تحميل رواية «ونس» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يجلس خلف مكتبه الكبير يراجع كل الأوراق التي أمامه بتركيز شديد. هو المسؤول الأول والأخير عن أموال العائلة، وعليه أن يقرأ كل ورقة وكل حرف. رغم خلافه الكبير مع والدته، والذي على أثره ترك قصر الصواف، لكنه لم يترك مسؤولياته كمدير لشركات الصواف، والمسؤول الأوحد. هو أديم الصواف، ابن عائلة الصواف الأكبر، في عامه الخامس والثلاثون. لديه أختان أصغر منه. تزوجت الأولى من ابن عمه حاتم، والأخرى على وشك الخطبة من ابن عمه الآخر طارق. وهو أيضًا يعتبرهما أصدقاءه الوحيدين، لكن حاتم الأقرب إليه. بسبب ثرائهم الفاحش،...
رواية ونس الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة مجدي
دلفت إلى غرفة المكتب وبداخلها مشاعر مختلطه … هل ستنتهي مهمتها وتحقق ما تريد؟ … هل ستجد ما تبحث عنه؟
إبتسمت بسعادة وهي تغلق الباب خلفها وهي تضع أدوات التنظيف خلفه مباشرة حتى يعيق دخول أي شخص عليها لبضع ثوانِ تستطيع فيهم أخفاء ما تفعله … وبشكل مباشر بدأت في البحث على ما تريد.
بدأت بأدراج ورفوف المكتبة .. وبين الكتب .. ثم أنتقلت إلى المكتب … وتلك الملفات الموجودة على سطحه …
ومع كل درج لا تجد فيه مبتغاها تشعر بالإحباط … لكنها أستمرت في البحث .. عين على الباب … وعين تبحث فيما أمامها …
فتحت الدرج الأخير وأخرجت منه تلك الأوراق والإحباط يتملكها … أنها لم تصل لشيء حتى الأن وتشعر بحركة بالخارج وتخشى أن يدلف أديم أو نرمين قبل أن تصل لما تريد …
دقائق مرت وهي تبحث بعينيها بين الأوراق حتى وقعت عيونها على ذلك الملف لتبتسم بسعادة وهي تخرج الأوراق من الملف تطويها وتضعها في جيب بنطالها الخلفي.
ثم وبسرعة كبيرة أعادت كل شيء لمكانه وبدأت في التنظيف بالفعل.
لكن عقلها بدء بالفعل برسم صور مختلفة عما يسعده وما حضرت هنا من أجله … صوره لأديم حين يكتشف حقيقتها وما قامت به وما سيحدث منذ تلك اللحظة…
هل ما تريد تحقيقه يستحق أن تصبح خائنه في عينيه؟ ويستحق ذلك الجرح التي سوف تسببه له؟ خاصة وهي شعرت بأختلافه عن تلك الصوره المعروفه عن عائلته … خاصة وهي تشعر بأنجذابه لها …
نفخت بضيق لكنها نفضت عن عقلها تلك الأفكار وهي تعيد على نفسها أهدافها و أحلامها التي ظلت لأيام وأيام تحلم بها وتخطط لها … لترتسم على ملامحها معالم الإصرار والتحدي وبخطوات سريعه دارت في الغرفة حتى تنهي تنظيفها … حتى ترحل من ذلك البيت وإلى الأبد.
~~~~
تقف عند مقدمة المركب تنظر إلى المياه الصافيه أمامها والهواء يداعب خصلات شعرها الذهبي فيصنع منها هاله جذابه أمام عينيه العاشقة.
لم يستطع أن يظل بعيد عنها أكثر من ذلك … أنهى حديثه مع قبطان المركب وأقترب منها بهدوء.
لكنه حين وقف خلفها قال ببعض المرح مازحًا
-حبيبتي روز أوعي ترمي نفسك من هنا … أنا ما صدقت لقيتك.. ومش عايز أموت دلوقتي لسة مشبعتش منك.
ألتفتت تنظر إليه وارتسمت إبتسامة مشاغبة تشبه إبتسامته وقالت بمرح مشابه
-متقلقش يا چاك أنا كمان ما صدقت لقيتك ومش هقدر أبعد عنك.
حاوط كتفيها بذراعه ووقفا الأثنان ينظران إلى ذلك المنظر البديع أمام عيونهم ليقول حاتم من جديد
-عارفه يا سالي إني حلمت بكل لحظة معاكي هتكون إزاي كنت بفضل بالساعات أفكر فيكي وأوقات كتير مكنتش بقدر أنام من شوقي ليكي .. كان عندي أحلام كتير أوي نفسي أحققها معاكي.
وصمت لثواني ثم أكمل بمشاغبة خاصه وهو يغمز لها
-ومنهم إننا نعمل زي جاك وروز في مشهد العربية.
وضحك بصوت عالي حين لاحظ صدمتها لكنه بعد أن هدأت ضحكاته قال بصدق
-حقيقي يا سالي حلمت كتير بقربك .. وإني أعيش سعيد جوه قلبك .. وأحس بحبك ليا وأملك العالم بأمتلاكي ليكي وأمتلاك قلبك .. أنتِ حلم المراهقه والشباب .. وطموح راجل بيحبك بكل خليه فيه وكل نفس خارج من صدري بيردد أسمك .. وكل دقه في قلبي بتقول بحبك.
أقتربت منه وحاوطت وجه بيديها وهي تقول بصدق والدموع في عينيها تشهد على كلماتها
-حاتم أنا هفضل طول عمري أعتذر لك وأعتذر لنفسي على عدم أحساسي بيك .. أعتذر على عمايا وسطحيتي … على قصر نظري .. وعدم نضجي .. أنا أسفة يا حاتم .. أسفه يا حبيبي.
-يا سالي أنا قدام كلمه حبيبي دي أنا أبيع عمري كله .. وأسلمك قلبي من غير قيد ولا شرط.
قال بصدق وهو يحاوط جسدها بذراعيه لتخبئ وجهها في صدره وهي تهمس له بكلمات الحب والاعتذار … لكنه أبتسم بشقاوة … وبحركه سريعة سقط الأثنان في المياة .. وسط ضحكاته وصراخه بكونه يحبها .. وصرختها المتفاجئه مما قام به .. لكنهم ظلوا يلعبون في المياة والضحكة التي ترتسم في عيونهم تحكي قصص من العشق لن ينضب يومًا .. ووعود أن يظل الأثنان معًا مهما حدث .. فكل منهم وجد ضالته في تلك الحياة.
………………………
-بس أنا مش موافقه على إللي حضرتك بتقوليه ده يا طنط شاهيناز .. وأصلا من أمتى التوكيل ده معمول لحضرتك.
صرخت بها كاميليا ليقف طارق ينظر إليها بغضب وصدمه هل أخته أيضًا ستكون ضده؟ .. كذلك شاهيناز التي وقفت تقول بهدوء رغم ذلك الغضب الظاهر في عيونها
-أنتِ بتقولي أيه يا كاميليا؟ ومن أمتى أنتِ ليكي رأي أو بتعترضي على كلامي؟
لتدخل كاميليا إلى داخل الغرفة وهي تتجاهل كلمات شاهيناز ونظرات أخيها وقالت موجه حديثها للمحامي
-أنا عايزه ألغى التوكيل إللي معمول لشاهيناز هانم .. ومش موافقه على قرارها .. ولو حصل حاجه عكس إللي أنا قولته هقاضيك وهخرب بيتك.
الصدمه ألجمت الجميع .. لكن كاميليا لم تتوقف بل أخرجت هاتفها وأتصلت بنرمين وأخبرتها بكل شيء وطلبت منها أخبار أديم بالأمر وسالي وحاتم أيضًا … وخلال ثوانِ كان هاتف المحامي يعلوا رنينه بأسم أديم.
لتعود شاهيناز تجلس مكانها وكأنها فقدت كل قدراتها على الحركة أو الكلام كذلك طارق الذي كان يحلق في سمائه بين نجوم أحلامه … سقط الأن في بئر سحيق … لا ضوء فيه ولا أمل من النجاة …
حين أغلق المحامي الهاتف مع أديم قال بصوت ضعيف
-أديم بيه قرر عمل جمعية عمومية بكرة وطالب من الكل الحضور وأولهم حضرتك يا شاهيناز هانم.
لتغادر كاميليا بخطوات ثابته صاعده إلى غرفتها والغضب من تلك العائلة يزداد .. وكذلك المحامي لم يعد هناك داعي لبقائه فغادر الغرفة وهو يتمتم بسلام غير مفهوم ثم غادر القصر بأكملة …
لكن طارق هو من صرخ بصوت عالي موجهًا حديثه إلى شاهيناز
-أنتِ ساكته ليه؟ هو خلاص كده .. سلمتي مبقاش عندك أي سلاح نواجه بيه أديم .. هتسبيه ينتصر.. ردي عليا خلاص كده .. ردي عليا ساكته ليه؟
كانت تنظر إليه بصدمه .. لكن صدمتها لم تجعلها قادرة على الكلام أو الرد على صرخات طارق المتكررة .. أنها خسرت كل شيء بالفعل .. خسرت مركزها وقوتها .. هل كل هذا بسبب أديم؟ .. بسبب خطأها القديم .. هل هي حقاً السبب في كل ما يحدث الأن؟ .. بسبب موافقتها ذلك اليوم .. ورضوخها لقرار سراج ….
ظلت داخل دوامتها التي ترسم أمام عيونها ما حدث لها منذ زواجها من سراج … سراج الصواف حلم كل الفتايات لكن ورغم معرفتها بكونه رجل متعدد العلاقات .. إلا أنها وافقت على الزواج منه … ورغم تأخر الحمل إلا أنه لم يظهر لها أستيائه .. ولذلك ظلت صامته على خيانته المتكرره …
لكن أن تكتشف أن نتيجة خيانته لها .. طفل .. من حرام .. “أديم” التي قبلت أن تعطيه أسمها وأن تصبح أمه حتى يظل الأمر في أطاره الشرعي أمام الناس… حفاظاً على سمعة العائلة … ومن بعده رزقها الله بأبنتين لتشعر من داخلها بالرضا من كونها قبلت بأديم كأبن لها … لكن للقدر دائماً رأي أخر …
ف ما حدث لنرمين .. والذي بسببه سقط سراج مصاب بجلطه قلبيه … من كثرة لومه لنفسه بعد فترة قصيرة مات .. فلقد أعتدى سراج على شرف فتاة وإبنته دفعت الثمن .. وطالها مثل ما طال تلك الفتاة … هل عليها الأن أن تستمر في محاولاتها المستميته في الحفاظ على كيان تلك العائلة؟ .. أم عليها الأن أن ترحم نفسها وتترك كل شيء؟ .. هل عليها الأن أن تكشف كل الحقائق؟ .. وكل منهم يعرف حقيقته… أم تظل صامته ويرحل السر معها كما رحل مع سراج .. لكن إلى متى؟
………………………..
تقف تتابع ما يحدث وهي لا تصدق ما حدث .. وكأن القدر يساعدها … ويمهد لها طريق النجاح .. أن تلك المعلومات الجديدة سوف تفيدها حقًا .. أبتسمت بسعادة وهي تتابع ما يحدث وأجلت عودتها إلى المنزل حتى تحصل على كل المعلومات وتصبح الصوره كاملة دون نقصان .. ووقتها ستقوم بما جائت إلى هنا من أجله … لكنها أيضًا تشعر بالشفقه على حال أديم الذي يظهر الغضب على كل ملامحه وأيضًا في كل حركاته.
……………………….
الغضب يجعل الدماء تفور في عروقه ويود أن يذهب إلى القصر الأن حتى ينظر في وجه أمه ويصرخ بكل ما بداخله من ألم وحزن … لماذا تفعل هذا به؟ لماذا يشعر دائمًا بكرهها له؟ … نيران الحقد التي تصر على أشعالها بين أفراد العائلة الأن تشتعل بداخله … وطعم الخيانه مر علقم ولا يستطيع أديم إبتلاعه بسهولة.
وكانت نرمين لا تقل عنه فجسدها ينتفض …. وإحساس الخيانه يعود إليها من جديد .. الأن ومره أخرى يعود إليها نفس الشعور القديم.. العجز والضعف … لماذا عليها أن تظل تتجرع نفس هذا الكأس مرارًا وتكرارًا؟ … الذكرى المؤلمه تعود إليها من جديد .. وتتجسد أمام عينيها الأن وكأنها تحدث الأن بكل تفاصيلها.
(كانت عائدة من مدرستها وككل يوم تسير نصف الطريق مع صديقتها وباقي الطريق تسيره بمفردها … صحيح قد وضع والدها لها حارس شخصي بسبب رغبتها في السير ذهابًا وعوده من المدرسة ولا تحبز ركوب السيارة .. وهو لم يرغب في إحزانها فخصص ذلك الحارس من أجل تأمينها .. لكن اليوم لم تحضر صديقتها .. فقررت أن تقوم ببعض المغامره .. علها تشعر ببعض التجديد في حياتها .. وبعض النشاط .. متجاهله ذلك الحارس الذي يسير خلفها وكأنه ظلها .. وصلت إلى مكان قريب من المدرسة به حديقه كبيرة وزهور أشكالها غريبه لفتت نظرها من أول مره مرت عليه هي وصديقتها .. فوجدت في غياب صديقتها فرصه لدخول ذلك المكان وأكتشافه .. لذلك لم تشعر بقدميها وهي تخطوا إلى تلك الحديقة تتجول بين الذهور بسعادة .. تتصور مع تلك الزهرة .. وتنحنى تستنشق عبير زهرة أخرى … تمسك بأوراق تلك الوردة تتحسس نعومتها … وفجأة وجدت شخص ما يحاوطها من الخلف وكفه الكبير يكتم فمها … وحملها وألقاها أرضًا لتصطدم رأسها بالأرض الصلبه .. وتبدء الرؤية بالتشوش … ولم تشعر بشيء أخر سوا صوت بغيض يتغزل في محاسنها .. تشعر بالأشمئزاز والخوف ويده تنتهك حرمة جسدها البريء دون رحمه أو شفقه .. تود أن تصرخ أن تركض أن تبتعد .. لكنها لا تستطيع التحرك أو الأتيان بأي ردة فعل فجسدها بأكمله مخدر بألم وخوف وضعف طفله لم تكمل عامها السادس عشر .. فقط دموعها هي ما تعبر عن حالتها ورفضها هي فقط صرخاتها المكتومه المرتده داخل صدرها خاصه .. أراد عقلها أن يرحمها مما تعاني فأخذها إلى عالم الظلام ومع ذلك كان هذا الشخص ينتظرها هناك أيضًا.
صوت صرخات جعلتها تفتح عيونها بتثاقل … عيون حمراء وشهقات ممتاليه تشوش وعدم أدراك لعده لحظات ثم أنتهى عقلها لحالتها لتصدر منها صراخه عالية .. وأستمرت بالصراخ حتى لم يعد يصدر منها أي صوت .. صمت تام وفقط .. كل ما حصل بعد ذلك كان مجرد شعورها بأن الجميع يركض حولها .. أصوات مشاجرات وصراخ وأتهامات بمن المسؤل وصوت أمها تتهم والدها الذي ينتحب بجانبها وهي تخبرة .. بثمن خطأه الذي دفعته نرمين .. ثم صوت صرخات متتاليه لم تفهم منها شيء لكنها تعلم جيدًا أن هناك شيء خطير يحدث.
بعد مرور أكثر من ثلاث شهور وبعد ما أستعادت جزء من وعيها رغم صمتها الدائم .. وأستسلامها لكل شيء .. علمت بأن والدها أصيب بجلطه من صدمته لما حدث معها وظل بالرعاية لمدة أسبوعين … والأن هو بالبيت لكن تلك الجلطة قد أثرت على حركته والنطق .. ولا يفارق السرير وبعد مده قليله مات … لم تستطع دخول إمتحاناتها .. وكل من كان يسأل عنها يخبروهم بأنها قد سافرت إلى الخارج .. وظلت الأمور على هذا الوضع حتى بدأت تستعيد نفسها بمساعدة طبيبة نفسية ثقه .. وأتفق الجميع عن إخفاء الأمر … وبعد عودتها إلى الحياة عرفت من والدتها أن طارق قد طلب يدها من والدها قبل وفاته وهو وافق خاصة مع تعهد طارق بحمايتها وأخبرتها بما قاله
-أنا عايز أتقدم لنرمين يا عمي .. أنا أولى حد بيها و أوعدك إني أحافظ عليها وأشيلها جوه عيني.
وهكذا أتفق الجميع بشكل ضمني أن نرمين لطارق … لكن أجل الإعلان الرسمي أجل حتى تتخرج من الجامعة.
عادت من ذكرياتها وهي تأخذ نفس عميق علها توئد تلك الدموع وعلها تعود لوعيها علها تستطيع التفكير في حل وتساعد أديم فيما سيحدث غدًا لكن كل ذلك كثير عليها هي لا تحتمل.
………………………
عاد فيصل إلى بيته وهو سعيد بشدة اليوم أخذ عده خطوات مثمره من أجل شركته .. ومن الغد سوف يتم أفتتاح الشركة بشكل رسمي وبها طاقم عمل مميز .. جلس على الأريكة التي تأخذ حيز كبير في صالة منزله الجديد أمام التلفاز .. أشعل التلفاز حتى يكسر ذلك الصمت الذي يملئ المكان .. وخلع حذائه وهو يمسك هاتفه ويتصل بشخص ما وحين وصل إليه صوت محدثه قال بهدوء
-مساء الخير يا باشمهندس.. كنت عايز أبدء الحمله إللي أتفقت معاك عليها من النهاردة لو ينفع.
صمت ثواني ثم قال
-أكيد هبعتلك الفلوس على محفظتك الإلكترونيه حالاً.
صمت مره أخرى وأبتسم ثم قال
-تمام جدًا .. شكرًا يا باشمهندس.
أغلق الهاتف وأسترخى بهدوء وهو يتذكر كل من قام بتعينهم اليوم في شركته … إن لفظ شركته وحده يثير بداخله الكثير من مشاعر الفرح والسعادة .. لكن تلك الفتاة “كاميليا” … قفزت إلى مخيلته … أنها فتاة غريبة .. ذات كبرياء وعزة نفس .. شعر أنها تشبه حبيبته التي يفتقدها كثيرًا أنها تشببها في طريقة حديثها وهيئتها وذلك الشموخ المتأصل في تكوينها .. أم أن قلبه أشتاق إليها بشدة ف منذ أكثر من خمس سنوات لم يراها … لا يعلم ماذا عليه أن يفعل عله ينول وصالها … هل يتجرء ويطلبها من أديم مباشرة؟ وهل سيوافق عليه أم أنه سيغلق فقط أبواب الأمل بداخل قلبه؟ … نفخ الهواء ببعض الضيق ثم وقف ليتوجه إلى الحمام حتى يتوضئ ويصلي … وليدعوا الله أن يوفقه ويدله على الصواب.
……………………
وقفت أمامة وقالت بتوتر وقلق
-هتعمل أيه يا أبيه؟ تفتكر الموضوع ده هيوصل لأيه؟
نظر إليها وهو يعلم جيدًا ما يدور داخل عقلها … يلاحظ إرتعاش جسدها .. ويدها التي تنتفض بجانبها عيونها التي تلمع بها الدموع .. وصوتها الذي يرتعش خوفًا … ليضمها إلى صدره بحنان وهو يقول بما لا يشعر به
-متقلقيش مفيش حاجة هتحصل ما أنتِ عارفه شاهيناز هانم وتصرفاتها .. كل حاجة هتبقى كويسة متخافيش.
ثم أبعدها عن حضنه وقال بابتسامة لم تصل لعينيه بعد أن قبل جبينها
-أدخلي نامي وأرتاحي يا نرمين ومتقلقيش من حاجة طول ما أنا جمبك … وعلشان كمان بكره تكوني بكامل تركيزك وتقدري تدعميني.
أومأت بنعم ليربت على وجنتها وهو يقول
-يلا أدخلي أرتاحي .. وسبيني أحاول أوصل لعصافير الحب إللي قافلين تليفوناتهم دول.
أبتسمت أبتسامة صغيرة وهي تومئ بنعم من جديد وتحركت في أتجاه غرفتها ليعاود هو الإتصال بحاتم للمره الذي لم يعرف عددها يأتيه نفس الرد “الهاتف المطلوب مغلقًا أوخارج نطاق الخدمة” …
في نفس اللحظه التي خرجت فيها ونس من المطبخ تقول بتردد
-حضرتك عايز مني حاجه يا أديم بيه .. ولا أقدر أروح.
نظر إليها بأندهاش وصدمة … ثم نظر إلى ساعته وقال
-أنتِ لسة مروحتيش لحد دلوقتي .. الوقت أتأخر أوي.
أبتسمت أبتسامة مهزوزة وهي تقول
-مفيش مشكلة لسة بدري .. بعد إذنك.
وتحركت نحو الباب ليقول هو بصوت ضعيف
-ونس.
ألتفتت تنظر إليه بأستفهام ليقول هو برجاء
-ممكن تقعدي معايا شويه … عايز أتكلم مع حد ومش عارف أوصل لحاتم ومليش صحاب.
ظلت تنظر إليه بصمت لعده ثواني … ثم أومأت بنعم .. ليشير لها على الأريكة حتى تجلس .. تحركت خطوتان وجلست بهدوء ليجلس هو جوارها واستند بذراعيه فوق ساقية واحنى رأسه بهم … أحترمت صمته خاصه وهي تشعر بألم قوي داخل قلبها ولا تفهم سببه ….
مرت عده دقائق وهو على نفس الحال ثم قال بهمس
-تعرفي أني بحسدك.
قطبت جبينها بأندهاش وهي تنتبه إلى كلماته بتركيز وصدمه … وهو لم يتأخر في باقي كلماته التي كانت تنتظرها بلهفه
-أيوه بحسدك .. صحيح حياتك صعبه .. ومش سهلة على بنت زيك لكن على الأقل أنت عارفه أساسك أولك وأخرك .. عارفه مين عدوك وبتحربيه بكل طاقتك لكن لما تبقي معصوبه العينين .. وفي وسط أهلك لكن مش عارفه الضربه هتيجي منين وإزاي ومين إللي هتخسرية لما تكتشفي خيانته .. إحساس صعب والأصعب منه أن الضربه فعلاً تيجي من أقرب حد ليكي … أمك … متخيله كم الوجع والضياع والأزمه إللي أنتِ بتوجهيها .. متخيلة كم العذاب.
كانت تشعر بألم داخل قلبها … قلبها يبكي من أجله لكن عيونها ظلت بلا معنى واضح رغم تعاطفها الشديد الظاهر في معالم وجهها وهو لم يكن يهتم بما يظهر على ملامحها .. أو بما تشعر به داخل قلبها .. هو كان غارق في أفكارة .. ووجعه .. لذلك أكمل كلماته
-من صغري وأنا عايش في صراع العيلة ومسؤلياتها … ومكانتي إللي مينفعش بسببها يكون ليا أصحاب .. مينفعش تعمل ده .. مينفعش تكلم ده .. أنت هتبقى كبير عيلة الصواف ولازم تتصرف على الأساس ده .. أقعد عدل .. كل على حسب الإتيكيت .. مينفعش تقعد القعدة دي .. أنت أديم الصواف فاهم يعني أيه أديم الصواف.
صمت يتجرع كاسات الألم مع تلك الذكريات التي كانت تقتله من الداخل بالبطيء … كانت تتابع كل حركة من جسده .. لتقع عيونها على يديه الذي يضمها بقوه حتى أبيضت مفاصلها لتجد يدها تتمرد عليها وتقترب من يده تربت عليها بهدوء وحنان وقالت بصوت مختنق
-أهدى أرجوك .. بلاش تفتكر كل الحاجات المؤلمه دي.
نظر إليها لتهولها هيئته .. عيون حمراء تلمع بدموع أبيه ترفض مغادرة مكانها … ووجه محتقن عروقه نافره .. تشعر أنها تكاد تنفجر لتقول من جديد
-أرجوك أهدى يا أديم بيه.
وكأنها قالت له أنفجر.. ليصرخ بها حتى أن نرمين غادرت غرفتها تنظر إليه بخوف
-متقوليش يا بيه .. أنا مش أحسن منك علشان تقوليلي يا بيه … أنا أديم أديم وبس … أنا مجرد لعبه خيوطها في أيد شاهيناز هانم السلحدار .. أنتِ حياتك ملكك لكن أنا لا … يبقى إزاي أنتِ تقوليلي يا بيه.
وأقترب منها خطوه وقال بألم
-أنتِ عارفه معنى أسمي يا ونس .. معناه الظاهر .. حتى وهما بيختاروا أسمى أختاروه علشان يكون مميز وواضح وظاهر للكل .. أختاروه علشان يليق على لقب عيلة الصواف … أنا بس أداة علشان عيلة الصواف .. ف منين بتقوليلي يا بيه.
وأقترب منها خطوه أخرى وقال بألم
-عرفتي بقى إني لازم أحسدك.
أومأت بنعم حتى تجعله يهدء … لكنه أقترب منها خطوه وقال برجاء
-أنا محتاجك يا ونس .. أرجوكي خليكي جمبي.
لم تستطع أن تجيب بشيء .. لكن الصدمه أرتسمت على وجه نرمين حد الرعب … وظل الموقف ثابت لعده ثوانِ ظل تواصل العيون بين ونس وأديم دون أنقطاع حتى قال هو بصوت هامس
-عارف أنك مصدومه وخايفة .. ويمكن مش مصدقه.. لكن أنا بتكلم جد .. أنا محتاجك في حياتي.
-أنا بحبك.
قاطع سيل كلماتها وهو يقول بصوت عالي يغلفه الصدق والتوسل … لترتسم الصدمة على ملامحها .. وشهقت نرمين بصوت عالي جعلته ينتبه لوقوفها ف ألتفت ينظر إليها … ليتوتر الجو أكثر مما كان لتهمس ونس.
وغادرت سريعًا دون أن تسمح له بقول أي شيء أخر أو يجد الفرصه للقول من الأساس .. ليعود بنظره إلى نرمين التي ظلت تنظر إليه بعدم تصديق .. ثم دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب بقوه أجفلته .. فاليوم بكل تفاصيله لم يعد يحتمل.
…………………….
ظل يلقي بكل شيء في غرفته أرضا وصوت التكسير كان يملئ البيت بأكملة … حتى صوت صرخاته بكلمات تحمل الكثير من الغضب والحقد والكره الواضح لأديم .. خاصه وهو يتصل بها وهي لا تجيب .. لماذا الأن أنه بحاجة للتحدث معها؟ .. أنه يريد أن يطمئن قلبه أن ما يريده سهل الوصول إليه .. أن حلمه مازال بين يديه ولن يرحل كما رحل عنه كل شيء .. لن يخسر هذه المره .. حتى وأن كتبت عليه الخسارة .. فلن يكون هناك فائز آخر والخسارة ستطول الجميع.
…………………….
تشعر بالإختناق .. أن ذلك القصر أصبح يشعرها وكأنها داخل سجن بأسوار عالية .. مقيده به بقيود من حديد تخنقها وتجرحها بأستمرار.
عليها أن تذهب من هنا .. لكن إلى أين؟ وكيف؟ ظلت صامته تحاول التفكير وجسدها ينتفض كل لحظة وأخرى مع صوت أخيها الصارخ بغضب … أو مع صوت تكسير شيء ما .. وشعور بالخوف يتملكها .. وسؤال مهم يضرب ناقوص الخطر داخل عقلها .. هي فقط من وقفت أمام مخطته اليوم فهل سيطولها أذاه؟ .. أمسكت هاتفها تفكر بمن تتصل حتى يساعدها فيما تريد .. فجأة لمعت عيونها بفكره .. صحيح غريبه لكن ليس أمامها غيره .. رغم كل شيء هو الأن فقط من تستطيع اللجوء إليه.
بحثت عن أسمه وضغطت أتصال … ليصلها صوت الجرس .. ثم صوته الرخيم يقول
-خير يا كاميليا.
رواية ونس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة مجدي
حين خرجت من منزل أديم شهقت بصوت عالٍ، رئتاها تطالبان بالهواء. لتكتشف أنها توقفت عن التنفس في نفس اللحظة التي صرخ فيها أديم معترفًا بحبه لها. ما هذا الذي يحدث الآن؟ وكيف حدث؟ أديم الصواف وقع في غرامها، وهي التي يعرفها بخادمة لديه. هل ما سمعته حقيقة أم إنها تتخيل؟ مؤكد تحلم، فما حدث لا يستطيع عقلها إدراكه أو تصديقه.
وقفت أمام البناية تنظر إليها والصدمة تتجلى على وجهها، وكأنها قد شاهدت شبحًا مخيفًا لتوها. نفثت الهواء بهدوء لعدة مرات حتى تعيد نشاط عقلها، ثم رددت بصوت هامس: أديم الصواف بيحبني. وأبتسمت بسعادة وتحركت لتعود إلى البيت.
***
ظلت واقفة خلف باب الغرفة، تضع يدها فوق صدرها تحاول أن تهدئ من خفقات قلبها المتسارعة. أخيها ومثلها الأعلى يحب خادمة، يتوسل بقائها وحبها. ما سر هذه الفتاة؟ وما هو المميز فيها؟ حتى يقع في غرامها شخص مثل أخيها.
تحركت لتقف أمام المرآة، وكشفت قليلًا عن نحرها لتظهر أمام عينيها تلك العلامات التي لم تختفِ. تلك التي تركها خلفه المغتصب حتى تظل تذكرها بما فعله بها. وإن حياتها انتهت ولن يكون لها يومًا حياة تشبه حتى تلك الخادمة. لن تجد من ينظر إليها كما ينظر أديم إلى تلك الفتاة، ولن تستمع لاعتراف مشابه لاعتراف أديم لونس.
انحدرت دموع الحسرة والألم من عينيها. جلست على السرير بحزن وصورة حاتم ونظراته لسالي ترتسم أمام عينيها، وتلحقها نظرات أديم لونس ودفاعه عنها واعترافه بحبها. وصوت جهوري يزيد تلك الصورة قتامة في عينيها: "جسمك حلو أوي.. من زمان وأنا نفسي فيكي.. أنا هاخدك دلوقتي.. وهتفضلي ليا العمر كله.. أثري هيفضل على جسمك لحد ما تبقي ليا من جديد".
لم تعد تحتمل، لكنها كتمت صرخة قلبها بيدها حتى لا تغادر حنجرتها، ثم دفنت وجهها في الوسادة وظلت تنتحب حتى خارت قوتها وسقطت في نوم عميق.
***
عاد حاتم إلى الفندق بعد ذلك اليوم الجميل في وسط البحر. وحين دلفوا إلى الغرفة، دلفت سالي إلى الحمام مباشرة وجلس هو على الأريكة يرتاح حتى تخرج ويأخذ هو الآخر دوره. أمسك هاتفه وفتحه، وبعد ثوانٍ قليلة وصله الكثير من الإشعارات. لكن هذا متوقع، لكن كم الاتصالات التي قام بها أديم جعلته يقلق. وقبل أن يأخذ أي خطوة، كان صوت الهاتف يعلو واسم أديم يظهر أمامه ليجيبه سريعًا والقلق يرسم على ملامحه. وأكدت مخاوفه حين وصله صوت أديم الجاد والمرهق بشكل جعل قلبه يسقط أسفل قدميه من الخوف وهو يقول:
- عايزك أنت وسالي تكونوا موجودين بكرة الصبح في الشركة علشان في جمعية عمومية.
وأغلق الهاتف دون أن يضيف أي شيء، لتزداد تقطيبة حاجبيه. لكنه فتح برنامج الرسائل وبدأ يستمع لرسائل نرمين. ورسالة كاميليا. في نفس اللحظة التي خرجت فيها سالي من الحمام وصوت أختها يصل لها وهي منهارة بشكل يؤلم القلب. وصوت كاميليا المرتعش من الخوف.
حين اتضحت الصورة أمامهم، شهقت سالي بصوت عالٍ ليرفع عينيه إليها بقلق. لكنه تحرك سريعًا واتصل باستقبال الفندق حتى يحجز تذاكر الطيران، فالأمر لن يحتمل العودة بالسيارة.
بدأت سالي في جمع الأغراض بعد أن ارتدت ملابسها. ألتفتت إليه حين أنهى حديثه ليقول موضحًا:
- في طيارة كمان ساعتين.
أومأت بنعم. ليقترب منها يضمها إلى صدره يطمئنها ويحتوي خوفها الساكن في عينيها. ثم أبعدها قليلًا ونظر في عينيها وقال:
- أنتِ فهمتي الموقف صح؟
أومأت بنعم. ليسألها ببعض الخوف:
- موقفك إيه يا سالي؟ يعني هتطاوعي شاهيناز هانم في أذية أديم ولا هتقفي جمب أخوكي؟
- أنت موقفك إيه؟! سألته بهدوء.
- موقفي واضح وأنتِ عارفاه.
- وأنا كمان.. موقفي زي موقفك.. مش هسمح لمامي أنها تسبب ضرر لأديم. وبعدين أنا بثق فيك وفي عقلك وأفكارك وصدقني من النهاردة هتلاقي سالي مختلفة خالص عن إللي كنت تعرفها.
ليقبل جبينها وهو يقول بصدق:
- مش لازم توافقي على كل إللي أنا عايزه.. ممكن تعترضي وتختلفي معايا ونتناقش ونقنع بعض.
وأقترب يقبل وجنتها برقة. وأكمل قائلًا:
- وبعدين أنا عايز سالي بكل تفاصيلها.. سالي إللي بحبها من وأنا مراهق وإللى غرقت في عشقها وأنا شاب وإللى أدمنتها وأنا راجل في الثلاثينات.
لتحاوط خصره بذراعيها وأراحت رأسها على صدره وهي تقول:
- هو أنا إزاي كنت عامية ومش شايفة حبك ليا.. ولا شايفة جمال قلبك وروحك؟
- علشان زي ما قولتي يا قلبي.. كنتِ عامية.. بس خلاص عيونك الحلوة فتحت وشافت حقيقة حبي.
ليحتضنه بقوة وفعل هو بالمثل. لكن عقله سرح في صديقه وابن عمه.. وما سيحدث غدًا.
***
ظلت جالسة في مكانها تفكر كيف فعلت ذلك؟ من هذا الشخص حتى تطلب منه أن يبحث لها عن مكان تسكن فيه؟
أغمضت عينيها وهي تتذكر المحادثة التي حدثت منذ قليل.
- السلام عليكم.. أنسة كاميليا.. خير؟ أجابها ببعض القلق. وعقله يفكر هل ستعتذر عن العمل.. هل سيعود للبحث من جديد ومقابلات العمل؟ لكنه انتبه على صوتها وهي تقول:
- أنا آسفة إني بتصل بيك دلوقتي بس في الحقيقة معرفش حد غيرك ومحتاجة منك خدمة.
أعتدل في جلسته وهو يقول باهتمام:
- تحت أمرك.. خير.
أخبرته بهدوء والتوتر والخجل واضحين في ارتعاشة صوتها:
- أنا محتاجة شقة ضروري أسكن فيها.. مش شرط تكون كبيرة.. بس تكون في مكان كويس وراقي.. علشان أنا هعيش فيها لوحدي.. ودي أول مرة وهخاف حقيقي أعمل ده لوحدي.
كان يشعر بالاندهاش من حديثها والصدمة وبدأ الشك يثور. لكن كلماتها الباكية والتي صدمته بالفعل جعلت عينيه تجحظ وهو يكذب أذنيه:
- أنا عارفة إنك بتفكر في مليون فكرة دلوقتي.. بس أنا هوضح ليك الموضوع.. أنا كاميليا حداد الصواف.. وأكيد أنت عارف مؤسسة الصواف.. يعني أنا لا نصابة ولا محتالة ومش محتاجة أصلاً للشغل.. لكن في الحقيقة أنا عايزة أبني نفسي بنفسي.. خارج إطار اسم ولقب الصواف.. وخطوة البيت دي كنت هعملها بس قدام شوية.. لكن الظروف دلوقتي حكمت بكده.
ظل صامت يستمع إلى كلماتها وهو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل الآن. هل يخبرها أنه على معرفة بأخيها طارق.. وأبناء عمومتها حاتم وأديم.. أم يصمت ويساعدها ويخبر أديم بالأمر ويرى ماذا سيقول؟
ارتاح قليلاً للفكرة الثانية. فأجلى صوته وهو يقول بهدوء قدر استطاعته:
- تمام يا كاميليا.. بكرة الصبح لما تيجي الشركة هكون معايا خبر كويس ليكي.. وإن شاء الله خير.
صمت لثوانٍ. يصله صوت أنفاسها المتلاحقة، ويعرف جيدًا أنها تلوم نفسها الآن. فقال حتى يبعد عنها ذلك الحرج:
- وأنا سعيد جدًا إنك لجأتي ليا أنا في موضوع زي ده وان شاء الله مش هخذلك.
شكرته ببعض الكلمات المبهمة.. وأغلقت الهاتف. وها هي على نفس جلستها تفكر أن تتصل به تعتذر منه وتطلب منه ألا يهتم بالأمر. وتعود من جديد لتنتفض على صوت صراخ أخيها الغاضب. تعود لتقول لنفسها إن عليها الرحيل من هنا في أسرع وقت. ولولا حساسية موقفها مع أديم للجأت إليه. أو لو كان حاتم موجودًا كان سيحميها من بطش أخيها الذي سيطالها دون شك.
غادرت مكانها لتتأكد أن الباب مغلق جيدًا. ثم أعدت المنبه حتى يوقظها باكرًا. عليها مغادرة البيت قبل استيقاظهم. تحركت نحو الخزانة وأخرجت الحقيبة الكبيرة وبدأت في جمع ملابسها وكل أغراضها. وكل ما تملك من مال وبعض المصوغات. ووضعت الحقيبة جوار الباب. وتمددت على السرير.. حتى تنال بعض الراحة فما هو قادم ليس بالهين. ولكنها على الأقل ستبقى في إحدى الفنادق حتى تجد شقة مناسبة لها.
***
يجلس على الأريكة عقله سارح في كل ما حدث معه ويحدث. والدته التي لا تترك فرصة إلا وتظهر له فيها كم هي تبغضه. ولا يعلم السبب. هل فقط لكونه تمرد على قوانينها.. أم هناك شيء آخر هو لا يعلمه. وونس التي ظهرت في حياته لتجعل منها شيئًا مميزًا. زينتها ببعض الزهور المميزة تجعله يشعر بالراحة والاطمئنان والسكينة التي كان يفتقدها بسبب حياة القصور. صحيح لم يجمعهم الكثير من الوقت لكن مجرد النظر إلى وجهها وشعرها الغجري بكل تموجاته التي يحيط وجهها يجعلها في عينيه مميزة بشكل لا يصدقه قلبه.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر: هل يدخل إلى أخته؟ هل يتحدث معها فيما شاهدته وسمعته أم يتركها الآن.. حتى تهدأ ويستطيع مخاطبة قلبها وعقلها حتى تفهمه وتشعر به. انتهى على صوت هاتفه ليشعر بالاندهاش من هذا الاتصال لكنه أجاب بهدوء. ليصله صوت فيصل يقول:
- أديني عنوانك يا أديم علشان عايزك في موضوع مهم وميحتملش التأجيل.
رغم اندهاشه.. وعدم استعداده لمقابلة أي شخص الآن.. إلا أنه أملاه العنوان وأخبره أنه في انتظاره. ولم تمر سوى خمسة عشر دقيقة إلا ووجده يتصل من جديد ويطلب منه أن ينزل له رافضًا كل محاولات أديم في جعله يصعد إليه.
خرج من البناية ليجد فيصل يستند على سيارته بملابس رياضية وحذاء رياضي خفيف.. مما يدل على أن هناك شيئًا مهمًا وأنه كان في منزله. لكن هيئته المتوترة.. أقلقته بشدة. حين شعر باقترابه منه رفع رأسه ينظر إليه بابتسامة حقيقية ليحتضناه بعضهما فلقد مرت أكثر من خمس سنوات لم يتلاقيا.
أبتعد أديم وهو يقول:
- لولا أني عارف إن أنت إللي مستنيني تحت مكنتش عرفتك.
ومد يده يربت على عضلات ذراع فيصل وهو يقول بمرح:
- طلعوا إمتى دول؟!
ليضحك فيصل وهو يجاريه في المزاح:
- طلعوا أول امبارح بليل.. لما حسوا إني ممكن أقابلك يا ابن الأكابر.
ليضحك أديم بصوت عالٍ. أن فيصل من الأشخاص المريحة في التعامل. شخص واضح وطيب الأصل صديق حقيقي. كان يتمنى أن يكونوا أقرب من ذلك.. لولا تحكمات شاهيناز هانم السلحدار.
بعد القليل من الحديث المتبادل عن الأحوال والأخبار.. قال فيصل بهدوء قدر استطاعته:
- في موضوع مهم لازم تعرفه.. بس اسمع الحكاية من الأول علشان تحكم صح.
بدأ في إخباره من أول مرة قابل فيها طارق وما حدث بينهم.. ومقابلات العمل.. وتلك الفتاة التي تقدمت للعمل ثم اكتشف أنها ابنة عمه.. وأخبره بطلبها. كان أديم يشعر بالصدمة من كل ما أخبره به فيصل. لكنه بطبعه هادئ في ردود أفعاله. وظل صامتًا يفكر في كل ما عرفه حتى بعد انتهاء فيصل من الحديث. أنها لم تلجأ إليه.. لم تتصل به.. اتصلت بشخص غريب عنها تمامًا تعرفت عليه فقط بالأمس. هل أخطأ لتلك الدرجة في حقها؟ وماذا حدث في قصر الصواف حتى تفكر في تركه؟ هل السبب في ذلك اتصالها بنرمين وإخبارها بما حدث من شاهيناز؟ هل تطاولت عليها أمه أو طارق؟ ماذا عليه أن يفعل الآن؟
وكان فيصل صامتًا تمامًا تاركًا لصديقه كل الوقت الذي يحتاجه في التفكير وأخذ القرار. أخذ أديم نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
- تمام يا فيصل.. حاول تلاقي ليها حاجة مناسبة لو تقدر.. وأنا بس عندي بكرة اجتماع مهم في المؤسسة وقرارات مهمة هتتاخد.. وبعدها هكلمك ونشوف هنعمل إيه.
أومأ فيصل بنعم. ليكمل أديم كلماته:
- أنا عارف إني مش محتاج أوصيك عليها وأنها زي أختك. موقفك دلوقتي وأنك منتظرتش للصبح علشان تعرفني أكبر دليل على حسن نيتك وأخلاقك إللي مفيش منها.
أبتسم فيصل وهو يقول بمرح:
- متخافش مش هطلع الشرير في رواية حد.
ربت أديم على كتف صديقه وقال بصدق:
- أنا بجد مش عارف أقولك إيه.. العيلة كلها بتمر بوقت صعب وكويس أنها لجأت ليك أنت. يعلم إيه إللي كان ممكن يحصل لو إللي لجأت له شخص غيرك.
- متقلقش عليها.. أنا هخلي بالي منها.. وهتبقى على اطلاع بكل جديد.
أومأ أديم بنعم ودمدم ببعض كلمات الشكر ليغادر فيصل عائدًا إلى بيته. وصعد أديم يشعر بثقل الحمل والهم فوق أكتافه. ليجد نفسه يمسك بهاتفه ويرسل لها رسالة لا يعلم لما فعل هذا ولكنه شعر من داخله بأن يقول تلك الكلمات فقالها.
***
تجلس فوق سريرها تمسك بتلك الأوراق ترتبها وتعيد قراءتها وتكتب بعض الملاحظات. حين وصلها صوت رسالة.. لتفتح هاتفها لتشعر بالاندهاش. وأرتسمت على شفتيها ابتسامة عذبة ورقيقة. فكلماته لمست قلبها وأحس الأنثى بداخلها:
"بكرة يوم صعب أتمنى أشوفك قبل ما أنزل علشان أحس ببعض التفاؤل.. بحبك يا ونس.. ويارب تحبيني."
وضعت الهاتف جانبًا وتركت الأوراق من يدها وهي تفكر.. ماذا عليها أن تفعل الآن؟ تضحي بحلمها في قابل الحب؟ أم تتمسك بالحلم ولا وقت لديها كما كانت تقول دائمًا للحب؟ هي حقًا تشعر بالحيرة ولأول مرة في حياتها.
***
تجلس في غرفتها منذ ما حصل مع المحامي وكاميليا وطارق. تشعر أنها قد فقدت كل شيء. فقدت مكانتها.. فقدت نفسها.. حتى أنها تشعر بأنها قد فقدت كرامتها واحترامها لنفسها. وليس من الآن فقط بل وقت موافقتها على كل ما حدث قديمًا.
أغمضت عينيها وهي تتذكر ذلك اليوم الذي فقدت فيه كل شيء. وبدأ فيه التنازل عن بعض من حقوقها. حتى انتهى بها الحال خالية الوفاض من كل شيء. لا حب زوج ولا حتى احترامه. لا أولادها كما تمنت. وابن ليس ابنها وابنتها تم اغتصابها. والأخيرة تشبهها كثيرًا عديمة الشخصية.
تجلس على السرير تنتظره ككل يوم. يغادر من الشركة ولا يعود إلى البيت مباشرة. كانت تظنه يسهر مع بعض أصدقائه لكنها اكتشفت إنه على علاقة بعدة سيدات. وكل يوم يذهب لإحداهن. جدول.. يضع لهم جدول بمواعيد.. وكأنه السلطان الذي يملك من الجواري الكثير فيضع لهم جدول. وكانت هي من ضمنهن في ذلك الجدول. فهو لم يكن يقربها إلا في يوم محدد في الأسبوع. رغم تقبيله لها كل يوم بشوق ولهفة حين عودته. ويديه التي تجعل جسدها يتمنى قربه وحنانه. لكنه كان يشعل فيها نيران الشهوة ويتركها تتلوى بألمها وينام.
لكن اليوم وبعد أن عرفت كل شيء لن تسكت ولن تقبل أن تظل في هذا المستنقع التي تعيش فيه. وصل أخيرًا وكما هي عادته. يمسك الجاكيت بأطراف أصابعه وهو ملقى على كتفه. رابطة عنقه محلولة والزرائر العلوية كلها مفكوكة. يرسم ابتسامة سعادة على وجهه صادقة بكل ما للكلمة من معنى. لتقف تواجهه بغضب كبير واضح عليها. لكنه تجاهلها ومر من جانبها بعد أن حاول تقبيلها لكنها ابتعدت قليلاً. لم يتوقف عند تلك الحركة وأكمل سيره إلى السرير ألقى بنفسه فوقه وخلع حذائه وألقى بالجاكيت أرضًا وتمدد ذراعيه مفرودتان بمستوى كتفه. وساقيه مفتوحان قليلاً. في هيئة مسترخية تمامًا.
أقتربت منه وقالت بصوت غاضب:
- كنت فين يا سراج؟
فتح عينًا واحدة ينظر إليها ثم أغلقها من جديد وهو يقول:
- من إمتى أنتِ بتسألي الأسئلة دي يا شاهيناز؟
لتقول بغضب أكبر وبصوت عالٍ:
- من دلوقتي.. عايزة أعرف أنت كنت فين ومع مين؟
ظل صامت ينظر إليها ببرود ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يغادر السرير ووقف أمامها يديه في جيبي بنطاله وقال بهدوء يصل حد البرود:
- كنت فين؟ كنت في شقة (..) ومع مين؟ كنت مع صديقة عزيزة عندها مشكلة وأنا كنت بحلها ليها.
- صديقة؟ قالتها بتهكم. وهي تقول بصوت أعلى:
- صديقة ولا عشيقة يا سراج بيه؟
ليبتسم ابتسامة باردة وهو يؤكد كلماتها:
- أيوه كنت مع عشيقة من عشيقاتي.. ولازم تفهمي أنهم كتير أوي.. وأنتِ كنت هتبقي واحدة منهم لولا بس إني شفت فيكي أنك أنتِ الأم المناسبة لولادي وكمان شفت أنك أنتِ واجهة مناسبة ومشرفة في المجتمع.. يعني حسيت إنك تستاهلي إنك تكوني في النور قدام الناس.
أقتربت منه تضرب صدره بقوة وهي تقول من بين دموعها:
- أنت حقير وسافل.. أنت أحط إنسان أنا شوفته في حياتي.
أبعدها عنه بقوة ورفع يده ليصفعها. لتسقط أرضًا بسبب فقدانها لاتزانها بسبب انفعالها الزائد وأيضًا من قوة الصفعة. لينحني يمسك بخصلات شعرها يرفع وجهها الباكي إليه وقال ببرود:
- مفيش واحدة ست تهين سراج الصواف. لو عايزة تطلقي حالاً أرمي عليكي اليمين وأرميكي في الشارع وألف واحدة غيرك يتمنوا مكانك. لكن لو بقيتي هادية وكويسة أوعدك إني أميزك عن كل عشيقاتي.. وهغرقك دهب وألماس.. وهعملك حساب في البنك ولو عايزة تعملي مشروع هعملك.
ظلت صامتة تنظر إليه والدموع تغرق وجهها.. ليكمل هو كلماته:
- أنتِ كده عرفتي الحكاية كلها.. ياريت بقى تلتزمي بيومك في الجدول.. علشان أنا بيتهد حيلي مع كل واحدة فيكم.
وتركها جالسة أرضًا تبكي بصمت.. تبكي ضعفها.. وتبكي طمعها في الحياة التي تعيشها الآن.. والمكانة الاجتماعية التي أصبحت فيها وحبها له الذي كان يعذب قلبها منذ رأته لأول مرة.
وكان هذا اليوم البداية لكرامتها التي سحقها سراج تحت قدميه. كل يوم يعود من عند إحدى عشيقاته.. ويخبرها بكل وقاحة أنه تعب معها كثيرًا وكم هي امرأة شغوفة.. وكم جسدها مميز.. ويتركها وينام. حتى أتى ذلك اليوم الذي دخل فيه إلى الغرفة وبين يديه طفل صغير. يخبرها بكل برود أنه ابنه.. وأنه أصبح ابنها بالأوراق والقانون. وأنه غير مقبول أن ترفض أو تعترض. أخبرها بكل وقاحة:
- أصلاً متقدريش تعترضي أحنا بقالنا كام سنة متجوزين ومش عارفة تجبيلي حتى قرد.
وترك الصغير بين ذراعيها والدموع تغرق وجهها كالعادة. عادت من أفكارها.. لتجد نفسها تبكي. لقد توقفت تلك الدموع منذ عرفت بحملها في سالي.. وقررت أن تعيش الدور المرسوم لها بالكامل. هي شاهيناز هانم السلحدار.. زوجة سراج الصواف وأم أولاده. هي سيدة قصر الصواف.. والمتحكمة الأولى والأخيرة فيه حتى بعد زواج أخويه حداد وخطاب. لكن كلمتها كانت فوق كلمات زوجاتهم. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض. خاصة وأن سراج كان يدعمها في كل ذلك.
هل حان وقت استسلامها.. أم حانت لحظة الحقيقة؟
رواية ونس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة مجدي
يجلس في غرفته وسط كل ذلك الدمار الذي طال كل شيء بها. يلهث من شدة غضبه. عيناه شديدة الحمرة، والعرق يغرق جبينه. ملابسه غير مهندمة وكأنه خارج الأن من مشاجرة كبيرة. فمن يراه الأن لن يقول عليه أبدًا أنه طارق الصواف، ابن الأكابر.
كان عقله شاردًا وعيونه ثابتة على شيء وهمي. بها غضب إذا تركه لأحرق ذلك القصر بكل ساكنيه، وطالت نيرانه كل شيء.
مرت دقائق أخرى ليبدأ يضحك بصوت عالٍ. يضحك بهستيريا وكأنه حصل على جائزة كبيرة لم يتوقع حصوله عليها.
ضحك، ضحك، ضحك.
ثم بدأ يهمس لنفسه قائلاً:
"بعد كل إللي عملته ده معقول تكون دي النهاية؟ معقول؟!"
ليضحك من جديد بصوت عالٍ وهو يمسك ذلك الإطار الذي يحمي صورة العائلة بأكملها. وضع إصبعه على صورة نرمين وهو يقول:
"يعني بعد ما أخدت منك عذريتك.. وعملت فيها الشهم إللي هيتحمل أن يتجوز واحدة مغتصبه قدام العيلة كلها.. تفلتي من إيدي وتفكري تقولي ليا أنا لأ.. هو أنتِ فاكرة إني هسكت؟ لا ياحلوه.. لا يا نيمو.. اللعبة لسه مخلصتش وزي ما أخدتك وأنتِ عينك في عيني.. هخليكي تيجي تتوسلي ليا علشان أقبل بيكي والكارت الأخير في إيدي.. والضربة هتكون على الكل."
ظل يتأمل صورتها لعدة ثوانٍ. ثم حول نظره إلى صورة أديم وهو يقول بغضب وغل:
"أنت بقى الموت فيك حلال.. وإللي هعمله فيك ده تخليص الدين القديم.. لكن الدين الجديد.. أصبر عليا فيه.. هخده.. وأخد الحق حرفه يا أديم.. يا أبن عمي."
ظل ينظر إلى الصورة والوجه. وابتسامة سخرية تزين شفتيه. وفي لحظة خاطفة ألقى بالإطار إلى الحائط المقابل له ليت هشم بالكامل وتناثر زجاجه في كل مكان. حتى أن إحدى القطع الصغيرة جرحت وجنته. ليبتسم وهو يرفع سبابته يمسح قطرات الدماء ببرود.
ثم وقف مقرراً أن يأخذ قسطًا من الراحة حتى يستعد للمرحلة الجديدة. ليرفع الغطاء بكل ما عليه من أشياء مكسورة وألقاه أرضًا. ثم ألقى بنفسه فوق السرير وأغمض عينيه ونام.
***
قبالة الفجر وصل حاتم وسالي إلى العاصمة. لكنه وقبل أن يغادر المطار وقف أمامها وقال:
"إحنا مش هينفع نرجع القصر دلوقتي.. أيه رأيك يا نروح عند أديم أو ننزل في أوتيل لحد ما نشوف أيه إللي هيحصل النهاردة في الشركة."
لفت ذراعها حول ذراعه وقالت وهي تريح رأسها على أطراف كتفه:
"يبقى في أوتيل أحسن.. أنا محتاجة أنام شوية."
ليربت على كفها بكفه الحاني ودفع العربة التي تحمل الحقائب. حتى خرجوا من المطار. ليشير لأحدى السيارات وأملاه اسم الفندق. كل ذلك وهي تستند عليه براحة كبيرة. من داخلها تشعر بالخوف مما سيحدث في المؤسسة. لكن وجوده يشعرها بأمان لم تشعر به من قبل. لم تكن يومًا غير عابئة بأمها وحزنها أو غضبها. هل لأنها الأن تعلم حقيقتها؟ أم لوجوده وحبه والثقة التي يستحقها دون لحظة تفكير.
هي معه من الأن وإلى الأبد. ولن تخذله مرة أخرى مهما حدث ومهما كان الثمن. خاصة وأن الحق معه. ورغم الإرهاق كان يشعر بالسعادة أن حركتها البسيطة هذه تجعل قلبه ينتفخ بسعادة ذكورية لا يستطيع وصفها. ويشعر أنه أصبح يملك الكون وما عليه. ليجد يده دون إرادته منه تربت على كفها المستريح على ساقه. والابتسامة تملأ وجهه الرجولي الوسيم.
***
في الصباح الباكر وقبل موعدها بنصف ساعة كانت تقف أمام الباب. أفكارها الشيطانية صورت لها آلاف الصور. ورسمت لها الكثير من الفرص التي ستتاح لها إذا حضرت الأن. ومن أهمهم ما حضرت من أجله. وسوف تنفذه. وستكون الخطوة الأهم.
أخرجت المفتاح وفتحت الباب. وحين دخلت ظلت واقفة في مكانها تنظر لذلك الممدد على الأريكة بشكل غير مريح. شعره مشعث. ووجهه مسترخٍ ينام على بطنه. إحدى ساقيه فوق ذراع الكرسي. والأخرى مثنية أسفلها. وإحدى ذراعيه مستريحة على الأرض.
أغلقت الباب بهدوء شديد. وتقدمت عدة خطوات حتى أصبحت ترى وجهه بوضوح. كما الأطفال الصغار. لتبتسم ابتسامة صغيرة. اختفت حين سمعت صوتًا من الداخل وتذكرت نرمين. لتدلف إلى المطبخ وبدأت في إعداد الفطور. وكانت أيضًا تستعد لأستجواب من نوع خاص من نرمين. لكنها لن تهتم. ستكون هادئة كعادتها. وتجيب بهدوء أنها أتت حتى تباشر عملها كالعادة.
خرجت من المطبخ تحمل بين يديها صحون الطعام لتجده قد استيقظ ويجلس. لكنه يضع رأسه بين كفيه. لتقترب منه ليلاحظ حذاءها أمام عينيه. ليرفع عينيه لها. وأبتسم تلقائيًا وهو يقول:
"أنتِ جيتي أمتى؟"
"من نص ساعة."
أجابته بخجل حقيقي. ليبتسم وهو يتذكر حاله حين استيقظ. ليداعب خصلات شعره بأطراف أصابعه كطفل مشاغب. يقف أمام والدته التي توبخه. لتقول هي بهدوء:
"أنا جهزت الفطار."
أومأ بنعم وقال بهمس:
"تسلم أيدك."
ابتسمت وغادرت عائدة إلى المطبخ. ليقف هو حتى يذهب إلى غرفته. وطرق في طريقه على باب غرفة أخته ليسمع صوتها. فقال من خلف الباب:
"استعدي.. الفطار جهز."
دلف سريعًا إلى غرفته. أخذ حمامًا وأبدل ملابسه بملابس كلاسيكية. تجعل هيئته تخطف الأنفاس. لمن يراه فكم هو وسيم بشكل يؤلم القلب.
ظلت تتأمله من عند باب المطبخ. حتى أنه لاحظ ذلك. لكنه لم يظهر لها أنه يلاحظ وجودها أصلاً. حتى يظل يستمتع بتلك اللحظة التي تتأمله فيها دون خجل. لكن لنرمين رأي آخر. حين خرجت من غرفتها. لتتحرك ونس سريعًا تضع الأطباق على الطاولة. وقالت بهدوء وأدب:
"هدخل أرتب الأوض على ما تفطروا.. ألف هنا."
وغادرت دون أن تنتظر لسماع أي رد. كانت نرمين تنظر إليهم بضيق. ما هذه الوقاحة؟ أبعد ما حدث بالأمس تأتي اليوم وكأن شيئًا لم يكن. وكأنها لم تستمع لاعتراف أديم الصواف بحبه لها. نظرت لأخيها الذي كان ينظر في أثر ونس بعشق. لتقول من بين أسنانها:
"صباح الخير يا أبيه.. مستعد للي هيحصل النهاردة؟"
اختفت الابتسامة عن وجهه وجلس على رأس الطاولة وهو يتمتم بصباح الخير. لكن من داخله يشعر بنار. نار حارقة تلتهم قلبه. نار الصدمة. ونار الحب الذي لا يستطيع الاستمتاع به. خاصة والأمل بداخله قد ازداد حين رآها في بيته من جديد بعد ما حدث بالأمس. فقط كان يلوم نفسه على تسرعه في إخبارها بما داخل قلبه. وغامر بخسارة رؤيتها كل يوم. لكن الآن يشعر أن الحب متبادل بينهم. لكن أولًا ينتهي مما عليه فعله. وحينها ستصبح له إلى الأبد.
صمته جعل نرمين تشعر بالغضب من تلك الفتاة. ولكنها لن تسمح أبدًا بأي شيء من هذا. سوف تجعلها تعرف مكانتها جيدًا. وترحل دون عودة. ولكن ليمر اليوم بسلام ولكل حادث حديث.
***
أغلقت باب الغرفة خلفها وهي تأخذ نفسًا عميقًا. فعطره يملأ الغرفة بشكل يأسر القلب. لكن عليها أن تتحرك سريعًا. أخرجت ذلك الشيء الصغير من جيب بنطالها. وأقتربت من الجاكت الخاص بأديم. وفي الجيب الداخلي للجاكت وضعت ذلك الشيء. وثبتته جيدًا. ثم همست ببعض كلمات. وأخرجت هاتفها وفتحت إحدى التطبيقات. ووضعته على أذنها تستمع إلى صوتها الذي يصل إليها بوضوح برغم أنها كانت تتحدث بهمس. لتأخذ نفسًا آخر براحة. وهي تعيد الجاكيت إلى مكانه. وبدأت في ترتيب الغرفة بالفعل.
***
وقفت عند باب المطبخ تنظر إليه وهو يرتدي الجاكت. يستمع إلى صوت ابن عمه الذي يخرج من مكبر الصوت الخاص بهاتف نرمين. يخبره أنه خلال دقائق سيكون في الطريق إلى الشركة. ليتحدث معه في بعض الأمور. ثم أغلق الهاتف. ورفع عينيه ينظر إليها بابتسامة رقيقة لم تستطع أن تبادله إياها حتى ولو بالكذب. فهي كانت منشغلة في تأمل ملامحه وحفظها في عقلها وقلبها ونقشها فوق عيونها. فهذه المرة الأخيرة التي ستراه فيها. لقد انتهت مهمتها. وقامت بما عليها فعله. ومؤكد حين يكتشف الأمر لن يريد رؤية وجهها من جديد.
كان من داخله يفكر أنها قلقة من أجله. عليه أن يطمئنها. لكن أخته التي تقف بجانبه تكتف ذراعيها أسفل صدرها بضيق. ليشير لأخته حتى تتحرك معه في اتجاه الباب. وقبل أن يغلق الباب رفع هاتفه وحركه بحركة خفيفة وهو يهمس دون صوت:
"هكلمك."
وأغلق الباب. لتزفر في محاولة لتهدئة ضربات قلبها التي تكاد تصم أذنها من قوتها. وتؤلم صدرها بسبب سرعتها. انتفضت حين سمعت صوت رنين هاتفها. لتنظر إلى الاسم. لتنفخ الهواء حتى تهدأ. وحين استقبلت المكالمة وصلها صوته يقول:
"متقلقيش عليا.. أنا متعود على مشاكل العيلة وهقدر أحلها.. وهرجع لك علشان نكمل كلام إمبارح.. بحبك يا ونس.. بحبك يا ونسي في الحياة."
وأغلق الهاتف. لتنحدر تلك الدمعة من عينيها. وهي تأخذ حقيبتها وتغادر. للمرة الأخيرة. فهي لن تعود من جديد. وأسفل البناية كانت تنظر إليها بألم وحسرة. لكنها فتحت هاتفها. وفتحت تطبيق الرسائل. وأرسلت رسالة لرقم غير مسجل. من كلمة واحدة "تمت". وأغلقت الهاتف. وبخطوات واسعة تحركت في اتجاه شارع جانبي. حتى وقفت أمام سيارة فارهة. فتحتها وجلست في مقعد السائق. وبكل ما تحمل بداخلها من تناقضات من خوف وحزن وسعادة وانتصار وخسارة فادحة. ضغطت على البنزين لتنطلق بسرعة كبيرة جعلت كل من بالشارع ينظر إليها باندهاش.
***
تجلس في سيارتها منذ الصباح الباكر. فلم تغلق عينيها سوى ساعة واحدة. من كثرة الخوف والقلق. تتوقع أن يدخل طارق إلى غرفتها في أي لحظة حتى ينتقم منها بعد أن دمرت له مخططه الأخير.
ظلت في السيارة حتى أصبحت الساعة الثامنة. عليها الآن أن تتحرك وتذهب إلى عملها. فاليوم هو الأول لها. وفي جميع الأحوال إذا لم يجد لها فيصل مكان مناسب للسكن فيه. خاصة وأن الوقت ضيق جدًا. فهي حدثته بالأمس فقط. وكان الوقت قد تأخر كثيرًا. فهي سوف تذهب إلى إحدى الفنادق المعروفة وتحجز غرفة هناك حتى تجد ما تريد وما يناسبها.
شغلت محرك السيارة وتوجهت إلى مقر عملها.
أوقفت السيارة في المرآب الخاص بالمبنى. وترجلت من السيارة بعد أن أخذت حقيبة يدها من على الكرسي المجاور وأغلقت السيارة. وبرشاقة ورزانة سارت بخطوات واثقة هي جزء لا يتجزأ من شخصيتها. نحو المصعد. وحين وصلت إلى الدور المطلوب سارت في اتجاه الباب بهدوء. وبداخلها بدأ يرتجف. فرهبة أول يوم عمل. مع تركها لبيت العائلة لهو أمر صعب ويجعلها تشعر من داخلها ببعض الخوف والتوتر الذي بدأ يسيطر عليها. خاصة وهي ترى أمامها المكتب الذي كان بالأمس خاليًا تمامًا. الأن به موظفة استقبال لبقة. وهناك أيضًا حارس أمن يجلس عند الباب من الخارج. وهناك عامل بوفيه يسير في رواق المكتب يحمل أكواب القهوة. وأصوات باقي الموظفين تأتي إليها واضحة.
تحركت بثقة نحو مكتب الاستقبال وقالت بهدوء:
"أنا المترجمة كاميليا حداد."
لتبتسم غادة وهي تقول لها بأدب:
"أهلا بحضرتك أستاذة كاميليا. أنا غادة موظفة الاستقبال."
لتبتسم لها كاميليا براحة وهي تقول برقة:
"أهلا بيكي يا غادة. ممكن بقا تقوليلي مكتبي فين؟"
لتحرك غادة من خلف المكتب وهي تقول:
"آه طبعًا اتفضلي. بس الباشمهندس فيصل طلب مني أخليكي تدخلي له أول ما توصلي."
لتنظر إليها بابتسامة مهزوزة. لتشير الفتاة إلى مكتب بابه مفتوح يقع أمام مكتب المدير مباشرة. وقالت:
"ده مكتب حضرتك. بس الأول ادخلي للباشمهندس."
أومأت بنعم وهي تتحرك عكس اتجاه مكتبها. وقفت أمام مكتب المدير وطرقته بهدوء ليسمح لها بالدخول. كانت تشعر بالإحراج. فما قامت به بالأمس. أكثر تصرف مجنون قد تقوم به فتاة مثلها. وكانت تتوقع أن ترى في عينيه نظرة استخفاف بها. أو أن يتخيل أنها فتاة لعوب.
لكنه نظر إليها نظرة عادية كتلك التي كانت في عينيه بالأمس وقال:
"أهلا أستاذة كاميليا. اتفضلي."
اقتربت من المكتب ليشير لها أن تجلس. ليقول هو بعملية:
"النهاردة صحيح أول يوم شغل. لكن أنا من قبل ما أفتح الشركة وأنا براسل شركات كتير علشا أول ما أفتح الشركة يكون فيها شغل."
والإيميلات ديمد يده لها بملف متوسط الحجم وأكمل:
"ودي ردودهم عليا. عايزك تترجميهم وتطبعي الترجمة وتجبيهم ليا في أسرع وقت."
أومأت بنعم وابتسامة سعادة ترتسم على ملامحها. ها هي تعمل. ها هي ستقوم بشيء مفيد في حياتها. ها هي امرأة عاملة وليست مجرد امرأة جميلة. عليها أن تجد عريس مناسب وفقط.
وقفت حتى تذهب إلى مكتبها. ليقول هو بهدوء:
"أنا كلمت كذا شخص علشان موضوع الشقة وخلال ساعات ان شاء الله هيجيلي منهم رد. أطمن."
قال الأخيرة بصوت جعلت القشعريرة تسير في كامل جسدها. لماذا حين نطقها شعرت بالأمان. ونسيت تمامًا أفكارها عن كونه يراها الأن بشكل خاطئ. عادت لتومئ بنعم وهمست ببعض كلمات الشكر غير الواضحة. وغادرت.
ومنذ دخولها إلى مكتبها طلبت كوب قهوة فرنساوي. وبدأت في العمل. الذي جعلها تنسى كل شيء. من هي؟ وأين هي؟ ومن أي عائلة؟
***
في قاعة الاجتماعات الكبيرة بمؤسسة الصواف يجلس أديم على رأس الطاولة صامتًا تمامًا. يراجع بعض الأوراق الذي طلبها من قسم المحاسبة. وكذلك أمامه أوراق أخرى من قسم الهندسة والمشتريات. وكل المشاريع الجديدة التي على وشك دخول الشركة فيها. كذلك أوراق نسب الأسهم لكل شريك في المؤسسة.
تجلس نرمين على إحدى كراسي الطاولة. عقلها سارح في كل ما حدث تلك الأيام. وذكريات ذلك اليوم القديم. تعود إليها من وقت لآخر بصور مشوشة وغير واضحة. لكن نفس الإحساس. ونفس الشعور يعود إليها. لينتفض جسدها كما كان ينتفض تحت وطأة لمساته القذرة لها. ذلك الصوت المقزز الذي يتردد داخل أذنها يخبرها بأنها أصبحت ملكه. وأنها أبداً لن تستطيع الابتعاد عنه.
خطوات رجالية ثابتة وكعب نسائي جعلها تنتبه من أفكارها. وهي تنظر إلى الخلف لترى سالي تسير جوار حاتم متأبطة ذراعه. والسعادة والراحة ترتسم على ملامحها. رغم القلق الواضح في عيونها. إلا أن لغة جسدها تخبر كل من يراها أنها سعيدة جوار ذلك الرجل الذي يسير بجانبها برزانة وهدوء. يضع كفه الأخرى فوق كفها التي تحتضن ذراعه. وبين ثانية وأخرى يربت عليها برقة.
رفع أديم رأسه عن الأوراق ينظر إلى صديقه وأخته وقال:
"عصافير الحب الحمدلله ظهروا. حمدالله على السلامة. يارب تكونوا قضيتوا شهر عسل سعيد."
لوى حاتم فمه بضيق مصطنع وهو يقول:
"أهو القر ده إللي جايبنا لورى. واتسبب في قطع رحلتنا ورجوعنا للقرف."
كانت سالي تشعر بالخجل حقًا من أخيها. غير صدمتها بمرحه وأسلوبه البسيط في التعامل مع حاتم. كان ينظر إليها بابتسامة حزينة. حين قال:
"عاملة أيه يا سالي؟ نسيتي أخوكي علشان الواد ده؟"
لم تشعر بنفسها وهي تترك ذراع حاتم وتقدمت من أخيها حتى وقفت أمامه. ليترك كرسيه ويقف هو الآخر. ليشعر بالصدمة حين حاوطت خصره بذراعيها وهي تقول:
"وحشتني أوي يا أبيه.. وحشتني.. وأنا آسفة.. حقك عليا."
كان ينظر لحاتم بصدمة وعينيه تسأله ماذا حدث؟ ليبتسم حاتم ابتسامة صغيرة وهو يقول بصوت عالٍ قليلاً:
"الله الله.. أنتِ بتحضني راجل غيري يا هانم.. والله عال يا عبدالعال."
لتضحك نرمين بصوت عالٍ. ليضرب حاتم مؤخرة رأسها وهو يقول:
"اسكتي أنتِ.. أنا مصدوم وأنتِ بتضحكي."
لتعود للضحك من جديد. ولكن بعيونها كانت هناك نظرة غيرة. فهمها أديم. ليفتح لها ذراعه لتركض إليه تشارك سالي ذلك الحضن المميز. حضن أخ هو الأمان والداعم. هو الحائط الصد الذي لا بديل عنه مهما كان لك أصدقاء أو أحباب. حتى إذا وجدت الحب الحقيقي. يبقى إلا هو له مكانة خاصة وهيبة لا يفهمها إلا من رزقه الله بأخ حقيقي بكل ما للكلمة من معنى.
قطع تلك اللحظة. وفهم أديم لاعتذار أخته الغير المفهوم. دخول طارق. الصامت الذي لم يلقِ حتى السلام على أحد وجلس في مكانه وهو ينظر إلى نرمين بنظرة لم يفهمها أحد. لكنها شعرت بالتقزز بسببها. فخبأت وجهها في صدر أخيها الذي ربت على ظهرها ليشعرها بالأمان.
أجلس سالي في الكرسي المجاور لنرمين وجلس حاتم جواره وجوار زوجته. وظل الصمت سيد الموقف. حتى قال حاتم موجهاً حديثه لطارق:
"مفيش سلامو عليكو ولا العواف حتى؟ أيه يا طارق مش داخل على ناس ولا شايفنا كراسي قدامك؟"
لوى طارق فمه إلى الجانب قليلاً وقال من بين أسنانه:
"لا شايفكم بس مش عايز أسلم.. أنا حر."
ليضع أديم يده على ذراع حاتم يمنعه من أن يدخل في جدال لا طائل منه. ثوانٍ قليلة ودخل المحامون. ثم شاهيناز هانم التي لم يختلف دخولها عن دخول طارق. لم تنظر لأحد وجلست في مكانها دون أن تنطق بكلمة.
كان أديم يشعر بألم قوي في قلبه. لما والدته تكره بهذا الشكل؟ سؤال ظل عالقاً في عقله ويتردد صداه في قلبه بألم لا ينتهي. لكنه لم يظهر شيء من كل ذلك وظل صامتًا لثوانٍ أخرى يحاول أن يتجاهل كل ما بداخله من حزن وألم وحيرة. ثم أخذ نفسًا عميقًا وطرق على الطاولة بظهر قلمه وقال:
"اجتماع الجمعية العمومية النهارده استثنائي. بناء على إللي حصل امبارح. وعلشان كل حاجة تبقى على نور. قدام كل واحد فيكم ملف فيه نسبة الأسهم لكل واحد فينا. وطبعًا ده بيبين كل واحد حقه قد أيه في نسبة الأرباح إللي بتوصله كل سنة. وكمان بيوضح مين إللي له حق إدارة المجموعة."
قال طارق مقاطعًا سيل كلمات أديم:
"كاميليا مش موجودة."
ولم يكمل كلماته حين سمعا طرقًا على الباب لحقه دخول كاميليا وهي تقول باعتذار:
"أسفه أني اتأخرت. بس أنتوا عارفين أول يوم شغل بقى."
وجلست جوار نرمين التي همست لها باندهاش:
"أنتِ بتشتغلي يا كاميليا؟"
أومأت بنعم وهي تهمس:
"هبقى أحكيلك."
ليقطع أديم حديثهم وهو يقول:
"مفيش مشكلة. أنتِ جيتي في الوقت المناسب. ومبروك على الشغل. بس اعملي حسابك بعد الاجتماع ده أنا عايز أتكلم معاكي كلمتين."
أومأت بنعم. ليعود أديم لما كان يقوله:
"قبل وفاة بابا كان كاتب ليا بعض أسهم خارج ورثي منه ونسبتي هي الأكبر من بين الجميع."
صمت لثوانٍ لتقول نرمين بهدوء:
"وأنا موكلة أديم بالتصرف في كل الأسهم الخاصة بيا. ومش هستأمن غيره على مالي."
ابتسم أديم لها وقال بامتنان:
"دي مسؤلية كبيرة يارب أكون قدها."
لتقول سالي بصوت هادئ يكاد يسمع:
"أنا كمان أكيد مش هأمن لحد أكثر من أخويا."
ثم نظرت لحاتم وقالت باستفهام:
"مش كده؟"
أومأ بنعم وهو يؤكد على كلماتها:
"من بعد وفاة عمي سراج وقبله بابا. ومن بعده عمي حداد. أديم قدر يوصل بالشركة لمكانة مهمة جدًا في السوق. ومؤسسة الصواف بقى ليها شأن كبير والكل بيعملها ألف حساب وبيعمل لمديرها ألف حساب."
كانت النظرات نارية بين طارق وباقي العائلة. حتى تكلمت كاميليا وقالت بهدوء:
"أنا كمان شايفه أن أديم أحق واحد بإدارة المؤسسة. وأنا مطمنة على نصيبي طول ما هو المسؤول عنه."
ابتسم أديم لها وأومأ لها بتحية شكر ردتها له بابتسامة صغيرة. لتتحول نظرات طارق لها. لكنها تجاهلته تمامًا ولم تنظر حتى إليه منذ دخولها. أما شاهيناز هانم فقالت بهدوء وبرود:
"أنا عايزة أبيع الأسهم بتاعتي. مش عايزة يبقى ليا أي علاقة بمؤسسة الصواف."
صمتت ثوانٍ تتابع نظرات الاندهاش والصدمة على وجه الجميع. لتكمل هي بنفس البرود:
"في الحقيقة أنا كنت ناوية أوزعهم على ولادي بالتساوي. لكن لقيتهم هبل ومسلمين دقنهم لأديم. علشان كده."
ونظرت لطارق وقالت:
"هتشتريهم أنت يا طارق؟"
"دي فلوسك يا شاهيناز هانم ومحدش يقدر يعترض على قرارك."
قال أديم بهدوء شديد وبرود واضح على ملامحه.
لتقول هي ببرود مشابه:
"طبعًا أنا حرة. وفي الأساس أنت ملكش دخل. أنا بتكلم عن ولادي. وأنت مش ابني."
ليبتسم بسخرية وهو يقول بألم:
"خلاص أتبريتي مني؟"
نظرت إلى عمق عينيه وقالت بتحدي:
"أتبرى منك ليه؟ أنت فعلا مش ابني. أنت ابن سراج من واحدة من عشيقاته. معرفش حتى اسمها إيه؟ وعلشان شكل العيلة وعلشان كلام الناس. ولأني وقتها كنت لسه مخلفتش قبلت أن سراج يكتب في شهادة ميلادك اسم الأم شاهيناز السلحدار. وكنت فاكرة إني هقدر أخليك من العائلات الراقية. لكن للأسف دم أمك القذر تغلب على كل شيء وخلى أصلك الواطي يظهر. وعلشان كده أنا كنت ناوية أسيب نصيبي لبناتي. لكن هما شايفين أنك أخوهم إللي هيصون فلوسهم. فما يستاهلوش أني أديهم أي حاجة."
ثم نظرت إلى المحامي وقالت:
"اعمل إجراءات نقل ملكية أسهمي لطارق."
ثم نظرت لطارق وقالت بتوضيح:
"قبل ما أمضي على الأوراق الفلوس تكون عندي يا طارق."
ونظرت إلى بناتها وقالت:
"بكرة بالكتير تيجي تاخد هلاهيلك أنت ومراتك وأي حاجة تخصكم من القصر. وشوفوا أنتوا هتعيشوا فين."
ونظرت إلى نرمين وقالت بغل:
"وأنتِ رميتي الإنسان الوحيد إللي كان قابل بيكي بعد ما اغتصبك الكلب إللي هرب ومعرفناش نجيبه. قبل يتجوزك بعيبك وعقدك. خليكي في حضن أخوكي يمكن يقدر يلقيلك حمار يلبسك فيه."
وتركت الجميع في حالة صدمة وتحركت نحو الباب. وقبل أن تفتحه نظرت إلى أديم وقالت:
"لو مش مصدق أنا موافقة نعمل تحليل DNA علشان تتأكدوا."
وغادرت وأغلقت الباب بقوة. تاركة خلفها عيون دامعة وقلب محطم. وصدمة على جميع الوجوه. وابتسامة تشفي على وجه طارق.
***
وضعت يدها على فمها وهي تستمع لتلك الكلمات. صدمة أخرى. أن تلك الكلمات مسجلة وموصولة بجهاز آخر. ولن تستطيع إخفاء تلك المعلومات. ماذا عليها أن تفعل الأن؟
رواية ونس الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة مجدي
ظل الصمت هو سيد الموقف والجميع في حالة صدمة وزهول. وكأن على رؤوسهم الطير. الصدمة ألجمت ألسنتهم. رغم إحساسهم بالشفقة على أديم، لكن لم يستطع أي منهم قول أي شيء. فماذا سيقولون حقًا في موقف كهذا؟
أما طارق كان يشعر بالسعادة. ها هو سر جديد يضاف لقائمة أسراره والذي يستطيع بها تحقيق ما يريد حقًا. لكنه لم يستطع إخفاء شماتته. فوقف وهو يقول:
- طيب أقوم أنا بقى وأنتم حاولوا تلاقوا حل في الموضوع ده.
ثم نظر في اتجاه المحامي وقال:
- ياريت بقى حضرتك تشوف كده مين هيبقى رئيس مجلس الإدارة ومين هيبقى النائب.
وأشار إلى الجميع بسلام والإبتسامة الشامتة تزين ملامحه القبيحة من كثرة الشررغم أنه قال الكثير إلا أن لا أحد منهم استمع لكلماته. فجميع الموجودين مشغولين بصمت أديم. الذي ظل صامت وكأنه تمثال من شمع. ثم وقف يلملم حاجته وغادر دون كلمة. حاول حاتم اللحاق به لكن أشار له بيده أن يظل مكانه. وغادر.
عاد حاتم يجلس مكانه وهو يضع رأسه بين يديه بهم. وعقله شل تمامًا عن التفكير. وكانت سالي تبكي بصمت. فحين وجدت أخاها أخيرًا يحدث ما حدث ويخسر الجميع.
ظلت جالسة في مكانها تفكر ماذا عليها أن تفعل. كيف ستحاول منع ما سيحدث خلال ساعات. هي كانت تبحث عن نجاح بطعم مختلف لكنها لم تقرر أو تعلم أنها ستكتشف كارثة مثل هذه. وأن تكون هي سبب في فضيحة مدوية له. أمسكت هاتفها وحاولت أن تتصل بالمسؤول. لكنه لم يجيب عليها وكأنه يعلم أنها ستطلب منه أن توقف كل شيء.
عادت لتجلس مكانها من جديد. ولأول مرة منذ سنوات تنحدر دموعها بألم ووجع. ذكرها بذلك الوجع القديم الذي ما زال حيًا بداخل قلبها ولم يندمل حتى الآن.
ظل يقود السيارة في شوارع العاصمة. لا يفكر في شيء. فعقله ظل واقف تمامًا وكأنه لا يعرف كيف يفكر. هل ما قالته أمه حقيقي؟ أمه وهل هي أمه؟ ألهذا كانت دائمًا تكرهه؟ ولذلك لم تعامله بشكل جيد يومًا؟ لماذا الآن إذا؟
أوقف السيارة على جانب الطريق وأغمض عينيه لتنحدر دموعه دون أن يستطيع التوقف. وكلمات شاهيناز تتردد في أذنه:
- أتبرى منك ليه؟ أنت فعلاً مش ابني. أنت ابن سراج من واحدة من عشيقاته. معرفش حتى اسمها إيه. وعلشان شكل العيلة وعلشان كلام الناس ولأني وقتها كنت لسه ما خلفتش قبلت أن سراج يكتب في شهادة ميلادك اسم الأم شاهيناز السلحدار. وكنت فاكرة أني هقدر أخليك من العائلات الراقية. لكن للأسف دم أمك القذر تغلب على كل شيء وخلى أصلك الواطي يظهر. وعلشان كده أنا كنت ناوية أسيب نصيبي لبناتي. لكن هما شايفين أنك أخوهم اللي هيصون فلوسهم. فما يستاهلوش أني أديهم أي حاجة.
ضرب المقود بيديه وهو يصرخ بصوت عالي:
- ليييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي-
ظل يصرخ ويصرخ ويصرخ، ودموعه تغرق عينيه. ألم قلبه لا يستطيع أي كلمات أن تصفه. أعاد رأسه إلى ظهر الكرسي وأغمض عينيه من جديد. متجاهل كل الاتصالات من أختيه وحاتم. حتى كاميليا اتصلت به أكثر من مرة. وفيصل. مؤكد يريد أن يخبره عما وجد من أجل كاميليا. لكنه ظل متجاهل كل ذلك. هو لا يجد كلمات يقولها وأيضًا لا يريد أن يستمع إلى أي حديث لا يفيد. فبماذا سيخبره أن أمه تكذب أو أن كل هذا بسبب غضبها منه فقط. تريد منه أن يخضع لها ويقوم بكل ما تريده.
ظل صامتًا ومغمض العينين للكثير من الوقت. لكن ألم قلبه لم يتوقف. صوت أنينه يصم أذنيه. أخذ نفسًا عميقًا أمسك هاتفه. إنه بحاجة لبعض الراحة. هي واحدة من تستطيع إخماد نار قلبه. هي الوحيدة القادرة على البوح أمامها بكل ما بداخل صدره من وجع. هي وحدها من يريد أن يشعر بأمانه داخل عيونها. أن يبكي بين يديها. أمسك هاتفه واتصل بها.
كانت تجلس في غرفتها تشعر بالذنب وبالضيق. إن ما يحدث الآن لم يكن مخططًا له ولم تعمل له حساب. أن تكون سبب في فضيحة له. انتفضت حين علا صوت هاتفها ووجدت اسمه ينير الشاشة. ظلت صامتة لعدة ثوانٍ ثم أجابته بصوت مرتعش:
- أيوه يا أديم بيه.
- أنا محتاجك يا ونس.
قالها مباشرة بصوت يقطر ألمًا. لتنحدر دموعها رغمًا عنها. خاصة حين أكمل كلماته:
- الدنيا كلها قفلت بيبانها في وشي. أرجوكي أنا محتاجك.
بلعت ريقها لتشعر بألم حاد في حلقها لكنها قالت:
- أنت فين؟
- هبعتلك الموقع.
وأغلق الهاتف. وبعد لحظات رن هاتفها بصوت أحد تطبيق الرسائل ووجدته قد بعث موقعه لها. إنه قريب منها. لن تأخذ السيارة بالطبع. لذلك اتصلت على سائق سيارة الأجرة الذي أخذ رقمها ذات يوم وطلبت منه الحضور. وحين انتهت من ارتداء ملابسها كان السائق بالأسفل يتصل بها يخببرها بوصوله.
وقفت سيارة الأجرة أمام السيارة السوداء لتترجل منها بعد أن أخبرته أنها ستتصل به مرة أخرى حتى يأتي ويعيدها. كان يتابعها وهي تقترب من السيارة قلقة. خائفة. أو خجلة هو لا يعلم حقًا. لكن حضورها وحده قادر على الربت على قلبه. حين جلست على الكرسي وأغلقت الباب قال بأمتنان:
- شكرًا إنك جيتي يا ونس. أنا بجد محتاجك أوي.
- إيه اللي حصل؟ مالك يا باشمهندس؟
قالت بصوت مرتعش. ليمد يده يمسك يدها ويرفعها إلى فمه يقبلها بحب. ثم أراح يدها على وجنته وهو يقول:
- عارف إنك مستغربة ومش فاهمة حاجة. بس أنا بحس جنبك أن روحي مرتاحة. بحس إنك شبهي. أنا بحب البساطة والطيبة وأنتِ كل ده يا ونس. وأكتر كمان.
كانت تشعر بالخجل والتوتر. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل الآن. ارتعدت يديها ليرأف بحالها وترك يدها. لتقول هي بصوت ضعيف:
- طيب احكيلي إيه اللي حصل.
سرد لها كل شيء. لم يترك أي شيء لم يحكيه. وكانت من داخلها تشعر بالصدمة. والخزي. لكن لقد سبق السيف العذل. ولم يعد بيدها شيء. كانت الدموع تتجمع في عيونها من كثرة الخزي. وكان هو يظنها تعاطف وبسبب رقة قلبها وشفقتها عليه. حتى انتهى تمامًا. من سرد كل التفاصيل منذ كان صغيرًا وحتى ما حدث منذ ساعات.
- دنيتي في لحظة اتقلبت. وبعد ما كنت ابن سراج الصواف وشاهيناز السلحدار. بقيت ابن العلاقة غير الشرعية. من أم معرفش حتى اسمها إيه.
قال كلماته وهو يتنهد بأرهاق. ثم نظر إليها ليجدها تبكي بصمت. ليعتدل في جلسته وأمسك يدها وقال:
- أنتِ أحن قلب في الدنيا. أنتِ الوحيدة اللي اتكلمت معاها. أخواتي البنات وحاتم من ساعة ما خرجت من المؤسسة وهما بيتصلوا بيا لكن أنا محبتش أتكلم مع حد.
غيرت كلماته. لكنها مسحت دموعها. ليعود وأراح ظهره على الكرسي وقال بشرود:
- أنا عارف شاهيناز هانم كويس. عمرها ما هتقول لحد حاجة. والموضوع هيفضل في إطار العيلة. وهفضل أنا أديم الصواف ابن سراج بيه وشاهيناز هانم. لكن تصدقي من جوايا ورغم الوجع والحصرة إلا إني ارتحت أن سبب عدم حبها ليا وكل اللي عملته معايا قبل كده. ده كره طبيعي لطفل اتفرض عليها من علاقة غير شرعية لجوزها. ومع ذلك اعتنت بيه وربته وكانت ديماً بتتباهى بيه قدام الناس.
نظر إليها وظل يتأمل ملامحها الرقيقة وخصلات شعرها المجعدة التي تحيط وجهها لتعطيها هيئة غجرية مغرية. ثم قال:
- تتجوزيني يا ونس؟
- أنت بتقول إيه؟!
سألته بأندهاش. ليبتسم ابتسامة حلوه وقال من جديد:
- تقبلي تتجوزيني بعد ما عرفتي حقيقتي؟!
لم ترد على سؤاله ولكنها ظلت تنظر إليه بعدم تصديق. لتتسع ابتسامته وهو يقول:
- حددي لي معاد مع والدتك. عايزين نتخطب في أسرع وقت. أنا محتاجك في حياتي.
فتحت فمها حتى تقول أي شيء. ليشير لها بالصمت وقال من جديد:
- أنا هتحدى الدنيا كلها عشانك. ومش ههتم لرأي حد مهما كان هو مين.
كانت تشعر أنها تتضائل أمامه. كيف تفعل به ما ستفعل؟ كيف تخدعه بتلك الطريقة؟ كيف تخسر حب كهذا؟ كيف؟
حاول حاتم احتواء سالي قدر استطاعته. وكان لا يعلم ماذا عليه أن يفعل من أجل نرمين. وأيضًا عقله ظل مشغول على أديم أين هو؟ وكيف حاله؟ وماذا سيفعل؟ ولكن ليس بيده شيء يفعله. ف أديم لا يرد على اتصالاته.
لكنه قد قرر أن يذهب لمنزل أديم وينتظره هناك. فلن يتركه بمفرده على الأقل اليوم.
وبالفعل ذهب ثلاثتهم إلى البيت. لكنه لم يكن هناك. لتجلس نرمين على الكرسي بإنهاك وهي تقول بخوف:
- هيكون راح فين بس؟
جلس حاتم جوار سالي وقال بعد تفكير:
- ممكن يكون بيلف بالعربية شوية أو يكون راح مكان هادي عشان يفكر.
لتنظر إليه سالي بقلق وقالت بصوت حزين:
- اللي حصل مش سهل أبدا ومينفعش يكون لوحده. دي صدمة مش سهلة. أنا لو كنت لسه سالي القديمة. كنت مش هبقى عايزة أعرفه تاني. لكن دلوقتي أنا بجد خايفة عليه. مامي ظلمته. هو ملوش ذنب.
يضمها حاتم إلى صدره وهو يقول بصدق وسعادة:
- أنا فخور بيكي يا سالي. هو ده الكلام والصح. أديم ملوش ذنب في أي حاجة حصلت زمان. وبرضو هو لسه أخوكم وابن عمي سراج.
- أيوه هو أخونا مهما حصل واتقال. بس أنا خايفة عليه. أنا أكتر واحدة عارفة يعني إيه تتصدم وتخسر حاجة مهمة في حياتك.
قالت نرمين كلماتها بصوت مختنق. ثم أمسكت هاتفها تتصل ب أديم مرة أخرى وهي تقول برجاء وتوسل:
- رد بقى يا بيه.
لكنهم انتبهوا على صوت الباب وهو يفتح ودخول أديم. الذي نظر إليهم بابتسامة صغيرة. لتركض الفتاتان إليه يضماه بقوة. لتتسع ابتسامته وهو يشد ذراعه عليهم بضمة حانية قائلاً بصدق:
- أنا كويس يا بنات متخافوش.
ورفع عينيه لحاتم الذي ينظر إليه بتفحص. ليومئ له أن يطمئن.
بعد بعض الوقت جلس أربعتهم يتحدثون. وفي نهاية الحديث أكد الجميع على أن شاهيناز لن تخبر أحد بذلك السر حتى لا يشمت بها أحد. لكنها أرادت أن تنتقم لكرامتها. أرادت أن تفعل أي شيء حتى تتنفس عن ما كان داخل قلبها منذ سنوات. لكن ما كان يضايق أديم حقًا موقفها من أختيه. ولكن لم يكن بحاله جيدة ليفكر الآن ماذا عليه أن يفعل. وأيضًا هو لم يعد له الحق في التدخل بينهم. فموقفه أصبح حساس.
ولكن ما كان يشغل عقله حقًا هو. هل يخبرهم برغبته في خطبة ونس؟ أم ينتظر حتى يتم الأمر ويصبح أمر واقع؟ وأختار الاختيار الثاني لأنه الأنسب له و لونس. فهو لا يريد أي عثرة في الأمر.
بعد كل حدث في المؤسسة عادت كاميليا إلى عملها لكن بذهن شارد وعقل مشغول. الصدمات اليوم كانت من العيار الثقيل. ما هذه العائلة التي اكتشفت أنها تنتمي إليها؟ كيف تكون بتلك الصورة والشكل؟ كيف يكون أساسها خرب بذلك الشكل؟ وكيف يكون لعمها الكبير الذي كان الجميع يرتعش أمامه تلك الأخلاق وكانت له علاقات نسائية متعددة؟ وكيف قبلت شاهيناز هانم بتلك الحياة؟ وكيف وافقت أن تكون أم أديم حتى لو لم يكن له ذنب؟
ظلت تفكر طوال الطريق. وهي لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. لكنها اكتشفت أنها قد أخذت القرار الصحيح. عليها الابتعاد عن عائلة الصواف. فأخيها أصبح شخص شرير بكل ما للكلمة من معنى. وأصبح شخص خطر جدًا. ولتعترف لنفسها الآن أنها تشعر بالخوف منه ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
حين جلست خلف مكتبها سمعت طرقات على الباب لترفع عيونها لتجد فيصل يقف هناك بابتسامة هادئة وقال:
- أنتِ كويسة؟
أومأت بنعم ليقول من جديد:
- أصل أنا ناديتك وأنتِ داخلة من باب الشركة وعديتي من جنبي ومردتيش عليا ولا كأنك شايفاني.
وقفت وهي تشعر بالإحراج وقالت بارتباك:
- أنا آسفة كنت سرحانة وبفكر في موضوع كده فماخدتش بالي. أنا بجد أس...
رفع يده ليوقف سيل كلماتها وقال بمرح:
- حصل خير. عادي جدًا. المهم إنك كويسة.
ودلف خطوة إلى داخل المكتب وهو يقول:
- أنا قريت كل الإيميلات. وكتبت بعض الردود. من فضلك ترجميهم الأول وبعدين كملي شغل على الإيميلات التانية.
ومد يده بملف به بعض الأوراق لتأخذ الملف وهي تقول بابتسامة سعادة:
- تمام. هعملهم حالا.
أومأ بنعم وتحرك ليغادر. لكنه وقف ونظر لها من جديد وقال بأسف:
- الناس اللي كلمتهم بعتولي على كذا حاجة بس مافيهاش حاجة تليق بيكي وممكن الموضوع ياخد كام يوم. وبصراحة كنت عايز أطمن عليكي. أنتِ قاعدة فين دلوقتي.
ابتسمت بإحراج وهي تقول:
- حجزت أوضة في فندق (.......).
ونظرت أرضًا وهي تقول:
- أنا تعبتك معايا جدًا. خلاص أنا هبقى أدورلي.
قطب جبينه وهو يقول:
- إيه الكلام ده لأ طبعًا. أنا هفضل وراهم لحد ما ألاقي اللي يناسبك ويليق بيكي. وان شاء الله مطولش في الفندق.
وغادر عائدًا إلى مكتبه. وجلست هي من جديد. وعقلها يفكر. هناك أشخاص يشبهون فيصل وأشخاص ك طارق. وبعض الناس يشبهون شاهيناز والبعض متواضع وقادر على المساعدة دون مصلحة. ماذا تخبئ لها الحياة من جديد.
حين تركت أديم عادت لتتصل بالرقم المسجل على هاتفها. تحاول أن تمنع ما سيحدث. لكنه أصلا لم يرد عليها. فكرت ماذا عليها أن تفعل الآن. الأمر خرج عن السيطرة. ولن تستطيع التراجع.
تجلس على الأريكة بتثاقل وهي تتذكر ما حدث قبل ثلاث شهور.
كانت تركض في ممر الجريدة التي تعمل بها منذ سنة. تريد أن تلحق رئيس التحقيق قبل أن يغادر حتى تطلب منه الإذن في البدء في السبق الصحفي الجديد والتي جمعت خيوطه منذ فترة طويلة. بمساعدة صديقة لها. تعمل في ذلك المكان.
كاد رئيس التحرير أن يغادر مكتبه لتصدم به. ثم اعتدلت سريعًا وهي تقول:
- أنا آسفة جدًا يا ريس. بس كنت عايزة حضرتك في حاجة كده قبل ما تروح.
لوى الرجل فمه وهو يقول باستسلام:
- تعالي يا ونس. ما أنا مش هخلص من زنك.
تبتسم وهي تسير خلفه حتى دخلا إلى المكتب وأغلقت الباب وهي تقول:
- سبق صحفي هيكسر الدنيا يا ريس.
ظل الرجل صامت ينظر إليها لتكمل كلماتها. لتقترب خطوتين وقالت:
- مؤسسة الصواف الشهيرة وصاحبها أو رئيس مجلس إدارتها أديم الصواف. عندي معلومات أن في حاجات من تحت الترابيزة بتحصل. وإن أساس اللي بيحصل كله معاه وإللي بيساعد المؤسسة المافي.
تلمع عيون رئيس التحرير وهو يقول:
- عملتيها إزاي دي يا قردة.
لتعدل ياقة قميصها وهي تقول بغرور مصطنع:
- ده أقل حاجة عندي يا ريس.
لوى الرجل فمه من جديد. لكنه قال:
- فين مستنداتك. والأدلة بتاعتك.
لتفرك رأسها وهي تقول بخجل:
- لسه هجيبهم.
قطب جبينه بعدم فهم. لتقترب خطوة أخرى وقالت:
- أنا عايزة حضرتك توافق على إجازة مفتوحة ليا. علشان أجمع الأدلة وأجيب كل الأوراق. ده هيبقى أكبر سبق صحفي يا فندم ومحتاج شغل وتخطيط. وكل حاجة هنا.
قالت كلماتها الأخيرة وهي تشير إلى رأسها. ليقول:
- أنا هوافق يا ونس علشان أنا بثق فيكي وكمان علشان عارف أن لما بتحطي حاجة في دماغك بتعمليها. خدي وقتك لكن عايز سبق محصلش قبل كده. ويكون متكامل الأطراف وقانوني يعني كله بالأدلة والبراهين مفهوم.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول بسعادة:
- مفهوم جدًا جدًا جدًا.
وغادرت المكتب ومباشرة لقسم الصوت طلبت منهم ميكروفون صغير جدًا لا يلاحظه أي شخص بسهولة. وطلبت من المصور أن يحضر إلى مكتبها حتى تحدد معه خطة العمل حتى يكون كل شيء موثق بالصور أيضًا كما سيكون موثق بالصوت.
ولمدة شهر كامل كانت تعمل على أدوات خطتها حتى تنفذها دون تأخير. وشهر آخر تبحث حوله بكل الطرق وتعرف خط سيره ومواعيده متى يذهب إلى الشركة ومتى يعود. من الأقرب إليه. أين يذهب مساء وكيف يرفه عن نفسه أو أين يسهر. علمت كل شيء والخطوة الأخيرة كان نزولها لأرض المعركة والتشابك مع الهدف. وأخذ الخطوات العملية.
عادت من أفكارها وهي تهمس لنفسها:
- أنا كنت عايزة أفضح فساد مؤسسة الصواف. مش أفضح أديم.
وانحدرت دموعها. لكن وهل يفيد سلخ الشاه بعد ذبحها؟ لقد سبق السيف العذل والأمر لم يعد بيدها. وهي التي ترى أنواع كثيرة من البشر. لم تستطع التمييز أن ما كانت تسعى خلفه لا وجود له وليس له أساس من الصحة. لكن ماذا عليها أن تفعل؟ أنها تكاد تموت خوفًا.
رواية ونس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة مجدي
"صباحك ضحكه بتحلي كلامي ويومي .. وعيوني بتحلفلك أني ف الجنة بوجودك .. ده أنا صوتي لو سمع صوتك يحن يرق ... صباحك حب يا ونس قلبي وحياتي ... بحبك "
كلمات إسلام علام.
أرسل أديم تلك الرسالة إلى ونس التي كانت تجلس في منتصف سريرها تبكي. لم يغمض لها جفن. لقد أرسل إليها مديرها ماكيت الصفحة التي تحمل الخبر الذي سيدمر حياة أديم إلى الأبد. الذي سينهي اسم عائلة الصواف. صحيح مقالها لم يذكر الأسماء صريحة لكن الحروف الأولى من كل اسم. وما أكثرهم الذين يفضلون لعبة الكلمات المتقاطعة. والجميع قريبًا جدًا سيعلم من هم أبطال الخبر.
لم تستطع أن تجيب على الرسالة. هو يرسل لها رسائل حب صباحية. وهي سوف تقوم بكشف المستور عنه. كم هي حقيرة وبلا ضمير. ولكن شيطان عقلها. والصحفية التي تسكن روحها كانت تلومها. هي كانت تقوم بعملها. ومعلومة النسب لم تكن في الحسبان أو مخطط لها. وأيضًا هي لم تقل له أن يقع في غرامها. هي ليست مذنبة. هي صحفية ماهرة ومميزة. وأخبرها مدير التحرير بأنها سيكون لها شأن كبير واسم رنان.
مسحت دموعها. وغادرت السرير حتى تذهب إلى الجريدة. اليوم هو عيد لها. اليوم تحقق أكبر سبق صحفي. اليوم عليها أن تحتفل لا أن تحزن.
أخرجت أجمل ملابسها وزينت وجهها. جدلت خصلاتها بشكل مميز جعل ملامح وجهها تبرز برقة وجمال. نظرت إلى نفسها في المرآة نظرة شاملة. وأرسلت لنفسها قبلة في الهواء. أخذت هاتفها من على طاولة الزينة وأغلقت. عليها ألا تعرض نفسها لأي ضغط. لتحتفل بانتصارها الأول وبعد ذلك لكل حادث حديث.
***
أرسل الرسالة ووضع الهاتف جانبًا وغادر السرير ودلف إلى الحمام حتى يأخذ حمامًا دافئًا ليستعيد نشاطه. يريد اليوم أن يقضيه معها. أن يسعدها كما هي تسعده لمجرد وجودها بجانبه. تهون عليه كل شيء. تجعله يشعر أن لا وجع أو ألم في هذه الحياة. هي الونس الذي كان يبحث عنه طوال حياته. هي الحب الذي تمنى أن يجربه يومًا ويملأ قلبه.
حين غادر الحمام وصله صوت حاتم وهو ينادي على سالي. ثم صوت ضحكات. ليبتسم براحة وهو يرى أخته تتحول للأفضل. تخرج من عباءة شاهيناز هانم السلحدار. وتصبح سالي. سالي فقط الذي يعشقها حاتم منذ كان صغير. يتمنى أن يطمئن على نرمين أيضًا حتى يعيش قصة حبه مع ونس دون مشاكل أو هموم.
قبل أن يغادر الغرفة. سمع صوت هاتفه ليعود إلى وحدة الإدراج جوار السرير ليجده فيصل. جلس على السرير وأجابه قائلاً:
"إزيك يا فيصل. أسف إني مردتش عليك امبارح بس كنت مشغول أوي."
يضحك فيصل وهو يقول بمرح:
"يا ابني هو أنا مراتك عشان تديني كل المبررات دي. المهم إنك بخير."
ليضحك أديم وهو يقول بمشاغبة:
"بقى أنا مراتي هتبقى بالوحاشة دي. عايز إيه يا ابني أنت؟!"
أخبره بكل ما حدث بالأمس. ثم قال:
"لسه سمسار مكلمني دلوقتي ولقيت مكان مناسب للآنسة كاميليا وكنت لسه هعرفها. بس قولت أقولك الأول."
ظل أديم صامتًا لعدة ثوان يفكر في كاميليا وما قامت به من كشفها لمخطط أخيها مع شاهيناز هانم. وما قالته في الاجتماع. وتركها لقصر الصواف ولجوئها لشخص غريب. لماذا لم تلجأ له. أو حاتم. ليبتسم بسخرية وهو يقول لنفسه:
"هتلجأ ليك أنت إزاي بعد اللي أنت عملته معاها. وحاتم كان مسافر."
أخذ نفسًا عميقًا وقال لفيصل:
"أنا واثق فيك يا فيصل. وكاميليا زي أختك من فضلك خلي بالك منها. وبعد ما تستقر في بيتها أنا هجيلها."
وافق فيصل على كلمات أديم وأيده ثم قال:
"على فكرة أنا كسبت موظفة ممتازة من عيلة الصواف. بجد هدية لي."
ليبتسم أديم بسعادة حقيقية. أن كاميليا حقًا تفاجئه. وعليه إنهاء الخلاف بينهم حتى يستطيع الوقوف بجوارها وعدم تركها بمفردها. قال لفيصل بفخر:
"طبعًا يا ابني هو أنت كنت تطول أصلاً."
ليضحك فيصل بمرح وقال بصدق:
"لأ يا ابن الأكابر مكنتش أطول بس ربك بقى لما يحب يكرم عبده. يرزقه من وسع. وأديني طولت."
ضحك أديم وشاركه فيصل الضحك. ثم ألقى السلام وأغلق الهاتف. ليقف أديم حتى يخرج إلى إخوته بالخارج.
***
وقف عند بداية الممر يتابع ما يفعله حاتم مع سالي. التي تقف بتحفز وعيونها تملأها الشقاوة جوار إحدى زوايا طاولة الطعام وهو يقف في الجهة الأخرى. ليقول حاتم بمشاغبة:
"هاتي بوسة بقى قبل أخوكي ما يصحى. اعتبريني جوزك."
"تؤ تؤ تؤ."
أجابته بدلال أنثوي وهي تحرك كتفها للأعلى. ليحاول الوصول إليها لتركض إلى الجهة الأخرى وهي تضحك بصوت هادئ. ليقول هو بتهديد:
"لما أمسكك هبوسك حتى لو قدام أخوكي. عشان تبقي تجري مني كويس."
"وأخوها واقف بيتفرج على مسخرة بتحصل في بيته بين أخته وابن عمه."
قال أديم بصوت غليظ. ليتخشب الاثنان بخجل. وقال حاتم بصوت متقطع:
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا راجل ده هي بس كانت زعلانه وكنت بصالحها. إحنا ناس متربية وأمور السفالة دي مش بتحصل عندنا."
تضحك سالي لكنها كتمت الضحك بيدها. كذلك أديم الذي قال بتسلية:
"يالهوي يعني أنا مش هبقى خالو أبدًا. لا أحنا نطلق بنتنا وتشوف نصيبها مع حد تاني يجيب لنا اللي يقولي يا خالو."
كشر حاتم حين فهم مغزى حديث أديم لينفخ صدره وهو يقول بإقرار:
"لأ... أنت تقصد إيه. أنا راجل أوي. وان شاء الله ولي العهد يشرف قريبًا ويبقى محتار يقولك يا خالو ولا يعمو."
ابتسم أديم لمجرد التخيل. وقال وهو يقترب من أخته. يقبل أعلى رأسها:
"ربنا يفرحك يا حبيبتي ويسعدك. ولو الواد ده زعلك في يوم عرفيني بس. وأنا أربيه من أول وجديد وأعيد لك ترتيب وشه كمان لو عايزة."
التفتوا جميعًا على صوت نرمين وهي تقول بغضب مصطنع:
"الله الله. خيانة بتحبوا بعض من غيري."
ليفتح لها أديم ذراعه لتركض إليه وتلقي بنفسها بين ذراعه. ليقول حاتم بمرح:
"طيب وأنا مليش في الأحضان الحلوة دي."
ثم فتح ذراعه لسالي وقال بتوسل:
"مين اللي هيجي في حضن بابا."
تضحك سالي وهي ترفع عينيها لأخيها. الذي أومأ لها بنعم. ليقترب حاتم يجذبها من ذراعها ويزرعها في حضنه وهو يقول:
"أنتِ هتستأذني. يا بت أنتِ مراتي."
ليضحك الجميع على كلمات حاتم وأسلوبه في نطق الكلمة خاصة وهو أضاف إليها حرف الشين. ليجلسوا بعدها جميعًا على طاولة الطعام ليتناولوا فطارهم بين مرح ومزاح. وكأنهم جميعًا اتفقوا بدون اتفاق على أن يغلقوا صفحة الماضي وما حدث بالأمس وكأنه لم يحدث. لكن القدر كان يحمل لهم صفعة ستقلب حياتهم رأسًا على عقب.
***
هاتفه بداخل الغرفة لم يتوقف رنينه. والرسائل التي تصل إليه كثيرة بشكل كبير فالجميع مصدوم من تلك الأخبار. التي تداولها إحدى المواقع الإخبارية الخاصة بجريدة كبيرة ومشهورة.
رن هاتف حاتم لينظر إلى الاسم باندهاش لعدة ثوان ثم أجاب قائلاً:
"أيوه يا جمال خير؟ هو مش أنا بلغت إني مش جاي النهاردة؟"
صمت لثوان ثم قال:
"طيب يا جمال هشوفه حالاً."
صمت مرة ثانية ثم قال:
"أديم بيه معايا. خلاص تمام."
وأغلق الهاتف وفتح إحدى تطبيقات الرسائل ليجد الكثير من الرسائل وكلها تحمل لينك واحد. فقال وهو ينظر لأديم بقلق:
"تعالى شوف الموضوع ده."
ترك أديم مكانه وأقترب من مكان جلوس حاتم ونظر إلى الهاتف بتركيز. لتمسك كلا الفتاتان هواتفهما ليجدوا أن هناك الكثير من الرسائل وصلت لهم أيضًا. وبدأت الصدمة ترتسم على وجوه الجميع. وهم يقرأون ما كتب على ذلك الموقع. صحيح الأسماء لم تذكر لكن كل شيء يشير إليهم وهذا ما جعل الجميع يرسل لهم ذلك التقرير الصحفي الذي يكشف كل شيء عن عائلة الصواف. كما يراها أديم ومن وجهة نظره. خاصة وأن هناك جمل كتبت كما كتبها هو في مذكراته. والأوراق التي كانت تخص صفقة قديمة مع إحدى الشركات الأجنبية وأوقفها أديم قبل إتمامها حين اكتشف أن المافيا خلف تلك الشركة. والأمر الأكثر صدمة هو الخبر الذي صدم الجميع بالأمس. أن أديم ابن غير شرعي لعائلة الصواف وأمه ليست شاهيناز السلحدار سيدة المجتمع الراقي. وإن والدته مجهولة بسبب كثرة علاقات والده النسائية.
الدموع كانت تغرق وجوه الفتيات. والصدمة ترتسم على وجه حاتم الذي احتقن من كثرة ضخ الدماء به. وأديم وجهه كان باردًا حد الخوف والشحوب وعيونه ثابتة على شيء واحد فقط. وهو اسم محرر الخبر.
"ونس سليم نصار."
والدموع تلمع في عينيه. وقلبه يئن بألم. يصرخ داخل قفصه الصدري يود أن يخرج من مكانه. لقد تحطم وتناثرت شظاياه في كل مكان. هو ينزف من الداخل. ولا يظهر عليه أي شيء. مجروح لكنه من الخارج سليم. من ينظر إليه يجد رجل يقف بشموخ وبعيون باردة. ومن نظر إلى داخله وجده محطم. ينزف وقلبه توقف عن النبض. لقد قتلته الخيانة. قتله الحب. هل كان مغفلًا إلى هذه الدرجة؟ هل هو غر صغير استطاعت تلك الماكرة الضحك عليه؟ هل سقط أديم الصواف وتحطم؟ وكانت الإجابة على كل تلك الأسئلة هي: نعم. دون تردد.
اعتدل في وقفته ونظر إلى أختيه وقال بصوت لا روح فيه:
"اقفلوا تليفوناتكم عشان محدش يضايقكم."
ثم نظر إلى حاتم وقال بهدوء أقلق من يقف أمامه ويعرفه أكثر من نفسه:
"روح المؤسسة عشان تقدر تحتوي الموقف. طارق هيستغل اللي حصل ده وأنا عندي مشوار وهجيلك على هناك."
ولم يسمح لأي منهم أن يتحدث معه. توجه إلى غرفته ومباشرة بدل ملابسه. وبحث عن عنوان تلك الجريدة عن طريق تطبيق تحديد المواقع. ثم غادر غرفته ومباشرة غادر المنزل. تاركًا خلفه قلوبًا تتألم من أجله. ومن أجل نفسها ولا يعلمون كيف يواجهون تلك الفضيحة.
***
تقف وسط زملائها تبتسم بسعادة وهي تتلقى التهاني والمباركات على ذلك التحقيق الصحفي الكبير الذي وضع جريدتهم في مكانة خاصة جدًا ورفع نسبة المبيعات في الجرائد الورقية. وأيضًا عدد المشاهدات على فيديوهات صفحة الجريدة. وعدد المشاهدات أيضًا على الموقع الإخباري.
إنها خبطة صحفية من النوع الثقيل. والتي لا تتكرر كثيرًا. وتحتاج لتنفيذها مجهود كبير. طرق مدير التحرير على كوبه الزجاجي بالقلم وقال بابتسامة واسعة وسعادة:
"النهاردة يوم مميز جدًا للجريدة بتاعتنا. وزميلتكم حققت نجاح ملوش وصف ولا مثيل. تعبت وفكرت وخططت ونفذت. وحقيقي أنا مبهور من ذكائها. وعلشان كده تم ترقيتها لنائب مدير التحرير."
يقف في نهاية الرواق ينظر إلى ما يحدث أمامه بوجه خالٍ من التعبير. لكن من يرى قلبه الآن يراه ينتفض كطفل صغير تائه في صحراء قاحلة وتحيطه الذئاب من كل اتجاه. من يرى عيونه ثلجية النظرة. لا يستطيع أن يصدق أنه يبكي من الداخل بدلًا من الدموع دم. من كان يرى سعادته صباحًا. لا يستطيع تخيل كم الحزن الذي يشعر به الآن.
بدأ الجو يهدأ من حولها وزملائها يعودون إلى مكاتبهم وبين أيديهم صحون بها قطع حلوى وأكواب من العصير. الجميع يحتفل بذبحه. الجميع يسير فوق جسده الملقى أرضًا مذبوحًا من الوريد إلى الوريد والدماء تغطيه. حتى هي من ظنها أمله في الحياة بوابة الجنة. وطوق النجاة. هي من ذبحته بيدها. وتقف الآن فوق قلبه النازف تضحك بسعادة وتحتفل بموته.
لمحه من مكانها لينتفض قلبها بخوف. وتشنج جسدها للحظة. لكن عقلها نبهها لضرورة تحركها حتى لا يلاحظ زملاؤها وقوفه. فأجبرت قدميها على التحرك في اتجاهه. كان يراقب تقدمها منه وهو يسأل نفسه. هل هذه الفتاة الجاحدة هي نفسها تلك الفتاة الرقيقة التي كانت تتوسل عملًا لديه في بيته؟ وترجو أن تكون مجرد خادمة له؟ هل كانت تدعي كل تلك البراءة حتى تحصل على مبتغاها وتضربه الضربة القاتلة. استطاعت تلك القصيرة الماكرة أن تفعل ما لم يستطع رجال المافيا وحيتان السوق فعله. هي ببرائة مصطنعة استطاعت الغدر به. وتحطيم تمثال أديم سراج الصواف المخيف.
وقفت أمامه تنظر إليه بعيون تتوسله أن يفهمها ويقدر موقفها. وقلبها يئن بألم. وعقلها يتحدى عيونها وقلبها ويخبرها بكل جرأة: أنتِ لم تخطئي في شيء. أنتِ كنتِ تقومين بعملك فقط.
ظلت صامتة تنظر إليه بهدوء قدر استطاعتها. لتشعر بالصدمة حين رأته يبتسم ابتسامة جانبية وقال:
"مبروك يا حضرة الصحفية الهمامة. مبروك التحقيق الصحفي اللي كسر الدنيا. وذبح إنسان من غير ذنب."
"أديم أنا..."
حاولت قول أي شيء ليقول من بين أسنانه:
"أنتِ إيه؟ أنتِ شيطانة في هيئة ملاك. أنتِ أقبح إنسانة أنا عرفتها في حياتي. أنا بقيت بحتقرك يا ونس بحتقرك."
فتحت فمها لتقول شيئًا آخر لكنه قال بغلظة:
"أنا يا ونس أنا تعملي فيا كده؟ أنا اللي كنت مستعد أحارب عيلتي وظروفك وعادات المجتمع وأتجوزك. أطلع في الآخر سبق صحفي ليكي."
"ده شغلي يا أديم. مكنتش أتخيل إني هعجبك وتحبني."
قالت سريعاً تدافع عن نفسها. لكن الصدمة التي ارتسمت على ملامحه جعلتها تصمت. اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهم سوا خطوة واحدة وابتسم بسخرية وقال:
"شغلك؟! ومقولتليش أعجب بيكي وأحبك!"
لتتسع ابتسامته الساخرة وهو يقول بألم:
"من وقت ما شوفتك وأنا قلبي فتح ليكي بابه. من أول ما سمعت صوتك وحسيت إني محتاجك في حياتي وإني عايز أسقيكِ من حبي وحناني وأعوضك عن كل الجحيم اللي كنتي مصورالي نفسك عايشة فيه. لكن في الآخر أنا كنت مجرد شغل."
ضحك بصوت عالٍ نسبيًا. وهو ينظر إليها نظرة تحمل الكثير بين غضب وكره وحقد وغل وتوسل بأن يكون كل هذا مجرد كابوس. كابوس فقط يستيقظ منه ويجدها كما هي بريئة طاهرة.
وكانت هي تنظر إليه بعيون باكية لكن نظرتها قوية ثابتة رغم الألم الواضح فيها. ليقترب تلك الخطوة الفاصلة وهو يقول:
"لكن أوعدك من النهارده مش هتشوفي مني غير نار أديم الصواف. وبدل نعيم قربى هتشوفي جحيم فراقي. وأكيد بعد كل اللي عرفتيه عني عرفتي شكل جحيمي بيكون إزاي. وإن غضبي اللي كنت بمنع ظهوره أنتِ حررتيه. والبداية."
طرق على ساعته بأصبعه:
"هتبدأ من دلوقتي. والبادئ أظلم يا ونس."
وتركها وغادر بعد أن أهداها نظرة مستهزئة وابتسامة ساخرة. لتشعر أن قلبها تحطم ولن تبالغ أن قالت أنها سمعت صوت تحطمه. وكان هو يسير بثقة وثبات. عكس تمامًا كل ما يشعر به من الداخل. لكن أبواب الجحيم قد فتحت وليقف أمامها من يستطيع.
رواية ونس الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة مجدي
منذ الوهله الأولى شعر حاتم أن الجو مشحون جداً داخل المؤسسة.
لكنه سار بخطى واثقه حتى وصل إلى مكتبه.
وبعدها أمر بحضور القسم الخاص بالدعاية والإعلانات.
لقد إتصل به أديم وطلب منه أن يقوم بحمله إعلانيه ضخمه عن المشروعات الجديدة التي تم التعاقد عليها.
منها وضع أصحابها أمام الأمر الواقع وعدم المحاوله في إلغاء الإتفاق.
وأيضا أستغلال إيجابي لكل ما حدث.
وبالفعل تم الإتفاق خلال ساعه على شكل الدعايه المطلوب.
لكن ما أقلق حاتم فعلاً هو عدم وجود طارق في المؤسسة.
بماذا يفكر؟ وما هي خطوته القادمة؟ هذا ما يقلقه حقاً.
لكنه كان معه حق حين لم يطمئن قلبه لتلك الفتاة.
ها هي من طعنت أديم من خلف ظهرة.
وهي من سددت السهم القاتل له.
دلتفت السكرتيرة الخاصه به وأخبرته بصوت يرتجف أن أديم بيه يريده.
لم يهتم لحالها وغادر سريعاً متوجها لمكتب رئيس مؤسسة الصواف.
ودخل دون طرق ليجد أديم يجلس خلف مكتبه وأمامة كل المحامين.
"أنا عايزكم ترفعوا مجموعه قضايا على الجريدة والصحفية ومدير التحرير والموقع الإخباري."
أومأ المحامون بنعم.
ليرفع أديم سماعه الهاتف وقال بأمر:
"أبعتيلي رئيس قسم التكنولوجيا والإنترنت."
وأغلق الهاتف ثم أشار للمحامين أن يغادروا.
وهو يقول بأمر:
"عايز شغل من نار. عايز أسمع أخبار كويسة خلال أيام وإلا قسماً بربي لهتكون نهايتكم انتوا."
وكان حاتم يشعر بالإندهاش من تصرفات أديم لكنه لم يعلق.
طرقات على باب المكتب لحقها دخول رئيس قسم التكنولوجيا ليقول أديم مباشرة:
"الموقع إللي نشر الخبر النهارة وصفحه الجريدة مش عايز يبقى ليهم وجود. وأي حد يبحث عنهم تظهر قدامة حاجه واحدة بس أنه موقع مزيف وأنتحالي. مفهوم."
يومئ الرجل بنعم وغادر دون كلمه أخرى.
أقترب حاتم وجلس على الكرسي المواجه لأديم وقال:
"ما تفهمني أنت ناوي على أية؟"
نظر إليه أديم نظره أرعبته حقاً.
أول مرة يرى كل ذلك الشر على وجه صديقه.
لكن أديم مد يده بالهاتف تجاه حاتم وقال:
"شوف البورصة كده."
جحظت عيون حاتم وهو يرى التراجع الكارثي في البورصة للمؤسسة.
ليقول أديم بهدء رغم الغضب الواضح على وجهه:
"لازم نلحق الكارثه دي. طالما أتلعب بينا لعبه قذره أحنا كمان نرد أعتبرنا بلعبه قذره برده."
"بس يا أديم من الواضح أنهم عندهم دليل. دي عرفت إللي حصل هنا في المؤسسة." قال حاتم بتفكير.
ليمُد أديم يده بجهاز أسود صغير وقال موضحاً:
"كانت بتتصنت عليا. لقيته الصبح وأنا بلبس وقع من جيب الجاكت."
وقف حاتم والقلق يرتسم على ملامحه.
ليقول أديم بهدوء:
"متقلقش كل التسجيلات دي هتكون معايا خلال ساعات."
قطب حاتم حاجبيه بأندهاش وهو يقول:
"أزاي؟"
أبتسم أديم أبتسامة صغيرة.
وهو يتذكر ما حدث بعد أن ترك ونس.
"يسير بخطوات واثقه وقوية .. غير مهتم بالعيون التي تنظر إليه بين رهبه .. وأعجاب .. وبين تشفي وشماته .. لكنه توقف حين سمع صوت رجل يقول:
"يا فندم أحنا معانا تسجيلات بكل حاجة بأصواتهم يا فندم."
صمت الرجل ثوانِ ثم أكمل:
"التسجيلات على تليفون ونس وتليفوني وفلاشه محتفظ بيها في خزنة مكتبي."
"ليلتفت أديم ينظر إلى الرجل ثم أخرج هاتفه وألتقت صوره له. وأكمل سيره لكن عقله كان يعمل دون توقف. حين صعد إلى سيارته كان كل تفكيرة كيف يحصل على تلك التسجيلات. حين مرت من أمام سيارته ونس دون أن تنتبه إليه وصعدت إلى سيارتها ليلتقط صوره لسيارتها. والفكرة ترتسم أمام عينيه. أخرج هاتفه وأتصل بفيصل الذي أجابه سريعاً. ليقول له أديم:
"عايز أشوفك حالاً .. مستنيك في (…)"
"وأغلق الهاتف وتحرك بسيارته مصدرا صوتاً عاليا يشبه ذلك الصوت العالي داخل روحه وقلبه. وصل المكان الذي حدده وبعد ثوانِ توقفت سيارة فيصل خلف سيارته وترجل منها وهو يقول بقلق:
"أيه إللى حصل ده يا أديم؟ أنت كويس يا صاحبي؟"
"أومأ أديم بنعم وقال بجديه بعد أن أخذ نفس عميق:
"أنت فاكر صلاح سرنجة؟"
"قطب فيصل حاجبيه بأندهاش وقال بقلق:
"أه فاكرة .. بس أنت أيه إللي فكرك بيه؟"
"تقدر توصله؟" سأله أديم متجاهل سؤاله.
ظل فيصل صامت لعده ثوانِ ثم قال:
"أعتقد أقدر .. ثواني."
"أخرج هاتفه وبدء يبحث في الأرقام حتى وجد الرقم الذي يريده وأتصل به. وبعد عدة ثوانِ من حديث متبادل لم يهتم به أديم أقترب منه فيصل وهو يقول:
"هيجبولي رقمه .. ثواني وهيكون معاك."
"أومأ أديم بنعم دون أن يعلق. وأعتدل يستند على سيارته بهم. ليضع فيصل يده على كتف صديقة بدعم وقال:
"كان الله في عونك يا صاحبي. حملك تقيل."
"نظر إليه أديم لعدة ثوانِ بصمت ثم قال:
"مش شايف شماته في عينك يا فيصل."
"ليقطب فيصل جبينه بضيق وقال بغضب:
"شماته! أنت تعرف عني أني ممكن أشمت فيك يا أديم. وبعدين أشمت في أيه؟ أنت ذنبك أيه أصلاً؟ للأسف أنت بتدفع تمن غلط والدك رحمه الله. مكنتش فاكر إنك بتفكر فيا بالشكل ده يا صاحبي."
"قال الأخيرة بلوم وعتاب. ليبتسم أديم بحزن وقال بصدق:
"أنا عارف ومتأكد أنك مش كده. لكن الوجع إللى جوايا مش قادر أتكلم عنه يمكن يخف ويقل. قولت يمكن لو لقيتك شمتان فيا أضربك فخرج فيك شويه من غضبي."
"ليبتسم فيصل وهو يقرب وجه من صديقة وقال بمرح:
"لو يرضيك تشوه الوسامه المفرطه دي أتفضل."
"ليربت أديم على كتف صديقه بشكر. ليرتفع صوت هاتف فيصل فأجاب سريعاً وهو يملي الرقم لأديم. وحين أغلق فيصل الهاتف قال أديم برجاء:
"ممكن تفضل معايا."
"وافق فيصل فوراً. وأتصل بالشركة يبلغهم بعدم عودته وإلغاء كل مواعيده. أتصل أديم بالرقم ليجيبه صلاح بصوته الخشن ليقول له أديم مباشرة:
"معاك أديم الصواف. أنا منتظرك في العنوان (…). لو لسه على شغلتك القديمة إللي أنا عارفها كويس. ولو عايز تكسب قرشين حلوين يعيشوك ملك."
"أجابه صلاح أنه في الطريق من الأن وأنه في الخدمه دائماً. أغلق أديم الهاتف. ليجد نظرات فيصل كلها أندهاش وصدمه وعدم فهم ليقول بهدوء:
"لما صلاح يوصل هتفهم كل حاجة."
"أومأ فيصل بعدم فهم وخيم الصمت على الأصدقاء لعدة دقائق حتى قال أديم بأستفهام:
"عملت أيه مع كاميليا؟"
"قولتلها على الشقة. وشافت الصور إللي السمسار بعتها وعجبتها. والمفروض هنروح بعد الشغل علشان تشوفها." أجابه بهدوء موضح كل شيء. وأكمل قائلاً:
"كويس أنك فكرتني."
"وعاد يتصل بالشركة من جديد وطلب تحول المكالمة لمكتب كاميليا. وحين أجابته قال بهدوء:
"أستاذه كاميليا. أنا بعتذر جداً بس جالي شغل ضروري ويمكن أتأخر شويه. ينفع نشوف الشقة بعد المغرب."
"صمت يستمع إليها ثم قال:
"متقلقيش أنا هكلم السمسار وأعرفه."
"صمت من جديد ثم قال:
"تمام ان شاء الله. سجلي بقا رقمي. ورني عليا علشان أسجل رقمك وأقدر أكلمك."
"وأخبرها برقمه ليجدها ترن عليه في نفس اللحظة ليقو لها أخر أرقام هاتفها كنوع من التأكد ثم أغلق. ليجد أديم ينظر إليه بحاجبين مرفوعين. ثم قال بغضب مصطنع:
"بتاخد رقم بنت عمي وأنا واقف قدامك طرطور أنا؟!"
"ظل فيصل صامت ينظر أرضا بأدب مصطنع قائلاً:
"بس بقى متكسفيش يأ أديم."
"ليضحكوا سوياً. ببعض المرح القديم الذي كان يغلف حياتهم قبل كل تلك الهموم التي وضعت فوق أكتافهم قهراً."
بعد نصف ساعه كان يقف جوار دراجة بخارية وترجل منها صلاح بنفس هيئته القديمة.
شعر مشعث. وبنطال أسود وقميص مفتوح تحته تيشيرت أبيض اللون.
بين أصابعه سجارة غير بريئة.
حين وقف أمامهم قال بسعادة مبالغ فيها:
"أديم باشا. وفيصل باشا. والله زمان يا رجاله. ياااه رجعتوني لأيام زمان والله."
كان فيصل ينظر إليه وهو يتذكر كيف تعرفوا عليه.
"ذات يوم كانوا يجلسون في إحدى أركان الجامعه الهادئه نسبياً هو وأديم وحاتم وطارق يتحدثون عن أحد المواد ثم تطرق طارق للحديث عن إحدى الفتايات. وبدء في وصفها بشكل مبتزل. ليخرج فجأة شخص من الواضح أنه غير متزن وأمسك طارق من ملابسه وبدء يوجه له لكمات يحاول طارق تجنبها وأيضا الدفاع عن نفسه بتسديد لكمات مشابه. لكنهم تدخلوا أبعدوا ذلك الشخص عن طارق الذي أتضح أنها صديقته. وأنتهى الأمر ورحل ذلك الشخص. لكن بعدها تمت سرقتهم جميعاً. هواتفهم. ومحافظهم الشخصية. وسيارة طارق. وأتضح بعدها أن من فعل هذا كان ذلك الشخص الذي ضرب طارق. وتم التواصل معه وبطريقه أديم وسياسته ولباقته أستطاع إعادة كل شيء. ومن وقتها أصبح صلاح بشكل ما صديق لأديم وفيصل الذي كان مع أديم وهو يتحدث مع صلاح حتى يعيد إليهم أشيائهم."
أنتبه فيصل من ذكرياته على صوت أديم وهو يقول:
"أزيك يا صلاح عامل أيه دلوقتي؟"
"عندي عمارتين يا باشا وأجانس عربيات."
"لتبتسم أديم خاصه حين فتح فيصل فمه بصدمة. ليقول صلاح وهو ينظر في أتجاهه رافع كفه في وجهه:
"قول ماشاء الله في سرك يا فيصل باشا. العين فلقت الحجر."
"ليضحك أديم بصوت عالي ليغلق فيصل فمه وهو يقول:
"ماشاء الله يا سيدي. ده سرقه بتكسب كتير بقى."
"أوي يا باشا."
"عاد يفرد كف يده أمام وجهه. وهو يتمتم بشيء ما حتى يحميه الله من عين فيصل. لكنه نظر لأديم وقال:
"آآمر أمر يا باشا. خدامك."
"أعتدل أديم واقفاً وفتح هاتفه قال:
"شايف الراجل ده؟"
"أومأ صلاح بنعم. ليكمل أديم:
"شغال مدير تحرير جريدة (…). عايز التليفون بتاعة. وفي فلاشه في خزنة مكتبه كمان عايزه."
"ليشير صلاح إلى عينيه الأثنان. ليكمل أديم وهو يظهر صورة ونس:
"والبنت دي. ودي عربيتها. وبتشتغل في نفس الجريدة لكن أنا معرفش عنوان بيتها. عايز كمان تليفونه."
"ليحننى صلاح رأسه قليلاً بمعنى أوامرك مجابه. ليقول أديم من جديد:
"النهاردة يا صلاح. عايز الحاجة دي النهارة. ولو دلوقتي حالاً يبقى كويس."
"الرقم إللي كلمتني منه رقمك يا باشا." قال صلاح سريعاً ليوما أديم بنعم.
"لينظر صلاح إلى ساعته وقال:
"أديني ساعتين زمن وهرد عليك يا باشا. والموضوع برقبتي."
"وتحرك ليغادر ليوقفه أديم حين قال:
"ومكفأتك هتبقى كمان كبيرة لو صدقت معايا."
"ليلفت إليه صلاح وأبتسم وهو يشير له بتحيه السلام وصعد إلى درجاته البخارية وغادر. لينظر فيصل لأديم ليقص عليه كل شيء بهدوء شديد. ليومئ فيصل بنعم وقال بقوة:
"هما اللي بدئوا بالغدر. وأنت لازم تاخد تارك يا صاحبي."
"عاد أديم من ذكرياته ليبتسم حاتم وهو يقول:
"أنا حاسس أني أول مرة أعرفك يا أديم. لكن نخلص من الموضوع ده وبعدين نتكلم."
"أومأ أديم بنعم ولم يكد حاتم يغادر حتى أرتفع صوت هاتف أديم وأسم صلاح ينير الشاشه ليجيبه أديم سريعاً. وأتسعت أبتسامته مع كل كلمه يسمعها وقال بأمر:
"أستناني في (… ). أنا جايلك حالاً ومكفأتك معايا."
"وأغلق الهاتف ثم فتح الخزنة وأخرج بعض رزم المال ووضعهم في حقيبة صغيرة يحتفظ بها في مكتبه وغادر ليقول حاتم وهو يلحق به:
"أستنى أنا جاي معاك."
وصلت ونس إلى بيتها في حالة أنهيار.
ألقت كل شيء بيدها على أقرب كرسي ودلفت إلى غرفتها وألقت بنفسها فوق السرير تبكي بصوت عالي.
هي لا تشعر بأي أنتصار منذ اللحظة الأولى.
وأكمل أديم عليها بكلماته. أنه كان يحبها بصدق. وهي من حولت حبها بقلبه إلى ذلك الوحش الذي لن يهدء حتى ينتقم.
لكن عقلها عاد من جديد يقول لها بتحدي:
"(( مش هيقدر يعمل حاجة في معاكي الدلائل ))"
لكن يعود قلبها ويؤلمها من جديد ويلومها على خسارة حب كحب أديم شخص قادر.
خلق عالم لم تحلم يوما أن تعيش فيه.
لكنها أضاعت كل ذلك من أجل سبق صحفي.
وذلك السبق أضر بسمعته. وبمؤسسته.
كيف تتحدث دائماً عن شرف الصحافه وميثاقها.
وهي قامت بذلك العمل المشين.
وشجعها عليه من كان يتشدق بتلك الشعارات.
لكن حين وجد أن هناك سبق صحفي سيجعل جريدته تثير الجدل وترتفع مبيعاتها.
لم يتردد أو يفكر للحظة.
حتى حين طلبت منه أن يجنب السبق جزئيه نسب أديم رفض وبشدة.
عادت تبكي من جديد حتى ثقل جفنيها ونامت.
وهي من وقت لأخر تشهق بقوة.
وذلك سمح لصلاح بأداء مهمته بسهولة بعد أن عرف عنوانها من الجريدة عن طريق إحدى الفتايات التي تكرهها بشدة.
حين علمت شاهيناز بما حدث شعرت بالصدمة.
كيف هذا ومن هذة الفتاة التي تتحدث عن عائلتها بتلك الطريقة.
لكن ماذا عليها أن تفعل الأن.
هل تقف جوارهم وتنفي كل هذا أم تترك الزمن ينتقم لها.
لكن هي لن تقبل بذلك.
ذلك الإنتقام سيطول سمعتها ويعلم الجميع ما كانت تخبئه طوال تلك السنوات وما تحملت العذاب حتى تخفيه.
أمسكت هاتفها وقررت الإتصال بأديم الذي كان يقود سيارته متوجهاً إلى صلاح وجواره حاتم الذي لم يتوقف عن طرح الأسئلة وهو يتجاهله.
لكنه أوقف السيارة على جانب الطريق وهو يجيب:
"أهلا شاهيناز هانم."
ينظر إليه حاتم بصدمه. وتقطيبه جبين أديم تقلقه.
خاصه حين قال:
"حضرتك متصله علشان تشمتي وتشوفي أنتصارك."
"لم يكمل كلماته حين وصله صوتها تقول:
"أعمل مؤتمر صحفي يا أديم. وأنا هحضره وننفي كل الكلام ده. والبنت إللي عملت المقال ده والجريدة لازم يتحاسبوا."
"ينظر إلى حاتم وعيونه يرتسم بها عدم التصديق:
"حضرتك بتقولي أيه؟ يعني أنتِ عايزة تساعديني؟"
"شعر حاتم بالزهول. لكنه ظل صامت يستمع إلى ما يحدث حين قال أديم:
"تمام. هنفذ فوراً وسالي ونرمين كمان هيحضروا."
"أغلق الهاتف وعاد يدير السيارة ويتحرك بها وهو يقول:
"أنت مصدق أن شاهيناز هانم عايزة تساعدني."
"مش عايزة تساعدك يا أديم هي عايزة تساعد نفسها. مش عايزة فضيحتها تبقى على كل لسان. وكل الناس تعرف أن عمي كان بيخونها ومكنش مخلص ليها." قال حاتم كلماته ليهز أديم رأسه بنعم وهو يفكر في كلمات صديقة.
لكنه قال بهدوء:
"كفايه أن فكرتها هتوفر علينا حاجات كتير. مؤتمر صحفي ننفي فيه كل حاجة. والجريدة التانيه مفيش معاهم دليل. ونرفع القضايه. والحملة الإعلانيه. كمان غلق الموقع الخاص بيهم وصفحتهم وتوصيفهم بأنهم موقع أنتحالي. كل ده هيفيدنا صحيح مش هيوقف كل الألسن عنا. والموضوع مش هيتنسي بسهولة. لكن على الأقل. هنرجع هيبتنا تاني."
"صمت لثوانِ وشاركة حاتم الصمت. لكنه بعد ثوانِ قال:
"أتصل بالمؤسسة وخلي قسم الدعاية يجهز للمؤتمر النهاردة."
"بدء حاتم في تنفيذ ما قاله أديم. حين أوقف أديم السيارة وترجل منها سريعاً. ليبتسم صلاح وهو يمد يده بالأغراض وقال:
"أوامرك أتنفذت بالحرف يا باشا. بس أنا كمان لقيت الملف ده مع الفلاشة ولقيت عليه أسم عيله الصواف. قولت يبقى يخصك فجبته."
"فتح أديم الملف وعرف ما هو ونظر إلى صلاح وقال:
"أنت المفروض مكفأتك تتضاعف. لكن على العموم. خد دول. وقولي حسابك البنكي وأنا هبعتلك قده."
"ليمُسك صلاح المال بين يديه وقال:
"أبدا ما يحصل يا باشا. كفايه إني رجعت شوفتك من جديد. وشوفت الحلوين."
"قال أخر كلماته وهو ينظر إلى حاتم الذي ينظر إليه بأبتسامة صغيرة. ثم أومئ له بتحيه ليردها له صلاح لكن برفع يديه أمام رأسه. وعاد بتركيزه إلى أديم وقال:
"رقمي معاك يا باشا لو أحتجتني في أي حاجة. سلام."
"وغادر سريعاً. لينظر فيصل لأديم ليقص عليه كل شيء بهدوء شديد. ليومئ فيصل بنعم وقال بقوة:
"هما اللي بدئوا بالغدر. وأنت لازم تاخد تارك يا صاحبي."
"عاد أديم إلى سيارته. عائدون إلى المؤسسة لكنه نظر إلى حاتم وقال:
"محدش يعرف أن الحاجة دي معانا. ولا أي حد يا حاتم. مفهوم."
"مفهوم. متقلقش."
حين وصلوا إلى الشركة كانت القاعة الكبيرة تستعد لأستقبال الصحفيين وعلم من السكرتيرة أن شاهيناز بالداخل وأيضا سالي ونرمين.
دلف إلى غرفة المكتب لتركض الفتاتان إلى حضنه فقد كان القلق يقتلهم خاصةً وأنه لا يجيب على الهاتف.
وحاتم أيضا لم يطمئنهم.
بعد أن ظل يضمهم لعدة ثوانِ ويطمئنهم ببعض الكلمات.
أقترب من مكان شاهيناز ومد يده قائلاً بأدب:
"شكراً لحضرتك على حضورك وأستعدادك للمساعدة. مهما كانت دوافعك. شكراً."
"مدت يدها بكبرياء وقالت بأنف مرفوع:
"أسم الصواف لازم يفضل كبير وعالي. ومينفعش فضايحنا تتنشر قدام الناس."
"أومأ بنعم وتوجه إلى خلف مكتبه ونظر إلى حاتم وقال:
"طارق فين؟"
"مظهرش النهاردة خالص." أجابه حاتم بهدوء حذر.
ليقطب جبينه وهو يتذكر أخر موقف لطارق. وما حدث منه ليؤلمه قلبه كثيرًا.
حين شعر بأن تكون ونس قد أتفقت مع طارق وتكون هي اليد التي قرر طارق أن يقتله بها.
ليغمض عينيه بقوه وهو يود أن يصرخ بصوت عالي.
حتى يهدئ تلك النار التي تحرق قلبه.
رواية ونس الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة مجدي
رواية ونس الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة مجدي
ظل على جلسته بالسيارة لا يعلم ماذا عليه أن يفعل.
ما قرأه في تلك الرسالة قلب عليه كل الذكريات المؤلمة القديمة.
ال حادث التي أثرت على الجميع وأغلق الجميع أبوابه ووضعوا أقفال وأقفال حتى لا يفتح من جديد.
لكن القدر أراد له أن يفتح.
ولكن من هذا الشخص الذي يعلم كل شيء وشاهد أيضًا؟
أمن الممكن أن يكون الحارس الذي أختفى بعد الحادث بعدة أيام وقبل أن يستطيعوا أستجوابه؟
ماذا عليه أن يفعل الأن؟
أن ذلك الخطاب لم يوضح أي شيء سوا أنه يعلم ما حدث لنرمين ويعلم من فعل ذلك.
وأن ينتظر رساله أخرى منه.
نفخ بضيق.
وهو ينتبه للوقت وأن عليه الذهاب لمقابلة كاميليا.
وضع الخطاب جانبا وتحرك إلى المكان الذي أتفق عليه معها.
وقفت أمام سيارتها تنظر إلى فيصل بشكر وقالت بأمتنان:
"أنا مش عارفه أشكرك أزاي يا أستاذ فيصل."
أجابها بأبتسامة صادقة قائلاً:
"الحقيقة مش محتاجة تشكريني. أنتِ زي أختي وأكيد مكنش ينفع أسيبك لوحدك في ظرف زي ده خصوصًا وأنك لجأتي ليا. ولازم أكون قد ثقتك دي. وعايز أقولك أني موجود ديماً وفي خدمتك في أي وقت."
كانت نظرات الإعجاب واضحه في عيونها لكنه لم ينتبه لها.
ف حبه لنرمين يغلب كل شيء.
فأكمل سألاً:
"أمتى هتنقلي؟"
"بكره ان شاء الله."
أجابته بأبتسامة واسعه.
ليقول هو بصدق:
"لو أحتجتي أي حاجة أرجوكي متتردديش في أنك تكلميني. في أي وقت."
توردت وجنتيها بخجل أنثوي فطري وقالت بهمس:
"شكرًا."
صعدت إلى سيارتها وقبل أن تغادر رفعت يدها بسلام.
وفعل هو الأخر مثلها.
وبعد أن أختفت من أمامة أتصل بأديم يخبره بكل شيء.
ليخبره أديم أنه قادم إليه حتى يرى المكان والشقه.
حتى يطمئن بنفسه.
فوقف فيصل جوار سيارته ينتظره.
جلس حاتم على الجانب الخاص به في سريرهم الذي تركوه منذ أيام بحال وعادوا إليه بحال أخر.
أبتسم وهو ينظر إلى باب الحمام المغلق والذي يخبئ خلفه حبيبته.
قطعة من روحه.
اليوم وها هنا سوف يمحوا ذكريات قديمة مؤلمة ويخلق معها ذكريات جديدة حلوه مثلها وتشبه جمال روحها الذي أكتشفها.
كم هي هشه ورقيقة.
خرج من أفكاره حين سمع صوت الباب وهو يفتح وتخرج منه.
ملكة قلبه.
بهيئة مهلكه.
لم يتحملها قلبه ليغادر السرير وأقترب منها وعينيه تتأمل تفاصيلها.
من رأسها إلى أخمص قدميها المكشوفه.
مروراً بمنامتها الحريرية عسلية اللون التي تشبه لون عيونها.
قدها المغوي دون أي مجهود منها.
عطرها الذي ملئ صدره وجعله يشعر بفقدان عقله.
شفتيها المكتنزتان المطلية بلون وردي رقيق.
عيونها التي تنظر إليه بحب صادق مخلوط بخجل فطري.
وأكتملت الصوره بخصلات شعرها التي تحيط وجهها وكتفيها.
ليقول بصدق:
"طوال حياتي قلبي كان عاشق تفاصيلك. ومسلملك أمره. قربك نار وبعدك نار. ولما بقيتي حلالي. بقيتي هلاك قلبي وأنا شايفك قدام عيني وكل مشاعري بتنهار من جمالك إللي بيوجع قلبي وأنتِ حلالي وبعيد عني. ومش قادر أقرب علشان كرامتي. وبعد ما قربت ودوقت العسل المصفى من عيونك. مبقتش قادر أقاوم حُسنك ودلالك وجمالك المهلك ده."
كانت تستمع لكلماته بسعادة لا تستطيع وصفها.
أقتربت منه تلك الخطوه الفاصلة بينهم وحاوطت رقبته بذراعيها وهي تقول بصدق جعل قلبه ومشاعره الرجولية تثور بكل قوه:
"أنا إللي بقيت مش قادرة أقاوم حبك ولا كلامك. وقربك هو كل إللي بتمناه."
مع أخر حرف نطقته أقترب منها يقبلها بعشق ولهفه.
أبتعد عنها يحاول إلتقات أنفاسه وحتى يسمح لها هي الأخرى بألتقاط أنفاسها.
وهمس بأسمها لتنظر إليه بعيون مليئه بالحب.
ليحملها بين ذراعيه ووضعها على السرير وهو يقول بهمس:
"عايز أمحي ذكريات السنه إللي فاتت دي كلها يا سالي. عايز بس يبقى مفيش لينا في الأوضة دي غير الذكريات الحلوة. واللحظات الحلوة. إللي كلها حب ولهفه. إللي كلها مشاعر صادقة من قلبي وقلبك يا نن عين قلبي."
أومأت بنعم وهي ترفع رأسها تقبله بحب.
وبين كل قبله وأخرى تهمس بأسمه.
ليشتعل جسده بالرغبه.
والسعادة.
وترك نفسه ليغرق في بحور عشقها الناعمة الرقيقة.
وصل أديم إلى مكان فيصل وترجل من السيارة وهو يقول:
"المكان ممتاز. الشقة في أنهي دور؟"
قال أخر كلماته وهو ينظر إلى البناية التي يقفون أمامها.
شعر فيصل أن أديم به شيء غريب.
كان صباح اليوم ورغم الأزمة الكبيرة التي يمر بها هو وعائلته هادئ.
لكن الأن يبدوا عصبياً أو خائف. أو مصدوم.
أعتدل في وقفته واضعاً يديه فوق كتف صديقة وهو يقول بقلق:
"مالك يا أديم؟ أنت فيك حاجة مش طبيعية؟"
نظر إليه أديم بتشتت وعيونه بها ضياع.
أستشعره فيصل حد الرعب فقال بصدق:
"أحكيلي يا صاحبي أيه إللي تاعبك أوي كدة."
"تعالى نقعد في العربية. أنا حاسس أن رجلي مش شيلاني."
قال أديم بأرهاق واضح.
صحيح هو لن يخبر فيصل بقصة نرمين لكنه بحاجة للحديث عن قصة ونس.
عن حقيقته التي أكتشفها ولم يستطع حتى أخذ بعض الوقت لأستيعاب الأمر.
جلس فيصل جواره بالسيارة وهو يقول:
"الشقة في الدور الثالث وجمبها شقة مستشار. ودكتور جراحة بس معظم الوقت مسافر."
نظر إليه أديم للحظات بعدم أستيعاب ثم أومأ بنعم بعد
أدراكة أنه يتحدث عن شقة كاميليا وبالأساس كان يجيب على سؤاله الذي سأله في البداية.
خيم الصمت عليهم لعدة دقائق.
ظل فيصل صامت تماماً تارك المساحة الكافية لأديم حتى يستجمع نفسه ويقرر الحديث.
نفخ أديم الهواء من صدره.
ليشعر فيصل أن ما بداخل صدر صديقة حين يخرج من الممكن أن يحرق الأرض ومن عليها.
"عارف يا فيصل أحساس أن الدنيا كلها تتهد فوق دماغك مره واحدة. كل الثوابت إللي في حياتك تكتشف أنها ولا ليها أساس من الصحه. تكتشف أن أنت الشخص الغلط في المكان الغلط كمان. ويوم ما تلاقي المكان إللي ترتاح فيه وتحس فيه بالأمان والسعادة والراحة يكون أول مكان يطردك من غير رحمة. ولا شفقة. يجرح فيك بكل الوسائل. يدبحك من غير ما يسمي حتى عليك. أنا أتعمل فيا كده. أخدت مقلب حراميه في ثوابت أصولي. وقلبي لما دق دق للي قربت مني علشان تفضحني. وتركب ترند على قفايا وتحقق سبق صحفي. من إمبارح باخد كل قلم وقلم على وشي والمفروض إني لا أتأثر ولا أزعل ولا أضعف. وأفضل جبل ثابت. كأن معنديش مشاعر ولا أحاسيس."
أخرج كل ما بقلبه مره واحده وكأنه يتقيئ الألم الذي بداخله.
وقبل أن يقول فيصل أي شيء علا صوت هاتف أديم.
ليضرب مقدمه رأسة وهو يقول أزاي نسيتها.
وخرج من السيارة حتى يجيب عليها وأغلق الباب بقوة.
ليشعر فيصل بألم قوي على صديقه لكنه لا يعلم ماذا عليه أن يفعل حتى يخفف عن صديقه.
لفت نظره تلك الورقة المطوية أمامه على "طابلوه السيارة" خاصه وما عليه من حروف متفرقه وكأنها مقصوص.
مد يده بعد أن نظر إلى ظهر أديم المنشغل في محادثته الهاتفيه.
وبدء يقرأ ما كتب لتجحظ عيونه والحقيقة تضرب عقله كصاعقة رعديه أن لم تقتله سوف تسبب له عاهه مستديمة.
لكنه وضع الورقة مره أخرى في مكانها قبل أن يصعد أديم إلى السيارة وقال ببعض الحرج:
"لازم أمشي كاميليا مستنياني وأتأخرت عليها. هبقى أكلمك تاني ونتقابل."
أومأ بنعم غير قادر على النطق بكلمه وغادر السيارة بصمت.
ومباشرة إلى سيارته جلس بداخلها.
يشعر أن جسده منهك.
وروحه محطمة.
وقلبه يتألم.
حبيبته طوال حياتها تتألم تصرخ روحها طالبه للنجده.
وهو كان يظن نظراتها غضب وتعالي.
لكنها كانت تريد المساعدة.
لكن ماذا عليه أن يفعل الأن؟
وصل أديم المكان المتفق عليه.
وترجل من السيارة ودلف إلى المكان يبحث بعينه عنها.
ليجدها تجلس على إحدى الطاولات البعيدة نسبياً تنظر إلى هاتفها وبين يدها كوب قهوة.
جلس أمامها وهو يقول:
"أسف جداً على التأخير لكن زي ما قولتلك كان غصب عني والله."
وضعت الهاتف جانبا وهي تقول بأبتسامة رقيقة:
"ولا يهمك يا أديم المكان أصلاً مريح للأعصاب جداً. وأنت متأخرتش كتير."
قبل أن يقول أي شيء أقترب النادل يسأل أديم عن ما يرغب في تناولة.
لينظر أديم إلي كاميليا وقال:
"أنا مأكلتش حاجة طول اليوم تتعشي معايا؟"
أبتسامتها الرقيقة أتسعت وهي تقول:
"الحقيقة أنا كمان جعانه جداً."
ليبتسم وهو يملي على النادل ما يريدون.
ثم نظر إليها وهو يقول:
"ها بقى يا ست كاميليا. هتفهميني إيه إللي حصل؟"
أومأت بنعم وبدأت في سرد كل ما حدث منذ قرارها العمل حتى تخرج بره دائرة أوامر شاهيناز السلحدار.
وبره الدائرة المفرغه التي تعيش فيها بأسم عائلة الصواف.
ثم ما حدث منها حين علمت ما تنتويه شاهيناز وطارق.
وأخبارهم بكل شيء وخوفها من طارق ورد فعله الذي مازال يقلقها.
فهدؤه وصمته يقلق أكثر من كلامه.
وعصبيته.
وأخبرته عن موقف فيصل معها وما قام به كله.
وأخبرته عن عنوان بيتها الجديد.
وختمت كلماتها:
"لما تفوق من كل إللي أنت فيه أبقى هات نرمين وسالي وحاتم وتعالوا قضوا يوم معايا."
أومأ بنعم ثم قال:
"أسمعيني كويس يا كاميليا. للقدر الغريب. أنك من بين كل أصحاب الشركات تختاري صديق الدراسة والشخص الأكثر ثقة بالنسبة ليا ومن أول ما عرف أنتِ مين كلمني فوراً وكنت متابع معاه كل حاجة تخصك خطوة بخطوة. ما أكيد مش هسيب أختي الصغيرة وبنت عمي لوحدها كده من غير حماية. لكن كمان حبيت أسيب ليكي المساحه إللى تحسي فيها بالإعتماد على النفس. وأنك قادرة على كل حاجة."
أتسعت عينها بصدمة وهي تستمع لكلماته.
وقالت بصدمة:
"يعني هو شغلني لما عرف إني بنت عمك؟"
"لأ. هو عرف لما طلبتي منه الشقة يعني بعد ما عينك."
أجابها بهدوء.
ليخيم الصمت عليهم لعدة ثوانِ حين حضر النادل بالطعام.
وحين غادر أكمل قائلاً:
"في الحقيقة يا كاميليا أنا أحترمتك جداً بعد الموقف الأخير. وكل إللي حصل منك كبرك في عيني جداً. وعايز أعتذرلك لو في أي وقت من الأوقات زعلتك أو ضايقتك. أو جرحتك بأي شكل. وعايزك تعرف أنك عندي زي نرمين وسالي وده غصب عني مش بأيدي. قلبي مش ملكي للأسف. و والله لو كان قلبي بأيديا مكنتش هحب حد غيرك لأنك بجد تستاهلي كل خير."
تجمعت الدموع في عيونها لكنها قالت بصدق:
"أنت مش غلطان في حاجة يا أديم علشان تعتذرلي. أنا إللي سلمت وداني لطنط شاهيناز وصدقتها. أنا إللي عشمت نفسي بالوهم. وأفتكرت إنه ممكن يبقى حقيقة. لكن أنا دلوقتي فهمت وأدركت. وأخدت خطوة إجابية في طريق جديد. وأكيد سعيدة جدًا بوقوف أبن عمي معايا."
أبتسم براحه.
ها هو حمل من فوق أكتافه يسقط ويرتاح منه.
أخذ نفس عميق وقال:
"ناكل بقى؟"
"ناكل بقى."
ليبتسم الأثنان براحه وهدوء وعادوا إلى الثرثرة في أشياء كثيرة أثناء تناولهم للطعام.
حتى أنهم تناقشوا في الخطوات التي أخذها أديم بخصوص ما نشر.
وأخبرها عن ما سيحدث في الأيام المقبلة.
رواية ونس الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة مجدي
ظلت على جلستها أرضًا لوقت لا تعلمه.
لكن جسدها الذي يؤلمها من تلك الجلسة غير المريحة نبهها لمرور وقت طويل عليها.
آنت بألم وهي تعتدل واقفة وظلت تنظر حولها بتشتت.
وعقلها يسأل دون توقف: كيف أمتلكت القدرة على القدوم إلى هنا؟ وكيف استطاعت التنفيذ بعد التفكير؟
والإجابة واضحة: هي تثق في أديم أكثر مما تثق في نفسها.
هي تشعر جواره بالأمان.
هو الشخص الوحيد الذي شعرت تجاهه بهذا الشعور من بعد خسارتها لوالديها.
ولكن بغبائها خسرته.
اليوم ولأول مرة تشعر أنها فتاة شديدة الغباء.
وليس كما كانت تفتخر بنفسها بأنها تمتلك ذكاء ودهاء كبير.
لقد خسرت شيئًا ثمينًا مقابل شيء لا قيمة له.
وبعد عدة سنوات لن يذكره أي شخص سوى أنه فعل غير إنساني.
حقير.
انحدرت دموعها من جديد.
لكن ما الفائدة؟
الخسارة كبيرة.
ولو ظلت طوال حياتها تزرف الدموع لن يكفي.
جلست على الأريكة الكبيرة التي شاهدته نائم عليها آخر مرة بشكل طفولي وفوضوي.
وتمددت عليها تتلمس رائحته بين طياتها.
حتى استسلمت للنوم.
لكن وفي أحلامها كانت عيناه التي تنظر قديمًا لها بحب، الآن تنظر لها بغضب وكره.
ولم ترى حتى شفقة فيهم على حالها الآن ودموعها.
لتنحدر من عيونها المغلقة عدة دمعات.
وصدرت عنها شهقة خافتة تحطم القلب.
دلف فيصل إلى شقته والهموم فوق كتفيه كالجبال.
قلبه الذي سمع صوت تحطمه مازال يصم أذنيه حتى تلك اللحظة.
يريد أن يفهم.
يريد أن يعرف كل شيء.
يريد أن يضمها إلى حضنه ويخبئها بين ضلوعه.
يريد أن يأخذ ثأرها.
أن يلقن ذلك القذر درسًا بيده.
أن يقتلع عينيه التي نظرت إليها بشهوة.
ويقطع يديه التي تجرأت عليها.
ويشوه وجهه كما شوه قلبها بندوب الألم والحسرة.
جلس بتهالك على أقرب كرسي واضعًا رأسه بين كفيه.
والأفكار داخل عقله لا تهدأ أبدًا.
ماذا عليه أن يفعل؟
عليه التفكير جيدًا والتحرك سريعًا.
هو لن يتحمل أكثر من ذلك.
عاد أديم إلى قصر الصواف بنفس الطريقة التي غادر بها.
بعد أن اطمأن على كاميليا.
واتفقوا على الكثير من الأمور.
عند أول خطوة له بعد البوابة الداخلية وصله صوت طارق يقول:
- وبعد كل الفضايح دي حضرتك سمحتيله يرجع القصر تاني؟ أزاي يا طنط؟
- علشان بتفكر في مصلحة كيان واسم العيلة. مش زيك مش بتفكر غير في نفسك.
وبصوت شاهيناز التي كانت تظن أنها أجابته، كانت تلك أجابة حاتم الذي يقف عند السلم.
ليقول أديم ببعض الغرور:
- وبعدين أنت مالك أصلاً؟ أي حاجة داخل عيلة سراج الصواف محدش مسموح له يدخل فيها. المعنيين بالأمر بس هما اللي ليهم الحق. وأقصد هنا بكلامي حاتم. لأنه جوز سالي. لكن أنت يا طارق تدخل ليه؟ ومحموق أوي كده ليه؟
وقف طارق ينظر إليه بغضب مكتوم وبداخله نار تشتعل.
معنى وجود أديم هنا أنه لم يرى رسالته.
وأن مخططه سوف يؤجل.
وذلك يثير غضبه.
خاصة بعد موقف شاهيناز الذي شعر به مائع وليس له معنى.
هو كان يريد أن تستغل فرصة الفضيحة وتأكدها حتى يقضي على أديم تمامًا.
لكن كما العادة الظروف جميعها تتحالف ضد رغبته.
ودائماً ينجح أديم في التغلب على كل شيء ويحصل على كل شيء.
لكنه لن يظل صامتًا أكثر من ذلك.
ولو كان ما تبقى أمامه فضيحة أكبر أو حتى سفك الدماء.
ابتسم لأديم ابتسامة صفراء يملؤها التحدي وغادر دون أن يضيف أي شيء.
ليُلقي أديم التحية على شاهيناز وأقترب من حاتم وقال:
- تعالى ورايا على أوضتي. ضروري ولوحدك.
وصعد درجات السلالم وأكتافه مهدلة من كثرة الحمل الذي وضع فوقها دون رحمة.
ليتوجه حاتم إلى المطبخ يخبرهم بما غادر غرفته من أجله وعاد إلى الطابق العلوي ولكن إلى غرفة أديم.
لكن حين مر من أمام غرفته تذكر كلمات سالي الأخيرة:
- نفسي في أكل شعبي يا حاتم. فول وطعمية. وجبنة قديمة وجرجير.
ليبتسم رغماً عنه وهو يتذكر رد فعله حين ظل ينظر إليها بصمت وكأنها لم تقل شيئاً.
ثم قال بهمس مستفهم:
- هو أنتِ قلتي أيه يا سالي؟
- قلت عايزة فول وطعمية وجبنة قديمة وجرجير.
أجابته بنفس الهمس.
ليرفع حاجبه بأندهاش ثم رفع كفه يتحسس جبينها قائلاً بقلق:
- أنتِ سخنة يا حبيبتي؟ وبعدين أنتِ مين؟ فين سالي؟
وأبتعد عنها قليلاً ينادي بصوت عالٍ:
- سااااالي. ساااااالي.
لتضحك هي بدلال وأقتربت منه أكثر وكأنها سوف تبلغه بسر نووي:
- أصل ماما لو عرفت إني طلبت الحاجات دي ممكن ترميني من الشباك عادي. وأنا نفسي فيهم أوي.
ليضمها إلى صدره بحنان وقال بصدق:
- طول ما أنا موجود مفيش حد ممكن يأذيكي حتى والدتك. وكل اللي نفسك فيه يتحقق في التو واللحظة.
وغادر الغرفة حتى يطلب من العاملين بالمطبخ تحضير كل ما طلبته سالي ووضع هو لمسته السحرية المميزة.
لكن ما حدث بالأسفل جعله يشعر بالضيق.
وهيئة أديم وصوته زاد من قلقه وخوفه.
طرق على باب غرفة أديم وسمعه يسمح له بالدخول.
ليسقط قلبه أسفل قدميه حين وجده يجلس أرضًا يستند إلى الحائط ويخبئ رأسه بين ذراعيه المستريحين فوق ركبتيه.
ليدلف إلى الغرفة وأغلق الباب بسرعة وأقترب يجلس أمامه وهو يقول بقلق وتوتر:
- في أيه يا أديم؟ أيه اللي حصل؟
لم يتحرك. أو يتكلم. ولكنه حرك يده حركة بسيطة لينتبه حاتم للظرف الأبيض الذي بين يدي أديم.
ليأخذه وفتحه بلهفة.
لتجحظ عيناه وهو يقرأ ما كُتب بتلك الطريقة الغريبة التي تشبه أفلام العصابات الأجنبية:
(( لو قدرت تداري على الفضيحة الأولى فأنا بقى عارف الفضيحة التانية. وكنت شاهد على اغتصاب أختك وعارف إللي عملها ودور الشرف إللي كلكوا عايشين فيه. بكلمة مني هيتفضح. أستعد علشان إللي جاي مش هيبقى سهل أبدا. ليا شروط وأنت هتنفذها. وإلا المرة دي عيلة الصواف مش هيقوملها قومة ))
- مين إللي بعت الكلام ده؟
سأل حاتم بصدمة وعدم إدراك.
لينظر إليه أديم بعيون زائغة وقال:
- معرفش. لا في عنوان ولا اسم ولقيت الجواب ده قدام باب شقتي.
خيم الصمت عليهم والصدمة لا تزال ترتسم على ملامح حاتم الذي يشعر أنه فقد النطق والمنطق.
ولم يعد لديه عقل يفكر به.
وظل أديم ينظر إليه والحزن ينطق من عينيه خاصة مع تلك الدمعات التي لمعت داخل عينيه دون أن تغادرها.
في صباح اليوم التالي كان الجميع في حالة عدم توازن.
لكنهم أبداً لم يتخيلوا المفاجآت التي تنتظرهم.
وأولهم طارق الذي كان يجلس على طاولة الطعام وبداخله إحساس بالانتشاء.
رغم فشل استغلاله لما حدث بالأمس.
لكن مازال لديه الكارت الرابح الذي سيستطيع به أن يضع الجميع أسفل قدميه يتوسلون له أن ينقذهم جميعاً.
وأولهم تلك المغرورة التي لم تلقي عليه حتى الصباح.
ولم تنظر إليه ولو لمرة.
لكنه انتبه لغياب كاميليا عن التجمع فقال لإحدى الفتيات العاملات:
- أطلعي نادي كاميليا علشان الفطار.
ليبتسم أديم بسخرية وهو يقول:
- هو أنت متعرفش أختك فين يا طارق باشا؟ صحيح هتعرف أزاي وأنت مش شاغل نفسك غير بيا أنا بس. وأزاي تكسرني وتاخد كل اللي ليا ويبقى ليك.
احتقن وجه طارق بغضب كبير وهو يضرب سطح الطاولة قائلاً بصوت عالٍ:
- هو أنت عايز تعمل بطل حتى بيني وبين أختي؟ كاميليا هتكون فين يعني؟ يا في أوضتها أو في البيسين بتتمرن.
ليضحك أديم بصوت عالٍ أمام نظرات الجميع بين المندهش.
وبين السعيد بموقف طارق المخجل.
وبين الجاهل المنتظر أن يعلم.
ليضرب طارق الطاولة مرة أخرى وقال:
- أنت بتضحك على أيه؟
وترك الطاولة وهو ينادي على كاميليا بصوت عالٍ.
ولو كانت كاميليا موجودة بالبيت لانتفض جسدها رعباً بسبب صوت أخيها الجهوري.
لكن أديم تحرك من خلف الطاولة بهدوء وقال ببرود:
- كاميليا سابت قصر الصواف من أكثر من ثلاث أيام يا طارق. من اليوم اللي كشفت لعبة شاهيناز هانم معاك. ومن نهار الاجتماع اللي الحقايق كلها بانت فيه.
زاد احتقان وجه طارق وهجم على أديم حتى يضربه.
لكن حاتم وقف بينهم يحول بين وصول طارق لأديم الذي قال ببرود:
- عايز تعمل عليا أنا راجل. وأنت كنت السبب الأول اللي خلا أختك تخرج برى القصر ده. خوفها منك ومن غضبك إللي عامي عنيك. الغل والغضب إللي بيحركك خلاها تعتقد أنك ممكن تأذيها. وعلشان كمان تخرج بره دايرة التفاهة والعالم المخملي اللي مبقاش له أي داعي في أيامنا دي وإللي شاهيناز هانم كانت بتحاول تفرضه عليها.
ظل طارق ينظر إليه بغضب مكتوم وقال من بين أسنانه:
- هي فين؟
- وهو أنت فاكر أني هقولك يا طارق؟ كاميليا زيها زي نرمين وسالي عندي. وزي ما عمري ما هسمح حد يفكر يأذيهم عمري ما هسمح ليك إنك تقرب منها.
أجابه أديم بهدوء شديد وهو يضع يديه في جيب بنطاله.
تحرك طارق مغادرًا بعد أن دفع حاتم بقوة.
ولكنه قبل أن يغادر قال بغضب:
- صدقني إللي حصل ده مش هيعدي بالساهل وهدفع عيلة الصواف كلها الثمن. وصدقني من النهاردة مش هيقوملكم قومة.
لينظر كل من حاتم وأديم لبعضهما بعضاً بشك.
لكن كل منهم لم يستطع البوح بما يظن.
لم يستطع الانتظار.
سوف يذهب إليه الآن.
وينهي الأمر.
هو لن يقف يشاهد من يحاول أذيتها للمرة الثانية دون رحمة.
ويظل هو في مكانه مكتوف الأيدي.
تلك المرة سيكون بالمرصاد لمن يفكر في ذلك.
وبعمره سيفديها.
كان ينظر إلى هيئته في المرآة.
وهو يتذكر كل الأفكار التي كانت تدور في عقله بالأمس.
لكن حبه الكبير تغلب عليها جميعاً.
وجملة واحدة تتردد داخل عقله: هي ليست مذنب.
هي ضحية.
والضحايا لا يدفعون الثمن.
الضحايا يجب تعويضهم ومداواة جروحهم.
والاعتذار لهم إذا لزم الأمر.
وهذا ما سيقوم به.
سيقبل بين عينيها.
ويديها.
ويرجوها أن تغفر له غيابه وبعده وتأخره عليها.
سوف يتوسل لها حتى يمحوا ذنبه في التخلي عنها خلال تلك السنوات التي مرت.
وتركه لها في تلك المعاناة بمفردها.
وصل أمام قصر الصواف ليوقفه الحارس يسأله من هو وماذا يريد.
وبعد عدة دقائق أشار لباقي الحراس أن يفتحوا البوابة وسمح له بالدخول.
بعد أن أخذ إذن أديم.
الذي اندهش بشدة لحضور صديقه في هذا الوقت.
ماذا يريد الآن؟
هل حدث شيء ما لكاميليا؟
هذا ما كان يفكر فيه طوال فترة انتظاره لفيصل.
الذي دلف إلى غرفة المكتب بهيئة تخطف الأنفاس حقاً.
يرتدي بدلة رسمية مميزة.
وعطره فاح في كل أرجاء القصر حتى أن الفتيات علقوا عليه.
وملامح وجهه الوسيمة تبدو عليها الجدية.
لكن القلق مازال يملئ قلب أديم فقال بخوف:
- هو حصل حاجة لكاميليا يا فيصل؟
وقف فيصل مكانه مصدوم من سؤال أديم وقال ببلاهة:
- هو أنا هشوف كاميليا فين دلوقتي؟ أنا جاي علشان في موضوع شخصي عايز أكلمك فيه.
التف أديم حول المكتب حتى أصبح يقف أمام صديقه وقال:
- خير يا ابني قلقتني.
- أديم أنا جاي أطلب إيد أختك الآنسة نرمين على سنة الله ورسوله. وقبل حتى ما تفكر إذا كنت هتوافق أو ترفض. أنا عارف كل حاجة وموافق. تارها بقى تار.
لتجحظ عيون أديم بصدمة وزهول وعقد لسانه ولم يستطع الرد خصوصاً وهو ينظر لمن يقف خلف فيصل ووصله كل ما قيل.
رواية ونس الفصل العشرون 20 - بقلم سارة مجدي
الفصل العشرون من ونس
- أديم، أنا جاي أطلب أيد أختك الأنسة نرمين على سنة الله ورسوله. وقبل حتى ما تفكر إذا كنت هتوافق أو ترفض، أنا عارف كل حاجة وموافق. ثأرها بقى ثأري.
لتتسع عيون أديم وهو ينظر إلى ما خلف فيصل، نرمين التي تقف عند باب المكتب تنهمر الدموع من عينيها، وجسدها ينتفض بقوة. هي لا تستطيع تحمل كل هذا. فيصل، ذلك الشاب الأسمر الوسيم، صديق أديم التي كانت تراهم دائماً معاً، التي كانت تشعر بهيبته، وكم هو مميز. يعلم كل ما مرت به، يريد أن يتزوجها، يريد أن ينتقم ممن آذاها. يخبر أخاها بكل قوة وثبات أن ثأرها هو ثأره.
قبل أن يقترب منها أديم، ركض إليها فيصل ودعم وقفتها دون أن يلمسها. لكن قدميها لم تعد تحملانها، فسقطت على ركبتيها ليجلس هو الآخر أمامها ويداه تحيطان بها لكن دون لمس. وقال وهو ينظر إلى عينيها التي تذرف الدموع دون توقف:
- أيوه يا نرمين، ثأرك هو ثأري. أنتِ تخصيني أنا بس. من أول يوم شوفتك فيه قلبي خرج من صدري وبقى بين إيديكي. طول عمري بدعي بيكي في كل ركعة. سافرت واشتغلت وجمعت فلوس عشان أفتح شركة وأليق بيكي وبعيلة الصواف. أنتِ يا نرمين غالية أوي وغالية. حلمت بيها في كل لحظة، وقلبي محبش ولا هيحب غيرك. تقبلي تتجوزيني؟
كان أديم يستمع لكلمات صديقه والدموع تتجمع في عينيه. قلبه يئن من الألم على أخته وعلى الحب الذي يحمله صديقه لها. يشعر أن بداخله اطمئنان وراحة، فأخته ستكون في يد أمينة مع من يصونها، يحفظ سرها. سرها؟ من أين عرف فيصل بسر نرمين وما حدث معها؟ ظل السؤال يدور في رأسه دون إجابة.
بينما كانت نرمين تبكي بصوت عالٍ، تريد أن تصرخ حتى يسمع كل العالم صوت صراخها الذي كتم بداخلها لسنوات وسنوات. لكن لم يكن في إمكانها سوى البكاء الذي شاركها فيه فيصل. رغم كبريائه ورغبته في أن يدعمها لا يضعفها، لكنه لم يتحمل دموعها وألمها، ليقول بقوة وصدق:
- أوعدك أجيبلك حقك. أوعدك أنتقملك. أوعدك أخليكي تبكي من السعادة وأنتِ بتشوفي حقك بيرجعلك. وده وعد مني، وأنا عمري ما خلفت وعد.
ليقترب أديم منهم ويربت على كتف صديقه وهو يقول ببعض المرح حتى يهدأ الوضع:
- يا أستاذ، مينفعش كده أخوها واقف.
ليرفع فيصل عينيه لأديم وقال برجاء:
- هتجوزهالي؟
ظل أديم صامتاً لعدة ثوانٍ وعقله يخبره أن هذا أفضل حل. أولاً، فيصل يحب نرمين بشدة وهذا واضح ولا يستطيع أحد إنكاره. ثانياً، إذا كان من أرسل الرسالة ينوي عمل فضيحة بأي شكل، فزواجها ينفي أي شيء ويهدم تلك الإشاعة في مهدها. والأهم من كل هذا، أنه سيطمئن عليها مع فيصل كما يطمئن على سالي مع حاتم. لكن العقبة الوحيدة الآن هي شاهيناز هانم. لكنه نظر إلى صديقه وأومأ بنعم وقال موضحاً:
- لو هي وافقت عليك.
كل هذا ونرمين تتابع حديثهم بصمت رغم بكائها التي تحاول كتمانه بيديها. لينظر إليها فيصل من جديد وقال برجاء:
- موافقة؟
نظرت إلى أخيها الذي شجعها بعينيه، لتعود وتنظر إلى فيصل وأومأت بنعم ليبتسم وحرك قبضتيه في الهواء قائلاً:
- yes
ليضحك أديم وهو يقول بمرح موجهاً حديثه لأخته:
- ده طلع أهبل.
لتضحك من بين دموعها. ليمد أديم يده لها، لتضع يدها في حضن يد أخيها وألقت بحملها كله عليه حتى تستطيع الوقوف. ليضمها إلى صدره بحنان، وظل فيصل على جلسته أرضاً، ينظر إليهم بضيق ثم قال:
- طيب وأنا مش هتمد إيدك تساعدني يا صاحبي. لينظر له أديم بتقزز وقال:
- أنت مين أصلاً؟
ليضحكوا ثلاثتهم. وبعد عدة دقائق وبعد أن هدأت نرمين تماماً قال أديم:
- ممكن تطلعي وتنادي حاتم. وياريت محدش يعرف أي حاجة من اللي حصلت هنا دلوقتي. ماشي.
قال كلمته الأخيرة وهو يربت على وجنتها بحنان، لتومئ بنعم، وغادرت غرفة المكتب بعد أن نظرت إلى فيصل بخجل. وبادلها هو النظرات بحب. وبعد أن أغلقت الباب، ارتسمت البسمة على ملامحهم، لكن فيصل سبق أديم وقال موضحاً:
- أكيد عايز تعرف عرفت منين. مش كده؟
أومأ أديم برأسه إيماءة صغيرة ليقول فيصل موضحاً:
- أنا قريت الرسالة اللي وصلتك. بالصدفة في عربيتك إمبارح لما نزلت ترد على كاميليا.
لم يعقب أديم، لكنه قال مستفهماً:
- ليه متقدمتش لنرمين من أول ما حسيت إنك بتحبها؟ في كلامك معاها دلوقتي أنت تقريباً بتحبها من وإحنا في الجامعة؟
ابتسم فيصل بحزن وقال بصدق:
- كنت محتاج أكون أستحقها، وأليق بيها يا صاحبي. لأنها تستحق كل حاجة حلوة في الدنيا وتستاهل أحسن راجل في الدنيا.
- وأنت أحسن راجل في الدنيا يا فيصل.
قال أديم بصدق وفخر، ليبتسم فيصل وهو يشكر صديقه بكلمات غير مفهومة. حين دلف حاتم وهو يقول بمرح:
- يا أهلاً يا أهلاً أستاذ فيصل ليك وحشة والله يا راجل. هو أنت أصلاً لسه فاكرنا يا واطي.
ليضحك فيصل وهو ينظر إلى أديم وقال بزهول:
- إيه الهجوم ده؟ في إيه؟
- أصله ميعرفش حاجة يا ابني. اصبر لما يعرف وأوعدك أنه هيضربك.
ليضحكوا جميعاً بمرح الأصدقاء القدماء، حين لم يكن أي منهم يحمل هم سوى أن ينجح في دراسته ويحقق حلمه بالتخرج.
جلسوا جميعاً وقص أديم كل ما حدث، ليبتسم حاتم بفخر ويربت على كتف فيصل ببعض القوة وهو يقول بسعادة:
- ألف مبروك يا فيصل. بجد مش هتلاقي زي نرمين. ولازم تعرف أن اللي حصل ده كان غصب عنها وكانت صغيرة و...
لم يدعه فيصل يكمل حديثه وقال بغضب وقوة:
- أنا مش محتاج منك تبرير يا حاتم، وإلا مكنتش جيت أطلب أيدها من غير ما أسأل أصلاً عن تفاصيل.
ونظر إلى الاثنين بتحذير وقال:
- والموضوع ده ما يتفتحش غير لما نلاقي اللي عمل كدة، عشان آخد ثأرها.
- ناخد يا فيصل، ناخد. أختي أنا لازم أجيب ليها حقها. حتى لو أنت بحبك ليها وبما إنها هتبقى مراتك، ليك حق أنا كأخ ليا كمان حق وهي ليها حق عندي.
ليقف حاتم وقال بإقرار:
- أنا كمان ليا حق. نرمين بنت عمي وزي أختي وأخت مراتي وخالة ولادي إن شاء الله وليا أنا كمان حق.
ليقول أديم بمرح:
- الله يكون في عون اللي عملها. ثلاث ثيران هينتقموا منه. أنا لو منه أموت نفسي قبل ما نوصله.
- بس نوصله.
قالها فيصل بغل وغضب مكتوم، ليقول أديم بإقرار:
- هنوصله. هو بدأ يكشف نفسه.
.....................
فتحت عيونها رغم عدم رغبتها في ذلك. أن جسدها يئن بألم، فتلك الأريكة غير مريحة أبداً. كيف كان ينام عليها؟ فرغم جسدها الضئيل لم تشعر بدقيقة راحة على تلك الأريكة، لكنها لم يكن عندها طاقة أو قدرة على التحرك والمغادرة وكأنها تتلذذ بالألم، حتى يغلب ألم جسدها ألم قلبها وروحها. ظلت جالسة تفكر ماذا عليها أن تفعل، وما سيؤول إليه حالها، فما عرفته عما ينتظرها من عقاب قانوني يكفي أن يقضي على حياتها بالكامل. نفخت بضيق وهي تفكر، هل حقاً سيستمر أديم في تلك القضية؟ هل سيزج بها في السجن؟ ومن أين ستأتي له بالتعويض الذي سيطالب به؟ فمؤكد عائلة الصواف لن تتهاون في إظهار قدراتها، وإثبات عكس كل ما كتبته في المقال. انحدرت دموعها وقلبها يذكرها بالأهم وهو خسارتها لأديم نفسه. هل حقاً خسرته وللأبد؟ أم أن ما زال أمامها فرصة لكسب حبه وقلبه من جديد؟ هل تذهب وتسلم نفسها للشرطة؟ هل سيثبت له هذا أنها تحبه حقاً، وتريده دون أي مصلحة، وأنها أدركت صحيح مؤخراً، لكنها أدركت أنها تحبه.
شعرت فجأة باليأس فعادت تتمدد على الأريكة من جديد والدموع تغرق عينيها، لكن عقلها ظل يلاعبها وهو يقول لها:
أين ونس القوية القادرة على كل شيء؟ ونس التي ظلت تخطط لشهور كيف تقتحم حياة أديم الصواف وتكسر تلك الهالة التي تحيط به. ونس التي تحولت من الفتاة القوية لتلك الخانعة حتى تقنع ابن الصواف بكونها فتاة فقيرة ومسكينة وليس لها أحد سواه. تلك الفتاة التي تغلبت على أسطورة عائلة الصواف وكشفت دواخلهم وحقيقتهم. ليناطح قلبها عقلها وهو يصرخ حتى كاد يغادر تجويف صدرها: كيف تتباهين بخيانتك، وكذبك؟ كيف تصفين كل هذا وكأنه انتصارات تستحق أن تحصلي لها على وسام؟ لابد أن تشعري بالخجل مما فعلت وخطت. لقد جرحت قلب أحبك بصدق، وجد فيكي أمان وحياة، وواحة خضراء وسط صحراء حياته. شربك ماء وسط الجفاف العاطفي الذي عاش فيه طوال حياته. مع من شعر بنفسه وبحريته، وكان مستعداً لكسر كل القيود وتحطيم تمثال العادات. لكنك بكل قوة ذبحت وريده بسكين بارد، حطمتي قلبه أسفل قدميكي ودعستي فوقه دون رحمة. والآن تفتخرين؟ عار عليك.
لتشهق من كثرة البكاء، وهي تصرخ بصوت مكتوم:
- خاينة.. خاينة يا ونس. متستحقيش أي حاجة. تستحقي بس إنك تاخدي جزائك. تستحقي العقاب وبس.
وخبأت وجهها في وسادة الأريكة تكتم صرخات روحها وقلبها وكذلك دموعها.
.........................
صعدت نرمين إلى غرفتها مباشرة بعد أن أخبرت حاتم بطلب أديم له. لم تكن في حالة تسمح لها بالجلوس مع أحد أو التحدث. هي فقط تريد الصمت والتفكير. تتذكر كل ما قاله فيصل، كلماته، أفعاله، الحزن المرتسم على ملامحه بسبب ألمها، وأيضاً قوته في التمسك بها. رغم رقته المفرطة والتي ظهرت في التوسل لها بأن تقبل به، ولا ترفض وصاله، وحبه، وأن تعطيه فرصة للأقتراب منها، وتحقيق حلمه الذي ظل يدعو به طوال حياته. هي لا تصدق حتى تلك اللحظة أن هناك من يحبها بتلك الطريقة المميزة. كيف كانت ترى أن طارق ما يحمله لها هو الحب الذي تتمناه؟ أين كان فيصل هذا الذي رسم لها طريقاً جديداً؟ ورغم صعوبة السير فيه إلا أنه ممهد ببعض الورود. وقفت أمام المرآة تنظر إلى وجهها وأثار الدموع التي ما زالت عالقة فوق رموشها، لكن ارتسمت فوق شفتيها ضحكة بسيطة أنارت عينيها. لكنها انتبهت لنفسها حين سمعت طرقات على باب غرفتها وأديم الذي أطل من الباب ينظر إليها بحب، وقال: ينفع نتكلم شوية؟ أومأت بنعم، ليدلف ويغلق الباب خلفه ويجلس على الأريكة وأشار لها أن تجلس بجواره. اقتربت منه بخجل، هي تعلم جيداً ما سيقوله ورغم خجلها إلا أنها حقاً تشعر بالسعادة. ظل ينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة ناعمة ثم قال بعد أن أمسك يدها يضمها بين يديه:
- عايز أعرف رأيك في طلب فيصل.
علشان أشوف هفاتح شاهيناز هانم ولا لأ.
أسبلت عيونها بخجل فطري، ليمد يده أسفل ذقنها يجبرها على النظر إليه وقال بهدوء:
- لو عايزة رأي أخوكي.. هقولك أنا بثق في فيصل جداً. راجل حقيقي.. محترم وقد كلمته.. مخلص ودغري.. متربي وعلى خلق.. بيصلي.. ملتزم بدينه.. بيحبك.. ومش شايفك مذنبة.. الغريب أنه شايف هو المذنب.
نظرت إليه بأندهاش ليقول موضحاً:
- شايف أنه كان لازم يكون جنبك ويحميكي بعمره.. ولا كان يطولك أذى.
لمعت الدموع في عيونها ليربت على وجنتها وقال بصدق:
- أنا هبقى مطمن عليكي وأنتِ معاه.. زي ما أنا مطمن على سالي مع حاتم.
عاد يربت على يديها وهو يكمل كلماته:
- الجواز مش بالفلوس ولا بالمركز الاجتماعي.. صحيح دي كلها حاجات مطلوبة.. لكن الأهم هما الأشخاص نفسهم.. الراجل اللي بجد هو اللي حتى لو ظروفه صعبة عمره ما يهين مراته ولا يتعبها.. قدر استطاعته.. وهي عشان هو راجل حقيقي معاها هتتحمل أي صعب يمر عليهم.. عشان هتلاقيه يستحق ده.. زي كده ما حاتم بيدعم سالي في كل اللي بنمر بيه.. رغم أن هو كمان محتاج اللي يدعمه.. لكن بالنسبة له هي رقم واحد حتى قبل منه وقبل أي حد في الدنيا.. وفيصل هيكون كده.. نظرة عينيه ليكي النهارده بتقول كده وأكثر كمان.
ظلت صامتة تنظر إليه بعيون تلمع.. لا يعلم هل هي دموع أم سعادة لم يراها في عيون أخته منذ سنوات.. ليقول مرة أخرى:
- ها إيه رأيك بقى.. عندك استعداد تديله فرصة؟
أومأت بنعم ليبتسم وهو يقترب يقبل جبينها قائلاً بسعادة:
- مبروك يا حبيبتي.. بس عايزك تستعدي لمواجهة شاهيناز هانم.
- مستعدة.. مش أنت معايا يبقى خلاص.
قالت بصدق وقوة ليضمها بحنان إلى صدره وقال بإقرار:
- دايماً معاكي وجمبك.
***
كان علاء يقف أمام وكيل النيابة في حالة يرثى لها.. ووكيل النيابة لا يتوقف عن إلقاء الأسئلة ليقترب علاء من المكتب وقال بصوت باكي:
- يا سعادة الباشا أنا قلت لحضرتك كل حاجة.. ونس اللي عرضت عليا الفكرة إنها تكشف تعاملات مؤسسة الصواف مع المافيا وده على أساس المعلومات اللي وصلت لينا من رسالة من مجهول.. وهي اللي فكرت في كل حاجة والخطط هي اللي فكرت فيها هي اللي قررت تمثل إنها بنت غلبانة وتروح تشتغل عنده خدامة.. وهناك تدور براحتها وتجيب كل الأدلة اللي تخليها تعمل مقال صحفي يكسر الدنيا.. وفعلاً وصلت لورق بيقول أن كان في تعامل بين مؤسسة الصواف والمافيا وقف على آخر لحظة.. لكن ده اللي معلن.. يا عالم في حاجات في السر ولا لأ.. ومعلومة النسب جت بالصدفة لكن كان في تسجيل صوتي بصوت السيدة شاهيناز السلحدار بالكلام ده.. والتسجيل ده كان على فوني وفون ونس وعلى فلاشة والمستندات والفلاشة كانوا في خزنة الجريدة.. وتليفوني وتليفون ونس والفلاشة والورق كله اتسرق.. والله العظيم ما أعرف ونس فين.. هخبيها ليه؟ علشان أفضل في العذاب ده لوحدي.. هي عشقتي علشان أحميها دي مجرد صحفية كانت هترفع اسم الجريدة لسابع سما وأهي جابتها أسفل سافلين.
ظل وكيل النيابة صامت ينظر إلى علاء بتركيز وتفحص.. ثم قال للكاتب:
- أمرنا نحن.. همام يزيد المصري وكيل النائب العام بحبس المتهم علاء الصفتي 15 يوم على ذمة التحقيق.. ويراعى التجديد في الميعاد.
ثم نادى بصوت عالٍ:
- يا عسكري.
دلف العسكري يلقي التحية العسكرية وهو يقول:
- تمام يا فندم.
- خد المتهم رجعه على الحجز.
ليغادر علاء مع العسكري وهو يقول:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا ونس.
ظل همام صامت يفكر في كل ما قاله علاء.. إنه ومنذ الأمس وهو على نفس الكلمات لم يغير حرف واحد.. إذاً عليه أن يجد تلك الفتاة المدعوة ونس.. وعليه أيضاً أن يتحدث مع أديم الصواف.. لعله يفيده بمعلومة عنها.