تحميل رواية «ونس» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يجلس خلف مكتبه الكبير يراجع كل الأوراق التي أمامه بتركيز شديد. هو المسؤول الأول والأخير عن أموال العائلة، وعليه أن يقرأ كل ورقة وكل حرف. رغم خلافه الكبير مع والدته، والذي على أثره ترك قصر الصواف، لكنه لم يترك مسؤولياته كمدير لشركات الصواف، والمسؤول الأوحد. هو أديم الصواف، ابن عائلة الصواف الأكبر، في عامه الخامس والثلاثون. لديه أختان أصغر منه. تزوجت الأولى من ابن عمه حاتم، والأخرى على وشك الخطبة من ابن عمه الآخر طارق. وهو أيضًا يعتبرهما أصدقاءه الوحيدين، لكن حاتم الأقرب إليه. بسبب ثرائهم الفاحش،...
رواية ونس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة مجدي
غادر أديم غرفة نرمين ليجد سالي تقف أمامه، كادت أن تطرق الباب. ظل أديم ينظر إلى أخته ثم قال بحب يحمل الكثير من الأسف:
- ممكن نقعد نتكلم شوية أنا وأنتِ.
أومأت سالي بنعم مع ابتسامة رقيقة وهي تشير له أن يسير معها. ليحاوط كتفها وهو يقول:
- تعرفي أنك وحشاني قوي.
نظرت له بعدم تصديق. ليقول بأسف:
- عارف أني مقصر معاكِ.
استريحت رأسها على كتفه وهي تقول:
- نرمين كويسة، أنا كنت عايزة أطمن عليها.. قبل ما تطلع أوضتها كان شكلها غريب؟
ليقبل أعلى رأسها وقال موضحًا:
- نرمين جالها عريس.. وعلشان كده متلخبطة.. وحبت تقعد لوحدها علشان تفكر.
ابتسمت بسعادة.. لكنها قالت بشك:
- طيب وطارق؟
فتح باب الغرفة ودلفوا وهو يقول:
- ده موضوع يطول شرحه.. خليني أطمن عليكي أنتِ الأول.. وبعدين أحكيلك كل حاجة.
جلست على الأريكة وجلس بجانبها ليقول مباشرة:
- قوليلى بقى أخبارك أيه؟ والواد حاتم عامل معاكي أيه؟ قوليلي لو مزعلك أجيبله.
لتقاطعه وهي تقول:
- حاتم مفيش منه.. أنا إللي كنت مزعلاه.. ولولا عقله وقلبه الكبير إللي بيحبني هو إللي رجعني لعقلي وأنقذ علاقتنا من الضياع والفشل.
شعر بالقلق وظهر على ملامحه. لتقول حتى تطمئنه:
- أطمن.. أحنا كويسين أوي.. حتى أني بعيش أجمل أيام حياتي معاه.. أتغيرت بقيت أشوف الدنيا بشكل مختلف.. وأكيد أنت لاحظت التغير الواضح في مواقفي وأسلوبي.
أومأ بنعم لتكمل كلماتها:
- أنا كنت لعبة في إيد مامي.. كنت بحكم على كل حاجة بسطحية وميهمنيش إلا المظاهر وبس.. لكن حاتم قدر يخليني أفهم أن كل حاجة ليها أكتر من شكل وإني مينفعش أحكم على حاجة من وجهة نظري بس.. كمان عرفت أن الحب أعمق وأكبر كتير من كل المظاهر الكذابة إللي بيعملها الولاد للبنات علشان يكسبوا قلوبهم بالكلام المعسول.. مش هو ده الحب.. الحب الحقيقي إنك تقبل شريكك بكل عيوبه قبل مميزاته.. إنك تحفظ تفاصيله.. بيحب أيه.. بيكره أيه.. بيخاف من أيه.. بيطمن أمتى.. إنك تحس جمبه بالأمان والراحة وأنك جوه بيتك.. هو ده الحب يا أبيه.
يستمع إلى كلماتها وهو يتذكر إحساسه مع ونس.. ذلك الشعور الذي كان يتمناه.. ويحلم به.. ولم يجده مع أحد سواها. لكنها وبكل قسوة جرحت قلبه.. شوهت إحساسه وألمت روحه. حاول الخروج من أفكاره وأبتسم ابتسامة صغيرة وقال بسعادة:
- الحمدلله أنك فهمتي.. حاتم راجل مميز.. عمري ما كنت هطمن عليكي مع حد غيره.. راجل من كل قلبه بيحبك.. ومستعد يعمل كل حاجة علشان خاطرك.. حافظي عليه يا سالي.. وحافظي على حبكم وحياتكم.
أومأت بنعم وهي تقول بتأكيد:
- أنا مقدرش أعيش من غير حاتم.. متقلقش.
كان يستمع لحديثهم منذ البداية.. وكم أسعدته كلماتها التي خرجت من قلبها بصدق. ليطرق بقوة على الباب وقال بابتسامة مرحة:
- خيانة مراتي وأخوها في أوضتي وعلى سريري.
ليضحكا سويا وهي تقول مشاركة في المرح:
- أيوه.. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى.
ليضمها حاتم بقوة وقبل رأسها بحنان قائلاً يكمل كلماتها:
- حتى يراق على جوانبه دمي.
لـ تضمـه بقوة وهي تقول:
- بعد الشر عنك.
ليلوِ أديم شفتيه بمتعاض قائلاً وهو يغادر:
- قرف.. إيه المحن ده.
ليضحكوا جميعاً.. حين نظر إليهم بتقزز وغادر الغرفة. ليقبله حاتم من جديد.. وهو يهمس لها بكلمات العشق والغزل. لتقول من جديد:
- جبت الفول؟
- بالليل هنتعشى منه.. وعاملك مفاجأة.
أجابها بهمس أيضًا وكأنهم يتحدثون عن ممنوعات.. وليس طعام عادي وبسيط. لتصفق بسعادة وهي تقول:
- ربنا يخليك ليا يارب.
***
قرر أديم الذهاب إلى المؤسسة أولاً. وفي المساء يتحدث مع شاهيناز في أمر فيصل.. حتى يكون ترك وقت كافٍ لنرمين تفكر جيدًا.
حين وصل إلى هناك شعر ببعض القلق الواضح على وجه السكرتيرة التي قالت وهي تشير لغرفة مكتبه:
- في ظابط مستني حضرتك جوه.
أومأ أديم بنعم وهو يتحرك في اتجاه غرفته بثبات لكنه كان يفكر في سبب تلك الزيارة. أغلق الباب خلفه وهو يقول بترحيب:
- أهلاً وسهلاً حضرة الظابط.
ليقف همام ينظر إلى أديم وبادله التحية وهو يقول:
- أهلاً بيك أديم باشا.. أسف على الزيارة الغير متوقعة.. وآسف كمان على أني أصريت أستناك هنا في مكتبك.
ابتسم أديم وهو يجلس على الكرسي الخاص به خلف مكتبه وقال:
- مفيش داعي للاعتذار همام باشا.. حضرتك تشرف المؤسسة في أي وقت.
جلس همام واضعًا قدم فوق الأخرى وهو يتأمل أديم عن قرب. أن هيئته مميزة وله هيبة طبيعية دون ادعاء. صحيح يبدو أقرب إلى النفس غير إحساسه به حين شاهده في المؤتمر الصحفي. وذلك جعله يقول:
- أنا جاي هنا بخصوص البلاغ إللي أنت قدمته.. في الحقيقة في شوية تفاصيل عايز أعرفها منك بوضوح وبالتفصيل.
ليؤمئ أديم بنعم. ليقول همام من جديد:
- حضرتك تفتكر الصحفية مختفية فين؟
قطب أديم بين حاجبيه وقال ببعض الاستخفاف:
- أعتقد أنا آخر واحد ممكن يتسأل السؤال ده.
- صحيح.. لكن قولت ممكن يكون عندك خلفية بما إنها فضلت شغالة عندك لفترة.
وضح همام وجهة نظره ليقول اديم ببعض الاسترسال:
- هي مشتغلتش مدة طويلة.. هي افتكرت أنها خلصت مهمتها ومشيت.. ومشفتهاش من وقتها. وكل اللي كانت بتقوله أنها عايشة مع والدتها وأخواتها.. بس طبعًا ده كله ممكن يكون كذب.
هز همام رأسه بنعم ثم قال:
- مدير الجريدة قال إن كان هناك أدلة تثبت كل كلمة قالوها في المقال الصحفي.
- تمام.. يظهر الأدلة دي ونشوف.
قال أديم كلماته بهدوء شديد لكن بقوة أيضًا أظهرت ثباته. غادر مقعده ودار حول المكتب وجلس على الكرسي المواجه لهمام وقال:
- أنا معنديش حاجة أخاف منها.. وإللي عنده أي حاجة تديني يواجهني بيها.. مؤسسة الصواف ليها اسمها وسمعتها ووزنها في السوق من زمان.. مش لسه جديدة.. وبالنسبة للكلام إللي يخص النسب ده شيء ميخصش حد أبداً ويعتبر تشهير واضح وصريح.
ابتسم همام ابتسامة وقورة قائلاً بمرح:
- حضرتك طبعاً معاك حق.. لكن للأسف في الزمن إللي أحنا فيه ده كل شيء بقى مشاع.. السوشيال ميديا خلت حياتنا كلها على الملأ.. والترند لحس مخ الناس.. حتى لو بالفضايح والتشهير.
أنزل قدمه ثم وقف وأكمل قائلاً:
- أنا كنت محتاج أتكلم معاك وش لوش.. وده فادني جداً.. وان شاء الله نلاقي الصحفية.. ونرجع لكل واحد حقه.
ابتسم أديم ووقف حتى يودع همام. لكن أوقفهم طرقات على الباب ودخول كاميليا وهي تقول بخوف:
- ألحقني يا أديم.
أقترب منها أديم سريعاً وقال بقلق:
- مالك يا كاميليا.. أيه إللي حصل؟
لتنتبه لوجود همام فحركت عيونها بينه وبين أديم. ليستعيد أديم هدوئه وقال معرفاً:
- حضرة الظابط همام إللي ماسك القضية.
ثم أشار على كاميليا وقال:
- الآنسة كاميليا الصواف بنت عمي.
حياها همام بابتسامة صغيرة ثم مد يده لأديم وقال:
- فرصة سعيدة جداً يا باشمهندس أديم. سعيد أني قابلتك.
ليمد أديم يديه يحيه وقال بصدق:
- أنا أسعد.. شرفت.
غادر همام المكتب لكنه نسي قلبه بالداخل. حين دلفت كاميليا إلى الغرفة بعيون خائفة لمست قلبه. وشعر بحمية رجولية تريد أن تضمها إلى صدره تطمئنها وتحميها. يريد أن يعرف ما سبب هذا الخوف. لكنه أخذ نفس عميق لعله يهدئ من إحساسه ورغبته القوية في العودة إلى الداخل ومعرفة ما يحدث.
***
- في أيه يا كاميليا؟
- طارق.
كلمة واحدة كفيلة تجيب على كل التساؤلات التي تدور في رأسه. لكنه قال بهدوء قدر استطاعته:
- عمل إيه؟ هو عرف يوصلك؟
هزت رأسها بلا وقالت وهي تتوجه إلى أقرب كرسي والذي كان يجلس عليه همام منذ قليل وقالت بصوت باكي مرتعش:
- اتصل بيا وقعد يزعق ويهدد.. وفي آخر المكالمة قالي لو مرجعتيش القصر النهاردة هقتلك وهقتل أديم بتاعك إللي أنتِ متحامية فيه وإللي عامل حامي الحما.
جلس أديم على الكرسي المواجه لها وقال بابتسامة:
- طارق جبان ومش هيقدر يعمل حاجة.
ثم رفع سماعة الهاتف وقال بصرامة:
- طارق باشا وصل ولا لسه؟
صمت يستمع إلى رد السكرتيرة ثم قال:
- طيب تمام.. أول ما يوصل عرفوني.
أغلق الهاتف ونظر إلى كاميليا وقال بصوت هادئ حتى يطمئنها:
- هتنزلي دلوقتي تروحي شغلك ومنه على البيت وأنا هوصي فيصل عليكي.. ما هو مش هيبقى غريب خلاص.
ظهر الاندهاش وعدم الفهم على ملامحها ليقول بابتسامة واسعة:
- فيصل طلب إيد نرمين النهاردة.. بس لسه مفتحناش الموضوع مع شاهيناز هانم.
لتتسع ابتسامتها وهي تقول بسعادة:
- الله بجد.. الاثنين يستاهلوا كل خير.. وبجد لايقين على بعض جداً.. ربنا يتمم لهم بخير.
ليقف أديم وهو يقول:
- عقبالك أنتِ كمان.. علشان أبقى مطمن عليكي.
ظهر الحزن على ملامحها لكنها قالت بابتسامة صغيرة:
- إن شاء الله.. الحق أروح أنا قبل ما طارق يوصل.
حين غادرت ظل أديم واقف خلف الباب والغضب يرتسم على ملامحه وهو يقول:
- لازم أحطلك حد يا طارق.. لازم.
***
مر اليوم وطارق لم يظهر وذلك أقلق أديم بشدة. فحركات طارق الهوجاء تطمئنه لكن ذلك الصمت والاختفاء يجعله يشعر أن طارق يدبر شيء ما ولن يكون سهلًا أبدًا.
أخذ مفاتيح سيارته وهاتفه وغادر الشركة مقرراً الذهاب إلى الشقة أولاً حتى يرى ونس. حينها سينزل ثم يعود إلى القصر ويواجه شاهيناز بطلب فيصل.
وصل إلى البناية ليقابل الحارس الذي قال له ببعض الخوف:
- كويس إنك جيت يا بيه.. الشقة بتاعة حضرتك فيها حاجات غريبة.. أنا كنت بحاول أتصل بيك طول اليوم بس حضرتك مردتش عليا.. وكنت خلاص هتصل بالبوليس.
لتتسع عيون أديم وهو يستمع لكلمات عبد الصمد وقال سريعاً:
- بوليس ليه.. إيه إللي حصل؟
- النور يا بيه اشتغل لوحده.. وفي صوت حركة جوه.. أنا خوفت ليكون في حرامي ولا حاجة.. ولا يكون اللهم أما احفظنا الشقة بقت مسكونة أو البت إللي جات اشتغلت فيها دي عملتلك عمل ولا حاجة.
أجابه عبدالصمد بصوت مرتعش وكان مع كل كلمة يرتفع حاجب أديم بصدمة.
تركه وتحرك ليركض خلفه عبدالصمد وهو يقول:
- أطلع معاك يا بيه؟
- لأ.
أجابه أديم دون أن يتوقف أو ينظر إليه. ليقول عبدالصمد من جديد:
- خطر تطلع لوحدك يا بيه.. لو في حرامي أو لو الشقة ملبوسة.
وقف أديم مكانه ينظر إلى الرجل بصدمة وهو يردد بعدم تصديق:
- ملبوسة.
أخذ نفس عميق وأخرجه بقوة. ثم قال:
- الشقة مش ملبوسة.. زرار النور عندي معلق علشان كده ممكن يشغل النور لوحده أو يطفيه.. فهمت.
ظل عبدالصمد واقف مكانه وفمه مفتوح بعدم فهم. ليتركه أديم ودلف إلى المصعد.
يوبخ نفسه على نسيانه لفكرة الإضاءة والجيران وعبدالصمد. لكنه سيجد الحل أكيد.
وقف أمام باب الشقة لعدة ثوانِ. وطرقه عدة طرقات خافتة ثم فتح الباب بمفتاحه.
وحين دخل وجد الصالة فارغة ولم يسمع أي صوت. أغلق الباب خلفه وخطى إلى الداخل. يبحث عنها. لم يجدها في المطبخ وغرفة المكتب مغلقة. توجه إلى ممر الغرف وطرق باب الغرفة التي كانت لنرمين. لم يتلق رد ففتح الباب ولكنه وجدها فارغة.
مر من أمام الحمام ليجد بابه موارب ومظلم. أنها ليست بالداخل.
لم يتبقى سوى غرفته. بخطوات ثابتة أقترب من غرفة نومه وفتح الباب بهدوء.
ليقف مكانه مشدوه من ذلك المنظر. كانت نائمة في منتصف سريره. وفوقها الشرشف. شعرها الغجري مبعثر حول وجهها يعطي لهيئتها إغراء من نوع خاص. ولكن ما أدهشه هو ما تضم بين ذراعيها وتريح رأسها فوقه. أنها ثيابه الذي أبدلها آخر مرة قبل أن يغادر البيت بعد اكتشافه لما فعلته. وليس هذا فقط. أن صورته أيضًا تتوسد الوسادة بجانبها. أقترب بخطوات هادئة من السرير ليصدم بخط الدموع الحي الذي يسيل فوق وجنتها.
ظل يتأمل ملامحها الذي يعشقها بجنون وعقله يلوم قلبه الذي مازال يحن لها ويشفق عليها. والأكثر من ذلك أنها مازالت تؤثر على روحه التي تهفو لوصالها.
ظل يتأملها لعدة دقائق. يحاول أن يروي عطش روحه لها دون أن تشعر به أو تراه. لا يريد أن يخسر كبرياءه أمامها. هو ورغم حبه لها الذي وللأسف لم يتأثر بما فعلت إلا أنه لن يستطيع أن يكون معها أبداً أبداً.
شعر بتململها فغادر سريعًا وجلس في الصالة يحاول لملمة شتات نفسه قبل أن تخرج إليه.
***
فتحت عيونها بتثاقل. فكلما غفت حلمت به ينظر إليها بكره كبير. ولم تتوقف دموعها بسبب ذلك حتى أنها تشعر بدوار حاد. فمنذ ما حدث في الجريدة هي لم تأكل شيئاً. ضمت ملابسه إلى صدرها واستنشقت عبيره المميز. وعيونها تناظر صورته من خلف غيمة دموعها. ثم تركت كل شيء في مكانه وقررت أن تذهب إلى المطبخ تأكل أي شيء حتى تستطيع الصمود والتفكير بشكل عقلاني.
وبخطوات مترنحة سارت في الممر. حتى نهايته ومرت في الصالة دون أن تنتبه لوجوده. كان يتابعها بقلق.
ليقف بلهفة حين اصطدمت بباب المطبخ وسقطت أرضًا تتأوه بألم.
ليقترب منها وهو يقول:
- مش تركزين.
نظرت إليه بصدمة وهي تقول بضعف:
- أنت هنا فعلاً.. ولا أنا لسه بحلم؟
لم يعلق على كلماتها وساعدها في النهوض. لتسير معه بهدوء والرؤية مشوشة بالكامل. ليقول هو:
- أنتِ تعبانة؟
أومأت بنعم وصوتها يكاد لا يصل لأذنه:
- ما أكلتش حاجة من ساعة إللي حصل.
ليرفع حاجبه بصدمة وأجلسها على الأريكة وقال بهدوء يصل حد البرود عكس تمامًا من يشعر به من ألم في قلبه:
- اقعدي وأنا هجبلك حاجة تأكليها.. ولا أنتِ عاملة حسابك تموتي هنا علشان تجيب لي مصيبة؟
نظرت له بانكسار. ليزداد ألم قلبه لكنه غادر من أمامها سريعاً. لتنحدر دموعها وهي تهمس لنفسها:
- تستاهلي يا ونس.. تستاهلي.
يقف في منتصف المطبخ وضع يديه على خصره ويحاول التنفس بانتظام حتى يهدأ من ضربات قلبه السريعة ألما عليها وعلى تلك النظرة التي ذبحته. لكن ليس بيده شيء. هي من حطمت تمثال الحب. وهي من اختارت ذلك الطريق.
نفخ الهواء من صدره وبدأ في تحضير شيء خفيف لها. وخرج بين يديه صحن من الشطائر وكوب عصير.
ووضعهم أمامها بصمت وجلس على الكرسي الجانبي.
ظلت تنظر إليه لعدة ثوانٍ ثم إلى الصحن والعصير والدموع تتجمع في عيونها. لكنها بصمت أيضًا أخذت الصحن وبدأت في الأكل. كان من يراه يظنه ينظر إلى هاتفه لكنه كان يتابعها هي. يدها التي تمسك الشطيرة. فمها الصغير الذي يلوك الطعام وكم يبدو شهيًا أمام عينيه. لكنه ورغم صدره الذي كان يرتفع وينخفض بقوة إلا أن وجهه خالي من أي تعبير.
مرت عدة دقائق على نفس الوضع. لتقطعه وهي تقول:
- أنا هروح أسلم نفسي.
ينظر إليها بعيون غاضبة لكنه لم يظهر ذلك الغضب على ملامح وجهه وقال بهدوء:
- إيه إللي غير رأيك؟ مش كنتي خايفة يتقبض عليكي؟
أومأت بنعم وهي تكمل كلماتها موضحة:
- عايزة أكفر عن غلطي في حقك.. لو سجني هيردلك حقك أنا موافقة.
من داخله يشعر بالسعادة أنها تفكر فيه. لكنه قال ببرود:
- الحكاية مش بس سجن.. ده فيه كمان غرامة مادية وأنا المحامين بتوعي مش هيطلبوا أقل من مليون.
أخفضت رأسها وهي تقول:
- ما أنا بتكلم عن الحبس بس علشان أنا مش معايا فلوس الغرامة دي وهيبقى يا الدفع يا الحبس.
أومأ بنعم رغم أن بداخله نار تحترق بمجرد تخيلها داخل الأسوار الحديدية بين القتلة واللصوص وفتيات الليل. ليأخذ نفس عميق وهو يغادر المقعد ويقف أمامها لا يفصل بينهم سوا تلك الطاولة الصغيرة وقال:
- اعملي إللي أنتِ عايزاه يا ونس.. لكن لازم تعرفي حاجة مهمة جداً.. أنا مش هوايتي أذية الناس ولا إني أشوف آلامهم ووجعهم.. ده إللي بيفرح قلبي. قرارك ده بتاعك.. والبيت هنا مفتوح أهو مقفلش بابه في وشك.
وتحرك في اتجاه الباب لكنه قبل أن يفتحه:
- الأضواء إللي شغالة دلوقتي متطفيهاش علشان الناس متلاحظش وجود حد في الشقة وأنا مش فيها.. عبدالصمد كان هيبلغ البوليس أصله فاكر أن الشقة مسكونة.
فتح الباب وخرج. ظلت تنظر إلى الباب بالدموع. هو لم يشجعها ولا ينهاها عن تنفيذ فكرتها. هو لم يتمسك بها ولم يظهر أنه قد باعها. لكن من الواضح أنه قد زهدها. وذلك ألمها أكثر لتعود إلى البكاء من جديد وهي تقول لنفسها بتوبيخ:
- من أمتى وأنتِ ضعيفة كده؟.. من أمتى وأنتِ سلاحك بس الدموع والاستسلام؟.. من أمتى يا ونس؟ من أمتى؟
وكان هو يقف خلف الباب يشعر بالاختناق. كل ما يحدث حوله حقًا يجعله يشعر أن روحه تختنق.
لكنه غادر سريعًا حين وصله صوت بكائها وهمهمات لم يفهم منها شيئاً. لكن قلبه يؤلمه.
خرج من المصعد وكأن عفاريت العالم تطارده. ليتأكد عبد الصمد أن الشقة الآن مسكونة. ليغلق الأغنية التي لا يتوقف عن استماعها للست وأدار محول الراديو على إذاعة القرآن الكريم وهو يقول:
- السماح يا أهل السماح لا تأذوني ولا أؤذيكم.
***
انتهى من عمله وغادر مكتبه متوجهًا إلى مكتبها. طرق على الباب برفق ثم فتح الباب حين سمع صوتها يسمح له بالدخول. وحين تقابلت عيونهم قال:
- أنا خلصت.. خلصتي علشان أوصلك ولا لسه عندك شغل؟
لتقول بابتسامة شاكرة:
- هو أديم كلمك؟
أومأ بنعم وقال بصدق:
- متقلقيش.. أنا جنبك.. وأصلاً بيتي قريب من بيتك جدًا.. لو حصل أي حاجة مجرد رنة منك خلال دقيقة هكون عندك.
لتـحمل حقيبتها وهي تغادر مقعدها خلف المكتب وقالت بمحبة:
- نرمين محظوظة بيك بجد.. ربنا يوفقك.
ليقول بابتسامة عاشقة:
- ادعيلي توافق عليا.
سارت بجواره وهي تقول بمرح:
- وهى هتلاقي زيك فين.. ولو هي موافقتش هشوفلك ست ستها.
- هي ست الستات وست البنات وست قلبي وروحي.
قال بحب حقيقي لتضحك بصوت عالٍ وهي تقول:
- ده أنت واقع واقع يعني.. يلا يا عم يارب توافق علشان نرحم عذاب قلبك.
ثم قربت وجهها من وجهه قليلاً وقالت بهمس:
- هكلمها ليك علشان ترحم عذاب قلبك.
ليضحك وهو يقول:
- يبقى جميل ونردها في الأفراح إن شاء الله.
أرتسمت ابتسامة رقيقة على ملامحها وكل منهم يصعد إلى سيارته حتى يعودوا إلى بيوتهم.
وقبل أن تغادر السيارة وجدت اسمه ينير شاشة هاتفها فأجابته وهي تنظر لانعكاس صورة سيارته في المرآة:
- أيوه يا فيصل.
- خليني معاكي على الفون لحد ما تطلعي الشقة علشان أبقى مطمن عليكي.
غادرت السيارة وصعدت إلى شقتها وهو كان يحدثها كل عدة ثوانٍ ليعرف إلى أين وصلت. وحين دلفت إلى الشقة أغلقت الباب وقالت بمرح:
- وصلت بسلام والشقة خالية سيدي الضابط.
ليضحك فيصل بصوت عالٍ وهو يقول:
- تمت المهمة بنجاح.. أروح أنام بقى.. ده لو عرفت.
صمت لثوانٍ ثم قال:
- كاميليا.. ادعيلي نرمين توافق.
لـتضحك وهي تقول:
- صحيح الحب بهدلة.. بس علشان أنت جدع معايا أنا كمان هبقى جدعة وهكلمها دلوقتي.. وأجس نبضها وهتصل بيك أطمنك.
شكرها كثيراً ثم تحرك بسيارته وهو يدعو الله أن يرزقه بها.
أغلقت الهاتف الإبتسامة تزين وجهها بصدق ومحبة. ولكنها لم تترك الهاتف بل اتصلت بنرمين حتى تنفذ وعدها.
***
ظل جالس داخل السيارة ينظر إلى نافذة الشقة يريد أن يعود إليها يضمها إلى صدره بحنان. يضربها بقوة حتى يخرج كل الغضب بداخل صدره.
وكان هناك من يراقب كل شيء ينتظر رحيله حتى يكتشف السر. ويصبح لديه بدل السر الواحد اثنان وبدل الضربة اثنان وبذلك يضمن نهاية أديم الصواف.
رواية ونس الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة مجدي
وقف همام وهو يقول للضابط الذي يتابع معه القضية:
بعد الكثير من التفكير.. ومن أجل القضية ظاهريًا ومن أجل قلبه في حقيقة الأمر قرر ما قاله.
"أنا عايز مراقبة دقيقة لأديم الصواف.. عايز تقرير يومي بخطواته.. قابل مين راح فين.. حتى بيكلم مين في التليفون.. كل حاجة."
ودار حول المكتب وأكمل قائلاً:
"وعايز أسماء العيلة كلها وأرقام تليفوناتهم ومعلومات كاملة عنهم."
لم يشعر الضابط بالإندهاش من كل هذا ما سببه.. ف عائلة الصواف هي من قدمت البلاغ.. وهي من لها الحق وكل الأدلة تثبت ذلك.. حتى بدون بحث.. أو عمل تحريات.
لكنه أومأ بنعم وقال بأستسلام:
"تمام يا فندم."
ليغادر همام المكتب.. ثم مركز الشرطة وعقله مشتت بين كاميليا.. وبين قلقه من اختفاء تلك الصحفية.. ان البحث عنها شمل كل الأماكن المحتمل وجودها فيها لكن لا أثر لها وكأنها "فص ملح وداب".
صعد إلى سيارته وهو يفكر.. هل هناك من كان يساعدها.. من داخل عائلة الصواف نفسها... أم أن الأمر كما وصفه علاء هي من فكرت وقررت ونفذت.
نفخ الهواء من صدره بضيق شديد.. وعقله لا يريد التوقف عن التفكير والإحتمالات.. ومن وسط كل هذا يرتسم أمامه ملامح وجهها الخائف.. لينغزه قلبه من جديد ويتمنى لو ظل بالغرفة معهم وفهم ما يحدث معها.. وما سبب خوفها.
"ايه يا همام.. من امتى وانت قلبك حنين كدة وحساس... بقيت سوما العاشق في نفسك الله يرحمك يا رجولة."
وضحك على نفسه فهو من أعداء الارتباط وكان قد اخذ قرار بعد الالتفات لتلك الأمور لكن بنظرة واحدة لها نسي قلبه كل تلك الوعود والعهود وغادر صدره وركض إليها.. همس لنفسه حتى يخرج من تلك الحالة:
"اصبر يا همام اصبر.. خلص بس القضية وان شاء الله."
صمت لثوان ثم قال بتعجب:
"ان شاء الله ايه يا همام.. هي عملت فيا ايه بنت الصواف."
وظل يضحك على نفسه وحاله.. وما حصل له من مجرد نظرة واحدة منه.
***
يقود سيارته خلف أديم يراقب كل خطواته.. فبعد خروجه من قصر الصواف كان في حالة غضب كبيرة ولو ترك نفسه لهذا الغضب لقتل أديم في قلب قصر الصواف.. لكنه.. لكنه بأخر خيوط العقل وغادر.. حتى يفرغ كل ما بداخله من غضب في مكان بعيد.. ولم يكن له سوا فتاته التي تتحمله في كل حالاته.. تحتفل معه حين يريد الاحتفال.. تواسيه حين يكون حزين وتنسيه حزنه بين ذراعيها... وتتحمل غضبه وصراخه حتى انه أحيانًا كثيرة يضربها بعنف كبير ورغم ذلك تتحمله بصبر وحب.. فهي تحبه بشدة وهو يعلم ذلك جيدًا لكنها أبدًا لم تكن لديه إلا مجرد فتاة ليل رخيصة لا تساوي سوى بعض المال وبعض الهدايا الرخيصة والتي ويالا العجب هي تفرح بهم كثيراً.
وبالفعل ذهب إليها وأخرج بها كل غضبه.. ضربها.. وقام بتكسير بعض الأغراض.. ثم بادلها الحب ولكن بعنف شديد حتى أن الكدمات الزرقاء كانت تنتشر في جسدها بكثرة.... ولكنها ورغم كل هذا كانت سعيدة.. هو أحيانًا لا يفهمها ولا يفهم مما تتكون هل الحب هو السبب أم هي بطبيعتها تحب العنف وتتلذذ بالألم.. المهم إنها قد هدأت من غضبه بالفعل.. وظل أكثر من ثلاث ساعات معها وقام بالتفكير بعمق وقرر ما سيقوم به خلال الفترة القادمة.. ومن ضمن تلك القرارات بقائه في شقته الخاصة ومراقبة أديم عن كثب.. وبنفسه.. عله يجد ما يستطيع ضربه به.. أو معرفة مكان كاميليا وحينها سيقتلها بيده.
لكن مراقبته له لم تفيده بشيء.. فلم يقوم أديم بأي حركة غريبة أو غير مألوفة.. صحيح هو يسكن في قصر الصواف الآن لكن كل أغراضه مازالت في شقته الخاصة.
فمن الطبيعي أن يقوم بزيارة الشقة.. وحينما لاحظ أنه على طريق القصر.. غير اتجاه سيره وذهب إلى شقته بعد أن اتصل.. بشادية يأمرها بالحضور إليه وهي لم تتردد لحظة وسبقته إلى هناك.. وها هو بعد حرب قوية كان يخوضها مع نفسه.. ومعها.. يتمدد الآن بأسترخاء وقد قرر اللعب من جديد على قصة نرمين ولكن تلك المرة.. اللعب سيضرب في الهدف الأساسي.. وسوف يحقق عدة أهداف والجميع سيكون خاسر إلا هو.. لذلك عليه في الصباح الباكر من تجهيز أدوات الخطة.. والتنفيذ.
***
حين عاد أديم إلى القصر كان الجميع على طاولة السفرة.. لكن شاهيناز هانم كانت غاضبة بشدة.. عكس وجه حاتم وأختيه الذين ينظرون إلى الطعام بحماس.
أقترب من الطاولة ليتضح له أنواع الطعام والذي لم يكن سوى وجبة شعبية دسمة (فول، طعمية، بتنجان مخلل، وفلفل مقلي.. وبطاطس محمرة، ومخلل وسلطة، وخس، وبصل أخضر).
ليهتف بحماس:
"يا ولاد الأيه.. أنا نفسي في الأكلة دي من زمان."
ليضحك حاتم وهو يقول:
"زورونا تجدوا ما يسركم."
لتقول نرمين وهي تتأمل الأصناف:
"الأكل ده حلو بجد يا آبيه."
ليرفع أديم عينيه وهو يقول بسعادة واضحة:
"حلو بس.. ده تحفه يا بنتي.. بصي الأكل ده أدمان."
لتلمع عيون نرمين بحماس.. ليكمل أديم مستفهماً:
"بس دي فكرة مين؟"
"سالي."
قالها حاتم بتلقائية.. ليرفع الجميع عيونهم ينظر إلى سالي التي تلونت وجنتيها بخجل.. وقالت بصوت متردد:
"نفسي فيهم أوي.. وحاسة اني هيجرالي حاجة لو مكلتهمش."
وأمام صدمة الجميع وقف حاتم سريعًا يضع لها الأكل في صحنها وهو يقول:
"بعيد الشر عنك يا حبيبتي.. كُلي بالف هنا على قلبك."
لكن انتفض الجميع حين ضربت شاهيناز الطاولة بيديها وهي تقول بغضب:
"دي مهزلة إللي حصل ده يا حاتم مرفوض.. وغير مقبول بتكراره."
لتقف حاتم أمامها وقال:
"حضرتك أكيد حرة في بيتك.. وأنا من بكرة هشوف مكان مناسب نسكن فيه أنا وسالي ونعمل فيه كل إللي نفسنا فيه."
ثم عاد ليجلس جوار زوجته وهو يضع الطعام في فمها ويسألها بابتسامة واسعة:
"حلو؟"
تؤمئ له بنعم.. وعادت شاهيناز تجلس مكانها ولكن شرر الغضب في عيونها ظاهر للجميع.
ليبتسم أديم وغمز لنرمين وقال بهمس:
"بنت محظوظة.. حاتم قرر يضرب ضربته في نفس الوقت إللي عايزين نفتح فيه موضوع فيصل."
لتبتسم ولكنها رسمت وجه حزين على وجهها وقالت:
"المنحوس منحوس."
ليضحك بصوت عالي.. لتزمجر شاهيناز من جديد ليكتم الجميع ضحكاته وبدأو في الأكل.. لتقترب نرمين من أديم وقالت:
"البتنجان ده اختراع يا آبيه.. وسبايسي أوووي."
"البتنجان سبايسي.. البتنجان بيشكر."
لتبتسم بخجل وأكملت طعامها.. وكان أديم يأكل بأستمتاع شديد.. أنه اشتاق لتلك الوجبات.. تقريباً من أيام الجامعة لم يأكلها سوى مرة أو مرتين فقط.. يتمنى أن يجتمع هو وأصدقائه ويتناولون أفطارهم على عربة فول.. كما أيام الجامعة.. لينتهي من كل المشاكل المتراكمة فوق كتفيه ويذهب هو وحاتم وفيصل.
مر الوقت بين سعادة البعض وضيق البعض.. وبعد الانتهاء وقف أديم يقول لشاهيناز:
"في موضوع مهم عايز اتكلم فيه مع حضرتك."
ألتفتت إليه شاهيناز بنظرات تحمل الكثير من التسائل.. ليقول هو موضحًا:
"ممكن نقعد كلنا في الصالون علشان نتكلم."
شعرت أن هناك ما سيعكر عليها ليلها أكثر مما قام به أديم فقالت:
"لو في موضوع يحرق الدم ياريت نأجله لبكرة علشان إللي عمله حاتم كفى ووفى الحقيقة."
نظر أديم إلى حاتم الذي كان يضم زوجته وحين تلاقت عيونهم رفع كتفيه بأنه ليس له دخل.. ليعود أديم ينظر إلى شاهيناز وقال:
"للأسف مينفعش الموضوع يتأجل."
ثم أشار لها على الصالون وقال:
"بعد حضرتك."
شعرت بالضيق أكثر لكنها سارت بخيلاء إلى الصالون وجلست على كرسي فردي.. واضعة ساق فوق الأخرى وجلس حاتم وسالي على إحدى الأرائك وأديم ونرمين على الأريكة الأخرى.. كانت سالي ترتسم على وجهها ابتسامة واسعة فالطعام كان مميز جداً و.. وشعرت بشعور مميز حين هدأت تلك الرغبة الملحة في تناول تلك الأطعمة.. وكذلك حاتم الذي يرى الرضا يرتسم على وجه زوجته.. وذلك أسعده بشدة.
ونرمين تشعر بالتوتر.. هي تشعر بالسعادة من تمسك فيصل بها رغم معرفته بكل ما حدث.. لكن ما هي تلك الرسالة التي تحدث عنها مع أديم.. ذلك السؤال يشغل عقلها منذ سمعت حديثه.. لكن سوف تنتظر حتى تحصل على موافقة والدتها.. وبعدها سوف تسأل أديم عن الأمر.
صحيح يشعر بالتوتر لكن ليس من حديثه مع شاهيناز.. بل من ردة فعلها.. هو لا يريد أن يحدث أي شيء يضايق نرمين.. أو يحزنها.. ولن يقبل لها بغير فيصل زوج.. لذلك المواجهة واجبة ودون تأخير.
أجلّي صوته وقال بهدوء:
"في عريس متقدم لنرمين."
قطبت شاهيناز حاجبيها باندهاش وقالت ببرود:
"عريس إيه؟ نرمين مخطوبة لابن عمها طارق.. إزاي؟"
"أنا مش مخطوبة لطارق ولا عمري هتخطب ليه."
قاطعتها نرمين قائلة بقوة.
لتقف شاهيناز وقد استفزها أن الجميع مازالوا يتعمدون أغضابها والخروج عن طوعها:
"طارق عارف أنك مش بنت بنوت وقابل بيكي.. العريس إللي أخوكي بيتكلم عنه ده أول ما يعرف حقيقتك هيهرب منك."
انحدرت دموع نرمين وهي تستمع لكلمات أمها الجارحة.. وتقارنها بكلمات فيصل ((تارك هو تاري.. أنتِ تخصيني أنا بس.. من أول يوم شوفتك فيه قلبي خرج من صدري وبقى بين أيديك.. طول عمري بدعي بيكي في كل ركعة سافرت وأشتغلت وجمعت فلوس علشان أفتح شركة وأليق بيكي وبعيلة الصواف.. أنتِ يا نرمين ملكة عالية أوي وغالية.. حلمت بيها في كل لحظة.. وقلبي محبش ولا هيحب غيرك.. تقبلي تتجوزيني)) ((أوعدك أجبلك حقك.. أوعدك أنتقملك.. أوعدك أخليكي تبكي من السعادة وأنتِ بتشوفي حقك بيرجعلك.. وده وعد مني.. وأنا عمري ما خلفت وعد.))
ليقف أديم أمام أخته يخفيها عن والدتها وقال بغضب:
"إللي متقدم لها عارف كل حاجة.. وحلف قدامي أن حقها هو إللي هيرجعه بأيده.. أختي هتتجوز من راجل شافها ملكة وتستحق كل حاجة حلوة في الدنيا.. مش عايز يتجوزها علشان كاسر عينها وهيسيطر عليها.. لأنها في الأساس ضحية مش جاني.. هي المظلومة مش الظالمة يا شاهيناز هانم."
لتصرخ شاهيناز بغضب لأول مرة يظهر بهذا الشكل:
"انت مين أصلا علشان تدخل في الأمور دي.. أنت ابن حرام.. ابن نزوة من نزوات أبوك وخياناته المتكررة.. أنت مين علشان تتحكم في مصاير بناتي.. أنت ولا حاجة.. فاهم ولا حاجة."
خرجت نرمين من خلف ظهر أديم وأمسكت ذراعه بقوة ووقف حاتم وسالي وأقتربوا منه لكنه كان يبتسم ابتسامة شاحبة وقال بصوت يقطر ألماً:
"صحيح أنا ابن حرام.. ومن علاقة من علاقات كتير لأبويا.. ومش عارف أمي مين لكن ده كله مينفيش أني أخوهم الكبير.. وإن ليا مكانة في حياتهم أكبر من مكانتك وأنتِ أمهم.. عارفه ليه يا شاهيناز هانم.. لأنك عمرك ما فكرتي فيهم.. أنتِ كل إللي كان شاغلك هو مكانتك في المجتمع.. عمرك ما كنتِ بتخافي على بناتك.. أنتِ كنت بتخافي من كلام الناس ونظراتهم وده إللي خلاكي تقبلي بكل خيانات بابا ليكي.. واللي أي ست محترمة غيرك عمرها ما كانت هتقبل بيه."
الصدمة مرسومة على كل الوجوه.. أن تلك المواجهة ليس وقتها وقد تضر أديم.. إذا قررت شاهيناز العند وفضح كل شيء.. لكن ما حدث لم يتوقعه أحد.. رفعت شاهيناز هانم رأسها بشموخ تنظر إلى أديم بتحدي.. وفي لحظة خاطفة صفعته على وجهه وهي تقول:
"صحيح ابن حرام.. هستنى إيه من واحد أمه فتاة ليل كانت من حضن راجل للتاني."
لتعلُوَ الشهقات المصدومة من الصفعة ومن الكلمات التي تذبح.. لكن أديم ظل ثابت ولم يظهر على ملامحه أي شيء.. ومرت عدة ثوان الموقف متجمد تماماً.. حتى قال أديم:
"فيصل هيجي بكرة علشان يخطب نرمين.. وكان اقترح أنه يكتب الكتاب على طول.. وأنا وافقت ونرمين موافقة."
ثم اقترب خطوة واحدة فقط ونظر في عمق عين شاهيناز.. وقال ببرود وعيونه بها من الغضب ما هو قادر أن يحرق العالم بما فيه:
"أنا واثق أن حضرتك هتعملي حفلة ممتازة تليق بعيلة الصواف.. وتخلي المجتمع المخملي كله يتكلم عننا لشهور قدام.. ده كتب كتاب آخر العنقود."
ثم نظر إلى نرمين بابتسامة مجروحة وقال:
"مش كده يا عروسة."
لتؤمئ بنعم رغم دموعها التي تغرق وجهها.. وحتى يأكد الأمر ولا يدع مجال للتراجع نادى بصوت عالي:
"دادة مجيدة.. دادة مجيدة."
لتقترب مجيدة بسرعة قدر استطاعتها ووقفت أمامه هي تقول:
"تحت أمرك يا أديم باشا."
أقترب منها وبصوت عالي قال:
"بكرة حفلة خطوبة نرمين وكتب كتابها عايز القصر يتزين بأجمل صورة وشكل.. دي آخر العنقود وفرحتها لازم تكون مضاعفة."
لتقترب منه سالي وقالت بقوة تعجب لها أديم وأسعدت حاتم بشدة:
"متقلقش يا أديم.. كل حاجة هتبقى زي ما أنت عايز وأكثر وان شاء الله نعمل كل إللي يرضي نرمين."
ونظرت إلى أختها وغمزت لها بشقاوة.
ليربت أديم على وجنة أخته وقال:
"أنا معتمد عليكي يا سالي.. نسّقي كل حاجة مع دادة مجيدة.. ومن بكرة الصبح هتلاقي أكبر منظم حفلات عندكم هنا."
ثم نظر إلى نرمين وقال:
"وفستان العروسة هدية مني ليها."
لتركض نرمين تلقي بنفسها بين ذراعيه لا تعلم هل تضمه حتى تواسيه.. وتعتذر منه.. أم حتى تشكره.. ليقبل أعلى رأسها ثم قال بصوت مختنق:
"تصبحوا على خير."
وغادر الصالون.. بعد أن ذبحت كرامته.. ورجولته.. ودهست عليها شاهيناز وقبلها والده ووالدته التي لا يعرفه.
لكن اليوم هو اليوم الأخير له هنا.. هذا ليس بيته.. ليطمئن فقط أن نرمين أصبحت زوجة فيصل وبعدها فليحدث ما يحدث.
وبداخل الصالون كان الجميع وكأن على رؤوسهم الطير لكن حاتم قرر أن يكمل في صفعة شاهيناز بالحقيقة.. إن لم يعد لها دور في حياة بناتها.. فأقترب من نرمين وقال ببعض المرح حتى يخرج الفتيات من كل ذلك التوتر:
"حضرتك عايزة هدية إيه بقى."
لتضع يدها أسفل ذقنها تفكر ثم قالت:
"تعزمني أروح آكل على عربية فول."
قالتها بمرح مصطنع لكن الأمنية كانت حقيقية.. ليقول هو ببعض الغضب المصطنع:
"فيصل هو المتخصص في حوارات عربيات الفول دي.. ابقي اطلبي منه هو.. لكن أنا بقى عارف هجبلك هديه إيه."
وضرب وجنتها بأصبعه وغادر الصالون لكنه لم يذهب بعيداً لقد جلس في البهو يتابع زوجته التي تتحدث مع مجيدة حتى يستعدوا للغد.. وحتى لا يترك الفتيات مع شاهيناز بمفردهم.. لكن عقله كان مع أديم الذي تأذى اليوم بقوة.. وما حدث اليوم لن يُمحى أبداً.
جلست شاهيناز بتثاقل فوق الكرسي من جديد تنظر لما يحدث حولها بعيون زائغة.. روحها جريحة.. لقد سُحبت السجادة التي ظلت تحارب من أجلها طوال حياتها من أسفل قدميها.. ولم يعد لها مكان في حياة بناتها.. ولا رأي وخسرت كل شيء حتى أديم ربيبها خسرته وللأبد.. خسرت كل شيء.. ولن ينفعها أحد.. إذاً لتؤدي الدور التي اختارته لنفسها.. مجرد واجهة اجتماعية مميزة.. سيدة مجتمع مخملي من الدرجة الأولى وفقط.
يا لها من ليلة ثقيلة على الجميع ورغم ادعاء الجميع السعادة من أجل نرمين وهم حقاً سعداء.. لكن الحزن يطل من العيون بلا رحمة.
***
يجلس في الزنزانة طوال الوقت يدعو على ونس أن مستقبله انتهى.. ركض خلف شهرة و"تريند" يرفع اسم الجريدة.. في أعلى مكانه.. وفي نفس الوقت يجعل اسمه واسم جريدته على كل الألسن.. ويرتفع نجمه في السماء.. لكن ما حدث العكس تماماً وأصبح في أسفل سافلين.
ل يهمس من جديد:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا ونس.. ربنا ينتقم منك."
***
كلماته ظلت تتردد في عقلها طوال اليوم ((أنتِ عاملة حسابك تموتي هنا علشان تجبيلي مصيبة….اعملي إللي أنتِ عايزاه يا ونس.. لكن لازم تعرفي حاجة مهمة جداً.. أنا مش هوايتي أذية الناس ولا إني أشوف ألمهم ووجعهم ده إللي بيفرح قلبي… قرارك ده بتاعك.. والبيت هنا مفتوح أهو مقفلش بابه في وشك)).
لكن منذ أكثر من ساعة وهي تشعر بألم في قلبها.. تريد أن تتحدث معه.. تريد أن تطمئن قلبها بصوته.. ولا تعرف هل السبب هو أنها خائفة.. أم أنها تفتقده.. لكنها لو قالت أنها تريد أن تراه حتى لو كانت نظراته كلها تحمل الكره.. تريد أن تطمئن في أمانه.
هل هناك شخص مثله في هذه الأيام؟ الإجابة بكل تأكيد لا... إذا حدث ما حدث مع شخص آخر غيره هل كان سيقبل ببقائها في بيته؟ الإجابة أيضاً بكل تأكيد لا.. أن أديم شخص استثنائي بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
انتفضت واقفة حين شعرت بمحاولة لفتح الباب.. وجحظت عيونها حين فتح الباب ودخل منه آخر شخص تتخيل أنها قد تراه الآن.
رواية ونس الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة مجدي
لم تكن تتوقع أن يأتي إليها الأن وكأنه خرج من أفكارها … ظل الموقف ثابت لعدة لحظات كل منهم يتأمل الأخر والأفكار تدور في رأسه.
لكنه كان يفكر لماذا حضر إلى هنا … أنه لم يستطع البقاء في القصر كان يشعر أن القصر يجثم على صدره وكأنه قبر صغير بلا نوافذ أو أبواب ولا يوجد به هواء … إحساسه أن هذا المكان لم يعد مكانه … كان يخنق روحه … ورغم إنها من المفترض أن تكون آخر شخص يلجأ إليها إلا أنه لم يستطع فأخذ مفاتيح سيارته وهاتفه وغادر سريعًا … لم يكن يعي إلى أين سيذهب حتى وقف أمام البناية لم يفكر كثيرًا وصعد إليها … عله يجد معها بعض الراحة أو الهدوء … عله يستطيع أن يغمض عينيه لبضع ساعات براحة.
خرج من ذكرياته على صوتها القلق وهي تقول:
- أديم أنت كويس؟
رفع حاجبيه وحرك كتفيه عدة مرات … ثم أجلى صوته وقال:
- أنا كويس بس القصر هناك بيتجهز علشان كتب كتاب أختي نرمين .. ومش عارف أنام فقولت أجي أقعد هنا شوية.
شعرت بالتوتر والقلق … ومن داخل قلبها صوت يهمس بأنه ليس بخير لكنها قالت بأبتسامة مرتعشة:
- مبارك .. ربنا يتمم لها على خير.
ثم تراجعت خطوه للخلف وقالت بحزن فاليوم لن تستطيع أن تنام في سريره ولن تستطيع أن تأخذ منامته بين ذراعيها حتى تملأ صدرها برائحته:
- طبعًا ده بيتك … وتيجي وقت ما تحب.
نظرت في إتجاه المطبخ وقالت:
- أنا هنام في المطبخ.
قطب جبينه وهو يقول بغضب مكتوم فهو لم يعد يحتمل أي شيء:
- مطبخ أيه إللي تنامي فيه؟ ما في أوض جوه.
وخطى عدة خطوات حتى أصبح في منتصف الصالة … ثم وقف ونظر إليها وقال بألم:
- ليه غدرتي بيا يا ونس … أنا كنت شايفك بر أمان … كنت شايفك الراحة بعد كتير من التعب … كنت شايفك البيت إللي مكنش ليا في يوم … ليه غدرتي … ليه … لو تعرفي أنا محتاجك دلوقتي قد أيه؟ لو تعرفي أنا مدمر من جوايا إزاي مكنتيش عملتي إللي أنتِ عملتيه ده أبداً … ومهما قولتي من مبررات هيفضل نفس السؤال … ليه عملتي فيا كده؟ أذيتك في أيه علشان تدبحيني بسكينه تلمه كده؟ ليه؟
وظل سؤاله معلق في الهواء دون إجابه … لكن دموعها كانت تغرق وجهها وتجعلها تريد أن ترمي نفسها بين ذراعيه تعتذر منه … تتوسله أن يغفر لها ذنبها و خطيئتها لكنها تعلم جيدًا أن ذلك الإعتذار لا يفيد بشيء ولن يغير من الأمر شيء بل بالعكس … قد يفتح الجرح من جديد … عندما أعطاها قلبه دون تردد وهي أخذته ووضعته أسفل قدميها ودعست عليه بحذائها دون مبالاه حتى أدمته.
ظل ينظر إليها والألم يتجلى على ملامحه بوضوح … لكنه تركها ودلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بالمفتاح … وكأنه يريد أن يخبرها ألا تقترب.
ألقى بأغراضه فوق الطاولة الصغيرة … وخلع الجاكيت وحذائه وألقى بنفسه في وسط السرير يبغي بعض الراحة.
لكن عطرها كان ينتظره هناك بين وسادته والشرشف.
ليغمض عينيه بقوة .. وهو يروي شوقه إليها .. بأستنشاقه عبيرها الذي يسكن آلام روحه وقلبه.
ورغم عن كبريائه وكرامته انحدرت دموعه .. وكأنها شلال لا يتوقف .. وصوت بداخله يقول بألم:
"الكل لفظك .. الكل لا يريدك .. الكل لا يراك .. أنت نكره يا أبن الصواف .. نكره"
ويبكي كطفل صغير تائه من أمه في مولد كبير مزدحم ... ولا أمل له في أن يجدها أو يعود إلى بيته يومًا ما.
حتى غلب النوم همه .. وأغمضت عينيه رغم أنها لم تتوقف عن البكاء.
وبالخارج كانت تجلس ونس على الأريكة هي الأخرى تبكي وكلماته تتردد بداخل أذنها:
((ليه غدرتي بيا يا ونس … أنا كنت شايفك بر أمان … كنت شايفك الراحة بعد كتير من التعب … كنت شايفك البيت إللي مكنش ليا في يوم … ليه غدرتي … ليه … لو تعرفي أنا محتاجك دلوقتي قد أيه؟ لو تعرفي أنا مدمر من جوايا إزاي مكنتيش عملتي إللي أنتِ عملتيه ده أبداً … ومهما قولتي من مبررات هيفضل نفس السؤال … ليه عملتي فيا كده؟ أذيتك في أيه علشان تدبحيني بسكينه تلمه كده؟ ليه؟))
وظلت هي بينها وبين نفسها تكرر نفس السؤال .. ليه؟ ماذا استفادت الأن .. لا شهرة ولا مجد ولا ترند .. والشرطة تبحث عنها .. وخسرت القلب الكبير الملقب ب "أديم الصواف".
لكن بماذا يفيد كثرة الأسئلة .. وما حدث قد حدث .. ولن يتغير شيء .. وليس بيدها إعادة الزمن والتوقف قبل كل هذا.
وظلت هي الأخرى تبكي حتى غلبها النوم على الأريكة.
يشعر بغضب شديد أن ما قالته شاهيناز لأديم مؤلم ولا يتحمله أي رجل .. وخاصة أنه قيل أمام الجميع.
أنها لم تهتم للفضيحة أو لجرح الكرامة والرجولة التي سوف تسببه له.
كم هي سيدة أنانية لا تفكر إلا بنفسها فقط.
هل حفاظها على لقب عائلة الصواف يستحق كل هذا الألم التي سببته لنفسها ولبناتها ولأديم؟
لماذا أذًا هو من أجل سالي مستعد أن يضحي بأسمه .. وماله وعمره؟
لماذا دائمًا المظاهر الخداعة وحديث المجتمع عنا هو ما يفرق معنا أكثر ممن نحب حتى وأكثر من أنفسنا.
دلفَت سالي إلى الغرفة بعد أن افتقدت وجوده بالأسفل.
هي تعلم أنه لم يتركها إلا بعد أن اطمئن لصعود والدتها إلى الغرفة لكنها أصبحت تشتاق لوجوده.
لا تشعر بالأمان إلا وهي ترى عينيه.
وألا تريد أن تعرف هل نجحت في اختبار اليوم؟ هل أحسنت التصرف؟ خاصة بعد حديثها مع والدتها.
ظلت واقفة في مكانها تتذكر ما حدث بعد أن أنهت حديثها مع دادة مجيدة .. واتفقا على كل شيء.
أقتربت سالي من والدتها وقالت بهدوء:
- مامي من فضلك .. إحنا محتاجين إننا نعمل كل حاجة على الأصول .. نرمين تستحق ده .. حضرتك فكري في الموضوع زي ما دايماً بتفكري فيه أسم الصواف مش عايزين حد يتكلم علينا خصوصاً بعد الأخبار إللي اتنشرت في الجرايد ومواقع التواصل.
نظرت إليها شاهيناز بعيون حزينة لكنها تحمل الكثير من الغضب.
ثم وقفت تنظر إليها وهي تقول:
- أنا مبقاش عندي بنات .. وعمري إللي ضاع .. ضاع هدر .. سراج خسرني كرامتي .. وأنتو ضيعتوا كل تعبي ومكنتوش دوى لجروحي ... أعملوا إللي أنتوا عايزينه ومتقلقوش أنا هكمل لكم الصورة ولأخر مرة .. ومن بعد جواز نرمين مش عايزة أي حد منكم.
وغادرت بعد أن ألقت على نرمين نظرة جعلت دموع الأخيرة تنحدر بحسرة.
لتضمها سالي إلى صدرها وهي تقول:
- متعيطيش أنتِ عروسة ولازم تبقي أسعد بنت في الدنيا.
- بنت.
قالتها نرمين ببعض السخرية.
لتقول سالي بتأكيد:
- أيوه طبعًا وأحلى بنوته في الدنيا.
ثم دفعتها حتى تصعد إلى الأعلى وهي تقول:
- يلا أطلعي بقى مسكاتك وأملي البانيو كده وأسترخي.
أومأت بنعم وصعدت إلى غرفتها وحين التفتت إلى الخلف لم تجد حاتم فصعدت إلى غرفتها.
عادت من ذكرياتها على لمسة يده لوجنتها وهو يقول:
- مالك يا حبيبتي؟
أبتسمت أبتسامة صغيرة وقالت بأستفهام:
- أخد كام من عشرة النهاردة؟
- 100 من عشرة ... أنتِ النهاردة كنت الأخت الكبيرة إللي نرمين محتاجها .. ودعمتي أديم إللي والدتك ظلمته بدون سبب.
أومأت بنعم وهي تقول:
- أنا خايفة عليه جداً ومن ساعة ما دخل الأوضة مخرجش وبجد نفسي أروح أطمن عليه .. بس مش عارفة هيبقى تصرف صح ولا لأ.
ربت على كتفها وهو يسير بجانبها حتى يجلسها على السرير وقال بعد عدة ثوانٍ من التفكير:
- سِبيه لوحده وبكرة كلنا نطمن عليه.
ثم دفعها برفق حتى تذهب إلى الحمام وقال برفق:
- خدي دش سريع وتعالي نامي شوية علشان وراكي يوم طويل بكرة.
أومأت بنعم ونفذت ما قاله بصمت … وحين غادرت الحمام بهيئتها المهلكة التي تجعل جسده يستجيب لتلك الأنوثة دون أي مجهود منه … تمددت جواره في السرير وهي تقول:
- أنا حاسة بتعب جامد أوي في بطني يا حاتم تفتكر من الفول.
ليضمها إلى صدره بحنان وقال بمرح:
- أكيد يا حبيبتي … الفول ده قاهر للمعدة الرقيقة إللي زي معدتك إللي متعودة على الكرواسون والباتونساليه … والخضار السوتيه.
كانت تنظر إليه بتكشيرة طفولية ليضحك وهو يقول من جديد:
- معلش يا قلبي لو فضلت توجعك لحد الصبح نروح للدكتور … ماشي.
أومأت بنعم وهي تخبىء وجهها في صدره وهي تقول بصوت ناعس:
- تصبح على خير.
- وأنتِ أهل الخير يا حبيبتي.
أجابها وهو يقبل رأسها وأغمض عينيه مستسلم لسلطان النوم رغم عقله المشغول بأديم.
فتح عينيه بتثاقل … وكأنه ينتزع نفسه من أحضان السعادة والراحة بين رائحتها … والتي بسببها كانت هي بطلة أحلامه الوردية طوال الليل … كان يتنعم بين ذراعيها بالحب والراحة والأمان … والأن يفتح عينيه على الواقع المرير … المؤلم.
أخذ نفس عميق محمل برائحتها وأعتدل جالسًا … يفكر فيما سيقوم به اليوم.
عليه اليوم أن يقوم بواجبه نحو أخته وبعد ذلك سوف يبتعد تمامًا هو لم يعد له مكان هنا.
لا يريد تلك الحياة المليئة بالأكاذيب والخداع.
لا يريد ما يذكره بمن هو ومن أين أتى أو يعايره أحد مرة أخرى بوالدته الذي لا يعرف حتى اسمها.
غادر السرير ومباشرة إلى الحمام.
أخذ حمام ساخن.
فتح الخزانة ليخرج طقم جديد يرتديه من الملابس التي تركها هنا ولم يأخذها معه إلى قصر الصواف.
صفف خصلات شعره ووضع العطر وظل ينظر إلى نفسه عبر المرآة لعدة ثوانٍ ثم غادر الغرفة.
كان قلبه يسابق خطواته حتى يراها ويا ليته لم يفعل.
وجدها نائمة على الأريكة بوضع غير مريح والدموع ما زالت فوق وجنتيها وكأنها كانت تبكي في نومها.
لم يعد يحتمل .. لا البقاء جوارها يريح قلبه ولا الإبتعاد عنها يهدئ غضبه.
أطلق ساقيه للريح وغادر الشقة.
غير منتبه إنها كانت تتابع خطواته المسرعة وتتمنى أن تتشبث بقدميه ترجوه ألا يرحل لكن لم يعد من حقها سوى الدموع فقط ولذلك هي أخذت القرار سوف تذهب اليوم إلى حفل الخطبة .. وتعترف أمام الجميع بخطأها.
أغمضت عيونها لعدة ثوانٍ ثم فتحتها والإصرار والثقة بما ستفعل يطل من عينيها بوضوح.
سوف ترد له اعتباره أمام الجميع كما ذبحته أمام الجميع.
لم يعد طارق إلى القصر ولم يعلم حتى الأن ما يحدث هناك.
هو منشغل بالبحث عن ذلك الرجل الذي اتفق معه على تنفيذ الخطة ولكنه لم يجده في أي مكان.
لذلك قرر التنفيذ بنفسه سوف ينتظره في مكانه المعتاد ويتمم ما يريد.
وتلك المرة لن يتراجع أبداً.
سوف ينتهي منه ويعود بقوة حتى يقتنص ما كان له من البداية.
"نرمين".
أبتسم بأنتصار وثقة ونظر إلى من تغط في نوم عميق بعد حرب قوية بينهم وعاد إليها يضمها إلى صدره وهو يهمس:
- تعالي أحقق انتصار تاني فوق جسمك قبل ما أحقق انتصاري الكبير في الواقع.
وأستجابت هي بكل ذرة في جسدها وروحها.
قامت سالي بالإعداد للحفل وعلى أكمل وجه بمفردها.
حتى أن أديم حين عاد إلى القصر وجدها تكتب الأسماء على الدعوات .. وترسل بها الحرس الشخصي للقصر .. حتى تصل الدعوات إلى أصحابها في وقت مبكر فيستطيعوا الاستعداد.
رفعت عيونها إليه حين قال:
- تعبتي يا سالي؟
- بالعكس أنا مبسوطة أوي وأنا بجهز فرح نرمين .. مش قادرة أوصفلك يا أديم أحساسي .. خصوصاً وأني بعمل كل حاجة بنفسي.
أجابها بأبتسامة واسعة.
ثم رفعت يدها له ببعض الدعوات وقالت:
- حاتم راح يوصل لفيصل الدعوات علشان لو عايز يبعت لحد .. وأنت شوف عايز تبعت لمين دعوات.
أخذ من يدها الدعوات وظل ينظر إليها لعدة ثوان ثم أبتسم بسخرية وهو يكتشف أن ليس له أحد يرسل له دعوة.
لكنه أخذ واحدة فقط وأعاد لها الباقي وكتب على الظرف ... " السيد\ همام يزيد المصري".
ومد يده بها لأحد الحرّاس وأخبره بعنوان قسم الشرطة وأمره بالذهاب مباشرة دون تأخير.
عاد بعينيه إلى أخته التي يظهر على وجهها معالم الألم لكنها تحاول إخفاء الأمر.
فأقترب منها وهو يقول:
- سالي مالك؟ إنتِ تعبانه؟
رفعت عيونها له وقالت بألم:
- بطني وجعاني أوي من امبارح .. تقريباً معدتي مستحملتش الفول والطعمية.
أبتسم لها بحب أخوي وقال:
- هتصل بالصيدلية تبعت ليكي دواء حلو أوي هيريحك جداً.
أومأت بنعم.
ليتركها ويتحرك في اتجاه السلم لكنه وقف حين سمع همسها بالشكر لينظر إليها بحب وغمز لها بشقاوة.
ثم قال بأستفهام:
- نرمين فين؟
- في مركز التجميل .. عروسة بقى.
أومأ بنعم وصعد إلى غرفته.
تتابعه بعيونها وبداخلها تود أن تركض إليه تضمه بحنان وتربت على قلبه وتعتذر منه على كل هذا الوجع الذي أصبح يسكن عينيه وأثقل روحه.
لكنها عادت تكمل عملها وهي تتذكر كلمات حاتم لها قبل خروجه:
"بلاش تفتحي مع أديم أي كلام عن إللي حصل امبارح .. نخلص ليلة نرمين وبعدين نقعد ونتكلم معاه".
وها هي نفذت ما قاله وتجاهلت ما حدث بالأمس وكأنه لم يحدث وساعدها في ذلك اعتكاف والدتها داخل غرفتها منذ الأمس.
أنهت ما كانت تفعله وسلمت الدفعة الأخيرة من الدعوات للحارس وتحركت حتى ترى ما قامت به دادة مجيدة وباقي الفتيات.
حتى وصول منظمة الحفل.
والتي لم تتأخر وباشرت في عملها بسرعة واحتراف هي وكل فريق العمل.
جلس حاتم أمام فيصل الذي يرتسم على وجهه ابتسامة بلهاء تملأها السعادة جعلته هو الآخر يبتسم وهو يقول:
- أيه يا ابني مالك عامل كدة ليه؟
أخذ فيصل نفس عميق وقال بصدق:
- إنت عارف الحلم إللي بيتحقق النهاردة ده بقالي كام سنة بحلمه 8 سنين .. إنت قادر تفهم أنا حاسس بأيه دلوقتي.
أبعد عينيه عنه ونظر إلى الفراغ وأكمل:
- أول مرة شوفتها فيها كانت شبه الأطفال .. أول يوم ليها في الجامعة .. وماسكة في إيد أديم كأنه أبوها .. وخايفة يسيب إيدها ويتوه منها في وسط الزحمة .. نظرة عيونها لما عرفها علينا واحنا واقفين كلنا مع بعض وقالها حاتم، وطارق، وفيصل .. لو أنا مش موجود هما موجودين ولو احتجتي أي حاجة تعالي ليهم وأطلبي منهم إللي إنتِ عايزاه .. وقتها حسيت أني محتاج أحضنها .. أحميها أو أخبيها جوايا .. أبعد عينك وعين طارق عنها .. إيدي أنا إللي تبقى حاضنة إيدها مش إيد أديم.
أبتسم أبتسامة صغيرة وهو يقول بأقرار:
- أنا سافرت علشان أكون نفسي وأرجع معايا فلوس تخليني أقدر أفتح شركة .. وأشتري شقة فخمة علشان خاطرها هي بس .. كنت كل يوم بصلي وأقف بين إيدين ربنا علشان أدعيه يحفظها ليا ولما أرجع ملقيهاش اتجوزت .. أنت متخيل أحساسي .. عايزني أكون عامل إزاي دلوقتي وبعد كام ساعة نرمين هتبقى مراتي .. حلالي هيبقى من حقي أبص في عينيها .. وأمسك إديها .. أحميها من الناس والزمن .. وعمري كله أعيشه ليها.
يستمع إلى كلماته وهو يشعر بكم المعنى الذي عاشه صديقه طوال ثماني سنوات.
ويفكر لماذا دائمًا الحب مؤلم.
لماذا علينا دائمًا أن نشعر بالألم.
أن تبكي قلوبنا وتسجن أرواحنا داخل أروقة صعوبة الحب.
لكنه أبتسم وقال بصوت مسموع:
- إللي بيخلي لحبنا قيمة كبيرة جوانا هو كم الألم إللي بنحس بيه علشان نوصل ليه .. كل ندبة بتترسم فوق قلوبنا .. بتكون ذكرى جميلة لما نوصل للحلم.
رفع عينيه ينظر إلى صديقه وقال:
- نرمين محظوظة بيك يا فيصل .. وأتمنى منك أنك تحافظ عليها فعلاً .. ولو في يوم حسيت أن إللي حصل زمان عبء فوق قلبك وروحك ورجولتك .. أرجوك متجرحهاش حتى بنظرة .. رجعها لينا من غير.
- أنت أهبل يا حاتم .. بقولك دي دعوة 8 سنين في كل سجدة .. وأنت تقولي تجرحها.
لم يدعه يكمل كلماته وقال بصوت قوي أخرس حاتم لكنه جعله يبتسم براحة.
ثم وقف وهو يقول:
- ماشي يا عريس .. أنا هروح بقى .. علشان أشوف لو في حاجة ناقصة في القصر وأنت متتأخر.
ضرب على كتفه وغادر ترافقه عيون فيصل السعيدة.
وحين أغلق حاتم الباب .. همس فيصل برجاء وتوسل:
"اللهم إني أسألك بأسمك الأعظم الذي إذا سألك به أحد اجبته وإذا استغاثك به أحد أغثته وإذا استنصرك به أحد استنصرته أن تيسر كل عسير وتكمل ساعدتي اليوم بزواجي من نرمين وتجعلها قرة عين لي .. وتقر عينها بي .. وترزقنا السعادة والفرح وتجعل بيننا مودة ورحمة .. وترزقنا من فضلك بالذرية الصالحة .. يا ذا الجلال والإكرام".
طرقات على باب مكتبه سمحا لصاحبها بالدخول.
ليقدم العسكري التحية وهو يقول:
- في واحد برة من قصر الصواف عايز حضرتك يا فندم.
بلهفة قلبه قال:
- دخله يا ابني بسرعة.
دلف الحارس إلى المكتب وقال:
- أديم باشا باعت لحضرتك الدعوة دي.
ومد يده بالدعوة ليأخذها همام بلهفة وهو يقول:
- طيب شكرًا.
ليغادر الحارس دون كلمة أخرى.
وأبتسم همام وهو يقرأ الدعوة ها هي الفرصة تأتي إليه دون مجهود منه.
سوف يراها اليوم .. ولن يضيع الفرصة سوف يتقرب منها دون تردد.
هو قد كسر كل قواعده القديمة .. ولن يعود إليها من جديد.
سوف يحارب حتى نفسه حتى يصل إليها.
حتى الأن لا يعرف سبب تلك الحالة التي تلبسته منذ رآها لكنه أبداً لا يريد أن يتخطاها ويريد أن يظل داخل هذا الإحساس.
إحساس أنه مسحور وفي عالم وردي سعيد.
في المساء كان قصر الصواف وكأنه نجمة تتلألأ في السماء بالأضواء التي تشع منه.
وكذلك الموسيقى.
كان الجميع يتوافد على القصر ليس فقط من أجل الحضور لحفل زواج نرمين الصواف.
لكن الفضول هو السبب الأول.
الكل يبحث عن هوية العريس .. وأيضًا يتسألون عن سبب السرعة والمفاجئة.
لذلك الجميع حضر رغم ضيق الوقت.
كان أديم يقف في بداية البهو بحلة سوداء مميزة.
تزيد من وسامته وتجعل جميع الفتيات لا يستطيعن إبعاد عيونهن عنه.
والشباب يشعرون بالغيرة.
كذلك حاتم الذي انضم إليه بعد أن ترك سالي تكمل ارتداء ملابسها.
وقف بجانب أديم وهو يقول:
- حاولت أوصل لطارق ومعرفتش.
لينظر إليه أديم بقلق.
وقال بهدوء رغم كل شيء:
- أنا مش مرتاح لطارق يا حاتم .. وغيابه ده بيقلقني أكثر من حضوره .. والشك جوايا مش عارف أعمل فيه أيه.
رفع حاتم عيونه إليه.
وقال بقلق:
- من وقت آخر مرة وكلامه إللي قاله وأنا عندي نفس الشك .. بس قسماً بالله لو طلع إللي بنفكر فيه حقيقة لَخليه عبرة لمن يعتبر.
أخذ أديم نفس عميق حاول فيه إخماد تلك النيران التي اشتعلت داخل قلبه من التصور والاحتمال.
لكنه شمخ برأسه وهو يستقبل الضيوف الذين يهنئونه.
ويجيب بدبلوماسية على تسؤلاتهم عن كنية العريس.
أو سبب السرعة في إتمام الزواج.
نزلت شاهيناز درجات السلم بشموخ كعادتها تحيي الجميع بأنف مرفوع.
وتبتسم في وجه كل من يسألها عن العريس.
ولا تجيب.
وصلت كاميليا إلى الحفل متألقة في ثوب أحمر ناري مميز أظهر قدها الممشوق وجمالها الخلاب.
وقفت أمام حاتم وأديم وهي تقول:
- أنا فرحانة أوي لنرمين .. ألف مبروك يا أديم وعقبالكم.
مد أديم يده لها وهو يقول بود:
- الله يبارك فيكِ يا كاميليا .. أطمن عليكِ الأول.
أقترب حاتم خطوة وهو يقول:
- أيه الجمال ده .. انتِ كدة جاية تنافسي العروسة ولا أيه؟!
ضحكت بدلال أنثوي هو جزء من طبيعتها وقالت:
- نرمين مفيش حد ينافسها في الجمال .. وبعدين الليلة ليلتها .. أنا مليش دعوة.
في تلك اللحظة دلف همام وعينيه تبحث عنها هي.
وكأن قلبه كان يشعر بوجودها.
وحين وقع نظره عليها قفز قلبه داخل صدره دون هوادة.
وبأقدام من هلام من تأثير جمالها عليه.
أقترب من مكان وقوفها.
وقدم التهاني لأديم وحاتم.
ثم مد يده لها وهو يقول:
- أزيك يا أنسة كاميليا .. عقبالك قريب إن شاء الله.
كان حاتم وأديم يتابعوا ما يحدث بعيون متفحصة وخبيرة.
وحديثهم يخبرهم أن هناك عرس جديد على الأبواب.
بخجلها الأنثوي مدت يدها وهي تقول:
- الله يبارك فيك ... ميرسي.
ثم نظرت لحاتم وقالت:
- سالي فين؟
- فوق في أوضة نرمين .. أطلعي ليهم.
أومأت بنعم وتحركت وهي تقول:
- بعد إذنكم.
وغادرت المكان ليقول همام مباشرة:
- أنا طالب أيد الأنسة كاميليا.
ليضحك أديم وحاتم بصوت عالي ليشعر همام ببعض الحرج.
لكن أديم قال بصدق:
- أنا عن نفسي معنديش مانع .. بس القرار قرارها ... أوعدك بعد الفرح هكلمها في الموضوع.
ليبتسم همام بسعادة ليقترب منه حاتم وقال بشر مصطنع:
- أوعى تفتكر علشان أنت ظابط أننا مش هنعمل عنك تحريات ونسأل عليك .. اه أحنا بنتنا غالية أوي وإللي هياخدها لازم يكون يستاهلها بجد.
أبتسم همام بثقة وقال بثبات:
- اسأل زي ما تحب .. الحمدلله السيرة طيبة .. والأصل طيب .. والشرف والأمانة هما عنوان حياتي .. ومكنش في حياتي قبلها غير شغلي ومش هيكون بعدها برده غير شغلي.
ليقول أديم بمرح:
- الكتاب بيبان من عنوانه يا همام باشا .. لكن الأصول أصول .. وده جواز ولازم نسأل اه لحسن تكون ظابط كده وكده.
ليضحك الجميع بمرح.
لينتبه الجميع لبعض الهرج حين حضر فيصل ومعه بعض من أقاربه.
وسبب الهرج هو ترحيب أديم وحاتم به على طريقتهم أيام الجامعة.
وبعد ثوانٍ صدحت موسيقى ناعمة تدل على وصول العروس.
ليقف الجميع ينظر إلى تلك الملاك التي تقف أعلى السلم بفستان من الستان يلف جسدها بشكل مميز يظهر جمالها ورقتها دون مبالغة.
وجوارها سالي التي ترتدي فستان ذهبي يشبه خصلاتها التي تجعل قلب حاتم يقفز من مكانه بعشق يتجدد كل لحظة لتلك الرقيقة التي تذهله كل يوم أكثر من اليوم الذي يسبقه.
ومن الجهة الأخرى تقف كاميليا برقتها وأنوثتها الطاغية في عيون همام.
والذي لم يستطع رفع عينيه عنه.
ليصعد أديم سريعاً درجات السلم ووقف جوارها بعد أن قبل جبينها وقال بحب أخوي:
- مبارك يا حبيبتي .. ربنا يسعدك .. حطي فيصل في عينك لأنه يستاهل.
أومأت بنعم ليرفع لها ذراعه لتضع يدها عليه وبدأت في نزول السلم بهدوء.
وهي ترسم ابتسامة رقيقة.
أرتسمت حين وقعت عيونها على فيصل الذي ينظر إليها وكأنها كل نساء الأرض.
وحين وصلوا أمامه ضمه أديم بقوة وهو يقول:
- نرمين أمانه في رقبتك يا فيصل ويوم ما تزعلها هطيرها.
ضرب فيصل على رقبته وصدره وهو يقول:
- بعمري وحياتي ودمي يا صاحبي .. أختك في عيني وفوق راسي.
ربت أديم على كتفه بتشجيع لينظر إليها فيصل ومد يده أمامها لتضع يدها في حضن يده لينحني بحب يقبل ظهر يدها ثم باطنها وهو يقول:
- مبروك عليا السعادة والفرح وكل الخير .. يا حب عمري.
لمعت عينيها بدموع السعادة.
ليقترب وقبل جبينها وأكمل قائلاً:
- أوعدك من النهاردة مفيش دموع .. إلا دموع الفرح.
وسار بها حتى وصل إلى منتصف البهو الخالي تمامًا أمام أنظار الجميع.
وخلفهم سالي تتأبط ذراع حاتم وجوارهم أديم وكاميليا وخلفهم همام.
والجميع منهم المنبهر .. ومنهم المصدوم .. ومنهم الحاقد .. ومنهم من لم يستوعب بعد كل تلك الصدمات.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن هيناً أبداً لكن لم يستطع أديم وحاتم إلا ان يشاركوا فيه.
وسالي التي رغم شعورها بالصدمة إلا أنها كانت سعيدة جداً.
وكاميليا كانت لا تصدق ما يحدث داخل قصر الصواف العريق.
أرتسمت الصدمة على وجه شاهيناز حين أشار أديم لمشغل الموسيقى الذي أومأ بنعم وبعدها صدحت نغمات شعبية لحكيم:
((بحبك بحبك .. بحبك بحبك))
وبدء فيصل في الحركات الراقصة الشعبية:
((الليلة ليلتك يا معلم .. يلا بقى يا قلبي أتعلم الليلة ليلتك يا معلم أتعلم يا قلبي تحب .. ده إللي مبيعرفش يحب ويشوف جماله ده هيتعلم))
كان فيصل يشير إلى نرمين وهو يردد كلمات الأغنية ويحرك كتفيه بحركاته المميزة الذي زادته وسامة في عيونها.
وجعلتها هي الأخرى تتمايل معه في محاولة لتقليد حركاته:
((يلا قوله على إللي فيها .. كل حاجة قوله عليها يلا قوله متخبيش .. وان رضي رضي مرضيش مرضيش المهم أن أنت تقوله))
كان حاتم وأديم يرقصون كما فيصل وشاركهم الرقص همام.
حتى أن بعض الشباب الذي في الحفل شارك معهم في تلك الرقصة التي من وجه نظر البعض ضرب من الجنون.
((قوله وأنا عيني شايفة عنيه .. بيوحشني أوي أبن الأيه بحبه ... هو وفى قلبي جوه .. ده حبيبي هو أنشاالله حتى ميحبنيش .. أحبه تاني .. تاااااني .. اه منه ياني .. يااااني لو غاب ثواني ياني .. ومشوفتهوش مبعرفش أعيش قوله قوله قوله .. لازم أروح أقول على كله بما أنه مفيش منه .. مبعرفش أبعد عنه جماله مش زي العادي .. لما بيعدي قصادي أنا بنسى الكلام كله بحبك بحبك .. بحبك بحبك مليش غيره ده من غيره .. حالتي متبقاش تمام ده أدى كله لازم أقوله .. ده أنا مبعرفش أنام وكل إللي أنا شايله فى قلبي .. لازم أروحله وأقوله عليه))
أنتهت الأغنية ووقف الجميع بين ضحك وسعادة لتعود الموسيقى الهادئة مرة أخرى وبدء فيصل ونرمين بتمايل عليها بأرستقراطية.
جعلت بعض التوازن يعود إلى شاهيناز التي كادت أن تصاب بنوبة قلبية مما يحدث أمامها.
بعد عدة دقائق كانت نرمين وفيصل بين الغيوم الوردية يحلقون في سعادة وفرح.
أقترب أديم منهم وقال:
- نكتب الكتاب الأول يا حلوين.
أومأت نرمين بسعادة وقال فيصل:
- ياريت بقى لقد هرمت من أجل تلك اللحظة.
ليضحك الجميع على ذلك العريس العاشق.
وجلس أديم في إحدى الجهات جوار المأذون ومن الجهة الأخرى جلس فيصل وجواره نرمين وبدء مراسم عقد القران وحين قال الشيخ:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير.
وقف فيصل سريعاً يضم نرمين بقوة وهو يقول:
- وأخيراً وأخيراً يا حب عمري يا كل دنيتي.
كان الجميع يتابعهم بين نظرات محبة ودعوات صادقة وبين حقد وكره.
وبين لا مبالاة.
لكن الصمت خيم على المكان فجأة.
حين أقتربت فتاة مميزة الشكل بشعر غجري وملابس راقيه لكنها لا تناسب المناسبة التي تقف في منتصفها.
قطب أديم حاجبيه وهو ينظر إلى ونس تقف أمام مشغل الموسيقى تمسك بالميكرفون.
وهي تقول:
- بعتذر عن مقاطعتي للحفلة ومبروك طبعاً للعروسين لكن عندي كلام مهم لازم أقوله .. وعلشان كده أنا جيت النهاردة.
تحرك أديم ليقترب منها يمنعها مما تفعل لكنها أشارت له بيدها وهي تقول:
- خليك مكانك يا أديم أنا أخدت قراري ومش هرجع فيه ... أنت تستحق رد الإعتبار ده .. ودي أقل حاجة أقدر أقدمها ليك .. قبل ما أسلم نفسي للبوليس.
كان الجميع ينظر إليها بصدمة بين من يعرف تلك الفتاة جيداً ويشعر بالكره تجاهها.
وبين من لا يفهم كل ما يحدث.
لكن تحفزت كل خلية في همام حين قالت جملتها الأخيرة.
لتكمل كلماتها بهدوء:
- أنا ونس .. الصحفية إللي كتبت الخبر الكاذب عن عيلة الصواف .. وعن حقيقة نسب أديم الصواف .. أنا ونس إللي مثلت دور البنت الغلبانة إللي محتاجة شغل ومساعدة علشان تدخل بيت أديم .. وتكشف أسراره .. من غير ما تهتم بمشاعره الإنسانية .. وأنه إنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
فضلت أتمسكن علشان أكسب تعاطفه معايا خصوصاً بعد ما اكتشفت طيبة قلبه .. وأنه عكس تمامًا ما كنت متخيله شاب متعجرف ومغرور.
لكن الحقيقة كانت صدمة .. لاقيت شاب متواضع بسيط .. وعنده حنية قلب ورحمة مشفتهاش في حد.
لكن شيطاني فضل يوزني وغروري الصحفي والتريند يزينوا ليا لحظة نزول الخبر إللي هيخلي الكل يشاور عليا ويقول دي إللي كشفت حقيقة أديم الصواف.
مخدتش بالي وقتها أنه حبني وشاف فيها باب أمل وونس حقيقي يشبه اسمي إللي مستحقوش.
ومخدتش بالي برضو أن قلبي سلم كل حصونه ليه من غير قيد أو شرط.
لكن غروري برده رفض يعترف بمشاعري دي .. وأرتكبت الغلط إللي مينفعش معاه لا رحمة ولا شفقة.
صمتت ثواني لكن دموعها لم تتوقف.
ظلت تنهمر على وجنتيها وهي تنظر إليه بأعتذار.
وكان هو ينظر إليها بنظرة لم تستطع تفسيرها هل هي لوم وعتاب؟ أم غضب؟
لكنها أكملت كلماتها:
- أنا جاية النهاردة علشان أعتذر عن الغلط إللي ارتكبته في حقك يا أديم .. وفي حق عيلة الصواف .. كل إللي كتبته كذب وملوش أي أساس من الحقيقة.
أنا ونس الصحفية الهربانة بعترف قدام الجميع أني كذبت ولفقت الحقايق.
علشان أكسب تريند وشهرة.
أنا أسفه يا أديم رغم أن الاعتذار مش هيغير حاجة من حقيقة جرحي ليك .. ولا هيداوي كسرة قلبك .. وإحساسك بالخذلان.
تركت الميكرفون لمشغل الموسيقى وأقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرة وقالت بصوت ضعيف من أثر البكاء:
- أنا كما حبيتك يا أديم .. أنا كما خذلت نفسي .. أنا دلوقتي بتألم جربت شعورك وأحساسك.
عارفه أن كلمة أسفه مش هتغير حاجة.
لكن أنا أسفه .. ولو بأيدي أرجع الزمن والله ما كنت عملت كده.
أنا عرفت دلوقتي .. بعني أيه جنة قربك وحبك .. ويعني سقر عشقك .. وجحيم فراقك.
أنت فضلت جنتل مان حتى في خصومتك معايا ولو تعرف ده وجعني قد أيه.
كان الألم يرتسم على ملامح أديم وهو لا يستطيع قول شيء أمام كل ما تقوم به الأن.
لكنها أقتربت منه أكثر وهمست جوار أذنه:
- أنا بحبك يا أديم .. بحبك أوي.
وأبتعدت تنظر إلى عينيه التي تلمع بها الدموع.
كما دموعها.
لكن صوت تصفيق جعل الجميع يلتفت إلى مصدره ليجدوا طارق يقف عند باب البهو.
ينظر إلى الجميع بشر.
خاصة فيصل الذي يحاوط خصر نرمين بتملك.
لتشتعل نيران الغيرة والتملك في عينيه.
جعلت الجميع يشعر بالصدمة.
إن هذا اليوم الذي بدأ مميز ومليء بالفرحة إلى يوم مليء بالمفاجئات والصدمات.
- ما شاء الله ده فيه فرح هنا فعلاً .. وفي كمان ناس بتحب وتتحب واعتذرات من القلب.
أقترب حاتم خطوة وهو يقول:
- في أيه يا طارق؟ أيه الداخله دي؟
لينظر إليه طارق وهو يقول بأستهزاء:
- داخلة أيه .. ده لسه الدخلة جايه يا حاتم باشا أصبر.
تحرك أديم خطوة لكن إخراج طارق لمسدسه جعله يعود للخلف وأوقف ونس خلف ظهره وركض حاتم يحمي سالي التي تشبثت بقميصه بخوف.
ونفس الموقف قام به فيصل الذي تصدر المشهد جوار أديم وحاتم.
وخلفه نرمين.
أقترب همام عدة خطوات لم يلاحظها طارق.
لكن مع آخر خطوة انتبه له فأخرج مسدس آخر ووجهه في اتجاهه وقال:
- أقف مكانك وبلاش تخليني أزعل منك .. متعملش ناصح.
وقف همام مكانه لكنه بدون إرادة منه مد يده يسحب كاميليا حتى تقف خلفه والتي استجابت له من كثرة الخوف.
- أيه إللي أنت بتعمله ده يا طارق أعقل.
قال أديم بغضب ليضحك طارق بصوت عالي وهو يقول:
- أعقل .. هو أنتوا خليتوا فيا عقل .. يعني أنا زمان اغتصبتها علشان تكون ليا .. ودلوقتي إسمه أيه ده ياخدها مني .. عايزني أزاي أفضل بعقلي.
تعلو الشهقات وأرتسمت الصدمة على وجه الجميع وأنحدرت دموع نرمين التي عادت إليها ذكريات ذلك اليوم وذلك الصوت البغيض الذي كان يخبرها أنها أصبحت ملكه الآن وأنها أصبحت دميته.
انتفخت أوداج فيصل من الغضب وتحرك خطوة واحدة ليطلق طارق رصاصة في الهواء وهو يقول:
- أقف مكانك يا عريس .. وبلاش تتهور .. هو أنت كده كده ميت لكن أصبر شوية لسه في كلام كتير لازم تسمعه ... صحيح هي بقت مراتك بس أنا إللي قطفت أول قطفة .. ومش قادر أقولك كانت طعمه أزاي.
يصرخ الثلاث رجال في صوت واحد وكأنهم أسود عملاقة حبيسة أقفاص حديدية.
ليضحك طارق بصوت عالي وهو يقول:
- أهدوا شوية .. متقلقوش محدش فيكم هيعيش علشان يقدر ينتقم.
أنا نويت أخلص منكم كلكم ... وتركة الصواف كلها تبقى ليا .. لوحدي .. أبقى أنا إمبراطور عيلة الصواف .. مش الجبان إللي إسمه أديم.
تحركت كاميليا خطوة واحدة من خلف همام وقالت:
- أيه إللي أنت بتعمله ده يا طارق أرجع لعقلك .. هو أنت بعد إللي أنت بتعمله ده هيكون مصيرك حاجة تانية غير السجن.
ليطلق مرة أخرى طلقة مرت من جوارها وأستقرت في إحدى المزهريات التي تحولت إلى قطع صغيرة جداً لتصرخ بخوف وتعالت الصرخات والشهقات المصدومة.
ليقول همام بغضب:
- إللي أنت بتعمله ده مش هيفيدك بحاجة يا طارق .. أنا بعت رسالة للشرطة وفي دقايق هيكونوا هنا.
- يبقا أخلص إللي أنا جاي علشانه.
ورفع سلاحه وبدء في الضرب حتى أنتهت طلقاته.
وسقطت تلك الأجساد التي طالتها الرصاصات.
والتي كانت مقصودة .. وأيضا أجساد لم يكن لها ذنب سوى أنها تحب.