاتحين ومحدش راحلهم طول اليوم؟"
إنتبه لحديثها وهو يحاول فهم ما ترى إليه، لتتابع هى كلامها
"ربنا حاشا لله مش بينسى حد، كل حاجه بتحصل معانا بتكون مقدره لينا ومكتوبه وهى الخير لينا، مينفعش نقول ليه بيحصل معانا كدا،"
صمتت وهى ترى تأثير كلماتها عليه حتى أكملت
"انت بنظرتك الدنياويه ك إنسان مش عارف اى الحكمه من اللي حصل معاك، وهتفضل تسأل نفسك ليه حصل معايا كدا، اصل اى الخير من إني اتحرم من أمي من صغيرى، وكمان اخويا يفترق عني ولما أعرف يموت؟ لو فضلت تسأل نفسك ليه هتتعب ومش هتوصل لحد"
توقفت وهى تأخذ أنفاسها وتُحاول إيصال المغزى بطريقه
يتقبلها، وتحديدا فى حالته
"لما سيدنا موسى كان ماشي مع الخضر علشان يتعلم منه
أول حاجه طلبها منه سيدنا الخضر إنه ميسألوش عن اى حاجه هيعملها هعملها ليه، وسيدنا موسى وافق
وبدوأ رحلتهم واللي كانت بالسفينه اللي خرقها، تخيل واحد زي الخضر واللى علشان كان معروف وقتها صاحب السفينه مرضيش ياخدهم منهم فلوس، كان جزاته اى؟
انه خرقله السفينه بتاعته واللى خلى سيدنا موسى يتعجب وسأله انت عملت كدا ليه؟
تفتكر كان ممكن يكون فيه خير من خرقه للسفينه؟ بنظرتنا الدنياويه؟ بس الحقيقه كانت اى، طلع إن كان فيه ملك بيأخذ كل سفينه غصب، ولما شاف السفنيه دي معيبه مرضيش ياخدها
يعني لولا إن سيدنا الخضر خرق السفينه كانت إتاخدت من صاحبها..،
بعدها بشويه كملوا مشى وسيدنا الخضر مسك ولد صغير بيلعب مع صحابه وقتله، انت متخيل يقتل طفل برئ لسه معملش حاجه؟ تقدر تديني تفسير واحد لعملته دي؟
دا طفل ميقدرش يأذى حد واللي احنا بنظرتنا الدنياويه مكناش هنكون مستوعبين السبب من قتله لطفله
طب أهله يقدروا يتخطوا موت طفلهم الوحيد اللي جابوه بعد سنين من الحرمان؟
دا سيدنا موسى واهو نبى مكنش مصدق ومقدرش يصبر زى ما وعده" وقاله أقتلت نفسا ذكية بغير نفس
لو فضلنا طول عمرنا نسأل عن اى الخير من قتله دا مش هنلاقي؛ لكن فى الحقيقه إن الطفل دا لو كبر كان هيرهق ابوه وأمه طغيانا وكُفرا، تخيل كان هيوصل أهله للكفر؟
ربنا رزقهم بطفل تاني وكان بار بيهم
كملوا باقى الرحله وهم ماشيين دخلوا قريه أهلها رفضلوا يُضَّيفوهم ف سيدنا الخضر لقى سور المفروض يتهد أقامه
بدل ما يهده وكان ممكن فى اى وقت يقع عليهم وكان لغلامين يتيمين، فى الحقيقه إن الغلامين دول أبوهم رجل صالح وتركلهم كنز تحت السور دا، لو كان هدّه
كانوا لقيوا الكنز وقتها وكانوا هيضيعه لانهم لسه صغيرين
لكن أمر ربنا إنهم ميشوفوش الكنز غير وهم كُبار وقدرا يتصرفوا فيه وينتفقوا منه فى سبيل الله
عرفت ليه احنا المفروض نقرأ سوره الكهف كل جمعه؟
علشان منقولش كلمه ليه دي؛ ندرك إن كل اللي بيحصل معانا هو الخير لينا ومقدر لينا عند ربنا
لان ربنا سبحانه وتعالى حاشاه إنه يختارلنا غير الخير لينا"
شعر بالخجل من نفسه كيف ساء الظن بالله، نعم بالتأكيد ما حدث معه هو الخير، ليتحدث هو هذه المره
"لولا اللي حصل معايا كان ممكن مقابلكيش، لفتي نظرى لان شوفتي شبه ماما، ويمكن لولا دا مكنتش حبيتك واتجوزنا، وانا واثق إن ربنا هيجمعني بيها على خير"
سعدت بشده لتقبله الامر بصدر رحب، أمسك يدها ثم توجه لصاحب المطعم وقام بدفع الحساب، ثم خرجا من المطعم وتوجه للمطعم الثاني الذى توجه له أولا تحت أنظارها المتعجبه
"عايز كل الكشرى اللي موجود عندك تحطهولي فى علب كبيره"
نظرت له بتعجب من طلبه، إبتسم لها وهو يقول
"هننزل نوزعه على المحتاجين"
__________
نزلا من السياره ومعهم العديد من الشنط وقاموا بتوزيعها على الفقراء، رأوا الفرحه فى وجههم وهم يدعون لهم
كان منظرهم مبهجا بحق، قاموا بفعل ذلك لله فى الخفاء
وليس وهم يقومون بالتصوير وأمام أعين الجميع
ظلوا ما يُقارب الساعه يوزعون على الفقراء والمحتاجين
كان طوال تلك المده وهاتفه الذى تركه فى السياره لم يتوقف عن الرنين ولكنه لم ينتبه له
حتى رن هاتف"حور" هذه المره والتى كانت معها
وجدت المتصل هو محمود والد ليث، تعجبت من إتصاله فى هذا الوقت
فتحت المكالمه ثم وصله صوت محمود وهو يخبرها ما جعل الهاتف يسقط من يدها، وجعل قلب ليث يرتجف
#يتبع
فماذا أخبرها يا تُرى؟ هذا ما سنعرفه فى الحلقه القادم
#روان_الحاكم
#وسولت_لى_نفسي
بارت طويل اهو كسر ايدي
عايزه أسالكم سؤال، تفتكروا مين أكتر حد شايفينه مبتلى؟ قصه روان وزين وبدايه مشوارها مع المرض ومش اى مرض دا كانسر وهى ممكن فى اى لحظه تموت
ولا ليث وحور الي فقدت امهم واخوها مره واحده وابوها مريض، وليث اللي اتحرم من امه واخوه
ولا رغد اللي اتحرمت من اهلها كلهم وحتى يونس مش قادره تديله فرصه، ويونس اللي اكتشف انه عايش حياته كلها على اساس انه يهودي وطلع مسلم وعيله كلها متوفيه؟
هتقولوا كدا مفيش غير ياسمين وعمر اللي حياتهم تمام
هقولكم اصبروا لسه دورهم جاي😂
واخيرا كل واحد هنعرف الحكمه من أبتلائه وإن مهما طال البلاء الخير آت وهنشوف ازاي ربنا هيعوضهم كلهم
متنسوش تقولوا رأيكم لانه بيفرحني جدا وبيشجعني اني اكمل
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم روان الحاكم
البارت الثالث والأربعون 🌸
- الفترة دي يدوب أقدر أصرف علي بيتى واولادى ❌
-الفترة دي لازم أزود تبرعات علشان ربنا يعوضنى أضعاف
ده أفضل وقت للصدقات
أَنْفِقْ بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا ♥️!
_____________
وقف أمام حُجرتها وهو يأخذ نفسا عميقا يستعد لخوض معركه معها ولا يدرى نهايتها، إلا أنه لم يتقبل خسارتها
مهما بلغ ألامر، طرق على الباب ثم بعد قليل سمع صوتها تسمح له بالدخول ، ومجرد أن رأته حتى تهللت أساور وجهها وهي تهتف:
"عمر حبيبي رجعت امتى... وحشتني اوي"
اقترب منها وهو يقبلها فقد إشتاق لها هو الاخر، حمحم قليلا وهو لا يدرى من أين يبدأ، ولأول مره يشعر بصعوبه الحديث.. شعرت بأنه يريد التحدث بشىء ما لذا أمسكت يده وهى تحثه على الحديث قائله:
"حساك عايز تقول حاجه؟ مالك"
إبتلع ريقه وهو يخشى رد فعلها ولكنه حسم الأمر، ليقول ما جاء لأجله دُفعه واحده
"انا هتقدم لياسمين"
سعدت بشده فأخيرا سوف يخطب، ولكن فرحتها تبخرت وهي تنظر له عده دقائق تحاول إستيعاب الأسم، هل هذه نفسها الفتاه التي أخبرها عنها من قبل؟ هي ظنت أنها نزوه وإعجاب وسوف يرحل، ولكن يبدو أن الأمر هذه المره غير.
"هي دي نفس البنت اللي سبق وقولتي عليها؟"
أومأ لها بتوتر وهو يخشى غضبها فهو يعلمها كم هى عنيده وحينما ترفض شىء تُصر عليه، قامت من مكانها بغضب وهي تصرخ به
"البنت دي مستحييل ياعمر اوافق عليها انت فاااهم، على جثتي إنك تتجوزها، انت مش شايفاها عامله ازاى ومن امتى وانت ذوقك بقى كدا... اه صح تلاقيها هى اللي لفت عليك علشان تتجوزها ماهو أكيد محدش هيبصلها وهي لابسه البتاع اللي علي وشها دا"
هُنا ولم يعد يستطيع التحمل، فقد كان مصدوما بشده من حديثها، هل وصل كرهها للنقاب بأن تتهما بهذا الشكل وهى حتى لا تعرفها ولم يسبق أن تتحدث معها حتى؟.
هب من مكانه واقفا ثم هتف بغضب تراه أمه لأول مره:
"اللي حضرتك بتتكلمي عنها دي هي الوحيده اللي صدتني ورفض تكلمني رغم إن انا اللي لفيت عليها وحاولت معاها كتير، إلا انها ولو مره استسلمتلي وكل مره كانت تصدني
انتِ أتهمتيها فى شرفها من غير ما تعرفيها ودا قذف محصنات واللي حضرتك اصلا متعرفيش عنه وهتعرفي عنه ازاي وحضرتك تقول الوقت مشغوله فى سفرك وخروجتك،
تقدرى تقوليلي انتِ تعرفي عني اي؟ بحب اى ولا بكره اى
عمرك محسستني إني أبنك وانتِ طول الوقت مشغوله وانا آخر هتمامك، جايه دلوقتي تحرميني من البنت اللي حبتها وتفتكرى انك عندك أبن لازم تحددي مصيره
بدل ما تشجعيني إني أختارت البنت اللي هكمل معاها حياتي وام عيالي علشان محترمه وملتزمه، لكن لأ
نريمان هانم عايزه واحده تليق بيها قدام صحابها على سنجه عشره تشرفها قدامهم ، مش واحده لابسه نقاب هتعرها قدام صحابها، ياريتك كنتِ زيها.."
قطع حديثه القلم الذي تلقاه على وجهه من والداته وهي تصرخ به أن يصمت،
ولأول مره ترفع يدها عليه، ولكنه تخطى الحدود فى الحديث معها وصُدمت من كلامه الذى كان يحبسه داخل صدره طوال تلك السنين، والذي صدمه هو الآخر،
طوال عمره وهو يشعر بأنها لا تهتم لأمره ولا يشعر منها بالحنين لأنشغالها عنه طوال الوقت، نظر لها بعيون حمراء مغرقه بالدموع ثم تركها ورحل، يعلم أنه تخطى فى الحديث معها ولكنه لم يستطع التحمل يكفى سكوته كل تلك السنين لينفجر بها دُفعه واحده بما فى صدره دون أن يشعر،
خرج من المنزل بأكمله وهو يشعر بالغضب الشديد يعتريه
ولم يعد يرى شيء حوله وقد تساقطت دموعه بشده وهو يسير كطفل صغير مشرد بلا مآوى وقد تخلى عنه الجميع.
يشعر بأنه وحيد تماما فى هذه الحياه وكل شىء ضائق حوله، ماذا بعد؟ لمَ لا يوجد شىء وحيد فى هذه الحياه يُسعده، هو دائما يمزح ويضحك ولكن لا أحد يعلم ما بداخله.
يعود كل ليله الى فراشه وهو مهزوم ويشعر بالوحده ولا أحد معه، حتى أمه لم يشعر يوما بحنانها عليه
ظل طوال حياته يتجاهل ذلك ولكن الامر كان يشكل ألم كبير لديه، حينما يرى مشهدا لأم تضم طفلها يشعر بالم كبير كونه إنحرم من هذا الحضن،
إن كانت والدته متوفيه لكان يجد مبررا بأنها غير موجوده وإن كانت موجوده بالتاكيد كانت ستفعل، ولكن الأسوء أن تكون على قيد الحياه ويفتقد حنانها.
ظل يسير بلا هواده حتي توقف أمام مسجد قابله، نظر له بتردد كبير ثم حسم أمره بالدخول، هو يُريد أن يشعر بالراحه لذا دخل إلى هنا عله يجد تلك الراحه الذي ظل طوال عمره يبحث عنها ولم يجدها،
دلف للمسجد بخطى ثقيله وهو يشعر برهبه هذا المكان والسكون والراحه الذي شعر بهما مجرد أن خطت قدمه لهذا المكان المقدس.
جلس وراء عمودا وهو يأخذ أنفاسه ويغمض عيناها ويحاول تناسي كل شيء، حتى وجد من يضع يده على كتفه.
🌸لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير🌸
"يعني.. هو انا كدا بقيت مريضا نفسيا؟"
نظرت لها الطبيبه بشفقه من الحاله التى وصلت لها
والتى جعلتها تظن نفسها مريضه نفسيا، هزت برأسها نافيه وهي تقول بهدوء والبسمه لا تُفارق وجهها:
"لاء يا رغد، انتِ مش مريضه نفسيا، كل الحكايه إن بقى عندك وسواس قهرى بالفقد"
نظرت لها بعدم فهم كيف لديها وسواس قهرى بالفقد؟ علمت الطبيب بأنها لم تستوعب حديثها، لذا هتفت على الفور توضح حديثها وهى تردف:
"الوسواس القهرى دا ليه انواع كتير يا رغد، فيه بالنضافه وفيه اللي عنده وسواس بالشك وانواع كتير منها الفقد
إن المريض طول الوقت يفضل عنده وسواس بالفقد وإنه لو قرب من شخص هيفقده زي ما فقد اللي قبله،
طول الوقت هيفضل يشعر بالقلق ينهش قلبه ويخليه مش عارف يعيش وخايف يعمل اى حاجه، وأكبر مشكله فى الوسواس إن ناس كتير بتتجاهله رغم انه مرض زي اى مرض ولازم الانسان يتعالج منه، لأنه لو متعالجش هيفضل عمره كله موسوس"
"طب.. واي هو علاجه؟"
"شوفي يا رغد، احنا دايما مبنقتنعش بفكره المرض النفسي ودا غلط كبير، المرض النفسي زيه زي اى مرض لازم الأنسان يتعالج منه سواء هيحتاج علاج او بطريقه تانيه هيحددهاله، لكن انتِ فى حالتك دي مش محتاجه علاج بالأدويه"
"أمال محتاجه علاج ب أيه؟"
"علاجك بالقرآن وتحديدا بسوره البقره، انتِ محتاجه تطمني وتحسي بالأمان يارغد وتقتنعي إن كل شىء مقدر ومكتوب علشان تقدرى تتجاوزي الفقد، ودا مش هتقدرى تعمليه غير بقربك من ربنا لأن سبحانه وتعالى هو الملجأ لينا كلنا وبيده كل شيء، علاجك هو القرب من ربنا يارغد،
لازم تتأكدي إن كل اللي حصل معاكِ دا قدرك وإبتلاء من ربنا، والله لا يكلف نفسا فوق طاقتها، انتِ قويه وهتقدرى تتخطي كل دا لوحدك.. فهمتيني يا رغد؟"
أومأت بهدوء وهي تهز رأسها دلاله على موافقتها ولكنها عاودت للحديث مره أُخرى:
"معنى كلامك يا دكتوره إن اى مريض نفسي مش محتاج علاج ومحتاج بس القرب من ربنا ويقرأ القرآن؟"
نظرت لها الطبيبه لثوانِ ثم أجابتها على سؤالها بسؤالِ آخر قائله:
"مريض الكانسر او اي مرض تاني بيتعالج ب اى بالقرب من ربنا والقران من غير ما يروح يتعالج ويقول القرآن هيشفيني؟"
"لاء طبعا، لازم يتعالج... هو اه لازم يصلي ويقرأ قرآن، لكن برضو ربنا أمرنا ناخد بالأسباب"
هزت الطبيبه رأسها تبتسم وقد توصلت لما تريده وهي تهتف:
"بالظبط يارغد ودا اللي عايزه أوصلهولك، فيه بعض الأمراض النفسيه بيقى لازم فيها علاج وإستشارات طبيبه، الموضوع بيكون متعلق بهرمونات فى جسم الأنسان بتسببله إكتئاب حاد غصب عنه، المرض نفسه بيكون من أعراضه القلق والأكتئاب، من ضمنهم مرض إسمه فايبرومالچيا ودا من أعراضه الأكتئاب المزمن ودي هرمونات فى جسم الأنسان ولازم ياخدلها علاج وألا هيفضل يعاني من المرض،
ييجي أهل المريض لما يشوفوه مكتئب يحملوه فوق طاقته وإنه لو بيصلى ويقرأ قرآن مش هيكتئب، فيتعب أكتر لانه بالفعل بيصلى لكن غضب عنه مش قادر،
ودا لأننا مش بنفرق فى بعض الاحيان بين الامراض النفسيه اللي اى إنسان مش بيصلى ولا بيقرأ قرآن وارد إنه يتعرض لأكتئاب خصوصا من ضغوطات الحياه، زي واحد يسيب حبيبته او واحدها تتعرض لشويه ضغوضات
هنا ييجي دور الصلاه والقرآن يربطوا على قلبها ويصبروها ويحموها من أي إكتئاب،
وبين الأمراض النفسيه اللي زيها زي أي مرض تاني واللي لازم الانسان يتعالج منها حتي لو بيصوم ويصلى لان مينفعش اكون تعبانه جسديا واقول هصلى وأخف!! لأن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا زي ما قولتلك إننا ناخد بالأسباب
ونتعالج... والأمراض دي مش علشان هو اتعرض لاي شويه ضغوطات فيتعب ويقول انا بقيت مريض نفسي ولازم اتعالج، لاء الموضوع أكبر من كدا وليه أبعاده مش هتفيدنا اننا ندخل فيها حاليا، لكن اتمنى يكون كلامي وصلك بالشكل المظبوط"
"طب ويونس؟"
باغتتها بالسؤال مباشرا وهي لا تعلم ماذا تفعل معه ، نظرت لها الطبيبه تحثها على إستكمال ما تُريد قوله، للتابع مره أخرى وهى تهتف:
"لو واقفت عليه هظلمه معايا لأن أنا حاليا مش قادره اتعامل مع اى حد ومحتاجه الملم شتات نفسي وافوق الأول، بس في نفس الوقت مش عايزه أخسره ومينفعش أربطه جنبي كدا وخلاص"
"خدي فتره ترجعي فيها طاقتك وشجغفك وتعالجي نفسك بالوسواس اللي عندك وتبعدي، لو وافقتي عليه هتتعبي نفسك وتتعبيه معاكِ،
كان ممكن اقولك واقفي وهو يقف جنبك ويساعدك، لكن انا عايزاكي تتخطي الفتره دي لوحدك علشان تقدرى تتجاوزيها وانتِ أدها، أما بخصوص الأستاذ يونس فهو مادم قولتي إنه بيحبك يبقى هيستناكي انا واثقه
ولو مستناش يبقى محبكيش وفي الحالتين انتِ الكسبانه"
وجدت أنها مُحقه فى حديثها، سوف تفعل كل دا قالتها له، لن تترك نفسها ولن تستسلم، ستقول كل شىء كي تعود لسابق عهدها، وأيضا ليونس الذي احبه قلبها بصدق
🌸سبحان الله وبحمده.... سبحان الله العظيم🌸
ترجل من السياره بسرعه شديده وهو لا يري أحد أمامه وهي خلفه تُحاول الحاق به، فمنذ أن علم من والده مكان أمه وقد جن جنونه ولم ينتظره حتى يأتي معه
ظل يدور حول نفسه فى المشفى كالمجنون وهو لا يصدق بأنه سيراها مره أُخرى، فقد نزل الخبر عليه كالصاعقه، هاهي لحظات فقد تفرقه عنها
سار تجاه الغرفه التي من المفترض أن تكون ماكثه بها، فتح الباب بأيدِ مرتعشه ولكنه لم يجد أحد بالغرفه، سقط قلبه وهو ينظر حوله بهلع، هل سيفقدها مره أُخرى
"ف.. فين المريضه اللي كانت هنا"
تفوه بصعوبه شديده وهو يلهث أثر ركضه ويحاول أخد أنفاسه، نظرت له الممرضه التي كانت تقوم بتنظيم الغرفه وهي تقول:
"اهدى حضرتك يا فندم، هي انتقلت للاوضه اللي جنبنا"
تراخت أعصابه قليلا، هو لن يسمح بفقدها مره أخرى، وجدها تضع يدها على كتفه فى محاوله لطمأنيته، تخبره أنها معها.
ذهب إلى الغرفه المنشوده بخطي اقرب للركض، يشعر بأن قدامه لم تعتد تحملانه، وقف أمام باب الغرفه والذي كان مفتوحا قليلا،
ظل يبحث عنها بعينيه ولم يجدها، كانت الغرفه فارغه، هم ليرحل ولكنه وجد طيفها من بعيد تخرج من المرحاض مع الممرضه التي تُساندها وهي تسير بوهن وبشكل غير متزن
فقد تحسنت كثيرا بعد توقفت عن أخذ الادويه التى كان يعطيها حامد لها وبدأت بالعلاج،
شعرت به مثبت أنظاره عليها حتي رفعت بصرها له،
دققت النظر به وقلبها يخفق بشده، لا يستحيل أن يكون هو، بالتأكيد هي تتخيل، هل استجاب الله لدعواتها طوال تلك السنين وأعاد لها طفلها؟.
أما عنه وكأن الزمن توقف، يشعر بقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه، وأنفاسه أوشكت على التوقف، يخشي أن يكون هذا حُلم ويستيقظ منه على واقعه المرير دونها.
ظلا كلاهما ينظران لبعضها لحظات كأنها شهور بالنسبه لهم، ولا أحد منهما قادر على التقدم نحو الآخر
وقع ليث أرضا وتساقطت العبرات من عينيه بشده وهو ينظر نحوها بألم، كطفل صغير خرجت أمه دون أخذه معها وحين عادت عاتبها هو ببكائه،
هُنا تأكدت بأنه والدها الحبيب الذي تركته رُغما عنها منذ أن كان صغيرا، حاولت النطق بأسمه ولم تستطع
كانت على وشك السقوط حيث قدميها لم تعد تتحملاها، ولكنها أبت الأستسلام، يكفي ما مضي وهاهو أمامها
تحاملت على نفسها وسارت نحوه ولم ترفع عينها من عليه بعد، تريد أن تشبع من ملامحه الذي أنحرمت منها،
جلست أمامه أرضا ومدت يدها وهي ترتجف، تُريد أن تلمس وجهه لتتأكد أنها لا تحلم
ومجرد أن لامست أصابعها وجهه حتى علت شهقاته بصوتِ مرتفع، أخذته لأحضانها وهي تبكي بشده هي الاُخرى وتشدد من أحضانه بقدر إشتيقاها له، ظلت تتلمس وجهه بغير تصديق وكأنها تحاول إستيعاب وجوده بعد
أما عنه فظل متشبثا بها يخشي تركها ويعود وحيدا دونها، لا يعلم كم من الزمن مر عليهما هكذا، لا هو يريد أن يخرج من أحضانها، ولا هي تريد أن تتركه.
وصل محمود وتوقف وهو يراها تحضتن صغيرها، لقد تبدل حالها كثيرا وفقدت الكثير من الوزن، بهت زهرته
وكبُرت عمرا فوق عمرها، شعر بنغره فى صدره مجرد أن رآها، أشاح بنظره عنها لأنها لم تعد زوجته وهي لا ترتدى نقابها الآن.
♡الحمد الله، والله أكبر، وسبحان الله♡
"لو سمحت عايز بعشره جنيه لب"
"مفيش بعشره، أقل حاجه عشرين"
نظر له بتعجب، ولكنه أخرج النقود من جيبه وهو يعطيها له ويقول:
"خلاص هات بعشرين يعني هي جات على اللب"
أمسك الرجل اللب بيده وهو يقدمه له ويقول:
"طب إفتح أيدك"
طالعه أحمد بصدمه هل سيأخذه فى يده ام ماذا لذا أردف للرجل بتسآل:
"هو مفيش كيي؟ هاخده فى أيدي؟"
"مش مستاهله كيس يا أستاد، الأكياس غاليه وهم أصلا شويه يادوبك تاخدهم فى أيدك"
سقط يونس أرضا من كثره ضحكه على ملامح وجه أحمد المتشنجه وهو يفتح يده ويأخذ اللب منه على إمتعاض، والذي كان يقف بجواره.
جلس أحمد ومازل حزينا على العشرون جنيها الذي دفعهم بعدما أصر على أن يعزم يونس عليه، فقد إتصل به ألاخير وأخبره بأنه يريد التحدث معه فقد أصبحوا أصدقاء بعدما أسلم يونس.
"خد ياعم يونس كُل، يكشي يطمر"
عاد يونس للضحك مره أُخرى وهو لا يستطيع التوقف حتى ضحك معه أحمد هو الآخر
"شكرا لك حقا يا أحمد"
"مهو انت لازم تشكرني فعلا دا انا دافع عشرين جنيه مره واحده، دا انت لو خطيبتي مش هدفع فيك العشرين جنيه"
"هل ستقوم بإذلالي أحمد لأجل حفنه اللُب التي لن تكفي صغيرا حتي؟"
"لو مش عاجبينك هاتهم"
هم ليأخذهم ولكن سحبهم يونس منه مسرعا وهو يقول:
"لا، يعجبني كثيرا"
"أيوه كدا، ناس متجيش غير بالعين الحمرا، المهم قولى، مالك كدا.. شكلك ميصُرش.. انت آخر مره كلمتني قولتلي إنك رايح تتقدملها، رفضوك ولا اى؟"
أخذ نفسا عميقا وهو يقول بحزن:
"نعم أحمد، لم توافق"
وضع الأخير يده على كتفه وهو يقول ما جعله ينصدم.
🌸لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير🌸
وقفت روان أمام المنزل وهي تشعر الحرج فقد نسى معها زين جدول محاضراته داخل حقيبتها،
طرقت الباب عده طرقات بخجل حتى فُتح الباب
وكانت والدته هي من فعلت.
نظرت لها بتوتر ثم تحدثت بتلعثم:
أزيك.. ياماما.. انا بس.. هو زين نسى معايا الو... "
إرتفعت صوت ضحكاتها وقاطعتها وهي تقول:
"حيلك حيلك اهدي.. وهو انتِ جايه بيت حد غريب، دا بيت عمك وبيت جوزك فى نفس الوقت مش مستاهله التوتر دا كله"
هدئت قليلا وهي تبتسم لها، فقد بدأت أمه تتقبلها، فهي تغيرت كثيرا عن سابقها وتحديدا بملابسها التي بدت فضفاضه.
"تعالي يلا ادخلي على ما أشوف العيال فين"
شكرتها ثم دخلت المنزل بخجل، ولأول مره تدخله وهي زوجته، رحلت أمه وهي تنادي عليه ولكن خرجت ياسمين أولا وحينما رأتها ركضت نحوها بفرحه وهي تحتضنها بشده.
"وانا أقول البيت نور ليه كدا"
ظلت ياسمين تتحدث معها وتشاغبها ولكنها صرخت فجأه وهي تتذكر الحليب الذي تركته على النار، رحلت مسرعه وهي تعتذر منها.
وقفت وهي تظن بأنه ليس موجود همت لترحل ولكنها شهقت بفزع وهي ترى من يجذبها من يدها للداخل ويضع يده على فمها يمنعها من الصراخ.
نظرت حولها فوجدته هو، ومن غيره يفعل هذا، حاولت الفرار منه ولكن هيهات، فكان متمسكا بها بقوه وكأنها ستهرب،
"يازين أبعد مينفعش كدا أفرض حد جه، هيقولوا اى لو شافوني فى أوضتك كدا؟"
"هيقولوا اى؟ واحد وحابب يستفرد بمراته فيها حاجه دي؟"
علت ضحكاتها وهي غير مصدقه لتصرفاته الصبيانيه، هل هذا نفسه زين العاقل الذي لم يحادث بعمره فتاه؟
"اضحكي اضحكي، لاحظي إنك كدا بتجريني للرزيله، وانا الصراحه بحبها"
شعرت الخجل الشديد منه وقلبها يكاد يتوقف من خفقانه أثر قربه منها بهذا الشكل، أمسك يدها ثم وضعها على صدره وهو يقول:
"شوفي قربك مني بيعمل فيا اي؟"
كانت تستطيع سمع دقات قلبه من شده خفقانها وكأن أحد يجري خلفه، وصدره يعلو ويهبط، إبتسمت له، بينما هو إقترب منها أكثر وهو يتلمس وجهها وهم ليفعل شيء يندم عليه ولكن سمعا صوت ياسمين، لتبتعد عنه مسرعه وهي تخرج ووجهها أصبح محمر بشده
سمعت صوت ضحكاته وهو يخبرها بأنها زوجته، وللحقيقه هو لم يكن ليفعل شيئا لأنه مازال عقد وله إحترامه
حتى وإن كانت حلاله، ما كان ليفعل شيء يجعلها يُحرجها إن رأهم أحد، سوف يصبر حينما تكن زوجته بشكل رسمي وتأتي منزله وهي عروسه
نظرت لها ياسمين بتعجب لإحمرار وجهها بهذا الشكل وتوترها، إبتسمت بخبث وهي تسألها:
"مالك يا روان، وشك أحمر ليه كدا؟ "
تحسست وجهها بصدمه وهي تحاول نفي اى شيء وهي تقول مسرعه
"هاا وشي انا احمر... ليه، اقصد لاء.. بيتهيألك"
ضحكت عليها وهي تنظر لتغير وجهها أكثر
"هو الواد زين عملك اى جوه يخليكي تحمري بالشكل دا"
"لما تكبري هبقي أقولك"
قالها زين وهو يقترب منها ويضربها خلف رأسها بخفه لتقول هي بغيظ:
"ماشي بقى كدا... طب انا هدخل أقول لماما كنتوا بتعملوا اى جوه... ياماااام.."
وضع زين يده على فمها يكتم صوتها وهي تحاول الفرار من بين يديه، ثم يخرج بعض الاموال من جيبه ويعطيها لها كي تصمت، نظرت للاموال الذي في يدها لتقول له وهي ترحل:
"خدتك بالعوافي يازين ياخويا، أسيبك بقى تكمل إستفراد بيها"
بينما روان كانت تنظر لها بصدمه ولا تصدق بأن هذه ياسمين الذي أمامها، هل الجميع تغير، أم هي لم تكن تنتبه لهم؟ ولكنها ضحكت بخفوت على تعامل زين منها، وتأكدت بأن ياسمين هي أكثر فتاه مناسبه لعمر
اقترب منها مره أُخري بعد إنصراف ياسمين وهو يقول بعبث
"ها كنا بنقول اى قبل ما تقاطعنا؟"
إبتعدت عنه هذه المره مسرعه وهي تقول:
"هتتلم يازين ولا أنادي أمك؟"
نظر لها بتشنج من كلمتها الاخيره تلك ليهتف بتهكم:
" أنادي أمك؟ وانا اللي أفتكرتك هتتكسفى وتحمري زي العاده، متقعديش مع ياسمين أختي تاني"
ضحكت على ملامحه بشده لتقول من بين أنفاسها:
"نستني كنت جايه ليه، اتفضل الحاجات اللي نسيتها معايا"
"ومين قالك إني نسيتها"
"يعني اى؟"
غمز لها بطرف عينيه وهو يبتسم بطريقه جعلته أكثر وسامه:
"مهو أنا سبتهم معاكي علشان تجيبهلي"
"انت طلعت مش سالك يا زين وانا اللي كنت فاكرك طيب"
إرتفعت صوت ضحكاته عليها حتي ضحكت هي الاخري
بينما هو ظل ينظر إليها وهو يحمد ربه عليها
مازال غير مستوعبا أنها أصبحت زوجته وحلاله، من ظل طوال عمره يحافظ عليها حتى من نفسه، كم تعب وجاهد لأجل الا يفعل شىء يغضب ربه وهي أمامه طوال الوقت
كان يمنع نظره عنها وقلبه لا ينظر إلا لسواها، وها هي أمامه وحلاله يمتنع نظره منها ولا يخشى شىء
أمسك يدها وهو يقبلها بحب ثم إقترب ليقبل وجهها
ولكنه سمع صوتا من خلفه أفزعه وهو يقول:
رواية وسولت لي نفسي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم روان الحاكم
أمسك يدها وسار معها لأعلى فوق السطح يُتابعان النجوم التي تُزين السماء بحب، ينظر لها تارة، وللنجوم تارة أُخرى.
ويالا قلبه من تحمل كلا المشهدين.
كان الصمت يعم المكان عدا صوت أنفاسه العالية وكأنه يركض منذ زمن، ولكنه لا يركض بأقدامه وإنما بقلبه الذي أحبها بكل جوارحه حتى صار متيمًا بها لأبعد حد.
كانت تقف تحت ضوء القمر الخافت والذي يعكس ضوئه عليها، لتكون أمامه صورتها الجميلة، وهو لا يفعل شيئًا سوى أن يتأملها دون أن يكل أو يمل، وكأنها لوحة فنية، وهي للحق لوحته الفنية التي أبدع فيها الخالق.
لتقول هي بتوتر تكسر الصمت:
"هتفضل باصصلي كدا كتير؟"
"أيوجد شيء أجمل منك لأنظر له"
تحدث معها بلغة عربية مُنقّاة، لا تعلم مما خُلق هذا الرجل، والذي في كل مرة يسلب عُلقها بحديثه التي تعجز عن إيجاد ردًا له.
وللحقيقة هو لم يكن بحاجة لردها.
"أفضل بس كل شوية تكسفني، مش كفاية اللي عملته تحت"
قالت حديثها بغيظ منه، بينما هو علت ضحكاته عليها وهو يتذكر حينما كانا أسفل وهم ليُقبّل وجنتيها ولكن رآهم والده، والذي أخذ يضحك على توتر ملامحهما ثم تركهم ورحل.
"لأ دا بابا عادي، منا ياما كنت بقفشه هو وماما، قام هو حب يردهالي يعني"
ضحكت وهي تتخيل ما يقول، ثم تذكرت شيئًا هامًا لتقول:
"صح يا زين... أنا لما دخلت أوضتك قبل كدا شوفتك معلق صورة على الحيطة ومعاك بنت، مين دي؟"
أغمض عينيه وهو يتذكر تفاصيل هذا اليوم والذي حُفر في عقله.
مشهدها وهي تدور حول نفسها بتلك الملابس فضفاضة لأول مرة.
ليهتف:
"أنتِ"
نظرت له بتعجب، كيف تكون لها وهي لا تتذكرها لتسأله مرة أخرى:
"بس أنا مش فاكرة الصورة دي، كنت أول مرة أشوفها.. وبعدين مش هو تعليق الصور حرام برضه؟"
أومأ لها ليؤكد صدق حديثها وهو يقول:
"هو فعلًا حرام... فاكرة لما قولتلك خلاص مينفعش نتكلم ولا تدخلي أوضتي ولا أنا أدخل أوضتك علشان خلاص كبرتِ ومبقاش ينفع؟ ساعتها الموضوع نفسه كان صعب بالنسبالي ومكنتش عارف هقدر أتحمله ولا لأ.
كنت شايل الصورة دي معايا فعملتها برواز وعلقتها لحين ما أنتِ تيجي، لكن بعدين عرفت أن تعليق الصور حرام وأنا وقت ما علقتها كنت لسه صغير ومكنتش أعرف.
بعد ما عرفت كل مرة كنت باجي أشيلها صدقيني مكنتش بقدر، وغصب عني سبتها ومقدرتش أشيلها، وانتظرتك أنتِ لما ترجعيلي بس وأنتِ زوجتي ساعتها هقدر لأنك خلاص بقيتي جنبي"
ظلت تنظر له دون أن تنطق، يالله هل عانى كل هذا لأجلها؟ وهي من كانت تغضب منه وتنهره وكرهته لأنه ابتعد عنها وكرهت الالتزام لأنه كان السبب!!
أمسكت يده وهي تنظر في عينيه ثم هتفت بقوة:
"دا مش مبرر ليك يا زين يخليك تغضب ربنا علشان حد حتى لو كان الحد دا أنا، عصيت الخالق لأجل مخلوق؟ مش يمكن كان ربنا قبض روحي في أي لحظة؟ مهما بلغ حبك ليا يا زين... أوعى تعصي ربنا علشاني أو علشان أي حد مهما كان"
نظر لها بصدمة ولم يصدق أن ذلك الكلام يخرج منها هي تحديدًا، رُغم أنه كان يشعر بالذنب طوال الوقت، إلا أنه ظن أنها ستسعد بهذا الكلام، ولكنها خيبت ظنه مما أدخل السرور على قلبه وهو يهتف بحنو:
"دلوقتي بس اتأكدت إني اخترت صح... اخترت اللي تعيني على طاعة ربنا مش متجوزها لمجرد إني بحبها"
ابتسمت له وكم تشعر بالسعادة أيضًا ثم قالت:
"ودلوقتي يلا بقى علشان نروح نشيل الصورة"
أومأ لها بحب وهو يمسك يدها ثم سار معها وقد نزلا إلى أسفل ثم دخل غرفته مجددًا وهي معه، ولكنها لم تدخل وتوقفت على الباب، ليضحك بشدة وهو يهتف:
"تعالي أدخلي مش هعملك حاجة متخافيش، لو عايز أعمل حاجة كنت عملتها فوق السطح واستغليت إنه مفيش حد.. لكن أنا مؤدب لحد ما يتقفل علينا باب واحد وساعتها بقى..."
ترك باقي جملته مُعلقة وهو يغمز لها مما جعلها تشعر بالدوران أثر تخدر وجهها، وهي تشعر بالخجل الشديد منه.
ضحك مجددًا على ملامحها ولم يُرد أن يُحرجها أكثر ثم أمسك الصورة وأنزلها من على الحائط وقام بوضعها داخل خزانته، ثم اقترب منها وهو يقول ببسمة:
"حلو كدا؟"
أومأت له وهي تبتسم أيضًا ثم تذكرت شيئًا آخر لتقول:
"صح.. نفس اليوم دا، ليه لما شوفتني في أوضتك اتعصبت ومشيت وانت بترزع الباب زي الطور الهائج.."
قطعت حديثها وهي ترى نظراته الحادة نحوها ولكنها ضحكت وهي تُكمل:
"والله مش قصدي.. بس وقتها فعلاً مشوفتكش غير كدا، مهو مكنش فيه مبرر للي عملته، حتى ياسمين سألتها قالتلي بسبب إني غيرت في مكان بره وسبب تاني، ودا مكنش سبب مقنع أوي يخليك وتعصب بالشكل دا، قالتلي هبقى أقولك وقتها ومقالتش"
"أولًا هعاقبك على لسانك اللي بينقط عسل دا بس مش هنا، في بيتنا وبطريقتي،
تاني حاجة بخصوص إني مشيت متعصب فهو من ضمن الأسباب إنك غيرتي لبسك برا ودا غلط، مينفعش تكوني بنت مسلمة وتغيري لبسك خارج بيتك وعند حد وخصوصًا لو عندهم رجال حتى لو مش موجودين مينفعش،
لكن كان السبب الأكبر وقتها لما شوفتك بتلفي وكنتِ لابسة محتشم لأول مرة وقتها مقدرتش أشيل عيوني من عليكِ لحد ما فوقت لنفسي وإن دا غلط وأطلقت بصري،
وكان لازم أمشي وقتها لأن لو فضلت الله أعلم كان ممكن أعمل إيه"
"كان ممكن تعمل إيه؟ أنت بالذات يا زين أكتر إنسان محترم أنا شوفته في حياتي وبتخاف ربنا ومستحيل تعمل حاجة غلط"
"لكن أنا برضه بشر مش حجر، لما أشوف الإنسانة اللي محبتش غيرها في أوضتي وشكلها حلو أوي وبتلف وأنا إنسان أعزب مش من حقي أضعف؟ إذا كان سيدنا يوسف واهو نبي ربنا قال (وهم بها لولا أن رأى بُرهان ربه) يعني هو كان كان هيضعف بس ربنا أنقذه، فمجيش أنا أقف قدام الفتنة وأقول هقدر أصل أنا شيخ وملتزم! مش صح لأن كلنا بشر ومش حجر يا روان لكن بنحاول نتقي ربنا على قد ما نقدر، وعلشان كدا ربنا أمرنا بغض البصر، لأني لو مكنتش بصيتلك وقتها مكنتيش فضلتِ معلقة في عقلي ومكنتش قادر أشيلك من تفكيري وأنا شاب وملتزم أهو، بالك بقى باللي بعد خالص، رغم أنه كان غصب عني لأني اتفاجئت بيكي قدامي مكنتش أعرف أنك موجودة!!"
هُنا فقط استشعرت أهمية غض البصر، يالله..، الله لا يُحرم علينا شيئًا إلا وهو خيرًا لنا.
التفت لمن يضع يده على كتفه ليجده رجلاً عجوزًا لا يعلم كيف ظهر أمامه ويبدو عليه الوقار، جلس جواره وهو يبتسم له ثم قال:
"يعني تبقى قاعد في بيت ربنا وشايل هم الدنيا والآخرة؟"
نظر له ولم يتحدث، لقد أخطأ العجوز، فمنذ متى وهو يحمل هم آخرته؟ فقد دنياه هي ما تشغله، لم يفكر ولو لمرة واحدة في آخرته.
ابتسم له بحزن وهو يقول:
"وهي الدنيا فيها حاجة تفرح ياعم الشيخ"
"معاك حق، هي فعلاً الدنيا مفهاش حاجة تفرح"
رفع بصره نحوه مرة أخرى وهو متعجب، فقد ظن بأنه سوف يقص عليه جمال الحياة ولكنه خيب ظنه، ضحك على ملامحه المتعجبة ليقول مرة أخرى:
"مالك اتصدمت له كدا.. هي فعلاً الدنيا مفهاش حاجة تفرح، ربنا كمان هو اللي قالنا (يا أيها الإنسانُ إنك كادحاُ) الدنيا دي يابني دار شقاء، الراحة في الجنة بس، لكن تعرف إيه بقى هو الشقاء اللي بجد؟"
انتبه له بكل حواسه وهو يستمع له بإنتباه، ليُكمل هذا العجوز كلامه مرة أخرى وهو يقول:
"إنك تكون بعيد عن ربنا ومبتصليش، هنا بقى يجتمع عليك شقاء الدنيا وشقاء الآخرة، أوعى في يوم يا بني تنسى إنك جاي الدنيا دي علشان تبني لنفسك مكان في الجنة،
أوعى تخلي الدنيا تلهيك عن آخرتك، أصل الدنيا دي كدا كدا فانية وكلنا هنموت، يعني دي نتيجة حتمية، متخليش الشيطان يضحك عليك،
فوق لنفسك قبل فوات الأوان يابني ووقتها مش هيكون فيه حتى فرصة للندم أو أنك تتغير."
أومأ له وهو يستشعر حديثه، ثم تحدث هو أخيرًا وهو يبتلع ريقه ويقول:
"طب لو خانقت مع والدتي علشان مش عايزة تجوزني البنت اللي أنا بتمناها وأنا زعقت معاها وغلطت لكن هي كمان غلطت..."
"متكملش، وهي كمان إيه؟ غلطت فيك؟ وأنت عايز تعامل أمك زي ما هي عاملتك حتى لو غلطت فيك؟ نسيت إن ربنا قال (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) نسيت فضل أنها حملت فيك تسع أشهر وربتك وعلمتك وياما سهرت عليك ليالي؟ وكل دا ناكر فضلها؟
الأم مش عايزة غير سعادة ابنها، كنت تقدر تحايلها لحد ما توافق وهي مكنتش هترفض، لكن متقومش تقاوح وتخانق فيها وتبقى ابن عاق، تخيل لو ماتت وهي غضبانة عليك دلوقتي، هتكون ميت مرتاح؟"
"فوق لنفسك يا عمر قبل فوات الأوان علشان متفوقش في وقت مينفعش فيه الندم"
تعجب كيف علم اسمه، هم ليسأله عن اسمه ولكنه اختفى فجأة في العدم، مثلما ظهر أيضًا من العدم.
انتفض بفزع وهو يستيقظ من النوم ووجد نفسه مازال في المسجد، يالله هل كان هذا حلم؟
يقسم أنه يتذكر تفاصيله وكأنه كان حقيقة، وهذا.. وهذا العجوز ذو اللحية البيضاء والذي يشع النور من عينيه لم يكن حقيقة؟
ذهب ليتوضأ وهو يتذكر كلام ذلك الرجل الطيب والذي أتى له لينتشله من الظلام الذي كان يُحيط به، وقف يُصلي بخشوع وهو يبكي كطفل صغير مذنب، ظل يدعو الله أن يغفر له ويسامحه على ما اقترف في حقه من ذنوب وما قاله لوالدته.
وعلى ذكرها، أنهى صلاته وهو يتجه للمنزل مرة أخرى وينوي إصلاح ما أفسده، دخل المنزل والذي وجده يعم بالسكون، دخل غرفتها حتى وجدها تجلس على السرير ومجرد أن رأته حتى أشاحت بنظرها عنه وهي تمسح دموعها، يالله وصلت به لأن يكون هو سببًا في بكائها.
اقترب منها بألم وسار نحوها وهو مطأطأ رأسه أسفل دلالة على اعترافه بما اقترف في حقها.
"ماما"
نطقها بحزن شديد وهو يجلس جوارها ولكنها لم تجب عليه، مما جعل دموعه تتساقط ثم بكى وهو يضع رأسه على قدمها وهتف ببكاء:
"أنا.. أنا آسف والله مش عارف قولتلك الكلام دا إزاي، أنا بس كنت زعلان منك علشان مبقيتيش تهتمي بيا زي زمان وانتِ عارفة أنا متعلق بيكي قد إيه، ومتعود على دلالك واهتمامك بيا لأني ابني الوحيد"
كانت ستضعف وتسامحه ولكنها يجب ألا تسامحه بسهولة فهو قد أخطأ في حقها لذا ظلت صامتة.
احتضن وجهها بين كفيه وهو يقول بدموع:
"علشان خاطري يا ماما أنا آسف قولت كدا علشان كنت متعصب، وخلاص مدام مش عايزاني أتجوزها مش هتجوزها"
رفعت بصرها له لتتأكد مما قال، ليهز رأسه يؤكد لها صدق حديثه، تهللت أسارير وجهها بفرحة لكونه اختارها هي ولم يختار تلك الفتاة، والذي شعرت منها بالغيرة الشديدة لأنها كانت السبب فيما حدث منذ قليل.
أخذته في حضنها أخيرًا ثم قالت بدموع:
"أنا محبتش حاجة في الدنيا دي أكتر منك يا عمر، حتى ولو كنت بنشغل عنك كتير، لكن أنت عمري وحياتي كلها، أنا كمان آسفة علشان انشغلت عنك وصدقني هسيب كل حاجة وأفضل جنبك، متتخيلش اللي قولتهولي من شوية قطع قلبي إزاي واتمنيت الموت ولو إني أسمعك تقولي الكلام دا"
كانت تتحدث بصدق فهي رغم انشغالها عنه سيظل هو طفلها المدلل، ظل عمر داخل أحضانها حتى هدأ واستكان ثم نام في أحضانها.
فقد عاتب كلا منهما الآخر وأخرج ما يحبسه في صدره منذ زمن وهو يراها منشغلة عنه، وها هي عادت المياه لمجراها من جديد.
تحدث "أحمد" وهو يجلس مقابله ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
"مفيش حاجة هتحصل عليها بالساهل يا يونس، دا غير فيه حاجة مهمة لازم تعرفها"
صمت وهو يرى نظرته التي تحدثه على الاستكمال، ليُكمل وهو يحاول أن ينقي كلماته لكي يستطيع أن يوصل له ما يريد بطريقة بسيطة.
"بما إنك لسه داخل الإسلام جديد، لو لاحظت هتلاقي حياتك الأول كانت ماشية زي الفل، لكن بعد ما أسلمت هتلاقي بيحصل معاك ابتلاءات كتير،"
نظر له بتعجب فهذا ما كان يفكر به، وقد ظن أن بدخوله للإسلام سوف يحصل على كل ما يريد، وكأن الآخر قرأ ما يفكر به ليكمل حديثه:
"ودا بقى الفرق بين المسلم وغير المسلم، لأن غير المسلم لما بيعمل خير في الدنيا ربنا بيرده له في الدنيا برضه علشان يوم القيامة لو قال لربنا أنا عملت كذا، ربنا هيقول له وأنا رديته لك في كذا،
أما المؤمن بقى فأجره في الآخرة وكل خير بيعمله هيترد له في الآخرة،
المؤمن دايما على ابتلاء يا يونس، ودايما ربنا بيحطه في اختبارات علشان يشوف صدق توبته،
مش يمكن أنت تكون أسلمت علشانها؟ مش لازم ربنا يختبر صدق توبتك أنت أسلمت علشان عايز تبقى مسلم ولا علشانها؟"
"لا أحمد، أقسم لم أدخل في الإسلام لأجلها"
"هتعرف مع الابتلاءات بقى يا يونس، هنشوف هتقدر تتحمل فعلاً ولا لأ، هتصبر وتحتسب أجرك عند ربنا ولا لأ،
اعرف أنك هتقابلك عواقب كتير، أتمنى أنك تقدر تتخطاها وتكون صبور"
كان يونس يستمع له وكل خلجة من خلجاته منتبهة له، ليزيد كلام "أحمد" من حماسه، نعم سوف يصبر ويحتسب كل هذا عند الله، لقد قرأ كثيرًا عن الجنة وأحبها لذا فهو على أتم الاستعداد لتحمل أي شيء مقابل الجنة.
وبخصوص رغد فهو سوف ينتظرها لحين موافقتها، ولكن هل سيتطيع فعلاً أن يتحمل ما سوف يواجهه؟
نظر "لأحمد" بامتنان كبير وقد أحبه بشدة، فهو قد ارتاح له منذ أن كانوا مجتمعين معًا وأصبحا أصدقاء.
"شكرًا لك كثيرًا يا أحمد"
سارت الأيام سريعًا دون حدوث شيء جديد.
حيث تعمقت علاقة كلا من أحمد ويونس وأصبحا أصدقاء.
ورغد تواظب على قراءة سورة البقرة وقد تحسنت كثيرًا، أصبحت حالة روان سيئة والمرض بدأ مفعوله معها مبكرًا وزين لم يتركها أبدًا.
عمر تحسنت علاقته كثيرًا بوالدته وتركت كل شيء لأجله.
أما عن ليث فلم يسع العالم فرحته بعودة أمه لها ومازال ينعم بدفء أحضانها وقد عادت للنطق من جديد.
وتم عقدها مرة أخرى على زوجها السابق، ورغم فرحته برجوعها إلا أنه طوال الوقت يُعاتبها بعينه لأنها تركته لتتحمل هي كل ما حدث وحدها ولن تشاركه ليتحملان سويًا.
دخلت حجرته تناديه ولكن وقع قلبها بفزع وهي تجده يبكي بحزن، اقتربت منه تحتضنه وهو يربت على رأسه ثم قالت:
"مالك يا عمر.. إيه اللي حصل بتعيط ليه"
مسح دموعه وهو يُخفي وجه عنها ثم قال:
"م.. مفيش حاجة يا ماما"
"لو مقولتش مالك وزعلان ليه أنا مش هكلمك تاني"
نظر له لثوانٍ وهو يهتف بحزن:
"وحشتني أوي يا ماما، صدقيني أنا حاولت أنساها بس مش قادر، حاسس إني هموت من غيرها"
قال حديثه ثم أجهش في البكاء وهو مازال داخل أحضانها، ترغرغت الدموع في عينيها هي الأخرى، ولدها يعاني بسببها ويبدو أنه حقًا يحب تلك الفتاة. ورغم أنها لا تحبها إلا أنها لن تقف في وجه سعادة ابنها:
"خلاص يا عمر طالما بتحبها أوي كدا اتجوزها بس أنا مش هحضر الفرح لأني مبحبهاش ومش هكون راضية عنها"
"لأ يا ماما أنا مقدرش أعمل حاجة وأنتِ مش راضية عنها حتى لو مش هتجوز خالص يكفيني إنك معايا حتى لو هعيش عمري كله حزين وهي مش معايا"
تأثرت هي بشدة بينما هو عاد للبكاء مرة أخرى وهو يستغل تأثرها وصوت بكائه يرتفع، لتقول هي بتهكم:
"وأنا مقدرش أكون سبب لتعاستك يا عمر، خلاص أنا موافقة عليها مدام أنت بتحبها"
ليبتعد عنها أخيرًا وهو يمسح دموعه بخبث وقد نجحت خطته دون أن يخسر رضاها، أمسك تلك القطرة وهو يدخلها في جيبه فقد وضع منها حينما فشل في البكاء.
"أنتِ أحلى أم في الدنيا كلها وأنا بحبك أوي يا ماما"
سعدت حينما رأت فرحته والتي كانت نابعة من داخله بصدق، فلن يكون عمر إذا تخلى عن شيء يريده بتلك السهولة، ولكنه تصرف بذكاء كي يكسب رضاها ولا يخسرها.
فهو يستغل حبها له منذ أن كان صغيرًا ويتصرف هكذا حينما كانت ترفض شيئًا.
وضع الطعام في فمها رُغمًا عنها، وذلك لأنها مؤخرًا لم تعد تأكل جيدًا وقد تدهورت صحتها كثيرًا وظل هو جوارها وترك كل شيء لأجلها.
"يا زين خلاص كفاية والله ما قادرة، شبعت"
نظر لها بطرف عينيه وهو يقدم لها الملعقة لتأخذها تحت نظراته المهددة، وبعدما أطعمها قام ليلبسها حذاءها ولكنها رفضت بشدة، بينما هو لم يسمع لها ثم ألبسها إياه.
"وكدا يلا علشان منأخرش على الدكتورة"
أومأت له وهي تمسك بيده وتستند عليه حتى وصلا إلى السيارة، فتح لها الباب وساعدها للجلوس ثم ركب هو الآخر وساق للمكان المنشود.
طرق باب الدكتورة بعدما انتظرا دورهما حتى أتى ودخل زين وحده بناءً على طلب الطبيبة ولكنه قد تأخر، لتقوم هي وتراه.
كانت تشعر بالتوتر الشديد هذه المرة ولا تعلم السبب وقفت أمام الباب والذي كان مفتوحًا قليلًا وهم لتطرقه أولًا ولكنها سمعت ما جعلها تترنح في وقفتها:
"للأسف الشديد حالتها بتتدهور وبقى احتمال ضعيف شفائها من المرض لأنه تمكن منها"
ولكن كان الأعجب من حديث الطبيبة هو رد فعل زين.
عند رغد كانت تجلس تفكر في كلام الطبيبة بشرود وقد اتخذت قرارًا ما، وجدت "محمد" والد حور يقترب منها وهو يسير ويستند على عكازه فقد تحسنت حالته كثيرًا عن السابق، اقتربت منه تُساعده على الجلوس ثم جلست هي الأخرى.
"كويس إنك جيت يا عم محمد علشان كنت عايزآك في موضوع"
ابتسمت بحنان لذلك الرجل الذي لا توجد بينهما صلة قرابة بالدم، ولكنه كان خير داعم لها وكأنها ابنته التي لم ينجبها.
"خير مش مرتاحلك"
"حقك بصراحة لو أنا منك مش هرتاحلك"
ارتفعت ضحكاته على مشاغبتها ثم هتف بحنو:
"أنتِ قوية يارغد، وهتقدري تتخطي كل دا أنا متأكد"
وكأنه قرأ ما تفكر به، لتُجيبها بتهكم:
"كنت... كنت قوية ياعم محمد، من ساعة ما جيت وتحديدًا لما قعدت وسطكم وشوفت حنانكم وأنا بقيت ضعيفة، زي ما يكون ما صدقت لقيت كتف أتكأ عليه وأنا واثقة إني لو وقعت هلاقيكم،"
"طب ما دي حاجة كويسة"
نظرت له عدة لحظات ثم أردفت:
"لأ ياعم محمد مش حاجة كويسة، أنا مبقتش حابة اللي أنا فيه دا، حتى لو خسرت عيلتي كلها أنا لسه عندي نعم كثيرة أوي لا تعد ولا تحصى واللي للأسف أنا مش قادرة أستمتع بها"
"ومش قادرة تستمتعي بيها ليه؟ دي فترة وهتعدي"
"عارف لما تفضل متماسك متماسك وأول ما حد يقولك مالك تفضل تعيط؟ اهو دا بقى نفس حالتي من لما جيت هنا شوفت الحنان اللي افتقدته، وكأنكم بتعاملكم معايا اديتولي الرخصة إني أخرج كل أحزاني وبقيت شخصية ضعيفة هشة،
أنا عايزة أرجع رغد القوية المرحة اللي مفيش حاجة بتأثر فيها، هناك أنا كنت قوية لأننا عايشين وسط الحروب والدمار لأ وكمان حامدين ربنا وراضيين وطول الوقت واحنا متوقعين نفقد أي حد من عيلتنا.
لكن رغم دا كله صبورين ومعندناش وقت إننا نحزن ونكتئب، عندنا صبر عجيب ياعم محمد لدرجة لما شهيد بيموت احنا في جنازته بنزفه كأنه عريس رغم حزننا عليه، بس كفاية إنه رايح الجنة عند ربنا بعد ما تعب بما فيه الكفاية.
لكن أنا بقيت فين من كل دا؟ بقيت ضعيفة وهشة وحاسة كمان بعدم الرضا أو بالضيق مني للضعف اللي بقيت فيه؟
متغافلة جميع نعم ربنا عليا"
"متشيليش نفسك فوق طاقتها، بكرة يعدي كل دا وتتجوزي الواد يونس ويبقوا عندكم عيال وأسرة وتعيشوا مبسوطين"
وعلى ذكر اسمه لاحت منها ابتسامة خافتة وهي تتذكره، وللحق فقد اشتاقت له بشدة، لتُجيبه وهي تقول:
"للأسف ياعم محمد مش كل حاجة بنكون عايزينها بنحصل عليها، كل اللي بتقول عليه جميل، لكن مش هقدر عليه وأنا كدا، لازم أرجع لرغد القديمة، البنت اللي شوفتها أول يوم جات فيه البيت دا، مش اللي قاعدة قدامك دي، ودا مش هيتحقق غير بطريقة واحدة"
نظر لها وهو يحاول فهم ما ترنو إليه واستبعاد تلك الفكرة التي أتت إلى عقله، ولكنها هزت رأسها تؤكد له ما يُفكر به.
ثم وقفت وسقطت دمعة من عينيها وهي تقول ببسمة ممزوجة بألم:
"أيوة يا عم محمد... أنا هرجع فلسطين"
رواية وسولت لي نفسي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم روان الحاكم
هل هذا يعني أنها ستم.. لم تقوى على إستكمال الكلمة وأخذ جسدها ينتفض بشكل لا إرادي.
لم يكن حديثها بأعجب من رد فعل زين الذي أثار دهشتها حقا، فقد توقعت أنه سينهار. يضعف ولكن رأته يبتسم وهو ينظر للطبيبة ثم تحدث ببسمة لم تُفارق وجهه:
"وانا واثق في شفائها بالأحتمال الضعيف دا زي ما انا واثق أنك قاعدة قدامي دلوقتي"
ابتسمت بألم وهى ترى تمسكه بها حتى إنه يرفض رفضاً باتاً ما تقوله تلك الطبيبة، رُغم أن جميع الأشعة تُؤكد على قُرب هلاكها.
لا تعلم كيف سيكون حاله إن أصابها شىء، تخشى الموت بقدر ما تخشى فراقه. لم تقترب من ربها بالطريقة التي تريدها، لم تتم حفظ القرآن ولم ترتدي النقاب، لم تنجب الأطفال التي تمنتهم يوماً وحلمت بهم، وأخيراً زينها التي مازالت بحاجة لقربه جوارها، لم تشبع من حنانه ودفء أحضانه بعد، هل سيسلب منها المرض كل هذا؟
ابتسمت بألم وهي تعود لمكانها وتشعر بثقل شديد في جسدها، وكأنها كبرت عمراً فوق عمر. تشعر بأن قلبها يتمزق، تود لو أن تستطيع البكاء والصراخ ولكنها غير قادرة.
وجدته يقترب منها وهو يبتسم لها كي يعطيها الأمان، الأمان نفسه الذي يفتقده هو!!! فقد رأت الدموع المحبوسة في عينيه والتي يبدو أنه جاهد كثيراً لكي يمنعها من الهبوط.
أمسكت يده بقوة هذه المرة وكأنها تؤكد عليه بأنها لن تتركه، يكفي ضعف إلى هذا الحد، حتى وإن كان نهاية هذا المرض هو هلاكها... فلتعش ما تبقى من عمرها بين من تحبهم وتستمتع بالأيام المتبقية لها.
"انا كلمت عمر وهو هييجي يستناكِ لحد ما تخلصي الجلسة، انا جالي مشوار ضروري اووي هخلصه على طول وأرجعلك"
أومأت له بهدوء وهي مثبتة نظرها على عينه التي نظرت في كل مكان عداها. ابتسمت له وهي تعلم أين سيذهب. أجل يكفي هذا، فهو قد عانى معها وتحمل ما يكفي فوق طاقته، حتى نفذت ولم يعد قادراً حتى على مواساة ذاته.
لم ينطق أحدهما حرفاً واحداً، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على شفاء جروحهما. أتى "عمر" وهو يقترب منها ويحضنها ليهتف زين:
"خلي بالك منها واستناها هنا لحد ما تخرج وأنا مش هأخر"
"استناها ليه؟ أنا هدخل معاها"
رد عليه بملل وهو يقول:
"مينفعش تدخل"
سأله مجدداً وهو يقول بتعجب:
"امال انت دخلت ازاى؟"
أجابه وقد شعر بأن صبره نفذ ليقول على عجالة وهو يرحل:
"علشان أنا دكتور، خلي بالك منها لحد ما أجي"
تركهم ورحل وهو يشعر بثقل شديد في صدره حتى لم يعد قادراً على أخذ أنفاسه بشكل منتظم. وصل للجهة المنشودة ثم نزل من سيارته وهو يسير بوهن حتى دخل المكان وهو ينزع حذائه. وجده يجلس وهو ممسكاً بمصحفه ويتلو بعض آيات الله، وعلى الرغم من أن صوته ليس بالجمال البالغ كصوت زين، إلا أنه يكفي تلاوته لآيات الله لتبث الأمان داخله.
جلس أرضاً أمامه ينتظره حتى ينتهي وهو ينظر أسفل ومطرق رأسه كطفل صغير مذنب وعيناه حمراء من شدة حبسه لدموعه التي أبت أن تهبط حتى لا يشعر بالضعف أكثر وينهار.
انتهى أخيراً من تلاوته ثم أغلق المصحف وهو يردد ما يقوله بعد الانتهاء من القرآن:
(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)
رفع بصره نحو الجالس أمامه ليجده على حافة الإنهيار ولكنه مازال يحاول المقاومة، ليقول بهدوء:
"شايفك يعني بدأت تستسلم، امال فين اللي هستحمل علشانها ومش هيأس وواثق أنها هتخف، شايفك بدأت تيأس يعني؟"
لم يجبه ولكنه مازال يضغط على أعصابه كي يمنع تلك العبرات من السقوط.
ليُكمل شيخه مرة أخرى وهو يردف:
"العياط عمره ما كان ضعف، عيط علشان ترتاح... طول ما انت كاتم العياط كدا هتيجي في مرة وتنفجر، بلاش تراكم جواك، انت بشر مش حجر، متضغطش على نفسك أكتر من كدا"
وكأن دموعه تعانده، ظل صامتاً ولم يتحدث. ظل يأخذ أنفاسه وكأنه يحاول إدخال أكبر قدر من الهواء داخل رئته.
تحدث أخيراً بصوت متحجر:
"مبقتش قادر صدقني، أنا بشوفها بتموت بين أيديا، أنا ممكن أتحمل أي وجع في الدنيا إلا وجعها هي لدرجة بتمنى لو أنا اللي كنت مكانها مش هي"
"الابتلاء ده ليك أنت يا زين قبل ما يكون ليها، أنت علقت قلبك بغير الله، حبيتها أكتر من أي حاجة وأنت عارف إن ربنا بيغير على عباده، لما بيلاقي عبد علق قلبه بحاجة غيره بيحرمه منها علشان يرده ليه تاني ويعرفه إن حتى قلبه ده بين إيدين ربنا، ودي الحقيقة اللي أنت كنت عمال تهرب منها"
رفع أنظاره له مرة أخرى وهو يبتلع ريقه بألم، ليُكمل الآخر حديثه وهو يهتف:
"كنت بتضحك على نفسك يا زين لما مترضاش تتقدملها ولا كنت بتضحك على مين؟ على أساس كدا هتشيل حبها من قلبك؟ وأنت عارف كويس أوي إنه مينفعش تعلق قلبك بغير الله"
يعلم بأنه محق، فهو حين رفضها كان لأجل هذا السبب، لأجل ألا يُحرم منها.
أردف هو يفكر في حديثه:
"صدقني كان غصب عني، قلبي مش بإيدي"
"لأ يا زين، ربنا يابني مبيكلفش حد فوق طاقته، وسبحانه وتعالى مش بيأمرنا بحاجة غير وهي خير لينا، تقدر تقولي لو لقدر الله حصلها حاجة هتعمل إيه؟"
انقبض قلبه برعب وشحب وجهه وشعر بأن الهواء يُسحب من حوله، لمجرد التفكير في الأمر. لا... بالتأكيد لن يفقدها. وكأنه يُخبره بأنه سيأخذ منه روحه.
"عرفت بقى ليه مينفعش نعلق قلبنا بحاجة غير الله؟ لأن مفيش حاجة هتدوم وكله وارد في لحظة يسيبك، إلا ربنا سبحانه وتعالى هو الوحيد اللي باقيلك، الحب مش حرام يا زين، الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه كان بيحب السيدة خديجة جدا وياما وقفت جنبه كتير رغم حبه ليها لما توفت هل ترك الدعوة وساب حياته؟ لأ رغم أنه حزن عليها حزن شديد بس كمل لأن قلبه متعلق أكتر حاجة بالله وكان جزاء صبره رحلة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن.
الإمام الشافعي -رحمه الله- بيقول: كلما تعلقت بشخص تعلقاً؛ أذاقكْ الله مرّ التعلق؛ لتعلم أن الله يغار على قلب تعلق بغيره، فيصدٌك عن ذاك ليرٌدك إليه، أنا مش بطلب منك متحبهاش، لأ حبها وقوي كمان بس متفضلهاش على حب ربنا، ولا تخلي قلبك مشغول بيها ولعلى ده اختبار ليك من عند ربنا سواء عاشت أو ماتت، ده اختبارك في الحياة يا زين"
يعلم بكل كلمة تفوه بها، ولكنه كان يهرب من كل هذا. نعم هو أحبها بشدة لدرجة أصبح يفضل حبها على كل شيء، لذا حتى ولو كان عقابه أنه سيُحرم منها هذا سيكون جزاته، ومدرك أيضاً أن هذا هو الخير لهما. لعلى الله يريد أن يجمعهما في الجنة.
"ودلوقتي قوم روح ليها علشان هي محتجاك، استغفر ربنا وأدعيه يشفيها لأن سبحانه وتعالى هو الوحيد القادر على شفائها"
أومأ له ثم قام أولاً ليصلي ركعتين لله. ذهب ليتوضأ ثم شرع في الصلاة، وهذه المرة بمشاعر جديدة وهو يُقبل على الصلاة بحب. لم يتذكرها في صلاته ويشرد كما بات يفعل في الآونة الأخيرة، بل فقط يصلي بقلبه.
سجد ومجرد أن وضع جبينه على أرضية المسجد حتى تساقطت دموعه وهو يستغفر ربه، وحال لسانه يقول: "أنا راضِ يارب". هو راضٍ حتى لو استرد الله أمانته، نعم هو راضٍ. أجل سيحزن كثيراً، ولكنه يعلم أن هذا هو الخير.
انتهى من الصلاة وشكر شيخه ثم رحل لها مرة أخرى، ولكن هذه المرة بإنسان جديد غير الذي كان عليه منذ قليل. أصبح وجهه مشرقاً وقلبه متعلق بالله وقد بدأ يشعر بالراحة الشديدة والتي لا يعلم مصدرها، فقط كل ما يعلمه أن القادم هو الخير. لقد سلم كل أموره لله ويعلم أنه لن يضيعه أبداً.
وصل للمشفى وجدها قد انتهت من جلستها وهي تستند على "عمر". ركض نحوهما وهو يأخذها منه ويطمئن على حالها. ثم أخذها وعادوا للمنزل.
دلفت حجرتها ترتاح وهو معها ثم جعلها تُصلي أولاً وهو يُساعدها. صلت وهي جالسة لعدم قدرتها على الوقوف حتى انتهت. جلس زين بجوارها وهو يقول:
"أنا عارف إنك سمعتي كلام الدكتورة، بس أنا عايز أقولك على حاجة قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هم كل اللي بيموتوا بيكون عندهم مرض؟ فيه ناس كتير جدا بتموت فجأة بدون سبب مرضي، والعكس ناس كتير بتخف بالمرض، كل اللي عايز أقوله إن كلام الدكاترة ده ميجيش حاجة جنب معجزات ربنا يا روان"
نظرت له بعدم فهم لِمَ يريد الوصول إليه. ليُكمل حديثه وهو يحاول إيصال ما يريد لها:
"أنتِ صليتي قبل كدا القيام يا روان؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تقول بإعياء:
"ياسمين كانت كلمتني عنه قبل كدا كذا مرة، بس مكنتش بصليه"
"طب تعرفي إن ربنا بينزل في السماء السابعة ويقول أدعوني أستجب لكم، ربنا بينزل علشان يحققلنا أمنياتنا واللي محتاجينه، قيام الليل ده لتحقيق المعجزات. تعرفي كمان البيت اللي فيه حد بيصلي القيام بيكون منور في السماء ومعروف بين الملائكة.
لما ربنا بيبتلي العبد ده بشيء وممكن بسببه ميقدرش يصلي وينقطع عن القيام تيجي الملائكة تقوله يارب فلان مبقاش بيته ينور وبيصلي القيام ليه؟ ربنا سبحانه وتعالى هيقولهم أنه ابتلاه وبسبب كدا مبقاش يقوم للقيام من المشاغل، الملائكة هتفضل تدعي ربنا لحد ما يرفع عنه البلاء علشان يرجع يصلي القيام من تاني وبيته ينور في السماء من جديد.
أوعى تفقدي الأمل بربنا، خليكي واثقة فيه خير، وأعرفي إن كل اللي جاي لينا هو الخير أياً كان هو إيه، اصبري واحتسبي كل ده عند ربنا.
ومتخافيش عليا ومتشغليش بالك بيا، ربنا لما بينزل البلاء بينزل معاه الصبر، وأنا بقيت راضي من كل قلبي بإختيارات ربنا ليا.
فرعون وهو بيغرق قال لموسى سبعون مرة اغثني ياموسى ولم يغثه، فأوحى الله لموسى ياموسى استغاث بك فرعون سبعون مرة ولم تغثه وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة واحدة لوجدني قريباً مجيبا، تخيلي ده لطف ربنا بفرعون اللي قال أنا ربكم الأعلى، مابالك بقى بطلبه بعباده؟"
رغم الألم الكبير الذي يجتاحها، إلا أنها قد شعرت بالراحة الكبيرة. وها هي تراه يعود كالسباق متماسكاً، فطوال المدة الماضية لم يكن يدعها لدقيقة حتى أنه لم يعد يُصلي جماعة في المسجد خشية أن يتركها ويصيبها شيء. وأصبح يكسل عن ورده وقد بَعُدَ كثيراً، ولكنه ها هو يعود من جديد.
أمسكت ذلك الشيء في يدها بعدما أخرجته من الدرج الخاص بها ثم نزعت خمارها وهي تفرد شعرها والذي بدأ أن يسقط بشدة يوماً بعد يوم أثر الكيماوي وأصبح ضعيفاً عن سابقه. ورغم ذلك مازالت جميلة.
تحدث "عمر" والذي كان يجلس معهم بنفس الغرفة ولكنه كان صامتاً. ليردف وهو ينظر لها بمشاغبة:
"أيوة يعني بتفردي شعرك ليه دلوقتي، بتحاولي تغريه وأنا قاعد، طب استني حتى لما أمشي ولا دي مكافأة نهاية الخدمة يعني"
تجاهلت سُخريته ثم أمسكت (ماكينة حلاقة الشعر) وهي تنظر لزين. ليقوم هو من مكانه وهو يقول:
"إنتِ بتعملي إيه؟ هتحلقي شعرك؟ هو ده الصبر اللي لسه كنا بنتكلم عنه"
ابتسمت له بحب وهي تقول برضى:
"صدقني يا زين أنا علشان راضية هشيله خلاص، هو كدا كدا كل يوم بيقع أكتر من اللي قبله، ف هشيله مرة واحدة علشان مفضلش أعيط عليه كل شوية وأنا بشوفه بيقع، ولو ربنا أراد لي إني أخف هيطول تاني"
ابتسم لها بحب يماثلها هو الآخر ثم قال بحنان:
"يبقى أنا كمان هحلقه معاكِ علشان نبقى زي بعض"
ولكنه ابتعد عنها حين صرخت بوجهه وهي تقول بغضب:
"لأ يازين إياك... كله إلا شعرك علشان بحبه، ده أنا هصبر نفسي إني أحلقه علشان ألعب في شعرك"
اقترب منها وهو يمسح على شعرها بحنان ثم قبّل رأسها وهو يردف:
"مهو مش هسيبك تحلقي شعرك لوحدك يا روان مش هيهون عليا"
"يعني هتحلق لمين تاني؟"
نظر كلاهما إلى "عمر" الجالس على الأريكة والذي أمسك هاتفه يعبث به وكأنه لم يراهم. ولكنه رفع طرف عينيه بشك وهو يقول:
"إيه، بتبصولي كدا ليه؟"
ابتسم زين بخبث ها هو سوف يشفي غليله منه ليقول:
"هنروح بعيد ليه، وعمر أخوكي أهو"
ينتفض الأخير بفزع وهو يتحسس شعره ثم وقف وهو يصرخ بهم:
"لأ بقولك إيه، مش علشان ترضي السنيورة بتاعتك هتحلق شعري، أنا واحد داخل على جواز ومحتاج أكون أمور"
"ما تخلص ياعمر علشا..."
"ده على جثتي إنه يحصل كله إلا شعري"
اقترب منه ثم قال له شيئاً في أذنيه، ليقول عمر مسرعاً وهو يسحب كلامه:
"انت صدقت يابني أنا بهزر طبعاً، أكيد هحلق شعري علشان أختي متبقاش لوحدها ولو محتاج تخلع عضلة أو تكسر رجل مفيش مشاكل"
ضحكت روان عليه ثم وجهت بصرها وهي تقول له:
"إنت قلت إيه خليته يوافق بسرعة كدا"
اقترب منها مرة أخرى ثم غمر لها مشاكسة وهو يقول:
"لما نبقى لوحدنا هبقى أقولك"
بينما الأخير كان ينظر لهم بغيظ ويكاد يبكي لأجل شعره العزيز عليه.
"يلا يا عمر علشان تحلق شعرك أنت الأول"
جلس أمامه متذمراً ولم يقوى على الرفض مما جعلها تضحك على ملامحه. ليبتسم لها هو الآخر بحنو. فإن كان بخسرانه لشعره سيرى بسمتها فلا بأس. ولكنها قالت:
"لأ خلاص يازين متحلقش شعره... عمر بيحبه"
ولكنه لم يأبه لها ثم قام بحلق شعره كاملاً حتى بقيت رأسه لا تحوي على شعرة واحدة. أخذت روان تضحك عليه حتى شعرت بألم في معدتها من هيئته.
"أضحكي ياختي أضحكي، هتبقى زيي كمان شوية وهضحك نفس الضحك عليكِ"
قام من على المقعد لتجلس هي عليه. ثم شرع زين في إزالة شعرها برفق وهو يواسيها ببعض الكلمات ثم يمسح وجهها تارة، ويقبل وجهها تارة أخرى كي ينسيها الأمر حتى انتهى.
وقف عمر يضحك عليها هو الآخر ثم هتف بضحك وهو يقف بجوارها:
"تصدقي فينا شبه من بعض يا بت يا روان واحنا قُرع كدا وشبه القرود كدا"
"اتكلم عن نفسك يابابا أنا حلوة"
ثم توقفت عن الحديث وهي تنظر لزين قائلة:
"زين مش أنا حلوة؟"
"قمر"
أجابها بلطف شديد وكأنها ابنته، لتُخرج لسانها لعمر في محاولة لإغاظته والذي كان يقف وينظر لهم بتشنج والأسى بادٍ على وجهه. ليقول وهو يرحل:
"هي دي الرومانسية اللي عندكم"
"أيوه يا عم محمد... أنا هرجع فلسطين"
نظر لها بصدمة وكأنه يرفض ما تقول. هل سترحل بكل تلك البساطة؟ ليردف بوهن:
"هترجعي للخراب تاني يا رغد، هتروحي للموت برجلك؟ هترجعي لنفسك المكان اللي انتِ مش قادرة تتعافي منه"
"وصدقني أنا مش هتعافى غير هناك، وبعدين مقدرش أقول عليها خراب لأن ده وطني وأرضي، وأنا مش رايحة للموت برجلي لأ، أنا راجعة للمكان اللي أنا منه يا عمي محمد، أنا مكاني هناك مش هنا وسطكم، رغم إن يعلم ربنا أنا حبيتكم كأنكم أهلي، لكن حور غلطت لما جابتني هنا لأنه مكنش ينفع، وأنا غلطت أكتر لما وافقت وكنت فاكرة هقدر أكمل حياتي، بس طلعت غلطانة علشان السمك عمره ما يقدر يعيش بره الماية، وأنا بنت فلسطين وهفضل فخورة ببلدي، حتى لو أول ما أروح هناك هلاقي موتي، يكفيني أني أموت شهيدة وأنا بدافع عن أرضي ووطني. كفاية هروب لحد كدا، لازم أرجع وأحارب كل اللي هربت منه، هناك وسطهم هرجع رغد القوية وضحكتي هترجعلي تاني، إحنا في عز الحرب بنكون بنضحك يا عم محمد، علشان نصرنا الحقيقي هو الابتسام في وش العدو لأن الخسران الحقيقي هو إنك تظهر له ضعفك وانكسارك. الماية هتعود لمجاريها والسمك هيعود للماية، ورغد هترجع وطنها أرض فلسطين تاني"
تساقطت العبرات من عينيه وقد لامست قلبه كل كلمة قالتها. يالله نحن جميعاً في نعم كثيرة، يكفي الأمان الذي نعيش به وحولنا جميع عائلتنا.
كانت تريد احتضانه ولكنها لم تفعل، مازالت متمسكة ببعض مما تربت عليه، لتكتفي بوضع يدها على كتفه قائلة:
"ادعيلي بس يا عم محمد، وكفاية دموع بقى علشان مرجعش في قراري وأقعد أعيط جنبك"
ليمسح دموعه بحزن وهو يقول:
"رغم إني مش هقدر على فراقك وأنا عارف إني ممكن مشوفكش تاني وكنت مستحيل هسمحلك ترجعي، لكن ده القرار الصح اللي خدتيه وعلشان كدا مش هقدر أمنعك.. خدي بالك من نفسك يا رغد"
أومأت له وهي تزيل دمعة سقطت من عينيها وهي تومئ له، ثم ذهبت لتستعد إلى العودة لبلادها مرة أخرى، والتي قد اشتاق قلبها لها بشدة.
كانت تستند على الحائط وهي تسير ببطء ولكن شعرت بشيء لزج تحت قدمها، كادت أن تسقط وهي تغمض عيناها ولكن وجدت يده تُحيط بها تمنعها من الانزلاق.
رفعت نظرها له فوجدته ينظر نحوها وهو يقول:
"مش تخلي بالك بعد كدا؟ وبعدين قومتي ليه، لو فيه حاجة محتاجاها قولي وأنا هنجيبهالك"
أومأت له بهدوء ثم سارت معه إلى غرفتها مرة أخرى حتى أجلسها على الفراش. هم ليرحل ولكنها أمسكت يده برفق وهي تناديه بحنين:
"محمود"
ارتجفت أوصاله حين سمع اسمه منها، ولأول مرة منذ سنوات تنطق اسمه بين شفتيها، فمنذ أن عادت وهو يتجنبها. يساعدها ويبقى بجانبها، ولكنها تشعر بتجنبه منها وكأنه يؤدي واجباً عليه فقط. لم يكن لديها القدرة على بدء الحديث معه، ولكن ها هي تفعل وهي تناديه لأول مرة منذ أن عادت.
التفت لها وهو ينظر نحوها وينتظرها أن تتحدث. لم تنطق هي بشيء بل عيناه هي من فعلت.
ظل ينظر لها بعتاب وبداخله يحكي الكثير. هم ليرحل مرة أخرى بعدما طال صمتها ولكن أوقفه حديثها وهي تقول:
"عارفة إنك زعلان مني بس صدقني كان غصب عن..."
هنا وقد بلغ غضبه ليخرج كل ما يجيش بصدره منذ سنين:
"كان غصب عنك إيه يا تهاني، غصب عنك إنك تقرري لوحدك من غير ما ترجعيلي، غصب عنك تسيبيني لوحدي أفضل أسأل نفسي طول السنين دي ليه؟ أنا عملت إيه علشان تسيبيني بالشكل ده؟ إخترتي تتحملي لوحدك وسبتيني حتى من غير ما تعرفيني حاجة وعشت عمري كله على أساس إنك خدعتيني رغم إن قلبي مكنش مصدق إنك تعملي كدا"
"بس أنا عملت كدا علشان أنقذ ابننا..."
"طب وأنقذتيه؟ أنتِ علشان تنقذي واحد دمرتي عيلتنا كلها يا تهاني، حياتنا إحنا الأربعة كانت المقابل ويا ريتك أنقذتيه، وليث ابنك اللي طلع معقد وفي النهاية إيه اتجمعنا؟ أنتِ خسرتي صحتك وعمرك وكلنا خسرنا وبرضو مقدرناش نتجمع"
مسحت دموعها وهي تقول بألم وضعف:
"لأ لسه فيه أمل نتجمع يا محمود، ياسر هيرجع تاني أنا متأكدة وهنرجع كلنا زي الأول واحسن"
نظر لها بشفقة كونها مازالت تجهل خبر وفاته. لم يقوى أحد على إخبارها منذ أن عادت، ولكن يجب عليها أن تعلم إلى أي حال وصل له، فقط لأنها قررت تحمل ما حدث لوحدها.
ليتحدث بألم شديد ترك ندبة داخل صدره وهو يقول:
"ياسر مش هيرجع يا تهاني"
هزت رأسها وكأنها تحاول نفي ما فكر به عقلها وهي تهتف بأمل:
"لأ هيرجع، هو.. هو بيحبني أوي وقالي إنه مش هيسيبني"
رفع رأسه لها وألتقى أعينهما في عتاب طويل، عتاب ظل يحمله طوال حياته. لقد كانت نتيجة خطأها دمارهم جميعاً.
أردف بعيون مغروقة بالدموع وصوت متحجر:
"محدش بيرجع من الموت يا تهاني.... ياسر مات"
كانت راقدة على الفراش وهي تشعر بالإعياء الشديد، ولقد اشتد عليها المرض بشدة. تساقطت دموعها بألم وهي تشعر بأنها غير قادرة على أخذ أنفاسها.
شحب وجهها وهي تشعر بنيران تحترق جسدها من شدة الألم. يالله تريد فقط خمسة دقائق... فقط مجرد خمسة دقائق تشعر فيهم بالراحة. تتساءل ما الذي كان يحزنها قبل هذا المرض؟ إن كتب الله عليها الشفاء لن تشتكي أبداً.
هُنا فقط علمت نعمة الصحة. كانت مُعافاة تماماً ورغم ذلك كانت تتذمر على كل شيء وغير راضية. ماذا عن حالها الآن والمرض ينهش جسدها؟ أعلمت نعمة الصحة الآن؟
نفضت عقلها من تلك الوساوس وأخذت تحمد الله وتدعو لأن يكون هذا المرض شفيعاً لها ويطهر جسدها من كل الذنوب التي كانت تقترفها.
تذكرت حديث "زين" عن قيام الليل، لتتحامل على نفسها كي تُصلي ولكنها غير قادرة. حاولت عدة مرات لكي تقف ولكن بعد محاولات عديدة باءت بالفشل. ها هي وقفت.
ولكنها وقعت أرضاً بضعف ولم تقوى على السير. تحاملت على نفسها وهي تشجع نفسها بأنها ستقدر. وبعد قليلاً وقفت مرة أخرى وهي تستند على الحائط، ولكن خانها جسدها لتسقط مرة أخرى مُحدثة صوتاً أكبر وقد آلمها جسدها هذه المرة أثر السقوط.
وجدت الباب يفتح ويدخل منه "عمر" مُسرعاً نحوها وهو يتفحصها بخضة قائلاً:
"مالك يا روان أي اللي قومك من على السرير بس"
قالت من بين دموعها:
"أنا بس... كنت عايزة أصلي، بس مقدرتش"
حملها برفق ثم قام بوضعها على الفراش وهو يمسح على رأسها ويقول بحنان:
"هشش بس اهدي اهدي مناديتيش عليا ليه أقومك؟"
"ك.. كنت عايزة أقوم لوحدي"
"طب تعالي حتى هساندك"
أومأت بالرفض وأخذت نفساً عميقاً وهي تهتف:
"لأ يا عمر أنا عايزة أكون قوية، مينفعش أستسلم بسهولة، هحاول وهفضل أحاول لحد ما أقدر وكمان علشان طمعانة في أجر أكبر"
ابتسم لها بألم وقلبه يؤلمه لأجلها. وقفت مرة أخرى وهذه المرة كانت عزيمتها أقوى، لتحاول جاهدة السير حتى وصلت أخيراً إلى المرحاض وتوضأت بصعوبة شديدة.
عادت مرة أخرى فوجدته مازال ينتظرها لتردف:
"معلش يا عمر ممكن تسيبني شوية، حابة أصلي لوحدي"
"بس أحسن تتعب..."
قاطعته وهي تقول ببسمة:
"متقلقش هكون كويسة إن شاء الله"
"طب لو احتاجتي حاجة ناديني ماشي؟"
"حاضر"
خرج وهو يتنهد بحزن، بينما بصعوبة شديدة وقفت تُصلي القيام وهي تُمسك المصحف لتصلي به بأيدي مرتعشة. فقد سألت "زين" عن حكم صلاتها بالمصحف فأخبرها أن بعض الأئمة قد أجازوا في القيام هذا فضلاً عن أنها قد تُخطئ في القرآن.
كانت هذه أول مرة تُصلي فيها قيام الليل، وقفت بين يدي الله تصليه وتدعوه بكل ما تحمله داخل صدرها. تعلم أن احتمال شفائها ضعيف، ولكنها تثق بالله.
أخذت تبكي بشدة وهي ساجدة حتى أوشكت أنفاسها على التوقف وبدأت في السعال وقد احمر وجهها حتى هدأت.
بدأ الشعور بالراحة يتسلل إليها بعدما انتهت من الصلاة وظلت جالسة على مصليتها تسبح وتستغفر. والأهم أنها ظلت تحمد الله وقلبها راضٍ. ابتسمت وهي تتذكر حياتها قديماً وحياتها الآن وشتان بينهما. ورغم الألم الذي تشعر به، إلا أنها لو خُيرت بين حياتها قديماً وحياتها الجديدة، لأختارت حياتها الآن وهي بين يدي الله. يكفي السكون والراحة التي تشعر به، وأنها إن ماتت ستكون في ذمة الله.
"عمر" انتهى من صلاة الفجر بعدما ظل يدعو الله أن يشفيها. هم ليرحل ولكنه وجد والد زين أمامه، ليجدها فرصة سانحة اقترب منه ثم قال بصوت عالٍ:
"الشبشب بتاعي راح فين، أنا كل يوم بحطه هنا"
نظر له والد زين بتعجب، فهو كان يرتديه بقدمه. تدراك الأمر بحرج ثم حمحم وهو يقول:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ازيك يا عمي"
رفع الرجل رأسه ليجده شاباً يعرف ملامحه ولكنه لا يتذكره جيداً، ليجيبه:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. الحمد لله بخير يابني"
شعر أنه لم يتعرف عليه، ليقول بخجل:
"حضرتك مش عارفني يا عمي... أنا عمر"
نظر له بتعجب وقد تفاجأ به، ليقول:
"إزيك يا عمر.. معلش يابني مخدتش بالي، أصلك حلقت شعرك خالص وأنت كنت طول عمرك بطوله"
أجابه باحترام شديد لا يتناسب مع شخصيته العابثة:
"الصراحة يا عمي علشان روان أختي وكده وانت عارف بمرضها يعني، فمحبتش أجرحها وشلت شعري أنا كمان، رغم الشهادة لله مكنتش راضي خالص هي وزين وقالولي إنت مكلش ذنب يا عومر، لكن أنا مقدرتش وقولتلها أنا هشيله قبلك كمان أنا أخوكي وسندك وضهرك"
ربت الأخير على كتفه وهو يقول بتأثر:
"ربنا يتمم شفائها على خير يارب، وأنت ماشاء الله عليك، كبرت وعقلت وبقيت راجل، وأنت صغير كنت شقي وبتاع مشاكل"
بهت وجهه هل تذكر ما كان يفعله منذ أن كان صغيراً، ولكنه حاول تغيير الأمر ثم هتف:
"كنت صغير بقى أنا دلوقتي كبرت خلاص"
ابتسم له وخرجا سوياً، ليقطع عمر الصمت وهو يقول:
"بس يعني أنا باجي أصلي كل يوم هنا يا عمي مبشوفكش ليه"
"بتيجي تصلي كل يوم هنا؟ أنا كمان مش بشوفك"
أومأ له ثم أردف وهو يقول:
"أيوة بحب آجي أصلي هنا الحقيقة علشان كل ما خطوة بنخطيها للمسجد بناخد عليها حسنة فبروح أبعد مسجد أصلي فيه"
ظل الأخير يشكره ويثني عليه ولكنه لاحظ نظراته المثبتة أرضاً، ليسأله وهو يقول:
"خير يابني فيه حاجة واقعة منك؟ عمال تبص في الأرض ليه كدا؟"
"علشان أغض بصري، بصراحة سمعت عن غض البصر ومن ساعتها بخاف أرفع عيني لأحسن تيجي على بنت بالغلط"
"ماشاء الله، يا ريت الشباب كلها زيك ويرزق بنات المسلمين ببنات زيك"
اقترب منه فجأة ثم أخذ يقبله وهو يقول:
"أيوة يا عمي كتر من الدعوة دي بالذات، اهو ده السبب اللي جيتلك علشانه"
نظر له باستفهام، ليوضح له مقصده وهو يقول بأسلوب مهذب ومازال ينتظر أسفل:
"أنا ليا الشرف أطلب إيد ياسمين بنت حضرتك لأني بدور على واحدة ملتزمة تكمل نص ديني وملقتش أفضل من الآنسة ياسمين"
نزلت من السيارة وهي تمسك بحقيبتها وداخلها يزرف الدموع بألم، نزلت معها "حور" والتي كانت منهارة بشدة لأجل رحيلها وتحديداً إلى المكان التي ستذهب إليه وتعرف احتمالية عدم رجوعها. تتذكر أوقاتهم معاً وما أمضوه سوياً وكم تألمت حينما أخبرها والدها بخبر رحيلها. بينما ليث يقف يواسيها وهو حزين أيضاً لأجلها ويتذكر أول مرة رآها بها حين ذهب منزلهم وكم كانت تغضبه. حمل لها الحقيبة وهو يقول:
"إن احتجتي أي حاجة كلميني فوراً"
أومأت له وهي تحتضن حور مرة أخيرة قبل ذهابها بلا عودة. بكت الأخيرة بشدة وهي تقول:
"علشان خاطري يا رغد خليكي، إحنا كلنا اتعودنا عليكِ، هن.. هناك ممكن.."
لم تستطع أن تُكمل جملتها، بينما هي منعت نفسها من البكاء ثم أردفت بثبات:
"للأسف غصب عني يا حور، صدقيني هتوحشيني جداً، وعم محمد اللي رفض ييجي علشان مش هيقدر يودعني هو كمان هيوحشني"
ابتسمت لها بألم ثم استدارت لترحل ولكنها سمعت صوته وهو يركض نحوها ويناديها بلهفة. يالله، لم تكن مستعدة لأن تقابلها، ما كانت تريد لأحد أن يعلم فهي أكثر ما تكره هو مشاهد الوداع.
"رغد... صغيرتي... هل سترحلين وتتركينني وحدي؟"
كانت على وشك أن تبكي ولكنها تماسكت، فلن تتراجع عن قرارها الآن. لتنطق بنبرة مختنقة وهي تقول:
"معدش ينفع أقعد أكتر من كدا، ده الأحسن ليا"
نظر لها بألم. فكرة رحيلها تؤلم قلبه، ليقول لها:
"وماذا عني، ألم تفكري بي؟ ألم تسألي نفسك عن حال قلبي الذي أدمن وجودك بعد كيف سيقوى على ألم فراقكِ!"
لم تتحدث، هي أيضاً تشعر بوجع داخل قلبها، ولكن تقسم بأنها غير قادرة. رغم أنها تبادله نفس المشاعر، ولكن كُتب على قصتهما النهاية قبل أن تبدأ.
تحدث مرة أخرى وهو يقول بأمل ولهفة:
"انظري رغد.. ها أنا أصبحت مسلماً، ولم يعد يوجد ما يُفرقنا، خذي كُل وقتكِ وأنا سأنتظرتك حتى بقية حياتك، لكن أرجوكِ لا تعودي فلسطين مرة أخرى وقد لا أراكِ مجدداً"
رفعت نظرها نحوه أخيراً ثم هتفت ببسمة ممزوجة بألم:
"إن كان لنا نصيباً لنلتقي مرة أخرى، فلن يُفرقنا شيء يا يونس"
ثم لوحت بيدها مودعة وألف يد تود البقاء وقلبها يرفض الرحيل ويود العيش معه. استدارت ثم آخر شيء سمعته كان صوته المخنوق بالبكاء وهو يقول:
"كوني بخير لأجلي يا رغد... سأنتظرك ما حييت يا رغد"
ثم جلس على ركبتيه وهو يقول بصوت ضعيف وصل لمسامعها:
"أنا أحبك يا رغد"
أرادت أن تخبره أنها أيضاً تحبه وتريد البقاء معه، ولكن ليس بوسعها شيء، لترحل بجسدها ولكن ظل قلبها هنا. وها هي الحبيبة رغد تعود لوطنها الحبيب مرة أخرى.
فتح الباب وهو يركض نحوها بفزع بعدما أخبرته والدته بأن المرض قد اشتد بها. هل سترحل وتتركه؟ أبهذه البساطة تتخلى عنه، لن يسمح لها أبداً بأن تتركه بعدما وجد ضالته بها.
اقترب من فراشها فوجدها تضم نفسها وتجلس بوضعية الجنين داخل رحم أمه. وقع قلبه وهو يراها بهذا المنظر. جذبها لأحضانه وهو يمسح على رأسها. ارتفع صوت بكائها فقد كانت على حالتها منذ مدة وترفض التحدث مع أحد، حتى أتى أخيراً لها:
"هشش اهدي.. اهدي أنا معاكِ مش هسيبك تاني، أنا آسف لكِ يا عمري مش هسيبك خالص"
ازداد نحيبها أكثر وهي تشد من أحضانه وكأنها تشبع منه قبل رحيلها. سقطت العبرات من عينيه وهو يحضنها أكثر، يريد وكأنه يرفض تركها.
"حا.. حاسة إني ه.. هموت يا ز.."
وضع يده على فمها يمنعها من استكمال جملتها.
"هتعيشي يا روان، وهنكون مع بعض سوا"
"الظاهر مش مكتوب لنا كدا يا زين، أنا بحبك أوي، و.. وعمري ما حبيت حد غيرك، حتى... حتى لما كنت بعاملك وحش فأنا كنت زعلانة منك علشان بعدت عني"
"وأنا بقيت معاكِ أهو ومش هسيبك تاني أبداً أنتِ بس قاومي علشاني"
ظلت تسعل بقوة حتى احمر وجهها ثم هتفت بضعف شديد:
" للأسف الوقت اتأخر أوي يا زين، هستناك في الجنة تسأل عني، و.. ولو اتجوزت غيري ابقى سميها على اسمي علشان متنسنيش"
قالت آخر جملتها وأخذ جسدها يرتجف بين يديه وهو يحاول تهدئتها ولكنه فشل، حتى فجأة استكانت حركتها تماماً.
نظر لها بأعين جاحظة وهو يهز رأسه بعنف يرفض تلك الفكرة. أخذ يهزها بشدة وهو ينادي عليها كي تستفيق، ولكنها أغمضت عيونها بلا عودة. هل كان المرض أقوى منها ليأخذها منه بهذه البشاعة؟
ترددت الفكرة في عقله، أنها ذهبت ولم يعد يراها مجدداً، حتى صرخ صرخة مدوية بالمكان.
"زين... يااازين، مالك اصحى يا زين"
فتح عينيه فكانت حمراء كالدم، وجدها أمامه بهيئتها وهي تنظر له بقلق وكانت تجلس على مصليتها. نظر حوله ليجده مازال في حجرتها، هل كان هذا حلم؟ تحدث وهو يلهث ويأخذ أنفاسه بصعوبة:
"أنا.. أنا نمت هنا إزاي؟"
"كنت قاعد معايا ولقيتك نمت فجأة ومرضتش أصحيك، ولما جه وقت القيام حاولت أصحيك كتير بس أنت مقومتش، واديها الفجر أذن أهو وأنت برضو مقدرتش تقوم"
كان هذا الكابوس من الشيطان، لأنه منذ زمن لم يترك فجراً ولا قياماً. اقترب منها ثم جذبها لأحضانه وهو يتنهد براحة تحت تعجبها. علمت بأنه كان يحلم لتقول:
"من ساعة ما كلمتني عن القيام وأنا بصليه، وأنت اللي بدأت تكسل أهو"
نعم هي مُحقة، لا يعلم كيف نام عن الصلاة. أخذ يستغفر ثم قام توضأ وصلى ودعا الله بأن يختار الخير لهما ويحمد الله.
"النهاردة هنروح للدكتورة علشان نعرف نتيجة التحاليل الجديدة، وأي أن كانت النتيجة يا زين أنا راضية وعايزاك أنت كمان تكون راضي وأعرف إن ده هو الخير لينا، حتى لو مش مكتوب لنا نكون مع بعض في الدنيا، إن شاء الله هنتجمع في الآخرة"
أومأ لها وهو يعلم أن معها حق، أي أن كانت النتيجة سوف يرضى حتى ولو كانت مؤلمة.
جلس أمام الطبيبة وهي تجلس بجواره ممسكة بيده، ولكلا منهما يحاول طمأنة الآخر. كانت الطبيبة تُمسك التقارير الخاصة عن حالتها ثم نظرت لهم بصدمة وهي تهتف:
"مستحيل، أكيد التقارير دي فيها حاجة"
نظرا لها بتعجب لتكمل هي حديثها:
"اللي حصل ده معجزة، روان خفت من الكانسر، ولحد الآن مش عارفة أستوعب إزاي"
رواية وسولت لي نفسي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روان الحاكم
"مستحيل، أكيد التقارير دي فيها حاجة."
تحدثت الطبيبة وهي تمسك التقارير بين يديها بصدمة، نظرت له بتعجب لتكمل حديثها بدهشة:
"اللي حصل دا معجزة، روان خفت من الكانسر، ولحد الآن مش عارفة استوعب ازاي."
اتسعت عيناه بشدة وهو لا يصدق حديثها، نظر كلاهما لبعض وقد ألجمتهما الصدمة. كان "زين" أول من فاق من صدمته، ليقف من مكانه وهو يقول بفرحة:
"حـ... حضرتك قولتي إيه.. عـ... عيدي كدا تاني."
"بقولك روان خفت من الكانسر."
وما إن أكدت على مسامعه خبر شفائها حتى سجد أرضاً والعبرات تتساقط من عينيه، وهذه المرة بسعادة لأجلها. وما زال لا يستوعب الخبر، ولا يعلم كيف.
ارتفعت شهقاته وظل ساجداً يشكر الله، ولا يوجد شيء يصف شعوره. بينما هي ما زالت تحت تأثير الصدمة، وما إن استوعبت الأمر حتى أخذت تضحك بشدة والدموع أخذت مجراها في الهطول.
قام من مكانه ثم اقترب منها واحتضنها وأخذ يدور بها بسعادة، يخشى أن يكون هذا حلماً ويستيقظ منه على واقعه المرير.
أنزلها أخيراً وأجلسها بجواره، ثم نظر للطبيبة التي كانت سعيدة لأجلهما وقال بحرج:
"احمم بعتذر بس ال..."
قاطعته وهي تقول ببسمة:
"لا متعتذرش، حقكم تفرحوا وتعملوا أكتر من كدا."
أومأ لها بامتنان، ثم قال:
"طب ممكن أفهم إزاي خفت مرة وحضرتك قولتيلي احتمال شفائها ضعيف؟"
"هو بالفعل الاحتمال في شفائها كان ضعيف، ويعتبر دي معجزة لأن حالات نادرة جداً إن حد يخف منه خصوصاً لو كان المرض بدأ يتمكن منها. لما بلغت حضرتك بالكلام وقولتيلي إنك واثق في شفائها، مأخدتش كلامك على محمل الجد لأني أنا الطبيبة وأنا اللي عارفة حالتها.
لكن اللي حصل عكس كدا واللي فعلاً مش عارفة أفهم إزاي حصل."
تحدثت الطبيبة وهي تخبره عن أعجوبة شفائها بالمرض والتي تجهل سببه. نظرت لها روان ثم هتفت ببسمة قائلة:
"علشان ربنا رب المعجزات، مفيش حاجة مستحيلة. رغم إن كل حاجة بتقول إني هموت ونهايتي قربت... إلا إن فيه حاجة جوايا كانت مأكدالي إني خفيت. لما زين كلمني عن قيام الليل، أنا ساعتها دعيت ربنا يشفيني علشان لسة نفسي أقرب منه أكتر، ودعيته برضه لو الموت هو الخير ليا دلوقتي ف أنا مرحبة بيه، ورضيت من كل قلبي باللي ربنا كتبهولي."
توقفت عن الحديث وقد اختنقت بالبكاء وهي تهتف:
"أنا بس... مش عارفة أشكر ربنا إزاي، كل مرة ربنا بيكرمني فيها وبينقذني رغم إني مستحقش ومعملتش لسة حاجة، لكن أنا فرحانة بالابتلاء اللي عديت، اهو أديني شُفيت منه وأخدت أجر صبري عليه."
أمسك يدها وهو يقبلها بحب والدموع تتساقط من عينيه هو الآخر. ها هو قد شعر بأن روحه عادت إليه مرة أخرى، وهذه المرة دون أن يفرقهما أحد.
خرجا سوياً وهو ممسكاً بها بشدة وكلاهما صامت، بل مشاعرهم هي من تتحدث هذه المرة، فلا يوجد حديث يصف ما بداخلهم. التفتت له فجأة وهي تهتف بطفولية وسعادة:
"زين.. زين.. أنا عايزة أروح ملاهي، وعايزة آكل آيس كريم وغزل بنات، وعايزة حاجات كتير قوي يا زين.. أنا مش مصدقة نفسي."
ثم أكملت حديثها تزامناً مع تركها ليده وهي تقول:
"وكمان عايزة أفضل أجري وأطنط في الطريق."
وما إن أنهت كلامها وقبل أن يستوعب هو، ركضت بعيداً وأخذت تدور في الطريق بين السيارات. هرول خلفها بهلع وهو يقول:
"يا بنت المجانين تعالي هنا."
لم تستمع له وظلت تركض وهي تهتف بسعادة وتضحك بشدة وكأنها عادت طفلة صغيرة، بينما هو يلاحقها وهو يحاول الإمساك بها وأخذ يضحك هو الآخر، وكل من يراهم يظنهم مجانين، ولكنهم لم يهتموا.
ظلوا يركضون خلف بعضهم البعض حتى أوشكوا على فقد أنفاسهم. اقتربوا من الحديقة ثم ارتمت أرضاً وهي تضحك وتأخذ أنفاسها بصعوبة كما فعل هو الآخر.
ولكنه وقف مرة أخرى وهو يعدل ملابسه ثم سحبها معه وهو يقول على عجالة:
"يلا بسرعة مفيش وقت، عايزين نلحق الملاهي."
نظرت له بصدمة، فهو أكثر شيء يكرهه منذ أن كان طفلاً (الملاهي). أومأ لها وهو يقول بغمزة بعدما لاحظ نظراتها المصدومة وهو يهتف:
"حبيتها عشانك... وهحبك كل حاجة انتِ هتحبيها."
أمسك يدها ثم ركضوا تجاه الملاهي تحت نظرات المارة المتعجبة، وكأنه نسي من هو، ولكن فرحته ألغت عقله تماماً.
لذا فهو لم يستطع التحكم بتصرفاته، وللحقيقة هو أحب ذلك بشدة.
دخل منزلهم وهو يقوم بإسنادها وهي تشعر بالإرهاق الشديد أثر ركضها ولهوها طوال اليوم معه. رغم أنها لم تسترد صحتها بشكل كامل، إلا أن فرحتها بشفائها أنستها بأنها كانت مريضة منذ قليل. كانت تمسك بحقيبة ممتلئة بكل شيء تحبه وهو من قام بجلبها لها.
وجدت جميع العائلة بانتظارهم وعلى وجوههم فرحة كبيرة. فقد قام بإخبارهم عندما خرجوا من عند الطبيبة. ذهبت إليها والدتها وهي تبكي بسعادة وهي تقبلها تارة وتحضنها تارة أخرى، وقد بدأت روحها تعود إليها من جديد، فكانت هي أكثر الناس تأثراً بخبر مرضها.
اقتربت منها ياسمين هي الأخرى وهي تمسح دموعها وتحضنها كما فعل الجميع، بينما لاحظت عمر يقف بعيداً وهو ينظر لها فقط. عملت ما يشعر به، فرغم أنه كان طوال الوقت يمرح ويضحك كي ينسيها حزنها، إلا أنها كانت تسمع بكاءه كل ليلة خشية فراقها، فهي تعلم كم هو متعلق بها.
ذهبت إليه وهي تقول ببسمة وحنين:
"طب مش حتحضني زي الناس اللي هناك دي."
حاول التماسك كي لا يظهر ضعفه ثم قال بثبات زائف ونبرة مرحة بعض الشيء:
"لأ ياستي علشان سي زين بتاعك ميقلبش عليا."
ولكنها لم تستمع له ثم اقتربت منه وقامت باحتضانه، ليجهش في البكاء مرير وهو يضمها له بحنان أخوي وقد زال عنه التماسك طوال الفترة الماضية، فها هي لن تتركه وأتم الله شفائها على خير.
ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها ورأت الفرحة في وجوههم جميعاً. تتخيل لو أنها رحلت لكانت ستسبب في حزن كل هؤلاء؟
رفع عمر بصره ليجد نظرات زين الحارقة نحوه وهو يضغط على يده بشدة ويحاول التحكم بأعصابه، ليبتلع ريقه وهو يقول:
"لأ متبصليش كدا... مراتك هي اللي جات حضنتني."
ثم أمسكها وهو يلقيها بعيداً تجاه زين الذي أمسكها مسرعاً، ليقول الآخر بحنق:
"روحي يابت انتِ عند جوزك واتلمي بقى."
اقترب منها البقية وهم يحضنونها ببكاء وفرحة، ليقطع عمر هذا الجو الملئ بالأشجان وهو يقول:
"جرا إيه يا جماعة احنا بنحب النكد ليه؟ مرضت نعيط.. خفيت نعيط؟ ربنا شفاها كفاية عياط بقى ونحتفل بيها، يلا نشغل أغان..."
قاطع جملته وهو يرى والد ياسمين بالقرب منه، ابتلع ريقه وهو يقول:
"نشغل تواشيح يا جماعة... نشغل تواشيح ونرقص عليها علشان نحتفل بيها."
التفت إليه الجميع بتعجب كون الجميع يعرفونه عز المعرفة، ثم ظل بالقرب من والدها وهو يتحدث بلباقة واحترام أمامه حتى مر اليوم والجميع سعيد لأجلها.
وقف والدهم بمنتصف الصالة وقد قام بإخبارهم عن رغبة عمر في التقدم لخطبة ياسمين والتي شعرت بالخجل الشديد رغم سعادتها، فهي تشعر بالانجذاب الشديد نحوه. ليتابع والدها حديثه قائلاً:
"بصراحة شاب ونعم، أنا مشوفتش في أدبه وأخلاقه، دا يكفي إنه مبيفوتش فرض... ياريت الشباب كلها زيه."
سعدت والدتها وهي تراه عريس مناسباً لإبنتها، بينما ياسمين وزين نظرا لبعضهما البعض بصدمة، عمن يتحدث أبيها؟
انسحبت بهدوء من بينهم ثم ذهبت إلى غرفتها وهي تشعر بالسعادة وتتذكر مواقفهما القليلة معاً، وأول مرة حينما أنقذها. وجدت زين يطرق بابها ثم دخل لها وجلس بجوارها، لتتحدث هي قائلة:
"إيه رأيك في عمر يا زين؟"
"بصي يا ياسمين عمر مش وحش، بالعكس هو كويس وجدع ومش هنسى شهامته لما أنقذك. لكن برضه عمر بعيد يا ياسمين ومش زينا وأنا مش بقلل منه، لكن هتعاني معاه لأنه مترباش في نفس بيئتنا."
"بس ما دام هو كويس يا زين فيه أمل إنه يتغير، زي ما روان هي كمان اتغيرت. ولما روان مرضت مكنش بيسيبها وشوفته واقف معاها وحسيته قد المسؤولية."
نظر لها زين قليلاً بتمعن، هو لم يكن موافقاً عليه ولكنه شعر بإعجاب أخته له، ليقرر أن يعطيه فرصة لإثبات نفسه وهو يقول:
"طب صلي استخارة الأول، وربنا يقدم اللي فيه الخير."
ظل يتحدث معها قليلاً ثم انصرف وقد مر اليوم سريعاً حتى أتى يوم الرؤية. وقف عمر وقد ارتدى ثيابه واستعد ليذهب مع روان أول مرة ثم بعدها يأتي بوالديه.
"يلا أنا جهزت."
تحدث "عمر" وهو يعدل من ياقته. وما إن رأته هي حتى وقعت أرضاً من الضحك وهي تمسك بطنها من شدة الضحك.
كان يسير بتفاخر وهو يرفع رأسه مرتدياً عباءة لا تتناسب مع قامته الطويلة بل قصيرة بعض الشيء، وعلى رأسه تقبع عمة. وقف أمامها بغيظ وهو يراها تضحك بهذا الشكل. حاولت التحكم بضحكاتها وهي تقول بصعوبة:
"إيه اللي انت لابسه دا."
"دي جلابية نزلت اشتريتها مخصوص علشان أروح أتقدملها."
"هتروح تتقدملها بالجلابية؟"
أومأ لها ببسمة، لتكمل حديثها مرة أخرى قائلة:
"وكمان إيه اللي ماسكه في إيدك دا."
تحدث بغرور وهو ينظر لما يحمله بين يديه قائلاً:
"دا كتاب موطأ بن موطأ وتفسير ابن كثير."
طالعته بصدمة وهي لا تصدق حتى هتفت بدهشة:
"رايح تتقدملها بكتاب موطأ بن موطأ وتفسير بن كثير؟"
"امال يعني كنت أجيب إيه، أروح أجيب لها ورد علشان ترميه في وشي ويكون شكلي هفأ، اللي زيك مينفعش معاها غير ابن كثير والموطأ اسمعني مني، هتجيب معاها نتيجة."
نظرت له بتشنج وهي تلوي فمها ثم قالت بحنق:
"مش هيبوظ الجوازة دي غير هطلك."
نظر لها بشر ثم أمسكها من رقبتها يقول بتحذير:
"اسمعك تقولي كلمة الجوازة دي هتبوظ تاني وأنا هفصل راسك عن جسمك وما هيهمني سي هولاكو بتاعك دا."
ظلت تسعل ثم بعدته عنها بغضب وهي تهتف:
"ياض أوعى بقى متخلينيش أاتغابى عليك، ولولا إنك عريس كنت علّمت عليك، ربنا يعينك يا ياسمين على البلوة اللي هتاخديها."
تجاهل حديثها وهو يشعر بالسعادة الشديدة لكونه أخيراً سيحصل عليها. وقف يعدل ملابسه ثم سار معها لأعلى. رن الجرس عدة مرات حتى فتح له زين وهو ينظر له من أعلى لأسفل بإستياء شديد على هيئته. نظر له بتهكم وهم ليقفل الباب بوجهه ولكنه تراجع. نظر بجواره فوجدها تقف وهي تنظر له ببسمة وسعادة، ليطيل النظر إليها بهيام وحب مما جعلها تخفض رأسها أرضاً بخجل.
لم ينتبه إلا على صوت عمر الحانق وهو يقول:
"طب بعد إذن الحب وآسف علشان هقطع اللحظات دي، بس أنا عندي معاد جوه وأنا بنام بدري."
أفسح له زين الطريق وهو ينظر له بإستفزاز. وما إن دخل حتى اقترب منها وهو يهمس بجانب أذنها:
"وحشتيني."
شعرت بالتخدر أثر قربه منها بهذا الشكل حتى شعرت بأن الأكسجين يسحب من حولها. قالت بتوتر وهي تحاول الابتعاد عنه:
"هـ... هروح.. أشوف ي.. ياسمين."
علت ضحكاته عليها ثم اقترب منها أكثر وهو يقول قبل أن يرحل:
"بكرة عاملك مفاجأة."
رحل وهو يغمز لها بطرف عينه بينما هي وضعت يدها على قلبها الذي كان ينبض بشدة وهي تبتسم بسعادة، ثم رحلت مسرعة تجاه غرفة ياسمين.
أما عن عمر، مجرد أن رأى والدها حتى وقف له بإحترام، بينما الأخير تعجب من الملابس التي يرتديها وما أن لاحظ نظراته المتعجبة حتى هتف بحرج:
"معلش يا عمي... أصلي يادوب خلصت الخطبة في الجامع وجيت هنا على طول ملحقتش أروح أغير."
"لا يا حبيبي ولا يهمك، لبسك جميل ماشاء الله، ياريت الشباب كلها زيك."
رد عليه بخجل شديد وهو يمثل الإحترام:
"تسلم يا عمي كلك ذوق."
ظل الأخير يرحب به ثم جلسوا يتحدثون بعدما انضم زين لهم، وقد بدا عمر يتحدث بجدية حول بعض الأمور.
وعند ياسمين، كانت تشعر بالتوتر الشديد وهي تفرك يدها وقد تعرق جبينها وهي تقول بنبرة أوشكت على البكاء:
"مش قادرة يا روان، حاسة إني متوترة أوي، أول مرة أكون خايفة كدا."
أمسكت يدها برفق وهي تجلس بجوارها ثم أردفت:
"اهدي يا بنتي الموضوع مش مستاهل التوتر دا كله، اعتبريها قاعدة عادية حتتعرفوا فيها على بعض بشكل كويس."
تحدثت وهي ما زالت تفكر بيدها قائلة:
"حاسة إني نسيت كل الأسئلة اللي كنت مجهزها."
"بصي يا ياسمين، هقولك على حاجة... أولاً عمر مش شخص غريب بل أنتوا الاتنين عارفين بعض وتحديداً هو وعارف تفكيرك، بلاش جو الأسئلة بتاع الرؤية الشرعية دا لأنه مش هيفرق له يحفظ له شوية كلام من على السوشيال ميديا علشان تعجبني بتفكيره."
نظرت له بإستفهام لتكمل الأخيرة موضحة وهي تهتف:
"يعني حاولي تشوفي أنتوا شخصياتكم هتتناسب مع بعض ولا لأ، تفكيركم زي بعض ولا العكس، مش هقولك عرفيه إنك عايزة الفرح إسلامي وطول الخطوبة ضوابط لأنه عارف إنك هتعملي كدا ومش بعيد هو اللي يقولك كدا علشان يعجبك، وكدا كدا الخطوبة جاية وهتعرفوا بعض وتشوفيه شخص هيلتزم ولا لأ."
أومأت لها وهي تأخذ نفساً عميقاً وتفكر بما ستقوله. وجدت زين أمامها وهو يقول:
"تعالي يلا يا ياسمين كلمي بابا بيناديكي."
زادت ضربات قلبها بشدة رغم أنها تشعر بالسعادة إلا أنها أيضاً تشعر بالتوتر والخوف. قامت وهي تود لو تبكي، فهي ليست من الشخصيات الخجلة زيادة عن اللزوم ولكن لا تعلم سبب توترها وخجلها الشديد. رغم أنها جلست مع عريس من قبل ولكنها لم تشعر بكل تلك المشاعر.
ذهبت كما أخبرها أخوها ثم وقفت روان هي الأخرى تلحق بها ولكنها وجدت من يحتجزها بين ذراعيه وهو يقول بغمزة:
"لأ.. استني انتِ علشان عايزك."
أما عن ياسمين، سارت بخطي متمهلة وقد تخلت عن نقابها وارتدت ملابس فضفاضة بعض الشيء ولفت عليها خمارها. لم تكن ملابسها فضفاضة زيادة كما تخرج بها، وإنما كانت في المعقول والتي أظهرت قوامها ووزنها دون أن تصف شيئاً بها أو تكون ملتصقة بجسدها.
جلست بتوتر وهي تفرك يدها ووالدها يجلس معه ثم سمعت صوته وهو يرحل ليتركهما قليلاً. لم ترفع عينيها عليه بعد، شعرت بلهيب في وجهها من شدة الخجل وهي تمسك أكمام فستانها بتوتر.
"ياسمين... طب بصيلي حتى."
وبصعوبة شديدة رفعت عينيها نحوه بخجل ولكنه تلاشى وحلت محله الصدمة وهي تراه بتلك الهيئة. ولأول مرة تراه يرتدي عباءة ولكن ما جعلها تنظر له بدهشة تلك العمة أيضاً، فاقت من صدمتها على صوته وهو يقول ببسمة:
"اتفضلي دا كتاب الموطأ وبن كثير، كنت عرفت إنك بتدورى عليهم ومش لاقياهم، قولتك أجبهملك أنا."
ظلت تنظر له ببلاهة غير مصدقة، وما أن استوعبت حتى رُسم شبح ابتسامة على وجهها حاولت إخفائها ولكنها فشلت لتخفض وجهها كي لا يراها، ولكنه قال بمزاح:
"شوفتك بتحاولي تداري ضحكتك."
ابتسمت بشدة هذه المرة، بينما هو ظل ينظر لملامحها براحة وكأنه يحاول أن يشبع عينيه منها لحين أن يعقد عقدهما. وما أن لاحظت نظراته حتى أخفضت بصرها بخجل، سمعت صوته وهو يقول بهدوء:
"عندك أي أسئلة؟"
أخذت نفسها وهي تحاول أن تهدئ من روعها ثم قالت بجدية:
"بص يا بشمهندس عمر، بما إن حضرتك عارفني وكدا أنا مش هسأل الأسئلة التقليدية واللي أكيد حضرتك محضرها قبل ما تيجي."
نظر لها بعدم فهم لتكمل حديثها موضحة وهو تردف:
"حضرتك عارفني وعارف مميزاتي وده يمكن اللي خلاك تتقدملي، ويمكن ده نفس الشيء اللي مخليني مترددة. أنا أهم حاجة عندي إننا نعرف عيوب بعض قبل المميزات، لأن المميزات مش هتزعلنا بالعكس دي هتقربنا من بعض.
على عكس العيوب اللي ممكن تخليك تكره شخص مهما كنت بتحبه."
صمتت قليلاً تأخذ أنفاسها ثم أكملت:
"مينفعش أوافق على حد لمجرد إني بحبه وأتغاضى عن أي حاجة شايفاها أنها ممكن تدمر علاقتنا تحت مسمى الحب. الخطوبة اتعملت علشان نعرف بعض أكتر ونشوف هنكون متفاهمين ومناسبين لبعض ولا لأ، لأن ممكن أكون أنا كويسة وحضرتك كويس ولكن مش مناسبين لبعض.
الرسول كان طلق ثلاثة من زوجاته والصحابة كانوا بيطلقوا وأسماء بنت أبي بكر كانت متزوجة من الزبير وأطلقوا.. هل ده معناه إن فيه طرف وحش وطرف حلو؟ لأ كل الفكرة إنهم مكانوش مناسبين لبعض."
أومأ بتفهم ثم هتف بجدية:
"أنا فاهم اللي بتقوليه، بس مش فاهم إيه علاقة ده بموضوعنا وعايزة توصلي لإيه."
"اللي عايزة أوصله إنك متفكرش في ياسمين على إنها البنت اللي أعجبت بيها لأن مصير حب المراهقة ولهفة المشاعر دي بتروح بعد الجواز، وبيكون بعدها بقى فيه حب عشرة لو الشخص اللي معاك كويس ومتفاهمين هيقدروا يكملوا غير كدا مهما كانوا بيحبوا بعض قبل الجواز مش هيقدروا يكملوا.
ف أتمنى بعيداً عن أي إعجاب وحب حضرتك تشوفيني هل أنا المناسبة ليك وعيوبي هتناسبك وهنقدر نتفاهم ولا لأ، زي ما أنا كمان هعمل."
كانت تتحدث بعفوية ومن غير قصد لم تنتبه بأنها قد صرحت له عن مشاعرها نحوه، ليغمز لها بطرف عينيه متجاهلاً كل ما قالت ومعلقاً على آخر حديثها قائلاً:
"معنى كده إنك أنتِ كمان معجبة بيا."
شحب وجهها وقد شعرت بأن الهواء انسحب من حولها وهي تكاد تموت من الخجل، لتسمع ضحكاته وهو يغير الحديث كي لا يخجلها أكثر قائلاً:
"صدقيني كل اللي قولتيه كلام جميل ويُحترم، بس للأسف أوبشن الموافقة والاختيار كان الأول لكن...."
رفعت رأسها له بانتباه ليكمل هو حديثه تزامناً مع خلعه لتلك العمة من على رأسه قائلاً:
"لكن بعد ما أخوكي خلاني أحلق الغالي ابن الغالي علشان أتجوزك وأنتِ من وقتها اسمك اتكتب على اسمي خلاص."
وقف أمام البحر ينظر بحزن وقد تبدل حاله كثيراً. نبتت ذقنه ولازمه الحزن، لم يعد ذلك المرح الذي اعتاده الجميع. منذ أن رحلت وهي أخذت معها روحه وقلبه.
وجد من يضع يده على كتفه، التفت له فوجد "أحمد" ومن غيره الذي أصبح يلازمه طوال الفترة الماضية. لم يتحدث أحدهما بشيء، ليقطع الأخير الصمت وهو يقول:
"صدقتني بقى يا يونس لما قولتلك إنك أسلمت علشانها؟"
نظر له بصدمة وهو يرفض الأمر، هو بالفعل أحب الإسلام وإلا لكان تراجع الآن، ليقول بنفي:
"أحمد أقسم إنني أحب الإسلام الآن وإلا كنت عدت إلى ديانتي مرة أخرى."
"أنا عارف يا يونس إنك حابب الإسلام دلوقتي، لكن أنت كان السبب الأساسي دخلت علشانها، وبالدليل لما هي مشيت ومبقاش عندك أمل إنها ترجع إيمانك اتزعزع حتى الصلاة بقيت تقطع فيها يا يونس، لعل ده اختبار."
صمت وهو يرى تعابير وجهه التي بدا عليها الاقتناع ثم أكمل:
"اعرف إن كل حاجة بتحصل معاك هي الخير ليك، ارجع لصلاتك من تاني وجدد توبتك يا يونس وخليك راضي بكل حاجة تحصل حتى لو مش عارف إيه اللي بيحصل معاك، بعدين هتكتشف إن كل حاجة حصلت معاك كانت هي الخير ليك بس أنت مش عارف."
تساقطت دموعه بألم وهو يقول بصوت مخنوق:
"أنا أشعر بالألم يا أحمد، قلبي يؤلمني بشدة."
صمت قليلاً يأخذ أنفاسه ثم أكمل بحزن وهو مطرق الرأس:
"هل الله لا يحبني الآن؟"
ابتسم له وهو يقول له محاولاً تهدئته مردفاً:
"لو مكنتش بيحبك مكنش بعتني ليك دلوقتي."
رفع نظره إليه مرة أخرى بتعجب، ليقول الأخير ببسمة:
"أيوه متتعجبش، ربنا اللي باعتني ليك مخصوص علشان أفوقك. اعرف دايماً يا يونس إن ربنا بيبعتلك فرص كتير قوي علشان تفوقك وتكون على الطريق الصحيح، ويمكن ربنا هداني علشان أجي أقولك الكلام ده، وأنت وشطارتك بقى، هتستغل الفرص دي ولا هتسيبها؟"
وقف أمام باب غرفتها يطرق الباب بشدة وهو يشعر بالغضب وقد طار النوم من عينيه، بينما هي استيقظت بفزع على صوت خبطته الشديدة.
نهضت بكسل من على الفراش وهي تتجه إلى الباب لتقوم بفتحه ثم تحدثت بتثاقل وعينيها شبه مغلقة:
"إيه فيه يا عمر حد يصحى حد الصب..."
قطع حديثها الحقيبة التي اصطدمت بوجهها لتنتفض بفزع وهي تنظر له بغضب، ليقول هو بحنق:
"ياريت تقولي لجوزك الكلام ده.. محدش بيصحى حد الصبح كدا، خدي ياختي البسي الفستان ده."
لم تفهم منه حرفاً واحداً، همت لتتحدث ولكنه قاطعها بحذر قائلاً:
"خمس دقايق، خمس دقايق مش أكتر ولاقيكي لابسة اللبس اللي في الشنطة وجاهزة قدامي، وإلا أنت عارفني لما أتجنن."
ورغم كونها لم تفهم شيئاً، إلا أنها امتثلت لأوامره دون التفوه بشيء وهي ترى علامات الغضب على وجهه. أمسكت الحقيبة وهي تخرج ما بداخلها لتجد فستاناً أقل ما يقال عنه غاية في الجمال.
كان باللون البنفسجي التي تفضله ومعه خمار بنفس اللون. الفستان فضفاض ولا يوجد به شيء سوى بعض تلك الفراشات الجميلة التي أعطته مظهراً رقيقاً.
هذا ليس ذوق عمر، إنما زين، ولكن إن كان هو من جلبه لها، لم سيعطيه لعمر يعطيه ليها؟ وأين سيأخذها عمر من الأساس.
سمعت زمجرته بالخارج يستعجلها لذا قامت بارتدائه سريعاً دون أن تفكر بعدما غسلت وجهها وأدت فريضتها أولاً، ثم وقفت أمام المرآة تطالع الفستان بإنبهار ولكن قاطع تأملها دخوله المفاجئ بعدما تأكد أنها انتهت ثم سحبها وهو يقول:
"مش وقته ياختي تقعدي تتأملي في جمالك.. قدامي يلا."
سارت معه وهي تحاول نزع يدها منه قائلة:
"طب بس فهمني إحنا رايحين فين، وأنت مالك متعصب كده."
جلست بجواره بتذمر لأنه لم يخبرها إلى أين كما أمره زين. كان يشعر بالغيظ والحنق، فقد ظل طوال الليل مستيقظاً وهو يفكر بياسمينته وقد هاجره النوم، ولم يستطع النوم إلا عندما حل الصباح، ومجرد أن ذهب في النوم حتى وجد اتصال من زين يخبره بما يفعل. لم يقوى على الاعتراض وهو يسمع تحذيراته بألا يضايقها وإلا لم يتمم له زواجه وما كان منه إلا أن يوافق على امتعاض.
أوقف السيارة على بعد مناسب من المكان ثم أخرج رابطة من جيبه وقام بوضعها على عينيها عنوة تحت رفضها، لهتف هي بتذمر تزامناً مع تكملة السياقة مرة أخرى:
"يا عمر طب فهمني طيب إحنا هنا ليه."
لم يجيبها ثم توقف بعد قليل وهو يترجل من السيارة ويساعدها في النزول برفق كي لا تتعثر بسبب عدم الرؤية.
وما أن رأى المكان حوله حتى توسعت ابتسامته بسعادة وقد نسي غضبه منذ قليل.
سار معها قليلاً وهو ممسكاً بيدها ولم يأبى اعتراضها ثم توقف في مكان معين. ترك يدها واستدار ليرحل ولكن سمع صوتها تقول:
"يا عمر أنت سبتيني ورايح فين."
لمعت عيناه بخبث ليشفي غليله مما فعله به زين قبل أن يرحل. اقترب منها مرة أخرى ثم قبل رأسها وهو يقول بنبرة حزينة:
"بصراحة كده يا روان أنا جبت آخري من جوزك وهو مطلع عيني، دي مكنتش جوازة، ف أنا حبيت أردله اللي عمله فيا بيكي أنتِ وجبتك هنا علشان أسيبه يقعد يدور عليكِ."
توقف ثم تابع بنبرة درامية وكأنه على وشك البكاء:
"سامحيني ياختي... بس هو ذلني كتير والذل وحش أوي يا روان."
"يا عمر ما تهزرش بقى وقول جايين ليه."
أردفت بضيق وهو تظنه يمزح معها حتى شعرت به يبتعد عنها وهي ما زالت تنادي باسمه حتى سمعت صوت عجلات سيارته دلالة على رحيله. وقع قلبها بهلع... هل من الممكن أن يتركها بالفعل؟ تساقطت دموعها وهي تقول بخوف وقد نسيت تلك الرابطة التي على عينيها:
"يا عمر أنت رحت فين وسبتني.. متهزرش معايا أنت عارف إني بخاف."
وعندما لم تستمع منه رد علمت أنه رحل بالفعل، لتقول برعب وهي تبكي:
"يا عمررر."
كانت ستنهار أرضاً ولكن وجدت من يمسك يدها برفق ثم ضمها بحنان. هذه ليست يد عمر.. بل.. بل هي يد زين!! نعم ورائحته أيضاً، فهي تحفظ رائحته عن ظهر قلب. ربت على رأسها وهو يقول بحنان:
"بس.. هشش أهدي خلاص أنا جنبك، وعمر ده لما أرجعله بس ليا حساب معاه."
هدأت قليلاً ثم هتفت:
"طب.. طب إحنا هنا ليه؟"
ابتعد عنها ثم نزع أخيراً تلك الرابطة عنها. فتحت عيونها ببطء حتى توسعت عيونها بصدمة وهي ترى المكان حولها وقد تذكرت أمر المفاجأة التي أخبرها عنها.
فكان المكان مليء بالورود باللون البنفسجي وبلالين من نفس اللون وكل شيء في المكان بنفس اللون، ليكمل هذا المشهد الخلاب لون فستانها وخمارها البنفسجيين أيضاً.
وقفت في المكان تتأمله بذهول، بينما هو يتأملها هي وقد فاق جمالها جمال المكان والذي لا يقارن بها. تساقطت دموعها وهي تستدير له وتقول:
"أنت اللي عملت كل ده علشاني؟"
أومأ لها ببسمة وهو يقول بسعادة:
"أهم حاجة يكون عجبك."
ارتمت بأحضانة وهي تقول بدموع سعادة:
"عجبني فوق ما تتصور.. أنت أجمل حاجة حصلت في حياتي يا زين."
بينما هو شدد من أحضانها وقد أسعدته رؤيتها سعيدة وتلك البسمة التي زينت وجهها كانت مكافأته على المجهود الذي بذله لأجلها، ليهتف لها بحب قائلاً:
"وأنتِ حياتي كلها يا روان."
"يلا يا حور قومي امشي مع جوزك."
تحدث والدها وهو يقترب منها، فمنذ أن غادرت رغد وهي طلبت من ليث أن يتركها معه كي لا يبقى وحده، فقد توسلت له هي وليث لكي يأتي ويعيش معهم ولكنه رفض.
"أنا مش همشي يا بابا عمري وأسيبك لوحدك."
"ملكيش دعوة بيا أنا قادر أخلي بالي من نفسي."
تحدث ليث وهو يوجه نظره نحوه:
"يا عمي مينفعش تقعد لوحدك تعالى معانا وكده وكده هاخد بيت ليا أنا وحور ونستقر أنا بس مكنتش حابب أسيب بابا لوحده في الأول."
رفض رفضاً قاطعاً بعدما حاول ليث معه وأيضاً حور، ليقول بنبرة حازمة:
"قومي يلا يا حور امشي مع جوزك."
هزت رأسها وهي تقول برفض وبنبرة ثابتة:
"مش هسيبك يا بابا يعني مش هسيبك."
تحدث هو بثبات أيضاً:
"وأنا مش هسيب بيتي اللي عشت عمري كله فيه وأنا بقيت كويس وهقدر أخلي بالي من نفسي."
لم تقنعه بحديثه وظلت تجادله حتى ارتفع صوته عليها لأول مرة وهو يأمرها أن تذهب مع زوجها، لتقف وهي تستدير ثم تحدثت بغصة قائلة:
"مش حضرتك جوزتني ليه علشان تحميني من ياسر؟ أهو ياسر معدش موجود ومبقتش محتاجة حماية، يبقى نطلق وكل واحد يروح لحاله."
نظر لها كلاهما بصدمة ولم يتوقع أحدهما أن تتفوه بهذا الكلام.
رواية وسولت لي نفسي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم روان الحاكم
"مش حضرتك جوزتني ليه علشان تحميني من ياسر؟ اهو ياسر معدش موجود ومبقتش محتاجة للحماية، يبقى نطلق وكل واحد يروح لحاله."
نظر كلاهما لها بصدمة ولم يتوقع أحد حديثها.
"حووووور!" صرخ محمد في وجهها.
انتفضت على صراخه بها ووجهه أحمر بشدة.
"لو مقومتيش مشيتي مع جوزك دلوقتي... لا انتِ بنتي ولا أنا أعرفك، وانتِ عارفه كويس اووي إن كلمتي سيف." أكمل حديثه بنبرة حادة وصارمة لأول مرة معها.
توسعت عيناها بصدمة ولم تتوقع أن يتفوه بهذا الحديث أبداً. فمن عادة أبيها يوزن كلامه أولاً ولا يتحدث بشيء إلا ولو كان جاداً به. بينما ليث ظل واقفاً مكانه دون أن يتفوه بشيء، فقط ينظر أمامه بملامح وجه خالية من التعبير.
أمسكت حقيبتها ولم تتحدث، فقط وقفت تنظر إليه مرة أخيرة قبل ذهابها. ظلت واقفة تنظر له لدقائق وأقدامها ترفض السير وتتركه وحده. بينما هو أشاح ببصره بملامح مقتضبة.
تشعر بقلبها يؤلمها.. هل ستتركه وحده يعاني؟
حين وجدت رغد يوم وفاة أخيها وعلمت أنها بمفردها، سعدت بشدة وأصرت عليها أن تأتي لتعيش معهم، رغم أنها تعلم كونه لا يجوز لوجود أبيها معها. ولكنها كانت أنانية وأتت بها كي لا تتركه وحده حين تذهب للعمل.
تقسم أنها أيضا شعرت بالحزن نحوها ولم ترد تركها وحدها هي الأخرى وأتت بها للعيش معهم، لكن كان هدفها الأساسي هو أبيها.
سارت بخطى بطيئة نحو الخارج وكل جزء بها يرفض الرحيل وتود البقاء معه، ولكنه لم يترك لها فرصة للاختيار. وبجانبها يسير ليث الذي التزم الصمت، لم يتحدث بشيء. بينما هي كانت في عالم آخر ولا تدرى ماذا تفعل، وتؤلمها فكرة تركه بمفردها. من ضحى بحياته لأجلها ومازال يضحي أيضاً عندما أصر عليها العودة مع زوجها دون أن يفكر بنفسه.
جلست جواره في السيارة ودموعها تنهمر بشدة ولم تستطع منعها، وتشعر بالحزن الشديد. بينما ساق ليث بسرعة جنونية وقد احتذت قسمات وجهه وبدا كما لو كان غاضباً ووجهه أحمر بشدة.
خرجت من فمها شهقة صغيرة رُغما عنها بعدما فشلت في منع بكائها. حتى أوقف السيارة فجأة أمام المنزل وهو يهتف بغضب وبنبرة عالية أفزعتها: "عاايز أفهم بتعيطي لييه دلوقتي!"
ارتفع صوت شهقاتها وازدادت في البكاء. بينما هو خبط على المقود بعنف حتى كادت يده تُكسر، ولكنه لم يشعر بألمِ بها، لأن الألم الحقيقي كان بقلبه وهو يشعر بنيران مشتعلة داخله.
هي لم تحبه حتى الآن رغم أنه غيّر من نفسه كثيراً. رغم ذلك، لم تحبه وتعطيه قلبها. ليس لأنها قالت هذا، فهو يعلم بأنها تحدثت هكذا لأجل أن تقنع أباها، بل لأنه لو كانت تحبه، ما كانت لتأتي تلك الفكرة أو تجرؤ فقط على التفوه بها. نعم، تفعل كل شيء يرضيه وخير الزوجة له، ولكن يعلم كونه تفعل هذا رضاءً لله ثم له، وليس لأنها تحبه.
تقتله تلك الفكرة وتجعله يجن جنونه. لمَ لا تحبه؟ هل لأنه كان يعاملها بطريقة سيئة الآن؟ أم لأنه ليس الزوج الذي تمنته هي؟ ماذا يفعل لكي تحبه هي الأخرى كما يفعل هو؟
نزل من السيارة ثم نزلت هي الأخرى ولم يتحدث أحدهما بشيء حتى وصلا للجناح المخصص لهما. نزعت نقابها وقامت بغسل وجهها أولاً وهي تجفف دموعها بحزن. ثم اقتربت منه وهمت لتتحدث تزامناً مع مسكها لديه وهي تهتف: "يا ليث..."
قطع حديثها نزع يده منها بعنف وهو يشيح ببصره عنها أكثر. تساقطت دموعها أكثر وهي تشعر بالإرهاق الشديد. تحدثت من جديد وهي تمسح دموعها: "ليث أنا آسفة، أنا متوقعتش إنك هتصدق الكلام، والله العظيم أنا بس كنت بقوله كدا علشان يوافق يخليني أقعد معاه حتى شوية، أنا مش قادرة أسيبه لوحده صدقني."
ابتسم بسخرية على حديثها ولم يجب عليها، وقد ظهر الحزن في عينيه. رفع بصره نحوها ثم تحدث وهو ينظر لعيناها بقوة وهو يهتف: "انتِ بتحبيني يا حور؟"
نظرت له بتعجب ودهشة من سؤاله المفاجئ هذا. لم تتحدث وكأنها لم تكن تتوقع إجابته. كيف يسألها هذا السؤال؟ رغم إنها لم يسبق لها إخباره بمشاعرها ولم تصرح بها. حينما لاحظت نظراته المتلهفة نحوها سارعت بالرد وهي تقول: "أي السؤال دا.. أيوه بح.."
قطع حديثها وهو يضع يده على فمها يمنعها من أستكمال حديثها، ليتحدث بتهكم وحزن دفين: "متكملهاش.. الكلمة دي اتمنت أسمعها بس وهي خارجة من قلبك بجد، مش علشان تراضيني بيها ياحور."
أيعقل أنها لم تحبه؟ هي لا تعلم حقيقة مشاعرها حتى. فقد فُرضت عليها ثم اعتادت وجوده، ولم تفكر يوماً بمشاعرها نحوه. لتجيبه بصدق وهي تقول: "كل الفكرة إنك اتفرضت عليا يا ليث من غير ما أختار، مش هقولك بحبك لأني فعلاً معرفش مشاعري أي، لكن أنا فعلاً اتعودت عليك ومقدرش أعيش من غيرك."
بينما هو لم يتأثر بحديثها. فقط كل ما يشغل باله بأنها لا تحبه، وهذا يعني أنها من المحتمل أن يأتي يوم وتتركه؟ عند هذا الحد توقف عقله عن التفكير. لن يسمح لها بأن تتركه حتى ولو طلبت هي ذلك.
اقتربت منه وهي تمسك بذراعه ولكنه نفضه عنها بعيداً لتتساقط دموعها أكثر. ألا يكفيه حزنها على والدها ليأتي هو ويكمل عليها؟ لم يتحمل رؤيتها تبكي هكذا. كان سيهم لاحتضانها وإرضائها ولكنه مازال غاضباً منها، لذا رحل قبل أن يضعف وهو يلعن قلبه بشدة.
ذهب غرفة والدته وهو يطرق بابها ولكنه ابتسم بسخرية عندما لم يسمع ردها. وكيف ستسمعه بعدما دخلت في غيبوبة مجدداً عندما علمت خبر وفاة شقيقه!!
كانت ممدودة على الفراش بلا حولِ لها ولا قوة. اقترب منها وهو يجلس جوارها ويقول بضعف: "ليه...ليه كل مرة كنتِ بتختاريه هو وأنا لأ، سبتيني وأنا صغير علشانه بعد ما كنتِ بتحبيني أنا وعمرك ما شوفتيه، رغم إني لحد الآن زعلان منك علشان فكرتي فيه وأنا لأ."
صمت يبتلع غصة مريرة بحلقه ويشعر بألمِ شديدِ داخل صدره. ثم أكمل بضعف: "حتى بعد ما مات اختارتي تستسلمي للواقع علشانه وتسبيني مرة تانية، وكأنك مستنية الموت علشان تروحيله، مش هتختاريني أنا لمرة مرة يا ماما؟"
سقطت دموعه وهو يتمدد جوارها وينام بحضنها يشعر بثقل شديد وغير قادر لأخذ أنفاسه حتى كاد يختنق. ثم هتف ببكاء وهو يقول بألم: "أنا محتاجك جنبي أوي، قومي ياماما بقى، اختاريني أنا ولو مرة واحدة."
يشعر بأنه غير مرغوب به، لا أحد يحبه ولم يفضله أحد. وكأنه منبوذ من الجميع. كيف كان يتوقع من حور أن تختاره وأمه لم تفعل؟ يبدو بأنه لا حظ له أن يختاره أحد.
هي فضلت أخيه حتى بعد وفاته، وحوره أختارت أباها. يبدو أنه سيظل منبوذاً من الجميع.
وقفت روان بمنتصف الصالة وهي تمسك بالبلاليين في يدها تحاول أن تعلقها، بينما هو يقف على بعد أمتار منها يتأملها فقط وينظر لها ببسمة وهي غير منتبهة له وتصب كامل تركيزها على ما تفعل بعدما فشلت في تعليقه بشكل جيد.
لتزفر بضيق ثم استدارت تبحث تبحث عنه بعينيها حتى وجدته يقف ينظر لها وإبتسامة خبيثة تزين وجهه. تحدثت بضجر وهي تقول: "يعني شايفني واقفة مش عارفه اعمل حاجة وأنت واقف تتفرج عليا يازين؟ مكنش العشم."
لم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه ثم قال ببسمة إستفزتها: "مش انتِ اللي فضلتِ تقولي سيبني أنا أعمل دول وملكش دعوة بيهم علشان تقولي لعمر إنك أنتِ اللي عملتيهم؟"
نظرت له قليلاً بتذمر. فهي من طلبت أن يتركها تعلق الحبل الأخير لأنه لم تفعل شيئاً وهو من قام بتعليقها. استدارت لتنزل ولكنها توقفت وهي تجده يحاوطها بذراعيه من الخلف ثم أمسك يدها وساعدها في تعليقهم وهو يقف على طرف المقعد التي تقف عليها هي الأخرى.
قامت بتعليقهم جميعاً عن طريقه هو حتى انتهوا. استدارت له ببطء وهي تنظر له ببسمة قائلة: "شكرا يا زين."
"لأ أنا مبحبش الشكر بتاعي ناشف كدا."
أنزلت رأسها أسفل بخجل ولكنه سمعت زمجرته. اقتربت منه أكثر ثم طبعت قبلة رقيقة على خده. ابتسم لها بسعادة كبيرة ولكنه أراد مشاكستها وهو يقول بضيق زائف: "لأ البوسة دي لأخوكي مش ليا أنا."
"فعلا يا روان معاه حق، البوسة دي ليا أنا مش ليه."
انتفضت بفزع وهمت لتقع لولا يده التي أمسكت به وهي تستدير لترى عمر يقف ويطالعهم بتهكم. نظر له زين وهو يقول من بين أسنانه: "عايز أي ياعمر."
"جبت باقي الشنط بتاع الشبكة."
أومأ له زين ببرود ثم أردف: "طب شكراً يا عمر، ومتنساش تاخد الباب في إيدك."
نظر له الأخير بضيق داخلي. لولا أن اليوم خطبته على ياسمينته لكان له تصرف آخر. فهو من أصر على أن تتم الخطبة قبل بدء الامتحانات بعدما وافقت عليه ياسمين وذهب هو ووالديه. لذا تركهم دون أن يتحدث واستدار ليرحل. ولكن هذا لا يمنع من أن يقوم ببعض العبث معهم. أومأ لزين ثم غادر بهدوء تحت دهشة الاثنين. ولكن زين لم يهتم وهو يعود بنظره نحوها ويقول بمشاكسة: "كنا بنقول أي قبل ما..."
انتفض الاثنين بفزع مما أدى لسقوطهم أرضاً إثر هذا الصوت الصاخب الذي دوى في المكان فجأة ولم يكن سوى صوت الصاروخ الذي وضعه لهم قبل ذهابه لينزع لهم لحظاتهم. نظر زين في أثره بغضب وهو يقول: "ماشي ياعمر بس لما أشوفك لأطلع كل دا على عنيك."
سمعوا صوت ضحكات صاخبة تأتي من خلفهم. نظروا لها ليجدوا ياسمين تضع يدها على فمها وهي تحاول من ضحكاتها. نظر لها زين بغيظ وهو يهتف: "أنا بقول تفكرى في الخطوبة دي الأول يا ياسمين."
ضحكت روان هي الأخرى ثم ابتعدت عن زين تحاول الوقوف. وقام هو الآخر معها وهو ممسكاً بها. بينما نظرت لهم ياسمين للحظات وهي تقول قبل أن ترحل بدلع: "اشتغلوا كويس وبضمير عايزة خطوبتي على سنجة عشرة."
نظرت لها روان بتشنج لتهتف بإستياء وهي تقول: "والله أنا قولت من الأول عمر مينفعش معاه غير ياسمين."
جلست حور على طرف الفراش الخاص بها وهي تنظر لها بحزن دفين.
"أزيك يا طنط تهاني، أنا عارفة إن حضرتك سامعاني."
"الحقيقة أنا كنت حابة أتكلم معاكِ شوية."
"لما ماما وعبدالرحمن أخويا ماتوا في حادثة مرة واحدة، أنا فضلت سنة كاملة مش بتكلم ولا حتى بخرج وأجلت جامعتي في السنة دي. كل حاجة مشيت زي ما هي إلا أنا."
"بابا حاول معايا كتير بس صدقيني كان غصب عني، مكنش بإيدي رغم إني حاولت كتير أرجع لطبيعتي لكن مكنتش قادرة. دي مهما كانت أمي وده كان أخويا، إزاي هتقبل موتهم بسهولة كدا؟."
"مرة بابا دخل وقعد جنبي وبدأ يتكلم معايا، ساعتها قالي حاجة واحدة فضلت أفكر فيها كتير. قالي يابنتي العمر مفهوش متسع للحزن، عمرك كله هيعدي من غير ما تحسي وإنتِ فاكرة إنك بتتعافي...لما تفوقي من دوامة الحزن دي هتلاقي حاجة أكبر هتحصل معاكي وتدخلي في دوامة حزن جديدة وهتفضلي عمرك كله على نفس النهج لحد ما تلاقي عمرك خلص وإنتِ مش عارفة هو عدى في إيه؟."
"ساعتها بس هتقولي ياريتني كنت استغلت كل دقيقة من وقتي. شوفي ياحور رغم حبي الشديد لأمي وضهرى انكسر بعدها، إلا إني مستسلمتش للحزن وكملت حياتي حتى لو لحد الآن لسه ببكي عليها وفاكرها."
"الدنيا كلها ابتلاءات مش عليكي انتِ لوحدك؟ هيتردد عليكي سؤال في الآخر، «وعن عمره فيما أفناه؟» أفنيتي عمرك في إيه يا حور قوليلي كدا؟ عملتي إيه تقابلي بيه ربنا، بدل ما تبصي لنعم ربنا عليكي بصيتي للي ناقص منك ووقفتي حياتك عليه؟ مبصصتيش إنك لسه عندك بيت وعندك صحة، ده يكفي إنك اتولدتي مسلمة دي في حد ذاتها تكفي. فوقي لنفسك ياحور قبل فوات الأوان وقبل ما تلاقي عمرك كله عدى وإنتِ مضيعاه في حزن على شيء مش هيرجع."
"تعرفي، كلام بابا مش بس فوقني، لأ ده خلاني كمان بقيت أتمنى لو الزمن يرجع بيا علشان معملتش اللي عملته دا. كنت هزعل وأحزن وده حقي لكن كنت هكمل حياتي وأفكر في آخرتي ومش هتمسك بالدنيا كدا."
"اللي عايزة أقوله لحضرتك إن الوقت بيسرقنا والعمر بيجري من غير ما نحس بيه. أنا عارفة إن اللي عديتي به كان صعب، بس برضو لسه قدامك وقت تعملي حاجات وكمان معاكي ابنك وزوجك تعوضي كل اللي فات وتجيبي لي أحفادك كمان."
صمت، تأخذ أنفاسها وهي ترى تحرك رموشها بشكل غير منتظم وكذلك يدها التي بدأت تتحرك. سقطت دمعة من عيونها دلالة على تأثرها بالحديث. ابتسمت لها حور بحماس وهي تكمل حديثها: "مش هتقومي بقى علشان أشتكيلك من ليث ابنك اللي مزعلني ده، أنا عارفة إنك انتِ اللي هتقفي في صفي، بس أنا عايزة أقوم بالسلامة الأول وتفكري في حياتنا وكفاية حزن على اللي فات ونفكر في اللي جاي ونعيش الباقي من عمرنا من غير حزن."
"طبيعي إننا هنقابلنا عواقب وأحزان بس هي الدنيا كدا، ومصيرنا في النهاية هنموت، يبقى نعيش الباقي ونفكر في آخرتنا بس علشان نقدر نتخطى مصايب الدنيا، أتمنى حضرتك ترجعيلنا وتفكري في ليث وعمي محمود اللي متأثرين عشانك وتبدأي تعوضيهم عن كل اللي فات، علشان هم تعبوا أوي في غيابك وآن الأوان إنك ترجعي شملكم من جديد."
أنهت كلامها وهي تمسح دموعها وترى تغير ملامح وجهها. ابتسمت لها ثم استدارت لترحل ولكنها وجدت محمود يقف أمام الغرفة. ابتسمت له ثم خرجت لكي تتركه معها، وهي تعلم بأن حديثها سوف يكون بداية لجعلها تستفيق لهم. تبقى فقط ليث. تنهدت بحزن وهي لا تدري ماذا تفعل معه، فقد حاولت بأكثر من مرة ولكنه مازال غاضباً منها بل ويتجاهلها أيضاً.
"ياماما يلا بقى."
وقف عمر بتذمر ينادي والدته وهو لا يطيق الانتظار أكثر. لا يصدق بأن اليوم سوف يزين إصبعها خاتم خطبتهما. كان يشعر بالسعادة الشديد والحماس أيضاً. انتهوا جميعاً بعدما أرغمهم على ذلك لكي يذهبوا.
ركبوا السيارة وطوال الطريق لم يكف عن التذمر والضرب على بوق السيارة وتشغيل الأغاني الصاخبة، فالليلة ليلة خطبته.
أما عن ياسمين، وقفت أمام المرآة وهي تنظر لنفسها بفرحة ثم أخذت تدور حول نفسها بسعادة. فاليوم هو يوم خطبتها والذي تمنته كثيراً كأي فتاة. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً وفوقه خماراً ونقاباً بنفس اللون مما زادها جمالاً وكأنها أميرة وتسحر كل من يراها، وأضفى على هذا الجمال سعادتها.
دخلت روان الغرفة مجدداً بعدما ذهبت لارتداء ثيابها والتي كانت ترتدي فستاناً باللون الوردي وفوقه خماراً بنفس اللون قد زادها جمالاً هي الأخرى والتي كانت سعادتها لا تقل سعادة عنهما.
"إنتِ كده هتكوني خطر على الواد عمر الغلبان وأنا مش ضمناه الحقيقة."
ضحكت ياسمين بسعادة واقتربت منها وهي تضمها بفرحة وقلبها ينبض بشدة. ثم سارت معها للخارج حيث تواجد جميع العائلة. النساء بالداخل في الصالة التي تم تزيينها. والرجال بالخارج يقوم زين ووالده باستقبالهم في حجرة الضيوف، فالخطبة منفصلة. الرجال في مكان منعزل قليلاً كي تستطيع الفتيات أخذ راحتهن.
وقفت العروس في المنتصف والجميع منبهر بهيئتها. رغم أنها ترتدي النقاب إلا أنها بدت جميلة للغاية. اقترب منها الجميع يهنئونها. وبعد قليل وصل عمر هو وعائلته.
وما إن رآها حتى تسارعت دقات قلبه وهو ينبض بشدة. ظل واقفاً مكانه ينظر لها بفرحة ولا يصدق. رغم احتشام ملابسها إلا أن هيئتها كانت مهلكة لقلبه المسكين.
سار نحوها بسعادة وهم ليحتضنها ولكنه تذكر أنها خطبة فقط وليس عقد ليتراجع وهو يصبر نفسه بأنه اقترب من نهاية المطاف وقريباً سوف تصبح زوجته.
جلست ياسمين وجلس هو الآخر على بعد قليل منها لكي يلبسها خاتم الخطبة ولكنها رفضت طالبة من والدته أن تلبسها إياه. همت لترفض ولكنها وجدت نظرات عمر المترجية لها لتذهب وهي تلبسها على امتعاض كي لا تنزع فرحة صغيرها وها هي ارتدت أول خطوة سوف تقربهما من بعضهما البعض.
ذهب زين لعمر ثم أخذه معه عنوة تحت تذمره ورفضه بأن يبقى معها، ولكنه رحل معه تحت إصراره لكي تبقى الفتيات على راحتهن.
وقفت ياسمين ثم نزعت نقابها وبقيت بالخمار فقط وقامت بتشغيل بعض الإنشودات التي تحفظها عن ظهر قلب بدون موسيقى وإنما فقط بالدف.
أخذت تتراقص عليها بفرحة وانضمت لها روان وبعض أصدقائها دون حور التي اعتذرت منها بسبب مرض حماتها. بينما يقف البعض الآخر غير مرحب لتلك الأجواء ويرى أنها غير مبهجة.
أما عن ياسمين فكانت تتمايل بخفة كالفراشة وهي تتراقص بسعادة وقلبها يرقص هو الآخر وتضحك بخفة. ثم أخذت تدور بفرحة كما فعلت معها روان وقد أشعلوا الجو بالحماس حتى انضم لهم بعض الفتيات وهم يقلدون الرقصة التي تفعلها ياسمين بمهارة وهي تقوم بتحريك يدها تزامناً من كلمات الأغنية.
توقفت وهي تأخذ أنفاسها ثم تحدثت بصوتِ مرتفع كي يصل للجميع وهي تقول: "أنا حقيقي بشكر كل حد حضر وفرحان علشاني واتمنى تكونوا انبسطوا، واللي محبش الجو وكان منتظر الأغاني ف أنا آسفة ليه، أنا مش هغضب ربنا علشان أرضي حد. مش لازم علشان أفرح أغضب ربنا وأشيل ذنب كل واحدة هتسمع الأغاني اللي هشغلها."
"بل شفتوا الخطوبة الإسلامية جميلة إزاي بدون معاصي وإحنا لوحدنا بدون رجالة علشان نقدر ناخد راحتنا وننبسط ونفرح بدون ما ناخد ذنوب واتمنى فعلاً الكل يعمل كدا، ودلوقتي يلا علشان نكمل بقى."
عادت للرقص من جديد وهي تشعل الجو بالحماس أكثر وقد بدأ الجميع يندمج معها. بينما روان تقف تراقبها ببسمة وتتخيل نفسها مكان ياسمين. فهي حتى لم تحتفل لا بخطبة ولا بكتب كتابها ولا تعلم تلك السعادة التي بها ياسمين لأنها لم تجربها بعد.
نظرت بحزن وتمنت لو أنها احتفلت مثلها. وجدت من يجذبها من ملابسها. نظرت له لتجد طفل صغير يخبرها بأن تأتي معه.
سحبها الصغير من ثيابها دون أن يوضح لها شيء وهي فقط تسير ولا تعلم إلى أين يأخذها حتى تركها أمام المطبخ. وقفت تنظر حولها ولا تعلم لمَ أتى بها إلى هنا. همت لترحل ولكنها شهقت بفزع حين وجدت من يجذبها بعيداً عن الأنظار ويضع يده على فمها.
وقف ليث يتنهد أمام حجرتها وهو يستعد للحديث ويفكر كيف سيصالحها. فهو قد بالغ بغضبه منها وهي لم تفعل شيئاً سوى أن تحاول رضائه. لقد أخذ بنصيحة أبيه الذي لاحظ أن أمورهم ليست على ما يرام. أخبره بأن يقف هو بجانبها ولو لمرة واحدة كما تفعل هي دائما معه منذ زواجهم ولن تشتكي.
هي حاولت إرضائه بشتى الطرق ولكنه كان غاضباً ودائماً ما يعاملها بجفاء. لذا سيسمع بنصيحة أبيه فهي مهما كانت بشر ولها قدرة على التحمل سوف تنفذ في أي وقت بدلاً من أن يقف معها بسبب حزنها على أبيها تركها وحيدة وهي التي كانت تفعل ما بوسعها لأجله.
أمسك الهدية التي جلبها لها ثم فتح باب حجرتهما لكي يصلح خطئه ولكن يبدو أنه قد تأخر كثيراً. وجدها نائمة بهدوء على غير عادتها في هذا الوقت.
اقترب منها وهو ينادي باسمها بهدوء ولكنها لم تستجب له، ليقول بضجر: "اصحي ياحور بقى بدل ما والله هزعل منك تاني."
ظل ينادي عليها مجدداً ولكن أيضا لا رد مما جعله يغضب منها. اقترب منها بضيق كي يهزها ولكنه وجد جسدها ينتفض بشدة. أدارها له لتتوسع عيونه بصدمة ويقع قلبه برعب عليها...
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم روان الحاكم
انتفض جسده بفزع وكأن عقرباً لدغته. ما إن لامست يده وجهها الملتهب وكأنه يشع حرارة، فكانت درجة حرارتها مرتفعة بطريقة أفزعته. أخذ يهزها في محاولة لإفاقتها دون جدوى وهي تهذي بكلمات غير مفهومة وشبه فاقدة للوعي ووجهها شاحب بشدة.
ظل واقفاً لثوانٍ معدودة مرت عليه كالسنوات وعقله لا يستطيع التفكير بشكل جيد وهو يراها بهذه الحالة أمامه ولا يعلم ما بها. تيبس جسده وشُلت حركته وهو فقط ينظر إليها حتى توصلت الإشارات لعقله أخيراً وأنبأته بوجود خطر حولها. ليستفيق رغماً عنه وهو يجلب لها ملابسها. ثم ألبسها على عجالة وقام بحملها دون تفكير ليذهب بها إلى المشفى.
كان يسوق بسرعة جنونية وهو من بين الحين والآخر ينظر لها بخوف وهو يبتلع ريقه بألم ثم يتابعها بعينيه في المرآة ويدعو الله بداخله بأن يحفظها. ولا يعلم ما أصابها سوى أن هذه يبدو عليها أعراض حمى.
وصل أمام المشفى وهبط من مقعده مسرعاً ثم توجه نحوها وهو يحملها مرة أخرى وهرول للداخل وهو يصرخ بصوت مرتفع جذب أنظار من حوله كي يأتوا لها مسرعين.
قاموا بأخذها منه كي يتم فحصها. وقد رفض تركها في البداية وأراد الدخول معها إلا أنه وافق بيأس حين هاتفه الطبيب باحترام بأنه لا يجوز.
جلس على أقرب مقعد وهو يضع وجهه بكلتا يديه ويشعر بالإرهاق الشديد وقد ثقلت عليه أنفاسه وضاقت به الدنيا زرعاً، إلا حور. فهو لن يتحمل أي مكروه يصيبها فهي البقعة المضيئة الوحيدة في حياته المظلمة والجانب المشرق منها.
خرجت طبيبة بعد مدة ليست بقليلة وهي تبحث بعينيه عنه حتى وجدته يقترب منها مسرعاً وهو يقول بلهفة:
"خير يا دكتورة... هي كويسة؟"
"للأسف الشديد هي عندها حمى شديدة وكان المفروض حد يلحقها من بدري علشان كده زادت أكتر وده سبب لها خطورة. عموماً، إحنا هنعمل اللي علينا وهتفضل تحت الملاحظة."
وقع قلبه وترنح في وقفته قليلاً، هل من الممكن أن يفقدها؟ سار بخطوات بطيئة نحو الخارج وملامحه مقتضبة ويشعر بثقل شديد في قلبه وكأنه يحمل هموم الدنيا بأجمعها. لا يدري أين يتجه هو فقط يسير بلا وجهة معينة ولا يعلم إلى أين ذاهب ولا إلى أين ستقوده قدماه وهو شارد تماماً ويشعر وكأنه كبر عمرًا فوق عمر.
ظل يسير حتى توقفت قدماه أمام جامع قابله. تردد كثيرًا في دخوله حتى عزم أمره وهو يدخله منكسر الرأس ويشعر بالخجل من نفسه ويستحيي من الله فهو لم يدخله منذ يوم خطفها، وها هو يدخله للمرة الثانية وأيضًا بسببها.
ألا تتذكر متى يا عبد السوء ذكرت ربك؟ ألا تتذكر كم بكيت له راجيًا متوسلاً وأنت تدعوه بما يضيق به صدرك زرعًا، وحين استجاب هجرته متناسيًا كم تذللت وبكيت وعهدت بألا تعود كما كنت وعدت.
ها أنت أتيت له مرغمًا كي تسأله مطلبك وأنت متيقن بأن الله لن يخذلك كما يفعل معك كل مرة تأتيه. ألا تتذكر ربك يا عبد السوء إلا حين تشق عليك الدنيا فقط؟
ها هو يقف بين يدي الله يصلي وهو يناجي ربه ويدعوه بما يجوش داخل صدره وهو متيقن تمام اليقين بأن الله لن يخذله.
جلس بعدما انتهى وهو يبتسم بسخرية بداخله، ولسان حاله يقول: لمَ لم آتِ إلى هنا دوماً دون أن يكون لي حاجة؟ ألا يكفيه كل هذه النعم التي ينعم بها؟ مسح دمعة خائنة فرت من عينيه وهو يشعر بوجع كبير داخل صدره لن يداويه شيء سوى الله.
مر شريط حياته أمام عينيه وهو يرى أفعاله. لم يفعل ولو شيئًا واحدًا ينجيه البته. يراجع ذكرياته وحب الدنيا بقلبه ولم يفعل شيئًا لآخرته. حسنًا، يكفي هذا فهو ما زال أمامه الكثير من الوقت ليتغير وهذه المرة بصدق. سوف يبدأ حياة جديدة معها دون أن يعيقه شيء.
ابتسم براحة ثم قام ليذهب وقد أنفق الكثير من الصدقات بنية شفائها وهو يعلم جيدًا ما تفعله الصدقات لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: داووا مرضاكم بالصدقات.
هبط من سيارته وهو يتجه للمشفى مرة أخرى ثم دلف للحجرة التي تجلس بها دون أن يراه أحد.
جلس ليث على طرف فراشها وهو ينظر لها بحب ممزوج بألم. كم تبدو رقيقة وجميلة وهي تنام بهدوء. كيف لها أن تكون بهذا الصبر والسكون رغم الفوضى التي تعم حولها؟
وأكبر فوضى بالنسبة لها هو!
ظل ينظر إليها مطولاً وهو مثبت نظراته عليها فقط يشبع عينيه من جمال وجهها. أمسك يديها وهو يقبلها بحب شديد ثم هتف بندم:
"تعرفي يا حور، من أول يوم شوفتك فيه في الشركة وأنا عرفت إنه محدش هينجدني منك وإني هحبك. ويمكن ده من الأسباب اللي خلتني أتصرف معاكي بالشكل ده بجانب إنك كنتِ شبه ماما. طول الوقت وأنتِ فيكي حاجة بتشدني ليكي كل يوم أكتر لحد ما اتعلقت بيكي."
اقترب منها ثم قبل وجهها وأزاح وشاح رأسها وهو يمسد على شعرها بحنان ثم هتف:
"بالمناسبة، أنا ما كنتش أعرف إنه أنتِ لما جيت أتقدم لك. أنا بعت جون عشان يرضي بابا. بس لما لقيتك أنتِ حسيتها إشارة من ربنا ليا. وكنتِ فعلاً النور اللي نور لي طريقي. لكن كان فيه مشكلة."
صمت قليلاً وهو ينظر لها وكأنها تسمعه ثم أردف بحزن دفين:
"إنه مينفعش واحد وحش زيي ياخد واحدة نقية وبريئة زيك. دول ما يتجمعوش مع بعض. تعرفي... أنا لو كان عندي بنت زيك كنت يستحيل أديها لواحد زيي."
أخذت نفسًا عميقًا وهو يزفره بألم ثم أكمل:
"لكن أوعدك إني أتغير عشان لا أنا هقدر أسيبك، ولا هينفع أكون معاكِ وأنا وحش كده وأنتِ تستاهلي حد أحسن مني بكتير أوي. لكن نصيبك بقى إنك وقعتي فيا."
قرب يدها من فمه يقبلها ببطء ثم احتضن يديها بين كفيه وهو يكمل:
"ارجعي لي يا حور عشان أنا من غيرك ضايع ومشرد من غير مأوى."
وما إن أنهى حديثه حتى حركت يديها قليلاً وأخذت ترمش بأهدابها عدة مرات، لينظر لها بلهفة وهو يقترب منها ولسان حاله يقول:
"الحمد لله... الحمد لله."
شهقت بفزع وهي تجد من يسحبها فجأة داخل المطبخ ويضع يده على فمها. استدارت له وهي تنظر له بغيظ فمن غيره سوف يفعل هذا فهو مؤخرًا أصبحت تصرفاته معها طائشة أشبه لتصرفات عمر، وللحقيقة هي أحبت هذا وبشدة. أخفت بسمتها بصعوبة ثم رفعت نظرها له وهي تهتف بضيق زائف:
"يا زين خضتيني... حد يشد حد فجأة كده."
"كنت عايزك تخرجي ومعرفتش أدخل فبعت لك حد وجبتك لهنا."
"وكنت عايزني ليه؟"
سألته باستفسار عن سبب قدومه. صمت قليلاً يفكر بحديثه. هو يعلم أنها حزينة لكونها لم تحتفل مثل أي فتاة لا بيوم خطبتها ولا بيوم عقدها، ليقول بمشاكسة وهو يحاوطها بذراعيه:
"وحشتيني."
اخفضت بصرها بخجل ليرفع ذقنها مرة أخرى إليه وهو يقول بمسة:
"إنتِ عارفة إن كتب كتابنا جه فجأة وملحقناش نحتفل. لكن أوعدك إني أعمل لك أحلى فرح."
أومأت له ببسمة وفرح. فهو قد شعر بما يحزنها دون أن تخبره. تذكرت كم عانى لأجلها ووقف بجوارها لذا توسعت بسمتها أكثر وهي تقول بعيون لامعة:
"كفاية عليا فرحتي بيك يا زين."
تسارعت دقات قلبه بشدة وسرت رجفة خفيفة بجسده. كيف لحروف اسمه أن تكون بهذا الجمال وهي تنطقها؟ نظر لها مطولاً وقد انتبه لما ترتديه الآن. وقد خطفت قلبه بهيئتها تلك. ظل ينظر لها وعيناه تأبى النظر لأي شيء غيرها. فستانها الساتر المحتشم وخمارها الذي يزين وجهها. كيف لها أن تكون بهذا الجمال حقًا؟ لا يعلم أهي جميلة للحد الذي يجعله غير منتبه لأي شيء سواها، أم عيونه هي التي تراها كالفتنة أمامه. استند بجبينه على مقدمة رأسها وهو يقول بتنهد وأنفاس لاهثة كما لو كان يجري منذ زمن:
"إحنا لازم نقدم ميعاد الفرح... كده كتير عليا."
وما إن أنهى حديثه حتى اقترب منها أكثر وقد نسي أين هو وقد ضعف أمام هيئتها المبعثرة له. لم ينتبه حتى أنهما يقفان في المطبخ ولكنه لم يعد يتحمل أكثر.
قرب وجهه منها وكأنها كالمغناطيس تجذبه إليه وقد أوشك على فعل شيء لم يكن يريده ولكنه ابتعد عنها حينما قامت بدفعه فجأة وهي تنظر خلفها.
تعجب تصرفها المفاجئ ونظر لما تنظر له ليجد والدته تقف على بعد منهم والذي ما إن دخلت حتى رأتهم هكذا. وكأنه قد انتبه أخيرًا لمكانه وكأنه كان مغيبًا عن الواقع تمامًا ثم عاد. شعر بالحرج الشديد منها وشعر بالندم يعصفه أيضًا.
أما عنها فقد تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها وهي تنظر أسفل وقد ترغرغت الدموع في عينيها من شدة خجلها وتبتلع ريقها بصعوبة وقد تعرق جبينها.
كان وجه والدته خاليًا من أي تعابير، ولكنها كانت تنظر لروان بتتمعن وكأنها ترسل لها نظرات ذات معنى.
همت لترحل ولكنها استدارت له وهي تقول دون أن تنظر له:
"المرة الجاية ابقى خدها في أوضتك عشان تكون على راحتكم أفضل."
لم يستشف من نبرتها أهي تمزح أم تسخر منه؟ أو غاضبة!!
كان يشعر بالتشتت. يقسم بأنه كان في لحظة ضعف ولم يستوعب ما كان سيفعله، فقد تغيب عن الواقع أمامها. فهو بالتأكيد ما كان ليضعها في مثل هذا الموقف وتحديدًا في هذا المكان الذي من المفترض مرور أي شخص به.
رحلت من أمامه مسرعة وقد حاول اللحاق بها ولكنها لم تتوقف وانصرفت من أمامه وقد تساقطت دموعها بندم. عادت حيث ياسمين والفتيات والذي لاحظن غيابها ثم وقفت بالقرب منهم بعدما مسحت دموعها جيدًا كي لا يلاحظ أحد ولكنها لم تشاركهن الرقص بل وقفت على بعد منهن وهي تنظر من حين لآخر لزوجة عمها والتي تجاهلتها تمامًا.
شعرت بالاختناق ثم أنزلت رأسها أسفل وتشعر بالخزي. ماذا ستقول عنها الآن؟ ما كان عليها أن تستسلم وتضعف هي الأخرى. تحركت بعيدًا عن الجميع كي تعود منزلها ولكنها وجدت زوجة عمها تناديها. أغمضت عينيها وهي تسير معها نحو غرفتها وتستعد لتلقي توبيخها. فهي من الأساس لا تحبها ومالبثت أن رأت ما يغضبها منها أكثر.
جلست زوجة عمها على المقعد وهي تشير لها بالجلوس هي الأخرى لتفعل ما أمرتها به وهي تجلس أمامها على استحياء وتنظر أسفل بخجل لتقول زوجة عمها بنبرة حازمة:
"ارفعي راسك، أوعي عمرك توطيها أبدًا."
رفعت رأسها بتردد وهي تنظر لها بندم وقد تساقطت دموعها ثم هتفت بحزن:
"أنا آسفة والله يا مرات عم..."
قاطعتها وهي تقوم من مكانها ثم جلست جوارها وهي تمسك يدها وقد لانت ملامحها قليلاً تزامناً مع قولها:
"متبرريش حاجة، أنا مش زعلانة منك بالعكس، يكفي إني شايفة فرحة ابني طول ما أنتِ معاه وأنا مش عايزة أكتر من كده حتى لو ما كنتش بحبك. أنا زعلانة عشان الموقف اللي حطيتي نفسك فيه. سيبك مني أنا... أنا مش غريبة، بس لو كان حد غيري دخل كان هيبقى منظركم إيه؟"
صمتت قليلاً وهي تتابع تعابير وجهها والذي يبدو عليها الخجل والندم، لتكمل حديثها بجدية قائلة:
"زين مهما كان شاب ملتزم فهو راجل ومصيره يضعف قدام شهواته لو ساب نفسه ليها، وأنتِ أكبر فتنة ليه خصوصًا لما يكون لسه أعزب، ف أنا مش بلومه مش عشان هو ابني لأ، بس أنا متأكدة إنه لو كان في وعيه ما كانش هيحطك في موقف زي ده. كان المفروض منك أنتِ اللي ترفضي لأن لو كان هو ضعف ما كانش ينفع أنتِ تسمحي له يتجاوز."
طالعتها روان قليلاً بتردد ثم أردفت بهدوء:
"أنا أعرف إنه مش حرام وغير إني محبتش أزعله لأن هو بيعمل كل حاجة عشان يسعدني ومنتبهتش للمكان اللي إحنا واقفين فيه."
"شوفي يا روان، أنتِ زي ياسمين، يمكن آه زمان ما كنتش بحبك لكن دلوقتي الأمر يختلف وأنتِ بقيتي مرات ابني وهخاف عليكِ زي بناتي. اتقلي عليه وبلاش تخليه يتعدى حدوده ويتجاوز معاكِ رغم إنه ابني أهو بس أنتِ مستسلميش وكل حاجة في أوانها أحسن بكتير. يعني آخره بالكتير تحني عليه بحضن أو تسيبيه يمسك إيدك ولو طمع في أكتر من كده أديله على دماغه ومتخليهوش يتجاوز معاكِ أكتر من كده، فهمتيني يا روان أنا عايزة أقولك إيه؟"
أومأت لها بهدوء ثم هتفت بامتنان وقد شعرت براحة كبيرة بعد حديثها وكأن حجرًا انزاح من على صدرها وهي تردف:
"شكرًا جدًا يا مرات عمي مش عارفة أقولك إيه..."
قاطعتها وهي تنظر لها بحدة قليلاً قائلة:
"مش عايزة أسمع كلمة مرات عمي دي تاني."
خافت من نظراتها ولم تجب ولا تعلم سبب تغيرها المفاجئ، لتكمل الأخيرة جملتها وهي تقول ببسمة ظهرت على وجهها لأول مرة منذ أن جلست معها هاتفة:
"قولي لي يا ماما، أنتِ خلاص بقيتي زيك زي ياسمين وزين."
تهللت أسارير وجهها غير مصدقة وشعرت بالسعادة لكون زوجة عمها تقبلتها أخيرًا بعد كره دام لسنوات لتهتف بفرحة غامرة:
"حاضر يا... يا ماما، صدقيني أنا بحبك أوي."
احتضنتها بحنان وهي تربت على رأسها ثم تحدثت معها قليلاً وخرجا سويًا وروان قد تبدل حالها ودب الحماس بها بعدما كانت ذابلة منذ قليل وعادت لها الحيوية من جديد وقد اقتربت من ياسمين وأخذت ترقص معها بفرحة وتقلد حركاتها في جو مليء بالسعادة حتى انتهت الخطبة أخيرًا.
خرجت روان من منزلهم بعدما ودعت ياسمين وهمت لتعود منزلها ولكنه منعها يطل عليها بهيبته ويقف أمامها وقد ظهر جليًا فرق الطول بينهما. أشاحت بنظرها عنه واستدارت معطية ظهرها له لترحل ولكنه أمسك يدها ثم أخذها معه عنوة لأعلى السطوح إلى مكانهما المخصص.
وقفا تحت ضوء القمر مباشرة لينعكس ضوئه عليها ليجعلها أكثر جمالاً، ليقول هو مازحاً لها كي يلطف الأجواء وهو يبتلع ريقه:
"شكلنا هنعيد الغلط مرتين."
صمتت ولم تجب على حديثه وهي تنظر في الاتجاه المعاكس له وتقف بجواره. أمسكها برفق وهو يجعلها تستدير له ثم قال بنبرة حنونة امتزجت بندم:
"أنا آسف.. أنتِ عارفة إني عمري ما أحطك في موقف زي ده بس صدقيني والله العظيم ما عارف أنا كان عقلي فين، وأنتِ قدامي عقلي بيتغيب. بالك بقى وأنتِ بالجمال ده واقفة قدامي وبتقولي لي كلام حلو ومكتوب كتابنا!!"
لانت ملامح وجهها قليلاً، هي بالأساس غاضبة من نفسها أكثر منه، ولكن حديثه قد هدّأ من روعها كثيرًا. احتضن وجهها بين كفيه وهو يتابع حديثه مرة أخرى قائلاً بصدق:
"لكن برغم كده أوعدك إنه مش هيتكرر تاني ولا عمري هعمل حاجة تقلل منك قدام حد بس... بس طبعًا ده مؤقتًا لحد ما نروح بيتنا وساعتها بقى..."
ترك حديثه معلقًا وهو يغمز لها بطرف عينيه لتبتسم له أخيرًا وهي تتنهد بعمق. استندت برأسها على كتفه وهي تقول بشرود:
"تعرف يا زين بعد ما مامتك شافتنا كده كنت مخنوقة أوي وبقول إزاي زين ما يفكرش ويتصرف بتهور كده بعيدًا عن إني أنا كمان كنت غلطانة بس عشان أنت بتعمل حساب لكل حاجة... من جوايا بقوله ليه يحصل كده ومامتك تيجي تحديدًا في الوقت ده ودي أول مرة وحسيت وقتها بشعور وحش أوي وأنا لسان حالي بيقول ليه كده يا رب بس.."
توقفت عن الحديث وهي تستدير له حتى وقفت أمامه مرة أخرى وهي تكمل مرة مجددًا قائلة:
"لقيت إن اللي حصل ده كان أكتر خير ليا. مرات عم... قصدي ماما جات كلمتني وكمان قالت لي إنها بتحبني وإني زيك أنت وياسمين عندها ومش قادرة أقولك على الفرحة اللي كنت فيها عشان أكتر حاجة كنت قلقانة منها هي إنها ما كانت بتحبني. وتاني حاجة لولا إنها دخلت في اللحظة دي كنت أنت عملت حاجة نندم عليها بعدين وغير كده كنا هنعتاد الموقف وهيكون عادي عشان كده عرفت إن كل حاجة بتحصل غصب عننا بتكون خير لينا."
وقفت ليث بسيارته في مكان هادئ ومريح للأعصاب ثم هبط وهو يذهب لمقعدها ويساعدها في النزول وقد تحسنت صحتها كثيرًا بعدما بقى ليلة كاملة بجوارها ورفض خروجها من المشفى إلا حين تسترد صحتها بشكل كامل.
أمسكها وهو يساعدها في الجلوس والمكان خالٍ تمامًا من البشر ثم نظر لها وهو يقول:
"عيطي يا حور."
كان هذا أول حديث ينطقه منذ أن خرجت من المشفى. نظرت له بتعجب ودهشة من طلبه المفاجئ فهي لم تشتكي شيئًا، فلمَ يطلب منها هذا؟ كان الإعياء ما زال ظاهرًا على وجهها. طالعته باستفهام ليكمل حديثه موضحًا:
"من يوم ما اتجوزتك وأنتِ عمرك ما اشتكيتِ من حاجة ودايمًا بتكتمي جواكِ، رغم إني باجي أحكيلك كل حاجة والوحيدة اللي ممكن أعيط قدامها من غير ما أتكسف وكأني بعيط قدام نفسي، بس أنتِ عمرك ما عملتي كده يا حور."
نظرت قليلاً تفكر بحديثه. فهي بالفعل لا تشتكي شيئًا ودائمًا ما تتراكم داخل صدرها حتى أنها أحيانًا كثيرة تشعر بثقل شديد بصدرها وترغب في التحدث مع أحد ولكنها لم تعتد ذلك، لذا تصمت دون أن تتحدث بشيء.
"صدقني يا ليث كل الفكرة إني متعودتش أحكي لحد حاجة ودايمًا متعودة أشكي لربنا همي. اتعودت إني أسمع دائمًا للي حواليا لكن متعودتش أنا اللي أحكي عشان كده مش بتكلم."
أومأ لها بهدوء ثم هتف ببسمة:
"بس زمان ما كانش فيه اللي بيسمعك، لكن دلوقتي فيه. ارمي همومك على همومي يا حور ونشيلها سوا."
علت ضحكاتها وهي تقول بمزاح ولكن كانت نبرتها صادقة:
"أخاف أرميلك همومي متقدرش تقف يا ليث."
نظر لها قليلاً وكأنه يحاول استيعاب حديثها ويبدو أنها صادقة به. فهي بالفعل تحمل الكثير داخلها ورغم ذلك تظهر بأنها أسعد شخص بهذا العالم.
وهذا من أكثر النعم التي يتمتع بها الإنسان ومن تمام الحمد أن يكون رغم ابتلاءاته الشديدة إلا أنه يحمد الله دائمًا ولا ترى على وجهه أي عبوس بل على العكس تظن حاله أفضل الناس ولا يسعى لأن يخبر الجميع كم هو مبتلى ومهموم، بل يكفيه أن الله يعلم ما به وهذا ما تفعله حور دائمًا.
"الحمل لما يشيله اتنين بيكون حمله أخف مهما يكون تقيل. ويمكن أنتِ مجربتيش تشيليه لحد، تجربيني؟"
توسعت بسمتها أكثر وهي تردف قائلة:
"موافقة، بس اللي ما يرجعش يندم بعدين."
وقفت أمام المرآة تتأكد من أن كل شيء بها على ما يرام ثم أمسكت حقيبتها وودعت والدتها ونزلت لأسفل حيث يقف هو بانتظارها وهو يستند على سيارته ويرتدي بدلة رسمية بدون ربطة عنق وشعره مسرح بطريقة منمقة وعطره يصل إلى أنفها رغم المسافة التي بينهما.
ولأول مرة تنتبه لملامحه الوسيمة تلك. هل.. هل سيشرح للفتيات ويقف أمامهن بهيئته تلك كي يتغزلن به كما يفعلن مع أي دكتور وسيم يأتي لهن؟
نظرت له بشرز ووعيد وقد أعمتها غيرتها وتبدلت ملامح وجهها وهي تقترب منه. بينما هو لاحظ تغير ملامح وجهها للضيق فجأة، ليسألها بقلق وهو يهتف:
"مالك يا روان... حد زعلك؟"
عضت على شفتيها السفليتين بغيظ. أهو بهذا اللطف معهن أيضًا؟ لقد أنستها غيرتها كيف يتعامل مع الفتيات دون استثناء حتى هي كانت من بينهن.
أومأت له بالرفض وما زالت ملامح وجهها مقتضبة وهي تتخيل تغزل الفتيات به وترسم بعقلها أبشع السيناريوهات. لتهتف فجأة بصوت مرتفع قائلة:
"إنت مش كنت قلت من فترة قبل ما تتقدملي إنك مش هتدينا... رجعت اديتنا تاني ليه؟"
ورغم أنه لم يفهم سبب غضبها بعد أو لمَ تسأل هذا السؤال ولكنه أجابها بهدوء بعدما صعد السيارة وهي بجواره قائلاً:
"الحقيقة أنا كنت طلبت من دكتور زميلي يديكم بدالي عشان ساعتها كنت عايز أبعد. ولما اتقدمت لك تاني بدأتي رحت لك مع المرض وأنا مبقتش أدي. لكن حاليًا معدش فيه سبب يخليني أقف."
وكأنه استشف غيرتها عليه ليقول بخبث:
"ولا أنتِ بقى عايزاني أروح أدي في جامعة تانية بعيد عنك؟"
نظرت له بحدة أكثر وقد بلغ منها الغضب. ف على الأقل هو هنا أمامها ولن تسمح لإحداهن بأن ترفع نظرها له. لكن بعيدًا عنها لم تستطع فعل ذلك.
ما كان عليها بأن تأخذ رجلاً وسيمًا قد يتهافت عليه الفتيات. وكأنه قرأ تعابير وجهها حتى تعالت صوت ضحكاته في السيارة وهو يحاوطها بإحدى ذراعيه قائلاً بصدق:
"مفيش واحدة في الدنيا دي تقدر تلفت انتباهي غيرك. وبعدين أنتِ عارفة كويس إني مش بدي لحد فرصة يتكلم معايا وبتعامل مع الكل بحدود وفي حدود الضروري بس مش كده؟"
لقد استطاع بحديثه إطفاء بعض النار المشتعلة بداخلها. أومأت له بمسة وقد هدأت قليلاً وهي تستند برأسها على كتفه.
وصلا إلى الجامعة وما إن صف سيارته ودخلا من البوابة سار كل منهما منفردًا كي لا يفتح مجال لأي حديث عنهما ولكنه كان يتابعها بنظراته حتى وصلت مدرجها بسلام.
دخلت ثم جلست قليلاً لتكتشف بأن دكتور المادة تغيب اليوم، لذا قررت أن تستغل الوقت لتذهب إلى المسجد وقد اشتاق قلبها له وبشدة.
وقفت روان في مسجد الجامعة بتردد بعدما تم اختيارها لإعطاء درس اليوم نظرًا لغيابها الطويل منذ مدة، لذا تم الوقوع عليها. ورغم أنها من داخلها كانت تشعر بالسعادة إلا أنها أيضًا تشعر بالخوف الشديد والرهبة بداخلها وتحديدًا أمام هذا العدد وهي لا تعلم من أين تبدأ ولكنها عزمت أمرها وسمت الله بداخلها ثم جلست بداخل الحلقة وشرعت في الحديث:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حابة أقول لكم إنكم بجد وحشتوني جدًا وحقيقي كنت مفتقدة للمسجد وأجواء المسجد وعلشان كده حابة إني أتكلم معاكم لأول مرة عن حاجة بحبها وهي الصدقة واللي حقيقي بسببها أنا قدرت أتخطى حاجات. وقبل ما أتكلم عنها تحديدًا هحكي لكم قصة."
توقفت وهي تأخذ نفسًا عميقًا وزفرته بتمهل ثم أكملت حديثها قائلة:
"كان فيه واحد اسمه أبا نصر الصياد والراجل ده كان حاله فقير جدًا ومعدم وكان عنده زوجته وابنه ومش لاقي يأكلهم. فكان ماشي وهو شايل هموم الدنيا والآخرة وعمال يدعي ربنا يرزقه لأنه مش عارف هيأكل زوجته وابنه إيه. وهو ماشي قابل شيخه أحمد بن مسكين واللي أول ما شافه سأل عن حاله وسبب الهم اللي باين عليه فـ حكاله إنه مش معاه اللي يأكل بيه زوجته وابنه. فـ شيخه قاله صلي ركعتين وادعي ربنا وتعالى ورايا."
"وبالفعل عمل زي ما طلب منه وراح وراه للبحر وسمى الله وطلع سمكة أدهاله وقاله روح بيعها في السوق وهات بتمنها أكل لـ ابنك وزوجتك. وهو ما صدقش خبر وراح باعها فعلاً وجاب بتمنها شطيرتين واحدة باللحمة وواحدة بالجبنة."
"قبل ما يروح راح لشيخه الأول يديله واحدة لأنه الفضل له بعد ربنا بس هو رفض وقاله 'لو أطعمنا أنفسنا هكذا ما خرجت السمكة'. وقاله ياكلها هو ومراته وابنه."
"وهو ماشي في الطريق راجع بيته قابل ست عجوز ومعاها ابنها وبتـبكي من الجوع هي وابنها. أول ما شافها تخيلها زوجته وابنه ومن غير ما يفكر راح مديلها الفطرتين اللي كانوا معاه والست فضلت تدعيله كتير."
"كمل طريقه وهو بيفكر هيجيب أكل إزاي لأنه كده ما عملش حاجة. أول ما دخل قريته لقى واحد عمال ينادي باسمه. أول ما راح وشافه الراجل قاله إنه كان عمال يدور عليه وإن والده كان له عنده 30 ألف درهم وهو جه يدهوله."
"متخيلين 30 ألف درهم وقتها كانوا يساوي أد إيه؟ بعد ما كان رجل فقير لا يملك قوت يومه بقى رجل غني وعنده فلوس كتير لدرجة إنه بينفق بالآلاف درهم مرة واحدة."
"من كتر ما كان بينفق كتير اتغر وبقى عنده شهوة نفس. فـ في يوم من الأيام نام وحلم إن فيه منادي بينادي: 'يا أبا نصر الصياد يا أبا نصر الصياد... هنعرض حسناتك وهنعرض سيئاتك'."
"اتعرضت سيئاته في كفة وحسناته في كفة تانية. انتوا متخيلين إيه اللي رجح؟ هتقولوا طبعًا الحسنات دا كان بيتفق بالآلاف درهم مرة واحدة، لكن للأسف سيئاته اللي ربحت، فضل يبكي ويبكي حتى كادت أحشاؤه أن تقطع من شدة بكائه ويقول إزاي وهو مش مصدق. طلع إن وراء كل مال كان بينفقه شهوة نفس وحب صنيع."
"الملك نادى وقال شوفوا لو باقي له حاجة تانية. رد المنادي وقال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها. فرح أوي وتهللت أسارير وجهه. لما اتحطوا اتساوى ميزان الحسنات مع ميزان السيئات."
"الملك قال شوفوا لو له حاجة تانية عشان الحسنات تربح. المنادي قال باقي له حاجة تانية؟ قال لحظة كان له شطيرتين أعطاهم لست عجوز وصغيرها
رواية وسولت لي نفسي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم روان الحاكم
دخلت المكتب بخطى مترنحة وهي تصوب عيناها عليهم وقد أبتعدت عنه الفتاة وهي تقول دون أن ينتبها لوجودها بعد:
"كنت واحشني اوي يا زين، أول ما جيت جتلك على هنا الأول"
وقع دفتر محاضراتها أرضاً فأصدر صوتاً جعلهما ينتبهان لها. استدار لها زين بدهشة من وجودها الآن والمفترض أنها بمحاضرتها، ليقول بتعجب:
"روان.. بتعملي اي هنا؟ مش المفروض عندك محاضرة دلوقتي"
بينما هي مازالت تنظر له بصدمة بالتأكيد هو لم يتخيل وجودها، وإلا لما فعل هذا وهو متقين بأنها داخل محاضرتها. وقفت أمامه وهي تقول بغضب:
"طبعاً مهو أكيد حضرتك فاكرني في المحاضرة ومستحيل أجي دلوقتي، والا الجو هيحلالك ازاي"
نظر لها بصدمة وهو ينقل نظراته للفتاة التي كانت معه ومازالت تقف جواره ولا يصدق حديثها، ليهتف كي يهدئ من روعها وهو يقول:
"اي اللي انتِ بتقوليه دا انتِ مش عارفة مين دي..."
قاطعته حديثه وهي تصرخ به وقد بلغ الغضب منها والغيرة تنهش بقلبها ولم تر شيئاً أمامها سوى مشهده وهو يحتضن هذه الفتاة التي لا تعرفها بداخل مكتبه، ماذا سيبرر إذا؟
"مش عايزة اسمع منك اي مبررات، اي المبرر اني ادخل والاقيك حاضن واحدة في مكتبك في الوقت اللي انت عارف اني عندي محاضرة ومتأكد اني مش هاجي غير أنك خاين"
جلست الفتاة على المقعد المجاور لهما بأريحية تتابع تلك المسرحية بإستمتاع شديد وقد فضلت الصمت ليس وكأنها هي المتسببة بكل هذا. بينما زين لم يأخذ على كلامها وهو يعلم بأنها فقط غاضبة لغيرتها عليه. اقترب منها وقال بهدوء موضحاً كي يهدئها:
"انتِ مش فاهمة حاجة يا روان دي.."
قاطعته حديثه مجدداً ولم تعطي له فرصة للاستكمال وقد كانت تشعر بنيران داخل قلبها والغيرة تحرقها بشدة، هي من يجب أن تكون بحضأنه وليس تلك الفتاة.
"مش عايزة أفهمك حاجة، كل حاجة واضحة زي الشمس، هتبرر اي غير أنك واحد خاين وبتاع بنات وعاملي فيها شيخ وانت أسوء من كدا، انا بكرهك يا زيين بكرهك"
"رواااان"
انتفضت بفزع على صراخها عليها وهو ينظر لها بغضب ولا يصدق ما تفوهت به، هي حتى لم تعطي له فرصة ليشرح لها الأمر وكأنها ما صدقت أن تمسك عليه عيباً. اقترب منها وهو يمسكها من مرفقيها بعنف ويقول من بين أسنانه بغضب:
"صوتك يعلى تاني ياروان ومتلوميش غير نفسك"
أبعدها عنه بقوة حتى كادت تسقط أرضاً وقد شعرت بالخوف منه وهي ترى عيناه الحمراء بشدة، فهو لم يغضب عليها منذ زمن. أما عنها فقد وقفت أخيراً بعدما شعرت بالملل من تلك الدراما التي أخذت أكثر من حجمها وقد تخلت عن صمتها وهي تقترب منها وتقول بهدوء:
"مفيش فايدة فيكِ..، هتفضلي غبية ومتهورة طول عمرك"
استدارت نحوها ترمقها بشرز وقد شعرت بأن صوتها ليس غريباً عليها. دقت النظر بها أكثر حتى توسعت مقلتاها بصدمة وهي تهتف:
"عايدة!!!"
"طب ما انتِ شطورة اهو... لزمتها اي الدراما اللي عملتيها دي كلها؟ لو انا مكانك مكنتش هعمل كدا، ولا انتِ مش واثقة في جوزك؟"
صمتت ولم تجب وقد ألجمتها الصدمة وشعرت بالندم الشديد وقد انتبهت للتو لمَ تفوهت به. نقلت بصرها لزين والذي كان يقف ولم يعيرها أي انتباه ومازال الغضب يعتريه وهي لم تلومه، فما تحدثت به ليس هينِ. ولكنها تقسم بأنها لم تقصد فقط هي شعرت بالغيرة تحرقها ولم تفكر. تساقطت دموعها بألم وهي تنظر لها بندم شديد.
اقتربت منها عايدة وهي تضع يدها على كتفها ثم همست ببرود وهدوئها المعتاد:
"حد يشك في زين برضو، اللي عمره ما بص لبنت غيرك؟?"
ضحكت بسخرية عليها ثم أردفت بصوت لم يصل لزين وهي تهمس بتهكم:
"دا لولا إنه حبك واتجوزك كنت أفكرته لمؤاخذة"
تركتها وذهبت مبتعدة عنها ثم جلست وهي تضع قدماً فوق أخرى وتطالعهم ببرود وسخرية ليس وكأنها هي المتسببة في كل هذا. بينما روان اقتربت من زين وحاولت لمس يده ولكنه نفضها بعيداً وهو يشيح بنظره عنها. طالعته بعيون مغروقة بالدموع ولكنه حاول ألا يضعف. يؤلمه رؤيتها وهي تبكي، ولكن حديثها أيضاً آلمه ولن يمرره مرور الكرام كي تعلم حجم ما أخطأت به هذه المرة وتحديداً عندما أخبرته أنها تكره، رغم أنه يعلم أنها تفوهت بهذا عن دون قصد، ولكنه أيضاً كره تلك الكلمة منها تحديداً، لذا فهو غاضب منها بشدة ولن يسامحها بسهولة. لا بل هو بالفعل سامحها ولكنه سيأخذ منها موقفاً حتى تفكر بالحديث أولاً، فقلبه لا يقوى على خِصامها.
أما عنها وقفت تبكي وقد هربت الكلمات منها ولا تدري ماذا تقول. أي حديث تقوله بعدما فعلت ما فعلته؟ أتعتذر منه؟ أتخبره كم هي آسفة؟ ولكنها تشعر بسخافة تلك الكلمة بعد حديثها. ابتلعت ريقها وهي تقول بتلعثم وقد اختنقت نبرتها:
"انا.. هن..هنزل استناك تحت عند العربية"
اختفت من أمامه وقد حمد الله أنها انصرفت قبل أن يضعف ويصالحها هو، فهو يريد أن يعاقبها أولاً كي لا تشك به مجدداً وتفكر بحديثها أولاً، ولا يوجد عقاباً لها أسوء من أن يتجاهلها فهذا أكثر ما يغضبها.
خرجت من مكتبه وهي تسير ناحية بوابة الخروج ولكنها توقفت حينما وجدت ياسمين تقترب منها بتعجب وهي ترى أثر الدموع بعيناها لتهتف بقلق:
"مالك يا روان فيه ايه؟"
بينما روان تعجبت أكثر من وجودها هنا، فإذا كانت هنا لمَ لم تأتي معهم؟ لتسألها قائلة:
"ياسمين!.. لما انتِ هنا مجتيش معانا الصبح ليه؟"
"لأ منا كان عندي محاضرات بدري علشان كدا زين وصلني الأول وبعدين رجع ياخدك لإنه محبش يصحيكي بدري قبل ميعاد محاضراتك"
وما زادها حديث ياسمين إلا قهراً. ضحكت داخلها بسخرية وألم. اهو حريص على راحتها لدرجة أنه خشى إيقاظها مبكراً قليلاً عن محاضرتها وقرر العودة لها مرة أخرى وبالأخير هي تشك به؟
سألتها ياسمين مجدداً وهي تهتف:
"رواان.. مالك، حد زعلك؟ وفين زين"
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تقول بألم:
"ك.. كنت راجعة من المصلى و.. ورحتله المكتب وبعدين.. وبعدين لقيته حاضن واحدة"
توسعت مقلتاها بدهشة غير مستوعبة لحديثها. اردفت بعدم تصديق:
"ازاي دا مستحيل.. يمكن بالغلط أو البنت اللي وقعت نفسها عليه"
هزت الأخيرة رأسها بنفي وهي تقول:
"لأ مكنش بالغلط، كان حاضنها وهو بيضحك معاها"
"زين مستحيل يعمل كدا، أكيد فيه حاجة غلط، مين البنت دي؟"
تساقطت دموعها وهي تغمض عيناها ثم أردفت:
"عايدة"
وكأنها لم تستوعب الإسم من أول مرة. هل عادت بعد كل تلك المدة؟ رمشت بأهدابها عدة مرات وهي تحاول استيعاب الأمر، لتهتف قائلة:
"معقول... عايدة رجعت!!"
توقفت عن الحديث وهي تنظر لها وكأنها تذكرت شيئاً هاماً لتسألها بشك وهي تضيق جفونها:
"انتِ عملتي اي لما شوفتيهم؟?"
لم تجب عليها وهي تطرق رأسها أرضاً، لتكرر ياسمين سؤالها مرة أخرى وقد علمت بأنها تهورت بحديثها وقد أكدت لها ظنونها عند أردفت بتوتر:
"ق.. قولتله إنه خاين و.. وبتاع بنات واني بكرهه"
وما إن انتهت حتى ارتفعت ضحكات ياسمين بعدما فشلت في التحكم بها، لتنظر لها روان بغضب وهي تقول:
"انتِ بتضحكي يا ياسمين؟"
"لا مش قصدي والله، بس أصله زين دا اخر واحد تشكي فيه، لو مش علشان بيحبك وعمره ما يبص لغيرك هيبقى علشان مستحيل يعمل حاجة ويغضب ربنا، انتِ كان عقلك فين يا روان لما قولتيلي كدا فهميني؟ اذا كان رغم حبه ليكي اللي كلنا كنا شايفته رغم كدا كان بيخاف يبصلك حتى علشان ميغضبش ربنا! هيقول يحضن واحدة كدا عادي؟ انتِ طول عمرك يا روان متهورة وطايشة ومش بتفكري في افعالك ولا بيهمك علشان عارفة انه مهما عملتي زين هو اللي هيصالحك كمان، وصدقيني صعب اي حد يتحمل دا كتير"
توقفت عن الحديث وهي تراها تبكي بألم ويبدو عليها الندم الشديد. أقتربت منها وقد شعرت بأنها تمادت بالكلام معها لذا احتضنتها بحنان وهي تحاول تهدئتها قائلة:
"خلاص يا روان متزعليش انا بس والله عاملة عشانك، عايزاكي تفكري بعقل شويه وبلاش غيرتك تعميكي بالشكل دا، الكلام اللي قولتهوله محدش يستحمله، أصلا مينفعش تشكِ في زوجك بالشكل دا والمفروض تحطيله سبعين عذر الأول مش لزوجك بس لأ دا لأي حد تتعاملي معاه. يُقال عن أحد السلف بيقول: لو رأيت أحد إخواني ولحيته تقطر خمرًا لقلت ربما سُكبت عليه، ولو وجدته واقفًا على جبل وقال: أنا ربكم الأعلى لقلت إنه يقرأ القرآن. المفروض تكوني أعقل من كدا وخصوصاً إنك عارفة زين عمره ما يعمل كدا، غيرتك دي ياروان متنفعش واللي بسببها بنات كتير بتخانق مع أزواجهم بسبب كدا وبيحصل بينهم مشاكل مهما كانوا بيحبوا بعض، الشك بيقتل أي حب ياروان وبيدمر علاقة أي اتنين اللي المفروض تكون قايمة على الثقة، غيري عليه براحتك بس بلاش غيرتك دي تتحول لشك، اتفقنا؟"
أومأت لها بشرود وهي تمسح دموعها ثم هتفت:
"شكراً ليكي يا ياسمين، مش عارفة اقولك اي"
"متقوليش كدا، انتِ أختي يا روان ودا واجبي تجاهك علشان انتِ كمان لما تشوفيني بغلط تنصحيني لأن اللي بيكون واقع في الغلط مهما بلغ علمه والتزامه في الغالب مبيشوفش نفسه غلطان"
أخذت نفساً عميقاً وقد هدأت قليلاً مع محادثتها لياسمين والتي أكملت حديثها قائلة قبل أن ترحل:
"الحق أمشي علشان عندي محاضرة، انتِ هتروحي فين؟"
صمتت قليلاً وهي تفكر، أتغادر وحدها أم تنتظره كما تعودا دائما؟ ولكنه غاضب منها كيف ستصالحه؟ عزمت أمرها وهي تقول:
"هستنى زين لأننا كنا متفقين نروح دلوقتي"
أومأت لها ياسمين بلطف ثم احتضنتها وغادرت. أما عن زين فقد أنهى أعماله ثم وقف ومعه عايدة ليرحلا بعدما خرج من مكتبه وهي تتبعه وقد سبقها هو ناحية سيارته وهو يبحث عن روان بعينه ولكنه لم يجدها. ظل يبحث عنها وأيضاً لا أثر لها. أتت عايدة في تلك اللحظة وهي تهتف:
"ست الحسن والجمال مشيت وسابتك ولا اي"
تجاهل زين سخريتها وقد أخرج هاتفه يتصل بها ولكنه وجده مغلق. أهي التي غاضبة منه؟ أليس من المفترض بأن يكون هو الغاضب؟ تلك المدللة الصغيرة، ولكنه لا لوم عليها فهو من دللها بشدة.
لا يعلم ماذا يفعل ولكنه شعر بالقلق فهو قد حظرها مراراً بأن لا تسير بمفردها خشية أن يصيبها مكروه ولكنها هاهي تعانده فقط لأنه غضب منها!!.
صعد سيارته ومعه عايدة تركب جواره ثم ساق وعقله منشغلاً بها وهو يشعر بالضيق الشديد وهو يتخيل أنها مازالت حزينة مما حدث. حسناً، سوف يصالحها عندما يعود وكأن شيئاً لم يحدث ولكنه لا يستطيع أن يرى دموعها رغم أنه غاضب منها بشدة، إلا أنه يشعر بقلق داخله لا يعلم مصدره.
توقف بالسيارة في منتصف الطريق. نظرت عايدة للمكان حتى تأففت بضجر وهي تراه ينزل من السيارة ويذهب للمحل الذي توقف أمامه وتعلم لمَ ذهب.
عاد بعد قليل وهو يحمل حقيبة بيده ثم صعد سيارته مرة أخرى وهي يعطي لها الحقيبة قائلاً:
"أمسكي يا عايدة البسي دول قبل ما نروح البيت علشان مينفعش تمشي كدا"
نظرت له بملل ثم وضعت الحقيبة جوارها وهي تقول بلا مبالاة:
"انت عارف إني مش محجبة يا زين، ف مش هتفرق الناس اللي هيشوفني هنا من اللي هناك"
غضب منها ثم مسح على رأسه وهو يقول بهدوء محاولاً التحكم بغضبه:
"الظاهر إن الشغل في الشرطة نساكِ دينك يا خالتي، لو مش عشانك يبقى على الأقل متمشيش معايا باللبس دا"
أمسكت الحقيبة وهي تخرج منها حجاب ثم وضعته على رأسها بلامبالاة كي لا تثير حنقه أكثر. نظر لها قليلاً بحزن وهو يدعو الله داخله أن تعود كما كانت مجدداً ثم أكمل سواقة حتى وصل أمام المنزل.
نزلت من السيارة ثم سارت معه نحو منزلهم وهي تتأمل المكان حولها بشرود وقد عادت بذكرياتها قديماً حتى وصلت أمام الشقة. أخذت نفساً عميقاً وهي تدخل جوار زين.
"عايدة!!"
هتفت بها والدته وهي تنظر لها بصدمة.
"لييث... يالييث تعالى بسررعة"
هتفت حور بصوت مرتفع مما جعل ليث يهرول نحوها بفزع ولا يعلم سبب صراخها. وما إن وصل حتى صرخت بفرحة عارمة وهي تهتف:
"خالتي تهاني فاااقت"
نظر لها بصدمة وما إن استوعب حديثها حتى ركض لحجرة والدته بلهفة وقد سعد بهذا الخبر وأنها عادت إليهم من جديد.
دخل غرفتها وهو يراها مستيقظة وأبيه يجلس جوارها. ذهب إليها وهو يحتضنها بفرحة وأخيراً قد استيقظت.
ظل متشبساً بأحضانها كطفل صغير، بينما هي قد سقطت دمعة منها وهي تشد من أحضانه وتحاول أن تروي ظمأها منه طوال تلك السنين حتى تحدثت أخيراً بدموع:
"انا آسف ليك يا ليث، انا آسفه يا حبيبي، صدقني كان غصب عني... ك.. كنت بحاول أرجعكم ليا بس خسرت ودمرت حياتنا كلنا"
ارتفعت شهقاتها بشدة ثم تابعت حديثها بصعوبة قائلة:
"لكن اوعدك إني هحاول أعوضك عن كل اللي فات، يمكن ربنا مد في عمري علشان يجمعنا من جديد وأشبع منك قبل ما أموت"
توقفت قليلاً تأخذ أنفاسها ثم وجهت نظرها لمحمود قائلة:
"انت كمان يا محمود حياتك ادمرت بسببي، انا.. انا كنت عايزة أنقذ ابننا يا محمود.. هو.. هو قالي هيموته لو مكنتش روحت وأنا خ.. خوفت عليه غصب عني لإني أم، ولو كان رجع بيا الزمن مكنتش هتردد لحظة إني أنقذه، هو كمان ملوش ذنب وعاش ضحية، أنا بس عايزكم تسامحوني علشان أقدر أكمل الباقي مع حياتي"
أمسك ليث يدها يقبلها وقد تساقطت دموعه هو الآخر قائلاً:
"انتِ اللي تسامحينا يا ماما، محدش زعلان منك، كلنا أتألمنا بس انتِ أكتر واحدة فينا تعبتي علشان كنتِ بتحاولي تجمعينا وتحافظي علينا، ياسر في مكان أحسن مننا دلوقتي وإن شاء الله ربنا هيجمعنا بيه في الجنة"
ابتسمت له بحنان وهي تبكي، بينما تحدث حور قائلة:
"إن حضرتك ترجعي بعد العمر دا كله دي نعمة كبيرة أوي، وبرضو إنك تقرري تبدأي من جديد دي نعمة تانية. الرسول عليه الصلاة والسلام توفى 6 من أبنائه وهو عايش، مش عيل ولا اتنين لأ، دا 6.. رغم إنه كان في حياته إبتلاءات شديدة وكتيرة، تخيلي دعواته كانت مستجابة ولو كان دعا ربنا بأي حاجة كانت هتستجاب ليه، رغم كدا كان راضي وبيحمد ربنا علشان عارف إن فيه جنة وإن الدنيا دي كدا كدا فانية وعياله هيقابلهم في الجنة، حقيقي احنا في نعم كتير أوي، الواحد لما بيفكر في عهد الرسول والصحابة بيقعد يقول هم اتحملوا كل دا ازاي؟ لكن في النهاية أي؟ اهم ماتوا والكفار ماتوا لكن هل يستويان مثلا؟ دول هينعموا في الجنة أجر صبرهم ودول هيخلدوا في النار لقاء كفرهم. إحنا كمان هنموت زيهم وهيبقى أثرنا بس، علشان كدا لازم نعمل لآخرتنا ومنخليش مصايب الدنيا تلهينا"
تأثر الجميع بحديثهم بينما تهاني ظلت تشكر حور وتمدحها. جلست حور قليلاً ثم نظرت لليث وخرجا سوياً ليتركوا لهم مجالاً للحديث.
نظر لها تهاني بإشتياق وهي تقول بألم:
"سامحني يا محمود، عارفة انك اتأذيت كتير، بس اعرف إنك محبتش في حياتي غيرك وطوال السنين دي كلها كنت بتألم في غيابك، انا اتكسرت يا محمود ومعدش فيا حيل اتكسر أكتر من كدا، كفاية عليا اللي عيشته واللي مريت به، كفاية يا محمود تقسى عليا أكتر من كدا وانت عارف إني مليش ذنب"
وضع يده على يدها ثم أخرج زفيراً طويلاً وهو ينظر لها بعمق ثم تحدث بما جعلها ترتاح قائلاً:
"مسامحك يا تهاني.. العمر مبقاش فيه متسع أكتر من كدا للزعل، جه الوقت اللي المفروض نفرح فيه ومنسبش باب للحزن أكتر من كدا"
كانت عايدة تجلس بجوار والدة زين بعدما رحبت بها وقد تفاجئت بقدومها. سمع الجميع صوت طرقات ليعتدل زين في وقفته وهو يتجه ناحية الباب ثم فتحه حتى وجد عمر يقف أمامه وهو يقول:
"فين روان يا زين علشان عايزاها"
نظر له بتعجب، فكيف يسأل عنها وهى بالأساس من المفترض بمنزلها؟ أجابه بدهشة:
"معرفش هي فين... المفروض انها في البيت من بعد ما رجعت من الجامعة"
توسعت مقلتي عمر بصدمة وهو يهتف بصوت مرتفع لفت أنظار الجميع قائلاً:
"هي مش كانت معاك؟؟ روان مرجعتش من لما كانت في الجامعة وأنا فاكرها كل دا معاك، انت سيبتها فين"
شعرت زين بالقلق عليها فأين ستكون ذهبت. تحدث وهو يحاول طمأنة نفسه:
"ممكن تكون مع ياسمين اس.."
ولم يكمل حديثه وهو يرى ياسمين آتية بمفردها، ليسألها بلهفة قائلاً:
"ياسميين... روان مكنتش معاكِ؟"
نظرت له ياسمين بتعجب وهي تهز رأسها بالنفي قائلة:
"أنا شوفتها قبل المحاضرة وقالت انها هتستناك بس هي كانت بتعيط ف ممكن تكون مشيت لوحدها.."
قاطعها عمر وهو يضيق عينيه ويقول بشك:
"كانت بتعيط ليه"
التف لزين وهو يسأله بنرفزة وقد بدا بشعر بالقلق:
"انتوا خانقتوا سوا؟ علشان كدا سيبتها وجيت؟"
أمسك زين مفاتيح سيارته وهو يقول بعجالة:
"مش وقته كلام، أنا هروح أشوفها في الجامعة ولو رجعت كلموني"
لم ينتظر عمر وذهب هو الآخر كما فعلت ياسمين وهي تلحق بهم وقد شعر الجميع بالقلق عليها، فأين ستكون ذهبت؟
صعد زين سيارته وبجواره ركب عمر وخلفهم ياسمين والجميع يدعو داخلهم أن تكون بخير، ليتحدث عمر بغضب بعيداً كل البعد عن شخصيته العابثة، فهو حين يغضب يتحول لشخص آخر وهو يقول:
"انت ازاي تسيبها تمشي لوحدها، مرنتش عليا ليه خلتني أجيبها"
لم يجبه زين وقد كان عقله منشغلاً بها ويشعر بالخوف الشديد عليها. ما كان يجب عليه أن يتركها تذهب وحدها. لن يسامح نفسه إن حدث لها مكروه فهو من تركها ولم يهتم لشأنها فقط لأنه غاضب منها وهو يعلم تماماً أنها لم تفعل هذا إلا لغيرتها عليه وحبها له.
ساق بسرعة جنونية حتى وصل أمام الجامعة، هبطوا جميعاً من السيارة وظل زين يبحث عنها في كل مكان ولم يجدها كما فعل كلاً من ياسمين وعمر المثل ومازال هاتفها غير متاح. هنا تيقن بأنها ليست بخير.
"هتكون راحت فين يعني؟"
تسآلت ياسمين بقلق في الوقت الذي وصلت فيه عايدة ومن تجهم وجوههم علمت أنهم لم يجدوها. لتنظر لزين قائلة بهدوء:
"فين كاميرات الجامعة اللي هنا يازين؟"
ومن خوفه قد نسي تماماً كاميرات المراقبة. تركهم وركض ناحية غرفة المراقبة ولحقه البقية. دخل الغرفة وقد طلب من مدير الأمن بتشغيل جميع الكاميرات، ولأنه دكتور بالجامعة لم يناقشه ونفذ ما قاله وهو يفرغ الكاميرات بالوقت الذي كانت واقفة به.
ظلوا جميعاً ينظرون للكاميرا منتظرين قدومها حتى ظهرت بالفيديو مما جعل الجميع ينتفض بتركيز أكثر وتحديداً زين. أتى مشهد وقوفها مع ياسمين وهي تبكي مما جعل زين ينظر لدموعها بندم وهو المتسبب بنزولها.
تركت ياسمين وغادرت ثم خرجت للبوابة وقد اختفت من الفيديو. ليتحدث زين مسرعاً وهو يوجه حديثه لمدير الأمن:
"فين كاميرات المراقبة بتاع المكان اللي هي راحت عنده؟"
"للأسف الكاميرا هنا عطلانة"
صرخ به زين مما جعل الأخير ينفزع وهو يقول:
"يعني إيه عطلانة... امال حضرتك مسؤول عنها ازاااي"
ابتلع ريقه وهو يقول بتوتر وخوف من نبرته:
"اهدي يا دكتور زين أنا بعت للصيانة وهم لسه مجوش"
تحدثت عايدة أخيراً والتي لم تكن معهم منذ البداية وقد كانت تصب كامل تركيزها على الفيديو التي تكرر مرة أخرى:
"شغلي كاميرا المنطقة دي"
نظر الجميع لما تشير بتعجب، لتكرر سؤالها مجدداً حتى فعل الرجل المثل. ظل الجميع مصوب نظره حتى مر بعد الوقت وقد يأس الجميع، لتصرخ ياسمين فجأة وهي تهتف:
"روان اهي"
ظهرت وهي تقف في منطقة بعيدة من الخلف وفي طريقها لسيارة زين ولكن ما حدث جعل الجميع يفتح أفواههم بصدمة من السيارة التي وقفت جوارها ثم سحبها شخصاً ما وسار بسرعة كبيرة دون أن ينتبه له أحد. شهقت ياسمين برعب وهي تضع يدها على فمها ولا تصدق ما تراه، بينما ترنح عمر في وقفته وهو يحاول استيعاب الأمر.
أما عنه فقد شعر بأن الهواء يُسحب من حوله وشعر بثقل جسده الآن حتى أن قدماه لم تعد تحتملانه وتعرق جبينه بشدة وقلبه يأن وجعاً. هو السبب في كل هذا. اقترب منه عمر بغضب وهو يمسكه من ياقته قائلاً:
"انت السبب يازين مش هسيبك لو حصلها حاجة.. لما انت مش هتقدر تحميها مسبتهاش ليييه"
لكمه عمر بشدة مما جعل ياسمين تصرخ به وتحاول أن تبعده عنه، بينما زين لم يقاوم وكأنه انفصل عن العالم. نعم هو السبب، لو لم يتركها تذهب وحدها ما كان ليحدث معها هذا. اقتربت ياسمين منه ثم احتضنت وجهه بين كفيها وهي تهتف بلهفة:
"زين... متسمعش منه انت ملكش ذنب، دا نصيبها وحتى لو كانت معاك كان هيحصلها كدا برضو"
نظر لها بضعف. لو كانت معه ما كان ليصيبها شيء. يقتلونه أولاً كي يستطيع أحد الاقتراب منها فهو على استعداد ليفديها بروحه.
وضع يده على صدره وهو يشعر بنغزة شديدة في قلبه حتى أوشك على فقد أنفاسه. هو السبب في هذا. ظلت هذه الفكرة تدور بعقله حتى شعر بالسواد يحطيه من كل جانب وقد فشل في المقاومة هذه المرة حتى وقع مغشياً عليه وآخر شيء وصل لمسامعه كان صراخ ياسمين ولكنه لم يعد قادراً وقد خارت قوته وكأنه عاد طفل صغير سرقت منه دميته ليقرر الاستسلام حتى تعود له.
كانت جالسة بشرود تفكر به وتتذكر لحظاتهم القليلة معاً وهي تبتسم بحنو كلما تذكرته. لقد اشتاق قلبها بشدة له.
ورغم أنها استعادت الكثير من شخصيتها القديمة إلا أن وجوده ينقصها وتشعر بالفقد.
تذكرت حور ووالدها وكم وقفوا جوارها، تتساءل لو لم تلتقي بهم كيف ستكون حالتها الآن. أظن أنها ما كانت لتتأثر وتشعر بالفقد، فهم قد أغرقوها حناناً حتى شعرت بأنها واحدة منهم إلا أنها كانت تشعر بالغربة في بلد ليست بلدها وموطنها، فمهما يمر ستظل ابنة فلسطين بل وتفتخر بذلك.
"انتِ صاحية يا رغد"
كان هذا صوت عمها وهو يتقدم منها ويجلس جوارها. ابتسمت له بهدوء وهي تومئ له، ليتحدث هو قائلاً:
"كنت جاي بتكلم معاكِ في موضوع"
نظرت له بتمعن حتى استشفت ما جاء لأجله وقد شعرت بتسارع دقات قلبها. أجابته بشرود هاتفة:
"خير يا عمي، موضوع اي"
"فيه عريس متقدم لك وهو شاب كويس وانتِ عارفة إني مستحيل أجيبلك أي حد وخلاص"
أخذت تفرك يدها في توتر ثم ابتلعت ريقها وهي تقول:
"بس أنا مش بفكر في الموضوع دا دلوقتي"
نظر لها بإستفهام ثم أكمل حديثه قائلاً:
"ليه مش بتفكري فيه؟ سنك مناسب يارغد وكبرتي وكمان انتِ شايفة بنفسك ظروفنا وأنا عايز أطمن عليكي، والشاب ما يترفض رغد"
صمتت قليلاً ولم تجب. ماذا ستقول؟ أن قلبها معلق بشخص آخر من المستحيل أن تلتقي به مجدداً؟ فهي لا تفكر بالعودة والتخلي عن وطنها مرة أخرى، بل ستحارب العدو، أما النصر أو الموت بشرف ولكنها أبداً لن تهرب من حياتها مجدداً.
لا تعلم ماذا تفعل، تشعر بأنها مشتتة. يا ليتها لم تلتقي به. تذكرت آخر مرة رأته فيها قبل سفرها وهو يودعها، تذكرت دموعه وهو يترجاها ألا تفعل به هذا وأن تبقى جواره ولكنها لم تستمع له. ابتسمت وهي تتذكر عندما أخبرها كم يحبها وياليتها استطاعت أن تخبره كم تحبه هي الأخرى، ولكنها الحياة لا تعطيك كل شيء عزيزي، بل قد لا تعطيك شيئاً واحداً من الأساس كما فعلت معها.
حسناً، لقد اتخذت قرارها، هي لن تستسلم وتبقى بقية حياتها هكذا، لتقرر أن تنهي علاقتهما للأبد قبل أن تبدأ وقد حسمت أمرها، فلا أمل للقائهما مرة أخرى، لتتحدث وهي تبتلع ريقها وقد شعرت بغصة مريرة في حلقها وقلبها يرفض ما عزمت عليه:
"اللي حضرتك تشوفه ياعمي"
مر يومان... يومان ولم يحدث فيهما جديد ولا أثر لوجودها. وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. بحث عنها في كل مكان ولم يجده. لم يعد يصلي فروضه في المسجد بل يكتفي بالصلاة في البيت. لم يتحدث مع أحد منذ اختفائها ولم يذق الطعام وقد هاجر النوم جفونه وقد بدا الإرهاق عليه بشدة حتى ظهر كأنه كبر عمراً فوق عمره.
طوال اليومين وهو يحمل نفسه الذنب والندم يأكله. الجميع في حالة حزن عليها، والدتها لم تكف عن النحيب، وياسمين تبكي هي الأخرى، وعمر الذي بدا عليه الحزن والتعب لفقدها، وعمها الذي شعر بالخزي فهي أمانة برقبته، وزوجة عمها التي تألمت هي الأخرى وهي ترى ابنها الحبيب بتلك الهيئة. ولأول مرة يظهر زين بهذا الضعف حتى عندما كانت مريضة لم يكن ضعيفاً هكذا، بل على العكس كان هو مصدر قوتها يكفي أنها كانت جواره وبين أحضانه، أما الآن، يجلس عاجزاً ولا يعلم أين هي. أما عن عايدة فقد كانت تعمل جاهدة بحكمها ضابط شرطة وقد اتخذت الوسائل اللازمة في البحث عنها.
عاد زين من الخارج وهو يسير بوهن وعيناه حمراء وملابسه غير مهندلة. دخل غرفته وجلس بعدما أطفأ النور وهو ممسكاً بصورتها وقد تساقطت دموعه بألم وهو يشعر بالعجز في إيجادها. يؤلمه قلبه بشدة وهي بعيدة عنه. لقد غادرت روحه معها ولن تعود إلا برجوعها.
اقتربت والدته منه وهي تربت على رأسه بحنان، لتتساقط دموعه أكثر وهو يقول بألم:
"لييه كدا يا ماما لييه... ليه يحصل فيها كل دا، هي.. هي متستحقش أن كل دا يحصلها، أنا مبقتش قادر أستحمل، هموت ياماما لو حصلها حاجة همووت"
س
رواية وسولت لي نفسي الفصل الخمسون 50 - بقلم روان الحاكم
قطع كل هذا دخول والده وهو يصفعه على وجهه بشدة حتى كاد أن يسقط تحت صدمة الجميع.
بينما زين نظر له مصدوماً وكأنه يحاول استيعاب ما فعله. هل تلقى صفعة من والده؟ أبيه الذي طوال حياته يتخذه صديقاً له ولم يرفع صوته عليه حتى يضربه في أكثر وقت يحتاجه فيه؟
لقد خذله العالم ومن بينهم كان أبيه الحبيب. ألا يكفيه ما به؟ لم تكن مجرد صفعة تلقاها، بل كانت بمثابة درس قاسٍ حصل عليه جعله يعود لواقعه مجدداً. واقعه المرير الذي يخلو منها، وكأن كل ما مر به كان حلماً.
وللعجب، فهو ممتن لتلك القسوة الذي جعلته يعود لإدراكه من جديد ويسترد ثباته الذي خسره منذ اختفائها وأصبح الضعف هو صديقه الوحيد.
أمسكه من ثيابه وهو يتحدث بحدة محاولاً إفاقته:
"لو أعرف إنك مش قد الأمانة ما كنتش جوزتهالك. أقول إيه لخويا اللي مات وسابها أمانة في رقبتي لما أقابله وأنا مقدرتش أحافظ على بنته. كنت فاكرك راجل وهتقدر تحميها مش تقعد تعيطلي هنا زي العيال الصغيرة. يا خسارة تربيتي فيك."
بينما الجميع لا يصدق حديثه، فقد ظنوا بأنه سيكون أول الداعمين له. ولكن ما حدث كان العكس. لم يتحدث زين بحرف واحد. احتدمت نظراته وهو يضغط على يديه بشدة حتى برزت عروقه.
نظر لوالده قليلاً قبل أن يرحل، فكانت نظراته مليئة باللوم والعتاب والخذلان. نعم، فهو قد خذله في أكثر وقت يحتاجه فيه. ولكن أيضاً نظرته كانت محملة بالامتنان.
رحل من أمامه دون التحدث بشيء. بينما اقتربت منه زوجته وهي تقول بغضب:
"إنت إيه اللي عملته ده؟ إنت معندكش قلب؟ دا بدل ما تقف جنبه وتقويه وتسانده تعمل فيه كدا. حرام عليك ياخي."
نظر لها قليلاً وقد شعر بالندم. جلس على المقعد وهو يضع وجهه بكلتا يديه بحزن.
اقتربت منه عايدة وهي تضع يدها على كتفه قائلة بهدوء:
"متسمعش لكلامها... اللي عملته ده هو الصح."
ثم تركته ورحلت هي الأخرى تتابع عملها وتنظر أمامها وتفكر بشيء ما حتى اتخذت قرارها. وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها وقامت بالضغط على آخر رقم هاتفها حتى أتاه رده. لتجيبه وهي تقول بعجالة:
"كفاية لحد كدا، نفذ اللي اتفقنا عليه."
أغلقت معه الهاتف وهي تنظر لنقطة ما أمامها وقد احتدمت نظراتها وهي تقول بوجه خالٍ من التعبير:
"الظاهر البت دي بقت خطر عليك يا زين. أحياناً مصدر قوتك، بيكون هو نفسه مصدر ضعفك... كفاية ضعف لحد كدا وخلينا نشوف قوتك بقى."
أما عن زين، جلس في المسجد وهو يستند برأسه على العمود وهو يغمض عيناه وقد توقف عقله عن التفكير. لم يصلي حتى ركعتين تحية المسجد كما تعود دائماً. ولم يعد ذلك الشخص البشوش الذي يحبه الجميع. هو حتى لا يعلم ماهذا الضعف الذي حل عليه ولأول مرة بحياته يتوقف عقله عن التفكير ولا يستطيع التصرف بشيء.
شعر بمن يجلس بجواره وهو يقول:
"هون على نفسك يابني.. أخرتها متر في متر."
نعم، صوته بل وجملته الشهيرة أيضاً. فتح عيناه مسرعاً وقد بات يشك بأن هذا الرجل من وحي خياله لا يأتيه إلا حين يشتد به الكرب. رفع نظره له وهو يقول ببسمة حزينة:
"دايماً عارف أوقاتك يا شيخ توفيق، مبتجيش إلا وأنا شايل الهم."
ابتسم له العجوز وهو يفهم ما قد يرمي إليه قائلاً:
"حظي الحلو أسمع مشاكلك اللي مبتحكيهاش لحد يا عم زين. ها أحكيلي أنا سامعك."
ظهر الحزن على وجهه وهو يقول بألم:
"الدنيا مش عايزاني أفرح يا شيخ توفيق. كل ما أقول خلاص هفرح بلاقيني برجع لورا أكتر. وكأن أنا والسعادة أعداء ملناش نصيب نتجمع."
توقف يأخذ أنفاسه ثم أكمل وهو يبتلع ريقه بحزن قائلاً:
"لكن تعرف المرادي إيه أسوأ حاجة، إنّي لأول مرة في حياتي أحس بعدم رضى. مش راضي عن أي حاجة وكاره كل حاجة حواليا وعشان كدا أنا مخنوق وتعبان و.. وضعيف بالشكل ده. أنا والله هكون راضي بأي حاجة تانية بس مش فيها هي.. إلا هي يا شيخ توفيق. حتى.. حتى ساعة ما كانت تعبانة أنا كنت راضي بس يكفي إنها كانت جنبي ومطمئن عليها حتى لو لقدر الله حصلها حاجة برضو كنت هكون مطمئن عليها. لكن دلوقتي أنا قاعد معرفش عنها أي حاجة وحاسس بالعجز ومش قادر أفكر حتى ولا عارف أعمل إيه. معرفش غير إني مش هكون كويس إلا وهي جنبي."
تنهد شيخه وهو يستمع له وقد استشف من حديثه بأمرها. ليقول وهو ينظر له:
"وهو انت فاكر يا زين الاختبار هيجيلك إزاي؟ قدام واحد جاي يقولك على مسلسل حلو تسمعه ولا أغنية؟ ولا قدام واحدة متعرفهاش جاية تعرض نفسها عليك؟ الاختبار مش هيجيلك في حاجة انت مش بتحبها ولا على هواك ومش بتفكر فيها من الأساس. الاختبار هيجيلك في أكتر حاجة انت بتحبها وهنا بقى بيكون وقت الابتلاء الحقيقي. بتقول لما كانت تعبانة لو كان حصلها حاجة كنت هتكون مطمئن عليها لأنها هتكون بين إيدين ربنا. طب ودلوقتي هي مش بين إيدين ربنا برضو؟ كل شيء قدر ومكتوب وده اختبار ليك وربنا مش هيبتليك بحاجة إلا وأنت بتحبها. أمال هيكون اختبار إزاي؟"
"بس الاختبار المرادي صعب عليا لدرجة مش قادر أتحمل وحاسس إني مش راضي عن أي حاجة."
"مفكرتش لو واحد من اللي انت بتديهم دروس عن الصبر والإيمان سمعك وأنت بتقول كدا هيقول إيه؟ لما انت مش قادر تعمل بكلامك عايز الناس تقتنع بيه وتعمله إزاي؟ الأختبار اللي بيكون عبارة عن بلاء لازم يكون صعب وأوي كمان، وكل ما ربنا بيحبك كل ما الابتلاء بيزيد، وإلا ما كانش أشد الناس ابتلاءاً كانوا الأنبياء. والرسول أشرف الخلق اللي حياته كلها كانت ابتلاءات. كل ما هتلتزم وتقرب من ربنا كل ما ابتلاءاتك هتزيد طالما نويت تدخل الجنة يبقى لازم تتعب علشانها وإلا لم بقاش فيه جنة ونار. مش لازم ربنا يختبرك برضو، مش يمكن أنت بتعمل كدا رياء أو علشان حبيت جو الالتزام؟"
رفع نظره له بصدمة وهو يهز رأسه. هل يعقل بأن يكون كل ما فعله كان رياءاً؟ بالتأكيد لا. ويلك يا زين. انتفض قلبه برعب مجرد سماع تلك الكلمة.
تابع شيخه مجدداً بعدما رأى تعابير وجهه وقد توصل لما يريد وهو يهتف:
"استغربت ليه؟ مش كلنا معرضين للرياء، مش يمكن أنا كمان اللي بعمله ده رياء؟ هتعرف إنك ملتزم يا زين التزام حقيقي ولا لأ مش بصلاتك وصيامك لأ، ده بصبرك على الابتلاءات لإن ده هو الجهاد الحقيقي وخليك عارف إن الابتلاء مش هيكون غير في أكتر حاجة أنت متعلق بيها. لازم تصبر وتكون راضي كمان من قلبك حتى لو جواك حزين. لكن مدرك تماماً إن ده الخير ليك وإنك راضي بيه مهما تكون النتيجة."
انتهى الشيخ من حديثه لتكون تلك ثاني صفعة يتلقاها اليوم. نعم، هي أكبر اختبار بالنسبة له ولكنه فشل به ولم ينجح وقد استسلم لمصيره. ليسأله وهو يبتلع ريقه قائلاً:
"بس أنا مكنتش راضي وكنت ناقم من جوايا على اللي حصل. كدا أنا فشلت في الاختبار؟"
هز رأسه نافياً وهو ينظر في عينيه قائلاً:
"لأ.. لسه معاك وقت وأنت لسه في الاختبار. استغفر ربنا وجدد توبتك ورضاك بأي حال هتكون عليه وكل حاجة هتحصل معاك أنت راضي عنها. ربنا لو مبيحبكش يا زين مكنش بعتني ليك في الوقت ده تحديداً علشان أقولك الكلام ده."
"قوم يا زين، أقبل على ربنا بقلب جديد بكل رضى وحب وأنت هترتاح. قوم ادعي ربنا وارجع لصلاتك وصلاتك. أكتر وقت هتدعي فيه ربنا من قلبك مش في رمضان ولا القيام ولا حتى وأنت قدام الكعبة، بل أكتر وقت هتدعي فيه ربنا من قلبك هو وقت المصائب والشدائد علشان أنت أكتر وقت محتاج فيه للدعاء وفي أشد الحاجة ليه."
أومأ له بهدوء ثم قام من مكانه بعدما ودعه وصلى ركعتين توبة أولاً وجلس يقرأ قرآن وقد شحن نفسه وعادت له طاقته المليئة بالإيمان والصبر. عادت شخصيته الصبورة والراضية.
تذكر حديثها عندما كانا فوق السطوح وعلمت بأمر الصورة التي يضعها بغرفته وكلامها يردد بآذنه:
"ده مش مبرر ليك يا زين يخليك تغضب ربنا عشان حد حتى لو كان الحد ده أنا. عصيت الخالق لأجل مخلوق؟ مش يمكن كان ربنا قبض روحي في أي لحظة؟ مهما بلغ حبك ليا يا زين... أوعى تعصي ربنا علشاني أو عشان أي حد مهما كان."
لاحت منه ابتسامة خافتة وهو يتذكرها. يتذكر كل تفصيلة بها ومواقفهما معاً. حينما كان يشاكسها وحينما يخجلها. تذكر يوم شفائها وركضهم سوياً في الطريق بين السيارات. تذكر عندما رآهم والده في منزله. وأيضاً يوم رآها بغرفته عندما كانت تدور حول نفسها بثيابها الفضفاضة لأول مرة.
اختفت بسمته وهو يتذكر آخر لقاء بينهما وهو يغمض عيناه بألم حين صرخ بها وأبكاها. لقد اشتاق لها بشدة. لم يكن ليتخيل بأن حياته دونها ستصبح مملة هكذا. يفتقد طيفها في المكان وضحكاتها التي تسعده وخجلها عندما يشاكسها متعمداً إحراجها.
ذهب لمنزله مجدداً ثم أول شيء فعله أخذ حماماً سريعاً وهو يريح أعصابه قليلاً كي يستطيع التفكير بهدوء وقد استودعها عند الله وقد هدأ كثيراً عن ذي قبل وهو يطمئن نفسه بأنها مازالت بخير وسوف تعود له من جديد.
خرج بعدما انتهى وقد عاد له ثباته من جديد وعادت شخصيته القوية مجدداً واستعاد صبره بطريقة أدهشت الجميع من التغيير الذي طرأ عليه فجأة بعدما شاهدوا لحظات انهياره لأول مرة ولكنه لم يهتم. بل عقله أصبح يعمل بشكل جيد كي يستطيع إيجادها.
وجد من يقترب منه. رفع نظره ليجد أبيه يقف أمامه ليطرق رأسه أرضاً ثم هم ليرحل ولكن أوقفه صوته وهو يهتف:
"زين."
توقف عن السير وهو يستدير له ولكنه مازال ينظر أسفل. ليقترب منه وهو يقول بحنين:
"طول عمري بعتبرك صاحبي وحبيبي مش بس ابني. في الغالب الابن اللي بيستمد القوة من أبوه، بس للأسف ده محصلش معايا وأنا طول عمري اللي بستمد القوة منك وبتعلم منك الصبر كمان وعمري ما شوفتك ضعيف أو حزين بالعكس. كل حاجة بتحصل معاك بلاقيك راضي وصبور وقوي ومفيش حاجة بتهزك لحد النهارده. لأول مرة في حياتي أحس بالعجز والإنكسار وأنا شايفك بتضعف قدامي ومستسلم ومش قادر أعملك حاجة. مكنتش مستحمل إني أشوفك كدا وكنت عايزك ترجع قوي زي ما اتعودت أشوفك دايماً."
توقف عن الحديث وهو يشير على يده ثم أكمل بنبرة اختنقت بالدموع:
"ياريتها كانت انشلت يا زين قبل ما تتمد عليك."
رفع نظره أخيراً وهو يقترب منه ويقول بلهفة:
"بعد الشر يا بابا متقولش كدا. أنا مش زعلان منك بالعكس. القلم ده هو اللي فاقني. أنا.. أنا كنت حاسس كأني كنت غايب عن الواقع أو بحلم حلم وهصحى منه وكنت محتاج اللي يفوقني واللي عملته ده هو اللي فاقني."
توقف عن الحديث وهو يبتلع ريقه ثم تابع ببسمة ممزوجة بألم قائلاً:
"أنا استودعتها عند ربنا، وواثق إنها بخير وهترجعلي تاني."
اقترب منه والده ثم احتضنه وهو يربت على كتفه قائلاً بحزن وألم:
"هترجع.. إن شاء الله هترجع بخير."
كان يقف في الظلام وهو يرى شخصاً ما يعطيه ظهره ولا يظهر منه شيء. حاول ليث رؤية وجهه ولكنه فشل. فهو يشعر بأن هذا الشخص يعرفه، ولكنه لا يعلم من هو بعد.
اقترب منه هذا الشاب والذي لم تتبين ملامحه بعد ثم قام بلكمه فجأة من دون سابق إنذار، ليشعر ليث بالغضب الشديد منه. هم ليسدد له نفس الضربة ولكنه فشل. شيء ما بداخله لا يعلمه يمنعه من فعل ذلك.
قام الشاب بضربه مرة أخرى هنا وقد زاد غضبه وقد فك حصاره وظل يحاول ضربه حتى استطاع وهو يلكمه بشدة. ولكنه شعر بالندم ولم يكن عليه فعل ذلك. وما زال لا يدرى سبب هذا الشعور.
ابتعد عنه الشاب ثم وقف مكانه مرة أخرى وقد تبينت ملامحه. نظر له ليث بصدمة ولا يصدق كيف يكون أمامه وهو من المفترض أنه ميت! هل عاد ياسر من الموت أم هو يحلم؟
تحدث بلهفة وقد نسي ما فعله منذ قليل وهو يهتف:
"ياسر.. أنت رجعت، ماما وبابا هيفرحوا أوي. تعالي يلا معايا علشان يشوفوك."
كان يتحدث بفرحة ولهفة وحديثه غير مرتب. حاول ليث التقدم منه ولكنه لم يستطع. وكأن أحداً ما يكبل حركته ولكنه لم يهتم وهو يكمل حديثه بسعادة قائلاً:
"أنا فرحان أوي يا ياسر علشان شوفتك ورجعت تاني، وأخيراً هنكون مع بعض ونتجمع كلنا من تاني."
كان ياسر يقف ثابتاً وهو يسمع حديثه بوجه خالٍ من التعبير. ليتحدث أخيراً وهو يهتف:
"مبقاش ينفع يا ليث، أنا مكاني مش وسطكم. سلملي على ماما وقولها إني بحبها أوي، و.. وقول لبابا إني كنت نفسي أقعد معاه وأنت كمان يا ليث.. كان.. كان نفسي أحضنك على الأقل."
هز ليث رأسه يرفض ما يقول وهو يهتف:
"تعالى معايا وقولهم أنت بنفسك، هم هيفرحوا بيك أوي وأنا وأنت هنكون صحاب ومع بعض على طول."
نظر له بحزن وقد سقطت دمعة من عينيه وهو يهتف:
"الوقت اتأخر، وأنا لازم أمشي... قول لحور تسامحيني يا ليث، أنا أذيتها كتير... رغم إني مستحقش تسامحيني، بس أنا طمعان في عفوها."
تراجع للوراء قليلاً وليث يحاول الاقتراب منه وهو ينادي باسمه كي لا يرحل ولكنه تبخر فجأة في الهواء ولم يعد له أثر. بينما هو كاد أن يجن وهو يحاول إيجاده ولكنه فشل.
"ليث... يا ليث."
نادته حور وهي تهزه في محاولة لإفاقته وهي تراه يتململ في الفراش وملامحه متجهمة ويهذي بحديث غير مفهوم. استيقظ من نومه بفزع وجبينه متعرق بشدة ويحاول أخذ أنفاسه بصعوبة. بينما هي راقبت تعابير وجهه بقلق وهي ترى الشحوب بادٍ عليه. تحسست وجهه وهي تهتف بقلق:
"ليث.. أنت كويس؟"
ظل ينهج بشدة كما لو كان يجري منذ زمن وهو يقول من بين أنفاسه:
"أنا خايف... خايف أوي يا حور."
نظرت له بجهل وهي تحاول فهم حديثه ولا تدري ما به. أمسكت يده برفق وهي تهتف بتروٍ:
"خايف من إيه؟"
هز رأسه بالنفي ثم ابتلع ريقه وهو يقول:
"مش عارف... بس أنا خايف و.. وحاسس إني مش كويس."
ورغم أنها لا تفهم ما به ولكنه اقترب منها أكثر ثم وضعت رأسه على صدرها وهي تضمه إليها بحنان كما تضم الأم صغيرها وأخذت تمسح على شعره برفق تحاول بث الأمان بداخله وكأنها تخبره بأنه ليس وحيداً وهي معه. ظلت تقرأ عليه بعض آيات الله وقد ظنت بأنه رأى كابوساً. هي حتى لم تسأله عن السبب، ولكنها أرادت طمأنته فحسب.
هدأ قليلاً وقد شعر بالتحسن وانتظمت أنفاسه. خرج من أحضانها وهي ينظر لها بامتنان لتبادله النظرة ببسمة وهي تقول:
"بقيت أحسن دلوقتي؟"
أومأ لها ولا يوجد كلام يوفي امتنانه لها. ليقول بصدق:
"شكراً يا حور.. شكراً جداً ليكي."
نظرت له بضيق زائف وهي تقول:
"إيه شكراً دي، فيه حد يشكر مراته برضو؟ وبعدين أنا أصلاً مبحبش الشكر الناشف ده."
نظر لها قليلاً باستفهام وقد ذهب عقله لشيء آخر ليسألها وهو يضيق جفونه:
"امال عايزاه بأيه؟"
"توديني على عربية كبدة وتسيبني عليها."
طالعها بذهول ما لبث حتى ضحك عليها وهو يقول:
"إنتي مش طبيعية يا حور، قال وأنا اللي دماغي راحت بعيد."
نظرت له بشك وهي تقول:
"دماغك راحت فين؟"
"لأ متأخديش في بالك لما تكبري هبقى أقولك."
صمت قليلاً ينظر لها تحت تعجبها ليكمل مرة أخرى وهو يدخل أكبر قدر من الهواء داخل رئتيه قائلاً:
"حور انتِ سامحتي ياسر؟"
لقد بدأت الخيوط تترابط أمامها الآن. هو كان يحلم بأخيه إذاً. لم تجبه وهي تفكر بالسؤال. هل هي سامحته بالفعل؟
لا تدري ولكنها عانت بشدة بسببه. لقد أرعبها هو وحامد وكانا مصدر خوف لها وبالتحديد ياسر. فهو يطاردها منذ زمن ودائماً كان يبث الرعب داخلها كلما رأته. فهي لا حول لها ولا قوة من بطشه، لذا كان من الصعب عليها مسامحته بسهولة.
"أنا اتأذيت كتير منه يا ليث، صدقني كان صعب عليا أقدر أسامحه بعد اللي عمله معايا وقتها لأنه مكنش سهل كل اللي اتعرضتله بسببه. وبعدها حاولت مفكرش فيه، لكن الزمن كفيل إنه يغير الإنسان ومشاعره تهدى كمان من ناحية اللي آذاه. يعني أنا دلوقتي مش زي وقت ما كان عايش وبيأذيني، عشان كدا أنا هسامحه لأنه بقى بين إيدين ربنا."
وأخيراً تنهد براحة وقد علم سبب زيارة أخيه له. ابتسم بألم وهو يتذكر تفاصيل حلمه الجميل الذي جمعه به. ليته استطاع ضمه ليشبع شوقه منه. ليته ظل يحلم به وقتاً أطول. مشاعر عديدة بداخله ويشعر أنه مضطر. وحين لاحظت حور تعابير وجهه سألته مجدداً قائلة:
"مالك يا ليث؟"
"كان نفسي أحضنه ولو لمرة واحدة يا حور، ك.. كان قدامي طول المدة دي وأنا معرفش إنه أخويا!! كان نفسي أقوله إني طول عمري كان نفسي يبقى ليا أخ، ويوم ما يبقى ليا أخ أخسره؟ أنا قلبي وجعني أوي."
نظرت له بحزن شديد وهي تعلم ما يشعر به جيداً. فهي يومياً تبكي على أخيها ووالدتها لوحدها. ولكن على الأقل هي شبعت من حنانها ولو قليلاً، على عكسه هو.
وضعت يدها على قلبه وهي تقول:
"ربنا يبعد عنك أي حزن ووجع يا ليث. هو في مكان أحسن مننا إن شاء الله. محتاج إننا ندعيله بس وإن شاء الله تجتمع معاه في الجنة."
وقفت من مكانها ثم أمسكت يده وأكملت حديثها:
"قوم نصلي ركعتين قيام وندعيله بالرحمة، وبكرة نروح نطلع صدقات على روحه."
ابتسم برضى داخلي وهو يطالعها. نعم، هي أكبر نعمة حصل عليها ولو ظل يحلم طوال حياته لم يتصور بأنها سيحصل عليها بالنهاية. فالإنسان لا يُحرم من كل شيء ودائماً يأتي عوض الله أفضل مما نتخيل.
توضأ هو الآخر ثم شرعوا في الصلاة وظل يدعو لأخيه بالرحمة وأيضاً يحمد الله على نعمة وجودها وأن يديمها الله له حتى انتهوا. بينما حور كانت تشعر بالسعادة الشديدة وكم تمنت أن تصلي خلف زوجها في جوف الليل.
"ودلوقتي يلا علشان تأكلني كبدة."
نظر لها بصدمة. كيف سيذهبا في هذا الوقت؟ ليقول بدهشة:
"دلوقتي؟"
وضعت يدها أمام صدرها وهي تقول بعناد:
"أيوه دلوقتي، ومليش دعوة أنت وعدتني."
طالعها قليلاً وأمام نظراتها المترجية لم يستطع الرفض، ليقول بقلة حيلة:
"يلا وأمرى لله روحي البسي يلا."
تهللت أسارير وجهها بفرحة. بينما هو هم ليرتدي ثيابه وهو يعطيها ظهره تزامناً مع احتضانها له من الخلف وهي تقول بصدق:
"أنا بحبك أوي يا ليث."
استدار لها بصدمة وهو لا يصدق ما سمعه وقد شعر بالصدق من نبرتها. هي تحبه كما يفعل. لا لن تكون مثله ولكن لا يهم، يكفي فقط أنها تبادله ولو بعض المشاعر. ليكون أسعد شخص وقد تناسى حزنه وكل شيء وهو يقول بصدمة:
"قولتي إيه؟"
"لأ هي بتتقال مرة واحدة بس."
نظر لها بغيظ ومن داخله يشعر بالسعادة وهو يهتف:
"طب مفيش خروج بقى."
"الكبدة دي طعمها حلو أوي يا ليث، قولتلي كبدة إيه؟"
تحدثت حور وهي تجلس جواره بالسيارة بعدما جلب لهم ليث الكثير من "سندوتشات الكبدة" وهي تأكل بنهم كما يفعل هو الآخر ويتلذذ بطعمها متناسياً كم كان يكره طعام الشوارع ومن المستحيل أن يأكل منه. الآن يجلس جوارها وهو يأكل ومستمتعاً بذلك أيضاً. ليقول بهدوء وهو ما زال يأكل:
"على حسب، لو هوهوتي بعدها تبقى كبدة كلابي، أما لو نهقتي تبقى كبدة حميري."
تعالت ضحكاتها بشدة وهي تتذكر كلماته عندما سألها أول مرة عن نوع الكبدة الذي يتناولها لتجيبه بنفس الإجابة. بينما هو شرد في ضحكتها قليلاً ثم تحدث بتروٍ:
"تعرفي يا حور، ربنا لما بيبتلي حد بحاجة بيرزقه بحاجة تانية أضعاف اللي اتحرم منها. بسأل نفسي لو مكنتش قابلتك وخدتي بأيدي كان زماني عامل إزاي دلوقتي؟ أنا دلوقتي بس اتأكدت إن ربنا بيحبني علشان رزقني بحورية زيك تاخد بأيدي للجنة ومسبنيش غارق في الدنيا لحد ما أموت وأنا مش عارف أنا عايش ليه حتى. أنا مبسوط أوي يا حور لمجرد إني حاسس إن ربنا بيحبني، علشان لو مش بيحبني مكنش بعتك ليا، علشان واحدة زيك نعمة في حياة أي حد."
صمت قليلاً ثم استدار بجسده نحوه وهو يقول بتساؤل وحزن:
"بس تفتكري أنا استحق حب ربنا يا حور وأنا وحش كدا؟"
أمسكت يده برفق ثم قبلتها وهي تنظر له ببسمة قائلة:
"أنت مش وحش يا ليث بالعكس، ده أنت أحن زوج في الدنيا. بقى فيه واحد ينزل مراته في نص الليل علشان بس قالتله عايزة تاكل كبدة للعلم إني كنت بهزر أصلاً. وكمان أحن ابن في الدنيا. كل الحكاية بس إن الدنيا جات عليك شوية وأنت استسلمتلها بس بعدين عرفت غلطك وقررت تتغير وتصلح ده مش كدا؟"
هز رأسه يؤكد لها وهو يبتسم. بينما هي أرادت أن تجعله يثق بنفسه مجدداً وهي تهتف:
"تعرف لما اتقدمتلي ساعتها كنت رافضالك نهائي ومش موافقة عليك علشان كنت شايفك بعيد ومتناسبنيش. بابا ساعتها قالي إن ممكن أنت تكون الخير ليا عن الشخص اللي أنا حاطه مواصفاته في دماغي ومش هقبل بأقل من كدا. ربنا اللي هيألي كل الأسباب تحصل علشان نتزوج. ورغم إني مكنتش شايفك مناسب ولو بواحد في المية إلا إني صليت استخارة ودعيت ربنا إنك لو خير تقربني منك ولو شر تبعدني عني و عشان كدا لما اتجوزنا بقيت متيقنة إنك هتكون الخير ليا."
توسعت بسمته وهو يسألها قائلاً:
"وطلعت فعلاً الخير ليكي؟"
غمزت له بطرف عينيها وهي تجيبه بمشاكسة:
"طلعت أحلى خير كمان."
"عمرك عملتي عمل صالح يا روان خالص لوجه الله لو وقعتي في مشكلة ينجيكي منها؟"
سألها زين وهو جالس جوارها بينما هي تتكأ عليه. رفعت رأسها نحوه باستفهام ولم تفهم حديثه. ليكمل كلامه مرة أخرى موضحاً لها قائلاً:
"مسمعتيش عن قصة أصحاب الصخرة؟"
هزت رأسها له بالنفي. ابتسم بهدوء وهو يقص عليها أمرهم هاتفاً:
"دول بقى يا ستي كانوا تلاتة مع بعض في نفس المكان واتقفل عليهم صخرة في غار وهم ما يعرفوش بعض. طبعاً حاولوا يشيلوا الصخرة بأي شكل من الأشكال مقدروش لحد ما يأسوا منها وعرفوا إنهم مستحيل يعرفوا يشيلوها لو فضلوا عمرهم كله يزيحوا فيها. لحد ما واحد منهم قال يدعوا ربنا بعمل هم عملوه وكان خالص لله.
فضلوا يفكروا لحد ما واحد منهم قال إنه كان ليه أبوين كبيرين وهو كان كل يوم وهو راجع بعد ما يجيب اللبن لازم يعدي يسقيهم هما الأول وبعدين يروح يسقي زوجته وعياله. في مرة اتأخر وراح لهم لقاهم ناموا خشي إنه يصحيهم بعد ما ناموا. مرضيش يروح وفضل قاعد لحد ما الفجر أذن وعياله حواليه جعانين بس هو كان عمال يصبرهم لما يسقي أهله الأول وفعلاً فضل سهران جنبهم لحد ما الفجر أذن وسقاهم وبعدين أدى لعياله. رفع إيده ودعى ربنا لو كان العمل ده خالص لوجهه الكريم الصخرة تنزاح وبالفعل الصخرة انزاحت شوية ودخلتلهم نور بس يقدروا يشوفوا بيه. والمطرة كانت بتمطر حاولوا إنهم يمدوا إيدهم يجيبوا ميه يشربوا بيها لكن مقدروش لحد ما قالوا إنها مش هتنزاح غير بنفس الطريقة اللي انزاحت بيها أول مرة.
واحد تاني منهم فضل يفكر لحد ما حكى إنه كان تاجر معروف ومرة كان شغال عنده ناس وواحد منهم مشي قبل ما ياخد أجرته. فهو شاله فلوسه على جنب لحد ما يرجع بس الراجل مرجعش. جه عليه وقت مكنش معاه فلوس وأفلس وجه قدامه تجارته بالمبلغ بتاع الراجل بس خايف ياخد منه. زوجته قالتله ياخده ولما الراجل يرجع هيكون وقتها معاه فلوس ويبقى يدهاله. وبالفعل وافق وكبرت تجارته وبقى عنده ثروة كبيرة من الماشية وبعد سنين رجع الراجل وطلب منه فلوسه، قاله إن كل اللي قدامه ده من فلوسه وياخد اللي هو عايزه والراجل أخذهم كلهم. هنا دعا ربنا لو كان العمل ده خالص لله الصخرة تنزاح وبالفعل الصخرة انزاحت أكتر. لدرجة مدوا إيديهم وقدروا يشربوا من المطرة اللي كانت نازلة بس لسه مش عارفين يخرجوا.
بصوا للراجل التالت اللي معاهم واللي كان رافض إنه يتكلم بس هما أصروا عليه لحد ما اتكلم وبدأ يحكي. الراجل ده كان ليه بنت عمه وهو كان غني ومعاه فلوس وكان بيحبها حب شديد. أو يقال بيحبها كما يحب الرجل النساء وأكثر من مرة كان بيحاول إنه يختلي بيها بس هي كانت بتمنعه. لحد ما في مرة كانت في أشد الحاجة للمال ولجأت ليه. كانت محتاجة مبلغ كبير وساعتها هو استغلها وقالها هيديها مقابل إنها تمتعه بيها. ولأنها مكنش قدامها حل وافقت. بعد ما خلاص اختلى بيها ويقال إنها كانت معاه على الفراش وقبل ما يهم بيها قالتله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحق. ساعتها تركها فعلاً وأداها الفلوس وسابها. هنا دعا ربنا لو كان العمل ده خالص لله ينجيهم من اللي هما فيه وبالفعل الصخرة انزاحت خالص وقدروا إنهم يخرجوا واللي خرجهم كان قوة عملهم الصالح. عشان كدا كلنا لازم يكون عندنا عمل صالح بينا وبين نفسنا عملناه لوجه الله يكون قوي لدرجة إننا لو كنا مكانهم كنا قدرنا خرجنا أو لو اتحطينا في موقف زيهم."
"أستيقظت من غفوتها وهي تمسك رأسها بألم وتنظر حولها بتعجب لتجد نفسها مازالت بمكانها. كيف رأته إذاً؟ لا تدري أكان حلماً أم أن زين قص عليها هذه القصة من قبل. كل ما تعلمه أنها تتذكر كل كلمة تحدث بها. ابتسمت بحنين له، فحتى وهي بعيدة عنه لم يتركها بل أتاها بحلمها وكأنه يخبره بأنه معها حتى ولو لم يكونوا بنفس المكان. شعرت بالقوة والأمان حتى باتت تشم رائحته بالمكان أو هذا ما يخيل إليها.
زينها الحبيب والتي اشتاقت له بشدة. ترى ما حالته الآن وها هو اليوم الثالث لها في هذا المكان الموحش والتي قد بدأت أن تستسلم وتشعر بالخوف وتهتز عزيمتها ولكنه أتاها أولاً ليعيد لها شجاعتها مجدداً. أرجعت ظهرها للخلف وأسندت رأسها على الحائط وما زالت يديها تلتف حولها الحبال وهي تتذكر منذ أن اختطفها في هذا اليوم عندما تركت زين وغادرت وقبل أن تصل لسيارته وجدت من يجذبها ويكتم فمها بسرعة البرق ثم بعدها غابت عن الوعي لتستيقظ وتجد نفسها هنا ولا تعلم من أتى بها إلى هنا.
وجدت الباب يفتح ويدخل هو بخطوات متمهلة نحوها لتتوسع عيناها بصدمة وهي تهتف:
"عمرو!!"
بينما هو اقترب منها وهو يبتسم بخبث قائلاً:
"إيه رأيك في المفاجأة، حلوة صح؟"
ظلت تنظر له قليلاً وهي تأخذ أنفاسها ولم تتخيله أبداً. بينما هو ظل يتأملها ويراقب ملامحها المندهشة منه، ليقول:
"تؤ تؤ، مش عايزك تخافي مني لأ."
بينما هي نظرت له ببرود وأردفت بقوة لم تعهدها من قبل وللعجب أدهشتها هي أكثر منه هاتفة:
"ومين قالك إني خايفة؟ أنت آخر واحد ممكن أخاف منه يا عمرو. مش هنكر أول مرة لما خطفتني خوفت، لكن المرادي مش خايفة منك."
ورغم تعجبه من حديثها إلا أن ملامح الاستهزاء كانت بادية على وجهه بشدة. ليسألها بتهكم:
"امم هو لحق يقويكي في اليومين دول يعني."
هزت رأسها بالنفي ثم ابتسمت تزامناً مع قولها بقوة:
"مش هو اللي قواني لأ، صلاتي وقرآني هما اللي خلوني قوية ومخافش من واحد زيك. أنا قوية بثقتي بربنا وأنا خارجة النهاردة مصليا الفجر وقارئة أذكاري. أخاف ليه بقى."
"بس اخرسي."
قام بصفعها على وجهها حتى أدميت شفتيها من أثر الصفعة. بينما هو شعر بالخوف الشديد من حديثها وكأنه أخيراً تذكر أن هناك جنة ونار. لم يتحمل حديثها ليصفعها بغضب وكأنه يحاول تهدئة ذاته. تركها وغادر وهو يشتعل بشدة. بينما هي أغمضت عيونها بألم وهي تحمد الله وتدعو أن ينجيها من بطشه.
استفاقت من ذكرياتها وهي تمسح دموعها. فقد مر يومان ولم تراه بهما. فقد يأتي من يضع لها الطعام ويرحل. بينما لسانها لم يتوقف عن الذكر والاستغفار. سمعت صوت خطوات تقترب منهما والتي خمنت بأنه هو. ولم يخيب ظنها وهي تراه أمامها ولكنها شعرت بالخوف الجدي هذه المرة. فملامحه لا تبشر بالخير إطلاقاً.
كان زين يجلس أمام حاسوبه يسمع الفيديو مراراً وتكراراً عله يلاحظ شيئاً يفيده وهو يصوب عيناه كالصقر وملامح وجهه خالية من التعبير. بينما الشباب يجلسون حوله بعدما عملوا بأمر اختطافها وقد أتوا ليقفوا بجانبه في محاولة لمساعدته في إيجادها. تحدث ليث وهو يقول:
"أنا كلمت ظابط كبير ومعروف وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة هيعرفنا مكانها وكمان كلمت المديرية يكثفوا البحث ولو ملقنهاش هقلب لهم الدنيا هناك."
أومأ له زين بهدوء وهو يعود بنظراته نحو الفيديو مجدداً بينما يجلس بالقرب منه كلاً أحمد ويونس اللذان يتابعان بصمت. أما عمر ما زال يشعر بالغضب وداخله يشعر بالألم والحزن وهو لا يعلم أين يجدها. لينفزع الجميع عندما هب زين واقفاً بفرحة ولهفة وهو يقول:
"هي إزاي راحت عن بالي دي."
نظر له الجميع بجهل ودهشة، ليكمل حديثه موضحاً:
"السلسلة، أنا.. أنا كنت مديها سلسلة عشان أتبع مكانها لو حصلها حاجة مش عارف نسيت إزاي."
هب الشباب جميعهم وهم يقتربون منه وليث يقول:
"طب يلا بسرعة مفيش وقت وهنتبع مكانها في الطريق."
خرج من الغرفة تزامناً مع الوقت الذي وقفت به عايدة وهي تنتفض وتصرخ بمن تحادثه على الهاتف دون أن تنتبه له قائلة:
"إزاي تسيبه يقرب منها يا حيو*ان امال أنت بتعمل إيه."
نظر له زين متعجباً يحاول أن يستوعب على من تتحدث حتى توسعت عيناه بصدمة وهو يقترب منها قائلاً بلهفة:
"روان انتِ عرفتي مكانها، مالها حصلها إيه، حد عملها حاجة."
كان يشعر بالخوف والتشتت ولكنه انتبه فجأة وهو يهتف:
"لحظة كدا، هو انتِ كنتي عارفة مكانها يا عايدة؟"
ظهر التوتر على ملامحها وهي تقول بعجالة محاولة تغيير الموضوع قائلة:
"مش وقته كلام يا زين، المهم نلحقها دلوقتي."
أومأ لها وقبل أن يرحل نظر لها قليلاً ثم قال بنظرة مميتة وهو يردف:
"لو اللي في دماغي صح يا عايدة هيكون مقابله صداقتنا كلها... إلا روان يا عايدة، إلا هي."
تركها وسار وهو ينظر أمامه بجمود ولحقه الشباب.
وقبل قليل كانت هي جالسة تفكر فيما سيحدث معها. ليدخل عمرو مجدداً وملامحه لا تبشر بالخير أبداً وما إن رأت هيئته حتى شعرت بالخوف الحقيقي هذه المرة ولا تعلم لمَ. ولكن يبدو أنه لا ينوي لها الخير. اقترب منها ثم جلس أمامها وما زالت يديها مكبلة. ليقول بغضب:
"سبتك كتير تاخدي وقتك وتكوني قدرتي تاخدي على المكان. المرة اللي فاتت هو لحقك. بس المرادي هو مش هيلحقك. هو جاي في الطريق دلوقتي وكمان فيه حراسة على المكان، بس أنا برضو عامل حسابي وسابقهم بخطوة."
وما إن أنهى حديثه حتى جذبها بقوة ثم أخرجها من المكان وهي تحاول أن تقاومه ولكنه كان أقوى منها ليجعلها تسير معه عنوة وقد ابتعد عن المكان وهي تبكي بألم. ولكنه لم ينسى أن ينزع لها تلك السلسلة التي ترتديها. لينقطع هنا آخر أمل في أن يجدها زين وهو يذهب بها إلى مكان لا يعلمه أحد.
كان زين يسير بسرعة جنونية وهو يتبع مكان وجودها حتى وجدت تتحرك من مكانها وهو ما أشعره بالخوف حتى توقفت مرة أخرى. ليقول عمر برعب:
"معقول يكون عرف بالسلسلة؟"
وما إن أنهى حديثه حتى رن هاتف عايدة لتجيبه ولكن ثوانٍ معدودة لتصرخ لمن تحادثه بغضب:
"إزاي قدر يهرب منكم يا شوية ****"
أغلقت معه وقد شعرت بالرعب الحقيقي هذه المرة. لقد خرج الأمر عن سيطرتها دون أن تدري.