تحميل رواية «وش تالت» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مطلوب فتاة شديدة الجمال والأناقة، يفضل أن تكون عيونها زرقاء، وجهها أبيض، ملامحها طفولية، شعرها طويل، نحيفة، متوسطة الطول ولا مانع أن تكون قصيرة إذا استوفت باقي الشروط، تهوى الموسيقى والقراءة، مثقفة، وليس لها ماضٍ يلاحقها. تقطن منزل منعزل، لا تغادره قبل عام على الأقل، مرتب مرتفع لن أذكر قيمته إلا بعد المقابلة الشخصية. لأول وهلة وقعت عيني على إعلان الوظيفة في جريدة صفراء، ظننته مزحة ولم أتوقف عن الضحك. قلت في نفسي: "هذا شخص مختل، دمرته الحياة وقضت على روحه." ورغم تفاهة الإعلان إلا أنه شغلني. كاتب...
رواية وش تالت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
صباح الفل يا حبيبي، كل دا نوم؟
دخلت مروة الغرفة وعلى وجهها ابتسامة كبيرة.
وريني كده بتلعب في إيه؟
سحبت مروة الهاتف من يد مدحت.
دا انت منزل ألعاب كتيرة أوي أهو!
ممكن آخد منك شوية ألعاب؟
علشان نلعب سوا.
التليفون في إيدك أهو، انقلي للي انتي عايزاه واديني التليفون عشان فيه حاجة مهمة عايز أبص عليها.
خير يا حبيبي؟ هو فيه أهم مني؟
أهم منك مفيش في الدنيا كلها يا مرورة، دا انتي أغلى من كنوز العالم ودفاين المغارات اللي كل واحد منها يساوي ملايين خضرة.
لا لا لا، دا حبيبي باله رايق وبيعرف يقول كلام حلو أهو.
نفسي تفضل كده على طول يا مدحت.
وحشني كلامك الحلو.
اتفضل تليفونك، أنا خلصت.
تناول مدحت الهاتف بلا مبالاة، ثم أحضر برنامج التسجيل ووضعه فوق أذنه.
طيب، هسيبك تسمعي على راحتك وأروح أحضر لك أحلى فطار.
لوحت مروة بيدها، خالقة ابتسامة صافية.
أزيز، كان هناك أزيز وصوت فراغ. لم تكن هناك ولا كلمة واحدة داخل التسجيل الذي امتد لساعات، رغم أنه قدم البرنامج وآخره على أمل أن يسمع أي شيء.
بعدها فتح الاستديو ليتفقد الصور التي التقطها. لم يكن هناك وجود لأي صور، لا أسامة ولا غيره.
ألقى مدحت الهاتف على السرير. كان هناك جزء بداخله سعيد رغم ذلك. أيقن أن عقله يتلاعب به وأنه مريض بالفعل.
لا داعي للمقاومة، إذا لم تتحسن حالته سيذهب لطبيب آخر.
تناول مدحت طعامه، ثم بدل ملابسه واستعد للخروج.
لديه عمل عليه متابعته في المحجر، غائب منذ مدة وهناك مئات الجرارات خرجت أثناء غيابه ودفاتر عليه مراجعتها.
بينما استأذنت مروة في زيارة عائلتها وقالت إنها ستعود قبل رجوعه من العمل.
في المحجر، راجع مدحت دفاتر التشغيلات ووضع يده على مواطن القصور فيها.
كان لديه عقل صاحي ومستحيل تهرب من تحت يده تشغيلة، حتى وهو غائب.
كان لديه طريقة في حساب نقلات الرمل والزلط أفضل من أي آلة حاسبة.
بعد أن انتهى، ابتسم مدحت. غريب أمره.
في العمل لا تهرب منه أي تشغيلة، وفي المنزل عقله ضايع مخرف، يهذي ويخلط بين الحقيقة والخيال.
لديه أسطول نقل، حتى أسامة نفسه كان يعمل تحت يده قبل أن يشتري سيارته الخاصة ويعمل لحسابه.
هاتف زوجته مروة واطمأن أنها في بيت والدها، وأخبرها أنه ربما يتأخر بعض الوقت.
لكنه رغم ذلك عاد قبل رجوعها، ولم يتأخر في العمل مثلما أخبرها.
بعد أن غسل جسده وبدل ملابسه، رقد على الكنبة. هاتف مروة يخبرها أنه عاد إلى الشقة.
رد عليه صوت طفل صغير، صوت يتذكر أسامة أنه سمعه قبل ذلك.
تخيل مدحت أنه ابن أخت زوجته، فسأله: "انت مين يا ابني؟"
"دا محمود ابن هدى يا مدحت"، ردت مروة التي سحبت الهاتف فجأة.
"كان بيلعب في التليفون في الألعاب اللي أخدتها منك."
الساعة العاشرة مساءً، رجعت مروة إلى الشقة. تأكدت أن مدحت أخذ علاجه، فقد أخبرها أنه لن يتأخر عن أخذ العلاج مرة أخرى.
فتحت مروة درج التسريحة وتأكدت من عدد أقراص البرشام، قبل أن تبتسم وتقول: "إن شاء الله هتبقى كويس يا مدحت."
"خليكي مكانك، أنا عايز أدخلك صورة يا مروة، أصلي تليفوني جديد ومفيهوش أي صورة ليكي. عايز صورتك تنور التليفون بتاعي."
التقط مدحت صورة لمروة، ثم وضع الهاتف أمام عينها.
"إيه رأيك؟"
"صورة حلوة صح؟"
"انتي كمان صوريني صورة."
بيدها، التقطت مروة صورة لمدحت، ثم وضعت الهاتف في يده.
"طبعًا أكيد جعان؟"
"ثواني والعشا يكون جاهز."
"أنا هنزل دقيقة وارجع يا لبنى، مش هتأخر."
نزل مدحت إلى القبو، رفع المقعد نفسه الذي كان تحته الفأر، ثم مرر أصبعه فوق التراب المتراكم، قبل أن يعود إلى الشقة مرة أخرى.
رواية وش تالت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
وش_تالت
١٢
انت اخدت البرشام يا مدحت&;
سألت مروه اول ما مدحت رجع الشقه
ايوه اخدت البرشام متقلقيش مش هسمح ان عقلى يودينى
فى اماكن وحشه تاني&; عقلى بتدور فيه أفكار زفت
زى ايه مثلا&;
ابتسم مدحت&; تصورى عقلى القذر مصورلى ان فيه علاقه بينك وبين اسامه!!
لا ومش كده بس&; اول مبارح تهيألى انى سمعت صوت بيتكلم معاكى وانا نايم&; شوفتى تفكيرى زفت ازاى&;
حطيت التليفون يسجل علشان اريح مخى
ولقت ايه&;
ملقتش حاجه&; مكنش فيه اى صوت فى التسجيل
&; انا اسف يا مروة سامحينى&; بس خلاص انا عرفت انى عيان
وهاخد العلاج على طول..
كل يا حبيى&; لازم تاكل علشان بتاخد علاج كتير&; وانا مش زعلانه منك&; انت ياما شكيت فيا كتير مش اول مره
بجد يا مروه&;
بجد
ليه مش فاكر&;
مش فاكر حاجه ممكن تقوليلى&;
كنت كل يوم بتطلع بقصه جديده يا مدحت لو حكيت مش هنخلص
لكن انت مش فاكر انى اشتكيت ليك من أسامه&;
ازاى هيكون ليه علاقه بيه وانا بتشكتى من حضورك البيت هنا&;
انا بفكر اتصالح مع اسامه يا مروه&; هعتذرله انا غلطت فى حقه
لا.... بلاش يا مدحت&; انا فعلآ مخنوقه من اسامه ومش عايزاه يجي البيت هنا خالص
بتدايق لما يجى البيت وانت مش موجود
خلاص براحتك يا مروه إلى انتى عايزاه هعمله
انا هدخل انام بقا&; عايزه حاجه&;
شكرا يا حبيى انا هسهر شويه قدام التليفزيون وانام
رقد مدحت على سريره وهو يشعر بالراحه وما ان اغمض عينيه حتى سمع صوت مروه فى الهاتف
ازيك يا حبيبي&; عامل ايه&; بكره ولا بعده هعدى عليك اشوفك
انت وحشتنى اووى ونفسى تكون فى حضنى لكن الظروف صعبه
لا متقلقش هعدى عليك&; وانا كمان بحبك
ثم سكن الصوت وساد الهدوء داخل الشقه...
على طاولة الإفطار قال مدحت&; مروه انا سمعتك بتتكلمى فى التليفون امبارح
مدحت احنا هنرجع تانى&;
انا مصدقت انك بقيت كويس وبقيت بتاخد العلاج
&;
رواية وش تالت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
وش_تالت
13
لابد أن مدحت قصد القبو في العشرة أيام اللاحقة، عدت مرات قبل أن يذهب للعمل وبعد عودته من العمل.
كان يستخدم أصبعه مقياس لتراكم الأتربة تحت المقعد المهشم، والجرذان لم تظهر مرة أخرى.
وكان يسجل مقدار تراكم الأتربة كل يوم في دفتر منفصل، وكان يسجل أسماء الأشخاص الذين يلتقيهم باستمرار، رغم أنه لم يكن في حاجة لذلك.
فقد كان يحفظ أسماء عماله وتنقلاتهم.
وبعد شهر كامل، حدثت مجموعة من التغيرات في العمل، حيث نسي مدحت أن يسجل مجموعة من الحمولات.
وعندما أخبر مروة بذلك، قالت:
- ولو أنه غصب عني، لكن لو تخلى أسامة يساعدك في المحجر يكون أحسن.
وسألها مدحت:
- لكنك كنتِ تعارضين فكرة قربي من أسامة. ما الذي تغير؟
قالت مروة:
- لا شيء تغير، لكن لا أرى أحدًا يصلح للمهمة أكثر منه. هو صديقك قبل كل شيء.
عاد أسامة للمحجر يعمل تحت أمرة مدحت، سرعان ما أثبت كفأته، حتى أنه توصل بسرعة للحمولات التي لم تسجل.
بعد بحث وتقصي، وبعد تدقيق في الدفتر، وجد أنه هناك حمولات مشطوبة وتلاعب في الحسابات.
كان هناك أحد عمال المكتب يخرج حمولات لحسابه، أو على الأقل يمحو السجل المكتوب أصلاً.
وكان مدحت يترك عمله قبل موعده ويذهب إلى منزله، وكان أسامة يقوم بجميع المهام على أكمل وجه.
في المنزل، كان مدحت يأخذ حبوب الهلوسة والهذيان، كانت مروة تتأكد من ذلك بنفسها.
وفي الليل، كان مدحت يسمع همسات مروة في الصالة، ويسجل كل شيء، لكن في الصباح يكون التسجيل فارغ.
ثم خرج مدحت ذات يوم يحمل الدلو والفرشاة ونظف القبو من الأتربة، ثم سجل ذلك في دفتره.
وممن جديد راح يسجل مقياس تراكم الأتربة في القبو كل يوم.
- أنت فين يا مدحت؟ خرجت من غير ما تقولي؟
- أنا رايح عند والدتك يا مروة أزورها، بقالي زمان ما روحتش هناك.
وبعد أن وصل مدحت إلى منزل حماته، لم يجدها في المنزل.
ولولا أنه هاتف مروة، لشك أن حماته غير موجودة من الأساس.
عاد مدحت إلى المنزل وقال لمروة:
- لم أجد والدتك في البيت.
قالت مروة:
- آه نسيت أقولك، والدتي سافرت البلد عند أهلها ومش هترجع قبل شهر.
- بعد شهر تمام؟ طيب كنتِ قلتي من البداية أفضل ما أروح هناك زي العبيط.
- نسيت والله، قالت مروة بلا مبالاة.
وفي اليوم التالي، ذهب مدحت لبيت حماته وسأل الغفير عنها.
وكان الرجل يعرفه، وأخبره أن الست فريدة تركت المنزل أمس.
- أمس؟ متى؟
- كم كانت الساعة؟
- الساعة الخامسة عصرًا.
فكر مدحت: يعني قبل وصولي بربع ساعة.
وتعجب مدحت من الصدفة، نفس اليوم الذي قرر فيه زياراتها، بل نفس الساعة تقريبًا.
وفي العمل، سمع أسامة يتحدث مع أحد العمال دون أن يراه أحد، وكان العامل يقول:
- إنه نفذ المطلوب ومسح النقلات من السجل.
رواية وش تالت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
كانت مروة تتابع جرعات الدواء باستمرار، بينما كان مدحت يخرج بعد أن ترك العمل لأسامة في جولات خارجية وصفها بـ "قتل الملل". واصل مراقبة القبو والشارع ومنزل حماته، التي قالت زوجته إنها ستقضي شهر إجازة عند أهلها.
عادت حماته إلى بيتها بعد يومين بالتمام والكمال.
كان مدحت لا يستطيع أن يفهم لماذا تتعمد حماته عدم مقابلته أو الرد على هاتفه. كان يعزو ذلك لمرضه النفسي، وأنه ربما أساء إليها دون أن يدري، فهو لا يستطيع تذكر الماضي.
كان يعتقد أنها تتعمد عدم مقابلته لسوء سلوكه، فلم يحاول أن يتواصل معها. إلا أنه رغم ذلك، لم يخفَ عليه الطفل الذي يخرج مع حماته، طفل في نفس عمر ابنه المتخيل. وقد توصل أن القبو وبقعة الدم التي تم مسحها كانت موجودة لأن المكان كان نظيفًا، بعدما أخبر مروة بما شاهده.
لم يقتنع أبدًا أن بقعة الدم انمحت من تلقاء نفسها، وكان يسجل كل ذلك في دفتره. وبعد شهرين من التدقيق، واجه زوجته، والتي أنكرت كل شيء. راحت تبكي وتصرخ وتنوح لأن جرعات الدواء لا تأتي بمفعولها.
قالت مروة: "لابد من عرضك على دكتور جديد يا مدحت". استحسن مدحت الفكرة. دكتور جديد سيصف حالته أمام عينيه ويمحو الشك من عقله.
وذهب مع مروة للدكتور النفسي، الذي عاين الفحوصات والتحاليل بدقة. وبعد جلسة قضاها مع مدحت، شرح له حالته النفسية وأنه مريض نفسي، وأن عقله يختلق عالمًا موازيًا بكل تفاصيله، وأن فكرة المؤامرة هي نتاج عقله المريض.
تأكد مدحت أنه مريض نفسي واعترف أمام زوجته بخطئه.
قال بصراحة لزوجته: "أنا من إيدك دي لإيدك دي"، وأنه لن يقوم بأي أفعال محرجة مرة أخرى.
وكان يسمع هاتفه زوجته في الليل، ويقنع نفسه أنها من اختلاق عقله. حتى أنه مرة رأى أسامة يدخل بيته، فلم يذهب خلفه.
بل ذهب إلى المحجر، وهناك راجع الدفاتر. وقبل رحيله، قابله أحد العمال، رجل طيب يعرفه مدحت من زمن بعيد.
الرجل أكد له أن العمل كان يسير بطريقة جيدة في وجوده، وأن هناك عاملًا كان يدخل المكتب بعد رحيله ويغير التواريخ والمعاملات.
لكن مدحت عزى ذلك لغيرة العمل والوشاية. حتى أقسم له الرجل أن أسامة يسرقه. ثم وضع أمام مدحت دفترًا آخر غير الدفتر الذي سجل فيه أوامر شغل المحجر.
اكتشف مدحت أن هناك دفترين للتسجيل، وأن هناك تغيرات في تواريخ وأماكن الحمولات.
راجع مدحت كل شيء، وطلب من الرجل أن لا يفتح فمه، وأنه سيقوم بنفسه بحل المشكلة.
ثم هاتف حماته، ورد عليه طفل صغير ناداه "بابا". لكن حماته اختطفت الهاتف من الطفل وتحدثت معه، وشرحت له أنه ابن بنتها الثانية، وأنه اعتقد أنه والدها.
بعدها، ورغم الشك، واصل مدحت مراقبة الشقة دون أن يفتح فمه. يقول إنه ذاهب إلى العمل، ثم يراقب المنزل. وفي أوقات غيابه، أسامة يذهب إلى شقته.
رواية وش تالت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
رأى مدحت أسامة يتسحب على السلم، وعندما رآه على وشك صعود الشقة، اختفى فوق سطح المنزل.
دخل مدحت شقته وهو يفرك ذقنه.
"هو أنا اللي أنا شوفته حقيقي ولا خيال؟"
سألته مروة: "فيه إيه؟"
"أصل اتخيلت في أسامة كان نازل من الشقة، لكن عارف إنه وهم زي ما الدكتور بيقول."
وقفت مروة.
"مدحت، طالما شفت حاجة زي كده حتى لو كان وهم لازم تتأكد. اطلع على السطح وريح دماغك من الشك."
صعد مدحت سطح منزله ولم يجد لا أسامة ولا غيره.
"اطمنت؟"
"أيوه اطمنت. عندك حق كان لازم أعمل كده، عشان عقلي يرتاح."
وبعد أن تناول طعامه، دخل إلى غرفته ليأخذ جرعات الدواء كما طلبت منه زوجته.
ثم نزل إلى المحجر مرة أخرى وأغلق المكتب على نفسه وراجع الحسابات كلها من أول العام حتى تاريخه من كلا الدفترين، الأصلي والدفتر الآخر.
استغرق ذلك وقتًا طويلاً حتى بعد منتصف الليل. بعدها مر على المقهى واعترف للنادل أنه يرى تهيؤات وأن مرضه النفسي يزداد باستمرار. القهوجي الذي لا تنبل في فمه فولة حكى لكل الرواد عن مرض المعلم مدحت. منهم من شمت، ومنهم من قال ربنا يشفيه، وآخرين قالوا كان واضح إنه مريض نفسي.
ثم بعد ذلك مر على عمارة حماته وجلس مع الغفير نصف ساعة قبل أن يعود إلى منزله وينام حتى الصبح.
يستيقظ مدحت من النوم متأخرًا جدًا من تأثير جرعات الدواء. زوجته تعرف ذلك.
عندما يأخذ جرعات العلاج لا يسمع أي شيء كأنه ميت.
اليوم التالي قصد بيت حماته مرة أخرى. وقف بعيد يراقب الطفل الذي يشبه ابنه يلعب في الشارع.
وعندما ذهب الطفل ليشترى الحلويات قابله مدحت.
والطفل ناداه "بابا". ومدحت اشترى له حلويات كثيرة حتى لو كان يعرف أنه ليس والده.
ثم ذهب إلى المحجر وفي آخر النهار عاد إلى القبو ثم إلى شقته. وبعد أن تناول الغداء أخبر زوجته أنه سيخرج لرحلة عمل تمتد يوم أو يومين وأنه لن يتأخر.
ثم أخذ سيارة أجرة وابتعد عن البلدة. وكان قد طلب من أسامة أن يهتم بالمحجر والبيت خلال غيابه.
كانت هناك صفقة مهمة عليه إبرامها بسرعة فائقة.
وبعد يومين أخبر زوجته في الهاتف أنه سيغيب يومين آخرين يغير جو في الإسكندرية، يمكن حاله ينصلح.
رواية وش تالت الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
عندما جلس مدحت على شاطيء البحر اكتشف أن الأمواج تكرر نفسها. رغم ذلك، الموجه ذاتها لا تتكرر مرتين. إن الذين يكررون أنفسهم باستمرار حتمًا سيأتي يوم ويشعرون بالملل. رغم ذلك، الملل موجود منذ أول مرة، فكل شيء يفقد متعته بالتكرار حتى إذا كنا نحبه. ثم أنه وجد أن الفوضى تجتاح كل الأماكن التي يعيش فيها. إذا كان البحر غير قادر على أن يمنحه الهدوء، فلما العجلة؟
ورغم أفكاره غريبة ومجنونة، إلا أنه يحب زوجته مروة. الحب ليس قصة خيالية، بل حقيقة ملموسة على أرض الواقع. أن أغلب التنازلات التي تحدث للكائن البشري منبعها الحب في الغالب. أنه يحبها، ولطالما أحبها منذ حتى قبل زواجه. وقد كان وقوفها إلى جواره يمنحه شعورًا بالشفقة في الليالي المظلمة التي لا قمر فيها. ذلك الحب الذي راح يتضخم لدرجة لا يسعها صدره وقلبه.
بعد أن عرى قدميه، مشى مدحت داخل المياه الضحلة حتى ابتل بنطاله، ثم ودع البحر بنظرة أخيرة.
واستقل السيارة نحو منزله. وقبل أن يصعد المنزل، جلس في المقهى. وحتى وهو مجنون، لا أحد يضايقه لأنه يدفع.
ثم سمع همسات وغمزات عن زوجته وأسامة الذي يصعد شقته في غيابه. وداخل الشقة، أسامة لا يعلم زوجته اليوجا أو يشرح لها دروس الرسم، بل تحدث أشياء قذرة.
لكنهم يعلمون أنهم متوهمون. إن هو المتوهم الكبير، فما يسمعه ليس الحقيقة، بل ما يحبه عقله.
وعندما سمع هذا الكلام، ارتجفت يده. فنهض بسرعة كأنه هارب. لم يذهب إلى شقته على الفور، بل ذهب إلى القبو حيث توجد الحقيقة الوحيدة التي تأكد منها.
كل الأطباء الذين قصدهم مع مروة أكدوا له أنه مريض نفسي. مريض انفصام في الشخصية.
أخرج صندوقًا وفتحه، ثم وضع يده على الحديد البارد. ثم أغلق القبو وصعد الدرج تجاه شقته. فتح الباب بهدوء.
لطالما تعلم ذلك حتى لا يزعج زوجته. ثم نزع حذائه بنفس الهدوء وسار تجاه غرفة النوم حيث يسمع الهمسات الكاذبة.
كان الباب غير مغلق تمامًا، موروب. ألقى نظرة متفحصة، ثم بيد مرتعشة فتح الباب. وقبل أن يتحرك أي شيء.
قبل أن يهرب جرذان القبو الكاذب، أطلق الرصاص من طبنجته. افرغ الخزنة كلها. ثم وقف دقيقة يتأكد أن كل شيء خمد. اقترب من السرير ورفع الملاءة. كان دم كثير يسيل. وضع أصبعه وتذوقه، ثم أشعل سيجاره وفتح باب الشقة على مصراعيه.
صوت إطلاق الرصاص وصل لجيرانه الذين ركضوا من باب الشقة المفتوح نحو غرفة النوم.
عندما حضرت الشرطة، كان مدحت جالسًا في الصالة غير مبالٍ بصرخات النساء أو رجال الشرطة والإسعاف.
قيده ضابط الشرطة، وضع في يده الكلابشات، ومدحت لا يعرف ماذا حدث.
"مريض نفسي يا باشا، دماغه من زمان مكنتش فيه." سمع ضابط الشرطة كلام جيرانه ورواد المقهى الذي يجلس فيه مدحت. ثم أخرج رجال الإسعاف جثتين عاريتين من غرفة نوم مدحت، زوجته وأسامة.
وفي النيابة، كان مدحت يهذي بكلام كثير لم يفهمه وكيل النيابة. وعرف بعدها أنه مريض نفسي.
قيدت القضية دفاعًا عن الشرف، رغم تأكد النيابة أن مدحت مشخص بمريض نفسي من شهادة الأطباء الذين تلقى العلاج على أيديهم. وبعد فحصه من الجهات المعنية، تأكد ما سبق.
وفي المحكمة، أصدر القاضي حكمه بالحبس بدلًا من الإعدام لثبوت جريمة الزنا.
ثم علق الحكم نفسه لأن مدحت مريض نفسي كما أثبت محاميه، وتم إيداعه في مشفى نفسي ليتلقى العلاج والعقوبة المخففة التي أقرها القاضي عام واحد.
بعد عام وشهر واحد، خرج مدحت من المشفى. كان قد قضى عقوبة جريمته، وكان الأطباء أقروا تحسنه الملحوظ الذي يسمح له بممارسة حياته العادية.
عاد مدحت إلى شقته، وبعد أيام قرر بيعها وشراء شقة أخرى.
أعاد طلائها وتأثيثها، شقة واسعة ورحبة متعددة الغرف.
ثم استأجر خادمة.
وفي اليوم الأول لعودته إلى المحجر، أجرى حملة إقالات واسعة لمجموعة من الأشخاص. وللسخرية، كان جميعهم متورطون مع أسامة في الماضي.
حتى أن بقية العاملين اندهشوا كيف تتطال الإقالات كل العمال الفاسدين دفعة واحدة، ودون خطأ، ودون أن يظلم عامل بريء. لكن لم يتجرأ أحد على فتح فمه.
ثم بعد خمسة عشر يومًا، أحضر ابنه الوحيد من عند حماته. فقد اتضح أن له ابنين، زوجته في السنة الأخيرة كانت تتعمد أن تتركه عند والدتها متحججة بمرض مدحت النفسي.
كانت حماته قد رفضت وقررت أن تصعد الأمر إلى المحكمة والشرطة، ولا يعرف أحد كيف استطاع مدحت أن يقنعها.
حتى أنها أغلقت فمها تمامًا عن ذلك الموضوع.
وفي المقهى، دخل مدحت في مجموعة مشادات مع خلق كثير، كان بعضها ينتهي بأقسام الشرطة ثم الصلح.
كان مدحت كل يوم أو يومين يوسع أحدهم ضربًا حتى يفقده الوعي. ومن باب الصدفة والغربة أيضًا، أنهم كانوا نفس الأشخاص الذين يطعنون في شرفه ويتهمونه بالجنون. بينما كان يعامل الآخرين بطريقة جيدة جدًا.
وبعد ثلاثة شهور من خروجه من المشفى، وجد شابًا مصابًا بجروح وعاهة مستديمة في مقلب قمامة.
وقد كان هذا الشاب يعيش في الحي المجاور، ولم يعرف أحد سبب الجريمة. لكنه وجد فاقد الوعي على بعد شقتين من عمارة مدحت.
تعرف عليه عامل المقهى، حيث أكد أنه رآه منذ زمن بعيد يراقب شقة مدحت قبل أكثر من عام، قبل أن يختفي من الحي ولم يراه إلا اليوم.
وبعد تلك الحادثة بأيام، أقام مدحت احتفالًا ضخمًا ذبح فيه عجلًا وزعه على أهل الحي، وظهر يضحك للمرة الأولى منذ أكثر من عامين.
وسرعان ما اختفت الهمسات القائلة إن مدحت عاد ليصفّي حساباته القديمة ويغلقها بالضفة والمفتاح.