تحميل رواية «وسولت لي نفسي» PDF
بقلم روان الحاكم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رشيت البرفان على لبسي كله وأنا مبسوطة. لسه جايباه جديد وريحته جذابة، واللي على آخر الشارع هيشم ريحته. رجعت الطرحة لورا وبينت نص شعري. قصرت البلوزة شوية عشان أبين الحزام بتاع البنطلون. بصيت لنفسي برضى، أكيد الكل هينبهر بجمالي كالعادة. نزلت على السلم وقابلت عيال عمي. نفخت بضيق وأنا بستعد إني أسمع محاضرة ملهاش أول من آخر عن اللبس والأخلاق. فاكرين نفسهم مشايخ وملايكة وهم أسوأ مني، بس بيظهروا نفسهم كده. أصلاً مفيش حد كده. لقيت ياسمين بنت عمي بتسلم عليا. بصيت للبس اللي هي لابساه، لابسة ملحفة زي الشوال...
رواية وسولت لي نفسي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روان الحاكم
سمع "عمر" صوت طرق على الباب. ابتسم بخبث.
سوف يريه هذا الزين كيف يرفضه. اقترب من روان يحتضنها في الوقت الذي فتحت به والدة روان الباب وهي ترحب به.
نظر زين لهم بصدمة والشرر يتطاير من عينيه. نسي من هو ونسي كل ما تعلمه من هدوء وصبر وطرق التحكم بالذات.
ابتعدت روان عنه مسرعة وهي مازالت لا تعي ما يحدث، فقد فاجأها عمر وهو يحتضنها في الوقت الذي دلف به زين.
بلع عمر ريقه بتوتر وهو يرى زين يقترب منه بتوعد. فقد توقع أن يغضب قليلا ويعطيه درسًا في الدين.
ترك زين باقة الزهور من يده. أمسكه زين من ثيابه وهو يهزه بعنف وهم ليضربه، في الوقت الذي صرخت فيه روان توقفه.
"زين اهدى اهدى... عمر يبقى أخويا في الرضاعة."
ضربه زين وكأنه لم يسمع لحديثها حتى. أمسكته ياسمين ووالدة روان وهم يحاولون منعه، وكأنه نسي من هو.
"يا زين والله عمر يبقى أخويا."
توقف زين أخيرًا وهو يبتعد عنه ويتنفس بعنف. فقط أدرك ما كان يفعله الآن.
نظر زين لها، فكانت ترتدي نقابها وملابس فضفاضة. بدت جميلة رغم غضبه منه. أبعد نظره عنها وخرج مسرعًا.
نظرت روان للورد الملقى أرضًا ونظرت لهم بتشتت.
"ممكن أفهم إيه اللي بيحصل دا؟"
"زين كان جاي يتقدملك."
أردفت ياسمين وهي تنظر لعمر بغضب، ثم رحلت هي الأخرى تلحق بأخيها.
"ينفع اللي عملته دا يا عمر، وانت عارف إن زين جاي النهارده."
تحدثت والدة روان بعتاب.
"يعني انت كنت عارف يا عمر إن زين جاي يتقدملي... استنى لحظة عشان كدا خليتني ألبس النقاب وصممت إننا نخرج! ليه يا عمر ليه؟"
"أنا كنت بهزر معاه معرفش إنه هيكبر الموضوع كدا. بعدين هو دايما بيفضل يتكلم عن الهدوء وإننا لازم نتحكم في غضبنا لما نتعصب، معملش هو كدا ليه زي ما بينصح الناس... صحيح يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم."
"اسكت بقى يا عمرر اسكت... يا ريتك انت زيه."
جلست روان أرضًا تبكي بشدة وهي تردف.
"انت ضيعت عليا فرحتي... أنا اصلا مستاهلش زين، هو يستاهل حد أحسن مني مش واحدة وحشة زيي."
اقترب منها عمر وهو يحتضنها.
"والله يا روان كنت بهزر ومش قصدي، بس هو زين شايفني وحش حبيت أبينله إني مش وحش كدا. ولما الإنسان بيحب حد مش بيشوف قدامه. مكنتش متخيل رد فعله هتكون بالشكل دا."
"انت أناني يا عمر... أنا بكرهك ابعد عني وملكش دعوة بيا."
تفوهت روان بهذا الحديث. فـ عادتها حينما تغضب تتفوه بأي حديث، ولأن عمر يعلم ذلك لم يحزنه حديثها.
"خلاص يا روان متكبريش الموضوع بقى، وأنا هكلم سي زين بتاعك دا أصالحه... بس يجوزني أخته الأول وأنا أجوزك ليه."
تحدث عمر بمزاح. ضحكت روان من بين شهقاتها.
حتى ضحك عمر معها.
كان زين يقف وهو يشعر بالغضب الشديد من نفسه. كيف يفعل كل هذا؟ لقد أصبح مجنونًا وشديد الغيرة. هو بطبعه هادئ ومسالم، ولكن حين يتعلق الأمر بروان يتحول لشخص آخر لا يعرفه هو. بتلك الطريقة سيجعل الجميع ينفر منه ويسيء لدينه، فالجميع يراه قدوة وهو بهذا السوء. أصبح لا يستطيع التحكم بغضبه، كم كره ذاته في هذه اللحظة.
حتى ولو لم يكن عمر أخيها ما كان يجب أن يفعل كل هذا. بطريقته العنيفة تلك سوف يسيء للإسلام.
خرجت ياسمين تبحث عنه حتى وجدته يقف بعيدًا وتعابير وجهه جامدة. اقتربت منه ياسمين وهي تربت على كتفه.
"اهدئ يا زين، محصلش حاجة لكل دا... يلا نرجع عشان مينفعش نأخر عليهم كدا."
"مش هتجوز روان."
"انت بتقول إيه يا زين، روان معملتش حاجة. عمر... قصدي بشمهندس عمر أخوها في الرضاعة وكان بيهزر معاك."
"لا يا ياسمين مش بسبب كدا، يمكن اللي حصل دا إشارة من ربنا. أنا مش هينفع أتزوج روان."
نظرت له ياسمين بصدمة من حديثه ثم تحدثت بغضب بعض الشيء.
"يعني إيه يعني مش هينفع، هو لعب عيال يا زين."
"ياسمين، أنا لو اتجوزت روان هتكون السبب إني أبعد عن ربنا. انتِ متخيلة ولا أول مرة من سنين يفوتني الفجر!! من كتر ما انت كنت فرحان إني خلاص هتقدملها مكنتش قادر أنام من الفرحة وطول الليل بفكر فيها لدرجة نمت قبل الفجر بشوية ومقدرتش أقوم للفجر! مش عايز أتعلق بيها أكتر من كدا وربنا يعاقبني بيها. ومش عايز برضو حبي ليها يكون سبب يبعدني عن ربنا."
"زيين... إيه الكلام اللي بتقوله دا، ؟؟ مستوعب انت بتقول إيه!! دي روان، اللي طول عمرك بتحبها من أول يوم اتولدت فيه، انت في وعيك؟"
"أنا عشان في وعيي بقول الكلام دا. هبعد عنها خالص و.. وهسيبها تشوف حياتها وكم... وكمان عمر أخوها في الرضاعة هو... هو هيبقى يوصلها ويخلي باله منها. وجودها جنبي في حد ذاته وإني أكون مسؤول منها غلط."
كانت ياسمين تنظر له بدهشة. هل فقد أخاها عقله كي يتفوه بهذا الحديث.
"طب ولو اتقدملها حد، هتسيبها تتجوز حد غيرك؟"
صمت زين ولم يجيبها. يشعر بالضياع. هو بالفعل لن يستطع رؤيتها مع شخص آخر، ولكنه أيضًا لن يجعل حبها سببًا لهلاكه.
"يا زين صدقني روان اتغيرت كتير... بالعكس دي يمكن هي اللي تقربك لربنا أكتر."
"المشكلة مش فيها، أنا عارف إنها اتغيرت والتزمت. المشكلة فيا أنا يا ياسمين. حبي ليها هيكون سبب لبعدي عن ربنا. فكرك إنه هين عليا أضيع صلاة الفجر ودا بس عشان صباح أتقدملها، أنا اللي طول عمري مش برفع عيني على بنت، لما بشوفها مش ببقى قادر أشيل عني منها."
تنهدت ياسمين بحزن وهي لا تدري بماذا تجيبه. تشعر به ولكنها تراه يبالغ في الأمر. الالتزام البعد عن الحرام وليس البعد عن الحياة وعن من نحب. ولكن هل زين محق في حديثه أم ماذا!!
"ادي لنفسك فرصة كمان يا زين."
"ربنا يختار لنا اللي فيه الخير... بلغيها..."
توقف عن الحديث وهو يبتلع غصة مريرة في حلقه ثم أكمل حديثه.
"بلغيها إن كل شيء نصيب، أكيد هي عرفت إني كنت رايح أتقدملها."
تركها زين ورحل تجاه المسجد. أكثر مكان هو بحاجة إليه بيت الله. كم يشعر بالراحة هناك بعيدًا عن ضجيج الحياة. لا يعلم إن كان ما فعله صوابًا أم لا، لكنه لا يريد أن يخسر الجنة ويغضب ربه. هو أتى الدنيا ليبني لنفسه مكانًا في الجنة لا يريد أن يبعده شيء عن ربه.
جلس في المسجد بعدما صلى ركعتين تحية المسجد.
هنا تذكرت قول الله تعالى: "حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت".. سبحان الله هو ده الإحساس اللي عندي لكن مكنتش عارفة أوصفه. الأرض دي كلها رغم كبرها واتساعها كأنها ضاقت فعلًا.
ثم قوله: "وضاقت عليهم أنفسهم"، نعم يا رب نعم ضاقت.
ثم اقرأ: "وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا". اللهم توبة، اللهم توبة.
عادت ياسمين إلى روان وهي تشعر بالتوتر ولا تدري بماذا تجيبها. دلفت إليها وجدتها جالسة بمفردها بعدما رحل عمر.
"تعالي يا ياسمين، أنا زعلانة منك، بقى كدا... يبقى زين جاي يتقدملي ومتقوليش ليا... مكنش العشم لأ."
قالت آخر حديثها بمزاح وهي تلطف الأجواء. بينما بقيت ياسمين صامتة ولا تدري بماذا تجيبها.
"اللي حصل بقى يا روان."
"امال شكلك متغير ليه.. و.. وزين راح فين؟?"
"هو... يعني بصراحة.. بصي يا روان كل شيء نصيب، وانتوا ملكوش نصيب في بعض."
"إيه الكلام دا يا ياسمين، كل دا عشان عمر حضني، مهو عرف إنه أخويا عادي."
"لا مش بسبب كدا... ربنا يرزقك بالاحسن منه."
صمتت روان ولم تجب ثم ضحكت بشدة مما أثار ريبة ياسمين.
"تعرفي.. قبل ما ألتزم حياتي كلها كانت ماشية تمام، أينعم مكنتش حاسة بالراحة، لكن الدنيا كانت ماشية كويس معايا.... من ساعة بقى ما بدأت ألتزم، وأنا كل حاجة بخسرها وبيحصل معايا حاجات كتير وحشة ومفيش حاجة بتم... مجتش على زين يعني.. "
أنهت حديثها وهي تضحك مرة أخرى حتى امتلأت عيونها بالدموع. تركتها ياسمين تخرج ما بداخلها.
"كنت فاكرة لما ألتزم حياتي هتبقى أحسن، أنا آه بقيت أحس بالراحة، لكن حياتي مبقتش حلوة زي زمان. هل دا جزائي إني التزمت؟؟ من لما كنت بعيدة عن ربنا كنت عايشة كويس ليييه كدا يا ياسمين... ليه بيحصل معايا كدا... أنا حاسة إن ربنا مش بيحبني عشان كنت بعمل ذنوب كتير ومهما أتغير هفضل وحشة."
"لأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه يا روان. الأنبياء كانوا أشد الناس ابتلاءً. هتلاقي العبد المؤمن دائمًا في ابتلاء ولكن هتلاقيه برضه راضي وصابر. ليه بتفكري بالشكل دا، ليه متقوليش إن ربنا بيبتليني عشان يخفف من ذنوبي اللي فاتت. تعرفي إن الابتلاء دا بيكفر عن ذنوبنا، ولو سيئاتنا اللي عملناها خلصت، ربنا هيبدأ يرفعنا درجة من درجاته لحد ما نوصل للفردوس الأعلى. ولو الإنسان مات قبل ما يكفر عن باقي ذنوبه ربنا بيشدد عليه سكرات الموت حتى يلاقاه كما ولدته أمه. دائمًا الإنسان في بداية التزامه بيبقى فاكر إنه هيحصل على كل حاجة هو عايزها، ولما يحصل معاه ابتلاء يزعل ويتعصب ويبدأ ينتكس، مبيفهمش إن الابتلاء دا عشان يخفف ذنوبنا، وكمان اختبار لينا من ربنا عشان يختبر صبرنا وكمان عشان سبحانه وتعالى يشوف توبته والتزامه دا من قلبه وصادق فيه ولا لأ."
"وايه اللي ممكن يصبرنا على الابتلاء؟ الحياة صعبة يا ياسمين وأنا لسه في بداية التزامي وقربي من ربنا."
"الواحد بيمر بمواقف من صعوبتها لو كان اتقاله قبلها إنه هيمر بيها، أقل شيء كان هيصيبه هلع وفزع مالوش وصف... ومع ذلك تجاوزها! الإنسان مننا ما يعرفش قدراته، ما يعرفش سعة نفسه. بمجرد دخول الإنسان في محنته، يظن أنها هلاكه، ولكن يصدق قول الله عز وجل: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"، فيلاقي جواه ثبات وقوة وصبر ما يعرفش مصدرهم! ولكنهم لطف ويُسر مَن كتب عليه المحنة. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا. كنت أعتقد أنها لن تمر؛ ولكنها -بفضل الله- مرت. وَلْيَعْلَمْ المُبْتَلِي أَنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ لِهَوَانِهِ عَلَى اللَّهِ، بَلْ لِمَعَزَّتِهِ. "تُصاب بمرض لأنَّ الله اختار لك المغفرة، وتُصاب بابتلاء لأنَّ الله أراد لك الرحمة، وتُصاب بالحزن لأنَّ الله سيجعلك تشعر بلذّة الفرح، رحمة الله لا تجفّ، لا تجفّ أبدًا." شوفتي بقى الابتلاء اللي مش عاجبك دا حلو إزاي؟"
ظلت روان صامتة وهي تستشعر حديث ياسمين. هل الله يبتليها لأنه يحبها؟
ظلت ياسمين تتسامر معها بعض الوقت ثم تركتها ورحلت.
***
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
استيقظت حور قبل الفجر بساعة. نهضت من فراشها ثم توضأت وشرعت في الصلاة فهي دائمًا ما تستيقظ في هذا الوقت تحديدًا كي تصلي قيام الليل. فهو فرضها السادس. في البداية كانت تصليه قبل النوم خشية أن يفوتها، أما الإنسان فهي تستيقظ خصيصًا له.
أمسكت مصحفها وصارت تصلي القيام بسورة البقرة كاملة. يا الله.. لقد ضربت عصفورين بحجر. صلت القيام وقرأت سورة البقرة. فهي قد تعودت على هذا. قد ترى الأمر صعبًا وكثيرًا ولكنه يا مسكين من يدرك القيام مع البقرة يستحيل أن يتركها. من العاقل الذي يترك كل هذه الحسنات.
كانت حور تصلي ركعتان بركعتان، تقرأ ما تيسر من القرآن. ففي البداية كانت تصلي بركعتين قيام فقط، ثم بدأت أن تكثر من الصلاة حتى أصبحت تصلي بالبقرة كاملة، لذا ستجدها دائمًا قوية، واثقة من ذاتها ومؤمنة بربها. فكان النبي يصلي حتى تنفطر قدماه وتورم.
كانت تضع فاصلًا بين كل ركعتين تمسك السبحة وتسبح 1000 مرة، ثم الفاصل الآخر تستغفر وبعده تصلي على. والآخر سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فهما كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان.
انتهت من الصلاة ثم أخذت تدعو الله لكل من تعرفه ومن لا تعرفه وتدعي لجميع شباب وبنات المسلمين بالهداية. يجلس ملك يجيبها على كل دعاء تدعيه لأحد (ولكِ بالمثل).
استيقظ زين هو الآخر يصلي قيام الليل. يدعو ربه بأن يهديه ويبعد عنه كل سوء. يدعيه بأن يختار له ما فيه الصلاح.
انتهى من صلاته ثم ذهب إلى المسجد كي يصلي بالناس إمامًا. كانت روان مستيقظة تقف في شرفة المنزل تتأمل النجوم ولم تنتبه له.
بدأ زين في الصلاة وهو يكبر. تسارعت دقات قلبها وهي تسمعه يصلي، تشعر بشعور غريب عليها. كان زين صوته عذب وكأن حنجرته من ذهب. صوته يبث الأمان في قلبك ويجعلك تشعر بالراحة.
(وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)
عند هذه الآية أجهشت روان في البكاء. كم لامست قلبها وهي تستشعر معاني آيات الله.
"الله أكبر."
تساقطت دموعها أكثر، فالله أكبر فوق كل شيء.
"سمع الله لمن حمده."
الله يسمع من يحمده، الله يرانا ويسمعنا.
هدأت وتبدل حالها. انتهى زين من صلاته. دخلت توضأت ثم صلت وأخذت تدعو الله كثيرًا حتى انتهت وقرأت الأذكار مثلما أخبرتها ياسمين.
أما عن زين فلم يستطع هو إعطاء درس اليوم وطلب من صديقه يعطيه هو. يريد أن يستمع هذه المرة لا أن يقول فهو بحاجة إلى حديث يجدد طاقته من جديد حتى ولو كان يعلمه (فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين).
جلس صديقه ثم بدأ في الحديث.
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. حابب أتكلم معاكم عن موضوع مهم ألا وهو الصدقة والتطوع. كلنا عارفين إن الزكاة ركن من أركان الإسلام بس معظمنا لسه بندرس لسه مش معانا فلوسنا الخاصة ف بالتالي اللي بنقدر نعمله إننا نطلع صدقة... بس اللي لازم نعرفه إن الصدقة مش فلوس بس لا في صور كتير أوي للصدقة.... وأفضل الصور هو التطوع والتطوع له أنواع كتير نقدر إننا نتبرع بفلوس أو بلبس لجمعيات خيرية أو نقدر نعمل هدايا ونوزعها في العيد أو في الجامعة أو حتى في الشارع.... وإحنا كمسلمين عارفين إن الصدقة شيء مهم جدًا في ديننا وفي آيات قرآنية وأحاديث كتير اتكلمت عن الصدقة والتطوع. قال الله تعالى: (أَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
انتهى الآخر من حديثه. وقف زين كي يرحل ولكن وجد من يقف خلفه مباشرًا وهو يجاهد لكي يراه زين ولم يكن سوى عمر. تعجب زين وجوده في صلاة الفجر. هذه أول مرة يراه هنا وفي الفجر أيضًا. اقترب منه الأخير وهو يجيبه.
"زين... محتاج أتكلم معاك في أمر ضروري."
***
انتهت حور من ارتداء ملابسها الفضفاضة والتي لا تظهر منها شيء تاركة غيرها يتسارعن على الموضة واللبس الضيق.
تَرتَدِي بِنطَـال ضَيـق وثِيَاب مُخَصـرة مُلونَّـة ومُتبَـرِجَة تَبـرُج فاحِـش ثُمَ تَقـول .. لا أُريـد أحَد يُعاكِسنِـي!!
عجبًا؛ تَفعـل هذا ولا تُـرِيد أحد يُعاكِسـها.!
ليسَ تَبريرًا للرِجَـال لكِـن نَلـوم ايضًا مَن فَتحـت باب الفِتنَّة وعَصـت أمر رَبِهَا عَزّ وجَلّ.
إلتَزمِـي بـ الحِجَاب الشَرعِـي الواسِـع الفِضْفَاض ولن يَتعـرض لكِ رَجُـل.
إبتَعدِي عـن مواطِـن تواجـد جُمـوع الرِجَال مع الإلتـزام بالحِجاب الشَرعِي ولن يَتجرأ عليكِ رَجُـل.
إن لَم تَستُـري جَسَـدِك فِي حَياتِـك فَسيستُـركِ الكَفـن رغمًا عنكِ فِي مَمّاتِـك، ولن يَنفـع حينَها النَــدم!
حـرامٌ أن تُظهِـري ولو ظُفـرًا واحِدًا مِن أظافِـرك لـ رِجال لَيسـوا من مَحارِمـك.
تُرِيـدي أن لا تُلاحِقـكِ عُيـون الرِجَال؛ إرتَدِي الحِجَاب الشَرعِـي الواسِـع الفِضفَاض، إرتَدي ما يَستُـر جسدِك لا ما يُفَصِلـهُ ويُخَصِـره.
أَأتُظهـري مفاتِنـك وجمَالِك ودَلعِك ثُمَ تُطالِبي الرِجَال بِغـض أبصَارهـم عنكِ ..!
كُلمّا زادت حِشمَة النِّساء وعَفافهـنَّ، كُلمّا زادَ خَجلُ العَيـن من النَظـر إليهَا.
نَسألُ اللّٰـه السَـلامّة والعَافيَة.
نزلت حور أسفل حتى تصنمت مكانها بصدمة.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روان الحاكم
وقت حور تنظر له بخوف من ملامح وجه، ولأول مره تراه بتلك الهيئه.
"ليث....أنت كويس!؟؟"
نطقتها حور بتوتر وهى تقترب منه، لم يُجيبها وظل على تلك الحاله.
أمسكت يديه ولكنه نفضها وهو يبتعد عنها.
"سبيني لوحدي يا حور شويه."
"بس انت..."
"قولت سبيني لوحدي...مش عايز اشوف حد قدامي."
صرخ بها ليث مما جعل الاخيره تنتفض بزعر من نبرته، غضبه بها ذكرها بأول يوم عمل لها حين أهانها أمام الجميع.
غضبت منه بسبب صراخه، إبتعدت عنه وهمت لتغادر ولكنها توقفت وهى ترى تكون الدموع فى عينيه... لا لن تتركه بتلك الحاله وستتحمل غضبه.
"ليث انت بتعيط!!"
اردفت حور بعدما رأت دمعه تسقط من عينه وهو يحاول إخفائها، إقتربت منه حور مجددا ثم وعلى حين غلفه أحتضنته، أخذت تربط على كتفه وهى تقرأ له بعض آيات الله لعلها تريحه.
شدد ليث من إحضتانها ولأول مره يبكى أمام أحد ولكن فاق الامر تحمله، إبتعدت عنه حور وهى تتفصح وجه.
"بقيت أحسن!!؟"
تسآلت حور فى قلق.
أخذت هو نفس عميق وهو يُجيبها.
"أيوه... انا كويس، محتاج اقعد لوحدي شويه."
"مش هينفع، نسيت أقولك إنك عازمني النهارده على آيس كريم."
أردفت حور كلماتها ولم تُعطي له فرصه للرد وهى تسحبه من يده خارج الشركه تحت ذهول ليث.
خرجا من الشركه وحور ممسكه بيده وكأنه طفل صغير.
"بص ياسيدي...، هنروح الاول هناكل وهأكلك أكلتي المفضله ومش عايزه اى إعتراض وصدقني مش هتندم...ولو ندمت.. مش مشكله."
ضحك ليث عليها وهو مازال مندهش، فقد رأى جانب آخر من شحصيه حور عكس تلك التى كان يعرفها، قرر أن يقضى معها اليوم ويفعل مثلما قالت.
"مش مرتحلك.. بس خلينا نخرب..شكرا ياحور، تعرفي إن دي اول مره حد يهتم لامرى!! اتعودت لما أكون زعلان بقعد لوحدي، اول مره حد يفضل معايا ويصمم انه ميسبنيش."
"تصدق إننا طلع فينا حاجات من بعض، وهى إن كل واحد فينا محدش كان معبره، احنا مخلوقين لبعض ياض ياليث."
ضحك ليث مره اخرى بشده وهو منصدم من التغيير المفاجئ لحور، يشعر وكأنها فتاه آخرى لا يعرفها.
"انتِ مين... فين حور.... أنطقي وديتي مراتي فين."
ضحكت حور بخفه أسفل نقابها، ولكن ضحكتها بدون صوت لأنها بالشارع.
"مراتك عندها إنفصام مش هتحتاج تتجوز اربعه وتعدد يعني، وحاليا الشخصيه الروشه اللي بتكلمك."
"لأ دا انا ربنا يكون فى عوني."
كان ليث يسير جوارها وهو متوقع أن حور ستأخذه الى مطعم، وبعد مده من المشي توقفا أمام مكان معين وحور تردف بحماس.
"ها اى رأيك."
نظر ليث لما تنظر حتى توسعت عيناه بصدمه...!!
كانت روان جالسه بحجرتها، مازالت تشعر بالحزن لما يحدث معها من احداث لا تفهم بعد سببها.
ظلت تُفكر بزين وعقلها يكاد يشت، ما السبب وراء كرهه لها بهذا الشكل؟ هل لأنها كانت سيئه! تعلم أنها لم تكن تستحقه ولكن تُقسم بأنها تغيرت.
كانت تظن بأنه سوف يكون اول المشجعين لها ولكنها وجدت العكس، تنهدت بحزن وهى تمسح دموعها.
تشعر بالاختناق من كل شيء.
شعرت بالصداع يعود لها من جديده بشده، أمسكت رأسها بألم وتناولت حبه مسكن.
وفجأه تردد على عقلها قراءه روايه كي تشغلها عن التفكير، ولكنها ستختارها هذه المره بعنايه، ستكون روايه كوميديه لا أكثر، ولن تقرأ هذه النوعيه من الروايات السيئه.
قامت بتحميلها وهي متشوقه، فمنذ مده لم تقرأ.
وها قد عادت ريما إلى عادتها القديمه، بدت بقراءه الروايه وهى مندمجه بشده، كانت احداث الروايه مضحكه وشيقه أيضا مما جعلها تضحك بشده وقد نسيت كل ما كان يحزنها وهذا ما تريده.
بقيت ساعات وهى جالسه هكذا.
سمعت آلاذن ولكنها لم تنتبه او تعمدت عدم الانتباه.
حسنا ستقرأ تلك الجزئيه فقط وتقوم...انتهت ثم فصل يجلب الآخر وهى متناسيه صلاتها وبعد مرور الكثير من الوقت تركت الهاتف على جزئيه شيقه جدا بالنسبه لها.
ولكنها جاهدت لكى تقوم تصلى فرضها ثم تعود لها مجددا.
كانت قد تأخرت عن الصلاه ساعتان حتى إقترب آذان المغرب، توضأت ثم صلت ولكن لم يكن عقلها فى الصلاه بل تُفكر فى أحداث الروايه التي كانت تقرأها.
ترى ماذا سيحدث للبطل بعد معرفه السر الذى خبأته عنه البطله؟
إنشغل قلبها بغير الله كانت تقرأ الفاتحه بإعتياد دون إستشعار كلماتها، تصلى دون قلب!!
توقفت فجأه فى الصلاه وهى لا تعلم كم ركعه صلت بسبب عدم تركيزها، حاولت التذكر ولكن لم يسعفها عقلها الى اى عدد ركعات صلت، لا تدرى ماذا تفعل!!
لم تجد أمامها سوى أنها تقطع الصلاه ثم تصلى من جديد، شرعت فى الصلاه مره أخرى من جديد وهي تحاول جاهده بعدم الإنشغال بأى شيء، اصبحت أكثر إنتباها وتركيزا ولكن هذا لا يمنع من السرحان بعض اللحظات.
إنتهت أخيرا من صلاتها وهى تشعر براحه.
ها قد إنتهت من صلاتها التى كانت تشعر بأنها حِمل عليها...
بعدما كانت تهرول هي للصلاه لأنها بحاجه إليها.
عاودت القراءه مره آخرى وهى مندمجه مع الاحداث.. حتى اتى مشهد سيء غير لائق فى الروايه.
تذكرت وعدها لذاتها بأنها لن تقرأها.. تخطت تلك الجزئيه دون أن تقرأها وهى تشعر بإنتصار عظيم لكونها جاهدت نفسها وبقيت تشعر بالفرحه الشديده.
أكملت قراءه بعدما تخطتها إندمجت فى الاحداث مره آخرى حتى وُضعت فى إختبار آخر ومشهد اكثر سوءا.
توقفت عن القراءه ولم تكمل ولكن يوسوس لها عقلها وتسول لها نفسها بالتكمله ولم يحدث شىء وضميرها وخوفها من الله يأبى... ترى ماذا ستفعل!!
كان ياسمين ستصعد الدرج ولكن أوقفها عمر وهو يعترض طريقها.
"لحظه يا ياسمين لو سمحتي."
إبتعدت ياسمين عنه بضع خطوات وهى تردف بضيق.
"خير... يابشمهندش، حضرتك عايز اى مينفعش توقفني كدا."
"آسف... لكن محتاج أتكلم معاكِ فى موضوع مهم، ممكن أفهم اى اللي زين اخوكي بيعمله دا... أختي مش لعبه فى أيديه عشان يتقدملها وقت ما يحب ويرفضها وقت ما يحب."
"أولا دي حياته هو وانا مليش إني أدخل... ثانيا والاهم زين موعدش روان بحاجه هو كان لسه هيتقدم ولكن محصلش نصيب وهو ملعبش بأختك ولا مشي معاها... ولا حاول حتى يكملها زي ناس تانيه. وروان قبل ما تكون أختك فهى بنت عمنا وأكيد عمرنا ما نضرها."
"بتلفي ودروى وبرضو معرفتش اى اللي خلاه يغير رأيه!! وهوه عارف إن روان بقت عايزاه، زي ما انا متأكد أن هو كمان عايزها."
"هو ليه اسبابه الخاصه انا مليش دعوه بيها ومفيش في ايدي إني اعمل حاجه... عن اذنك بقى عشان مينفعش وقفتنا دي."
تركته ياسمين وغادرت، وقف عمر يشعر بالغضب ولا مازال لا يفهم سبب تغير زين!!
كان زين لايزال في الجامعه بعد لم ينتهى من محاضرات.
أمسكت ياسمين هاتفها وهى تتصفح رسائلها.
حتى وجدت رسائل على تطبيق "الصراحه" والتى غالب ما يستخدمه الفتيات في إرسال مشاكلهم واى شيء يريدونه معرفته وتقوم هي بالرن عليهن.
"هو لازم البس خمار؟ يعني انا لبسب واسع وبلبس فساتين بس مش لابسه خمار... وكمان حاجه عادي لو بحط ميك اب خفيف خالص مش بيبان؟"
أخذت ياسمين نفسا عميقا وهى تسأل الله أن يلهما التوفيق في الرد وتكون سببا لتغير البعض.
"بصي هقولك علي علي اللبس. لبسك ماشاء الله جميل ولكن فيه الاجمل. ربنا آمرنا بالخمار وهو فرض لا خلاف عليه (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ). فساتينك واسعه ودي حاجه كويسه بس عايزين ناخد خطوه لقدام بقي مش هنفضل عند نفس النقطه الحلوه عايزين الاحلي عشان ربنا يرضي عنا. بخصوص الزينه ف لا يجوز حطي ف البيت اللي انتِ عايزاه والبسي اللي انتِ عايزاه ولكن بره تعملي زي ما ربنا امر (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنََّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا). او حل تاني اعملي زيي. اللبسي النقاب وحطي ميك زي ما انتِ عايزه 😂💜. هداكِ الله وايانا."
إنتهت من الرساله الاولى حتى وجدت رساله آخرى.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... ازيك يا ياسمين، عساكِ بخير... انا عايزه اقرب من ربنا والتزم...ممكن تقوليلي اعمل اى؟"
"وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته. القُرب من ربنا جميل جدا. اولهم انه يكون قلبك مليان بالايمان هتقولي ازاي هقولك بالعبادات هنتكلم علي اول حاجه الصلاه. الصلاه هي اول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامه مينفعش يكون فيه مسلم مش بيصلى لو موتي دلوقتي هتقابلي ربنا ازاي طب هتقوليله اي اللي اطعمكِ واسقاكِ والبسكِ واداكي صحه واهل ونعم كتير لا تحصي مقابلها عملتي اي؟ افتكري دايما انك وانتِ رايحه تصلي رايحه تقابلي ربنا شوفتي اي بقي عشان متحبيش تقابلي ربنا؟ نزلي برنامج الاذان ع الفون ومجرد ما آلاذان ياذن سيبي اي حاجه ف ايدك وقومي صلي وشوفي صاحبه ليكي تكون ملتزمه بالصلاه واطلبي منها تتابع معاكي وتشجعك لحد ما تلتزمي ولو نسيتي فرض صليه اول ما تفتكري لحد ما هتلاقي نفسك اتعوديت.
تاني خطوه. لبسك مينفعش تكوني بنت مسلمه حفيده عائشه وعايزه الجنه تكون بتلبس بناطيل ولبس ضيق الخمار فرض لا خلاف عليه اكتر حاجه ممكن تجبلك ذنوب هو لبسك خلي لبسك واسع فصفاض يليق بوحده غياتها الجنه كل واحد هيبصلك بصه هتاخدي ذنبه هو اه هيتحاسب ع عدم غض بصره بس انتي كمان هتتحاسبي ع لبسك وفتنتك ليه هتقولي ما لو لبست واسع هيبص برضو هقولك فعلا بس ساعتها مش هيكون عليكي ذنوب عشان انتِ عملتي اللي ربنا امرك بيه.
الخطوه التالته لازم يكون عندك حسن خلق واسلوبك كويس مع اللي حواليكي ربنا هيحبك وهيحبب فيكي خلقه. وحده وحده هتلاقي نفسك قربتي من ربنا وكل ما تثبتي ع خطوه تاخدي خطوه جديده. محدش اتولد لقي نفسه ملتزم بس هي كلها خطوات. شويه وابداي اعرفي فضل قيام الليل والتزمي بيه وبعد فضل صيام اتنين وخميس. وربنا بيقول (لا يزال العبد يتقرب لي بالنوافل حتي احبه). وادعي ربنا دايما يهديكي ويثبتك والاهم من دا كله بقي الصحه الصالحه دوري ع ناس صالحه وصاحبيهم ادخلي في جروبات دينيه. وهنصحك بروايه تقرأيها هتغير منك كتير (ملتزمه تزوجت من رجل اعمال جميله جدا). هداكِ الله وايانا."
"ازاي احب اللبس الفضفاض؟"
"إن ربنا ينعم عليكِ باللبس الفضفاض دى نعمة. إنك تكوني ماشيه وساترة نفسك ومش خايفه إنك تكوني سبب لفتنة حد لأنه ببساطه محدش شايف منك حاجة، إنك تشوفى فى لبسك الفضفاض شياكة وجمال مبتشوفيهاش فى البناطيل واللبس الضيق، دى نعمة أخرى وفضل عظيم، بعد فضل توفيقك للطاعة نفسها. (وما الفضفاض إلا قرار نَبع مِن القلب قبل أن يتزين بهِ الجسد ، فَـ أضيئي قلبكِ بِـ حُب الستر)."
كان زين لا يزال في المسجد وهو يتنهد بضيق، يشعر بالتوهان.
ولا يعلم اذا كان ما يفعله صواب أم خطأ، لكن ما يعلمه الان أنه تائه.
وجد من يجلس جواره وهو يضع يده على كتفه.
"هون على نفسك يا بنى...اخرتها متر فى متر."
رفع زين بصره يُطالعه بإستغراب وهو يُشبه على ملامحه.. يشعر وكأنه شخص ليس بغريب عنه...كان رجل كبير السن ولحيته بيضاء وقد تساقط معظم شعره بفعل الشيب.
دقق زين النظر به حتى توسعت عيناه بصدمه.
"شيييخ توفييق."
نطقها زين بفرحه وهو يحتضنه بشده مما جعل العجور يضحك بخفه عليه.
"لسه شقى زى ما انت... براحه هتكسر عضمي."
"انت مش متخيل وحشتني اد اى، اى الغيبه دي كلها."
تحدث زين وهو مازال ممسك به وكأنه يخشى مغادرته.
"اديني رجعت ليك ياسيدي... بس شكلك مش عاجبني، فين زين البشوش المتفائل اللي اعرفه؟"
"وهى الدنيا بتخلى حد على حاله ياشيخنا."
تفوه زين بضحك مما جعل الاخير ينظر له بتعجب.
"احكيلي.... انا سماعك اهو، ولا عشان انا عجزت معتش هتحكيلي زي زمان."
"انا متعودتش احكي لحد غير ليك... وحقيقي كنت مفتقدك جدا، حاسس ربنا بعتك ليا مخصوص في الوقت دا... حاسس إني تايه وضايع ومش عارف الصح من الغلط. اول مره اكون بالحاله دي، خايف اللي بعمله دا اندم عليه بعدين، وخايف لو مكنتش عملت كدا اندم، عارف شعور لما الناس تكون بتاخدك قدوه وربنا مديك القدره أنك تحل مشاكلهم ببساطه ومنوره بصيرتك إنك ترشدهم للصواب. لكن لما الامر يتعلق بيك... تحس إنك مش عارف تاخد القرار، انا حتى مبقتش عارف ازاي أفرق مابين إني لازم اسعى عشان اوصل للي انا عايزه... ومابين إن اللي انا عايزه مش نصيبي ومش خير ليا ولازم اتقبل دا. انا عارف إن كلامي متلغبط ومش مرتب بس عارف إنك الوحيد اللي هتفهمني، يمكن عشان كدا مكنتش قادر اتكلم مع حد لان محدش هيفهم اللي حاسس بيه، انت فاهمني ياعم توفيق صح؟"
كان الاخير يُنصت لحديثه بإهتمام شديد كى يُجيبه بالحل ألامثل.
"شوف يا زين... مهما تبلغ من العلم والايمان هتفضل محتاج للى يوجهك، انت مش عايز تحكي لحد على مشاكلك مش عشان محدش هيفهمك، يمكن اه دا سبب من الاسباب، لكن السبب الاقوى إنك مينفعش تحكي لحد وانت الشيخ زين والناس هي اللي بتيجي تستشيرك، عايزه اقولك حاجه مهمه، ممكن شخص يكون واقع في مشكله كبيره وانت تقدر تحلها، رغم انه لو نفس المشكله انت اللي بتواجها مش هتقدر تحلها. الانسان اللي جوه الدايره غير اللي براها، اتعود إنك تحكي وتفضفض وتستشير اللي قدامك كمان حتى ولو اصغر منك، لان كلنا محتاجين لدا وانا اولكم.. نيجي بقى للنقطه الاهم، وهى أنك مش عارف اذا كنت اللي بتعمله دا صح ولا غلط. شوف يابني الصح والغلط دا منقدرش نحكم عليه كدا. الاصل انه فيه حاجات ثوابت معروفه من الاول انها غلط. لكن فيه إستثناءات بتتوقف على إستخدام الشخص وتعامله معاها... فاهمني؟"
"طب لو هو مش عارف يتصرف بالطريقه الصح.. بيحب حاجه ونفسه فيها من زمان... بس خايف الحاجه دي تكون سبب لبعده عن ربنا."
"ولا عشان خايف ليتحرم من الحاجه دي بسبب تعلقه بيها!!"
تحدث وهو يقصد بحديثه شيء معين فهمه زين توتر زين ولم يجب.
"خايف لربنا يعاقبك بيها يا زين من كتر حبك فيها مش كدا؟"
"هو يعني دا سبب من الاسباب، بس برضو مش عايز تكون سبب اني ابعد من ربنا.... لحظه هو عرفت يعن..."
قطع الاخير حديثه وهو يبتسم بخفه.
"عارف إنها بنت عمك اللي بتحبها من وانت صغير. عايزك اقول حاجه مهمه اوي وانا حافظك اكتر من نفسي. كانت بتقنع نفسك انك مش عايزها عشان هتبعدك عن الالتزام. لكن من جواك عشان انت مش عايز تتعاقب بها او ربنا يبتليك فيها وتخسرها، ودا ميصحش يازين. الاقدار مكتوبه يابنى واحنا منقدرش نعترض على قضاء ربنا واللي انت عملته دا مش صح يازين. انا لو قولتلك انها لقدر الله هتموت بكره المفروض انت تستغل النهارده معاها مش تبعد عنها؟ انت فاهم اللي انا عايز اقوله؟"
"معاك حق في كل حرف قولته، وانا غلطان وهحاول اصلح غلطتي... هعتذر منها ووهت..."
"قبل ما تتقدملها شوف انت بتحبها الاول ولا لأ."
"ودا سؤال... اكيد طبعا بحبها."
"ممكن تكون مجرد تعلق يازين عشان هي طول عمرها قدامك، هتقول حتى لو مش بحبها مش لازم آخد على الحب. لكن في وضعك انت لو مش بتحبها ومجرد تعلق وخدتها عشان فاكر نفسك بتحبها وبعدين إكتشفت إنك مبتحبهاش هتتعب. ادي لنفسك فرصه شهر تشوف نفسك هتحس بيه وتديها انت كمان فرصه."
اخذت زين نفس وهو يزفر براحه اسند رأسه على حجر شيخه كعادته حينما كان صغير.
"مش متخيل كلامك فرحني اد اى..وهعمل زي ما قولتلي بالظبط.... وقريب هاجي اعزمك على فرحنا."
قال جملته الاخيرة بمزاح مما جعل الاخير يقهقه عليه.
"مستنيك ياعم زين."
"اى دا."
وقف ليث ينظر بصدمه للعربه التى يقفون امامها.
"دي عربه كبده حميرى لكن اى مقولش تحفهه وعندهم كبده كلابى برضو لا عايز."
نظر لها ليث بإستياء وهو لا يدرى هل تمزح معه ام تتحدث بجديه ولا يرى من وجهها شيء ليستشف صدق حديثها.
"انتِ عايزاني أنا آكل من عربيه كبده!! دا على جثتي."
*بعد قليل في مكانِ خالى*
"قولتيلي دي كبده اى."
تحدث ليث وهو يأكل بشراهه.
"على حسب، لو هوهوت بعد ما كلت يبقى كلابي، لو نهقت تبقى حميرى."
تعالت صوت ضحكات ليث بشده حتى أدمعت عيناه.
"حاسس إني اتخدعت فيكي، عايز زوجتي لو سمحتِ."
"خلاص بقى إدبست.. اى دا."
صرخت حور بإنزعاج.
"فيه اى."
اجابه ليث بخضه وهو يرى إن حدث لها شيء.
"انت خلصت السندوتشات كلها ومش فاضل غير واحد!!"
نظر لها ليث بغضب.
"يشيخه قطعتيلي الخلف."
"واضح إنك مستحيل تآكل من على عربيه فعلا."
كانت رغد جالسه تشعر بالملل وهى تتصفح حاسوبها.
حتى وجدت أمامها صفحه چون على "الفيس بوك".
سولت لها نفسها باخذ جوله في صفحتها.
اخذت تقلب في صفحته بملل فحديثه بالاجنبيه.
ولكنها بقيت تنظر إلى صورته بإبتسامة.
ومن دون قصد فعلت له ريأكت دون أن تنتبه.
لم يمر الكثير حتى تلقت إشعارا منه.
"يبدو أن احدهم معجب بوسامتي!!"
جلست حور على مكتبها بعدما عادوا من الخارج.
"ممكن تقولى بقى اى اللي حصل يعني لو مش هيدايقك؟"
"ياسر طلع أخويا التوأم."
صُعقت حور من الخبر وهى تضع يدها على فمها.
"ط.. طب.. و.. انت عرفت أزاى؟"
"لانه مولود في نفس اليوم اللي اتولدت فيه، وفيه حاجات تانيه بتثبت إنه اخويا اللي الدكتور قالهم انه توفى."
"طب هو عرف؟"
"مش عارف... من يوم ما خرج من الحبس وهو اختفى هو وابوه، مش لاقي ليهم آثر فيه حاجات كتير مش مفهومه...وانا مش فاهم اى حاجه، ازاي هو لسه عايش واى اللي خلى... اى اللي خلى ام.. قصدي تهاني تروح لحامد."
همت حور للتحدث بشىء هام ولكنها بترت كلماتها، لا يجب أن تتحدث بما تعرفه، سوف تتركه يعرف هو الحقيقة بنفسه.
"فرحنا هيكون بعد شهر يا حور... ومن هنا لوقتها هدور عليه."
مر الشهر سريعا دون أحداث تُذكر، تم تحديد فرح كلا من حور وليث.
أصبح چون يحادث رغد بإستمرار وقد تقربا لبعضهم البعض.
أجتهد ليث في بحثه عن اخيه ولم يجد له أثر، وكأن الارض إبتلعته، رفض إخبار أبيه حتى يجده.
تحسنت حاله والد حور بشده مما ذاد سرورها، تقربت حور من ليث اكثر في هذه المده.
لم ترى روان طوال الشهر زين، قد اشتاق قلبها لرؤيته وتعلقت به أكثر.. لا يعرف الانسان قيمة الشيء إلا حين يفقده، توقفت عن الروايات بعدما بقيت مده تقرأها.
ولكنها عادت لرشدها من جديد.
اما عن زين فعل مثل ما اخبره شيخه ولم يراها طوال هذا الشهر، وها قد إنتهى الشهر وقد قرر شيئا ما.
كان عمر يسترق النظر من ياسمين ويتعمد تواجده في الاماكن التي تكون بها... كانت تنزعج في البداية حتى بدأت تعتاد وجوده.
وها قد اتى اليوم المنشود... يوم زفاف حور وليث.
تم إختيار قاعه زفاف منفصله بناءا على طلب حور.
وقفت حور امام المرآه تنظر لذاتها بإعجاب.
كانت ترتدى فستانا ابيضا بسيطا بغير ذيل لانها تعلم أن الذيل حرام.
واخفت عيناها مثلما تفعل، رُغم أن اليوم زفافها، إلا انها لم تظهر ظفرا واحدا من أظافرها، بدت كحوريه.
إقتربن منها الفتيات وهم يُطالعنها بذهول، لم يتوقعوا أن تكن بتلك الجمال، هيئتها تخطف قلب كل من يراها.
اخذوا يحضتنوها واحده تلو الاخرى.
حتى اتى ليث لاخذها.
مجرد أن رآها حتى توقف الزمن حوله، ياللهي كيف لها أن تكن بتلك الجمال وهي لا تظهر منها شيء!!
محافظه على نفسها حتى بيوم زفافها.
اليوم الذي يتسارعن فيه الفتيات على التبرج حجه أنها ليله بالعمر، وهي لم تفرط حتى في إظهار عيونها!
إقترب منها ليث بمشاعر عديده، يكاد يقسم بأنها أجمل شيء وقعت عيناه عليها على الإطلاق.
اخذها ليث وركبا السياره.
وصل الجميع امام القاعه المنشوده وهم ينزلون من سيارتهم.
ادخلها ليث قاعه النساء وذهب هو الجزء الآخر قاعه الرجال، كانت القاعه صغيره جدا تكفى لعدد محدود.
نزعت حور نقابها حيث ان المكان لا يوجد به كاميرات.
ويتم تسليم الهواتف في الخارج.
قاموا بتشغيل الاناشيد الدينيه وهم يرقصون بمرح وحور تقوم ببعض الرقصات المضحكه مما جعل الجميع يضحك عليها بشده.
وقفت روان تشعر بالدوار وصداع رأسها هاجمها بشده من جديد.
خرجت من المكان بعيدا عن الضجيج دون أن ينتبه لها أحد.
أخذت تخطو للخارج بترنح وهى تشعر بثقل في خطواتها حتى توقفت عن الحركه.
في نفس الوقت الذي خرج به زين حيث نسي هاتفه في السياره ولكنه توقف حينما رآها.
وقع بصره عليها، كانت ترتدى فستانا بسيطا فضفاضا، بدت كحوريه بالنسبه له.
أخذ ينظر لها بإشتياق ولم ينتبه لحالتها.
حاولت السير مره آخرى واخذت تترنح في مشيتها، لاحظ زين تعبها وهو ينظر لها بقلق، إقترب منها كي يطمئن عليها وقد فات الاوان.
وقعت روان مغشى عليه.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روان الحاكم
"ليث...."
نطقتها حور بتوتر وهى تقترب منه، لم يُجيبها وظل على تلك الحاله.
أمسكت يديه ولكنه نفضها وهو يبتعد عنها.
"سبيني لوحدي يا حور شويه."
"بس انت..."
"قولت سبيني لوحدي... مش عايز اشوف حد قدامي."
صرخ بها ليث مما جعل الأخيرة تنتفض بزعر من نبرته. غضبه بها ذكرها بأول يوم عمل لها حين أهانها أمام الجميع.
غضبت منه بسبب صراخه، إبتعدت عنه وهمت لتغادر ولكنها توقفت وهى ترى تكون الدموع فى عينيه... لا لن تتركه بتلك الحالة وستتحمل غضبه.
"ليث انت بتعيط!!"
اردفت حور بعدما رأت دمعة تسقط من عينه وهو يحاول إخفائها. إقتربت منه حور مجدداً ثم وعلى حين غلفه احتضنته، أخذت تربت على كتفه وهى تقرأ له بعض آيات الله لعلها تريحه.
شدد ليث من احتضانها ولأول مرة يبكي أمام أحد، ولكن فاق الأمر تحمله. إبتعدت عنه حور وهى تتفحص وجه.
"بقيت أحسن!!؟"
تساءلت حور فى قلق.
أخذ ليث نفس عميق وهو يُجيبها.
"أيوه... انا كويس، محتاج اقعد لوحدي شويه."
"مش هينفع، نسيت أقولك إنك عازمني النهارده على آيس كريم."
اردفت حور كلماتها ولم تُعطِ له فرصة للرد وهى تسحبه من يده خارج الشركة تحت ذهول ليث.
"بص ياسيدي...، هنروح الاول ناكل وهأكلك أكلتي المفضلة ومش عايزة أي اعتراض وصدقني مش هتندم... ولو ندمت.. مش مشكلة."
ضحك ليث عليها وهو مازال مندهش، فقد رأى جانباً آخر من شخصية حور عكس تلك التي كان يعرفها. قرر أن يقضي معها اليوم ويفعل مثلما قالت.
"مش مرتحلك.. بس خلينا نخرب.. شكراً ياحور، تعرفي إن دي أول مرة حد يهتم لأمري!! اتعودت لما أكون زعلان بقعد لوحدي، أول مرة حد يفضل معايا ويصمم إنه ميسبنيش."
"تصدق إننا طلع فينا حاجات من بعض، وهي إن كل واحد فينا محدش كان معبره، احنا مخلوقين لبعض ياض ياليث."
ضحك ليث مرة أخرى بشدة وهو مصدوم من التغيير المفاجئ لحور، يشعر وكأنها فتاة أخرى لا يعرفها.
"انتِ مين... فين حور.... انطقي وديتي مراتي فين."
ضحكت حور بخفة أسفل نقابها، ولكن ضحكتها بدون صوت لأنها بالشارع.
"مراتك عندها انفصام مش هتحتاج تتجوز أربعة وتعدد يعني، وحالياً الشخصية الروشة اللي بتكلمك."
"لأ دا أنا ربنا يكون في عوني."
كان ليث يسير بجوارها وهو متوقع أن حور ستأخذه إلى مطعم. وبعد مدة من المشي توقفا أمام مكان معين وحور تردف بحماس.
"ها أي رأيك."
نظر ليث لما تنظر حتى توسعت عيناه بصدمة...!!
***
كانت روان جالسة بحجرتها، مازالت تشعر بالحزن لما يحدث معها من أحداث لا تفهم بعد سببها.
ظلت تفكر بزين وعقلها يكاد يشت. ما السبب وراء كرهه لها بهذا الشكل؟ هل لأنها كانت سيئة! تعلم أنها لم تكن تستحقه ولكن تُقسم بأنها تغيرت.
كانت تظن بأنه سوف يكون أول المشجعين لها ولكنها وجدت العكس. تنهدت بحزن وهى تمسح دموعها.
تشعر بالاختناق من كل شيء.
شعرت بالصداع يعود لها من جديد بشدة. أمسكت رأسها بألم وتناولت حبة مسكن.
وفجأة تردد على عقلها قراءة رواية كي تشغلها عن التفكير، ولكنها ستختارها هذه المرة بعناية، ستكون رواية كوميدية لا أكثر. ولن تقرأ هذه النوعية من الروايات السيئة.
قامت بتحميلها وهي متشوقة، فمنذ مدة لم تقرأ.
وها قد عادت ريما إلى عادتها القديمة، بدأت بقراءة الرواية وهى مندمجة بشدة. كانت أحداث الرواية مضحكة وشيقة أيضاً مما جعلها تضحك بشدة وقد نسيت كل ما كان يحزنها وهذا ما تريده.
بقيت ساعات وهي جالسة هكذا.
سمعت الأذان ولكنها لم تنتبه أو تعمدت عدم الانتباه.
حسناً ستقرأ هذه الجزئية فقط وتقوم... انتهت ثم فصل يجلب الآخر وهي متناسية صلاتها. وبعد مرور الكثير من الوقت تركت الهاتف على جزئية شيقة جداً بالنسبة لها.
ولكنها جاهدت لكي تقوم تصلي فرضها ثم تعود لها مجدداً.
كانت قد تأخرت عن الصلاة ساعتين حتى اقترب أذان المغرب. توضأت ثم صلت ولكن لم يكن عقلها في الصلاة بل تفكر في أحداث الرواية التي كانت تقرأها.
ترى ماذا سيحدث للبطل بعد معرفة السر الذي خبأته عنه البطلة؟
انشغل قلبها بغير الله، كانت تقرأ الفاتحة باعتياد دون استشعار كلماتها، تصلي دون قلب!!
توقفت فجأة في الصلاة وهي لا تعلم كم ركعة صلت بسبب عدم تركيزها. حاولت التذكر ولكن لم يسعفها عقلها إلى أي عدد ركعات صلت. لا تدري ماذا تفعل!!
لم تجد أمامها سوى أنها تقطع الصلاة ثم تصلي من جديد. شرعت في الصلاة مرة أخرى من جديد وهي تحاول جاهدة عدم الانشغال بأي شيء. أصبحت أكثر انتباهاً وتركيزاً ولكن هذا لا يمنع من السرحان بعض اللحظات.
انتهت أخيراً من صلاتها وهي تشعر براحة.
ها قد انتهت من صلاتها التي كانت تشعر بأنها حِمل عليها... بعدما كانت تهرول هي للصلاة لأنها بحاجة إليها.
عاودت القراءة مرة أخرى وهي مندمجة مع الأحداث.. حتى أتى مشهد سيء غير لائق في الرواية.
تذكرت وعدها لذاتها بأنها لن تقرأها.. تخطت هذه الجزئية دون أن تقرأها وهي تشعر بانتصار عظيم لكونها جاهدت نفسها وبقيت تشعر بالفرحة الشديدة.
أكملت قراءة بعدما تخطتها. اندمجت في الأحداث مرة أخرى حتى وُضعت في اختبار آخر ومشهد أكثر سوءاً.
توقفت عن القراءة ولم تكمل ولكن يوسوس لها عقلها وتسول لها نفسها بالتكملة ولم يحدث شيء وضميرها وخوفها من الله يأبى... ترى ماذا ستفعل!!
***
كانت ياسمين ستصعد الدرج ولكن أوقفها عمر وهو يعترض طريقها.
"لحظة يا ياسمين لو سمحتي."
ابتعدت ياسمين عنه بضع خطوات وهي تردف بضيق.
"خير... يا بشمهندس، حضرتك عايز أي مينفعش توقفني كدا."
"آسف... لكن محتاج أتكلم معاكِ في موضوع مهم، ممكن أفهم أي اللي زين أخوكي بيعمله دا... أختي مش لعبة في إيديه عشان يتقدملها وقت ما يحب ويرفضها وقت ما يحب."
"أولاً دي حياته هو وأنا مليش إني أدخل... ثانياً والأهم زين موعدش روان بحاجة هو كان لسه هيتقدم ولكن محصلش نصيب وهو ملعبش بأختك ولا مشي معاها... ولا حاول حتى يكملها زي ناس تانية. وروان قبل ما تكون أختك فهي بنت عمنا وأكيد عمرنا ما نضرها."
"بتلفي ودروي وبرضو معرفتش أي اللي خلاه يغير رأيه!! وهو عارف إن روان بقت عايزاه، زي ما أنا متأكد أن هو كمان عايزها."
"هو ليه أسبابه الخاصة أنا مليش دعوة بيها ومفيش في إيدي إني أعمل حاجة... عن إذنك بقى عشان مينفعش وقفتنا دي."
تركته ياسمين وغادرت. وقف عمر يشعر بالغضب ولا مازال لا يفهم سبب تغير زين!!
***
كان زين لا يزال في الجامعة بعد لم ينتهِ من محاضراته.
***
أمسكت ياسمين هاتفها وهي تتصفح رسائلها.
حتى وجدت رسائل على تطبيق "الصراحة" والذي غالب ما يستخدمه الفتيات في إرسال مشاكلهن وأي شيء يريدون معرفته وتقوم هي بالرد عليهن.
"هو لازم البس خمار؟ يعني أنا بلبس واسع وبلبس فساتين بس مش لابسة خمار... وكمان حاجة عادي لو بحط ميك أب خفيف خالص مش بيبان؟"
أخذت ياسمين نفساً عميقاً وهي تسأل الله أن يُلهمها التوفيق في الرد وتكون سبباً لتغير البعض.
"بصي هقولك علي علي اللبس. لبسك ماشاء الله جميل ولكن فيه الأجمل. ربنا أمرنا بالخمار وهو فرض لا خلاف عليه (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ). فساتينك واسعة ودي حاجة كويسة بس عايزين ناخد خطوة لقدام بقي مش هنفضل عند نفس النقطة الحلوة عايزين الأحلى عشان ربنا يرضى عنا. بخصوص الزينة ف لا يجوز حطي في البيت اللي انتِ عايزاه والبس اللي انتِ عايزاه ولكن بره تعملي زي ما ربنا أمر (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا). أو حل تاني اعملي زيي. البسي النقاب وحطي ميك أب زي ما انتِ عايزة 😂💜. هداكِ الله وأيانا."
انتهت من الرسالة الأولى حتى وجدت رسالة أخرى.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... ازيك يا ياسمين، عساكِ بخير... أنا عايزة أقرب من ربنا وألتزم... ممكن تقوليلي أعمل إيه؟"
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. القرب من ربنا جميل جداً. أولهم إنه يكون قلبك مليان بالإيمان هتقولي إزاي هقولك بالعبادات هنتكلم على أول حاجة الصلاة. الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة مينفعش يكون فيه مسلم مش بيصلي لو متي دلوقتي هتقابلي ربنا إزاي طب هتقوليله إيه اللي أطعمكِ وأسقاكِ ولبسكِ وأداكي صحة وأهل ونعم كتير لا تحصى مقابلها عملتي إيه؟ افتكري دايماً إنك وانتِ رايحة تصلي رايحة تقابلي ربنا شوفتي إيه بقي عشان متحبيش تقابلي ربنا؟ نزلي برنامج الأذان على الفون ومجرد ما الأذان يأذن سيبي أي حاجة في إيدك وقومي صلي وشوفي صاحبة ليكي تكون ملتزمة بالصلاة واطلبي منها تتابع معاكي وتشجعك لحد ما تلتزمي ولو نسيتي فرض صليه أول ما تفتكري لحد ما هتلاقي نفسك اتعودتي. تاني خطوة: لبسك مينفعش تكوني بنت مسلمة حفيدة عائشة وعايزة الجنة تكون بتلبسي بناطيل ولبس ضيق. الخمار فرض لا خلاف عليه أكتر حاجة ممكن تجيبلك ذنوب هو لبسك خلي لبسك واسع فصفاض يليق بواحدة غايتها الجنة كل واحد هيبصلك بصه هتاخدي ذنبه هو اه هيتحاسب على عدم غض بصره بس انتي كمان هتتحاسبي على لبسك وفتنتك ليه هتقولي ما لو لبست واسع هيبص برضو هقولك فعلاً بس ساعتها مش هيكون عليكي ذنوب عشان انتِ عملتي اللي ربنا أمرك بيه. الخطوة التالتة لازم يكون عندك حسن خلق وأسلوبك كويس مع اللي حواليكي ربنا هيحبك وهيحبب فيكي خلقه. واحدة واحدة هتلاقي نفسك قربتي من ربنا وكل ما تثبتي على خطوة تاخدي خطوة جديدة. محدش اتولد لقي نفسه ملتزم بس هي كلها خطوات. شوية وابدئي اعرفي فضل قيام الليل والتزمي بيه وبعد فضل صيام اثنين وخميس. وربنا بيقول: (لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). وادعي ربنا دايماً يهديكي ويثبتك والاهم من دا كله بقي الصحة الصالحة دوري على ناس صالحة وصاحبيهم ادخلي في جروبات دينية. وهنصحك رواية تقرأيها هتغير منك كتير: "ملتزمة تزوجت من رجل أعمال". جميلة جداً. هداكِ الله وأيانا."
"إزاي أحب اللبس الفضفاض؟"
"إن ربنا ينعم عليكِ باللبس الفضفاض دى نعمة. إنك تكوني ماشية وساترة نفسك ومش خايفة إنك تكوني سبب لفتنة حد لأنه ببساطة محدش شايف منك حاجة. إنك تشوفي في لبسك الفضفاض شياكة وجمال مبتشوفيهاش في البناطيل واللبس الضيق، دي نعمة أخرى وفضل عظيم، بعد فضل توفيقك للطاعة نفسها. (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم). وما الفضفاض إلا قرار نَبع مِن القلب قبل أن يتزين بهِ الجسد، فَـ أضيئي قلبكِ بِـ حب الستر."
***
جلس زين في المسجد وهو يتنهد بضيق، يشعر بالتوهان.
ولا يعلم إذا كان ما يفعله صواب أم خطأ، لكن ما يعلمه الآن أنه تائه.
وجد من يجلس جواره وهو يضع يده على كتفه.
"هون على نفسك يا بني... آخرتها متر في متر."
رفع زين بصره يُطالعه باستغراب وهو يشبه على ملامحه.. يشعر وكأنه شخص ليس غريباً عنه... كان رجل كبير السن ولحيته بيضاء وقد تساقط معظم شعره بفعل الشيب.
دقق زين النظر به حتى توسعت عيناه بصدمة.
"شيييخ توفيق."
نطقها زين بفرحة وهو يحتضنه بشدة مما جعل العجوز يضحك بخفة عليه.
"لسه شقي زي ما انت... براحة هتكسر عضمي."
"انت مش متخيل وحشتني قد إيه، إيه الغيبة دي كلها."
تحدث زين وهو مازال ممسكاً به وكأنه يخشى مغادرته.
"اديني رجعت ليك يا سيدي... بس شكلك مش عاجبني، فين زين البشوش المتفائل اللي أعرفه؟"
"وهي الدنيا بتخلي حد على حاله ياشيخنا." تفوه زين بضحك مما جعل الأخير ينظر له بتعجب.
"احكيلي.... أنا سماعك اهو، ولا عشان أنا عجزت معتش هتحكيلي زي زمان."
"أنا متعودتش أحكي لحد غير ليك... وحقيقي كنت مفتقدك جداً، حاسس ربنا بعتك ليا مخصوص في الوقت ده... حاسس إني تايه وضايع ومش عارف الصح من الغلط. أول مرة أكون بالحالة دي، خايف اللي بعمله ده أندم عليه بعدين، وخايف لو مكنتش عملت كدا أندم. عارف شعور لما الناس تكون بتاخدك قدوة وربنا مديك القدرة أنك تحل مشاكلهم ببساطة ومنوره بصيرتك أنك ترشدهم للصواب، لكن لما الأمر يتعلق بيك... تحس إنك مش عارف تاخد القرار، أنا حتى مبقتش عارف ازاي أفرق مابين إني لازم أسعى عشان أوصل للي أنا عايزه... ومابين إن اللي أنا عايزه مش نصيبي ومش خير ليا ولازم أتقبل دا. أنا عارف إن كلامي متلخبط ومش مرتب بس عارف إنك الوحيد اللي هتفهمني، يمكن عشان كدا مكنتش قادر أتكلم مع حد لأن محدش هيفهم اللي حاسس بيه، انت فاهمني يا عم توفيق صح؟"
كان الأخير يُنصت لحديثه باهتمام شديد كي يُجيبه بالحل الأمثل.
"شوف يا زين... مهما تبلغ من العلم والإيمان هتفضل محتاج للي يوجهك، انت مش عايز تحكي لحد على مشاكلك مش عشان محدش هيفهمك، يمكن اه دا سبب من الأسباب، لكن السبب الأقوى إنك مينفعش تحكي لحد وانت الشيخ زين والناس هي اللي بتيجي تستشيرك. عايزة أقولك حاجة مهمة، ممكن شخص يكون واقع في مشكلة كبيرة وانت تقدر تحلها، رغم إنه لو نفس المشكلة انت اللي بتواجهها مش هتقدر تحلها. الإنسان اللي جوه الدائرة غير اللي براها. اتعود إنك تحكي وتفضفض وتستشير اللي قدامك كمان حتى ولو أصغر منك، لأن كلنا محتاجين لدا وأنا أولكم.. نيجي بقى للنقطة الأهم، وهي أنك مش عارف إذا كنت اللي بتعمله دا صح ولا غلط. شوف يا بني الصح والغلط دا منقدرش نحكم عليه كدا. الأصل إنه فيه حاجات ثوابت معروفه من الأول إنها غلط، لكن فيه استثناءات بتتوقف على استخدام الشخص وتعاملُه معاها... فاهمني؟"
"طب لو هو مش عارف يتصرف بالطريقة الصح.. بيحب حاجة ونفسه فيها من زمان... بس خايف الحاجة دي تكون سبب لبعده عن ربنا."
"ولا عشان خايف ليتحرم من الحاجة دي بسبب تعلقه بيها!!"
تحدث وهو يقصد بحديثه شيء معين فهمه زين. توتر زين ولم يجب.
"خايف لربنا يعاقبك بيها يا زين من كتر حبك فيها مش كدا؟"
"هو يعني دا سبب من الأسباب، بس برضو مش عايز تكون سبب إني أبعد من ربنا.... لحظة هو عرفت يعني..."
قطع الأخير حديثه وهو يبتسم بخفة.
"عارف إنها بنت عمك اللي بتحبها من وانت صغير. عايزك أقول حاجة مهمة اوي وأنا حافظك أكتر من نفسي. كنت بتقنع نفسك إنك مش عايزها عشان هتبعدك عن الالتزام، لكن من جواك عشان انت مش عايز تتعاقب بيها أو ربنا يبتليك فيها وتخسرها، وده ميصحش يا زين. الأقدار مكتوبة يابني وإحنا منقدرش نعترض على قضاء ربنا واللي انت عملته دا مش صح يا زين. أنا لو قولتلك إنها لقدر الله هتموت بكرة المفروض انت تستغل النهارده معاها مش تبعد عنها؟ انت فاهم اللي أنا عايز أقوله؟"
"معاك حق في كل حرف قلته، وأنا غلطان وهحاول أصلح غلطتي... هعتذر منها وهت..."
"قبل ما تتقدملها شوف انت بتحبها الأول ولا لأ."
"ودا سؤال... أكيد طبعاً بحبها."
"ممكن تكون مجرد تعلق يا زين عشان هي طول عمرها قدامك، هتقول حتى لو مش بحبها مش لازم آخد على الحب، لكن في وضعك انت لو مش بتحبها ومجرد تعلق وخدتها عشان فاكر نفسك بتحبها وبعدين اكتشفت إنك مبتحبهاش هتتعب. ادي لنفسك فرصة شهر تشوف نفسك هتحس بيه وتديها انت كمان فرصة."
أخذ زين نفس وهو يزفر براحة. أسند رأسه على حجر شيخه كعادته حينما كان صغيراً.
"مش متخيل كلامك فرحني قد إيه.. وهعمل زي ما قولتلي بالظبط.... وقريباً هاجي أعزمك على فرحنا."
قال جملته الأخيرة بمزاح مما جعل الأخير يقهقه عليه.
"مستنيك يا عم زين."
***
"إيه دا."
وقف ليث ينظر بصدمة للعربة التي يقفون أمامها.
"دي عربة كبدة حميري لكن أي مقولش تحفة، وعندهم كبدة كلابي برضو لا عايز."
نظر لها ليث باستياء وهو لا يدري هل تمزح معه أم تتحدث بجدية ولا يرى من وجهها شيء ليستشف صدق حديثها.
"انتِ عايزاني أنا آكل من عربية كبدة!! دا على جثتي."
*بعد قليل في مكانِ خالٍ*
"قولتيلي دي كبدة إيه."
تحدث ليث وهو يأكل بشراهة.
"على حسب، لو هوهوت بعد ما أكلت يبقى كلابي، لو نهقت تبقى حميري."
تعالت صوت ضحكات ليث بشدة حتى أدمعت عيناه.
"حاسس إني اتخدعت فيكي، عايز زوجتي لو سمحتِ."
"خلاص بقى إدبست.. إيه دا." صرخت حور بإنزعاج.
"فيه إيه." أجاب ليث بخضة وهو يرى أن حدث لها شيء.
"انت خلصت السندوتشات كلها ومش فاضل غير واحد!!"
نظر لها ليث بغضب.
"يشيخة قطعتيلي الخلف."
"واضح إنك مستحيل تأكل من على عربية فعلاً."
***
كانت رغد جالسة تشعر بالملل وهي تتصفح حاسوبها.
حتى وجدت أمامها صفحة جون على "الفيس بوك".
سولت لها نفسها بأخذ جولة في صفحتها.
أخذت تقلب في صفحته بملل فحديثه بالأجنبية.
ولكنها بقيت تنظر إلى صورته بابتسامة.
ومن دون قصد فعلت له ريأكت دون أن تنتبه.
لم يمر الكثير حتى تلقت إشعاراً منه.
"يبدو أن أحدهم معجب بوسامتي!!"
***
جلست حور على مكتبها بعدما عادوا من الخارج.
"ممكن تقولي بقى إيه اللي حصل يعني لو مش هدايقك؟"
"ياسر طلع أخويا التوأم."
صُعقت حور من الخبر وهي تضع يدها على فمها.
"ط.. طب.. و.. وانت عرفت إزاي؟"
"لأنه مولود في نفس اليوم اللي اتولدت فيه، وفيه حاجات تانية بتثبت إنه أخويا اللي الدكتور قالهم إنه توفى."
"طب هو عرف؟"
"مش عارف... من يوم ما خرج من الحبس وهو اختفى هو وأبوه، مش لاقي لهم أثر. فيه حاجات كتير مش مفهومة... وأنا مش فاهم أي حاجة، إزاي هو لسه عايش وإيه اللي خلى... إيه اللي خلى أم... قصدي تهاني تروح لحامد."
همت حور للتحدث بشيء هام ولكنها بترت كلماتها. لا يجب أن تتحدث بما تعرفه، سوف تتركه يعرف هو الحقيقة بنفسه.
"فرحنا هيكون بعد شهر يا حور... ومن هنا لوقتها هدور عليه."
***
مر الشهر سريعاً دون أحداث تُذكر. تم تحديد فرح كلا من حور وليث.
أصبح جون يحادث رغد باستمرار وقد تقربا لبعضهما البعض.
أجتهد ليث في بحثه عن أخيه ولم يجد له أثر، وكأن الأرض ابتلعته. رفض إخبار أبيه حتى يجده.
تحسنت حالة والد حور بشدة مما زاد سرورها. تقربت حور من ليث أكثر في هذه المدة.
لم ترَ روان طوال الشهر زين، قد اشتاق قلبها لرؤيته وتعلقت به أكثر. لا يعرف الإنسان قيمة الشيء إلا حين يفقده. توقفت عن الروايات بعدما بقيت مدة تقرأها.
ولكنها عادت لرشدها من جديد.
أما عن زين فعل مثل ما أخبره شيخه ولم يراها طوال هذا الشهر، وها قد انتهى الشهر وقد قرر شيئاً ما.
كان عمر يسترق النظر من ياسمين ويتعمد تواجده في الأماكن التي تكون بها... كانت تنزعج في البداية حتى بدأت تعتاد وجوده.
وها قد أتى اليوم المنشود... يوم زفاف حور وليث.
تم اختيار قاعة زفاف منفصلة بناءً على طلب حور.
وقفت حور أمام المرآة تنظر لذاتها بإعجاب.
كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً بغير ذيل لأنها تعلم أن الذيل حرام.
وأخفت عيناها مثلما تفعل. رُغم أن اليوم زفافها، إلا أنها لم تظهر ظفراً واحداً من أظافرها. بدت كحورية.
اقتربت منها الفتيات وهن يُطالعنها بذهول، لم يتوقعوا أن تكن بتلك الجمال. هيئتها تخطف قلب كل من يراها.
أخذوا يحضنُونها واحدة تلو الأخرى.
حتى أتى ليث لأخذها.
بمجرد أن رآها حتى توقف الزمن حوله، ياللهي كيف لها أن تكون بتلك الجمال وهي لا يظهر منها شيء!!
محافظة على نفسها حتى يوم زفافها.
اليوم الذي تتسارعن فيه الفتيات على التبرج حجة أنها ليلة بالعمر، وهي لم تفرط حتى في إظهار عيونها!
اقترب منها ليث بمشاعر عديدة، يكاد يقسم بأنها أجمل شيء وقعت عيناه عليها على الإطلاق.
أخذها ليث وركبا السيارة.
وصل الجميع أمام القاعة المنشودة وهم ينزلون من سيارتهم.
دخلها ليث قاعة النساء وذهب هو الجزء الآخر قاعة الرجال. كانت القاعة صغيرة جداً تكفي لعدد محدود.
نزعت حور نقابها حيث أن المكان لا يوجد به كاميرات.
ويتم تسليم الهواتف في الخارج.
قاموا بتشغيل الاناشيد الدينية وهم يرقصون بمرح وحور تقوم ببعض الرقصات المضحكة مما جعل الجميع يضحك عليها بشدة.
وقفت روان تشعر بالدوار وصداع رأسها هاجمها بشدة من جديد.
خرجت من المكان بعيداً عن الضجيج دون أن ينتبه لها أحد.
أخذت تخطو للخارج بترنح وهي تشعر بثقل في خطواتها حتى توقفت عن الحركة.
في نفس الوقت الذي خرج به زين حيث نسي هاتفه في السيارة ولكنه توقف حينما رآها.
وقع بصره عليها، كانت ترتدي فستاناً بسيطاً فضفاضاً، بدت كحورية بالنسبة له.
أخذ ينظر لها باشتياق ولم ينتبه لحالتها.
حاولت السير مرة أخرى وأخذت تترنح في مشيتها. لاحظ زين تعبها وهو ينظر لها بقلق. اقترب منها كي يطمئن عليها وقد فات الأوان.
وقعت روان مغشياً عليها.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روان الحاكم
كان عمرو بن يعقوب يَتهجد اللَّيل، ويبكي مُرددًا:
"إلهي أنا عمرو الّذي تعلمُه، ولستُ الّذي يعرفه الناس! "
ترنحت روان فى وقفتها وهى تشعر بأن الارض تدور من حولها. حاولت جاهده أن تحافظ على إتزانها ولكنها فشلت حتى سقطت فاقده للوعي.
إقترب منها زين بهلع وهو لا يدرى ماذا حل بها. هم ليحملها ولكنه توقف. لا يجوز له حملها.
أخذ يبحث عن هاتفه ولكنه لم يجده، تذكر بأنه نسى هاتفه فى السياره. كان سيضعف ويحملها ولكنه تذكر وعده لنفسه. لا يجب أن يلمسها مهما بلغ الأمر.
إقتربت منهم إمره كبيره فى السن.
"مالها يابني.... شيلها تعالى وهاتها فى بيتي نفوقها مينفعش نسيبها كدا"
كان سيهم بالرفض ولكنه وجد مجموعه شباب آتيه، لذا لا مفر يجب عليه حملها.
قام بحملها وسار مع العجوز الى بيتها وقلبه يكاد يتوقف من خوفه عليها. اخذ يستغفر وهو يحملها ويدعو الله داخله أن تكون بخير.
قام بوضعها على الفراش مثلما أخبرته تلك السيده.
نظر لها بقلق وهو يردف:
"انا هخرج انتظر بره ممكن حضرتك تفكيلها النقاب وتفوقيها؟!"
"خلاص اخرج انت ومتشغلش بالك انا هفوقها.."
شكرها زين ثم خرج، بينما هى أقتربت من روان وهى تنزع عنها رابطه نقابها. ثم جلبت العطر ووضعته على أنفها وبعد عده محاولات بدأت تفيق. نظرت حولها بوهن وهى لا تعلم كيف جاءت إلى هنا.
"حمدلله على سلامتك يابنتي... جوزك واقف بره قلقان عليكِ اوى"
"اى اللي جابني هنا، وبعدين جوزي مين دا انا مش متجوزه"
"يعني الجدع الحليوه اللي بره دا اللي ينفك من حوالين المشنقه دا مش جوزك... خساره، لو عندي بنات مكنتش سبته"
"مين دا اللي جابني هنا" تفوهت روان بتعجب وعلى بالها أنه زين ولكنها إستبعدت تلك الفكر.
"البسي نقابك طيب وانا هدخله"
كانت روان الرؤيه مشوشه لها بعد. أقتربت منها السيده مره آخرى ثم وضعت لها نقابها وخرجت تنادي زين.
دخل الاخير بلهفه وهو يردف:
"ررواان انتِ كويسه!! اى اللي حصلك"
كان زين ينهج وهو يتحدث، بينما بقيت روان تنظر حولها بضياع ولا تدرى كيف جاء بها إلى هنا، لكنها شعرت بالفرحه حينما وجدت نظرات الخوف فيه عينه. ف آخر ما تتذكره بأنها فقدت الوعى.
"انا كويسه...يمكن شويه إرهاق عشان مأكلتش" تحدثت روان بهدوء وهى مازلت تشعر بالصداع الشديد فى رأسها.
"بعد كدا متخرجيش من البيت غير لما تآكلي"
سعدت لانها شعرت بخوفه عليها، ولكنها تذكرت ما فعله معه حتى شعرت بالغضب منه. لم تجبه ثم قامت من مكانها حتى تخرج. ساعدتها تلك السيده فى الوقوف.
"يابنتي طب استني لما تخفِ شويه وتفوقي"
"شكرا ليكي ياخاله ربنا يجازيكي خير، همشي عشان محدش يقلق عليا"
خرجت روان وزين خلفها ولكنها توقفت فجأه وكأنها تذكرت شيء للتو.
"انا آخر حاجه فاكراها اني اغمى عليا.. مين اللي شالني وجابني هنا؟?"
تسآلت روان وهى تنتظر رده وتخشى أن يكون هو من حملها.
"انا، لانه مكنش فيه حد تاني غيرى" أردف زين بتوتر وهو يترقب رد فعله.
بينما وقفت روان وهى تشعر بشعور غريب. أنه لم يكن عليه حملها... لا هو ولا اى رجل آخر.. تشعر بالغيره على ذاتها.
هنا فقط تذكرت حديث حور منذ اول مقابله لهم.
حينما فقدت وعيها.
"مين اللي شالني وجابني هنا"
كان هذا اول سؤال يصدر من حور حينما عادت لوعيها مره أخرى.
اشار الفتيات الى روان والفتاه التى ساعدتها معها.
إرتاحت ملامح حور واخذت تحمد لله وهى سعيده بشده. مما جعل الاخيره تنظر لها بتعجب.
"انتِ فرحانه عشان طلعتي كويسه؟ "
" لأ... عشان كنت خايفه ليكون شاب هو اللي شالني وجابني"
شعرت روان بالغضب من حديثها فهي تراها متشدده من حديثها.
"وفيها اى لما شاب يشيلك مهو انتي مغمى عليكي ودي حاجه ضروريه ولا حتى ف دي كمان انتوا متشددين"
أخذت حور زفيرا وهى تردف بإبتسامه.
"مفيش اجمل من إن اول حد يشيلك يكون زوجك واول حد يمسك إيدك يكون زوجك عشان ببساطه هو الوحيد اللي ليه الحق إنه يلمسك. عارفه إنك هتشوفي كلامي تشدد بس حقيقي مش هتعرفي معني شعوري دا غير لما تكوني مكاني"
إستفاقت روان وهى تشتشعر كلام حور. وقتها كانت تراها متشدده لكن لان تشعر بحديث حور، فهي اول ما اتى على بالها من حملها... يالله، كيف للشخص أن يتغير حديثه هكذا.
"ليه بتشيلني، كنت رنيت على عمر او ياسمين، كنت خليت اى حد يشلني او كنت تسيبني على الاقل....انت ملكش الحق فى دا ولا اى يا شيخ زين؟?"
نظر لها زين بصدمه من حديثها. فكان يظن بأنها لم تفكر فى الامر من الاساس، هل تغيرت روان لتلك الدرجه؟ لم يدرى زين هل عضبها بسبب أنه حملها لانه ليس محارمها ام لأنها مازالت غاضبه منه؟
" مكنش فيه حد غيرى ومكنش ينفع أسيبك فى الشارع.. وو وانا هصلح غلطتي وواتجوزك"
صُدمت هى من رده. همت لتجيب ولكنه سبقها.
"عرفي مرات عمى إني جاى اتقدم لك بكره والمرادي بجد"
هم ليرحل ولكنه توقف مره إخرى وهو يبتسم.
"وبخصوص اني شيلتك ف دي مش اول مره.. لو من واحنا كبار ف دي تاني مره... ولو من واحنا صغيرين ف دي حوالى المره 105"
رحل زين وهو يضحك ويشعر بالسعاده. وقفت روان غاضبه منه حتى رُسم شبح إبتسامه على وجهها مالبثت أن تتحول الى ضحكات متتاليه. هل الذى امامه منذ قليل هو نفسه زين إبن عمها!! ام أنها كانت تتخيل وفقدت عقلها.
عادت للداخل مره اخرى، اما عن زين فكان يسير وهو يضحك ببلاهه. صوت ما يحداثه داخل عقله ولم يكن سوى ضميره.
"اى اللي انت عملته دا ياعم زين، هنخيب بقى من اولها ولا اى، اتظبط واتعدل ولم نفسك بدل ما احرمك منها"
صوت ما داخله يتحدث ولم يكن سوى قلبه.
"مقولتش حاجه انا بس كنت بعرفها الحقيقه... وبعدين ياخي معرفش افرح غير لما تنكد عليا"
اجابه ضميره مره اخرى.
"افرح بس بإحترام.. ولم نفسك لحد ما تكتب كتابك وبعدين ابقى افرح براحتك"
"حاضر كدا كدا هتقدملها وهنتجوز على طول، اسكت انت بقى"
اصوات كثيره داخل عقله ولكنه اسكتها فى النهايه وهو يعود للزفاف مره اخرى وقلبه يتراقص بشده.
اما فى الداخل اوقفت حور الاناشيد ثم تحدثت:
"شكرا ليكم كلكم.. حابه إني اتكلم عن حاجه مهمه جدا- الفرح الإسلامي أيوا مش بيهيص زي الافراح التانية.
- ولا بي شحط محط ولا يبنات حلوين و استك بلاستك الي آخر هذا الاسفاف.
- وكلمات اناشيد الأفراح الاسلاميه مافيهاش "هلس" زي الأفراح التانيه!
- والضرب على الدف عمره ماهيكون زي صوت 50 آله موسيقيه شغالين مع بعض!
- والناس في الأفراح الاسلاميه مش بتكون بنفس حالة السُكْر والإنبهار والهيصة الل بتكون فيها ف الأفراح التانيه.
- والعروسه من غير حجاب شرعي بتكون احلى كتير من أي حاجه تانيه. (شكلا)
- والأفراح الاسلاميه مش بتعجب غير الناس الل عندها نفس التفكير تقريبا.
- واتقالتلي *والله وربنا لو عملته اسلامي محدش هيحضر وأصحابي هيتريقوا عليا و بركاتك ي ست الشيخه ووووووووو إلخ!
- معاكي والله في كل ده.
- ليه أما تلاقوا حد عاوز فرحته تبقا ف طاعة بتتريقوا عليه وتبقوا سبب ف انتكاسة. !
- تفتكروا الفرح ال مليان رقص وهري دا لو حضرة النبي هيقول إي؟
- تفتكروا ربنا من فوق سبع سماوات هينظر إلينا ازاي؟
- وانتي قوليلي بقا هو انت عايزه كل حاجه في الدنيا !! يعني عايزه الجنه ... ورضا ربنا ..وصحبة النبي ...ورضا الناس !ورضا الل حواليك !وشكلك يبقى واااااو !و ..... و .... ليه ؟! ...احنا في الدنيا على فكره .. يعني مش هناخد كل حاجه .. !
- وال عاوز يفرحلك هيفرحلك عشانك انتي بالطريقة اللي علي مزاجك وتربيتك انتي .. مش عشان انتي شغلتي إي وفرحك مش هايص ومهبب. ف تولع الناس والمهم رضا رب الناس )
- وفي النهايه كل واحد له الاختيار ... يبدأ حياته بالشكل الل يعجبه ...عايز يبدأها على رضا ربنا عزوجل وطاعته ... ف خيرا بها ونعمت ...عايز يبدأها على شئ آخر ... فله ما شاء !
'' أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ''
"مش كل الرجاله ياحور بتوافق إنه يكون إسلامي"
"إن لم يكن عفيفا غيورا فلا حاجه لكم به"
واخيرا انا بعتذر لاى واحده قدرتني وحضرت فرحي اني مش هحضر فرحها إن مكنش إسلامي، مش هروح اشارك فى الذنب العظيم اللي احنا بنستهون بيهوحجتنا اى... أنه يوم فى العمر؟ طب انتِ ضامنه أنك متموتيش فى اليوم دا؟ والله العظيم يابنات إني لسه شايفه بنت من كام يوم ماتت يوم فرحها قبل ما تخلع فستانها حتىمستعدين بقى تخسروا دينكم وجنتكم عشان ليله فى العمر هتجبلكم جبال من السيئات؟؟
اتمنى تراجعوا نفسكم وكل واحده تعزم النيه بأنها مش هتعمل فرحها غير إسلامي... وكمان مش هتحضر غير فرح إسلامي شكرا ليكمهداني الله وإياكم.... ودلوقتي يلا زغرطولي وخلونا نرجع نكمل"
أنهت حور حديثها ثم عادوا للرقص مره آخرى بأناشيد اسلاميه ليس بها موسيقي وإنما بالدُف شاركها الفتيات بالرقص وهم يضحكون ويمرحون.
كانت حور تعمل جاهده بأن تضيف بهجه للاجواء حتى تحبب الفتيات فى الافراح الاسلاميه.
اما عند الشباب كانوا يجلوس على المقاعد وهم ينظرون لبعضهم البعض بملل وكل واحدا منهم يضع يده أسفل خده فى منظر مضحك للغايه حتى تفوه أحمد.
"وبعدين... هنفضل قاعدين زي المطلقين كدا؟"
"حاسس إني قاعد فى جنازه مش جوازه ياولاد الكئيبه"
إقترب منهم زين وهو يردف.
"وهي دي أول مره نحضر فرح اسلامي ولا اى يا رجاله... قوموا بينا نهيص يلا"
وفور إنتهاء زين من جملته حتى وقف الجميع إستعدادا.
اخذوا ليث عنوه وبدأوا بالرقص بطريقه مضحكه على اناشيد دون موسيقي.
"عايزك تتخيل الاغنيه فى دماغك وترقص عليها" نطق أحمد وهو يراقص ليث بضحك والاخير يحاول الإفلات منه والجميع يضحك عليهم. تركه وخرج ثم عاد بعد مده.
"شوفتوا جبتلكم اى... حبيبنا كلنا"
نظر له الجميع لما يمسك بيده فكانت "صواريخ" مما جعلهم بتحمسون بشده.
"كنت هجبكلم سلك نولعه، بس خفت يبهدل القاعه والراجل يلبسنا الليله، فقولت نكتفى الصواريخ"
وزع على الجميع ثم قاموا بالجرى تجاه بعضهم البعض.
فى جو من المرح وبعد قليل توقفوا وهم يأخذون انفسهم بشده، حتى الحفل فى الانتهاء.
خرج ليث بعدما هاتف حور يخبرها إنتهاء الحفل.
وقف بإنتظارها.
إردت حور نقابها مره آخرى والجوانتي الخاص بها.
ثم خرجت تجاه زوجها.
ومن الناحيه الاخرى كانت رغد تقف تشعر بالحزن لرحيل حور، حيث رفضت طلب رغد بأن تقيم معها هي وابيها معللا بأنها ستقيم مع والد حور.
إقترب منها چون وهو يتأملها بإنبهار. رغم كونها عاديه الملامح، إلا أنها بدت جميله للغايه.
"كيف لقبحك أن يكون بهذا الجمال رغد!!"
القى چون كلماته فى وجهها وهو يظن بأن هكذا يغازلها. تشنجت ملامح رغد ثم هتفت.
"چون... هو أنت اتخبطت فى دماغك وانت صغير ولا حاجه؟ مبتعرفش تقول كلمتين على بعض عدلين!!"
"أردت فقط أن اعبر عن إعجابي بكِ، الم يعجبك؟"
"لا متعربش تاني"
قالتها رغد بضحك. صمت قليلا ثم أردفت مره آخرى قبل أن تفر هاربه من أمامه.
"بالمناسبه... انت كمان شكلك حلو"
تعالت صوت ضحكاته عليها بينما هى فرت من أمامه مسرعه، يشعر نحوها بشعر غريب لأول مره يطرأ عليه.
إقتربت حور من ابيها وهى تحضتنه وتبكى.
"مش كنت رضيت تيجي تعيش معانا... هقعد ازاي انا من غيرك دلوقتي"
طبطب والدها على كتفها بحنو وهو يردد.
"الحمد لله إني أطمنت عليكِ... عقبال ما اطمن غلى رغد هي كمان، ومش هكون عايز من الدنيا حاجه تانيه"
"ربنا يباركلنا فى عمرك ياحبيبي"
ودعته حور ثم ركبت مع ليث السياره وبعدها تحرك الجميع، وصلا الى ليت ليث نزل هو اولا وبعدها اتبعته حور.
دلفت المنزل وهى تسمى الله، وتدعو داخلها أن يكون بيتها هادئ ومريح تدعو الله أن تنبي فيه بيت ملىء بحب الله وطاعه رسوله.
قامت بتبديل ثيباها وثوضأت وفعل ليث المثل دون ان تخبره هي بذلك.
وقفت خلفه وشرعوا فى الصلاه. تشعر بالسكينه تغمر روحها وهى تصلى خلفه وتدعوا الله بحياه هادئه وتدعوه أن يعينها على طاعه زوجها.
انتهوا من الصلاه ثم إقترب منها ليث وهو يضع يده على راسها ويقول:
"اللهم إنِّي أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرِّها وشر ما جبلتها عليه"
نظر لها بتردد على ما يريد فعله ولكنه حزم امره بأن يفعل.
امسك يدها بتوتر مما جعل حور تنظر له بتعجب.
وأخذ يسبح على اصابعها.
"لما كنت صغير.. كانت.. كانت أم... أمي بتعمل معايا كدا انا وبابا، وعدتها إني لما أكبر واتجوز هعمل كدا مع زوجتي عشان ابقى زيها بس هي مستنتنيش لما أكبر واقولها إني عملت زي ما وعدتها"
كان يتحدث وهو يبتلع غصه مريره فى حلقه ثم تابع حديثه.
" رغم إني زعلان منها، إلا إنه كان نفسي تكون معايا حتى.. حتى ياسر دورت عليه فى كل مكان ملقتوش فرحتي كانت هتكمل بوجودهم"
امسكت حور يده تحاول بث الامان داخله.
"ان شاء الله هتلاقيه، كل حاجه وفيه وراها حكمه من سببها.. خليك واثق من ربنا إن كل اللي بيحصل دا خير ليك هتعرف حكمته بعدين.."
"الحمد لله... كفايه عليا إن ربنا رزقني بيكِ"
وقف عمر بغضب بعدما علم خبر تقدم زين مره آخرى.
"انتوا ازاي موافقين.. هو لعب عيال وانتِ يا ست روان هانم موافقه عليه بعد اللي عمله دا؟?"
"عمل اى يا عمر...مفيش حاجه مستاهله لكل دا، وانا واثقه إن زين فيه سبب كبير خلاه يعمل كدا، انا عارفه زين كويس انت بس عشان بتكره"
"يعني بعد ما عشمك انه عايزك وجاى يتقدملك وفجأه يقولك لأ اصل كل شيء نصيب ودلوقتي جاى عايز يتقدملك تاني وانتِ شايفه انه عادي!!"
"خلاص ياعمر... روان معاها حق، الراجل اكيد معاه عذره، وزين أنا مربياه من وهو صغير وعارفه إنه ميعملش كدا غير وفيه سبب" أردفت والده روان هذه المره. بينما وقف عمر يشعر بالغضب ثم تفوه.
"ماشي...بس خليكم عارفين إن الجوازه دي تمت انا مش راضي عنها، وكمان هش هحضر الفرح"
القى عمر جملته ثم غادر وهو يشعر بالغضب بينما نظرت روان فى اثره بحزن.
"متزعليش، مانتِ عارفه عمر عقله زي الاطفال... هيزعل شويه وهيدئ هو بس خايف عليكي"
أومأت هي بهدوء ثم دخلت حجرتها. وقفت فى شرفه الحجره وهى ترى زين يسير بالقرب من العماره.
تحول بصرها او تخفضه وهى من قلبها تنظر. حتى دلفت للداخل وهى تغلق النافذه وتتنفس بعنف.
جلست روان فى المسجد بعدما إنتهت من محاضرتها.
بينما وقفت أمامها فتاه ترتدى السواد ولا يُظهر منها شيء.
ولكنها المره الاولى التي تراها هنا، فهي تعرف جميع من فى المسجد. إقتربت منها الفتاه ثم جلست جوارها وهى تلقى عليها تحيه السلام.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
دققت روان فى الصوت، هي تعرف هذا الصوت جيدا ولكن بالطبع مستحيل. ردت التحيه وهى مازالت تطالعها بإستغراب.
"روان... انتِ مش عارفاني؟"
هنا تأكدت بأنه نفس الصوت. ولكن كيييف!!
هل الفتاه التى أمامها هي ذاتها صديقتها القديمه!!
لن تتكرها الفتاه لتفكيرها كثيرا ثم رفعت النقاب عن وجهها، والذى أصبح اكثر نورا وبياضا. زُهلت روان منها وهى تردف بصدمه.
"سهير!!!"
"أيوه انا... الحمد لله إنك لسه فاكراني"
"وانا انا اقدر انساكم بعد اللي عملته فيا"
"روان انا آسفه، انا جايه عشان اعتذر ليكِ عن اللي عملته... رجاءا سامحيني"
"انتِ اسفه.. بالسهوله دي، بعد كل اللي عملتوه فيا وخلتوني أنخدع فيكم جايه تقوليلي إنك آسفه، والمفروض إني اسامحك بالبساطه دي"
"انا أتغيرت والله يا روان بالله عليكِ تسامحيني"
"تعرفي إني كل يوم بصحى على كوابيس بسببكم! كل يوم بتخيل إني حصلى حاجه بسببكم ومش قادره اتخطى اللي عملتوه فيا"
"حتى لو قولتلك إن علياء ماتت!!"
توسعت عيناها بصدمه. هل ماتت علياء؟ كيف هي مازالت صغيره؟ بعدوالاحرى بأنها تعرف علياء وملابسها، هل ماتت وهى بنفس تلك الهيئه؟ وقفت أمام ربها بتلك الثياب؟؟
"اتوفت قبل ما تتوب وهى بنفس الحال، كان ممكن ربنا يختارني انا اكون مكانها، لكن سبحانه وتعالى امد فى عمرى عشان اتوب، يومها روحت البيت وسجدت وفضلت ابكى، دعيت ربنا مقومش من السجود غير وانا حد تاني وربنا غافر ليا كل ذنوبيتاني يوم كنت لبست النقاب وبقيت واحده تانيه خالص غير بتاع زمان وبعدت عن كل حاجه كنت بعملها بس طول الوقت حاسه بالذنب بسبب اللي كنا هنعمله فيكي"
"دلوقتي بس فوقتي لنفسك وعرفتي إن الله حق، مش عارفه اقول اى بس انا مش قادره اسامح فى حقي وخصوصا علياء لاني عارفه انها كانت السبب الاكبر. انا آسفه يا سهير بس انا قادره انسى اللي عملتوه ولا قادره اسامحكم"
تركتها روان ثم غادرت وهى تمسح دموعها. لا تعلم إن كانت ما تفعله خطأ ام صواب، لكنها غير قادره على المسامحة.
عادت لمنزلها مره آخرى. اليوم زين سوف يتقدم لها مره آخرى تشعر بالفرح الشديد. اتت لها ياسمين ثم وضعت لها بعض الماسكات كى يشعروا بالفرحه.
"يابنتي كفايه ماسكات بقى"
"ولو لازم تطلعي زي القمر عشان تعجبني اخويا"
نظرت لها الاخيره بتشنج.
"على اساس اني مش قمر من غير حاجه؟?"
"لأ قمرين.. انا بهزر معاكِ خلينا نحس بالفرحه"
وبعد قليل تركتها ياسمين ترتدى ثيابها ثم غادرت لكى تأتي مع اخيها.
بينما فى الخارج كان عمر ينتظره ويشعر بالضيق ووالده روان تجلس معه.
طرق زين باب منزلهم وهو يشعر بالفرحه الشديده. هاهو إقترب من محبوبته. فتح له عمر الباب وهو غاضب منه.
لاحظ زين نظراته.. سوف يراضيه فيما بعد ولكن الان هو يريد رؤيتها.
جلس زين بينما وقفت ياسمين.
"هروح انا انادي لروان"
إبتسم لها زين وهو ينتظرها. غابت ياسمين للحظات ثم عادت وهى تنهج وعلى وجهها علامات القلق.
"روان مش جوه... دورت عليها فى كل حته ملقتهاش"
رواية وسولت لي نفسي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روان الحاكم
روان مش موجودة.... دورت عليها في البيت كله ملقتهاش.
"روان مش موجودة.... دورت عليها في البيت كله ملقتهاش،" تحدثت ياسمين بتوتر وعلى وجهها علامات القلق.
"دوري كويس يا ياسمين، هتروح فين يعني؟"
أردف زين يحاول أن يطمئنهم، ومن داخله يشعر بالقلق هو الآخر.
دلفت والدتها وعمر يبحثون عنها ولكن لم يجدوها.
"هتكون راحت فين، هي عمرها ما راحت مكان من غير ما تبلغني."
جلست والدتها على المقعد وقد دب القلق في قلبها.
قام عمر بالاتصال عليها عدة مرات ولكن كان الهاتف غير متاح.
"وبعدين بيفضل يرن عليها تلفونها مغلق."
"أهدوا يا جماعة، يمكن نزلت تجيب حاجة وجاية... نستنى شوية لحد ما تيجي."
تفوهت ياسمين محاولة طمأنتهم.
"لأ.. أنا قلبي بيقولي إنه بنتي فيها حاجة."
بدأت والدتها في النحيب مما زاد قلقهم أكثر.
هب زين واقفًا وهو يردف:
"أنا هنزل أدور عليها..."
"وأنا كمان هنزل أدور عليها."
أجابه عمر هو الآخر وهو يلحق به.
بينما جلست ياسمين جوار والدتها وهي تحاول مواساتها.
"أهدي يا مرات عمي.. صدقيني مش هيكون فيها غير كل خير، إحنا نقعد ندعيلها...."
انتهت كلماتها وهي ثم جلبت المصحف وفتحتها على سورة البقرة وهي تقرأها بنية أن تعود رفيقتها بخير.
بينما أخذ كلا من زين وعمر يبحثون عنها في كل مكان وكل واحد أخذ جهة معينة يبحث عنها، حتى مر ساعتان ولم يجدوها ومازال هاتفها غير متاح.
تنهد زين وهو لا يعلم أين هي، وزاد قلقه عليها.
أخذ يردد:
"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين."
"فكان الرسول ﷺ إن ضاقت دنياه يُردّد: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين."
يقول الله سبحانه وتعالى: "اذكروني أذكركم".
أخذ زين يسبح الله وهو يحاول تهدئة ذاته، يدعو الله أن يحفظها.
أمسك هاتفه ثم حادث أخته ولكن أخبرته بأنها لم تعد بعد، وهذا ما أخبره به عمر أيضًا.
تنهد بحزن وهو لا يعلم ماذا يفعل، إلى أن وجد مسجدًا بجواره.. هنا فقط علم ماذا يفعل.
دخل المسجد ثم توضأ وصلى ركعتين، ظل يدعو الله لها.
أخذ يستودعها عند الله، انتهى حتى وجد رجلاً عجوزًا يتحدث.. اقترب منه لعله حديثه يريح قلبه.
"ربنا من حبه ليك كل شوية يقربك منه، يحط في طريقك مرض مرة، وياخد منك حاجة مشغول بيها عنه مرة، يسمعك آية تقشعر منها وتحس إنها ليك، يبعد عنك شخص كان قريب منك فتعرف إنه أقرب لك من أي حد، هو غني عن عبادتك، بس بيرجعك له لسبب واحد، إنه بيحبك.
فاللهم حبك."
كان زين يشعر وكأن كل كلمة موجهة له هو تحديدًا وكأن الله يخاطبه هو.
خرج من المسجد وفي الطريق وجد طفلاً صغيرًا ثيابه متهالكة ويبدو على جسده الضعف، اقترب منه زين ثم أعطاه الكثير من الأموال دون عدها.
نظر له الصغير بسعادة بالغة ثم أخذ يبكي بشدة.
"تعرف يا عمو إن أختي الصغيرة تعبانة والعلاج بتاعها خلص وأبويا وأمي متوفين.... أنا حتى مكنش معايا فلوس أجبلها أكل عشان أقدر أجبلها العلاج... والراجل اللي أنا شغال معاه مرضيش يديني جزء من مرتبى غير آخر الشهر أنا والله يا عمو مكنتش زعلان عشان كنت عارف وواثق إن ربنا مش هيضيعنا."
نظر له زين بألم. طفل صغير لا يتجاوز الخمسة عشر عامًا.
من دبر لهذا الطفل الأموال بقادر على أن يدبر لك أمورك.
اقترب منه زين ثم احتضنه وهو يمسح على رأسه بحنو.
"تعرف إنك بطل وأنا اللي كبير أهو وكنت محتاج أسمع الكلمتين دول."
أعطاه زين ما تبقى معه من أموال ثم غادر.
"ارخي يدك بالصدقة ترخي حبال المصائب من على عاتقك، واعلم أن حاجتك إلى الصدقة أشد من حاجة من تتصدق عليه.
تصدق بما تجود به نفسك.
(ولا تستهينوا بأمر الصدقة حتى وإن كانت قليلة، فالقليل عند الله كثير)."
عاد للمنزل مرة أخرى ووجد عمر قد عاد.
لم يمر الكثير من الوقت حتى عادت روان بهيئة لا يُرثى لها، كانت هذه المرة تُخفي عينيها بالنقاب، حتى لا يلاحظ أحد أثر البكاء.
نهض الجميع واقتربوا منها.
"روحتي فين كل ده وقلقتينا عليكي، وإنتي عارفة إن زين جاي يتقدملك."
نظرت لهم بهدوء، أخذت نفسها ثم تحدثت بجمود....
"إيه اللي بتقوليه ده يا رغد إنتي اتجننتي؟"
تحدثت حور بغضب لرغد الجالسة أمامها.
"مش عارفة بقى يا حور معرفش، أنا فجأة لقيت نفسي بحبه... معرفش حصل إمتى بس حسيته أكتر حد بيحاول يسعدني ويطبطب عليا."
"رغد... إنتوا كنتوا بتتكلموا بعض!!؟"
سألتها حور مباشرة ولكن الأخيرة لم تجبها بل صمتت وهي تشعر بالذنب.
"كان عقلك فين وإنتي بتكلميه يا رغد هاا؟ مكنتيش خايفة من ربنا وهو بينظر لكِ نظرة غضب... مكنتيش زعلانة إنك خونتي ثقة أهلك فيكِ حتى لو مابقوش موجودين.... رخصتي نفسك بالسهولة دي؟ والادهى لمين؟ واحد يهودي، يعني حتى لو هو كمان حبك وقرر يتجوزك مينفعش ردي جاوبيني."
"كان غصب عني والله يا حور... طول عمري لوحدي وعايشة وحيدة.. أنا آه قاعدة معاكم ومعوضني عن حاجات كتير، لكن برضه أنا لوحدي، مفيش حد عمره اهتم لأمري ولا إيه اللي بيبسطني ولا إيه اللي بيسعدني غير جون، كان أول حد أحس إنه بيحتويني، بيسمعني وبيفهمني في وقت محدش حاسس بيا فيه... عارفة إني غلطت، لكن الظروف اللي كنت فيها أجبرتني أعمل كدا."
"لو كل بنت حست إنها وحيدة وعملت كدا يبقى كلنا هنضيع يا رغد، ومفيش حاجة اسمها الظروف أجبرتك تعملي كدا... أنا معاكي إنك حزينة على أهلك لكن ربنا بعتنا لكِ.. بدل ما تشكريه على النعمة دي تقومي تغضبيه؟ إحنا لو هنحسب نعم ربنا علينا مش هنقدر نوفيه حقه لأن نعم ربنا لا تعد ولا تُحصى.
كفاية نعمة الصحة اللي إحنا فيها دي وغيرنا مرمي في المستشفيات مش بيتنفس غير بأكسجين.
بنقدر نمشي على رجلينا وغيرنا مش بيمشي على كرسي متحرك.
ربنا معافينا من أمراض كتير غيرنا مش بيقدر ينام من كتر الوجع، ربنا رزقك بصحاب وأهل وبيت وغيرك مرمي في الشوارع معندهمش مكان يناموا فيه ولا حتى أكل ياكلوه.
أنا لو هقعد من هنا لبكرة أذكرك بنعم ربنا عليكِ مش هخلصها، بدل ما تحمديه على كل دا رايحة تغضبيه يا رغد وترخصي من نفسك؟"
صمتت رغد ثم أجاشت في البكاء وهي تردد:
"أنا عارفة إني غلطت يا حور ومش هكلمه تاني."
أحتضنتها حور وهي تهدئ من روعها ثم أردفت:
"الأهم من الغلط هو إنك تعرفي إنك غلطتي وتوبي لربنا وتستغفري واحمدي ربنا إنه مقبضش روحك وإنتي بتعصيه... حافظي على نفسك ومشاعرك.
خلي أول حب في حياتك وأول واحد تكلميه يكون زوجك.
خلي دايما مشاعرك مكبوتة عشان لما ييجي الشخص الصح وهو حلاله تقدري تديه المشاعر دي.
على عكس العلاقات المحرمة اللي بتستنزفي فيها كل طاقتك ومشاعرك بطريقة غلط، ولما ييجي زوجك مش هتقدري تديه نفس المشاعر تاني لأنك اديتيها للشخص الغلط.. فهمتيني يا رغد؟"
أومأت لها رغد وهي تمسح دموعها، ثم أمسكت هاتفها ووضعت جون في قائمة الحظر.. وبعد قليل ودعت حور ثم غادرت واعدة إياها بزيارة أخرى...
وعلى الجهة الأخرى كان يقف ليث وهو يوبخ جون بعدما علم بأمر محادثته لرغد.
"صدقني يا جون لم أكن أقصد ذلك، أنا فقط كنت أشعر نحوها بشيء غريب، وكأنها شخص مسؤول مني... الآن أشعر أنني... أنني أحبها."
"إنت عارف يا جون من الأول إنه مينفعش تتجوزها وأنا نبهتك كتير تبعد عن رغد صح... كلمتها ليه؟"
"أنا آسف يا ليث، لا أعلم ماذا يجب عليٌ فعله الآن."
"عندك استعداد تسلم يا جون؟"
سأله ليث بهدوء، صمت جون يفكر في حديثه حتى أجابه:
"لا أعلم يا ليث، أنا أشعر بالضياع الآن."
"إيه أن كان القرار اللي هتاخده يا جون إنك لو دخلت الإسلام تدخل عشان هو الدين الصح، مش عشان رغد."
"أحتاج وقت للتفكير يا ليث، تغيير عقيدتي التي أنا عليها طوال حياتي يا ليث بالأمر الهين...."
صمت بضع وقت ثم تابع حديثه:
"سوف أعود إلى وطني يا ليث."
"وعصىتم من بعد ما أراكم ما تحبون....."
"أشد عتابات القرآن وجعًا وإيلامًا!"
"إنتي عصيتيه يا رغد بعد ما ربنا أنعم عليكِ بحاجات كتير.
توبي وارجعي لربنا.
إن الله يغفر الذنوب جميعًا، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.. شوفي إنتي دلوقتي قلبك مكسور وحزين إزاي وخصوصًا بعد ما عرفتي إنه سافر.
عرفتي ليه ربنا حرم العلاقات الغير شرعية؟ عشان نهايتها بتكسر القلوب."
"معاك حق يا عمي محمد، أنا فعلا غلط... ربنا يسامحني على اللي عملته بقى."
وقفت روان تنظر لهم بجمود ثم تحدثت:
"كنت محتاجة أنزل أتمشى شوية وأقعد لوحدي... وأفكر في موضوع جوازي من زين... والحقيقة إني مش موافقة.
أنا مش لعبة في إيده يتقدملها وقت ما يحب ويسيبها وقت ما يحب، وهو أصلاً مش عارف هو عايز إيه."
"روان... إيه الكلام اللي بتقوليه ده، زين كان حاصل بس مع..."
قاطعت روان حديث ياسمين دون أن تجعلها تكمل.
"مش محتاجة إن تبرري ليه حاجة يا ياسمين، زي ما هو كان ليه الحق إنه يسيبني، أنا كمان ليا الحق في ده."
نظر لها عمر بفرحة وفخر. هاهو قد نجح في حديثه معها.
ثم أردف:
"للأسف يا زين كل شيء اسمه نصيب، ربنا يرزقك باللي أحسن منها."
"إيه الجنان ولعب العيال اللي بتعمله ده، وإنتي يا روان... الظاهر إني دلعتك كتير لدرجة بقيتي تتصرفي من دماغك."
لم تجبها روان وظلت مصرة على رأيها حتى تحدث زين أخيرًا.
"ممكن أفهم إيه اللي غير رأيك فجأة، كل الكلام اللي قولتي ده ما قنعنيش..."
توقف عن الحديث وهو ينظر لها حتى تابع كلامه بنبرة حنونة:
"شفتي مني حاجة زعلتك يا روان خليتك غيرتي رأيك؟"
هنا ولم تعد تحتمل، نبرة صوته الحنونة جعلتها تود الصراخ، سقطت دموعها والتي لم يلاحظها أحد بسبب نقابها، وكم هي شاكرة لهذا النقاب الآن.
أخذت نفسًا طويلاً ثم تحدثت بجمود مرة أخرى:
"أنا كنت رافضالك من البداية، حبيت بس أجيبك هنا وأرد اللي إنت عملته مش أكتر، معنديش أسباب أقولهالك."
لم يقتنع زين بحديثه، نبرة صوتها المهزوزة تخبره بأنها تكذب وتخفي شيئًا عليه، لم يرد أن يضغط عليها الآن.
"أنا مش هضغط عليكِ يا روان وعمري ما أجبرك عليا.
هسيبك تفكري بعقلك ومنتظر ردك واتمنى تفكري صح وتشيلي أي أفكار من دماغك."
رحل زين بهدوء على عكس قلبه الذي يشتعل.
لا يدري ما الذي يحدث معه، فكلما يقترب منها خطوة يجد نفسه يبتعد عنها خطوات، هل هذه إشارة بأنها ليست نصيبه؟
أما عن روان اعتذرت منهم ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب من الداخل، نزعت النقاب والذي أظهر عينيها المتورمة من أثر البكاء.
إرتمت على الفراش وهي تئن بالبكاء بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعها أحد، أخذت تبكي إلى أن شعرت بأن أنفاسها سوف تتوقف... قلبها مجروح بشدة.
لا تعلم إن كان ما فعلته خطأ أم صواب.
لكنها الآن في حاجة أن تبقى وحدها بعيدة عن الجميع.
سؤال واحد يتردد داخل عقلها... لمَ؟
لمَ يحدث معها كل هذا... كلما تقترب خطوة تجد نفسها في ابتلاء أشد.
أليس من المفترض العكس؟ لا تعلم ما الحكمة من كل هذا الذي يحدث معها... يكاد قلبها أن ينخلع من مكانه لمَ هي عليه الآن.
قررت أن تعيش الحزن بمفردها دون أن تكون ثقيلة على أحد.
أشغلت القرآن بجانبها، لعله يريحه ويصمت ضجيج عقلها حتى نامت مكانها وهي تود من داخلها ألا تستيقظ.
مر أسبوعان لم يكفِ فيهما زين عن طلب يدها مرة أخرى، وفيه كل مرة كانت ترفض.. لقد فقدت الكثير من الوزن وذبل وجهها ولم تغادر حجرتها قط!!
كانت حور تقف تتأمل السماء بهدوء بعيدًا عن ضجيج الحياة وهي تسمع آيات الله بصوتٍ عذب، حتى اقترب منها ليث.
"لما ملقتيكيش جوه عرفت إنك بتتأملي السماء، مبتزهقيش يا بنتي؟"
"وهو حد يزهق من الجمال ده كله؟ التأمل في السما عبادة ربنا بيحبها.. اسمها "سجود العين".
تخيل بمجرد ما تبص للسما وتتأمل فيها ربنا يرضيك ويحققلك اللي بتتمناه من غير ما تنطق بيه حتى!
أهو ده اللي حصل مع سيدنا محمد ﷺ.
"قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ"
نرىٰ علىٰ وجهك ما يُؤلمك، ونرىٰ علىٰ وجهك ما تحبه وعجزَ لسانك عن طلبه، فلجأت إلىٰ عبادة التأمل في جو السماء، وكأنّ في عينك شفتان تكلمان ربهما بما في قلبك..
ولأنها عبادة يحبها الله، وعلامة علىٰ تعب العبد وكثرة حيرته ومواجعه ومخاوفه، تأتي الاستجابة التي ترضيه، ويأتي الرد الذي يهديه.
"فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا"
وذلك بعد صبرٍ مَلأَ وجدانه حتىٰ أتعبه، فَرحمه الله بجمالِ العطية، واللهُ كريمٌ مجيب.
لو كل الناس أدركت فعلا فضل التأمل في السماء مش هتشيل عيونها عنها، ده كفاية إنها بتريح أعصابك وبتخليك تحس إن كل مشاكلك دي لا تذكر مقابل قدرة ربنا سبحانه وتعالى.
اللي قادر إنه يخلق الكون بالجمال ده حاشا لله مش هيقدر يحل همومك؟ هو بس بيبتليك عشان بيحبك وتقرب منه."
"تعرف إني كل مرة بعرف منك معلومة شكل.. حاسس.. إني رجعت طفل صغير أيام ما كانت.. ماما بتحكيلي قصص وبتعلمني الصلاة.
أنا كنت صغير لسه وبصلي عشان بس هي تكون مبسوطة.
كنت ساعتها لسه مش بعرف حتى أتكلم أو.
لما كنت بروح المدرسة وأغيب عنها كنت برجع ألاقيها واقفة مستنياني بره، أول ما تشوفني تجري عليا وتاخدني في حضنها وتقولي إني وحشتها في الكام ساعة دول ومكنتش قادرة أقعد من غيري.
مقدرتش تقعد كام ساعة من غيري بس قدرت تقعد عمر كامل من غيري."
"ربنا يرحمها يا زين، من كلامها عنك أكيد فيه حاجة كبيرة أوي خلتها تعمل كدا، لو هتفكر بعقلك مفيش أم ممكن تسيب ابنها بالساهل كدا."
"أنا سمعتها يا حور... سمعتها بودني وهي بتقول لبابا إنها مش عايزاه ومش عايزة تعيش معانا، يومها أنا فضلت أعيط وأتحايل عليها إنها متسبنيش، لكن سابتني."
"أنا متأكدة إن فيه حاجة حصلت أجبرتها تعمل كدا، حامد ده هو اللي عنده رد على كل الأسئلة اللي في دماغك."
"اختفى، قلبت عليه الدنيا هو وياسر ملقتش ليهم أثر ولسه بدور."
أمسكت حور يده ثم نظرت للسماء مرة أخرى وهي تردف:
"ادعي ربنا يا ليث، سبحانه وتعالى قادر إنه يجمعك بيه مرة تانية... وحالياً يلا عشان تسمع الورد بتاعك متهربش، أنا جهزت العصاية على فكرة."
كانت روان جالسة بحجرتها حتى سمعت صوت طرقات على الباب ثم دلفت ياسمين.
"الهانم اللي مبتردش عليا ولا عارفة حتى أكلمها؟"
أقتربت منها ياسمين وهي تحضنها بقوة.
"أنا زعلانة منك يا روان، هان عليكي الأسبوعين دول تبعديني عنا كدا؟ وكل ما أجيلك مرات عمي تقول لي إنك نايمة، أرن عليكي تلفونك مغلق."
"حقك عليا يا ياسمين، كنت محتاجة أفضل لوحدي شوية."
"واديكي فضلتِ لوحدك أهو، بس مش ناوية توافقي بقى."
"ياسمين لو سمحتي متفتحيش معايا الموضوع، لأنه انتهى بالنسبة لي."
"هتفضلي منشفة راسك كدا كتير؟"
"لأ بس هو دا قراري النهائي واتمنى الموضوع يتقفل على كدا."
صمتت ياسمين بحزن ولم تجب.
"ياسمين هو لو حد آذاني؛ وبعدين طلب مني أسأمه.. بس أنا غصب عني مش قادرة... أنا كدا عليا ذنب؟.."
"لا مش عليكِ ذنب وده حقك وهتاخديه منه يوم القيامة.
تعرفي إنك لو قولتي لشخص "الله لا يسامحك لأنك آذيتني" وحسبي الله ونعم الوكيل.
فتأكدي إنك حتى لو كان بيصلي ليل ونهار وكان بينه وبين الجنة خطوة مش هيخشها.
هيقول لك رب العالمين "لن تدخل الجنة حتى يسامحك من ظلمته، أو تسببت بآذيته".. بس عايزة أقول لك نقطة مهمة.... إحنا مش ملايكة يا روان كلنا بنغلط واكيد غلطنا في حق ناس كتير أوي من غير ما ناخد بالنا، لأنه حتى الطرف الشرير لو اتكلم هتلاقي هو المظلوم بالنسبة له.
الشيطان ما يعرفش إنه شيطان وكذلك إحنا، دايما شايفين إننا المظلومين، عمرنا ما فكرنا في مرة إننا ممكن نكون إحنا الظالمين؟ إحنا اللي أذينا؟
لازم نسامح عشان ربنا يسامحنا وكمان نلاقي اللي يسامحنا.
ولازم نحذر إحنا كمان من إننا نكون ظالمين.
فاللهم إنا نعوذ بك أن نكون من الظالمين."
"معاكِ يا ياسمين، أكيد أنا كمان ظلمت ناس كتير من غير ما أعرف وعشان كدا مسامحة لعلى ربنا يسامحني."
"كان فيه أربع شباب أصحاب جدا والاربعه بيحبوا بعض ومستعدين كل واحد يفدي روحه للتاني.
بس كان عندهم مشكلة كبيرة إنهم مكانوش ملتزمين.
كانوا شباب عاصين ربنا وبيعملوا كل حاجة تخطر على بالكم تغضب ربنا.
بنات وبيكلموا كبريهات وبيحضروا اغاني وبيسمعوها.
عاقين لأهلهم يعني مفيش ذنب كان بييجي على بالهم إلا ويعملوه.
كان فيه منهم شاب أهله ملتزمين لكن هو وسط صحبة سيئة فكان زيهم رغم إن ضميره كان دايما بيأنبه وبيقوله إن كل اللي إنت فيه ده غلط.
لكن صحابه مكنوش مدينين ليه فرصة إنه يسمع صوت ضميره لما كان يقولهم إن اللي بيعملوه ده غلط كانوا يردوا ويقولوا إن لسه شباب والمفروض يعيشوا حياتهم ولما يكبروا هيتوبوا.
لحد ما ف مرة قرروا إنهم يجيبوا بنات في شقة واحد صاحبهم اللي أهله سافروا.
لما صاحبنا ده حاول إنه يمنعهم خانقوا معاه وقالوله إن دي فرصة وجات لنا ولما إنت مش عايز خلاص ما تمشيش معانا وطبعًا عشان هو بيحبهم وافق (فضل حبهم على طاعة ربنا ولله المثل الأعلى).
المهم وهم ماشيين بالعربية ومشغلين طبعًا أغاني ومعاهم الخمرة ورايحين الشقة اللي فيها البنات.
فجأة لقوا كساحة قطعت عليهم الطريق.
لما اللي سايق العربية جه يدوس فرامل لقى العربية مفهاش فرامل.
وهوب الكساحة دخلت فيهم!!
لحظة صمت كدا.
الكساحة دخلت فيهم وفرمت العربية!!
اللي الشباب كانوا مشغلين أغاني وفي طريقهم لأنهم يزنوا!
إنتوا مستوعبين المصيبة اللي هما فيها.
ملك الموت مستناش لما يتوبوا.
ملك الموت خد روحهم فجأة وهم مش عاملين حسابهم.
وهم ميتين على معصية ورايحين يعملوا معصية أكبر!
متخيلين حجم الكارثة اللي هما بقى فيها.
الإسعاف والشرطة جات.
العربية مدغدغة واللي فيها كلهم ميتين.
بس لو ركزنا كدا هنلاقي أخونا اللي كان بيحاول يمنعهم مرمي على الأرض بعيد عن العربية وجسمه فيه جروح.
لما قربوا منه لقيوا لسه فيه نفس.
خدوه وجروا على المستشفى دا الوحيد اللي طلع عايش فيهم.
طلع عنده نزيف على المخ ودخل في غيبوبة وفضل فترة فيها.
واخواتنا اللي كانوا معاه في العربية اندفنوا💔.
بعد ما عدى حوالي شهر صاحبنا بدأ يفوق لما افتكر كل حاجة دخلت في حالة هستيريا وهو مش مصدق نفسه صحابه وعشرة عمره ماتوا.
ماتوا وهم بيعصوا ربنا.
وكان هيموت معاهم لولا إنه في اللحظة الأخيرة نط من العربية.
كان زمانه دلوقتي بيتحاسب.
كان هيخسر آخرته بسبب شهواته وصحبة السوء اللي كان ماشي معاهم.
فضل فترة كبيرة وهو نفسيته صعبة ومش بيتكلم مع حد.
أول حاجة قالها لما اتكلم إنه عايز يروح المسجد.
لما قالوله إن صحته متسمحش صمم إنه يروح.
وبالفعل شالوه وراحوا بيه المسجد.
أول حاجة عملها سجد على الأرض وفضل يبكي.
يبكي بكاء يقطع قلب أي حد يسمعه.
فضل نص ساعة كاملة ساجد وهو بيبكي وبيشكر ربنا.
بيحمده إنه أطال في عمره وبيدعيه إنه يرحم صحابه.
مرضيش يخرج من المسجد قضى اليوم كله هناك وهو بيحمد ربنا بس.
هو مش عارف يوفي حق ربنا إزاي.
ولا يقوله إيه واقف مكسوف من ربنا.
رغم كل الذنوب اللي عملها دي ربنا اختاره من بين صحابه.
ومد في عمره عشان يتوب.
أول حاجة عملها إنه واظب على الصلاة والقرآن وأغلب يومه بيقضيه في المسجد وهو مش عارف يوفي حق ربنا إزاي.
بدأ يطلع صدقات على روح صحابه.
بدأ يحفظ القرآن وختمه بسرعة رهيبة مكنش حد مصدق.
كان مخلي وقته كله لربنا.
بدأ يحضر دروس دينية والتحق بمعهد علوم شرعية.
فضل حوالي سنتين كاملين على كدا.
لحد ما ف مرة لقي مجموعة شباب خارجين في سبيل الله وقرر يخرج معاهم.
فضل شهر كامل معاهم وهنا عرف طعم الصحبة الصالحة.
كانوا بيعينوا بعض على طاعة ربنا وكمان بيعملوا مسابقات على مين أكتر حد عمل كذا.
كان مبسوط معاهم وهو بيبكي ويتفكر لو كان صحابه معاه دلوقتي.
لما رجع قرر يكون إمام مسجد القرية اللي هو قاعد فيها.
ربنا كرمه واتجوز ب بنت عفيفة كدا ومنتقبة بتحفظ الأطفال قرآن.
ربنا مأردلوش إنه يخلف وعانى كتير ولف على دكاترة كتير وبرضو مفيش سبب لمنع الخلفه وبعد سنين كتيرة من الحرمان ربنا رزقه ب أول مولود له.
قرر إنه يطلع هو وزوجته عمرة.
لما طلعوا وهم بيطوفوا حوالين الكعبة هناك زوجته توفاه الله.
رغم إنها مكنتش مريضة.
كانت دايما تقوله أنا أمنية حياتي إني أموت وأنا بطوف حوالين الكعبة.
وربنا حقق لها أمنيتها.
رغم إنه كان متعلق بيها جدا وحزن عليها حزن شديد.
إلا إنه كان فرحان ليها جدا عشان ماتت وهي على حسن ختام ماتت زي ما كانت بتتمني.
قرر إنه متجوزش تاني وهيستناها في الجنة.
كانت ونعمة الزوجة ليه.
ربي ابنه حسن تربية وأفنى حياته في تربية ابنه وفي الدعوة في سبيل الله.
وأول ما ربنا كرمه بني مسجد.
بناه صدقة جارية على روح صحابه.
وبني مدرسة قرآن زي ما زوجته كان نفسها فيها.
وسماها ب اسمها وخلاها صدقة جارية ليها.
لحد ما كان في مرة بيصلي بالناس في رمضان.
وساعتها طول في السجود.
لدرجة إن الناس قلقت.
لما راحوا شافوه لقوه مات!
إنتوا متخيلين مات على إيه؟ مات في المسجد وهو ساجد في رمضان وهو صايم.
وبيصلي بالناس.
متخيلين فيه أحسن من دي موتة؟
شوفوا الأول لو كان مات في الحادثة كان مات على إيه.
ودلوقتي ربنا توفاه على إيه.. فوقوا إنتوا كمان لنفسكم قبل فوات الأوان."
كان زين طوال حديثه وهاتفه لم يصمت عن الرنين، حتى أخذ ليرد... ضغط على زر الرد حتى سمع صوت الطرف الآخر..... يخبره بشيء ما.
وقع الهاتف من يديه بصدمة.
يقسم بأن الموت أهون عليه من سماع هذا الخبر.
رواية وسولت لي نفسي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم روان الحاكم
وصل زين أخيراً إلى المنزل وهو يطرقه بشدة. لا يدري كيف وصل إلى هنا في هذه المدة القصيرة. لقد كاد أن يفتعل أكثر من حادث في الطريق، فكان يسوق بسرعة جنونية. لقد أوشك قلبه على التوقف.
فتحت له والدته الباب.
"تعالى يا زين، ادخل. عامل ا... مالك يا زين؟ عينيك حمرا ليه كدا؟ فيه إيه؟"
لم يُجبها زين ودخل وهو يلتقط أنفاسه بعنف.
في الداخل كانت تجلس روان وياسمين. مجرد أن سمعا صوت الطرق الشديد انتفضا من مكانهما.
"فيه إيه؟ مين اللي بيخبط كدا؟"
خرجت روان بإعياء لترى من. تصنمت مكانها حينما طالعت زين بهيئته تلك. كانت حالته يُرثى لها، عيناه حمراء بشدة ووجهه يُحاكي الموتى.
إرتعبت روان من هيئته.
"زين.. خير.. فيه حاجة؟"
تحدثت بتوتر. هل علم زين بالأمر الذي تُخفيه؟
إقترب منها الأخير وهو ينظر لها.
خطى تجاهها بخطوات ثابته حتى تحدث.
"رفضتيني ليه يا روان؟"
سألها بجمود وملامح وجه لا تبشر بالخير. كانت نبرته أشبه بالصراخ، ليست نبرته الحنونة. بينما هي لا تعلم ماذا تُجيبه، تشعر بنهايتها قد إقتربت.
"من.. منا قو... قولتلك.. السبب."
خرجت كلماتها مرتجفة فكانت تتحدث بتلعثم.
إنتفض جسدها حين صرخ بها زين.
"إنتِ كداابة.. رفضتيني عشان طلع عندك كانسر."
صرخ زين بها. صمت المكان، لم يستوعب أحد حديثه، لم ينطق أحد، فقد ألجمت الصدمة ألسنتهم.
أول من فاقت من صدمتها كانت ياسمين وهي تقترب منهم ببطء.
"زين إنت بتهزر صح.... روان بخير مفهاش حاجة."
تحدثت بصوتٍ متحجر.
لم تنظر لهم هي، تساقطت دموعها بحرقة.
إقتربت منه والدتها وهي مازالت لم تستوعب بعد.
"بنتي بخير يا زين صح، بلاش الهزار البايخ دا يا زين."
سألته وهي تحاول تصديق الأمر. حتى بدأت بالصراخ.
"إنت بتكدب عليا يا زين، حرام عليك."
جلست أرضاً وهي تبكي وتصرخ، حتى كاد صوتها أن يتوقف.
كانت روان تقف جامدة كالحجر.
إقتربت ياسمين من روان وهي تهزها بعنف.
"إنتِ ساكتة ليه يا رُواااان، قولي إن هو بيكدب.. انطقي يا روان قولييي."
"لا مبيكدبش يا يااسمين مبيكدبش... أنا عندي.. عندي كانسر في المخ."
أجابته ببكاء فقد فاق الأمر قدرتها.
تحدث زين.
"ليه ازاااي تخبي عني حاجة زي دي.. عايزة تبعديني عنك!!"
لم تنطق، ظلت صامتة مكانها.
إزداد صراخ والدتها حتى كانت على وشك فقد أنفاسها من شدة النحيب.
إقتربت منها ياسمين وهي تعطي لها كوب الماء.
تركتهم روان ثم دلفت حجرتها. لم تعد تحتمل، ها قد كُشف أمرها.
لحق بها زين وهو يردف، ولكن كانت نبرته حنونة تلك المرة.
"عملتي كدا ليه يا روان.. رفضتيني عشان كدا بدل ما كانت المفروض أول واحد أكون عارف عشان أساعدك."
"هتساعدني تعملي إيه، مش عايزة شفقتكم ولا أكون حمل على حد... كلها أيام وهن..."
أمسكها زين من أكتافها وهو يتحدث بجنون.
"أوعي تكمليها يا روان... مسمعش سيرة الموت على لسانك، هتتعالجي وهتخفي وهكون معاكي ومش هسيبك."
إبتعدت عنه وهي تنزع يده.
"مش هتعالج ومش هخف.. هو.. هو قال إن حالتي متدهورة.. و.. و حتى العلاج. م.. ممكن ميجبش نتيجة."
"لا هتخفي وهترجعي أحسن من الأول، هنروح أحسن أحسن الدكاترة حتى لو هنسافر بره."
"مش هتعاااالج يا زين ابعد عني وملكش دعوة بيا.."
"حتى لو قولتلك اتعالجي عشاني!! لو جرالك حاجة أنا هموت وراكي يا روان، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانك، متق تلينيش معايا."
صمت يأخذ أنفاسه.
"هنكتب كتابنا أول حاجة عشان أقدر أكون معاكي بدون ذنب."
صمت روان ثم ضحكت بألم.
"هتتجوز واحدة مريضة... فاضلها أيام وتودع الحياة؟"
"حتى لو باقيلك يوم واحد... هعيشه معاكي."
"عشان خاطري يا زين سبني أنا مش عايزة اتعالج، والله ماهقدر أتحمل وجع الكيماوي... أنا.. أنا لما بيجيلي شوية برد مببقاش قادرة أتحمل... عايزاني أستحمل الكيماوي؟"
"هتتحملي عشاني وعشانك، مش هسيبك يا روان مش هسيبك، هنعدي الفترة دي سوا وهتقدري، هتخفي وتكوني كويسة."
تحدثت هذه المرة بهستيريا.
"لا يا زين مش هقدر لا... و.. و كمان.. ش. شعري هيوقع.. وهيبقى شكلي وحش.. أنا مش هقدر لا وكدا كدا هموت... أنا بس مكنش عايزة أموت دلوقتي.. ف. فيه حاجات كتير لسه معملتهاش يا زين، مش عايزة أقابل ربنا كدا."
جلست أرضاً تبكي بانهيار.
تساقطت دموع زين هو الآخر. جثى على ركبتيه يبكي كطفل صغير فقد والدته. الأمر يفوق تحمله. كان سيهم ليحتضنها ولكنه تراجع عن الفكرة.
"لا لا مش هيحصلك حاجة، هتخفي وهتكوني بخير."
يطمئنها وهو يريد لمن يطمئنه هو. لا لا يجب أن يضعف الآن، يجب أن يكون قوياً لكي يتخطوا تلك الفترة العصبية.
"قاومي ياروان، دا إبتلاء من ربنا عشان يختبر توبتك. ربنا لما بيحب حد بيبتليه، كل ما الابتلاء بيكون كبير كل ما بيكون في ميزان حسناتك.. ربنا بيبتلينا عشان يغفر لنا ذنوبنا اللي كنا بنعملها، ولو سيئاتنا خلصت ربنا بيبدأ يرفعنا درجة من درجاته لحد ما نوصل للفردوس الأعلى."
صمت يأخذ أنفاسه وهو يرى تأثير حديثه عليها. توقفت هي عن البكاء وبدأت تستمع له. تابع زين حديثه بتشجيع.
"تسمعي عن مثال يا صبر أيوب!! أي حكاية بقي سيدنا أيوب؟ سيدنا أيوب كان عبد صالح ربنا رزقه بكل حاجة أي حد يتمناها، كان عنده أولاد كتير أوي ومال وخير كتير وزوجة صالحة ومطيعة. كان عنده كل حاجة أي حد يتمناها لدرجة الناس كانت بتقول دا أيوب بيعبد ربه عشان ربنا مديله كل حاجة. تخيلي ربنا ابتلاه في كل حاجة كانت عنده. ربنا ابتلاه بمرض لا حد قبله ولا حد بعده ابتلى بيه لدرجة جلد جسمه كان بيقع من كتر اللي كان فيه ومكنش فيه ولا عضو سليم غير لسانه وقلبه عشان يذكر ربه. وبعدها أولاده كلهم توفاهم الله شيئاً فشيئاً. وبعدها أمواله وبيته وكل حاجة اتهلكت وراحت. والناس طردوه من القرية هو وزوجته. تخيلي رغم كل دا كان قادر إنه يدعي ربنا لو كان عارف إنه لو دعا ربنا كان هيشفيه. لما زوجته قالت له يا أيوب ادعي ربنا قال لها: اللي شفاني سبعين سنة مش قادر أصبر سبعين يوم. متخيلة الصبر اللي كان فيه؟ زوجته كانت صالحة كانت بتشتغل في البيوت عشان تطعمه. وبعدين الناس خافوا إنه يكون مرض زوجها معدي فطردوها. راحت قصت ضفيرة شعرها وباعتها. لما سيدنا أيوب عرف هنا دعا ربه أنه يشفيه.
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
الماء بدأ يتدفق من تحت قدمه وماء غسل جسمه كله منه وبعدها شرب من الماء وربنا الـ... شفاه بل ورد صحته ورجع شاب من ثاني. لما زوجته رجعت وشافته معرفتوش. وربنا رد لزوجته صحتها ورجعت شابة من تاني. وبعدها ربنا رزقه بالأولاد مثل أولاده وكثير ورزقه المال وكل حاجة كانت عنده. دي أكتر حاجة توريك إن بعد العسر يسر. ربنا ابتلاه يختبره وهو صبر ونجح في الاختبار. الأنبياء كانوا أشد الناس ابتلاءً. ربنا أرحم بيكي من أي حد. اصبري واحتسبي كل اللي إنتِ فيه دا عند ربنا وخليكي صبورة. الجنة جميلة أوي صدقيني ربنا بيحبك عشان كدا ابتلاكي يرفع درجة من درجاته. إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه. مش نفسك تبقي جيران الرسول والصحابة في الجنة اللي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. طب شوفي هم تعبوا قد إيه وشافوا إيه في حياتهم؟ الجنة جميلة أوي وتستاهل والله إننا نتعب ونستحمل عشانها. بلاش تخلي الشيطان يوسوس لك ليه بدل ما تفكري بشكل سلبي فكري في ابتلاءات الأنبياء والصحابة واقرأي مسيرتهم وشوفي واتعلمي من صبرهم."
لقد كانت حاجة إلى حديثه الطيب لكي يصبرها على هذا الابتلاء. وقفت روان وهي تمسح دموعها.
"هقاوم ومش هيأس.. أنا كنت خايفة يكون ربنا ابتّلاني عشان كنت بعمل ذنوب كتير.. لو المرض هيكون شفيع ليا يوم القيامة ف.. أنا راضية بيه."
طالعها زين بدموع وهو يبتسم لها بتشجيع.
"وأنا هفضل معاكي ومش هسيبك وواثق إنك قد الخطوة دي."
أخذت نفساً عميقاً ثم خرجت لهم. كانت والدتها مازالت تبكي وياسمين تحاول مواساتها على الرغم من بكائها هي الأخرى. إقتربت منها روان ثم احتضنتها.
"اهدي يا ماما عشان خاطري، والله أنا خبيت عنك عشان متزعليش.. صدقيني هكون كويسة وبخير."
دخل عمر وهو ينادي بإسمها.
"رروني.. بت يا روان تعالي شوفي جبت لك إيه... عشان تفكي كدا وتبكي زعل على دكر البط بتا..."
قطع عمر حديثه وهو يجد الجميع بهيئتهم تلك. ترك عمر ما في يده وهو يقترب منها بلهفة.
"فيه إيه، إيه اللي حصل مالكم؟"
لم يجب عليه أحد، مما زاد قلقه. الجميع يعلم تعلق عمر بها هو الآخر ولا أحد يتوقع رد فعله. عاد سؤاله مجدداً بغضب.
"قولوا لي فيه إيه، حد حصله حاجة؟"
مجدداً لم يجبه أحد حتى جن جنونه.
"هتفضلوا ساااكتين... حد يرد علياا."
"رو.. روان.. ع.. طلع عندها كانسر."
"حمايا العزيز قاعد لوحده زعلان ليه."
تقدمت منه حور ثم قبلت يديه برضا. ابتسم لها الأخير ثم قبل رأسها.
"أنا مش قولت لك يا أخ محمود ملكش دعوة بمراتي، ابعد عنها يا عم... وإنتِ ياهانم مش أنا محظرك متحضنيش حد؟"
تحدث ليث وهو يشدها من أحضان أبيه بغيرة.
"دا أبوك؟"
"مش مبرر.. القانون بيمشي على الكل."
ضحك والده عليها ثم عليها. حين غلفه جذب حور منه وأحتضنها مرة أخرى.
"لا بقى كدا كتير... قومي يا حور."
غضب ليث هذه المرة وقد ارتفع نبرة صوته.
"لييث، متعليش صوتك عليها وأنا موجود والا مش هخليها تقعد معاك خالص أصلاً."
لم يجب عليه ليث ثم تركهم ودلف للداخل.
وجهت حور بصرها لوالده وهي تردف.
"إبنك دا يا حاج؟"
سألته بمزاح وهي غاضبة من ليث.
"ولا أعرفه."
أجابها الأخير ببساطة مما جعلها تضحك. أكمل حديثه.
"متزعليش من طريقتة، ليث بيغير من صغره ومكنش بيحب حد يقرب من حاجته."
تفهمت حور حديثه وأومأت له برأسها.
"حاضر، عن إذنك هدخل أشوفه."
"روحي يا بنتي.. ربنا يهدي سركم."
دخلت حور لها الغرفة وهي تقترب منه.
"جرا إيه يا عم الغيور... أنا آسفة."
نظر لها ليث مطولاً. هل هي اعتذرت منه؟ ظن بأنها سوف تكون غاضبة منه.
"أنا اللي آسف... حقيقي مش عايز أكون شخص متحكم وأخنقك، لكن فعلاً يا حور مش بتحكم في غيرتي عارف إنها حاجة وحشة..."
قاطعت حور حديثه وهي تجيبه.
"مين قال إنها حاجة وحشة؟ الصحابة كانوا أشد الناس غيرة على زوجاتهم، عندك سيدنا عثمان كان شديد الغيرة جداً، لما كانوا في سكرات الموت بعد ما طُعن بالسيف انكشف خمار زوجته أمام الرجال... تخيل واحد بيموت يسيب كل اللي هو فيه دا ويقول لزوجته " شدي خِمارك.. والله لإنكشافك أشد مما أنا عليه الآن" متخيل غيرته وصلت لفين على زوجته؟ سيدنا علي بن أبي طالب كان شديد الغيرة على زوجته إذا أنه كان يقول لفاطمة رضي الله عنها: ” ما خير للمرأة؟ قالتْ: ألاَّ ترى الرجال ولا يروها”، وكان سيدنا علي يقول للرجال الذين فقدوا غيرتهم على نسائهم: ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟، يترك أحدُكم امرأته تخرج بين الرجال، تنظر إليهم وينظرون إليها”، وقال أيضاً: “بلغَني أنَّ نساءَكم يُزَاحِمْنَ العلوج في الأسواق، أما تغارون؟! إنه لا خيرَ فيمَن لا يَغار”.
من المواقف الجميلة لسيدنا علي بن أبي طالب مع زوجته فاطمة أنه في يوم من الأيام دخل على زوجته فاطمة فوجدها تستاك ومعنى تستاك أي تستعمل السواك، فقال لها وهو يمزح وكأن السواك هو رجل يخاطبه:
ظَفِرْتَ يَا عُودَ الأَرَاكِ بِثَغْرِهَا.. مَا خِفْتَ يَا عُودَ الأَرَاكِ أَرَاكَ
لَوْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ قَتَلْتُكَ.. مَا فَازَ مِنِّي يَا سُوَاكُ سِوَاكَ
قصة عن الغيرة.
ومرة سيدنا محمد أمر الرجال أنهم مينفعوش زوجاتهم من الطلوع للمسجد، زوجة سيدنا عمر قالت له يا عمر إن نهيتي فلن أذهب... ساعتها هو مقدرش يمنعها رغم غيرته الشديدة جداً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فرأيت فيها قصراً من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فظننت أنه لي فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك يا أبا حفص، فبكى عمر، وقال: أما عليك في أغار."
"إنتِ نعمة في حياة أي حد يا حور لو واحدة غيرك كانت اتعصبت وخانقت وعملت مشكلة."
"مينفعش يا ليث نقف لبعض على الواحدة، لازم كل زوجين يتقبلوا بعض."
كان ليث سيهم للرد عليها ولكنه سمع طرق على الباب، تركها ثم ذهب ليرى من.
نظر ليث للواقف أمامه بصدمة وهو يردف.
"چون!!"
"أنا مسلم يا ليث أنا مسلم... لم أكن يوماً يهودياً."
كانت أول جملة ينطقها جون. ترك جون الحقيبة من يده ثم ركض تجاهه يحتضنه.
أحتضنه ليث بقوة وهو مازال لا يستوعب وجوده بعد.
"إزاي مكنتش يهودي وبقيت مسلم إزاي... چون إنت أسلمت عشان رغد!!"
"لم أفعل... لأنني مسلم منذ مولدي."
أجابه جون بفرحة عارمة مما جعل ليث يعقد حاجبيه.
"أما إزاي كنت عايش عمرك كله على إنك يهودي!!"
أردف ليث بتساؤل وهو مازال لم يفهم بعد.
"حين تركتكم وعدت للموطن، أردت البحث عن الدين الإسلامي، حسناً في البداية كان لأجل المحبوبة رغد، لكن أقسم لك بعدها أردت البحث لكي أعرف الصواب، شعور داخلي يخبرني بأنني لست يهودياً، عدت لعائلتي ومكثت معهم حتى علمت بأنني لست ابنهم، وهم فقط تبنوني."
"بس هما مينفعش يتبنوا طفل مسلم وهم مش مسلمين."
"لأن ليس هم من تبنوني، تبنتني امرأة جارتهم مسلمة لأنها كانت وحيدة، ولكنها توفت وأوصتهم قبل موتي بأخذي، ولكنهم أخفوا عليّ أمر ديانتي، وجعلوني واحداً منهم.. حزنت في البداية لأنهم ليس بعائلتي، وأنا على ديانة أخرى، لم أتقبل الأمر في البداية حتى ظللت أبحث عن الدين الإسلامي وأصبحت أحبه، كنت أعلم البعض من الدين الإسلامي منكم ولكن زاد تعلقي به حين تعمقت به أكثر، ثم نطقت الشهادة كي أجدد دخولي به."
"وأي سبب دخولك للدين الإسلامي وأي اللي خلاك تحبه وأنت طول عمرك عايش على أساس إنك يهودي؟"
"أريد الجنة يا ليث أريد الجنة يا صديقي، أريد أيضاً رؤية الرسول.. قرأت عنه الكثير حتى أصبحت متيم برؤيته.. بداخلي مشاعر عديدة يا ليث، ماذا لو قبض الله روحي حينها.. أنا سعيد جداً يا صديقي، سوف أنفق أموالي كلها للفقراء حمداً لله على رجوعي للإسلام."
إقترب منه ليث ثم ضمه مرة أخرى وهو سعيد لأجل صديقه.
"أنا فرحان جداً يا چون."
"أنا أيضاً سعيد جداً ليث، دعنا نتحدث في الأهم، لا أريد أحد أن يخبر رغد، سوف أذهب اليوم لخطبتها دون معرفتها بالأمر."
وافق زين ولم يعترض دام أن الأمر سوف يسعد كلاهما، وخصوصاً رغد التي تبدل حالها منذ سفر جون.
سعدت حور حينما علمت بالأمر وذهب لرغد دون إخبارها.
أما عن جون وليث نزلا سوياً لشراء بدلة ثمينة له لأجل خطبته، وقام بشراء الحلوى التي تحبها رغد. وقف أمام المرآة يهندم ملابسه، كان اليوم أسعد يوم بالنسبة له.
"هيا ليث، لم أعد أطيق صبراً، أريد الذهاب لها الآن ومعانقتها."
"ولا أتلم، مفيش الكلام دا غير بعد كتب الكتاب."
أردف ليث بغيرة أخوية، فرغد يعتبرها بمثابة أخته.
وعلى الطرف الآخر عند رغد، كانت تجلس حزينة بعض الشيء حتى وجدت من يطرق الباب، ذهبت لترى من حتى وجدتها حور، احتضنتها بفرحة.
"حورر أخيراً جيتي."
د خل ت حور وذهبت للاطمئنان على والداها أولاً ثم عادت لرغد مرة أخرى وهي تعطيها فستاناً.
"خدي البسي دا."
"إيه دا.. وجبتيه ليه وبمناسبة إيه وعشان إيه ألبسه."
"إيه كل الأسئلة دي البسيه وخلاص وبعدين هقولك ليه."
أصرت حور على رغد بارتداء ذلك الفستان، وبعد إصرار حور ارتدته وهي لا تعرف لماذا. كان جون هو من جلبه لها وأعطاه لحور لكي تجعل رغد ترتديه.
ارتدت رغد الفستان وظلت تدور حول نفسها، بدأت تتذكر جون.. تتخيل لو يراها بهذا الفستان ماذا ستكون رد فعله!!
" اللهم بارك جميل أوي يا رغد.. متخيلتش هيكون بالجمال دا."
"شكراً يا حور، مقلتليش برضو سببه إيه و.."
قطعت حديثها حين سمعت صوت يأتي من الخارج، نظرت من الشرفة حتى توسعت عيناها بصدمة. چون يقف أمامها وهو يرتدي بدلته ويمسك بيد علبة حلوى، واليد الأخرى يمسك بها باقة من الزهور والكثير من البلالين.
نظر لها ثم غمز بطرف عينيه وقال بجنون وصوت مرتفع.
"أنا مُسلم يا رغد.. أقسم أنني مسلم.. لم أكن يهودياً يوما."
"روان عندها كانسر."
كان زين أول من تحدث. صمت عمر ولم يُجبه. وقعت حقيبة الحلوى من يده.
لقد فقد القدرة على النطق. بالتأكيد يكذب.. كيف هذا.. روان مُصابة بهذا المرض اللعين؟؟
لم ينطق عمر وتركهم وذهب لغرفته وأغلق الباب.
لم يمر كثير حتى سمع الجميع صوت تحطيم كبير في الغرفة مما جعل الجميع ينتفض على أثره. ثم بعدها صوت صراخ عمر بشدة وهو يحطم كل شيء حوله.
قامت روان مسرعة وهي تطرق الباب وتناديه.
"عمر... عمر عشان خاطري متعملش في نفسك كداا بالله عليك.. صدقني والله هكون كويسة.."
لم يستمع لها وهو مازال يحطم كل شيء أمامه.
بكت روان معه وهي تشعر بالعجز.
"متعملش فيا كدا يا عمر عشان خاطري، دا بدل ما تكون أنت قوتي تضعف أنت بالشكل دا؟ والله هكون كويسة متخفش افتح يا عمررر متوجعش قلبي زيادة."
فتح لها أخيراً الباب، كانت عيناه حمراء بشدة.
جذبها لاحتضانه وهو يبكي بقوة ويشدد من أحضانه. كانت تبكي معه هي الأخرى.
"عارف إنه مش وقته... بس كفاية أحضان عشان كل دا هيطلعه على دماغك بعدين..."
ضحكت روان من بين شهقاتها وهي تبتعد عنه، بينما نظر له عمر ثم أردف وهو يمسح دموعه.
"دا لو وافقت عليك أصلاً.."
"كتب كتابي أنا وروان بكرة."
نظرت من الشرفة حتى توسعت عيناها بصدمة. چون يقف أمامها وهو يرتدي بدلته ويمسك بيد علبة حلوى، واليد الأخرى يمسك بها باقة من الزهور والكثير من البلالين الحمراء.
نظر لها ثم غمز بطرف عينيه وقال بجنون وصوت مرتفع.
"أنا مُسلم يا رغد.. أقسم أنني مسلم.. لم أكن يهودياً يوما."
وقع الخبر بصدمة عليها وهي تنظر له ومالزالت لم تستوعب وجوده أمامها بعد حتى استفاقت وهي تركض أسفل تجاه بسعادة.
إقترب چون وهو يهرول تجاهها أيضاً ومن سعادته لم ينتبه لتلك السيارة التي تسير تجاهه بسرعة شديدة.
مرت السيارة داهسة إياه أمام عينيها بقوة مما جعل جسده يطير بعيداً والدماء تفور منه.
صمت عم المكان... هل مات چون؟؟
تصنمت مكانها بعض الوقت، ثم أخذت تقترب منه بخطوات مترنحة، مشهد الدماء يُعاد لها من جديد.. في الأول أبوها وأمها... ثم باقي عائلها.
وأخرى أخيها.... وها هي تفقد آخر شخص لها.
أخذت تتذكر مزاحاته معها.
"إنت فتاة جميلة للغاية، لا بل أنت الأجمل على الإطلاق، أنتِ أجمل فتاة رأتها عيني."
ماذا، الست العروس.. هذا جيد.. أنتِ فتاة قبيحة ولا تروقي."
"لا بأس سوف أشتري المزيد من الحلوى المرة القادمة لكِ."
"تروقي لي وأنتِ شرسة هكذا."
"كيف لقبحك أن يكون بهذا الجمال يا رغد."
تذكرت آخر حديث له قبل أن يسافر.
"إعلمي أنك أجمل من رأيت يا رغد.."
جثت رغد على ركبتيها جواره وهي مازالت لا تستوعب ما حدث. بالتأكيد هي تحلم.
أتى ليث راكضاً نحوه.
أغمضت رغد عينيها وهي تتمنى أن لا تفتحهم مجدداً.
رواية وسولت لي نفسي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم روان الحاكم
إقترب ليث منه بفزع وهو يهزه بجنون، صديقه وأخيه على وشك أن يفقده.
"چوون اصحى ياچون.. ياقوم ياصاحبي لسه فاضل حاجات كتير هنعملها سوا."
أخذ يتصفحه فكانت الدماء تُغطي جميع أنحاء جسده.
بينما حور اخذت تحتضن رغد الجالسه جواره دون حراك.
لاحظت حور تحريك يد چون ببطء، نظرت له بصدمه.
"لييث ش.. شوف مامتش حرك ايده والله انا شوفته."
قالتها حور بفرحه مما جعل ليث يلتفت له وقد بدأ الامل يدب فى قلبه.
أخذ ليث هزه ودموعه تتساقط كطفل أوشك على فقد والدته.
تأكد من أنه مازال قلبه ينبض، لم ينتظر الاسعاف أن تأتي حتى حمله وذهب تجاه سيارته بأقصى سرعه، ومعه حور وهى تسند رغد.
وصلا الى المشفى بسرعه جنونيه.
نزل ليث من السياره وهو يحمله ويركض به للداخل.
"دكتوووور بسررعه."
صرخ بهم ليث حتى اتوا ليأخذوا منه ثم دخل العنايه المركزه حاله الطوارئ.
وقف الجميع ينتظره فى الخارج وهم يدعون له.
اتي والد ليث بخطوات مسرعه.
"لييث... ماله چون هو كويس!!" قالها بخوف شديد وكأن چون إبنه الذى أنجبه.
طالعه ليث بدموع وهو يردد.
"أدعيله يابابا... تعبان اوي."
أحتضنته والده فهو يعلم تعلق ليث به، وأيضا هو، الجميع يحبه بشده.
لقد كان چون برئ يُشبه الاطفال فى طيبته مزحاته اللطيفه.. رقه قلبه.
حاولت حور بث بعض الطمأنينة داخل قلب رغد وهي تلقى عليها بعض الكلمات لطمأنتها.
بينما رغد لم تكن معها من الأساس.
مشهده والدماء تغطي جسده وهو مُلقى ارضا لا تستطيع إخراجه من عقله.
لقد كان هول الفقد داخلها أكبر من أن تهدئه الكلمات.
هل كُتب عليها الفقد؟ كلما احبت شخص فقدته.
كان يجب عليها منذ البدايه أن تعلم بأنها لا يجب أن تتعلق بأحد.
لقد خسرت الجميع.
أمسكت حور المصحف واقتربت من ليث وهي تضع يدها على كتفه.
"أمسك يا ليث... اقرأله قرآن واستهدى بالله، إن شاء الله هيكون كويس."
أخذه منها بيد مرتجفه وهو يتحاشي النظر مع الجميع.
مر ساعتان وقد بدأ القلق ينهش قلبهم حتى خرج لهم الطبيب أخيرا.
هرول الجميع نحوه وتحدث محمود والد ليث أولا.
"طمنا يادكتور هو كويس؟"
نظر لهم الطبيب بحزن وهو يُجيبه.
"البقاء لله.. احنا عملنا اللي قدرنا عليه."
القى الطبيب كلماته فى وجوههم ثم رحل.
خرجت شهقه صغيره من فم حور وهي تضع يدها على فمها.
بينما ليث شعر وكأن الدنيا تدور من حوله.
هل فقد صديقه؟ بهذه السهوله.
قبل أن يفرح بها، أخذ يتذكر لحظاته معا ومزحاته، آخر لقاء بينهم وهو سعيد لأجل انه أصبح مسلم.
جلس محمود على اقرب كرسي له فقدماه لم تعد تحتملانه.
أما عن رغد، كأنها إنعزلت عن العالم، لقد شهدت وفاه كل من أحبتهم.
كانت فى كل مره تقاوم وتحاول تخطي الامر حتى اصبحت غير قادره.
موت آخر شخص لها جعلها تشعر بأن عائلتها توفوا مجددا.
لم تبكي حينها وتخرج ما داخلها.
ظلت تراكم الامر داخلها حتى لم تعد قادره.
بكت حور وهي تحاول أن تجعلها تستفيق.
"اصحي يارغد فوقي.. چون مات يارغد ماات.. عيطي او صرخي."
لم تستجب لها وظلت صامته وكأنها لم تسمعها.
حتى بدأت تضحك بهستريا اقلقت الجميع عليها.
"ههههههه.... ههههههه..ههههه... انا اللي غلطانه، كان لازم أعرف من الاول إن مينفعش احب حد، انا حاسه إني السبب فى موته عشان انا اى حد فى حياتي لازم يموته.. هو مكنش يستحق ياحور انا السبب.. انا السببببب."
هنا وظلت تصرخ وتبكي بشده وتتذكر كل شخص توفى، والاسوء أن جميع من فقدت كان أمام عينيها، اذا أصبحت على تمام الثقه بأنها السبب.
إقتربت حور وهى تحضتنها وتبكي، لا تدرى ماذا تفعل فهي تعلم مراره الفقد، فقد سبق لها بأن توفت والداتها واخيه.
تتساقطت دموع ليث بآلم، لقد رحل صديقه.
وقف أبيه بتعب وهو يردف.
"يلا عشان نجهز الدفن."
-----------
وقف الشيخ يقرأ دعاء الميت بعدما صلوا عليه.
يقف ليث ويشعر بأن قلبه سوف يتوقف من هول الموقف أمام القبر.
هل سيجلس رفيقه هنا وحده فى ظلمات القبر؟ ماذا عن سؤال الملكين وعذاب القبر، كيف لهذه الدنيا أن تكون صغيره هكذا، بلحظه فقط غادر الحياه.
كان يشعر بأن الموت بعيدا عنه ولا يفكر به مثلما نفعل أيضا، ولكن ها هي الحياه.
اقترب الرجال ليضعوا چون داخل القبر وهنا فزع ليث وحاول منعهم، صديقه يخشي الظلام ويخشى الجلوس وحده.
" لا لا مش هيدفن حتى بالليل.. ه..هو بيخاف من الضلمه.. خليها الصبح حتى."
تحدث ليث مترجيا إياهم فقد حل الظلام وهو سوف يكون وحده.
"القبر يابني مفهوش ليل ونهار، لو هو أعماله صالحه هتنور له قبره، ولو لقدر الله وحشه..."
صمت الرجل ولم يقوى على تكمله حديثه، ها هو أكثر سبب يستحق الحزن حقا.
أن لا يعمل العبد لهذا اليوم ويستعد له وكأنه غدا.
تم وضع چون داخل القبر، يشعر ليث بأن صديقه يناديه يترجاه الا يفعل به هذا.
هل هو ايضا سوف يأتي لهذا المكان، فالقبر مرعب حقا.
ها هم الجميع يرحلون ويبقى الميت وحده فقط، هاهي الدنيا التى نغضب الله من أجلها.. فانيه ورب الكون فانيه.
صرخت رغد صرخه أخرجت كل ما بداخلها من آلم ثم أغمضت عيناها، لم تعد ترغب بالحياه بعدما خسرت الجميع، سوف تلحق بهم.
شعرت بالسواد يحيط لها.
ما لبث حتى سمعت صوته الحنون ونور أمامها.
"هيا رغد أستيقظي.. انا هنا أمامك."
لم ترد رغد بفتح عيناها خشيه أن تعود للواقع ويرحل.
سوف تكتفي بصوته داخل عقلها، حتى تردد الصوت مره أخرى.
هنا فتحت عيناها حتى وجدته أمامها بهيئته التى رأته بها قبل الحادثه ونفس الملابس ولكنها غير ملطخه بالدماء.
لا تعلم هل هى تحلم أم أنها اصبحت تتوهم، كل ما يهم الان أنه أمامها.
انهضت من الفراش وهى تحتضنه بقوه حتى شعرت بأن أحد يجذبها.
تتشبث فى ملابسه أكثر، لا تريد لهذا الحلم أن ينتهي وتعود للواقع.
"ماتتلمي يابت وتبعدي عنه بقى."
كان هذا صوت ليث وهو يجذبها بقوه.
إبتعدت رغد وهى تنظر للجميع حولها بصدمه.
فچون يقف أمامها بهيئته قبل الحادثه وليس به شيء.
وحور ايضا وعمها محمد.
"كل هذا لأجل مفجأتك؟ لم أفاجئكِ بعد الان."
تحدث چون بضيق طفولي.
ظلت رغد تنظر لهم بصدمه وهى لا تفهم شيئا.
"ان.. انت ازاي كويس .. انا مش فاهمه حاجه، هو اى اللي حصل."
-----------
"كتب كتابي أنا وروان بكره."
أردف زين أمام الجميع عن موعد كتب كتابه.
صمت قليلا ثم تابع حديثه.
"وفرحنا هيكون بعد علاج روان لما تخف."
نظرت له روان بدموع.
"يازين بس..."
"من غير بس ياروان، لازم نكتب الكتاب عشان اعرف أكون معاكِ... هنقدر نتخطي الفتره دي سوا، دا إبتلاء من ربنا وانتِ أده."
إقترب منه عمر وهو يضع يده على كتفه.
"أنت هتاخد أغلى جوهره على قلبي عارف لو زعلتها."
تحدث عمر بمزاح وهو يضيق عيناه ممثلا الحده.
نزع زين يده وهو ينظر له مجيبا إياه.
"مجرد ما تبقى روان مراتي هخليها تقطع علاقتها بيك أصلا."
إبتسمت هي بهدوء من مزاحه.
إقتربت ياسمين تحتضنها بقوه وهي تقول.
"أخيرا هتبقى مرات اخوياا."
سرت قشعريره في جسدها.
هل ستصبح زوجته حقا غدا؟؟
تشعر بشعور غريب، لم تتخيل بأن غدا زين سيصبح زوجها.
إقتربت منها والداتها هي الاخرى بدموع.
أحتضنتها الاخيره وهي حزينه لأجل والدتها.
"متعيطيش ياماما... انا هكون بخير، دا إبتلاء من ربنا ولازم أكون قدها، كفايه عليا إنكم حواليا ودي نعمه في حد ذاتها."
فرح الجميع لأجل ثباتها.
لم يتصوروا بأن تكون روان بهذا الصبر وتحديداً زين.
"هطلع عشان أعرفهم بكره بخبر كتب الكتاب ونلحق نستعد... يلا يا ياسمين."
وقبل أن يخرج إقترب من روان وهو يهمس بجانب أذنها دون أن يسمعه أحد.
" فاضل يوم واحد كلها بكره... ساعات قليله وهتكوني....ح. لا.. لي."
نطق جملته الاخيره ببطء شديد.
ثم رحل وهو يبتسم.
يتخيل إحمرار وجهها من حديثه.
دلفت روان حجرتها وهي تتنفس براحه كبيره وخوف من القادم.
جلست على الفراش وهي تسند رأسها وتتذكر هذا اليوم.
والذي قلب حياتها رأسا على عقب.
كانت تقف تستعد لمقابله زين اليوم، هاهو أتى لخطبتها.
قاطعها رنين الهاتف.
إلتقطته لترى من...؟
فكان المركز الاشعه، تذكرت أمر تلك التحاليل التى طلبتها منها الطبيبه، أجابت مسرعه لتعلم نتيجه التحاليل.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... نتيجه التحاليل طلعت يافندم، والدكتوره طالبه حضورك."
دق قلبها بشده وهي تتخيل أسوء النتائج.
"ط.. طب.. هي نتيجه.. الت.. التحاليل كويسه...؟?"
سألتها بتوتر ونبره مرتجفه وهي تشعر بالخوف الشديد ولا تعلم مصدره.
"الدكتوره طالبه حضورك وهتعرفي النتيجه هناك."
"تمام.. انا جايه إن شاء الله.، جزاك الله خيرا."
أغلقت المكالمه معها وهي خائفه، كانت ستؤجل زياره الطبيبه ولكنها لم تستطع، قلبها يُخبرها بأن هناك خطب ما.
خرجت بعدما ارتدت الباقي من ثيابها دون إخبار والدتها كي لا تقلقها، معلله بأنها ستذهب مسرعه ثم تعود دون أن يُلاحظ أحد.
مسكينه لا تعلم ما ينتظرها.
وقفت تنتظر سياره لكي تقوم بإيصالها، أخذت تستغفر إلى أن أتت.
ركبت السياره قاصده مركز الطبيبه، تابعت تسبيحها.
"ماما ماما شوفى.. أشجار.. وك.. وكمان فيه عصافير.
وبصى ياماما كمان دا فيه عربيات كتير، الحقي ياماما دي العربيات بتمشي."
إلتفت جميع الركاب إلى مصدر الصوت.
كان لولد في التاسعه من عمره.
ضحك الجميع عليه بسخريه، نظرت والدته بخجل ثم أردفت.
"معلش... اصله مكنش بيشوف ولسه عامل عمليه وفتح... عشان كان مستغرب."
حاولت والدته تبرير موقف طفله كي لا يسخر عليه أحد، فالجميع يسيء الظن بمن يراه ولا يعلم حقيقة من أمامه.
إبتسمت له روان وكم سعدت بشده لأجله ثم طالعته وهي تردف.
"أنت جميل اووي... وانا فرحانه عشان، مُبارك ليك يا بطل."
ضحك لها وهو يشكرها، توقفت السياره ونزلت هي.
مشيت قليلا حتى وصلت، دخلت إلى العياده.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... لو سمحتِ أنا ليا ميعاد مع الدكتوره."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته إسمك اى."
"إسمي... روان."
أجابتها روان بتوتر وهي تفرك في يدها.
طالعت الفتاه الكشف أمامها وهي تُجيبها.
"أول... اتفضلي استريحي نص ساعه وهتدخلي."
"كتير اووي النص ساعه انا مستعجله."
"آسفه يافندم بس الدكتوره عندها حاله جوه."
تأففت روان بضيق.
سوف تضطر للإنتظار نص ساعه كامله هي هكذا سوف تتأخر وأيضا أكثر ما يُغضبها هو الانتظار.
"تمام شكرا ليكي."
تركتها ثم ذهبت لتجلس على مقعد ما.
وهي تشعر بالضيق الشديد ولم تطق صبرا لمعرفة نتيجه التحاليل.
أمسكت هاتفها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي حتي توقفت عند منشور ما "اقضى على فراغك بالقران."
يالله كيف فاتتها تلك.
أمسكت حقيبتها لتخرج المصحف ولكنها لم تجده.
تذكرت بأنها نسيته في المنزل لأنها خرجت على عجاله.
حسنا لا بأس سوف تقرأ من الهاتف.
قد قامت بتحميل تطبيقي "أنا مسلم"،" والطريق إلى الجنة" وكلاهما يحتي على القرآن وايضا قصص الصحابه والانبياء.
فتحت واحدا منهما وأخذت تقرأ بخشوع حتى مر ما يزيد عن النص ساعه دون أن تشعر.
إن لم تكن تقرأ لكانت اشتعلت غضبا من كثرة الانتظار ولكنها لم تشعر بالوقت وهي مندمجه في القراءة.
"آنسه روان... ميعاد حضرتك جه، الدكتوره بإنتظارك جوه."
توقفت عن القراءة وقلبها ينبض بشده، عاد لها الشعور بالقلق مرة أخرى ولكنها تحاول طمأنة ذاتها.
"بس اهديي اهدي مش هيكون فيكي غير كل خير.. ايوه هبقى كويسه."
أخذت تردد هذا الكلام داخلها حتى دخلت عن الطبيبه، طرقت الباب فسمحت لها الاخيره بالدخول.
"تعالي يا روان اقعدي استريحي."
حدثتها الطبيبه بلطف شديد، جلست وهى تشكرها.
طالعتها الطبيبة قليلا ثم أردفت بهدوء.
"أنتِ جايه لوحدك! .. مفيش حد معاكِ؟?"
سألتها الطبيبة مباشرة، إبتلعت روان ريقها بخوف وقد تسرب لها القلق أكثر.
"لأ... محبتش أقلق حد معايا."
أجابتها بصدق، بينما صمتت الطبيبة ولا تدرى ماذا تفعل، لا يجب أن تخبرها خبر هكذا وهي وحدها.
ولكنها أيضا لا تستطيع إخفاء الأمر عليها.
"شكلك ملتزمه.. وأكيد بترضى بقضاء الله وعارفه إن كل شيء بيحصل خير لينا."
هنا وقد تأكدت من جميع شكوكها، شحب وجهها وتسارعت دقات قلبها.
صمتت قليلا ثم أجابت بنبره مرتجفه.
"ااك.. أكيد يا د.. دكتوره."
"إنتِ عندك ورم على المخ."
لم تجد الطبيبة مفر من أن تخبرها، وقع الخبر عليها كالصاعقة على الرغم من أنها كانت قد تنبأت بالأمر، ولكنها كانت تحتاج ليكذب لها الخبر.
هل قالت الطبيبة بأنها مصابة بالكانسر؟؟ هذا المرض اللعين الذي لم يُشفى منه أحد؟ بالطبع تمزح معها.
"حضرتك بتقولى اى.. أكيد فيه حاجه غلط، راجعي بس التحاليل تاني من فضلك."
حاولت التماسك وتحدثت وهي تعطي لنفسها بصيص من الأمل لكن انقطع داخلها حين اتى رد الطبيبة لها.
"للاسف ياروان... التحاليل صحيحه."
أكدت لها الطبيبة الأمر وهي تُعطيها نتيجه التحاليل.
أمسكت روان التحاليل بيد مرتجفه ودموعها تتساقط، طالعت التحاليل فكانت النتيجه إيجابيه.
"متزعليش أكيد خير وهنقدر نلح..."
قاطعتها روان وهي تقوم بغضب وتُلقى التحاليل ارضا.
"كدب... التحاليل دي كدب وانا مش مصدقه انا كويسه مفياش حاجه."
خرجت مسرعة دون سماع نداء الطبيبة لها، ترفض تصديق الأمر هي مصابة بهذا المرض اللعين الذي لم ينجو منه أحد، ومن تعابير وجه الطبيبة إستشفت بأنها في مراحل متأخره منه.
هل ستموت بكل تلك البساطة؟ يوجد أشياء كثيره لم تفعلها ولم تحققها بعد، لم تتزوج ولم تنجب الأطفال.
ستموت دون أن تكون أم، والاحرى لم تلتزم بشكل كافٍ.
توقفت عن تلك النقطة.
منذ أن بدأت في طريق الهدايه وهى أصبحت دائما في ابتلاءات، لم يحدث معها كل هذه حينما كانت بعيده عن الله.
كانت تظن بأنها حين تلتزم سوف تستقيم حياتها وستصبح سعيده أكثر مثلما ترى الملتزمين.
اذا ما سبب الذي يحدث معها اليس المفترض العكس، هي التزمت وتقربت من الله ما كل تلك الابتلاءات.
لقد نسيت كل ما تعلمته من صبر.
نسيت بأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه ليطهره من ذنوبه، الله يريد لها الجنة لذا يبتليها.
وسوس لها شيطانها وسولت لها نفسها بأن كل الذي تعاني الان بسبب التزامها.
حسنا، لقد اتخذت قرارها ولن تتراجع فيه، سوف تعود لكل ما كانت عليه في حياتها السابقة، وسوف تخلع هذا النقاب الذي لم يجلب لها سوى الابتلاءات لعلها تستريح قليلا.
شعرت بالدوار يعصف بها وصداع شديد كاد بأن يفتك رأسها وكان أول كلمة تخرج من فمها "ياااارب."
تحدثت وهي تضع يدها على رأسها.
لحظه هل قالت يارب!! هل لجأت إلى الله؟ هي تعلم بأنه الوحيد القادر على شفائها ولكن صدمتها من معرفة خبر مرضها جعلتها غير قادرة على التفكير بشكل صحيح.
هي فقط تريد أن تستريح قليلا، وضعت يدها على أذنها وهي تصرخ من كثرة الأصوات داخل عقلها.
"بس بقى كفايه... انا تعبت."
جلست ارضا في تلك الحديقه تبكي بآلم، نظرت حولها للجميع فرأت كل من حولها سعيد ويضحك مع من معه.
لا تعلم بأن الجميع مبتلى ومنهم أكثر منها، ولكن الانسان حينما يكون حزينا يرى الجميع سعيد عدا هو.
"خلاص يابابا عشان خاطري متعيطيش بقى... دا بدل ما انت اللي تحايلني."
جثت الفتاه الصغيره على ركبتيها وهي تمسح دموع أبيها وتحضن وجهه بكفها الصغير.
"مش احنا أتفقنا إننا هنصبر عشان ندخل الجنه ولا انت مش عايزلي الجنه بقى..."
صمتت قليلا تتابع تعابير وجهه ثم تابعت حديثها.
"ماما الله يرحمها قالتلي إن ربنا لما بيحب حد بيبتليه.. وكل ما الابتلاء كان كبير كل ما بيدل على حبُ ربنا لينا."
كانت روان تتابع حديثها بوهن، لا تفهم منها عن ماذا تتحدث تلك الصغيره، عمر الفتاه لا يتجاوز الرابعة عشرا.
يبدو أن أبيها مريض وهي تواسيه.
مسحت الصغيره رأس أبيها وهي تُكمل.
"الدكتوره قالت ليا إن فيه إحتمال إني أخف من الكا'نسروإن ماما حالتها كانت متأخره عشان كانت تعبانه، اما انا لسه في الاول."
صُعقت روان من حديثها.
هل تلك الصغيره مصابة بنفس مرضها، كيف لها بأن تكون بهذا الصبر والثبات.
فهي حتى لم تبكي.
تُقسم لو أن أحد حكى لها هذا الموقف ما كانت لتصدقه لولا أنها سمعته بآذانها.
"مش يمكن المرض اللي عندي ومش عاجبك هو سبب دخولي للجنه... وكمان عشان اشفع ليك يابابا، أول ما ادخل الجنه اول حاجه هطلبها من ربنا انت بس توعدني إنك متزعلش لو انا جرالي حاجه."
هنا ولم يعد يحتمل والدها الأمر، شدها لداخل احضانه وهو يبكي بقوه.
كأن هو الطفل وليس هي.
شعرت روان بالخجل من نفسها.
كيف لفتاه صغيره مثلها بأن تُعطيها هذا الدرس، وكأنها آفاقتها مما كانت على وشك فعله.
هل الله أرسل لها تلك الفتاه لتكون سبب في صبرها؟
إبتسمت روان بدموع واخذت تستغفر بسبب تفكيرها، سوف تصبر على هذا الابتلاء وأيضا لم تُخبر أحد، ستتحمل لوحدها لكي تأخذ الأجر، سوف تقترب من الله أكثر ولكنها يجب عليها فعل شيء هام الان.
مسحت دموعها وهي تقرر العوده ولكنها ستكون برفض زين.
لا ذنب له لكي يتزوج بفتاه مريضه مثلها، قررت بأن تتصدى هي لمرضها بمفردها.
دون إخبار أحد.
إستفاقت من ذاكرتها وهى تمسح دمعة فرت من عيناها.
اخذت تردد الحمد، أغمضت عيناها براحه.
ها هي غدا سوف تُصبح زوجته.
حلاله♡
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى ال إبراهيم إنك حميدا مجيد.. وبارك على محمد وعلى ال محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدا مجيد♡
كان محمود يجلس وهو يتذكر زوجته بآلم.
قاطع شروده رنين هاتفه، كان المتصل رقم مجهول.
لم يُجب عليها حتى انقطع الاتصال، ثم عاود المتصل مرة أخرى.
أخذ محمود الهاتف وهو يجيب.
"إبنك لسه عايش مامتش... لو عايز تيجي تلحقه تعالالي على المكان دا***"
إنقطع الاتصال مع وقع الهاتف من يده.
رواية وسولت لي نفسي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم روان الحاكم
"ان.. انت كويس.. أنا مش فاهمة حاجة، إيه اللي حصل؟"
تساءلت رغد وهي ما زالت لا تدري كيف يقف أمامها سليم معافى.
"لا أعلم ماذا حدث لكِ، مجرد أن نظرتي لي من الشرفة ركضتي نحوي ثم وقعتِ مغشية عليكِ."
"أنتِ كويسة يا رغد، أول ما شفتيه اغمى عليكي.. إحنا قلقنا عليكي."
صمتت رغد ولم تجب، هل يتصور أن يكون هذا حلماً؟ تقسم بأنه كان حقيقة بالنسبة لها. هي تتذكر تفاصيل ذلك الحلم بشدة.. إذا كيف يحدث هذا؟
"ألم تسعدك رؤيتي يا رغد؟ لقد ظننت بأنكِ ستكونين أكثر سعادة مثلي."
آخرى لم تجبه رغد وهي ما زالت شاردة فيما حدث معها. ضغطت عليها يديها بشدة وهي تحاول تنظيم أنفاسها، فكانت تتنفس بعنف ولا تصدق بعد أن ما مرت به كان حلماً.
"إز.. إزاي أنت مكنتش يهودي يا جون؟"
أردفت بعد صمت دام عدة لحظات وهي تنظر لهم بوهن.
"سوف أحكي لكِ من البداية يا صغيرة، لقد تبنتني امرأة مسلمة ثم توفت. حين اشتد عليها المرض واقترب الأجل منها طلبت من جيرانها أخذي والاعتناء بي لأن ليس لديها أحد، ولكنهم أخفوا عليّ أمر ديانتي.... حتى علمت الحقيقة."
"يعني أنت مسلم دلوقتي يا جون؟"
"لم يعد اسمي جون... لقد غيرت اسمي إلى" يونس". لقد أحببت قصته بشدة، هذا الذي ابتلعه الحوت ومكث في بطنه ثلاثة أيام. إلى الآن لا أصدق كيف استطاع أن يجلس كل تلك المدة دون خوف أو يأس. علمت أنه ظل يردد حينها "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". لقد صبر صبراً عظيماً، وعلمت أيضاً أنه حين عاد أسلم جميع قومه، لذا سميت اسمي الجديد مثله."
"مبارك لك يا بني على دخولك الإسلام من جديد."
تحدث العم محمد والد حور. باركت له حور أيضاً واحتضنه ليث مجدداً. بينما ما زالت رغد صامتة.
"لمَ لم تقولي شيئاً يا رغد؟ ألم تفرحي لي؟"
تنهدت رغد، لا تعلم بما تجيبه. هي ما زالت في صدمتها من هذا الحلم.. بعد، هل كان إشارة لها بأن تبتعد؟ حتى لا تفقده هو الآخر؟
"لأ.. مبروك يا جو.. قصدي يا يونس، عن إذنك هدخل أرتاح شوية."
نظر لها الجميع بتفاجؤ من تغيرها هكذا. لقد ظنوا بأنها ستصبح أكثر سعادة.
"هدخل أشوف مالها."
قالتها حور وهي تهم لتذهب إليها، ولكن قاطعها أبوها وهو يجيب.
"خليكِ يا حور، أنا هتكلم معاها."
أومأت له حور وهي تذهب بكرسيها المتحرك إلى غرفة رغد ثم خرجت.
تحمحم الآخر ثم تحدث: "مش مبسوطة ليه؟ أنتِ كنتِ هتتجنني من لما سافر، ودلوقتي لما رجع وبقى مسلم مش موافقة؟"
صمتت، لا تعلم بما تجيبه. أخذت تفرك يدها بتوتر. كيف تخبره بما تشعر به؟ لا أحد سيفهم ما بداخلها وإن أمضت عمرها كله تحكي. هي لا تعلم تحديداً ما بها سوى أنها متعبة. فقد يدرك المرء أنه متعب لكنه يجهل ما الذي يتعبه. إنها الهزائم المكبوته.
"مش عارفة... بس حاسة إننا مننفعش لبعض."
"ولا عشان خايفة عليه؟ لما اغمى عليكي حلمتي إنه مات صح؟"
دُهشت رغد من حديثه، كيف علم بالأمر؟ فهي لم تخبر أحد بعد.
"مستغربة أنا عرفت منين!! نظرات الخوف في عنيكِ.. عقلك الباطن صور لكِ إنك هتفقديه هو كمان زي أهلك عشان كدا بقيتي خايفة ومترددة..."
صمت بعد لحظات يرى تعابير وجهها وتأثير حديثه عليها، والتي بدا مقنعاً بالنسبة لها. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته على مهل وهي تردف:
"حسيت الحلم كان إشارة عشان تفوقني. لو جو.. قصدي يونس لو بعد أنا ممكن أقدر أتخطاه، لكن... لكن لو كان مات كنت هفضل عمري كله مش هقدر أتخطاه. هو مش أغلى من اللي راحوا بس.. المشكلة إني كنت اطمنت لوجوده."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم تابعت: "نسيت إنه مينفعش أطمن لحد."
"تعرف كمان.. من لما دخل حياتي وانتوا كمان بدأت أحس نفسي ضعيفة. أنا عمري ما كنت ضعيفة وطول عمري كنت قوية، لكن.. لكن معاكم ومعاه بحس إني طفلة صغيرة متعرفش يعني إيه قوة."
صمتت تلتقط أنفاسها بصعوبة وجبينها متعرق بشدة وكأنها كانت في حرب للتو، ثم تابعت:
"لو تفتكر أول يوم جيت هنا كانت وفاة أخويا.. شفت كنت قوية يومها إزاي، حالياً أنا بقيت هشة وضعيفة وعايزة أفضل عمري كله أعيط... معدتش فاهمة مالي وإيه اللي بيحصل."
"يمكن عشان أخيراً لقيتي اللي يحتويكي ويطبطب عليكي.. انتِ الأول كنتِ بتحاولي تباني قوية عشان عارفة إنك لو وقعتي مش هتلاقي اللي يسندك ويقومك، لكن دلوقتي لما لقيتي اللي يساندك حسيتي إنك عايزة تخرجي كل الكبت اللي جواكي ومعدش فيه داعي لإنك تباني قوية وتقاومي."
"ط.. طب وإزاي الواحد يقدر يتخطى حزنه؟"
"بالصبر، من أعلى درجات الجهاد؛ جهاد الحزن، جهادكِ في التَّقبُل، جهادكِ في الحمد والشكر وأنتِ في شدة، وأنتِ ما حدش حاسس بعصرة قلبك ولا الأيام بتمرّ عليكي إزاي؟! إنك تسلّمي أمرك لله حتى لو مش فاهمة الحكمة ولا مستوعبة الأحداث، إنك تلجأي وأنتِ متيقنة أن لا ملجأ من الله إلا إليه، إنك تستسلمي وترضى حتى وإن خالف هواك، صبرك وشكرك وتقبلك جهاد. فالابتلاءات في الحياة يا ابنتي مش اختبار لقدرتك الذاتية بس دا اختبار لقوة استعانتك بالله. هقولك على قصة يا رغد، حقيقي بحبها أوي. سيدنا يوسف كان معاه في السجن شابين، والشابين خرجوا قبله من السجن وهو خرج بعدهم ببضع سنين كمان مش بسنة ولا اتنين، وهو نبي الله كمان وهم اتنين عاديين. واحد منهم خرج عشان يُقتل، والتاني خرج عشان يخدم، وسيدنا يوسف خرج عشان يكون الولي على خزائن مصر. شوفتي الفرق بينهم إيه؟ أحياناً المنع بيكون قمة العطاء، فأوعي تيأسي."
"يالله، الله لا ينسى أحد. حين يُرسل لك الابتلاء.. يُرسل معه من يُصبرك عليه حتى تحمد الله على هذا الابتلاء. هقعد بكره رؤية شرعية مع يونس.. وأدي لنفسك فرصة بعيدة عن كل الهواجس اللي في دماغك."
"يبنتي اخلصي بقى اتاخرنا، ورانا حاجات كتير."
وقفت روان تُعدل من نقابها وتتأكد بأن ملابسها على ما يرام.
"خلاص خلصت أهو يلا."
خرجت روان ومعها ياسمين لشراء الفستان، وبعد لف طولاً وصلا أخيراً إلى المكان المنشود. أبصرت روان الفستان الذي أمامها بانبهار شديد وعيون لامعة.
"الله يا ياسمين، الفستان ده حلو أوي."
طالعت ياسمين الفستان الذي تشير إليه الأخرى بتفحص، فكان الفستان جميلاً بحق ولكن له ذيل طويل.
"بس ده حرام يا روان، مينفعش تلبسيه."
تعجبت روان من حديثها، الفستان يبدو رقيقاً وغير ضيق.
"ليه.. ده واسع وشكله حلو."
"لأنه لا يجوز لمسلمة أنها تلبس فستان طول ذيله أكثر من ذراع... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". فقالت أم سلمة: "فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟" قال: "يرخين شبراً". فقالت: "إذاً تنكشف أقدامهن". قال: "فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه"."
"معنى كلامك إنه مينفعش نلبس فستان ذيله طويل؟"
سألتها روان لتتأكد حديثها، فأومأت لها ياسمين.
نظرت روان للفستان بحزن، فكان الفستان رائعاً بالنسبة لها.
"من ترك شيئاً لله.. عوضه خيراً منه، صدقيني هنلاقي أحلى منه."
تحدثت ياسمين مجدداً حين لاحظت نظرات الحزن على وجهها. ابتسمت لها الأخيرة ثم سارت معها للبحث عن آخر وخرجا من المحل بأكمله.
وصلا إلى مكان آخر مخصص للفساتين.
"تعالي كدا يا روان شوفي الفستان ده."
أشارت لها ياسمين على فستان ما. نظرت له روان ولكنه لم يعجبها أيضاً مثل الآخر.
"مش حلو زي التاني."
تحدثت بضيق طفولي.
ابتسمت لها ياسمين ثم أمسكت يدها وخرجا من هذا المول أيضاً.
"ولا يهمك.. لسه معانا اليوم طويل، بينا نشوف غيره."
انصاعت روان لحديثها وسارت معها وأيضاً لم يلفت انتباهها شيء.
"أنا تعبت من اللف يا ياسمين مفيش حاجة..."
بترت جملتها وهي ترى فستاناً ما أمامها. اقتربت منه بإعجاب شديد. كان الفستان أجمل ما رأت على الإطلاق.
"شوفي يا ياسمين ده."
أردفت روان بفرحة عارمة وكأنها وجدت كنزاً أمامها. فكان الفستان شديد الجمال والرقة.
"حلو أوي... شوفتي يا ستي، صبرنا ونولنا."
أجابتها ياسمين وهي تنظر للفستان وقد نال إعجابها أيضاً.
"أنا خايفة على أخويا منك لما يشوفك بيه من جماله."
تحدثت ياسمين مازحة. وضعت روان يدها على خدها بكسوف وقد تورّدت وجنتيها.. تتخيل رد فعله حين يراها مثلما قالت ياسمين.
"هدخل أقيسه وأشوفه عليا."
"بلاش يا روان تقيسيه هنا، ابقي قيسيه في البيت أفضل لأنه مينفعش تقيسي هنا وتخلعي هدومك ولو لبستيه فوق لبسك مش هيكون ظاهر، الأفضل تقيسيه في البيت ولو مظبطش نبقى نبدله."
اقتنعت روان بحديثها، لا يجوز أن تبدل ملابسها خارج بيتها حتى ولو في محل الملابس.
قاما بشراء الفستان ثم عادوا للمنزل مرة أخرى.
ومجرد أن وضعت روان قدميها داخل المنزل حتى توسعت عيناها بذهول.
***
كان يسير ليث بسيارته ومعه حور في الطريق إلى الشركة بعدما أصرت عليه الذهاب معه. كان ليث منشغل في السواقة حتى أوقفه صراخ حور.
"استنى يا ليث استنى."
أوقف ليث السيارة بفزع وهو لا يفهم سبب صراخها المفاجئ.
"لحظة هنزل دقيقة وهرجع."
نزلت حور من السيارة دون انتظار رده مما جعله يعقد حاجبيه بشدة وآثار الأمر ريبته. حتى نزل هو الآخر خلفها. بحث ببصره عنها حتى توسعت عيناه بصدمة. اقترب منها وعلى وجهه علامات الغضب.
"بقى منزلانا في نص الطريق واتأخرت على الاجتماع عشان عربية شربات؟"
تحدث ليث بضيق وغضب.
كتمت حور ضحكتها أسفل النقاب وهي تضع يدها على وجهها كي لا تثير غضبه.
"الشربات اللي مش عاجبك دي التلاتة بعشرة.."
قطعت حديثها وهي تمسك العديد من الشربات في يدها ثم أكملت:
"هاخد دول يا عم ربيع."
نظر المدعو ربيع نحو ليث وطالعه بطيبة: "جوزك ده يا بنتي اللي قولتيلي عليه؟"
همت حور لتجيبه ولكن قاطعها ليث مسرعاً:
"قالتلك عليا..؟ أنتِ تعرفيه منين يا حور؟"
تحدث بغضب ونبرة صوت مرتفعة جعلت حور تشعر بالحرج منه، ولكنها تحكمت بغضبها وهي تردف بهدوء:
"ده عمي ربيع أعرفه من وأنا صغيرة ويعتبر مربيني."
ضحك العم ربيع وهو يضع يده على كتف ليث ثم قال:
"حور دي بنتي اللي مخالفتهاش يا بني، أنت واخد جوهرة، رغم إنها كانت بتجيلي من وهي قد كده إلا أنها بتتعامل معايا بحدود ومقالتش ده راجل كبير ويعرفني من وأنا صغير، محافظة على نفسها ومحدش يقدر يقربلها."
حاول ألا يسبب لها مشاكل فقد التمس غيرة زوجها عليها حتى ولو رجل كبير. تقبل ليث حديثه ولم يجب.
أعطته حور الأموال وأخذتهم ثم عادت للسيارة مرة أخرى.
ركب ليث جوارها وهو يشعر بالضيق:
"كل اللي قاله ده مش مبرر إنك تتكلمي معاه حتى ولو راجل كبير. المفروض إنك ملتزمة والكل بياخدك قدوة، إزاي بيتكلم معاكِ بأريحية كدا؟"
أخذت حور نفساً عميقاً وهي تزفره بضيق. استغفرت ربها كي لا تغضب عليه وهي تحاول التحكم بذاتها. مهما بلغ الأمر هو زوجها ويغار عليها.
"أنا مش هبررلك الأول علاقتي بيه، اعتبرتني غلط واتكلمت معاه بحسن نية وباعتباره راجل كبير حتى لو غلط... حد قالك يا ليث إني ملاك مش بيغلط؟ مفيش حد مهما بلغ التزامه معصوم من الغلط ومش معنى إني بجاهد نفسي وأنصح الناس يبقى مبغلطش خالص؟ هنا بقى ييجي دورك أنت إنك تنصحني. ممكن أنا أعمل الغلط وماخدش بالي إنه غلط غير لما حد ينبهني لأن كلنا بشر وبنغلط. نيجي بقى للموضوع الأساسي، أولاً عمي ربيع أعرفه من وأنا صغيرة، كان عنده بنت وتوفاها الله وكانت نفس اسمي، لما شافني قالي إني بفكرّه بيها.. مش هنكر إني كنت بتعامل معاه عادي وكنت بجيله على طول أسلم عليه لأنه كان بيفرح لما يشوفني، لكن لما كبرت حاولت إني أخفف تعاملي معاه بس برضه مش بعامله زي الغرب. وللعلم أول واحد حكيتله عنك وخدت رأيه وهو اللي خلاني أوافق. أنا معرفش إذا كان صح ولا غلط، لكن هنرجع لنقطة إني بشر مش ملاك ووارد إني أغلط يا ليث.. بحس الناس مبتصدق حد بيحاول يلتزم إنه يغلط. لما تلاقيني غلطت انصحني يا ليث مش تزعقلي وتش.."
بترت كلمتها الأخيرة. هي دائما تشعر بأن ليث شخص شكاك أكثر من كونه غيور، ولكنها تحاول جاهدة بأن لا تفتعل مشاكل بينهم. ومجدداً شعر ليث بالغضب من ذاته.. كيف تجعله كل مرة هو الخاطئ بحديثها المقنع الهادئ؟
تنهد ليث وهو يغمض عينيه، ثم أمسك يدها وقال:
"كل مرة أسلوبك بيخليني أحس بالذنب من نفسي وإني غلطت حتى لو مش غلط.. أنا آسف بس رجاءً يا حور راعي إني لما بغير مش بتحكم في غضبي."
"حاضر يا ليث.. خلينا في المهم، شوف الشربات اللي جبتها؟"
"رايحة جاية شربات التلاتة بعشرة من على العربية؟ يبنتي هو أنا حارمك من حاجة ولا مجوعاك؟"
"اسكت أنت متعرفش الشربات اللي التلاتة بعشرة دول بالنسبالي إيه، من يوم ما عملت فيها بنت ناس وبقيت بجيب من الواحد بعشرة دول وهو كل يوم يضيع لي واحد، عندك دول بقى يفضلوا معايا طول السنة ومستحيل يضيع.. كمان جبتلك شربات خد شوفها."
نظر لها ليث بتشنج وعلامات الاستياء بادية على وجهه.
"أنتِ عايزاني أنا ألبس شربات من على العربية؟ تعرفي تمن الشراب الواحد بس اللي بجيبه بكام!"
"ومالها دي.. مش بتقضي الغرض وخلاص؟ جرب كدا تجيب لك منها وباقي الفلوس اللي كنت هتدفعها في الشراب البراند تديها لحد محتاج؟"
"ما أنا ممكن أجيب البراند وأدي لحد محتاج برضو مدام ربنا رزقني، لكن مينفعش أروح أجيب حاجات من دي الناس تقول عليا إيه."
"ماهي دي المشكلة يا ليث، الناس.. إحنا بنروح نجيب الماركات عشان بس الناس.. الساعة بـ 1000 جنيه هتقضي نفس غرض الساعة بـ 100، والعربية بـ خمسين ألف هتقضي نفس غرض العربية بمليون جنيه، دي بتسوق ودي بتسوق، لكن إحنا أهم حاجة إننا نجيب أعلى حاجة ونقلد الغرب. جرب كدا تجيب حاجة أقل من اللي كنت بتجيبها وباقي الفلوس اديها لحد محتاج؟ ربنا سبحانه وتعالى قال إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. ومش معنى كدا إنك تحرم نفسك أو تمشي مبهدل، لا اهتم بنفسك والبس حلو وشيك بس في حدود المعقول، ونتعود نوفر دايماً مدام ده هيدينا نفس الغرض."
لم يقتنع ليث بحديثها كله، يرى بأن الإنسان من حقه أن يتفاخر بأمواله وأن يُظهر غناه، فقد تعود ليث على حب المظاهر وليس العيش ببساطة. ولكنه لم يرد أن يجادلها كثيراً ويوافقها في الرأي.
"اتأخرنا على الاجتماع.. عاجبك كدا؟"
"قولهم إننا اتأخرنا عشان كنا بنجيب تلات شربات بعشرة.. هتلاقيهم سابوا الاجتماع وراحوا كلهم يجيبوا."
ضحك عليها ليث وهو يجذبها لتسير جواره.
"أنتِ مفيش فايدة فيكي أبداً."
***
وصل محمود إلى المكان الذي أبلغه به المتصل، فكان مكاناً مهجوراً. دخله وهو يزيح الأتربة حتى أبصر محمود أمامه. وقف ينظر له بجمود وهو يتحدث:
"فين ابني يا حامد؟"
كانت تعابير وجهه جامدة.. عيناه حمراء بشدة، ولده كان على قيد الحياة كل تلك المدة وهو لا يدري؟
"طب مش تسلم عليا الأول يا خي؟ جاي مستعجل كدا ليه."
تحدث ببرود وبابتسامة مستفزة.
"قولتلك فين ابني يا حامد."
كرر سؤاله وهو يمسكه من ثيابه بعنف تعكس طبيعته الهادئة. أبعده الأخير عنه بهدوء.
"تؤ تؤ براحة على أعصابك.."
قطع حديثه وهو ينظر له بخبث ثم تابع:
"أنت مش متخيل أنت صعبان عليا قد إيه. يعني يا عيني بعد العمر ده كله ابنك يطلع عايش.. مش دي المشكلة، المشكلة إنه بقى مريض نفسي ومقعد.. طلعت عقدي كلها اللي عملتها فيا زمان على ابنك."
نظر له محمود بصدمة، هو لم يفعل له شيئاً بتاتاً.. بل حامد هو من استمر بإيذائه.
"بس أنا عمري ما آذيتك يا حامد وأنت عارف كدا، طول عمرك اللي مبتحبش الخير لحد وانت اللي آذيتني، أنت دمرت لي حياتي مش بس آذيتني."
"مهو كل ده بسببك.. أنا بكرهك وعمري ما حبيتك يا محمود ولا اعتبرتك صاحبي، كل حاجة كنت أنت اللي بتاخدها، دايماً عامل نفسك الكل في الكل وإنك الواد اللي مفيش منه. أنت خدت كل حاجة ليك لوحدك، حتى صحابنا كانوا بيحبوك أنت وأنا لأ. كنت بمشي معاك والكل بيقف يهزر ويضحك معاكم ما صدقوا شافوك، وأنا ولا كأني موجود كأن حامد ده هواحت.. حتى البنت الوحيدة اللي حبيتها لقيتك جاي تقولي إنك خطبتها وأنا كنت بحبها من قبل ما أنت تشوفها حتى، لكن هي كمان اختارتك أنت. لكن شوف أنا خدت منك كل حاجة."
توقف عن الحديث وهو يضحك بهستيريا تشبه المجانين جعلت محمود يتأكد بأنه مريض نفسي.
"خدتها منك.. وخدت ابنك منك، ودمرت حياتكم... وعيشتك في وهم إنها هي اللي سابتك، بس الحقيقة أنا اللي أجبرتها تعمل كدا."
طالع بخبث حين وحد نظرات الصدمة بادية على وجهه.
اقترب منه محمود ليضربه ولكن سبقه الآخر وهو يضربه على رأسه.
"بابا."
كان هذا آخر صوت يسمعه محمود قبل أن يقع أرضاً.
رواية وسولت لي نفسي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روان الحاكم
توقفت روان تُطالع المكان أمامها بإنبهار. المنزل مُزيّن بطريقة جميلة. لقد سُرق قلبها حقًا.
بحثت بعينيها عنه حتى وجدته. كان زين يقف يُعلّق ما تبقّى من البلالين.
رُسم شبح ابتسامة خفيفة على ثغرها، ما لبثت حتى توسعت ابتسامتها بشدة. ثم أخذت تضحك بفرحة. هل فعل زين كل هذا لأجلها؟ لم يكن زين من الأشخاص الجيدين في فعل المفاجآت، ولكنه فعل لأجلها.
ظلت تتابعه بحب. لا تدري هل المكان زُيّن بشكل جميل لدرجة خطفت قلبها، أم لأن هو من فعل هذا؟
انتهى زين من العمل ثم استدار حتى وجدها أمامه تنظر له. حمحمت روان بإحراج، بينما ابتسم لها زين وهو يقترب منها ثم قال:
"عجبك المكان؟"
نظرت روان لما أشار عليه. فكان زين قد قام بكتابة اسمها بجوار اسمه على الحائط، والمنزل مليء ببالونات باللون البنفسجي، والتي تحبها روان بشدة. لا تعلم كيف استطاع أن يفعل ذلك بهذا الوقت القصير.
أومأت له روان برأسها وهي تُجيبه:
"جدا... عجبني قوي."
فرح زين وابتسم حتى ظهرت غمازات وجهه. سوف يفعل أي شيء لأجل سعادتها.
"انت عملت كل دا لوحدك إزاي؟" أردفت روان مرة أخرى.
همّ زين ليُجيبها، ولكن سبقه عمر وهو يقول:
"أنا اللي عملت... أصلًا هو مكنش عارف يعمل حاجة وأنا بخبرتي كمهندس أنا اللي صممت الديكور."
تحدث عمر بفخر وهو يُعدّل من ياقة ثيابه. نظرت له روان بشك وهي تُضيّق عينيها وقالت:
"بس انت مهندس مدني يا عمر مش ديكور؟" سألته روان.
بينما توتر عمر وهو يجيبها:
"بس في النهاية مهندس!!"
وضع زين يده خلف رأس عمر وهو يضربه برفق:
"انت مش هتتغير خالص كدا يا عمر؟"
"لأ... ولو مش عاجبك طلقني."
ضحكت عليه روان. كان كلا من عمر وزين يبذلان قصارى جهدهما لأجل إسعادها. فما هي مُقبلة عليه ليس بالهين.
تابع عمر حديثه مرة أخرى:
"أنا بهزر... الحقيقة إن زين أصر إن هو اللي عمل كل حاجة. أنا يدوب ساعدته في بعض الحاجات."
كانت روان تعلم بأن زين هو من فعل هذا.
"هطلع أنا علشان ألحق أجهز لكتب الكتاب... يلا يا عمر."
أخذ زين عمر معه، فهو يعلم بأن ياسمين أخته سوف تبقى مع روان لتساعدها في ارتداء ثيابها، لذا أخذه معه لأعلى. ولم يعترض عمر حتى يسمح لياسمين بأخذ راحتها مع أخته.
دخلت ياسمين المنزل وهي تُمسك بما قاموا بشرائه في يدها، فقد تأخرت بالخارج لأنها نسيت بعض الأشياء وسبقتها الأخيرة. طالعت هي الأخرى المكان حولها بإنبهار.
"لأ... متقوليش إن زين أخويا هو اللي زيّن البيت كدا؟" سألتها ياسمين بذهول لا تُصدق بأن أخيها من فعل هذا.
هزت روان رأسها بإيجاب وهي تضحك:
"هو بعينه." أجابتها روان بفرحة لأجل اهتمام زين بها.
"أيوه يستي بقى الله يسهلك... طلع مش سهل برضه.. ربنا يوعدنا بحد زيه بقى."
ضحكت ياسمين وهي تمزح معها، بينما نظرت لها روان بخبث ثم تحدثت:
"عمر هو كمان شاطر في الحاجات دي عشان مهندس... يبخت اللي هتكون نصيبه بقى... هيدلعها."
حمحمت ياسمين بتوتر ثم أجابتها وهي تفر هاربة من أمامها. تعلم بأن روان تقصدها بحديثها.
"ه.. هروح أنا أشوف ورانا إيه."
تعالت ضحكات روان على خجلها، وقد تأكدت بأن ياسمين هي الأخرى مُعجبة بأخيه.
لَحِقَت بها لكي تقوم بارتداء فستانها.
عند زين، دخل شقتهم وهو ينتظر عمر الذي ذهب لجلب البدلة من المكوجي. نادى على والدته فآتاه الرد من غرفته. دخل لها وهو يطرق الباب أولًا. سمع صوتها بعد لحظات سامحًا له بالدخول.
وقف زين أمامها وهو يطرق رأسه أرضًا كطفل صغير مذنب. يبدو أن والدته مازلت غاضبة منه. تذكر مشاجرته معها حينما أخبرها بأمر زواجه من روان. هاجت وغضبت ورفضت الأمر بشدة، حتى أخبرها بأنها مريضة. لا ينكر أنها حزنت، ولكنها ظلت مُصرّة على رأيها.
اقترب زين منها وهو يُقبّل يدها ورأسها ثم قال:
"من لما كنت صغير وأنتِ وبابا علمتوني مأسيبش حد محتاجني إلا وأساعده... أيًّا كان هو مين، تخيلي بقى لما يكون الشخص اللي محتاج مني المساعدة المرة دي أكتر إنسانة حبيتها. وإن جينا للحق.. فأنا محتاجها أكتر ما هي محتاجاني..."
صمت يرى تعابير وجهها والتي لم يبدو عليها التأثر بحديثه. فوالدته كأي أم مصرية تريد سعادة ابنها وترى بأن روان لا تناسبه. فهي فتاة مُدللة منذ صغرها ولا تُحب والداتها. كانت في البداية ترفضها لهذا الأسباب. الآن زاد الأمر سوء حينما علمت بمرضها. لقد حزنت عليها، ولكن ذلك لم يشفع لها بأن تجعل ابنها الوحيد أن يتزوجها. هل توافق على زواجه منها وهي في أي لحظة مُعرضة للموت وترك ابنها؟ عاطفة الأمومة بداخلها أنستها بأننا مُعرضون للموت في أي لحظة دون مرض. ولكن نحن من نظن بأن الموت يسقبه سبب كمرض أو حادثة وما شابه.
تابع زين حديثه مرة أخرى:
"لو كانت ياسمين مكانها يا ماما... كنتِ هترضى لو هي مخطوبةخطيبها يسيبها؟"
خفق قلبها بشدة ثم أجابته بخوف:
"بعد الشر عليها طبعًا... متقولش على أختك كدا."
"شوفتي؟ مقدرتيش تتخيلي الموقف حتى إزاي؟ يرضيكي بقى أسيبها وانتِ عارفة أنها ملهاش حد غيرنا!؟"
كانت تعلم بأنه مُحق، ولكنها تُكابر. فلا تريد لحياة تعيسة بسبب مرضها.
"انت بتحاول تقنعني بأيه يا زين.. على أساس إني لو رفضت انت مش هتتجوزها حتى لو بغير رضاي؟" قالت والدته بعتاب.
أما زين فلا يعلم بماذا يُجيبها فلا يريد أن تحزن منه. أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وهو يقول:
"حتى لو عملت كدا يا ماما زي ما بتقولي... صدقيني مش هكون مبسوط وانتِ مش معايا. أنا فرحتي بتكمل بيكي يا ماما عشان متعود إن أول واحدة بتشجعيني على كل حاجة... عشان خاطري يا ماما خليكي معايا المرة دي. ثقِ في اختياري. جربي تحبي روان كأنها بنتك وتحتويها."
ظل زين يتوسلها حتى رق قلبها له ثم تحدث:
"ماشي يا زين.. أنا موافقة مادام دا هيبسطك."
توسعت عين زين بفرحة وهب ليحتضنها بقوة وهو يضحك كطفل صغير أعطته أمه حلوته المفضلة، فأخيرًا نال رضا والدته. ابتسمت هي بحنان وهي تطبطب على كتفه. كيف كانت ستسمح لنفسها بأن تحرمه من السعادة البادية على وجهه الآن؟
"انتِ أجمل أم في الدنيا كلها.. هروح ألبس بقى زمان عمر جاب البدلة." قال زين جملته ثم قبّل رأسها وخرج مسرعًا.
مما جعل والدته تبتسم له بحنو. تشعر بأن زين الهادئ الرزين عاد طفلًا مرة أخرى. حتى وإن كانت لا تتقبل روان ولا ترضى بها له.. يكفي فرحته تلك.
وقع محمود أرضًا وهو يضع يده على رأسه بألم أثر تلك الضربة التي تلقاها من حامد. سمع صوتًا ينادي بضعف ولم يكن هذا الصوت سوى ياسر. التفت له الأخير وهو يُشبع عينيه منه. ولده مازال على قيد الحياة لم يمت كما قال له الطبيب.
نظر له ياسر بضعف وهو غير قادر على مساندته. يتذكر كل ما عاناه في تلك الفترة منذ أن خرج من السجن. ها هو أبيه أمامه وغير قادر حتى على احتضانه.
"تؤ تؤ... صعبتوا عليا أوي، حاسس إني شوفت المشهد دا في فيلم قبل كده." ظل ينظر لهم بتشفى وهو سعيد من داخله لرؤيتهم هكذا.
"أمضى حياته يربي من كان يعتبره أبيه تربية سيئة يزرع بداخله حقده وكرهه للبشر. جعل منه شخص مريض نفسي وها هو قد نجح وهو يطلع عليه."
"لما وصلني خبر إنك خلفت تؤام.. هنا كرهي ليك زاد أكتر من الأول، سبق وعرفت إني مبخلفش. انت خدت كل حاجة وأنا مخدتش أي حاجة خلاص.. حتى الخلفة لما اتحرمت منها، هنا بس حلفت إني من اللحظة دي مش هخليك سعيد. خطفت ابنك وخليت الدكتور يفهمك إنه مات وجاب طفل ميت مكانه وانت عشت كل دا فاكره ميت... طبعًا انت مستغرب إزاي تهاني قدرت بعد العمر دا كله تتخلى عنك بالسهولة دي.."
ضحك حامد بجنون وهو يعود بذاكرته إلى الوراء ويقص له ما حدث.
كانت تهاني تنتظر قدوم ليث من مدرسته فقد اشتاقت له وبشدة. أضاء هاتفها معلنًا عن وصول فيديو لها. فتحته بتعجب وهي ترى ما يحتويه. كان الفيديو لطفل صغير يلعب. طفل يشبهها هي كثيرًا وكأنها نسخة منها هي. فياسر يشبه والدته كثيرًا عكس ليث الذي يشبه أباه. لم تصدق تهاني عينيها.. يبدو أنها تتوهم الشبه فقط.
مالبثت تنظر للفيديو حتى أبصرت من يضع مسدسًا على رأس الصغير. وقع قلبها بخوف عليه ولا تدري هويته بعد. انتهى الفيديو في نفس اللحظة التي رن بها هاتفها. ضغطت على زر الرد بقلبٍ يرتجف.
"لو عايزة ابنك يفضل عايش... هتجيلي على مكان *****. ولو قولتي لحد انسى إنك تشوفيه تاني. أيوه يا تهاني.. ابنك ياسر لسه عايش."
أغلق المكالمة دون انتظار ردها، بينما هي وقع الهاتف من يدها مازلت لم تستوعب ما قاله بعد. كيف لطفلها أن يكون ما زال على قيد الحياة!! لم تصدق ولكن قلبها يُخبرها بأنه ابنها بحق. تشعر به. خافت عليه بشدة لذا نهضت مسرعة إلى العنوان الذي أخبرها به بعدما ارتدت ملابسها وثيابها على عجالة. طوال الطريق وهي تبكي وتدعو الله بأن يحفظه.
وصلت إلى المكان الذي أخبرها به حامد أخيرًا. دلفت للداخل حتى وجدت ولدًا صغيرًا يجلس وهو نفسه الذي رأته في الفيديو. انتفض جسدها بعنف ثم اقتربت منه وقدماها لم تعد تحملها.
أجثّت على ركبتيها جواره ثم أمسكت يده حتى وجدت تلك العلامة في يده والتي كان قد ولد بها هو وأخيه ليث. هنا فقط تأكدت بأنه هو.
مالبثت أن جذبته لأحضانها بحب شديد وهي تبكي. قد تيقنت بأنه ولدها فقلبها يشعر به.
"إنتِ ماما؟" نطق الصغير وهو ينظر لها ببراءة.
"أيوه يا عمري أنا ماما أنا ماما يا حبيبي قلبي أنا آسفة.. آسفة يا عمري مش هبعدك عني تاني."
ظلت تحتضنه وتنهمر عليه بقبلاتها وهي تشعر وكأنها بحلم وسوف تستيقظ منه.
آتي في هذه اللحظة حامد وهو يبعد الصغير ويأخذه منها. ظلت متشبتة به وغير قادرة على تركه. وضع المسدس على رأسه ثم قال:
"لو عايزة ابنك يعيش يبقى هتسمعي اللي هقولك عليه."
أومأت هي مسرعة بخوف شديد، فهي تعلم بجنونه ويستطيع إيذاء صغيرها بحق.
"هتروحي تقولي لمحمود إنك مش عايزاه وهتخليه يطلقك وتقوليله إنك كنتِ متجوزاه عشان فلوسه وأنا بقيت أغنى منه."
"لا طبعًا أنا مستحيل أعمل كدا." هزت رأسها برفض فما يقوله ما هو إلا جنون بالنسبة لها.
"يبقى تودعي ابنك اللي ملحقتيش تفرحي بيه."
"لا لا.. بالله عليك متعملش كدا هسمع اللي هتقوله عليه بس متآذيهوش."
"أيوه كدا شاطرة.. هتروحي تقولي له زي ما قولتلك، وإن جه في بالك بس إنك تلمحيه ليه بالموضوع فانسى ابنك خالص. البيت متراقب وكل خطوة هتعمليها متراقبة.. يعني لو عملتي أي حاجة هعرف."
"وبس ياسيدي. انت طبعًا عارف الباقي... كنت عارف إنها غبية ومش هتقدر تقولك عشان خايفة عليه. هي طبعًا زهقتني كتير وكانت كل شوية بتحاول تهرب لحد... لحد ما بدأت أديها أدوية تخليها تنسى اللي بيحصل معاها."
وهنا ولم يعد محمود يحتمل الأمر. طوال تلك السنين يعيش على فكرة أنها رحلت وتركته؟ لم يُكلف نفسه بالبحث عنها لظنه بأنها هي من أرادت الرحيل وهي طوال المدة تعاني دونه. سقطت دموعه بألم عليها. وعلى النقيض الآخر كان ليث يستمع لكل كلمة تفوه بها حامد، فقد قام بإرسال التسجيل له.
"طبعًا المكان كمان شوية هيولع كله.. أنا عملت معروف وبعت لابنك التاني يلحقكم، بس انتوا وحظكم بقى ياما يلحقكم يا أما يلحقوكمش... هروح بقى أنا عشان ألحق تهاني أصلًا مبحبش أسيبها لوحدها."
قال جملته وهو يرحل تحت نظرات الصدمة من محمود. هل تهاني مازالت على قيد الحياة؟
"آه مهو أنا نسيت أقولك.. تهاني لسه عايشة، خبر موتها كان كذبة مني."
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا حامد... روح الله لا يوفقك... ربنا ينتقم منك دنيا وآخرة."
كان هذا آخر ما سمعه حامد قبل خروجه ولكنه لم يُبالي. مجرد أن خرج حتى بدأت النيران تشتعل في المكان وهو يضحك بطريقة تشبه المجانين.
قاد حامد سيارته وهو يشعر بفرحة شديدة وقد نجح في كل ما فعله ووصل لما يريده. أخذ يضحك بشدة كالمختل. ولم ينتبه لتلك الحافلة المارة بجواره. فاق على قرب اصطدامها منه، حاول السيطرة على السيارة والإبتعاد ولكنه فشل. حتى دعسته تلك الحافلة الكبيرة محطمة سيارته.
هل اقتربت نهايته بهذا السهولة؟ لا.. لا يستحيل. مازال الموت بعيدًا عنه. كان مازال به النفس ولكن جسده قد شُل. حاول الخروج من السيارة مالبث حتى اشتعلت السيارة بالنيران حارقة إياه. ظل يصرخ على أمل أن يلحقه أحد ولكن كان قد فات الأوان. أحرقته نيران الدنيا ولم يستطع تحملها. إذا ماذا عن نيران الآخرة؟ ها قد فقد آخرته لأجل دنيا فقدها في ثوانٍ معدودة. لو أن أحد أخبره بأنه سوف يموت الآن يظل ساجدًا لله. فالميت لا يعلم بأنه سيموت الآن. ملك الموت لا يستأذن أحد.
ماذا عنك عزيزي القارئ؟ أمازلت تشعر بأن الموت بعيد عنك؟ ألم يحن وقت التوبة بعد؟ ألا تريد الفوز بالجنة والنجاة من النار؟ فِق.. بربك أفق من غفلتك تلك. أمازلت تستمع للأغاني؟ أمازلت ترتدي تلك الثياب الضيقة؟ أتغضبون الله لأجل دنيا فانية؟ أفيقوا قبل أن يدرككم الموت. لقد بعثني الله لأجل تنبيهكم. لعلى أنا القادمة إليه. لا أحد يعلم على من سيأتي الموت.
إنتهت روان من ارتداء فستانها وهي تدور حول نفسها بسعادة. ها هي أصبحت عروس. حتى وإن كان الأمر أتى بعجالة ولم تستعد له، ولكن اليوم سوف تصبح زوجته وأخيرًا. التفت إليها ياسمين وهي تطالعها بحب شديد ودموع.
"أيه الجمال دا يا روان.... شكلك يخطف القلب أوي." أحضنتها ياسمين بشدة. هاهي صديقتها أصبحت عروس ولمن؟ لأخيها حبيب قلبها.
"بجد يا ياسمين شكلي حلو..! ولفة الخمار حلوة؟" نظرت ياسمين لخمارها فكانت روان قد قامت بتقصير الخمار عن المعتاد وجعلته يصل لأول أكتافها فقط.
"الخمار جميل جداً وأنتِ قمر.. بس قصير حبة. مش معني إننا نفرح يبقى نتخلى عن شيء كنا بنعمله يا روان."
"بس أنا بشوف بنات كتيرة أوي لافة الخمار كدا لحد أكتافها."
"دا ميتقالش عليها خمار يا روان، إحنا كدا بنضحك على نفسنا. الخمار المفروض يغطي كتفنا ويعدي ما بعد البطن وأسفل الظهر، لكن اللي البنات بتلبسه يدوب مغطي من فوق ومش واصل لكتفها دا مش خمار. هو آه أفضل شوية من الطرحة، لكن مش خمار. إحنا بنلبس الواسع اللي يرضى ربنا مش اللبس اللي على هوانا إحنا. لكن إحنا نفسنا بتسولنا بإننا كدا لابسين واسع ورضيين ربنا وللأسف دا غلط. بزعل جدًا لما بشوف البنات مقصرين الخمار جدًا مش مغطي شيء ولكن بالنسبة لهم إنهم كدا لابسين الخمار وعاملين باللي ربنا أمرهم بيه."
"معاكِ حق يا ياسمين.. خلاص أنا هفكه وهلفه زي ما كنت بعمل الأول، ومش هقصره تاني أبدًا.. مش معنى إن عندي مناسبة يبقى أتخلى عن شيء ثابت عندي كنت بعمله."
قامت روان بنزع الحجاب ولفه مجددًا، وهذه المرة بدت أجمل بثياب العروس. كانت رقيقة بقسم.
سمعوا طرقًا على الباب ودخلت كلا من رغد وحور. تفاجأت بهم روان وهم يركضون حولها ليحتضنوها. كانت ياسمين هي من قامت بإخبارهم بالأمر.
"شكلك جميل أوي يا روان اللهم بارك." تحدثت حور بدموع وهي تحاول التماسك. لقد علمت بأمر مرضها. "مبسوطة إني لقيتك قوية وصابرة... لما ياسمين قالتلي توقعت أجي ألاقيكي منهارة لكن اللي حصل العكس وفرحتيني جدًا. ربنا فعلًا لما بينزل الابتلاء على العبد بينزل معاه الصبر."
"لما حد بيدعي ربنا بشيء شايفه بعيد أوي أو مستحيل، ويقول أصله مش منطقي.. ما الظروف كلها باينة. يفتكر بس قول الله.. 'قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا'. كل مستحيل هيِّن على ربك القدير.. أقولك كمان على سر عظيم بيخليني أتقبل أي خسارة بعيشها في حياتي؟ السر في إنّي بعد أي محنة أو خسارة بقول لنفسي ربنا هو اللي أراد كدا وبعدها ببص للسما وبقول يا رب أنا رضيت ومش معترضة وعارفة إن سبحانك ما بتحملش مخلوق فوق طاقته وأكيد رحمتك شايفة إن الشخص دا والسكة دي مش خير ليا فحميتني.. وبعدها بحمد ربنا وبشكره. والله ولا مرة قبلت بقضاء ربنا وقدره إلا وسُبحانه عوضني وفرّج همي وطبطب على روحي."
"كنت قاعدة من حد فبيقولي اطلع عمرة وادعي هناك، أنا رحت دعيت بالاسم إني أتجوز واحدة كان نفسي أتجوزها، ومافيش شهر وكنت كاتب عليها. قلته جميل.. قالي لا جميل ولا نيلة دي بهدلتني وخلتني أشوف المر، مكنش لازم أحدد الاسم، كان لازم أقول اللهم اختر لي فإني لا أحسن الاختيار ودبر لي فإني لا أحسن التدبير. وختم كلامه بقول الله 'وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا'."
ابتسمت لها روان برضى وهي تشعر بالسعادة لكون الله اختار لها هذا البلاء وسوف تصمد.
خرجت بعدما نادتها والدتها معلنة وصول زين. وجدت زين أمامها ببدلته والتي زادته وسامة على وسامته. سرق قلبها بطلته تلك. أما عن زين فكان قلبه يخفق بشدة. بدت جميلة جدًا بالنسبة له، هو دائمًا يراها جميلة، ولكن ثياب عرسها جعلتها أجمل. أبعد زين بصره عنها. لا يجب أن ينظر لها هكذا حتى يعقد قرآنه.
"يلا بقى يا عم الشيخ جوزنا." قالها زين بسعادة جعلت الجميع يضحك عليه. اقترب المأذون منهم لكي يعقد القران.
كان زين يشعر وكأنه يحلم. صغيرته سوف تصبح حلاله بعد لحظات. من ظل يعاني لأجلها. من كان يبعد نفسه عنها كي لا يغضب ربه، فكانت أمامه طوال الوقت ولكنها بعيدة أيضًا ولا يجوز له التخطي معها رغم كونها أمامه. ما مر به ليس بالهين وها هو يجني ثمار صبره.
لم يفق إلا على صوت المأذون وهو يقول:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير."
انتهى المأذون من جملته حتى صُدم الجميع من فعل زين...!!
رواية وسولت لي نفسي الفصل الأربعون 40 - بقلم روان الحاكم
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
نطق المأذون جملته الشهيرة، وما إن انتهى حتى امتلأ المنزل بالتصفيق. فقد أمرهم زين بأن لا يزغردوا، رُغم أن الجميع هنا نساء، ولكن حتى لا يسمع صوتهم الرجال بالخارج.
تجمعت الدموع بعيون زين وهو يُقاوم ألا يبكي. ها هي أصبحت زوجته.
اقترب منها ثم قدم يده لها لكي يلبسها خاتم الزواج. مدت الأخيرة يدها بتوتر. حاول زين إمساك يدها ولكنه ما زال لم يستوعب الأمر بعد، أخذ يقنع نفسه بأنها أصبحت زوجته وحلاله.
بيدٍ مرتجفة أمسك يدها. ولأول مرة منذ أن كبر، يمسك يد فتاة. والأجمل أن تلك الفتاة زوجته، ومن أحبها قلبه.
شعور جميل يغمره ما كان ليشعر به لولا تحفظه دائمًا حتى مع محبوبته. من قال بأن الحبيب لا يستطيع أن يصبر عن محبوبته؟ ها هو فعل ولم يغضب ربه.
ألبسها زين الخاتم بسعادة كبيرة. كان يريد في هذه اللحظة احتضانها بشدة ولكنه منع نفسه أمام الجميع. يعلم بأنه يجوز له احتضانها، ولكن حياءً منه وحفاظًا عليها أمام الجميع لم يفعل. فهو لا يحبذ من يحتضن زوجته أمام الكل. اكتفى فقط بتقبيل رأسها مع تصفيق الجميع مرة أخرى.
اقترب عمر منها وهو سعيد لأجلها. هم ليحتضنها ولكن أوقفته يد زين قائلًا:
"بتعمل إيه... إذا كان أنا جوزها معملتهاش؟"
أردف زين بغيرة وهو يمنعه من احتضانها.
"لأ مش هنبتديها تحكمات من أولها بقى."
قال عمر حديثه وهو يحتضنها عنوة، رُغم اعتراض زين، ولكنه لم يُرد أن ينزع فرحتها.
اقتربت ياسمين تحتضن زين بفرحة وهي تبارك له.
نظر لها عمر ثم ابتلع ريقه وهو يقول:
"هو اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه."
انفجرت روان ضاحكة عليه، بينما شدد زين من احتضانه لها قاصدًا إثارة غيظه.
أردف عمر مرة أخرى:
"خلاص يا أخ زين، مش لازم يبقى عندك ضمير أوي كده."
ابتعد زين عنها أخيرًا.
اقترب عمر من زين وهو يهمس:
"بما إن المأذون هنا... ماتكسب فينا ثواب وتوافق تجوزني أختك وتخلي المأذون يكتب كتابنا بالمرة، واهو زيتنا في دقيقنا."
تحدث عمر بتوسل له وهو ينظر لزين برجاء. صمت زين لحظات جعلت عمر يتوقع موافقته، ثم أردف:
"لأ."
رفض طلبه ببساطة شديدة، ثم أمسك يد روان ورحل مع تذمر عمر.
"طب جوزني أمك حتى... أي حد طيب."
لم يجب عليه زين واكتفى بابتسامة فقط.
وقفت روان أمام والدة زين وهي تنظر لها بتردد، فهي تعلم بأن زوجة عمها لا تحبها.
طالعتها الأخيرة بضيق. ما لبثت أن تذكرت خبر مرضها وبأنها أصبحت زوجة ابنها. لم تسمع لوساوس شيطانها هذه المرة، ولم تسمح لنفسها بأن تسول لها. حتى رق قلبها لها، ثم ابتسمت فاتحة ذراعيها لاحتضانها. توسعت عين روان بفرحة وهي لا تصدق، ثم ارتمت داخل أحضانها.
فاليوم من بداية مفاجآت بالنسبة لها. أخذت تدعو الله بأن يديم عليها سعادتها.
قبل زين يد والدته فرحًا لأجل تعاملها الحسن مع زوجته. ثم أمسك يدها وذهب بها تجاه الشرفة، والتي هي خالية عن أنظار الجميع.
أمسك يدها برفق ثم تحدث:
"مبارك عليا انتِ... حاسس إني بحلم وهصحى من الحلم."
إن كان قد أخبره أحد سابقًا بأن الحلال له مذاق حلو، هذا ما كان ليصدق. يشعر وكأن الدنيا لا تسع فرحته. وهكذا روان.
"أنا كمان مش مصدقة يازين... أنا عمري ما كرهتك يازين زي ما كنت مبينة. بالعكس، أنا كنت بعاملك وحش عشان أنت بعدت مرة واحدة، لأنه حرام وأنا مكنتش قادرة أستوعب ده ومعرفتش إنه صح غير دلوقتي."
"أنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي ياروان. من لما اتولدتي وأنا طول الوقت حاسس إنك مسؤولة مني، وحاليًا بقيتي مسؤولة رسمي."
صمتت روان ولم تجب. ظلت تنظر له بحب مثلما فعل زين. لا يوجد كلمات تصف ما بداخله. سوف ينظر لها دون خوف ولن يجبر نفسها على غض البصر عنها لأنها أصبحت زوجته. سوف يحادثها ويهتم لأمرها دون خوف من استباحة الحديث معها.
فمن آداب التحدث مع الأجنبي إذا كان لا بد من الاختلاط لضرورة... أن لا تطيل النظر، ولا تستبيح الحديث، وكفّ عن المزاح، والزم الكلفة، واجتنب حدوث الألفة، وإياك والخلوة، والكلام الذي له معنيان، واترك مسافة كافية... وإلا فاحفظ نفسك ونفوس من حولك ولا تختلط.
والاختلاط في الحقيقة مثله مثل الاختلاط على منصات التواصل. فلا تتهاون واتق الله حتى يجعل لك مخرجًا.
وهذا ما كان زين حريصًا عليه مع الجميع حتى أقاربه.
فاقت روان من شرودها على صوته وهو يقول:
"بكرة هنروح للدكتورة. أول يوم في جلسات الكيماوي."
"اهي ياماما.. هي دي البنت اللي قولتلك إني عايز اتجوزها."
التفت سميرة لما يشير إليها ابنها بفرحة شديدة حتى توسعت عيناها بصدمة.
"هي دي اللي رافض كل البنات اللي جبتهم عشانها؟ أنت اتجننت ياعمر... عايز تتجوز المعقدة دي، دي تلاقيها هي اللي أثرت على روان وغيرتها كدا.. إحنا ناقصين تخلف."
غضب عمر من حديث والدته عن ياسمين. كان خائفًا من رد فعل والدته لأنها متأثرة بالخارج.
"ومالها دي يا ماما.. مش عاجباكي عشان محترمة ومحافظة على نفسها، هي الوحيدة اللي وقفت قصادي ومسمحتليش أتخطى حدودي معاها، مش اللي حضرتك بتتكلمي عنهم وكانوا بيترموا تحت رجلي.. أنا أه عشت بره كتير بس لسه عندي مبادئ. اللي انتِ بتقولي عليهم دول آخري أصاحبهم مش أكتر، لكن يوم ما اتجوز هتجوز اللي تحفظ بيتي وتصوني في غيابي. اللي تربي عيالي تربية صالحة وتعلمهم دينهم."
صُدمت والدته من تغييره المفاجئ هكذا. هل أصبح ولدها معقد مثلهم؟
كانت تخشى بقاءه معهم لأجل ألا تتغير أفكاره. وتعجبون من تفكير والدته وتظنوه يحدث في الأفلام فقط، لكن أؤكد لكم وبشدة أن هناك الكثير من الأهل يكرهون التزام أبنائهم. يرون التحضر بالتفاخر والتظاهر والملابس القصيرة.
"لأ دا أنت بقيت زيهم بقى ومستحيل اسمحلك تتجوز واحدة زيها."
"وأنا مش هتجوز غيرها ياماما حتى لو مش هتجوز خالص."
عادت رغد المنزل بعدما استأذنت الجميع.
دلفت للداخل حتى وجدت والد حور ينتظرها. ألقت عليه تحية الإسلام أولًا واطمأنت على صحته.
ثم تحدث:
"يونس جاي يتقدملك يارغد.. قاعد مستنيكِ بره."
صُدمت رغد من وجوده، فهي غير مستعدة الآن لمقابلته.
وأمأت له بهدوء ثم ذهبت تجاهه ومعها والد حور.
"اقعدوا هنا... وأنا هقعد هنا بعيد عنكم شوية عشان تاخدوا راحتكم."
تحدث والد حور ثم ابتعد عنهم سامحًا لهم بالحديث لكي يأخذ كلا منهم راحته، فهي رؤية شرعية ويحق لهم الحديث بارتياحية.
همهم يونس بحرج وهو يقدم لها علبة الحلوى التي تفضلها رغد.
"هذه لأجلك صغيرتي."
أخذتها منه وهي تشكره ثم وضعت العلبة بجانبها. كان يونس يشعر بتغيرها نحوه ولكنه لا يدري السبب.
"جئت لخطبتك اليوم رغد، منذ أول يوم رأيتك حين أتيت هنا وأنا لا أستطيع إخراجك من عقلي. تمنيت حينها لو أن هذه الخطبة جدية وأنتِ هي العروس. حسنًا، يوجد كلام كثير بداخلي ولكن ليث أخبرني بأنه لا يجب أن أتحدث به إلا بعد العقد... والأهم الآن هل توافقين الزواج بي؟"
"إيه السبب اللي يخليني أوافق؟"
سألته رغد مباشرة مما جعل الأخير يعقد حاجبيه بتعجب فقد ظن بأنها ستفرح.
"لأجل أنكِ تحبينني مثلًا..؟"
أجاب يونس على سؤالها، وهذه أفضل إجابة بالنسبة له. وهل يوجد سبب أكبر من كونها تحبه لتوافق عليه؟
"هتعرف تطمني؟"
أردفت رغد بعد لحظات من الصمت، بينما لم يفهم يونس حديثها. حتى تابعت حديثها موضحة:
"الحب مش شيء كافٍ يخليني أوافق عليك يا يونس.. فيه حاجات كتير أهم من الحب."
"أيوجد شيء أهم من الحب!؟"
سألها يونس وهو يستنكر حديثها بشدة، فهو ما زال عند رأيه بأن الحب أهم شيء.
"الأمان... الأمان أهم بكتير من الحب. سهل إنك تحب، بس صعب إنك تأمن وجود حد بتحبه. أنت تقدر تحب أي حد بس صعب إنك تلاقي معاه الأمان. وللأسف أنا بحب.. بس فاقدة الأمان."
"أنا فقدت الأمان في كل حاجة يايونس. طول ما أنا معاك أو مع أي حد تاني مش هقدر أحس بالأمان وطول الوقت هكون حاسة إني ممكن أخسرك في أي لحظة ومش هكون مبسوطة. والخوف ده هيقتل أي حب جوايا، وأنت متستاهلش كل ده."
صمتت تأخذ أنفاسها بصعوبة وتفرك في يدها والتي تعرقت بشدة أثر توترها. وبثقل شديد وأنفاسٍ لاهثة تابعت حديثها:
"أنا آسفة يا يونس بس أنا مش موافقة."
لم تعطِ له فرصة للرد، ثم هبت واقفة من أمامه ورحلت.
تبقى يونس ينظر لأثرها بحزن شديد. هو يشعر بها لأنه أصبح وحيد مثلها، ولكن هذا لا يعطي لها الحق بالرفض والتحكم بمصير علاقتهما، فهي الوحيدة التي آنس رفقتها. من أحبها لتكون زوجته وأم أطفاله. رحل هو الأخير وهو يشعر بالحزن الشديد.
نزل ليث من السيارة مسرعًا وهو لا يعلم كيف وصل بتلك السرعة، فكان لا يرى أمامه شيئًا، ولكن كان قد فات الأوان.
المنزل مفحم بشدة وكل شيء داخله محترق ويقف بعض المارة أمامه بأسف.
توقف ليث عن الحراك وجثى على ركبتيه بصدمة.
"لأ.. لأ، لن أفقد آخر من تبقى له.. أبيه وأخيه بالداخل. هل تركوه ورحلوا بهذه السهولة؟ ألا يوجد شيء واحد في هذه الحياة يُسعده؟"
تساقطت دموعه بألم. تحامل على نفسه وذهب تجاه النيران. سوف يدخل لهم ويخرجهم ولكن معه بعض الرجال. ظل ليث يصرخ بهم بأن يتركوه، معللًا بأن أبيه وأخيه بالداخل، حتى تحدث أحدهم:
"هو.. الحاج الكبير اللي كان جوه عايش بس.."
توقف ليث عما يفعله بصدمة. أبيه ما زال عايش. أخذ يردد الحمد.
"بس إيه.. أنطق بسرعة."
سأله ليث بلهفة وهو يمسكه من ثيابه.
"اللي كان معاه مات."
وقع قلب ليث وتساقطت دموعه. لم يستطع الفرحة بوجود أخيه حتى توفى دون حتى أن يودعه. يشعر بالضياع الشديد. كان يريد أن يحتضنه ولو لمرة واحدة حتى. لم يشبع منه ولم يعامله بطريقة حسنة.
ماذا ستكون حالة أبيه؟
بحث ليث بعينيه عن أبيه حتى وجده بعيدًا مع أحد الرجال. ركض له ليث مسرعًا وهو يمسكه بلهفة يطمئن عليه.
"بابا... حبيبي أنت كويس؟"
سأله ليث وهو يتفحص جسده لكي يطمئن بأنه لم يحدث له شيء.
"أيوه يا ليث أنا كويس.. روحني البيت عشان عايز أرتاح."
تحدث أبيه بتعب شديد. لم يُرد ليث الضغط عليه وإخباره بما حدث. أسنده تجاه السيارة ثم أدخله وسار تجاه المنزل.
لم يتحدث أي منهما طوال الطريق فلم يقدر أحد على التحدث حتى وصلا إلى المنزل أخيرًا بعد عناء.
أنزله ليث وسانده ودلفا إلى الداخل. جلس محمود على أقرب كرسي له وهو يتذكر ما حدث.
خرج حامد والنيران تشتعل في المكان تاركًا إياهم بالداخل.
"ياسر.. ياسر ياحبيبي قوم قاوم عشان نخرج من هنا."
ظل محمود يحثه على المقاومة بينما لم يكن معه الأخير. يشعر بقرب أجله. ظل يشبع عينيه من ملامح وجه أبيه وهو يبتسم ثم قال:
"كنت حأزعل أوي لو مت قبل ما أشوفك كدا. هموت وأنا فرحان."
تحدث ياسر بوهن شديد. فزع أبيه من حديثه وهو يرفض رحيله.
"لا ياحبيبي قوم متقولش كده فيه حاجات كتير لسه معشنهاش سوا."
"كان نفسي أكون معاكم. أنا عشت مع واحد طول عمره بيزرع جوايا حقد وغل. عايزك تعتذر لحور على اللي عملته معاها أنا ندمت وتبت لربنا بعدها... أنا.. أنا فرحان إن ربنا مد في عمري لحد ما أتوب. عايزك تحضنلي ليث وتعتذر. قول له إني كان نفسي أشوفه بس محصلش نصيبه.. حنتقابل في الجنة."
تساقطت دموع محمود وهو يرى احمرار وجهه بشدة وهو يسعل.
"ابقى اسأل عليا في الجنة يابابا لو ملقتنيش."
نطق ليث جملته ثم ابتسم بتعب وكان آخر ما يقوله.
"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله."
نطق الشهادة ثم رحل وهو ما زال على وجهه تلك الابتسامة. بكى محمود عليه بشدة وأغمض عينيه بألم.
ما لبث حتى شعر بمن يأتي للداخل وينقذه ويخرج معه جثمان ابنه.
استفاق من شروده على صوت ياسر وهو يربت على كتفه وحور تقف جواره بعدما أخبرها ليث بالأمر.
لم تتحدث حور عن الأمر شيئًا. جلست جوار محمود وهو تمسك يده برفق ثم تحدثت:
"أنا مشوفتش في حياتي حد بيحب التاني زي ما سيدنا أبو بكر كان كان بيحب النبي. كان بيحبه بطريقة متتخيلوهاش لدرجة كانت مستعدة يعمل أي حاجة عشانه. كان بيمشي معاه يفضل يلتفت يمين وشمال خوفًا من أن أحد يؤذي النبي في الطريق من شدة حبه له. وكان أول واحد يسلم لما سيدنا محمد نزل عليه الوحي. وأول واحد صدقه لما حكى له عن رحلة الإسراء والمعراج. لما في مرة سأله سيدنا علي مين أقوى الرجال وكانوا يفتكروا إنه هيقول أنا لأنه خلع باب خيبر بيد واحدة، رغم كدا قال أبو بكر. الكل تعجب لأنه نحيف وكمان ضعيف. بدأ يحكي لهم إنه مرة كان صغير وشاف الكفار عايزين يؤذوا النبي ويقتلوه وكانوا بيضربوه. سيدنا أبو بكر أول ما شافهم كدا جرى عليه وحضنه وتلقى هو كل الضرب وهو بيصرخ فيهم وبيقول: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله." يومها ضرب جامد لدرجة افتكروا إنه مات والكل فضل يهتف ويقول مات أبو بكر ومكنش باين حاجة من ملامحه من شدة الضرب. شاله وراحوا بيه عند أمه وأول ما فاق قال: أين رسول الله. أمه حاولت تخليه ياكل وتعالجه بس هو رفض وفضل مصمم على موقفه ويقول: أين رسول الله. والله لن أضع شيئًا حتى أرى رسول الله. كان خائف النبي يكون جرى له حاجة وفضل يبكي ويتوسل لهم عشان يشوف النبي وبالفعل خدوه وراحوا بيه للنبي. أول ما شافه حضنه وفضل يبكي بشدة ويقول: "فداك أبي وأمي يا رسول الله." وفضل في حضن النبي... يالله في حضن النبي مستوعبين. والله لهو أحق الناس بهذا الحضن. مواقف كتير أوي لو فضلت أحكيها من هنا لبكرة مش هخلصها عن حب أبو بكر للنبي. تتخيلوا بقى لما النبي مات أبو بكر هيعمل إيه؟ لما السيدة عائشة خرجت وقالت مات رسول الله، سيدنا عمر أخرج سيفه وقال: من قال أن محمد قد مات قتلته. سيدنا عثمان بن عفان شُل ومقدرش يتحرك وقتها ولا تكلم. واحد من الصحابة قال: يارب خذ بصري ويرجعش غير يوم القيامة وأول حاجة أشوفها النبي. وربنا حقق دعوته بالفعل. لكن أبو بكر عمل إيه؟ ذهب على المنبر وقال: "من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت." شوفوا صبر إزاي وعمل إيه. عارف إنه هيشوفه في الجنة. هو أه حزن عليه لكنه صبر والجنه تستاهل. وإحنا في الجنة هنعرف أجر صبرنا دا وهنحمد ربنا عليه. هنلاقي ملائكة بتنادي في طرقات الجنة: "يا أهل الجنة، إن الله يستزيركم! فحيّ على زيارة الرحمن." تخيل ربنا جل جلاله يدعونا لزيارته! يحكيلنا حبيبنا النبي ﷺ إننا ساعتها هنخرج ونلاقي قدام قصورنا حاجة اسمها النجائب، وهي ركوبة ربنا خلقها مخصوص عشان يركبها أهل الجنة وهم رايحين يزوروه ﷻ. فنركب النجائب، ونوصل للوادي اللي هنزور فيه رب العزة. وفجأة.. هنسمع صوت عذب ينادي: "يا أهل الجنة سلام عليكم." فنرد كلنا في نفس اللحظة وقلبنا طاير من الفرحة ونقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام." فيقول الله ﷻ: "يا أهل الجنة هل رضيتهم؟" فنقول له يارب وكيف لا نرضي وقد غفرت ذنوبنا وأدخلتنا الجنة. فيقول الرب ﷻ: "يا أهل الجنة اسألوني ما شئتم.. فنقول له يارب ارض عنا.. فيقول ﷻ: يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أدخلتكم جنتي، فسألوني شيئًا آخر.. فنجتمع على كلمة واحدة.. يارب أرنا وجهك ننظر إليك.. فيقول سيدنا النبي ﷺ: "فتُكشف الحُجُب، فما أُعطوا لذة أحب إليهم من النظر إلى وجه الله الكريم." كنا دايما في الدنيا لما بنشوف حاجة جميلة أوي نقول: الله! بس يومها هتبقى أول مرة نقولها بجد.. الله! ومن شدة سعادتنا تفضل وجوهنا ناضرة مستبشرة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ"
صمت محمود قليلًا وقال آخر ما توقعه ليث سماعه.
"عشان خاطري يا زين مش هقدر.. صدقني والله مش هقدر، أنا مش حمل الكيماوي، دا غير إن أمل شفائي منه ضعيف.. سيبنا نستمتع بالباقي من حياتي سوا من غير ألم."
"لا هتقدرى ياروان وهنتخطى المرحلة دي سوا وهتخفي. انتِ بس خليكي قوية وأنا معاكِ."
حاول زين بث الأمان داخلها وتشجيعها، فهو يعلم بأن ما هي مقبلة عليه ليس بالهين.
"مش هقدر يا زين والله ما هقدر مش عايز تفهمني ليه.. أنا راضية والله مش معترضة بس مش هقدر على الكيماوي."
قالت جملتها ثم خارت قواها وجلست أرضًا تبكي بانهيار، بينما زين لم يستسلم. لم يعلق على حديثها. غاب عنها بعض اللحظات ثم عاد وهو يحمل صندوقًا بيده. تقدم منها مرة أخرى وهو يعطيها الصندوق. أمسكته بيدٍ مرتجفة وهي تطالعه بتعجب. مسحت دموعها ثم أردفت:
"ف.. فيه إيه الصندوق دا؟"
سألته بوهن وهي تتفحص الصندوق، لقد أثار فضولها حقًا. تشعر بأنها رأته من قبل ولكن لا تتذكر.
"فاكرة لما كنا بنلعب سوا زمان واحنا صغيرين وعملنا صندوق الأمنيات، كل فترة كان كل واحد بيكتب فيه اللي بيتمناه واتفقنا مش هنفتحه غير لما نكبر!!"
تحدث زين وهو يحاول تذكيرها بأمر الصندوق. شعرت بأن شيء هكذا مر عليها. توسعت عيناها وهي تتذكر أمر ذلك الصندوق.
"أيوه... فعلًا أنا افتكرت، بس مش فاكرة كتبت إيه."
"تعالي نفتحه ونشوف كتبنا إيه."
أخذ زين الصندوق منها مرة أخرى ثم فتحه. كان بداخله العديد من الأوراق ولكنها كانت قديمة تمامًا. أمسك بأول ورقة تقابله.
" تعالي ياستي نشوف كان نفسك في إيه..."
(عايزة لما أكبر يكون عندي محل كبير حلويات اشتغل فيه عشان أقعد آكل براحتي من غير فلوس)
أخذت روان تضحك. هل كانت طفسة إلى هذا الحد؟ ضحك زين عليها هو الآخر وهو يقول:
"خلاص ياستي هعملك محل حلويات مخصوص."
ثم تابع فتح باقي الأوراق والتي كانت باسمها هي أولًا.
أمسك الورقة ثم فتحها وقرأ بصوتٍ مرتفع.
(ماما أخبرتني اليوم أن أنا كبرت ومش ينفع أحضن حد أولاد لأن كده حرام وعيب، بس أنا بحب أحضن زين وعايزة لما نكبر يبقى ينفع أحضنه ومش يبقى حرام ولا عيب)
انتهى زين من قراءة رسالتها ثم انفجر ضاحكًا، بينما روان تورّدت وجنتها خجلًا. نظر لها زين ثم تحدث بمزاح:
"طب إيه رأيك أحقق لك الأمنية دي دلوقتي واهو مش حرام ولا عيب."
أخذ ضحك على تعابير وجهها.
"بس بقى يازين.. مش عارفة كتبت الكلام دا إزاي."
وضعت يدها على وجهها بخجل تتلاشى النظر له. ضحك زين عليها وهو يُكمل كي لا يزيد من إحراجها.
"طب تعالي نشوف دي كنتِ كبرتي شوية يارب تكوني عقلي."
أمسك الورقة ثم بدأ في قراءتها.
(النهارده المعلمة قالت لينا في الفصل إن اللي عايز حاجة بيدعي ربنا بيها، وأنا هفضل من هنا لحد ما نكبر أدعي ربنا إني اتجوزه، وكمان يكون عندنا عيال ونربيهم سوا. اممم لو جبت بنت هسميها فيروز ولو جبت ولد هسميه عبد الله. امم وهسيب عيلين لزين هو اللي يسميهم)
ترك زين الصندوق. فها هو وصل لمراده من تلك الرسالة.
اقترب منها وهو يمسك يدها برفق ثم تحدث بحنين:
"طب مش عشاني أنا ياروان.. عشان فيروز وعبد الله قاومي. مش نفسك يكون عندنا بيت وأولاد ونربيهم على حب وطاعة الله ورسوله.. بيت هادئ وساكن يغمره حب أولادنا، هساعد بعض في تربيتهم ونعلمهم دينهم صح ونحفظهم قرآن. هنصحى كلنا بليل نصلي الفجر والقيام. نقرأ الأذكار مع بعض ونحكي قصص الرسول والصحابة. نقولهم قد إيه إحنا تعبنا وقدرنا نتخطى كل اللي حصل معانا ونعرفهم قد إيه صبرنا وربنا عوضنا. ونعلمهم كمان الصبر وازاي قدرنا نصبر.. مش عايزانا نعيش مع بعض كل ده؟"
تساقطت دموعها أكثر وهي تبتسم بحنين وتتخيل كل كلمة قالها. ثم أومأت له برأسها وهي تقول:
"تفكر يا زين هعيش لحد ما نعمل كل ده؟"
"هتعيشي ياروان أنا واثق في ربنا. أنا استودعتك عند الذي لا تضيع ودائعه."
بدأت روان تشعر بالراحة الشديدة من حديثه.
كيف لصوته العذب أن يريحها هكذا.
"يلا ندخل عشان مجهز لك مفاجأة بعد ما نخلص."
ذهبت روان معه للداخل. جلست على المقعد وزين جوارها.
أتت الطبيبة وأمسكت بالتحاليل الجديدة. كان زين يشعر بالخوف الشديد والتوتر. سوف تخبرهم الآن عن حالتها. ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بما جعل قلب زين يسقط.