تحميل رواية «وعد ريان» PDF
بقلم اسماء حميده
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي راقي من أحياء القاهرة. تتسلل أشعة الشمس من نافذة إحدى الغرف لتداعب أهداب عينين زرقاويتين فتتململت صاحبتها لتضع كفها في محاولة لمنع وصول أشعة الشمس لها. طرق على باب الغرفة لتنتبه وعد، فاستقامت بجذعها سامحة للطارق بالدخول، وما هي إلا مربيتها السيدة نجوى والتي تدعوها وعد بأمي أو نوجة. هي تلك الرءوم التي عملت على رعايتها وتربيتها هي وأختها همس منذ أن كانت في الثانية عشر من عمرها وطالما أحست معها بحنان الأم الذي حرمت منه وهي فتاة صغيرة. وما إن ولجت السيدة نجوى غرفة وعد حتى أشرق وجه من كانت غافي...
رواية وعد ريان الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماء حميده
بعد استدعاء الصقر لمسعدة، ومشوراتها في أمر زواجها من الطبيب منصور، لم يصدر منها أي ردة فعل تنم عن الرفض أو القبول.
فقال صقر ناهياً الأمر:
"السكوت علامة الرضا، نجروا الفاتحة."
فقال منصور:
"يا صقر باشا، الأمور ما تتاخدش كده، إحنا ندي العروسة مهلة قيمة شهر، شهرين كده تفكر، وأكون أنا كمان جهزت نفسي."
وخفض صوته، "أو خلعت."
فقال صقر:
"تجهز إيه؟ إنت مش جولت إنك هتاخد الإجازة علشان تتجوز؟ وبعدين الدار اللي إنت قاعد فيها آني اللي مخصصها سكن مغتربين، وبقولك دي هدية مني لمسعدة، وهكتبها باسمها، وفرحكم هيكون معايا أنا وماجد، وبكرة تاخد عروستك وتتدلى المركز تجيبوا الشبكة."
ثم وجه الصقر حديثه لمسعدة:
"جولتي إيه يا عروسة؟"
أجابت مسعدة بما جعل منصور على وشك البكاء:
"اللي تشوفه يا كبير."
فعندما دخلت مسعدة مع أخيها همام، ووجدت الطبيب منصور لدى كبيرهم صقر الزيدي، الذي تتحاكى كل فتيات الكفر عن وسامته، وتعني هنا منصور، فالصقر لا خلاف عليه. وخفة ظله المعهودة والتي جعلت منه محور لحديث أهل الكفر، وحلم للعديد من فتيات البلدة، فهو حقًا وسيم ومحبوب من كل أهل الجهة والجهات المجاورة.
كما إنها تراه كل يوم في الصباح الباكر عندما تتوجه إلى عملها، فيكون هو في تلك الأثناء متوجهًا بدوره إلى الوحدة الصحية التي يتوافد إليها عددًا لا بأس به من الجماهير. وبالطبع هو لا يعرفها من جهة نقابها، ومن جهة أخرى ليس لها تعامل معه. أما من حيث الجماهير المتوافدة على الوحدة، فمنهم من يأتيه لعلة أو مرض، ومنهن من تأتي لتعرض حالها لعله يفكر بها كزوجة، ومنهم من طلب يده لابنته أو إحدى أقاربه، من باب المثل الذي أعمله الصقر حين طلبها إليه، وحالها كحال معظم الفتيات في البلدة، كبيرها هو من يقرر وهي امتثلت لأوامر الكبير.
فعندما أتت مع أخيها لم تكن تتوقع أن الصقر يستدعيها لهذا الأمر، فإذا كان الصقر يفوق منصور وسامة، إلا أن منصور بروحه المرحة، وتواضعه، وشخصه الهين اللين، طيب المعشر، يجعل منه حلمًا لها تتمنى تحقيقه.
وبعد إجابتها تلك أنهت حجة منصور بالتمهل.
رفع الجميع كفوفهم تأهبًا لقراءة الفاتحة، إلا منصور.
فمال عليه الصقر قائلاً:
"جرالك إيه يا دكتور؟ ما تجرا الفاتحة، ولا ما حافظهاش؟"
فقال منصور:
"لا حفظها، بس عندي ظروف."
بعدم استيعاب، قال الصقر:
"بتجول إيه إنت؟"
ثم استكمل مستدركاً بتسلية:
"طب مش كنت تجول من الأول، كنا خطبناك لهمام؟"
منصور بعد ما توصل إلى ما يرنو إليه الصقر:
"لا، لا، لا، أنا راجل أوي على فكرة."
كانت مسعدة تستشعر نفوره منها منذ قدومها، ولكن بات حدثها يقينًا عند امتناعه عن تلاوة الفاتحة، وجدال الصقر معه بصوت خفيض، وباتت تتساءل إذا كان لا يرغب بالزواج منها، فلماذا تحدث الصقر بهذا الشأن؟ ولماذا أرسل إليها من الأساس؟
رفع منصور كفيه مجبرًا لقراءة الفاتحة، والتي تمنى أن تكون تلك الفاتحة على قبره، وروحه هي من تقرأها عوضًا عن قراءة فتحته على مسعدة أخت همام، ولكن مهلاً، لن يستسلم، سيفكر في خطة محكمة للفرار.
وبعد الانتهاء من قراءة الفاتحة.
قال منصور:
"طب يا جماعة بالإذن أنا بقى علشان ألحق أحضر نفسي."
قال صقر مربتًا على كتفه:
"ما هينفعش تروح."
لما كل خططه تبوء بالفشل بسبب هذا اللئيم؟ أم إنه بات مكشوفًا له.
قال منصور بارتياب هامسًا للصقر:
"ليه بس حضرتك؟ فاتحة وقرينا! إيه هنقرأ القرآن كله؟ ولا هتبقى فاتحة، وكتب كتاب، ودخلة الليلة دي؟ ولا إيه؟ كده كتير على فكرة، هي العروسة معيوبة؟ ما تقولي اللي فيها؟"
قال صقر:
"معيوبة ده إيه؟ دي زينة البنات."
ثم رفع صقر صوته:
"أما بخصوص كتب الكتاب، والدخلة ما تستعجلش عاد، وبردك ما هينفعش تروح النهاردة، لأن من الفجر هبعت نفرين يفضوا الدار؛ عشان في عمال هتروح تظبط المطرح، نجاشة ولوازمه، وهبقى أخليهم يعملوا لك كشف حساب يا عريس."
قال منصور بهمس:
"طب مين هيحاسبني أنا على الطلعة دي؟ ده أنا هخدم البشرية خدمة عمرها، وهضحي بنفسي من أجل الآخرون."
قال الصقر بهمس مماثل:
"اللي عند ربنا ما بيروحش."
ثم رفع صوته قائلاً:
"همام ابعت عوض دار الدكتور، قصدي دار خيتك."
مربتًا على كتف منصور بعنف مما جعل الآخر يرتد إلى الأمام فكاد أن ينكفأ على وجهه، سائلًا بقوة:
"يجيب شنطة أبو نسب، هتلاقيها جار الباب طوالي، وخليه يحطها له في الأوضة اللي جار البوابة الجبلية عشان يبقى هو كمان جاري، واطمن عليه في الروحة والجايه."
واستدار موجهًا حديثه لمسعدة:
"وإنتي يا عروسة، اعتبري حالك في إجازة مفتوحة من المستشفى، وبكرة من النجمة تيجيبي اللي يلزمك من دار أخوكي، وتاجي تجعدي هنا مع البنات عشان تنزلوا تشتروا لوازم الفرح، وما تعوليش هم أي حاجة."
قالت مسعدة:
"تشكر يا كبير، بس أنا شايفة قرشين ورثي من حتة الأرض اللي أبوي الله يرحمه فاتها، من لما حضرتك جلت لي إن مصاريف علامي حضرتك متكفل بيها، وأخوي الله يكرمه رفض إني أساعده بأي حاجة منهم، ولا أحط مليم أحمر في الدار لا من فلوس ورثي ولا فلوس شغلي."
قال الصقر:
"معوزش حديد كتير، خلص الكلام، روح يا همام روّح خيتك عشان تحضر حالها، وتاجي الصبح عشان تروح مع عريسها تجيب الشبكة، وإنت كمان بكرة إجازة عشان تروح إمعاهم، ما هيصحش يروحوا لحالهم."
تمتم منصور:
"روح يا شيخ، إلهي يخرب بيتك، خراب مستعجل بعلم الوصول."
***
عند مصطفى وهمس.
بعدما أغلقت معه الهاتف بحجة أن أختها على الانتظار، أخذت الأفكار تتزاحم بمخيلته.
فقد كانت والدته دائمة الحديث عن كلتيهما، همس ووعد، ولكن من كانت يجذبه الحديث عنها هي تلك الليدي همس، فباتت أحاديث السمر بينه وبين والدته عنها، مع ذكر القليل عن وعد، ومن بين تلك الأحاديث التي كانت تقصها والدته، بات مكونًا فكرة عن شخصية وعد، فهي فتاة قوية الشخصية، وبنت بلد، وأكثر نضوجًا، بحكم أنها تكبر همس بعامين إلى جانب دراستها في جامعة حكومية، فقد تشربت شخصيتها طبقات عدة، وتعرفت أشخاص مختلفي الطباع.
كما أن همسه تحتكم لرأيها بكل كبيرة وصغيرة، وأن الفتاتين مخزن لأسرار كلٌ لنظيرتها، فماذا لو أرادت وعد إبقاء جنيتها جوارها، وحرمته رؤياها، والأخطر إذا علمت وعد بزواجهما، وكيف تم؟ وتحت أي ظروف وقع؟ فماذا سيكون رد فعلها؟ هل ستقلب كفة ميزانه التي رجحت، بعدما مَنَّ عليه الحظ بها، وابتسمت له الحياة أخيرًا.
خاصةً وأن كل شيء جاء سريعًا، فلقد التقاها منذ يومين فقط، واليوم أصبحت زوجته، ويالا سوء حظه، فبنفس اليوم تأتيه مكالمة وعد تلك التي ستقضي على ما كان موشكًا لرسمه لحياته معها.
وبعدما كان مصطفى يستعد للنوم، فقد قاربت الساعة على الحادية عشر ليلاً، وقد هبط والده إلى شقة البدروم ودخل الغرفة الأخرى لينام آخذًا قسطًا من الراحة.
أما هو قام بارتداء ملابسه، وخرج يجلس في المقهى المقابل للمنزل، في موقع يجعله مراقبًا لبوابة البناية، فبدا كحارس أمن، أو أمينًا لأحد المخازن، فهو يخشى أن تأتي تلك السيارة التي ذكرتها جنيته بتوكيل من أختها، وتحرمه نعيمه الذي لم يتذوق منه سوى قطرة.
جاء إليه نادل المقهى.
قال النادل:
"إيه يا معلمي؟ صاحي لغاية دلوقتي يعني؟"
قال مصطفى:
"اكتم يا حوكة، عشان شياطيني حاضرة، ومش عاوز أعملها معك، روح هات لي قهوة دوبل."
لم يتفوه العامل بكلمة، وأسرع يحضر ما طلبه مصطفى، اتقاءً لشياطينه الحاضرة، فهو بالرغم من رباطة جأشه، إلا أن غضب مصطفى جحيمي.
بقى مصطفى هكذا تتلقفه الأفكار مبتلعة إياه داخل دوامتها، وعبارات عدة تجول برأسه بدايتها جميعًا "ماذا لو....."
وفي تلك الأثناء، مر عليه أحدهم وهو المعلم سلطان أحد سماسرة الشقق والعقارات.
قام المعلم سلطان بإلقاء التحية على رواد المقهى وخص مصطفى بالذكر.
قال المعلم سلطان:
"سامو عليكم يا رجالة، أحلى مسا عليك يا درش."
قال مصطفى منتبهًا:
"أحلى مسا عليك يا سلطة، اسحب لك كرسي وتعالى عاوزك في مصلحة."
جذب المعلم سلطان أحد كراسي المقهى، وهو يجالس مصطفى على نفس المنضدة.
قال المعلم سلطان:
"أؤمر يا درش؟"
قال مصطفى بحماس:
"ما يأمرش عليك ظالم، بص يا سلطة عاوزك تشوف لي شقة تكون قريبة من هنا، بس يكون ريحها حلو، وبراح ومش مجروحة، وما يكونش فيها شغل كتير، ويستحسن استلمها على السكن على طول، وآه تكون في شارع عمومي مش في الزحانيق."
قال المعلم سلطان:
"إنت عاوز شقة الأحلام بقى يا درش؟ ويا ترى عاوزها تمليك ولا إيجار؟"
قال مصطفى:
"لا يا سلطة، إيجار إيه، توتو على كبوته، بس تراعي الديشة في السعر حبتين."
قال سلطان:
"عينينا ليك يا ديشة."
قال مصطفى:
"ده العشم بردو يا سلطة، بقولك عاوز حاجة مرتاحة مش أي كلام، ولو في حاجة تحت إيدك، يبقى نعتمد ونروحوا نعاينوها وقتي."
قال المعلم سلطان:
"إيه يا معلم ديشة؟ داخل سخن يعني؟ ويا ترى عايز الشقة بالعروسة ولا من غير؟"
قال مصطفى:
"لا يا سلطة، أنت المطلوب، وسيب الطلعة بتاعت العروسة دي علينا."
المعلم سلطان وهو ينتصب واقفًا:
"طب يلا بينا فيه شقة في شارع.....، صاحبها لسه ملغيني النهاردة الضهرية عليها، عاوز يبيعها عشان جات له سفرية برة وهيهبأ، وكان شاريها عشان يتجوز فيها وموضبها، بس أهل العروسة بتاعته أما عرفوا إنه هيطير على برة، أجلوا الفرح عشان ما يتجوزش البت ويسيبها لوحدها ويسافر، وما رضوش يخلّوه ياخدها معاه، أصلها وحيدة أمها وأبوها."
مصطفى بضجر من كثرة حديثه، فما يشغل باله الآن أبعد من ثرثرة سلطان، وأسباب صاحب الشقة.
فهو متخوف من ترك نوبة حراسته، فيعود ويجدها قد رحلت، ويريد أن يذهب لرؤية الشقة وإذا توفرت بها المواصفات المطلوبة، سيمضي عقدها اليوم.
وضع يده يؤمن على حافظة نقوده بجيبه، ففيها بطاقة الائتمان الخاصة به، والذي كان يدخر بها كل قرش يفيض من أجره أثناء عمله وهو طالب بكلية التجارة، وقد كان يعمل إلى جانب دراسته كعامل معمار مع والده، قبل أن يقوموا بشراء ذلك المحل حتى يُكَوِّنوا ما يكفي لشرائه، وادخر ما تبقى في تلك البطاقة، وذلك طوال عشر سنوات.
أخرج مصطفى حافظة نقوده، مؤمنًا على بطاقة الائتمان، وبطاقته الشخصية، وبطاقة همس أيضًا، والتي أعطاه إياها المحامي في القسم، بعد إتمام عقد الزواج، وهي نظرًا لحالة التيه التي تملكتها نسيت السؤال عنها، وخيرًا أنها لم تفعل.
ولكن الآن العقبة الكبرى كيف سيسيطر على الوضع حتى يعود.
فرقع مصطفى بأصابعه قائلًا:
"هي دي، ما لهاش حل تاني."
قال المعلم سلطان:
"هي إيه دي يا معلمة؟"
قال مصطفى:
"اتكى عالصبر يا سلطة، عشان إنت روشت أمي معاك، وأنا دماغي عاضضها كلب دلوقتي."
ثم رفع مصطفى صوته مناديًا:
"ولا يا حوكة."
قال عامل المقهى حوكة:
"أؤمر يا معلمة؟"
قال مصطفى:
"ناولني الجنزير (سلسلة حديدية) اللي بتقفل بيه القهوة، والقفل."
قال حوكة:
"مش مترجم يا معلم."
قال مصطفى وهو يصفع حوكة على عنقه بخفة:
"يلا الجنزير اللي بتكلبش بيه الباب لما بتقفل."
قال حوكة:
"أيوه يا معلمي، واخد بالي، ليه بقى؟"
قال مصطفى:
"يا حوكة همد إيدي عليك، روح هات اللي قلتلك عليه."
ذهب حوكة لإحضار الجنزير والقفل، وناولهما لمصطفى الذي توجه بدوره إلى بوابة البناية، بعدما أغلقها بمفتاحه، وقام بإدخال السلسلة من بين فتحات الحديد بجانبي الباب المنقسم إلى درفتين، يحكم غلق القفل على السلسلة لمنع دخول أو خروج أحد من وإلى البناية.
قال حوكة مستغربًا:
"ده ليه يا معلمة؟"
قال مصطفى:
"ما يشغلكش، مفتاح القفل ده معاك صح؟"
قال حوكة:
"أيوه يا معلمي."
وضع مصطفى يده على كتف حوكة يقوده إلى التحرك ثانية ناحية المقهى، ثم التف به ويده لا تزال على كتف الصبي، وهو يشير ناحية البوابة، موجهًا نظر الفتى إليها.
قال مصطفى:
"شايف القفل اللي في السلسلة يا حوكة؟"
قال حوكة بتساؤل:
"انهون؟"
قام مصطفى بصفعه مرة أخرى على عنقه:
"ياض اللي كلبشت بيه السلسلة."
قال حوكة:
"آه، آه شايفه يا معلم، بس خف إيدك الله يبارك لك."
قال مصطفى:
"لو القفل ده اتفتح لغاية ما أرجع، هفتح دماغ أمك 10 غرز."
قال حوكة:
"آمين يا معلمة، بس ليه بتجيب سيرة شاهنده طه؟"
قال مصطفى بعدم استيعاب:
"شاهنده مين ياض؟"
قال حوكة وهو يعدل من ياقة قميصه بزهو:
"أمي."
قال مصطفى:
"شاهنده؟ وتجيب حوكة؟ عجبتُ لك يا زمن."
مصطفى وهو يصفعه على عنقه عدة مرات بأخوة:
"مش مشكل، شاهنده، شاهنده، استبينا، المهم إني سايب مكاني أسد."
قال حوكة:
"عيب عليك يا معلمي!!"
قال مصطفى:
"طب سلام يا ابن شاهنده."
ورحل مصطفى مع المعلم سلطان إلى حيث الشقة المنشود.
***
بالإسكندرية بعدما عاد مصطفى ليلاً، وقد قام بمعاينة الشقة التي أراه إياها المعلم سلطان، وقد أعجبه كثيراً.
حقًا إنها لا تعني شيئًا مقارنة بالڤيلا التي كانت تسكنها، ولكن تلك الشقة لا بأس بها.
فقام بكتابة عقد ابتدائي، ودفع عربون (مقدم) لصاحب الشقة، واتفقوا على أن يستلم المالك باقي ثمنها عند تسجيلهم للعقد بالشهر العقاري.
ومنذ عودته وهو يجلس على إحدى درجات السلم ورأسه يميل إلى الحائط خلفه، ويرفع ساقيه يضع قدمًا فوق الأخرى على درابزين السلم، يسد الطريق على من يريد الهبوط من الطابق العلوي، وقد غفت عيناه قليلاً، ولم ينتبه سوى على صوت والده الحاج زكري ويده التي تهزه برفق، فرمش بأهدابه في محاولة منه لفتح عينيه.
قال الحاج زكري:
"إيه اللي مقعدك كده يا مصطفى يا ابني؟"
فتح مصطفى عينيه في محاولة لاستيعاب ما يقوله والده:
"أبدًا يا حاج، أصل، أصل، اسكت يا حج إنت ما تعرفش!!"
قال الحاج زكري:
"ما اعرفش إيه؟ أمك جرى لها حاجة؟"
قال مصطفى:
"لا يا حاج نوجة تمام الحمد لله."
قال الحاج زكري:
"أمال في إيه؟ وإيه اللي منيمك هنا؟"
قال مصطفى:
"أصلي بالليل سمعت دوشة كده برة على السلم، فطلعت أشوف إيه، اتخيلت بحد قلت يمكن حرامي، فقفلت البوابة، وقعدت شوية خفت ليرجع تاني، فغفلت وأنا قاعد، بس إنت صاحي بدري ليه النهاردة يا حج؟ النهاردة الجمعة."
فقال الحاج زكري:
"هطلع شوية على القهوة عقبال ما أمك والضيفة ما يصحوا، وأجيب فطار سخن من عربية الفول ونفطروا كلنا سوى، خش إنت رايح جتك شوية من النومة دي."
قال مصطفى بتسرع:
"لا أنا مرتاح كده."
قال الحاج زكري:
"اللي هو إزاي يعني؟ ما لك يا مصطفى؟ حالك مش عاجبني اليومين دول؟"
مصطفى منتهزًا تلك الفرصة ليمهد لوالده، فإذا كانت والدته تعلم بإعجابه بها، فلا ضير من إعلام والده بالأمر.
قال مصطفى غامزًا لوالده بابتسامة:
"أقول لك إيه بس يا حاج؟ إبنك باين عليه وقع ولا حدش سمى عليه."
قال الحاج زكري بعد فهمه لمغزى حديث ولده:
"ودي مين سعيدة الحظ اللي وقعت زينة شباب الحتة؟"
اقترب مصطفى يقبل يد والده باحترام، وقام الحاج زكري بالتربيت على ظهر ولده بحنو.
قال مصطفى:
"ربنا يعزك يا حاج ويديك الصحة ويطول لنا في عمرك."
قال الحاج زكري:
"ما تاخدنيش في دوكة، مين دي اللي عليها القصد والنية؟"
قال مصطفى مشيرًا إلى أعلى:
"الحورية اللي حطت علينا من الجنة."
قال الحاج زكري باستحسان:
"براوه عليك يا درش، نمس زي أبوك."
قال مصطفى وهو يشيح بيده:
"ما تزيطش بقى يا حاج، إيش جاب نوجة لسد النهضة؟"
قال الحاج زكري وهو ينكزه في كتفه بمرح:
"عندك حق يا ديشة."
قال مصطفى بغيرة:
"جرى إيه يا حاج؟ إحنا هنقطع على بعض ولا إيه؟ والمصحف أسيح لك عند نوجة؟"
قال الحاج زكري:
"قلبك أبيض يا درش، دي نوجة دي حتة من قلبي."
قال مصطفى مصفقًا بيديه:
"حلاوتك يا حاج 👏."
قال الحاج زكري غامزًا:
"هروح أنا وأنت خش بقى، شكل الحرامي مش نازل دلوقتي، مش ده بردو الحرامي اللي إنت ضربت عشانه الوالد جنش، وعبد الرحمن صاحبك؟"
قال مصطفى وهو يحك مؤخرة عنقه بارتباك مطأطئًا رأسه:
"هوه يا حاج."
قال الحاج زكري وهو ممسكًا بكم قميص مصطفى الأبيض:
"وهو بردو اللي إنت لابس له الحتة البيضا دي، وحلق له و متقمع؟"
قال مصطفى:
"حصل يا حاج."
قال الحاج زكري:
"وهوه......."
قال مصطفى مقاطعًا:
"اتكل على الله انت يا حاج."
خرج الحاج زكري بعد مشاكسته لولده مصطفى، وأخذ الآخر ينفض ثيابه من أثر جلوسه على الدرج يهندم من ياقة قميصه، مرجعًا شعره إلى الخلف. وهو يخرج هاتفه ليحدثها فاستمع إلى صوت بوق سيارة بالخارج، وفي نفس تلك اللحظة استمع لصوت فتح باب الشقة العلوية.
فبعد طرد ريان لصابحة بوقت قصير.
ذكرته وعد بوعده لها ليلاً، بأنه سيتواصل مع مكتب تأجير السيارات الذي تعامل معه ماجد ليرسل سيارة بسائقها لهمس.
فقام ريان بمحادثة ماجد الذي ما أن استمع إلى رنين هاتفه، خرج إلى الشرفة ليحادث ريان كي لا يقلق صغيرته، وقد علم ريان منه كيفية التواصل مع هذا المكتب مسجلًا الرقم على هاتفه، وقد أخبره ماجد بأن يوافبه إلى الحديقة بعد قليل لأمر هام.
وها قد وصلت السيارة، بعدما هاتفت وعد أختها تعلمها بالأمر، وإعطائها رقم السائق للتواصل معه، ومدّه بالمعلومات عن اللوكيشن، وعندما جاءت همس لتهبط الدرج، وجدت من ينتظرها أسفله بهيئته المهندمة تلك وذقن حليق بطلة رجولية جذابة.
اهتز ثباتها، وأخذت تهبط درجات السلم بارتباك واضح، وما إن أصبحت في مقابلته، حتى.......
رواية وعد ريان الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماء حميده
بعد استدعاء الصقر لمسعدة، ومشوراتها في أمر زواجها من الطبيب منصور، لم يصدر منها أي ردة فعل تنم عن الرفض أو القبول.
فقال صقر ناهياً الأمر:
"السكوت علامة الرضا، نجروا الفاتحة."
اعترض منصور:
"يا صقر باشا، الأمور ما تتاخدش كده، إحنا ندي العروسة مهلة قيمة شهر، شهرين كده تفكر، وأكون أنا كمان جهزت نفسي."
ثم خفض صوته:
"أو خلعت."
قال صقر:
"تجهز إيه؟ إنت مش جولت إنك هتاخد الإجازة علشان تتجوز؟ وبعدين الدار اللي إنت قاعد فيها آني اللي مخصصها سكن مغتربين، وبأقولك دي هدية مني لمسعدة، وهكتبها باسمها. وفرحكم هيكون إمعاي أنا وماجد، وبكرة تاخد عروستك وتتدلى المركز تجيبوا الشبكة."
الصقر موجهًا حديثه لمسعدة:
"جولتي إيه يا عروسة؟"
أجابت مسعدة بما جعل منصور على وشك البكاء:
"اللي تشوفه يا كبير."
فعندما دخلت مسعدة مع أخيها همام، ووجدت الطبيب منصور لدى كبيرهم صقر الزيدي، الذي تتحاكى كل فتيات الكفر عن وسامته - وتعني هنا منصور، فالصقر لا خلاف عليه - وخفة ظله المعهودة والتي جعلت منه محور لحديث أهل الكفر، وحلم للعديد من فتيات البلدة، فهو حقًا وسيم ومحبوب من كل أهل الجهة والجهات المجاورة.
كما إنها تراه كل يوم في الصباح الباكر عندما تتوجه إلى عملها، فيكون هو في تلك الأثناء متوجهًا بدوره إلى الوحدة الصحية التي يتوافد إليها عددًا لا بأس به من الجماهير. وبالطبع هو لا يعرفها من جهة نقابها، ومن جهة أخرى ليس لها تعامل معه. أما من حيث الجماهير المتوافدة على الوحدة، فمنهم من يأتيه لعلة أو مرض، ومنهن من تأتي لتعرض حالها عله يفكر بها كزوجة، ومنهم من طلب يده لإبنته أو إحدى أقاربه، من باب المثل الذي أعمله الصقر حين طلبها إليه، وحالها كحال معظم الفتيات في البلدة، كبيرها هو من يقرر، وهي امتثلت لأوامر الكبير.
فعندما أتت مع أخيها لم تكن تتوقع أن الصقر يستدعيها لهذا الأمر، فإذا كان الصقر يفوق منصور وسامة، إلا أن منصور بروحه المرحة، وتواضعه، وشخصه الهين اللين، طيب المعشر، يجعل منه حلم لها تتمنى تحقيقه.
وبعد إجابتها تلك أنهت حجة منصور بالتمهل.
رفع الجميع كفوفهم تأهبًا لقراءة الفاتحة، إلا منصور.
فمال عليه الصقر قائلاً:
"جرالك إيه يا دكتور؟ ما تجرا الفاتحة، ولا ما حافظهاش؟"
منصور:
"لا حفظها، بس عندي ظروف."
الصقر بعدم استيعاب:
"بتجول إيه إنت؟"
ثم استكمل مستدركاً بتسلية:
"طب مش كنت تجول من الول كنا خطبناك لهمام؟"
منصور بعد ما توصل إلى ما يرنو إليه الصقر:
"لا، لا، لا، أنا راجل أوي على فكرة."
كانت مسعدة تستشعر نفوره منها منذ قدومها، ولكن بات حدثها يقينًا عند امتناعه عن تلاوة الفاتحة، وجدال الصقر معه بصوت خفيض، وباتت تتساءل إذا كان لا يرغب بالزواج منها، فلماذا تحدث الصقر بهذا الشأن؟ ولماذا أرسل إليها من الأساس؟
رفع منصور كفيه مجبرًا لقراءة الفاتحة، والتي تمنى أن تكون تلك الفاتحة على قبره، وروحه هي من تقرأها عوضًا عن قراءة فتحته على مسعدة أخت همام، ولكن مهلاً، لن يستسلم، سيفكر في خطة محكمة للفرار.
وبعد الانتهاء من قراءة الفاتحة.
منصور:
"طب يا جماعة بالإذن أنا بقى علشان ألحق أحضر نفسي."
الصقر مربتًا على كتفه:
"ما هينفعش تروح."
لما كل خططه تبوء بالفشل بسبب هذا اللئيم؟ أم إنه بات مكشوفًا له.
منصور بارتياب هامسًا للصقر:
"ليه بس حضرتك؟ فاتحة وقرينا! إيه هنقرأ القرآن كله؟ ولا هتبقى فاتحة، وكتب كتاب، ودخلة الليلة دي؟ ولا إيه؟ كده كتير على فكرة، هي العروسة معيوبة؟ ما تقولي اللي فيها؟"
صقر:
"معيوبة ده إيه؟ دي زينة البنات."
ثم رفع صقر صوته:
"أما بخصوص كتب الكتاب، والدخلة ما تستعجلش عاد، وبردك ما هينفعش تروح النهاردة، لأن من الفجر هبعت نفرين يفضوا الدار؛ عشان في عمال هتروح تظبط المطرح، نجاشة ولوازمه، وهبقى أخليهم يعملوا لك كشف حساب يا عريس."
منصور بهمس:
"طب مين هيحاسبني أنا على الطلعة دي؟ ده أنا هخدم البشرية خدمة عمرها، وهضحي بنفسي من أجل الآخرون."
الصقر بهمس مماثل:
"اللي عند ربنا ما يروحش."
ثم رفع صوته قائلاً:
"همام ابعت عوض دار الدكتور، قصدي دار خيتك."
مربتًا على كتف منصور بعنف مما جعل الآخر يرتد إلى الأمام فكاد أن ينكفأ على وجهه، سائلًا بقوة:
"يجيب شنطة أبو نسب، هتلاقيها جار الباب طوالي، وخليه يحطها له في الأوضة اللي جار البوابة الجبلية عشان يبقى هو كمان جاري، واطمن عليه في الروحة والجايه."
واستدار موجهًا حديثه لمسعدة:
"وإنتي يا عروسة، اعتبري حالك في إجازة مفتوحة من المستشفى، وبكرة من النجمة تجيبي اللي يلزمك من دار أخوكي، وتيجي تقعدي هنا مع البنات؛ عشان تنزلوا تشتروا لوازم الفرح، وما تعوليش هم أي حاجة."
مسعدة:
"تشكر يا كبير، بس أنا عاينة جرشات ورثي من حتة الأرض اللي أبوي الله يرحمه فاتها، من لما حضرتك جلت لي إن مصاريف علامي حضرتك متكفل بيها، وأخوي الله يكرمه رفض إني أساعده بأي حاجة منهم، ولا أحط مليم أحمر في الدار لا من فلوس ورثي ولا فلوس شغلي."
صقر:
"معوزش حديث كتير، خلص الكلام. روح يا همام روّح خيتك عشان تحضر حالها، وتيجي الصبح؛ عشان تروح مع عريسها تجيب الشبكة، وإنت كمان بكرة إجازة؛ عشان تروح إمعهم، ما يصحش يروحوا لحالهم."
منصور متمتمًا:
"روح يا شيخ، إلهي يخرب بيتك، خراب مستعجل بعلم الوصول."
عند مصطفى وهمس.
بعدما أغلقت معه الهاتف بحجة أن أختها على الانتظار، أخذت الأفكار تتزاحم بمخيلته.
فقد كانت والدته دائمة الحديث عن كلتيهما، همس ووعد، ولكن من كانت يجذبه الحديث عنها هي تلك الليدي همس، فباتت أحاديث السمر بينه وبين والدته عنها، مع ذكر القليل عن وعد. ومن بين تلك الأحاديث التي كانت تقصها والدته، بات مكونًا فكرة عن شخصية وعد، فهي فتاة قوية الشخصية، وبنت بلد، وأكثر نضوجًا، بحكم أنها تكبر همس بعامين إلى جانب دراستها في جامعة حكومية، فقد تشربت شخصيتها طبقات عدة، وتعرفت أشخاص مختلفي الطباع.
كما أن همسه تحتكم لرأيها بكل كبيرة وصغيرة، وإن الفتاتين مخزن لأسرار كلٌ لنظيرتها، فماذا لو أرادت وعد إبقاء جنيته جوارها، وحرمته رؤياها؟ والأخطر إذا علمت وعد بزواجهما، وكيف تم؟ وتحت أي ظروف وقع؟ فماذا سيكون رد فعلها؟ هل ستقلب كفة ميزانه التي رجحت، بعدما مَنَّ عليه الحظ بها، وابتسمت له الحياة أخيراً.
خاصةً وأن كل شيء جاء سريعًا، فلقد التقاها منذ يومين فقط، واليوم أصبحت زوجته، ويا لسوء حظه، فبنفس اليوم تأتيه مكالمة وعد تلك التي ستقضي على ما كان موشكًا لرسمه لحياته معها.
وبعدما كان مصطفى يستعد للنوم، فقد قاربت الساعة على الحادية عشر ليلاً، وقد هبط والده إلى شقة البدروم ودخل الغرفة الأخرى لينام آخذًا قسطًا من الراحة.
أما هو، قام بارتداء ملابسه، وخرج يجلس في المقهى المقابل للمنزل، في موقع يجعله مراقبًا لبوابة البناية، فبدا كحارس أمن، أو أمينًا لأحد المخازن، فهو يخشى أن تأتي تلك السيارة التي ذكرتها جنيته بتوكيل من أختها، وتحرمه نعيمه الذي لم يتذوق منه سوى قطرة.
جاء إليه نادل المقهى.
النادل:
"إيه يا معلمي؟ صاحي لغاية دلوقتى يعني؟"
مصطفى:
"اكتِم يا حوكة؛ عشان شياطيني حاضرة، ومش عاوز أعملها معك. روح هات لي قهوة دوبل."
لم يتفوه العامل بكلمة، وأسرع يحضر ما طلبه مصطفى، اتقاءً لشياطينه الحاضرة، فهو بالرغم من رباطة جأشه، إلا أن غضب مصطفى جحيمي.
بقي مصطفى هكذا تتلقفه الأفكار مبتلعة إياه داخل دوامتها، وعبارات عدة تجول برأسه بدايتها جميعًا: ماذا لو.....
وفي تلك الأثناء، مر عليه أحدهم وهو المعلم سلطان، أحد سماسرة الشقق والعقارات.
قام المعلم سلطان بإلقاء التحية على رواد المقهى وخص مصطفى بالذكر.
المعلم سلطان:
"سامو عليكوا يا رجالة، أحلى مسا عليك يا درش."
مصطفى منتبهًا:
"أحلى مسا عليك يا سُلْطة، اسحب لك كرسي وتعالى عاوزك في مصلحة."
جذب المعلم سلطان أحد كراسي المقهى، وهو يجالس مصطفى على نفس المنضدة.
المعلم سلطان:
"أؤمر يا درش؟"
مصطفى بحماس:
"ما يأمرش عليك ظالم. بص يا سُلْطة، عاوزك تشوف لي شقة تكون قريبة من هنا، بس يكون ريحها حلو، وبراح ومش مجروحة (يعني هنا أن بها بعض الخصوصية، أي لا تكن منافذها مكشوفة للجيران، أصله بيغير على المزة 😂) وما يكونش فيها شغل كتير، ويستحسن استلمها على السكن على طول، وآه تكون في شارع عمومي مش في الزقانيق (يعني شوارع جانبية)."
المعلم سلطان:
"إنت عاوز شقة الأحلام بقى يا درش؟ ويا ترى عاوزها تمليك ولا إيجار؟"
مصطفى:
"لا يا سُلطة، إيجار إيه، توتو على كبوته، بس تراعي الديشة في السعر حبتين."
سلطان:
"عينينا ليك يا ديشة."
مصطفى:
"ده العشم بردو يا سُلطة. بقولك عاوز حاجة مرتاحة مش أي كلام، ولو في حاجة تحت إيدك، يبقى نعتمد ونروحوا نعينوها وقتي."
المعلم سلطان:
"إيه يا معلم ديشة؟ داخل سخن يعني؟ ويا ترى عايز الشقة بالعروسة ولا من غير؟"
مصطفى:
"لا يا سُلطة، أنت اللي مطلوب، وسيب الطلعة بتاعت العروسة دي علينا."
المعلم سلطان وهو ينتصب واقفاً:
"طب يلا بينا فيه شقة في شارع.....، صاحبها لسه ملغيني النهاردة الضهرية عليها، عاوز يبيعها عشان جات له سفرية برة وهيهبأ، وكان شاريها عشان يتجوز فيها وموضبها، بس أهل العروسة بتاعته أما عرفوا إنه هيطير على برة، أجلوا الفرح عشان ما يتجوزش البت ويسيبها لوحدها ويسافر، وما رضوش يخلّوه ياخدها معاه، أصلها وحيدة أمها وأبوها."
مصطفى بضجر من كثرة حديثه، فما يشغله باله الآن أبعد من ثرثرة سلطان، وأسباب صاحب الشقة.
فهو متخوف من ترك نوبة حراسته، فيعود ويجدها قد رحلت، ويريد أن يذهب لرؤية الشقة وإذا توفرت بها المواصفات المطلوبة، سيمضي عقدها اليوم.
وضع يده يؤمن على حافظة نقوده بجيبه، ففيها بطاقة الائتمان الخاصة به، والذي كان يدخر بها كل قرش يفيض من أجره أثناء عمله وهو طالب بكلية التجارة، وقد كان يعمل إلى جانب دراسته كعامل معمار مع والده، قبل أن يقوموا بشراء ذلك المحل حتى يُكَوِّنوا ما يكفي لشرائه، وادخر ما تبقى في تلك البطاقة، وذلك طوال عشر سنوات، فكان يحلم بشراء سيارة فاخرة، بعدما استقرت حالتهم المادية في الآونة الأخيرة، فلدي منزل دورين، ومحل كبير لمواد البناء ومستلزماته وهو يُدر عليهم ربحًا كثيرًا، مما جعله طوال العامين الماضيين يلح على والدته بترك العمل، ولكنها كانت تتمسك بأمانة صديقتها، وللحق شكر مصطفى الله، أنها لم تفعل.
أخرج مصطفى حافظة نقوده، مؤمنًا على بطاقة الائتمان، وبطاقته الشخصية، وبطاقة همس أيضًا، والتي أعطاه إياها المحامي في القسم، بعد إتمام عقد الزواج، وهي نظرًا لحالة التيه التي تملكتها نسيت السؤال عنها، وخيرًا أنها لم تفعل.
ولكن الآن العقبة الكبرى، كيف سيسيطر على الوضع حتى يعود.
فرقع مصطفى بأصابعه قائلاً:
"هي دي، ما لهاش حل تاني."
المعلم سلطان:
"هي إيه دي يا معلمة؟"
مصطفى:
"اتكي عالصبر يا سُلْطة، عشان إنت روشت أمي معاك، وأنا دماغي عاضضها كلب دلوقتي."
ثم رفع مصطفى صوته مناديًا:
"ولا يا حوكة."
عامل المقهى حوكة:
"أؤمر يا معلمة؟"
مصطفى:
"ناولني الجنزير (سلسلة حديدية) اللي بتقفل بيه القهوة، والقفل."
حوكة:
"مش مترجم يا معلم."
مصطفى وهو يصفع حوكة على عنقه بخفة:
"يلا الجنزير اللي بتكلبش بيه الباب لما بتقفل."
حوكة:
"أيوه يا معلمي، واخد بالي، ليه بقى؟"
مصطفى:
"يا حوكة همد إيدي عليك، روح هات اللي قولتلك عليه."
ذهب حوكة لإحضار الجنزير والقفل، وناولهما لمصطفى الذي توجه بدوره إلى بوابة البناية، بعدما أغلقها بمفتاحه، وقام بإدخال السلسلة من بين فتحات الحديد بجانبي الباب المنقسم إلى درفتين، يحكم غلق القفل على السلسلة لمنع دخول أو خروج أحد من وإلى البناية.
حوكة مستغرباً:
"ده ليه يا معلمة؟"
مصطفى:
"ما يشغلكش، مفتاح القفل ده معاك صح؟"
حوكة:
"أيوه يا معلمي."
وضع مصطفى يده على كتف حوكة يقوده إلى التحرك ثانية ناحية المقهى، ثم التف به ويده لا زالت على كتف الصبي، وهو يشير ناحية البوابة، موجهًا نظر الفتى إليها.
مصطفى:
"شايف القفل اللي في السلسلة يا حوكة؟"
حوكة بتساؤل:
"انهون؟"
قام مصطفى بصفعه مرةً أخرى على عنقه:
"ياض اللي كلبشت بيه السلسلة."
حوكه:
"آه، آه شايفه يا معلم، بس خف إيدك الله يبارك لك."
مصطفى:
"لو القفل ده اتفتح لغاية ما ارجع، هفتح دماغ أمك 10 غرز."
حوكة:
"آمين يا معلمة، بس ليه بتجيب سيرة شاهنده طه؟"
مصطفى بعدم استيعاب:
"شاهنده، مين ياض؟"
حوكة وهو يعدل من ياقة قميصه بزهو:
"أمي."
مصطفى:
"شاهنده؟ وتجيب حوكة؟ عجبتُ لك يا زمن."
مصطفى وهو يصفعه على عنقه عدة مرات بأخوة:
"مش مشكل، شاهنده، شاهنده، استبينا، المهم إني سايب مكاني أسد."
حوكة:
"عيب عليك يا معلمي!!"
مصطفى:
"طب سلام يا ابن شاهنده."
ورحل مصطفى مع المعلم سلطان إلى حيث الشقة المنشود.
بالإسكندرية بعدما عاد مصطفى ليلاً، وقد قام بمعاينة الشقة التي أراه إياها المعلم سلطان، وقد أعجبته كثيراً.
حقًا إنها لا تعني شيئًا مقارنة بالڤيلا التي كانت تسكنها، ولكن تلك الشقة لا بأس بها.
فقام بكتابة عقد ابتدائي، ودفع عربون (مقدم) لصاحب الشقة، واتفقوا على أن يستلم المالك باقي ثمنها عند تسجيلهم للعقد بالشهر العقاري.
ومنذ عودته وهو يجلس على إحدى درجات السلم ورأسه يميل إلى الحائط خلفه، ويرفع ساقيه يضع قدمًا فوق أخرى على درابزين السلم، يسد الطريق على من يريد الهبوط من الطابق العلوي، وقد غفت عيناه قليلاً، ولم ينتبه سوى على صوت والده الحاج زكري ويده التي تهزه برفق، فرمش بأهدابه في محاولة منه لفتح عينيه.
الحاج زكري:
"إيه اللي مقعدك كده يا مصطفى يا ابني؟"
فتح مصطفى عينيه في محاولة لاستيعاب ما يقوله والده:
"أبدًا يا حاج، أصل، أصل، اسكت يا حج إنت ما تعرفش!!"
الحاج زكري:
"ما اعرفش إيه؟ أمك جرى لها حاجة؟"
مصطفى:
"لا يا حاج نوجة تمام الحمد لله."
الحاج زكري:
"أمال في إيه؟ وإيه اللي منيمك هنا؟"
مصطفى:
"أصلي بالليل سمعت دوشة كده برة على السلم، فطلعت أشوف إيه، اتخيلت بحد قلت يمكن حرامي، فقفلت البوابة، وقعدت شوية خفت ليرجع تاني، فغفلت وأنا قاعد، بس إنت صاحي بدري ليه النهاردة يا حج؟ النهاردة الجمعة."
ففي يوم الجمعة تكون عطلة المحل والمحلات المجاورة التي تعمل في هذا المجال.
الحاج زكري:
"هطلع شوية على القهوة عقبال ما أمك والضيفة ما يصحوا، وأجيب فطار سخن من عربية الفول ونفطروا كلنا سوى، خش إنت رايح جتتك شوية من النومة دي."
مصطفى بتسرع:
"لا أنا مرتاح كده."
الحاج زكري:
"اللي هو إزاي يعني؟ ما لك يا مصطفى؟ حالك مش عاجبني اليومين دول؟"
مصطفى منتهزًا تلك الفرصة ليمهد لوالده، فإذا كانت والدته تعلم بإعجابه بها، فلا ضير من إعلام والده بالأمر.
مصطفى غامزًا لوالده بابتسامة:
"أقول لك إيه بس يا حاج؟ إبنك باين عليه وقع ولا حدش سمى عليه."
الحاج زكري بعد فهمه لمغزى حديث ولده:
"ودي مين سعيدة الحظ اللي وقعت زينة شباب الحتة؟"
اقترب مصطفى يقبل يد والده باحترام، وقام الحاج زكري بالتربيت على ظهر ولده بحنو.
مصطفى:
"ربنا يعزك يا حاج ويديك الصحة ويطول لنا في عمرك."
الحاج زكري:
"ما تاخدنيش في دوكة، مين دي اللي عليها القصد والنية؟"
مصطفى مشيرًا إلى أعلى:
"الحورية اللي حطت علينا من الجنة."
الحاج زكري باستحسان:
"براوه عليك يا درش، نمس زي أبوك."
مصطفى وهو يشيح بيده:
"ما تزيطش بقى يا حاج، إيش جاب نوجة لسد النهضة؟"
الحاج زكري وهو ينكزه في كتفه بمرح:
"عندك حق يا ديشة."
مصطفى بغيرة:
"جرى إيه يا حاج؟ إحنا هنقطع على بعض ولا إيه؟ والمصحف أسيح لك عند نوجة؟"
الحاج زكري:
"قلبك أبيض يا درش، دي نوجة دي حتة من قلبي."
مصطفى مصفقًا بيديه:
"حلاوتك يا حاج 👏."
الحاج زكري غامزاً:
"هروح أنا وأنت خش بقى، شكل الحرامي مش نازل دلوقتي، مش ده بردو الحرامي اللي إنت ضربت عشانه الوالد جنش، وعبد الرحمن صاحبك؟"
مصطفى وهو يحك مؤخرة عنقه بارتباك مطأطئًا رأسه:
"هوه يا حاج."
الحاج زكري وهو ممسكًا بكم قميص مصطفى الأبيض:
"وهو بردو اللي إنت لابس له الحتة البيضا دي، وحلق له و متقمع؟"
مصطفى:
"حصل يا حاج."
الحاج زكري:
"وهوه......."
مصطفى مقاطعًا:
"اتكل على الله انت يا حاج."
خرج الحاج زكري بعد مشاكسته لولده مصطفى، وأخذ الآخر ينفض ثيابه من أثر جلوسه على الدرج يهندم من ياقة قميصه، مرجعًا شعره إلى الخلف، فبدا زي ما حضراتكم شفتوه كده في الصورة 😂، وهو يخرج هاتفه ليحدثها فاستمع إلى صوت بوق سيارة بالخارج، وفي نفس تلك اللحظة استمع لصوت فتح باب الشقة العلوية.
فبعد طرد ريان لصابحة بوقت قصير.
ذكرته وعد بوعده لها ليلاً، بأنه سيتواصل مع مكتب تأجير السيارات الذي تعامل معه ماجد ليرسل سيارة بسائقها لهمس.
فقام ريان بمحادثة ماجد الذي ما أن استمع إلى رنين هاتفه، خرج إلى الشرفة ليحادث ريان كي لا يقلق صغيرته، وقد علم ريان منه كيفية التواصل مع هذا المكتب مسجلًا الرقم على هاتفه، وقد أخبره ماجد بأن يوافقه إلى الحديقة بعد قليل لأمر هام.
وها قد وصلت السيارة، بعدما هاتفت وعد أختها تعلمها بالأمر، وإعطائها رقم السائق للتواصل معه، ومده بالمعلومات عن اللوكيشن، وعندما جاءت همس لتهبط الدرج، وجدت من ينتظرها أسفله بهيئته المهندمة تلك وذقن حليق بطلة رجولية جذابة، يشبه في هيئته هذه الممثل الشهير.
اهتز ثباتها، وأخذت تهبط درجات السلم بارتباك واضح، وما إن أصبحت في مقابلته، حتى.......
ريان:
"إيه فيه؟ صرعتيني الله يحرجك."
رفعت وعد رأسها وهي لا تزال على ظهرها متكئة بمرفقيها على الأرض، ترفع الجزء العلوي من جسدها بمساندة ذراعيها، واضعة إحدى يديها خلف ظهرها تمسده بألم:
"يخرب بيت أمك، إنت ناطرتني النطرة دي ازاي؟!"
ريان:
"لمي لسانك اللي عاوز حشه ده، مالك بدايتها نكد على الصبح ليه يا فجرية إنتي؟"
وعد:
"هو الصراحة الحديث معك ممتع، بس مش شايف إن فيه حاجة وقعت منك؟"
ريان بأعين جاحظة وهو يضع يده ليتأكد من سرواله ظنًا منه أن هذا ما تعنيه:
"لاه ما فيش حاجة وجعت."
وعد متأففة:
"طب إيدك معايا الله يكرمك؛ عشان الفقرة التالتة والرابعة من العمود الفقري مش لاقياهم."
ريان بعدم فهم:
"بتجولي إيه إنتي؟"
وعد:
"يا عم قومني الأول، وبعدين استفسر."
مد ريان يده ليعاونها على النهوض، وهي تستند بإحدى ذراعيها إليه، والأخرى على الفراش منزلة قدمها المصابة بحرص، وما أن أجلسها على حافة الفراش، أخذت تتأكد من ملابسها، بالرغم من تأكدها التام إنه لم ولن يفعلها، كما أنها كانت نائمة، ولم تكن مخدرة، فلو حدث شيء ما كانت على الأقل تذكرته وكأنها اضغاث أحلام، ولكن هذا لا ينفي كونه شاركها الفراش.
وعد بعصبية:
"إنت إيه اللي خلاك تنام جنبي؟"
ريان بتسلية:
"نعم ياختي؟ ليه هو إنتي مش فاكرة حاجة واصل؟"
وعد بريبة أتراها أخطأت في ثقتها به؟ وقام هو باستغلالها:
"إنت تقصد إيه بالظبط؟ مش فاهمه؟"
ريان بعدما لاحظ تغير معالم وجهها:
"لاه ما جادرش أجول."
وعد وهي تلطم خديها:
"يا نهار أسود، إنت عملت إيه؟ عملت إيه؟ الله يخرب بيتك."
ريان وهو يدعي الخجل يهز رأسه يميناً ويسارًا بأسف مصطنع:
"آني ما عملتش، إنتي اللي عملتي، بعد ما اخدتي البرشام ده، اتحولتي، وقعدتي تعملي حاجات استغفر الله العظيم، وآني أجولك يا بت الناس اعجلي، تجولي ما إنت اللي مز يا ريو، يا بت الناس ما يصحش إكده تجوليلي، وفيها إيه بس، لحد ما..... وبعدين إنتي ليكي عين تتكلمي بعد أما أقوم من النوم ألاقيِك نايمة النومة اللي كنتِ نايمها دي؟"
وعد بنبرة موشكة على البكاء، فقد كانت تعتليه بالفعل، يعني أنه صادق فيما يقول، وهي من أغواته.
وعد بعويل:
"يا فضيحتي يا وعد."
ريان بعد ما رأى الحالة التي أوصلها إليها بعد تلاعبه بها، اقترب منها يضع يده على مقدمة رأسها:
"إهدي، إهدي ما فيش حاجة حصلت آني عهزر إمعاكي."
وعد بعد استدراكها لما يقول:
"وحياة أمك."
وفي تلك الأثناء اقتحمت صابحة الغرفة بعد استماعها صوت صراخ وعد منذ قليل، وذلك بعدما استيقظت ووجدته أمامها، وهم على تلك الوضعية.
صابحة:
"مالك يا جلبي عِمل إيه فيكي؟"
واقتربت منها صابحة تزيحه من أمامها، وهي تفتح ذراعيها إليها، والأخرى تجاريها، وتلقي بنفسها بين أحضان صابحة.
وعد بتمثيل فماذا ستقول لها؟ أنها استيقظت وجدته يشاركها الفراش!
فقالت بإدعاء:
"آه ياني يا صبوحة، أنا خلاص ما بقتش قادرة على العيشة دي، لازم يطلقني."
والآخر يشاهد بأعين متسعة.
وصابحة تنظر إليه باستياء، ومن ثم تعاود النظر إليها مرة أخرى:
"يا جلب صبوحتك، ما تعمليش في حالك إكده، كُلّك ما يستهلوش."
وعد:
"لا يا صبوحة، لازم يطلقني، يعني لازم يطلقني."
والآخر يتنقل بعينيه فيما بينهما وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا لريا وسكينة.
صابحة بفضول:
"فهميني بس عِمل إيه؟"
وعد بتأتأة:
"عِمل إيه؟ عِمل... آه اللي عمله يا حبيبتشي لا يتقال ولا يتحكى."
صابحة وهي تضرب على صدرها:
"ضربك؟"
وعد تهز رأسها بنفي بعد أن رفعت رأسها مبتعدة عن أحضان صابحة وهي تدعي الحزن:
"يا ريته كان ضربني، ولا عمل اللي عمله يا صبوحة."
صابحة وهي تجذبها مرة أخرى إلى أحضانها تربت على ظهرها بمواساة:
"يا جلب صبوحتك."
ورفعت نظرها إليه تسأله بإتهام:
"عِملت إيه في البت؟"
ريان ينظر إلى كلتيهما بغيظ، ولكنه استدرك الموقف فهي ليس لديها سببًا لتقوله:
"أهي عندك اسأليها عاد."
فتوجهت إلى وعد بالحديث:
"ما تجولي يا بتي عِمل إيه؟"
وعد بشحتفة:
"قال إيه عاوز يتجوز عليا، شوفتي يا صبوحة؟"
صابحه بهجوم موجهة حديثها إليه:
"يا حومتي، بجى عاوز تتجوز على لهطة الجشطة دي؟ ده أنا بذات نفسي أتمناها."
ريان وقد تملكه الغيرة، فحتى النساء معجبات بها و بجمالها.
وقام بجذب صابحة من ياقة جلبابها من الخلف، فقامت من مجلسها برهبة، وهي توجه حديثها لوعد:
"بس إنتي مكبرة الموضوع إشويتين، ما طالما الراجل مجتدر، وهوه عيني سخنة عليه كيف الحيطة آهه من حجة مثنى وثلاث ورباع، ده شرع ربُنا عتكفري عاد ولا إيه؟"
ناظرتها وعد بصدمة، بينما نظر ريان إلى وعد بتشفي، وكأنما يقول لها أرأيت صبوحتك؟
ولكن قول صابحة هذا لم يمنعه من دفعها أمامه وهو لازال ممسكاً بها من الخلف ناحية الباب، قاذفاً بها إلى الخارج، يغلق الباب في وجهها بعنف، في مشهد كوميدي لا مثيل له.
وتوجه بالنظر إلى تلك المنكمشة على حالها، يمنع حاله من الابتسام على هذا الثنائي المرح، فقد بات مدمن لمشاكستها.
---
أشرق الصباح على أبطالنا، ونبدأ يومًا جديدًا، ومش عارفة الصراحة هيخلص على إيه 🤗؟! بس لعله خير إن شاء الله.
استيقظ ريان وهو يشعر بثقل جاسم فوق صدره، وشيء ما يقيد حركته، فتململ بنومته، وما زالت عيناه مغلقتين، لا يتذكر ما حدث بعد تناوله لتلك الأقراص، ولا يعلم إذا كانت تلك أقراص مسكنة. أو تلك أقراص مخدرة تندرج في جدول الأدوية الممنوع تداولها دون إذن من الطبيب.
فتح ريان عينيه بنعاس، وفي تلك الأثناء بدأت هي الأخرى في الاستيقاظ، بعد شعورها بحركة ما أسفلها، فاتحة عينيها هي الأخرى تنظر إليه بفيروزتيها اللتان كادتا أن تقفزا من محجريهما عندما وجدت نفسها تعتلي شيئًا ما معلقة فوق التخت، وما كان هذا الشيء سوى جسد ريان الذي ما إن انفرجت أهدابه، حتى استمع إلى صوت صرخة مدوية، أصمت أذنه فقام بدفعها بحركة مباغتة غير مقصودة، ولكن كان ذلك بسبب السرينة التي أطلقتها وعد بالقرب من أذنه.
فسقطت على ظهرها من أعلى الفراش، وقدميها معلقة فوقه.
بينما هب هو يعتلي الفراش جالسًا على ركبتيه ينظر إليها من أعلى وكأنها تنين برأسين.
ريان:
"إيه فيه؟ صرعتيني الله يحرجك."
رفعت وعد رأسها وهي لا تزال على ظهرها متكئة بمرفقيها على الأرض، ترفع الجزء العلوي من جسدها بمساندة ذراعيها، واضعة إحدى يديها خلف ظهرها تمسده بألم:
"يخرب بيت أمك، إنت ناطرتني النطرة دي ازاي؟!"
ريان:
"لمي لسانك اللي عاوز حشه ده، مالك بدايتها نكد على الصبح ليه يا فجرية إنتي؟"
وعد:
"هو الصراحة الحديث معك ممتع، بس مش شايف إن فيه حاجة وقعت منك؟"
ريان بأعين جاحظة وهو يضع يده ليتأكد من سرواله ظنًا منه أن هذا ما تعنيه:
"لاه ما فيش حاجة وجعت."
وعد متأففة:
"طب إيدك معايا الله يكرمك؛ عشان الفقرة التالتة والرابعة من العمود الفقري مش لاقياهم."
ريان بعدم فهم:
"بتجولي إيه إنتي؟"
وعد:
"يا عم قومني الأول، وبعدين استفسر."
مد ريان يده ليعاونها على النهوض، وهي تستند بإحدى ذراعيها إليه، والأخرى على الفراش منزلة قدمها المصابة بحرص، وما أن أجلسها على حافة الفراش، أخذت تتأكد من ملابسها، بالرغم من تأكدها التام إنه لم ولن يفعلها، كما أنها كانت نائمة، ولم تكن مخدرة، فلو حدث شيء ما كانت على الأقل تذكرته وكأنها اضغاث أحلام، ولكن هذا لا ينفي كونه شاركها الفراش.
وعد بعصبية:
"إنت إيه اللي خلاك تنام جنبي؟"
ريان بتسلية:
"نعم ياختي؟ ليه هو إنتي مش فاكرة حاجة واصل؟"
وعد بريبة أتراها أخطأت في ثقتها به؟ وقام هو باستغلالها:
"إنت تقصد إيه بالظبط؟ مش فاهمه؟"
ريان بعدما لاحظ تغير معالم وجهها:
"لاه ما جادرش أجول."
وعد وهي تلطم خديها:
"يا نهار أسود، إنت عملت إيه؟ عملت إيه؟ الله يخرب بيتك."
ريان وهو يدعي الخجل يهز رأسه يميناً ويسارًا بأسف مصطنع:
"آني ما عملتش، إنتي اللي عملتي، بعد ما اخدتي البرشام ده، اتحولتي، وقعدتي تعملي حاجات استغفر الله العظيم، وآني أجولك يا بت الناس اعجلي، تجولي ما إنت اللي مز يا ريو، يا بت الناس ما يصحش إكده تجوليلي، وفيها إيه بس، لحد ما..... وبعدين إنتي ليكي عين تتكلمي بعد أما أقوم من النوم ألاقيِك نايمة النومة اللي كنتِ نايمها دي؟"
وعد بنبرة موشكة على البكاء، فقد كانت تعتليه بالفعل، يعني أنه صادق فيما يقول، وهي من أغواته.
وعد بعويل:
"يا فضيحتي يا وعد."
ريان بعد ما رأى الحالة التي أوصلها إليها بعد تلاعبه بها، اقترب منها يضع يده على مقدمة رأسها:
"إهدي، إهدي ما فيش حاجة حصلت آني عهزر إمعاكي."
وعد بعد استدراكها لما يقول:
"وحياة أمك."
وفي تلك الأثناء اقتحمت صابحة الغرفة بعد استماعها صوت صراخ وعد منذ قليل، وذلك بعدما استيقظت ووجدته أمامها، وهم على تلك الوضعية.
صابحة:
"مالك يا جلبي عِمل إيه فيكي؟"
واقتربت منها صابحة تزيحه من أمامها، وهي تفتح ذراعيها إليها، والأخرى تجاريها، وتلقي بنفسها بين أحضان صابحة.
وعد بتمثيل فماذا ستقول لها؟ أنها استيقظت وجدته يشاركها الفراش!
فقالت بإدعاء:
"آه ياني يا صبوحة، أنا خلاص ما بقتش قادرة على العيشة دي، لازم يطلقني."
والآخر يشاهد بأعين متسعة.
وصابحة تنظر إليه باستياء، ومن ثم تعاود النظر إليها مرة أخرى:
"يا جلب صبوحتك، ما تعمليش في حالك إكده، كُلّك ما يستهلوش."
وعد:
"لا يا صبوحة، لازم يطلقني، يعني لازم يطلقني."
والآخر يتنقل بعينيه فيما بينهما وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا لريا وسكينة.
صابحة بفضول:
"فهميني بس عِمل إيه؟"
وعد بتأتأة:
"عِمل إيه؟ عِمل... آه اللي عمله يا حبيبتشي لا يتقال ولا يتحكى."
صابحة وهي تضرب على صدرها:
"ضربك؟"
وعد تهز رأسها بنفي بعد أن رفعت رأسها مبتعدة عن أحضان صابحة وهي تدعي الحزن:
"يا ريته كان ضربني، ولا عمل اللي عمله يا صبوحة."
صابحة وهي تجذبها مرة أخرى إلى أحضانها تربت على ظهرها بمواساة:
"يا جلب صبوحتك."
ورفعت نظرها إليه تسأله بإتهام:
"عِملت إيه في البت؟"
ريان ينظر إلى كلتيهما بغيظ، ولكنه استدرك الموقف فهي ليس لديها سببًا لتقوله:
"أهي عندك اسأليها عاد."
فتوجهت إلى وعد بالحديث:
"ما تجولي يا بتي عِمل إيه؟"
وعد بشحتفة:
"قال إيه عاوز يتجوز عليا، شوفتي يا صبوحة؟"
صابحه بهجوم موجهة حديثها إليه:
"يا حومتي، بجى عاوز تتجوز على لهطة الجشطة دي؟ ده أنا بذات نفسي أتمناها."
ريان وقد تملكه الغيرة، فحتى النساء معجبات بها و بجمالها.
وقام بجذب صابحة من ياقة جلبابها من الخلف، فقامت من مجلسها برهبة، وهي توجه حديثها لوعد:
"بس إنتي مكبرة الموضوع إشويتين، ما طالما الراجل مجتدر، وهوه عيني سخنة عليه كيف الحيطة آهه من حجة مثنى وثلاث ورباع، ده شرع ربُنا عتكفري عاد ولا إيه؟"
ناظرتها وعد بصدمة، بينما نظر ريان إلى وعد بتشفي، وكأنما يقول لها أرأيت صبوحتك؟
ولكن قول صابحة هذا لم يمنعه من دفعها أمامه وهو لازال ممسكاً بها من الخلف ناحية الباب، قاذفاً بها إلى الخارج، يغلق الباب في وجهها بعنف، في مشهد كوميدي لا مثيل له.
وتوجه بالنظر إلى تلك المنكمشة على حالها، يمنع حاله من الابتسام على هذا الثنائي المرح، فقد بات مدمن لمشاكستها.
رواية وعد ريان الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماء حميده
ارتدت همس ملابسها المكونة من بنطلون جينز باللون الغامق (بلو بلاك)، وتيشيرت قطني نسائي باللون الأسود، وأطلقت العنان لشعرها.
أخذت حقيبتها الصغيرة وبها بعض من الأشياء الضرورية، وتوجهت تفتح باب الشقة، فلم تشأ إيقاظ نجوى فالوقت لا يزال باكرًا.
أغلقت الباب خلفها بهدوء لم يخفَ على الحارس القابع بمدخل البناية، والتي لم تكن تعلم بوجوده، ولم يلوح بخيالها أن هوسه بها أطاح بعقله، وجعله طوال الليل مرابطًا بالمقهى، وعيناه مثبتة على مدخل البناية.
وحتى بعدما عاد من جولته الاستكشافية لمنزل الزوجية الذي ذهب برفقة المعلم سلطان لمعاينته، ظل ما تبقى من الليل بذلك المقهى حتى قام الصبي حوكة بلملمة ما أسدله أمام المقهى من كراسي، ومقاعد.
فاضطر مصطفى لقضاء ما تبقى من الليل على درج السلم متأهبًا تحسبًا لقيامها بتنفيذ ما قالت، عازمًا هو على تنفيذ ما يريد، وأمامه حلان لا ثالث لهما، إما إثناؤها عن قرارها بالسفر إلى أختها وعد، وإما...
هبطت همس درجات السلم وعيناها مثبتة عليه بهيئته المهندمة، وذقنه الحليق، فبدا أكثر وسامة.
وكلما اقتربت خطواتها منه كلما اهتز ثباتها، وخاصة أن هذا المكان له معهما ذكرى، لم يمضِ عليها سوى ساعات قليلة، مما زاد ارتباكها.
وما إن أصبحت أمامه حتى علت وجهها ابتسامة يشوبها التوتر والقلق قائلة:
جود مورنينج، مصطفى.
مصطفى وقد قرر التخلي عن الدور الذي تقمصه بالأمس عندما ادعى غضبه منها، رد عليها ببسمة ووجه بشوش:
صباح الزبادي، يا معذب فؤادي، يا زبادو فراولة أنت.
ناظرته همس باستغراب فقد ظنت أنه سيظل على بروده معها كما حدث بالأمس أثناء تناولهما العشاء، وذلك بعد أن اقتحم الغرفة دون استئذان، وهي تبدل ثيابها.
مصطفى مستكملًا حديثه:
على فين يا هموستي؟
مصطفى:
ما أنا قولتلك إمبارح إني مسافرة لوعد.
مصطفى وهو يقترب منها بخطوات متمهلة؛ فزاد توترها.
وهي تتفرس ملامحه في محاولة لاستكشاف نواياه، فهل ما زال غاضبًا بشأن ما حدث؟! أو ما سيحدث؟! وهي تعني بشأن سفرها.
سرعان ما تحولت نظراتها المستكشفة إلى أخرى هائمة، فهو حقًا وسيم.
أما هو فظل يقترب بثبات يبتسم لها بثقة، بعدما لاحظ نظراتها الهائمة إليه، فبدت كالمخدرة.
مد مصطفى يده ملتقطًا كفها بيد واحدة، وهو ينظر إلى عمق عينيها قائلاً بتسبيل:
يعني القمر بتاعي عاوز يسافر ويسيبني.
رفع كف يدها يقبل باطنه، وعيناه ما زالت مثبتة على جارتها العسل خاصتها، فلم تستطع الرد، وكأنها فقدت النطق مع انتفاض جسدها برجفة، عندما لامست شفتيه باطن كفها، انتقل صداها إليه؛ فبثت به ثقة فوق الثقة.
بعد قبلته الخاطفة لكف يدها هبط بها أسرًا إياه بين كفيه يتلمس خطوط باطنه بسبابته، ولا زالت عيناه مسلطة عليها قائلاً بنبرة رجولية دافئة وصوت متحشرج:
طب لو قولتلك إني مش عاوزك تسافري، هتسافري بردو وتسبيني؟
لاحظ هو اهتزاز حدقتيها بتفكير، ففك أسر عينيها هابطًا بنظراته إلى كف يدها، يتابع حركة سبابته على باطن كفها، وهو يبتسم بخبث.
هو يستطيع إبقائها بالقوة، ولكنه لا يريدها جواره رغم إرادتها، لا يريدها تابعة له، يريد قرار بقائها نابعًا من شخصها، لا من سلطته عليها.
كما أنه يعلم أن دون القوة لن يستطيع إثنائها عن السفر، ولكنه يريد أن يصل إلى هدف آخر.
همست بتوتر فهي حقًا لا تريد الابتعاد، ولكن يجب عليها السفر كما طلبت أختها، ليس لكون هذا أمرًا من وعد واجب النفاذ، ولكنها تحتاج إليها، وتريد أن تعطي عقلها فرصة للتفكير، ولن يحدث هذا ما دامت في قربه، فقلبها بات يسيطر عليها ويشوش تفكيرها.
فتحت فمها لتتحدث قائلة:
يا مصطفى افهمني...
رفع سبابته عن كف يدها واضعًا إياه على شفاهها يمنعها من استكمال الحديث، وهو يهبط بكف يدها يعيده جانبها، ولكنه لا يزال يأسرها بكفه الآخر، مقتربًا منها أكثر مستغلًا تشتتها وتشوش أفكارها، بما تريد، وما يجب عليها أن تفعل، ساحبًا إياها من تلك الأفكار المشتتة متجهًا بها صوب الهدف.
رفع سبابته عن شفاهها يلتقط كفها الآخر زافرًا أنفاسه الساخنة المعطرة برائحة النعناع، العائدة لتلك الحلوى التي دسها في فمه عند سماعه لصوت فتحها لباب الشقة.
قائلاً وهو على نفس هدوئه:
طب يرضيكي أسيب مراتي حبيبتي، تسافر لوحدها مع راجل غريب؟
فقالت همس بخدر من قربه:
ده السواق، يا مصطفى.
استكمل مصطفى:
عارف يا قلب مصطفى إنه السواق، بس راجل.
رجفة أخرى أحس بها مصطفى، بعد تلقيبه لها بقلب مصطفى.
ها قد بدأ مصطفى يدنو من هدفه:
طب افرضي يا عمر مصطفى السواق طلع مش تمام؟ وصدرت منه حاجة كده ولا كده؟ وإنتي معاه في عربية لوحدكم؟ على طريق صحراوي؟ تفتكري ممكن ساعتها يحصل إيه؟ وإنتي وقتها هتتصرفي إزاي؟
بات هو الآخر يتخيلها في موقف مماثل.
ومع تخيله هذا احتدم بداخله نيران مدمرة طفت ألسنتها على ملامحه، فبدأت ملامحه بالتحول، ولكنه حافظ على ثباته الظاهري، حتى لا يخيفها.
أما هي فارتجف داخلها لتلك التخيلات، التي رسمها هو، فتصورتها هي حقيقة أمامها، وباتت تتساءل ماذا لو حدث هذا بالفعل؟
عاد إلى منصور الذي بقى طوال الليل يفكر في خطة محكمة للهرب، نعم سيضحي بمستقبله المهني، ولكن لن يتزوج من جوال الفحم الذي رآه أمس.
سيغادر ولو أدى به الأمر إلى أن يعيش مع مطاريد الجبل، فذاك عنده أهون، من أن يفني زهرة شبابه مع أخت همام تلك المسعدة.
منصور لنفسه:
لا يا منص، أنا مش ممكن أسكت على كده، ابن الصرمة لبسني مع غراب البين دي، وفي قعدة واحدة خلاني قريت فاتحة، هفضل متكتف كده لغاية ما ألاقي نفسي مخلف منها سبع عيال؟ سبع عيال ده إيه؟ سبع مقاطير شبه خالهم ميمو.
عند تصوره لمستقبله هذا معها، انتفض واقفًا من جلسته على الأريكة الموجودة بالغرفة القبلية، المحددة بها إقامته من قبل الصقر، يمد يده ملتقطًا الحقيبة العائدة إليه، والتي جلبها له عوض من الدار التي كان يمكثها، والآن فلم تعد إليه تلك الدار.
فتح باب الغرفة بحرص، ينظر يمينًا ويسارًا، قبل أن تطأ قدماه عتبة الغرفة، يستكشف ما إذا كان أحد بالخارج، زافرًا بارتياح يبتسم قائلاً بهمس مبتهج:
yes، فلت منهم فلت منهم.
خرج مسرعًا وهو يتلفت في جميع الاتجاهات كلصوص، وها قد دنا من البوابة القبلية للدار، وهو يحمد الله أنه لا يوجد حارس عليها.
مد يده يجذب المقبض الحديدي للبوابة ظنًا منه أنها مغلقة، ولكن يا له من حظ، فبالتأكيد اليوم يوم حظه، فقد وجد الباب يفتح دون أدنى معاندة من القدر.
منصور:
طب وعهد الله، أنا أمي داعية لي في ليلة القدر، وهي كاشفة رأسها، لا كاشفة رأسها ده إيه؟! دي وهي قالعة بلبوص، طب ما هي متيسرة أهه؟! أمال أنا كنت معقدها ليه؟
خرج من البوابة ملتفتًا يعطي ظهره إلى الخارج يغلقها خلفه، لئلا يراه أحد من الداخل، وهو يحاول الفرار.
منصور:
باااااس، كده تمام أوي، أخلع أنا بقى، وأبقى قابلني يا أبو الصقور.
Meet in The hell (نلتقي في الجحيم).
وما إن التف مطلقًا العنان لساقيه، حتى اصطدم بشيء ما، رافعًا رأسه ليرى هذا العائق.
فوجده همام مشرفًا عليه بقامته الطويلة، كاشر الوجه، بأعين مستفسرة، وإلى جانبه تلك المسعدة التي ألصقها به الصقر عنوة.
منصور بأعين جاحظة متمتمًا:
فقر من يومك، لف وارجع تاني.
وبالفعل استدار عائدًا من حيث أتى، وهو يقول بصوت مرتفع حتى يصل إلى مسامع همام، وهو متوجهًا بنظره إلى الخلف:
إيه يا جماعة في حد يسيب البوابة مفتوحة كده، ما فيش إحساس بالمسؤولية، مش خايفين حرامي يخش يخلص علينا جميعًا إن شاء الله، خلينا نخلص.
وهو على تلك الحالة، اصطدم مرة أخرى بشيء ما.
الصقر قائلاً بتسلية، وهو يقف شامخًا، يناظره بتشفٍ، فقد كان يراه من الأعلى من خلف ستار شرفة غرفته التي بالجهة القبلية من المنزل، وتطل على النيل في منظر طبيعي خلاب.
وما إن رآه منصور، هبط الدرج بخطوات واسعة، فهو يعلم أن إذا رآه منصور، سيعاود أدراجه دون أن تنبث شفاهه بكلمة.
عندما اتجه منصور ببصره أمامه ليرى ما حال دون تقدمه هذه المرة أيضًا، وجد الصقر أمامه يقف بشموخه المعتاد، يرفع أحد حاجبيه وهو يناظره بتسلية قائلاً:
معرفينش من غيرك كنا هنِعمله إيه يا دَكتور؟ بس تفتكر في حد بالغباء دِه؟
بدأ منصور بالتعرق لتظهر قطرات الماء الساخنة تنسدل من أعلى رأسه على جبينه قائلاً بتهتهة:
ده إنت؟ آه والنبي إنت صح.
الصقر مستكملًا بنبرة تهديدية واضحة:
هو فيه حد ممكن خياله المريض، يصور له إنه يعمل حاچة زي إكده؟
منصور بريبة:
حاجة إيه؟ لاء، أوعى تفهمني صح، قصدي غلط، واستكمل قائلًا ببراءة: أنا كنت بقفل البوابة، ثم ازدرد لعابه قائلًا: آه والله.
الصقر وهو ينظر إلى الحقيبة التي بيده:
لاه في دي، صادق من غير يمين، بس ما تجلجش ما حدش يستچري يعملها.
منصور بتساؤل:
هي إيه دي؟
الصقر:
إنه يفكر ولو بس تفكير، ثم اشاح بسبابته في الهواء مستقرًا بها على يمين جبهة منصور مستكملًا: أو يخطر في باله، إنه يدخل دوار الصقر بدون إذن، أو حتى يخرُج منه.
منصور وقد علم أنه هالك لا محالة، فأراد تغيير الموضوع، وهو يتجنب إصبع يده المثبت على جانب جبهته، يدير رأسه إلى همام ومسعدة قائلاً:
ميمو، حبيبي، إنت فين يا أبو نسب؟ اتأخرتوا كده ليه؟ قلقتوني عليكم.
وتوجه بنظره إلى مسعدة قائلاً:
ازيك يا مسموستي.
همام باستهجان قائلاً:
إيه مسموستك دي عاد؟ هتچلعها وآني واجف؟ اتحشم يا واكل ناسك إنت.
منصور بقوة مزيفة:
إيه في إيه؟ ده أنا قاري فاتحة، يعني نص كتاب، بس واضح إنه غير مرحب بيا في العيلة دي يا صقر باشا؟، فأنا هضطر آسفًا إني انسحب وأعفيكم من الحرج، وممكن تعتبروا الفاتحة دي، وكأنها لم تكن.
الصقر موجهًا حديثه لهمام:
چرى إيه يا همام؟ ما تبجاش دجة جديمة إكده يا راچل، الدَكتور بردك عيتكلم صوح، دِه جاري فاتحة!!
همام وكأنه على اتفاق مسبق مع الصقر، وكأن الصقر يضرب بالدف، والآخر يواليه بالرق:
يا كابير ما چانبك شايف عاد، إحنا مفيش عندينا الكلام الفارغ ده، أما يبجى يعجد عليها، يبجى يتحدت وياها كيف ما هو عاوز، لكن دلوك الكلام بحساب.
الصقر وهو يحك ذقنه وكأنه يفكر في حل لقضية هامة أو أمر مُلِح:
لاه يا ميمو، في دي بالخصوص إنت إمحبكها، والراچل ما غلطش بس تاهت ولجناها.
وجه منصور بصره إلى الصقر مشيرًا إليه قائلًا لهمام:
اسمع علك تستفيد.
الصقر:
الدكتور ما هيخلصهوش زعلك.
منصور:
ده ميمو ده، حبيبي.
الصقر مستكملًا، بينما منصور يهز رأسه بإستحسان، وكأنما يستمع لغنوة بصوت أم كلثوم، حتى قال الصقر:
عشان إكده الراچل عيصلح غلطته، وبدل ما تبجى شبكة، تبجى شبكة، وكتب كتاب.
توقف رأس منصور فجأة، وهو يرتد ببصره إلى الصقر، فكادت رأسه أن تنخلع من موضعها قائلًا بنبرة أقرب للبكاء:
غلطتي إيه حضرتك؟ ده أنا ما شفتش منها صُباع، تقول لي غلطة؟
الصقر قائلاً:
آني عامل عليك وعاتل همك.
منصور:
لا ما هو واضح.
الصقر مستكملًا:
عشان تاخد راحتك في الحديت، وتچلعها كيف ما إنت عاوز.
منصور مقلدًا للهجة الصعيدية:
ما عاوزش.
الصقر متجاوزًا ما قاله منصور بتجاهل:
يبجى على بركة الله نكتبوا الليلة.
منصور:
ليلة إيه يا عمدة؟ قصدي يا صقر باشا، أنا مش مستعد.
منصور مستدركًا:
قصدي مش مؤهل نفسيًا.
الصقر:
كلام إيه ده يا دكتور؟ آني عجولك كتب كتاب، ما جولتش دخلة، وجبل الدخلة ابجى اجعد ويا العروسة، وشوف اللي يناسبك جصدي اللي يناسبها.
بينما تقف مسعدة تتلظى بحرج، بالطبع يصل إليها مغزى الحديث، فهي حكيمة ولديها خلفية عما يتحاوران.
أنهى الصقر حديثه قائلاً:
روح إنت يا دَكتور، غير خلاجاتك دي اللي بايت بيهم من عشية، واحلج دجنك (ذقنك)، عشان تنزل ويا عروستك، وهمام، همام هه عشان تچيبوا الشبكة.
وربت على كتفه قائلاً:
إمبارك يا عريس.
بينما عند سارة ومحمد الذي بقي ليله يتقلب على تخته، وكأنه يفترش بالجمر، وأي نار تعادل نار وعذاب الغيرة ورهاب القلق من فقدان الحبيب.
وبينما هو على تلك الحالة، سمع صوت صراخ مدوي وعويل يأتي من الخارج، فخرج مسرعًا يستقصى الأمر، وكذلك الفتاتان هناء وسارة اللتان خرجتا بدورهما لاستكشاف ما يجري بالخارج، ولم تكن سوى تحية وإلى جانبها على الأرض هاتفها المحمول، تلطم خديها بكلتا راحتيها.
توجه محمد مسرعًا إليها، وهي شاخصة بعد أن أطلقت تلك الصرخة المدوية، وتنظُر ناحية سارة بحزن وشفقة.
ظل محمد يهزها في محاولة منه لمعرفة ما في الأمر، قائلاً:
إيه يا أمي؟ مالك في إيه؟
وأيضًا لا إجابة:
يا أمي، ردي الله يخليكي، فهميني إيه اللي حصل؟
تحية وكأنها فقدت النطق، ولكن نظراتها المصوبة نحو سارة كانت أبلغ من أي حديث.
مال محمد إلى الهاتف الساقط أرضًا، يلتقطه فوجد من كان على الهاتف قد قطع الاتصال، فأخذ يقلب بالهاتف باحثًا عن آخر رقم في سجل المكالمات، ولكن وجده بدون اسم.
فقام سريعًا بمحاولة الاتصال به ولكن وجد الرقم مشغولًا.
وفي تلك الأثناء رن هاتف سارة الموضوع على المنضدة الموجودة بالصالة، فقد تركته سارة على الشاحن قبل خلودها إلى النوم.
اتجهت سارة بأقدام مثقلة ناحية الهاتف، تلتقطه بأيدي مرتجفة من هيئة زوجة خالها، ونظراتها التي توحي بوقوع خطب ما، ليس بالهين، وهذا الخطب بدون شك يطالها.
نظرت سارة إلى رقم المتصل على شاشة هاتفها بأعين قاتمة، وجدت أن المتصل هو علاء ابن عمها، فالتقطت الهاتف تضعه على أذنها، وهي تجيب بصوت مخنوق:
السلام عليكم، أيوه يا علاء.
عندما ذكرت اسم هذا السمج من وجهة نظره، تنبهت حواسه متقدمًا منها يلتقط الهاتف من على أذنها، ولكن الآخر قد أطلق السهم مجيبًا عليها بما جعل أوصالها ترتعد، وأطرافها تتراخى، وجسدها يهوي ساقطًا أرضًا على ركبتيها، تضع كلتا راحتيها على فمها، تكتم صرخة متألمة لفقدان السند، وما سند الفتاة يا سادة، غير عمودها الداعم الأب، ومن غيره سندًا لها.
أجاب محمد على الهاتف ليخبره من على الطرف الآخر بالخبر المؤلم، فطالما كان زوج عمته أبًا ثانيًا له.
كانت عيناه تتابع تغير معالم وجهها إلى أن تهوي جسدها أسفل قدميه، ترك الهاتف من يديه على المنضدة، يخر جسده إليها، راكعًا لها على ركبتيه، وهي تهز رأسها برفض وعدم تقبل.
فجذبها وهي تستند برأسها إلى صدره بتيه، وهو يلف ذراعيه حولها يحيطها باحتواء أب فقدته، وأخ لم يولد قبل أن يكون حبيب، يواسيها ببعض الكلمات، وجسدها ينتفض بين ذراعيه.
خرجت منها آهة مدوية تنم عن ألم عميق، تتصاعد حممه من أعماق جوفها، مارًا بقلبها، يخرج مع الآهة التي أحرقت صدرها، ليليها نوبات ونوبات من الألم.
محمد بمواساة، وهو لا يقل عنها حزنًا:
أهدى يا حبيبتي، أهدى، إنتي كده بتعذبيه.
سارة بكلمات غير مترابطة وغير مفهومة:
بابا، بابا يا محمد، طب أشوفه، واديني عنده، هم مش فاهمين، هو لما يشوفني هيقوم يروح معايا.
وتحية وهناء تزداد شهقاتهما بالدموع، مع كل كلمة تخرج من فمها حزنًا على هذا الرجل الحنون، وألمًا للحالة التي عليها سارة، واستحضارًا لموقف مماثل عند وفاة زوج تحية ووالد محمد وهناء، وهو يهددها بين ذراعيه كطفلة صغيرة، وجسديهما يتأرجح معًا، وهو يحاول السيطرة على نوبة الحزن الهستيرية التي انتابتها يقبل أعلى رأسها بحنو.
والأخريتان لا يكفان عن البكاء والنحيب.
محمد موجهًا حديثه إليهما:
إيه يا جماعة ده؟ قضاء ربنا هنكفر ولا إيه؟ أنا حزين أكتر منكم على عمي، بس اللي أنتوا بتعملوه مش هيرجع اللي راح، وإنتي يا سارة لازم تبقي قوية على الأقل عشان خاطر عمتي، ولا عايزاها هي كمان يجرى لها حاجة بعيد الشر، من حزنها على عمي، وكمان على الحالة اللي إنتي فيها، قومي يا هناء خديها تغسل وشها وتتوضأ وتصلي له ركعتين، وإنتي يا أمي غيري هدومك عشان نروح لعمتي المستشفى، ولا هنقعد هنا نحزن، ونسيبها هي هناك لوحدها، ولسه في إجراءات لازم تخلص.
فقد كان وفاة والد سارة إثر حادث انقلاب إحدى سيارات النقل الجماعي، أثناء توجهه في الصباح الباكر إلى عمله، ولم يأتيهم الخبر سوى الآن، فلا بد وأن جثث الضحايا في حالة يرثى لها، لذلك أخذ الأمر بعض الوقت للتعرف على أصحابها، وإبلاغ ذويهم.
سارة بتوسل وبكاء وأعين تفيض بالدموع أنهار:
لا يا محمد، خدني معاك عاوزة أشوفه لآخر مرة.
بالطبع لن يجعلها توضع في مشهد كهذا.
محمد بنبرة قاطعة:
إنتي مش هتتحركي من هنا، وعمتي كمان مش هتحضر دفن ولا غيره، أمي هتيجي معايا عشان تاخدها، وهي شوية وجايالك، ولازم لما تيجي تشوفك قوية، إكبري شوية، وبعدين قصة الإجراءات والدفنة دي بتاعت الرجالة، وطلوع الستات ورا المتوفي حرام.
أراد محمد إثنائها عن رغبتها في المجيء نظرًا لبشاعة وهول ما ستلقى، فاستخدم معها الحدة في الحديث، مشيرًا إلى هناء بعينيه لتأخذها للوضوء والصلاة، لجوؤها إلى الله يطفئ نيرانها وحزنها.
وتوجه هو مع أمه التي قامت بوضع عباءة سوداء على جسدها استعدادًا للذهاب.
بعدما أجرى ريان اتصالاته مع مكتب تأجير السيارات بالإسكندرية، ليبلغهم برغبته في استئجار سيارة بسائقها، وإعطائهم العنوان ورقم همس الذي تلته عليه وعد، واستكمال إجراءات الدفع الإلكتروني.
هبط إلى الطابق السفلي ومنه إلى الحديقة، بعد إخبار ماجد له بضرورة حضوره للحديث في أمر هام.
وعندما خرج إلى الحديقة وجد ماجد يجلس على أحد المقاعد الخشبية المصنوعة من عيدان البامبو شاردًا وهناك أصوات، بالجهة القبلية للحديقة.
ريان لماجد مشيرًا برأسه اتجاه الصوت:
إيه في؟
ماجد بتوتر:
ما خابرش، آني لمحت الصقر من هبابة رايح الناحية اللي إهنكه بس معرفش إيه في؟ ......فوتنا دلوك من صجر وخلينا في اللي كت عاوزك فيه.
جلس ريان في المقعد المقابل لماجد يحادثه بانتباه فيبدو أن هناك أمر هام، فقد بات كلاهما يفهم على الآخر دون حديث.
ريان:
إيه في يا ماچد؟ مالك إكده مش على بعضك؟
ماجد:
آني كلمت عمي إمبارح.
ريان:
وإيه فيها يعني؟
أراد ماجد إلقاء ما بجوفه دفعة واحدة:
عمي جچاي بكرة الفچر.
ريان بأعين جاحظة:
كيف ده؟ آني لساتني مكلمه من عشية، وجال إن جدامه وجت عجبال ما ياچي.
ماجد وهو يفرك كفيه بحرج:
ما آني جولتله إنك إتچوزت.
أخذت عينيها تهتز بمحجريهما، وقد تملكها الخوف من تلك التخيلات التي هيأها لها في صورة تتجسد واقعًا أمام عينيها.
فانقبض قلبها رعبًا وقد أصاب مصطفى هدفه.
رفع مصطفى كفيها المحاصران بين راحتيه قائلاً ببراءة:
مالك يا قلبي إيديك بتترعش كده ليه؟
هي بعقل مغيب:
أنا خايفة أوي يا مصطفى؟
جذبها مصطفى من كفيها إليه يفرقهما، وهو يحاوط بهما خصره يضمها إليه، وبعدما استقرت راحتيها على ظهره من الخلف، تستند برأسها على كتفه بتيه، تلتمس الأمان بمحيطه، رافعًا كفيه عن راحتها، يحاوط كتفيها يضمها إليه بحنان، وهو يتأوه بلوعة، وإحدى راحتيه تدعم رأسها من الخلف إليه، وشفاهه بالقرب من أذنها، وأنفاسه الحار، الساخنة، المعطرة، تداعب جانب عنقها.
قائلاً بنبرة مطمئنة أقرب إلى الهمس:
بقى خايفة، وأنا جنبك، ده عمري كله فدا لحظة خوف تحسيها، ساعتها حياتي كلها ما يبقاش ليها قيمة، لو ما كنتش قدامك مش في ضهرك بس.
رفعت رأسها سريعًا إليه قائلة بإقرار:
أنا عندي حل يا مصطفى.
اللهفة التي رآها بعينيها لذلك الحل، علمته أنه لم يحرز هدفًا فقط، وأنتهت المباراة لصالحه.
فلما الاستعجال على الاحتفال، فلينل الكأس أولًا.
أعاد رأسها إلى موضعه قائلاً بنبرة متأثرة لقربها منه:
قولي يا قلب مصطفى.
رفعت رأسها إليه مرة ثانية قائلة:
إنت لازم...
بعدما رفع بصره إليها، وهي بهذا القرب قائلاً:
فعلاً أنا لازم أعمل كده...
رواية وعد ريان الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماء حميده
بعد استماع محمد للخبر المشئوم الذي بثه علاء عبر الهاتف بوفاة زوج عمته، والذي يعتبره محمد أبًا ثانيًا له، وانهيار سارة. رفض محمد بشدة ذهابها معه إلى المشفى لتوديع جثمان والدها، بعد أن لقي مصرعه إثر انقلاب إحدى سيارات النقل الجماعي في حادث أليم وهو في طريقه إلى العمل في الصباح الباكر.
توجه محمد ووالدته تحية، بعد أن ارتدت تحية ملابس الحداد، إلى المشفى الذي ذكره علاء، يستقلان إحدى سيارات الأجرة.
وذلك بعد مهاتفة محمد لصديقه حسن، أثناء استيقافه للسيارة، وأخبره بنبأ الوفاة، مما أثار حزن الثاني، فقد كان والد سارة رجلًا محبوبًا من كل أهل الحارة.
طلب محمد من حسن الذهاب إلى الحاج رمضان شيخ الحارة ليستأذنه في أخذ سيارة تكريم الموتى في موقف مماثل.
أخبر محمد صديقه الصدوق حسن بأن يوافقه إلى المستشفى، بعد إبلاغه بالعنوان، فبالطبع علاء ووالده لن يستطيعا إنهاء تلك الإجراءات الخاصة بالدفن بمفردهما، فهما ليس من قاطني القاهرة.
فترجع أصول سارة وأبيها إلى صعيد مصر تحديدًا سوهاج.
والتي لم تذهب إليها سارة سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، وانقطعت زيارتها إلى هناك بعد وفاة جدها، ولحقته جدتها بثلاثة أعوام.
فكانت حينئذ بالحادية عشر من عمرها، أي منذ ما يقارب سبعة أعوام.
فقد كانت الروابط بين والدها وعائلته يشوبها بعض التحفظ، بسبب ما حدث منذ 25 عامًا حينما أصر والدها بالزواج من والدتها فتحية، أخت صديقه والد محمد وهناء، ورفضه الزواج من ابنة عمه لحبه الشديد لوالدتها.
حيث كان والد سارة رفيقًا مقربًا لوالد محمد، فقد كان والد سارة قبل زواجه من فتحية، دائم التردد على القاهرة لتصريف محصول الأرض الزراعية العائدة لأسرته بسوهاج للتجار في القاهرة.
وتعرف على والد محمد، حيث كان والد محمد يملك وكالة لبيع الخضروات والفاكهة بسوق العبور.
وعندما توطدت بينهما العلاقات التجارية، نشأت بينهما روابط صداقة قوية فكان والد سارة يتردد على والد محمد.
إلى أن دعاه والد محمد إلى منزله، وقابل هناك الكونتيسة فتحية، ووقع في غرامها من النظرة الأولى، ونشبت بينهما قصة حب ملهلبة.
وأصر حينها على رفضه من الزواج من تلك التي خطبها إليه والده، وانشق عن العائلة، ونقل إقامته إلى القاهرة.
باحثًا عن عمل تاركًا خلفه عائلته، وإرثه الذي لم يطالب به، حتى بعد وفاة والديه، والذي سعى من أجل هذا الإرث أخوه، ليزوج ابنه علاء من ابنة عمه سارة.
بعد أن عاود التواصل مع أخيه في الفترة الأخيرة، حتى لا يبدو الأمر مثيرًا للشك، حين يطلب منه يد سارة لولده علاء.
وصل محمد إلى المشفى هو وتحية، وجد عمته منزوية في أحد الأركان، تبكي فقيدها بحرقة، تضم جسدها بذراعيها تواسي حالها.
محمد لفتحية، وهو يقترب منها ضامًا إياها إليه يدعمها: وحدي الله يا عمته، ربنا يصبر قلوبنا.
فتحيه بأنفاس مسلوبة من شدة البكاء، فقد كان ونعم الزوج، يكفي أنه عاد الجميع من أجلها، وكان لها نعم السند: مات وسابني أنا وسارة يا محمد، وإحنا ما لناش غيره في الدنيا.
محمد بنظرة حزينة: ليه بتقولي كده يا عمته؟ أمال أنا رحت فين؟ هو أنا مش ابنك بردو ولا إيه؟
فتحية: ربنا يخليك لينا يا محمد، إنت راجلنا دلوقتي.
في هذه الأثناء، اقترب منهم علاء ووالده الحاج سامح. وبالطبع تعرف عليهما محمد، فلقد صادف وراءهما عند عمته وزوجها في الآونة الأخيرة.
الحاج سامح: إحنا خلصنا الإجراءات، يلا بينا عشان نلحقوا قبل الوقت ما يتمسى نوصلوا البلد، عشان ندفنوا إكرام الميت دفنه.
محمد وهو يمد يده للحاج سامح الذي قابل سلامه بفتور: البقاء لله يا حاج.
الحاج سامح: ونعم بالله.
محمد موجهًا السلام لعلاء الذي قابله بعجرفة: البقاء لله يا دكتور.
علاء: متشكر.
ووجه حديثه إلى زوجة عمه فتحية: أمال سارة فين؟ مش عاوزين نتأخر.
محمد: طب ما مقابرنا هنا موجودة بدل السفر والبهدلة، وعشان كمان عمتي وسارة يقدروا يزوروه هنا براحتهم.
الحاج سامح: لاه، أخوي هيدفن إهناك في بلده.
علاء: يا أستاذ محمد أفتكر أن دي مسألة ما تخصش غير أهل المتوفي، اللي هم والدي في المقام الأول ومرات عمي.
محمد بحرج وتخوف من تلك السفرة: أنا بس كنت بقترح عشان الموضوع مؤلم بالنسبة لعمتي وسارة، وكل ما عجلنا بالدفن هيكون أفضل.
الحاج سامح متجاهلاً حديث محمد: همي يا أم سارة حضري حالك إنتي وبتك عشان ما نتأخروش.
محمد متدخلًا وهو يوجه حديثه لتحية والدته، فبالطبع لن يدع عمته والمزة يسافران لحالهما، خاصة بعد الحديث السابق بشأن عرض علاء الزواج من سارة.
محمد: خليكي إنتي يا أمي مع عمتي، وأنا هروح أجيب سارة وهناء، عشان ما نأخروش الناس أكتر من كده.
ولم يدع فرصة لأحد بالاعتراض، وأسرع خارجًا من المشفى، قبل أن يقدم علاء على الذهاب لإحضار سارة.
***
بعد أن أخبر ماجد ريان بأنه هاتف عمه موسى، قائلًا ما جعل ريان يهب من مقعده منتفضًا يدور حول نفسه، كأسد جريح وقد غافلته الضباع.
وذلك بعد قول ماجد: ما آني جولتله إنك اتچوزت.
ريان بثورة، وهو يضع يديه على جانبي وجه أعلى رأسه، بغضب يزفر أنفاسه بتدافع، ومن ثم اخفض ذراعيه، يشيح بيده اليمني أمام وجه الآخر: كيف تعمل إكده من غير ما تجولي.
ماجد وهو يستنده بمرفقيه على فخذيه، يناظر الآخر بتسلية، وعلى وجهه ابتسامة، غير عابئًا بالحالة التي أوصل ريان إليها، بما أنزله على مسامع الآخر من خبر يحتاج إلى حنكة وسرعة بديهة ليحل الأمر.
ولا يوجد في تلك الحالة غير حل واحد، أن يسرع ريان بالزواج من وعد قبل مجيء موسى، حتى لا ينكشف الأمر لصقر الذي حاك ريان تلك التمثيلية أمامه، ليس خوفًا من صقر.
ولكن ريان لن يروقه أن يبدو أمام الصقر أو غيره بصورة غير لائقة، أو يصفه أحد بالكذب أو الاحتيال أو المراوغة، فتلك الصفات يوصم بها ريان الجبناء.
ماجد: ما إنت مكنتش هتتچوز غير إكده.
ريان مقتربًا من ماجد يميل عليه، فتراجع الآخر يستند بظهره إلى الخلف متيحًا له الفرصة ليصب جم غضبه، فما فعله ليس بالأمر الهين.
استند ريان بكفيه على مقبضي الكرسي الخشبي الجالس عليه ماجد، يناظره بأعين ذئب.
ريان: من ميتى وإحنا بنعمل في بعض إكده؟! من ميتى وإحنا بنستو.
سخ مع بعض إكده يا ماچد؟!
ماجد وهو يناظره باستغراب: عتجول إيه إنت؟! آني ما فهمش إنت تجصد إيه بحديتك ده!!
ريان وهو ينظر إليه باستخفاف، مستقيمًا بجسده، واضعاً يديه في جيب منطاله، فقد ارتدى قميص بدلته على سروال الجلباب يشمر أكمام قميصه المثنية، يُظهر ساعديه بعروقهما البارز، يفتح أول زرارين من القميص مضيفًا صيحة جديدة إلى الموضة.
فما يرتديه بعيدًا كل البعد عن أية تصاميم، ولكن ريان يضيف للأزياء أناقة وليس العكس.
ريان: ما فهمش؟! ولا فاكر إن جصة إنك عملت إكده عشان اتچوز عتخيل علي؟! 😏جول إن العروسة اللي كت متچوزها وإنت متغصب حليت إفعينك، وعاوز تعجل من چوازك منيها، فجولت تحرك الموضوع، وتصدرني آني 😎.
ماجد بخزي من افتضاح هدفه الأول مما فعل، برغم من اختلاف أسبابه التي دفعته لذلك، فالأمر ليس كما يتخيله ريان، فهو لا يستعجل الزواج لأنه يرغب بها، ولكن ليتمكن من ابقائها جواره لحمايتها دون أن يعترض أحد على ذلك.
ولكن لديه هدف آخر هو يريد دفع ريان للزواج من وعد، بعد ما لاحظ أن ريان يميل إليها وتعجبه.
كما أنه يراها مناسبة له، وقد أشرف ريان على السابعة والثلاثين دون زواج.
فهو أدرى الناس بريان الذي تعجبه حياة العزوبية، والانتقال من علاقة عابرة إلى أخرى.
وماجد يريده أن يستقر مكونًا عائلة قبل أن يتقدم به العمر أكثر من ذلك، فيشيخ وحيدًا دون زوجة أو ولد يتعكز عليه عندما يهرم.
ماجد وهو مطأطأ الرأس يتهرب من النظر إلى ريان قائلًا: الموضوع مش كيف ما إنت مفكر.
ريان: أمال لما هو مش كيف ما آني مفكر، وطيت راسك ليه عاد؟!
ماجد وهو يرفع بصره إليه، ناهضاً عن مقعده، واقفًا قبالته ينظر إلى عينيه بثبات: آني معوزش اتچوزها عشان كيف ما جولت حلية أفعيني، آني ما هجربش منيها، هي بس فترة وهطلجها، آني ما عاوزاكش تبجى زي تعيش وتموت إلحالك، من غير لا أب ولا أخ ولا ولد، معوزكش تفوت الدنيا من غير ذرية، كانك شچرة و انجطعت من چدورها.
أحس ريان بعمق الألم الذي يحمله ماجد بداخله، ولم يفصح عنه من قبل.
فقد قُتِل والده، وهو طفل صغير قبل أن يعيش معنى البنوة، ويستشعر حنان الأب، وربي وحيدًا دون أخ أو سند، وجرت به الأيام تسحق سنينه، وتتآكلها كالجراد وهو يعثوا بالأرض الخضراء يحييلها إلى خراب كالذي عشش بداخله.
رفع ريان كفه يربت على كتف ماجد بمؤازرة قائلًا بنبرة مغايرة: ولما هو إكده طب ما تنصح حالك الول. أمال بتجول هتطلج مراتك ليه عاد؟! ولا عشان حكاية رضوان الله يرحمه، هي ما غلطتش إمعاه، دي كانت مراته على سنة الله ورسوله.
لا يعلم ماجد لما آلمه قلبه بسبب حديث ريان، عن كونها كانت زوجة لآخر قبله، طالما لا يحبها وعازم على فك سراحها وتطليقها بعد ما يضمن سلامتها أو يزوجها هو بذاته لآخر.
وتساءل هل هدفه فعلاً استعجال الأمور لحمايتها؟ وهل سيطلقها إذا أرادت الزواج بآخر.
هز ماجد رأسه ينفض تلك الأفكار مجيبًا ريان: آني خابر إنها ما غلطتش جدام ربنا، أي نعم الطريجة كانت غلط، بس ده ما يديش الحج لأمها في اللي عملته فيها، والعذاب اللي المسكينة دي دجته، وعلم في جتتها لغاية دلوك، واللي بسببه عشية كان ممكن إتموت، آني ما هملهاش تروح عند المراة العجربة اللي اسميها حفيظة، مين عارف عتعمل فيها إيه تاني؟! ولو چرى لها حاچة ما هسامحش حالي إني كان في يدي انچدها وما عملتش إكده، ما هعرفش اطلع لحالي بلمراية، بس كمان ما اجدرش احكم عليها تعيش مع راچل عمره كد عمرها مرتين، يعني كمان عشرة خمستاشر سنة، هكون آني يلا حسن الختام، وهي لساتها صبية في أول عمرها، ربنا جال في كتابه (إياكم والشباب).
ريان: وإنت عچزت إياك؟! ما لساتك بعافيتك، و أكم من رچالة كابيرة اتچوزت نسوانها أصغر منيها، وعلى ذمتهم حريم كمان.
ماجد: فيه كتير بس آني لاه. وهملنا مني دلوك، و جولي نويت تعمل إيه 🤔؟
ريان بتوبيخ: چاي دلوك تجولي هتعمل إيه يا چالوص الطين إنت، بعد ما طينتها!؟!
ماجد باستفزاز غامزاً: ليه يعني؟!🙄 كانك مش مال يدك منيها يا كازانوفا، لاه ما مصدجش إنك لو طلبتها للچواز عترفضك.
ريان وهو يقرض على أنيابه: هزِر، هزر، جوم وهملني دلوك أفكر وأشوف حل للغارجة، اللي ودرتني فيها دي.
***
عند منصور بعد ما صدق حدثه بشأن ما كان يخشاه، إذا بقي في ما يخص توريطه بخطوة أخرى تقربه مما أرق مضجعه بالأمس، وأطار النوم من عينيه، وهو أن يجد نفسه في قفص الزوجية مع غراب البين.
أنهى الصقر الحوار بأمره بالذهاب إلى الغرفة لتغيير ملابسه وحلاقة ذقنه، استعداداً لجلب الأصفاد التي سيكبل بها يديه إلى عنقه مقادًا إلى نحره، ويعني هنا الشبكة، التي سيصله بها الصقر في نهاية هذا اليوم، وبحلول المساء إلى توقيع شهادة وفاته وبيده.
ذهب يضرب الأرض بقدميه كطفل ساخط من أمه لكونها أجبرته على تنظيف أسنانه، وهو يكره طعم المعجون.
فبدى لذيذاً مهلكاً بهيئته الساخطه تلك من وجهة نظره.
وهو يتمتم بصوت غير مسموع: منك لله يا شيخ، ده إنت مستعجل على جوازي، ولا الحمى اللي بتكيد مرات ابنها.
هو بعد أن دخل إلى تلك الغرفة اللعينة كصاحبها، ويقصد هنا الصقر، قذف بالحقيبة أرضًا، فهبطت بثقلها على أطراف أصابع قدمه اليمنى بداخل الحذاء.
فتلقت تلك الحقيبة نصيبها من سيل السباب واللعنات، التي انهالت على لسانه مرتبة كصوت مذيع النشرة الإخبارية، وذلك وهو يرفعها من على الأرض يقذف بها على التخت، يفتح سحابها بعصبية، مما أدى إلى إفلات غالق السحاب، تلك القطعة المعدنية، فبصق على الحقيبة وكأنها تشخصت في هيئة الصقر، قاذفاً بالقطعة المعدنية للغالق أرضاً.
أخرج منصور من الحقيبة ثيابًا نظيفة، مرتدياً إياها بتعجل، عندما طرق عليه الصقر باب الغرفة قائلاً: ما تهم يا عريس، عشان تلحجوا تخلصوا مشواركم عجبال ما اكلملك المأذون عشان يعمل حسابه على الليلة.
منصور بصوت خفيض: وبعدين في شغل أم العروسة ده. ثم رفع صوته من خلف الباب قائلًا: خارج، بغير هدومي، ولا عاوزني اطلع من غير بنطلون؟! 🤭ده أنا قلت لها يا مسموستي حسبتوها عليا غلطة، أمال من غير بنطلون هتقول لي مبروك ما جالك؟!
الصقر متأفأفاً: طب خلصنا عاد.
منصور خافضًا صوته: الهي تخلص أيامك في الدنيا يا بعيد.
خرج منصور وعلى وجهه علامات السخط والنفور.
بينما كان الصقر روحه تتغذى بشغف على إذلاله، كمستذئب متعطش لدماء فريسته.
الصقر بشماتة: خبرك إيه؟! كل ده ومحلجتش دجنك؟! يا عريس.
منصور قائلاً بنزق: نسيت أحط مكنة الحلاقة في الشنطة، لو مش عاجبكم على وضعي كده؟! احنا ممكن نأجلها يوم تاني أو نلغيها أحسن.
الصقر بتسلية: لاه، ليه؟! خليها على المسا عشان يبجى ليك بهچة.
منصور بصوت خفيض: بهجة دي تبقى خالتك.
الصقر بسماجة: عتجول حاجة يا دكتور منصور؟!
منصور: بقول ربنا يجعل كل أيامك بهجة، ثم خفض صوته، وحِزن مضروبين في خلاط ميكس كده.
الصقر لهمام: خذ العربية إمعك يا همام، وتوجه بنظره إلى منصور مستكملاً: وخلي بالك على خيتك، عينك ما تغفلش عنيها.
همام مجيب: عتوصيني على خيتي يا كابير؟! دي في عيني.
الصقر بتصريح متخلياً عن التلميح: وعينك على الدكتور جبل منيها، چايز الشيطان يخلي واحد ولد حرام يدي له طلجة، ولا عيار طايش إكده و لا إكده ياچي له من حيث لا يدري.
همام وهو يهز راسه، بينما يبتلع منصور لعابه بتوتر وخوف وقد فطن ما يرمي إليه الصقر فقال وهو يوجه حديثه لمسعدة: يلا بينا إحنا يا مسعدة عشان ما نتأخرش، وتوجه بالحديث إلى همام: أنا قلت يا مسعدة هه، ألا مش عارف ها ترسي على إيه بعد كتب الكتاب.
توجه ثلاثتهم إلى السيارة، يفتح منصور الباب الأمامى، ليحتل المقعد بجانب السائق، وبالطبع منصور في ظنه ارحم من الجلوس إلى جوار السائق، فخشي أن يصعد بالمقعد الخلفي فتقوم بالجلوس لجواره.
استقلت مسعدة بالخلف، وانطلقت السيارة تقطع الطريق إلى المركز وعلى الجانبين مساحات شاسعة من الحقول الخضراء.
أخذ منصور يفكر لو كانت الظروف مغايرة، ومن كانت في الخلف أخرى غير غراب البين كما يدعوها، لكان الآن يجالسها بالمقعد الخلفي يلتقط كفيها بين يديه، يسمعها من كلمات الغزل ما يجعلها ذائبة إلى جواره، وربما يحالفه الحظ ويسترق قبله من خدها في غفلة من أخيها، والذي سيكون أحدًا آخر غير هذا الهمام.
طوال الطريق وهو على حاله صامت، وهي تتأمله من أسفل نقابها وغطاء عينيها، الذي اتاح لها الفرصة لكي تتمعن في ملامح وجهه، كم هو ساحر حتى مع شعيرات ذقنه النامية وخصلات شعره الأشعث الذي لم يهتم حتى بتمشيطه، وعبوس وجهه، كل ذلك جعل منه إيقونة في الوسامة.
إلى أن رن هاتف مسعدة، فأجابت على الفور، وكانت إحدى زميلاتها في العمل، تدعى ملك.
مسعده: ألو، أيوه، يا لوكا، كيفك يا مزة؟!
فأجابتها من على الطرف الآخر، بينما ابتسم منصور باستهزاء ساخرًا، فبالطبع أي أنثى بالنسبة لتلك الخيمة السوداء، ستكون مزة، حتى لو كانت أنثى البومة.
استكملت مسعدة حديثها قائلة: لاه يا جمر، مچياش النهاردة، آني واخدة أچازة.
فسألتها ملك تستفسر عن سبب تلك الإجازة المفاجأة، فهي تعلم أن مسعدة لا تحب التغيب عن العمل، فهي تعشق عملها وتؤمن برسالتها المهنية، وبأن الطب والتمريض مهنة سامية تطيب آلام البشر، وكم هي محبوبة من زميلاتها ورؤسائها والمرضى والحالات التي تتابعها في المشفى.
مسعدة: عجبالك يا لوكا، اصلي آني دلوك نازلة مع خطيبي الدكتور منصور المركز، لجل ما نچيبوا الشبكة.
صمتت مسعدة برهة تستمع إلى حديث الطرف الآخر مجيبة: لاه و عخبي ليه عاد، الموضوع چه فچأة.
منصور متمتمًا: قصدك توريطة.
وبعد أن أنهت مسعدة الحديث مع صديقتها، قال همام بهيام فهو يعشق ملك صديقة أخته، ويريد الزواج منها ولكنه دائمًا يتردد في طلبها، خوفًا أن تقابل طلابه بالرفض؛ لكونها متعلمة، وهو لم يكمل تعليمه، بسبب الظروف التي جعلت منه أبًا وأخًا لأخته، ومسؤولاً عنها، ومتولياً أمر العمل عند كبيرهم، ورعاية قطعة الأرض التي تركها لهما والدهم.
وعندما اكتمل معه المال اللازم لشراء نصيب أخته بالأرض، أعطاها حقها، ورفض أن تنفق منه شيئًا على نفسها، وقد تكفل هو بكل لوازمها، وسانده الصقر في مصاريف تعليمها بالمعهد.
همام متسائلًا: ألا جوليلي يا جلب أخوكي؟! عِملت إيه ملك في العريس اللي كان متجدم لها؟!
أجابت مسعدة بنبرة حانية تطمئنه: ماتجلجش يا جلب أختك، هي رفضته، وكانها مستنيه حد بعينه.
كان منصور يستمع إليهما، ويستغرب حالة همام، فهيئته لا تدل على كونه تتوافر لديه تلك المشاعر، وكأنه في نظره مجرد آلة.
همام وقد بدا الضيق على محياه: تجصدي إيه؟! و مين ده اللي عينها مني؟!
مسعدة بتسلية: هي ما جالتش حاجة بس بيتهيألي إكده إن اللي عينها مني، هو بردك عينه مني، بس خايف يتحدت، مع ان اللي عنديه جلب زي جلبك أي واحدة في الدنيا دي تستمناه، چمد جلبك يا أخوي، واديني الإذن اتحدتلك وياها، يمكن ربك يبرد نار جلبك، واللي إنت خايف منه ده يكون وهم عنديك إنت بس، وتكون هي كمان ريداك كيف ما انت رايدها.
همام بنظرة أمل: فكرك إكده يا مسعدة؟!
مسعده وهي تربت على كتفه من الخلف: اتوكل على الله يا اخوي، خليني اطمئن عليك جبل ما اهملك.
بدى الضيق على ملامح منصور العابسة من الأساس، فها هو همام يعشق ويتمتع بحق سلب منه، في أن يختبر تلك الأحاسيس، ويعايشها مع من اختارها قلبه.
وكأن الحياة ترغمه كل شيء، فهو لم يختار دراسته، ولا المهنة التي يعمل بها، بالرغم من تفوقه فلقد فرض عليه الوقت حبه لتلك المهنة.
كان منصور يريد الالتحاق بمعهد التمثيل، ولكن أباه حال دون ذلك، وكم تمنت والدته أن تراه طبيبًا فلم يرد أن يخيب أملها به.
كما أنه لم يختار عمله في هذا المكان، فجاء إليه أمرًا بإنتدابه إلى هنا، ناهيًا على آخر ما تبقى له من مستحقات في تلك الحياة، وبات مجبرًا على استكمال حياته مع مسعدة، استنادًا لرغبات وأوامر الآخرين.
بعد مرور بعض من الوقت توقفت السيارة أمام أحد المحلات لبيع المشغولات الذهبية، ولم ينتبه إلا عندما قام همام بفتح باب السيارة المجاور له، وهمام يجذبه من ذراعه ليخرجه من السيارة، فبدى كمسجون تحت طائلة عسكري عربة الترحيلات.
فانصاع يخرج جسده من السيارة، كمن يقاد إلى جلسة محاكمته، والتي يعلم بيقين صدور حكم القاضي مقدمًا بالإعدام وذلك في حالة التماسه للرأفة.
تقدم الثلاثة إلى داخل محل الصاغة، وقام البائع بالترحيب بهم: أهلاً وسهلاً، نورتونا، وبإذن المولى الشغل اللي عِندينا هيعچبكم.
منصور بضجر: خلصنا بقى، وشوف لنا الزفت الدبل اللي عندك هتيجي مقاس الغندورة؟ ولا تعمل لها دبلة عمولة؟!
البائع وهو ينظر إليه باستغراب قائلًا: لاه، ان شاء الله طلبتكم كلتها عِندي.
بينما تحجرت الدموع في مقلتيها، فلقد أفسد عليها فرحتها في يوم كهذا، ولكن لا بأس، يُغلق عليهما باب واحد وستذيقه من العذاب ألوان.
وضعت هاتفها إلى جانبها على زجاج ستاند المعروضات، وأقسمت أن تستمتع وحدها بما يحدث، وتدعه في وجومه وعبوسه، فلن تفوت على حالها متعة اللحظة.
وفي أثناء انشغالها رن هاتفها برقم ملك، وقد كانت مسعدة تضع صورتها خلفية لشاشة الاتصال وهي ترتدي إحدى الفساتين المشخلعة في حنة إحدى صديقاتها أسفل عباءتها، وعندما بَقِيَت الفتيات لحالهن خلعن جميعًا ملابس الخروج واحتفلن بأزيائهن الأنيقة.
لفت نظره تلك الحسناء على شاشة الهاتف، وأخذ ينظر إليها بأعين جاحظة.
فأجابتها مسعدة بعدما بدأت الأولى بالحديث، فكان جواب مسعدة عليها: أيوه يا لوكا، إمنور على شاشة التليفون آهه، ما إنتي عطيتيني الرقم الچديد ده، بعد أما خلصنا عملية إمبارح، وآني سچلته عِندي.
أما منصور فيقف بذهول، مهلًا أتعني أن تلك ملك حبيبة همام أخيها؟!
وبالطبع تلك صورتها التي كانت تزين شاشة الهاتف، فقال بصوت ساخر مرتفع: يا سلاااام، بقى همام عاوز يتجوز لهطة القشطة دي، وأنا!! الدكتور منصور!! اتجوز مسعدة!! دي الدنيا ماشية بضهرها.
استمعت مسعدة لتعليقه بشأن الصورة، والتمست الانبهار على قسمات وجهه، ولمعة عينيه.
فقررت اللعب معه: إيه فيه؟! مالك إمبحلج إكده ليه؟!
أشاح إليها منصور بيده وكأنه يهش ذبابة استقرت على أنفه، ولازال على حالته البلهاء تلك بفمه المفتوح.
فرفعت صوتها وهي توخزه في ذراعه: إيه فيك إنت؟!
تنبه منصور إلى وخزتها تلك قائلاً: بقولك يا أخ مسعد، مين المكنة اللي صورتها على تليفونك دي يا شبح؟!
ابتسمت مسعده أسفل نقابها مرددة: أخ مسعد. دي ملك ماي توينز، تجدر تجول الفردة بتاعتي.
منصور على نفس حاله: طب ما تظبطني معها يا عمنا.
مسعده وهي تجاريه: وماله آني وهي واحد، واللي معاي كانه معها تمام، بس هتجدر على ميمو.
منصور وقد اندمج وكأنه يحدث مسعد ابن خالته: طب ليه البيعة دي طه؟! وهو إيه اللي هيعرفه بس يا أخ مسعد؟!
مسعدة: على جولك، اتفجنا.
***
عوده إلى درش ومزته، وحبة حنان من بتاع زمان.
بعدما أوصلها إلى مبتغاه، فهو يريدها أن تعرض عليه بنفسها راغبة صحبته في رحلة سفرها إلى سوهاج، وها قد مرر إليها الكرة، وبقى الهدف مضموناً بغمزة خفيفة بوجه قدمها.
رفعت همس رأسها عن كتفه قائلة: أنا عندي حل يا مصطفى.
أعاد مصطفى رأسها إلى موضعه بعدما جذبها إليه، وقام بلف ذراعيها حول خصره، مستغلًا حالة التيه التي ألقى بها هو داخل دوامتها، وكأنها اعتادت على هذا الوضع، وهذا التقارب.
قال مصطفى بنبره متأثرة لقربها منه بهذا الشكل المهلك، والذي أثار كل خلية به فبات متشوقًا للمزيد: قولي يا قلب مصطفى.
رفعت رأسها إليه قائلة: إنت لازم......
أصبح وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها، وهو يتأمل حركة شفتيها بجوع، مبللاً شفتيه لاعقاً إياهما بلسانه، وكأنه يستشعر رطوبة شفتيها على خاصته.
باطرًا جملتها، وهو يقترب بوجهه منهيًا تلك المسافة شبه المنعدمة، يحط بشفتيه على خدها الأيمن يلثمه برقة.
قائلًا: فعلاً، أنا لازم أعمل كده.
سألته بتشوش وخجل: إيه ده يا مصطفى؟! أنا ما اقصدش كده.
مال بوجهه إلى الجهة اليسرى، وهو يلمس أنفها بخاصته يحط بشفتيه على خدها الأيسر يلثمه حتى لا تغار تلك الوجنة من الأخرى.
مصطفى ببراءة وقد زلزل كيانها بأفعاله، وكلماته المعسول: أمال تقصدي إيه؟! يا روح مصطفى.
همس وقد ذابت بين يديه كحلوى المارشميلو: ممكن تسافر معايا؟!
أبعد مصطفى وجهه عنها، ولازال محتضنًا إياها، وهو يقول بتفاجئ ورفض مصطنع: إزاي بس يا هموستي؟! طب وشغلي والمحل؟!
همس برجاء ودلال: عشان خاطري يا درش.
مصطفى مدعيًا التفكير: خاطرك غالي أوي يا قلب درش، بس اللي إنتي بتطلبيه ده صعب، صعب. و صمت قليلاً يفرك جبهته بأحد كفيه مستكملاً: إلا إذا.....
همس بلهفة، وهي ترفع كفها تداعب وجنته بإستمالة: إلا إذا إيه يا صفصف؟!
مصطفى وقد استوى: يا لهوي يا أماه، هو أنا بعد صفصف دي، هعرف اتنيل أخد موقف.
مصطفى محدثًا حاله: اثبت ياصفصف مش كده اُمال.
همس بتسائل: ما قلتش إلا إذا إيه؟!
مصطفى بخبث: يعني... لو أخدت حوافز أو رشوة، اللي تجودي بيه.
همس بأعين متسعة: عاوز فلوس؟! بس أنا ما عيش فلوس.
مصطفى وهو يقترب من أذنها قائلاً بهمس دغدغ أوصالها: بوسة.
ابتعدت همس بوجهها عنه شاهقة وهي تضع كفها على فمها: عيب كده يا مصطفى.
مصطفى وهو ينظر إلى السقف بضجر مصطنع: خلاص خلينا واقفين، وخلي السواق متسقع برة.
همت همس لترفض رفضاً قاطعاً، ولكن أصدر السائق زمورًا من بوق سيارته، وتلاه بآخر، مما ينم عن نزقه.
فقامت همس بطبع قبلة خاطفة على وجنته تبتعد سريعًا، ولكنه لم يمنحها تلك الفرصة، وهو يقول: البوسة بتبقى كده.
وسريعًا رفع يده يدعم رأسها من الخلف إليه، يميل برأسه ينقض على شفتيها، يقتنصها بين خاصته، يمتصها بنهم، لاعقًا إياها بلسانه ينهل من عسلهما بجوع، يرتوي بهما بلهفة ظمآن، جاب الصحراء يلهث بعطش، وقد جف حلقه إلى أن عثر على مبتغاه، بعد أن كادت تجف عروقه، فإمتثل يلبي رغبته المتعطشة لها، يعتصر جسدها بين ذراعيه يضمها إلى ضلوعه، رافعاً جسدها عن الأرض، يجلسها على جدار السلم خلفها، يقف بين ساقيها، وشفتيه بعدما ذاقت حلاوة شهدها أخذت تتنقل لاثمة قسمات وجهها عائدًا مرة أخرى إلى كرزيتها يلتهمهما بضراوة تارة وبحالمية تارة أخرى وهي تتأوه بين يديه بإستمتاع.
رواية وعد ريان الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماء حميده
موجة من المشاعر العارمة تضرب بقوة حصون قلبه تدكه، وتحيله إلى أشلاء متناثرة تدعسها بقدميها.
عندما أحس باستجابتها له، رفع جسدها عن الأرض، يجلسها على جدار السلم، فارتفع جسدها عن مستواه سنتيمترات قليلة، وأصبحت هي المشرفة عليه بجسدها، ويداها المحاصرة لخصره بفعل يداه ارتفعت تلقائياً تحط بكفيها أعلى كتفه، تدعم جسدها الذي إنهارت مقاومته أمام تلك المشاعر الجارفة التي تجتاحها في هجوم معذب للأنثى بداخلها.
فلقد اعتادت همس الدلال على من حولها، لكن دلالها عليه غير.
كلما تدللت عليه أرضى هو كبريائها بحنانه الذي يروي أنوثتها، فتستمد من ضعف مشاعرها تجاهه قوة وثقة بحالها.
أما هو هائم في طوفان مشاعره، ويتساءل أي لذة تلك؟!
فإذا كان هذا إحساسه بها من مجرد قبلة، وتلامس بسيط، فماذا إذا أغلق عليهما باب واحد؟!
الفكرة ذاتها قادته إلى الجنون.
وكلما هدأت موجة مشاعره محاولاً الإبتعاد، تضج رأسه بصور قادمة من مستقبلهما معا في شقة الأحلام.
فاشتعلت حماسته مجدداً، وهو ينهل من شهد شفتيها المزيد، وبات وضعهما يثيره للتمادي، فهبط بكفيه يضعهما أسفل فخذيها يرفعها عن الجدار يضمها إليه.
فأصبح جسدها معلقاً إليه في الهواء، فلفت ساقيها حول خصره تدعم جسدها إليه، ويداها مستندة على كتفه.
وبفعلتها تلك صدر عنه آهة تبعها أنين مستلذ، وهو يغزو شفتيها بسيل من القبلات، يدير هو هذه المرة هذا اللقاء الحالمي، فيستحق وبجدارة لقب عاشق مع مرتبة الشوق.
وفي أثناء تلاحمهما الروحي والجسدي، الذي غيبت فيه همس عقلها، وأطلقت العنان لأجنحتها تحلق في سماء عشق هذا المجنون.
وهذا العاشق الذي أدمن شهدها، فلم يعد يطيق صبراً للانتظار، وفكرة واحدة هي ما تلوح بعقله، من سيحاول أن يبعدها عنه فلقد اعتمد شهادة وفاته ووقعها بيده.
لا ليس من سيحاول إبعاده عنها، من سيصور له خياله أن يحاول، فليعتبر نفسه في تعداد الموتى.
همس له وحسم الأمر حتى لو اضطر للقتل، أو تحالف مع الشيطان.
أخذ بوق السيارة يعلو مراراً وتكراراً، إلى أن أخرجهما من نعيمهما، دق على باب البوابة.
فقد أخبرت همس السائق عن اسم صاحب المنزل الذي تقطن به عندما طلب منها اللوكيشن، قام السائق بسؤال أحد المارة، فأخبره أن تلك هي بوابة المنزل المنشود.
عندما استمعت همس لطرق على البوابة، حاولت الفكاك من بين ذراعيه القابضة على خصرها، وهي تنزل ساقيها الملتفة حول خصره ولكنه يأبى الإبتعاد، وأخذ يزأر برفض.
ومع تعالي صوت الطرقات، أفلت ساقيها مجبرًا، فلامست قدميها الأرض، ولكن لازال يحاصرها يستند بجبهته على جبينها، وعلى شفتيه آثار شهدها الذي لا يزال رطباً يمرر لسانه على شفتيه يلعقهما بروية وهو مغمض العينين يلتهم ما بقى من آثار، وأنفس كلاً منهما تتلاحق من فرط المتعة والإثارة.
أجاب مصطفى السائق بنبرة متحشرجة، ولا زال مستندًا إلى جبينها، ويداً ارتفعت تحاوط عنقها، وهي ما زالت مغمضة العينين.
مصطفى: أيوه لحظة واحدة.
أخذ مصطفى يعدل من وضعية ثيابها، وشعرها الذي تشعثت خصلاته، وهو يرجع خصلات شعره إلى الوراء، ويهندم ثيابه سريعاً، ثم قام بفتح البوابة.
السائق لمصطفى: السلام عليكم، لو سمحت يا حضرة، الآنسة همس ساكنة هنا؟!
مصطفى مجيباً بعناد: أيوه ده بيت مدام همس، وأنا جوزها.
السائق بحرج: طب استأذن سيادتك، تندهلها عشان ريان باشا نصار اتصل بمكتبنا، وطالبلها عربية توصلها سوهاج.
التفت مصطفى برأسه لهمس، وهو يسد البوابة بجسده، يحجب رؤية من بالخارج عنها، حتى تستعيد ثباتها وتعدل من هيئتها قائلًا والغضب يبدو على محياه: مين ريان باشا ده إن شاء الله؟!
اجابت همس بنبرة مذبذبة، بسبب ما لاحظته من غضب جلي على ملامح وجهه، واستشعرته من نبرة صوته المتسائلة بإتهام: ده المدير بتاع وعد في الشغل.
إجابتها لم تهدئه بل أثارت غضبه اللعين الذي تأجج غيرةً، وتسائل لماذا يرسل رئيس أختها بالعمل سيارة لها، فهي لم تخبره بعد أنها حكت لوعد قصة زواجهما، بالرغم من أنها لم تخبرها عن العريس بعد، مما دعى وعد إلى استعجال سفرها إليها.
مصطفى بغضب وهو يعتقد أن هذا الريان ربما يعرف جنيته، أو رأى إحدى صورها مع وعد على هاتف الأخرى، قائلًا: ومدير أختك يبعت لك عربية بالسواق ليه؟!
أجابته همس بضجر: وانا هعرف منين؟! أكيد وعد اللي طلبت منه.
مصطفى بعناد: خلاص اتصلي بيها أسأليها.
همس بعناد مماثل: أنا مش فهماك بصراحة!! اتصل بيها اسألها عن إيه؟!
وفي أثناء مشاحنتهما رن جرس هاتفها، فأخرجته من حقيبتها التي لم تشعر بسقوطها أرضًا، أثناء بداية تلك الملحمة قريبة العهد، تناولته من جيب الحقيبة.
وعندها قام مصطفى بسؤالها: مين؟!
فأجابت بتأفأف: دي وعد، استريحت؟!
جذب مصطفى الهاتف سريعاً من يدها، ضاغطًا على زر الإجابة، يرد بدلاً منها فقال: السلام عليكم ورحمة الله.
أجابت وعد مستغربة، وحدثها يخبرها أن هذا هو زوج أختها المزعوم، فردت بحدة: سلام إيه؟! وبتاع إيه؟! إنت مين يلا؟! وفين همس؟!
رفع مصطفى الهاتف عن أذنه، ينظر إلى شاشته، وهو يضعها في مستوى نظره، يتأكد من اسم وعد على الشاشة، ولكن بات يشك ببصره، من تلك التي تجيب على هاتف وعد؟! هل هذه وعد إبنة الحسب والنسب، تربية الڤلل و السرايات.
لا، لا بد وأن هناك شيء خاطئ.
مصطفى: إنتي مين يا بت إنتي؟! وفين الآنسة وعد؟!
وعد بردح، فهي لا تريده أن يظن بأنهما لقمة صائغة، ستجلب همس، ومن ثم تبدأ في التصرف مع هذا الوقح: بت في عينك، يا صايع يا ضايع، يا خايب يا عايب، يا اللي الأدب عنك غايب.
لا لقد طفح كيله، وبدأت ملامحه في التحول، وهو يسب تحت أنفاسه سلاطة لسان من على الهاتف: أنا مش عاوز أغلط فيكي، عشان إنتي واحدة ست، ولو إنك مش ست أوي يعني، امشي انجري اندهيلي ستك وعد أكلمها، خدامة بلسان مبرد عاوز قطعه.
وعد وهي تحملق بعينيها من بجاحة هذا الدخيل، وتهب من جلستها على التخت، تنزل ساقيها من عليه بحدة متناسية قدمها المصابة، فصدرت عنها صرخة مدوية، وهي تلعنه.
فأجاب مصطفى بشماتة، رغم عدم علمه لما يدور هناك: إيه وقعتي و اتكسرت رقبتك ان شاء الله؟!
وعد بغضب: الله يلعنك يا شيخ في كل كتاب حتى كتاب الموتى، ده أنا هطفحك الدم، أنا ستك وعد يا روح خالتك، ولو ما تعرفنيش أكيد سمعت عني.
بماذا تهزي تلك؟! عن أي وعد تتحدث؟!
عن وعد عزام؟! أخت همس كتلة الرقة والرقي والزرافة.
ولكنه أجابها بمهادنة، فهو لا يريد كسب عداوتها منذ الآن، فأمامه معركة، بل معارك، سيخوضها ليحظى بجنيته.
مصطفى: أنا آسف، بس سوري يعني ما تخيلتش إنك تكوني إنتي، أنا مصطفى إبن الحاجة نجوى.
وعد مجيبة بحرج بعد أن هدأت نوبة غضبها قليلًا: مصطفى إبن مامي نجوى، يا أهلا بريحة الحبايب، إزيك يا درش؟! وإزي أمك؟!
مصطفى مجيبًا بذهول: أفندم.
وعد بتصويب: سوري يا درش، عامل إيه؟! ومامي نجوى عاملة إيه؟! وعمو زكري؟!
ف وعد تعرف الحاج زكري، لقد أتى إلى القاهرة عدة مرات؛ ليصطحب نجوى، عندما كانوا يذهبون لقضاء العطلات الدراسية خارج البلاد أو عند ذهابهم للمصيف.
بينما تعجب مصطفى منها ومن تغير مزاجها بلحظة، فللآن لا يعرف كيف يسيطر على نوبة غضبه منها تلك الوعد أم لسانين، كما أطلق عليها بينه وبين حاله.
مصطفى: الحمد لله كلنا في نعمة.
وفي داخله لا بأس من تحمل لسانك ما دام هذا سيقرب بيني وبين فاتنتي.
استكمل مصطفى متسائلاً: آنسة وعد، فيه سواق وعربية برة، والسواق بيقول إن فيه واحد كده اسمه ريان بعتها عشان تاخد آنسة همس، وإنتي عارفة إنها في أمانتنا ولازم نطمن عليها.
أجابته وعد بعد ما اطمئنت له قائلة: رجولة يا درش ما فيش كلام، أيوه ريان باشا ده يبقى مديري في الشغل، وأنا اللي طلبت منه يبعت العربية لهمس، عشان تيجي هنا عندي بدل ما أنا في حتة وهي في حتة، وكمان عشان ما نتقلش عليكم أكثر من كده.
فأجابها مصطفى سريعاً: تتقلوا ايه بس؟! ده أنتوا خف الريشة، واستكمل غامزاً لهمس التي استحال وجهها إلى اللون الأحمر من شدة الخجل، بعد تلميحه عما كان الوضع منذ قليل: ده إحنا نشلكم على كفوف الراحة وتلى جملته قضمة لشفاهه السفلى: بس يا آنسة وعد حضرتك مش شايفة إن حكاية سفر الآنسة همس لوحدها مع راجل غريب مش حلوة، وكمان ما تضمنيش إيه اللي ممكن يحصل، فأنا بأقترح إني أوصلها وأسلمهالك بنفسي.
أعجبت وعد برجولة ونخوة مصطفى، وقد استحسنت رأيه قائلة: طب والله قولت رجولة، بس مش عاوزين نتعبك معانا يا درش.
مصطفى: تعبكم راحة، إحنا خلاص بقينا أهل.
استشاطت تلك الواقفة غضباً من تجاوزه السابق مع وعد عندما اعتقد أنها الخادمة، وكذلك تلميحاته المتتالية، فهي تريد أن تمهد القصة لأختها، وتكون هي أول من تصرح لها بما حدث.
استغربت وعد لتصريحه الأخير (إحنا بقينا أهل)، ولكنها أرجعت ذلك لكون والدته السيدة نجوى أو كما تلقبها وعد وهمس (مامي نجوى)، فهي بمثابة أم ثانية لكلتاهما.
فأجابت وعد: حبيبي يا درش، مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه؟ خلاص مستنياك إنت والأمانة، وتعني هنا همس.
ولكن من صعد مسرعاً لم يستمع سوى لجملتها الأخيرة، وبدايتها حبيبي يا درش.
فبعد أن تركه ماجد في الحديقة؛ ليحل تلك المعضلة، ويفكر كيف يقنع وعد بإتمام الزواج، وحتى لو كان على ورق؛ لحفظ صورته أمام والده والصقر والجميع.
قرر اللعب على وتر صورتها هي الأخرى أمام أختها الصغرى التي أرسلت في طلبها.
ولكن بعدما استمع إلى ما قالت احتدمت بداخله براكين مثارة من النيران.
وما إن أغلقت الخط مع مصطفى، واطمئنت على همس معه.
اندفع الآخر يفتح باب الغرفة دون استئذان.
مما جعلها تنتفض بفزع قائلة: إيه ده؟! فيه حد يدخل كده من غير استئذان؟! افرض كنت بغير هدومي؟!
اقترب بعد أن أغلق الباب خلفه بحدة قائلاً: وإيه فيها يعني؟! ما إنتي مطرياها آهه، وحبيبي يا درش ومجضياها مرجعة، وعندي آني تعملي خضرة الشريفة.
وعد بحدة: إنت إزاي يا ح....
ولكنها لم تستكمل اللقب الذي كانت تنوي قذفه به.
بعد ما رأته يعقد ذراعيه أمام صدره، يرفع أحد حاجبيه في تهديد صريح موجزه (أتحداكي أن تكملي، وإن فعلتي لا تلومي في تلك الحالة سوى حالك أنتي).
فتراجعت؛ خشية بطشه أو وقاحته فكلاهما مخيف بهيئته تلك، فتحدثت بنبره أقل حدة، وهي تبتلع لعابها، وقد جف حلقها، وشعرت بلسانها قد تيبس: إنت إزاي حضرتك بتكلمني كده؟! وبأي حق؟!
لقد أصابت الهدف بأي حق؟!
تأنى يجيبها: حسك كان جايب لآخر الطرجة بتاعت الجاعات، فرضنا حد غيري كان سمعك، كان هيُبجى شكلي آني كيف، وإنتي المفروض جدام الكل مرتي؟!
أجابت وعد وهي تعترف بخطأها، فبينهما اتفاق، قبضت نصف المتفق عليه بشيك قابل الصرف، فلابد لها وأن تحاذر: آسفة ما خدتش بالي، المرة الجاية هكون حريصة أكتر من كده.
أجابها بضيق: هو لسه فيها مرة چاية؟! ومين ده اللي كتي بتتحدتي وياه؟! وچاي لك فين؟! وإيه الأمانة اللي معاه؟! إنتي متورطة في حاچة جولي يمكن أجدر أساعدك.
أجابته وعد بتلقائية: لا يا حتة، ده مصطفى ابن المربية بتاعتي، بيستأذن يوصل همس، عشان خايف تيجي لغاية هنا لوحدها مع السواق.
فسأل مستفسرًا: وده يخليكي تجوليله حبيبي يا درش؟!
وعد وهي ترقص حاجبيها: دي غيرة دي بقى ولا إيه؟!
ريان بتهرب: وعغير عليكي ليه إن شاء الله؟! آني بس بستفسر يعني، ليكون في حاچة بيناتكم، فياچي هو وخيتك يلجاكي اتچوزتي، فيتصدم وتَچيله ساكتة جلبية إن شاء الله.
شردت وعد في حديثه، فهي لم تكن تحسب حساباً لكل هذا، طرقت على جبهتها بكفها: أيوه صح، أنا هعمل إيه في الورطة السودة دي؟!
ريان بخبث: ما اظنش هيعارض لو جولتيله إن دي تمثيلية، وهتجبضي فيها 2 مليون چنيه.
اجابت وعد بشرود: يولع هو، أنا شكلي هيبقى إيه قدام همس أختي؟!
علم من حديثها أن هذا الدرش لا يعنيها، فبقى أمامه أن يصل بها إلى حقيقة واحدة، وهي ضرورة إتمام عقد الزواج، حتى لا تظهر بمظهر غير لائق أمام أختها.
أما هي فقد غاصت في بحر أفكارها، بالأمس هاجمت أختها لزواجها بتلك الطريقة من دون علمها وفي القسم، بما ستبرر لها فعلتها بالمكوث مع رجل غريب، وتتشارك معه نفس الغرفة والكل يعلم أنها زوجته، ولكن دون عقد زواج.
انتشلها ريان من بين أفكارها قائلاً: هو الصراحة شكلك مش هيبجى تمام لا جدام أختك، ولا جدام اللي اسميه مصطفى دِه، أخذ يفرك جبهته مدعياً التفكير مستكملاً بتردد مصطنع: هي ليها حل.
انتبهت وعد لحديثه، عندما ذكر الحل قائلة بلهفة: الحقني بيه إلهي تنستر.
ريان بتقزز: إيه إلهي تنستر دي؟! إنتي عتشحتي؟! وجال إبن المربية!! يعني المفروض إنك بت ناس.
وعد بضيق في الوقت يمر ولابد من إيجاد حل: الحقني بس بالحل الأول، وبعدين نبقى نقعد على رواقة احكي لك كتاب حياتي، ونفتحه من أول صفحة كمان.
ريان بمراوغة وهو يدور بالغرفة، وكأنه يقلب الحل الذي اتخذ فيه قرار مسبق، ليس من أجلها، ولكن لكون هذا الحل يصب في مصلحته أولًا قائلًا: بس آني إيه اللي هيچبرني أعمل إكده🤔.
وعد: ما تفهمني يا عمهم إنت بتفكر في إيه؟!
ريان بمكر: يعني بجول.... وتمهل قليلاً: ولا أجولك أكيد فيه حل تاني، سيبيني جيمة ساعتين تلاتة إكده افكرلك في حل للجصة دي.
وعد برجاء واستماة: أنا لسه هستنى ساعتين تلاتة في حرقة الدم دي؟! قول بس اللي عندك، وإن شاء الله هنلاقي حل وسط ينجدني من المشكلة دي، ويرضيك في نفس الوقت.
ريان وهو يقول مدعيًا التردد: آني بجول إننا نكتبوا ورجة عشان ما حدش يتكلم إمعاكي.
لطمت وعد خدها قائلة بصدمة: عرفي؟! عاوزني اتجوزك عرفي؟! طب ده ألعن.
بعد أن غادر منصور ومعه مسعدة وأخيه همام.
ذهب صقر تجاه الباب الداخلي للدوار قاصدًا مكتبه؛ لإنهاء بعض الأمور الخاصة بالعمل.
وفي طريقه قابل أنيتا في بهو الدوار، وتبدو تائهة وكأنها تبحث عن أحد ما.
وعندما رأته ذهبت إليه مسرعة تقول: إيه يا أبوي؟! فينك؟! عدور عليك بجالي ياما، وما شيفاكش، لا إنت ولا حدا من الدار غير المراة الرطاطة اللي اسميها صابحة دي.
انحنى الصقر إلى مستواها يرفعها عن الأرض.
وهي تتعلق برقبته، وكأنه والدها حقًا وباتا معتدين على الأمر.
الصقر قائلًا: مالك يا جلب أبوكي؟! إيه فيه؟! وإيه اللي منزلك وإنتي لساتك تعبانة؟!
أجابته أنيتا بتأفأف: مش وجت حديت دلوك، آني زينة، أمي هي اللي بعافية، باينها إكده لجطت الدور اللي عندي ده، وهملتها فوج وهي بتفرفر من الحمى، وجولت اتدلى أشوف حد ياچي يشوف الوحلة اللي آني فيها دي.
انقبض قلب الصقر عند استماعه لما قالت تلك الصغيرة.
أنزلها صقر أرضا بحرص، وهو يقول: طب روحي إنتي يا جلب أبوكي، أفطري عشان تاخدي دواكي، وآني هطلع أشوف إيه فيه؟!
إمتثلت الصغيرة لما قال، بينما صعد هو الدرج سريعاً؛ ليتقصى ما في الأمر، ويطمئن فؤاده الملتاع عليها.
قام بالطرق على باب الغرفة، وعندما لم يجد استجابة منها، زاد قلقه عليها، فقام بفتح باب الغرفة.
وجدها متسطحة على التخت بوهن، فاقترب منها، وجدها ترتجف بشدة من الحمى، ويبدو أنها لم تعتاد هي الأخرى على جو الصعيد، أو ربما أصيبت بهذا الدور الشديد، كما قالت (ست أبوها أو ست الدار) أنيتا.
وضع صقر كف يده يلامس جبهتها ممررًا إياه على خدها، فوجد أن حرارتها مرتفعة بالفعل، فذهب سريعاً إلى المرحاض الملحق بالغرفة، يبحث عن أحد المناشف الصغيرة؛ ليبللها ويضعها أعلى رأسها؛ لكي تمتص بعضاً من تلك الحرارة، وتقلل من شدة الحمى، حتى يعود هذا المنصور من المركز برغم من أنه لا يستصيغ فكرة أن يراها منصور ثانية، ولكن مجبراً أخاك، لا بطل.
خرج صقر من الحمام مسرعًا عندما لم يجد بالحمام أية مناشف، فوجدها تأن في محاولة لفتح عينيها.
اقترب من التخت يجلس إلى جوارها على طرفه،، وهو يتلمس جبهتها مجدداً، وقد بدأت في التعرق، وهي تزيح الغطاء عنها، فهكذا حال المحموم تارةً يشعر بالبرودة ويحتاج إلى التدفئة، وتارةً يشعر بالحر الشديد ويبدأ في التعرق.
وبإزاحتها الغطاء وهي ما زالت على حالها منذ أمس بهذا الرداء الأحمر المثير، بالإضافة إلى انحصاره أعلى فخذيها يظهرهما بسخاء أمام عينيه، في مشهد بات طوال ليله يتخيله في أحلام اليقظة، وحتى عندما غفت عينيه قبيل آذان الفجر، فكانت بطلة أحلام يقظته وغفوته.
ابتلع لعابه بتأثر مع اهتزاز تفاحة آدم خاصته، وأخذ يوبخ حاله.
أبعد نظره عن ما شتت تفكيره محاولاً إعمال العقل، ولم يجد حل سوى أن يساندها إلى الحمام؛ ليضع رأسها تحت الماء البارد علها تهدئ من حرارتها.
أخذ يربت على وجنتها برفق قائلا: انجيل إنتي سمعاني؟!
ولكن لا إجابة فقط أنات مكتومة، وهي ترمش بجفنيها تحاول فتحهما، ولكن يبدو أن الحمى الشديدة أثقلت أهدابها فكل محاولاتها تبوء بالفشل.
أزال الصقر الغطاء عنها يحاول معاونتها على النهوض، ولكن كان جسدها مثقلًا بإرتخاء لا يستجيب.
لم يفكر كثيراً وهب ناهضاً من على الفراش، يغلق مزلاج الغرفة من الداخل، حتى لا يدخل أحد من الخدم ويتساءل ما الذي أتى به إلى هنا، والأسوء أن يراها أحد على تلك الهيئة وبهذا الثوب المثير، حتى لو كانت الخادمة إمراة مثلها فهو يغار.
بعد إغلاق الصقر المزلاج توجه ثانية ناحية التخت، يضع يداً أسفل ظهرها يحاوط الجزء العلوي من جسدها، واليد الأخرى أسفل لامؤاخذة فخذيها، يستقيم بها واقفًا متوجهاً ناحية المرحاض ينحني بجزعه لأسفل يحاول ايقافها تحت رشاش المياه (الدش)، ولكن قدميها باتت كالهلام لا تحملناها.
حاوط الصقر خصرها يدعم جسدها بذراع واحد إليه، حتى لا يتراخى جسدها فتسقط أرضاً، وباليد الأخرى فتح الصنبور؛ لينهمر الماء البارد على كليهما...
فإذا بها..........
أسرع محمد خارجًا من المشفى، فوجد صديقه حسن ومعه نفس السائق يستندان إلى السيارة، وعندما وجدوه يخرج من المشفى متعجلاً، استقام كلاهما في وقفته، يتوجهان إليه.
حسن والسائق وكل منهما يتناوبان السلام بالأيدي مرددين عبارات المواساة: البقاء لله يا محمد.
محمد وهو يرد على كليهما مشغوفاً: البقاء لدين محمد.
يلا بينا يا جماعة على الحارة.
أجابه حسن بإستغراب: مش لما نكرموا الراجل الأول، ونوصلوه؟! وبعدين نبقوا نروحوا.
محمد وهو يتجاوزهما متوجهاً ناحية السيارة: يلا بينا وهفهمكم في الطريق، بس الأول هعدي على مكتب الأستاذ طارق المحامي اللي مكتبه في شارع.....
حسن: طب ما الأستاذ نجيب جنب البيت، ومعانا في المنطقة، ومش هيتأخر في أيتوها خدمة، وبعدين هي الإجراءات صعبة كده، محتاج محامي؟!
أشار محمد للسائق قائلًا: إركب يا اسطى وإطلع، واستكمل وهو يوجه حديثه إلى حسن: أنا عاوز الأستاذ طارق لإني بثق فيه، واركب بقى مفيش وقت.
استقل الثلاثة السيارة، ومحمد يجيب حسن بالقليل عن اسئلته التي إنهالت عليه، وهو صاحب العقل الشارد، وقد قاده عقله إلى حل واحد سيكون آخر حل في جعبة الحاوي تحسباً لأي أمر قد يستجد بعد سفرهم إلى الصعيد.
عندما وصلت السيارة أمام المبنى الذي يوجد به مكتب الأستاذ طارق المحامي، أوقف السائق مكابح السيارة، فإرتجل منها محمد قائلًا: تمام يا رجالة، ما نجلكمش في حاجة وحشة، العزا هيبقى بعد ما نرجعوا من الصعيد بعد الدفنة.
حسن بشهامة: طب ما يلزمش أي خدمة يا أبو الصحاب؟! لو عاوزني أسافر معاك أنا في الخدمة.
محمد: تشكر يا حسن، شايلك لعوزة، اتوكلوا على الله أنتم يا رجالة.
تحركت السياره وبها السائق وحسن.
بينما صعد محمد السلم سريعاً، ولم ينتظر هبوط المصعد، فعلى كل حال مكتب المحامي بالدور الثالث.
دخل محمد مكتب الأستاذ طارق يسأل السكرتيرة عنه، فأخبرته أنه لازال بالمحكمة، فلديه جلسات هامة يتوجب عليه حضورها بشخصه، ولا يمكن إحالتها إلى أي أحد من المتدربين الجدد.
أخرج محمد هاتفه يحاول مهاتفة طارق، ولحسن حظه كان الثاني قد إنتهى فعلياً من آخر جلسة توجب عليه حضورها، فهو بالمحكمة منذ الثامنة صباحاً والساعة الآن أشرفت على الثانية عشر إلا بضع دقائق.
أجاب الأستاذ طارق على محمد، فأنبئه محمد بما يريد، وقد طلب طارق أن يعطي محمد الهاتف لسكرتيرة مكتبه فأملاها ما يجب عليها فعله، نظرًا لاستعجال محمد في إنهاء الأمر سريعاً.
فأعطت السكرتيره لمحمد الهاتف، ويدها تمتد إلى أحد أدراج مكتبها تعبث بمحتوياته تخرج بعض الأوراق، تمررها لمحمد الذي التقطها سريعاً، يهبط الدرج وهو يطوي تلك الأوراق ويضعها بجيبه.
أخذ محمد يسلك منعطفات مختصرة ستصله سريعاً إلى منزله.
وما إن أصبح أمام بنايته، أخذ يصعد السلم كل درجتين معًا بخطى أقرب إلى الوثب، فوجد صوت المذياع يتلو بعض آيات من الذكر الحكيم.
عندما ولج إلى الشقة، وجد العديد من سيدات الحارة يرتدين ملابس الحداد، من بينهن والدة صديقه حسن التي وبالطبع أخبرت الأخريات اللاتي لم يتأخرن في مؤازرة سارة وهناء لحين عودة تحية وفتحية ومحمد.
أخذ يبحث بعينيه عنها، وجدها تجلس بين هناء وفتاة أخرى من حارتهم.
تستند بحزن إلى كتف هناء، وعيناها شديدة الإحمرار من كثرة البكاء.
اقترب منهما قائلًا: وبعدين يا سارة؟! إحنا قولنا إيه، وتوجه بحديثه لهناء فهي الأكثر تماسكًا: هناء، إنتي عارفة بطاقة سارة فين؟!
هناء: أيوه، دي من ساعة ما طلعتها من شهرين، وهي فرحانة بيها، وحطاها في شنطتها.
محمد: طب خشي هاتيها بسرعة، عشان فيه أوراق لازم تتمضى عشان إجراءات الدفن، وعمتي من صدمتها بالخبر، ما أخدتش معها بطاقة.
هرولت هناء مسرعة لتحضر إثبات الهوية العائد لسارة.
بينما جلس هو في المقعد الذي كانت تحتله هناء، يخرج تلك الأوراق التي اعطتها إليه السكرتيرة، ويقوم بوضع القلم في يد سارة المغيبة لتقوم بالتوقيع دون إطلاع، ويقوم هو بإيداع الرقم القومي لبطاقتها الى جانب الإسم بعد أن جلبت هناء البطاقة، وهو يخبر هناء بأن تجهز حقيبة سريعة بها ما قد يلزمهما حتى يسافروا إلى سوهاج؛ لإتمام مراسم الدفن.
رواية وعد ريان الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماء حميده
أعدت هناء حقيبة بها بعض الأغراض التي سيحتاجونها أثناء تلك السفرة وبها بعض الملابس السوداء التي ستلزمهم هناك.
حمل محمد الحقيبة، وقامت هناء بدعم سارة أثناء هبوط السلم، فهي تتحرك وكأنها جسد غابت عنه الحياة.
أما الذي يسبقهما بخطوات، كان يعاود النظر خلفه إليها كل برهة، وقلبه يؤلمه لما آلت إليه حالتها، يود لو يدخلها بين ضلوعه يطيب آلامها، وعينيه ترجوها التماسك و تسألها السماح، فلم يجد حلًا آخر أمامه سوى ما أقدم على فعله، وذلك بعد ما قابل عمها و إبنه بالمشفى، وسيطرتهما المطلقة على عمته، وفرضهم الرأي في ضرورة تشييع الجنازة، و إتمام مراسم الدفن من بلد زوج عمته بسوهاج.
وتلك التحكمات لم تروقه على الإطلاق.
فقد استمع من قبل لقصة حب عمته وزوجها، ومدى تشدد عائلة زوجها في الماضي بضرورة زواجه من ابنة عمه، وعند رفضه اعتبروه في عرفهم خارج عن قانون العائلة.
ففي معظم عائلات الصعيد زواج الأبناء يكون من نسل العائلة.
كما أن محمد يعلم بأن زوج عمته لديه إرث في الصعيد، لا يعرف قدره ولا يريد أن يعرف، فكل ما يهمه سارة، سارة و حسب.
ولكن إذا كان ميراثها هذا ذو قدر، ربما يسعى عمها لزواجها بإبنه طمعاً في هذا الإرث، وربما يستميت على تلك الزيجة تأميناً لإبقاء هذا الإرث داخل العائلة.
استوقف محمد سيارة أجرة، وفتح الباب الخلفي؛ لتجلس صغيرته، وهو يعاونها على الصعود.
بينما استدارت هناء حول السيارة؛ لتجلس إلى جوارها.
وقام السائق بفتح الجيب الخلفي للسيارة؛ ليضع محمد حقيبة السفر التي بيده، وجلس في المقعد المجاور للسائق.
كل ثانية يرفع بصره إليها، يجدها تستند برأسها على زجاج النافذة، مغمضة العينين والدموع ترسم مجراها على خديها بصمت معذب لقلبه المنفطر ألمًا عليها.
وهناء تقبض على كفها تربت عليه بمواساة.
وضع محمد يدًا على جيبه يطمئن على تلك الأوراق بحوزته، والتي استكمل بياناتها في غرفته، أثناء تحضير هناء حقيبة السفر قبل مغادرته، وتلك المتقوقعة على حالها في جهل تام لما دار ولا أحداً غيره يعلم ما يدور برأسه.
بعد نصف ساعة وصلت السيارة إلى المشفى، فترجل محمد يفتح لها الباب، وهو يلتقط كف يدها يعاونها على الخروج من السيارة.
وما إن رأت سارة هذا الحشد المتجمهر أمام المشفى، بعد تمام علم جميع أهالي الذين لقوا مصرعهم في تلك الحادثة المفجعة، والعديد من السيدات المتشحات بالسواد، و الكثير من الأطفال الذين تصاعدت أصواتهم بالبكاء، وامتزاجها مع أصوات صراخات وعويل هؤلاء النسوة في سيمفونية تبعث الرهبة والخوف في النفوس، وخاصة نفس تلك الصغيرة.
رائحة الموت تفوح في الأرجاء، وكأنه يوم النفخ في الصور.
دارت بعينيها حولها بصدر منقبض، وقلب يتملكه الرهبة و الخوف، و أخذت وتيرة ضربات قلبها في الإنخفاض، حتى غامت الصور أمامها، و تلاشت الأشخاص والأماكن، وصوت العويل يضرب حواسها السمعية بأصوات صخب المحيطين بها، وبات الصوت يضرب أذنيها كقرع طبول الحرب، و هناك صوت من اللا شيء يناديها فاستجابت لدوامة الظلام التي تسحبها إلى العمق.
كان المتابع لها يسير جوارها يقترب بها من تلك الحشود، حتى توقفت أقدامها عن السير تتابع ما حولها بتيه، فرفع ذراعًا يحاوط كتفها، ورفعت بدورها يداً تتشبث بقميصه من الأمام بأنامل مرتجفة، وجسد متشنج إلى أن أحس بجسدها يتراخى، فأمسك كفها المتشبث به، وخفض رأسه يطالعها، فوجدها ترمش بعينيها وهي تهز رأسها يميناً ويسارًا برفض للواقع الذي يدور حولها، حتى استجاب جسدها لرغبة عقلها الذي يطالب كلاهما بالإنفصال عن الواقع، وجسدها يتسرب من بين قبضتيه كالماء.
وقبل ارتطامها بالأرض، هبط بجسده يدعمها إليه، وهو يخر ساقطًا معها على ركبتيه، يستحلفها الصمود والبقاء لأجله، وهو يربت على خدها بحنو و قد فرت دمعةً هاربة من بين جفنيه، قائلًا : سارة، سارة حبيبتي، ردي عليا، سااااارة.
قال الأخيرة بصراخ غطت عليه أصوات أخرى توازيه ألمًا و هي أصوات المتجمهرين.
حمل جسدها بين ذراعيه يتجاوز الحشود، وعندما خطت قدماه بوابة المشفى، أخذ يدور بعينيه حوله عله يجد من يساعده، فوجد إحدى الممرضات تمر أمامه فاستوقفها قائلا : لو سمحتي، أنا معايا حالة، أروح بيها فين؟
بينما لحقت به هناء تهرول خلفه.
أجابته الممرضة، وهي تشير إلى آخر الممر : روح بيها الإستقبال، الطوارئ زحمة دلوقتي؛ بسبب الناس اللي جم في الحادثة.
أجابها محمد بإمائة من رأسه، وهو يتوجه بها نحو الجهة التي أشارت إليها الممرضة.
في تلك الأثناء كان يهبط الحاج سامح عمها وابنه علاء درج المشفى متوجهين إلى الإستعلامات؛ لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم إستلام جثة فقيدهم، أم لازالت هناك إجراءات أخرى.
وقع بصر سامح على محمد، وهو يهرول ناحية الممر، فنكز علاء في ذراعه، قائلًا بتهكم، وهو يشير ناحية محمد : مش ده الشملول ابن أخو الغندورة مرات عمك؟!
توجه علاء ببصره حيث يشير أبيه، وهو يرد عليه بنفس النبرة التهكمية التي ورثها عن أبيه، قائلًا : أيوه يابا هو، بس مين دي اللي شايلها🤔؟! ورايح بيها على فين؟! لا تكون سارة بت عمي؟!
سامح : لازمن هي سارة، هم يا علاء نشوفوا إيه الحكاية! الواد ده مش مريحني، وشكله إكده هيخربطلنا كل اللي مخططينله.
اسرع الاثنان خلف محمد؛ ليستقصوا ما في الأمر.
بينما دخل محمد وهو يحملها، وخلفه هناء إلى غرفة الإستقبال، يريح جسدها على السرير الطبي.
اقترب منهم الطبيب متسائلًا : مالها؟! إيه اللي حصل لها بالظبط؟!
وهو يمد يدًا يمسك معصمها، واضعًا إبهامه على شريانها النابض، وهو ينظر لساعة يده، والآخر يجيب بإقتضاب و غضب مكتوم؛ لكونه ممسكاً بيدها : ما أعرفش، فجاءة وشها إصفر، وبدأت ترتعش، و اغمى عليها، وبعدين حضرتك اللي بتسألني!! مش إنت المفروض الدكتور؟! ولا إيه؟!
وفي هذه الأثناء دخل كلاً من سامح وعلاء، وهما يبديان تأثر و لهفة مصطنعة.
سامح وهو يسأل الطبيب : إيه فيه يا دكتور؟! مالها الغالية بت الغالي؟!
أجابه الطبيب بعدما خالت عليه لهفة هذا الكهل، قائلًا بتبجيل : ما تقلقش يا حاج، خير إن شاء الله.
رفع الطبيب كفه نحو رأسها يفرج جفنيها، وبيده الأخرى كشافًا صغيراً، وهو يميل برأسه إليها، يفحص قاع عينيها، و أحدهم يتميز غيظاً.
إلى أن اقترب علاء من السرير إلى جانب محمد، يمد يده؛ ليلتقط كف يدها بحنان زائف.
فوجد من يقبض على معصمه كالكماشة قاطعًا عليه الطريق إليها، ونظرات الغضب تتفاقم داخل مقلتيه يوزعها بين الطبيب و علاء، وهو يعيد ذراع الآخر بحدة إلى موضعها.
موجههًا حديثه إلى الطبيب الذي قام برفع كم العباءة السوداء التي ترتديها بمعاونة هناء، و هو يلف جهاز قياس الضغط حول ذراعها، و أنامله تتلمس يدها عن غير عمد، ولكن تلك اللمسات زادت من إثارة غيرته، واندلعت بداخله نيران تأكل أحشائه، قائلًا بغضب 😣 : ما خلاص بقى.
توجه بصر كل من بالغرفة إليه، و علاء يناظره بغل مما فعله منذ قليل، قائلًا : إيه فيك إنت؟! مالك بتزعق كده ليه؟! وبعدين فهمنا إيه اللي حصل! مش إنت عملت فيها سبع رجالة في بعض، وقلت هروح أجيبها؟! فهمنا بقى إيه اللي جرى لها؟! وإزاي شايلها، وماشي بيها كده قدام الناس؟!
ناظره محمد من أعلاه إلى أسفله، قائلًا بنبرة هازئة : أطمن عليها الأول، وبعدين نشوفوا حكاية السبع رجالة في بعض دول، وبعدين يعني واحدة أغمى عليها في الشارع، وأنا اللي المفروض أقرب حد ليها، عاوزني اسيبها عقبال ما أخد الإذن؟! واخده من مين أساساً؟!
سامح : بزيداكوا نجار عاد، مش وقته حديتكم ده.
أزال الطبيب سماعة أذنه، وهو يفك جهاز الضغط محررًا مرفقها، و وجه حديثه إلى سامح : ما تقلقش يا حاج، ده ضغطها واطي شوية، وشكلها ما أكلتش حاجة من الصبح، وهو ده اللي عمل لها هبوط.
قال هذا، وهو يقوم بحقنها بعقار رافعًا للضغط في الوريد.
محمد بلهفة واضحة : يعني هي كويسة؟
الطبيب بعدما لاحظ اللهفة بعينيه، كما قرأ الغيرة بهما منذ قليل، قال يطمئنه : ما تقلقش يا استاذ، خطيبتك بخير.
سامح بحدة : خطيبة مين يا دكتور؟! دي بت أخوي الله يرحمه، وخطيبة ولدي ده.
وأشار إلى علاء، ومحمد يزجرهما بعينيه، و لسان حاله يقول (مهلًا لازال بجيبي الكارد الرابح).
الطبيب يتحمحم بحرج : طب يا جماعة، الآنسة كلها ساعة وهتفوق، وتقدر تروح معاكم، وأنا هبعتلكم حد من التمريض يعلق لها محلول.
أخذ كلاً من محمد وعلاء ينظر كلًا منهما إلى الآخر بندية، وكأنهم زوج من الديكة بأعرف حمراء.
جاءت الممرضة وقامت بتعليق المحلول المغذي لسارة وهي تقول : ألف سلامة عليها، معلش بستأذن حضراتكم محتاجين حد في الإستعلامات عشان حساب المستشفى.
بالطبع هو لن يتحرك من جوارها قيد أُنملة، ليس لكونه لا يرغب في سداد فاتورة المشفى، ولكن لن يدعها مع هذا العلاء، حتى ولو كانت أخته و عمها معهما.
قال سامح لولده : روح يا علاء ادفع حساب المستشفى.
وهو ينظر بسخرية إلى محمد، ولكن محمد يناظره بنظرة تهكمية تقول (اسخر كما تشاء فلن أبرح مكاني).
استوقفه محمد قائلًا : معاك تحاسب يا لوئة؟! ولا أقولك، ومد محمد يده إلى جيبه يخرج حفنة من النقود، قد جلبها معه تحسباً لأي ظروف يناولها إلى علاء مستكملًا : خد حاسب يا لوئة، وهات الباقي.
علاء وهو يجز على أنيابه بغيظ : كفي نفسك.
بعد مدة تقارب الأربعين دقيقة، بدأت من على الفراش ترمش بعينيها، وهناك زوج من العيون تراقبناها.
بينما ذهب سامح وعلاء بعد عودة الآخر من الحسابات إلى إدارة المشفى، بعد استدعائها لأهالي المتوفين ممن جاء دورهم لاستلام جثث ذويهم من المشرحة في المكبر.
مد محمد يده يتلمس جبهتها ومنبت شعرها أسفل غطاء الرأس الأسود، الذي كانت تضعه بإهمال إثر هذا الموقف المهيب، برغم من كونها غير محجبة.
التقت نظراتهما إحداهما حزينة معذبة، والأخرى حانية مطمئنة، قائلًا لها بنبرة قوية : أنا مش عايز أشوفك كده، مش عايز أشوفك بالضعف ده، ما تعودتش عليكي كده، دايماً بشوفك قوية وناشفة، مفيش حاجة تقدر تهزك أو تكسرك، عمي دلوقتي في مكان أحسن، وما أظنش إنه هيبقى مبسوط للي إنتي فيه ده، قومي أوقفي على رجلك، عاوز أشوف سارة بتاعت زمان اللي بتاخد من الدنيا اللي هي عاوزاة، مش اللي راضية باللي الدنيا بترميهولها، ما حدش بيموت ورا حد، كنت مت أنا ورا أبويا، لكن فيه ناس في رقبتي مسؤولين مني، وإنتي كمان في ناس في رقبتك، ناس ما ينفعش تضعفي عشانهم، قومي يا سارة عشان كلنا مستنيينك.
كلماته شدت من أزرها وهونت عليها بلائها، فهزت راسها بإقتناع تاركة خلفها رداء التيه والحزن تتلبس عباءة القوة والصبر على ما ابتلاها الله به.
بعد نصف ساعة قد أشرف المحلول الذي قامت الممرضه بتعليقه لها، مع انشغال هذان الطامعان في الإجراءات لإستلام الجثمان، وقامت هناء باللحاق بعمتها وأمها لإلهائهما عن تأخر سارة ومحمد، بأن أخبرتهما أن الإدارة قد استدعتها هي وعمها لإتمام الإجراءات، فصاحبها محمد.
بينما قامت الممرضة بنزع تلك الإبرة المنغرسة بوريدها، وعاونها محمد على القيام من فراش الإستقبال، وهو ينزل قدميها أرضًا، ويمد كفه لها ملتقطاً راحتها في قبضته، يقف أمامها، وهي ترفع رأسها إليه، وتشابكت النظرات تحكي الكثير.
بعد إغلاق مصطفى الهاتف مع وعد ناوله لتلك المستشاطة أمامه غضبًا، والتفت إلى السائق، قائلًا له : طب اسبقنا إنت يا اسطى على العربية، وإحنا ربعاية وهنحصلك.
ذهب السائق يصعد إلى السيارة، بينما وقف مصطفى أمام بوابة البناية، مناديًا بصوت مرتفع كي يتنبه إليه صبي المقهى حوكة : ولا ياحوكة.
أجابه الصبي من الجهة الأخرى بصوت عالي : جايلك يا معلمي.
أنزل الصبي ما بيده من طلبات للزبائن على الطاولة التي أمامه، واضعاً حامل المشروبات تحت إبطه، وهو يركض سريعاً يلبي نداء المعلم مصطفى، كما يلقبه هو و أهل الحارة.
حوكة بعدما صار أمام البناية : أؤمرني يا مَعْلَمة.
مصطفى مشيراً برأسه ناحية السيارة : شوف الأسطى يشرب إيه، ثم وجه مصطفى حديثه إلى السائق وهو يتقدم إلى السيارة يستند بقبضتيه على نافذة الباب المجاور للسائق و الذي أنزل زجاجه من قبل قائلاً : ألا إنت فطرت الأول يا أسطى؟!
قال السائق بأدب تقديراً لكرم إبن البلد مصطفى : تشكر يا ذوق، هبقى أخد أي حاجة في الطريق.
مصطفى وهو يستقيم في وقفته رافعًا كفيه متخصرًا : جرى إيه يا عمهم؟! إنت بتشتمنا في منطقتنا، و عاوز تمشي من غير ما تاخد واجبك.
السائق : العفو يا كبير، على العموم واجبك مقبول.
مصطفى : يبقى تقفل عربيتك، وتنزل تاخد واجبك، عقبال ما الجماعة يحضروا نفسهم.
و وجه مصطفى حديثه لحوكة : أمال فين الحاج يا حوكة؟
حوكة : الحاج زكري خد اصطباحته، وقام هو والمعلم حسني صاحب محل الخردة اللي جنبنا ومشيوا من 10 دقائق يا معلمي.
مصطفى لحوكة : طب خد الأسطى معاك ورستقه وسنجفله أجدع فطار من عربية عمك حبشي بتاع الكبدة، وأفتحله ساقع أوام.
ثم توجه إلى السائق قائلاً : ليك في الشيشة يا....
السائق وهو يرفع يده إلى صدره بإيمائة تقدير : سامي، سامي يا كبير.
مصطفى : عاشت الأسامي يا أسطى سامي.
سامي : بس ما لهاش لازمة الشيشة يا معلم، عشان بس ما نتأخروش.
مصطفى : ودي تيجي، والله ما يحصل، لازم تاخد واجبك كامل مكمل، ولا ياحوكة رص كرسي معسل فاخر هنا لأبو الأسطوات.
حوكة : عونيا يا مَعْلَمة.
توجه الأسطى سامي مع حوكة إلى المقهى.
بينما عاد مصطفى لتلك الواقفة تعقد ذراعيها إلى صدرها، تهز إحدى ساقيها بعصبية، وهو يرد بوابة البناية دون أن يحكم غلقها، مقترباً منها قائلًا بمشاكسة : القمر زعلان، ومتعصب ليه؟!
ناظرته بإستغراب، وكأنها تقول له إحدى طلاسمنا التي تعجز عن ترجمتها كل المعاجم والشفرات ثم عدلت بنظرها عنه تصرفه إلى الجهة الأخرى، فخطى يقف أمامها بالجهة المقابلة يشاكسها قائلًا : لا ده الموضوع كبير بقى!! بس أنا مصمم أفهم هموستي مقلدمة ليه؟!
إلى هنا ولم تستطع إلتزام الصمت، فانفجرت به قائلة : إيه مقلدمة دي؟! و إنت إزاي يا أستاذ إنت تكلم وعد بالطريقة دي؟! وكل شوية إحنا بقينا أهل، إحنا مش إتفقنا إننا هناخد وقتنا، ونفكر كويس، ونشوف إحنا هنكمل ولا لأ؟!
أشار إلى حاله يناظرها باستغراب : أنا اتفقت معاكي على حاجة زي كده، وحتى لو!! اللي كان من شوية ده كان إيه؟! إنتي فاكرة ولاد الناس لعبة ولا إيه؟! ده أنا اجرجرك في المحاكم، و افضحك وهقول لكل الناس إنك كنتي بتغرغري بيا، وسلبتيني أعز ما أملك.
لم تملك همس حالها، و انفجرت في الضحك متناسية غضبها منه، و استغل هو حالة الانشكاح تلك، يقبض على كفها يسحبها وراءه هابطًا إلى شقة البدروم، وهو يسألها كي يلهيها : ألا قولي لي يا هموستي؟! هي وعد دي أختك أختك؟! ولا أختك أختك؟!
همس من بين ضحكاتها : مش فاهمة يا مصطفى؟! يعني إيه أختك أختك دي؟!
مصطفى وهو مستمر في السير، قائلًا : إيه هو اللي مش فهماه؟! أقصد يعني وعد تبقى أختك شقيقتك؟! ولا أختك من أم وأب تانيين؟! أصل لسانها زفر أوي الصراحة.
مد يده بالمفتاح، كي يفتح باب الشقة، و قد استدركت حينها أنهما يقفان على عتبة الشقة السفلية، قائلة وهي تجذب يدها من قبضته : إيه ده؟! إنت جايبنا هنا ليه؟!
مصطفى قائلًا بمرح : عشان أحضر شنطة هدومي، هكون جبتك هنا ليه!! هغتصبك مثلاً.
همس قائلة بحرج : مصطفى، وبعدين معاك؟!
مصطفى : وبعدين معاكي إنتي؟! إنتي خايفة مني؟! أنا استحالة أعمل حاجة ضد رغبتك، ولا عمري هجبرك على حاجة، إنتي في نظري غالية أوي، ولا يمكن أخدك في السر ولا في الخفى، إنتي أميرة، و الأميرة لازم تدخل بيتي بفستانها الأبيض، ويلا بقى نحضر شنطة الهدوم بسرعة خلينا نتحرك، بدل ما أغير رأيي، وأفكر في موضوع الاغتصاب ده، الفكرة بدأت تشدني.
دخل الاثنان إلى الشقة، ليحضر مصطفى حقيبة سفره، وهي تجلس على تخته تضع ساقًا فوق الأخرى، تتابعه وهو يضع ملابسه في الحقيبة بتنسيق ونظام، وهي تدور بنظرها في الأرجاء لتلك الغرفة المرتبة، رغم بساطتها وشكائر الأسمنت المرتصة إلى جانب السرير بنظام.
أخذت تقارن بين حالها وحاله، فهي لا تعرف عن النظام شيئاً، فلقد وضعت ثيابها متكورة داخل الحقيبة بإهمال.
بينما هو يرتب محتويات حقيبته بدقة.
مصطفى بعد أن وجدها تتابعه بإمعان، فسألها مستفسراً، وهو يغمز لها بعينيه : إيه فيه إيه؟! بتبصي لي كده ليه؟! أوعي تكوني مفكرة إني عشان جبتك هنا إني سهل، وتقدري تستغلي براءتي.
اطرقت رأسها تبتسم بخجل، بينما وضع هو ما بيده داخل الحقيبة، واقترب منها يجلس أمامها القرفصاء أرضًا يمسك بكفيها بين راحتيه ، يحادثها بأعين تلمع بالحب، وهو يأسر عينيها بنظراته قائلاً : همس، أنا حياتي ما بقى لهاش طعم غير لما شوفتك، فجأة من غير استئذان دخلتي قلبي، واستربعتي فيه، عارف إني ممكن ماكونش الإنسان اللي يستحقك، بس اللي أقدر أقولهولك إنك لو اخترتي تكملي حياتك معايا، مش هخليكي تندمي لحظة واحدة على قرارك ده، فكري عشان خاطري.
أماءت له همس كالمسحورة، فرفع كفيها إلى شفتيه يقبلهما برقة و نعومة، ثم استقام واقفًا، وهو يقول : كده بردو تنسيني المفاجأة اللي أنا محضرهالك.
ثم أخرج من جيبه بضعة أوراق مطوية، يمد يده بها إليها، فتناولتها تنظر بها، وجدت أنه عقد تمليك لشقة ما، مدون بخانة المشتري إسمها، والى جانب الإسم رقم بطاقتها.
رفعت رأسها إليه متسائلة : إيه ده يا مصطفى؟! وبعدين إنت عرفت بياناتي دي إزاي؟!
أجابها مصطفى قائلاً، وهو يمد يده إليها بالبطاقة خاصتها : ده مهرك يا عروسة، وعرفت بياناتك من البطاقة اللي إنتي نسيتيها معايا وإحنا في القسم.
همس : إزاي؟! و إمتى عملت كل ده؟! والأهم ليه؟! أنا لا يمكن أقبل حاجة زي كده.
أجابها مصطفى بإقرار : لا يا همس، إنتي هتقبلي، لأن ببساطة ده أقل حاجة ممكن أقدمهالك، أنا لو عليا أجيبلك السما بقمرها ونجومها تحت رجليكي، وكمان عشان لما أتكلم مع أختك في موضوعنا تعرف إني شاريكي وإني واخد موضوعنا جد، وده ممكن يخليها تتطمن من ناحيتي، ولو حصل لا قدر الله و قررتي إنك مش هتكملي، اعتبريها هدية مني ليكي لإن استحالة واحدة تانية هتدخلها غيرك بعد ما تخيلتك معايا في كل ركن فيها، يعني ما تفتكريش إني كده بضغط عليكي، أنا عاوزك معايا، عاوزك وإنتي راضية ومقتنعة بحبي ليكي.
مد مصطفى يده إليها بالقلم لتخط هي اسمها، ويكون ذلك ثاني توقيع لها، يقربها منه بعد توقيعها الأول على عقد الزواج بالقسم.
بعد توقيعها مدت يدها بالأوراق إليه مرةً أخرى.
فنظر اليها بإستغراب قائلاً : إيه ده؟! إنتي رجعتي في كلامك؟!
ردت عليه همس بعدم فهم : رجعت في كلامي إزاي!! ما أنا لسه ماضية العقد اهو.
مصطفى : أيوه ما أنا عارف، أمال بتديني العقد ليه؟!
همس : أمال هعمل بيه إيه؟!
مصطفى : أنا أقولك، ثم جذبها وهو ممسك بمعصمها يوقفها أمامه قائلا : ده تحطيه في شنطتك لغاية ما نرجع أنا و أنتي عشان نسجله في الشهر العقاري، وتشوفي الشقة بنفسك عشان لو محتاجة تغيري فيها أي حاجة، وننزل نشتري أنا و إنتي العفش على ذوقك.
همس بتردد : مصطفى!!
اقترب مصطفى منها و هو لازال يمسك بكفيها يضمهما إلى صدره متنهدًا بشوق ، و قد ظنا أنه استمالها بهديته كأي أنثى يهاديها زوجها و هو أكثر من مرحب لما ستكافئه به، قائلًا بنبرة رجولية متحشرجة : قلبه و عيونه.
همس : مصطفى، مش شايف إن إنت كده بتسبق الأحداث.
نفض مصطفى يديها من قبضته بغضب مصطنع، قائلًا : فصلان🤫 إنتي فصلان، ده بدل ما تبوسيني من هنا ومن هنا، وتقوليلي ربنا يخليك ليا يا جوزي يا حبيبي، وفي الآخر تقولوا علينا إن إحنا اللي نكد.
عوده لمسعدة ومنصور.
بعد ما رأى منصور صورة مسعدة على الهاتف، ظنًا منه أنها صورة ملك صديقتها، والتي يعشقها همام أخيها، وكيف لا يعشق هذه الأميرة ذات الجمال الأخاذ؟!
بقى شاخصاً بها، ولما استشعرت مسعدة إعجابه بصاحبة الصورة العائدة إليها في الاصل.
وكزه مسعدة في ذراعه قائلة : إيه فيك إنت؟!
أجابها منصور، ولا زال على حالته البلهاء متنبها لوخزتها : بقولك يا أخ مسعد، مين المكنة اللي صورتها على تليفونك دي يا شبح؟!
ابتسمت مسعدة أسفل نقابها مرددة: أخ مسعد!! دي ملك، ماي توينز، تجدر تجول الفردة بتاعتي.
منصور و هو على نفس حاله : طب ما تظبطني معها يا عمنا.
مسعدة وهي تجاريه : وماله، آني وهي واحد، واللي معاي كانه معها تمام، بس هتجدر على ميمو 😉.
منصور وقد اندمج، وكأنه يحدث مسعد ابن خالته : طب ليه البيعة دي طه؟ وهو إيه اللي هيعرفه بس يا أخ مسعد؟!
مسعدة : على جولك اتفجنا.
منصور بفرحة عارمة : إنت بتتكلم بجد يا أخ مسعد؟!
مسعدة : معلوم، وهي الحاچات دي فيها هزار عاد؟!
منصور ولا يزال على فرحته : أنا من ساعه ما شوفتك، وأنا قولت إنك رجولة، واستكمل قائلًا بخيبة : بس مش إنت قولت إنها معجبة بالأخ همام.
مسعدة : ما هي ما كانتش تعرفك يا منص.
أخذ منصور يهندم من ياقة قميصه، قائلاً بتفاخر : عندك حق يا أخ مسعد.
مسعدة : بس عجولك إيه عاد، ملك ما لهاش في المشي العوچ، دي ما هينفعش معها غير السكة الدوري.
منصور : طب إنت شايف إيه يا أخ مسعد 🤔؟!
مسعدة : آني بجول تكتب عليها هي التانية.
منصور بأعين جاحظة : إنت اللي بتجول كده يا أخ مسعد 🤔.
مسعدة : وفيها إيه عاد؟! الشرع إمحللك أربعة، عحرم آني اللي حلله ربنا! وبعدين اختار آني ضرتي، ولا تتچوز إنت واحدة تجرفني؟!
منصور بإطراء : ربنا يكملك بعقلك يا أخ مسعد.
مسعدة : تشكر يا منص.
منصور قائلًا بلهفة : طب ما تكلمها يا أخ مسعد، تيجي تنقي شبكتها هي كمان.
كان همام يقف بعيداً عنهما، وهو يعاين الأساور الذهبية، ويتخيل اليوم الذي سيأتي فيه مع محبوبته ملك؛ لإنتقاء الشبكة، وهو يرسم احلامًا وردية.
بينما يقف البائع أمام هذين المعتوهين منصور والأخ مسعد، يتنقل بنظره بينهما، وقد شارف على الجنون.
مسعدة : لاه طبعاً ما هينفعش دلوك.
منصور بخيبة : ليه بس؟! ما تعقدهاش يا أخ مسعد.
مسعده بإقناع : أولا عشان همام ممكن يجتلك فيها، ثانياً لازمن أمهدلها الول، وهي كمان لازمن تشوفك وتتحدت وياك.
البائع بتدخل : الله ينور عليك يا أخ مسعد.
منصور وهو يناظر البائع بإستغراب قائلاً : خليك في حالك يا أخ، الله يكرمك.
البائع بإعتذار : آني آسف، كملوا كملوا ده أنتوا حاچة عظمة.
توجه منصور ببصره إلى مسعدة وهو يستكمل حديثه قائلًا : طب الحوار ده، هيخلص على إيه يا أخ مسعد 🤔.
مسعدة : ولا يكون عندك فكر، آني هعزمها الليلة على كتب كتابنا، وارتبلك جاعدة إنت وياها لحالكم.
منصور وهو يلتقط كف يدها المختبئ داخل القفازات يقبله بإمتنان : أنا مش عارف أودي جمايلك فين يا أخ مسعد؟! إنت حقيقي ونعم الأخ.
مسعدة : بس آني ليا عنديك طلب.
منصور : يا سلام يا أخ مسعد، إنت تؤمر، ده إنت خيرك مغرقنا يا راجل.
مسعدة : أهي هي دي، بلاها كل إشوي يا أخ مسعد، يا أخ مسعد.
منصور : معك حق إحنا نشيل الألقاب بقى، إنت تقولي يا منص، وأنا أقولك يا مسعد.
عند ريان ووعد.
بعد ما توسلته الحل الذي سيخرجها من هذا المأزق ويحافظ على صورتها أمام أختها، غافلة عن أهمية هذا الحل بالنسبة إليه فاجئها قائلاً وهو يدعي التردد : آني بجول إننا نكتبوا ورجة عشان تحفظي صورتك قدام خيتك، ومحدش وجتها يجدر يتحدت إمعاكي.
لطمت وعد خدها قائلة بصدمة : عرفي، عاوزني اتجوزك عرفي، طب ده ألعن.
ريان : مين جال إكده!! عرفي إيه ده اللي عيحفظ شكلك؟! ده زي ما جولتي دلوك ألعن.
وعد بتيه : أمال إيه قصة نكتبوا ورقة دي؟! ما تفهمني تقصد إيه؟!
ريان بإقناع : أجصد عجد چواز عند مأذون على سنة الله ورسوله، سوري يعني، لغاية ما نخلصوا اتفجنا، وتاخدي بجية حجك اللي اتفجنا عليه، وبعديها كل واحد إيروح لحاله.
أخذت وعد تقلب هذا الاقتراح بعقلها، وهي موقنة أن ليس لديها خيارًا آخر، فأجابت بتردد : طب إحنا هنجيبوا المأذون هنا إزاي؟! وهنقولهم إيه؟!
ريان :مأذون إيه اللي هنچيبوه إهنه يا أذكى خواتك؟! إحنا اللي عنروح له.
وعد بتساؤل وهي تشير إلى قدمها المصابة : طب وهنروح له إزاي؟! وأنا بحالتي دي.
اقترب ريان منها، وهي تناظره بخوف و دهشة، فباغتها وهو يضع يدًا أسفل فخذيها، والأخرى يحاوط ظهرها من الخلف، وهو يستقيم بها.
فلفت يدها حول عنقه بتلقائية، وهي تشهق بتفاجئ وخوف، خشية من أن يفلتها فتسقط أرضًا.
ريان : هنروحله كيف دي أسهل ما في الموضوع الأهم دلوك إننا هنجولهم إن رچلك شدة عليكي، وإن العلاچ اللي كتبه الدكتور جرد ده ما چابش نتيچة، وإن إحنا رايحين لدكتور تاني في المركز، ونروحوا إحنا نخلصوا الجصة دي جبل أختك ما تاچي.
إمتثلت وعد لما إقترحه فلقد وجه تفكيرها إلى ذلك الحل، يبعد أي حل آخر خارج نطاق هذا الاقتراح، مستثنياً إياه عما سواه مغلقًا دائرة المنطق، وقضي الأمر.
هبط ريان الدرج، وهو يحملها بين يديه، فالتقيا بصابحة في بهو الدوار، و هي نظرتهما بدهشة وفضول، توجه نظرات مستنكرة نحو تلك المحمولة قائلة، وهي تلوك فمها، تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا قائلة بإستهجان : بجى ده اللي خلاص ما بجيتيش جادرة على العيشة إمعاه، ولازمن يطلجني يا صبوحة، حريم صعرانة على الرچالة.
كان ريان قد تجاوز صابحة، بينما تستكمل حديثها الساخر، فأصبحت وعد رأسها أعلى كتفه مقابلة لها، و ريان ظهره لتلك الصابحة، فإستشاطت المحمولة بين يديه غضبًا من سخرية صابحة، فعدلت من وضعيتها على ذراعيها، وهي ترفع جسدها، وفكت تشابك يديها من حول عنقه، ولا زالت يديها اعلى كتفه من الخلف، وهي تطرق كفيه معاً في حركة شعبية استعداداً لبدء وصلة من الردح، وذلك المتقدم توقفت خطاه يتيح لها الفرصة؛ لتكيل لصابحة ما عبء به صدره تجاه تلك الفضولية، ولكن لا يستطيع ان يسمعها تلك المعزوفة التي تهم وعد ببثها.
وعد وهي تصفق بيديها : جرى إيه ياصبوحة؟! هو اللي هنعمله في الناس هيطلع علينا يا الدلعدي ولا ايه؟! لا يا حبيبتي اقفي معوج واتكلمي عدل.
ريان بإبتسامة شامتة، يهمس لها : چرى إيه عاد؟! هو آني وجفت بيكي عشان تاخديها على الهادي إكده انزلي بتُجْلِك.
قالت له وعد بهمس مماثل : استنى بس، هسخن أهو واخد فرصتي.
ريان : Go,a head
وعد مستكملة : مين دي اللي حرمة صعرانة، يا عربية خربانة، يا معزة حيرانة، يا تصافي الأوكازيون، يا ست على ما تفرج.
وقفت صابحه تناظر وعد بأعين مشدوهة، تفتح فمها للنطق، ومن ثم تعاود غلقه، فهما بالأخير ضيوف كبيرها، وهي من بدأت بالتجاوز.
بعد انتهائها من تلك الوصلة، وجهت حديثها إلى ريان، قائلة بأمر، وهي تربت على كتفه بحدة، وكأنها تحادث سائق حنطور : إطلع يا أسطى خلصنا.
أخذ الأمر ثواني؛ ليستوعب أنه المقصود بالأمر (اطلع يا أسطى)،، ريان قائلا بغضب : تجصدي مين يا مخبولة إنتي؟!
وعد بهمس : إطلع بس الأول، وما تبوظش برستيچي قدامها.
ريان بإستنكار : برستيچك؟! على أساس إنك كتي بتغني في الأوبرا إياك؟
وعد : يا عم بتهوڤن اطلع، وهزقني بره براحتك.
تحرك ريان بالفعل، يسير بها نحو الخارج، ولم يعيق طريقهما سوى تلك الدخيلة التي أخذت نصيبها من وعد، بسبب تلك الشحنة الزائدة التي بثها إياها ريان.
تقدم نحو السيارة التي استأجرها ماجد، قائلًا لها بأمر : مدي يدك افتحي الباب يا مصيبة إنتي.
وعد محاولة صرف انتباهه عما أغضبه : مصيبة آه بس قمر، أحلى أسطى ده ولا إيه 😊
هز ريان رأسه بيأس منها، فكلما حول نهرها، حَوَّلت مجرى الحديث، و أحالت الموقف لصالحها بحسها الفكاهي.
مدت يدها تفتح الباب الأمامي، فأراح جسدها على المقعد صافقاً الباب بحدة، واستدار يحتل مقعد القيادة منطلقاً بالسيارة يزفر أنفاسه بغضب.
وعد : ما خلاص بقى إنت على طول قفوش كده؟! وبعدين إنت اللي سخنتني، وأنا اندمجت.
ريان وهو يدعس على فرامل السيارة بقوة، فإرتد جسدها إلى الأمام وهي تصرخ قائلة : الله يخرب بيتك، عاوز تموتني؟! وما لقيتش غير الموتة دي؟!
ريان بحدة : جولتلك ألف مرة احفظي لسانك ده، وإنتي بتتحدتي إمعاي سوا كان فيه حد إمعانا أو كنا لحالنا، انت بتتحدتي مع ريان باشا نصار، مش مع واد أختك.
وعد بغضب من عجرفته و على كل حال سيعرف بعد قليل هويتها : كل شويه تقولي ريان باشا، ريان باشا، لو إنت ريان نصار، فأنا وعد عزام الجوهري.
ريان وهو يشبه على هذا الإسم، فيبدو له مألوفًا : إنتي تقصدي عزام الجوهري رجل الأعمال المعروف؟! فلقد كان ريان يتابع أخبار والدها، فهو من رجال الأعمال المعروفين بنزاهتهم، وقد استغرب ما أوشيع عنه في الفترة الأخيرة، مستنكرًا ما قيل عنه، مستاءً من المصير الذي آل إليه.
ريان : لاه الموضوع ده محتاچ جاعدة على رواجة، وده ما هيمنعش إنك سفيهة ولسانك سليط، ولازمن إتفكري في كلامك إمعاي جبل ما تجوليه، واعتبري إن ده آخر تحذير ليكي عاد.
آمأت له قائلة : هحاول، بس موعدكش.
أدار ريان محرك السيارة، يتوجه بها خارج البلدة، وهو يدير زر جهاز الخرائط، يسير على توجيهاته قاصدًا المركز.
وعندما أصبح على مشارفه، وجد محلات الملابس تصطف على الجانبين، فأوقف السيارة أمام أحد المحلات الذي جذب نظره ما يعرض به، وارتجل من السيارة يفتح لها الباب، يمد يده ليعاونها على الخروج.
وهي تناظره بأعين مسائلة : إحنا وقفنا هنا ليه؟!
ريان : يعني إنتي عاوزني أروح أكتب عليكي عند المأذون بلبسك ده؟!
وعد باستياء : ماله لبسي إن شاء الله؟!
ريان : ماله لبسك!! هي فيه واحدة بيتكتب كتابها وهي لابسة أسود إكده!! المأذون والشهود عيجولوا إيه؟! إني خاطفك وچابرك على الچواز.
وعد وهي تضع سبابتها في فمها بتفكير قائلة : تصدق صح.
ريان قائلًا : إنتي لسه عتفكري وتندهشي!! همي خلينا نخلصوا جبل الوجت ما يسرجنا، لسه عتختاري و عتجيسي، ولسه عندور على مأذون يكون فاتح مكتبه دلوك، معاوزينش خيتك واللي إمعاها يوصلوا جبلينا، ويا عالم هيجابلوا مين إهناك في الدوار، واللي هيجابلهم ده هيجولهم إيه عنينا.
وعد وهي تتكئ على ذراعه قائلة : طب ما تيلا؟! إنت هتوقف تحكي؟!
دخل الاثنان إلى هذا المحل، وأخذت تنتقي من بين الفساتين ثوباً يناسبها، وكلما اختارت شيئاً رفضه طالبًا إياها بإنتقاء شيء آخر غير ملفت.
فأخذت تأفأف بضجر قائلة : مين اللي بيضيع وقت دلوقتي؟! كل حاجة لاء لاء، إختار إنت وخلصني، أنا رجلي بتنقح عليا.
لازالت على سلاطة لسانها معه، سيعلمها آداب الحديث على طريقته.
اجلسها ريان على أحد المقاعد بالمحل، وأخذت يداه تعبث بالثياب المعروضة تحت نظرات الإعجاب من الفتاه التي تعمل هناك، والتي أثارت نظراتها غيرة الأخرى، فهتفت تستعجله، وهي تقول بغنج قاصدة اغاظت تلك المتبجحة : يلا يا حبيبي عشان ما نتأخرش.
لم يندهش ريان لعبارتها الرقيقة على غير عادتها، هو توقع ذلك، بل و تعمد إلقاء بعض النظرات للفتاة يستخدمها كطعم لتهذيب الأخرى، وهو يختلس النظر إليها متعمداً إطالة الحديث مع تلك الفتاة.
ريان : ثواني يا حبيبتي، أصل المكان هنا مريح أوي، وكل الحاجات اللي هنا تجنن، وأنا الصراحة محتار اختار إيه ولا إيه.
وعد بغيرة قائلة بنبرة خفيضة : أهو لسانه اتعدل أهو! و من شوية كان عاملي فيها خط الصعيد.
بينما ابتسمت الفتاه بإنشكاح، وهي تناظره بهيام قائلة : ده حضرتك، ومدت يدها بأحد الكروت مستكملة : ده كارت المحل، والرقم ده.... وهي تشير على أحد الأرقام المدونة بالكارت : رقمي آني عشان لو حضرتك احتچت حاجة.
وعد و قد نفذ صبرها عليها، و لم تطيق السكوت أكثر من ذلك : نعم يا أختي؟! ما تحترمي نفسك يا بت..
ريان : تؤتؤ، ليه كده يا بيبي أحرجتي الآنسة.
الفتاة بتصحيح : جصدي لو احتاچ يشتري هدوم ولا هدية لحضرتك.
ريان : شوفتي يا قلبي؟! أهي متقصدش حاجة أهي، هي بس اللي رقيقة و كلامها موزون.
بعد الانتهاء من اختياره لأحد الفساتين الرقيقة المحتشمة تحت سخط تلك الجالسة وهي تعيد النظر في طريقة حديثها معه.
عاد اليها يعاونها على الدخول إلى غرفة القياس، فأغلقت الباب سريعاً ترتديه، وهي تشعر برغبة ملحة في الانقضاض على تلك الفتاة تقطع خصلات شعرها بيديها،خرجت إليه بهيئة ملائكية ساحرة أثارت غيرة تلك الواقفة بالخارج، وهو يطلق صفيراً يعبر عن جمال و روعة ما رأى.
فابتسمت بخجل وردت فعله تلك أرضت كبريائها، فصارت بخيلاء تُحَمِل على قدمها التي تأن و لكنها أرادت أن تغيظ الأخرى، وهي تتأبط ذراعه، ساحبة ذلك الكارت من بين أصابعه تمزقه وتلقيه أرضا، وهي تنظر إليها بشماتة.
خرج الاثنان يصعدان إلى السيارة مرة أخرى بعد دفع ثمن الثوب، وهو يقوم بسؤال أحد المارة عن مكتب المأذون الخاص بتلك المنطقة، فوصف له الرجل الطريق الذي سار على هديه إلى أن توصل إليه، و وجدا اليافطة مضاءة مما يدل على أن المكتب مفتوح، ومن به قد بدأ العمل، فعاونها على الخروج مرة أخرى من السيارة.
ودخل الاثنان إلى المكتب وهي تستند إلى ذراعه و بعد أن أجلسها بداخل مكتب المأذون و حديثه المختصر مع ذلك الشيخ، تركها ريان بالمكتب وخرج يبحث عن شاهدين في المقهى المقابل، وذلك تحت استغراب ودهشة المأذون وتبعه الشهود؛ لقيامهما بعقد قارنهما بالمكتب دون أي مظهر من مظاهر الفرح، ولكن لم يجرأ أحد على التفوه بكلمة بعد المبلغ الذي أغدقه ريان على المأذون والشاهدين، فلا ضير من ذلك ما دامت العروس موافقة وقد تعدت السن القانوني وليست بقاصر.
وبعد إتمام تلك الإجراءات، أخبر المأذون ريان بضرورة حضوره بعد 10 أيام لاستلام العقود المسجلة، ومنحهم ما يثبت زواجهما مؤقتًا لحين إتمام تسجيل العقود بالمحكمة.
خرج الاثنان يركبان السيارة، هو يتملكه مزيج من المشاعر المختلطة، فلقد أثارت غيرته بتلقائيتها في الحديث أمام المأذون والشاهدين الذين كانوا يتأكلونها بنظراتهم و لابد أن يحاسبها علي ذلك، و شعور آخر بالنشوة والفرح، وهو يترقب ما سيعايشه معها خلال الفترة المتفق عليها.
أما هي مأخوذة بما حدث فجأة تتملكها الرهيبة.
وبعد انطلاق بالسيارة التفت إليها قائلًا وقد قطع مسافة لا بأس بها على الطريق فأصبحوا بمنطقة نائية : ايه اللي عملتيه إهناك في المكتب ده؟!
ناظرته وعد بدهشة : عملت ايه؟!
ريان : إنتي مش هتبطلي جلة الحيا اللي إنتي فيها دي؟!
وعد : أنت بتكلمني أنا كده؟! مين دي اللي قليلة الحيا،، أنا و لا اللي قاعد يتغزل في البت بتاعت المحل، مش لما تحترم أنت نفسك الأول.
ريان : آني مش جولت جبل سابح تختاري ملافظك و ما تتخطيش حدودك إمعاي، و إن ده كان آخر تحذير ليكي؟!
وعد بندية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بغضب قائلة بحاجب مرفوع، فماذا سيفعل وهما في سيارة على الطريق؟! وحتى وإذا كان زجاجها حاجب للرؤية، وحتى إذا كان الطريق مقطوعًا فماذا بوسعه أن يفعل.
وهي تتحداه بسخرية : وإلا إيه؟!
بدت شهية ولذيذة بشراستها وقوتها الزائفة تلك.
وكانت اجابته على سؤالها، أنه انقض عليها يميل بجسده إليها، يغرس كف يده بين خصلاتها، يجذبها إليه بقوة، مقتنصًا شفاهها بين خاصته في قبلة دامية، وكأنه ينتقم من تلك الشفاه على كل تجاوزاتها السابقة، وهي ترفع كفيها تدفعه في صدره تحاول إبعاده عنها ولكن لم يستجب هو لفعلتها، ومقاومتها تلك تزيده إلحاحًا و رغبة في إخضاعها له، فأخذ يتعمق في قبلته، التي تحولت من غزو يداهم كرزيتها، إلى ترانيم تعزفها شفاهه على صوت دقات قلبها و إحساسها بسطوة جاذبيته عليها فبات خطرًا على قلبها المفتون به من اللحظة الأولى، وهو المحنك صاحب الخبرة بعالم النساء.
وعندما استشعر استسلامها له تحولت قبلته من العنف إلى الرقة، وهو يمتص شفاهها السفلية يفرج شفتيها يبعدهما؛ ليتمكن من إقحام لسانه بينهما، يحتسي شهدها مستكشفًا حنايا فمها بلسانه، وهو يسحب خاصتها داخل فمه يرتوي من عسلها الذي حرمته إياه في قبلة فرنسية يبثها مشاعر ويثير بداخلها أحاسيسًا لم تتخيلها من قبل.
ظل يعلمها فنون الحب على طريقة ريان نصار، وهي تستقبل ما يغدقه عليها بجهل وانعدام خبرة.
فأطلق سراح ذلك الحبيس داخل فمه بعدما أحس بحاجتها للهواء.
فأسند جبينه إلى جبهتها سامحا لها بالتنفس، وقد بدت مغوية بشفتيها المنتفخة اللامعة ببريق لعابه الذي اختلط بشهدها، وهي مغمضة العينين، فلم يقاوم إغواء تلك الشفاه المثيرة، و عاود يلثمهما بقبلات رقيقة متقطعة، تسمع صوت لثماته بأذنها كأصوات زقزقة العصافير وبات جسدها مخدر لا يقوى على الحراك، وقد تبخرت مقاومته، فأصبحت مسلوبة الإرادة.
أما هو فقد كان في قمة نشوته ، و قلة خبرتها وعذرية مشاعرها تثيره، وهو لم يعهد مثلها من قبل، فكل اللاتي تعامل معهن ذوات خبرة وجرأة، يتبارين لإبراز مدى قدرتهن على إثارته و إمتاعه يلعبن على وتر أكثر جرأة، ولكن معها يشعر بالإفتتان، وإذا بها.
رواية وعد ريان الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماء حميده
جهز مصطفى حقيبة سفره، ممسكًا كف يدها في قبضته يسحبها معه إلى خارج الشقة، ومنها إلى خارج البناية. وجد والده يتقدم نحوهما، وعيناه مصوبتان على يديهما المتشابكتين. لاحظ بريق العشق المطل من عيني ولده، وقلبه يخلص الدعاء في أن يهب الله صغيره كل ما يتمناه، وأن تكن همس تُكن لولده قدرًا من تلك المحبة الخالصة التي زرعها الله في قلبه لها.
اقترب منهما الحج زكري موجهاً حديثه لمصطفى قائلاً:
"إيه يا درش مبدر يعني وواخد القمر بتاعنا ورايح على فين؟!"
أطرقت همس رأسها بخجل قائلة:
"صباح الخير يا عمو."
الحج زكري بابتسامة بشوشة:
"صباح الورد يا ست البنات."
مصطفى بضجر هامساً:
"يا مثبت العاقل والدين يا رب."
ثم رفع صوته قائلاً وشبح ابتسامة مغيظة يلوح على شفتيه:
"خف يا زيكو هنخسر بعض. وبعدين نوجة بتسأل عليك هه؟ فاهمني طبعاً. ولو سألت عليا أنا أو الآنسة همس خطيبتي، اللي هي خطيبة ابنك واخد بالك انت، قولها إننا هنخطف رجلينا لغاية سوهاج صد رد كده عشان آنسة وعد بعتلها عربية صاحب الشركة يوصلها هناك، وطبعاً ميصحش أسيبها تسافر لوحدها."
الحج زكري يحك ذقنه مفكراً بعبوس:
"خطيبة مين؟ رايحة فين؟ وسوهاج إيه اللي رايحها صد رد دي؟!"
مصطفى:
"لا يا حج مش وقت اندهاش خالص، اطلع انت لنوجة وأنا هكلمها أفهمها وهي تفهمك بالطريقة."
ربت الحج زكري على كتف ولده يميل عليه قائلاً بهمس:
"والعة معاك يا درش، بس متعرضهاش عشان مقلش منك قدامها."
مصطفى بتراجع:
"قد القول يا حج، طب اتفضل انت يا عم الناس في حفظ الله."
ابتسم الحاج زكري على مناوشة ابنه، فقد اعتادا معاً على هذا المزاح، فعلاقتهما أقرب لصديقين عن كونهما أب وابنه.
غادر الحج زكري تاركاً همس تحاول تخليص كفها من قبضته، ولكنها فشلت بالأخير. فكلما حاولت، شدد هو حصار يده حول كفها كمن يقبض على جوهرة ثمينة.
وبعد مغادرة أبيه، ألقى نظرة تجاه المقهى فوجد السائق لا يزال يتناول فطوره، فسحبها خلفه يقطع بها الطريق إلى الجهة الأخرى.
استوقفته همس، تسأله بتعجب:
"العربية هناك أهيه! انت مودينا على فين؟!"
مصطفى ضاغطاً بخفة على قبضة يدها قائلاً:
"إيه يا هموستي؟ كل شوية موديني على فين؟ امسكي الصبر وإنتي هتعرفي."
همس:
"مش فاهمة أمسكه إزاي يعني؟!"
مصطفى زاويًا حاجبيه بتفكير:
"هو إيه اللي هتمسكيه إزاي؟!"
همس:
"الصبر يا مصطفى؟!"
مصطفى بضحكة رجولية جذابة خاطفة لقلبها وهي تدقق النظر بوسامة ملامحه:
"لا، انتي محتاجة كورس في اللغة."
همس وهي ترفع أنفها بتفاخر:
"أنا بتكلم تلت لغات على فكرة، إنجليش و چيرماني و فرنش."
مصطفى مصفقاً بيديه:
"حلاوته، أموت أنا في الفرنساوي والعود الفرنساوي وال..."
همس باستهجان:
"إيه؟! إيه؟! احترم نفسك، انت بتعاكسني ولا إيه؟!"
مصطفى بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب:
"حصل. وبعدين هو عيب إن الجوز يدلع جوزته؟!"
همس:
"طب معلش، ممكن تقولي إحنا واقفين هنا ليه؟!"
مصطفى:
"مفاجأة؟!"
همس بفرحة ودلال:
"بجد! مفاجأة إيه يا صاصا؟!"
مصطفى محملقاً بنظره إلى أعلى قائلاً بتضرع إلى الله:
"صبرني يا رب."
ثم توجه بنظره إليها:
"ابوس إيد أمك بلاش دلع وإحنا برة، بدل ما أرزعك بوسة في وسط الشارع ونلاقي بوكس الآداب داخل علينا بضهره."
أخذها مصطفى وتوجها إلى محل الصاغة الموجود بالجهة المقابلة للبناية، يلقي السلام على صاحبه:
"صباحوو أربعة وعشرين قيراط على عم الصاغة كلها."
المعلم عبده صاحب المحل:
"صباحوو يا درش، شاري ولا بتدحرج السلام يا غالي؟"
مصطفى وهو يوجه بصره إليها:
"طب وعهد الله شاري وأوي كمان."
المعلم عبده، ولم يخفى عليه نظرات مصطفى الولهة لمن نشبت بسببها خناقة أول أمس:
"باين عليك يا درش، مبروك مقدماً يا عريس."
مصطفى:
"يبارك في عمرك يا مَعْلَمة، فرجنا بقى على أفخم حاجة عندك تليق بست الحسن والجمال."
الحج عبده وهو يخرج من (الڤترينا) تابلوه معلق عليه بعض من المشغولات الذهبية:
"أحلى تشكيلة لأجمل عروسة."
مصطفى بحنق:
"أنا أقول انت ما تقولش وما تبصش أساساً، أقولك دور وشك الناحية التانية."
المعلم عبده:
"جرى إيه يا درش؟! فيه إيه يا جدع؟! هو أنا بردو هبص لمرات أخويا الصغير؟! ما تطلعش منك دي يا معلم مصطفى."
مصطفى بخزي ولكن ما بيده حيلة، شدة حبه لها تشعل فتيل غيرته عليها من أقرب الأقربين إليه:
"مش القصد يا معلم عبده، أنا بس اللي دماغي مش رايقة، فتلاقيني قافش حبتين."
المعلم عبده بتفهم لما يحاول مدارته، محترماً غيرته عليها فهذه أخلاق أولاد البلد الجدعان:
"كان الله في العون يا درش، الجواز بردو مسئولية والتزامات وأنت جدع وقد المسئولية."
مصطفى وهو يتناول التبلوه من يد عبده قائلاً:
"تشكر يا عوبد."
ثم وجه حديثه إليها:
"نقي شبكتك يا ست البنات."
كانت تهم بالرفض، ولكنها خضعت لرغبته ونظرة الإصرار بعينيه، وبدأت بالاختيار. فاختارت إنسيالا رقيقاً وخاتماً يماثله وناولته إياهما. أخذ مصطفى يعاين تبلوه آخر الأساور الذهبية قائلاً:
"فرجنا يا عوبد الغوايش والدبل اللي عندك."
أسرعت همس تقبض على ذراعه برقة قائلة بهمس:
"خلاص يا مصطفى دول حلوين أوي وعجبوني، يله بقى عشان منتأخرش على وعد."
مصطفى:
"هو فيه شبكة من غير دبل؟! وبعدين انت اخترتي شبكتك إنما الغوايش دول هديتي ليكي يا ست البنات."
المعلم عبده:
"أبو الكرم كله يا معلم مصطفى، وطول عمرك مذوق."
مصطفى بعد أن انتقى لها زوجاً من الأساور الذهبية والتقط كفها يلبسها إياهما بعد أن عايرهم المعلم عبده على ميزان الذهب هما وما انتقته همس:
"انجزينا بقى يا عوبد وشوف حسابك كام... واعملنا فاتورة."
المعلم عبده ويداه تعبث بأزرار آلته الحاسبة محدداً السعر، بينما أخرج مصطفى بطاقة الائتمان خاصته يناولها إياه. وبعد انتهائه من محاسبة الصائغ، خرجا من المحل. وقد انتهى السائق من تناول فطوره، ومر على المحل المجاور للمقهى يبتاع لهما بعضاً من الكيك المغلف والبسكويت والعصائر المعلبة، ليتناولاها بعد أن استقلوا السيارة ولم ينسى نصيب السائق منها. وبدأت رحلتهم على الطريق قاصدين عروس الصعيد سوهاج.
بعد الحديث الذي دار بين ماجد وسوسن وسوء ظنها به بأنه لن يختلف كثيراً عن من دمر حياتها، فبالأخير هما ينحدران من نسل عائلة نصار. فأحد أبناء تلك العائلة وهو والد ماجد قاتل عمها، فقام أباها بقتل أبيه ثأراً لأخيه والد صقر. وعاد رضوان ليأخذ ثأر عمه منها بكل دناءة وخسة، وجاءت إرادة الله لتخلصها منه، لتسقط في بئر عار تلبسها لزواجها سراً منه، مخلفاً لها الذل والمهانة. وآخر مراحل تلك المذلة أنها اقتادت للزواج من ابن القتيل دون إرادة ولا علم، لتتم هي آخر مراحل انتقام تلك العائلة وتبقى قرباناً قدمه السابقون ليشفي اللاحقون غليلهم بها، تتلقفها أيديهم ليترك كل منهم ندوباً لروحها كتلك الندوب التي تشوه جسدها. مع فارق أن ندوب الجسد تندمل وتشفي، أما ندوب القلب والروح فنظل نتجرع آلامها أبد الدهر. ومع تلك القصة المأساوية التي يعاني منها الكثيرون نتيجة من تشبث عقولهم بأفكار ومواريث عقيمة، نهانا عنها الله في كل الأديان السماوية وأنزلها بكل كتبه المقدسة وعلى ألسنة رسله. فلقد نهانا الله عن التجاوز في القصاص، فقد قال الله في كتابه العزيز: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" صدق الله العظيم.
كما جاء في كتابه المقدس: "لي النقمة والجزاء في وقت تزل أقدامهم، إن يوم هلاكهم قريب والمهيئات لهم مسرعة."
ففي القرآن اشترط الله القصاص لمن يستحق وقد حمل جزاء جرمه.
وفي الكتاب المقدس اختص الله نفسه بعقاب الآثم.
فما أثمها هي، لينسج الأول شباكه لتزل قدمها ويضع رأس عائلتها بالوحل وهي الوسيلة.
ويأتي الثاني ليأخذ دور البطولة وكأنه يصلح ما أفسده الآخرون على حسابها، وبعدها يمن عليها بزواجه منها.
فلو قام أحدهما بقتلها سفحاً لوجدت خلاصها.
ولكن بعد حديثها معه، لِما تستشعر صدقه ونبل أخلاقه؟! لِما تتلمس طيبة ودفء في حضرته؟! وهذا ما لم يعجبها فتحدثت إليه بحدة ندمت لها لاحقاً.
ووجدت حالها تسأله بمراوغة ونبرة يشوبها بعض المرح في محاولة لامتصاص غضبه، وللحق تعجبت من حالها لما تحرص على إرضائه قائلة:
"إيه يعني؟! بعد الهري ده مفيش أكل لسوسن؟! ده آني حتى يتيمة وإنت أبو الكرم كله."
رفع رأسه إليها بعدما قد كان جالس على تلك الأريكة يستند على فخذيه بمرفقيه مطأطأ رأسه في حركة يعتادها، يحاول كبح غضبه منها وتجرأها على رفع صوتها بوجهه وتذكيره بأنها مجبرة على الزواج منه، وهذا يصعب على رجل تقبله، وخاصة رجل كماجد ذو شخصية حساسة مراعية.
ولكن بعد جملتها الأخيرة بنبرتها تلك بمرحها هذا، بابتسامتها البشوش التي رآها تزين ثغرها ووجهها ذو الملامح البريئة، وهي تقولوها بتلك العفوية التي نجحت في تبخير الغضب المحتدم بداخله تجاهها.
ولكن تحولت ملامحه إلى التجهم ثانية، فظنت أنه لم يسامحها. بينما هو يتساءل من سوسن؟! نهر حاله وشك بقواه العقلية ومراكز الاستقبال والإرسال لديه.
هل بتلك الابتسامة أعملت شفرة شوشت بها رادرات عقله، سوسن!! حتماً سوسن هذا اسمها فماذا سيكون غير ذلك، فهي حقاً أجمل زهرة لامعة ومبهجة الألوان ولها رحيق مميز قد رأتها عيناه.
هز رأسه ينفض تلك الأفكار، ومع تلك الهزة وهذا التجهم والشرود خشت غضبه، فقسوة ما عايشته جعلت منها شخصاً هشاً ضعيفاً يلتمس السلام والهدوء والسكينة، أبعد أحلامها أن تنأى بنفسها عن كل جنس آدم أقربهم وأبعدهم، أن يتركها الجميع تعيش بدون خوف، أن تغفو جفونها مطمئنة أن غداً لا ينتظرها آلام روحية وعذاب جسدي، فقالت والدموع تتحجر بعينيها تود أن تركع عند قدميه أن يرحمها، فتقدمت نحوه بأقدام مرتجفة، وقلب يرتعد خوفاً، وهو يتابعها بأعين متفحصة حائرة من تغير حالها، فقد كانت تتبسم منذ قليل والآن يملأ الحزن ملامحها، وتضاعفت دهشته عندما توقفت قدماها عنده، تسلم راية التحرك لعبراتها، تمد أناملها بتردد تمسك كف يده مسببة رجفة لذيذة لجسده ينتقل وميضها ترسل ذبذبات لخلاياه عبر أوردته منعشة قلبه بطرب رنان، وذلك كله من لمسة، أي لمسة إنها حقنة أدرينالين ضغط صمامها لتصب بشريانه لحظياً.
بينما هبطت بجسدها على ركبتيها أمامه أرضاً تلثم ظهر كفه ودموعها وجدت مستقر على راحته، ولكن وقع تلك الدموع التي تتساقط على كفه كوقع ماء نار سُكبت تشوه قلبه أو ربما تغسله من أي ضغينة قد تدنس رابطهما الآن أو بعد ذلك، فهي أضعف من يؤخذ ثأر منها، فالثأر وإن بغض لا يؤخذ من الضعفاء.
قالت من بين شهقاتها:
"آني آسفة لو كنت ضايجتك."
وأخذت تهز رأسها بهيستيريا وهي تقبل يده مرة أخرى:
"أحب على يدك يا خوي ما تشليش مني، آني هكون خادمتك بجية عمري بس بالله عليك بلاها ضرب جتتي معدتش حاملة."
آهة خرجت من جوفه وكأنها نار حارقة، وقد تصلب جسده بفعلتها، قلبه يصرخ بأي ذنب عُذبت تلك المسكينة؛ ليصل بها الحال إلى هذا الحد.
مد يده يقبض على ذراعها السليم يرفع جسدها عن الأرض يستقيم بجسده من مجلسه، وما إن أصبحت رأسها بمستوى صدره فهو يفوقها طولاً مد سبابته يرفع ذقنها لأعلى لتقابل عسليتيها سوداويتيه قائلاً بتأثر وإشفاق:
"بزيدي بكي، ما أعوزش أشوف دموعك، ومتخافيش مني آني مهأذكيش واصل ولا في نيتي ليكي أي حاجة عفشة."
اللمعت عينيها ببريق الأمل تناظره بأعين تشع براءة وتبسمت من بين دموعها تقول بلهفة:
"صوح اللي عتجول ده، ولا بتضحك علي؟"
هز رأسه برفض يبتسم لبرائتها، فبدت بضآلة جسدها وقصر قامتها مقارنة به كطفلة تستجدي وعداً من أبيها بالسماح وعدم العقاب.
ماجد:
"لاه، ما بضحكش عليكي."
ومال برأسه يقبل جبينها فتغلغلت رائحتها الطفولية الممزوجة بعبير من الزهور إلى روحه تثير بداخله مشاعر لم يستطع تفسيرها، بينما رفعت كفها تمسك بقميصه، في حركة أكثر إثارة.
بعدما أخبرت أنيتا صقر بأن أنچيل قد أصابتها الحمى، انخلع قلبه خوفاً. الصقر الذي عهده الجميع متحجر القلب لا يعرف الحب مدخلاً إليه، يؤلمه قلبه على امرأة، عن أي قلب نتحدث إنه قلب الصقر الموصد على جروح غائرة، قلب أغلق بابه منذ زمن بعد أن غرس به نصل حاد مزدوج أدير بحرفية ليصنع جرحاً لا يدويه الزمن، جرح ستره خلف حاجز حائل بينه وبين الحب، ولكن شيئين أحذرهما الموت إذ يأتيك بغتة، والحب إذا جاءك فجأة فلا شافع في الموت ولا مانع للحب.
هرع الصقر يلبي نداء قلبه ليطمئن على من أرقت مضجعه شوقاً إليها.
وعندما طرق باب الغرفة ولم يجبه صوتها دخل مسرعاً؛ ليتقصى الأمر ووجدها تعاني ألماً لا حول لها ولا قوة.
أسرع يغلق مزلاج باب الغرفة؛ حتى لا يدخل أحد من الخدم ويراه بقاعتها فإن تم توقيع عقد زواجهما فلا يزال هناك مراسم تتويجها بالثوب الأبيض، والأسوأ أن يراها أحداً بهذا الثوب المثير حتى لو كانت امرأة مثلها فهو يغار.
بعد إغلاق المزلاج، أسرع إلى التخت يضع يداً أسفل ظهرها يحاوط الجزء العلوي من جسدها واليد الأخرى أسفل فخذيها يستقيم بها واقفاً متوجهاً ناحية المرحاض ينحني بجزعه لأسفل؛ يحاول إيقافها تحت رشاش المياه، ولكن قدميها باتت كالهلام لا تحملانها، فحاوط خصرها يدعم جسدها بذراع واحد إليه حتى لا يتراخى جسدها فتسقط أرضاً وباليد الأخرى فتح صنبور المياه لينهمر الماء البارد على كليهما.
وعندما شعرت ببرودة الماء المنهمر على جسدها المحموم شهقت وهي ترتجف بشدة وذراعيها المتهدلتين إلى جانبها من شدة الإعياء ارتفعتا تلقائياً تدفع جسده بعيداً عنها، وجسدها ينتفض معلناً رفضه لتلك البرودة التي اجتاحته وهي تحاول دون وعي الابتعاد عن مرمى المياه، ولكن رفع ذراعه الآخر يدعم رأسها مسنداً إياه إلى كتفه، ويده القابضة على خصرها تقربها إليه محاولاً تثبيت جسدها تحت الماء وهي تحاول الفكاك، تقاوم تلك البرودة بارتجاف هيستيري ترغب في الخلاص مما يحاصرها فكادا أن يسقطا معاً بسبب مقاومتها، فلم يجد بداً سوى أن يستدير وهي بين ذراعيه ليتبادلا الأماكن فأصبح ظهره إلى الحائط يشدد من احتضانها لجسده، وبعد يأسها من الهروب من تلك القبضة وخارت مقاومة جسدها، لفت ذراعيها حول هذا الوتد الذي يحول دون ابتعادها تضم جسدها إليها تتلمس الدفء تتشبث به بقوة.
هدمت فعلتها تلك البقية الباقية من ثبات الصقر الانفعالي وبدأت ارتجافت جسدها تتسلل إلى أوصاله تدغدغ حواسه وداخله يتوسلها أن ترحم رجولته المعذبة، وجسده الذي اشتعل رغبة بها، وزادتها عليه عندما دفنت رأسها بحنايا عنقه وشفتيها تتلمس جانب وجهه وأنفاسها تضرب وبقوة نقاط الضعف مثيرة عاصفة هوجاء من المشاعر الجارفة حد اللعنة، فتصاعدت دقات قلبه وتهدجت أنفاسه يضمها إليه أكثر حتى بات جسداهما متلاحمين ومال رأسه لا إرادياً إليها وقد أغواه هذا الانسجام الجسدي والروحي بعد استكانة جسدها بين ذراعيه فدفن هو الآخر رأسه بعنقها يستنشق عبيرها وشفتيه تتذوق طراوة بشرتها وهو يقبلها قبلات رقيقة على رقبتها أسفل أذنها، فبدأت حواسها تتنبه وحرارتها تبدأ بالهبوط رويداً رويداً، بينما أحدهم قد اندلعت بقلبه وجسده ناراً مهلكة تهدد بوقوع كارثة لا محالة، أخذت ترمش بأهدابها محاولة استيعاب ما يجري حولها والحالة التي يبثها إياها بدأت تستحوذ عليها هي الأخرى.
أخذت تئن بنشوة ورائحة عطره الممزوجة برائحة جسده الرجولي تتخلل حواسها فلقد احتفظت مراكز الإحساس لديها بتلك الرائحة التي تعزف أنغاماً معطرة بروحها الهائمة طوال ليلها تحفر ملامحه ورائحته وأنفاسه داخلها، وتصاعدت قبلاته إلى خدها عندما بدأت برفع رأسها إليه تنظر إلى وجهه وهو يستند بجبينه إلى جبهتها وعينيه تراقب بعيون صقر جارح قطرات الماء التي تجري من أعلاها تتحطم بين شفاها الكرزية تكمل سيرها على ذقنها الذي يزينه طابع الحسن وشعرها الحريري التصقت خصلاته بعنقها الذي حرره من غزو شفتيه وهو يمني نفسه بغزو آخر أكثر اكتساحاً وأعمق انتشاراً وكلاهما يتنفس أنفاس الآخر.
رفعت كفها إلى خده ولا يزال ذراعها الآخر يطوق عنقه، تتلمس أناملها شعيرات ذقنه النامية، وهي تسأل حالها أكان ينقصه جاذبية حتى تضفي تلك اللحية الخفيفة سحراً خاصاً به مكملة جاذبية الصقر.
أو كان ينقصه هو الآخر تلك اللمسات الرقيقة ليعلن الشوق التمرد رافضاً ما يمليه عليه العقل.
رفع هو الآخر كف يده يرجع خصلات شعرها خلف أذنها براحته يتلمس جانب خدها، وهو يتأمل وجهها الصبوح وعندما هبطت بنظراتها إلى شفتيه وكأنها تدعوه ليتأمل خاصتها الذي يراقبهما بجوع منذ البداية، وبات التماسك درباً من دروب الجنون فمال رأسه يلبي دعوة شفتيها وهو أكثر من مرحب يتذوق قطرات الماء العالقة بهما ومن ثم انقض يقبلها بنهم وهي تبادل شوقه ولهفته بشوق مماثل وكفه يدعم رأسها من الخلف يقربها إليه وهو يستشعر حلاوة شهد تلك الشفاه بالتناوب وآهة منتشية خرجت من جوف صدرها ابتلعتها قبلاته يروي بها ظمأ خلفته أخرى تاركة الجفاف يشقق خلايا روحه متعطشاً لمن تعالج ندوب حب زائف، وها قد جاءت تلك الغريبة عن أهله وبلده ووطنه بروح شرقية في زي أوربي يكتب اسمها إلى جانب اسمه في قصص العشق الملحمية وقد من الله عليه بها في حلاله وعفه عن عشق يوقعه في الخطيئة، فهي زوجته على سنة الله ورسوله.
وبينما هما على تلك الحالة من ثورة المشاعر حتى.............
رواية وعد ريان الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماء حميده
عند ريان ووعد.
لازلت آثار قبلته الجامحة على شفاهها المنتفختين اللامعتين بشهدها المختلط بلعابه، فأسند جبهته إلى جبينها يتنفس أنفاسها سامحًا لها بأخذ جرعة هواء تحتاج إليها رئتيها بعد هذا الهجوم الذي شنه وبقوة على دفاعاتها الهاوية بالأساس أمام سطوته وجاذبيته.
أما هو عندما رفع رأسه إليها، وبخبرته في عالم النساء أن جولة العشق تلك هي جولتها الأولى فأرادها أن تكون مميزة تحفر ذكراها داخلها ما حيت، تلك اللمعة وهذا الاستسلام عزز غروره وثقته بنفسه الراسخة بالفعل.
فأمال رأسه إليها مرة أخرى يلثم شفاهها بقبلات رقيقة كرفرفة الفراشات وهي مغمضة العينين تتملكها حالة من التيه والصدمة لِما تشعر به الآن.
أخذ جسدها ينتفض بين يديه من فرط المشاعر التي تختبرها للمرة الأولى قلبها ينبض بخفقات متتالية وداخلها يتساءل أي لذة تلك التي تعادل لذة العشق، عشقه الريان الذي حملها إلى عالم وردي تحيطهما فراشات الحب ووميض ضوء يسلطه عقلها على نقطة طفت إلى مخيلتها من اللاشئ ألا وهي هل ما شعرت به ولامس أعماق روحها أحس بحلاوته مع أخرى؟
بالطبع لم تكن تلك مرته الأولى ولا تقصد هنا قبلة وعناق، وإنما تعني أبعد من ذلك بكثير فما يتداول عنه في الأخبار وما ينشر عنه من أنباء عن تعدد علاقاته مع العديد من الفتيات منهن عارضات أزياء وفنانات بل وملكات جمال، فهو ريان موشيه أصغر وأثرى رجال الأعمال بأمريكا والعالم ولابد وأنها بالنسبة إليه نوع جديد لم يقابله ويريد أن يختبره.
هنا وعندما جاءت الإجابة السريعة من عقلها الذي أرسل إشارة لحواسها بالثأر لكرامتها المهدورة بعد تلك الإستجابة المهينة والمخزية، فما كان منها إلا أن دفعته عنها بقوة جفل لها هو، مصوبًا نظراته إليها بدهشة ولازال إحساسه بها يشوش تفكيره ويتساءل ماذا حدث.
فجاءه الجواب على هيئة صفعة قوية استدار لها رأسه إلى الجهة الأخرى فقد باغتته بردة فعلها تلك.
أشتعلت عيناه بلهيب حارق، وارتد ببصره إليها يفحها حديثه من بين أسنانه وهو يجز عليها بغضب قائلًا : إيه اللي عِملتيه دِه؟!
داخلها يرتجف بشدة من هيئته المخيفة تلك، وهي الأخرى تنهر حالها قائلة : قابلي يا بت الصرمة، قليل إن ما بلعك.
وأجابته بقوة زائفة : أنت إزاي يا بني آدم أنت تعمل اللي عملته ده؟!
ريان بسخرية : عِملت إيه؟! وبعدين آني عِملت اللي إنتي كتي عاوزاه من عشية، و لما حصل دلوك ما حسيتش إنك رفضاه.
استعدت لشن هجوم بارد لا يحمد عقباه متخلية عن خجلها وهي تقول : مش للدرجة دي، يمكن من بعيد ليك سحر مانكرش، لكن بعد ما جربت اللي كنت فاكرة إني عاوزاه ما حستهوش زي ما تخيلت.
جيد، استهدف هو مرماها وسيناورها ليصيب هدفاً يستميت لتحقيقه فوزًا بها فما عايشه معها منذ قليل يستحق إبراز بعض المهارة، فأجابها وعيناه تتابع بعيني محلل بارع في قراءة لغة الجسد قائلًا : عندك حج، مش كل اللي بنحسه بيبجى زي ما بنتخيله، أوجات الواحد بيبجى حابب يچرب حاچة چديدة مع إنه ممكن يكون داج أحلى منيها كتير.
أنوثتها تصرخ بقهر إثر تحطم شيئاً بداخلها تأن فتاته مطالباً إياها بصفعه مرةً أخرى على رده المهين وقد استحالة معالمها إلى العدوانية والشراسة، وهذا ما لم يخفى عليه إنها تقوم بإداء ردة الفعل الذي ينتظرها وبقى السر وراءها مازال مجهولاً.
إلى أن قالت : تصدق هتصدق إن شاء الله، إنت قليل الأدب وكل الستات اللي أنت تعرفهم زبالة.
إذًا بات السبب معلومًا إنها إلى جانب طعن أنوثتها، تشعر بألم الغيرة، فاشتعلت حماسته وداخله يقول فلنزيدها من الشعر بيتاً.
ريان وهو يعض شفاهه السفلى بوقاحة قائلًا بلهجته القاهرية : أف، ما تفكرنيش البت الآخرنية، و أخذ يمسد جبهته بتفكير : آه، چيسيكا ملكة جمال روسيا طلقة، يا نهار عط.
وعد بغضب فمن كثرتهم نسى إسم رفيقته التي إنتشرت أخبارهما على كل مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، نسى إسم مَن!!!! قاعدة الصواريخ الروسية (چيسيل).
وعد : مش أد كده يعني، دي مسلوعة ومعضمة، البلدي يوكل، وبعدين چيسيل دي اللي في جسمها عندنا بيقولوا عليها معرقبة.
ريان، وهو يبتسم بدهاء، فنيران غيرتها جانبه يشتم رائحة دخانها : لا حسبي، دي فورتيكة، بس شكلك متابعة!! أصلي بطلت أعد.
وعد بغيظ : ولا متابعة ولا حاجة، أنت اللي رايحتك فايحة وفضايحك مالية الأخبار والنت.
ريان وهو يدعي البراءة : طب أعمل إيه؟! كل واحدة أقبلها تقولي بحبك يا ريو، نفسي أقضي معاك ليلة يا ريو، مستنياك الليلة عندي يا ريو والإنسان مننا دعيف.
قال الأخيرة بغمزة من عينيه يذكرها بمناوشاتها له قبل علمها بإجادته العربية وأن حالها كحال كل من قابلهن.
اغتاظت وعد لما أعاده على مسامعها وتلميحاته تلك قائلة بثورة : أنا مال أمي بسفالة أمك...قائلة بتراجع : قصدي مامتك، روووحني.
ريان بزمجرة يداري بها فرحته لنجاحه في إثارة غيرتها : واه عاد، آني صبري خلص، شوفي غلطة كمان، وما خبرش آني هعمل فيكي إيه؟ مش بعيد أطخك عيار وأخلص من طولة لسانك دي.
وعد وهي تكبت ثورة غضبها المتصاعد : يا عمهم، حلني بقى، أنا مش عاوزة أعرف تاريخك النسائي المشرف، وخلينا نروح بقى قبل ما همس تيجي وزي ما قولت أنت ممكن تقابل حد هناك وساعتها كل اللي عملته مش هيبقى ليه لازمة.
بعد إلتهاء عم سارة وإبنه علاء في إستلام جثة الفقيد، بقى هو الداعم لعمته ومن ملكت قلبه وقيدته بقيود عشقها، فبات مقبل وعلى أتم الاستعداد لفعل أي شيء وكل شيء في سبيل الفوز بها وها قد بدأ في المضي قدماً سعياً وراء هذا الهدف وأولى خطواته عندما حصل على توقيعها بجانب إسمه على عقد الزواج العرفي الذي أخذه من مكتب المحامي وأعطته له سكرتيرة مكتبه.
لازم محمد سارة وعمته كظلهما حتى يقطع أي طريق على هذا السمج للتودد لها، حتى أنه خرج بهما من المشفى وبرفقته هناء وتحية واستوقف لهم جميعاً سيارة ميكروباص تتسع لسبعة أفراد، وأجلس والدته إلى جوار عمته معاوناً كلتهما على الصعود بالمقعد الخلفي قائلاً : إتفضلي يا عمتو و أنت كمان يا أمي أقعدوا براحتكم ورا وخلي البنات براحتهم قدام.
ومد يده يلتقط كف سارة التي تسير معهم كالمغيبة ووالدتها لا تقل عنها تيهّا يعاونها هي الأخرى على الصعود بالمقعد الأمامي وما إن همت هناء لأن تستقل السيارة إلى جوارها حتى جذبها محمد برفق من ذراعها لينحيها جانباً محتلًا هو المقعد إلى جوار سارة ومن ثم مد يده لهناء لتصعد جواره وأصبح جالساً بين جنيتيه إحداهما معشوقته والأخرى أخته وإبنته اللتان تربتا على يديه وفي كنفه.
التقطت عينا الذئب المتربص بفريسته ونعني هنا سموحة (سوري قصدي الحج سامح). وبالطبع فريسته نشير بها إلى صاحبة الإرث (سارة) و التي لا تعلم حتى الآن الثروة التي آلت إليها والذي وثقها جدها بإسمها في الشهر العقاري بيعًا وشراء متخوفاً من أن يتوفى الله ولده قبل زوجته القهراوية وتطمع بمال إبنتها، وعلمه بجشع إبنه سامح و شيطانه الذي من الممكن أن يهيأ له فعل أي شيء ليستحوذ على مال أخيه وإبنته، وإحساسه بالذنب لكونه نبذ إبنه كل تلك الفترة التي أمدها الله في عمر الجد فلجأ إلى هذا الحل قبل أن يلاقي ربه، وكأنه يعلم بأن ولده سيلحق به قريباً وها هم يبدأون مراسم لحاقه بأبيه فمن أفترقا بالحياة سيجمعهما الموت.
أما عن ذلك المراقب الذي قام بغمز إبنه مشيراً بعينيه نحو السيارة وكأنه يعطيه أمراً بسرعة التصرف، فتبع علاء إشارة أبيه حانقًا ،فسارة لا تعنيه على الإطلاق كل ما يهمه المال، المال وحسب و كما يقولون (إبن الكلب عوام، 🤔أو الوز أعتقد).
علاء متقدمًا من السيارة، وهو يناظر محمد بسخرية قائلًا : قاعد مع الحريم يعني؟! مش المفروض تبقى في عربية الرجالة؟! ولا شكلك واخد على قاعدة الحريم؟!
قابل محمد نظراته الساخرة بأخرى تشع براءة كاذبة : والله أنا قولت طالما إن موضوع الدفن ده ما يخصش غير أهل المتوفي اللي هما والدك و أنت طبعاً حسب كلامك يعني ،قولت أسيبكم ترتبوا أموركم ،واخد أنا بالي على الحريم ولا عاوزني أسيبهم يسافروا لوحدهم مع سواق غريب من غير راجل، علموك كده في الصعيد يا لوئة؟! أصل عندنا هنا غير، إني أحافظ على عرضي وحريمي أ، ب شهامة ونخوة مش معيرة يا لولو.
أخذ الغضب يعتلي ملامح وجه علاء من برودة محمد في ردوده وكأنه ليس البادئ، وكلامه قد ألجم لسانه إلا من كلمة واحدة قذفها بوجهه : لا دكر.
وهم ليبتعد فأجابه محمد : طول عمري، وضيف عليها ورجولة، ومليش في تلقيح الحريم.
استدار له علاء، وهو يجز على أنيابه قائلًا : مش وقتك دلوقتي، نخلصوا الحوار ده، وبعدين ليك روقة.
محمد وهو يبتسم بزاوية فمه قائلاً : أعلى ما في خيلك أركبه وإتكى عليه.
غادر علاء يدك الأرض بقدميه من شدة غيظه، بينما من كان يدعي الثبات دق الخوف قلبه من فقدانها فلابد من توالي الخطط و كما يقولون ( كل شيء مباح في الحرب والحب).
انطلقت السيارة تتبع الأخرى في رحلتهم إلى سوهاج، وهو يتابعها بأعين تنضح بمزيج من المشاعر المختلطة الألم والخوف والعشق وهلع الفقد ثم الكثير والكثير من الرغبة. وبعد وقت من الصمت رفع ذراعيه يحاوط كتفي الفتاتين وماذا فيها فالجميع أعتاد منه على ذلك، فمنذ صغرها وهو يعاملها كهناء والكل يعلم ذلك، ولكن الآن اليد المحاوطة صاحبها أختلف ما بداخله لها كليًا.
بينما تملصت هناء أسفل ذراعه قائلة : استنى بس يا بوب لما أرفع بوست نعي على النت عشان أصحابنا يبلغوا المستر في السنتر، ألا ده بيقولوا عليه غلس غلاسة، بدل ما ينزل ناس بدلنا الكورس عشان العدد، أصله بيتحاسب من السنتر على الراس، بدل ما يفكرنا مش جايين وتروح علينا الأماكن وفلوس الشهر.
حرر محمد هناء وأخفض يده ملتقطًا كف سارة وذراعه الآخر لازال مستندًا به على ظهر المقعد خلفها وتسللت أنامله تتحسس كتفها برقة ويده لازالت قابضة على كفها.
وما إن أحست بدفئه حتى حطت برأسها تستند على كتفه، وأنامله المداعبة قبضت على كتفها يضمها إليه وأحاسيس مباغتة في وقت خاطئ تتملكه، شعوره بها بين أحضانه يشعل حواسه ويدعوها للنشاطوهي تنكمش داخل أحضانه تضم جسدها إليه، وما بها الآن ليس حاجة إلى الحبيب قدر حاجتها إلى الداعم الحامي.
بينما ما بداخله يختلف عنها تماماً أوصاله تأن شوقاً إليها برغم إنعدام المسافات، وشطح خياله إلى ما أبعد من هذا التقارب ولا شيء يزعزع عقيدته بأن ليس هناك شيء خاطئ على العكس كليًا فمن منظوره لا عيب في أن يضم الرجل زوجته إلى أحضانه يدعمها ويواسيها.
تسللت أناملها من بين أصابعه تحط براحتها على صدره بالقرب من خافقه وكأنها بفعلتها تلك شقت قفصه الصدري تدس يدها من بين ضلوعه تريح كفها على قلبه تثلجه من وحشة رهبته مما هو آت.
ولكن ما أنتابه الآن توتر من نوع آخر، فهو يخشى افتضاح أمره أمام الجميع، ودقات قلبه تعلو، يشعر بطنينها المدوي كرتم لحن صاخب يصم الآذان وبالطبع استمعت إليها تلك القريبة (لفرح إبن العمدة اللي جوه).
فرفعت بصرها إليه و بحركة رأسها تلك جعلته يفرج أهدابه المسبلة بإستمتاع مؤلم ولذيذ ولا يعلم كيف يجتمع الألم مع اللذة.
ولكن نظره الذي التقط عينيها القريبتين الناعستين من أثر البكاء و شفاهها وهي على مقربة سنتيمترات من خاصته، ترمقه بنظرات مستفسرة عن تلك الجلبة، فظفر هو أنفاسه الحارقة التي داعبت خدها برقة.
بينما خرج صوتها متحشرجًا بتأثر من تنهيده الحارقة التي لامست قلبها، فبرغم سلاطة لسانها وعنادها ولكنها لا تعلم عن ما يعانيه الآن شيئاً و ما يجاهده من أجل كبح ما يريده نظراً لما يصح.
قائلة : مالك يا محمد؟!
محمد بتيه : محمد بيضيع أقسم بالله.
اعتدلت في جلستها تقول : بقى ده محمد اللي من شوية كان بيديني خطبة عصماء عن الصبر و التحمل.
محمد وهو يعيد رأسها إلى كتفه فإن بقت على تلك المقربة وهو يتابع هذه العيون و تلك الشفاه المكتنزة سيحدث ما لا يحمد عقباه.
فقال معقبًا وهو يقصد شيئاً آخر بجملته تلك : خلاص مش قادر.
مدت كفها تتلمس راحته بمآزرة فأصبحت هي من تواسيه ظنًا منها أن ما به، حزناً على فراق أبيها فهي تعلم بحبه وتقديره له (لا يا أختشي ده طلع هو كمان ماترباش).
نفض محمد يدها عنها، فصغيرته مرهقة، قائلاً بحدة لا تعرف هي سبباً لها : سارة ممكن تبعدي شوية، أنا خلاص مش طايق نفسي.
تألمت لتحوله هذا وابتعدت تنأى بجسدها عنه تحيطه بذراعيها وكأنها تواسي حالها على فقد غاليها وقسوة المحب، فحالته تلك تخيفها.
عند ماجد وسوسن.
بعدما جثت عند قدميه تستمحيه عذرًا أن يكن رفيقًا بها فلقد لاقت في حياتها خذلاناً وقهراً من أقرب الناس إليها بحرب كانت هي ضحيتها، رفع جسدها عن الأرض يهدئ من روعها، يطمئنها بأن خوفها منه لا داعي له من الأساس فلا نية لديه بإستكمال ما فعله بها الآخرون.
قالت من بين شهقاتها : آني آسفة لو كت ضايجتك، و أخذت تهز رأسها بهيستيريا و هي تقبل يده مرة أخرى : أحب على يدك يا خوي ما تشليش مني، آني هكون خادمتك بجية عمري بس بالله عليك بلاها ضرب جتتي معدتش حاملة.
آهة خرجت من جوفه و كأنها نار حارقة، و قد تصلب جسده بفعلتها، قلبه يصرخ بأي ذنب عُذِبت تلك المسكينة؛ ليصل بها الحال إلى هذا الحد.
مد يده يقبض على ذراعها السليم يرفع جسدها عن الأرض يستقيم بجسده من مجلسه، و ما إن أصبحت رأسها بمستوى صدره فهو يفوقها طولًا مد سبابته يرفع ذقنها لأعلى لتقابل عسليتيها سوداويتيه قائلاً بتأثر و إشفاق : بزيداكي بكى، معوزش أشوف دموعك، و متخافيش مني آني مهأذكيش واصل و لا في نيتي ليكي أي حاچة عفشة.
التمعت عينيها ببريق الأمل تناظره بأعين تشع براءة و تبسمت من بين دموعها تقول بلهفة : صوح اللي عتجوله ده، ولا بتضحك علي.
ماجد مبتسما لبرائتها : لاه مابضحكش عليكي.
و مال برأسه يقبل جبينها فتغلغلت رائحتها الطفولية الممزوجة بعبير من الزهور إلى روحه تثير بداخله مشاعر لم يستطع تفسيرها، بينما رفعت كفها تمسك بقميصه، في حركة أكثر إثارة.
وهي تشعر پراحة وأمان حرمت منه منذ زمن، حنان تفتقده، تريده كلاجئ فقدت قدماه تراب الوطن، يهيم لا ملجأ إليه لا أرض ولا موطن ولا عشيرة، أحست بقربه في تلك اللحظة بأنها وأخيراً وجدت ضلتها.
رفعت يدها الأخرى تحاوط خصره، كطفلة تحتاج إلى أحضان أبيها مذعورة خائفة من كابوس راودها ولكن كابوسها هذا لم يكن بغفوة إنما واقعًا عايشته لسنين طويلة منذ وفاة أبيها وهي تعاني.
لم يمتثل جسده لما أملاه عليه عقله من قبل وألقاه على مسامع ريان، فارتفعت يداه تحاوطها يدًا تدعم رأسها تقربها إلى صدره، والأخرى تمسد على ظهرها صعوداً وهبوطًا وهي تدفن رأسها بصدره، وكأنها تختبئ عن العالم مكتفية به ،وهي تشدد من حصار يديها على خصره.
صرخ عقله يلومه أتستغل تلك الطفلة؟! أنسيت فارق العمر بينك وبينها؟! لعنة الله عليك ماجد، فلو تزوجت باكراً لأنجبت فتاة في مثل عمرها أو أصغر بعام أو إثنين ففارق العمر بينهما يقرب العشرين عاماً هو بالثامنة والثلاثين وهي لم تتجاوز العشرين بعد.
أما هي تحتاج هذا العناق ليمحي آلام الماضي، ولا تعي أنه بحاجة هذا العناق أكثر منها، عناق يمحي الغبار الذي تشكل بداخله على هيئة شبح اعتاد الوحدة والنبذ.
بقيا هكذا عقله يرفض وجسده يأبى الإبتعاد، بعد مدة أحس بثقل جسدها بين يديه وقد انتظمت أنفاسها دليل على غفوتها، غفت بين يديه عندما أحست بهالة من الأمان تحيطها وتحميها إنه ماجد، دفء ماجد، وأيضاً حنان ماجد.
أمال جسدها إلى إحدى ذراعيه، وأنحنى بجذعه يضع يده الأخرى أسفل ركبتيها يرفع جسدها إليه مستقيمًا بها، يتحرك بها ببطئ وحذر لا إلا يلمس ذراعها المتألمة عن غير قصد، وعينيه تحفر ملامح وجهها البريء النقي في مخيلته، يضعها بحرص فوق التخت ومال بجسده إليها يطبع قبلة مطولة على جبينها، وعندما هم ليبتعد وجدها لازالت قابضة بأحد كفيها على قميصه من الخلف عندما كانت تلف ذراعها حول خصره.
خلص ماجد قبضة يدها من ملابسه ببطء، فقربها منه بهذا الشكل خطراً على كلاهما، و عندما نجح في الإبتعاد ،زفر أنفاسه بصعوبة قائلا من بينها بصوت خفيض : وبعدهالك يا ماچد؟! أنت كت إبتديت تتعود تبجى لحالك، لا مستني حب من حد ولا حد مسئول منيك، ووجه حديثه إليها وكأنها تسمعه : طلعتيلي من فين إنتي؟! ويا ترى الدنيا حيشالنا إيه؟!
عند مصطفى وهمس.
أخذت السيارة تنتقل بهما على الطريق، وبالنسبة له تلك الرحلة هي النقطة الفاصلة إما تنقله إلى عالمها المليء بالحب يضيئه هو بلمحة من جنونه ومجونه وهوسه الذي توحشت صوره فأصبحت أمامه لياليهم الدافئة القادمة تتشكل بمخيلته وكأنها واقعاً ملموس، وإما تحيل أوراقه إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، فهو إما عاشق وإما سيتلبسه شيطانه فيقتلع من يقف في طريقه إليها گأنه لم يكن له على الأرض وجود.
وهي تحاول أن تصب كامل إهتمامها بالهاتف الذي بين يديها وكل محاولاتها تبوء بالفشل إذ تنصرف كامل أفكارها ويشرد خيالها للقاءاتهم الجامحة تبتسم تارة وتخفض رأسها بخجل تارة أخرى.
إلى أن وقع نظرها على خبر جعلها تشهق واضعة أناملها على شفتيها بصدمة وهو هوى قلبه فزعًا وتساءل بلهفة : مالك يا همس؟! فيه إيه في التليفون خلاكي مخضوضة كده؟!
همس وقد ترقرقت عينيها بالدموع قائلة بنبرة موشكة على البكاء : بابا سارة مات يا مصطفى، يا ترى هي عاملة ايه دلوقتي؟
مصطفى بعدم معرفة : الله يرحمه، بس مين سارة دي؟!
همس مجيبة وكأنه يعرفها : سارة بنت عمة محمد.
مصطفى بغيرة : ومين محمد ده بقى إن شاء الله؟!
همس بحزن وضيق : يوه، يا مصطفى ده وقته، إستنى لما أكلم هناء أطمن على سارة وطنط فتحية.
فلقد تبادلت الفتيات أرقام هواتفهن وكذلك روابط حساباتهن الشخصية على الإنترنت.
عبثت همس بشاشة هاتفها تطلب رقم هناء إلى أن جاءها الرد،
همس : ألو، هناء يا حبيبتي، البقية في حياتك،أنا لسه شايفة الخبر دلوقتي على الفيس.
هناء : حياتك الباقية ياهمس، كتر خيرك يا حبيبتي إنك اتصلتي مانعزكيش في غالي.
همس : أنا بجد زعلانة جدا على الخبر ده برغم اني ما شوفتش بابا سارة بس كلامها وكلام طنط عنه خلاني فعلاً حزينة جدااااا، قوليلي سارة عاملة إيه، ينفع أكلمها؟!
هناء : سارة وعمتو حالتهم وحشة أوي يا همس، وإحنا دلوقتي نزلين سوهاج، عشان الدفن والعزا هيكونوا هناك في بلد عمو الله يرحمه.
همس : الله يرحمه، إحنا كمان في الطريق رايحين سوهاج، صدفة غريبة بجد، طب إديني العنوان عشان آجي أنا ووعد نعزي سارة وطنط.
هناء بحرج : بس كده بنتعبكم معانا.
همس : ولا تعب ولا حاجة إحنا كده كده All ready في سوهاج، يعني قدمنا say ساعة ويمكن أقل.
هناء : أنت جاية أنتي ووعد مخصوص عشان العزا!!
همس : ده وعد جالها شغل هناك في سوهاج و بعتتلي عشان أروح أقعد معاها.
هناء بتفهم : أوك يا حبيبتي توصلوا بالسلامة، بس أنا ما أعرفش العنوان بالظبط، خدي محمد معاكي أهوه هيقولك العنوان بالظبط.
وناولت هناء الهاتف لمحمد وهو يناظرها بتساؤل فلم يكن منتبهًا فكل إهتمامه منصب على تلك التي تتجنبه بحزن مضاعف وكلما حاول الإقتراب منها يحدث شيئاً أو يصدر عنه شيئاً خارج عن إرادته يبعد المسافة بينهما.
وضعت هناء يدها على كاتم الصوت تجيب على نظراته المتسائلة : دي همس أخت وعد بتسأل عن العنوان عشان العزا.
محمد بضيق : ياستي اعتذري لها هنشحطت الناس معانا ليه.
هناء : دي مش جاية مخصوص هي جاية لوعد عشان بتقول وعد جالها شغل في سوهاج رد عليها بقى.
تناول محمد الهاتف من هناء مجيبا : السلام عليكم ورحمة الله.
همس : وعليكم السلام ورحمة الله، البقية في حياتك يا محمد.
أاستمع أحدكم لصوت انفجار دوى بالأرجاء نعم هو بالطبع إنه الكتكوت حقها.
مصطفى بثورة : يا وقعتك السودة يا محمد.
أسرعت همس سريعاً تضع يدها على كاتم الصوت قائلة بعناد مماثل : ممكن توطي صوتك شوية!!
مصطفى : وماله! 🤔طب ما أولعلكوا اللمبة الحمرا كمان؟! أنتي أتهبلتي يا بت؟!
همس ترد سريعاً على محمد الذي رد على كلمات رثائها بإيجاز : محمد، ممكن تبعتلي اللوكيشن لو سمحت؟!
وكزها مصطفى بمرفقه في ذراعها فخرجت عنها آهة متألمة، قائلاً بضيق يفح من بين أسنانه : ما تقوليش اسمه أحسنلك، ولا أقولك اقفلي الزفت اللي في إيدك ده.
استمع محمد إلى نبرتها المتألمة فقال مستفسرا ً:
فيه حاجة يا آنسة همس؟!
همس بإرتباك : لا، أبدًا يا مح..... وبطرت تلك وإستكملت : أبدًا ولا حاجة ده بس العربية أخدت مطب جامد شوية.
مصطفى وهو يعض على شفاهه السفلية قائلًا بنبرة منخفضة نسبياً : وشكلها هتاخد فوق دماغها كمان، إخلصي.
همس منهية الحديث : طب هقفل أنا، أنت أكيد مشغول.
و أغلقت همس الهاتف مع محمد، تنوي نهره وما إن التفتت برأسها إليه ورأت معالم وجهه علمت أن المعاندة لن تأتي ثمارها معه فقالت لاعبة على وتره الحساس : على فكرة العلاقة اللي بتبقى بدايتها شك دي ما بتبقاش مريحة، مصطفى إحنا لازم نسيب بعض.
وما ظنت أنه سيخمد تلك النيران فيتراجع عن تعنيفها وجدته يمسك بذراعها بقوة قائلا : ده عند أمك، وشغل قلب الترابيزة ده مش عليا أنتي فاهمة، أنتي عارفة كويس إن اللي أنا فيه ده مش شك.
هزت همس رأسها رفضا بعنف وهي على وشك البكاء، فقد آلمتها قبضته بقوة على ذراعها، وهي تقول : لا مش عارفة ده إيه ومش عاوزة أعرف، ولو سمحت سيب إيدي.
استوحشت نظراته لها ولا يعلم إذا كان هذا بسبب غيرته عليها فهو لا يريد أن يسمع صوتها غيره، أن يراها غيره، أن تنطق إسم رجل غيره، غيرته حمقاء عمياء، والأدهى تهديدها له وهما الآن على مشارف سوهاج، وقد اقتربوا من آخر إستراحة لهما على درب تلك الرحلةو أصبح مقبلا على هلاكه فأي معركة سيخوضها من أجلها وهي ليست بصفه حتماً سيخسرها.
ضرب مصطفى بخفة على كتف السائق قائلا : أقف عند الريست الجاي ده يا ساميوما هي غير ثواني حتى توقف الأسطى سامي أمام الريست مباشرةً.
ترجل مصطفى من السيارة واستدار يفتح لها الباب، يقبض على معصمها بقوة ساحبا لجسدها يخرجها من السيارة صافقا الباب خلفه يسحبها وراءه، وهي تحاول جاهدة أن تساير خطواته السريعة الغاضبة، بعدما علمت أن عنادها معه وهو على تلك الحالة لن يجديها نفعا، وهي في بلد غريب، حسناً كلها ساعة فقط وتصل إلى ملاذها الذي وعدها أنه سيتصرف وهي تعلم وعد جيداً تعد وتفي.
ما إن وصلا إلى الريست الذي يخلو في هذه المنطقة، ولا يوجد به سوى عامل واحد فقط، الذي وجده في طريقه فألقى عليه سلاماً عابرا.
وسأله مصطفى مباشرةً : لو سمحت الحمام فين بسرعة المدام حامل وتعبانة.
أماء له العامل بتفهم وهو يشير ناحية اليسار ولم ينتظر مصطفى استكمال شرحه وتابع سيره وهي مكبلة المعصم خلفه حتى وصل حسب إشارة العامل، ووجد علامة المرحاض الحريمي، ففتح بابه سريعاً يدفعها إلى الداخل و إذا به....
رواية وعد ريان الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماء حميده
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيرا إلى يوم الدين، الله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
الصقر في عالم آخر ملئ باللذة، عالم يختلف كلياً عن عالمه الجامد الذي أحاطه بأسوار عالية تَحُول دون وقوعه في العشق، ودُكَّت تلك الأسوار أمام سحر عينيها، معها يختبر مشاعر لم يعرف لها وجود حتى عندما كان عاشق لغيرها.
لم يشتهي يوماً إمرأة كما يشتهيها الآن، كل ذرة به تناجي عنفوانها، تستحلفها أن تزيده عشقاً، ضلوعه القابعة بها تأن لوعة ورغبة، شفاهه تنهل أكسيرها من شهد شفتيها، يده المحاوطة لخصرها بدأت برفع جسدها إليه، واستدار وهي بين ذراعيه يسند جسدها إلى الحائط يمهل رئتيها التي تطالبه بفرصة لتلتقط أنفاسها من ذلك الهجوم الطاغي؛ فابتعد برأسه قليلاً ، ورفعت هي كفيها التي تحاوط عنقه تخلل أصابعها بين خصلات شعره الناعمة، تتأمل قطرات المياه المتساقطة منها وهي تسيل مرورًا برموشه المُكَلِّلة لعينيه الزيتونية ، مكوبة وجهه بكفيها وإبهاميها يداعبان جفنيه تزيل عنهما قطرات الماء حتى تستطيع تأمل نظراته الغائمة برغبته بها وهو يذوب بنظراتها الساحرة الواثقة بتأثير صاحبتها، والغريب أن ثقتها تلك تشعل حواسه، فهمس لها وشفتيه تلامس خاصتها : جلبي اتبدل حاله من أول ما عيني وجعت عليكي يا جلب صجر.
اقتربت أنچيل تلامس جانب شفتيه بخاصتها، وعندما إنخفضت عيناه تتابع فعلتها تلك التي أسرت بجسده شحنات متدافعة تزيد من تدفق الدم إلى شريانه، رفعت تلك الساحرة رأسها تثبت نظراتها إلى غابات عينيه قائلة بإغواء : ليه بتكابر يا صجر، جلبك متبدلش حاله، جلبك ده ملكي آني كانه عارف إني چاية، ليه خايف مني؟! آني بجى ماهكبرش بس ماهجولش غير لما أنت تجولها لول.
الصقر بأنفاس حارة، وصوت رجولي بنبرة متحشرجة : وبعدهالك؟!
أنچيل وهي تقترب بشفاهها من أذنه : وبعدهالك إنت؟! عاوزة أسمعها منيك.
وقبل أن تبتعد لترى تأثير همسها عليه طبعة قبلة رقيقة على خده، فأغمض عينيه بإستمتاع، و أنفاسه تتسارع وأسنانه تضغط على شفاهه السفلية، فأصبح الصقر بين شقي رحى، عقلاً يكابر وقلباً وقع لها.
وقبل أن يجيبها استمعا إلى طرق عالي على باب الغرفة يبدو أن صاحبه قد بلغ به الإنتظار مبلغه، وتعالت الدقات قاطعة سحر اللحظة.
(أحسن عشان بتستفردي بالمز ومش مراعية مشاعرنا 🙈).
الصقر منتبهاً وهو يحط بجسدها لتلامس قدميها الأرض، وقد بدى عليه الإرتباك : مين هيخبط دلوك؟!
أنچيل : تلجاها أنيتا.
صقر : أنيتا ولا غيرها،آني هطلع كيف دلوك؟!
أنچيل : sakr,You'are my husband
(صقر أنت زوجي)
صقر بصوت منخفض : طب أجولها إيه عاد؟!
ثم رفع صوته نسبياً : مش وجت حديت دلوك، اطلعي شوفي مين برة ومشيه لغاية ما اطلع آني من إهنه.
أنچيل بدهشة : I can't understand
you ,What's the matter
(لا أفهمك، ماذا حدث؟)
صقر بنزق : واه يا ولاد، هنجعدوا إهنه نتسمروا ونهملوا الرزع اللي برة ده لحد أمن اللي في الدوار كلاتهم يتلموا!!
ابتعدت أنچيل لتفعل ما يريد تحت إستغرابها، فاستوقفها قائلا بغضب : استني عندك، فين رايحة بخلجاتك دي؟!
أنچيل وقد استدارت عينيها بمحجريهما : رايحة أمشي اللي على الباب كيف ماجولتلي.
نهشت الغيرة قلب الصقر فكيف لأحد غيره يراها وهي على تلك الحالة، فزجرها قائلا : كيف يعني هتطلعي وخلجاتك أملزجة عليكي إكده؟!
أنچيل : حيرتني إمعاك أطلع ولا لاه؟!
الصقر بإقرار، حتى وإن اضطر هو للخروج لفتح الباب : لاه خليكي إنتي إهنه.
خرج الصقر وقد رأى مئزراً معلقًا على المشجب بجوار التخت فإلتقطه سريعاً يناولها إياه، وأغلق عليها باب المرحاض، وخرج ليرى مَن بالباب، وقد كانت أنيتا بالفعل.
وما إن رآته أنيتا بتلك الحالة، حتى قالت له بسخرية : إيه ده يا أبوي؟! خلجاتك مبلولة إكده ليه؟! كانك وجعت في ترعة 😏.
الصقر بإرتباك واضح : لاه، بس،،أصل.
أنيتا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وترفع إحدي حاجبيها : لاه! وبس! وأصل! ده باينه موضوع واعر جوي؟! أمال أمي فين ماشيفهاش؟!
صقر وكأنه طفل صغير يواجه أمه بعد ارتكابه لفعل شنيع، وهو يتجنب النظر إلى عينيها المتفحصة : چوه في الحمام.
أنيتا : ويترى هي كمان مبلولة إكده؟!
صقر بإيجاز : ماخبرش.
و تجاوزها ليخرج من الغرفة، فإستوقفته قائلة : استنى لمن أشوف فيه حد برة ولا لاه.
نظر إليها بتعجب كيف لفتاة في مثل عمرها التي لم تتعدى الثمانية ربيع تكن بكل هذه الفطنة والدهاء وتساءل هل خمنت ما دار بينه وبين ساحرته بالداخل،.
أما هي فأخرجت رأسها من باب الغرفة تراقب ممر القاعات فلم تجد أحداً بالخارج، فأشارت له بأصابع كفها الصغير وهي مازالت تتطلع بإستكشاف يميناً ويسارًا وقد فتحت الباب على مصرعيه قائلة : اطلع دلوك جبل ما حد ياچي.
تبع الصقر إشارتها وهو يخرج متصنعًا الوقار وداخله يشعر بالإرتباك والحرج، فألقت عليه جملة أخيرة جعلته يجتاز المسافة الفاصلة بين الغرفتين في ثلاث خطوات.
أنيتا : مع السلامة يا أبوي، والمرة الچاية متبجاش تغرج حالك إكده عشان هيبتك ماتضيعيش..
(أوبا، يا نهار أبيض، طب وعهد الله أنا كأسماء اتصدمت 🤝😂)
فتح الصقر باب قاعته يلج إليها مندفعاً إلى الداخل يغلق الباب خلفه بعصبية، وهو يحدث حاله : عنديها حج البت إصغيرة خلتك تجف جدامها وأنت ماعرفتش تُنطج، چرالك إيه يا صجر؟ من ميتى وإنت عتخلي حد يركبك الغلط إكده؟! ومين؟! عيلة إصغيرة كيف أنيتا! الموضوع ده لازمن يبجاله آخر.
(وأنا بقول كده بردو👍، إنت خرجت عن السيطرة يا أبو الصقور وكده على البايظ خالص 😂).
🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗🤗
#روايات_أسماء_حميدة
عند مصطفى وهمس.
وما هي إلا ثواني حتى توقف الأسطى سامي أمام الريست مباشرةً.
ترجل مصطفى من السيارة واستدار يفتح لها الباب، يقبض على معصمها بقوة ساحبًا لجسدها يخرجها من السيارة.
وما إن وصلا إلى الريست الذي يخلو في هذه المنطقة من الرواد، ولا يوجد به سوى عامل واحد فقط، الذي وجده في طريقه فألقى عليه سلاماً عابرًا.
وسأله مصطفى مباشرةً : لو سمحت الحمام فين بسرعة المدام حامل وتعبانة.
أماء له العامل بتفهم وهو يشير ناحية اليسار ولم ينتظر مصطفى استكمال شرحه وتابع سيره وهي مكبلة المعصم خلفه حتى وصل حسب إشارة العامل، ووجد علامة المرحاض الحريمي، ففتح بابه سريعاً يدفعها إلى الداخل.
شهقت همس بخوف من هذا الجانب الذي تراه فيه لأول مرة، فقد رأته يصب كامل غضبه على ذلك الصبي جنش وشاب المقهى الذي تجرأ وغازلها أثناء ذهابه لإحضار الطعام و أصدقائه الذين تصدى لهم جميعاً بمفرده، وذلك الشاب على كورنيش البحر، ولكنها لم تتخيل أن يطالها غضبه بكل حال من الأحوال، فهيئته مخيفة.
استدارت تناظره برعب وأعينه تنضح غضباً وهي تتراجع إلى الخلف بهلع.
وهو يتقدم نحوها بثبات إلى أن أصبح أمامها مباشرةً، وقد آلمه الرعب الذي يراه في عينيها، ولكن بداخله شعورين متناقضين إحداهما هلعاً وخوفًا من فقدانها ممزوجاً بنار غيرته المفرطة، والآخر إحساسًا يراوده كلما رآها إحساساً يجتاحه كلما نظر إليها.
رفع كف يده يتلمس خدها برقة وقد تناسى ما به من غضب أمام هذا السحر الذي يُنحي داخله أي شعور إنساني سوى إحساسه بها.
وهي تهز رأسها يميناً ويساراً تجنباً لمرمى يده، فمد كفه الآخر يثبت رأسها وهو ينظر داخل عمق عينيها، فأخفضت بصرها تتحاشى النظر إليه فأخذ يداعب خديها براحتيه، قائلًا : ارفعي عينك في عيني.
هزت همس رأسها بنفي، فإستكمل قائلًا : همس بُصيلي.
رفعت همس رأسها وقد التمعت عينيها بالدموع وقالت بصوت اختنقت نبراته وهي على وشك البكاء : سيبني يا مصطفى لو سمحت.
مصطفى بنبرة حانية يتخللها اليأس وهو يخفض ذراعيه بتهدل، و يرفع أحد كتفيه بعدم معرفة : مش عارف إزاي أسيبك، ولو عرفت مش هقدر على ده؛ لأني ببساطة مش عاوز.
نظرت همس داخل عينيه، وأقسمت أنها تحتقن كعينيها بالدموع، فقالت بغضب وثورة وهي تشيح بأحد كفيها أمام وجهه : ولما أنت مش قادر، ومش عارف، ومش عاوز، بتعمل معايا كده ليه؟! شوية تبقى أحن حد في الدنيا، وشوية تقلب زي موج البحر، حلو وإنت ساحبني وراك كده؟! وليه؟! أنا غلطت في ايه وأنا بتكلم في التليفون؟! ناس معرفة هما اللي واقفوا جنبنا أول مبقاش لينا حد وعرفت إن عندهم حالة وفاة فإتصلت أجاملهم ، وهناء هي اللي عطت التليفون لأخوها عشان يعرفني العنوان لأن هي متعرفش العنوان بالظبط؟! ده غير كل شوية تحكمات وأوامر، وده يتلبس وده مايتلبسش، أكلم مين وما أكلمش مين، أنا مش متعودة حد يتعامل معايا كده،ومش عارفة أنت عاوز توصل لإيه من اللي بتعمله ده؟! أنت رابكني والوضع كله من الأول غلط، والموضوع ده لازم ينتهي، طلقني يا مصطفى؟!
وأنسابت الدموع على خديها (ومش مراعين إنهم في حمام عمومي 😂) بينما أطرق رأسه يخفي دمعة خانته ودموع الرجل وخاصة رجل كمصطفى تعني الكثير، تعني وقوعه لأسرها وبإرادته ولا يريد الخلاص، تعني حرقة ولوعة وبراكين غيرة تندلع فقط لسماع أسم رجل آخر تنطقه شفتيها، يعلم أنه مندفع بعض الشيء ، ويغار قليلاً، حسناً بل كثيرًا، فلتعاقبه كما تشاء ولكن لا تتركه وهو لن يسمح لها بذلك، وأقسم داخله في تلك اللحظة أنه سيجعلها تطلب وده، وعندها سيتدلل براحة راحته، سترين همس قلبي، رفاهية إبتعادك عني ليست في قاموسي، أتريدين الرحيل، حسناً، راقبي وتعلمي همسي.
رفع مصطفى رأسه إليها يقترب مرة أخرى بعد أن وأدى تلك الدمعة بين ظلال رموشه، الدموع لم تخلق له، وبالنهاية لن يفيده البكاء على كل حال.
مد يده يلتقط كفيها بين راحتيه ينظر إليها بثبات قائلًا : أنا مستحيل أخليكي معايا غصب عنك، هوصلك لأختك زي ما طلبتي مني وبعدها هسيبك وأمشي وتقدري تنسي مصطفى، زي ما هنساكي، بس ليا عندك طلب وقبل الطلب أنا مدينلك بشرح.
ناظرته باستغراب فقد ظنت أنه سيتمسك بها فقالت تحثه على الحديث : شرح إيه؟!
مصطفى وهو يجذب كفيها إليه يحثها على التقدم، وهو يحادثها بلطف وكأنه يحادث طفلة صغيرة : أنا لما بعلق على لبسك مش تحكم مني؛ ده خوف عليكي، لما حسيت بنار جوايا وغيري سامع صوتك وبتكلميه باسمه كانت نار غيرة مش إني بفرض سيطرتي عليكي، لو شايفة أن حبي ليكي بيخنقك، أهون عليا إنك تبعدي عني ولا إني أجبرك على قربي، أنا اشتريت وإنتي اللي بايعة وطلبي الأخير حابب إننا نودع بعض يمكن تكون دي آخر فرصة للوداع.
ناظرته بتيه هي لم تقصد الإبتعاد ، هي فقط أرادت ردعه عن فعلته تلك، تقليل حدة غيرته وتوابعها، لم تقصد النهاية، عندما رأى نظراتها الزائغة اقترب يكمل مشهده بأن جذبها أكثر إليه يلف ذراعيها حول خصره يستند بجبهته إلى جبينها، يتنفس أنفاسها قائلًا بحنان بالغ غير مصطنع : بحبك يا همس حياتي وبغير عليكي وعمري ما حبيت قبلك ولا هحب بعدك، بس لازم أحترم رغبتك حتى لو فيها موتي.
رفعت سبابتها تغلق شفتيه إحتجاجاً على جملته الأخيرة قائلة : بعيد الشر عليك.
أسبل مصطفى أهدابه يخبأ أسفلهما نظرة خبث، فها هي تطأ بقدميها راغبةً محيطه مرة أخرى، لثم بشفتيه سبابتها وقد تاهت هي بسحره وتلك القبلة على طرف أصبعها أصابتها برعشة وصل صدها إلى أطرافها وأحس هو بتلك الرجفة فأحاط خصرها بأحد ذراعيه يقربها إليه أكثر، بينما يده الأخرى أمتدت تمسك بكفها الذي بدأ بالارتخاء بعد قبلته لسبابتها، يقربه مرة أخرى إلى شفتيه يقبل كل إصبع على حدى ولازال مستند إلى جبهتها، وهي، أين هي؟! هي ذائبة مستجيبة لخطته تؤدي دورها الذي رسمه لها ببراعة.
بسط كف يدها يقبل باطنه وهبط به إلى خصره، وأفرج جفنيه وجدها مغمضة العينين تستقبل جنونه بلهفة فاقترب بشفتيه الذي لعقهم بلسانه يرطب جفافهما بسبب هذا الانجذاب المغوي ، ولكنه يريد أن يصل بها إلى الذروة ويتركها هناك أعلى قمة الهيام و الوله.
تحسس بشفتيه الرطبة جانب شفتيها التي انفرجت تلقائياً تنتظر لقاء شفتيه بشوق، فاقترب منهما ولكن بدلاً من أن يقبلهما ناداها بهمس مغوي : همس.
همس من بين الوعي واللاوعي : أمممم
فاستكمل وهو يبتعد عنها وهي مخدرة تمامًا : همس، يله بينا، عشان لو قربت دلوقتي أكتر من كده، مش هقدر أبعد وأنتي مش حابة ده ولا المكان ولا الزمان يسمحلي بده فيلا بينا أحسن،
مش حابب تكرهيني أكتر من كده.
رمشت بأهدابها تستفيق من تلك النشوى بخيبة عن أي كرهٍ يتحدث، فماذا تقول أنها تريد هذا التقارب أكثر منه؟! وهي التي كانت تناشده الإبتعاد منذ قليل.
ابتعد تمامًا عنها وتركها متقدماً، يفتح باب المرحاض يسبقها بخطوات قليلة إلى الخارج وتعلو شفتيه إبتسامة خبيثة منتصرة.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
عاد منصور ومسعدة وقد تغير مزاجه كلياً مقارنةً بوجهه العابس الحانق الذي غادر به منذ ساعات قليلة، وداخله كان يتمنى أن تكون مسعدة بخفة ظلها بجمال تلك التي أطلق عليها ملكة قلبه أو حتى أقل جمالاً لا يهم، فروح مسعدة المرحة استحوذت كلياً على قلبه، ولكن جمال ملك شغل لبه، وأستكانت ملامحها بذكراته فالعين تعشق كل جميل.
وصلت السيارة التي يقودها همام تزامناً مع أخرى يقودها ريان وبجانبه وعد المستشاطة غيرة وغضب تتوعد هذا المغرور بالكثير.
دخلت السيارة الأولى بقيادة همام من بوابة الدوار إلى الحديقة، وتلتها سيارة ريان الذي هدئ سرعة السيارة عند مروره بحارس البوابة، وأخبره أن هناك سيارة بها رجل وامرأة من طرفه وعند قدومهما مع السائق فليسمح لهما بالولوج.
وقبل أن يغلق الحارس البوابة أصدرت سيارة أخرى زامور تنبيه للحارس الذي تقدم من قائد السيارة ، و بالمقعد الخلفي يجلس مصطفى الذي التزم الصمت وتقمص التجاهل منذ خروجهما من الإستراحة على الطريق.
وتلك التي تعنف حالها على طلبها المندفع بالإبتعاد تسترق النظر إليه بين لحظة وأخرى علها تقبض على نظرات عينيه وهي تتابعها كما الحال طوال الرحلة ، يختلق الأحاديث ليطول حوارهما، ويتصنع عدم القصد وهو يتلمس يدها مناولًا إياها بعض من تلك الوجبات السريعة التي أحضرها لهم، بعد ثاني إستراحة على الطريق بل كان يطعمها أحياناً بيديه فقط لتتحسس أنامله شفتيها.
ومنذ صعودهما إلى السيارة بعد الإستراحة الأخيرة وما هو عليه صمت مطبق، تجاهل متناهي.
الأسطى سامي للحارس : السلام عليكم يا ريس.
الحارس : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أؤمر.
سامي الذي زوده مكتب عمله بلوكيشين دوار الصقر، بناء على طلب ريان : ميأمرش عليك ظالم، مش ده بيت سيادة النائب صقر باشا الزيدي.
الحارس : ايوه هو ده بيت الكابير.
سامي : طب ريان باشا موجود؟
الحارس : ايوه، لساته داخل دلوك جدامك، وبلغني لمن تاچوا تدخلوا طوالي.
سامي : تشكر يا ذوق.
تجاوزت السيارة البوابة لتدخل إلى حديقة الدوار تصطف خلف الأخرتين.
بينما ترجل منصور وهمام ومسعدة من السيارة الأولى.
وكذلك فعل ريان ليدور حول السيارة يفتح الباب إلى تلك الجالسة بردائها الجديد الذي ابتاعه لها وتبدو حقاً فاتنة، ومن ثم أنحنى بجذعه يحملها بين ذراعيه كما خرج بها تحت إحتاجها.
و ماجد الذي ترك تلك الغافية تأخذ قدراً من الراحة حتى يصعد لإفاقتها كي تتناول طعامها وتأخذ دواءها، وعندما لمح السيارة التي يقودها ريان، اقترب ليعرف ما إذا كانت رحلة ريان موفقة وأتت ثمرها وتم المراد.
ومنصور يناظرهم جميعاً بحقد، لتكتلهم كأبناء عم عليه كغريب بينهم، وكما قال الشاعر اللي هو أنا ( أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على منص 🤝😂)، ليستأذن منصور همام بأن يتحدث إلى مسعدة بعيداً عن هذا الحشد فأصر همام على مرافقتهما بحجة أنه لم يتم عقد قرانهما بعد، وعندما ابتعدوا عن الحشد تركهما يتجولان أمام عينيه بحديقة الدوار القبلية (ما الصقر فاتحها منتزة العشاق 😂).
ترجلت همس ومصطفى (اللي عامل فيها عم التقيل😂) يتقدمان من ذلك الواقف ويواليهما ظهره حاملاً لامرأة ،لم يتبينا بعد من هي تلك المرأة، وهي وحاملها يحادثان ثالث وجهه إليهما، و بالطبع لم يتعرفان على ماجد، الذي توجه يناظر بعين متفحصة هذين الغريبين، وأثارت نظراته فضول ريان الذي التف بدوره حاملًا لها يستكشف ما خلفه.
وعند استدارته تعرفت همس على تلك المحمولة بين يدي رجل أمام الجميع على الملأ في وضع أزهل همس فما كان منها إلا أن جحظت عينيها وهي تقول باندهاش مشيرة إلى ريان : مين ده يا وعد؟!
رفعت وعد بصرها لتتأكد من الصوت الذي سمعته متناسية وضعها المخزي، تبتسم ببلاهة قائلة بترحيب : هموستي! وحشتيني.
والأخرى تقف مزهولة لا يرف لها جفن ولم تتفوه بكلمة.
وقع بصر وعد على من يجاورها تناظره بإعجاب، فهي قد أعجبت برجولته من قبل ولا نقصد هنا إعجاب الحب، ولكن هناك إعجاب نبع من موقفه من أختها، إعجاب تقدير وإحترام لشخصه، قائلة بما جعل حاملها على وشك إلقائها أرضا : إيه ده؟! إيه ده؟! أنت درش؟!
الذي أماء لها بإيجاب على صدق حدثها تزامناً مع القنبلة التي ألقتها على مسمع الجميع مما زاد الطين بلة : لا يا درش خلاصة، رجووووولة رجووووولة مفيش كلام، لاء ومز كمان مفكش غلطة.
ماجد وهو يمسح على وجهه يزفر بترقب لردة فعل ريان الغير متوقعة، قائلا : يا نهارك أكحل يا هديرة أنتي.
وما كان من ريان أن...............
انتهى البارت يا قمرااااااات.
آسفة عشان فلقت مني إمبارح ومعرفتش أنزل البارت والله مسحولة في الشغل مع الطلبة بتوعي و ابني كمان بيمتحن، وكرو العمل على المدونة اللي هينزل عليها الرواية الجديدة إن شاء الله واللي محتاجة دعمكم فيها وعارفة أن ورايا أُسُود ووقت ما احتاجهم هلاقيهم مش كده ولا إيه 😏؟!
ريأكتس ونعلق بعشر كومنتات حلوة من إيدين الحلوين،وأوعدكم بأحداث أكثر متعة وتشويق.
رواية وعد ريان الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماء حميده
عند محمد وسارة.
بعد إنهاء المكالمة مع همس، ناول الهاتف لهناء، وتلك الشاردة في أوجاعها تحتضن جسدها بذراعيها تسند رأسها إلى زجاجة نافذة السيارة.
قلبه يتألم يريد ضمها إليه، لا يدري ما يحدث معه. كلما اقتربت منه باتت كل لمسة منها تعذبه وترهقه، نعم أحب سابقاً أو كان يعتقد ذلك، ولكن معها اختلفت كل مفاهيمه عن الحب. يريدها وبجنون، لا يشغل باله بقربها سواها.
ها قد اقتربت السيارة التي تقلهم وتتبع سيارة الإسعاف التي استأجرها الحج سامح من مشارف محافظة سوهاج ومنها إلى القرية التي ولد فيها والد سارة وعاد إليها مرة أخرى محمولا على الأعناق.
ترجل الجميع من سياراتهم عندما اقتربت السيارات من المقابر التي تجمهر عندها عدد لا بأس به من عائلة زوج عمته وأهل القرية وعدد من النساء يتحلقن حول امرأة لا يظهر منها شيئاً ولكنها تبكي الفقيد وتولول بحرقة، مما أثار الفضول لهؤلاء القادمون من بعيد، وداخلهم يتساءل من عساها تكون. فزوج عمته قد توفت أمه منذ زمن وليس لديه أخوات فتيات فالنسوة الملتفات حولها يحجبن الرؤية.
همت أمه وعمته وسارة لتترجلن من السيارة بعد نزول هناء الجالسة بجوار الباب مباشرة؛ لتعطي له المجال ليتمكن من الهبوط حتى يلحق بالرجال، قائلاً بتساؤل:
"إيه ريحين فين؟!"
وأشار إلى أخته مستكملاً:
"اطلعي أنت كمان يا هناء، مفيش واحدة فيكم تنزل من العربية؟!"
وأشار إلى التجمع النسائي:
"اللي بيحصل ده حرام وميصحش ومش هسمح إن واحدة فيكوا تشارك فيه؟!"
قال هذا وهو يدفع هناء إلى داخل السيارة برفق، تزامناً مع غلقه لباب السيارة، منهياً بذلك أي حديث. ولم تجادله إحداهن ما دام ما يقوله صحيح، فما يحدث نهانا الله عنه، فغير مستحب خروج النساء إلى الجنائز وإن حدث يكون ذلك من باب العظة وليس من اللائق وغير المسموح به دينياً أن تقوم النساء وقت الجنائز بالصراخ والعويل ولطم الخدود وهذا من أفعال الجاهلية التي نهانا عنها الدين.
اقترب محمد من الحشد تزامناً مع ابتعاد علاء عنهم متوجهاً ناحية سيارة زوجة عمه وابنتها ومن معهما، فأصبح كلاهما متقابلين وجهاً لوجه ينظران إلى بعضهم بعدائية، أحدهما طامع والآخر عاشق والخلاف على غنيمة واحدة "سارة".
محمد وهو يجز على أسنانه حتى كادت أن تتهشم:
"على فين يا دكتور؟! هتسيب الرجالة لوحدهم يا دوك 😮؟! ولا عجبتك قاعدة الحريم؟!"
تجاهل علاء سخرية محمد، وأخلف طريقه مستكملاً سيره بعناد. وقبل أن يتجاوزه قام محمد بجذب ذراعه مؤخراً خطواته وتقدمه بخطوة يقف أمامه كسد منيع، وقد اعتل ملامحه الغضب والحنق.
والآخر يتعجب من أفعاله، ينظر إليه بعدم استيعاب، قائلاً:
"إيه اللي بتعمله ده؟! أنت مجنون يا جدع أنت ولا حكاية أهلك إيه؟!"
براكين، براكين غضب اعتملت داخله، وأراد أن ينقض على غريمه يطرحه أرضاً، ويصب كامل غضبه عليه يعيد ترتيب معالم وجهه. نعم، لقد جن جنونه عند سارة، وتتوقف إعدادات عقله، ولكن يجب عليه الالتزام ببعض من ضبط النفس.
محمد وقد خرج الحديث من فمه كقذائف متوالية:
"احترم نفسك، مش عشان إحنا في بلدكم هتفتح صدرك وتقول ما بدالك، أنا لولا الموقف اللي إحنا فيه كنت عرفتك شغل الجنان اللي على أصوله. الحريم مش هتنزل من العربية، اتكل على الله شوف رايح فين وليك كبير نشوفوا هيكون رأيه إيه في غلطك مع ضيوفك يا.. يا دكتور."
قال الأخيرة بسخرية، جعلت الآخر يود لو تبخر الجميع من حولهما، وبقى كلاهما يواجهان بعضهما في هذا الخلاء ليتفنن كل واحد منهما في إبراز قوته الجسمانية يمارس تلك القوة على الآخر. ولكن ما صرح به خطير، فبالفعل إذا عقد مجلس رجال ليحكموا كبيرهم؛ لركبه العار، ففي الصعيد لا يغتفر إهانة من حل عليهم ضيفاً.
زفر علاء أنفاسه بضيق، يتراجع خطوة للخلف، قائلاً بنبرة هادئة جاهد في إخراجها:
"ماشي، هنشوف يا أستاذ محمد."
عاود علاء أدراجه من حيث أتى، وبقاء الآخر مرابطاً في مكانه كمدافعي خط الوسط، لا هو مشاركاً مراسم الدفن، ولا متقهقراً حيث السيارة.
انتهت مراسم الدفن، وقام المحتشدون بتقديم العزاء لأهل المتوفي على المقابر بعد أن أخبرهم الحج سامح بإقامة سرادق العزاء ليلاً لاستقبال من يريد المآزرة.
عاد محمد إلى السيارة، يفتح بابها، قائلاً:
"يلله يا جماعة انزلوا اقروا الفاتحة، الناس مشيت."
ترجلت جميعهن يسرن أمامه وهو يتقدم خلفهم، يراقب بعيون ذئب اقتراب علاء وأبيه وتلك السيدة التي لم يتوقف نحيبها سوى بمغادرة آخر فرد من المعزين رجالاً ونساء، وكأن من كانت تولول منذ قليل روح كانت تتلبسها.
الحج سامح موجهاً حديثه لتلك السيدة:
"جربي يا أم علاء عزي مرت المرحوم إوبته."
اندفعت السيدة بأداء مبتذل ونشيج مصطنع تحتضن فتحية تكيل لها القبلات:
"شدي حيلك يا غالية يا مرت الغالي."
ثم وجهت بصرها إلى سارة، قائلة:
"دي سارة صوح."
ثم اندفعت إليها هي الأخرى تقبلها، قائلة:
"اچمدي يا بتي، الغالي راح بس عمك لساته موجود حسه بالدنيا، وعلاء كمان بكرة تبجي مراته وهتعرفي كد إيه هو طيب وحنين وعيحبك."
"لا كثير، هذا كثير." بلغ الغضب منتهاه، قائلاً وهو يجذب سارة من بين أحضان تلك العقربة كما أسماها:
"تعالي هنا يا سارة."
جذبت سارة ذراعها بحدة من قبضته تلقي بنفسها بين ذراعي والدتها قائلة بنحيب:
"يله بينا يا ماما عشان نقرا الفاتحة لبابا."
تحية بحرج من أفعال ولدها:
"متأخذوناش يا جماعة، الصدمة شديدة شوية وبالخصوص محمد كان بيعتبر المرحوم زي والده، بعد إذنكم هنقرا الفاتحة للمرحوم."
ولم تدع لأحد صلاحية الرد، بأن قامت باحتضان أخت زوجها المتمسكة بدورها بابنتها تقودهم بعيداً عنهم ولم يروقها أقنعتهم الزائفة كحال ابنها.
بعد ابتعادهم مسافة لا بأس بها، قامت "سميحة" والدة علاء وزوجة سامح بلوي فمها، قائلة:
"ودي مين دي كمان، اللي محاوطة على الحرباية وبتها كيف الحية؟! ومين الچدع ده اللي لهف البت من يدي كأني هاكلها؟!"
أجابها سامح وهو ينظر تجاههم بازدراء هو أهلاً له:
"دي مرات أخوها، والواد ده ابنها."
سميحة زوجة سامح:
"الواد ده ماهوش سهل ده باينه راسم عالبت، أوعى تكون جولتلهم يا أبو علاء على موضوع الورث ده."
سامح:
"ليه عاد غشيم آني إياك؟! المهم دلوك لازمن نخلصوا من جصة چواز علاء من البت دي جبل ما واد خالها ده ياكل عجلها ويشيل الجمل بما حمل."
سميحة:
"البت باينها ماطيجهوش ما شوفتش كيف سلتت يدها منيه لمن كانت في حضني."
سامح:
"بردك الليلة بعد العزا نفتحوهم في جصة إنه ما هينفعش يجعدوا لحالهم إهناك وهما معهمش راچل."
سميحة:
"صوح إحنا مش هنسكتوا لمن الهلومة دي كولتها تروح للغرب، آني هجعد مع المرة الكبيرة،" ثم وجهت حديثها إلى ولدها: "وإنت كمان لازمن تتلحلح إشوي وتبلف البت، دلوك هي مكسورة على موتة أبوها خليك جريب منها، حببها فيك، آني اللي عجولك بردك؟! ده إنت دكتور و متعلم."
أومأ علاء برأسه كعلامة منه أنه استمع إلى حديثها، وتلميحاتهم عن إمكانية وجود شيء لسارة داخل محمد وأنه ربما يكون راغب بها زادت من حماسته، ولكن للمال حماس مختلف ولكن هذا يعزز ذاك.
شخصت أعين الثلاث أفاعي حيث ذهب الباقون.
تقدمت السيدتان والفتاتان ومحمد بالطبع، وعندما وصلوا حيث تلك الحفرة التي ردموها على جسد واراه الثرى، أخذت أقدامهم في الارتجاف، إنها رهبة الموت، الجميع في حالة يرثى لها فتحية تبكي رفيق العمر وتحية تجذبها بحنان أخت إلى صدرها.
وهنا لم تمتلك سارة حالها وخرت راكعة على ركبتيها تنتحب في صمت وآهة حارقة شقت صدرها، تتلمس حبيبات الرمال وكأنها قد تشخصت في ذات الشخص الذي كان حاميها وداعمها، من كان يعاملها كأميرة في كنفه.
وهناك من يتلذذ بنارها، عقله يأمره بالصمود أمام انهيارها، وقلب يلعن الجميع، وبالأخير انتصر قلبه وهو يجثو أمامها على ركبتيه، رافعاً يديه يحط بها على كتفيها، وعينيه تلمع بعبرات، يقاوم سقوطها، مد أحد كفيه يضعها أسفل ذقنها، يرفع وجهها إليه، قائلاً بحنو هذه المرة:
"وبعدين يا سارة اللي بتعمليه ده بيعذبه أقريله الفاتحة يا حبيبتي، وبعدين أنت لسه تعبانة مينفعش اللي بتعمليه ده."
قلبها الخائن خضع بكلمة منه، لإحساسها بخوفه عليها، تحتاجه، نعم تحتاجه ومن منا لا يشعر بالاحتياج للحب والاحتواء. ارتمت بين أحضانه تبكي بحرقة ترثي فقدانها، تنعي خسارتها، تشكو عذابها لمعذبها، أحاطها بيد داعمة.
أخذ يربت على ظهرها بحنو، ودموعها أنهار فائضة، وآخرون تتأجج غضبهم مما يحدث.
سميحة:
"ما تتحرك يا حيلة أمك وشوف المحروج ده عيدحلب كيف للبت وإعمل كيف ما بيعمل."
تحرك علاء على مضض يسير نحوهم والوضع أمامه لا يستصيغه.
عند ريان ووعد.
بعد سماعها لصوت أحدهم يقول:
"إيه ده يا وعد؟! مين ده؟!"
ولم تكن سوى همس المتعجبة من وضع أختها ورجل يحملها بين ذراعيه مستكينة وكأنه أمر عادي.
وعد وهي ترفع بصرها ناحية الصوت الذي سمعته متناسية وضعها المخزي، تبتسم ببلاهة قائلة بترحيب:
"هموستي! وحشتيني."
والأخرى تقف مزهولة لا يرف لها جفن ولم تتفوه بكلمة.
وقع بصر وعد على من يجاورها تناظره بإعجاب، فهي قد أعجبت برجولته من قبل ولا نقصد هنا إعجاب الحب، ولكن هناك إعجاب نبع من موقفه من أختها، إعجاب تقدير واحترام لشخصه، قائلة بما جعل حاملها على وشك إلقائها أرضاً:
"إيه ده؟! إيه ده؟! أنت درش؟!"
أومأ لها مصطفى بإيجاب دليل على صدق حدثها تزامناً مع القنبلة التي ألقتها على مسامع الجميع مما زاد الطين بلة:
"لا يا درش خلاصة، رجووووولة رجووووولة مفيش كلام، لاء ومز كمان مفكش غلطة."
ماجد وهو يمسح على وجهه يزفر بترقب لردة فعل ريان الغير متوقعة، قائلاً:
"يا نهارك أكحل يا هديرة أنتي."
ضغط ريان بقوة آلامتها على خصرها المطوق له، وتقسم أنها استمعت إلى صوت تهشم ضلعين أو ربما ثلاث من قفصها، صرخت على إثرها صرخة مدوية، مما دعا همس إلى الاقتراب سريعاً وقد لفت نظرها ذلك الرباط الملفوف حول مفصل قدمها، متسائلة بلهفة:
"إيه يا وعد؟! مالك يا حبيبتي فيكي ايه؟!"
بينما الآخر يهمس بأذنها:
"بيجي مفيهوش غلطة ومز؟! ده أنت ليلتك كيف العباية اللي كت غرجانة فيها من جيمة ساعتين."
ارتجف جسدها بين ذراعيه زعراً، وهي تقول بتراجع:
"مز إيه؟! لا مز ولا حاجة، أمال أنت تبقى إيه يا أبو سيف؟!"
وعد لهمس بتمثيل:
"آه يا همس، رجلي يا أختشي، وقعت عليها وجت تحتيه، ومقولكيش يا اختتتتتي عديكي على اللي جرالي."
يقف مصطفى مشدوهاً يرمش بعينيه ويهز رأسه بذهول مما تقول، مقارناً بينها وبين همس ليس في الشكل ولكن في الأسلوب وطريقة الحديث، شاعراً بأن هناك مشكلة ما بسمعه.
بينما همس لا تفهم كلمة مما قالت فتساءلت:
"What do you say ?! I don't understand any thing"
"ماذا تقولين؟! أنا لا أفهم منك شئ."
وعد:
"لا مش وقت حصة لغة دلوقتي تعالي بينا جوة، وأنا هفهمك ثانية كمان وهيبلعني و هيبقى ده أقل واجب."
همس:
"صحيح يا وعد ده مين ده؟!"
وعد بتهتهة:
"آه صحيح ده مين ده؟! هو أنا مقولتلكيش."
همس وهي تهز رأسها بالسلب:
"No"
وعد:
"ده أبو سيف."
همس وهي تزوي ما بين حاجبيها بتفكير، تحاول الوصول إلى ما تعنيه بأبو سيف، وإذا كان أبو سيف هل هذا كفيل بإعطائه أحقية حملها، فتسألت:
"مين أبو سيف؟!"
وعد وهي تميل إليه قائلة بهمس:
"دي مصرة تعرف؟!"
أومأ ريان برأسه في إيجاب قائلاً:
"كأنه إكده؟!"
وعد:
"يا راجل؟! مش هينفع أقولها دلوقتي لازم امهد لها الأول أحسن شكلي هيبقى وحش أوي."
ريان بأعين متسعة، يتحاوران وكأن لا يوجد معهما أحداً مقلداً إياها:
"يا راجل بيجي لما تجوليلها إنك مرتي هيبجى شان لكن راچل غريب يشيلك إكده ومن غير چواز عادي."
وعد:
"تصدق صح."
همس وهي تعيد عليها السؤال مرةً أخرى:
"مقولتيش يا وعد؟! مين أبو سيف!؟! وإزاي تسمحيلوا يشيلك كده؟!"
وعد بخيبة مصطنعة:
"كده يا همس؟! تفكري فيا أنا كده؟!"
همس بضيق فكما وعد تفهمها جيد، هي الأخرى تفهم وعد، وتعلم أنها بتلك المماطلة تخفي شيء كبير:
"وعد، مين ده؟!"
وعد وهي تفجر قنبلتها الموقوتة:
"ده سي الافندي جوزي."