تحميل رواية «وخنع القلب المتكبر لعمياء» PDF
بقلم سارة اسامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أيه البجاحة وقلة الأدب دي، مافيش لا حياء ولا كرامة. حقيقي إللي استحوا ماتوا. مبحلقة فيا بدون أي خجل، حتى مفيش أي احترام للحجاب إللي هي لبساه. واللي يشوفها يقول عليها ملاك. واخدين الحجاب ستر لقذارتهم، حقيقي بقرف من الصنف القذر ده. قالها وهو يجلس خلف مكتبه المُحاط بزجاج شفاف يطل على بهو المطعم بالكامل، ويكشفه له. ليلفت أنظاره هناك في أقصى المطعم حيث سلّات الأزهار القابعة عند السور المطل على بحيرة تتدفق بالماء الجاري. كانت فتاة تجلس على تلك الطاولة المجاورة للأزهار والمجاورة للبحيرة التي يعلو خرير...
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة اسامه
تربد وجه يعقوب بالغضب ونطق بنبرة خطيرة جحيمية:
-- الولية دي شكل دماغها هبت منها على الأخر ومحتاجة تتربى وتتعلم الأدب..بس هي معذورة يا كريم .. هي لسه متعرفش بتتعامل مع مين، ومين يعقوب!!
نطق كريم يُحذره:
-- يعقوب أتصرف بحكمة وبلاش تسرع علشان ميوصلش لبيبة بدران حاجة من الدوشة دي، أنت ناسي إن الست دي ذكرت اسمك في قسم الشرطة ولو اتسربت معلومة من دي أكيد هتوصل للبيبة بدران..
صرخ يعقوب بتفلت أعصاب حتى وصل صوته للفتيات ليُخرجهم من صدمتهم:
-- ولا تهمني لبيبة بدران ولا غيرها إللي عنده حاجة يعملها أنا خلاص شبعت من عميلها...
قال كريم يُهدئه:
-- طب اهدى اهدى وخلينا نحلها سوا...قولي إنت عايز حاجة أعملها دلوقتي..
أردف بوعيد من تحت أنفاسه اللاهبة:
-- الولية دي متطلعش من مركز الشرطة ألا ما أنا أجي ... أنا جاي حالًا..
عند رِفقة التي تسمرت تُردد بصدمة:
-- مش فاهمة .. يعني أيه الحساب فاضي!!
قالت نهال بحزن:
-- للأسف يا رِفقة الحساب مسحوب منه كل الفلوس ... احكي أيه إللي حصل معاكِ الفترة الأخيرة .. لأن المبلغ ده كبير مينفعش يتسحب من الماكينة مرة واحدة وفي يوم واحد، أكيد عفاف عملت مكيدة تانية..
قالت رِفقة بتيهة وأعين باهتة والحزن يمور بداخلها بينما تتذكر الأحداث الأخيرة التي حدثت معها:
-- أنا معرفش .. معرفش حصل أيه .. هي بعد ما كلمتني وقبل ما نروح الشقة .. روحنا البنك وهي قالتلي هنسحب الفلوس بتاعة الشقة إللي كانت ٢٥٠ ألف بس ... وبعدين صاحب الشقة قالي إن الشقة إيجار مش تمليك .. قولت يمكن هي مرضتيش تقولي إنها إيجار ووفرت الفلوس والمهم إنها خلصت مني وخلاص..أنا وثقت فيها وعطيتها الرقم السري بتاع الفيزا، ماشي تكرهني وأبقى عِبء عليها لكن إنها تضحك عليا وتاخد الفلوس إللي أهلي سايبنها ليا وهما عارفين إن لا أملك غيرها وبصرف منها لأن لغاية دلوقتي مفيش شغلانه بتقبلني..
اشتد حزن كلًا من آلاء ونهال بينما يعقوب الذي وقف على مقربة منهم يستمع لما يدور وقد صُبّت النيران في دمه، ومزق الألم قلبه لما حدث لِرفقة..
بينما طفقت نهال تتسائل:
-- طب مش فاكره هي خليتك تمضي على حاجة يعني أي أوراق..
أخذت رِفقة تعود بذاكرتها للخلف وهي تشعر أن الأرض قد ضاقت عليها بما رحبت لتُسرع تقول بينما تساقطت من أعينها دموع الأسى:
-- أيوا .. هي في وقت قبل كدا كانت جابت كام ورقة وقالتلي إنهم إجراءات يخصوا بابا وماما ولازم أمضي عليهم .. أنا عمري ما شكيت فيهم خالص .. أنا وثقت فيهم .. ليه عملوا معايا كدا..
احتضنتها نهال بحنان وأخذت آلاء تمسد على ذراعها..
قالت نهال بحرقة تحرق جوفها:
-- حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منها يارب..
-- رِفقة..
التفتت رِفقة بأعين دامعة عندما سمعت صوت يعقوب لتهمس بنبرة مرتعشة حزينة:
-- نعم..
نبرة كانت كألف سوط على قلب يعقوب العاشق العاكف في محراب هواها...قال برِفق وتحنان:
-- يلا علشان ترتاحي..
وقفت كالتائهة تلتفت من حولها تعشر بشعور قاتل، شعور بالعجز والإنهزام والوحدة..ذلك الشعور الذي تسببتم في أن أشعر به الآن، سيُحاسبكم به الله حتمًا، فقد أخبرته بكل شيء..همست رِفقة بصوت متقطع ضعيف تائه:
-- أروح فين ... أنا ... أنا أعمل أيه...
قال يعقوب بحنان ولهفة:
-- أنا موجود ... معايا يا رِفقة .. بكرا الصبح هنتجوز وهتكوني معايا في بيتك..
وأكمل بوعيد:
-- ورب العباد لأدفعهم تمن كل إللي عملوه .. بس ثقي فيا يا رِفقة..هوصلك دلوقتي لشقتنا ومن بكرا الصبح كل حاجة هتتغير...يلا بينا..
سارت بصحبة آلاء ونهال بانهزام خائرة القوة ودموعها تتساقط شاعرة بالشفقة على نفسها، شعور مؤذي لأبعد حدّ...إنها مجرد زائد في هذا الكون، لا أحد لها، لا أهل..لا سند ... لا أحد يُحبها ولا أحد يُريدها، مجرد عِبء يحاول الجميع التخلص من ثقله...لكن ما ذنبها .. وماذا فعلت؟!ليس ذنبها أنها فقدت البصر، تلك مشيئة الله ولا يحق لها الإعتراض..إن صار كل نافع ضار فليرحمنا الله، فإن كان هم من تحمل دماءهم فكيف يكون الغريب..!!
ظلت جالسة بين آلاء ونهال تهبط دموعها الكاسفة على وجنتيها بصمت على روحها المنهكة..كان يعقوب ينظر لها بالمرآة الأمامية بقلبٍ مكلوم يتقد بنار الإنتقام، يُقسم أنهم سيدفعون ثمن كل دمعة تذرفها عينيها الجميلتان..رفع هاتفه ثم أرسل رسالةً ما وأغلقه وهو يُكمل طريقه...
بعد مدة قصيرة كان يقف أمام إحدى البنايات الراقية، هبط ليهبط الجميع..قال عبد الرحمن وهو يُشير ليعقوب:
-- أنا هنتظرك هنا يا يعقوب..
حرك يعقوب رأسه بإيجاب وصعد للأعلى لتصعد خلفه الفتيات حتى وقف أمام إحدى الشقق والصمت يُزين الأرجاء...فتح يعقوب الباب ليقول بهدوء:
-- اتفضلوا..
وقف قليلًا ثم قال:
-- رِفقة .. الشقة هنا آمنة جدًا وفيها كل حاجة...أنا نازل وهرجع عالطول وإنتوا لو سمحتوا تفضلوا مع رِفقة لغاية ما أرجع...
أقترب من رِفقة فابتعد كلًا من آلاء ونهال ليتركوا لهم مساحة، وأردف بهدوء:
-- الصبح مجرد ما تكوني على ذمتي كل حاجة هتتغير، هيبقى عندي الحرية والحق أقولك على كل إللي جوايا واحتوي حزنك ووجعك..وبوعدك يا رِفقة إن هرجعلك حقك وادفعهم تمن كل إللي عملوه..
لا تعلم أتحزن أم تضحك؟!هناك بروحها أصبح حاجزًا يمنعها من الثقة المطلقة والأمان بعد ما رأته..!نعم هي فاقدة للبصر لكنها تستشعر صدق نبرته إلا إذا كان منافقًا متلونًا بالخداع مثلما فعلت عفاف وبناتها..نعم كانت تعلم أنها تُثقل كاهلهم لكنها لم تعلم خداعهم وكرههم لها..
-- أستاذ يعقوب..
كان صوت أحد شباب توصيل الطعام بمطعمِه يقف أمام باب الشقة الذي تركه يعقوب مفتوحًا..أقترب منه يعقوب وأخذ الطعام ثم عاد للداخل وقال لرِفقة بحنان:
-- دا كُل الأكل إللي بتحبيه .. كُلي واشبعي وامسحي دموعك .. أنا اتعلمت منك إن ربنا أبدًا مش بيجيب حاجة وحشة .. مش إنتِ قولتيلي كدا، وإننا لازم نرضى بالأقدار إللي ربنا يكتبها لنا، وإن أي حاجة تحصل لنا أكيد خير...كمان إللي حصل ده خير؛ لأن ربنا بيّن لكِ أشخاص كنتِ مخدوعة فيهم وإلا كنتِ فضلتي كدا العمر كله، وناس زي دي ملهومش أمان يعني تتوقعي منهم الأسوء، أنا المرة دي بقولك مع إن محدش علمني ولا رباني على كدا .. قولي الحمد لله ... واستعدي علشان أنا بوعدك إن بكرا هيبقى يوم سعيد ...دا وعد من يعقوب..أنا هنزل أعمل شغله وأرجع وهبقى في الشقة إللي قصادك..
وخرج راحلًا تحت إندهاش قلب رِفقة التي ابتسمت بدموع بينما قلبها فيطرق بشدة ووجهها الذي يتغضن بالألم أصبح يومض بالحُب للمرة الأولى... والأهم أنها تشعر بالأمان يتسرب لقلبها رويدًا رويدا..
بعد خروج يعقوب تاركهم في حالة من الصدمة التي لم يتخيلوها بأحلامهم يومًا..صاحت أمل بغلّ:
-- إنتوا شوفتوا إللي شوفتوا .. مين يعقوب ده ويعرف رِفقة منين، شوفتوا كان بيدافع عنها إزاي وملهوف عليها..
أردفت شيرين بحقد وكره:
-- دي عاميه... إزاي قدرت توقع واحد زي ده..
تسائلت أمل بحيرة:
-- يكون عارف بالمبلغ إللي معاها وعايز يلهفه منها..
رددت شيرين برفض:
-- مبلغ أيه يا بنتي .. إنتِ هبله .. دا منظر واحد يبصّ على مبلغ زي ده .. بالنسبة ليه فكة..العاميه إللي اسمها رِفقة قدرت فعلًا توقعه وتوهمه بقلبها الطيب يا عيني وبراءتها..
هنا نطقت عفاف أخيرًا بأعين مليئة بالشرّ:
-- بح .. الفلوس إللي كانت معاها مبقاش لها ولا مليم..
تسائلت أمل بعدم فهم:
-- قصدك أيه يا ماما..!!
-- قصدي إن الفلوس بقت ملكنا .. دي حقنا إحنا بقلنا قد أيه مقعدنها ومستحملين قرفها وأكل وشرب ولبس ويدوب مكانتش بتسحب ألا ملاليم، دا تعويض لنا على كل إللي عملناه، وبعدين واحدة عاميه زي دي ملهاش مستقبل هتعمل بالفلوس دي أيه، دي المفروض تقعد في أي دار رعاية ويبقى حلو أوي عليها وتستنى الموت لما يجيلها...فلوس جهاز أيه .. ولا جواز أيه إللي هتتجوزه..
رددت شيرين بحماس وفرحة:
-- بجد بجد يا ماما .. يعني إنتِ دلوقتي معاكِ نصّ مليون جنيه ... يعني المبلغ ده حقيقي بقى ملكنا..إزاي عملتي كدا يا ماما .. حقيقي إنتِ دماغك سم..
أخرجت عفاف من حقيبتها ورقة بتوكيل عام لجميع ما تمتلكه رِفقة وأسفلها توقيعها وبصمتها، أي أن لها مُوجب التصرف بكل شيء حتى بسحب الأموال من حسابها البنكي..
قال عفاف بفخر وكأنها قامت بأحد الإنجازات العظيمة:
-- أنا خليتها تمضي عليه من غير ما تحسّ، وسعد ابن عمك شغال في البنك وسهّل الموضوع عليا..
ضحكوا جميعًا في سعادة، لتقول شيرين بقلق:
-- بس دلوقتي رِفقة هتتجوز إللي اسمه يعقوب ده، دا فعلًا شكل الموضوع بجد..
ابتسمت الأفعى عفاف وقالت بشر يعبق قلبها:
-- مبقاش عفاف لو خليت الجوازة دي تتم...
-- هتعملي أيه يعني!!
استقامت وهي تقول:
-- عايزاكم بس تبهدلوا نفسكم كدا وشعركم وتقطعوا هدومكم ... وبصوا تمثلولي دور المنهارين لأبعد الحدود...
تسائلت أمل بعدم فهم وتعجب:
-- طب إنتِ هتعملي أيه ... وخارجة ليه دلوقتي..
ابتسمت بخبث وقالت وهي تخرج متصنعة الإنهيار والبكاء:
-- واحد اتهجم على بيتي وبناتي والجيران شاهدين هروح فين يعني..
وخرجت تركض منهارة تحت شفقة الجيران لتوقفها أحدهم متسائلة:
-- أيه يا عفاف ...في أيه عندكم ومين كان داخل يتهجم عليكم كدا..
ازدادت عفاف في البكاء وأخذت تقول بتمثيل:
-- شوفتي إللي حصلنا يا أختي بسبب مقصوفة الرقبة إللي اسمها رِفقة، دا واحد تعرفه وجاي يهددنا ...يعني ده جزاءنا بعد ما فتحتلها بيتي، مش كفاية سابتنا من كام يوم وقالت أنا قرفت من القاعدة والعيشة معاكم ... ودا كله ليه ...علشان بنسألها لما بترجع متأخر ولا تقعد من أول النهار لأخره في الشارع..
ألقت كذبتها وركضت منهارة بالشارع لتعلو همهمات الجيران وسخطهم لما حدث...بعد قليل كانت عفاف تقف أمام رئيس المركز بعد أن سردت له أكاذيبها وهي تتصنع البكاء والإنهيار وبمجرد ذكرها لاسم يعقوب بدران ثار الضابط المسؤول وهو يطرق فوق سطح المكتب وصاح بانفعال:
-- إنتِ اتجننتي يا ست إنتِ .. إنتِ تعرفي بتتهمي مين ...دا وريث عائلات بدران يا كيداهم، روحي دوري على غيرها وخدي بعضك واتكلي على الله من هنا بدل ما تروحي في شربة ميا...حتى لو إللي بتقوليه حصل أحسنلك تنسي الموضوع ده وتروحي على بيتك أحسنلك..
ررد ضابط آخر يقول بحقد دفين تحت أسماع عفاف:
-- وتنسى الموضوع ده ليه يا باشا، هما زيهم زي أي مواطنين ولازم فضايح آل بدران إللي عاملين نفسهم صفوة المجتمع تبقى على كل لسان علشان رفعة الراس الكدابة إللي هما فيها دي نخلص منها..إحنا لازم نمشي في التحقيق والإجراءات وكل واحد ياخد حقه...
-- ودا رأيي بردوه يا سعادة الباشا، كل واحد لازم ياخد حقه ...ولازم تشوفوا شغلكم وتبدأوا التحقيق والتحري فورًا...
كان هذا صوت يعقوب الذي ولج للمكتب برأس شامخ وجسد مشدود، كانت طلته كفيلة ببث الرعب بأوصال عفاف وما جعل هلعها يبلغ عنان السماء حين قال يعقوب:
-- أنا كمان عندي أدلة أكيد هتفيدكم عن عمليات سرقة ونصب واحتيال وضيف لهم الشروع في القتل......
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثاني عشر 12
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل الثاني عشر" -١٢-
- يعقوب باشا .. اتفضل..
ولج يعقوب للداخل ثم جلس بهدوء فوق المقعد واضعًا قدمًا فوق الأخرى بكبرياء بينما يرمي عفاف المرتجفة بنظرات مستحقرة من أعلى لأسفل...
قال أحد الضُابط وهو يرمق يعقوب بغضب مكتوم:-
- أكيد يا يعقوب إنت متهم لغاية ما تثبت براءتك..
ابتسم يعقوب بخفة وردد عاقدًا جبينه:-
- بس إنتوا بتقولها باين .. المتهم بريء حتى تثبت إدانته، جات عندي واتغيرت ولا أيه..!!
وأكمل يعقوب وهو ينظر للضابط المسؤول الأعلى رُتبة:-
- ممكن أعرف مين إللي هيبقى مسؤول عن التحقيق علشان أتكلم معاه..
ردد المقدم "براء" بجزم وهو يُشير للضابط الأخر:-
- اتفضل يا سيادة النقيب على شغلك .. أنا ويعقوب هنتكلم..
خرج الضابط على مضض بينما يكبت إعتراض يلوح فوق لسانه في حين يرشق يعقوب بنظرات ناقمة..
استرخى يعقوب بجسلته دون مبالاة ثم هتف بتسلية يتلاعب بأعصابها:-
- يلا نبدأ وكل واحد يقول إللي عنده يا براء باشا، عندي تسجيلات من قلب البنك هتعجبكم أووي وأوراق وكالة عامة على أعلى مستوى..
وبالمقابل طبعًا إنت عارف إن الطب متطور أوي وأكيد السيدة الوقورة عفاف مش هتعترض أبدًا إن بناتها يتعرضوا على الكشف الطبي، وأنا مجرم متعاون جدًا...
ولا أيه يا عفاف ... الجرب..
شحب وجه عفاف أكثر وهي تُسرع تقول بنفي:-
- لا .. لا يا باشا .. أنا غلطانة مش هو ده الشخص، يمكن غلط في الأسماء...
أنا همشي يا باشا بعد إذنك .. أنا مش عايزه حاجة..
وقفت تفرك يديها ليغمز يعقوب لبراء فيقول:-
- غوري ودي أخر مرة تهوبي هنا..
أطلقت لقدميها العنان تفرّ خارجة وكأن وحوشًا كاسرة تطاردها وهي تتيقن أن تلك الطريقة لن تُجدي نفعًا مع هذا المتكبر المتفاخر..
هي تعلم ما الذي سيجعله ينسحب من تلك الحرب..!!
تعجب براء وهو يتسائل بغرابة:-
- ليه سبتها تمشي يا يعقوب، الأدلة إللي معاكِ توديها في ستين داهية...
أسند يعقوب ظهره للخلف وقال بنبرة غامضة يتخللها المكر والخُبث:-
- مش بالساهل كدا يا براء ... السجن ده أخر خطوة، لازم أعيشها الرعب والمذلة إللي عيشتها لرِفقة ... لازم تدفع التمن غالي قبل ما تتعفن في السجن..
تنفس بعمق وهو يستقيم ثم قال وهو يمد يده يُصافح براء:-
- شكرًا جدًا لك يا براء وأكيد هنبقى على تواصل..
أردف براء بصدق:-
- وأنا في الخدمة يا يعقوب والولية دي هتاخد جزاءها أكيد..
- تسلم يا باشا..
خرج يعقوب وسار نحو سيارته ليتنهد براحة قبل أن ينطلق نحو مكانٍ ما، غاب بداخله أقل من ساعة ثم خرج يبتسم بينما يحمل بعض الأشياء بسعادة عرفت طريق عُقد وجهه التي لم تسري السعادة فوقها من قبل...
*****************
بمجرد أن رحل يعقوب هاتفت نهال والديها وأخبرتهم أن ستظل مع رِفقة لظرفٍ ما وعلى مضض وافق والديها لمعرفتهم برِفقة وحالها..
نظرت نهال بحزن على رِفقة التي لم تتناول بالكاد سوى لُقيمات قليلة بانطفاء، أردفت تقول بضجر:-
- إحنا هنفضل قاعدين كدا يا بت يا رِفقة، تعالِ أعرفك على الشقة وأوصفهالك شبر شبر ما هي بردوه هتكون بيت صاحبتي وأختي..
وأكملت تقول بمكر:-
- وبعدين هو سي يعقوب قالك أيه كدا مخليكِ سرحانة أوي كدا..!!
بس ما شاء الله عليكِ يا بت يا رقرق وقعتي واقفة، جايبلك كل الأكل إللي بتحبيه حتى المشروبات .. ألا قوليلي هو عرف عنك دا كله إزاي..!!
ابتسمت رِفقة بشحوب فهذا يعقوب لم ينبثق إليها إلا في أشد الأوقات ظُلمة، فهكذا يكون الفجر الصادق لا ينبعث إلا من الظلمة الكاحلة..
همست تقول بحيرة:-
- مش عارفه والله ... بس يمكن علشان أنا مثلًا كنت بزور مطعمه عالطول .. بس أصلًا هو مش كان بيبقى موجود ألا يجي مرتين أو تلاته..
اقتربت منها نهال وهتفت بسعادة:-
- يلا بقاا أهي مصلحة .. كل يوم والتاني هروح مطعم البوب أكل لما أشبع ووقت الحساب أقول أنا تبع مدام يعقوب..
لكزتها رِفقة وأردفت بوجه متخضب:-
- بطلي بقااا يا بت يا نهنه وبطلي تقوليلي رقرق دي..
- أنا مش عارفه أيه الهباب إللي إحنا فيه ده، حتى اسماء الدلع إللي مختارينها كلها مُشتقه من النكد والعياط.. نهنه وترقرق... حاجة أخر انشكاح ما شاء الله علينا..
- كله منك يا نكديه..
جذبتها نهال برفق وأردفت:-
- تعالي يلا أعرفك على الشقة القمر دي..
سارت معها رِفقة لتبدأ نهال تشرح لها كل شيء وتجعل يدها تتحسس مكان المقاعد والأثاث وتوصف لها كل شيء بدقة .. الألوان والتصاميم وكل شيء...
وقالت بانبهار وهي تفتح الشُرفة:-
- ما شاء البلكونة مليانة زرع وورد زي ما بتحبي يا رِفقة وفيها نجيلة صناعية .. شكلها مُبهج أوي..
وكمان أغلب ألوان الشقة فاتحة زي ما بتحبي...
وأكيد يعقوب هيعدلها على حسب ذوقك كمان..
ابتسمت رِفقة وهي تتحسس الأرضية بأقدامها وأصابعها تتلمس الورود والزرع بفرحة فيالعشقها للطبيعة والزهور...
قالت نهال وهي تتأملها:-
- بس واضح إنها معموله قريب مش من بعيد..
أبلج يُشرق وجهها ثم قالت بهدوء:-
- ممكن بس يا نهال تساعديني أتوضى وتعرفيني مكان القبلة عايزه أصلي وأقعد شوية لواحدي..
سارت بصحبتها نهال وتمتمت:-
- حاضر يا رِفقة وأنا هشوفلك إتجاه القِبلة في الموبايل...
وبعد مرور القليل كانت رِفقة تجلس فوق سجادة الصلاة شاردة تتذكر الأحداث الماضية وما لاقته على يد زوجة خالها وبناتها وتلك الصدمة التي تلقتها منهم، نعم كانت تعلم بأنهم لا يستحسنون مكوثها لديهم، لكن ما فعلوه يبرهن كرهمم وحقدهم الدفين تجاهها...
اشتعلت النيران بقلبها ليسقط دمعها، همست بإصرار وهي تجمع كفيها تمدهم لأعلى:-
- أنا رِفقة يارب ... بوعدك إن دي أخر مرة هبكي فيها، وبوعدك إن ورايح هبقى قوية ومش هسمح لحد يإذيني ولا يوجعني...
أقولك على حاجة .. أنا أصلًا قوية بيك، طول ما إنت معايا أنا مش هخاف من أي حاجة في الدنيا دي، علشان عارفه إنك موجود وهتحميني..
أنا واثقة إن كل دا حصل لحكمة لا يعلمها إلا أنت، ويكفي إن عرفت حقيقة ناس كنت مخدوعة فيهم وكانوا بيضحكوا عليا...
أنا هشكيلك من حاجة يارب، دلوقتي أنا الحمد لله والله مش زعلانة فقدت البصر وأنا راضية، ليه الناس بتستغلني وتمكر ليا، ليه يعاقبوني على حاجة أنا مليش ذنب فيها...
وبما إنك تعلم ولا أعلم يارب فأنا بوكلك بكل شيء وأنت خير وكيل، بوكلك يا عادل تاخد حقي وتحميني...
اللهم من أراد بي سوءًا أو شرًا فرد كيده في نحره وأشغله في نفسه واجعل تدبيره تدميرًا عليه يارب العالمين..
اللهم اضرب الظالمين بالظالمين...
اللهم أهلك الظالم لظلمه اللهم إنه أبكى عيونًا وقهر قلوبًا فأرني فيه عجائب قدرتك..
اللهم يا منتقم انتقم من كل مَن أذاني، اللهم إنك تعلم أنني لا أستطيع دفع هذا الأذى عن نفسي، اللهم اكفني مكرهم ورد كيدهم في نحورهم...
وهمست بإيمان وتلك الآيه حضرتها:-
- {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه}
كفكفت دموعها وهي تأخذ على نفسها عهدًا أنها لن تبكي مرةً أخرى إلا سعادةً...
همست برضى:-
- الحمد لله يارب .. الحمد لله على ما أعطيت وعلى ما منعت .. أنا راضية واجعلني دايمًا كدا قلبي مليان بالرضى..
وأخذت تردد بامتنان ويقين:-
- { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا }
تذكرت يعقوب لتستقيم وهي تؤدي ركعتي استخارة تطلب من رب العالمين أن يرشدها ويسددها لما فيه خير، كانت دائمًا عند أي أمر تهرع إلى بابه تسأله وتستخيره وإلى الآن لم يردها الله خائبة فقد أحسنت التوكل عليه وقد كفاها... ركعتي الإستخارة والدعاء طوق نجاتها من أمورٍ كثيرة..
همست برجاء ويقين:-
- يارب ارشدني ودلني على الطريق الصحيح، أنا محتاره ومش عارفه أعمل أيه وإنت علّام الغيوب وجيت أخبط على بابك..
يارب لو هو خير ليا فسهل ليا كل الأمور وقربه مني، ولو هو شر فابعده عني يارب..
يارب أنت خير صاحب فكن ليا الصاحب في كل خطوة من حياتي...
وجلست تتنهد براحة وهي تشعر أن أثقال كالجبال انزاحت من فوق قلبها، وتلك السكينة والطمأنينة لا تنالها إلا بجوار خالقها...
ضمت ساقيها نحو صدرها وقد جال بعقلها تلك الأحداث الأخير ليتغلغل إلى ثنايها يعقوب...
كلماته ... وعوده .. وصدقه ... رجولته..
وبالأخير تلك النبرة الحانية العاشقة التي كان يُحدثها بها...
بزع فوق فمها إبتسامة حالمة مطمئنة وصدى صوته يتكرر داخل عقلها وجدران قلبها..
انبعثت التساؤلات والفضول حوله، هو ليس الشخص فقط الذي حدثها عنه هناك من هو أعمق من هذا، هناك كثير داخل جُعبة يعقوب الذي تجهله!!
أفاقت من شرودها وهي تسمع رنين جرس الباب لبُرهة انكمشت على نفسها لكنها تذكرت وجود نهال معها...
بعد دقيقة ولجت نهال المسرعة بلهفة نحوها تهمس بحماس:-
- رِفقة .. رِفقة ...يعقوب برا .. تعالِ عايزك..
اضطرب قلبها وشعرت بنبضاتها تتعالى بشكل جديد لا تألفه، همست بتوتر:-
- طب .. هو مقالش عايزني ليه وكدا..!!
ابتسمت نهال على خجلها وأردفت بمرح:-
- عريس يا ست رقرق .. وهيقولي ليه يعني .. بس جايب حاجة كدا معاه متحمسة أعرف هي أيه .. يلا يا بت قومي كلمي جوزك .. أقصد إللي هيبقى جوزك بكرا..
لكزتها رِفقة تردف بخجل:-
- بطلي يا نهال .. دا إنتِ فظيعة.. إنتِ كدا بتكسفيني بجد..
- طب يلا يا أخت المكسوفة الراجل برا مستني وأظن عيب نسيبه كدا وهو واقف والباب مفتوح، والله جنتل أووي وذوق ومحترم...
- نهاااااال افصلي..
- سكتنا يا ست رقرق محدش هيعرف يكلمك بقاا.. يلا يلا تعالي نطلع...
خرجت بصحبة نهال تشعر بالخجل والتوتر وتختبر تلك المشاعر العذرية للمرة الأولى...
رفع يعقوب وجهه الذي ينبثق منه مشاعر السعادة والارتياح للمرة الأولى بعد الشقاء والقيود الذي عَان منها كل تلك السنوات الثقال وأخيرًا يشعر بالحرية، فتقع أعينه فوق وجهها الذي أضاء بشعاع من الطُهر والنقاء كان كفيل بأن يُبدد ظُلمته لأخر نقطة..
تأملها بدون تصديق، وجهها النقي الذي تُلطخه حُمرة الورد برداء الصلاة الأبيض المزركش بالزهور، تأتي على استحياء مضطربة خافضة الرأس حتى وقفت أمامه، إنها جائزة صبره، حقًا يعقوب الأسير يستحق كل هذا النقاء والطُهر...
وزادت هي الأمر سوءًا على صبره حين ابتسمت برِقة غير مصطنعة وخجل وهمست:-
- نعم .. نهال قالت إنك عايزيني..
ابتلع ريقه وهمس يعقوب بتلقائية وهو يُترجم عن قلبه:-
- وسط حياة مليئة بالقيود، كُنتِ أنتِ الشعاع الذي انبثق ودكَّ جميع العُقد.
ارتفعت وتيرة أنفاسها ورددت بعدم فهم وهي تكتم صدمتها:-
- نعم .. مش فاهمة .. قصدك أيه.!!
تنحنح وهو يقول بتدارك:-
- مفيش .. أنا بس كنت جاي أقولك إن بكرا إن شاء الله هنروح العصر وهنكتب كتابنا في بيت خالك قدام الناس كلها وقدام الحرباية عفاف وبناتها الأفاعي .. والكل هيبقى شاهد..
هتبقى فترة زي الخطوبة هنتعرف فيها على بعض بس هنكتب الكتاب علشان أبقى بحريتي معاكِ...
رددت بصدمة وتوجس:-
- نعم ... قصدك أيه..
أغمض أعينه وعاد مسرعًا يُعيد صياغة حديثه:-
- يعني أقصد علشان أقدر أحميكِ وتكوني قدامي عالطول ونتكلم براحة أكتر ... يعني أقصد أكيد لغاية ما ترتاحي وساعتها هنعمل فرح وكدا...
لم يمر هو بتلك المشاعر والأضطرابات، من يراه الآن وهو كالطفل أمامها ينتقي مفرداته ويسعى لِلَحظ الرضى منها لا يُصدق أنه ذاته يعقوب المتعجرف المتكبر، بالتأكيد إذا رأته لبيبة الآن ستصاب بذبحة صدرية..
قالت رِفقة مبتسمة تخبره بأول ملاحظة لها عليه:-
- على فكرا إنت جريء أوي..
رفع يعقوب كفه يتحسس نهاية شعره وعنقه ونطق بأول كلمات قالتها له وأحبها:-
- جزاكِ الله خيرًا...
كتمت رِفقة الضحك بشق الأنفس ليُسرع يعقوب يقول قبل أن يتفوه بحماقات أخرى فهي حقًا خطر على قلبه:-
- أنا جبت كل الحاجات إللي هتحتاجيها بكرا، ولو ناقصك أيه حاجة قوليلي....
وأكمل يقول قبل أن يهرع هاربًا:-
- أنا في الشقة المقابلة لكم عالطول لو احتاجتكي أي حاجة أنا موجود...
تصبحي على خير..
وخرج وقد أغلق الباب من خلفه ليتوقف يتنفس بعمق واضعًا كفه فوق قلبه وهتف بجدية:-
- ما تِركَز يا يعقوب في أيه...
بينما في الداخل ضحكت رِفقة بشدة لتأتي نهال مسرعة تفتح الأشياء التي جاء بها يعقوب...
- تعالي يا بت يا رِفقة نشوف هو جايب أيه...
فتحت مغلف كبير لتشهق بانبهار وقد اتضح أمامها فستان باللون الأبيض رقيق ناعم جدًا، رغم جماله فهو بسيط..
صاحت تقول بحماس:-
- فستان يا رِفقة ...فستان أبيض جميل أوووي..
لم تُنكر رِفقة سعادتها كطفلة سعيدة بملابس العيد، تلك اللافتة قد جبرت جزء كبير جدًا من قلبها، ترقرق الدمع بأعينها بفرح وهي تهمس بعدم تصديق:-
- بجد يا نهال .. بجد فستان .. يعني أنا هلبس فستان...
احتضنتها نهال بسعادة وقالت بحنان:-
- جد الجد يا حبيبتي، إنتِ تستاهلي كل ما هو جميل يا رِفقة وإنتِ مش أقل من أي عروسة تلبس فستان يوم كتب كتابها...
ثم سحب أيدي رفقة ووضعتهم فوق الفستان لتبدأ يدها ترى تفاصيله بينما تشرح لها نهال تصميمه بدقة...
وأردفت تقول:-
- كمان موجود معاه جذمة بيضا بكعب صغير مربع شكلها قمر أووي ... اااه علشان كدا عرفت البت آلاء قبل ما تمشي كانت بتبص على قفا جزمتك ليه ... والله ما حد سهل وخصوصًا يعقوب بتاعك ده..
أشرق وجه رِفقة بالسعادة وهي تتحسس الحذاء والحجاب الطويل المرفق لهم فرحة طفولية...
أردفت نهال وهي ترى سعادة رِفقة:-
- حقيقي واضح أووي عليه إنه واقع فيكِ يا رِفقة وبيحبك ... جوازه منك مش شفقة ولا ليه أي سبب ألا كدا ودا هو إللي مأجل يقولهولك بعد الجواز...
للمرة الأولى تغفو رِفقة بتلك السعادة تنتظر الغد بفارغ الصبر...
تتمد فوق الفراش الناعم ليس فوق الاريكة الضيقة بمنزل خالها أو الفراش الخشن بتلك الشقة المهجورة، وأمامها مُعلق فستانها وحجابها وأسفلهم حذاءها ينتظروها من أجل الغد...
وكذلك استغرق يعقوب في النوم بينما يحتضن الوسادة سابحًا ببحر أحلامه المتدفق وملامح وجهه منفرجة مرتاحة...
******************
- عملتي أيه يا ماما .. ومال وشك كدا .. أيه إللي حصل .. سجنوا إللي اسمه يعقوب ده..
رمقتها عفاف بسخرية وقالت:-
- سجنوه .. دا أنا إللي كنت هتسجن وهتسحل يا روح أمك ... إنتِ متعرفيش يعقوب ده طلع مين..
ناولتها أمل كوب ماء بارد لتتسائل بسخرية:-
- وطلع مين يعني ... ابن رئيس الوزراء...
قالت عفاف بخبث وحقد:-
- طلع حاجة هتخدمنا جدًا ... يبقى حفيد عيلة كبيرة أووي في البلد اسمها بدران، ناس متعنظين ومناخيرهم في السحاب، وليه جِده أجارك الله...
رددت شيرين بحقد:-
- يعني أيه ...عايزه تفهميني إن رِفقة العاميه هتتجوز واحد بالهيلمان ده كله...
دا جاي يتجوزها هنا بكرا في المنطقة وقدام كل الناس!!!
أردفت عفاف بشر متوعدة:-
- على جثتي لو ده حصل ولا إن هنيت بنت نرجس في حياتها ... اصبروا على إللي هعمله بكرا، هقلب الترابيزة عليها وهخليها نُكته ومسخره قدام الكل ...هتبقى فضيحة للرُكب وإللي يسوى وميسواش هيتفرج...
*********************
مات الليل وانبعثت شمس النهار ليوم جديد يترقبه قلبان لا يطيقان صبرًا...
كانت تجلس بوجه متجهم تحتسي قهوتها بوجوم وغضب من تصرفات حفيدها الأكبر يعقوب الذي لا نهاية لعناده ولا لتصلب عقله...
أصبح لا يرضخ لأي تهديد واهٍ منها وهي التي تموت إن أصاب مكروه لخصلة من خصلات شعره لذلك تُمسك نفسها بشق الأنفس..
قطعت عليها خلوتها مساعدتها الشخصية التي قالت بوقار:-
- بعتذر جدًا من حضرتك يا لبيبة هانم، بس في حاجة مهمة جدًا لازم حضرتك تعرفيها...
نطقت بصرامة وهي مازالت على حالتها:-
- قولي...
أردفت الأخرى بتردد:-
- هي بصراحة حاجة غريبة شوية...
في رسالتين وصلوا لحضرتك على أرقام الشركة..
الأولى بتقول إن يعقوب باشا كان في مركز الشرطة ليلة إمبارح ... احممم علشان يعني...
التفتت لبيبة ترمقها بنظرات نارية وصاحت:-
- كملي...
- بيقولوا إن هو اتهجم على بيت في أحد المناطق المتوسطة واعتدى على بنتين...
صرخت لبيبة بغضب أعمى:-
- إنتٍ اتجننتي...يعقوب بدران مستحيل يعمل القذارة دي ...اعرفي مين بعت الرسالة دي ويكون قدامي في أقرب وقت...
رددت المساعدة بتوتر من حالتها التي لا تُبشر بالخير بينما تدك الأرض بعصاها:-
- بس في حاجة تانية يا فندم أفظع...
ثم وضعت الجهاز أمامها لتتبين محتوى الرسالة أمام أعين لبيبة التي توسعت بصدمة...
"حفيدك الغالي يعقوب هيبقى كتب كتابه على بنت عامية معدومة فقيرة النهاردة بعد العصر، لو حابة تشوفي جنون عشق حفيدك والحياة الغرامية إللي عايشها من ورا ضهرك تعالي على العنوان ده وإنتِ هتشوفيه وأنا واثقة إنك هتفرحي بيه أوي"
صرخت لبيبة صرخة هزت أرجاء القصر:-
- لااااااا ... مُــــــســـــــــتـــــــــحـــــــيــــل..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثالث عشر 13
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل الثالث عشر" -١٣-
- مفيش أجمل من دا صباح، الصبح إللي أقوم فيه من النوم على صوتك..
دا أجمل صباح مرّ بحياة يعقوب كلها..
همس بها يعقوب الذي يقف بالشرفة مع شروق الشمس، فقد استيقظ على صوت رِفقة تتلو القرآن بالشرفة الملاصة لنافذة الغرفة التي كان ينام بها بالشقة المجاورة..
استغل الفرصة وركض حيث الشرفة ليقف يستمع إليها بشغف وعشق شديدين وهو يتسائل بداخله ما الذي قام به في حياته لينال تلك النعمة العظيمة ألا وهي رِفقته...!!
نعم... فهي لهُ نِعمة لا تُقدر بالأثمان، فإن كانت هي جزاء صبره على تلك السنوات المريرة فدعهُ يُقبل تلك السنوات عامًا عام وشهرًا شهرا ويومًا يوما حتى ودقيقةً دقيقة ولحظةً لحظة إذا كان ثوابه في النهاية .... رِفقة..
بينما رِفقة فقد استيقظت قبل شروق الشمس بحماس لم تبلغه من قبل بحياتها، أدت صلاة الفجر بصحبة نهال .. انفرط شغفها متحمسة للجلوس بالشرفة التي وصفتها لها نهال أمس بأنها مليئة بالزهور والزروع...
جلست بحماس في تلك الأرجوحة المجوفة وهي بقمة سعادتها وهي تشتم رائحة نسمات الصباح المختلطة برائحة الزهور بنهم ثم فتحت مصحفها الخاص بالمكفوفين وأخذت تُردد صورة البقرة بصوتٍ خاشع رقيق وهي تتحسس الصفحات بأصابعها غافلة عن هذا المتلصص...
وبمجرد أن انتهت من الترتيل ومن ترديد أذكار الصباح كانت تشعر براحة كبيرة وطاقة عالية..
أتت نحوها نهال تضع فوق المنضدة الصغيرة كوبان وبعض البسكويت وهتفت وهي تجلس:-
- لقيت هنا نسكافيه بالفانيليا قولت أعملنا كوبايتين أنا عارفة إنك بتعشقيه وللصدفة العجيبة لقيت بسكوت بالحليب إللي بتعشقيه..
وأكملت بمكر:-
- أكيد دي كلها مش صُدف .. شكل يعقوب عارف إنتِ بتحبي أيه وجايبه..
تنهدت رِفقة وأردفت بتحذير:-
- اصطبحي يا نهال..
وبعدين ينفع نشرب كدا مش المفروض كنا عرفناه على الأقل..
وضعت نهال الكوب بيد رِفقة وناولتها بعض البسكويت وقالت وهي ترتشف بلامبالاة:-
- يا أختي الجدع هيبقى بعد كام ساعة جوزك وتقولي نستأذن ... دا ده بقاا بيت صاحبتي يا بت يا رِفقة ... خلاص أنا بقيت من أهل البيت يا عالم..
رددت رِفقة ببعض التوتر:-
- ربنا يستر..
تسائلت نهال بخبث:-
- بس قوليلي يا بت يا رِفقة .. صاحية يعني النهاردة بدري وبقمة نشاطك وحيويتك، أنا حاسه إنك معرفتيش تنامي من الفرحة والحماس واضح واضح عليكِ ...دا كله تأثير يعقوب وكتب الكتاب.!
أصاب قلب رِفقة الاضطراب لكنها تصنعت الإمتعاض تواري بِه هذا الشعور وأردفت بسخط:-
- إنتِ عارفة إن طول عمري بصحى في الوقت ده يا قدري البرتقالي علشان ألحق أعمل روتيني الصباحي...
هنا تذكرت نهال شيئًا ما لتتسائل بفضول:-
- ألا قوليلي يا رِفقة إنتِ كل يوم بتقرأي سورة البقرة ... وبتلحقي تخلصيها دي كبيرة أوي..
ابتسمت رِفقة ببشاشة ورددت بلُطف:-
- مش شرط تخلصيها كلها في قاعدة واحده، ممكن تقسميها على مدار اليوم .. وبعدين واحدة واحدة ... أنا الموضوع كان الأول عندي صعب بس تدريجي بقى سهل جدًا وبقيت متعوده، وبعدين لما تعرفي فضل سورة البقرة مش هيهون عليكِ تسيبيها وهتعافري إنك تحافظي عليها مهما كانت الظروف ومش هتستغني عنها..
تعرفي الرسول صلّ الله عليه وسلم بيقول عليها أيه...
بيقول(اقرأوا البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعُها البطلة)
بتبقى بركة في قلبك وحياتك وبيتك ومعاملاتك وكل حاجة ... وكمان بتحصنك جدًا لدرجة إن السحرة مش بيقدروا على إختراق تحصينها للي بيقرأها...
يعني هتشوفي الفرق في حياتك ملموس جدًا...
شعرت نهال بالخجل أمام رِفقة لكن رغم هذا تشعر بحديث رِفقة يغمرها بالحماس والطاقة لتقول:-
- إن شاء الله أكيد هبدأ أنظم الدنيا وهقرأها على مدار اليوم ... ربنا يجازيكِ خير يا رِفقة ويزيدك يا حبيبتي..
ابتسمت رِفقة ببشاشة وأردفت بحنين وصوت به مسحة من الحزن:-
- ماما الله يباركلها ويردها هي وبابا سالمين كنت دايمًا أشوفها بتقرأها كل يوم الصبح من بدري ولما سألتها قعدت تشرحلي، علشان كدا بيتنا كان كله راحة وسكينة .. كان بيتنا دافي أوي يا نهال بوجود بابا وماما...
وصمتت وهي تمنع سقوط هذا الدمع الذي أخذ في النمو فوق عسليتيها الصافيتين وأكملت بغصة:-
- بعد ما بعدوا عني مالقيتش حد يعلمني وحالتي مكانتش بتساعدني لأن مكونتش بعرف أوصل للكتب إللي تناسبني بلغة برايل ومش كانت كلها متوفره .. وعلى ما اتعلمت طريقة القراءة بيها، اعتمدت على السماع ... فاكرة لما ساعديني أشتري موبايل Touch وعرفتيني كتير في إستخدامه وبقيت أجي عندك تنزليلي دروس على اليوتيوب وأما أروح أسمعهم...
ساعدني كتير أووي الموضوع ده لغاية ما الموبايل باظ...
نفخت نهال قائلة بغضب:-
- أيوا لما الأفاعي ولاد خالك الكذابين كانوا يقولوا معندناش واي فاي بالرغم من إن شوفته عندهم الرواتر علشان مش يخلوكي تستخدميه..
غير بقاا متقوليش الموبايل باظ .. هما وقعوه في الميا عن عمد .. حسبي الله ونعم الوكيل..
تذكرت رِفقة تلك الحوادث التي كانت تحدث معها وهي كانت تصدق أنها تحدث بالخطأ بسبب حالتها، كانوا يستغلون إبتلائها...
شعرت بالحُرقة بقلبها وقالت:-
- ربنا عادل وأنا راضيه بعدله، ربنا شاهد على كل شيء ودا يكفيني .. ربنا سمع ورأي كل شيء يا نهال ودا مطمني...
بسببهم بقيت خايفة من كل الناس...
أردفت نهال بتذمر:-
- بلاش السيرة العِكره دي على الصبح، جفاف والأفاعي عيالها...
- لسانك متبري منك يا نهال هانم...
ابتسمت ثم تنحنحت نهال لتتسائل بحذر:-
- بقولك يا رِفقة كنت عايزه أسألك سؤال...
هو إنتِ لسه عندك أمل إن طنط نرجس وعمو يحيى يرجعوا..!!
ابتسمت رِفقة كعادتها ثم تحدثت بيقين:-
- تعرفي يا نهال أنا مؤمنة بالله حدّ المعجزة، أيوا انتهى زمن المعجزات لكن لم تنتهي قدرة الله..
عندي ثقة ويقين بالله إنهم هيرجعوا حتى لو كانت الأسباب كلها مستحيلة...
وبعدين بعد ما عرفت نوايا مرات خالي الأمل جوايا كبر وفكرت من زاويا تانية، بما إنهم كانوا بيكذبوا عليا في كل حاجة إذًا إن موضوع بابا وماما فيه كلام تاني وإن كلامهم مش مظبوط...
وواصلت بحزن متنهدة:-
- كان نفسي يكونوا موجودين معايا في يوم زي ده، ويمكن لو كانوا موجودين مش كنا وصلنا للمرحلة دي..
استقامت نهال وجذبت رِفقة بمرح قائلة:-
- النهاردة يوم مش عادي ومش عايزين ننكد يا ست رِفقة ... النهاردة فرح .... فرح وبس..
يلا قومي نعمل شوية ماسكات ونجهز حالنا...
وولجوا للداخل تاركين يعقوب الذي تعددت مشاعر شتى بقلبه....
هذا مجرد شيء بسيط بحياة رِفقة، مجرد خيوط رفيعة في نسيج معاناتها.. إنها مجرد البداية فقط..
أقسم بداخله أنه سيعوضها عن كل ما لاقته..
*****************
صدمة جمدت أوصلها، عقلها المغرور يرفض تصديق هذا الأمر حتى وإن رأته بأم أعينها...
استقامت وهي تحرك رأسها بنفي وتقنع نفسها بأنه محال أن يفعل يعقوب هذا .. محال أمر زواجه .. إنها مجرد كذبة لا أكثر...
أيقظها صوت مساعدتها تقول بإحترام:-
- أوامرك يا لبيبة هانم ... تحبي نتصرف إزاي...
استدارت لبيبة وقالت بقسوة بملامح جامدة:-
- الخبر الأول دا مفروغ منه لأن أنا واثقة إن يعقوب مستحيل يعملها، وإللي وصل الخبر ده تجيبوه من تحت الأرض علشان يدفع تمن تجرأه على يعقوب باشا وإتهامه الإتهام القذر ده...
أما بالنسبة للخبر التاني فأنا هروح بنفسي أتأكد
قبل الميعاد وواثقة إن هيكون خبر كاذب علشان يعقوب ميعملهاش..
خليهم يجهزوا العربية هنروح على العنوان...
*******************
وقف يعقوب أمام باب الشقة ليُخبر رِفقة التي تقف أمامه بداخله الشقة بصوت هادئ ونبرة غريبة:-
- اعملي حسابك يا رِفقة هنمشي بعد الضهر، جهزي نفسك...
عقدت رِفقة ما بين حاجبيها متسائلة:-
- مش إنت قولت بعد العصر..!!
ابتسم يعقوب لها بحنان قائلًا:-
- كل حاجة جاهزة مفيش داعي للتأخير، كلمنا المأذون وكريم راح يجيبه...إنتِ كمان يلا اجهزي...
طرق قلب رِفقة واحمرت وجنتيها واكتفت بتحريك رأسها لتتسع إبتسامة يعقوب وقلبه يُحلق من فرط سعادته، وقال برِفق قبل أن يذهب:-
- يلا أسيبك تلبسي وأروح أنا كمان ألبس علشان مش نتأخر...
حركت رأسها بتوتر وأغلقت الباب لتركض نحوها كلًا من نهال وآلاء التي أتت لتشارك رِفقة سعادتها وتساندها...
صرخت نهال بمرح:-
- مش باقي ألا ساعة على الضهر .. يلا يا رِفقة علشان تجهزي...
جذبها كلًا من آلاء ونهال نحو الغرفة وأخذوا في مساعدتها لإرتداء الفستان ولّف الحجاب بطريقة مميزة ساترة، لتصبح رِفقة في هيئة ملائكية تزينها طهارتها ونقاء قلبها وعِفتها..
مدت آلاء أصابعها تضع شيء فوق وجه رِفقة التي ابتعدت باعتراض هاتفة:-
- لا مش تحطي حاجة على وشي يا آلاء .. أنا مش بحب الحاجات دي وميصحش أطلع بيها برا البيت..
هتفت آلاء بتوضيح:-
- دا مرطب بس يا رِفقة علشان المُقشر إللي عملتهولك نهال ...مفهوش أي مشكلة متقلقيش...
تنهدت رفقة وهي تتركها لتتنفس بعمق وهي تشعر بسعادة كبيرة تغمرها، ظلت تتحسس الفستان بأناملها تستشعر جماله ورِقته وتستشعر نفسها بداخله، رفعت أناملها تتحسس وجهها أيضًا وكأنها هكذا ترى نفسها بقلبها...
قالت آلاء بانبهار:-
- ما شاء الله اللهم بارك يا رِفقة حقيقي زي القمر، كمية براءة في وجهك غير طبيعية...
تأملتها نهال بأعين دامعة من الفرح لتهمس بحب صادق:-
- طول عمرك جميلة بطبيعتك يا رِفقة وجمال قلبك وروحك ... حقيقي يا سَعد يعقوب وهناه بيكِ...
احتضنتها بحنان قائلة:-
- أنا فرحانة أووي يا رِفقة .. ربنا يسعدك العمر كله يا ست البنات...
بادلتها رِفقة العناق وانضمت آلاء لهم، لتقول رِفقة بامتنان:-
- مش هنسى أبدًا وقفتكم جمبي .. إنتوا نعمة من ربنا ليا ... ربنا يباركلي فيكم وما يحرمني منكم ويسعد قلبكم ويجبره يارب...
بينما عند يعقوب الذي جاء من الخارج مسرعًا يحمل بيده شيء وضعه بعناية فوق الأريكة ثم اتجه نحو المرحاض ليقابله عبد الرحمن يقول بمرح:-
- اتأخرت يا عم العريس .. دايمًا يقولوا العروسة هي إللي بتتأخر في المواقف دي ...بس شكلنا مع يعقوب هنشوف كل حاجة مختلفة...
كان لازم يعني تنزل تجيب بوكيه الورد بنفسك، ما أنا قولتلك هروح أنا .. بس إزاي دا يعقوب الهيمان، والله يا جدع الواحد لغاية دلوقتي ما مصدق إن ده كله يطلع من تحت راسك ...
بقا دا كله تأثير جزاك الله خيرًا...
كان يعقوب قد تركه منذ أول جملة وولج للمرحاض لينعم بحمام بارد سريع ليظل عبد الرحمن يتحدث وهو يجلس فوق الأريكة مرتدي ملابس أنيق بارتياح باسطًا ذراعيه على ظهر الأريكة متمتمًا بشرود بدون تصديق:-
- يعقوب ... بقاا يعقوب البارد ... يعقوب المتكبر المنعزل ... والله الدنيا اتقل خيرها يا جدع .. لو كان حد حكالي مكونتش صدقت .. دي أخر حاجة أتوقعها في الدنيا بل من الأساس هي خارج التوقعات...
قفز بفزع نتيجة صفعة قوية فوق رأسه وبصوت يعقوب الساخر يقول:-
- وأنا أفهم الكلام ده مدح ولا ذم إن شاء الله، إنت هطلع عليا سُمعة ولا أيه، تعرف لو نطقت بكلمة من هزارك ده قدامها إنت حر يا عبد الرحمن.
أطلق عبد الرحمن صفيرًا قائلًا بمكر:-
- واجب عليا أوعيها دا جواز يا يعقوب باشا..
انقلبت نبرة يعقوب إلى الجدية ونمت بعض المخاوف بداخله وتسائل بنبرة بها غصة مريرة:-
- وهو أنا فيّا الصفات دي فعلًا، يعني إنت شايفني كدا....
شعر عبد الرحمن بالندم وأسرع يقول بتدارك:-
- لا طبعًا يا يعقوب ... أنا بهزر مش أكتر...
أردف يعقوب بجدية:-
- يبقى متخوفهاش مني ... هي لسه متعرفش يعقوب ودي المرحلة الجاية هبدأ أعرفها عليا واحدة واحدة وعلى كل حاجة الوحش قبل الحلو..
ابتسم عبد الرحمن بوقار شاعرًا بالسعادة حقًا ليعقوب فهو صدقًا يستحق هذا العوض، بل هو بأشد الحاجة لرِفقة أكثر من حاجتها هي إليه..
اقترب منه عبد الرحمن واحتضنه بأخوية قائلًا بصدق:-
- ألف مبروك يا يعقوب وأخيرًا العوض عن كل المرار إللي شوفته يا بوب..
طبطب يعقوب فوق ظهره قائلًا:-
- الله يبارك فيك عقبالك يا عبدو...
تأمل عبد الرحمن يعقوب بتقيم، ملابسه المنمقة الأنيقة .. بنطال باللون الأبيض وكذلك قميص بنفس اللون يعلوه سُترة باللون الأزرق الغامق، وخصلاته المشذبة بعناية ولحيته الخفيفة التي تُظلل وجهه..
قال بتقيم:-
- طول عمرك أنيق وباشا يا بوب، أيه الأناقة دي..
ضرب يعقوب على كتفه وقال بغرور مصطنع:-
- عارف يا عبدو ... ويلا قدامي على تحت كريم مستني ومعاه المأذون..
خرج عبد الرحمن متذمرًا وهو يتمتم بسخط:-
- بخربيت تواضعك يا أخي...
هبط للأسفل ليترك يعقوب أمام باب رِفقة يشعر بقلبه يكاد أن يدكّ أضلعه ويفرّ، للمرة الأولى يشعر بهذا الشعور .. للمرة الأولى يشعر بكم السعادة الوفير هذا .. سعادة أولها وأخرِها رِفقة فقط..مأواه وعالمه الجميل...
طرق الباب وهو يحاول أن يحتفظ بملامحه الثابته...
بالداخل بعد أن أدت رِفقة صلاة الظهر وجلست تُردد بداخلها بعض الذكر والدعاء..
ارتعش قلبها فور أن سمعت طرق الباب وكاد أن يغشى عليها من فرط التوتر..
تحرك آلاء ونهال بحماس واللتان انتهوا للتو من إرتداء ملابسهم الجميلة...
قالت آلاء وهي ترتب حجاب رِفقة:-
- أنا هروح أفتح وإنتِ يا نهال اطلعي مع رِفقة ورايا...
قالت نِهال:-
- تمام يا لولو...
التفتت نحو رِفقة ثم قالت وهي تمسك كفيها برِفق تجعلها تستقيم:-
- بصي يا رِفقة أنا عيزاكِ تهدي خالص، إنتِ هتقابلي الحرباية عفاف والأفاعي عيالها عيزاكِ تكوني سعيدة لأبعد حد وتفرحي وتستمتعي باليوم ومش تسمحي لحد يعكر عليكِ اليوم...
ابتسمت رِفقة رغم اضطراب قلبها وأردفت بثقة وقوة:-
- متقلقيش يا نهال أنا عارفة أنا هتصرف إزاي...
جذبتها نهال بسعادة وقالت:-
- طب يلا نطلع العريس منتظر..
تنفست رِفقة بعمق وهي تُمسك بكف نهال هامسة بتوتر:-
- أنا مكسوفة أوي يا نهال ومتوتره ...خليكِ معايا.
همست لها نهال بحنان وهم يسيران للخارج:-
- عيزاكِ تعرفي أن أنا معاكِ وفي ضهرك دايمًا ومستحيل أسيبك، واهدي وعيشي كل مشاعرك، دي كلها ساعة ويبقى جوزك على سنة الله ورسوله وقدام كل الناس...
وقف يعقوب وأعينه معلقة بالممر بلهفة ليشعر بأن العالم توقف من حوله فور أن وقعت أعينه فوقها تأتي إليه في هالة من النقاء لا يقوى قلبه المسكين على تحملها..
اتسعت أعينه وقد فقد الشعور بمن حوله، لا يدري بالزمان ولا بالمكان... فقط كتلة البراءة تلك المجسدة بهذا الرداء الأبيض..
شعور لا تصفه كلمات، شعور أكبر من كلماته...
أسرع يُبعد عينيه عنها فإن طال الأمر دقيقة واحدة فهو لا يدري بالنتائج وسيخرج الأمر عن سيطرته..
وقفت أمامه رِفقة مخفضة الرأس ملطخة الخدين بالورد وهي تفرك يديها بتوتر شديد وقلبها ينبض بقوة جعلتها تشعر أن من حولها يسمع تلك الطرقات المجنونة وهذا فقط عندما وصل إليها رائحة عِطره الأخّاذ...
أيعقل أن رائحة العطور تجعل القلوب تثور إلى هذا الحد المخبول..؟!
تنحنح يعقوب يستدعي صوته المبحوح ليخرج متحشرجًا وهو يقول بينما يضع بين يديها باقة من زهور الأقحوان:-
- اتفضلي..
انبلجت إبتسامتها على الفور بمجرد أن لامست أصابعها الباقة وشعرت بأنها زهور الأقحوان المفضلة لديها، بالتأكيد هذه جميعها ليست محض صُدف إنها دراسة دقيقة من جهة يعقوب لرِفقة لمعرفة ما تُفضل، هذا ما قامت باستنتاجه نهال بعبقريتها...
همست رِفقة بسعادة:-
- أقحوان...
- إللي بتحبيه...
رفعت أعينها الجميلة نحوه ولم تدري أنها رشقت بأعينه وقالت بإمتنان وسعادة تدفق من أعينها:-
- حقيقي شكرًا جدًا...
غمرت السعادة قلب يعقوب لرؤيتها سعيدة وهمس بهدوء:-
- يلا بينا..
حركت رأسها بإيجاب لتتحرك الفتيات بجانب رفقة يخرجون من الشقة وأغلقوا الباب، تحرك يعقوب يسبقهم وهبطوا خلفه حتى وقفوا أمام السيارات..
ساعدت نهال رِفقة في الجلوس في الخلف وجلس يعقوب بجانبها ليتصاعد التوتر بداخلها مرةً أخرى وعطره يحاوطها رغم وجود مسافة كبيرة بينهم..
قالت رِفقة بتوتر وهي تلتف من حولها:-
- نهال .. وآلاء..
أردف يعقوب بهدوء:-
- متقلقيش هما في العربية التانية مع كريم ومعاهم المأذون..
يلا يا عبد الرحمن..
******************
- أيه إللي حصل في غيابي يا عفاف..؟!
تسائل عاطف خال رِفقة، فأجابت عفاف بكذبتها للمرة العاشرة:-
- زي ما قولتلك كدا يا عاطف أنا هقعد أعيد كتير، بنت أختك المحترمة كانت ماشيه مع واحد على حلّ شعرها وجابك من سفرك على ملا وشك علشان يتجوزها...
ردد عاطف بسخرية:-
- هو أنا تايه عنك يا عفاف .. اتقي الله إنتِ عندك بنات...
استقامت عفاف بضجر وهي تصيح:-
- يووووه بقااا ..إنت حر صدق إللي تصدقه..
ولجت غرفة بناتها ثم اتجهت نحو الخزانة ووضعت زجاجة ما فوق سطحها بحذر..
تسائلت شيرين بتعجب:-
- أيه ده يا ماما...
قالت عفاف بشر وحقد:-
- دي إحتياطي .... لو حصل أي تغيير في الخطة..
قالت أمل بقلق:-
- ليه هي ممكن جدته متصدقش ولا يكون مش وصلها الرسالة.. دا كدا ممكن الجوازة دي تتم ومش باقي كتير على العصر..
أردفت عفاف بحقد:-
- دا على جثتي ...على جثتي لو تمت الجوازة..
ولم تُكمل حديثها حتى سمعوا طرق الباب فهرع الجميع للخارج وفور أن فتح عاطف الباب تجمد ثلاثتهم عند رؤيتهم لرِفقة في ثوبها الأبيض بغاية الجمال تقف بجانب يعقوب جامد الملامح شامخ الرأس والذي يرميهم بنظرات لو كانت النظرات تقتل لأسقطتهم صريعًا..
كانوا يرمون رِفقة بحقد وغيرة واضحة وهم في حالة من الصدمة لهذا الذي يحدث والذي هو خارج الخطة تمامًا وخارج ما رسموه..
أسرع عاطف بالترحيب:-
- اتفضل يا يعقوب باشا ... تعالي يا رِفقة عاملة أيه يا بنتي..
ولج يعقوب بصحبة رِفقة للداخل وخلفهم آلاء ونهال التي ترمي عفاف وبناتها بنظرات مشمئزة مبتسمة بشماته..
جلس الجميع .. المأذون وكريم وعبد الرحمن كشاهدين بينما مازالت عفاف وشيرين وأمل يقفون متجمدين في صدمتهم..
قال يعقوب بصرامة:-
- أستاذ عاطف أتمنى تنادي على جيرانك وأهل منطقتك علشان يشرفونا ويبقى في إشهار والكل يعرف إن رِفقة هانم بقت على اسم يعقوب بدران شرعًا وقانونًا...
حرك عاطف رأسه وأخذ يُجري بعض المهاتفات ولم يلبثوا إلا قليلًا حتى حضر الجميع بحماس بعض الرجال والنساء اللواتي يحبون رِفقة...
في هذا الاثناء كانت عفاف تدور بالغرفة كمن مسه جان وقد جنت من الرنين على تلك الأرقام التي تعود لشركة بدران لكن لا فائدة...
ضربت أمل الفراش تقول بجنون:-
- شوفتيها كانت لابسه أيه ... شوفتي الفستان شوفتيه واقف يحميها إزاي وبيبصلها إزاي...
بقى رِفقة العامية بقت هانم..
هتفت شيرين بسخرية:-
- ولا شوفتيها وهي رافعة راسها ونافخة نفسها إزاي وطايره من الفرحة...
همست عفاف بتوعد ونار الحقد تكويها:-
- حتى لو لحق واتجوزها مكونش أنا عفاف لو خليتك تبص في خلقتها تاني يا يعقوب باشا..
وقالت بصرامة لبناتها:-
- يلا يا بنات على برا علشان الناس متتكلمش..
كان المنزل مُكتظ بالجيران الطيبون الذين أخذوا في تهنئة رِفقة، وأمام الباب يقف أخرون وبعض الأطفال وأسفل المنزل مما أعطى الأجواء نكهة الفرح..
ابتسم يعقوب وقال للمأذون:-
- يلا يا شيخنا توكل على الله..
على مدخل الحي كانت سيارة تعود لآل بدران تقتحم الحي بحثًا عن المنزل المنشود وبها لبيبة بقلبها الذي يتلوى قلقًا...
بداخل المنزل...
فتح المأذون دفتره لتهمس آلاء بمرح لنهال:-
- هو جاب صورة لرِفقة منين، وعمل التحضيرات دي كلها إمتى!!!
ضحكت نهال قائلة:-
- أنا أعرف يا أختي ... الرجل ده فظيع يتخاف منه، هنبقى نخلي رِفقة تسأله...
انتشر الصمت فور أن بدأ المأذون يذكر الله والصلاة على رسول الله وأخذ يتلو بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية..
ثم أشار لعاطف قائلًا:-
- ردد ورايا...
إني استخرت الله العظيم وزوجتك موكلتي رِفقة يحيى عبد المنعم عثمان البِكر الرشيد على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين.
ردد بهدوء والعيون الحاقدة والقلوب التي يأكلها الحقد والكره تترقب بمرض...
التفت الشيخ ليعقوب المبتسم وقال:-
- ردد ورايا يا ابني..
إني استخرت الله العظيم وقبلت زواج موكلتك رِفقة يحيى عبد المنعم عثمان البِكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين.
ردد يعقوب وأنظاره مُعلقة برِفقة يشعر أنه الآن امتلك الدنيا بحذافيرها..
ترقرق الدمع بأعين رِفقة بتأثر وقلبها ينبض بجنون ولم تستطع كلًا من نهال وآلاء كبح دموع السعادة بينما هؤلاء الثلاث يقفون يشاهدون مكتوفي الأيدي عاجزين والحقد يفور بداخلهم...
ردد المأذون بإبتسامة:-
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير...
يلا كل واحد يمضي هنا ويبصم..
سحب يعقوب الدفتر ونقش إمضته بسرعة البرق ثم غمس إبهامه في ذاك الحِبر الأزرق وطبعه فوق الأوراق..
وضعه أمامه رفقة ووضع القلم بين أصابعها ثم اقترب منها هامسًا بحنان:-
- هتعرفي...
قاطعته تقول مبتسمة:-
- مش تقلق أنا بعرف أكتب عادي بس بحتاج توجيه لأن كنت بكتب وبقرأ قبل ما أفقد البصر.
امسك يدها بحنان يوجها إلى موضع الإمضاء، ارتعش بدنها لهذا التماس الأول من قِبل رجل...
أسند يدها وهي تنقش اسمها تحت توجيهاته ونظرات الجميع السعيدة لأجلها...
كرر المأذون مرةً أخرى:-
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير...
صفّق الجميع بحرارة تزامنًا مع تلك التي صرخت صرخة تردد صداها بالأرجاء بينما تقف بأعين متوسعة مصدومة غير مصدقة ما تراه وكأنها بكابوس لعين يجب إنتهائه، بينما التفت الجميع على إثر صرختها ينظرون إلى مصدر الصوت والذي لم يكن إلا لِلبيبة بدران الذي يجري على وجهها المتشنج غضبًا جمًا ليس لتمرد يعقوب فقط بل تعدى الأمر حدودها والقوانين التي استنتها:-
- يعـــــــــــــــــقوب....!!
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الرابع عشر 14
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل الرابع عشر" -١٤-
ارتجف داخل رِفقة فور سماعها هذا الصوت ذا النبرة الشديدة والذي ينم على أن هناك شيء سيء..
بينما يعقوب فابتسم بهدوء والتفت ينظر لها ببرود وحوّل أنظاره لرِفقة التي جلى عليها التوتر، استقام وانحنى يُمسك كفيها برِفق حتى وقفت أمامه، اقترب منها وهو يرمقها بسعادة وطبع قبلة طويلة فوق جبينها جعلت قلب رِفقة يُرفرف كالذبيح مغمضة أعينها..
أخرج من جيب سترته عُلبة مخملية غير آبهٍ بنظرات لبيبة المستشيطة غضبًا..
أخرج حلقة زواج ذهبية رقيقة وأمسك بيد رِفقة اليُسرى وجعل أصبعها يتحسس نقش داخل الحَلقة ثم همس بحبٍ صافٍ تحت أسماع لبيبة التي يسري بدماءها حُمم بركانية:-
- أنتِ عميائي .. عمياءٌ أنتِ عن جميع الشرور التي تقبع بهذا العالم..
مشاعركِ العمياء عن كل ما يغضب خالقك..
عمياء القلب عن حب كل شيء بغيض..
وقد خنع القلب المتكبر لِعمياء.. وإني لعاشقٌ لهذا العَمى الذي يتوجكِ مُميزة على عرش جميع نساء الأرض.
طفقت حُمرة على وجنتي رِفقة من كلماته العميقة جدًا وشعرت بخفقات قلبها تتزايد بجنون وهي تسمع يعقوب يقول:-
- هي دي الجملة إللي منقوشة جواها
"وخنع القلب المتكبر لِعمياء" دي جملة بتوصف حكايتنا وبوعدك إن هفهمهالك على أقل من مهلنا...
وضع حلقة الزواج برقة بخنصرها ثم سحب يدها الأخرى ووضع خاتم مُرصع بالألماس بأصبعها تحت صدمة عفاف وبناتها وهم ينظرون لرِفقة بحقد وغيرة شديدة متيقنين أن هذا يعقوب واقع في عشق رِفقة حدّ النخاع...
وضع يعقوب حلقته الفضية بإصبعه هو الأخر، ثم أمسك يد رفقة بحنان وهو يهمس لها:-
- هخليكِ النهاردة تعيشي يوم ولا في الأحلام.
ابتهج قلب رِفقة بسعادة وسارت بجانب يعقوب الذي توقف أمام جدته بشموخ ينظر لها بأعين ضيقة وقال بجفاء:-
- كنت منتظرك يا لبيبة هانم ... عمومًا على غير العادة وصلتي متأخر..
المهم أحب أعرفك ... رِفقة..
وصمت وهو يقول بإبتسامة عريضة:-
- مراتي...
لف ذراعه حول خصر رِفقة التي ارتجفت نتيجة فعلته وأخبرها بهدوء:-
- رِفقة .... دي لبيبة بدران ... أم أبويا..
كانت نظرات لبيبة كلها تحدٍ صارخ ترمقه بهدوء وصمت رغم غضبها الناري، يحفظها يعقوب عن ظهر قلب ... لذلك يفهم تلك النظرات جيدًا...
رفعت رأسها بشموخ وغرور وقالت وهي تضغط على كل كلمة ... نبرتها كانت مُبطنة بالتهديد:-
- كويس إنك قولت لبيبة بدران ومقولتش جدتي يا يعقوب بدران ... وأكيد واثق إن لبيبة بدران مش هتسمح أبدًا إن نسلها واسم بدران يتلوث بجوازتك دي ... أموت أهون يا يعقوب باشا..
وأكملت ببرود بنبرة مُخيفة لا تعلم رِفقة لماذا بثت تلك السيدة الخوف بقلبها وبتلقائية تشبثت بذراع يعقوب ووقفت خلفه بحماية:-
- بس افتكر يا يعقوب إن إنت إللي رميتها في طريقي ... طريق النار وأظن البُنية الكفيفة مش حِمل كدا ... ولا أيه!!
التفت يعقوب لرِفقة المتشبثة بذراعه بينما أعين لبيبة كانت مسلطة فوق كفها المتمسك بذراع يعقوب باستخفاف..
رفع يعقوب يد رِفقة يُقبل باطن كفها بحنان تحت أنظار لبيبة التي توسعت بصدمة من هذا الانحناء في شخصية يعقوب...
بينما أردف يعقوب بنبرة قوية:-
- ورايح مفيش خوف، طول ما فيا نفس مش هسمح لمخلوق أيًّا كان هو يمس شعرة منك، متخافيش أنا معاكِ...
وأشار لنهال التي تقف تنظر بترقب لأخذ رِفقة بعيدًا عن مرمي حديث لبيبة الشائك..
ثم همس لها:-
- عشر دقايق وهنمشي ..
حركت رأسها بإيجاب وهي تبتعد مع نهال بقلق..
وبمجرد أن أطمئن يعقوب بإبتعادها ارتسم البرود على وجهه واضعًا ذراعيه خلف ظهره وأحنى رأسه على جانب مبتسمًا بسخرية وهتف:-
- كنتِ بتقولي أيه...
طرقت بعصاها بالأرض وأردفت بصرامة واستنكار:-
- أيه المسخرة دي يا يعقوب باشا، انهي المهزلة دي فورًا..
وأكملت وهي ترمق الأرجاء باشمئزاز:-
- وإزاي يعقوب بدران يوصل لمناطق زي دي ويدخل بيت زي ده!!!
احتفظ يعقوب بجموده وزمجر بشراشة من بين أسنانه:-
- ابعدي عن طريقي يا لبيبة لأن إللي قدامك مش يعقوب الطفل إللي هتقدري تتحكمي فيه وتمشي تحكماتك عليه...
وواصل بنبرة نارية وأعين تقدح شرًا:-
- والله في سماه لو طال شعره من مراتي أقل القليل من الأذى لأحرق الدنيا كلها .. إنتِ لسه متعرفنيش...
رددت هي باستنكار:-
- مراتك..
أردف بتحدي:-
- أيه عندك إعتراض..
رفعت إحدى حاجبيها وهتفت وهي تحرك كتفيها لأعلى:-
- تمام يا يعقوب واضح إنها سيطرت على عقلك، أكيد نزوة وهتروح لحال نصيبها ...بس أتمنى مش تطول ... يعني يومين شهرين وهتزهدها وتملّ منها ويتم الطلاق في السر زي الجواز إللي في السر، ما هو مش معقول يعقوب باشا بدران يبقى خدام مراته العميا العمر كله، وممنوع الصحافة ولا أي مخلوق يشم خبر بالموضوع ده..
انفجر يعقوب ضاحكًا قائلًا بقوة:-
- مش بقولك متعرفنيش، مين قالك إن جوازي في السر ...دا أنا هاخدها حالًا وألف الدنيا بيها، ومش فارق معايا أي مخلوق لا صحافة ولا أي مخلوق..
أنا هكون لها كل حاجة خدامها، أهلها، جوزها، حبيبها وكل حاجة...
هتفت لبيبة برفض قاطع:-
- صدقني مش هيحصل يا يعقوب، اسم بدران إللي فضل أجدادي محافظين على شموخه ومبادئه وقوانينه مش هسمح أبدًا لأي مخلوق مهما كان هو يلوث الاسم ده..
البنت دي أنا هعرف أتصرف إزاي وأخفيها من حياتك للأبد..
ارتفع صوت يعقوب بثوران:-
- التزمي حدودك يا لبيبة هانم واعرفي إن مش هسمح لأي مخلوق يتدخل في حياتي ...الزمن ده انتهى ... أما بالنسبة لاسم بدران إللي عيشتيني عمري كله أسير قيوده فأنا مستعد اتنازل عنه وأتبرى منه عمري كله...
ضربت صدمة عنيفة جسد لبيبة من هذا التهديد الخطير من قِبل يعقوب، وأيقنت بدهاءها أن العِناد لن يُجدي نفعًا مع يعقوب الذي وصل إلى تلك الدرجة وعليها أن تركن حيث الذكاء والخبث..
أردفت بصدمة ممزوجة بالغضب:-
- والله عال يا يعقوب بترفع صوتك على جدتك وأمك إللي ربيتك ... تطور ملحوظ يا يعقوب باشا بهنيك...
بيما في الداخل عندما شعرت عفاف أن الأمور تخرج عن السيطرة وتمت تلك الزيجة لجأت للشق الثاني من خطتها..
أخذت الزجاجة من فوق الخزانة بملامح يرتسم فوقها الشر وغمغمت وهي تفتح الزجاجة ذات العُنق المتسع وقالت بشرّ:-
- همشي عادي وهي في إيدي بحجة راحة أنضف حاجة وبعدين أعمل نفسي اتكعبلت ويقع إللي في الإزازة على وشها..
وخرجت من الغرفة بتعجل ولم تلخظ الأحذية الملقاه بإهمال أمامها ولا ابنتيها شيرين وأمل اللتان يأتون مسرعين وهما يلتفتون من حولهم بتوتر ليخبروا والدتهم أن رفقة رحلت بصحبة يعقوب...
تعثرت عفاف مصتدمة ببناتها لتتناثر محتويات الزجاجة ساقطة بقسوة فوق وجهي أمل وشيرين وخاصةً بداخل أعينهم لينفجر الصراخ يعم أرجاء المنطقة بينما عفاف تنظر بأعين متسعة تشعر بقلبها يتوقف وهي تشاهد موقف لن يُمحى من ذاكرتها للأبد...
ــــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــ
جلست بجانبه بداخل السيارة بوجه متربد بالقلق وداخلها الكثير من التساؤلات حول يعقوب...
التفت يعقوب ينظر لها مبتسمًا وهو غير مُصدق أن كل شيء قد تم وأنها الآن بجانبه ولَهُ للأبد..
مدّ يده يُمسك كفها برِفق ليرتجف قلبها ليقول يعقوب يطمئنها:-
- مش عايزك تخافي وشيلي القلق من حياتك تمامًا ... انسي كل حاجة النهاردة وخلينا نستمتع بيومنا .. وأنا وعدتك إن هفهمك كل حاجة...
ابتلعت ريقها وقالت بإرتجاف:-
- بس أنا مش فاهمه حاجة ... غير كدا جدتك شكلها بتكرهني...
قاطعها يعقوب بقوله الساخر:-
- مش حكاية بتكرهك .. هي لبيبة بدران مش بتحب حد ألا قواعدها وقوانينها وتراث آل بدران إللي يتحرق بجاز..
ضحكت رِفقة على جملته الأخيرة وشاركها يعقوب الضحك لتتسائل باستنكار:-
- هي مش دي عيلتك بروده ولا أنا غلطانة.!
أردف بتلقائية:-
- أنا عيلتي رِفقة وبس..
اخفضت رأسها بخجل وشعرت بخفقات قلبها تتزايد بشكل جنوني، تنحنحت تقول لتخرج من تلك الدائرة وتهرب من خجلها:-
- بس يعقوب هي شكلها مش موافقة على جوازنا، وشكلك كنت عارف إنها هتيجي علشان كدا إنت غيرت الميعاد...
كان يعقوب قد توقف إستيعابه عند ثاني كلمة "يعقوب"، أبلج وجهه يُشرق ونهج صدره بسعادة وارتجّ نبض قلبه يمور بشدة خلف أضلعه وكأنها ألقت على أسماعه أشد قصائد الغزل العفيف..
تعجبت رِفقة من صمته وعدم إجابته، كرمشت جبينها وتمتمت على إستحياء:-
- يعقوب..
نبرة سرت على إثرها رجفة في أوصاله فتعالى لها خفقان قلبه، حمحم يستدعي ثباته وجرفها ببصره في لمحةٍ واحدة وقال بصوتٍ أجش:-
- نور عين يعقوب..
كلمات كانت هجوم غاشم على مشاعرها البتول وقد سرقت وجنتيها لون شقائق النعمان..
تنفست بعمق وامتزجت إبتسامتها مع قولها الخجل:-
- أصل يعني مش رديت ... كنت بقول إنت أكيد كنت عارف إنها جايه..
أردف يعقوب بعتاب:-
- مش قولنا مش عايزين النهاردة سيرة تعكنن علينا ... أنا أكتر واحد عارف دماغ لبيبة بدران ومش هسمح لها تتدخل في حياتي تاني، وإحنا قدامنا العمر كله وأنا مش هسيب حاجة مش هحكيهالك..
كان حديثه يزيد فضولها نحوه أكثر وأكثر، لا تطيق الإنتظار حتى تعلم كل شيء عنه..
بينما يعقوب فتذكر ما حدث في صباح هذا اليوم وغرق عقله بتلك الذكرى...
¤فلاش باك¤
فور أن ترك الشُرفة بعدما استرق السمع على حديث رِفقة وتلاوتها القرآن الكريم، ولج لداخل الغرفة ارتفع صوت رنين هاتفه فسحبه بكسل ليجد المتصل رقم مجهول، تجاهله وهو يُلقي الهاتف بلامبالة لكن أصرّ الرقم على الإتصال إصرار عجيب ليتيقن يعقوب أنه أحد يعرفه..
رفع الهاتف وأجاب بجمود:-
- نعم..
أتاه صوت ملهوف مُسرع:-
- يعقوب .. يعقوب لازم أقولك على حاجة مهمة ضروري..
ردد بتعجب:-
- مين...
- أنا أمك يا يعقوب..
ابتلع ريقه وتشنجت ملامح وجهه وهو يُجيب مُضيقًا عينيه:-
- خير..
قالت مُسرعة بنبرة حزينة وهي تلتفت من حولها:-
- يعقوب أنا رغم إن حزينة وكان نفسي أبقى معاك وجمبك بس مش وقت الكلام ده يا يعقوب..
المهم دلوقتي إن جدتك وصلها الموضوع وعرفت إنك هتكتب كتابك بعد صلاة العصر وهتيجي توقف كل حاجة...
اتصرف يا يعقوب وخلص قبل وصولها، أبوك معاها وبيعطلها وبيقاوح معاها وهي شاده معاه..
متسمحش لحد يقف في طريق سعادتك يا نور عيني وافرح وعيش حياتك زي ما إنت عايز..
طالما دي إللي أختارها قلبك وحارب ومتسمحش لحد يقف في طريقك..
تنهدت وهي تقول بسعادة وحنان أموي:-
- شكلها البنوتة إللي شوفت صورتها، ربنا يسعدك يا حبيبي..
خرج يعقوب من شروده على تساؤل رِفقة الفضولي:-
- هو إحنا هنروح فين..!
ابتسم لها قائلًا بمرح وهو يتوقف بالسيارة على جانب الطريق:-
- وصلنا أهو وهتعرفي يا فضوليه..
هبط من السيارة ودار حولها وهو يفتح الباب لرِفقة ثم أمسك يدها يساعدها في النزول وهو ينحني يُبعد زيل فستانها عن مرمى خطواتها كي لا تتعثر...
سار للأمام وهو يُمسك بيدها..
تنفست رِفقة الهواء النقي بعمق وأردفت بسعادة:-
- المكان ده في شجر وزرع كتير صح..
ابتسم يعقوب وقال بإيجاب:-
- كله شجر وورد كتير ...مكان كله أخضر زي ما بتتمني...
اندهشت رِفقة من معرفته بهذا الشيء والكثير من الأشياء عنها لتشعر بالسعادة وهي تدرك إهتمامه بأدق التفاصيل الخاصة بها.
كانت ردة فعلها أن شددت بكفها على كفه تتمسك به بتشبث أذهب عقل يعقوب...
توقفوا أسفل شجرة كبيرة تتدلى فروعها من حولها، سحب يعقوب رِفقة بحنان وجعلها تقف أمام شيء ما ثم وقف خلفها يُحيطها وأمسك كفيها يضعهم فوق شيئًا ما..
أخذت رِفقة تتحسس هذا الشيء مدة قصيرة لتصرخ بفرحة وهي تقفز بسعادة:-
- دي مُرجيحة... صح..
غمر النور قلب يعقوب عندما رأها بتلك السعادة، فقد أصرّ على صُنع أرجوحة مُعلقة بجزوع الشجرة وحبليها مُزينان بالورد المختلف الألوان...
لم تُصدق رِفقة ما شعرت به فتلك كانت أحد أمانيها وأحلامها، أرجوحة معلقة بأحد الأشجار مُزينة بالورود...
ومن فرط سعادتها لم تشعر إلا وأنها تستدير تعانق يعقوب بقوة مُفعمة بالسعادة..
تخشب يعقوب بينما هوت به الريحُ في مكانٍ سحيق ووقع قلبه صريع ردة فعلها ولم يكن منه إلا أن فعل ما أملاه عليه قلبه، رفع ذراعيه يطوقها مُبادلًا عناقها بآخر أشد وهو يشتم عَبقها الطاهر بنهم...
لكن حرمته من الجنة حين ابتعدت عنه بسعادة طفولية تقول بلهفة:-
- دي كانت أمنية من أمنياتي... كدا اتحققت واحدة من قائمة أمنياتي...
يلا عايزه أجربها جدًا..
افترّ ثغره عن إبتسامة خفيفة وهمس لها بنبرة صادقة:-
- يعقوب موجود علشان يحققلك أمنياتك واحدة ورا التانية ... مش هسيب أي أمنية قيد الإنتظار وبوعدك إن هنزود لقائمة الأمنيات أمنيات جديدة كتير أووي..
وسحبها بهدوء وهو يُجلسها فوق الأرجوحة ووقف خلفها هامسًا:-
- مستعدة...
ارتفعت ضحكتها السعيدة قائلة بلهفة:-
- أووي أووي ... يلا طيرني في السما يا أوب..
أتقصد أن تُصيبه بسكتةٍ قلبيه اليوم أم ماذا، تأمل سعادتها الطفولية وبراءتها ونقاءها وهي تتمسك بالأحبال المزينة بالورد بحماس شديد وفمها لم يُوصد على إبتسامتها الجميلة..
أخذ يعقوب يدفع الإرجوحة لترتفع برِفقة وأخذ فستانها الأبيض يتطاير من حولها بينما تُغمض أعينها والهواء العليل يحتضن وجهها، صرخت بحماس وبهجة:-
- كمان .. طيرني فوق أكتر .. أنا فرحانة أووي..
- بوعدك يا رِفقة إن عيونك هتكون السعادة مُقيمة فيها للأبد ... بوعدك إن الفرحة متخرجش من قلبك أبدًا...
انغمسوا مع بعضهم البعض والسعادة تحفهم غير مدرك يعقوب لهذا الرجل الذي يقف خفيةً خلف أحد الأشجار والذي خرج خلف يعقوب منذ خروجة من منزل خال رِفقة...
يقف يلتقط صور لهم بجميع الوضعيات ثم أرسلها لأحد الأرقام هاتفًا بأن "تمت المهمة"..
ـــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــ
جلست لبيبة والغضب يحفها من كل جانب، تتأمل تلك الصور المُرسلة لها بأعين تتقد بنار السعير وهي منكرة تلك الحالة التي وصل لها حفيدها يعقوب، لا تصدق أنه ذاته يعقوب الذي بذلت كل غالٍ وثمين بتربيته وإنشاءه على قوانين أجداده.
دمدمت بشر ووعيد:-
- ماشي يا يعقوب إنت إللي اختارت..
ــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــ
كانت صرخاتها تعمّ أرجاء المشفى وهي تستمع لطبيب العيون يقول بجدية:-
- للأسف المواد الكيميائية وصلت لسطح عين بناتك وحصل حروق كيميائية للقرنية ودا علشان المواد الكاوية إللي كانت مختلطة مع ماية النار، دي مواد خطيرة مدمرة إزاي وصلت بالكمية دي كلها لعين بناتك يا ست إنتِ...!!
أضافت عفاف بارتعاش تتسائل بحذر:-
- وهو ... هو حصل أيه يا دكتور للبنات دول بيصرخوا جامد أووي..
قال الطبيب بأسف:-
- للأسف عيونهم تتضررت بشكل كبير جدًا، غير وشهم إللي اتشوه وأطباء الجلدية معاهم..
بس الأهم دلوقتي إنك لازم تعرفي علشان تتصرفي على الأساس ده...
بناتك للأسف فقدوا البصر...
كلمات قاسية سقطت على أذان عفاف جعلتها تسقط أرضًا بانهيار وهي تنال أسوء عقاب بعمل يديها وتلك المرة أتت العدالة من السماء، وقد جعل الله تدبيرها تدميرًا عليها وكفى رِفقة شرهم فقد استغاثت به جلّ جلاله وحاشاه أن يرد عبدًا بكى عبدًا شكى عبدًا حنى رأسه ثم دعى...
ساد صراخ عنيف الأرجاء من جوف عفاف التي سقطت تلطم وجهها باعتراض وجهل....
ــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــ
يوم جديد أشرقت شمسه بازدهاء وكأنها تعلم السعادة التي تُعبأ القلوب...
وقفت رِفقة ترتب ملابسها بوجه مُشرق شاردة في أحداث الأمس بأعين هائمة وتتنهد بين الحين والآخر تنهيدات ناعمة..
بينما يعقوب وقف يُحضر الإفطار بطاقة كبيرة...
انتهى سريعًا وجاء يذهب ليستدعيها لكن قطع مُراده رنين جرس الباب...
تأفف وهو يتجه صوب الباب معتقدًا أنه ربما عبد الرحمن القاطن في الشقة المقابلة له...
وفور أن فتح الباب اتضح أمامه آخر شخص توقع وجوده وجعل وجهه يتجهم ويعبس على الفور...
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الخامس عشر 15
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل الخامس عشر" -١٥- ٭هدية٭
رمقهم يعقوب بجمود وتحدث بضيق:-
- خير..!
ابتسم والديه وقالت والدته بحنان:-
- جايين نباركلك يا حبيبي ونتعرف على عروستنا القمر إللي جابت يعقوب على بوزه..
قال والده بهدوء:-
- أيه مش هدخلنا ولا أيه..
تنهد بثقل وهو يفسح لهم المجال للمرور وأغلق الباب..
ولجت والدته تتأمل أركان الشقة راقية الطراز، ابتسمت وهي تهتف:-
- شقتك حلوة أوي يا يعقوب، ما شاء الله، ربنا يجعلها دايمًا مليانة بالحب والوِد..
اكتفي بتحريك رأسه وأشار نحو غرفة الإستقبال، جلس والديه فوق الأريكة لتضع والدته بعض الأشياء فوق المنضدة وهتفت بحماس:-
- فين بقاا عروستنا..
نظر لها يعقوب نظرة خامدة وغمغم بشراسة:-
- لو ناويين على شرّ أو دي خطة من لبيبة فأكيد دا مش هيبقى خير لأي حد...
ابتعلت والدته غُصة حادة بحلقها وهي ترى إنعدام ثقته بهم، لكن هذا من صُنع أيديهم وعليها تحمل العواقب..
أردف حسين والد يعقوب بجدية وعتاب:-
- قصدك إن إحنا كلاب لبيبة ولا أيه يا يعقوب، إحنا مش وحشيين زي ما إنت مفكر أوي كدا، وبعدين تبقى تنقي كلامك يا يعقوب باشا وتتكلم مع أبوك وأمك بوش مفرود شوية..
ربتت والدة يعقوب على ذراع زوجها تنظر لها برجاء ألا تصدر عنه أي كلمات قاسية ليصمت على مضض وقد أصبح يشعر بالعجز من تصرفات يعقوب العنيدة وأصبح لا يدري ماذا يفعل ليكسب مودته وثقته من جديد..!!
في حين تركهم يعقوب بصمت والسخرية ترتسم فوق ملامحه التي تبدلت فور أن وقف أمام غرفة رِفقة، طرق عدة طرقات قبل أن يدلف للداخل، لكن بمجرد أن وطأت قديمه الغرفة حتى توقف متسمرًا ينظر إلى تلك التي بالنسبة له الفتنة بحدّ ذاتها...
كانت رِفقة تقف مرتديه فستان قطني باللون الأبيض المنقوش بورود صفراء يصل إلى قبل الكعب بقليل وتصل أكمامه لمنتصف ساعديها، بينما خصلاتها التي التمعت أعين يعقوب بشغف فور رؤيته لشلال العسل هذا الذي يُماثل عينيها، خصلات عسلية متوسطة الطول ناعمة رغم وجود بعض التجاعيد اللطيفة بها والتي زادته بهاءًا...
كانت رِفقة جميلة بجمال أخلاقها وبساطتها، وقد انطبع صفاء قلبها وروحها وحُسن أخلاقها على ملامح وجهها فجعلتها فاتنة برِقتها وبراءتها الغير مصطنعة، فجمال الروح الذي ينطبع فوق الملامح لا يُضاهيه أي جمال..
اقترب يعقوب حتى صار أمامها، ابتلع ريقه وهو يُحملق بها بعاطفة مجنونة ليهمس بصوت مُجعد:-
- إنتِ جميلة أووي يا رِفقة، تاخدي العقل والقلب والروح...
توسعت أعين رِفقة من تلك الجراءة وارتفع توترها وخجلها لتقبض على فستانها وهي تُخفض رأسها ... نعم هي لا ترى نظراته التي تخترقها لكنها تشعر بها فتجعل بدنها يرتجف كورقة شجر مسكينة أسفل صيبٍ عظيم..
رفعت أعينها اللامعة فهمس يعقوب بوجدان دون أن يتجمجم:-
- لو بات سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي..
ما نالَ مني ما نالته عيناكِ..
إنبثقت بسمة مرتعشة فوق فم رِفقة رغم أن قلبها يسبح في فضاء السعادة من كلماته التي عزفت الألحان على أوتار قلبها المُستجد في تلك الأمور..
قالت لتُغير مجرى الحديث:-
- أنا سمعت جرس الباب .. في حاجة..!
أفاق يعقوب من وخمته فقد كان يشعر بأنه بجناتٍ ألفافًا بينما حشد من الطيور بقلبه تتلو خطب الحُب..
اقترب أكثر وما يتمناه قلبه الآن أن تجري أصابعه في ستائر العسل هذه المتجسدة بشعرها يتحسسها حيث اللانهاية، رغبة تُمزق عقله..
قبض على كفها يحتضنه بكفه الدافئ وقال بهدوء:-
- عندنا ضيوف برا..
وسحبها برِفق للخروج لتتسائل هي بفضول:-
- ضيوف مين!!
كان قد دلفوا لغرفة الإستقبال وجاء ليُخبرها بمن يكونوا لكن سارعت والدة يعقوب التي انتصبت واقفة فور أن لمحت رِفقة واقتربت تستقبلها بانبهار وهي ترى كيف ولدها يتشبث بيدها..
وقالت بسعادة بينما طبقة رقيقة من الدموع تطفوا فوق عينيها لأجل تلك السعادة التي على وجه يعقوب:-
- ما شاء الله تبارك الرحمن أجمل من الصورة بمراحل يا يعقوب..
أنا فاتن أم يعقوب يا حبيبتي .. وكمان موجود حسين أبو يعقوب..
وجذبتها فاتن بأحضانها بحنان وهي تقول بصدق:-
- مبروك يا بنتي ربنا يسعدك ويفرح قلبك وأشوفك إنتِ ويعقوب دايمًا فرحانين..
ابتسمت رِفقة وهي تُبادلها العناق وتستشعر حنان تلك السيدة ولينها عكس جدة يعقوب الصلبة..
أردفت رِفقة بطيبة وترحاب:-
- الله يبارك فيكِ يا طنط .. مبسوطة أووي إن قابلت حضرتك..
جذبتها فاتن نحو الأريكة وجلستا لتردف بعدها بحماس:-
- لأ طنط أيه بقاا يا حلو إنت ... اسمها ماما..
قالتها وهي ترمق يعقوب المتذمر وواصلت تقول بحذر:-
- دا لو مش عندك إعتراض طبعًا يا حلو إنت..
نفت رِفقة برأسها مُردفة بوِدّ:-
- أكيد طبعًا يا ماما دا شيء يشرفني...
ردد حسين قائلًا بحنان:-
- ألف مبروك يا بنتي ربنا يجعل أيامكم كلها سعادة وهنا..
قالت رِفقة بإبتسامة واسعة وقد غمرت الراحة قلبها لطيبة والديّ يعقوب اللذان عكس جدته تمامًا:-
- الله يبارك فيك يا عمو .. والله إنتوا نورتوا ومبسوطة إن اتعرفت عليكم..
قال حسين باعتراض مرِح:-
- يعني هتقولي لأم يعقوب ماما وأنا من المغضوب عليهم .. لأ أنا زعلان يا ست البنات..
ابتسمت رِفقة وهتفت:-
- بعيد الشر طبعًا يا بابا..
كان يعقوب يجلس مستمع فقط وهو يرى الحنان المتدفق من والديه ليتسائل أين كان هذا الحنان وهم يتركونه وحيدًا برِفقة جدته القاسية كل تلك السنوات غير آبهين بوضعه، ظلّ ملتزم الصمت بينما يرمقهم بتعجب وسخرية لاذعة وعتاب يوجعهم ويُذكرهم بأخطاءهم وسهوهم..
تسائلت والدة يعقوب وهي تربت على يد رِفقة:-
- ويا ترى بقى اسم الحلو أيه..
أجابتها رِفقة:-
- اسمي رِفقة..
- يا ما شاء الله حتى الاسم مُميز يا حسين..
همست رِفقة بخجل:-
- شكرًا يا ماما فاتن تسلميلي..
واندمجوا في الحديث فيما بينهم والذي لم يشارك به يعقوب ولو بحرفٍ واحد ممت أثار تعجب رِفقة من هذا الوضع حتى أنها ظنت أن يعقوب غادر المكان فأسرعت تتحسس المكان بجانبها بريبة فاصتدمت يدها بقدم يعقوب واحتواها هو بداخل كفه وهو يهمس لها بحنان:-
- أنا هنا يا حبيبي..
خفق قلبها بجنون وتمنت أن لو تنشق الأرض وتبتلعها وثوت بمكانها ولم تقوى أن تنطق ببنت شِفة..
ابتسمت فاتن بمكر تغمز لزوجها ثم استقامت تقول بخبث:-
- يلا بينا يا حسين .. كدا كفاية هما بردوه عرسان جُداد...
جفّ حلق رِفقة وتوسعت أعينها بصدمة لتدمع أعينها من هذا الخجل وأسرعت تسحب كفها من كف يعقوب وهي تُبادر بالوقوف قائلة بتوتر وهي تهرع للهروب من الأرجاء شاعرة بأنفاسها تضيق..
- عطشانة .. هشرب .. يعني وبردوا هجيب حاجة تشربوها... أنا آسفه أخدنا الكلام ومأخدتش بالي..
وتحركت بعشوائية لتكاد أن تصتدم بحافة المنضدة الحادة فسارع يعقوب يجذبها وهو يصيح بلهفة:-
- رِفقة ... حاسبي..
جذبها يعقوب إليه ليشحب لونها متسائلة بقلق:-
- في أيه..
أحاط خصرها قائلًا بعتاب:-
- كنتِ هتتخبطي يا رِفقة .. ينفع كدا..
قال والد يعقوب وهو يتحرك بصحبة زوجته نحو الباب:-
- عادي يا بنتي مفيش مشكلة، مرة تانية إن شاء الله، وإحنا بإذن الله هنكرر الزيارة..
ابتسمت رِفقة بهدوء وقالت بتلقائية:-
- دا بيتكم في أي وقت تشرفوا وتنورونا...
أقبلت نحوها فاتن تُقبلها وتُعانقها قائلة:-
- مع السلامة يا رِفقة مبسوطة إن اتعرفت عليكِ..
بادلتها رِفقة العناق وودعتها وابتعدت قليلًا، فاقتربت فاتن من يعقوب وجاءت تُمسد على يده فابتعد عن مرماها ليعلو الحزن وجهها وقالت:-
- خد بالك من رِفقة وحافظ عليها بالحنية والحب.
ابتسم يعقوب بسخرية وأردف من بين أسنانه بتهكم:-
- إنتِ بالذات متتكلميش عن الحنية يا فاتن هانم لأنها بريئة منك وإنتِ متعرفيش لها طريق..
فإياكِ تتكلمي عنها تاني.
استمعت رِفقة لحديث يعقوب بتعجب لتفزع فور أن سمعت صياح والد يعقوب المُحذر بغضب..
- يــــــــــعــــــــقــــــــوب..!
وأكمل حسين بتحذير:-
- إياكِ تتكلم مع أمك بالطريقة دي تاني مهما كان السبب..
هدر يعقوب باستهزاء:-
- حسين باشا إللي زيّ متعتبش عليه..
دي تربية لبيبة هانم أمك العزيزة، معلش بقاا يا باشا أهلي مكانوش معايا أو بالأصح مكانوش فاضيين يربوني...
لم يستطع حسين الرد وهتف بغضب:-
- يلا يا فاتن ...
وخرجوا تاركين يعقوب المشتعل بالغضب خلفهم وقلبه يتمزق ألمًا، بينما رِفقة فتيقنت أن هناك الكثير بينهم والكثير مما تجهله عن يعقوب..
كانت تستمع إلى أنفاسه العالية المسفوكة والتي تنم عن غضبه وألمه لتشعر بالألم يضحن قلبها من أجله...
همست برقة وهي تتحسس طريقها إليه:-
- أوب...
ذهب غضبه أدارج الرياح مع همسها الرقيق واستدار ليذهب إليها يحوي كفيها وهمس بحنان:-
- نور عينه..
قالت بشفافية تسأله بقلق:-
- مالك .. في أيه ...أنا سمعت غصب عني الكلام مش كنت أقصد والله ... أنا عارفة إن مش من حق.....
قاطعها وهو يسحبها نحو الأريكة بلطف وأجلسها ثم تمدد وهو يضع رأسه فوق قدمها منتنهدًا تنهيدة ثقيلة، تفاجأت رِفقة وشعرت بالخجل لكن شعرت بحزنه وهو يغمغم بينما يتنفس بعمق:-
- كل حاجة تخصّ يعقوب حقك يا رِفقة حتى يعقوب نفسه حقك إنتِ وبس..
خفق قلب رِفقة لتسمعه يكمل بنبرة مصبوغة بالوجع:-
- هعرفك على يعقوب وكل حاجة مرّ بيها...
بدأ يسرد لها القصة منذ الطفولة وما مرّ به من ألآم ... ترك والديه له مع جدته .. قوانين لبيبة بدران الصارمة ... كل الأشياء الطفولية التي حُرم منها ... هذا لا يجوز .. هذا لا يصح أن يقع من حفيد آل بدران البكري حتى وإن كان طفل..
هذا غير مُباح ... لا يُسمح له أن يفعل هذا...
جميع القيود التي عاش أسيرًا لها حتى أحلامه التي حُرم منها لمجرد أن هذا ما تُريده لبيبة بدران فقط....
الحنان الذي حُرم من مذاقه حتى الآن...
ليخلق كل هذا بداخله التمرد ورفض كل ما لا يُريده..
ختم بقوله النازف:-
- تعرفي كان ساعتها أقصى أمنياتي أيه، فاتن تيجي تحضني وتقعد جمبي تحكيلي الحكاية لغاية ما أنام، كنت بفضل فاتح عيني في الضلمة ومش جايلي نوم بس لازم أكون على السرير في الميعاد ده ومش أخالف القوانين..
لما بيجوا يصحوني من النوم كان بيبقى نفسي أنام بس ولو عشر دقايق كمان .. بس كان لازم أقوم في الميعاد ده أصل دي القوانين..
مينفعش تعيط علشان إنت مش ضعيف، مفيش حاجة اسمها ألعب ولا ألعاب دا كلام فاضي ومضيعة للوقت، لازم تروح درس السباحة بس طبعًا لواحدي مش مسموح بوجود أي طفل تاني علشان مختلطش معاه .... ركوب الخيل علشان دي سِمة لأفراد بدران إللي بيجري في عروقهم عسل بدل الدم...
إنت يعقوب بدران ولازم تتصرف على الأساس ده..
لغاية ما كبر يعقوب ... وحيد ... منبوذ علشان هو متكبر من عيلة رافعة راسهم في السما..
أصل سواق بيجيبه وسواق بيوديه من على باب المدرسة لباب البيت ودا علشان ميختلطش بحد..
ودروسه كلها في البيت لواحده...
كان يعقوب قدام المجتمع الشخص المتكبر المغرور وهو كان جواه لو حد أخده بالحضن هينفجر في العياط... وكتير وكتير..
بس هي دي حكاية يعقوب المتكبر...
كانت رِفقة تستمع إليه بقلب يتمزق وهي لا تصدق ما تسمع ... كم هذه القيود لطفل في الخامسة حُرم من أقل حق له..!
غرق وجهها بالدموع ورفعت أصابعها تُمسد رأسه الموضوع فوق فخذها وتتحسس شعره بحنان جارف ليُغمض يعقوب عينيه بتأثر ليسمعها تقول بشهقات مكتومة:-
- حقك عليا ... حقك على قلب رِفقة...
سحب يدها وأخذ يُقبل باطن كفها وهمس:-
- دا إنتهى يا رِفقة .. أنا اتحررت من قيود لبيبة بدران وبنيت حلمي وشغفي وبقى عندي سلسلة مطاعم البوب بعيدة عن اسم بدران نهائي..
كمان كل الوجع إنتهي بوجود رِفقة..
رِفقة خلاص بقت موجودة وهي عوضي عن كل حاجة...
ارتعش شفتي رِفقة من درجة الصدق في حديثه وشعرت بقلبها يرف مُحلقًا وعشق يعقوب يتأصل بقلبها للجذور وتمنو غصون وارفة الظلال..
حاجةٌ بنفسها جعلتها تسير بأصابعها بتروي على ملامح وجهه لتراه بطريقتها..
تحسست لحيته .. جبينه .. أنفه .. عيناه..
وتركها يعقوب وهو مستمتع بفعلتها ليتسائل بمرح:-
- هاا .. حلو ولا..
ابتسمت بخجل قائلة بمراوغة:-
- لأ .. مش حلو..
رفع أعينه يرمقها بصدمة لتُكمل هي بلطف:-
- وسيم...
ضحك برضى وأردف بمرح:-
- إذا كان كدا مقبولة...
تنحنحت رِفقة وقالت بجدية ممزوجة بالترفق:-
- أوب .. كنت عايزاك تسمعني..
حقك تزعل من والدك ووالدتك وأنا عذراك ومقدرة إنك مجروح منهم..
بس عايزه أقولك على حاجة، دول أبوك وأمك وواجب عليك برهم والإحسان إليهم حتى لو كانوا مش مسلمين ودا إللي دينا أمرنا بيه وإللي رسولنا الكريم وصانا بيه يا يعقوب..
اسمعهم وأعطي لقلبك فرصة للمسامحة ومتقفلش عليه .. عارفة إنها صعبة وإن دي النفس الإنسانية وحاجة بتبقى خارجة عن إرادتنا...
بس الدين والإيمان لما بيسكنوا القلب مش بيخلوا مكان للحقد والضغينة وبيساعدنا نتخطى، متفكرش في إللي فات فكر في إنك تعوض كل إللي فات وافتكر إنك واجب عليك بِرهم مهما عملوا ... وعايزاك تعرف إنك بكدا هتبقى من المحسنين إللي ربنا بيحبهم ودا إللي ربنا قاله..
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
أنا حاسه بيك وعارفة إنها مش هتحصل مرة واحدة ... بس جرب وأنا معاك...
رغم حزنه وألمه لكن ثمة راحة عجيبة انبثت لقلبه من حديثها الرقراق...
حقًا هي نعمة من الله له، هي الجزاء لصبره، هي العوض لحرمانه، هي الجبر لقلبه...
اعتدل ثم اقترب منها طابعًا قُبلة طويلة فوق جبينها وهمس بابتسامة:-
- جزاكِ الله خيرًا يا رِفقة، وبوعدك إن هحاول...
قالت بسعادة:-
- أيوا كدا دا أوب إللي أعرفه ... ويلا بقاا أنا جعانة أووي ...أيه اليوم إللي مفهوش أكل ده، لتكون بخيل يا أوب...
استقام يعقوب وجذبها إليها وهو يهتف بسعادة:-
- آآه نسيت إنك زي دلوقتي بتكوني في مطعم البوب بتاكلي فطيرة بالتفاح وكريب بالنوتيلا وقايمة طويلة عريضة إنتهاءًا بالكوردون بلو...
رددت بتذمر طفولي:-
- ألاه بقااا هو إنت كنت بتراقبني بقاا يا سي يعقوب..
وصحيح قولي أيه موضوع الصورة إللي ماما فاتن قالت عليه ده..
سحبها نحو المطبخ ضاحكًا وهو يقول:-
- إنتِ متعرفيش لسه حكاية يعقوب مع رِفقة...
ناكل نشحن طاقة وبعدين أحكي...
رددت بفضول وهي تجذب ذراعه بإصرار واعتراض:-
- لأ قولي دلوقتي..
رفع حاجبيه بعجب وانحنى يحملها من خصرها يضعها فوق طاولة المطبخ وردد بسخرية وهو يسحب أنفها:-
- شايف دلوقتي إن الجوع ما شاء الله معدش ليه أثر..
أبعدت خصلاتها عن وجنتيها قائلة بضحك:-
- هو إنت متعرفش حكمة الفيلسوفة رِفقة...
اسمع .. اسمع يا سيدي..
وتنحنحت تكمل:-
- رِفقة تقول .. إذا حضر الفضول مات الجوع..
نعم شكرًا شكرًا ولا داعي للتصفيق عارفة إن شاعرة وحكيمة...
انفجر يعقوب ضاحكًا وقرص وجنتيها ثم ردد:-
- طب اسمعي بقاا يعقوب بيقول أيه...
يعقوب يقول ... إذا حضر الجوع غاب كل الفضول..
تذمرت عاقدة وجهها كالأطفال وجاءت تعترض لكنه قاطعها بحسم:-
- هناكل الأول يا رِفقة خلص الكلام..
عقدت ذراعيها وهي تُحرك قدميها بيأس وتسائلت بفضول وهي تشعر أن الجدران التي بينم تسقط هاوية:-
- طب هتأكلني أيه..!!
ردد بعجب:-
- هي الناس بتفطر بأيه..!!
أشاحت وجهها باعتراض قائلة:-
- لا لا .. وقت الفطار خلاص عداا، يلا بينا نمزج فطار وغدا سوا...
دلوقتي بصراحة كدا نظرًا لظروفي طبعًا مش بطبخ، بس أنا نفسي أوي أجرب شعور إن أطبخ..
تنفست بعمق وأكملت بشغف وثقة تحت نظرات يعقوب وأسماعه:-
- وطالما إنت معايا يبقى هتحققلي الأمنية دي، يعني يلا بينا نطبخ سواا وبصراحة نفسي دلوقتي في مكرونة بالباشميل وبانيه بس يكونوا من عمايل إديا ... عايز أجرب الشعور ده..
وأنا عارفة طريقة عمايلهم سماعًا كدا...
ممكن إنت تساعدني...
تذكر شيء ما ليبستم بسخرية، فلو علمت لبيبة بدران أن أحد أفراد العائلة العزيزة دلف للمطبخ ستقوم القيامة..
فمن ضمن قوانينها أنه ممنوع الجلوس وتناول الطعام بالمطبخ وإلزامها بساعات محددة لتناول الطعام على المائدة باجتماع الجميع وهذه واحدة ضمن آداب المائدة لديها..
لكن الآن الأمر مختلف هو قد تحرر من تلك القيود لم يعد أسيرها، ابتسم بشغف وقال بإيجاب وحماس:-
- يلا بينا نبدأ مفيش وقت نضيعه أنا واقع من الجوع..
هبطت رفقة وجمعت شعرها بأحد مشابك الشعر وفركت يديها بحماس..
- يلا بينا...
أخرج يعقوب كل المكونات وأخذ يساعدها وهو يوجهها بكل خطوة وهو حريص على عدم إصابتها بأي شيء ... يقف خلفها يلف ذراعيه حولها بينما يمسك يديها واضعًا يده فوق يديها يساندها بينما هي تقطع وتُقلب وتمزج المكونات في جو من المرح والمودة والعشق...
ــــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــــ
قالت المساعدة الشخصية بجدية:-
- لبيبة هانم .. المعلومات إللي حضرتك عيزاها عن رِفقة كلها جاهزة وطبعتها في الملف ده...
حركت لبيبة رأسها لتناولها إياه وأخذت تتفحصه بدقة بوجه مشدود، رفعت رأسها وهتفت بنبرة مخيفة:-
- اسمعيني كويس وإللي أقوله يتنفذ بالحرف الواحد أنا مش هسمح بأقل غلطة تحصل...
وأخذت تُملي عليها أوامرها الدقيقة...
ــــــــــــــــــــــــــ•❥❥❥•ـــــــــــــــــــــــــ
كانت رِفقة تقف بشرود لتشعر بشيء غريب يطوف بها، تلبسها الرعب وشحب وجهها لتصرخ بذعر:-
- يــــــــــعــــــــقــــــــوب .... إلــحــقـنـي...
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السادس عشر 16
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل السادس عشر" -١٦-
استمع يعقوب لإستغاثتها به لينتفض جسده وهو يترك ما بيده بإهمال وسعى إليها بتلهف مشوب بالوجل..
وقف أمامها وهو يرى إنكماشها ليقترب منها يحوي ذراعيها متسائلًا بهلع:-
- في أيه .. مالك يا رِفقة..!
تشبثت بذراعه وهي تُحرك رأسها بينما تضم ساقيها ملتفتة حولها:-
- يعقوب .. في حاجة هنا، في حاجة كانت بتتحرك على رجلي .. حاجة ناعمة!!
التفت يعقوب ينظر للأسفل بترقب وحرص وأخذ يبحث بجوانب الغرفة حتى تيبس وهو ينظر باندهاش لهذا الضيف المتطفل، انحنى وقد انشرح صدره واتسعت إبستامته، ثم بحذر التقته قبل أن يقفز هاربًا...
وقف أمام رِفقة يُمسد فوق جسده بنعومة وقد تفجرت بداخله ذكريات مليحة..
أخذ يد رِفقة بحنان يضعها فوق فروه الناعم وهو يقول:-
- دا ضيف جديد يا رِفقة...
تحسسته رِفقة بحذر حتى وصلت إلى أذناه لتصيح بحماس وهي تجذبه من بين يديّ يعقوب تحمله بحنان:-
- أرنب...
أجابها بمرح:-
- شطورة..
قالت هي بحماس وسعادة ظاهرة:-
- وأنا صغيرة كان عندي هوس بالأرانب البيضا لدرجة إن ماما وبابا بدأوا يربوهم وكان عندنا كتير جدًا ... أنا مكونتش ببطل ألعب معاهم وكان عندي أصحاب كتير أووي منهم...
رينبو .. وتوتو .. وأطلس .. ومادي .. وأزل..
ضربت الدهشة عقل يعقوب لتلك الومضات المتشابهة معه جدًا وشعر بالسعادة والامتنان لرؤيتها بهذا الحماس والفرح...
ابتسم بحنان وهو يرى حنانها على هذا الأرنب الرقيق ذو اللون الأبيض النقي، استمع لها وهي تقول بحماس بينما تتحسس الأريكة لتجلس فوقها...
- بص إحنا هنخليه معانا ونربيه ونهتم بيه، كمان أنا أخترت اسمه .. هنسميه رينبو .. أيه رأيك..
حرك رأسه وقال بإيجاب بينما يجلس بالقرب منها:-
- اسم جميل .. أكيد موافق يا رِفقة..
توسعت إبتسامتها بفرح ومدت يدها على استحياء تُمسك كفه لتنفجر مشاعر كامنة بقلب يعقوب لتلك المبادرة وتعلو وتيرة نبض قلبه وهو يسمعها تقول بغبطة وانشراح:-
- حقيقي أنا عيشت أجمل يومين في حياتي، إمبارح والنهارده ... واليومين دول حققت فيهم كتير من أحلامي..
الفستان الأبيض..المُرجيحة .. زهور الأقحوان .. وكمان جربت الطبخ وطبخنا سواا .. وفي الأخر الأرنوب ريبو...
أنا حاسه إن اليومين دول خففوا أي وجع شوفته قبل كدا..
وواصلت تهمس بمشاعر تترعرع بجنبات قلبها:-
- لقد قيل أنه عامٌ فيه تُغاث القلوب، وقد تمت الإغاثة لقلبي بلُقياك، ورؤياك، لا تستعجب فأنا أملك من هو أثقب في الرؤية من نور عيني،
وهو نور قلبي....
ثباته أصبح كرمادٍ أشتدت به الريحُ في يومٍ عاصف، فار قلب يعقوب واحتلته القشعريرة من كلمات كانت بمثابة مفاتيح لأبواب النور التي انقشع لأجلها جميع الظلام الذي لاقه...
زلف منها وكوّب وجنتيها الدائرتين القطنية الملمس يتحرك بإبهامه فوق تلك الحُمرة اللطيف بحنان وهمس لها بمشاعر مُتأجحة:-
- أنتِ الشمس التي انقشع لها ضباب الأسى بطيات قلبٍ مكلوم، تعاهدتِ مطاردة الدُجى لآخر خيط حتى انبلج الضياء يُشرق بإزدهاء مرةً أخرى بفؤاد محروم الإحسان بالتَحْنَإن...
اشتعل قلب رِفقة وأعماقها شاعرة بقلبها يزداد بالثوران وقد أصبح لا مناص من الفرار من هذا العشق المتدفق من قلبها وقلبه...
أخفضت رأسها وأصابعها منغمسة بفرو "رينبو" تُمسد فوق ظهره بحنان فاعترافه بتلك الكلمات أحيا رميم قلبها...
تنحنحت تغمغم متسائلة بعجب:-
- بس قولي يا أوب مين جاب الأرنوب ده هنا..!
مسحت أعينه الأرجاء ليرى تلك الحقيبة الورقية الملقاه بإهمال بجانب الباب ليتيقن من الفاعل، وكيف لا!! لا أحد غيرها يعلم ذلك الأمر وتلك المغامرة السرية التي كانت تحدث من خلف ظهر لبيبة بدران...
أردف بشرود وحنين انبثق من عينيه:-
- فاتن ...
وأكمل يسرد وكأن تلك الأحداث تقع أمام ناظريه الآن:-
- في نقطة مشتركة بين طفولتك وطفولتي..
أنا كان نفسي أوي يبقى عندك أرنب، كنت مهووس بيهم نفس هوسك وكنت عايز أربي أرنب..
دا كان أيام ما فاتن كانت معايا...
ساعتها كان وجوده في القصر ممنوع ولو عرفت لبيبة هانم هتخرب الدنيا..
وقتها لما رفضت أنا زعلت فقامت فاتن أشترت واحد في السر .. كان أرنب أبيض وكانت بتخبيه في مُلحق القصر وأول ما لبيبة تخرج برا القصر كانت تطلعه عالطول ونلعب بيه في الجنينة..
تنهد بثقل قائلًا بألم لتلك الذكري السيئة:-
- كان صاحبي أوي واتعلقت بيه، بس في يوم عرفت لبيبة بالموضوع وطبعًا الدنيا اتقلبت وفاتن اترجتها كتير علشان تسيبه بس لبيبة أمرت بد'بحه قدام عيني وقالتلي إنت راجل والتصرفات دي ميصحش تصدر من خليف آل بدران والوريث الأول...
شهقة متألمة خرجت من جوف رِفقة وارتعشت شفتيها مُهددة بنوبة بكاء وهي تشعر بوخز الألم يضرب قلبها لأجله، ابتسم يعقوب بوجع على حالتها ليُسرع يلتقف كفها الصغير ويطبع العديد من اللثمات الحانية بباطنه في عادة اكتسبها ولا يظن أنه سيستطع الأقلاع عنها...
دمدم برجاء يهدهدها وهو يرى الدموع تطفر بمحاجر عيني رِفقة:-
- عيون رِفقة متخلقيتش علشان الدموع.
خلاص هو ماضي وفات زي ما إنتِ قولتي..
وبعدين دلوقتي بقا عندنا رينبو وهنجيب غيره كتير ... هنعمل عشيرة هنا..
قال جملته الأخيرة بمزاح، مَن يسمع الآن هذا الحديث يظن أنه يتحدث عن أطفاله منها وليس مجرد أرانب بيضاء..!!
ضحكت رِفقة لتهمس وهي تمسح طرف أنفها:-
- بجد..
قال يعقوب بتأكيد:-
- جد الجد كمان..
قالت رِفقة بحزن:-
- بس لبيبة هانم قلبها قاسي أووي، قولي أيه ممكن يلين قلبها ويخليها ترتاح..
جثمت السخرية على ملامح يعقوب ليردف بسخط وتشنج:-
- أبدًا ... تشوف يعقوب تحت طوعها من جديد ورهن إشارة منها ... وينفذ أوامرها وإللي هي عيزاه بالحرف الواحد ويترأس مجموعة شركات آل بدران ويشيل الشغل على أكتافه...
يتجوز إللي هي تحددها ويتصرف وفق هواها...
يبقى شخص معدوم العاطفة وميتأثرش ولا تتهز في شعره حتى لو العالم انهار من حواليه..
بس كدا ... شوفي بساطة لبيبة..!!
علقت رِفقة برفض واستنكار:-
- ليه .. آلة .. دي الآلة بيجي عليها وقت وبتعطل..
هتف في تبرمٍ ساخط:-
- بس يعقوب مش آلة علشان يقف ويتعطل، كدا ده مش مسموح في قوانين لبيبة بدران..
استقام ثم سحبها جاعلها تقف برِفق وهو يقول:-
- يلا سيبينا من السيرة دي، والبسي علشان نخرج شويه..
تسائلت رِفقة بتعجب:-
- هنروح فين..!!
تشدق يعقوب بسعادة وهو يتجه بها نحو غرفتها الخاصة:-
- هنطلع نتمشى شوية ونشم هوا... أيه مش عايزه تاكلي آيس كريم بالحليب ولا أيه..
أجابته بحماس:-
- عشر دقايق وهتلاقيني قدامك..
تركها على أعتاب الغرفة وانصرف ليرتدي ملابسه سريعًا حتى يعود ليقف بانتظارها لأجل إن أرادت شيئًا...
بعد قليل خرجت رِفقة التي تحكم حجابها فوق رأسها بتعجل فأوقفتها يد يعقوب أمامه وأخذت أصابعه تُعدّل من وضع حجابها بهدوء تحت تبسم رِفقة الخجِل..
رمقها بتقييم وهو يتأمل الحجاب الذي زادها جمالًا ونقاء وفستانها الفضفاض صاحب الأكمام المتسعة ويصل لكعبها بلونه الأبيض الممزوج بورود صغيرة باللون الكاشمري..
انحنى يطبع قبلة عميقة فوق جبينها هامسًا بصوتٍ أجش:-
- يَا حُسنَهُ وَالحُسنُ بَعضُ صِفَاتِهِ
وَالسِّحرُ مَقصُورٌ عَلَى حَرَكَاتِهِ
بَدراً لَوَ انَّ البَدرَ قِيلَ لَه اقتَرِح
أمَلاً لَقَالَ أَكُونُ مِن هَالاتِهِ
ابتسمت رِفقة بخجل وراحت تقول بقلب مضطرب:-
- أنا بحب الشعر أوي..شكلك كمان بتحب الشعر.
قال من بين خفقاته التي أصبحت رهينة اسمها:-
- الشعر اتقال علشان خاطر رِفقة، وكلمات الشعر قدام رِفقة قليلة وعاجزة...
التمعت عيناها ببريق دافئ وتفاقم خجلها ليرحمها يعقوب وينحني يُمسك راحتها يجعلها تنام داخل كفه وهو يسير معها برفق للخارج...
عاش كل واحدٍ منهم ما حُرم منه، وأخذ يعقوب ينهل من تلك السعادة وهو يشعر أنه لا طريق للإرتواء من رِفقة ... نعم فداخله أرض جدباء شديدة القحط والتصدع وأخذت رِفقة تغمر أرضه بسخاء حتى تصبح يومًا ما غابة خضراء مليئة بالعديد من الأشجار المُثمرة وارفة الظلال رطبة..
تجول يعقوب برفقتها وهو يحتضن كفها بتشبث والإبتسامة لم تنطفئ من فوق فمهما..
تمرح، وتمزح، وتسرد، وتحلم بجانبه وهو أكثر من مُرحب بهذا...
للمرة الأولى يتناول الآيس كريم بصحبتها وكانت رِفقة تلتهمه بشهية وهي تتمتم:-
- متعرفش بعشق آيس كريم الحليب قد أيه..
أخذت أصابعه تمسح المتناثر حول فمها يُذكى أُوار الحب .. ضحكت قائلة وهي تمسح حول فمها:-
- اعمل أيه ... دي عادة عندي..
ترنحت أنامله بحنو فوق كفها يحتويه وجعلها تستقيم وهو يقول:-
- مش عايزك تتخلصي منها أبدًا ووعد هاجيبلك آيس كريم بالحليب كل يوم..
تشبثت هي بذراعه وهي تتسائل بينما يسيران:-
- هنروح فين تاني..!
- لسه الليلة طويلة يا أرنوبي..
ولج لأحد المولات المتكاملة غافلًا عن هذا الذي ه منذ خروجه ويلتقط الصور بدقة بكل وضع وكل تصرف...
ردد يعقوب وهو يصف لها كل قطعة من الملابس المعروضة لتسرع هي تقول باعتراض:-
- يعقوب حقيقي أنا مش محتاجة هدوم، أنا عندي..
أخذ يعقوب بيدها وهتف بحسم:-
- تمام يا رِفقة هتختاري ولا أختار أنا وألبسك على مزاجي..
زفرت بإحباط ورددت:-
- إنت عنيد أوي ومش بتسمع الكلمة..
ابتسم يعقوب قائلًا بمزاح:-
- ماشي يا ماما رِفقة لما نرجع البيت ابقي عاقبيني..
بدأت تنتقي الملابس بصحبته وهو يصف لها كل قطعة بدقة ويحتضن ملامحها طول الوقت بعينيه .... فكان يعقوب بمثابة عيناها..
هتفت باعتراض وهو يجعلها تجلس فوق الأريكة بمنتصف متجر الأحذية:-
- كمان جِزم يا يعقوب .. صدقني أنا مش محتاجة..
- إنتِ عارفة إني مشاغب ومش بسمع الكلمة فريحي نفسك وقوليلي بتحبي أي إستايل في اللبس..
تنهدت وهي تُحرك رأسها بمعنى لا فائدة وقالت:-
- أي حاجة بس المهم مش تكون حاجة مكشوفة وتبين رجلي..
اقترب حاجباه متسائلًا بغرابة:-
- ليه .. اشمعنا يعني!!
أجابته بتلقائية:-
- علشان طبعًا رجلي مش تبان لأن ميصحش، مينفعش يبان مني ألا الوجه والكفين..
حتى أبسط المعلومات عن الدين كان يجهلها يعقوب لكن ها هو يشرع في التعلم من الصفر على يد رِفقة..
حرك رأسه وهو يشعر بالخجل بداخله ويتأمل رِفقة بفخر وعشق فهي أصبحت تضع النقاط على حروف أبجديته المفقودة..
انحنى يعقوب يجلس على عقبيه أمام رِفقة يساعدها في إرتداء الحذاء تحت إعتراضها الخجِل..
وضع قدمها فوق ركبته وأخذ بالحذاء يُلبسه لها وفي هذا الموضع أُلتقطت العديد من الصور التي ستنشب الحرب بسببها.
كانت العاملتات يتهامسان وهم يتأملون يعقوب بصحبة رِفقة همست إحداهن:-
- ما شاء الله شوفي حنيته عليها، شكله بيحبها..
أجابتها الأخرى تقول:-
- ربنا بيعوض يا بنتي .. وهي واضح إنها بنوتة رقيقة وتستاهل .. هي مش ناقصها حاجة علشان تعيش حياتها سعيدة كفاية التخلف إللي بقاا في المجتمع..
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
بعد ليلة مُحملة بالكثير من المرح عاد يعقوب ورِفقة للمنزل لترتمي هي فوق الأريكة بتعب وارتمى يعقوب بجانبها لتقول هي برأس ثقيلة:-
- تعبت أوي رغم إنها ليلة جميلة .. حقيقي مش قادرة أصلب راسي بس لازم أقاوم علشان اقوم أصلي...
للحظات تخشب جسد يعقوب لكنه قال مُشجعًا:-
- طب يلا قبل ما النوم يغلبك..
انتصبت واقفة وقالت بحماس:-
- عندك حق .. يلا هتوضى وأصلي..
حاوط كتفيها وأخذ يدعمها ويساعدها في الوضوء وشرعت تؤدي فرضها بينما يجلس يعقوب يشاهدها بتمهل حتى انتهت...
سحبته من شروده قائلة:-
- يعقوب .... ممكن نصلي سواا..
صمت قليلًا وقلبه يطرق بشدة ...نعم هو لم يحظى من جهة لبيية بتعلّم تعاليم دينه وقد كان بين الحين والآخر يؤدي صلاة الجمعة لكن الآن يشعر بتعطش شديد لتلك الروحانيات وقد أثارت رِفقة تلك الرغبة والمشاعر بداخله..
حرك رأسه بإيجاب وأردف:-
- أكيد .... دقيقة أتوضى..
أتى إليها بعد عدة دقائق وقطرات الماء تتساقط من فوق وجهه مرورًا بلحيته ليراها تقف بحماس وسعادة..
تنحنح في خشونة وغمغم:-
- يلا...
تحركت بحماس وأخذت تخبره وهي تُحرك كفيها أمام وجهها:-
- بقولك يا أوب .. أيه رأيك نبدأ نعمل تحدي مع بعض كل يوم ونشوف مين هيكسب في أخر اليوم...
هنبدأه من بكرا .. والتحدي هو إللي يصلي الصلاة في ميعادها .. يعني نشوف مين إللي هيصلي الأول أول ما الأذان يأذن وإللي هيتأخر هو الخسران..
وأكملت تقول:-
- والتحدي التاني إننا نبدأ حفظ قرآن ونسمع لبعض من بكرا .. ونبدأ بجزء النبأ..
وإللي مش هيطلع حافظ يوم هيتفرض عليه عقاب ويطلب من التاني إللي هو عايزه...
أيه رأيك...
فطن أنها تُريد جذبه للمسار الصحيح وهذا ما بدأ يُسيطر عليه، جذب كفها وأخذ يطبع العديد من القُبل بباطن كفها وهمس لها:-
- طبعًا موافق واستعدي للخسارة يا أرنوبي..
قفزت بحماس وهتفت:-
- استعد إنت للخسارة يا أوب، دا أنا عندي أفكار وحاجات كتيرة أووي نفسي نجربها سواا..
- هنخوضها سواا وهنزود عليها كتير، أنا مشتاق لكل إللي منك يا رِفقة..
تسائلت تواري عن خجلها:-
- أمال فين رينبو..
- نايم في القفص بتاعه..
- تمام يلا نصلي بقاا وتبقى إنت إمامي..
ابتسم يعقوب على سعادتها وتقدم وشرع في الصلاة يتلو قِصار السور الذي كانت تحرص والدته على تحفيظه إياها وهو في سن الخامسة فباتت محفورة بقلبه وعقله..
كانت رِفقة تطوف في سماء السعادة وهي تقرر بداخلها بأنها ستكون له سُراجه المنير وسط العتمة وقارب نجاته الذي سيرسو به على شاطئ السكينة والعوض ... ستكون له كل شيء وتستسير معه من بداية الطريق...
وعند سجودها تقدم هو كُل دعائها ودثرته بدعاءٍ ذاخر .. وذكرته في رجاءها لربها..
فور إنتهاءهم من أداء الركعتين ارتكزت رِفقة على ركبتيها وجلست بجانب يعقوب ثم سحبت يده وهي تهمس:-
- تقبل الله..
ابتسم وهو ينظر ليده التي بين يديها وقال:-
- منا ومنكم..
ترقب يعقوب تصرفها فأدهشته عندما بدأ تُسبح على أنامل يده فخفق قلبه بشدة لتلك الفِعلة ليُمسك على قلبه أن يطير...
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
توسعت أعينها التي يُحيطها كحلها السميك تنظر لأخر شيء توقعت رؤيته أمامها...
احترق قلبها بألسنة نيران الغضب وهي تنظر ليعقوب الذي ينحني عند قدم تلك الفتاة بتلك الراحة والسهولة...
العديد من الصور لكن تلك من أشعلت النيران بقلبها ودماءها..
قبضت على عصاها بشدة وكشرت عن أنيابها، ثم همست بنبرة غريبة:-
- ماشي يا يعقوب .. ماشي..
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
بالمشفى التي ضاقت ذرعًا بعفاف التي تجلس فوق الأرض الصلبة الباردة بين ابنتيها وترى بتحسر الحالة التي أصبحوا عليها والصرخات التي تشق صدرها..
وقف زوجها عاطف فوق رأسها يرمقها بغضب وصاح بغل:-
- حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ما يكسبك يا عفاف ...كله بسببك يا مجرمة، ضيعتي ولادي ربنا ينتقم منك..
إلهي كنتِ إنتِ وارتحنا من قرفك..
أنا مكونتش أتوقع توصلي للدرجة دي، تسرقي فلوس بنت غلبانة كفيفة وتنصبي عليها وترميها في شقة مهجورة وسط الكلاب...
ربنا انتقم منك ورد حقها بس للأسف كان في بناتي إللي خليتي قلبهم مليان بالحقد وبوظتي تربيتهم..
أنا كنت فين من ده كله..عمري ما فكرت إنك ممكن توصلي للدرجة دي..
لم تقوى على نبذ كلمة واحدة بل إنها لم تستمع لحديثه من الأساس ... فقط الدموع التي لم تتوقف عن الجري فوق وجهها تتأمل ابنتيها بينما شرارات الحقد بدأت تنمو من حزنها وهي تهمس بداخلها بغلّ وحُرقة:-
- كله بسببها ... بسبب الحقيرة رِفقة...
بناتي اتدمروا وهي عايشة حياتها بالطول والعرض ... طالما بناتي بقوا كدا يبقى مش هسيبها أبدًا ولا أرتاح ألا ما أشوفها زيهم...
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
انبلجت شمس يومٍ جديد بحماسٍ جديد...
أدى يعقوب ورِفقة صلاة الفجر بموعدها وجلسوا سويًا حتى شروق الشمس ليغفوا ساعتين واستيقظ يعقوب بطاقة يُحضر وجبة الإفطار ليتناولوها في جو مليء بالمرح..
وقف يعقوب عند الباب ليُقبل وجنتي رِفقة هامسًا:-
- مش هغيب عليكِ يا أرنوبي .. ساعتين وهرجعلك، موبايلك جمبك وعرفنا إزاي نتصل، لو في أي حاجة كلميني، ومتتحركيش من غير العصايه علشان متتخبطيش، إحنا بقينا عارفين تفاصيل الشقة كويس صح..
ابتسمت على مخاوفه وأردفت تقول تُطمئنه وهي تتلمس يده بحنان:-
- مش تقلق يا أوب ...وأصلًا نهال جايه بعد شوية..
قبل رأسها قبل أن يقول:-
- خلاص يا أرنوبي يلا سلام..
تنفست بعمق وهي تكتم توترها وحزنها من خروجه وتركه لها وهمست برقة:-
- في رعاية الله..
أغلقت الباب وسارت بحذر نحو الأريكة وهي تجذب كتابها تتحسس بأصبعها وتقرأ لتلهو عقلها عن غيابه...
بعد مرور نصف ساعة كانت رِفقة غارقة في القراءة لكن انتشلها رنين جرس الباب، وهج قلبها وتوسعت إبتسامتها بسعادة لمجيء صديقتها نهال وهي تتجه باندفاع وتحمس نحو الباب الذي أصبحت تعلم طريقه جيدًا..
فتحت الباب بلهفة وهي تهتف بإبستامة واسعة:-
- نهال..
قابلها الصمت العقيم لتُمحق وتتبدد إبتسامتها من فوق وجهها ويتبدل مكانها الذعر وهي تعود للخلف بفزع حين اخترق أسماعها هذا الصوت ذا النبرة القاسية الشديدة والذي جعل قلبها يرتجف..
- لأ .... لبيبة هانم بدران..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل السابع عشر 17
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل السابع عشر" -١٧-
برّدت رِفقة من حِدة توترها ورعدة قلبها، وأفسحت المجال تبتعد عن مدخل الباب وهي ترقش إبتسامة عريضة فوق فاهها أثارت بها غيظ عفيفة دون قصد بينما قالت بإحترام رغم أعصابها المهتاجة من هذه المواجهة:-
- اتفضلي يا نينا لبيبة..
توسعت أعين لبيبة في حِدة ورمقتها بغضب وتلك الإبتسامة تثير حنقها واكتفت لبيبة بالصمت ثم دلفت للداخل حتى جلست على أحد المقاعد بشموخ ورأس يكاد يُلامس عُنق السماء من قدر الكِبر الذي يملئها..
لكن رغمًا عنها رفعت أعينها تُراقب رِفقة التي أخذت تتحسس الأرجاء حتى وصلت للأريكة وجلست عليها بهدوء وقد بدى عليها التوتر..
ظلت لبيبة تتأملها بدقة من أعلى لأسفل، حتى التقطت خيط الكلمات تقول بنبرة جافة وهي تُبعد أنظارها أمامها عن رِفقة قسرًا:-
- أكيد أنا مش جايه أباركلك بيعقوب، أنا هقول كلمتين واسمعيهم كويس أوي وبتركيز..
وصمتت بُرهة لتبتلع رِفقة ريقها بتوتر لتتصاعد موجة كلمات لبيبة الحادة مرةً أخرى تقول بوجه معقود:-
- عرفت عنك إنك بنت كويسة..
وبما إن قلبك طيب زي ما بيقولوا فأكيد مش هترضي ليعقوب الضرر ولا أيه..
اضطربت رِفقة وجاءت تُسرع تقول بلهفة:-
- أكيد...
قاطعتها لبيبة بحِدة:-
- أنا لما بتكلم محدش بيقاطعني .. إنتِ تسمعيني وبس..
يعقوب بدران هو حفيدي الكبير والوريث لكل شغلنا وجموعاتنا، دا مستقبله وحياته الطبيعية..
أكيد مش هترضي إن يتحرم من مكانته ومن جميع أملاكه..
بجواز يعقوب منك هيبقى لا مستقبل ولا مكانة ولا أي شيء حتى سلسلة المطاعم إللي أنا ساكته عنها مش هيبقى ليها وجود...
هيبقى صفر اليدين من كل شيء، إنتِ دلوقتي واقفه في طريقه..
طريق جوازته إللي مستنياه وإللي مصلحته فيها، المفروض يعقوب متحدد جوازه من بنت رجل أعمال كبير وإنهاء خطة الجواز دي هتبقى عواقبها مش خير أبدًا..
يبقى الأحسن لو إنتِ شخص كويس تسيبي يعقوب لحياته.
دا أنا بكلمك بطريقة مش بستخدمها ومتضطرنش استخدم طُرق تانية لأن مهما كان التمن مش هتكوني ليعقوب لأن ده غلط أنا مش هسمح بيه مستحيل...
كانت تتحدث بقسوة شديدة انهمر شظاياها على قلب رِفقة كلسعات سعيرية، وجفت دماءها من هذا التهديد شديد اللهجة..
ورغم هذا أردفت رِفقة بشجاعة تُحسد عليها وإيباء ممزوج باللين في محاولة لإقناع لبيبة:-
- إنتِ إللي بتعمليه ده غلط كبير يا نينا لبيبة، يعقوب مش صغير لطريقة تحكمك دي فيه، هو يقدر ياخد قراراته بنفسه وميعملش حاجة هو مش عايزها أو مجبور عليها..
الجواز أبدًا مكانش مصلحة ولا مُجرد صفقة زي صفقات الشغل.. الجواز حب ومودة واختيار ورضا..
سيبيه يعمل إللي هو عايزه وبلاش القيود دي، صدقيني مش مستاهلة ولا الدنيا مستاهلة المشاكل ولا كل الوقت إللي بيعدي وهو زعلان وبعيد عنك..
حاولي تسمعيه وتسبيه براحته وهتعيشوا مع بعض في جو هادي .. حاولي بس مرة واحدة مش هتخسري حاجة..
قالت رِفقة ما بداخلها وما تؤمن به دون أي تحفظ لتشتعل لبيبة غيظًا، استقامت بجمود ثم أردفت ببرود:-
- أنا نبهتك وعليكِ إنتِ تختاري، لإما تمشي بكل هدوء أو استخدم أنا طُرقي...
ولو عايزه رأيي فأختاري الأول علشان خاطر يعقوب قبلك.
ورحلت تاركة رِفقة في صدمتها متخشبة من عدم تأثر لبيبة بحديثها ولو قليلًا...
أحاطها اليأس وارتجف قلبها رُعبًا من نبرة حديث لبيبة التي بثت بنفسها الجزع...
ضمت قدميها لصدرها ووضعت رأسها فوق قمة ساقيها متكومة على نفسها بحزن وسقطت الدموع من عينيها بعجز...
ماذا تفعل الآن..!!
لماذا هذا يحدث معها!!
طريقة واحدة للخلاص من هذا، هو الحل الأنسب، هي مُجبرة..
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
لم تتغير حالتها ولم يتجدد شيء، مازلت جالسة تشاهد ابنتيها لكن عقلها يعمل بجميع الاتجاهات كيف ستنال من رِفقة...!!
وصل إليها غمغمة ابنتها شيرين المتألمة:-
- دا حق رِفقة بيخلص مننا ... بقيت عامية ومشوهة ولا أنفع لأي حاجة ... مكونتش برحمها لا تريقة ولا استغلال لحالتها..
كنت أقعد أقولها دا إنتِ عندك كذا في وشك، بصراحة بشرتك بيها وعليها، كنت بكرهها في وشها وشكلها وأشككها في نفسها..
أنا بقى بقيت مشوهة وبإيدك يا ماما..
ربنا أخذ حقها مننا كلنا...
حديث شيرين لم ينال إعجاب كُلًا من أمل وعفاف التي ثارت بغضب تصيح:-
- إنتِ بتقولي أيه ... البت دي تستاهل إللي حصلها وبعدين أنا عملت فيها أيه مش كفاية مستحملنها وقاعدة في بيتي بقالها كام سنة...
أنا مش هرحمها ومش بعد ما إللي حصلكم بسببها أسيبها تعيش حياتها بالطول والعرض..
هتفت أمل تُأيد والدتها بغلّ بينما وجهها مُغطى بالكثير من الضمادات وأعينها المُغلقة التي عجزت عن فتحها:-
- عندك حق يا ماما هي أصلًا بت مش ساهلة وخبيثة ومش هرتاح ألا ما يحصلها زي ما حصلي..
رددت عفاف بحقد:-
- هيحصل .. والفلوس إللي معايا هعالجكم بيها وهترجعوا زي الأول وأحسن كمان..
ولم تمكث كثيرًا حتى تفاجأت بضُباط الشرطة يدلفون إلى الغرفة لتفزع واقفة برعب متسائلة:-
- في أيه يا باشا..
قال الضابط الذي يترأسهم:-
- مطلوب القبض عليكِ بتهمة الإحتيال والسرقة، وتم الحجز على الفلوس إللي سرقتيها وحفظتيها في حسابك المستعار..
يلا قدامي يا ست إنتِ...
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
كأن الدنيا مُدبرة أدبارها لها، فروض لبيبة الأشد وطئًا على قلبها ظلت تطوف بعقلها دون رحمة وهي مازالت على حالتها تبث من الدموع أمرّها..
استمعت صوت رنين هاتفها الذي يبعدها قليلًا تحركت تمد يدها تتحسس الأرجاء حتى التقطته أجابت ليصل إليها صوت نهال قائلة:-
- رِفقة عاملة أيه..
مسحت وجهها وتنحنحت تطرد أثر البكاء لتُجيب بهدوء:-
- أنا كويسة يا نهال الحمد لله .. أمال اتأخرتي ليه كدا..
- معلش يا رِفقة الجماعة خرجوا برا البيت وأنا اضطريت أبقى علشان أحضر الغدا..
إن شاء الله تتعوض مرة تانية..
المهم عرفتي أخر الأخبار ... أكيد لأ ما إحنا مش راضين نعكر مزاجك علشان عروسة جديدة..
جعدت رِفقة جبينها متسائلة:-
- أيه إللي حصل يا نهال أنا معرفش حاجة..
- يوم كتب الكتاب أول ما إنتِ مشيتي..
المجرمة عفاف كانت ناوية ترمي ماية نار على وشك لما فشلت إنها تخرب الجوازة بس لطف ربنا وحكمته يعقوب خدك ومشيتوا عالطول بعد ما شد ما جدته، شيرين وأمل إللي كانوا بيراقبوا لها الوضع راحو علشان يقولولها إنك مشيتي وهي خارجة من الأوضة اتكبلت ووقعت وقزازة ماية النار في إيديها كانت مفتوحة فوقعت على وش عيالها وفي قلب عنيهم...
شهقت رِفقة وقالت بذعر وحزن:-
- طب هما كويسين حصلهم حاجة..
- للأسف الولية الحقيرة دي كانت خالطة مواد كاوية وحاجات تانية مع ماية النار .. البنات اتشوهوا غير إنهم فقدوا البصر..
اغتم قلب رِفقة لهذا الحدث الأليم فهي ليست بعديمة الرحمة حتى تنبسط أساريرها في آلام الأخرين حتى وإن كانوا أسوء الأشخاص...
سمعت نهال تُكمل بفرحة:-
- وكله كوم وإللي حصل دلوقتي كوم تاني، أنا لسه واصلي الخبر طازة ومستنيتش أما أقابلك..
قبضوا على الجربانة عفاف علشان سرقتها لفلوسك... بيقولوا يعقوب قلب الدنيا وعمل شكوى في البنك ولما راجعوا الكاميرات شافوها وهي مع الواد قاريبها إللي شغال هناك وهو اعترف بلعبتها القذرة ونصبها..
وخلاص فلوسك رجعتلك يا رِفقة أكيد رجعت لحسابك أو يعقوب هيقولك..
يعقوب واضح إن شخص كويس جدًا وبيحبك يا رِفقة ... ربنا يسعدك يارب إنتِ تستاهلي كل خير..
بدأت أعينها تُذْري الدمع واسترسلت في البكاء كاتمة شهقة مؤلمة بصدرها ليرتعش قلبها فتقول:-
- طب الحمد لله ربنا كبير .. خلاص بقى أنا هستناكِ يا نهال..
- تمام يا رِفقة أنا هروح بقى أكمل الغدا، مع السلامة..
همست رِفقة بصوت ضعيف متحشرج:-
- مع السلامة..
تهدل كتفيها وأسندت رأسها على ساقيها باكية وهي ترى أنه فعل لأجلها كل شيء وسيخسر بسببها كل شيء...
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
وجهه المشرق وحالة الحماس التي تجري عليه جعلت جميع من يعرفونه يتيقنون بأن ثمة تغيّر جذري أصابه..
أنهى يعقوب عمله مُسرعًا وهو يعدّ الدقائق ويسارع الوقت حتى يعود إليها...
خرج وهو يسحب مفاتيحه ليقع مع عبد الرحمن الذي هتف بخبث:-
- ألاه هتمشي بدري بدري كدا يا يعقوب باشا..
زفر يعقوب وهو يردف ببرود:-
- أيوا في عندك إعتراض ولا حاجة..
أكمل عبد الرحمن يقول بخبث وهو يغمز بعينه:-
- الله يرحم لما كنت من أسبوع مقيم هنا ليلك ونهارك..
ابتسم يعقوب ليقول ببحته الرجولية المُميزة قبل أن يخرج واللهفة تتلبسه:-
- علشان إللي كنت بقيم علشانها هنا ليل ونهار خلاص بقت في بيتي فلازم أنقل الإقامة هناك..
وخرج على الفور يصعد لسيارته ثم انطلق نحو المنزل فابتسم عبد الرحمن في سعادة لأجله..
دق يعقوب على سطح هاتفه ثم وضعه فوق أذنه ليأتيه صوت كريم فتسائل يعقوب بإهتمام:-
- كريم ...مفيش جديد عن لبيية بدران..
ضحك كريم من الجهة الأخرى وهتف بسخرية:-
- استغنت عن خدامتي يا يعقوب باشا واعتبرتني خاين لها فخلاص معدتش عارف تحركتها..
بس احذر علشان هي مش ساكته..
قبض يعقوب على المقود بغضب وردد من بين أسنانه:-
- عارف يا كريم عارف بس أنا لها بالمرصاد..
وشغلك موجود عندي متقلقش..
قال كريم بإمتنان:-
- دا من غريب عنك يا يعقوب، بس هي مخلتنيش أسيب الشغل خالص هي نقلتني المصنع بعيد عنها...
تمتم يعقوب باقتضاب وقد صال الجحيم على وجهه:-
- تمام يا كريم هنبقى نتكلم..
كان قد وصل للبناية التي بها شقته فهبط يصعد بقلب نابض وسعادة يدلف للشقة وهو يهتف بعشق:-
- رِفقة ... أرنوبي..
وعندما استدار سقط قلبه وأصابه الهلع حين وقعت أنظاره عليها تضم جسدها إليها وتبكي بانتحاب..
أسرع نحوها وقد سقطت دموعها على قلبه كالجمر، جلس على عقبيه أمامها وهو يهتف بفزع وأصابعه تمسح الدموع من فوق وجهها:-
- مالك يا رِفقة بتعيطي ليه يا نور عيني، أيه إللي حصل .. ليه الدموع دي يا حبيبتي..
نظرت له بأعينها الكاسفة لتهرب الدماء من وجه يعقوب ويتوقف قلبه عن الهدر حين قالت:-
- يعقوب إنت عملت علشاني كتير وحقيقي شكرًا لكل حاجة مش عارفة أعمل أيه علشان أوافيك إللي عملته...
بس إحنا علاقتنا لازم تنتهي وتقف لغاية هنا، إحنا مش لبعض يا يعقوب .. إنت وصلتني لبر الأمان ووفيت بوعودك...
لو سمحت طلقني يا يعقوب..
شعر يعقوب بخفقان قلبه بعنقه واختنقت أنفاسه وأنظاره مُعلقة على دموعها بينما توقفت أصابعه فوق وجنتيها..
ورغم هذا ولصدمة رِفقة هدر يعقوب بنبرة غاضبة شرسة تسمعها منه لمرتها الأولى حتى أنها تسببت في خوفها وقال:-
- ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
يُتبع..~
_القلب_المتكبر_لِعمياء
_نيل.
__________________
تنويه هام:-
(تم تغيير اسم الأرنب لِـ "رِين"..
وذلك لأن بنوتة من المتابعين ربنا يجازيها خير نبهتني إن الاسم "رينبو" ليه دلالة مش كويسة ومعنى وحِش..
للأسف أنا مكونتش أعرف المعلومة دي وأنا بفتكِس الاسم..)
دُمتم بوِدّ
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر بقلم سارة اسامه
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل الثامن عشر 18
[وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
"الفصل الثامن عشر" -١٨-
هدر يعقوب بنبرة غاضبة شرسة تسمعها منه لمرتها الأولى حتى أنها تسببت في خوفها وقال بدمٍ فائر:-
- هي كانت هنا صح ... هي جاتلك هنا وهددتك إنك تمشي .. دا كلامها مش كلامك يا رِفقة صح.!
أعماهُ غضبه من تصرفات لبيبة الهوجاء ولم يُدرك صياحه بوجهها بتلك النبرة التي يكسوها غضبه الجحيمي والتي جعلت رِفقة تجفل وترتاع..
هذا فقط لنبرته فماذا لو رأت رِفقة وسم الجحيم على ملامحه التي ضُخّ فيها الإهتياج وغضب العالم أجمع .. فملامحه التي انبجست فيها الحياة توارت وحلّت أخرى غائمة بالسواد، فكلماتها كانت كخِنجر مسمومًا قد أُوقد عليه وغُرز في قلبه...
أسرعت رِفقة تُمسك يده هامسة بغصة بكاء بنبرة نقيّة كالندى:-
- يعقوب بلاش تزعق ... متخوفنيش.
كانت كلمات أشبه بمُسكن أعاد يعقوب لبعض من طبيعته معها ورُشده لكن مازال عليه رجفان من الغضب، استقام وجلس بجانبها، كوّب وجهها بين كفيّة وراح يقوم بعتاب:-
- صدقتيها مع إن حكيتلك كل حاجة يا رِفقة.
شرقت أعينها بالدمع ووضعت كفها فوق كفه الموضوع على خدها وهمست له بنبرة مرتعشة:-
- أنا خوفت منها عليك يا يعقوب، هي قالتلي بالمعنى إن كل حاجة عندك هتدمر وهتحرمك من كل حاجة .. وإن كدا الأحسن والأفضل لك..
وإن بوجودي هيبقى لا ليك مستقبل ولا مكانة ولا أي حاجة..
هسهس يعقوب بنبرة محتدمة:-
- أنا إللي ليا حرية الإختيار .. محدش ليه الحق يتحكم في حياتي، ولا يعرفني الأحسن ليا..
لانت نبرته وأكمل بصدق وهو يضع جبينه فوق جبينها:-
- وبعدين مين قالك أنا عايز منها حاجة، بيكِ أو من غيرك يا رِفقة أنا مش هنفذ إللي لبيبة عيزاه مني، وهي بقالها كام سنة بتحاول ومنفذتش ولا هنفذ..
بس هي عندها حق في حاجة، أنا مش هيبقى ليا مستقبل..
عقدت رِفقة حاجبيها وطفى الحزن على ملامحها ليُكمل يعقوب قبل أن تستفهم:-
- مليش مستقبل في عالمها .. لأن مستقبلي كله بقى مع رِفقة..
وحتى لو مليش أي مكانة في العالم ده، يكفيني مكانة في قلب رِفقة..
احتقن وجنتيّ رِفقة بالأحمر وذاب قلبها من كلماته التي جبرت كل الكسور والعطوب التي كانت بها من الداخل، همست هي بصدق ورِقة:-
- مكانتك في قلب رِفقة عالية أوي ومش وصلها حدّ من قبلك وهي المُنتهى فأكيد مفيش بعدك..
ما هذا الضوء الذي يشعر به يكتسح ظلمات النفس، هدر قلبه بعتوّ فابتسم لها ثم لثم رأسها وأردف بلوم ممزوج بالحزن:-
- كدا يا رِفقة يهون عليكِ تسيبي يعقوب..
هان عليكِ يعقوب..!!
تمزق قلبها من فحوى تلك الجملة، هي كانت تنتوي تركه والإختفاء من حياته للأبد، وهل تظن هذا هيّن يا سيّدي بعد تعلُق الفؤاد!!
لكن يبدو أن كل مَن يتعلق به قلبها يتحتم فقدانه كالسراب...
كان ردها ثلاث كلمات فُراتَا سقطوا على قلب يعقوب كالمُعصرات:-
- علشان خاطر يعقوب..
[ويبقى محفوظ هذا العتاب الليّن المُميز...
- ويهون عليكِ تسيبي يعقوب..
- علشان خاطر يعقوب.. ]
قَبل باطن كفها وأردف:-
- يعقوب مش عايز غيرك إنتِ وليحترق العالم..
أنا مستعد أحارب وعندي القوة والقدرة إن أحارب العالم كله ودا وإنتِ معايا...
لكن لو سبتيني يا رِفقة مش هقدر أقوم تاني..
نهض بجسد متأهب مشدود بغضب وهتف بنبرة ترمي بشرر:-
- أنا خارج يا رِفقة .. خدي بالك من نفسك ومتفتحيش الباب لحد..
انتصبت رِفقة مسرعة وهي تُدرك نواياه وأسرعت تُمسك ذراعه وقالت برجاء:-
- بلاش بالله عليك يا يعقوب .. بلاش مشاكل.. هي مهما كان جدتك وبتحبك بطريقتها ومفكره كدا الصح..
حاوط كتفيها وأجلسها برِفق قائلًا بحزم:-
- رِفقة اسمعي الكلام وأوعي تفتحي الباب لحد لغاية ما أرجع .... لازم أعرف أخر لبيبة بدران أيه..
وخرج كالعاصفة دون أن يأبه بشيء حتى نداء رِفقة المرتجي..
رفع هاتفه قبل أن يصعد لسيارته..
- كريم ... خمس دقايق وتكون قدام البرج إللي فيه شقتي ومتتحركش من قدام بابه لأمّا اقسملك بإللي رفع السما من غير عمد محدش هيتحاسب قدامي ألا إنت ولا هيدفع التمن ألا إنت...
- تمام يا يعقوب متقلقش..
كان ينطلق بسيارته بسرعة عُظمى، وجهه باسرًا عابسًا وكلمات رِفقة تطوف به، كلما تذكر أنها كانت على أعتاب تركه بسبب تلك ذات القلب المتكبر المتجبر يزداد عُنفه ويزداد وجهه شراسة، ظلّ يقبض على المقود حتى ابيضت مفاصله .. وكل ما يمرّ على جسده الآن هو دلائل إنفجار عنيف...
بعد وقت وجيز جدًا كان أمام بوابة قصر آل بدران العتيقة والذي سارع رجال الأمن بفتحها على مصارعها ليمرّ يعقوب للداخل بعنف تاركًا مثار النقع يتطاير من خلفه..
توقفت السيارة بقساوة وبأس مُحدثة صوت مُزعج مرتفع ناجم عن إحتكاك الإطارات بالأرض المرصوفة الناعمة..
هبط مُغلقًا الباب بعنف وخطى بخُطى واسعة يدك الأرض دكًا..
دفع باب القصر بقدمة بضراوة وأغلقه خلفه بذات الشدة لتتزلزل الجُدران ممزوجة بصياحه الهادر وهو يقف بساحة البهو الواسع:-
- لبيبة بدران ... يا لبيبة هانم .. إنتِ فيييين..
احتشد عُمّال القصر يتهامسون على هيئة يعقوب المُميتة وهم يرونه للمرة الأولى بتلك الحالة..
واصل يجأر وعروق رقبته ووجه منتفخة بارزة:-
- مكونتش أعرف إنك بتستخدمي أسلوب المكر والخداع ده ... جديد عليكِ ده يا لبيبة يا بدران..
تدلّت لبيبة من فوق الدرج الذي يتوسط البهو تهبط بهدوء ظاهري ووجوم يحتل وجهها لتُقابلها نظرات يعقوب الشرسة..
وقفت أمامه ودقت بعصاها الأرضية اللامعة ثم قالت بنظراتٍ قاسية:-
- أيه يا باشا إللي بيحصل ده ...شكلك نسيت قواعد وقوانين القصر ده إللي عيشت أعلمهالك عمرك كله ... وبما إنك نسيت خليني أفكرك يا يعقوب باشا..
هنا ممنوع الصوت العالي ولما تتكلم مع لبيبة بدران بالذات لازم تطبق القاعدة دي يا .... باشا..
أثارت حفيظته المستيقظة بالأساس ليصدح صوت يعقوب عاليًا متمردًا:-
- تتحرق القواعد والقوانين بتاعتك بجاز يا لبيبة هانم ميهمونيش ... وللمرة الأخيرة بقولك أنا مش باشا يا هانم ... أنا يعقوب وبس...
جرت أنظارها على وجه يعقوب بُرهة ثم أردفت بجمودها المُعتاد ورأس شامخ:-
- طول ما إنت من بدران فإنت باشا وغصب عن أي حدّ ... ومش أي باشا .. إنت يعقوب باشا حفيدي .. وخليفة أجدادك ووِجهه وعلامة مُميزة لاسم بدران ... يا باشا..
ضرب يده بعنف شديد على أحد قطع الزينة الزجاجة الموضوعة بمنتصف منضدة دائرية لتتهشم بعنف مُحدثة ضجة مُزعجة وتاركة جُرح بباطن كفه وقد وصل غضبه إلى أقصاه لدرجة أعمت أعينه من طريقة تحكمها به التي بات يبغضها حدّ الجحيم...
صاح وهو يدور أمامها كمن مسه جان وأوداجه كأنها على وشك الإنفجار:-
- ابعدي عني وعن حياتي ....ابعدي عني وعن مراتي .. لبيبة بدران صدقيني إنتِ لسه متعرفيش مين هو يعقوب أنا صبري قرب ينفذ ودا شيء مش كويس أبدًا...
لو قربتي من رِفقة تاني صدقيني هحرق العالم إللي إنتِ بنياه ده ... مش هرحم حدّ وهعيش الباقي من عمري علشان أهد إللي عمرتيه وهجيب اسم بدران إللي عيشتيني أسيره الأرض..
أبعدي عني يا لبيبة هانم واحذري البركان إللي جوايا...
ركضت فاتن التي انتهت من أداء فرضها بلهفة على الدرج حين سمعت صراخ ولدها الغاضب المُعذب...
بينما خرج حُسين والد يعقوب من غرفة مكتبه القاصية على صوت الضوضاء والصراخ..
فتفاجأوا بهيئة يعقوب التي تُدمي القلب والذي أخذ يُهشم كل ما تطوله يداه ويضرب الأثاث بقدمه...
ركضت فاتن تجاه تُمسك ذراعه قائلة بدموع:-
- يعقوب ابني حبيبي مالك .. في أيه ... اهدى يا عمري..
مسح على وجهه وسحب ذراعه من بين يديها مستديرًا تجاه والده ثم هدر بسخرية:-
- شوف إللي سبتني لها تربيني... بعد ما حرمتني من كل حاجة وأنا صغير ومعرفتش أعيش طفولتي .. مش عارف أعيش حياتي كمان وأنا كبير...
والدتك المُبجلة لبيبة هانم مسلطة كلابها يراقبوني ويراقبوا خطواتي وراحت لمراتي بتهددها إنها لازم تسيبني...
خنقتني بقيودها واسم بدران إللي يعتبر لعنة حلت عليا مش راضية تسيبني...
التفت حسين لوالدته قائلًا بسخط واعتراض والحزن يفتك به وهو يرى ولده بتلك الحالة:-
- ليه يا أمي كدا ... سيبيه يعيش حياته زي ما هو عايش ... كفاية على يعقوب كدا .. كفاياك يا لبيبة هانم..
بينما صرخت فاتن والدة يعقوب بتمرد وقوة مليئة بالتحدي:-
- ابني اختار حياته وهيعيشها غصب أي حدّ، يعقوب بيحب رِفقة وأنا هقف في وش أي حدّ يقف في طريقه ... أنا غلطت غلطة كبيرة لما سيبته معاكِ وبدفع تمنها لغاية دلوقتي غالي أوي..
بس جه الوقت أعوض إللي فات..
ضربت لبيبة بعصاها وصاحت بصوت زلزل الأرجاء بوعيد:-
- والله عال أووي عال أووي يا فاتن .. بتعلي صوتك عليا وواقفة بتتحديني..
أيه يا حسين مش تعرّف مراتك إن أنا أمك ولا أيه..
يعقوب أنا مش هسيبه أبدًا يعيش زي ما هو عايز والجوازة دي لازم تنتهي وأنا بوعدكم إن هيحصل، دي بنت متلقش باسم بدران ومتستحقش تشيل اسم أجدادي وإن أحفادي يكونوا منها ... أنا مستحيل أسمح بحاجة زي دي تحصل ...
ابنك المحترم جاي يعلي صوته على جدته ويكسّر بعد ما المحروسة اشتكتله وعيطت واتمسكنت قدامه وهو كالعادة بيريل قدامها والأحسن من كدا إن بينزل عند رجليها...
يعقوب بدران قاعدة تحت رِجل بت جايبها من الشارع ... وماشي معاها في قلب الشوارع زي المراهقين مش مراعي إن ممكن الصحافة تتعرف عليه ولا حد يصور القرف إللي كان هو فيه ويفضحنا ويلطخ اسمنا..
وجذبت الهاتف ثم قذفته باتجاه حُسين الذي التقطه يرى العديد من صور يعقوب بجانب رِفقة في أوضاع مختلفة ليقف أمام صورة يعقوب الذي ينحني أمام رِفقة أسفل أقدامها يُساعدها في إرتداء الحذاء..
اقتربت منه فاتن تنظر إلى ما ينظر إليه لتتوسع أعينها بصدمة سُرعان ما ارتفع صوت ضحكتها قائلة بسعادة وهي تنظر للصورة بحالمية:-
- مش قولتلك بيحبها يا حسين .. شكلهم حلو اووي مع بعض..
رمقتها لبيبة نظرات متمهلة متوعدة لتنقل أنظارها إلى يعقوب الذي زمجر بشراسة رغم الصقيع الذي بدى عليه:-
- الكلام إللي قولتيه عليها دي يا لبيبة هانم تأكدي إن هيبقى ليه مقابل كبير أوي ودا وعد رجال من يعقوب...
أنا مستعد أبقى عند رجليها العمر كله وفي خدمتها ودي حاجة متنقصش من رجولتي..
وعندك حق هي فعلًا متناسبش العالم ده ولا تليق بيه .. لأنه كله نفاق وكذب وهي أبعد ما يكون عن كدا ... هي أنقى حاجة شوفتها في حياتي ونقاءها ميناسبش سواد العالم بتاعك..
إللي عندك اعمليه يا هانم وأما نشوف هتوصلي لفين..
وتركها ورحل مُخلفًا خلفه عاصفة كما جاء بأخرى..
وقفت لبيبة وعقلها يغلي كالمرجل لترمق حسين وزوجته نظرة غريبة ثم انصرفت لغرفتها بهدوءٍ مُخيف...
•◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆•
ولج للمنزل بإرهاق ومازال من الداخل يرتعش بالغضب وكلمات لبيبة تدور حول رأسه..
كان قد مات النهار ابن الصباح وحلّ الليل بثوبة الأسود..
وقعت أنظاره على رِفقة التي تجلس برداء الصلاة الخاص بها على المصلاة بالرُدهة فبعد ذهابه توضأت وأخذت في الدعاء له..
انتفضت تقول بلهفة فور أن سمعت صوت غلق الباب:-
- يعقوب..
اقترب منها ثم جلس أرضًا أمامها بوجه مهموم وقلب مكلوم وهمس وهو يتمدد واضعًا رأسه بحِجرها:-
- نور عين يعقوب..
استشفت الحزن الذي بنبرته وبتلقائية وضعت يدها على رأسه وسط خصلاته متسائلة بقلق:-
- أيه إللي حصل .. إنت كويس..
ردد بسخرية:-
- كويس .. دا كفاية عيلتي إللي بتقابلني بالأحضان..
تنهدت وقالت بهدوء:-
- الحمد لله .. قول الحمد لله إنها جايه على قد كدا، الحياة لازم تكون كدا وإلا مش يبقى لها طعم، في وسط كل النعم إللي ربنا أنعمها عليك مفيش ألا الموضوع الصغير ده إللي منغص عليك..
نِعم ربنا كتيرة أوي حوليك ومغرقنا...
مسيرها تتحل وربنا يفرجها كل حاجة لها نهاية صدقني..
وجاءت تُكمل حديثها لكنها تفاجأت بأخر شيء تتوقعه على الإطلاق، شيءٌ ضرب الصدمة ببدنها بقوة عاتية...
•◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆•
بمساء اليوم التالي..
وقف يعقوب أمامها بشموخ ثم أردف بجمود بما جعل لبيبة تتصنم:-
- أنا مستعد أبيع فرعين من مطعمي لكِ بالسعر إللي تحدديه .. وهحتفظ بالفرع التالت..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة اسامه
دموع يعقوب التي شعرت بها تسقط على يديها، دموع حسرة، دموع هذا الذي بات الألم من عناصر حياته.
شعرت رِفقة وكأن ثمة سكين حادة تمرّ فوق قلبها فتمزقه.
رفعت أطراف أصابعها المرتعشة تسير بهم على وجهه مرورًا بلحيته وهي تشعر به يتشعب بروحها.
همس يعقوب بتساؤل متعجب:
-- إزاي يا رِفقة قادرة تحسي بالنِعم إللي إنتِ بتقولي عليها دي كلها وإنتِ كدا..أنا بس بستغرب منك ومن تفكيرك..تعرفي أنا رغم كل إللي حواليا ده والنعيم إللي كنت عايش فيه من وجهة نظر الناس، بس عمري أبدًا ما حست بإحساس الرضا أو إن عندي حاجة مش عند حد...يعني عادي .. مش حاجة مُميزة بل بالعكس كنت بقول إن أقل من أي حدّ في سني، تعرفي عمري ما حسيت إحساسك ده..
ابتسمت رِفقة ببشاشة ثم قالت بهدوء:
-- تعرف يا يعقوب .. أنا كُنت زيك كدا، كنت بنت أقل من العادية بمراحل..عايشة بالطول والعرض كل إعتمادي على بابا وماما، مش مقدرة أي حاجة في حياتي..لغاية ما حصلت الحادثة وغيرت كل حاجة في حياتي..
انتبه يعقوب لها معتدلًا وانصت لما تقوله باهتمام فيسمعها تُكمل وهي تتذكر تلك الأحداث المنصرمة:
-- كنت في أولى إعدادي في الصيف .. بابا قرر يودينا المصيف ويفسحنا بعد سنة شديدة..كنا أسرة بسيطة وبابا وماما كانوا أحن أب وأم في الدنيا وكانوا مغرقني حنان ودلع..روحنا واتفسحنا وصيفنا وإحنا راجعين كنا بعد نص الليل على الطريق الصحراوي، بابا وهو سايق شاف راجل وست مغمى عليهم على جانب الطريق..بابا نزل جري وماما نزلت علشان الست من غير تردد، وبمجرد ما نزلوا اتفاجئنا إن فخ من قُطّاع الطُرق، حاصروا بابا وماما وأنا اتصدمت وأنا راكبه في العربية ونزلت جري لهم بس قبل ما أوصلهم حسيت بحاجة زي ما يكون حديدة حد ضربني بيها على راسي من ورا...وساعتها مش حسيت بالدنيا حوليا..ألا بعدها باسبوعين فوقت في المستشفى وفتحت عيني بس كانت الدنيا سودا .. كل حاجة حوليا سودا..
ابتلعت رِفقة ريقها بألم وتدحرجت دموعها رغمًا عنها وهي تشعر بمرارة تلك الذكرى.
اقترب منها يعقوب وأخذ يمحق تلك الدموع المُعلقة بأهدابها بحنان ثم أحاطها لتستند على كتفه برأسها ثم التقطت خيط الحديث تُكمل:
-- ساعتها بقيت أصرخ وأعيط وأنا مش مستوعبة وجالي إنهيار عصبي حاد وعيشت فترة طويلة على المهدئات ... بس إللي هداني شوية لما عرفت إن بابا وماما بخير وعايشين وهما رغم تعبهم فضلوا معايا ورفضوا أي علاج..عرفنا ساعتها إن فقدت البصر .. وعرفت ساعتها إن معدتش هشوف ألوان ألا الإسود..طبعًا كان إنهيار ورا إنهيار وأنا مكونتش بستوعب أبدًا..بس بابا وماما مش سبوني رغم حزنهم وحسرتهم لكن هما كانوا بيخبوا جواهم ومش بيبينوا ليا..وبقوا يحمدوا ربنا إن الحادثة دي جات على قد كدا، لأن عرفت إن حالتي كانت صعبة وكان عندي نزيف..عرفت إن هما طعنوا ماما وبابا فضل يقاوم واتأذى بشكل كبير ...إحنا كنا انتهينا بس ماما قالتلي إن إللي حصل معانا مُعجزة ولطف ربنا بنا كان كبير..في عربيات لناس مهمة عدت في نفس التوقيت..قُطّاع الطريق خافوا وأخدوا عربية بابا وهربوا بيها وسابونا .. والناس دي إللي أنقذتنا..أنا وقتها كنت بين الوعي واللاوعي وكانت الرؤية ضبابية ... بس قدرت أحسّ بناس بتتحرك حواليا وأشوف وشوش ضبابية مش واضحة..
ابتسمت رِفقة وهي تنغمس أكثر بأحضانه وواصلت حديثها:
-- مش أنا بقولك رب الخير لا يأتي إلا بالخير..في بداية الأمر ولما تبص عليه من بعيد، تلاقي الموضوع إبتلاء صعب ومحنة شديدة..بس بفضل الله ثم بفضل أمي ... هديت بعد شهرين تقريبًا من الإنهيار...كانت ماما تقعد تقرأ جمبي قرآن وتحكيلي عن الصالحين والإبتلائات وإزاي الإبتلائات دي حولت المُبتلين وغيرت حياتهم للأفضل..وساعتها الكلام نزل على قلبي ولقيت نفسي في وسطهم أقل إبتلاء، وعرفتني جزاء الصبر على الإبتلاء والرضا بقضاء الله..بدأت اتأقلم مع حياتي الجديدة وحددت لنفسي أهداف تناسب حالتي..سجلت في دورات بتدعم إللي زيّ، واتعلمت اقرأ إزاي ...وماما وبابا مقصروش معايا في حاجة..بس الأحسن من ده كله ... إن اكتشفت في رحلتي دي حاجات كتيرة أووي يا أوب واتعلمت أكتر..وأكتر حاجة اتعلمتها واترسخت فيّا، يقيني بالله وحُسن ظني بيه إللي مستحيل خاب وإن ربنا بقى صاحبي في كل حاجة في حياتي..قدّرت حاجات كنت شيفاها عادية.. قدرت نعمة البصر إللي كانت معايا وفي غمضة عين ربنا لحكمته ورحمته نزعها مني، عرفت إن ربنا كبير أوي ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، عرفت إن الحياة دي بسيطة أوي ومش مستاهلة إللي بقينا نعمله في بعض، مش مستاهلة الكُره والغيرة والعداوة إللي بقت في قلوبنا..والله ما مستاهلة يا يعقوب..عرفت إن أبلع ريقي من غير ألم دا نعمة تستحق تحمد ربنا عليها عمرك كله..أهو بلع الريق ده ممكن تكون في نظر البعض حاجة يعني عادية ممكن مش ياخدوا بالهم منها أصلًا بس في مقابل إللي عنده مشاكل عارف قيمتها كويس...طب دا إحنا غرقانين بالنِعم .. دا حتى شوية الهوا إللي بناخدهم نِعمة عظيمة..طب الواحد يحمد ربنا على أيه ولا على أيه بس..علشان كدا بدأت أعمل ورقة النِعم..وبما إن الورقة والقلم صعب مع إللي زيّ، ورقة النِعم تكتب فيها كل حاجة ربنا عملها علشانك، موقف حصلك وربنا أنقذك، مشكلة ربنا حلها لك..ولا وجع ولا مرض كنت بتعاني منه وربنا شافاك وعافاك .. ولا حتى إمتحانات كانت صعبة وربنا عداها .. أي حاجة ربنا عطهالك..كل صغيرة وكل كبيرة .. بس بديل الكتابة أنا بدأت أحفظ في دماغي كل التفاصيل دي وأراجعها كل يوم حرفيًا قبل ما أنام وأحمد ربنا عليها .. ودا لما عرفت إن أكتر حاجة ربنا بيحبها من عبده هو الحمد وإن الحمد سبب في تفريج كل كرب وسبب في إنهمار العطايا علينا..وخلاص أنا مش زعلانة أبدًا على حالتي بالعكس يا يعقوب دا أنا ممتنة جدًا لها..طب أقولك على سرّ..
همس لها وهو يُقبل باطن كفها:
-- قولي يا أرنوبي..
رددت وهي تتنفس بعمق:
-- هي حاجة مجنونة شوية يمكن تستغربها..من النِعم إللي بحمد ربنا عليها نعمة فقدان البصر..أيوا أنا بعتبرها نعمة، لأن لولاها مكونتش وصلت لهنا ولا كنت عرفت إللي عرفت ولا قدرت إللي عندي ولا قربت من ربنا وحبيته الحب ده كله..
هتف يعقوب متسائلًا:
-- طب يا رِفقة مجربتيش تكشفي على عيونك وتشوفي لو في أمل إن البصر يرجعلك تاني، عملية مثلًا...
رددت رِفقة بهدوء:
-- طبعًا .. بابا وماما مش سكتوا .. بس إحنا انتظرنا مدة بعد الحادثة على ما أموري تستقر لأن كنا خايفين مش يبقى في أمل ونتصدم صدمة جديدة بس ماما أقنعتني وبعدين بدأنا في رحلة الكشف والأشعة والكلام ده كله .. بس الرحلة وقفت لما الحج جه لبابا وماما .. كانوا مقدمين واسمهم جه..بس هما كانوا عايزين يلغوها بس أنا أصريت عليهم لإن كان نفسهم فيها أوي وقولتلهم يروحوا ويدعولي..وفعلًا سافروا وبقيت عند خالي عاطف بس هي مكانتش تعرف إن مرات خالي كدا..المهم لما بابا وماما اتأخروا في الرجعة، روحت كشفت مع مرات خالي عفاف..بس الصدمة إن الدكتور قالنا إن مفيش أي أمل إن ممكن أرجع أشوف تاني وبلاش نتعلق بأمل كذاب..ومن وقتها وأنا شيلت الموضوع من دماغي واتعودت على حياتي..
هتف يعقوب بعد أن فكر بُرهة:
-- طب مين كان قالك كدا .. يعني مين قالك إن مستحيل ترجعي تشوفي تاني..
تعجبت رِفقة من سؤاله لكنها أجابته بهدوء:
-- يوميها أنا كشفت وخرجت والدكتور اتكلم مع عفاف مرات خالي، وهي لما خرجت قالتلي الدكتور قال كدا .. هي مكانتش عايزه تقولي بس أنا أصريت..
هتف بحماس:
-- طب أيه رأيك نكشف تاني نروح لمركز عيون متخصص..أنا واثق إن كلام الحربايه عفاف دي غلط وهي كدابه .. أكيد لعبة قذرة من ألاعيبها..
رفعت رِفقة أعينها له لتتسائل بغُصة علِقت بحلقها:
-- يعني إنت .. مش عايزني .. علشان قصدك كدا أنا مش مناســ..
قاطعها يعقوب مسرعًا بصدمة:
-- رِفقة .. أيه الكلام ده .. إزاي تقولي الكلام ده، يعني ده إللي مفكراه عليا..أنا مستحيل أفكر بالطريقة دي ولا عندي أي إعتراض .. أنا راضي بيكِ في كل حالاتك وتكفيني بل إنتِ كمان كتير عليا..
-- أنا أقصد علشانك إنتِ..علشان ترجعي تشوفي الألوان..علشان ترجعي تشوفي السما والسحاب..عشان ترجعي تشوفي الورد وكل حاجة بتحبيها..علشان ترجعي تشوفي البحر والأقحوان..مش عايزه تشوفي يعقوب..ولا ولادنا .. لما يبقى عندنا بنات وصبيان، مش هيبقى نفسك تشوفيهم وتشوفي ملامحهم وتهتمي بكل تفاصيلهم..
-- بس أنا خايفة أوي يا يعقوب..خايف من خيبة الأمل، خايفة أتعلق بأمل كذاب..
-- مش هنخسر حاجة يا رِفقة .. أنا بقولك المرة دي خلي عندك يقين بالله، مش إنتِ علمتيني إن اليقين بالله والثقة بتعمل المعجزات..مش إنتِ قوليلي إن زمن المعجزات إنتهى لكن لم تنتهي قدرة الله...
-- ونعم بالله ... خلاص إنت عندك حق فعلًا خلينا نجرب مش هنخسر حاجة .. لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا...
-- طب يلا بينا .. ادخلي البسي على ما أعمل إتصال علشان ننزل حالًا..
-- دلوقتي عالطول..
-- طبعًا .. خير البر عاجله يا أرنوبي، يلا قدامك عشر دقايق مش أكتر..
بينما يعقوب فجذب هاتفه وهو ينتوى دقّ أول مسمار في تابوت كبرياء لبيبة بدران.
عبث قليلًا بالهاتف بتطبيق (الفيسبوك) ولو يكن منه سوى نقرة واحدة لتغيير الحالة الإجتماعية من أعزب إلى متزوج.
لم تستهويه حياة مواقع التواصل الإجتماعي كان دائمًا منغمسًا في تشييد حُلمه، وبذل كل غالٍ وثمين لتطوير سلسلة مطاعمه والعمل الدائم..لكن لا بأس بهذا التطبيق الآن فحالة الانقلاب التي سيتسبب بها هي المُراد..ولم يلبث إلا قليلًا حتى انهالت التساؤلات والدهشة التي تم التعبير عنها بوجه مصدوم، غير مرات المشاركات التي تخطت المئات بالعشر دقائق..
اجتمع رجال الأمن يمنعون اقتحام الصحافة قصر آل بدران بصعوبة بالغة..
أعداد جما يحملون الكاميرات وبعض الأجهزة وتداخل لغطهم حتى حلت ضجة وضوضاء وصلت لمسامع لبيبة التي خرجت غاضبة من هذه الضوضاء التي لا تعلم سببها..
قابلها رئيس الأمن الذي أتى راكضًا ومساعدتها الشخصية..
-- في أيه ... أيه السوق والهمجية دي..
-- صحافة كتير أوي يا لبيبة هانم ...محصلتش قبل كدا..
-- كلهم مقلوبين على جواز يعقوب باشا، وعايزين يعملوا مقابلات ويعرفوا التفاصيل ومين هي العروسة..
فزعت لبيبة في مكانها لتشعر بدوار عنيف يجتاحها من هذا الخبر المروع لها، ملامحها مسطور فوقها الصدمة ولم تمكث دقيقة حتى سقطت فاقدة للوعي..
بعد فحص دام أكثر من ساعة تحت يد أمهر أطباء العيون ويعقوب يُمسك يدها بدعم حتى انتهى الطبيب وجلس أمامهم مبتسمًا ببشاشة ليستفهم يعقوب بلهفة:
-- أيه يا دكتور خير .. في أمل..
-- مش عارف إزاي دكتور قالكم الكلام ده، وإن مفيش أمل من إن مدام رِفقة ترجع تشوف..!
بعد الكشف المبدئي المشكلة مش كبيرة ولا صعبة بالطريقة دي..شوية فحوصات وتحاليل وهنأكد كل حاجة يا يعقوب باشا .. عيونها هتحتاج عملية مهمة ودقيقة جدًا..
-- مفيش مشكلة يا دكتور .. أنا مستعد لأي حاجة، لو حتى محتاج تسفرها برا لأكبر المستشفيات أنا من دلوقتي هبدأ في الإجراءات..
-- أكيد هنعمل كل إللي نقدر عليه واللازم يا يعقوب باشا، بس بإذن الله مش هنضطر للسفر برا..
-- مدام رِفقة هتروحي مع الدكاتره والممرضات على الأشعة وياخدوا منك عينة لشوية تحاليل..
-- جاي وراكِ مش هتأخر..
-- كل حاجة تمام يا دكتور .. لو في مشكلة قولي عليها ...وقولي كل التفاصيل
-- متقلقش يا باشا مفيش أي مشكلة، حالة عينيها مش بالسوء ده .. وفي أقرب وقت إن شاء الله هيرجعلها النظر .. نسبة نجاح العملية ٩٠٪.
-- في أيه ... في مشكلة .. مش إنت قولت مفيش مشاكل..
-- هي بس تكاليف العملية كبيرة حبتين...
-- مفيش مشكلة أيًّا كانت التكاليف أنا مستعد لأي مبلغ فداها أي حاجة...حتى لو فيه زرع قرنية معنديش أي مشكلة..حتى لو الموضوع وصل لتبرع قرنية أنا مستعد..
-- يعني إنت ممكن تتبرع لها بعينك .. بالقرنية بتاعتك..!!!
"أن أُهديكِ مُقلتاي على صحفة مُزينة بالأقحوان يكونانِ لكِ سراجًا مُنيرًا، ويكفيني أن ترِي صفو السماء بعينايّ..هَا لكِ عينايّ فصُونِيهما جيدًا ليكونان تذكارًا لعشقي وتخليدًا له، فلن أَضل أبدًا إن قادتني يداكِ ويكفيني أن أشعر بأعيُوني تبتسم بمقلتاكِ وقد امتزجتا بملامح وجهكِ، وأصبحت عيناي عيناكِ..
رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الفصل العشرون 20 - بقلم سارة اسامه
ابتسم الطبيب بود وقال بتقدير:
-- حقيقي يا بختها بيك يا يعقوب باشا، بس الموضوع مش مستاهل ومش هنضطر للتبرع بالقرنية، العملية نسبة نجاحها كبير إن شاء الله بس كل الموضوع إنها بس تكلفتها عالية.
تنهد يعقوب براحة فكما توقع تلك لُعبة قذرة من زوجة خالها عفاف، وما خفي كان أعظم من ألاعيب تلك المرأة القبيحة.
حرك يعقوب رأسه وأردف:
-- مفيش مشكلة يا دكتورة، بس اكتبلي كل التكلفة والمطلوب وأيه الإجراءات إللي هنعملها علشان تدخل العمليات، ياريت ميبقاش في تأخير، لأن مفيش داعي للتأجيل، ابدأ بتجهيزها يا دكتور لو سمحت.
ابتسم الطبيب على عشقه الجليّ وسحب بعض الأوراق وأخذ يُسجل بعض الأشياء ثم هتف:
-- تمام .. إن شاء الله هنعمل بعض الفحوصات والأشعة قبل العملية وأول ما تنتهي هنحدد وهتدخل العمليات فورًا .. متقلقش كل حاجة تمام.
سلّم ليعقوب الذي انتصب بوقفته بعض الأوراق، والذي قال بهدوء:
-- تمام يا دكتور صلاح هنبقى موجودين في الميعاد وهطبق كل التعليمات.
-- ألف سلامة عليها يا يعقوب باشا، وإن شاء الله معافاه.
خرج يعقوب يبحث عن رِفقة كالملهوف وقد أرشدته ممرضة على موقعها.
ولج للغرفة بعد أن طرق بخفة ليفزع قلبه منتفضًا فور أن رأى وجهها المذعور وأعينها الدامعة، التهمت أقدام الخطوات التي تفصلهم بتلهف وجلس على أعقابه أمامها يُمسك يديها بحنان مستفهمًا بتلهف وقلق:
-- رِفقة مالك يا جميل زعلانه ليه .. حد كلمك ولا حد أذاكِ.
تشبثت بيده بشدة وكأنه طوق نجاتها ثم أخذت تقول وهي تجذبه نحوها تتدثر وتحتمي به قائلة بفزع:
-- يعقوب هما عايزين ياخدوا مني دم كتير وأنا بخاف أوي من كدا .. دي حاجة بتخوفني، أنا مش بدلع والله بس أنا بخاف حقيقي .. هما بيقولولي بلاش دلع بس والله أنا بخاف.
جلس بجانبها مطوقًا كتفيها باحتواء رامقًا الثلاث ممرضات بغضب ناري وأعين مشتعلة بينما رِفقة تختبأ بكتفه، هدر يعقوب بحِدة:
-- متخافيش أنا هنا .. ولو بتدلعي..ادلعي طولك وعرضك يا ست البنات محدش ليه عندك حاجة.
وقبل رأسها بحنان هامسًا بجدية ممزوجة باللين:
-- بصي يا أرنوبي أنا موجود أهو مش هسمح لأي مخلوق يمس شعره منك، سيبي نفسك وامسكي فيا وفكري في حاجة مهمة أو لحظة حلوة مريتي بيها وهتلاقي في ثواني خلصنا ومحستيش بحاجة.
جاءت تتكلم باعتراض فقاطعها وقد أخذ يكشف ذراعها بحنان:
-- رِفقة .. حبيبة ونور عين يعقوب لازم الخطوة دي علشان العملية ...علشان خاطري أنا استحملي واسمعي كلامي.
حركت رأسها بإيجاب على مضض وهي تغمس وجهها في كتف يعقوب الذي يُمسك ذراعها بحنان ورِفق ثم أشار للممرضة بحِدة، بينما رِفقة فأخذت تذكر الله ثم تتلو آية الكرسي وعملت بنصيحة يعقوب لتتذكر وتشرد في أكثر اللحظات سعادةً لها.
بعد عقد قرآنها على يعقوب وتلك اللحظات التي جمعتهم.
صدر عنها صوت متألم فور أن سحبت الممرضة الإبرة من ذراعها فدلّك يعقوب موضعها هامسًا بحنان:
-- خلاص خلصنا كل حاجة انتهت .. حسيتي بقا بحاجة.
ابتعدت قليلًا عن يعقوب التي تتشبث به وقد أفل ذعرها لتقول:
-- بس شوية صغيرين.
ضحك يعقوب وقرص وجنتها مردفًا بمشاكسة وهو يسحب ذراع فستانها للأسفل يحكم ستر ذراعها:
-- بردوه يا شقية ...طب يلا بينا علشان نتغدى برا ونروح علشان ترتاحي.
جعلها تستقيم فتُمسك بذراعه بينما يخرجان تحت أنظار الممرضات الحانقات.
كانت رِفقة تسير بجانب يعقوب تحتضن ذراعه فنظر هو لتشبثها به بقلب منتفخ بالعشق ليتسائل بنبرة سعيدة:
-- قوليلي عايزه تتغدى فين النهاردة.
قالت بدون تردد بصوت حماسي:
-- مطعم البوب أكيد.
ضحك وقال بتعجب:
-- طب خلينا نغير طيب، مزهقتيش منه بقالك سنة بتاكلي فيه.
تسائلت هي بتعجب:
-- وإنت عرفت منين إن بقالي سنة باكل فيه، كمان في حاجات وتفاصيل كتيره أوي إنت تعرفها عني مش عارفه تعرفها منين ... غير موضوع الصورة إللي ماما فاتن قالت عنه...!!
ردد يعقوب وهو يفتح لها باب السيارة ويجلسها وقال بمرح:
-- الأرنوب عنده فضول غير عادي .. المهم هي قصة بسيطة تبان بس هي أحسن حاجة وأهم حاجة حصلتلي في حياتي، وأكيد من حقك تعرفيها وهحكيلك بس استني نوصل المطعم.
رددت بإصرار ممزوج بالدلال الفطري:
-- أوب .. يلا قولي دلوقتي على ما نوصل.
ضحك وهو ينطلق بالسيارة:
-- خلاص بقاا لما نوصل هحكيلك على كل حاجة...المهم كنت عايز أقولك على حاجة.
جعدت جبينها وهمهمت باستماع ليُكمل يعقوب:
-- بالنسبة لفلوسك إللي كانت سرقتها عفاف رجعت ... فتحتلك حساب جديد برقم سري جديد وأمنته كمان.
غرقت رِفقة في صمتٍ براق ثم ابتسمت هاتفة بخجل:
-- طب تقدر تسحب المبلغ كله علشان تكاليف العملية.
التفت لها يعقوب وهدر بصوت متأجج:
-- أيه يا رِفقة للدرجة دي مش شيفاني ولا أيه..ليه أنا معدتش موجود علشان تقولي كدا.
هتفت مسرعة بلهفة:
-- لأ مش أقصد بعيد الشر عنك بس....
قاطعها يعقوب بصرامة:
-- مفيش بس يا رِفقة الموضوع ده منتهي، وكمان في حاجة تانية لازم أقولك عليها بس لما نوصل المطعم.
انتعش قلبها ومكانته تتفاقم بداخلها أكثر وأكثر من رجولته وشدته اللينة التي تأسرها فإن اللين في القوة الرائعة أقوى من القوة نفسها، لأنه يُظهر لك موضع الرحمة فيها.
التفتت برأسها تجاهه وللمرة الأولى تتمنى من كل قلبها أن لو كانت تستطيع الرؤية لتراه، لتتشرب ملامحه الحنون ... لكن كالعادة الظلام فقط من يُقابلها...ورغم هذا تشعر أن عالمها مُضيء بل زاهي مُزين بالورود ساطعًا شمسه.
انبلجت ابتسامتها فيلتفت يعقوب ليراها على تلك الحالة لتُدثره بتلك النظرة التي أخبرته بالكثير وأَربت العشق بداخل قلبه فقد أصبح مُقرن بأصفادها للأبد وأصبح ضيُها يبزغ وسط ظلمات قيوده.
أوقف السيارة أمام المطعم والتفت إليها يتدبر ملامحها النقية بتروي، نعم هي جميلة، جميلة لا مِراء، ليست أجمل من رأى يعقوب في حياته؛ ولكنها جميلة جمالًا لا يختلط بغيره في ملامح النساء.
أردف يعقوب بهدوء:
-- يلا وصلنا يا رِفقة.
تنحنحت تُبعد أنظارها في إبتسامة متوترة، فهبط يعقوب ودار أمامها يفتح الباب ثم يأخذ بكفيها برِفق لتسير بجانبه والسعادة تتدفق من عينيها.
في كل مرة كانت تلج لمطعم "البوب" تكون بمفردها مُثقلة بالهم لكن الآن لقد اختلف الأمر كُليًا، تلج بصحبة يعقوب مُفعمة بالسعادة.
وفور أن وطأت أقدامهم المطعم التفّت جميع الفتيات من حول رِفقة بينما قابل يعقوب عبد الرحمن الذي سلّم عليه بحفاوه قائلًا بمكرهُ الدائم:
-- يا أهلًا وسهلًا بيعقوب بدران باشا، نورتنا يا باشا والله مطعمنا المتواضع زاده الشرف ونور.
لكزه يعقوب بكتفه وسحب رِفقة نحو المنضدة المفضلة لديها ثم أجلسها وجلس مقابلها براحة قائلًا:
-- إحنا النهاردة ضيوف مش أصحاب المكان فيلا وروني أحسن ما عندكم يا أستاذ عبد الرحمن.
فرقع عبد الرحمن باصبعيه مشيرًا لِألآء وهو يقول بجدية:
-- يلا يا آنسة آلاء انزلي بالمنيو على ترابيزة يعقوب باشا.
اقتربت آلاء ثم قبلت رِفقة قائلة بطيبة وحُب صادق:
-- رِفقة أيه المفاجأة الحلوة دي .. وحشاني أووي بجد.
قالت رِفقة باشتياق:
-- وإنتِ أكتر والله يا لول ...رغم إنهم كام يوم بس أنا كنت متعودة أقابلك كل يوم.
تنحنحت آلاء ورددت بحماس وجدية وهي تضع قائمة الطعام أمام يعقوب:
-- شرفتونا .. مطعم البوب في خدمتكم .. تقدروا تختاروا الأكل إللي تحبوه .. المنيو مزود بكل حاجة.
ثم انصرفت ليعود يعقوب بظهره للخلف مبتسمًا بوقار وهو يتناول القائمة بين يديه يقرأ محتواها وكأنه لا يعرفه.
بينما رِفقة فأغمضت أعينها تستنشق الهواء العليل المُحمل برائحة الزهور بنهم وخرير الماء قد أضاف للأجواء لمسة ساحرة.
همست باشتياق:
-- المكان هما وحشني أووي بجد، حقيقي لو قعدت هنا اليوم من أوله لأخره مش بشبع..إنت إللي أخترت تصميم المكان بالطريقة دي..وإزاي كان حلمك إنك يبقى عندك سلسلة مطاعم بالرغم من إنك خريج هندسة!!
تنفس يعقوب بعمق وأردف والذكريات مازال عودها طريّا تمر بعقله كأنها حدثت بالأمس ثم أردف بأعين غائمة:
-- من وأنا طفل كنت بتمنى في الأجازات لبيبة تاخدني ونروح أي مطعم نتعشى فيه كتغيير زي كل الأطفال مع أهلهم..بس دي كمان كانت حاجة ممنوعة عند لبيبة بدران، فكتفكير طفولي قولت لما أكبر هعمل مطاعم كتيره وهخلي وجبات كتيره للأطفال مجانية، وفضلت أحلم وأتخيل ومتوقعتش إن الحلم يكبر معايا ويعشش جوايا...وأول ما بدأت أخرج من ثوب لبيبة وأتمرد عليها كنت في الجامعة وبدأت أشتغل من الصفر بعيد عنها، وطبعًا دي حاجة معجبتهاش بس أنا مرجعتش أبدًا بعد ما اتحررت من سجنها وقيودها وبدأت أنفذ فكرة المطعم وأثبت أول حجر في حلمي بمالي الخاص، كل تصميم المكان والأفكار إللي فيه من دماغي أنا وأفكاري الخاصة، واخترت البساطة والرِقة، غير جودة الأكل والأسعار المناسبة للجميع...وأفكار الطفولة فادتني أكيد، وجبات الأطفال مجانية تمامًا .. وبما إن كان عندي أفكار متشددة على موضوع الإختلاط، فخصصت مكان للبنات ومكان للشباب، ومكان للثنائيات سواء أزواج أو أُسر وهكذا.
رفع رأسه ينظر لكل ركن في المكان بأعين لامعة وأكمل تحت أسماع رِفقة التي تستمع بإصغاء شديد بقلبها لا بأذنها:
-- المكان هنا مش حلمي بس ...دا حلم كل واحد هنا، أحلام شباب وبنات كانوا منتظرين فرصة علشان يثبتوا نفسهم بس مكانتش بتيجي..كلنا هنا كبرنا ونجحنا مع بعض...الشيفات إللي هنا لما بدأوا كانوا لسه عند الصفر، رفضت أختار ناس متمرسة أو شيفات كبيرة، كنت حريص أختار الناس إللي كان نفسها في فرصة، وكل واحد اتوظف في المكان إللي كان حلمه، والحمد لله كلهم أثبتوا جدارتهم ونجحوا، كل واحد كان بيجتهد علشان حلمه، كنا كلنا بنجتهد علشان نبني اسم..وفعلًا لمع اسم "البوب" وفتحنا بدل الفرع تلاته..بس هنا كان أول فرع ... دا كان بداية الحلم..وعلى الرغم إن بحب المكان هنا جدًا بس مكونتش باجي هنا وكنت بباشر الشغل عن طريق عبد الرحمن إللي مستلم كل حاجة في الفرع ده.
وقبل أن يُكمل حديثه تسائلت رِفقة بفضول ولهفة:
-- طب ليه!!
قال دون مراوغة:
-- لأن الفرع ده قريب من لبيبة كنت عايز أبقى بعيد عنها على قد ما أقدر، استقريت في مدينة تانيه وبقيت أباشر شغلي من هناك..لغاية ما كلمني عبد الرحمن علشان شوية شغل وبصراحة حنيت للمكان هنا وقولت أجي، والواضح إنها كانت إرادة ربنا علشان أجي هنا وأقابلك كانت تدابير ربنا وجابني من هناك لهنا بأسباب مش مفهومة.....ربنا ساقني من هناك لهنا لأجل رِفقة وبس.
أومض الحُب بأعين رِفقة مبتسمة بشغف وهي تتذكر تمسكها الدائم بهذا المكان وتشبثها به واستمرارها على المجيء هنا رغم كل شيء.
رددت بهمس بوجه متورد:
-- ورِفقة كانت بتيجي هنا كل يوم لأجل تدبير الله عزّ وجل، رِفقة كانت بتيجي هنا كل يوم منتظره قدرها .. منتظره يعقوب.
مدّ يده يحتضن كفها بحنان ثم قال بنبرة تزلزل الجبال الراسخات:
-- أنتِ مُعجزتي بأوآنٍ انتهت به المُعجزات، أنتِ الربيع الذي ظلل قحط قلب يعقوب.
همست له رِفقة أيضًا بقلب ينهمر منه العشق الصادق وقد أصبح قلبها مِلكًا خالصًا ليعقوب، رِهن له فقط، تقرّ هي دون تلجلج بأن يعقوب قد نال قلبها وعشقها وكيانها.
-- لقد مكثتُ في الظلام طويلًا لكن حين حللتْ أُضِيء عالمي.
كانت تتحدث وهي مثبته أعينها باتجاه عيناه، لم ترفق بحالته المستعصية، فحتى حروف اسمها قادرة أن تتحكم بملامحه فكيف بعينيها؟!فماذا عساه أن يفعل بعد هذا!!
وقبل أن يهتف تسائلت رِفقة بحماس:
-- يلا بقى قولي على إللي قولتلي هتقولي عليه، وأيه موضوع الصور ده.
ابتسم يعقوب على حماسها وبدأ يسرد لها القصة منذ أن رأها وسوء الظن الذي اعتقده بها، وكل ما مرّ به وكيف أنه أخذ يتتبع سجلات الكاميرات التي توجد هي بها.
كان حديثه تحت دهشة رِفقة وصدمتها وحزنها على سوء ظنه تجاهها، ليختم حديثه بقوله المُزين بالحزن والألم والصدق:
-- رِفقة أنا مكونتش أعرف والله، دا علشان أنا مليش اختلاط بالناس وأنا راجل صريح ومش بيعجبني الحال المايل، حقك عليا وعلى عيني وقلبي ... أنا مكانش واجعني ألا قعدتك في الشمس ولغاية دلوقتي مش مسامح نفسي عليها، تعرفي إن بعدها خرجت وفضلت قاعد في نفس مكانك ساعتين تحت الشمس...الكوابيس مكانتش بتسيبني، وكنت بلف وراكِ زي المجنون، أنا من بعد ما شوفتك ومبقيتش يعقوب إللي أنا أعرفه.
رفع كفها يُقبل باطنه بحنان وأكمل بندم مختلط بالحُب:
-- سامحيني على الغلطة دي، سامحيني على تكبري وقتها، غيرتي يعقوب وغيرتي نظرتي لحاجات كتيره أوي يا رِفقة، وعلمتيني أكتر، اتعلمت منك أقدر النِعم إللي ماليه حياتي.
رغم الدموع التي نمت بمقلتيها لكنها تبسمت ثم أردفت بهدوء:
-- تعرف يا يعقوب لما الإنسان بيرتكب ذنب حرام ومش بيبقى عارف إنه حرام، ربنا بيسامحه ولا كأنه عمل حاجة، بس بعدها بيتعلم إن الذنب ده حرام وبيتجنبه...إنت مكونتش تعرف إني كفيفة وحكمت عليا حكم جائر، بس دا يعلمك إن ده سوء ظن...مش من حقك ولا من حق أي حدّ يحكم على غيره من مجرد موقف، التمس لأخيك مئة عذر..إنت مش عارف ظروفه أيه...وإنت مش حِمل تحمل ذنب سوء الظن يا يعقوب..كان المفروض تستفسر أو تسمع على الأقل.
صمتت برهة تحت نظرات يعقوب المتوترة المترقبة، ابتلع ريقه بصعوبة وتسائل بصوت خافت مُجعد:
-- ما أنا قولتلك إني غلطت...وإني وحِش يا رِفقة..هاا إنتِ ساكتة ليه، سامحتي يعقوب.
ابتسمت باتساع وأردفت برِفق يُشبهها ونبرة الحزن والندم بصوته جلية لها:
-- أوب ... لقد سامحتك على ما كان منك.
رفرف قلبه سعادةً وقال بفرحة:
-- هو دا قلب رِفقة إللي أعرفه.
وأخرج ورقة من جيبه ثم بسطها أمامها وقال:
-- يلا بقاا امضي هنا.
تسائلت بعدم فهم:
-- أيه ده!!
وضع القلم بين أصابعها ووقف يجلس بجانبها وهو يرشدها لموضع الإمضاء يخبرها:
-- دا عقد تمليك لشقتنا، الشقة خلاص بقت باسمك، دا تقدري تقولي تنازل مني لكِ يعني عقد بيع وشراء.
سحبت رِفقة يدها وتوسعت أعينها بصدمة قائلة باعتراض:
-- لأ يا يعقوب مينفعش وبعدين ما إحنا مع بعض أهو أيه لازمتها ملهوش داعي.
أمسك كفها مرةً أخرى ووضع القلم بين أصابعها ثم أردف:
-- ريحيني يا رِفقة، أنا عايز أطمن عليكِ علشان مهما حصل يكون عندك بيتك ومعاكِ فلوسك وإن شاء الله هزودهالك، لما تكون باسمك أحسن ما تكون باسمي.
انتفض قلبها من هذا الحديث المخيف وشعرت بألم حاد يغزوها والخوف يعتريها من مجرد التفكير بعدم وجود يعقوب يومًا ما.
رددت مسرعة بغصة وهي تقبض على يده بقوة وقد ملأ أعينها الذعر والرعب:
-- قصدك أيه بالكلام ده يا يعقوب، إنت ليه بتخوفني بكلامك ده..!!
همس لها وهو يُخلل أصابعه بأصابعها:
-- رِفقة ...أرنوبي حبيبي متقلقيش مفيش حاجة هتحصل اطمني ... بس لو عملتي كدا هتريحيني، علشان خاطر يعقوب.
فتحت فمها لتعترض لكنه قاطعها بقوله الحاسم:
-- اسمعي الكلام يا رِفقة وريحي قلب يعقوب.
حركت رأسها على مضض ليأخذ بيدها الممسكة بالقلم ثم ساعدها لتنقش اسمها بهدوء.
تنفس براحة وأثنى الورقة وأعادها لجيبه، ثم سحب شيئًا ما أخر ووضعه بين يدي رِفقة فأخذت تتحسسه بهدوء فابتسمت بسعادة فور أن عرفت ماهية هذا الشيء.
قلادة يتدلى من زهرة الأقحوان المزيجة باللونين الأبيض والأصفر.
أخذها يعقوب من يدها ثم اقترب يمد يده من أسفل حجابها يضعها حوله عنقها بهدوء ثم طبع قبلة خفيفة فوق جبينها.
وقال بمرح:
-- أحسن حاجة إن إحنا في مكان بعيد مش وسط الناس.
وأخذ يشتم عبقها الطاهر مُقبلًا يدها وواصل بمرح:
-- علشان أتصرف براحة.
سحبت يدها وابتعدت عنه بخجل قائلة بإمتنان:
-- شكرًا جدًا على السلسلة يا أوب ....حقيقي النهاردة من أجمل الأيام.
-- لو شوفتك خلعاها من رقبتك هعرف إنك زعلانة من أوب، أتمنى متتخلعش يا أرنوب.
-- أكيد مش هخلعها حتى لو زعلانه منك، لأن هعاقبك بطُرق تانيه كتيره.
ضحك يعقوب بصخب لتُكمل هي بتحذير:
-- جرب بس وإنت هتشوف.
ردد من بين ضحكه:
-- مقدرش على زعلك يا أرنوب مع إني مشتاق أعرف أيه طُرق العقاب بتاعتك.
-- لا متقلقش الأيام جايه كتير وهتشبع منها مش بس هتعرفها يا أوب.
أجلت صوتها ثم قالت بجدية:
-- بقولك يا يعقوب .. أنا كنت عايزه أروح لأي دار رعاية تكون كويسة.
انتفض قلب يعقوب وتسائل بصدمة ووجه شاحب:
-- ليه ... أيه جاب السيرة دي يا رِفقة.
شعرت بصدمته ومخاوفه فابتسمت تطمئنه وأردفت موضحة:
-- لأ ..بس كنت عايزه اتبرع بجزء من الفلوس إللي معايا وعايزه أوديها لمكان أمين يستحق..في ناس بتتبرع كتير للمستشفيات ودار الأيتام، بس دور الرعاية محدش واخد باله منهم مع العلم إنهم يستحقوا جدًا.
تأملها بفخر وقال بتفهم:
-- أنا عارف دار رعاية كويسة جدًا بتبرع ليهم شهريًا، متقلقيش الدنيا لسه فيها خير وفي ناس بتتبرعلهم، وعندك حق فعلًا هما يستاهلوا..إن شاء الله بكرا أخدك ونروح.
-- إن شاء الله.
ومرّ الوقت وهم من بين مرح وهي تسرد له الكثير عنها وهو يبادلها الذكريات التي لم يجد منها سوى السيء الموجع، إن كانت هي ذكرياتها خليط ما بين السعادة والوجع، فذكرياته هو يملأها الألم المصائب والوجع فقط.
بعد أن أوصلها المنزل هبط يقود سيارته وهو يُفكر بأن هذا هو القرار الصحيح.
ماله الخاص لا يُغطي تكاليف العملية الجراحية لأعينها وليس أمامه سوى هذا الحلّ.
منذ فترة كانت قد اقترحت لبيبة بدران عليه بيع مطعمه لها .. ويبدو أن الآن هو الوقت المناسب لتنفيذ هذا الإقتراح.
وصل أمام قصر آل بدران لكنه تفاجئ بكم هائل من الصحافة أمام القصر وفور رؤيتهم له تجمعوا من حوله ووميض الكاميرات تلمع على وجهه، والكثير من التساؤلات تتطاير في الوسط.
"يعقوب باشا، هل خبر زواجك صحيح فعلًا..؟"
"يعقوب بدران ليه زواجك في السرّ ومقدرناش نشوف صورة زوجتك على مواقع التواصل الإجتماعي؟"
"هل هي من الوسط المخملي، وليه مسمعناش عن أي حفل زفاف.؟"
"يا ترى من هي إللي قدرت تكسر انعزال وريث آل بدران يعقوب باشا وتوقعه في شباكها.؟"
زفر يعقوب بسخط بينما رجال الأمن يحاولون تخليصه من بينهم لكنه توقف باستياء ثم هدر بصوت قوي مُحتد خشن:
-- أظن دا شيء شخصي وحياتي متخصكوش، بس علشان أريحكم، أيوا كتبت كتابي على إللي اخترها قلبي وعقلي .. وبعد فترة هيبقى زفاف يليق بيها..أما بالنسبة لصورتها فأنا مراتي مش بنزلها صور على مواقع التواصل لأن مقبلش بحاجة زي دي ولا هي تقبل، ولأني مش ديوث وبغير على مراتي، وأكيد تشوفها أو لأ دي حاجة مش هتفيدكم ...ويلا كلكم اتفضلوا.
وانسلّ من بينهم للداخل وصعد مباشرةً تجاه غرفة جدته متجاهلًا نداء شقيقه يامن.
لكنه توقف بتعجب وهو يرى خروج الطبيبة من غرفة جدته بصحبة المساعدة الشخصية لجدته.
سألها بوجه جامد:
-- في أيه.
أجابته باحترام:
-- يعقوب باشا ...لبيبة هانم ضغطها وطى شوية وأغمى عليها ...بس مفيش أي قلق يا باشا هي بقت بخير.
دلف يعقوب للداخل ليجد جدته تتمدد مستنده على ظهر الفراش ويبدو على ملامحها الجامدة التعب والإرهاق.
اقترب حتى وقف على مقربة منها فشعرت بأحد فوق رأسها لتلتفت فوجدته لتهمس بلين وهي تمد إليه ذراعها فمهما حدث يبقى العالم أجمع بجهة ويعقوب بمفرده على جهة خاصة جدًا، حتى وإن كان تعبيرها بالحُب خاطئ.
اقترب يعقوب وهو يتذكر كلمات رِفقة ونصائحها وجلس بجانبها على طرف الفراش، رفعت كفها المجعد تضعه على يده ذات العروق المنتفخة، وهمست بإجهاد:
-- يعقوب ... ابني وحفيدي ... وسندي وضهري وشرفي وعِزي وكبريائي.
دمدم بإرهاق وهو يتذكرها عندما كان يمرض ماذا كانت تفعل:
-- مش كفاية كدا يا لبيبة هانم ...كفايانا كدا.
سعلت بخفة وقالت بجمود رغم وهنها:
-- إنت عارف إن مينفعش يا يعقوب باشا.
زفر بإحباط وانتصب واقفًا وقال ببرود:
-- عمومًا أنا مش جاي علشان أتكلم في الموضوع ده.
استدار ووقف يعقوب أمامها بشموخ ثم أردف بجمود بما جعل لبيبة تتصنم:
-- أنا مستعد أبيع فرعين من مطعمي لكِ بالسعر إللي تحدديه .. وهحتفظ بالفرع التالت.
أخيرًا خرج صوتها المصدوم:
-- يآآآه .. في حاجة أهم من حلمك إللي ضحيت علشانه بكل حاجة وحاربتني لأجله، غريبة تتنازل عنه بالسهولة دي.!!بس بغض النظر عن كل حاجة أنا موافقة.
همس يعقوب وهو يخرج بإصرار:
-- في الأهم ... نـور عــيــون رِفـقــة.
بعد أن فاقت من صدمتها رفعت هاتفها وقالت بحزم وصرامة شديدة:
-- بكرا تنفذ إللي اتفقنا عليه، وتاني حاجة يعقوب واضح إن محتاج مبلغ كبير، تعرفلي هو عايزه في أيه.
وقفت أمام الضابط تصرخ وهي تلطم وجهها وصاحت برجاء:
-- طب أخر طلب ... أنا عايزه رِفقة تجيلي...ممكن أشوفها واتكلم معاها قولها إن أنا عيزاها ضروري.
أشار براء للعسكري بنفور:
-- خدها يا ابني الحبس .. إنتِ بكرا هتتعرضي على النيابة يا ست إنتِ وابقي قولي إللي إنتِ عيزاه.
جذبها العسكري من الأصفاد وصراخها المعترض يملأ أركان المكان.
تشعر وكأن مسّ من جنون أصابها.
في وسط الظلام كانا يجلسان أسفل الشجرة أعينهما سابحة في شرود بعيد جدًا وكأنهم ليسوا بالواقع .. وهم بالفعل ليسوا بالواقع.
التيهة مرتسمة على وجههم وأيامهم عنوانها المجهول كما كانت منذ عشر سنوات إلى الآن.
ما يدل أنهم مازالوا على قيد الحياة، أنفاسهم المنتظمة وأعينهم التي ترجف بين الحين والآخر.
بالداخل أمام أحد النوافذ قالت إحدى العاملات لصديقتها:
-- روحي يا بنتي جبيهم من البرد علشان يناموا، دول لو فضلوا الليل كله كدا مش هيتحركوا.
قالت صديقتها باشفاق:
-- الله يكون في عونهم، شوفي بقالهم كام سنة على نفس الحال من وقت ما وصلوا دار الرعاية لا فاكرين هما مين ولا ظهر لهم حد .. يا ترى أيه إللي حصلهم وصلهم لكدا.
سؤال بنسأله من عشر سنين وحالتهم لسه زي ما هيّا مش بتتحسن.
أيدتها الأخرى بعطف:
-- لولا السلسلة إللي في رقبة الست مكوناش حتى عرفنا اسماءهم.
يــحـيــى ونــــــــرجــس.