تحميل رواية «ونس» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يجلس خلف مكتبه الكبير يراجع كل الأوراق التي أمامه بتركيز شديد. هو المسؤول الأول والأخير عن أموال العائلة، وعليه أن يقرأ كل ورقة وكل حرف. رغم خلافه الكبير مع والدته، والذي على أثره ترك قصر الصواف، لكنه لم يترك مسؤولياته كمدير لشركات الصواف، والمسؤول الأوحد. هو أديم الصواف، ابن عائلة الصواف الأكبر، في عامه الخامس والثلاثون. لديه أختان أصغر منه. تزوجت الأولى من ابن عمه حاتم، والأخرى على وشك الخطبة من ابن عمه الآخر طارق. وهو أيضًا يعتبرهما أصدقاءه الوحيدين، لكن حاتم الأقرب إليه. بسبب ثرائهم الفاحش،...
رواية ونس الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي
يجلس خلف مكتبه الكبير يراجع كل الأوراق التي أمامه بتركيز شديد. هو المسؤول الأول والأخير عن أموال العائلة، وعليه أن يقرأ كل ورقة وكل حرف.
رغم خلافه الكبير مع والدته، والذي على أثره ترك قصر الصواف، لكنه لم يترك مسؤولياته كمدير لشركات الصواف، والمسؤول الأوحد.
هو أديم الصواف، ابن عائلة الصواف الأكبر، في عامه الخامس والثلاثون. لديه أختان أصغر منه. تزوجت الأولى من ابن عمه حاتم، والأخرى على وشك الخطبة من ابن عمه الآخر طارق.
وهو أيضًا يعتبرهما أصدقاءه الوحيدين، لكن حاتم الأقرب إليه. بسبب ثرائهم الفاحش، لم يستطع أن يكون صداقات. صداقات حقيقية دون البحث عن المصالح أو أن يحصلوا منه على المال بشكل مباشر وغير مباشر.
طرقات على باب مكتبه أخرجته من تركيزه، وقال بصوت واضح:
– أدخل.
ليفتح الباب ويدلف حاتم وهو يقول:
– أنا لو بشتغل في السخرة هتكتر أكتر من كده.
ليبتسم أديم وهو يترك الأوراق من يده، ثم وقف ودار حول المكتب ليقف أمام صديقه وابن عمه وقال:
– أنت بتتكلم عن قلة التقدير في مؤسسة الصواف يا حاتم؟ يا ابني كل الموظفين متقدرين. لكن أنت ابن البطة السودا، أنت من عائلة الصواف لازم تتمرمط يا حبيبي.
ليرفع حاتم حاجبيه باندهاش وصدمة، والتفت ينظر إلى أديم الذي جلس على الأريكة الكبيرة وأراح ذراعيه على ظهرها، واضعاً قدم فوق الأخرى، ينظر له بابتسامة متسلية.
وضع حاتم الأوراق التي بين يديه على المكتب بقوة وقال مازحاً:
– طيب، أنت ولي عهد الإمبراطورية ولازم يطلع عينك، أنا مالي.
جلس على الكرسي وهو يقول آخر كلماته، ليتنهد أديم وظهر الضيق على ملامحه. لكن حاتم قال سريعاً:
– نفسي أعمل زيك وأسيب قلعة الصواف. أنا بجد تعبت من كم التجمل وعدم التعامل براحة وحرية.
أستند بذراعيه على ساقيه وقال بمرح:
– يا ابني نفسي أمشي حافي، ألبس شورت بس، أدخل آخد دش ومسرحش شعري، نفسي آكل فول وطعمية بالعيش البلدي، وأغمس كده بإيدي، مش كل حاجة لازم نعملها بالشوكة والسكينة.
ليضحك أديم بصوت عالٍ وهو يقول:
– بس كده؟ اهرب يوم من سالي وتعالى عندي الشقة وأنا أخليك تعمل كل اللي نفسك فيه.
ليعود حاتم يريح ظهره على الكرسي وقال بضيق مصطنع:
– وهي سالي حد يقدر يهرب منها؟ و إهرب إزاي من شاهيناز هانم السلحدار؟
تحولت الابتسامة على وجه أديم إلى حزن وضيق وقال:
– أنت هتقولي؟ المهم، أنت كنت جاي عايز إيه؟
ليقف حاتم سريعاً وهو يقول:
– الورق ده محتاج توقيع رئيس مجلس الإدارة، اللي هو حضرتك.
ليقف أديم وتوجه إلى المكتب، أمسك الأوراق من حاتم وبدأ يطلع عليها بتركيز شديد، ثم ابتسم وقال:
– هو أنا نفسي أفهم، براجع وراك ليه؟
ثم أمسك القلم ووقع الأوراق ومد يده بها له وهو يقول:
– اتفضل، وسيبني أخلص اللي ورايا، عطلتني.
ليضحك حاتم وهو يقول:
– أنا مظلوم في العيلة دي والله. الوحيد اللي بيعرف ياخد حقه في العيلة دي هو طارق والله.
– طارق؟ هو فيه زي طارق؟ مش عارف إزاي قادر ياكل بعقل شاهيناز هانم حلاوة، ودماغ نرمين كمان، وفي نفس الوقت بيعمل كل اللي هو عايزه.
قال أديم بحيرة وهو يجلس على الكرسي من جديد خلف مكتبه. ليبتسم حاتم وهو يقول بحقد مصطنع:
– أنا بقر عليه كل يوم، بس القر ده مش جايب نتيجة. تفتكر أحسده؟
ليضحك أديم بصوت عالٍ وقال مازحاً:
– طيب ما نعمل له عمل؟ مالك يا حاتم قلبت على ست الحجة كده ليه؟ أمشي يا ابني شوف وراك إيه يلا خليني أخلص، عايز أروح بقى.
غادر حاتم الغرفة وهو يتحدث إلى نفسه، ومن خلفه أديم يضحك. حاتم الوحيد القادر على إخراجه من إحساس الضيق والقادر على مواساته خلال فترة عمله بالشركة. بالفعل، إذا لم يكن حاتم معه لمرت تلك الساعات كالأعوام.
في قصر الصواف، ذلك القصر الكبير الذي يشبه القلاع بأسواره العالية وحراسه الذين يؤمنونه من جميع الاتجاهات. وفي بهو هذا القصر الكبير تجلس سيدة. حين تراها من بعيد تظن أنها فتاة صغيرة، ولكنها في حقيقة الأمر هي كبيرة عائلة الصواف، والمتحكمة الأولى في كل فرد في تلك العائلة. السيدة شاهيناز السلحدار، امرأة متسلطة من يوم تزوجت من علام الصواف وهي تتحكم بكل شيء. جميلة بشكل مميز، لكن الغرور أيضاً ينضح من كل نظرة وحركة. ويظهر ذلك أيضاً في حركة الخدم بالبيت.
الصمت التام، لكن لغة العيون تتحدث بما لا يستطيع اللسان قوله خوفاً. وبعد وفاته كانت الكلمة الأولى والأخيرة لها. ولم يستطع أي فرد من عائلة الصواف تكسير كلمتها إلا "أديم" ابنها الأكبر، وريث والده، وكبير العائلة من بعده، الذي كسر كل القواعد وغادر القصر رافضاً الزواج من ابنة عمه الوحيدة كاميليا.
رغم أنه يعلم جيداً أنها تعشقه، ويعلم أيضاً أنها إنسانة رائعة، ورغم أن والدته طلبت منه الزواج منها، من الممكن أن يتزوجها هو بكامل إيراداته. لكن لأنها أوامر شاهيناز هانم السلحدار، رفض بشدة وترك قصر الصواف. لكنه أبداً لم يتخلى عن مسؤولياته تجاه المؤسسة، وأيضاً تجاه أختيه سالي ونرمين.
سالي متزوجة من حاتم ابن عمه وصديق عمره. وهو دعم زواجهم بكل قوته وذلك لأنه يرى في حاتم الرجل الحقيقي الذي يطمئن على أخته معه. لكنه معترض تماماً على أمر زواج نرمين من طارق. من الممكن أن تكون نرمين مغرمة به أو معجبة، خاصة أن طارق شاب وسيم دنجوان، كثير العلاقات ويستطيع أن يجعل البنات تتعلق به كثيراً، بسبب حلو كلامه وشخصيته القوية.
لذلك هو لا يراه مناسباً، ولكن إذا أمرت شاهيناز هانم السلحدار الأمر، فقد انتهى.
بداخل المطبخ الكبير لذلك القصر الضخم، تجلس سيدة خمسينية يبدو على وجهها أثر الزمن والشقاء. تشرف على عمل الفتيات باهتمام وتركيز. فالخطأ ممنوع، والأوامر لابد أن تنفذ دون نقاش أو تأخير.
وبين يديها سبحتها الكبيرة التي لا تفارقها أبداً.
أقتربت إحدى الفتيات وهي تقول:
– ست مجيدة، كنت عايزة أجازة يوم السبت الجاي عشان أودي أمي المستشفى.
لتنظر لها مجيدة بهدوء يعتبر جزء من شخصيتها:
– تاني يا نوال؟ مش كنتي لسه واخدة أجازة السبت اللي فات؟
أخفضت الفتاة رأسها بخجل وقالت بصوت مختنق:
– ما أنتِ عارفة يا ست مجيدة، أنا وحيدة أمي، وعارفة كمان أنها مريضة. وأنتِ عارفة أن مفيش أجازات خالص، وكأننا في السخرة.
تنهدت مجيدة بتثاقل فهي تعلم جيداً ما تقوله نوال، لكن ماذا تفعل في قواعد هذا البيت؟ لتقول بعد أن أخذت نفس عميق:
– هحاول يا بنتي، هحاول وربنا يسهل والهام توافق.
لتعود نوال إلى عملها وهي تدعو الله أن يوفق السيدة مجيدة في إقناع شاهيناز هانم.
تنزل درجات السلم بهدوء وبدلال طبيعي. شابة جميلة رقيقة في العشرين من عمرها بابتسامة رقيقة ترتسم على ملامحها. شديدة الجمال والفتنة. أقتربت من مكان جلوس شاهيناز وقالت بهدوء وهي تجلس على الأريكة القريبة منها:
– صباح الخير يا طنط، عاملة إيه؟
ابتسمت شاهيناز وهي تغلق الجريدة، ونظرت إليها بحب قائلة:
– أنا كويسة، أنتِ عاملة إيه يا كاميليا؟
لوت الفتاة فمها ببعض الضيق وقالت:
– حاسة بالملل، ونفسي أعمل حاجة جديدة في حياتي. أنا مش بحب قعدة البيت.
ظلت شاهيناز صامتة تنظر إلى وجه الفتاة التي تتمنى أن تكون زوجة ابنها، وسوف تكون. فلا أحد يستطيع أن يقف أمام رغباتها حتى ابنها الوحيد وكبير عائلة الصواف بعد والده. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
– عندنا بدل الشركة مؤسسة كاملة وأنتِ مش عارفة تلاقي حاجة تعمليها. من بكرة تنزلي تشتغلي مع أخوكي وولاد عمك.
ابتسمت كاميليا بسعادة وهي تقول بعدم تصديق:
– بجد يا طنط؟ بس تفتكري أديم، وحاتم هيوافقوا؟
لترفع شاهيناز رأسها بغرور وقالت بكل تأكيد:
– هيوافقوا، متخافيش.
أقتربت مجيدة بخطوات ثابتة، وقفت أمامهم وقالت بأدب:
– شاهيناز هانم، كنت عايزك أتكلم مع حضرتك في موضوع لو تسمحي طبعاً.
ظلت شاهيناز صامتة تنظر إليها بغرور طبيعي، وكأنه جزء من شخصيتها ولدت به وتأصل في تفاصيل وخلايا جسدها.
لتقف كاميليا وهي تقول بابتسامة رقيقة:
– أنا هطلع لنرمين، بعد إذنكم.
وغادرت. لتقول شاهيناز بغرور:
– عايزة إيه يا مجيدة؟
لعدة ثوان كانت تفكر مجيدة في الرد التي تعلمه جيداً والذي لم يتغير يوماً، ولكنها لم تيأس يوماً من طلبه. ظفرت بهدوء وقالت بأدب:
– كنت عايزة أستأذن حضرتك في أجازة لنوال يوم السبت عشان والدتها عندها جلسة كيماوي.
لترفع شاهيناز هانم حاجبها الأيسر بتعالٍ وغرور وقالت برفض قاطع:
– مجيدة، أنتِ عارفة أن مفيش عندي هنا أجازات. البنت دي عايزة أجازة تصفي حسابها ومش عايزة أشوفها هنا تاني.
وقبل أن تجيبها مجيدة بشيء، وصلهم صوته وهو يقول:
– ليه هو حضرتك كنتي اشتريتيهم من سوق العبيد؟ ده حتى أيام العبودية كان فيه رحمة، وشفقة، وتقدير للظروف، وأجازات من العبودية دي للراحة. طول عمري شاكك إنك مالكيش قلب، لكن دلوقتي اتأكدت.
تلونت وجنتا شاهيناز بغضب مكتوم، في حين كانت تنظر إليه مجيدة بسعادة وارتياح. أقترب أديم من مكان جلوس والدته وقال:
– الناس اللي شغالين في البيت هنا أصحاب فضل يا شاهيناز هانم. من غيرهم أنتوا كنتوا هتتعبوا، من غيرهم كنتوا هتقوموا بكل شغلكم ده بنفسكم. قوانين العمل كلها بتحدد عدد ساعات معينة في اليوم، وبتحدد يوم أو يومين في الأسبوع أجازة. مفيش حد بيشتغل كل يوم ولمدة 24 ساعة ومن غير أجازات كمان.
ظلت شاهيناز صامتة تنظر إليه، ثم قالت:
– أنا قولت لو البنت دي عايزة تاخد أجازة تصفي حسابها وتمشي، وأنت مش من حقك تقول أعمل إيه في بيتي. طالما خرجت من الباب ده وقررت تعيش بره أسواره اللي بيحصل جواه مش مسموح لك إنك حتى تتكلم فيه.
ابتسم أديم ابتسامة جانبية وقال بثقة:
– عندك حق. وفي الحقيقة أنا مش جاي لحضرتك، أنا جاي لنرمين. بس أهي فرصة عشان أساعد البنت الغلبانة اللي جار عليها الزمن وجبرها تشتغل هنا.
ثم نظر إلى مجيدة وقال باحترام:
– من فضلك يا دادا، لو البنت دي مصرة على الأجازة يبقى صفي حسابها حسب أوامر شاهيناز هانم وأديها عنواني، هوفر لها وظيفة.
وغادر من أمامهم غير مبالٍ صاعداً إلى غرفة نرمين، تاركاً خلفه قلباً يدعو له أن يوفقه الله دائماً. وقلب آخر يحترق غضباً.
رواية ونس الفصل الثاني 2 - بقلم سارة مجدي
نظرت شاهيناز إلى مجيدة وقالت بغضب:
– البنت دي تمشي من هنا فوراً، مش عايزة أشوفها هنا خالص…. مفهوم؟
ودون أن تنتظر رد غادرت متوجهه إلى غرفتها يلحقها غضب شديد، وبركان لو أنفجر سيحرق الجميع دون رحمه، لتعود مجيدة إلى المطبخ وأخبرت نوال بكل ما حدث و كتبت لها عنوان منزل أديم الجديد، وربتت على كتفها وهي تقول بحنان أم:
– يا بنتي ربك كبير ، ومش بينسى حد، روحي مع والدتك الجلسة و بعد ما تطمني عليها روحي لأديم بيه على العنوان ده هيوفر ليكِ شغل أحسن من هنا بكتير.
أنحدرت دموع نوال بقهر، وذل وقلبها يدعوا على شاهيناز تلك السيدة الظالمة المستبدة التي لا يعلم قلبها شيء عن الرحمة أو الرفق.
صعد أديم إلى الطابق العلوي، لا يبدوا على ملامحه أي شيء لكن من داخله نار حارقة لا تنطفىء أبداً، فوالدته قادرة على تكدير يومه وقلبه رأس على عقب.
طرق باب غرفة نرمين وفتح الباب حين وصله صوتها يسمح له بالدخول، بأبتسامه واسعه، وبعض المشاغبة قال:
– نيمو وحشتيني.
صمت وأختفت إبتسامته حين وجد كاميليا تجلس جوارها على الأريكه الكبيرة، لكنها إبتسمت برقة وهي تقول بحب واضح:
– إزيك يا أديم؟
دلف إلى الغرفة وأغلق الباب وهو يقول بود حذر:
– الحمدلله يا كاميليا، أنتِ عامله اية؟
– كويسة طالما شوفتك.
أجابته بصدق، ألم قلبه للحظة لكنه أبتسم إبتسامة جانبيه وهو يفتح ذراعيه لأخته التى ركضت إليه سريعاً وهي تقول:
– وحشتني اوى يا آبيه.
أغمض عينيه لثوانِ وهو يقول بشوق:
– وأنتِ كمان يا نيمو وحشتيني اوى.
إبتعدت قليلاً عنه وهي تقول بعدم تصديق:
– أنا مش قادرة أصدق أني شيفاك في القصر هنا؟ بجد وحشتني والقصر وحش أوي من غيرك.
توجه إلى الكرسي الكبير وجلس عليه ببعض الأسترخاء وقال:
– القصر هيفضل زي ما هو بكل إللي موجودين فيه عدم وجودي مش هيأثر فيه، المهم أنا جاي عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
لتقف كاميليا وتوجهت إلى الباب لكي تغادر الغرفة وهي تقول ببعض الخجل:
– أسيبكم على راحتكم.
وخرجت وأغلقت الباب لتنظر نرمين إلى أديم وقالت ببعض الحزن على حالة إبنة عمها:
– ليه كدة يا أبيه؟ والله كاميليا بتحبك وطيبه أوي.
أعتدل أديم في جلسته وأستند بذراعيه فوق ساقيه وقال:
– أنا مشكلتي مع شاهيناز هانم مش مع كاميليا يا نرمين لكن هي إللي خلتها طرف فيها.
أخذ نفس عميق وأخرجه بقوة وأكمل قائلاً:
– خلينا في المهم، أنا جاي أتكلم معاكي بخصوص خطوبتك من طارق، عايز أقولك رأيِ بصراحه في الموضوع ده والقرار في الأول والآخر ليكي، وخليكي واثقة إني في ظهرك وهدعمك جداً.
قطبت جبينها بحيرة وبعض القلق، وظلت صامته تنظر إليه ولغة العيون هي ما تحكي كل ما بداخلهم حتى قال:
– طارق صحيح إبن عمي، وصديق عمري لكن أنه يكون جوز أختي لأ طارق علاقاته كتير شايف أنها تفاريح ومش مهمه، وشايف أن هو راجل ميعبوش حاجة، عادي يعرف بنت أو أتنين وكمان بتوصل لمراحل محرمه، يمكن يكون بيحبك بس مش هيكون مخلص ليكِ، هيفضل زي ما هو مش هيتغير، هتقدري تعيشي مع شخصيه زي دي ولا لأ ده بقى قرارك.
وقف ينظر إليها بحنان أخوي، وقال:
– فكري كويس وأنا معاكي فأي قرار…. وفي ظهرك وبيتي مفتوح لك في أي وقت.
ثم أنحنى قليلاً وقبل أعلى رأسها وغادر الغرفة، تركها تفكر في كل ما قاله، كانت الدموع تتجمع في عيونها.
كل ما قاله أخيها كانت تعرفه جيداً، لكن إن تسمعه من أخيها جعلها تقف أمام مرآة الحقيقة لتضرب أجراس الخطر، والتخبط داخل عقلها.
دلف من باب المكتب وهو يتحدث في الهاتف كعادته، ترك حاتم ما بين يديه ونظر إليه بتأمل وهو يتحدث مع إحدى فتياته يتغزل بها و يُسمعها أجمل كلمات الحب والعشق.
أنهى طارق حديثه ونظر إلى حاتم بابتسامة واسعة وقال:
– أيه يا ابني بتبصلي كده ليه؟
ليحرك حاتم رأسه يميناً ويساراً بتعجب وقال مبتسماً:
– يا ابني هو أنت مش بتشبع من البنات، أنت المفروض هتخطب بنت عمك و إللي أنت بتعمله ده مش عاجب أديم و ممكن يرفض إرتباطك بأخته.
جلس طارق على الكرسي المواجهه لمكتب حاتم وقال بأبتسامه جانبيه:
– شاهيناز هانم معايا، ومهما كان منصب أديم في الشركه ومكانته لكن وقوفه قدامها ومعارضته ليها بيضعف موقفه و بيخليه تقريباً ملوش كلمه.
قطب حاتم حاجبيه بضيق وقال:
– أيه إللي أنت بتقوله ده يا طارق، هو ده موقفك ورأيك في إبن عمك، و بعدين خد بالك أن نرمين أقرب أخواته ليه ولو أتكلم معاها هي نفسها هترفضك وكمان هي تقدر تقف قدام شاهيناز هانم عارف ليه؟ لأن عندها بيت أديم و تقدر ببساطة تروح تسكن معاه.
ثم أبتسم إبتسامة إستهزاء وقال:
– بلاش تراهن على الخسارة، نرمين تستحق إنك تكون مخلص ليها، و خليك فاكر حاجة مهمه جداً، نرمين الصواف مش هتقبل أبداً أنها تتخان.
ثم وقف و لملم أغراضه وتحرك في إتجاه الباب وهو يقول:
– أنا نصحتك لأنك صديقي و إبن عمي بس أكيد أنت حر، والقرار الأخير طبعاً ليك.
و غادر الغرفة وأغلق الباب خلفه ظل طارق يفكر في كلمات حاتم وهو يشعر بأحاسيس مختلفة و مختلطة لكن ذلك الإحساس الذي خبئه طويلاً بداخله هو ما يغلب على كل أحاسيسه لذلك أخرج الهاتف وأتصل بشخص ما وحين أجابه قال:
– هبعتلك الحاجة النهاردة بس أنا عايز التنفيذ في أسرع وقت.
أبتسم إبتسامة إنتصار حين سمع إجابه محدثه ثم أغلق الهاتف و زفر بأرتياح.
داخل سيارته الفارهه عائداً إلى بيته يفكر في كل ما حدث وكيف أن حديثه مع والدته دائماً يصيبه بحاله من الحزن و الضيق، كم كان يتمنى أن تكون والدته سيدة بسيطه حنون دائماً تضمه و تهتم به و تراعي شئونه ليست سيدة أعمال كل ما يهمها هو المال و المصلحه.
أوقف سيارته أمام البنايه الكبيرة التي يسكن بها و ترجل منها و عيونه ثابته على ما يحدث أمام باب البنايه الكبير فتاه تقف مع حارس العقار تسأله عن عمل ملابسها بسيطه رغم ملامحها شديدة الفتنه أسلوب حديثها يملئه الرجاء و التوسل رغم أن صوتها كأوتار الناى تعزف ألحان شجيه و حزينه … يديها الصغيرة التى ترتفع برجاء أمام صدر الرجل الذي ينظر إليها ببرود، وردوده ثابت على أنه لا يوجد لها عمل هنا.
لم يتحمل فأقترب منهم بطوله الفارع، ووسامته المؤلمه للقلب و سأل الحارس الذى أوضح له الأمر لينظر إليها نظره خاطفه ثم قال:
– أنا محتاج حد ينضف الشقه يا عم عبد الصمد.
– بجد يا بيه.
قالتها بعدم تصديق و سعاده كبيره ليبتسم إليها إبتسامه جانبيه ساحره و هز رأسه بنعم و تحرك و هو يشير لها أن تأتى خلفه لتبتسم هى بسعاده و لمعت عينيها بانتصار كل هذا تحت نظرات عبدالصمد الزاهله فمنذ متى يريد السيد نديم خادمه؟ رفع كتفيه بلا مبالاه وعاد يجلس على الأريكه الخشبيه، يتناول كوب قهوته مع صوت السيدة أم كلثوم.
رواية ونس الفصل الثالث 3 - بقلم سارة مجدي
كانت تقف عند الباب تنظر أرضا حين دلف هو وجلس على ذلك الكرسي الكبير يتأملها بشكل تفصيلي.
جسدها النحيل وملابسها البسيطة، قدماها الصغيرتان دقيقة الأنامل وشعرها المموج بشده وكأنه ليل غاضب ثائر حول وجهها الدقيق، وكأنه يتمرد على رقة ملامحها بذلك التموج.
– واقفه عندك ليه … قربي.
قال كلماته بهدوء لترفع عيونها تنظر إليه، ليعود يشعر بذلك الإحساس حين نظرت إليه بالأسفل، وكأن عيونها كانت تحترق وتحولت تلك النيران لرماد لامع.
تثير بداخل من ينظر إليها الحذر، الرهبه، والفضول.
تحركت ثلاث خطوات أخرى وقالت بصوت خجول:
– تحت أمر حضرتك.
وضع قدم فوق الأخرى وقال بأستفهام:
– أسمك أيه؟
– ونس.
أجابت بخفوت دون أن ترفع عيونها، لتلمع عينيه بنظره هو نفسه لم يشعر بها، فالأسم لمس قلبه وإحساسه القوي بالوحده ورغبه قتلها منذ زمن في أن يجد الونس في من حوله ويشعر بالراحه بجانبهم.
– أقفلي الباب وتعالي أقعدي علشان نتكلم شويا سوا.
ألتفت إلى الخلف لتغلق الباب وعلى وجهها إبتسامه صغيرة أختفت حين عادت تنظر إليه، ليشير إلى الأريكة المجاورة له وقال:
– تعالي أقعدي وقوليلي بقى أنتِ مين؟ وحكايتك إيه؟
أقتربت بخطوات صغيرة عيونها في الأرض، حركاتها تخطف نظراته وتجعل روحه تهفوا إليها.
لا يعلم ما هو السبب ولماذا يشعر بهذا، إلا أن ذلك الشعور يسيطر على كل حواسه التي لا تترك أي حركه ولو كانت بسيطه دون التمعن بها والاستمتاع بها أيضاً.
هل يعود هذا لكونه لم يرى سوا تلك الفتيات التي تتغير ملامحها من كثرة مساحيق التجميل وتتحول أنوثتهم إلى شيء آخر يجعله يشعر بالتقزز من كثرة العري.
إنها ترتدي بنطال واسع وفوقه بلوزة طويلة بأكمام وخصلات شعرها المموجه حول وجهها.
جلست بهدوء تضم قدميها وفوق ركبتيها تضع يديها المتشابكه وعيونها أرضا لم ترتفع، ليقول هو بأستفهام:
– ها بقى أحكيلي.
رفعت عيونها تنظر إليه وقالت باندهاش:
– أحكي أيه يا بيه؟
– أديم … أسمي أديم ومش بحب الألقاب، ولو مصره على الألقاب يبقى قولي يا باشمهندس … أحكيلي حكايتك، وسبب نزولك للشغل.
قال لها بحسم وقوة، رغم أن نظرة عينيه ليس لها علاقه بصوته الحاسم، لتعود تنظر أرضًا وهي تقول:
– أبويا مات من سنتين وهو موظف حكومه ولسه موصلش للسن إللي يخلي ليه معاش، وبعد ما مات أمي شالت مسؤليتي أنا وأخواتي، لكن من كتر الشغل جسمها متحملش، وجه الدور عليا علشان أشيل مسؤلية إخواتي ومسؤليتها هي كمان.
أومأ بنعم وظل صامت يفكر لعدة دقائق، كانت هي تنظر إليه دون أن يلاحظ أن ملامحه وهيئته تخطف الأنفاس ودقات القلوب، وكان هو في عالم آخر يفكر في كل ما يحدث حوله ويرى.
من ثراء فاحش كحال عائلة الصواف، ومن فقر مدقع كحال عائلة ونس وما يحدث معهم.
وسؤال مُلح يدور داخل رأسه… لماذا هذا التوزيع الغير عادل؟ يعلم أن هناك حكمه إلهيه خلف ذلك، هو يتكلم عن أفكار البشر الذين يشبهون والدته في الغرور، والتعالي، وإنعدام الرحمه والشفقه.
عاد من أفكاره ونظر إليها وقال:
– أنا مش محتاج منك غير إنك تنظفي البيت و تعملي أكل، وبعد كده تقدري تروحي مش ملزمه بأكثر من كده.
نظرت إليه باندهاش، أين ذلك الغرور الذي يتسم به الأغنياء وكيف يكون بهذا التواضع.
قطع أفكارها وهو يغادر الكرسي بكبرياء هو جزء من طبيعته، وأخرج من جيبه بعض الأوراق الماليه ومد يده بهم لها وقال:
– خدي دول وروحي وبكرة الساعة ٧ صباحًا تكوني هنا.
وقفت سريعًا وهي تقول بخجل:
– أنا لسه مشتغلتش علشان أخد فلوس.
أبتسم إبتسامة صغيرة جعلت دقات قلبها تتصارع دون إراده منها، وقال بأصرار:
– ده جزء من مرتبك وكمان علشان لما ترجعي لوالدتك وأخواتك إيدك متبقاش فاضيه تجيبلهم حاجة حلوة حلاوة الشغل الجديد.
مدت يدها وأخذت المال وهي تتمتم ببعض كلمات الشكر وتحركت لتغادر، إلا أنه ناداها لتقف مكانها مصدومة من وقع حروف إسمها على أذنيها بصوته.
أقترب ومد يده بمفتاح وقال:
– ده مفتاح الشقه علشان لو جيتي وأنا نايم.
وعيونها معلقه بخاصته، أومأت بنعم وهي تمسك المفتاح بأطراف أصابعها لتشعر بكهربه تسري في عروقها حين لمست أصابعه.
وكان هو غارق في إحساسه الغريب الذي يشعر به لأول مره، هو لم يشفق عليها حين رأها تقف أمام عبد الصمد تتوسله أن يجد لها عمل، ولكنه أراد وبقوه أن يراها مجددًا، أرادها أن تظل جواره.
لذلك ورغم رفضه القاطع أن يأتي أحداً إلى بيته ورفضه أيضًا لفكرة الخدم والحشم وعقدته من تسلط شاهيناز هانم على الفقراء، ولذلك كان هو يقوم ببعض الأعمال المنزلية البسيطة كل فترة.
لكن حين وقعت عينيه عليها بالأسفل حسم قلبه الأمر وقرر أن يجعلها قريبه منه.
حين غادرت وأغلقت الباب شعر لأول مره بالوحدة، هو من عاش سنوات بمفرده خلال فترة دراسته، ومنذ ترك قصر الصواف لم يشعر يومًا بذلك الإحساس الذي يشعر به الأن بعد أن ظلت داخل منزله لعده دقائق.
نظر إلى الباب وهو يتنهد وقلبه ينتظر على نار غدًا.
وقفت هي خلف الباب بعد أن أغلقته، تضع يدها فوق مكان خافقها تحاول تهدئة دقاته المتلاحقه.
كم هو وسيم، وجذاب يخطف القلب والروح والنظر.
أخذت نفس عميق مع إبتسامه صغيرة وتحركت لتغادر البنايه وهي تهمس: (( إن غدًا لناظرة قريب)).
~~~~~~
حين دلف إلى الغرفة وصلت إليه نغمات هادئه وناعمه جعلته يشعر بالراحه والسكين.
(( يا لالا و يالالا يا ليل يا عين
ليلي ليلي يا عيني يا ليلي يا ليل
مغرم مغرم انا بيك على طولو أنا صابر و صبري في هوايا دليل
ليل ورا ليل ولا دقت النوم
شوق و غرام لا عتاب و لا لوم
داري أنا داري حيرتي و مراري و أنت و لا داري
أنت إللى حبيتو و أنت إللى ناديت
ومن بين الناس و أنا قلت خلاص
وأنت بتهواني و في يوم تنساني
وأنا دقت معاك طعم الإحساس))
رغم أن سالي تحمل الكثير من صفات شاهيناز هانم، إلا أن بها جانب رومانسي رقيق يجعله يمني نفسه بأمل حتى لو ضعيف أن ينصلح الحال بينهم وتستوي علاقتهم.
وحين بدء المطرب يقول:
(( آه يا زمان يا زماني آه
آه من العين و اليل و ال آه
الصبر جميل قالوا في المواويل
و القلب يا دوب يا دوب يرتاح ليلي
شوق مع صبري صباح
قادر تنساني طيب إنساني
صعب أنا أنساك و أنا روحي معاك
و أفضل أنا داري حيرتي و مراري
و أنت و لا داري ))
خرجت سالي من الحمام المرفق بالغرفة وهي بهيئة تخطف الأنفاس.
ترتدي غلاله حريريه قصيرة بنيه اللون والتي تظهر جسدها بشكل مميز ومثير، وخصلات شعرها الذي تخطي ظهرها بالكامل ساقيها الطويلتين وقدميها الرقيقه بأظافرها المطليه باللون النحاسي المميز.
جعلت جسده يشتعل بنيران الرغبه والشوق، لكنه أبداً لن يظهر لها ذلك خاصه بعد ما حدث بينهم يوم عرسهم.
ليعود بذاكرته لذلك اليوم الذي يذكر نفسه به دائماً رغم عدم نسيانه بالأساس.
حين دلفت إلى غرفتهم بعد عرس كبير حضره الكثير من رجال الدوله، ورجال الأعمال، والصناعه، ليصدم بها تقف أمامه بشموخ، وغرور يراه دائماً في زوجة عمه.
لكن ما صدمه وجرح رجولته كلماتها:
– أوعى تفتكر إننا هيحصل بينا أي حاجة، أنا مش بحبك بس مامي قالت أن مصلحتي في الجواز منك إديني وقت أتعود عليك يا حاتم و على رسميتك و تقل دمك.
وتركته واقف في مكانه مصدوم ودلفت إلى الحمام حتى تبدل ملابسها، وبعد عدة دقائق خرجت منه ترتدي منامه حريريه تتكون من بنطال طويل وفوقه قطعه مشابه لخامه البنطال لكن بلا أكمام.
ألقت الفستان على الأريكة وقالت بيرود وكأنها لم تجرحه منذ دقائق:
– أنا جعانه أوى، تعالي يلا علشان تاكل.
ليرفع حاجبه بكبرياء وغرور وأقترب منها خطوه واحده وأنحنى ينظر إلى عينيها بأزدراء وقال:
– الملوك عمرها ما تاكل مع الجواري.
لتفتح فمها بصدمه، وعدم أستيعاب، ليعتدل في وقفته وأكمل قائلاً:
– أسمعيني كويس يا بنت عمي وخلي الكلام ده حلق في ودانك، بعد الكلام إللي أنتِ قولتيه من شويه ده جوه الأوضة دي بالنسبه ليا أنتِ زيك زي الكرسي إللي أنتِ قاعدة عليه، براها أنتِ مراتي وقسما بالله لو حد عرف طبيعة علاقتنا أو قللتي من إحترامي قدام أي حد مش هرحمك.
جحظت عيونها بصدمه لتلاحظ نظرات الإزدراء، والحقد الذي يوجهها لها لتشعر بالصدمه.
ليتركها ودلف إلى الحمام حتى يبدل ملابسه، وبعد دقائق خرج وكانت هي على وضعها تفكر لماذا قال لها هذا الكلام.
هي فقط طلبت بعض الوقت حتى تعتاد عليه، فهي لم تفكر فيه يومًا كزوج محتمل، كانت تتمنى أن تتزوج طارق صاحب الكلام المعسول والنظرات التي تجعل أي أمرأة تشعر بقوة سحرها وأنوثتها.
لكن إختيار والدتها كان حاتم وهي لم تستطع الإعتراض، لماذا يقول لها هذا الكلام القاسي، أليس من حقها طلب بعض الوقت، بعض الوقت فقط حتى تعتاد عليه.
توجه إلى السرير وتمدد عليه وهو يمسك هاتفه يعبث به دون تركيز وكلماتها تتردد داخل أذنه: (( أوعى تفتكر إننا هيحصل بينا أي حاجه، أنا مش بحبك بس مامي قالت إن مصلحتي في الجواز منك أديني وقت أتعود عليك يا حاتم و على رسميتك و تقل دمك.))
تشعل ناره وتجعله يود أن يقوم الأن يفتك بها، وبكرامتها، وأنوثتها كما فعلت بفرحته، وقلبه، ورجولته.
ومرت الأيام، والشهور وها هم على وشك إكمال العام، الحياة بينهم على هذا المنوال تجاهل تام داخل الغرفة وكأن كل منهم يعيش بمفرده وخارجها يمثلان جيدًا دور الزوجين المحبين.
عاد من أفكاره ليجدها تقف أمامه وهناك قلق واضح على ملامحها وهي تقول:
– أنتِ كويس يا حاتم؟ مالك واقف كده ليه؟
رمش عدة مرات ثم قال ببرود:
– كويس، مفيش حاجة.
وتركها وتحرك وككل يوم يدلف إلى الحمام يأخذ حمام بارد جدًا حتى يطفىء نار رغبته في قربها خاصه وهي تتفنن كل يوم في إهلاك أعصابه، ومشاعره بكل تلك الأنوثه التي تظهرها بكرم بالغ يجعله يود أن يلقي كرامته، ورجولته، وجرح قلبه خارج باب غرفتهم ويتقرب منها زوجته، حبيبته، حلاله الذي حرم منه.
خرج من الحمام متوقع أنها قد دلفت إلى السرير، لكنه صدم بها تجلس أرضًا جوار باب الحمام، ليسقط قلبه أرضًا من كثرة الخوف.
ليجثوا على ركبته أمامها وهو يسأل بخوف:
– مالك يا سالي؟ أنتِ تعبانه؟
لتومئ بنعم وهي تمسك بيده تضعها فوق موقع خافقها وقالت:
– هنا واجعني يا حاتم، واجعني أوى.
لتعود غصة الألم التي لم تختفي يومًا وللحظه، كاد قلبه يحن خاصه مع تلك الدموع التي تسكن عيونها، ليبعد يده عنها بقوة وكأنه كان يمسك بجمرة من النار.
ووقف سريعًا وكاد أن يبعد عنها، لكن جحظت عينيه وهو يجدها تحاوط ساقه بذراعيها وتقول بتوسل:
– ما تمشيش يا حاتم أرجوك … ما تمشيش.
لينظر إليها بصدمه، وزهول وكاد ينحني يوقفها على قدميها يضمها إلى صدرة بحنان، لكن عادت كلماتها تتردد في أذنه جعلت شيطانه يتحكم بتصرفاته، والإنتقام هو من يسود الموقف، فقال:
إنحدرت دموعها وهي تنظر له بصدمه، وإندهاش رغم وجود نظرة التوسل التي تقطع نياط قلبه، لكنها قالت:
– مبسوط أني راكعه تحت رجلك، وفرحان، وراضي؟ طيب هتسمعني؟
لم يعد يحتمل ما يحدث ولا يتحمل ذلها وإهانتها لنفسها.
صحيح هي أهانته، وجرحت كرامته، ورجولته، إلا أنه أبداً لن يقبل بذلها، وهوانها، وإن تتوسله بهذا الشكل.
ليمُد يده لها بيد مرتعشه تركت ساقه ووضعت يديها في يديه، وحين وقفت وكأنها كانت آخر قدراتها على التحمل فسقطت بين يديه مغشي عليها.
لينتفض قلبه خوفًا فحملها ووضعها في منتصف السرير وأتصل بطبيب العائلة وطلب منه الحضور، وأتجه إلى الخزانه يحضر شيء أكثر حشمه يضعه فوق جسدها.
و نزل سريعاً يفتح له البوابه، فهو لا يريد أن يشعر بهم سكان القصر، ليطمئن عليها أولاً وبعد ذلك لا يوجد شيء مهم.
رواية ونس الفصل الرابع 4 - بقلم سارة مجدي
كان يتابع الطبيب وهو يرتجف خوفًا. ليس جسده، ولكن قلبه الذي وُسِم بحبها منذ أصبح شابًا. وعرف قلبه ماذا يعني الحب. وتلخص ذلك الحب في...
رفع الطبيب عينيه ينظر إلى حاتم، ثم وضع أغراضه في الحقيبة وأشار له بأن يلحق به إلى الخارج.
غادرا الغرفة، وأغلق حاتم الباب ثم قال بخوف:
– طمني يا منير، سالي عندها إيه؟
– ولا حاجة.
أجابه بهدوء، ليقطب حاتم حاجبيه وهو يردد خلفه:
– ولا حاجة إزاي يعني؟ مش فاهم يعني إيه؟
هز منير رأسه بلا معنى وقال:
– يعني أنا لقيت واحدة نايمة، غرقانة في نوم ومستسلمة ليه تمامًا.
صمت ثوانٍ ثم أكمل قائلًا:
– وكأنها بقالها سنين ما نامتش، أو أنها كانت مضغوطة وخايفة وما صدقت تطمن فنامت.
ظل حاتم صامتًا يحاول استيعاب كلمات منير، وهو ينتبه لما كان يحدث خلال الأيام الماضية. هو لم يلاحظ أبدًا أي تغير عليها. هل تكذب؟ أم تدعي المرض؟
لكن ما قاله منير يعني أنها كانت تعاني كثيرًا خلال تلك الفترة. وغضبه منها وجرح كبرياؤه وكرامته جعله لا يرى سوى جرح قلبه فقط.
دلف إلى الغرفة ليراها مستسلمة للنوم تمامًا. ولأول مرة ينتبه لتلك الهالات السوداء التي تحاوط عيونها.
لكنه أيضًا انتبه أنه قد وضعها على الجانب الخاص به في السرير. ليتوجه إلى الجانب الخاص بها وتمدد جوارها ينظر إلى وجهها الرقيق الذي يعشقه بجنون. وكم حلم به وتمنى أن يكون جواره دائمًا. لكن كانت الصفعة منها هي، ولذلك كانت مؤلمة جدًا. ولم يتحملها كبرياؤه ورجولته.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يضع يديه أسفل الوسادة حتى ينام. وقبل أن يتمتع باستنشاق عطرها العالق بالوسادة.. اصطدمت بشيء. ليرفع رأسه وأمسك بذلك الشيء وأخرجه من أسفل الوسادة ليجدها مذكرات وردية اللون يفوح منها رائحة مهلكته. ليغمض عينيه وهو يملأ صدره برائحتها التي أصبحت كالإدمان. يذهب عقله ويجعله يطوف في محراب حبها متوسلًا.
وبعد عدة دقائق استعاد إدراكه ليفتح تلك المذكرات. وجحظت عيناه وهو يقرأ ما خطته يديها فوق الأوراق الوردية.
~~~~~
في صباح اليوم التالي، وفي تمام السابعة صباحًا، كانت تقف أمام باب بيته تنظر إليه بصمت. تفكر هل عليها فتح الباب مباشرة أم تطرقه وتنتظر أن يفتح لها.
لكنه أعطاها المفتاح حتى لا يوقظه. أخذت نفسًا عميقًا ووضعت المفتاح بالباب وفتحته. وطلت برأسها إلى الداخل ليقابلها الهدوء التام. أخذت أنفاسها ببعض الراحة.
مباشرة دلفت إلى المطبخ. وضعت حقيبتها في إحدى الجوانب أرضًا… وبدأت في إعداد الطعام. ووضعته على طاولة الطعام. ثم بدأت في تنظيف الصالة. وقبل أن تنهيها تمامًا كانت تستمع لصوت خطواته. وقفت تنظر إلى الممر بترقب وانتظار لرؤية ملامحه. لتشهق بصوت عالٍ وهي تلتفت إلى الجهة الأخرى سريعًا تخبئ عينيها بيديها. لينتبه لها وأبتسم بسعادة. لكنه تفاجأ من موقفها. لينتبه لنفسه وأنه يرتدي سروالًا قصيرًا فقط وعاري الصدر. ليبتسم بمشاغبة وعاد ببطء إلى غرفته. لتلتفت هي ببطء حتى تتأكد أنه رحل. وحين تأكدت من هذا ابتسمت بخجل وعادت تكمل ما كانت تقوم به.
حين عاد أديم وهو يرتدي تيشرت أسود على بنطال رمادي. شعره الكثيف مبعثر وغير مرتب. يظهر ساعديه. حافي القدمين. آثار النوم مازالت ظاهرة على وجهه. جعله يبدو على هيئة رجل همجي. خاص مع طوله الفارع وعضلات جسده الواضحة بشكل يخطف الأنفاس. ظلت عيونها معلقة به. ولاحظ هو هذا فابتسم ابتسامة صغيرة وهو يلقي تحية الصباح. ثم جلس على طاولة الطعام يتناول طعامه. وبعد عدة لحظات اقتربت منه وهي تقول ببعض التردد:
– أستأذن حضرتك أدخل أنظف الأوض جوه.
رفع رأسه ينظر لها وقال باستفهام:
– فطرتي؟
قطبت حاجبيها وهي تتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة. ليدفع الكرسي المجاور له قليلاً وأشار لها بالجلوس. لتقول هي ببعض الخجل:
– كتر خيرك… أنا فطرت.
– أمتى؟
سألها وهو ينظر إليها بتركيز. لتقول ببعض التوتر:
– مع أخواتي في البيت.
وتحركت من فورها لتغادر الصالة ودلفت إلى المطبخ تنتظر هناك حتى ينتهي من تناول طعامه. ابتسم ابتسامة صافية وتناول طعامه بشهية كبيرة. إنها المرة الأولى منذ انتقل إلى بيته الجديد يتناول وجبة الإفطار وبذلك الجمال أيضًا. إنها طباخة ماهرة.
~~~~~~
لم يشعر بنفسه ولا بالساعات التي مرت وهو غارق بين سطور كلماته.
لم يتخيل يومًا أن كل هذه المشاعر بداخل سالي. تلك الفتاة التي لا يختلف اثنان على سطحيته وكم هي فتاة من الطبقة المخملية مئة بالمئة.
لكن تلك الدموع الذي شعر بها بين سطورها وأنات الألم واليأس في بعض الأوقات. أحلامها البسيطة الذي لم يتخيل يومًا أن تكون داخل رأسها المغرور.
كان كل دقيقة وأخرى ينظر إلى وجهها الجميل النائم باستسلام. ثم يعود ويكمل قراءة حتى توقف على آخر صفحات قد خطتها يداها منذ زواجهم.
"النهاردة هتجوز حاتم. مش زعلانه ومش فرحانة. هو صحيح حاتم وسيم جدًا وشيك جدًا لكن تقليدي أوي. ساكت معظم الوقت رغم أن ضحكته حلوة أوي خصوصًا لما بيهزر مع أديم وطارق. طارق هو ده رمز فارس الأحلام الحقيقي. راجل شقي قادر يخطف قلب البنات. بس أنا هتجوز حاتم."
قطب جبينه وهو يستعيد ذكريات تلك الليلة بكل تفاصيلها. وكلماتها الجارحة.
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل قراءة:
"متخيلتش أن ليلة جوازي تكون بالشكل ده. أنا طلع معايا حق. حاتم مش فارس الأحلام ولا الشخص إللي كنت بتمناه أبدًا."
لاحظ أن هناك آثار للدموع فوق الأوراق. باقية كتلك الكلمات التي ستظل إلى الأبد. أغمض عينيه لثوانٍ وهو يحاول الهدوء وتكملة قراءة.
"اكتشفت أنه منظم جدًا وذوق جدًا. بقيت بحب أوقاتنا في وسط العيلة علشان بشوف ضحكته الصافية وبفرح بحضنه ولمسة إيده لأديا. أول ما بندخل الأوضة بحس بالصمت والوحدة والخوف. ليه منفصلش تحت على طول."
طوى الصفحة سريعًا. قلبه يتلهف ليعرف باقي كلماتها. خاصة بعد تلك الكلمات التي أثلجت صدره وأشعرته ببعض الأمل.
بدأت عيناه بأحتضان أحرف كلماتها في نفس اللحظة التي كانت طبول الشوق واللهفة تطرق بقوة داخل قلبه العاشق. رغم كل شيء.
"اكتشفت أنه بيبتسم كتير وهو نايم وديما بيكشف الغطا عن رجليه. اكتشفت كمان أنه لما بيصحى بيفضل يبص عليا كتير عيونه فيها حب لكن بتتحول بعد كده وبتتملي بالحزن. واكتشفت كمان أنه شبهي في شوية حاجات زي أنه بياخد شاور الصبح وبليل. وبيحب يمشي حافي. وبيحب اللون العسلي. نفسي أتأكد أنه بيحبني أنا كمان. الإحساس لوحدة والشك بيقتل."
رفع عينيه عن المذكرات وهو يحاول فهم كل ما قرأه وما اكتشفه والحقيقة التي ارتسمت أمامه. رغم عدم اكتمالها إلا أنها قلبت موازينه. ويحتاج الآن لترتيب أفكاره من جديد.
أغلق المذكرات وأعادها إلى مكانها. نظر إليها من جديد. ورغم تزاحم الأفكار إلا أنه شعر بحاجته للنوم. فأخذ هاتفه وأتصل بأديم. وحين أجابه قال:
– أنا تعبان شوية يا أديم مش هقدر أجي النهاردة.
أبتسم حين وصله رد أديم ليقول له بود:
– أيوة يا سيدي عايز أعمل عريس عندك مشكلة.
ليضحك بصوت منخفض حتى لا يوقظها. حين وصله مزاح أديم ليجيب ببعض المرح:
– بحب أختك يا ابني مش عارف إيه إللي مش مفهوم في الجملة دي. وبعدين إتكل على الله علشان أختك نايمة.
ضحك من جديد وقال بتأكيد:
– يا ابني دي مراتي مرااااتي. سلام.
أغلق الهاتف ووضعه بجانبه وتمدد جوارها وظل ينظر إليها بعشق حتى تسلل النوم إلى عينيه. لتفتح هي عيونها تنظر إليه بابتسامة رقيقة وقالت بهمس:
– وأنا كمان بحبك يا حاتم… بس أصلح إللي بينا إزاي.
وأغلقت عيونها من جديد وعلى وجهها ابتسامة رقيقة. لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير في طريقة لحل الأمر بينهم.
~~~~~~
أغلق الهاتف مع حاتم والإبتسامة ترتسم على ملامحه. وبقلبه يدعو الله أن يرزق نرمين أيضًا بزوج كحاتم حتى تكون بيد أمينة.
تذكر تلك التي تجلس بالمطبخ. ليترك الهاتف وبصوت هادئ همس باسمها:
– ونس.
سمع همهمة لم يفهمها. لكن بعد ثوانٍ كانت تقف أمامه وهي تقول:
– تحت أمرك.
رفع عيونه إليها لتشعر بشيء من التوتر. خاصة بشكله الغجري. شعره المشعث، أكتافه العريضة العارية وصوته حين ينطق اسمها. كل هذا يجعلها تشعر أنها في خطر كبير جواره.
لكن كيف هذا وهي خادمته؟ وهو ابن الصواف. تلك العائلة التي تمتلك نصف المدينة واسمها يتردد على كل لسان. واللوحات الإعلانية بأسماء المشاريع الخاصة بهم تملأ الطرقات وإعلانات التلفاز.
أخرجها من أفكارها حين قال:
– تسلم إيدك. تصدقي أن دي أول مرة أفطر فيها من يوم ما سكنت لوحدي.
ابتسمت بخجل وقالت برقة:
– ألف هنا على قلبك. طيب تحب تاكل إيه على الغدا بقى.
ابتسم وهو يقول ببعض الود:
– نفسي في طاجن بامية. بتعرفي تعمليها.
أومأت بنعم وهي تقول:
– هترجع إن شاء الله تلاقي أحلى طاجن بامية.
طرق بيديه على الطاولة وهو يقول:
– ماشي يا ونس هنشوف.
وغادر طاولة الطعام متوجهًا إلى غرفته. لتلملم هي الطاولة. وهي تبتسم. فها هي الفرصة على وشك الحدوث.
~~~~~~
مساءً عاد طارق إلى القصر الكبير وهو يشعر بالسعادة. لقد بدأ أول خطواته للتخلص من أديم. ويا له من شعور رائع ومميز.
والأكثر تميز حين يراها تجلس بمفردها في حديقة المنزل فوق أرجوحتها المميزة تنظر إلى القمر بشرود.
أقترب منها بهدوء وهو موقن من عدم شعورها به أو إحساسها بأقترابه منها. لكنه واهم. أنها في الأساس تنتظره. لابد أن تحسم الأمر. ستواجهه بكل ما لديها من أدلة تدينه. بعيدًا تمامًا عن كلمات أخيها. إنها أعقل من أن تقول له عن ما قاله أديم.
– مش محتاج تمشي براحة وكأنك بتتسلل يا طارق. أنا مستنياك أصلًا.
وقف مكانه وأنمحت ابتسامته عن وجهه وهو يشعر بتغير نبرة صوتها. وأيضًا جديتها في الحديث.
لكنه أقترب منها بخطوات ثابتة حتى وقف أمامها. لتقول بهدوء:
– محتاجة أتكلم معاك شوية. وكمان محتاجة أسمعك يا طارق.
ليقترب بثقة وثبات ويجلس جوارها. وهو يقول:
– وهو فيه أحلى من الكلام معاكي يا نيمو.
لتبتسم بسخرية وهي تقول:
– أه فيه يا طارق. في حاجات كتير حلوة من وجهة نظرك. أنت ديمًا بتعملها. زي دول مثلاً.
– بيتهيألي كلامك مع البنات دي واللي بتعمله معاهم كان أحلى؟
كانت عيناه ثابتة على صور المحادثات بينه وبين الكثير من الفتيات. هو في الأساس لا يتذكر أسماءهم. لكن الغضب ارتسم على ملامحه حين وقف وهدر بصوت عالٍ:
– أديم مفبرك الصور دي. متصدقهوش يا نرمين. ده عايز يفرق بيني.
– أولاً مش أديم إللي بعتلي الصور دي. دي واحدة من عشيقاتك ووقتها كمان بعتتلي صورة ليك وأنت نايم جمبها عريان. ثانيًا بقى أديم يبقى أخويا الكبير. يعني لو حتى حذرني منك أو كشفك ليا فهو بيحافظ على أخته وده من حقه.
صمتت ثوانٍ لترى معالم وجهه والغضب يختفي من عليها ويعود وجهه البشوش وعينيه التي تنطق بحب. أيقنت الآن أنه كاذب. ليقول بهدوء:
– حبيبة قلبي ده طيش. ومافيش واحدة فيهم ليها مكان في قلبي. وعلى إيدك أتوب وأمشي على الصراط المستقيم يا نيمو. طيب قسمًا.
رفعت يديها توقف سيل كلماته وأبتسمت ببعض السخرية وقالت وهي تنظر له من أعلى لأسفل:
– أوعى تقسم بالله كذب. وبعدين أنا مش مستشفى ولا حتى مؤسسة دينية علشان أتوبك وأصلح حالك. أنا إنسانة من حقي أعيش حياتي بهدوء مع شخص يحبني ويكون مخلص ليا ويعيش علشاني مش يعيش علشاني وعلشان كل بنات الكوكب.
أقتربت منه خطوة واحدة وقالت من بين أسنانها وعيونها تنظر إلى خاصته بقوة:
– أبعد عني يا طارق. وإنساني. علشان أنا عمري ما هكون واحدة من حريمك. وأوعى تفكر أن شاهيناز هانم هتجبرني على الجواز منك. أنا الموت عندي أهون من إني أكون مراتك وعلى اسمك.
وتركته وغادرت صاعدة إلى غرفتها تاركة خلفها طوفان من الغضب قادر على إحراق العالم بأثره.
لكن متى خسر طارق الصواف؟ والآن سيكون هو الرابح الأكبر. سوف يحصل على نرمين ويتخلص من أديم. ويخفي ذكراه تمامًا. ويخلق اسم جديد. طارق الصواف.
رواية ونس الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي
وقفت كاميليا أمام أخيها داخل غرفته بعد أن استمعت لحديثه مع نرمين. وبعد أن ظل بالحديقة لأكثر من نصف ساعة يحاول أن يهدئ من نوبة غضبه وإحساس الخسارة والرفض يخنقون قلبه بغصة يرفضها هو شكلاً وموضوعاً.
تنظر له بضيق وهي تقول:
- أنت كده خسرت نرمين يا طارق. نرمين محتاجة الحب والاهتمام والإخلاص. بلاش تمشي ورا طنط شاهيناز هتخسر نرمين زي ما أنا خسرت أديم.
- أنتِ مخسرتيش أديم. وحياتك عندي يا كاميليا لجيبه تحت رجلك هو اللي يترجاكي إنك تتجوزيه.
قال كلماته بحقد واضح وغضب.
لتلمع عيونها بالدموع وهي تقول:
- أديم مش شايفني أصلاً. وأوامر طنط شاهيناز خليته يكرهني يا طارق. وأنا مش هقبل أبداً إني أتجوزه لا بالأمر ولا بالغصب.
تحركت من أمامه ونظرت إلى الليل الذي يشبه حياتها مظلم وموحش وقالت:
- أنا حبيت أديم عشان هو أديم الحنين. الراجل المسؤول اللي كان بيهتم بيا وبيخاف عليا. لكن هو كان شايفني زي سالي ونرمين. وعشان كده أنا مش زعلانه منه. لأنه مش ذنبه إني صدقت كلام طنط شاهيناز ومأخدتش بالي إن الحب مش بالأمر.
كان ينظر إليها بضيق شديد. ولم يعد يحتمل أن يظل صامتاً. فأقترب منها وأمسك ذراعها بقوة وهو يقول من بين أسنانه:
- إيه الضعف ده. إزاي تبقى أخت طارق الصواف وتبقى ضعيفة ومستسلمة كده. لو عايزة أديم يبقى لازم تعملي كل حاجة وأي حاجة عشان يبقى ليكي ويبقى ملكك. مش تستسلمي وتقولي مش ذنبه إنه محبكيش. غصب عنه يحبك طالما أنتِ عايزاه يحبك. أنتِ فاهمة.
قال آخر كلماته وهو يدفعها إلى الخلف لتشعر بالخوف لأول مرة من أخيها ومن أفكاره التي تحمل الكثير من التكبر والغرور والحقد أيضاً. أنه يصبح شبيه للسيدة شاهيناز السلحدار في كل شيء.
ظل الصمت هو سيد الموقف لعدة ثوانٍ. حتى تحركت هي في اتجاه الباب. لكنها وقبل أن تفتحه التفتت إليه وقالت:
- الحقد والغضب عمرهم ما كانوا بيسببوا السعادة يا طارق. بالعكس نهايتهم ديما هي الخسارة. خلي بالك.
ثم فتحت الباب وغادرت دون أن تسمع إجابته على حديثه. لكن تلك الإجابة وصلت لها حين سمعت صوت تكسير بعض الأغراض في غرفته. لتغلق عيونها بقوة وهي تقول بضعف:
- ياريتني قادرة أعمل زيك يا أديم. أسيب البيت ده وأبعد بعيد عن كل الغضب والكره اللي عشّش جوه القلوب وأقدر أبني حياة مريحة.
نفخت الهواء بضيق وقررت أن تنزل إلى الحديقة بدلاً من الذهاب إلى غرفتها.
***
حين عاد أديم إلى البيت مساءً. من أول خطوة داخل شقته شعر بلمساتها. حتى أن عطرها كان يملأ أرجاء بيته. أغمض عينيه وهو يتنفس ذلك العبير الأخاذ. بعض من عطرها مختلط بمساحيق التنظيف المعطرة بالأزهار المعروفة. أغلق الباب وهو على نفس الحال. وظل على وقفته لعدة ثوانٍ. ثم فتح عينيه ليجدها تقف أمامه تنظر له باندهاش.
رفع حاجبه الأيسر وقال:
- هو أنتِ لسه هنا؟
أومأت بنعم وهي تقول بصوتها الهادئ:
- أسفة يا بيه. بس أنا لسه مخلصة شغل حالاً.
قطب جبينه من كلماتها. لكنه اقترب منها عدة خطوات وهو يقول ببعض الضيق على حالها:
- أنا اللي أسف يا ونس. تعبتك. أنا عارف إن البيت مكنش نظيف خالص.
وقاطعته وهي تقول بخجل:
- ده شغلي حضرتك بتعتذر على إيه. أنا في خدمتك ديماً. كفاية معاملة حضرتك الكويسة معايا.
ابتسم لها بود وعيونه تنظر في كل مكان وقال يمدح عملها:
- بس بصراحة الله ينور. أنا معرفتش الشقة من النظافة. تسلم إيدك.
نظرت أرضاً بخجل. ليبتسم هو لذلك الجمال الطبيعي خاصة مع خصلات شعرها المتناثر حول وجهها بشكل غجري. متمرد. لكنه انتبه من تأملها حين قالت:
- أحضر لحضرتك العشا. ولا أجيب لحضرتك شوية ميه سخنة لرجلك.
ظهرت معالم البلاهة على وجه وهو يقول خلفها:
- ميه سخنة. إيه شغل أمينة وسي السيد ده.
وضحك بمرح وهو يكمل كلماته:
- مش لايق عليا دور السيد أحمد عبدالجواد ده. أنا مش مريض نفسي ولا راجل نسوانجي ولا عندي عقدة نقص وبعوضها بقهر الستات.
كانت تنظر له باندهاش. خاصة من تحليله لشخصية سي السيد بدقة وبتلك الطريقة. لكنها خرجت من أفكارها سريعاً وقالت:
- يبقى هحضر لحضرتك العشا عشان أغسل المواعين قبل ما أمشي.
نظر إلى ساعته وقال برفض:
- لا أنتِ كده هتتأخري. من فضلك بس جهزي الأكل على السفرة وروحي على طول وأنا هبقى أغسلهم.
وتحرك من أمامها متوجهاً إلى غرفته. ظلت هي واقفة في مكانها تحاول استيعاب تلك الشخصية. هل هذا حقاً أديم الصواف. الابن الأكبر لعائلة الصواف. من يدير أعمال عائلته. ويمتلك نصف المدينة.
رفعت كتفيها بعدم اهتمام وتوجهت إلى المطبخ تعد الطعام حتى تعود إلى المنزل. فوالدتها ستقابلها بسلاحها الفتاك بسبب تأخرها. وفي الحقيقة رأسها لم يعد يحتمل.
***
في صباح اليوم التالي كانت نرمين تقف أمام والدتها بثبات وقوة. ونظراتها تحمل الكثير من التحدي. خاصة وهي ترى نظرات الشر المطلة من عيون شاهيناز هانم التي لا تقبل الرفض أو الخروج عن طوعها. لكن نرمين قد أخذت قرارها ولن تتراجع عنه. لكنها الآن تشعر بالندم. كان عليها أن تتصل بأخيها تطلب منه الحضور والوقوف بجانبها. لكن لا يهم هي قادرة على مواجهة الموقف. وخوض حربها بمفردها.
- أنتِ قولتي إيه يا نرمين. قرار إيه اللي أخدتيه. ومن امتى حد غيري بيقرر.
قالت شاهيناز كلماتها بغرورها المعتاد.
لتقول نرمين بهدوء:
- ده كان زمان يا ماما. لما كنا صغيرين. ومصلحتنا حضرتك بس اللي تعرفيها. لكن دلوقتي إحنا كبرنا وعرفنا مصلحتنا فين. وأنا مش هتجوز طارق. ولو كان فيها موتي. وحضرتك تقدري تقري الفاتحة عليا من دلوقتي.
تتحدها بكل هدوء. تصرخ في وجه تسلطها دون صوت مرتفع. أن عدوىٰ تمرد أديم تنتقل إلى نرمين. وعليها أن توقف كل هذا الآن.
وقفت بهدوء وأقتربت من ابنتها وقالت بأقرار:
- بس أنتِ هتتجوزي طارق يا نرمين.
ابتسمت نرمين ابتسامة صغيرة وقالت بهدوء رغم تلك النار المشتعلة داخل صدرها:
- أنا مش هعيش تعيسة عشان حضرتك قررتي إني أتجوز طارق. أنا مش الست اللي تقبل تعيش مع راجل خاين. ولا عمري هقبل بالقرف اللي طارق بيعمله. أنا لا معيوبة. ولا فيا نقص رغم إن مفيش حد كامل. عشان أقبل بحته صغيرة من راجل. راجل قرر إنه يكون مباح لكل واحدة رخيصة. راجل قلبه وجسمه مبقاش فيهم مكان لأثر حد جديد. أنا مش هتجوز طارق وده قرار نهائي.
وتحركت من أمام والدتها مغادرة البهو الكبير. أيضاً قاطعة حوار سوف يمتد لوقت طويل. فهي أكثر من تعرف والدتها. أنها لن تتراجع عن قرارها. وكلماتها القادمة سوف تحمل الكثير من التجريح. وهي لن تتحمل الآن.
وبالفعل كانت شاهيناز على وشك فتح القصة القديمة. وقول ما سيجرح كرامة ابنتها ويكسر كبريائها أمام نفسها. لكنها لم تتوقع قوة نرمين ولم تتخيل أن تقف أمامها بتلك الطريقة.
وعند باب المكتب كان يقف هو دون أن يراه أحد أو يشعر به. واستمع لكل ما حدث. فلمع الغضب الذي لا يهدأ في عينيه. وأخرج هاتفه وقال بصوت عصبي حين وصله صوت محدثه:
- أنا عايز اللي اتفقتنا عليه يخلص في أسرع وقت. ده لمصلحتك قبل ما يكون لمصلحتي.
***
في صباح اليوم التالي ومثل الأمس وقفت أمام الباب لعدة ثوانٍ. ثم أخرجت المفتاح من حقيبتها وفتحت الباب.
حين دلفت كان الهدوء يعم المكان. لكن هناك شيء مختلف عن الأمس. باب الشرفة مفتوح على اتساعها. هل استيقظ؟ أم أنه نسي الباب مفتوح منذ الأمس؟
أقتربت من الشرفة بعد أن وضعت حقيبتها على إحدى الكراسي. لكن صدمة كبيرة كانت تنتظرها حين دلفت من باب الشرفة. أنه نائم على إحدى الكراسي الموجودة بالشرفة. ممدد ساقه على كرسي آخر وفوق ساقه جاهزة اللوحي. من الواضح أنه كان يعمل وغلبه النعاس فنام طول الليل على هذا الكرسي.
أقتربت منه برفق وهي تنادي:
- باشمهندس أديم. أديم بيه.
ولا حياة لمن تنادي. أنه لا يشعر بها ولم يستمع لها. رفعت يدها تربت على يديه. لكنه أيضاً لم يظهر أي استجابة للمساتها. رفعت عيونها إلى وجهه وعقلها يخبرها أن هناك كارثة كبيرة قد حدثت. وضعت يدها على جبينه لتجده كجمرة من النار. لتلمح شفتيه بلونها الذي تحول إلى الأزرق. لتشهق بصوت عالي وهي تركض خارج الشرفة ومباشرة لخارج المنزل.
لم تستخدم المصعد ولكنها أخذت درجات السلم كلها ركضاً وبسرعة حتى وقفت أمام عبدالصمد وقالت:
- أديم بيه.
وتلك الكلمات كانت كافية أن تجعله يتحرك سريعاً إلى المصعد ومباشرة إلى الشقة وهي خلفه.
***
فتح عينيه ليجدها تجلس على السرير تحاوط ساقيها بذراعيها وعيونها شاخصة تنظر إلى شيء ما. حرك حدقة عينيه ينظر إلى ما تنظر إليه ليجدها صورة زفافهم. وكأنها شعرت به قد استيقظ فقالت دون أن تنظر إليه:
- كان يوم جميل جداً.
قطب حاجبيه بعدم فهم. لتكمل هي كلماتها:
- صحباتي كلهم بيحسدوني عليك. ويوم الفرح كانوا هيموتوا عليك. حتى إن واحدة منهم قالت لي إنك كتير عليا.
اعتدل جالساً ينظر لها باهتمام. ينتظر أن تكمل كلماتها. لكن هناك دمعة انحدرت من جانب عينها صدمته. لكن كلماتها صدمته أكثر.
- طول عمري لعبة في إيد ماما. عروسة حلاوة زي ما أديم بيقول. لكن محدش أبداً فهم سالي من جوه عاملة إزاي ولا حد سألها مرة نفسها في إيه.
- سالي نفسها في إيه.
سألها بهدوء لتنظر له بعيونها التي تلمع بسبب الدموع التي تملئها دون أن تغادرها. وبعد عدة ثوانٍ قالت بصوت مختنق:
- نفسي أتحب يا حاتم. نفسي أتحب.
وغادرت السرير سريعاً متوجهة إلى الحمام الذي أغلقت بابه وجلست خلفه أرضاً تبكي بصوت عالي. وصله في مكانه ليشعر بالتخبط حقاً. من هذه التي تبكي طلباً للحب. ومن هي سالي الذي تزوجها. هل هي تلك العروس الملونة التي تشبه الدمية والتي تحركها شاهيناز هانم بحركة من إصبعها. أم هي تلك الفتاة الرقيقة بين طيات مذكراتها. أم هي تلك الفتاة البريئة التي تتوسل الحب الآن. من تلك المرأة الذي تزوجها. وماذا عليه أن يفعل معها ولها الآن.
***
منذ أمس وهي تغلق باب غرفتها بالمفتاح تبتعد تماماً عن والدتها أو الاختلاط مع أي شخص. ترتب أفكارها وتشحن قوتها. وحتى لا تسمح لأي شخص بالدخول لها. جلست على سريرها والهاتف على أذنها تتصل بأخيها تطلب منه العون. ظل الرنين حتى فصل تماماً. لتقطب جبينها بحيرة أن أديم لا يتأخر في الرد عليها أبداً. فأعادت الاتصال به. وحين شعرت أنه استجاب إلى اتصالها قالت بلهفة:
- أديم أنت فين. مش بترد ليه.
- أديم بيه تعبان والدكتور عنده.
قالت ونس كلماتها بصوت مختنق.
لتقول نرمين بقلق وخوف واضح:
- أخويا ماله. إيه اللي حصل. هو فين.
- في شقته.
أجابتها ونس بصوت مختنق بالدموع.
لتغلق نرمين الهاتف وهي تنهض لتفتح باب غرفتها. ومباشرة إلى جناح أختها وزوجها تطرق بابهم بقوة. فتح حاتم الباب سريعاً. وقبل أن ينطق بكلمة. قالت:
- الحق أديم يا حاتم. ألحقه.
لم ينتظر ليفهم. ولكنه دلف إلى الغرفة من جديد ومباشرة ارتدى ملابسه وعاد إليها وهو يقول:
- ماله. إيه اللي حصل. ما أنا كنت مكلمه امبارح وكان كويس.
لكنه أيضاً لم يهتم ليستمع إلى ردها وغادر مباشرة. حين خرجت سالي من الحمام ولاحظت الباب المفتوح وخرج حاتم الذي لم يهتم لبكائها أو كلماتها. لكن وقوف نرمين عند الباب لفت انتباهها. فأقتربت منها وهي تقول:
- في إيه.
- أنتِ معيطة.
سألتها نرمين بصدمة. وأقتربت منها وهي تكمل باستفهام:
- أنتِ متخانقة مع حاتم.
هزت سالي رأسها بلا. وقالت بصوت مختنق:
- لا دي شوية هرمونات. أنتِ اللي واقفة كده ليه. وحاتم راح فين.
قصت عليها ما حدث لتقول بهدوء:
- ومين البنت دي.
لترفع نرمين حاجبيها بصدمة ولم تجب على سؤالها. لكنها اتصلت بحاتم. وحين أجابها قالت:
- أول ما توصل طمني عليه.
أغلقت الهاتف بعد أن استمعت لرده. والتفتت تنظر إلى أختها باندهاش ثم غادرت. لم تهتم بكل ما يحدث. فهي كانت غارقة في أفكارها. وشكها الذي سكن روحها. حاتم قد زهدها ولم يعد يحبها. لقد خسرت. لتغلق باب الغرفة وجلست خلفه تبكي بقهر وحزن وهي تقول:
- أنا خلاص خسرت. خلاص خسرت.
***
كانت تقف أمام باب غرفته تنتظر خروج الطبيب. والذي يرافقه حارس العقار. حين سمعت طرقات قوية وعالية على باب البيت. ركضت حتى تفتح لتجد شاب وسيم بشكل يصدم بنظارة طبية فيه كثيراً للممدد داخل الغرفة. كان ينظر لها باندهاش والقلق يطل من عينيه. فهمت أنه أحد أقارب أديم. فأشارت إلى الغرفة وهي تقول:
- الدكتور معاه جوه.
ظل ينظر إليها باندهاش. لكنه تحرك إلى الداخل يطمئن أولاً على أديم ثم يفهم من تلك الفتاة وما هي قصتها. وماذا تفعل هنا. فتح الباب ودلف إلى الغرفة وهو يقول:
- خير يا دكتور.
نظر إليه الطبيب وقال بهدوء:
- دور برد بس شديد شوية. من الواضح إنه اتعرض لهوا جامد.
صمت لثوانٍ ثم قال:
- مين اللي قاعد معاه هنا عشان أقوله على تعليمات الدوا.
كاد أن يقول إنه يسكن بمفرده. لكن عبدالصمد قال. وخرج من الغرفة. ليقطب حاتم حاجبيه باندهاش وهو يردد الاسم. ثوانٍ قليلة وعاد عبدالصمد وخلفه تلك الفتاة التي فتحت له الباب. ليقول الطبيب بهدوء:
- أنتِ اللي عايشة معاه هنا.
أومأت بنعم. ليقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة وقال:
- الأدوية دي ياخدها في مواعيدها. ويشرب سوايل كتير. وأنا هعدي عليه كمان يومين. بس لازم يفضل مرتاح ومدفي ودرجة حرارته هترتفع. كمادات مع الأدوية هيبقى كويس.
وحيا حاتم بإيماءة صغيرة وغادر وخلفه عبدالصمد الذي أخذ الورقة المكتوب فيها الوصفات الطبية. ليقف حاتم أمامها وهو يقول:
- أنتِ مين. وإيه بتعملي إيه هنا. وإزاي يعني عايشة معاه.
رفعت حاجبيها بمكر ولمعت عيونها بدهاء. لتجحظ عينيه بصدمة وهو يفهم الآن من هي. واحتدت نظراته. لكنها قالت ببرائة:
- أنا بشتغل هنا. وأديم بيه بيعطف عليا.
ابتعد حاتم ينظر إليها بشك. حين عاد عبدالصمد وبين يديه حقيبة بلاستيكية بها الدواء. لتأخذ ونس الحقيبة وتحركت في اتجاه أديم وبدأت في إعطائه الدواء. أمسك حاتم بيد عبدالصمد. وغادر الغرفة. وحين وقف في منتصف صالة بيت أديم قال من بين أسنانه:
- مين البت اللي جوه دي. وبتعمل إيه هنا.
ليخبره عبدالصمد بكل شيء. ليقطب حاتم حاجبيه بحيرة وشك. لكنه كان يفكر هل من الصواب ترك أديم بمفرده مع تلك الفتاة وهو في تلك الحالة. نظراتها لم تريحه. ظل يفكر لعدة ثوانٍ. ثم أشار لعبدالصمد بالرحيل. وأخرج هاتفه واتصل بنرمين التي أجابت فوراً. ليقول مباشرة:
- البسي وهاتي معاكي هدوم وتعالي بسرعة على شقة أديم. بسرعة يا نرمين.
رواية ونس الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي
بدافع خوفها على أخيها، أحضرت حقيبة صغيرة ووضعت بها الملابس، وأبدلت ملابسها. عند باب غرفتها وقفت قليلاً تشحن طاقتها استعداداً لما سيحدث بالأسفل. العقبة الكبرى، شاهيناز هانم السلحدار.
أخذت نفساً عميقاً وتحركت بقوة وثبات. من يراها يعترف أن تلك الفتاة لا تخشى شيئاً أبداً. لكن لو تطلعوا إلى عمق عينيها لشعروا بارتجاف قلبها بتجويف صدرها، ولمسوا خوفها. لكن لتنتهز الفرصة، فرصة مرض أديم ولتغادر ذلك البيت الذي يخنقها، ولتبتعد فترة عن ضغط والدتها، وأيضاً بعيداً عن طارق. طارق التي أصبحت تشعر تجاهه بالاحتقار وتشعر بالغضب من نفسها، بسبب إحساسها الذي يملأ قلبها وتركض خلفه روحها، ويؤكد عليه عقلها التي اكتشفت كم هو خاوي، وتحتاج دائماً لمن يوجهها وينصحها ويفتح لها أبواب الحقيقة.
كل هذا كانت تفكر فيه وهي تنزل درجات السلم في اتجاه البهو الخاص بقصر الصواف، ومن مكان والدتها الثابت.
وقفت نرمين أمامها وبهدوء شديد قالت:
"أديم تعبان وأنا رايحة أقعد معاه يومين لحد ما يتحسن."
وقفت شاهيناز عن الكرسي الخاص بها، والذي يشبه كرسي العرش يتوسط البهو ولا يجلس عليه غيرها. وقالت والشرر يتطاير من عينيها:
"أنتِ بتلوي دراعي يا نرمين."
رفعت نرمين كتفيها وهي تقول:
"ليه؟ أنا بقول لحضرتك أديم تعبان وحاتم اتصل بيا وطلب مني إني أروحه علشان هو لوحده."
"دي لعبة بتلعبيها أنتِ وأخوكي، بس خدي بالك أنا مش هقبل أبداً بده، وإللي قولته هو إللي هيتنفذ."
ظلت نرمين تنظر إلى والدتها بيأس من أن تتغير تلك المرأة يوماً، أو تكون أم حقيقية لهم وليست شاهيناز هانم السلحدار، كبيرة عائلة الصواف. أخذت نرمين نفساً عميقاً ثم رفعت يد حقيبة ملابسها وقالت قبل أن تتحرك لتغادر القصر:
"حضرتك حرة في أفكارك، وكمان في قراراتك، بس قراراتك في إللي يخصك يا أمي مش في إللي يخص حياتنا، أنا رايحة لأخويا."
وتحركت من أمامها لتشتعل عيون شاهيناز بغضب كبير. لتمسك بهاتفها وبعد أن ضغطت على زر الاتصال ووصلها صوت محدثها، قالت بأمر:
"تعالي لي حالاً."
وأغلقت الهاتف وهي توعد الجميع.
***
ظل حاتم جالس في مكانه على الأريكة في صالة منزل أديم يفكر. هل هناك شيء خاص بين أديم وتلك الفتاة، كما شعر من كلماتها ونظرات عينيها؟ أم يصدق كلمات عبدالصمد الذي يصف الموقف ببساطة أنها مجرد خادمة يعطف عليها أديم حين وجدها بحاجة إلى عمل. لكن ورغم ملابسها البسيطة، إلا أن هيئتها، وخصلات شعرها، ونظرات عينيها له جعلته يشعر بأن خلفها سر كبير، أو شيء ما. لكن قلبه لم يشعر بالراحة تجاهها.
طرقات سريعة على باب الشقة جعلته ينتفض سريعاً حتى يفتح لنرمين، التي يرتسم على ملامحها الكثير من القلق والخوف. وحين وقعت عيناها على حاتم، سألته بلهفة:
"ماله أديم؟ فيه إيه؟"
ألتفت حاتم ينظر إلى الممر المؤدي للغرف، ثم عاد بكل اهتمامه وقال:
"متقلقيش، دور برد شديد. بس أنا مطلبتش منك تيجي علشان كده."
قطبت حاجبيها بعدم فهم ليقول هو بقلق واضح:
"تعالي معايا."
وتوجه إلى ممر الغرف بعد أن أغلق الباب. سارت خلفه وهي تشعر بعدم الفهم. لكن الصدمة حين وجدت تلك الفتاة المميزة بشعرها الغجري وعيونها الواسعة ترتب ملابس أديم في الخزانة. لتنظر لحاتم باستفهام، لينظر إليها بابتسامة صفراء وقال بهمس:
"اتصلت علشان كده."
ظلت تنظر إليه بصدمة وهي تحاول ترجمة الأمر. لتنتبه ونس لهما، فأغلقت الخزانة ونظرت في اتجاههما. ليقول حاتم ببعض الغضب:
"انسة نرمين أخت باشمهندس أديم، وهي هتفضل مع أخوها خلال مرضه. تقدري تروحي."
تراجعت ونس خطوتين للخلف بصدمة، ثم نظرت في اتجاه أديم لعدة ثوانٍ، ثم قالت:
"تحت أمر حضرتك."
ثم أمسكت حقيبة الأدوية وقالت:
"دي الأدوية إللي الدكتور قال عليها، وفي دوا هيتاخد بعد ساعة."
أخذت نرمين الحقيبة من يدها لتغادر ونس مباشرة ودون أي كلمة. لكن حاتم لحق بها ليراها تدلف إلى المطبخ، وبعد عدة ثوانٍ عادت وبين يديها حقيبة يدها ومباشرة في اتجاه الباب. ليقول:
"ثانية لو سمحتي."
وقفت مكانها والتفتت تنظر إليه بهدوء. ليقول هو ببعض التعالي رغمًا عنه:
"مقولتليش، ليكِ كام قبل ما تمشي."
احتدمت نظراتها لعدة ثوانٍ واختفت سريعاً قبل أن يراها حاتم. وعادت عيناها تنظر إلى الأرض وقالت بصوت مختنق:
"خير الباشمهندس سابق. كثر خيركم."
تركته وغادرت غالقة الباب خلفها. ليشعر حاتم ببعض الضيق، والقليل من الذنب. لكنه أيضاً شعر بالراحة بعد رحيلها.
***
عاد حاتم إلى البيت وكانت في انتظاره شاهيناز، الشرر يتطاير من عيونها. وبمجرد دخوله من باب القصر، وقفت شاهيناز وقالت بغضب:
"لا أنت ولا البيه التاني تروحوا الشركة النهاردة، وسايبين كل حاجة فوق راس طارق لوحده."
ابتسم حاتم بجانب فمه وأخفض رأسه قليلاً ثم قال:
"أديم عيان. أنا لسه جاي من عنده، وسايب نرمين معاه علشان مش بيقدر يقوم من على السرير."
وأقترب عدة خطوات أكمل قائلاً:
"وأنا جاي أغير هدومي ورايح على الشركة. الشركة إللي حضرتك بتنسي أني مش مجرد موظف فيها، أنا شريك."
نفخ الهواء من صدره بقوة، ثم قال:
"بعد إذنكم."
تركها وصعد إلى الأعلى. الغضب يجعله يريد الانفجار في أي شخص الآن. أن الصدمات تتوالى عليه منذ ما حدث مع سالي وقراءة مذكراتها وكلماتها له صباحاً. وأديم وتلك الفتاة الغريبة التي أثارت بداخله الشكوك. هل صديقه وابن عمه الذي يعرفه كما يعرف نفسه يستطيع أن يفعل هذا؟ أم أن عرق الغرور في عائلة الصواف نبض الآن وعمى بصيرته عن حقيقة الأمر، وأنها مجرد خادمة تأتي إليه لتهتم ببيته فقط.
ظفر بقوة وهو يفتح باب الغرفة ليصدم بما رآه. الغرفة كل شيء بها منقلب رأس على عقب، وكأن إعصار قوي ضربها دون رحمة. انقبض قلبه بخوف لا يعلم سببه. وتحركت قدماه دون إرادة منه وعيونه تبحث عنها بخوف. ليقف مكانه بعد أن تخطى السرير إلى الجهة الأخرى ليجدها تجلس أرضاً، خصلات شعرها متناثرة جوارها وبين قدميها المقص مفتوحاً. الدموع تغرق وجهها.
جلس على ركبتيه أمامها بعد أن أغلق المقص وأبعده:
"سالي مالك؟ أيه إللي عمل فيكي كده؟ أيه إللي حصل؟!"
وقال الأخيرة بعصبية تصل حد الجنون من حالتها التي ألمت قلبه وجعلت جسده ينتفض بحمية ذكورية من أن تكون شاهيناز قد تحدثت معها بما يسوؤها. لكنها شهقت بصوت عالٍ ليكتشف أنها كانت تكتم أنفاسها وارتعشت نظراتها وهي تقول:
"كرهتني يا حاتم خلاص... خسرتك... مش... مش كده."
قطب جبينه بصدمة وهو يحاول فهم مقصدها وسبب حالتها، وأيضاً تلك الرعشة القوية التي تجتاح جسدها كل دقيقة وأخرى.
وقبل أن يسألها سبب قولها لتلك الكلمات، وجدها تمسك بيديه بقوة وهي تعتدل جالسة فوق ركبتيها:
"يأست مني وزهقت صح... ناوي تطلقني وتسيبني... هو أنت بتحب نرمين؟!"
لتجحظ عيونه بصدمة وهو يستمع لكلماتها التي تهذي بها. ولكن الغضب سيطر عليه للحظة. وأقترب منها يمسك ذراعيها بقوة وقال من بين أسنانه:
"أيه إللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنتِ اتجننتي؟"
"طيب ليه سيبتني وجريت بعد ما اتكلمت معاها؟ حتى دموعي وكلامي معاك مهتمتش بيه."
قالت كلماتها وهي تشهق من بين كل كلمة وأخرى. وأعتدلت تحوط وجهه بيديها والدموع تغرق وجهها حتى أنه يشعر بارتجاف جسدها ويشعر قلبه بالشفقة عليها. وكلماتها زادت تلك الشفقة والحزن أيضاً:
"أنا بحبك يا حاتم... صدقني بحبك... أنا آسفة عارفة إنك زعلان مني... صحيح مش عارفة ليه بس أنت بعيد عني أنت مش معايا... كلامك نظراتك... أنا بقيت أتمنى أن العيلة كلها تبقى معانا هنا في الأوضة علشان تفضل تعاملني بحب وتضمني... وعينك تضحك ليا ديماً... أنا آسفة... والله آسفة يا حاتم."
لم يتحمل قلبه كل ما هي به أكثر من ذلك، ليجذبها بشدة إلى حضنه يضمها بقوة حتى كاد يسمع صوت تكسر عظامها بين ذراعيه. وهمس بصوت هادئ حتى يطمئنها:
"شششش... أهدي يا سالي... أهدي يا حبيبتي... أهدي... مفيش أي حاجة من إللي أنتِ قولتيها دي... أنتِ مراتي وحبيبتي وبنت عمي... أهدي دلوقتي وأوعدك هنتكلم في كل حاجة أنتِ عايزاه."
شعر بحركة رأسها الضعيفة بنعم، رغم صوت بكائها الذي لم يهدأ. لكنه ظل يقبل رأسها ويزيد في ضمها. يغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول تجاهل الألم الذي يشعر به داخل قلبه، أو أن يختفي فجأة. لكن كيف وهو رآها على تلك الحالة؟ هل دمرها كبرياؤه وكرامته الذكورية؟
فتح عينيه بعد عدة ثوانٍ ثم حملها بين ذراعيه ووضعها على السرير ومازالت تخبئ رأسها في صدره. ولم تبتعد عنه. ظل بجوارها حتى شعر بجسدها يتراخى وتستسلم للنوم. لكنه لم يبتعد عنها. ظل يضمها بقوة وكأنها ابنته الصغيرة، الذي يخاف عليها من الهواء.
وعقله يفكر في حل لما حدث بينهم. ولكن أديم والشركة ماذا يفعل بهم؟ أغمض عينيه من جديد لكن بإرهاق وهو يقول:
"يارب... يارب."
***
مر يومان. كانت نرمين تهتم بأخيها الذي يفيق لعدة دقائق يتناول القليل من الطعام وهو في حالة بين النوم والاستيقاظ ويعود مرة أخرى إلى غيبوبته المؤقتة التي فرضتها عليه ارتفاع حرارته. كانت تشعر بالراحة في بيت أخيها بعيدًا تمامًا عن تحكمات شاهيناز هانم السلحدار، وأيضاً دون أن ترى طارق.
طارق. لوّت فمها بعدم تصديق وهي تتذكر وقفته أمامها قبل مغادرتها لقصر الصواف بنفس ابتسامته المتسلية وتلك الغمزة بعينه اليسرى. ثم رفع يديه لها بتحية عسكرية ورحل. هل يتحداها؟ هل ستستطيع الصمود أمامه وأمام والدتها التي تدعمه بقوة ولا تفهم سبب ذلك أيضاً؟ أحيانًا تشعر أن والدتها تحب طارق وتدعمه أكثر من أديم ابنها الوحيد، كبير عائلة الصواف.
أخذت شرفتها من كوب قهوتها، ثم أخذت نفساً عميقاً وهي تنظر لذلك المنظر البديع التي تطل عليه شرفة منزل أخيها. حين جائها همسه ضعيف من خلفها:
"نرمين."
التفتت تنظر إلى أخيها بصدمة وتركت الكوب من يدها وأقتربت تدعم وقفته، عائدة به إلى غرفته وهي تقول:
"أيه إللي قومك من على السرير بس يا أبيه؟!"
ساعدته ليتمدد على السرير ودثرته جيداً ليقول:
"هو إيه إللي حصل؟ وأنتِ هنا من إمتى؟"
أخبرته بكل ما حدث لكنها تجنبت أن تقول أي شيء عن طرد حاتم لتلك الفتاة. لكن أخيها لم يسمح لها بذلك حين قال:
"فين ونس؟ هي ما جتش النهاردة؟"
صمتت ولم تجب على سؤاله. ليعيده مرة أخرى بصوت أعلى، جعلها تقول كل شيء. ليقطب جبينه بضيق وقال بلهجة صارمة:
"نادي عم عبد الصمد وناوليني التليفون بتاعي."
أعطته التليفون وغادرت الغرفة حتى تنادي عم عبد الصمد كما طلب.
رواية ونس الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي
خرجت من الغرفة وهي تشعر بالدهشة من اهتمام أخيها بتلك الفتاة إلى هذا الحد، لدرجة أنه لم يسأل عما حدث معه أو سبب وجودها في منزله.
أخرجت هاتفها من جيب بنطالها وحاولت الاتصال بحاتم، لكنه لم يجب. نفخت الهواء بضيق، ثم توجهت إلى الباب لتنادي على حارس العقار.
كان هو الآخر في الغرفة يحاول الاتصال بحاتم، لكنه لم يجبه. فسبه بصوت منخفض وألقى الهاتف جانبه، وهو يريح رأسه الذي عاد يضرب بقوة بألم جعله يئن بصوت منخفض. أغمض عينيه علها تهدأ قليلاً حين وصله صوت طرقات على الباب، وبعدها دخول عبدالصمد الذي قال:
"ألف سلامة عليك يا أديم باشا."
فتح أديم عينيه شديدتي الحمرة وقال بصوت منخفض ومجهد:
"الله يسلمك يا عم عبدالصمد. أنت معاك رقم ونس؟"
نظر الرجل إلى نرمين، ثم عاد بنظره لأديم الذي رفع حاجبه بشر، ثم قال:
"لو الرقم معاك ومقولتليش دلوقتي أنا هعرف أجيبه، لكن اعمل حسابك إن ده هيكون آخر يوم ليك هنا في العمارة."
عاد عبد الصمد ينظر إلى نرمين، ثم نظر إلى أديم وقال:
"لأ معايا يا باشا طبعًا. هي أدتهولي وهي رايحة امبارح. كانت بتعيط وقالتلي لو لقيت حد محتاج خدامة يتصل بيهالي."
أغمض أديم عينيه بقوة، والغضب بداخله تجاه حاتم يتضاعف. لكنه أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"قولي الرقم."
كتبه خلف عبد الصمد على هاتفه وأشار له بالرحيل.
ظلت نرمين واقفة مكانها تنظر لأخيها الذي يضع الهاتف فوق أذنه، تحاول أن تفهم ما أهمية تلك الفتاة لدى أخيها، ولماذا كل هذا الغضب بداخله بسبب غيابها. أصبح السؤال الأهم والأخطر يدور في رأسها: هل هناك شيء خاص بين أخيها وتلك الفتاة؟
هي لن تنكر أن الفتاة جميلة بشكل مميز، شعرها الغجري الذي يحيط وجهها، وعيونها التي تلمع ببريق قوي يخطف كل من ينظر إليها، وملامحها المحددة وكأنها رسمت بريشة فنان موهوب. لكنها مجرد خادمة. آآه. من الممكن أن يكون أخيها قد وقع في فخها. شعرت بالضيق من مجرد التفكير، لكن موقف أخيها الآن ليس له تفسير غير هذا.
انتبهت من أفكارها على صوته حين قال:
"ونس."
صمت لثوانٍ، لكن نظرة الغضب في عينيه قد اختفت، واختفت عروق وجهه التي كانت تبرز بقوة. ليقول من جديد:
"أنا أديم الصواف."
صمت مرة أخرى لعدة ثوانٍ، ثم قال ببعض الضيق:
"أنا عرفت إللي حصل، وبعتذر جدًا ليكِ. ولو معندكيش مانع أنا منتظرك من بكرة عشان ترجعي شغلك."
صمت لثوانٍ، لكن في تلك الثواني القليلة تقلبّت ملامحه بين الانتظار والضيق، ثم الابتسامة ببعض الارتياح، خاصة حين قال:
"خلاص اتفقنا. منتظر أفطر من إيدك بكرة. مع السلامة."
أغلق الهاتف ووضعه بجانبه. ظل الصمت هو سيد الموقف بعد تلك المحادثة الهاتفية، لكن نرمين لم تستطع الصمت أكثر من ذلك، فأقتربت منه وجلست على السرير أمامه وهي تقول باستفهام يغلفه بعض العصبية:
"أنا ممكن أفهم إيه أهمية البنت دي عشان تديها كل الاهتمام ده يا آبيه؟ دي مجرد خدامة. حاتم حس إنها مش مريحة فمشاها."
كان الغضب يرتسم على ملامحه مع كل كلمة تقولها، وحين انتهت قالت بصوت ضعيف رغم حدته:
"هو غرور وجبروت عيلة الصواف ده ملوش حدود. حتى أنت وحاتم."
صمت لثوانٍ، لكن نظراته الحادة لم تهدأ لحظة، لكنه أكمل قائلاً بقوة:
"ثم مين سمح لكِ أو لحاتم إنكم تأمروا وتنهوا في بيتي. ده مش قصر الصواف. ده بيت أديم وأنا الوحيد إللي ليا الحق إني أقرر مين يقعد فيه ومين يمشي."
تجمعت الدموع في عيون نرمين وهي تقف تنظر إليه بصدمة قائلة:
"يعني أنت مش عايزني هنا يا آبيه؟"
ظل صامتًا لعدة ثوانٍ حتى شعرت أن قلبها قد سقط في قدميها، لكنه قال بهدوء:
"ده بيت أخوكي يا نرمين. يعني بيتك. وأهلاً بيكي في أي وقت. لكن -"
"لكن!"
رددت خلفه بصدمة. ليكمل بنفس الهدوء:
"لكن هنا مش قصر الصواف. هنا مفيش الغرور والتعالي. هنا مفيش التسلط والتجبر. لازم تبقي عارفة إنّي مش هقبل منك أي معاملة سيئة لـ ونس. ومش معنى إن ظروفها حكمت عليها إنها تشتغل في البيوت ده يدينا الحق إننا ندوس عليها بجزمتنا. بالعكس إحنا لازم نحترمها ونحترم مجهودها وتعبها ده."
ظلت تنظر إليه دون أن تتغير تعابير وجهها، لكنها كانت تفكر في كلماته. تعلم أنه محق، لكنها وبدون إرادتها تشعر بالغضب من تلك الفتاة. تلك التي أخذت تفكير أخيها، حتى أنه لم يهتم لسؤالها عن حالها وماذا فعلت في أمر طارق، أو حتى يهتم لصحته.
جحظت عيونها بصدمة وإدراك حين أكمل كلماته قائلاً:
"تخيلي كده يا نرمين لو إنك مش من عيلة الصواف، وكنتِ من عيلة فقيرة، وعندك أخوات محتاجين أكل وشرب وعلاج، وأب أو أم تعبانين ومحتاجين علاج. كنتِ هتعملي إيه؟ ولو حكمت عليكي الظروف إنك تشتغلي في البيوت أو عند حد. تحبي الناس تعاملك إزاي؟"
صمت حتى يترك لها المساحة حتى تفكر في كلماته، تدرك معناها جيدًا. ثم أكمل بعد عدة لحظات:
"أنا بس كل إللي طالبه منك إنك تحسي بغيرك. وتعرفي إن كلنا بشر. مش عشان هما فقرا يبقوا أقل مننا. في فقرا بس عندهم حاجات أنا وأنتِ ندفع كل إللي نملكه عشان يبقى عندنا زيهم. عندهم حب الأسرة. عندهم أب وأمان وحماية وأم حنينة وحضن كبير. عندهم إحساس بالآخرين. عندهم مشاعر يا نرمين. مشاعر خارجة من قلوبهم من غير انتظار مقابل ولا فيها زيف عشان المال والمصالح."
كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها وهي تستوعب كلمات أخيها وأفكاره. أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
"خليني أرتاح شوية ولما أصحى نقعد مع بعض. عشان تقوليلي عملتي إيه مع طارق."
ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تومئ بنعم، وغادرت الغرفة.
***
يجلس في مكتبه بالشركة ينفخ بغضب أن كل مخططاته تفشل ولا يفهم السبب. أنه يحكم الخطة جيدًا من جميع الجهات، ولكن دائمًا يحدث شيء ما. عليه أن يجد حلًا جديدًا، عليه أن يفكر في خطة جديدة. هو لن يتنازل عن كل أحلامه أبدًا وسيحقق انتقامه مهما تطلب الأمر. وإن وصل الأمر إلى القتل فهو لن يتردد لحظة.
انتبه لصوت هاتفه وذلك الاسم المميز الذي ينير شاشته الآن. هل هناك أخبار جديدة؟ أجاب سريعًا ليصله صوتها الأنثوي الجميل. ليبتسم وهو يسمع ما تخبره به. ثم أغلق الهاتف وهو يقول:
"واضح إن كفة الميزان بدأت تعتدل من جديد."
ليقف ويتوجه إلى النافذة الزجاجية الكبيرة ينظر أمامه بسعادة وهو يقول لنفسه بتمني:
"قريب أوي يا أديم هشوفك مذلول وهشفي غليلي منك. ورحمة أبويا لـ نتجوزك يا نرمين. وبكرة تشوفي طارق الصواف هيعمل فيكي إيه."
***
أغلق الحقيبة ووضعها بجوار الأخرى بجوار الباب ونظر إليها من جديد. مازالت نائمة. لقد اتصل بمراد يسأله عن تلك الحالة وأخبره بحتمية إصابتها بالاكتئاب. ونصحه بالبعد قليلًا عن القصر، وأن يذهب بها إلى مكان هادئ ويحاول التحدث معها فيما يضايقها ويحاول أن يجد حلول. وإذا فشل في ذلك فعليه أن يلجأ لطبيب نفسي. لذلك أخذ القرار دون تردد ولو للحظة. اتصل بإحدى المنتجعات وحجز غرفة هناك. جهز الحقائب ولم يتبق إلا استيقاظها.
أقترب منها وجلس بجانبها وهو يهمس باسمها، يداعب بيديه خصلات شعرها المقصوصة بعشوائية. يشعر بغصة قوية بقلبه، لكن عليه أن يكون قويًا حتى يستطيع أن يحل تلك المسألة وعليه أيضًا أن يجد حلًا لكل ما حدث بينهم.
***
تجلس في مكانها المعتاد، تضع قدمًا فوق الأخرى. من يراها يشعر أن تلك السيدة لا تحمل همومًا ولا يعمل عقلها الآن كطبول الحرب بلا هوادة. وإن بداخلها براكين من نار. لو خرجت حممها لحرقت الأخضر واليابس ولم تبقِ على أحد.
أقتربت كاميليا من مكان جلوسها وقالت بصوت هادئ:
"هي نرمين لسه مرجعتش من عند أديم؟"
لم تجبها شاهيناز بأي شيء. هي في الأساس لا تعطيه أهمية كبيرة الآن. الأهم نرمين وطارق ووقوف نرمين أمامها بتحدي بل وتحتمي بأخيها وتلجأ لبيته في رسالة واضحة بتهديد وقدرتها على ترك قصر الصواف.
قطبت كاميليا حاجبيها باندهاش، لكنها أيضًا شعرت بالخوف، فصمت شاهيناز السلحدار يعني أن هناك كارثة كبيرة سوف تحدث، وإن هناك حرب تدق طبولها الآن.
وبدأتها الأن، حين رأت حاتم ينزل درجات السلم يضم سالي التي يبدو عليها التعب، وخلفهم إحدى الخادمات وبين يديها حقائب.
لتقف شاهيناز تنظر إليهم باندهاش وقالت باستفهام:
"على فين إن شاء الله؟"
"مسافرين يومين."
أجابها حاتم بهدوء شديد. لتقول هي بغرور موجهة حديثها للخادمة:
"رجعي الشنط دي. مفيش حد مسافر لي."
قطب حاتم حاجبيه وأشار للفتاة أن تقف مكانها وقال بغضب:
"حضرتك بأي حق بتمنعيني إني أسافر أنا ومراتي؟"
"مراتك دي بنتي. وليا الحق إني أمنعك تاخدها."
أجابته بغرور وأنف مرفوع. ليبتسم ابتسامة متسلية وأجلس سالي على الكرسي القريب ثم أقترب من شاهيناز وقال بقوة:
"حضرتك أمها آه. ليكي حق عليها آه. لكن إن يكون ليكي سلطة تقدري بيها تمنعيني إني آخد مراتي أي مكان. معتقدش."
صمت لثوانٍ ثم قال بإقرار:
"في الحقيقة أنا وهي كنا هنسافر يومين نغير جو ونرجع. بس دلوقتي إحنا هنسافر نغير جو وهنرجع على بيتنا الخاص. ما هو إللي حضرتك متعرفيهوش إن الست مكانها مع جوزها مكان ما يكون."
"أنا إللي جوزتهالك يا حاتم ولا نسيت. هي لا كانت بتحبك ولا بطيقك."
واجهته بقوة مشابهة وصوت عالٍ. ليبتسم من جديد وهو يقول:
"عدل وضعية الجاكيت وأغلق السحاب الخاص به وعاد يمسك بسالي التي كانت صامتة تمامًا وغادر القصر أمام عيون شاهيناز التي تشتعل الآن بنيران الغضب والحقد."
لتقترب كاميليا منها تقول بمهادنة بعد أن وضعت يدها فوق يد شاهيناز:
"يومين وهيرجعوا. شكل سالي تعبانة ومحتاجة تغير جو."
تنفض شاهيناز يد كاميليا عن يدها وهي تقول:
"متبقاش إلا أنتِ كمان عشان تديني نصايح وتقولي أعمل إيه ومعملش إيه."
وتركتها وصعدت إلى غرفتها لتنحدر دموع كاميليا بقهر وهي تفكر أن لا مكان لها هنا. ذلك القصر لا يريدها وهي أيضًا لا تريده ولا تريد سكانه.
***
كان يغلي غضبًا من الداخل لكنه هادئ تمامًا من الخارج. لكن من داخله نار حارقة تأكل قلبه وتلتهم روحه.
يعلم أن صديقه يتصل به من أجل تلك الفتاة. فقد أرسلت نرمين رسالة تخبره بما حدث. ليفتح أحد تطبيقات التواصل وأرسل رسالة صوتية وأغلق الهاتف تمامًا بعدها. فهو لن يشغل عقله بأي شخص الآن. هي فقط المهم والأهم. هي كل خطوطه الحمراء التي تخطتها الدنيا معه.
رواية ونس الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي
منذ أول خيوط النهار وهو مستيقظ ينتظرها … لا يعلم لماذا يشعر بهذا الشعور … أنه يشتاق إليها … نظراتها البريئة وجهها المليح … وخصلات شعرها الغجريه … التي تزين وجهها بشكل يجعل عينيه لا تستطيع النظر لشيء آخر غيره.
هل ما يشعر به هو فقط شفقة … أم أن هناك شيء آخر لا يستطيع تفسيره حتى لنفسه.
نظر إلى هاتفه للمرة التي لا يعلم عددها حتى يعرف كم الساعة … حين وصلته رسالة من حاتم … قطب جبينه بضيق وهو يفتحها ليصله صوت حاتم يقول:
“عرفت إنك عايز تولع فيا بجاز … بس مش مهم أنا عملت إللي شوفته صح وقتها … على العموم أنا سافرت أنا وسالي ومش عارف هرجع أمتى وكمان أتخانقت مع شاهيناز هانم … أنا هقفل تليفوني وتليفون سالي … متقلقش من وقت للتاني هبعتلك أطمنك علينا … وأدعيلي يا أديم لأني محتاج دعواتك حقيقي”
لتزداد تقطيبه حاجبي أديم بقلق لكنه يثق في حاتم.
أنشغل عقله بالتفكير في كلمات حاتم حتى استمع لقرع جرس الباب …. ليغادر سريره بشوق رغم إحساسه بالدوار إلا أنه يريد أن يفتح لها الباب.
خرجت نرمين من غرفتها حين سمعت جرس الباب ورأت أخيها يغادر الغرفة ليزداد إحساسها أن هناك شيء خاطيء في علاقة أخيها بتلك الفتاة.
***
كانت هي تشعر بتوتر وبعض الخجل لكنها حقًا تشعر بالسعادة لعودتها إلى هنا.
ورغم عنها تشتاق بشده لأن تراه .. تطمئن عليه … وتراه بعيونها سليم معافى.
كانت تنظر أرضًا في انتظار أن يفتح لها الباب وكان هو يقف خلف الباب يحاول أخذ عدة أنفاس حتى يهدئ من دقاته التي تصم أذنيه.
فتح الباب لترفع عيونها تنظر إليه ورغمًا عنها ابتسمت حين وجدته ينظر إليها بابتسامة واسعة وقال ببعض اللوم:
- أتاخرتي أوي يا ونس وأنا جعان أوى.
تدلف إلى الشقة بعد أن ابتعد هو خطوتان للخلف وهي تقول:
- أنا آسفه يا باشمهندس حالاً هجهز لحضرتك أحلى فطار.
وتوجهت إلى المطبخ ليغلق هو الباب وعاد ينظر إلى مدخل المطبخ وهو يبتسم … وكانت نرمين تتابع ما يحدث من ممر الغرف ببعض الإندهاش والصدمة.
ومن داخلها تتأكد أن حاتم كان معه حق حين طردها وعليها أن تبحث خلفها وفي تلك اللحظة أخذت قرارها أنها لن تعود للقصر الأن.
***
طوال الطريق وهي صامته تنظر إلى الأمام تشعر بالاندهاش إلى أين هم ذاهبون … وما حدث مع والدتها وكيف ظلت صامته تنظر إلى حاتم بإعجاب أنه يقف أمام والدتها بتحدي ومن أجلها هل حقًا هو يريد حل كل الأمور العالقة بينهم ولذلك قرر السفر حتى يكونوا بعيدًا عن مشاكل القصر.
كان هو يشعر بالضيق من صمتها لكنه تركها على راحتها … لا يريدها أن تناهر من جديد … أو تغضب .. ليصلوا إلى المنتجع وهناك لن يسمح لها بالصمت مره أخرى.
لكنها قررت كسر ذلك الصمت حين قالت:
- هو أنت وقفت قدام ماما علشان.
ينظر إليها باندهاش لكنه أجاب بهدوء وصدق:
- علشان إحنا الإتنين.
أخذ نفس عميق وهو يقول بتفكير:
- شاهيناز هانم فكرانا لسه الأطفال إللي بنقول حاضر ونعم وبس … مش عارف ليه مش قادرة تشوف إننا كبرنا خلاص وأننا لازم نخرج من البرواز إللي مكتفانا فيه.
ظلت صامته لعدة ثوانِ ثم قالت بشرود:
- بس أنت مش بتحبني يا حاتم إيه إللي هيختلف في ده لما نسافر ونبعد عن القصر؟!
نظر إليها بصدمة لكنه قال من بين أسنانه:
- تعرفي يا سالي آني أكتشفت إنك مش بس مجرد عروسة حلاوه خيوطها كلها في إيد شاهيناز هانم لا يا حبيبتي أنتِ ما شاء الله غبية كمان.
جحظت عيونها بصدمة وتجمعت بها الدموع ليرفع إصبعه أمام وجهها وقال بأمر:
- إياكِ تعيطي وياريت تسكتي لحد ما نوصل وهناك هسمعك وهتسمعيني …. بس يارب تفهميني.
قال الأخيرة برجاء يشوبه الكثير من الحزن …. لتمسح هي تلك الدمعه التي سقطت فوق وجنتها سريعًا وقالت بهمهمة لم يفهمها:
- نفسي أفهمك وأفهم نفسي.
***
بدأت ونس في تحضير طعام الإفطار مباشرة بعد أن تبادلت بعض الكلمات مع أديم الذي أعاد عليها اعتذاره مما قام به إبن عمه ووعدها بأن هذا لن يتكرر لتشعر بالخجل من كلماته وقالت بصوت رغم الخجل الواضح فيه إلا أنها كانت سعيدة وبشده:
- يا باشمهندس حضرتك كده بتكسفني أوي … محصلش حاجه خلاص وبعدين الأرزاق دي بتاعه ربنا.
ليشعر أديم ببعض الضيق من كلماتها لكنه لم يظهر هذا وقال بهدوء بعد أن شعر ببعض الدوار:
- طبعًا كل حاجه بأيد ربنا … أنا هدخل أرتاح شوية في الأوضة.
أومأت بنعم ليتحرك هو بهدوء قدر استطاعته حتى يظل متوازن ودلفت هي إلى المطبخ.
عادت من أفكارها وهي تضع الطعام فوق الحامل وقبل أن تتحرك خطوه واحدة وجدت من تقف أمامها تكتف ذراعيها وتنظر لها بغرور متأصل في شخصيتها لتبتسم ونس إبتسامة صغيرة لتقول نرمين بهدوء:
- ده فطار أبيه أديم؟!
أومأت ونس بنعم لتقترب نرمين وهي تحمل الحامل وتقول ببرود:
- جهزي إتنين عصير.
وغادرت المطبخ بخطوات واثقه ثابته لتلوي ونس فمها ببعض الضيق لكنها لم تقف عند هذا الموقف كثيرًا وتحركت تنفذ ما أُمرت به.
طرقت نرمين على باب غرفة أخيها ليبتسم هو بسعادة في انتظار صاحبة الشعر الغجري لكن تلك الإبتسامة اختفت لكنه حاول أن لا يُظهر لأخته إحباطه من كون هي من أحضرت الطعام وليس ونس.
اقتربت من السرير ووضعت فوق ساقه حامل الطعام وهي تقول بابتسامة رقيقة:
- الأكل ده كله يخلص علشان تاخد الدوا وتسترد صحتك بسرعة أنا محتاجالك.
ربت على يدها المستريحة فوق السرير جواره وقال بصدق:
- وأنا ديماً موجود علشانك وبما إنك صحيتي بدري أفطري معايا وأحكيلي إللي حصل مع طارق.
ظلت تنظر إليه بتردد ليشجعها بعينيه لتقص عليه كل شيء منذ البداية كان يستمع إليها وعيونه تطلق الشرر و الدماء تغلي في عروقه يود لو يذهب إليه الأن يهشم عظام وجهه لكن مع نهاية كلماتها ابتسم لها بتشجيع قائلاً:
- ده الصح طارق مينفعكيش يا نيمو للأسف هو أختار طريق غلط من الأول وفاكر أن هو الصح وللأسف شاهيناز هانم بتدعمه بكل قوتها وعلشان كده عايز أقولك متخافيش أنا في ظهرك ومش هسمح أبداً إن الجوازة دي تتم.
اقتربت من أخيها تضمه بقوه وهي تقول من بين دموعها وشهقاتها:
- ربنا يخليك ليا يا أبيه.
ثم ابتعدت عنه قليلًا وقالت ببعض الخجل:
- وعايزة أعتذرلك عن إللي حصل.
أومأ بنعم مع ابتسامة صغيرة دون أن يعلق على الحديث لتقف وهي تقول:
- أنا طلبت من ونس عصير ومش عارفه أيه إللي أخرها كده.
انتبهت تلك الواقفه خلف الباب والتي كانت تستمع لما يقال لتعود سريعًا إلى المطبخ وسريعاً فتحت المبرد لتخرج قوالب الثلج تضعها في أكواب العصير حين دلفت نرمين إلى المطبخ وهي تقول بلوم:
- كل ده بتعملي كوبيتن عصير.
أجابتها ونس بخجل وأسف:
- أنا آسفه بس أصلي حسيت بمغص جامد اوي في بطني ودخلت الحمام.
لوت نرمين فمها بضيق لكنها لم تعلق وأنحنت تحمل أكواب العصير وعادت أدراجها.
لتنفخ ونس الهواء بضيق .. وهي ترى تلك الفتاة تغلق عليها جميع الأبواب.
***
وصلوا أخيراً إلى المكان المنشود كانت تتطلع حولها بشرود وضياع لا تعلم ما سبب مجيئهم إلى ذلك المنتجع لقد حاولت الحديث أكثر من مره معه لكنه في كل مرة يخبرها بأن تصمت وأنتظر حتى يصلوا إلى وجهتهم.
وها هم وصلوا وفي طريقهم إلى غرفتهم قلبها يرتجف في تجويف صدرها تشعر أن هنا سينتهي كل شيء هذا شعور قوي يتغلغل كل خلية فيها … لكن أي نهاية؟! هل سأم منها وسيتركها؟ أو أن هناك أمل جديد قد يتفتح ها هنا؟ هي حقًا تشعر بالسخف من نفسها …. الأن فقط حتى عرفت قيمة حاتم … الأن فقط قررت أن تحارب من أجل علاقتهم … الأن فقط قررت أن تقترب من تلك المنطقة الخطرة التي أغلقت على نفسها بها بعد ما فعلته معهم.
نظرت إلى ظهره القريب منها فهو يسبقها بخطوة واحده لكنه أيضًا يمسك بيديها وكأنه يمسك بيد إبنته الصغيرة بقوة حتى لا تترك يده وتركض في اتجاه السيارات … أو كأن سجانا يجذب خلفه من حكمت عليه محكمة الحياة والقدر أن يكون رفيق دربه دون إرادة منه.
وصلوا إلى باب غرفتهم ساعدهم العامل على فتح الباب ووضع الحقائب في أماكنها ثم غادر بعد أن أعطاه حاتم إكرامية كبيرة شكره عليها بشدة.
كانت تنظر إليه بخوف وكأنها ترجوه أن يترأف بحالها ويرحمها وهو لم يتحمل تلك النظرة فاقترب منها سريعاً ليضمها بين ذراعيه واختطف شفتيها في قبلة عميقة كان يحلم بها منذ علم معنى الحب … منذ أيقن أن قلبه ملك لجرة العسل تلك وأنه وضعها تاج فوق رأسه ولن يقبل بسواها.
قبلة كان يبثها فيها شوقه وألمه ورغبته الجامحة بها وشوقه لوصال يطفئ نار قلبه المشتعلة بسبب جفاء علاقتهم منذ خطبتهم .. وهو الذي كان يظن ذلك الجفاء هو فقط خجل طبيعي .. وظل يوصي نفسه بالصبر حتى الزفاف ليُصفع بحقيقة شعورها تجاهه ليبتعد عنها فجأه حين شعر بطعم مالح في فمه ليصدم بدموعها التي تغرق وجهها ليبتعد ببعض العنف لكنها أمسكت بذراعه وهي تقول بصوت هامس … يحمل من الرجاء والتوسل مالا يتحمله قلبه:
- أرجوك ما تبعدش أنا محتجاك … أرجوك يا حاتم.
ذلك الخائن الذي يسكن صدره لم يتحمل ذلك الرجاء وبهذا الصوت المتوسل وتلك العيون التي تلمع بدموع الشوق والرغبة ليعود إليها وهو يهمس بخشونه:
- إذا قربت مفيش مجال للتراجع أنتِ فاهمة ده معناه إيه؟!
أومأت بنعم وهي تقترب منه أكثر حتى تخبئ وجهها في تجويف عنقه … وكأنها تعطيه صك ملكيتها والذي لم يستطع رفضه بكل تأكيد ليعود يضمها بين ذراعيه من جديد يعتصر عظامها كما كان يعتصر شهد شفاهها ليغرقا سويًا في ذلك العالم الساحر الذي كما كان يتخيل طوال حياته منذ وقع أسير غرامها والذي كان بالنسبة لها باب جنة مغلق في وجهها والآن يفتح على مصراعيه لتشعر بروحها تطفو والسلام يعم كل خلجاتها.
وبعد دقائق كثرت أو قلت كانت تريح رأسها فوق صدره العاري تستمع لدقات قلبه والدموع تنهمر من عيونها دون توقف ليقول بقلق لكن صوته خرج جليدي:
- وجعتك؟!
هزت رأسها بلا … ليقول من جديد:
- ندمانة؟
عادت لتهز رأسها بلا … ليسأل مرة أخرى:
- طيب ليه الدموع؟!
لم تجب على سؤاله لكنها ضمته بقوه … ظل الصمت هو سيد الموقف حتى قالت هي بصوت ضعيف:
- هطلقني أمتى؟!
***
عاد إلى القصر ليجد شاهيناز تجلس مكانها لكن يبدو على ملامحها الضيق ظل واقف في مكانه يتذكر ما حدث معه منذ قليل حين ذهب ليسهر في نفس المكان المعتاد … لكن وقبل أن يبدأ في الشرب كالعادة وجد فيصل يجلس أمامه وهو يقول:
- طارق الصواف عاش من شافك يا بوص.
ابتسم طارق ابتسامة صفراء وهو يقول:
- إزيك يا فيصل عامل أيه؟
- أنا كويس جدًا لسه راجع من السفر ومعايا قرشين حلوين هفتح بيهم مكتب هندسي كده صغير.
أجابه فيصل بفخر حقيقي بمجهوده الذي بذله حتى يحقق حلمه بعد عناء أكثر من خمس سنوات بالخارج.
ليبتسم طارق بسخرية وهو يقول:
- وليه صغيرة … ملحقتش تعمل فلوس أكثر ولا أيه.
شعر فيصل بالسخرية في حديثه وهو غير غافلًا عن أسلوب طارق وطريقته المتعالية دائمًا… ليبتسم بثقه وهو يقول:
- لا طبعًا عملت الحمدلله … وجبت شقه كويسة وفرشتها وجبت عربيه كمان … وبأسس في الشركة دلوقتي … ده غير بقى يا طارق أن كل الفلوس إللي اتعمل بيها كل ده اتعملت في خمس سنين بس … ما أنت عارف يا أبن الأكابر أن أبويا الله يرحمه كان بس سايب لنا الستر والتربية الكويسة.
ليلوي طارق فمه باستخفاف ليقف فيصل وهو يقول ببرود:
- سلملي على حاتم وأديم … ولا أقولك أنا هبقى أكلمهم سلام يا أبن الصواف.
وتركه وغادر ليلعنه طارق من بين أسنانه فقد جعل المكان كئيب وتغيرت الأجواء من حوله ليغادر المكان وقرر العودة إلى البيت علها تكون قد عادت ويحاول أن يجد له طريق جديد معها.
عاد من أفكاره حين وصله صوت شاهيناز تسأله بهدوء حذر:
- أنت واقف كده ليه يا طارق؟
رسم إبتسامة على وجهه واقترب منها وهو يقول بدهاء:
- نيمو وحشتني أوي القصر وحش أوي من غيرها.
- هترجع متقلقش أنا مش هسمح أبداً إن يحصل أي حاجه تانيه عكس إللي أنا عايزاه.
قالت كلماتها بقوه وثقه جعلته يتأمل من جديد أن تساعده قوتها وتسلطها.
رفعت هي عيونها إليه وقالت بأستفهام:
- أديم راح الشركة النهاردة.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا بلا وقال موضحًا:
- إتصلت بيه وصوته كان لسه تعبان وقال أنه محتاج راحه يومين كمان.
أومأت بنعم وهي تغادر كرسيها لتقف أمامه وقالت بابتسامة رسمية:
- طول عمرك ذوق يا طارق وبتفهم في الأصول.
وتحركت لتغادر البهو متوجه إلى غرفتها وهي تقول بهدوء:
- تصبح على خير.
همهم ببعض الكلمات كانت ردًا على كلماتها وعيونه تتابع إبتعادها ثم إختفائها من أمام عينيه بعد انتهاء صعودها درجات السلم الداخلي ليتحرك هو بهدوء وجلس مكانها واضعا قدم فوق الأخرى وهو يقول بقوه:
- قريب أوي كل حاجة هتبقى ملكي وكل عيلة الصواف تحت رجلي ومش هرحم حد فيهم مش هرحمهم.
ولمعت عيونه بشرار الغدر والخيانة وهو يتصور ما سيحدث في الغد القريب.
***
غادر فيصل المكان وهو يشعر بالضيق من تلك الصدفة الثقيلة على قلبه … التي جعلته يستجيب لأحد أصدقائه ويقبل دعوته لحضور حفل عيد ميلده ورغم عدم استساغته للأمر إلا أنه قرر الحضور لبضع دقائق فقط ويغادر سريعًا فهو لا يتحمل تلك الأماكن وأيضًا تلك الحفلات … أخذ نفس عميق وأخرجه بقوه نافثاً فيه كل غضبه من لقاء أبن الصواف المتغطرس ولكن رؤيته أعادت له الحنين من جديد لها والأمل البعيد يعود لينير في أفق أحلامه من جديد … هل بعد كل تلك السنوات وبعد ما وصل إليه يستطيع على الأقل المحاولة عله ينجح وينال مراده.
ثم صعد إلى سيارته وهو يردد ذلك الدعاء دون توقف حتى وصل إلى بيته أبدل ملابسه وتوضأ ووقف بين يدي الله يصلي قيام الليل وفي سجوده ظل يردد ذلك الدعاء بيقين في الإجابة.
رواية ونس الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي
ظل الصمت يخيم عليهم بعد جملتها التي قالتها
هل بعد ما حدث بينهم منذ دقائق؟
تلك الحرب الذي خاضوها ليثبت كل منهم للآخر أنه يعشقه
ليختم فوق جسده وروحه وقلبه ملكيته الخاصة
تسأله وبكل هدوء متى الطلاق
عن أي طلاق تتحدث تلك المجنونة
أبعدها عنه ببعض العنف واعتدل يرتدي بنطاله الذي كان ملقى أرضًا بإهمال ونظر إليها وهي تحيط جسدها بشرشف السرير وتلك البقعة الحمراء تلمع أمام عينيه جعلته يغمض عينيه بقوة وهو يفكر لماذا معها دائمًا يتحول كل شيء جميل ومميز إلى مر وعلقم يظل أثره السيء في فمه وفي روحه
بعد غرقهم في بحور العشق وتذوق شهد الوصال وجمال الحب تختتم هي لحظاتهم بتلك الكلمة الغبية
ماذا يفعل معها؟ وماذا يفعل بها؟
فتح عينيه وقال بهدوء قدر استطاعته
قومي ألبسي هدومك يا سالي علشان في كلام مهم لازم يتقال
بعيون غارقة في دموعها أومأت بنعم وغادرت السرير ومازال الشرشف يلف جسدها وحين أغلقت باب الحمام نفخ الهواء من صدره بقوة وهمس
أهدى يا حاتم
أهدى
أهدى
توجه إلى الشرفة ليفتح الستائر ثم فتحها ليدلف الهواء البارد الآتي من البحر الذي تطل عليه الشرفة ظل يتأمله بعينيه فقط لكن عقله كان شارد في لحظاتهم معها
وكم كانت رائعة ومميزة
كم كانت بين ذراعيه عاشقة محبه
تذوب كقطعة شوكولاتة لكنها وكالعادة تصفعه دائمًا بما يجعله يعود إلي أرض الواقع على صدمة غير متوقعة
ولم تكن هي بالداخل بأقل منه حيرة وألمًا
دموعها تغرق وجهها وقلبها تتصارع دقاته حتى أنها تشعر بألم قوي في تجويف صدرها
هي كانت تشعر بين يديه كعصفور صغير يحلق في سماء صافيه وواسعه
حوله الكثير من الفراشات الملونه ويرى أسفله بحر صافية مياه
ومرج كبير أخضر
لكنها وحين عادت إلى أرض الواقع عادت إليها أفكارها السوداوية
وتملكها اليأس الذي كانت تعيش وسط أمواجه الهادرة لأيام كثيرة لتجد نفسها تنطق تلك الكلمة التي شعرت بها كسكين حاد فوق عنقها
حين رفعت عيونها وجدت انعكاسها في المرآة ما جعلها تشهق بصدمة
من تلك البائسة التي تقف أمامها وما هذه الحالة المزرية التي أصبحت عليها
لتغمض عيونها من جديد
وأخذت عدة أنفاس متلاحقة وبعد عدة ثوانٍ فتحت عيونها بقوة وإصرار
تركت الشرشف يسقط أرضًا وفي خلال دقائق أخذت حمام ساخن سريع وأرتدت مأزر الحمام وخرجت إليه عليها الآن المواجهة راضية بما سيحدث أيا كانت النتائج
حين سمع صوت بأن الحمام يفتح ألتفت ينظر في اتجاهها ليشعر ببعض الراحة
إنه يرى ولو لمحة بسيطة من سالي القديمة تلك المتعجرفة رغم نظرة الحزن والانكسار التي تحاول موارتها خلف ذلك الغرور
لكنه سوف يتحكم في مجريات الحديث وعليه أن يسير كما يريده هو
تعالي يا سالي أقعدي خلينا نتكلم
أقتربت بهدوء وجلست بصمت
ليقترب هو الآخر
وجلس بجانبها وقال بهدوء يصل حد البرود
الكلمة إللي نطقتيها من شويه دي
أنا هعمل نفسي مسمعتهاش
ومش هحاسبك عليها
لأن عندي الأهم إللي أتكلم فيه
رفعت عيونها إليه زاهلة مما قال ليكمل هو كلماته
خلينا نجيب الحكاية من الأول
ظلت شاخصة ببصرها تجاهه دون رد
تنتظر أن تستمع لكل ما سيقوله
تريد أن تطمئن قلبها
لكنه معه حق
لابد أن يتحدثوا في كل شيء من البداية
لكنها لم تتخيل أبدًا أن تكون البداية هي ما قاله الآن
من أول يوم وعيت فيه على قلبي
لأقيته ملك لبنت عمرها ما بصت عليا مرة بحب
كانت بتتعامل معايا بغرور وفوقيه
كانت ديما شايفه نفسها أحسن من الكل
ابتسم ابتسامة صغيرة لكن تحمل من الألم الكثير لكنه أكمل بنفس الصوت الهادئ
لكن غصب عني قلبي بقا ملكها حلمت أنها في يوم تشوفني وتحس بيا لكن ده عمره ما حصل واكتشفت في أسعد يوم في عمري أن راجل تاني هو حلمها
وإني من وجهة نظرها راجل ممل ومش فارس أحلامها إللي هي بتتمناه
كانت تستمع لكلماته والدموع تغرق وجهها تشعر بكم خطأها وبكم ظلمت نفسها وظلمته
ليكمل هو كلماته
سنة كاملة بشوف فيها حبيبتي حليلتي في أبهى صورة
نار
نار بتولع في قلبي وفي جسمي وأنا شايفها جميلة
مميزة
زي وردة رقيقة أو فاكهة الجنة المحرمة
مش قادر أقرب منها ولا قادر أنسى كلامها إللي جرح كرامتي ورجولتي
ولا قادر أبعد عنها و أطلقها واريح قلبي من عذابه كل ليلة وهي نايمة جمبي ومش قادر أضمها لصدري وأروى عطش قلبي واطفي نار جسمي
شهقت بصوت عالي وهي تغطي وجهها بيديها تبكي بصوت عالي وهي تقول بصوت مبحوح
أنا آسفة يا حاتم
آسفة
آسفة
آسفه
مد يده يبعد يديها عن وجهها وأكمل كلماته حتى يخرج كل قيح قلبه الذي يؤلمه ويحرم عينيه من النوم
يجعله يتلوى على نيران الخسارة والحسرة
وفي يوم أتفتحت قدامي طاقة
طاقة نور خلت قلبي يحس بشوية أمل وبيبان من الحقايق بتتفتح قدامي وبتخليني أعرف أنا بقيت أيه بالنسبة ليها
دموعها توسلاتها
كلماتها التي جعلت قلبي المجروح يئن بآلم وحسرة ورجاء بإنه مش هيقدر يستحمل جرح جديد منها لكن هي فتحت ليه كل الأبواب وسلمته قلبها وبعد ما عاش معاها أجمل لحظات عمره
وحس أنه بقا ليه جناحات قادر يطير بسببها لأبعد سما
كانت تنظر إليه برجاء وتوسل وعدم تصديق
ليقول هو من بين أسنانه
رمتني في أسفل سافلين
وقعتني على جدور رقبتي وهي بتسألني بمنتهى البراءة إللي في الدنيا هطلقني أمتى؟
أقترب أكثر منها وهو يقول بأستفهام
تفتكري يا سالي راجل زي أستحمل منك كل ده ومقدرش يبعد
بعد ما داق الشهد بين درعاتك
وفي حضنك هيقدر يبعد
لم تشعر بنفسها وهي تلقي بنفسها بين ذراعيه تبكي بصوت عالي وهي تقبل جانب عنقه وبين كل قبلة وأخرى تقول
أنا آسفة
أنا بحبك
بحبك يا حاتم
آسفة
والله آسفه
ليضمها بقوة وهو يهمس باسمها برجاء وتوسل
لكنها لم تتوقف عن ما كانت تفعله غير مدركة أنها بتلك الطريقة توقظ ذلك الوحش الكامن بداخل قلبه وروحه
ذاك الوحش المشتاق إليها
ظل يهمس باسمها برجاء وتوسل لعدة ثوانٍ يحاول كبح جماح قلبه ليحملها بين يديه كعصفور صغير
وضعها على السرير ببعض القوة وظل ينظر إليها بشوق ولهفة وقال بصوت أجش
أنا بجد مش قادر يا سالي
مش قادر على بعدك ولا قادر أرجع للراحة إللي بحسها بين درعاتك
قلبي مبقاش قادر يستحمل
ف أرجوكي عيشي معايا وخليني أعيش
لتؤمئ بنعم وبتلك الحركة كأنها فتحت له أبواب الجنة ليغرق فيها بكلّيته يريح قلبه وجسده من عناء ألم الفراق الطويل
وكانت هي تكسر كل تلك الأسوار التي حاوطت بها من قلبها وحياتها وروحها
تترك برجها العاجي العالي التي وضعتها به شاهيناز السلحدار منذ نعومة أظافرها وتغرق في بحور عشق حاتم الذي كان يتعامل معها برقة رغم تطلبه الواضح في طلب الحب منها وإعطائها بالمقابل حب وحنان وراحة وسعادة لم تتخيلها يومًا
تركت أخيها يأخذ قسط من الراحة بعد أن أخذ دوائه وتحدثوا كثيرًا
في كل شيء تقريبًا وكم شعرت بالسعادة والراحة
هنا في بيت أخيها كل شيء هادئ
لا يحمل غرور وتحفظ شاهيناز هانم السلحدار
ولا قيود عائلة الصواف
أغلقت باب الغرفة وظلت واقفة عدة دقائق ثم قررت أن تتعرف على تلك الفتاة
فمن الممكن ترى شيء مختلف بها عن إحساسها وإحساس حاتم ويكون أخيها معه حق في تمسكه بتلك الفتاة
أقتربت من المطبخ تنظر إليها وإلى ما تفعله
فلم تجد شيء غريب هي فقط تعد الطعام وبعض الموسيقى تخرج من هاتفها
دلفت إلى المطبخ لتنظر إليها ونس بهدوء وقالت بأدب
حضرتك عايزة حاجة؟
سحبت نرمين الكرسي وجلست عليه بتعالي هو جزء لا يتجزأ من شخصيتها ووضعت قدم فوق الأخرى وقالت
عرفيني عن نفسك يا ونس
شعرت ونس بالإندهاش من ذلك السؤال ولكنها قالت بهدوء
هقول أيه يعني
بنت غلبانة حكمت عليها الظروف أنها تشتغل في البيوت علشان تقدر تجيب علاج أمها وأخواتها يكملوا تعليمهم
وتقدر تجيب ليهم لقمه يكلوها وهدمه يلبسوها
ظلت نرمين صامتة تنظر إليها بتفحص
وظلت ونس واقفة تنظر إليها لعدة ثوانٍ ثم عادت إلى ما تعمله لتقول نرمين من جديد
أيوه بس ده ميمنعش إنك كان ممكن تشتغلي شغلانه تانيه غير الخدمة في البيوت
لوت ونس فمها بضيق لكنها رسمت الهدوء من جديد ونظرت إلى نرمين وقالت
أمي خياطة بريمو بس صحتها مابتش قد قعدة المكنة
وأنا مش معايا شهادة علشان أتوظف بيها ما أنا مقدرتش أكمل دراستي
وشغل المحلات ذل ومهانه من أصحاب المحلات شوية ووقفه طول النهار على رجليا وفلوسها قليله
على إننا نتحمل رذالة الزباين
أهو خدمة البيوت بنعرف طبع أهل البيت ونقدر نتعود عليه
أنتِ كنتِ في الجامعة يا ونس؟
سألتها نرمين باندهاش لتؤمئ ونس بنعم لتسألها من جديد
وكنتِ في كلية أيه بقا؟
تجارة
أجابتها بهدوء
لتهز نرمين رأسها بنعم ثم وقفت وهي تقول بأمر
أعمليلي قهوة وهاتيهالي في أوضتي
أومأت ونس بنعم وهي تقول بأدب
حاضر
غادرت نرمين المطبخ وظلت ونس تنظر في أثرها بضيق ثم غمغمت قائلة
وبعدين بقا؟
تحاول الاتصال بها منذ رحيلها مع حاتم ولكن الهاتف مغلق
ليزداد غضبها وهي تفكر منذ متى أصبح حاتم يستطيع الوقوف أمامها وتجرأ على أن يقف أمامها يتحداها ويأخذ ابنتها أمامها دون أن تستطيع أن تمنعه
كيف حدث هذا؟
عليها أن تجد حل لكل هذا وهي أبدًا لن تترك الأمور تخرج عن سيطرتها
أمسكت هاتفها واتصلت بشخص ما وحين أجابها قالت بهدوء ولكن كلماتها حملت أمر غير قابل للنقاش
عايزة حسابات المجموعة كلها
ونسب الشركاء
أغلقت الهاتف ونظرة التحدي والانتصار تلمع في عيونها
يقف في وسط شركته الجديدة يتابع كل ما يقوم به العمال من التجهيزات الأخيرة على كل شيء بها وترتيب الأثاث
وفي نفس الوقت هو قد حدد مواعيد المقابلات مع المتقدمين للوظائف
أن أحلامه والحمدلله تتحقق الواحد تلو الآخر
لكن هل حلمه الكبير والبعيد سيأتي يومًا ويصبح حقيقة؟
انتبه لأفكاره على صوت أحد العمال يقول:
- إحنا خلصنا يا باشمهندس... في أي أوامر تانية؟
أبتسم فيصل وقال للرجل شاكرًا:
- الله ينور يا رجالة... شكرًا جدًا.
وأخرج من جيب بنطاله الخلفي ظرفًا أبيض ومد يده به للرجل الذي أخذه بشكر وأشار للعمال أن يغادروا.
حين غادر آخر عامل، توجه فيصل إلى غرفة مكتبه وهو يفكر: هل يتصل به الآن أم ينتظر حتى يبدأ العمل في المكتب... لكن بعيدًا عن مسائل العمل، هو اشتاق لأديم بالفعل ويود أن يحدثه وأن يقابله أيضًا.
لذلك أمسك هاتفه واتصل بصديقه...
فتح أديم عينيه ومد يده يمسك هاتفه ينظر لذلك الرقم باندهاش. في العادة هو لا يجيب على الأرقام غير المسجلة... لكنه فكر أن يكون المتصل حاتم أو سالي، فأجاب سريعًا ليأتيه صوت رجل رخيم يقول بهدوء:
- أديم الصوافي!
- أيوه يا فندم مين!
أجابه بهدوء شديد ليقول محدثه بسعادة:
- وحشتني يا ابن الأكابر.
ظل أديم صامتًا لعدة ثوانٍ وتلك الكلمة تعيده لسنوات كثيرة قد مضت... ليبتسم وهو يقول:
- فيصل إزيك يا ابني؟ إيه الغيبة الطويلة دي! فينك كده وفين أراضيك دلوقتي!
ضحك فيصل بصوت عالٍ وهو يقول بمرح:
- سافرت، عملت الأرشيفات ورجعت علشان أنافسك يا ابن الأكابر.
ليكون الدور على أديم في الضحك وهو يقول:
- يبقى تقول على نفسك يا رحمن يا رحيم... مفيش حد يقدر ينافس مؤسسة الصواف.
ليبتسم فيصل بهدوء وقال بصدق:
- عارف يا باشا... بس أهو أنا قررت أنزل بتقلي... فخافوا مني.
ليضحك أديم بسعادة وقال بصدق:
- وحشتني جدًا، لازم نتقابل بجد. الواد حاتم مستحلفلك أصلاً.
ظل الأصدقاء يتحدثون بمرح وسعادة، وأخبر فيصل أديم بكل شيء... ووعده أديم أن يقدم له كل يد العون حتى يستطيع المنافسة وبقوة... وحددوا معًا موعدًا حتى يتلاقى الأصدقاء.
حين أغلق الهاتف مع فيصل، تذكر ونس وأنه لم يراها مرة أخرى منذ حضورها صباحًا... غادر السرير وأخذ ملابس نظيفة من الخزانة ودلف ليأخذ حمام دفء يستعيد به نشاطه، وحين انتهى غادر الغرفة ووجهته المطبخ.
لكنه وجدها تقف في صالة منزله تقوم بالتنظيف بصمت... أصدر صوتًا خفيفًا حتى ينبئها بوجوده، فالتفتت تنظر إليه بابتسامة ناعمة وقالت:
- الحمد لله حضرتك النهاردة أحسن مش كده!
أومأ بنعم وهو يتحرك ليجلس على المقعد القريب منه وقال:
- أحسن كتير... وبكرة إن شاء الله هنزل الشغل.
خيم الصمت عليهم لثوانٍ ثم قالا معًا:
- تحب حضرتك...
- أنت بتعملي...
ليصمتا وكل منهم ترتسم على وجهه ابتسامة رقيقة، ليقول هو:
- قولي أنتِ الأول.
لتقترب خطوة وهي تقول:
- كنت عايزة أسأل حضرتك لو عايز حاجة تشربها أو أجهز لحضرتك الغدا.
ابتسم وهو ينظر إلى ساعة يده ثم قال:
- لسه بدري على الغدا، ممكن آخد فنجان قهوة لو سمحتي.
تلونت وجنتاها بخجل ومن داخلها تشعر بالسعادة أن أسلوبه في الحديث معها لا يجعلها تشعر بالدونية... إنه شخص متواضع لا يمتلك غرور الأغنياء... كادت أن تتحرك لتحضر ما طلبه، لكنه أوقفها قائلًا:
- مش عايزة تعرفي أنا كنت هقول إيه!
وقفت مكانها تنظر إليه بخجل، ليقول هو بهدوء رغم تلك الابتسامة التي ترتسم على ملامحه بأكملها ونظرة عينيه التي تحمل بعض المشاغبة:
- كنت عايز أطمن عليك... وكنت بسألك أنت كنت بتعملي إيه!
اقتربت خطوة وقالت بأدب يشوبه بعض الخجل:
- أنا كويسة شكرًا لسؤال حضرتك... وبعدين يعني هكون بعمل إيه! بعمل شغلي، بنظف البيت... الهانم أخت حضرتك طلبت مني أهتم بالنظافة علشان حضرتك متتعبش تاني.
لم يعقب على كلماتها ولكنه ظل يردد بداخله: "الهانم أخت حضرتك". هل مارست نرمين عادات عائلة الصواف في التعالي والغرور على ونس رغم تحذيره لها... لكنه قال بهدوء حذر:
- هي نرمين ضايقتك في حاجة يا ونس!
- أبدًا... ليه حضرتك بتقول كده!
أجابت سريعًا حتى أنه قطب جبينه من اندفاع كلماتها، لكنه أومأ بنعم وقال بهدوء:
- أبدًا، بطمن بس أن كل الأمور تمام.
ابتسمت مرة أخرى ابتسامة صغيرة وتحركت لتغادر حتى تصنع له القهوة... وقبل أن تغادر المطبخ سمعت صوت خطوات نرمين تقترب من الصالة... ثم صوتها وهي تقول:
- عامل إيه دلوقتي يا أبيه!
قبل أن يجيب، تحركت هي تقترب منه وهي تقول:
- القهوة يا باشمهندس.
- شكرًا يا ونس تسلم إيدك.
وقبل أن تجيبه، قالت نرمين بأمر:
- اعمليلي نسكافيه من غير سكر.
- حاضر.
أجابتها ونس بصوت هادئ رغم شعورها بالضيق من أسلوب نرمين معها، وغادرت دون كلمة أخرى، لينظر أديم إلى أخته وقال:
- في إيه يا نرمين؟ هو مش أنا قولت ممنوع التعامل مع ونس بطريقة عيلة الصواف!
لتقطب نرمين بين حاجبيها وقالت بضيق:
- وأنا عملت إيه يا أبيه... وبعدين وأنت نايم أنا قعدت معاها واتكلمنا شوية، ولا المطلوب مني أخليها هي تقعد وأقوم أنا أخدمها وأشوفها تشرب إيه!
قالت آخر كلماتها بغرور وتكبر... ليرفع أديم حاجبيه بضيق وهو يعيد لنفسه حديثها: "قعدت معاها واتكلمنا شوية"، "أخليها هي تقعد وأقوم أنا أخدمها".
وحين ظل صامتًا أكملت هي كلماتها وقالت:
- مش علشان أنت قلبك طيب وبتعطف على أي حد ده هينفي كونها مجرد خدامة يا أبيه... وظيفتها أنها تخدمنا وتشوف طلباتنا وتنفذها... وأنا بتعامل معاها على الأساس ده... وده بعيد تمامًا عن أسلوب ماما في التعامل مع الخدامين اللي في القصر، وأظن ده واضح ليك.
لم يستطع أن يعلق على كلماتها، لكن ذلك الألم الذي يشعر به داخل قلبه، كيف يتخلص منه... فقال بهدوء:
- كلمة خدامة في حد ذاتها تجرح يا نرمين... كلمة دورها تخدمنا توجع... إنك لما تكلميها بأمر غير لما تطلبي منها بأدب.
تشتعل نار بداخلها وهي تقف أمام أديم تقول بصوت عالٍ:
- ما أبوس إيديها بالمرة علشان تقبل تعملي النسكافيه!
- أنا مقولتش كده... بس بدل ما تقولي لها اعمليلي نسكافيه... ممكن تقولي لها اعمليلي نسكافيه لو سمحت.
أجابها بهدوء، لتقول برفض:
- لو سمحت... وليه أتعبها ما أروح أنا أعمله بنفسي وخلاص.
- ممكن برده فيها إيه.
كل ذلك الحوار كانت تتابعه ونس من خلف تلك الستارة التي تفصل باب المطبخ على صالة البيت، وداخلها شعوران مختلفان... سعيدة بكلمات أديم ووقوفه أمام أخته بسببها، وشعور ضيق واختناق من نظرة نرمين لها وغرورها وتكبرها.
تحركت خطوة واحدة ودفعت باب المطبخ حتى يعلموا أنها قادمة، وخرجت من خلف الستارة وتقدمت من الطاولة تضع الكوب وهي تقول:
- اتفضلي.
ثم اعتدلت واقفة وهي تقول:
- أوامر تانية ولا ممكن أدخل أرتب الأوض.
ظل الصمت يحاوطهم حتى قالت نرمين وهي تعود جالسة واضعة قدم فوق الأخرى:
- لا ادخلي نظفيهم وهوي الأوض كويس وخصوصًا أوضة أديم بيه.
لتومئ ونس بنعم وتحركت من فورها تحضر أدوات التنظيف واختفت داخل إحدى الغرف، ليشعر أديم بالاختناق من كل ما حدث، فأخذ فنجان قهوته ودلف إلى الشرفة يجلس هناك.
لتنفخ نرمين بغضب وهي تغمغم:
- أنا لازم أشوف حل في البنت دي.
يقف في نفس المكان الذي يذهب إليه كلما أراد مقابلة شخص ما من أعوانه... أو إجراء بعض المكالمات التي لا يريد لأي شخص أن يستمع إليها حتى ولو صدفه... حتى لو كان مجرد شخص يمر من جواره صدفه ولا يعرف حتى من هو.
لكنه دائمًا يريد أن يكون في الأمان... وهذا المكان يوفر له كل ما يحتاجه... منطقة بعيدة تمامًا عن قصر الصواف وعن المؤسسة... وبعيد أيضًا عن أي عمار... مجرد صحراء واسعة... الإضاءة بها قليلة فلا تستطيع تحديد معالم أي شخص يقف هناك، ولذلك يحب ذلك المكان.
شعر بحركة خلفه ليلتفت ينظر إلى القادم في اتجاهه وقال:
- اتأخرت ليه!
- معلش بقا يا كبير... كان في إيدي مصلحة وكان لازم تخلص.
أجابه وهو يشعل سيجارة وينفخ دخانها في الهواء، وأكمل كلماته قائلًا:
- أمرني يا كبير... هو المندوب معملش اللي عليه ولا إيه!
- بيعمل بس أنا عايزك في حاجة تانية.
قالها طارق بابتسامة جانبية، ليقول الرجل الذي يقف أمامه:
- علم وينفذ يا كبير.
ليبتسم طارق بشر وهو يقول لنفسه:
- هانت... هانت يا عيلة الصواف.
رواية ونس الفصل العاشر 10 - بقلم سارة مجدي
تجلس في منتصف سريرها تبحث في هاتفها عن تلك المواقع التي يتم الإعلان فيها عن الشركات والأماكن المختلفة التي تطلب موظفين.
هي تعلم جيدًا أن لن تكون لديها فرصة حقيقية أو سهلة في الحصول على وظيفة، بسبب عدم عملها قبل ذلك.
لكن ما يشجعها أن مجالها يمكن العمل فيه بسهولة إذا كان هناك إتقان.
لكن الإعلان منذ يومان. هل من الممكن أن تذهب الآن؟
عادت تقرأ ما كتب في الإعلان من جديد:
"مكتب هندسي يطلب موظفين في المجالات التالية: الهندسة المعمارية، والهندسة المدنية، ديكور، محاسبين، ومترجمين، سكرتيرة، وعامل بوفيه، وفرد أمن. المقابلات بداية من الغد."
أي منذ الأمس. هل هناك فرصة؟
ظلت تفكر لكنها لا تجد إجابة لذلك.
قررت الذهاب، وسوف تعلم بنفسها.
غادرت غرفتها بعد أن أبدلت ملابسها.
وارتدت بدلة كلاسيكية بعض الشيء لكنها أيضًا عصرية ترسم قدها الرشيق.
كانت تنزل درجات السلم وهي تشجع نفسها على ذلك القرار.
التي ظلت لأيام وأيام تفكر فيه.
أن الخروج من دائرة ابنة عائلة الصواف، والخروج عن نهج شاهيناز هانم السلحدار أمر صعب، يصل حد المحال.
لكنها لن تتراجع مهما حدث.
لن تنتظر أديم أكثر من ذلك.
ولن تتهاون في حق نفسها وقلبها.
هو لا يراها.
وهي سوف تلتفت إلى نفسها.
سوف تصب كامل تركيزها على كاميليا فقط.
ف كاميليا هي من تستحق كامل تفكيرها وحبها.
انتبهت من أفكارها حين انتهت درجات السلم ووجدت نفسها تقف أمام شاهيناز.
"أنتِ رايحة فين يا كاميليا؟" قالت بأندهاش.
ظلت صامته لعدة ثوانِ.
ثم رفعت حقيبتها فوق كتفها وقالت بهدوء:
"رايحه مقابلة شغل. أدعيلي يا أنطي."
ضيقت شاهيناز ما بين حاجبيها بصدمة وقالت ببعض الاستهجان:
"مقابلة شغل فين؟ أنتِ ناسيه أنتِ مين وبنت مين. وبعدين قولتلك قبل كده اشتغلي في المؤسسة على الأقل يكون ليكي فرصة مع أديم."
ظلت صامته تستمع لكلماتها بهدوء، فهي كانت متوقعة لتلك الكلمات وبنفس الترتيب حتى.
اقتربت خطوة من مكان جلوس شاهيناز وقالت:
"أنطي أديم لا شايفني ولا هيشوفني. ومليش خلاص فرصة معاه. وبعدين أنا مش هفضل راهنة نفسي بيه. أنا أستاهل أني أتحب. أستاهل أنه يتعمل علشاني المستحيل. مش أنا إللي أعمل المستحيل علشان حد وكمان مش شايفني."
صمتت لثوانِ ترى تأثير كلماتها على وجه شاهيناز.
ثم قالت:
"وبما أني قررت أشتغل فأنا عايزة أنجح بمجهودي. مش باسم عيلة الصواف ولا في مؤسسة عيلة الصواف."
خيم الصمت عليهم، لكن الغضب كان يرتسم على ملامح شاهيناز بوضوح.
لكن ذلك لم يؤثر في كاميليا ولم يرجعها عن قرارها.
وتصرفات حاتم ونرمين ومن قبلهم أديم أمام عينيها، كل منهم أخذ موقف وأصر عليه.
ولم تستطع من تجلس أمامها الاعتراض أو إيقافهم.
لذلك هي لن تتراجع.
وبدون أن تسمح لشاهيناز بأي كلمة قالت بهدوء يصل حد البرود:
"بعد إذنك. وإدعيلي بالتوفيق."
وغادرت من أمامها.
دون أن تستطيع منعها أو حتى الحديث والمعارضة.
وكانت شاهيناز من داخلها بركان من غضب.
أن خيوط اللعبة التي كانت تمسكها بيدها تتقطع الواحدة تلو الأخرى.
والعقد التي دفعت عمرها بأكمله حتى تحافظ على تماسكه انفراط أمام عيونها ولم تستطع الحفاظ عليه.
لكن آخر حبات ذلك العقد هو طارق وهي لن تستسلم.
صحيح أديم هو ولدها الوحيد وهو كبير العائلة.
لكن حان الآن موعد كسر شوكته.
وإذا سقط أديم سقط الباقي تباعًا أسفل قدميه.
لذلك هي لن تنتظر أكثر من ذلك.
وسوف تنفذ ما قررته دون تردد.
***
أنتهت ونس من تنظيف الغرف.
لكنها، وقبل مغادرتها لغرفة أديم، تأكدت من أن الباب مغلق جيداً.
وأقتربت من الخزانة.
وبدأت في البحث على ما تريده وما جائت إلى هنا من أجله بالأساس.
هي تعلم، وحدسها يخبرها، إنها تبحث في المكان الخطأ.
لكن لا تستطيع تفويت تلك الفرصة.
فلتتأكد من خلو هذه الغرفة مما تريد.
حتى تستطيع البحث في مكان آخر.
شعرت بحركة خارج الغرفة لتُخرج سريعًا بعض الملابس من الخزانة.
ووقفت تعيد ترتيبهم وكأنها تعمل بجد.
ابتسم أديم حين رآها وقال بهدوء:
"شكرًا يا ونس بجد على مجهودك في البيت. من وقت ما أنتِ بقيتي موجودة هنا وكل حاجة في البيت بقى ليها شكل جديد. وكأني بقيت في الجنة."
ابتسمت بخجل لكلماته التي أسعدتها حقًا وجعلتها تكتسب ثقة أكبر.
أنها استطاعت تحقيق ما تريد.
واستطاعت إثبات قدراتها التمثيلية على أكمل وجه.
وضعت آخر قطعة ملابس في مكانها وأغلقت الخزانة.
ثم التفتت إليه تقول بخجل:
"حضرتك بس إللي ذوق أوي. ومش بتحب تكسر بخاطري. أنا معملتش حاجة. شقة حضرتك أصلاً ما شاء الله مميزة وراقيه."
كان يستمع إلى كلماتها وهو يشعر من داخله بأن هناك جزء صغير من قلبه تعلق بتلك التي تقف أمامه.
خاصة مع شعرها الغجري الذي يحيط وجهها بكثافته وتموجاته التي مهما حاولت تجميعها لابد أن تنفلت منها إحدى الشعيرات لتغطي عينيها.
وبملامح وجهها التي تسكر روحه من كثرة براءتها.
انتبه من أفكاره وقال بابتسامة حلوة بجانب فمه:
"أنا مش بقول أي كلام. أنا بقول الحقيقة. وبعدين ده بيتي وأنا إللي كنت عايش فيه قبل حضورك وبعده. وأنا إللي حاسس بالفرق. مالك أنتِ بقالك؟"
تبتسم بسعادة وهي تتحرك تلملم أغراض التنظيف.
وكادت أن تخرج حين قال:
"ونس."
التفتت إليه تقول بهدوء:
"نعم."
"ولا حاجة. أنا بس بحب أنطق اسمك بيحسسني أني مابقتش وحيد."
لم تتحمل كل هذا لتغادر الغرفة سريعاً تلاحقها ضحكاته.
***
وقفت في المطبخ تفكر.
أن ما تريده غير موجود بغرفته.
ولا بغرفة نرمين.
ومؤكد ليس في الحمام أو المطبخ.
تبقت فقط غرفة المكتب والحاسوب الخاص به.
كيف تفعل هذا.
انتبهت لصوت حركة في الخارج ثم صوت التلفاز.
لوت فمها بضيق من بقاء نرمين في البيت.
أنها لا تعطيها مجال للحركة بحرية.
لكنها سوف تدخل إلى الغرفة واليوم.
غادرت المطبخ والفكرة واضحة في رأسها.
هي في الأساس أمر طبيعي.
ووارد حدوثه.
لكن لتضيف إليها بعض البهارات الحارة حتى يحدث الاشتعال قريبًا.
لكن نرمين أوقفت تقدمها وهي تقول:
"رايحة فين؟"
"كنت هسأل أديم بيه على حاجة."
أجابتها ونس بهدوء.
لتقول نرمين بغرور وتعالي غير مقصود:
"حاجة أيه؟ قوليهالي أنا."
ابتسمت ونس ابتسامة صفراء وهي تقول:
"عايزه أدخل أنظف أوضة المكتب. بس لازم أخد إذنه طبعًا علشان لو هو مش عايز يعني."
شعرت نرمين بالضيق.
أنها لن تستطيع أن تقول لتلك الواقفة أمامها تشعر أنها تتحدها أي شيء بشأن ذلك الأمر.
فبالفعل لابد أن تسأل أديم وهو من يقرر.
لكنها رفعت أنفها بشموخ وقالت:
"أوك."
واعتدلت من جديد في جلستها.
تشاهد التلفاز لتغادر ونس وفق شفتيها ابتسامة انتصار.
***
فتحت سالي عيونها بتكاسل وابتسامة رقيقة تزين ثغرها.
كان هو يتابع كل ذلك بابتسامة سعادة.
فبعد ما حدث بينهم منذ عدة ساعات لم يستطع النوم.
أنه دخل وأخيرًا إلى عالمها المميز.
تذوق شهد جسدها.
ولامس روحها وكسر القشرة السميكة التي كانت تغلق نفسها بها.
أخذها من عالمها الذي لا يحوي إلا الفراغ.
والتساؤلات التي لا تجد لها إجابة.
إلى عالم أوسع رحب مليء بالسعادة.
بسماء صافية وعصافير مغردة.
وبحار واسعة سهل الإبحار فيها حتى مع أمواجها العاتية في بعض الأحيان.
تمطئت بتكاسل لتتسع ابتسامته.
وأقترب من أذنها يهمس:
"اصحي بقا يا كسلانة وحشتيني."
لتفتح عيونها تنظر إليه.
لتلمع جرات العسل التي تسكن عيونها أمام عينيه التي تعشق كل تفاصيلها.
وقالت بصوت ناعس:
"صباح الخير ياحبيبي."
لم يصدق أذنيه وهو يسمع منها تلك الكلمة.
صحيح أنها لم تتوقف عن تكرارها في ساعاتهم الماضية معاً.
لكن أن تقولها الآن بعد انتهاء فورة المشاعر.
إذًا هي صادقة فيها.
تشعر بها.
أقترب يخطف شفتيها التي نطقت تلك الكلمة بشغف وحب كبير.
بادلته ذلك الشغف والحب بما يماثله وأكثر.
لكنه أبتعد بعد بعض الوقت حتى تستطيع أخذ أنفاسها.
ولأنه يريد أن ينفذ ما قرره.
طبع قبله على جبينها.
ثم غادر السرير لترى جسده الرجولي بكل تفاصيله.
وتابعته وهو يمسك بنطاله يرتديه وهو يقول:
"قومي يلا علشان عندنا مشوار مهم جدًا وأخرتينا عليه يا كسلانة بكل النوم ده."
اعتدلت تستند على ذراعها وهي تلف جسدها بشرشف السرير.
وقالت:
"شكلك منمتش. وبعدين مشوار أيه ده أجله لبكره وتعالى نام شويه وأرتاح."
سعادة كبيرة هو ما يشعر بها الآن وتجعله يشعر أن قلبه سيتوقف من كثرة تلك السعادة.
فحبيبته تفكر فيه.
تهتم.
وهذا ما كان يحتاجه أن يشعر باهتمامه.
لكنه ابتسم بمشاغبة وهو يقترب منها ويقول:
"آه يا قليلة الأدب. انت بتفكري في الحاجات دي عيب. أنا إبن ناس ومعملش كده أبداً."
وأقترب أكثر يقبلها بشغف.
رغم نظراتها المصدومة والزاهلة.
لكنه ابتعد بعد عدة ثوانِ وهو يهمس أمامها:
"وأنا هموت وأبقى قليل الأدب. فقومي يا بنت عمي ربنا يهديكي. علشان لو سبت نفسي لأفكاري مش هنخرج من الأوضة. لا مش من الأوضة من السرير نفسه."
لتضحك بخجل ثم ابتعدت عنه بدلال أنثوي هو طبيعة في شخصيتها الرقيقة.
لينفخ الهواء من داخل صدره وهو يقول:
"اجمد يا حاتم. اجمد. هتعوض الحرمان بس براحه وواحده واحده."
أمسك هاتفه وفتحه ليجد رسائل كثيرة من نرمين وأديم ورسالة من شاهيناز توبخه وتأمره بأن يعود ويعيد إليها ابنته.
تجاهل كل ذلك ولكنه أرسل رسالة صوتية لأديم وعاد ليغلق الهاتف من جديد.
~~~~~~~~~~~~~~~
وصلت كاميليا إلى العنوان المذكور في الإعلان.
وقفت تتطلع في ذلك المبنى الشاهق والتي تحتل تلك الشركة المقصودة دور كامل فيه.
لديها إحساس قوي بأنها تسير على الطريق الصحيح.
أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء.
وبخطوات واثقة دلفت إلى المبنى.
توقف المصعد وفتح بابه لتجد نفسها وجهًا لوجه مع يافطة الشركة الكبيرة.
والتي كتبت بخط عربي زخرفي مميز.
شعرت ببعض التوتر لكنها شجعت نفسها أن ما تقوم به هو الصحيح.
لابد أن تكسر دائرة الضحية التي تعيش فيها.
بخطوات ثابتة أقتربت من الباب ليزداد إحساسها بالتوتر والقلق.
حين وجدت المكان خالي.
البهو الكبير خالي من أي شخص.
هل تأخرت وخسرت الفرصة؟
لوت فمها بحزن.
لكن صوت حركة في الداخل جعلها تنتبه وتراقب ذلك الخيال الذي يقترب على الأرض الرخامية.
حتى ظهر أمامها شاب أسمر البشرة بعيون حادة ينظر إليها بتفحص.
لتأخذ نفس عميق ثم قالت بثقة:
"أنا جايه علشان مقابلة الشغل."
أقترب خطوتان وهو يقول بهدوء:
"رغم إنك جايه متأخره لكن اتفضل."
رفعت حاجبها بتعالي وغرور يجري في دماء عائلة الصواف دون إرادتهم.
وأقتربت من مكان وقوفه قائلة وهي تمد يدها أمامه:
"كاميليا حداد."
"فيصل زيدان."
قدم نفسه في نفس اللحظة التي وضع يده في يديها.
وأكمل قائلاً:
"صاحب الشركة."
ثم أشار لها على المكتب المفتوح والذي يحمل لوحة عليها كلمة "المدير".
لتسير أمامه بثقة وثبات.
ليدلف خلفها وبداخله إحساس غريب وكأنه قابلها قبل اليوم.
جلس خلف مكتبه بعد أن أشار لها بالجلوس.
قال بهدوء:
"وأنتِ جايه تقدمي على أنهى وظيفه من المطلوبه؟"
"مترجمة."
أجابته بهدوء وهي تمد يدها ببعض الأوراق لينظر إليهم باندهاش.
من يرى ثقتها في نفسها وغرورها الواضح في كل حركة منها يقول إن معها خبرة وشهادات متنوعة وليس شهادة التخرج فقط.
رفع عيونه لها وقال:
"مشتغلتيش قبل؟"
"ده حقيقي. لأني مكنتش محتاجة الشغل في وقتها ولا كان تفكيري مهتم أصلاً بمسألة الشغل."
"وأيه اللي غير أفكارك؟!"
سألها بفضول.
لتقول بصدق:
"كنت معتمدة على عيلتي. والأفكار القديمة بأن بنات العائلات الكبيرة مينفعش يشتغلوا. وكل تفكيري كان منحصر في الزواج والحياة الحلوة المرفهة إللي هعيشها مع جوزي المستقبلي."
لمست شيء ما بداخلها.
عقدة قديمة ربما.
أو جعلته يصدق ما كان يعتقده.
احتمال.
لكنه قال وقد اتخذ قراره:
"ومعاكي كام لغة بقى على كده؟"
ابتسمت بثقة وهي تقول:
"إنجليزي وفرنساوي وألماني وتركي وأسباني. وحاليًا بتعلم عبري عن طريق كورسات أونلاين."
لتتسع ابتسامته وهو يقول بسعادة:
"أهلاً بيكي يا أستاذة كاميليا معانا في الشركة."
لتبتسم هي الأخرى بسعادة.
لكنه أكمل كلماته قائلاً:
"الشركة لسه في مرحلة التأسيس يعني حضرتك المترجمة الوحيدة للشركه بشكل مبدئي."
"إن شاء الله هكون عند حسن ظنك."
قالتها بثقة لا يفهم سببها ولا يفهم سبب موافقته من الأساس عليها.
لكن من داخله يشعر أن هناك شيء خاص بها.
شيء يذكره بمن ملكت قلبه.
لكنها بعيدة بعد السماء عن الأرض.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرقات على باب غرفته يعرف صاحبتها تجعل قلبه يتراقص مع تلك الطرقات بسعادة.
وبصوت هادئ سمح لها بالدخول.
وقفت أمامه تبتسم تلك الابتسامة الحلوة التي تجعل السماء تشرق بشمس لامعة ونجوم ساطعة وتتفتح الأزهار في صحراء قلبه القاحلة.
وقالت بأدب وخجل:
"كنت عايزة أستأذن حضرتك أنظف أوضة المكتب."
قطب جبينه بحيرة.
وقال باندهاش:
"هو أنتِ ليه بتستأذني قبل ما تعملي أي حاجة؟"
أخفضت رأسها وقالت بخجل:
"طبعًا لازم أستأذن يمكن حضرتك تكون مش عايزني أدخل المكتب أو في ورق مهم. أو حاجات مينفعش الخدم يشوفوها."
"خدم."
ردد خلفها بضيق.
لترفع عيونها تنظر إليه بابتسامة حزينة وقالت:
"حضرتك تسمحلي أنظف المكتب ولا لأ."
ظل صامت ينظر إليها بتفحص.
ثم قال بهدوء قدر استطاعته:
"البيت كله تحت أمرك يا ونس وأنتِ المسؤولة عنه."
ثم صمت ثوانِ لتبتسم عينيه وأكمل قائلاً:
"أنا بثق فيكي."
للحظة شعرت بالندم لما تنوي فعله.
لكن عادت تفكر مرة أخرى فيما ينتظرها بعد إتمام المهمة.
فقالت بابتسامة خجولة أصبحت تتقنها:
"ثقة حضرتك دي فوق راسي و هتلاقيني تحت أمرك ديماً وعند حسن ظنك."
أومأ بنعم مع ابتسامة مشجعة.
لتغادر الغرفة سعيدة بتلك الخطوة.
تاركة خلفها قلب تعلق بها يرسم بداخله أحلام كثيرة.
ويشحذ كل طاقته لحرب قوية وكبيرة سوف يخوضها من أجلها.
***
يجلس أمامها يشعر بالصدمة.
هل ما سمعه الآن حقيقي.
بدون أي مجهود منه يحصل على كل هذا.
نظر إلى شاهيناز التي تجلس مع المحامي الخاص بمؤسسة الصواف تخبره بقراراتها الجديدة.
في نفس اللحظة التي عادت فيها كاميليا من الخارج تقف تشاهد ما يحدث.
"بالتوكيل إللي معايا عايزين نحول اسم سالي ونرمين لطارق. والأسهم بتاعتي كمان."
ثم نظرت إلى كاميليا وقالت بأمر غير قابل للنقاش:
"وكاميليا كمان."
"وعايزة دعوة جمعية عمومية سريعة. علشان نعين مدير جديد لمؤسسة الصواف."
خيم الصمت على الجميع حتى قال المحامي بتوضيح:
"المؤسسة كانت شراكة بين الأخوات الثلاثة السيد سراج، والسيد حداد، والسيد خطاب. وبعد وفاتهم تم توزيع نسب الأسهم لكل واحد فيهم على حسب الورثة وعلى حسب نسبة كل أخ كمان. أنا حبيت أوضح النقطة دي علشان في اجتماع الجمعية العمومية ميحصلش لبس في الموضوع."
أومأت شاهيناز.
لكن طارق كان في عالم آخر يحلم بما سيحدث.
ويتخيل هيئة أديم حين يعلم بكل هذا.
أخذ نفس عميق وأعتدل في جلسته على الكرسي متخيلاً لحظة جلوسه على كرسي مكتب رئيس مجموعة الصواف.