تحميل رواية «وعد ريان» PDF
بقلم اسماء حميده
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي راقي من أحياء القاهرة. تتسلل أشعة الشمس من نافذة إحدى الغرف لتداعب أهداب عينين زرقاويتين فتتململت صاحبتها لتضع كفها في محاولة لمنع وصول أشعة الشمس لها. طرق على باب الغرفة لتنتبه وعد، فاستقامت بجذعها سامحة للطارق بالدخول، وما هي إلا مربيتها السيدة نجوى والتي تدعوها وعد بأمي أو نوجة. هي تلك الرءوم التي عملت على رعايتها وتربيتها هي وأختها همس منذ أن كانت في الثانية عشر من عمرها وطالما أحست معها بحنان الأم الذي حرمت منه وهي فتاة صغيرة. وما إن ولجت السيدة نجوى غرفة وعد حتى أشرق وجه من كانت غافي...
رواية وعد ريان الفصل الأول 1 - بقلم اسماء حميده
في حي راقي من أحياء القاهرة.
تتسلل أشعة الشمس من نافذة إحدى الغرف لتداعب أهداب عينين زرقاويتين فتتململت صاحبتها لتضع كفها في محاولة لمنع وصول أشعة الشمس لها.
طرق على باب الغرفة لتنتبه وعد، فاستقامت بجذعها سامحة للطارق بالدخول، وما هي إلا مربيتها السيدة نجوى والتي تدعوها وعد بأمي أو نوجة.
هي تلك الرءوم التي عملت على رعايتها وتربيتها هي وأختها همس منذ أن كانت في الثانية عشر من عمرها وطالما أحست معها بحنان الأم الذي حرمت منه وهي فتاة صغيرة.
وما إن ولجت السيدة نجوى غرفة وعد حتى أشرق وجه من كانت غافية ببسمة بشوشة لهذه السيدة الحنونة.
وعد: أحلى صباح لأحلى نوجة.
نجوى: صباح النور للبكاشة الكبيرة، يله عشان تفطري قبل ما تنزلي.
وعد: الحج صحى يا نوجة؟
ضربت نجوى على صدرها بحركة شعبية تنم عن دهشتها و استيائها.
نجوى: عزام بيه بقى الحج، آه لو سمعك.
وأكملت نجوى هامسة: ده عمره ما ركعها.
زجرتها وعد: بتقولي حاجة يا نوجة.
اقتربت منها نجوى تمسكها من أذنها.
نجوى: بقى البيه صارف، ومدارس خاصة وبتاع، وكلية إعلام.
وتقولي الحج إنما أنا بكلم مين!
معرفش أنت مش زي هموسة أختك رقة، ودلع، والصرف باين، إنما أنت!!!!
وعد وهي تحاول تخليص أذنها من قبضة نجوى: الله بقى يا نوجة ما لازم يعني أنشف كده شوية.
أمال أنت عايزاني أطلع نايتي و صايصة.
دارت عينا نجوى في محجريهما قائلة: صايصة، أنت يا بنتي بتجيبي الكلام ده منين؟
عزام من الخارج: وعد، همس يله يا حبايب بابي نفطر سوى قبل ما أنزل الشركة.
وعد من غرفتها: اوكي بابي.
نجوى بتشدق: أوكي بابي!
امال مين الحج اللي كنتي بتقولي عليه من شوية يا صايصة؟!
أسرعت وعد تضع يدها على فم نجوى.
وعد: بس، بس هتفضحينا.
فتحت نجوى باب غرفة وعد وخرجت ووعد خلفها في نفس اللحظة التي انفتح بها باب غرفة همس.
همس لنجوى: جود مورنينج مامي.
نجوى: جود مورنينج وعد.
نجوى: صباح الخير يا بنتي.
وعد: جود مورنينج يا نايتي.
همس: وات؟
وعد: جود مورنينج همس.
توجهت الفتيات إلى غرفة الطعام، تنضما إلى والدهما.
همس: جود مورنينج بابي.
عزام: جود مورنينج سويتي.
وعد: صباح الخير يا حتة.
عزام بذهول: حتة!
همس بفضول واستغراب: وعد، وعد إيه حتة دي؟
وعد بتصويب: سوري يا حج، قصدي يا حتة من قلبي.
نظرات استياء موجهة من عينين مشمئزة مستاءة ومن غيره الملياردير عزام وحسرته على سوء تربية ابنته التي خالطت الغوغائين فاضت بها مقلتيه إذ تتقمص طفلته دور الولد متلبسة رداء البلطجة.
نظرت وعد لنجوى هامسة: طينتها صح؟
عزام بصدمة: حتة و حج و طينتها!
ومن ثم أشار إليها بدونية، قائلاً بحنق:
اسكتي خالص.
الشئ ده كل ما يتكلم ضغطي بيعلى.
وعد مشيرة إلى نفسها باستغراب معقبة:
أنا يا بركة!
استقامت همس من مقعدها، وهذا الجدال والصدام الفكري بين شقيقتها ووالدها بات شيء معاد كلما اجتمعا كلاهما في مكان واحد.
التقطت همس على استعجال قطعة توست تضع عليها بعضا من المربى بطرف السكين في ارستقراطية، و تدسها في فمها تلوكها بروية ورقة.
همس بعد أن ابتلعت ما بفمها:
بابي ممكن الكريدت كنت عاوزة اشتري شوية حاجات محتاجها.
دس عزام عزام يده في جيب سترته يخرج إحدى البطاقات الائتمانية، يناولها إياها، قائلاً بنبرة مناقضة لما كان يحدث بها وعد مبتسما لرقة وعذوبة صغيرته:
اتفضلي يا قلب بابي.
طبعت همس قبلة رقيقة على خده قائلة:
ميرسي داد.
عزام موجها حديثه إلى تلك المصيبة، قائلاً:
وأنت يا وعد مش عاوزة حاجة؟
وعد باندفاع:
لا يا عمهم، خيرك سابق.
هز عزام رأسه بيأس منها في حركة توحي بتقززه من لغتها البذيئة من وجهة نظره.
ومن ثم التقط المحرمة الموجودة إلى جانب طبقه على الطاولة يمسح بها يده، ملقيا سلام عابر، وقادته خطواته إلى خارج الفيلا، مستقلٱ سيارته قاصدا الشركة.
عندما دخل عزام إلى شركته وجد حالة من الهرج و المرج وأحد أفراد الأمن يهرع تجاهه في لهاث.
مسئول الأمن: عزام بيه، في قوة من الأموال العامة في مكتب سيادتك، وطلبت من الموظفين إخلاء المقر.
وضع عزام يده على صدره وقد غامت عيناه من هول ما سمع فمن يعلق مع الأموال العامة لا نجاة له ولا منقذ، وفي لحظة مادت به الأرض فاقدا الوعي، وتم نقله إلى المشفى.
***
أمام غرفة العناية المركزة تقف كلٱ من وعد وهمس في حالة يرثى لها، ومعهم طاهر صديق والدهما ينتظرون خروج أحد من هذا الباب الموصود على من بالداخل؛ ليطمئنهم على حالة عزام.
وعد بعيون حمراء من شدة البكاء على آل إليه والدها، فطالما كان أبٱ حنونٱ حتى أنه رفض الزواج بعد وفاة والدتهما، حتى لا تعاني قرة عينيه من زوجة أب قد تكون قاسية بلا رحمة، وإنما اكتفى بذكرى زوجته عن جميع النساء.
وعد باكية: عمو طاهر، ايه اللي حصل ده؟
طاهر: والله يا وعد، يابنتي أنا كنت في شركتي ولقيت زين بيتصل بيا و قالي الخبر.
وإن عزام كانت الأموال العامة حطين عينهم عليه من زمان و اكتشفوا تلاعب في الضرايب، واختلاسات في مناقصات كان والدك متعاقد مع الحكومة عليها.
ولما اكتملت الأدلة تم إصدار أمر بوضع جميع أموال و ممتلكات والدك تحت الحراسة بما فيهم الڤيلا، حتى العربيات بتاعتك أنت وهمس.
ووقفوا كل بطاقات الأئتمان بتاعت والدك وبتاعتكوا أنتوا كمان.
في آخر الردهة المتواجد بها غرفة العمليات أتى زين ابن طاهر مهرولا بلهفة زائفة.
زين: بابا، عمو عزام أخباره ايه؟
طاهر: والله يا بني مفيش حد عاوز يقولنا حاجة.
نظر زين إلى وعد و همس قائلاً: ربنا يطمنا عليه.
جذب زين ذراع والده مبتعدٱ به عنهما.
زين قائلاً وهو يزم شفتيه باستياء: أنت ايه اللي جابك يا بابا؟
إحنا مش قد اللطة دي.
أموال عامة، ونائب عام، وليلة كبيرة، و إحنا ناس راس مالنا سمعتنا.
وشوية و هتلاقي الدنيا مقلوبة، صحافة، وقصة.
انعقد جبين طاهر بعبوس، متسائلا: أنت شايف ايه يا زين؟
زين بإبتسامة ماكرة: هي دي فيها كلام يا والدي اخلع فوراً.
أقولك أنا هخلعك بالطريقة، و شوية وهحصلك.
اقترب طاهر و زين من الفتاتين وبعد لحظات.
زين ببر زائف: بابا أنت واقف من بدري، روح أنت وأنا هستنى مع وعد و همس لغاية ما نطمن على عمو عزام.
في تلك الأثناء رن هاتف وعد بإسم نجوى.
نجوى بنبرة مشغوفة: وعد يا بنتي أنت فين؟
باتصل على تليفون عزام بيه مقفول.
وفيه ظباط جم هنا، وطلبوا مني و من كل الشغالين إننا نخلي الڤيلا!
وعد بصوت متحشرج من البكاء: ايوه يا ماما نجوى، سيبوا البيت.
نجوى: أنت فين يا وعد؟! ومال صوتك؟!
وعد: إحنا مع بابا في مستشفى ........
ضربة نجوى على صدرها بتفاجئ ولا تعلم ماذا يحدث وكيف ينهار كيان كهذا بين يوم وليلة بل في لحظة: أنا جيه حالٱ.
أغلقت وعد الهاتف و إقتربت من همس تجذبها إلى ذراعيها تواسيها وتواسي حالها.
رواية وعد ريان الفصل الثاني 2 - بقلم اسماء حميده
في المستشفى.
بعد حوار زين مع طاهر وإغلاق نجوى المكالمة مع وعد، انصرف طاهر بعد نصيحة ابنه زين بالتخلي عن ابنتي صديقه عزام، الذي يرقد جسده على أحد أسرة العناية المركزة بين الحياة والموت. وطاهر وزين على علم بأن هاتين الفتاتين ليس لهما بعد الله غير الذي يرقد جسده متصل بالأسلاك خلف الباب الزجاجي، لا حول له ولا قوة. وذلك التخلي من أجل هدف أسمى من وجهة نظر الاثنين، ألا وهو أن لا دخل لهما بمعركة لا ناقة لهما فيها ولا جمل.
في هذه الأثناء، كانت نجوى تتجه صوب من تعتبرهما بناتها، ولم تتخل عنهما كما فعل طاهر رغم فقرها. إلا أنها أبت أن تتركهما لمصير مجهول، هي الأخرى لا تعلم عن هذا المصير شيئاً.
اقتربت نجوى من همس ووعد، فاتحة ذراعيها، حاضنة الاثنتين، مقبلة أعلى رأسيهما، وعيناها تفيض دمعاً من الحالة التي وجدتهما عليها. وبعد لحظات، رفعت رأسها لتسأل أكثرهما تماسكاً:
"إيه اللي حصل يا وعد يا بنتي؟ والظباط اللي هناك مشوا الناس اللي في الڤيلا ليه؟"
وعد، والدموع تنهمر من فيروزيتيها على خديها بحرقة:
"معرفش. معرفش يا ماما نجوى، كل حاجة حصلت بسرعة. لقيت عمو حسن السواق بيتصل بيا وبيقولي إن بابي أغم عليه ونقلوه المستشفى. ولما جه عمو طاهر قالي إن بابي متورط في حاجات في المناقصات بتاعته وحاجات تانية ما فهمتهاش. مركزتش يا ماما، كل اللي فهمته إن النائب العام حط كل أموالنا وممتلكاتنا تحت الحراسة."
استكملت بتيه:
"أنا مش عارفة حتى هدفع تكاليف المستشفى منين؟"
اقترب زين قائلاً:
"كده يا وعد؟ امال أنا هنا بعمل إيه؟"
أجابته وعد والحرج يبدو على محياها:
"وأنت ذنبك إيه بس يا زين؟ أنا لا يمكن أسمح بحاجة زي كده."
وفي هذه الأثناء، وكعادة أي مشفى خاص، اقتربت إحدى الممرضات من هذا الجمع.
الممرضة:
"طالبينكوا في الاستعلامات تحت."
هرولت وعد وخلفها زين متوجهين نحو مكتب الاستعلامات.
الموظف:
"آسفين يا فندم، مطلوب مبلغ تحت الحساب لأن الفيزا اللي حضرتك عطيتيها لنا موقوفة."
أظلمت الدنيا أمامها، فهذا ما كانت تخشاه. وبتلقائية اتجهت يداها نحو السلسال المطوق لعنقها المرمري وسوارها، تخلعهما.
قبض زين على أصابعها.
زين:
"أنا هسيب لهم مبلغ تحت الحساب."
وعد بكبرياء:
"لا يا زين مش هينفع."
ناظرها موظف الاستقبال باستغراب، فتخضب وجهها بحمرة البكاء والإحراج. فتنحنحت وعد:
"زين، لو فعلاً هتساعدني في المشكلة اللي أنا فيها، لازم أكتب لك شيك أو إيصال أمانة يضمن لك حقك."
اللمعت عينا زين بالمكر قائلاً بتخاذل:
"خلاص يا وعد، مش لازم."
وعد:
"أرجوك يا زين متحرجنيش أكتر من كده، وأنا هحاول في أقرب وقت أتصرف وأرددهالك."
زين:
"خلاص يا وعد، طالما مصممة."
ناولها زين قلماً وانتزع أحد إيصالات الأمانة من دفتره الذي يحمله مع دفتر الشيكات، وبجرة قلم وضعت رقبتها تحت سيف هذا الدنيء، وهو أكثر من مرحب.
استأذن زين بعد ترك شيك في الاستعلامات كدفعة تحت الحساب، مع وعد بالقدوم لزيارة عزام مرة أخرى.
بعد ساعتين، خرجت إحدى ممرضات العناية مهرولة في الردهة تستدعي أحد الأطباء المسؤولين عن الرعاية المركزة، وخلفها همس ونجوى. أما وعد، بخطى مرتعدة وأقدام متيبسة، توجهت ببطء ناحية الباب الزجاجي لغرفة العناية. وجدت جهاز القلب قد توقف.
وبلحظة، كان يمر أمامها شريط من الذكريات لها ولوالدها وأختها ووالدتها المتوفاة. خرجت منها آه مكتومة وهي تضع يدها على شفتيها المرتجفتان، وشلال من الدموع يعرف طريقه على وجنتيها.
في حين أتى طبيب العناية مسرعاً يستخدم جهاز الصدمات الكهربائي، وهناك ثلاثة أزواج من العيون تراقبه عن كثب.
الطبيب لطاقم التمريض:
"واحد.. إتنين....تلاتة...."
كان يعلو مع صوت الطبيب صوت أزيز جهاز الصدمات، ولكن دون جدوى.
"تماسكي يا وعد" هذا ما حدثت به نفسها.
أخرجها من صدمتها وصمتها صرخة مدوية خرجت من نجوى مع صوت ارتطام شيء بالأرض:
"الحقيني يا وعد."
وما كان صوت الارتطام سوى جسد همس وهي تفترش الأرض فاقدة الوعي. تدافع إليها اثنان من أفراد التمريض وتم نقلها للغرفة المجاورة مع شرح الطبيب لحالتها:
"عندها صدمة عصبية وأنا عطيتها مهدئ، وإن شاء الله هتفوق كمان ساعتين."
توجهت وعد إلى نجوى في محاولة منها للثبات، فما هو آتٍ يشيب له شعر الرأس:
"ماما نجوى، أول ما تفوق همس خديها وامشي من هنا بسرعة، شوية والخبر الوفاة هيتسرب، والبوليس والصحافة هيملوا المستشفى."
بعد أسبوع في الإسكندرية.
رن هاتف مصطفى برقم والدته، فأجاب على الفور.
مصطفى:
"ست الحبايب اللي غايبة وقاطعة بيا."
نجوى:
"قلب أمك، بص يا درش انزل قوام الشقة اللي في البدروم وطلع منها السرير اللي تحت عشان تنصبه جمب السرير اللي في أوضتك فوق."
مصطفى:
"خير يا أماه؟ انت هتأجري أوضتي للطلبة ولا إيه؟ بقى كده يا نبع الحنان طمعتي في أوضتي؟"
نجوى:
"لا والله، ياحبيبي مش القصد."
مصطفى:
"بااااس، يبقى هتجوزني. شوفي وأنا اللي دماغي راحت. يله أنا اللي مفيش سلكان بس يا أماه السرير اللي تحت ده مش هيستحمل."
نجوى:
"شوفوا الواد. خلص يا ابن زكري انزل مفيش وقت، أنا قربت على البيت، بسرعة الله يرضى عليك."
مصطفى:
"طب فهميني في إيه طه؟"
نجوى:
"ما تخلص يا اللي تنشك في قلبك."
أغلقت نجوى الهاتف وتوجهت بنظرها إلى سائق السيارة الأجرة.
نجوى:
"القمة اللي جاية يا سطا عند البيت الأخضر اللي هناك ده."
السائق:
"عنيا يا حجة."
توقفت السيارة، وفتحت نجوى الباب المجاور لها وهبطت من السيارة مع نزول همس من المقعد الخلفي، وكانت تصاحبها نظرات السائق.
السائق بصوت غير مسموع:
"خسارتك في الأسود يا أبيض. هو فيه كده؟"
أسرع السائق لإخراج الحقائب من السيارة ووضعهم بجانب الرصيف.
أضاء مصطفى كشاف هاتفه وهو يهبط الدرج للوصول إلى الشقة الموجودة بالبدروم، والتي جعل منها والده مخزناً لمواد البناء، يوجد بها بعض الأثاث غير المستخدم ويختزنه وقت الحاجة.
مصطفى وهو يعبث بجيب بنطاله:
"أف، أديني نسيت المفتاح فوق. أما أطلع أجيبه قبل ما الغالية تيجي وشبشبها يزغرط على وشي."
رواية وعد ريان الفصل الثالث 3 - بقلم اسماء حميده
أثناء صعود مصطفى لجلب مفتاح شقة المخزن، كانت همس تتطلع لشاشة هاتفها بعدما ولجت لمدخل المنزل القديم.
كانت ترغب أن تستند بظهرها على أعلى السلم من شدة التعب.
وأثناء رجوعها إلى الخلف لتتكأ على جدار السلم، التوى كاحلها أثر ملامسة قدميها لدرجة من درجات السلم تآكلتها الرطوبة.
فاختل توازنها ودار بعقلها العديد من السيناريوهات، أقلها ضررًا أن تسقط من أعلى الدرج فتصاب إصابة بالغة في رأسها أو بعمودها الفقاري أثر سقوطها على ظهرها، أو ربما النهاية وتبتلعها دوامة الموت.
في جميع الأحوال، لن يحدث لها أسوأ مما هي فيه.
وضعت همس كفيها على وجهها وخرجت من جوفها شهقة، ليست خوفًا ولكن استعدادًا لما هو قادم.
واحد.
اثنان.
ثلاثة.
ما هذا؟ ألم يكن من المفترض أن يرتطم جسدها الغض بالأرض وينتهي الأمر؟
ولكن بدلًا من ذلك، أحست بجسدها معلقًا في الهواء.
لحظة.
لقد رفعت كفيها عن وجهها، ولكنها ما زالت مغمضة العينين، إلى جانب انخفاض الإضاءة في هذه المنطقة.
موقع الحادث.
حادث!
أي حادث؟
عادت.
أخذت تتلمس بيدها ما يطوق أسفل ساقيها وخصرها.
لا، هل هذان ذراعان؟ أم أنها تتوهم؟
فتحت عينيها بذعر تنظر لمن تلقفها بين ذراعيه، فنطق صوت بجانب أذنها، أنفاسه تحرق صفحة وجهها:
يا بركة دعاكي يا أماه.
اللهم صلي على النبي.
السما بتمطر نسوان.
عند الأخ مصطفى عندما كانت همس محمولة بين يديه.
همس برعب:
أنت اتجننت؟
أنت إزاي حضني كده؟
ارتجف جسد همس عندما ضغط قليل الرباية على، لمؤاخذة، خصرها.
جحظت عيناها وانعقد لسانها وتصنمت بين يديه من وقاحته.
مصطفى:
إيه ده، هو اتحسب حضن؟
ده يدوبك لامسة يد.
الحكم ده قابض على فكرة.
أخذت تتململ بين يديه محاولة التخلص من قبضة هذا اللعين.
بماذا يهزي هذا الوقح؟
مصطفى:
اظبطي كده، في إيه مالك؟
أنا اللي حضنك ولا أنت اللي اتحدفتي علينا؟
كانت تهم بالصراخ، ولكن استرعى انتباهها كلمته الأخيرة (علينا).
ارتجف صوتها وهي تتمسك به وتطوق رقبته بذراعيها عكس ما كانت عليه منذ لحظات، قائلة:
اتحدفت عليكوا؟
هو في حد تاني هنا؟
أنا مش شايفة حد تاني، أنتوا عفاريت.
بينما هو، عندما أصبحت بهذا القرب منه حد الهلاك، أثارت بداخله مشاعر لم يختبرها من قبل.
أخذت أنفاسه تتسارع، ما به؟ ليس رغبة ولكن حالة من النشوة.
لم يشعر بهذا الكمال من قبل.
كيف لرجل يشعر بأنه امتلك العالم بمجرد احتوائه لأنثى بين ذراعيه؟
هو لا يعرفها ولم يرها من قبل، ولكن الإحساس الذي يستحوذ عليه الآن أسمى من أي وصف.
أنه يحلق في سماء وردية، أو كما دعت عليه الغالية.
اقترب بأنفه ينهل من عبير رائحتها التي تشبه حدائق الزهور.
انتبه على حاله قائلاً:
أنت هتفضلي مكلبشة فيا كده كتير؟
احمرت وجنتاها من شدة الخجل.
أكان ينقصها حمرة الخدين لتزداد بريقًا؟
همس:
سوري، نزلني يا.........
مصطفى:
درش.
همس:
طب نزلني يا دبش.
مصطفى مزهولًا:
دبش!
ربنا يسامحك، اسمي درش، درش.
على العموم، أنا مرتاح كده.
انفعلت همس صارخة في وجهه:
نزلني يا حيوان أنت.
اشتعلت عسليتي مصطفى عندما نعتته بحيوان.
ولاحظت همس ردت فعله تلك.
همس بتراجع فهي مكبلة بين يديه، وهيئته مخيفة كأنه سينفث نارًا من فمه:
لو سمحت نزلني يا أستاذ درش.
مصطفى، وقد لمعت عينيه بتسلية وشفتيه تلامس أذنها مما أصابها برعشة:
تاني قوليها تاني.
همس:
لو سمحت نزلني.
مصطفى:
لا مش دي التانية.
همس متأففة:
لو سمحت نزلني يا أستاذ درش.
مصطفى:
التانية، التانية.
همس:
تانية إيه؟!
مصطفى:
يا حيوان.
انفرجت شفتيها ببلاهة.
ما هذا الكائن؟ ألم يغضب منذ قليل بسبب قولها هذا؟
هراء!
ما هي فيه هراء!
هذا ما كان ينقصها.
في مكان آخر لم نذهب إليه من قبل بولاية من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحقيق الأحلام.
فهناك الحياة رغم رتابتها، إلا أن من جد هناك سيجد.
يجلس بطل قصتنا ريان موسى، أو كما يلقبونه (ريان موشيه)، في غرفة أخيه رضوان الذي توفى في حادث سقوط طائرة أثناء عودته من موطن أجداده مصر قبل ستة أشهر.
وبالرغم من أن ريان لم يقم بزيارة مصر ولو مرة واحدة، إلا أن أخيه رضوان كان دائم الزيارات إلى مصر.
قبل ستة أشهر.
رن هاتف ريان برقم أخيه رضوان.
ريان:
How's going, bro?
رضوان:
All done, ghost.
ريان:
When do you want to come back?
رضوان بالصعيدية:
السبوع الچاي.
ريان:
Waiting for you.
هذه كانت آخر ذكرى بين ريان وأخيه رضوان.
وبعدها بأسبوع، في اليوم الذي حجز به رضوان تذكرة العودة إلى أمريكا، وبعد أن استقل الطائرة وكادت أن تصل إلى وجهتها، حدث عطل بالغ بها أدى إلى سقوط الطائرة في المنحدرات الغربية بمنطقة سيبرانيفادا في ولاية كاليفورنيا قبل المطار ببضعة أمتار.
بالرغم من محاولات طاقم الطائرة الوصول بها إلى مطار كاليفورنيا، إلا أن إرادة الله قد نفذت.
وظهر اسمه في قائمة الوفيات بحادث الطائرة المنكوبة.
لم يكن رضوان بالنسبة لبطلنا أخًا فقط، وإنما كان الابن والرفيق.
التقط ريان صورة أخيه الموضوعة على الطاولة بالقرب من سرير أخيه وأخذ يمرر أطراف أنامله على وجه أخيه كأنه يراه.
وأثناء شروده، سقطت الصورة وانفصل الإطار عن الزجاج.
مد يده ليلتقط الصورة، وجد معها ورقة مطوية، وكانت الصدمة عن ماهية تلك الورقة.
رواية وعد ريان الفصل الرابع 4 - بقلم اسماء حميده
توقفنا عند بطل القصة عندما كان بغرفة رضوان شقيقه المتوفي ممسكًا بصورة أخيه مشتتًا. لماذا كان أخيه دائم التردد على مصر وما سر تعلقه بها؟ لطالما كان يسمع أن من يشرب من ماء النيل يعود إليه، ولكن لم يقتنع بهذا، إنها تراهات.
حتى من كان يربطهم بمصر هو ابن عمهم ماجد، وقد جاء للعيش معهم منذ عامين. إذًا ماذا كان يربط رضوان بمصر؟ فحتى عندما كان ماجد ابن عمهم هناك لم يكن يذهب لزيارته، بالرغم من أن إقامة رضوان أثناء زيارته لمصر كانت في قريتهم بالصعيد في منزل جدهم نصار وهو ميراث والدهم موسى، ولكنهم لم يهتموا بهذا الإرث في مصر نظرًا لثرائهم الفاحش.
أثناء انشغال ريان في دوامة الأفكار حول سبب زيارات أخيه (رحمة الله عليه) المتكررة لمصر، سقطت صورة أخيه من بين يديه فانفصل الزجاج عن الإطار. مد ريان يده ليلتقط الصورة، وجد معها ورقة مطوية، وكانت الصدمة عن ماهية تلك الورقة، إنها عقد زواج باسم أخيه المتوفي وفتاة تدعى سوسن عبد الحميد الزيدي.
الآن عرفت أخي سبب زياراتك إلى مصر. مهلًا، عبد الحميد الزيدي، أليس هذا قاتل عمي طه؟ فقد قتله عبد الحميد ثأرًا لأخيه، حيث وقع خلاف بين أخو عبد الحميد الزيدي، والد سوسن، وطه، والد ماجد وعم ريان، على قطعة أرض، فقد قامت بينهم مشادة كلامية أدت إلى التطاول بالأيدي، فقام طه بشد أجزاء سلاحه وإطلاق النار على عم سوسن فأرداه جثة هامدة.
وفي الصعيد الثأر يا سادة، فالدم لا يمحوه إلا الدم، وما كان من عبد الحميد سوى أخذ ثأره من قاتل أخيه، وقد كان، قتل طه عم ريان. كل هذه الأحداث دارت منذ أكثر من 38 عامًا، كان موسى والد ريان ما يزال شابًا أنهى دراسته توًا بالجامعة، وكان طه أخوه الأكبر.
أخذ المقربون من أهل موسى يحثونه لأخذ ثأر أخيه طه من المدعو عبد الحميد الزيدي، ولكن أبى، فقد كان المخطئ أخيه طه عندما اتبع وساوس الشيطان بقتل نفس، وكما قال الله تعالى: (من قتل يقتل). وحقنًا لدماء الثأر قام موسى بالهجرة إلى أمريكا، مما جعله معيرة بين رجال البلدة. وبعد فترة تزوج من إحدى المصريات المغتربات هناك وأنجب ريان، وبعده بست سنوات أنجب رضوان. لم يسمح لأبنائه بالسفر إلى مصر، وعندما توفى موسى، أخذ رضوان بالتردد على مصر حتى وقوع حادث الطائرة المشؤوم.
وقت هجرة موسى والد ريان إلى أمريكا، كان ما يزال شابًا في مقتبل عمره، ولا يمكنه الاعتناء بماجد ابن أخيه، فكان وقتها رضيعًا، كما أن أمه وأخواله قطعوا علاقتهم به، فهو جبان من وجهة نظرهم، فقد رفض الثأر لأخيه. ولكن عندما شب ماجد، بدأ موسى وريان بالتواصل مع ماجد سرًا. وأحقًا للحق، ماجد لم يرث من أبيه العنفوان ولا التعصب والتمسك بالعادات البالية كالثأر مثل أخواله، ولمن يثأر، فقد كان أبوه القاتل.
بعد وفاة والدة ماجد، قام ريان بإرسال تذكرة السفر وإنهاء أوراق هجرة ماجد إلى أمريكا ليكون بجوار أبناء عمومته يشدوا أزره ويشد أزرهم، فقد كان ريان وماجد دائمي التواصل عبر النت، وكانوا يعتدون المحادثات الصوتية والمرئية معًا يوميًا حتى جاء ماجد للاستقرار معهم.
عندما استفاق ريان من شروده في الماضي، انتفض واقفًا، إذا كان أخوه متزوجًا في مصر، فمن الممكن أن يكون له أبناء من زوجته. ونظرًا لحيثيات هذه الزيجة، لابد من تحري الأمر بنفسه، فإذا كان لأخيه أولاد من تلك السوسن، لن يترك لحمه يربيه غيره (العرق الصعيدي نطق حتى لو كان تربية خواجاتي)، أو يترك أبناء أخيه لعادات أهلهم الموروثة، أو يتركهم يتخبطون كما عانى ماجد في صغره.
وبحركة سريعة ضغط زر الاتصال بماجد الذي كان يدير معه الشركات والأعمال.
ريان: Book me a ticket on the plane to Egypt as soon as possible, Majed.
قبل أسبوع عند وعد.
بعدما أعلن جهاز ضربات القلب توقف الحياة عن جسد أبيها المسجى على سرير العناية المركزة وفشل الطاقم الطبي إنقاذ الحامي لهاتين الضعيفتين وانهيار همس وتوصية وعد لنجوى بأخذ همس والهروب من هذه الدائرة المغلقة عليهما بوصمة العار من جراء الاتهامات التي انهالت على أبيهم من كل حدب وصوب، وما توقعته وعد قد كان.
بمجرد إفاقة همس وتسلسلها هي ونجوى من أحد أبواب المشفى الخلفية، كان قد توافد عدد من الضباط وأعداد من الصحفيين، منهم من هم تابعون لبعض الجرائد الصفراء التي تسعى حول الفضائح كالجراد، فلم يتركوا لها فرصة للحزن على أبيها، ولم يكن لديها خيار سوى الصمود.
قامت وعد بالاتصال على أحد زملاء الدراسة بالجامعة والتي كانت وعد تعلم بحقيقة مشاعره نحوها، فما كان يشعر به محمد نحوها لم يكن شعور زمالة أو صداقة، ولكن كان شعوره أبعد من ذلك بكثير. وبالرغم من ارتياح وعد لمحمد، إلا أن مشاعرها نحوه لم تتعد مشاعر الإخوة، ليس لضعف إمكانياته المادية كونه من أسرة فقيرة تقطن أحد الأحياء الشعبية بمدينة القاهرة، يكفيه فخرًا تفوقه الدراسي في ظل ظروف أسرته البسيطة والتحاقه بكلية الإعلام، فهو نموذج للشاب الطموح، وإنما هي أحكام القلب يا سادة.
فطالما كانت وعد تقرأ العديد من القصص والروايات الرومانسية وتمنت عندما ترى فارس أحلامها للمرة الأولى أن تشعر بدقات قلبها تتسارع تهافتًا عليه ورجفة اليدين، أرادت أن تشعر باحتباس أنفاسها عندما يتغزل بعينيها و... و... و... ما من هذه الأحاسيس راودتها لا مع محمد ولا غيره من زملاء الجامعة، لذا حزمت علاقتها بمحمد في إطار الصداقة حتى لا يطيح خياله ويرسم مستقبله معها بأحلام وردية لم ولن تكون هي بطلتها، لأنها وبكل بساطة ليست من هؤلاء الفتيات اللاتي يبتهجن بدوران الشباب في فلكهن، فاحترم محمد شخصيتها، وبرغم ما يكنه لها من مشاعر وأحاسيس، إلا أنه التزم بتلك المسافة التي خلقتها وعد في علاقتهم معًا، ولكنها تعلم أنه لن يتخاذل أبدًا عن الوقوف بجانبها في محنتها.
محمد ردًا على اتصال وعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعد هاتفيًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
محمد: وعد إيه، مال صوتك؟
وعد: اسمعني يا محمد، ما فيش وقت، أنا في مصيبة.
محمد بقلق حقيقي: يا ستار يا رب، إيه يا وعد قلقتيني؟
وعد: أنا عاوزاك تجيلي عند البوابة الخلفية لمستشفى... وتتصرف لي في مكان، إن شاء الله أوضة وصالة بس يكون ليها حمام خاص بها.
محمد: اعتبريه حصل، العمارة اللي أنا ساكن فيها مع أهلي فيها شقة فضيت امبارح من السكان، ولحد صاحب الشقة ساب مفتاحها مع والدتي عشان لو السمسار جابلها سكان، بس لمين؟
وعد: مش وقته يا محمد، لما تيجي هحكيلك.
محمد وهو يخرج من باب شقته مسرعًا: مسافة السكة يا وعد.
خرج محمد من البناية متوجهًا إلى أول الشارع مشيرًا لإحدى سيارات الأجرة.
محمد للسائق: سلاموا عليكوا يا أسطى، لو سمحت وصلني عند البوابة الخلفية لمستشفى... بس بسرعة، وحياة أبوك.
وبعد مرور خمسة عشر دقيقة كان محمد قد وصل إلى عنوان المشفى الذي وصفته له وعد، فوجد...
رواية وعد ريان الفصل الخامس 5 - بقلم اسماء حميده
بعد أن وصل محمد إلى العنوان الذي وصفته له وعد، وجدها هي وفتاة تشبهها تستند إلى سيدة كبيرة في السن.
اقترب محمد منهم.
محمد بقلق: فيه إيه يا وعد؟ إيه اللي حصل؟
وعد: بابا، يا محمد تعيش أنت.
محمد بحزن: لا إله إلا الله، البقاء لله يا وعد.
وتوجه ببصره إلى السيدة نجوى: البقاء لله يا هانم.
نجوى: ونعم بالله يا إبني.
وعد: محمد، عوزاك تاخذ همس أختي وماما نجوى الشقة اللي قولتلي عليها، وأنا هشوف هعمل إيه في إجراءات الدفن والحاجات دي.
محمد: أنا فعلًا هاخد آنسة همس ومدام نجوى أروحهم وهجيلك بسرعة.
شكرته وعد، وكادت أن ترجوه ألا يترك أختها ونجوى لحالهما، ولكن تذكرت عندما اتصلت بطاهر صديق والدها وابنه زين، ولم يجيب أيًا منهم، كأنها وباء يخشون على أنفسهم منه.
فردت وعد شاكرة: أنت حقيقي ونعم الأخ، ومش عارفة هقدر أردلك جميلك ده إزاي.
أحس محمد بحزن عميق بداخله، فهي لازالت تضعه في خانة الأخ، وليكن، هو لن يتخلى عنها وهي في تلك الظروف.
محمد: أديكي قولتي ونعم الأخ، يعني ما فيش ما بينا جمايل.
أسرع محمد واستوقف سيارة أجرة ليقل كلا من همس ونجوى إلى حيث المنطقة التي يقطن بها ليقيموا بها. ومن خلال لجوء وعد إلى الابتعاد عن حياة الترف، وبعد ما تداولته وسائل الإعلام وبعض الصحف الصفراء من أخبار عن تورط والدهما مع الأموال العامة، علم محمد أن الزمن قد دار على هاتين اليتيمتين، فلم يزد على وعد كلمة واحدة حتى لا يسكب الملح على جرح لم يندمل بعد.
فلقد أخذتهما الدنيا تحت رحاياها، أو كما يقول البعض: لو دامت لغيرك ما أتت إليك.
وصلت سيارة الأجرة إلى مقر سكن وعد وهمس الجديد في المنطقة التي تختلف كليًا عما عاشوه من قبل.
خطت همس مع السيدة نجوى إلى العمارة السكنية المتواضعة التي قادهم إليها محمد.
صعدت همس سلم العمارة وهي إلى الآن تشعر وكأنها تعاني من كابوس وسيأتي اليوم الذي تستيقظ منه.
طرق محمد أحد أبواب الشقق السكنية لهذه البناية، ففتحت لهم سيدة في نهاية عقدها الخامس، ولم تكن سوى والدة محمد. التي هاتفها أثناء ذهابه لملاقاة وعد وقص عليها ما حدث مع وعد وأختها، فهم أصبحوا أيتام الأم والأب وليس لهما سند، إلى جانب ما تداولته وسائل الإعلام عن تورط والدهما رجل الأعمال عزام، وأوصاها بحسن ضيافتهم، فهما حتى ولو كان ما أشيع على والدهما صحيح، فما ذنبهم في ذلك؟ وكما قال الله تعالى: (لا تزر وازرة وزر أخرى).
سابقًا، قد قص لوالدته ما يكنه لوعد من مشاعر حب بريئة، وحكى لها عن نقائها وبراءتها، وأنها لم تكن مثل قريناتها اللاتي يعلقن الشباب بحبال الهوى الذائبة ليثبتن جاذبيتهن ولهفة الشباب عليهن.
في ذلك الوقت الذي أفصح فيه محمد عن مكنون قلبه، قدرت تلك السيدة البسيطة أخلاق وعد، وبالرغم من تعلق ابنها بها، لم تعطيه وعد أملًا كاذبًا.
السيدة تحية (والدة محمد) ببسمة حنون: اتفضلي يا همس يا بنتي، اتفضلي يا ست نجوى. عقبال ما محمد يشوف الشقة ناقصها إيه، ولو محتاجة نضيف نبعت حد ينضفها. إحنا عارفين إنها مش قد المقام، بس على عيني والله.
همس بعرفان: معلش يا طنط، محتاجة أرتاح شوية، ميرسي لذوق حضرتك.
السيدة تحية جاذبة لها من ذراعيها، ضامة لها إلى صدرها مثلها كمثل أي سيدة مصرية أصيلة من أمهاتنا وأخواتنا الطيبات الحنونات اللاتي يتعاملن مع كل الناس بمحبة صادقة وقلوب نقية. وفقرهم وقلة إمكانياتهم لم تفقر قلوبهم، ولكن زادتهم محبة.
السيدة تحية: أبدًا، ومن نبي النبي نبي ما يحصل، لازم تدخلوا تاخدوا واجبكم.
السيدة تحية غامزة إلى محمد، واضعة مفتاح الشقة الشاغرة في يده: روح يا محمد، خلص وشوف هتعمل إيه.
أسرع محمد إلى محل البقالة أسفل بنايتهم، وابتاع الضروريات على قدر إمكانياته، والتي قد تحتاجها الفتاتين وتكفيهم حتى يتدبروا أمرهما. وعاد إلى الشقة المتواجدة أمام شقته هو ووالدته وأخته هناء التي تبلغ من العمر 16 عامًا. وكانت أخته في هذا الوقت عند عمتها في إحدى البنايات المجاورة. فقد توفى والد محمد منذ أكثر من عشر سنوات، وقد أفنت تلك السيدة شبابها لرعاية أبنائها.
قام محمد بوضع ما جلبه في براد الشقة، ورتب ما معه من خزين قد وضعته والدته في مطبخ الشقة قبل مجيئه، من زيت وسكر وأرز وشاي مما لديها. فقد اقتسمت تموينها الشهري بينها هي وأبنائها وهاتين الفتاتين.
وبعد انتهاء محمد من مهمته، دق باب شقته، وأعطى لوالدته المفتاح، وأسرع لمساندة وعد في محنتها.
في هذه الأثناء، كانت وعد تشعر بالتيه من أين تبدأ، حتى أتتها النجدة الإلهية، فقد وصل محمد، ووجدها تقف منزوية خلف نظاراتها الشمسية في أحد الأركان تختبئ من عدسات الكاميرات.
فأسرع إليها محمد: وعد، إيه اللي موقفك كده؟ تعالي نخلص الإجراءات، إكرام الميت دفنه.
وعد بأعين تحبس دمعها من شدة الحزن والتخبط: الحمد لله يا رب، محمد ما تسبنيش أرجوك، أنا تايهة ومش عارفة أعمل إيه.
أخرج محمد هاتفه واتصل بأحد رفاقه في الحارة الشعبية التي يقطنها محمد: السلام عليكم يا حسن، أنا قصدك في خدمة، على السخان أوصل لغاية الحاج رمضان شيخ الحارة، واستأذنه في عربية تكريم الموتى، وهات العربية بالسواق وتعال لي على مستشفى ...... اللي في شارع ......، وأول ما توصل اديني رنة.
أغلق محمد مكالمته مع حسن. التفت محمد إلى وعد.
محمد: بطاقتك يا وعد، واصْلُبي طولك كده، وما تخافيش، أنا معاكي.
أمسكت وعد حقيبتها، تفتحها باحثة عن هويتها الشخصية بأيدي مرتعشة. دست أصابعها الرقيقة في حقيبتها التي بدت وكأنها بئر عميق، تبحث عن البطاقة كإبرة في كومة قش، إلى أن استخرجتها وأعطتها لمحمد، وأسرعت خلفه.
ذهب محمد إلى مكتب الاستعلامات وخلفه وعد. تحدث محمد إلى موظف الاستعلامات مستفسرًا عن الإجراءات التي يلزم عليه فعلها لاستلام الجثة ودفنها. ومحمد بلباقته وحسن تصرفه استطاع إنجاز تلك الإجراءات اللعينة.
وخلال ساعة، كان حسن يعطي رنة لمحمد كإشارة منه للاستعداد، فقد أتى حسن.
أسرع محمد مهرولًا ناحية البوابة الخلفية للمشفى، مد يده يسلم على حسن الذي يعتبره بمثابة الأخ الذي لم تنجبه أمه. ورحب بسائق السيارة. محمد: إيدك معايا يا حسن، وانت يا أسطى رجب، اجرني، الثواب اللي هنعمله مع المرحوم هيقعد لنا في صحتنا، لأنه ما عندوش ولد، ما عندوش غير جوز ولايا، بينا نستره.
وكعادة أولاد البلد الجدعان، تكاتفوا في حمل الصندوق الذي به الجثمان لتوصيله لمثواه الأخير.
استقلوا ثلاثتهم السيارة، السائق بمكانه وبجواره حسن. وأبى محمد أن يترك وعد بالخلف في السيارة وحدها، فذهب واستقل خلفًا حتى لا يتركها وحدها فريسة للأحزان.
محمد: شدي حيلك يا وعد، ما فيش حد عاوزه تبلغيه عشان يحضر الدفنة.
لاحت بسمة حزينة على وجه وعد.
وعد باكية: لا يا محمد، إحنا ما لناش حد برغم الهيلمان ده كله.
أطرقت رأسها: ما بقاش لي غير همس، وهمس مش هتقدر تحضر موقف زي ده، دي أول ما الدكتور أكد خبر الوفاة وقعت من طولها. بعد الدفنة تبقى تيجي تزوره.
حرك محمد رأسه مؤيدًا لرأيها.
بعد أن أتم الثلاثة رجال المهمة حتى النهاية، جلست وعد بجانب قبر والدها تشكوه همها. فوضع محمد يده على كتفها بحنو يخلو من أي أحاسيس متدنية، كل ما يتمناه أن يراها سعيدة، ولا يحب أن يراها بهذا الضعف.
محمد: قومي يا وعد، لسه المشوار طويل، وانت قدها، أنا واثق من كده.
التفتت له، وبعينيها نظرات شاكرة محبة لأخ ولد من رحم الشدة.
وعد: مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، اللي عملته معايا دين في رقبتي.
محمد محاولًا التخفيف عنها: أقول لك تعملي إيه؟ قومي بينا نروح عند خالتك تحية تأكلنا لقمة، إلا عصافير بطني بتصوصو.
رواية وعد ريان الفصل السادس 6 - بقلم اسماء حميده
أثناء عودة محمد ووعد إلى مكان مسكن وعد الجديد ببناية محمد الكائنة بمنطقتهم الشعبية في القاهرة.
كانت هناء، أخت محمد، وابنة عمته سارة قادمتين إلى منزل السيدة تحية. لم تكن هناء تعلم عن الأمر شيئًا، فكل شيء حدث سريعًا. بداية من اتصال وعد بمحمد، وقدوم همس مع مربيتهما السيدة نجوى، وعودة محمد مع همس ونجوى إلى الحارة.
كذلك مراسم الدفن، كل هذا تم في أقل من أربع ساعات، كانت فيها هناء ببيت عمتها السيدة فتحية تقضي بضع ساعات مع ابنة عمتها سارة.
سارة، التي تبلغ من العمر 16 عامًا، تدرس مع نجلاء في الصف الثاني الثانوي. نشأت وحب محمد، ابن خالها، ينمو كالنبتة في أعماق قلبها حتى أثمرت هذه النبتة عن بساتين من العشق.
وقعت عين العاشقة الصغيرة على فارس أحلامها مع فتاة، أقل ما يقال عنها فاتنة، فاشتعلت نيران الغيرة بداخلها، ومادت الأرض تحت قدميها.
أسرعت سارة نحوهما كالطلقة التي خرجت توًا من فوهة المدفعية، وهناء خلفها لا تعي شيئًا، إلى أن وقعت عيناها هي الأخرى على محمد ومن معه، فانطلقت خلفها هناء.
هناء: بت يا سارة، انت يا بت، في إيه يا بنت المجنونة؟ استني.
لم تعرها سارة أي اهتمام، ومضت في طريقها إليهما.
عندما توقفت سارة أمام محمد ووعد.
سارة: ازيك يا محمد، مش تعرفنا؟
محمد، عندما توجه بنظره إليها.
محمد بغضب: إيه القرف اللي انت لابسااه ده.
فقد كانت سارة ترتدي بنطالًا من الجينز المقطع (الموضة بقى يا بوب) وتيشرت قطني يلائم جسدها النحيل، وتعقص شعرها الذي تمردت بعض خصلاته على هيئة كعكة.
سارة: ما له لبسي بس يا محمد، على العموم مش ده موضوعنا، مين السحلية، قصدي مين الآنسة دي؟
محمد، وقد احتدمت عيناه بلهب شديد.
محمد: إيه مش موضوعنا دي، انت مش بتسمعي الكلام ليه؟ وبعدين صوتك ما يعلاش وانت بتكلميني، ومن الأفضل ما تتكلميش معايا أحسن.
اللمعت عينا سارة بالدموع.
سارة: أنا عملت إيه لكل ده؟ انت ليه بتعاملني كده؟
أسرعت سارة بالابتعاد عنهما، صاعدة إلى بيت زوجة خالها الحنون تحية، وهي تكفف دموعها.
طرقت سارة باب الشقة.
تحية وهي تقترب من الباب: أيوه يا اللي بتخبط، مين؟
سارة: أنا سارة يا مرات خالي.
فتحت تحية الباب بوجهها البشوش كعادتها، ولكنها عندما رأت حالة سارة، ارتعد قلبها، فهي تحبها مثل هناء ومحمد.
تحية وهي ترى نظرة الحسن والقهر بعيني سارة.
تحية: مالك يا بت يا سارة؟ في إيه؟ حد يضايقك في الحتة؟
سارة: هو في غير اسم النبي حارسه ابنك اللي كل ما يشوفني يهب في زي وابور الجاز.
تحية: يا دي محمد اللي شايلاه فوق دماغك، وزعقة، هو أنتم مولودين فوق روس بعض؟
صعد محمد ووعد وهناء إلى الطابق الموجود به شقة تحية.
بعد أن عرف محمد وعد إلى هناء، وأعلمها أنها جارتهم الجديدة التي ستسكن الشقة الشاغرة أمام شقتهم.
بينما همس ونجوى قد ذهبوا إلى الشقة المستأجرة، بعد ما أصرت عليهم تحية بالدخول وقدمت لهم واجب الضيافة.
طرق محمد باب شقة تحية، ففتحت سارة وهي ترمقهما بنظرات غاضبة، ولو كانت النظرات سهامًا لاخترقت أجسامهم.
علمت وعد من نظرات سارة وطريقتها في السؤال عن شخصها أنها تشعر بالغيرة على محمد، وما هي إلا عاشقة لابن خالها الأحمق الذي يبحث عن الحب وهو أمامه، فأرادت طمأنتها.
وعد لسارة ببسمة حنون: أنا وعد، زميلة محمد في الكلية، ومحمد مش بس زميلي.
أشاحت سارة بوجهها عنهما حتى لا يظهر عليها القهر.
سارة بحزن حاولت مداراته: أنا ما يخصنيش أعرف اللي بينكم.
وعد مستكملة: إيه يا عم القطر، اهدى علينا شوية، ما أنكرش إن محمد ابننا شهم وجدع، وكل البنات في الكلية عندنا هيموتوا عليه، بس أنا تقدري تعتبريني زي هناء كده، يعني محمد صديق وأخ عزيز.
كلمات وعد كانت ككلمات قاضٍ بمحكمة، أثلجت قلب أحدهم، وقضت على آمال الآخر.
سارة وهي تحضن وعد إليها: حبيبتي يا وعد، تصدقي والله، والله، وربنا إن شاء الله هيسامحني على الكذبة دي، أنا من أول ما شفتك حبيتك.
وعد هامسة لسارة في أذنها: والنبي يا أختي، وأنا كمان.
ابتعدت وعد عن أحضان سارة قائلة: بعد إذنكم، هاروح أطمئن على همس وماما نجوى.
محمد بلهفة: طب استني كلي لقمة معايا، قصدي معانا.
سارة هامسة: استغفر الله العظيم.
تحية: سيبها ترتاح، وأنا هأبعت لهم الأكل مع البنات، وأهم يونسوا بعض عشان ما يتحرجوش منك وياخدوا راحتهم.
همس شاكرة: مش عاوزين نتعبك معانا يا طنط.
تحية: تعبك راحة يا حبيبتي، وشدي حيلك كده، كلنا لها.
وعد: متشكره ليكم قوي، ربنا ما يحرمني منكم، أستأذن أنا.
طرقت وعد باب الشقة المقابلة، ففتحت لها نجوى تستقبلها في أحضانها، فخلعت وعد وجه الصلابة، وأخذت شهقاتها تعلو.
أسندتها نجوى وأجلستها على الأريكة القديمة الموجودة في صالة الشقة، وهي ما زالت في حضنها.
نجوى: عيطي يا وعد، عيطي يا حبيبتي، من ساعة اللي حصل وأنت واقفة على رجلك جبل، وما عرفتيش تحزني على والدك.
أخذت نجوى تمسح على ظهرها حتى هدأت وتيرة شهقاتها، واستكانت وعد.
وعد: ماما نجوى، أنا مش قادرة أصدق اللي بيحصل لنا ده، كل اللي حصل ده مرة واحدة، أنا قلبي واجعني قوي على بابا ومش عارفة هنعيش إزاي من غيره، ده كان كل حاجة لينا.
نجوى: ربنا يصبر قلوبكم يا بنتي، بس ربنا أكيد له حكمة في كده، وبعدين أنا رحت فين؟ أمال إيه ماما ماما اللي راحة جاية تقوليها؟ أنا صحيح على قدي وكنت بشتغل عندكم، بس والله والله، أنت وهمس أغلى من نور عيني. أنا بدأت الشغل عندكم من وأنا أصغر منك كده، كنت الأول بشتغل عند جدك أبو الست سلمى (والدة وعد وهمس)، ولما الست سلمى اتجوزت، كنت أنا وهي لسه صغيرين، هي كانت بتاعة 20 سنة كده، وأصرت تاخدني معاها، وكانت الله يرحمها بتعاملني زي أختها، وأنا زعلت عليها زي أختي بالظبط، وهي على فراش الموت وصتني عليكي أنت وهمس، ولما اتجوزت عمك زكريا، كانت واقفة معايا وجابت لي كل لوازمي كأني من بقيت أهلها، حتى لما كنتوا بتسافروا في الإجازات بتاعة نص السنة وآخر السنة بره مصر، كانت بتبعت لي مرتبى زي ما كنت شغالة في بيتها طول السنة بالظبط، مش في إجازة، أنا عاصرتكم أكتر ما عشت مع جوزي وابني، أنا ربيتكم أكتر ما ربيت مصطفى ابني، وأمي كمان ساعدتني في تربية ابني مصطفى، ما كانتش بتحب مصطفى يغيب عنها، يلا ربنا يرحم الجميع.
وعد: ربنا ما يحرمناش منك يا أحلى أم في الدنيا.
دق باب الشقة، فاستقامت وعد لتفتح الباب.
وعد: خليكي يا ماما نجوى، دي أكيد هناء أخت محمد.
فتحت وعد باب الشقة، وجدت سارة وهناء تحملان، كلًا منهما صينية بها العديد من أنواع الطعام.
أفسحت لهم الطريق ليدخلوا، وكان محمد يقف أمام باب شقته.
محمد: عاملة إيه يا وعد، والآنسة همس أخبارها إيه دلوقتي؟
وعد: الحمد لله يا محمد، همس لسه نايمة، هاخش أصحّيها.
محمد: طب هاستأذن أنا بقى، ولو احتاجتي أي حاجة كلميني.
وعد متشكرة: يا محمد، كتر خيرك، سلام.
محمد: سلام.
أغلقت وعد الباب والتفتت للتي تقف خلفها تزفر بحنق.
وعد: ما تهدي بقى، ما قلنا لك أخويا، أخويا.
سارة وهي مطرقة رأسها بخجل: وأنا مالي أصلاً.
وعد: مالك يا بت، ده أنتِ حتى وأنتِ غيرانة، أول ما عينك بتيجي في عينه بتطلع قلوب، فوتي، فوتي قدامي، أما نشوف لك حل في اللي أنتِ فيه.
سارة: هو باين عليّ قوي كده.
وعد: ده أنتِ مفضوحة.
سارة: أنتِ متأكدة كده إنك بت ذوات؟ والله أنا حاسة إنك متربية معانا هنا في الحارة.
وعد: تعالي تعالي، لما أعرفك على الليدي همس.
سارة: يلا تعالي قبل الأكل ما يبرد.
دخلت وعد الغرفة التي بها همس، تهزها برفق.
وعد: همس، همس، قومي يا حبيبتي.
فتحت همس عينيها وهي تستكشف المكان، أين هي؟ هذه ليست غرفتها، ثوانٍ واستوعبت همس أن هذا ليس مجرد حلم، هذا هو واقعهم المرير.
أغرورقت عينا همس بالدموع وارتمت في أحضان وعد.
وعد: قومي يا همس، كلي معنا، أنتِ ما أكلتيش حاجة من الصبح.
همس: بابا يا وعد، أنا مش قادرة أصدق إني مش هشوفه تاني.
وعد وهي تدفن وجهها بين يديها: همس، دي إرادة ربنا، وإحنا كلنا هنموت، صحيح الفراق بيوجع، لكن إننا ندعي له ده أفضل من إننا نوقف حياتنا عند نقطة معينة، أكيد بابا لو موجود مش هيرضيه حالتك دي، أنتِ عارفة كان بيحبك قد إيه، قومي ناكل مع بعض ونتوضأ ونصلي وندعي له.
ابتسمت همس من بين دموعها، فهي بالرغم من أنها شابة يافعة، إلا أن بداخلها فتاة صغيرة هشة ورقيقة.
خرجت الاثنتين، فوجدوا الثنائي المرح هناء وسارة يتجاذبان الحديث مع السيدة نجوى، كأنهم يعرفون بعضهم من زمن طويل.
نظرت همس إلى نجوى.
همس: مامي نجوى، مين دول؟
التفتت كلًا من هناء وسارة إلى الصوت الرقيق، والاثنتين في نفس واحد، بعد جحوظ عينيهما من هيئتها همس وملابسها التي تنم عن الثراء ونبرة صوتها الرقيقة.
سارة وهناء في نفس واحد: اوف، جمل يابا الحاج، جمل.
أخذت الفتيات يتسامرن، واستمر حديثهن أثناء تناولهم الطعام وحتى منتصف الليل، لتخففوا عن وعد وهمس مصيبتهما، ثم استأذنت كلًا منهن.
عادت هناء وسارة إلى شقة السيدة تحية، وجدوا محمد جالسًا في الصالة يشاهد التلفاز، حتى دخلت الفتاتان.
محمد لهناء: البنات عاملين إيه يا نؤه؟
هناء: والله يا محمد، صعبانين عليا قوي، وعد بالرغم إنها تبان قوية، بس عينيها حزينة، وهمس دي اللي بسكوته في نفسها كده، يلا ربنا يصبرهم.
سارة بغضب من سؤاله عن وعد وهمس.
هناء: أنا نازلة.
واتجهت ناحية الباب لتفتحه.
محمد: استني عندك، رايحة فين؟
سارة: مروحة، هأكون رايحة فين؟
محمد: استني، هاوصلك، الوقت اتأخر.
سارة بهجوم: ما تتعبش نفسك، كفاية عليك الاختين الحلوين.
محمد بحنق: بنت، انتِ اتلمي، أنا ساكت لك من الصبح، كفاية الهباب اللي أنتِ لابسااه ده.
سارة وهي تطرق الأرض بقدميها من الغيظ: اوف بقى.
محمد وهو يصفعها أسفل عنقها: أوف، يا أوزعة، يلا قدامي.
خرجت وهو معها يوصلها إلى منزل عمته فتحية.
كل يوم تأتي السيدة تحية والفتاتان هناء وسارة لمؤازرة وعد وهمس، وللحق قاموا بدورهم على أكمل وجه.
وذات مساء، كانت وعد جالسة بشرود.
فجلست همس ونجوى بجوارها.
همس: what's with you?
وعد: الفلوس اللي معانا مش هتكفي غير إيجار شهر واحد للشقة، أنتِ عارفة إننا ما كناش بنشيل كاش معانا، كل حاجة بنحتاجها بندفع بالكريدت، أنا هروح بكرة لزين، وأمري لله، أخليه يشوف لي أي شغل، هو قبل كده عرض عليّ أشتغل معاه في الجريدة بتاعته، بس أنا ما كانش في دماغي، وكمان مش حابة فكرة الجريدة بتاعته ولا أي جريدة من النوع ده، بس أنا ما عنديش خبرة، وكمان ما أعرفش حد ثاني غيره.
أطلقت همس رأسها بحزن، فكما قالت وعد، ليس لديهم خيار آخر.
في صباح اليوم التالي، ذهبت وعد لمقابلة زين، وعندما أخبرته مديرة مكتبه أن وعد بانتظاره، أمرها أن تجعلها تنتظر لحين إنهاء بعض المكالمات الهامة الخاصة بالعمل.
أخذ زين يراقبها من شاشة المراقبة الموجودة في مكتبه، وهي طوال الساعة التي تنتظره فيها تفرك يديها بتوتر، إلى أن رفعت يدها تنظر إلى الساعة وهمت بالانصراف.
رن محمد جرس هاتف مديرة في مكتبه، وأمرها أن تدع وعد تدخل إلى مكتبه.
دخلت وعد بخطوات متوجسة.
زين: آسف يا وعد، كنت مشغول شوية النهارده، عشان بعد ما سبتكم في المستشفى جالي تليفون من بابا، كان عاوزني أتابع مكتبه في كاليفورنيا، عشان بعد اللي حصل لعمي عزام، تعب شوية. ولما رجعت عرفت اللي حصل لأنكل عزام، الباقية في حياتك يا وعد.
وعد: حياتك الباقية يا زين، أنا مش عاوزة أعطلك، بس كنت جاية لك بخصوص الشغل اللي عرضته عليا قبل كده.
زين بالدعاء الحزن: أنا آسف يا وعد، وقتها كنت محتاج ناس تشتغل معايا، بس حاليًا عندي عمالة زايدة، إلى جانب إني عندي أزمة مالية مش عارف هأقدر أعديها إزاي؟
وعد وقد فهمت أنه لا يريد مساعدتها، كما كان لا يرد على اتصالاتها وقت وفاة والدها، فهي أصبحت كالفيروس الذي يخشى الناس مخالطته.
وعد: افتكرت إنك تقدر تساعدني، متشكرة قوي على اللي عملته معايا في المستشفى، وأنا بدور على شغل، وإن شاء الله هأرد لك الدين اللي عليا.
اتجهت ناحية الباب لتخرج، ولكن كلمات زين أوقفتها.
زين: استني يا وعد، في مقال كنت محتاج حد يسافر إسكندرية يعمله مع شخصية مهمة، الشخصية دي كنت محتاج حد يعمل معاها حوار، وللأسف كل الناس اللي شغالة معايا جدولهم مليان، فدي فرصتك لو حابة تشتغلي معانا، وأهو كمان تقدري تسددي اللي عليك.
وعد بلهفة: it's okay، أنا ممكن أسافر، ما عنديش مشكلة.
خط زين بقلمه عنوان ما بالإسكندرية وأعطاه إلى وعد.
زين: الشخصية دي هي ريان موسى نصار، أكيد تعرفيه.
وعد: سمعت عنه، بس، أنت عارف إني مش مهتمة بالبزنس قوي.
زين: هو كان كاتب مشهور، بس بقى له سنة أو أكتر ما نزلش ليه أي عمل أو كتاب، وحاليًا بيدير شركات والده الملياردير موسى نصار، كنت عاوزك تعملي معاه حوار وتعرفي أسباب بعده عن الفن والأعمال الأدبية، وأي معلومة عن حياته الشخصية هتبقى سبق صحفي، لأنه معتم أي معلومة على الجانب الشخصي، وعاوز كام صورة عشان نختار منهم واحدة أو اتنين ينزلوا في المقال.
وعد: طب طالما هو رافض يتكلم في الصحافة والسوشيال ميديا عن حياته الشخصية، إزاي هأقدر آخد منه المعلومات دي؟
زين: والله ده شغلك أنت، عشان تقدري تثبتي نفسك معانا.
وعد بحرج: طب أنت عارف الظروف اللي مريت بيها، أقدر آخد أي مبلغ عشان مصاريف الانتقال والسفر وكده.
أخرج زين بعض الورقات المالية فئة المئة جنيه وأعطاهم لها.
وعد لنفسها: بيستغل الموقف يا زين، طول عمري بأقول عليك شخص حقود، بس ما قدامي حل ثاني.
انصرفت وعد وهي تفكر ماذا عليها أن تفعل.
عادت وعد إلى المنزل، وجدت كل من همس ونجوى بانتظارها.
همس: روحتِ عند زين؟
وعد: أيوه، واستلمت الشغل، ومضطرة أسافر بكرة إسكندرية، فيه مؤتمر هناك لازم أغطيه، بس مش هقدر أسيبكم هنا لوحدكم، والفلوس اللي أخدتها سلفة من المجلة عند زين يا دوبك تقضي مصاريف السفر.
نجوى: خلاص، كلنا نسافر إسكندرية، همس هتيجي تقعد معايا، وأنتِ كمان تبقي جنب الشغل اللي كلفتك به المجلة.
وعد: كتر خيرك يا ماما نجوى، إحنا مش عاوزين نتقل عليكي.
نجوى: ولا كلمة، بلا تتقلوا بلا تخففوا، أنتم بناتي، والبنات ما بتش بره حضن أمهم.
انطلقت الفتاتان يحتضنان تلك السيدة الحنون، كم أنت رحيم يا الله.
في صباح اليوم التالي، كانت وعد وهمس والسيدة نجوى يودعون تحية وهناء وسارة.
محمد: يعني خلاص نويتوا تمشوا؟
وعد: إحنا تعبناكم معانا قوي، وأنا لقيت شغل في إسكندرية، ناس معرفة جابوه ليا، وهنقعد هناك عند ماما نجوى.
هناء: هتوحشيني قوي يا وعد أنتِ وهمس.
همس: i've missed you since no يا هناء أنتِ وسارة.
وعد: وأنتم كمان هتوحشونا.
سارة قارضة على أسنانها هامسة لوعد: ما تخفي يا قطة، إيه هتوحشونا دي.
رفعت وعد صوتها: قصدي أنتِ كمان هتوحشيني يا هناء أنتِ وسارة وطنط فتحية.
سارة: أيوه، اضبطي كده.
وعد هامسة لنفسها: الله يكون في عونك يا محمد.
محمد: خلي بالك من نفسك يا وعد.
وعد: لا، أنا هامشي أحسن، بت المجنونة تولع فينا.
محمد: مين دي؟
وعد: سارة.
محمد: إحنا كلنا بنحبك، سارة وهناء وأمي و و...
وعد: اثبت يا بوب، ما تؤؤش، البت بتدخن من كل حتة.
محمد: ما لك يا وعد، أنا مش فاهم حاجة.
وعد: ويفيد بإيه البوح مدام البعيد لوح.
محمد: إيه؟
وعد: مكرونة وبانيه.
ذهب محمد برفقة السيدة نجوى ووعد وهمس، واستوقف لهما سيارة أجرة، وأوصلهم إلى محطة ليستقلوا القطار المتجه إلى الإسكندرية.
ومن هنا قابلت همس من سيكون نائبتها الأزلية، درش.
بعد وصول القطار إلى وجهته الأخيرة، محطة مصر بالإسكندرية، توجهت السيدة نجوى وهمس إلى منزل نجوى، وهنا قابلت همس مصطفى، أثناء انتظارها للسيدة نجوى بمدخل البناية.
أما وعد، فبعد أن قامت بتغيير ملابسها بدورة المياه في محطة مصر، توجهت إلى العنوان الذي أعطاه إليها زين لتنجز مهمتها، فهي لا تعرف متى سيقرر هذا الريان مغادرة مصر، فأمثاله لا يتركون أعمالهم معطلة كثيرًا، كما أن هذه المهمة ثقيلة على قلبها وتريد أن تنجزها لتنال باقي أجرتها، وبهذا تكون حصلت على عمل بشكل دائم.
عندما ذهبت وعد إلى العنوان المكتوب بالورقة، كانت أحد القصور التي يمتلكها (آل نصار) في كل معظم دول العالم، فمن كثرة الترف لهم في كل دولة بيت بل قصر.
أخذت تنظر إلى صورة ريان بهاتفها، والتي نسختها له من على جوجل، لأنها لم تكن تعرفه بالفعل، استأذنت وعد من حارس الأمن الواقف على البوابة أن يبلغ سيده برغبتها في مقابلته، وعندما سألها الحارس إذا كانت حددت موعد مع مدير أعماله من قبل، وعندما نفت له ذلك، اتصل الحارس بسيده، فرفض السماح لها بالدخول لمقابلته.
وعد لنفسها: ماذا سأفعل الآن؟ سأفشل بأول مهمة، وكلها لها زين، وتخسر هذا العمل.
أخرجت هاتفها واتصلت على زين، بضع ثوانٍ وأتاها الرد.
زين: ها يا وعد، قابلتيه؟
وعد: رحت العنوان والأمن اللي على البوابة بلغوه، وهو رفض إني أقابله.
زين بخبث: مش مشكلتي، أنتِ عارفة إنك مش هتقدري تلاقي شغل في حتة تانية، وأي شغل تاني هيبقى بهدلة ليكي، وأنتِ مش واخدة على البهدلة، وكمان المرتب اللي هتاخديه مني هتقدري تعيشي بيه أنتِ وأختك، وواحدة واحدة تسددي ديونك.
سبته وعد في سرها بأفظع الشتائم والألفاظ النابية التي تعرفها.
وعد بمهادنة: طب قل لي أعمل إيه يا زين؟
زين: الصحفي الشاطر هو اللي يروح للخبر، مش يستنى الخبر يجي له.
وعد في سرها: آه يا ابن الكلب، عامل لي فيها عمرو أديب.
زين: ارشي الحارس، لاغيه، اتصرفي.
وعد: إلى هنا وكفى.
وعد: ألغيه؟ إيه اللي أنت بتقوله ده؟
زين: إيه، بقول لك لاغيه، ضحكة حلوة، نظرة كده، ما قلت لكيش صاحبيه.
وأغلق الهاتف في وجهها. ابتعدت وعد عن البوابة وهي تسير بجانب السور، وقد أقرت أنها لن تفعل ذلك. وأثناء سيرها وجدت شجرة تميل فروعها على سور الحديقة المحاوطة للفيلا، فقررت أن تتسلقها وتدخل الفيلا خلسة، تلتقط له صورتين حديثتين، وتكتب كم خبر قديم مما قرأته عنه، وانتهينا.
وبالفعل، تسلقت الشجرة ونزلت من فوق السور، فرشاقتها مكنتها من ذلك.
اختبأت وعد فوق أحد الأشجار اليافعة بالحديقة بالقرب من المسبح، وهي تدعو الله أن يشعر هذا الوسيم بالحر أو الملل، فيقرر الخروج إلى الحديقة وتتمكن من التقاط بعض الصور له.
مرت ساعة وهي على نفس الحال، إلى أن ثبتت قدماها، وفجأة حدث ما توقعته، فخرج ريان وهو يرتدي بنطالًا قصيرًا وقميصًا بدون أكمام، فاتحًا أزراره الأمامية، يبدو وسيمًا للغاية.
وعد لنفسها: في إيه يا بت، مالك؟ ما تثبتي كده.
قامت وعد بالتقاط صورتين له، وما إن همت بالتقاط الثالثة، كان هذا الوسيم يخلع عنه قميصه ويقفز إلى المسبح الموجود في حديقة الفيلا.
التقطت له عدة صور، بعد أن كانت تسعى لالتقاط صورة أو اثنتين، وجدت نفسها تلتقط له ما يقرب من فيلم كامل، ستعطي لهذا الوقح زين بضعًا منها وتحتفظ بالباقي لنفسها، ماذا تقولين يا وعد؟ لا يهم، ستفعل ما تريد الآن وتفكر فيما بعد لما فعلت ذلك.
أم أنها تخشى أن تعرف السبب؟ فقد دق القلب وأحبت العين قبل اللقاء وسلام اليدين.
هزت وعد رأسها تنفضه من تلك الأفكار، وفتحت حقيبتها لتستبدل فيلم الكاميرا، فانشغلت عمن تراقب لدقيقتين.
أما هو، فمع ضوء الشمس ولمعة فلاش الكاميرا، لاحظ وجود أحد المتلصصين أو ربما قاتل مأجور، وما رآه من لمعة لم تكن سوى سلاح مصوب نحوه، فخرج من الماء وتسلل خلسة، بينما هي كانت منشغلة باستبدال الفيلم، دقيقتين، دقيقتين فقط.
وانتفضت بفزع عندما أحست بذراع تحاوط خصرها وتكمم فمها، وأحدهم يسحبها أسفل جذع الشجرة التي كانت قد تسلقتها منذ ساعة لتتمكن من مراقبة هذا الوقح ريان عندما رفض بكل عجرفة أن تلتقط له صورة لتزين مقالها الذي أراد زين أن تكتبه عنه، مع بعض الأخبار عن أسباب اعتزاله عن الكتابة وتفرغه لحياة المال والأعمال.
أدارها هذا الشخص بين يديه كالدمية، وهي مغمضة العينين، ففتحت عينيها ببطء لتقابل عينين تشتعلان بالغضب، وهو يطالعها بمزيج من الغضب والسخرية، سرعان ما تحولت هاتين العينين إلى عيون عابثة تتفحص جسدها الأنثوي بجرأة، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الخوف.
رفع أحد كفيه يتحسس بشرتها التي تبدو كبشرة الأطفال، وهو مغيب من جمال عينيها وارتجاف شفتيها الكرزيتين، وآآآه من كرزيتيها، ابتلع ريان ريقه يبلل شفتيه بتلذذ، وهو يتخيل مذاقهما، فانتفض عرقه النابض بجانب شفتيه من ثورة مشاعره، وما أن استشعرت دفء أنفاسه التي لمست خدها، نفضت يده عنها وهي تبتعد خطوة إلى الخلف، حتى كادت أن تتعثر لولا أنه جذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض، وهي تستند بكفها على صدره العاري، فتقابلت عيونهما.
فقالت هامسة: اللهم ما آخذك يا شوشو، يخرب بيت جمال أمك.
فأجابها بإنجليزيته: ماذا؟ هل هذه سبة أم ماذا؟
أجابته بالإنجليزية: لا مستر ريان، إني ألقي عليك التحية.
رواية وعد ريان الفصل السابع 7 - بقلم اسماء حميده
ذهب الكل إلى وجهته، فقد توجهت السيدة نجوى وهمس إلى منزل زكري، والد مصطفى وزوج السيدة نجوى. وذهبت وعد لإتمام المهمة التي سافرت من أجلها إلى الإسكندرية.
أحس محمد بانقباض في صدره لفراق من أحب في صمت. فكم مؤلم أن يكون الشخص عاشقًا حتى النخاع، ومن أحب لا يشعر بنيران قلبه الذي أضناه العشق. فسلامًا على قلوب أحبت ولم ترتوي بقرب الحبيب.
أخذته قدماه إلى شاطئ النيل يشكوه الشوق والضنى، فقد غادرت معذبته ولم يذق في حبها طعم الهنا.
وبعد جولة من السير هائمًا على كورنيش النيل لا يعرف له وجهة، لم يجد بداً من العودة إلى منزله، فقد مر الوقت دون أن يشعر.
صعد محمد إلى منزله وطرق باب المنزل لكي يعطي بعض الخصوصية لمن بالداخل، فقد كانت سارة، ابنة عمته، مع أخته هاجر منذ أمس لعلمها بمغادرة وعد وهمس في الصباح الباكر. وأرادت أن تقضي الفتيات الأربع مزيدًا من الوقت، فقد تعلقن ببعضهن ولكل واحدة منهن جاذبيتها التي ميزها الله بها دونًا عن غيرها.
بعد ما طرق محمد الباب، سمع صوت تلك الصغيرة سليطة اللسان سارة. فقد ذهبت زوجة خالها السيدة تحية إلى السوق، وتوجهت هاجر لشراء الخبز من الفرن على أول الحارة. سارة ظنًا منها أن الطارق هي هناء، ابنة خالها.
سارة: إيه يا زفتة مش معاكي مفتاح؟ تلاقيك نسيتيه يا مخبلة.
كانت تلك هي الجملة التي قالتها سارة وهي قابضة على قفل الباب تفتحه، وأدارت من بالباب ظهرها عائدة مرة أخرى إلى الداخل. فقد كانت تعلم أن محمد لن يعود الآن، فهي تحفظ مواعيد ذهابه إلى العمل. فبعد تخرجه عمل موظفًا صغيرًا بالعلاقات العامة لأحد الشركات، بعدما بحث كثيرًا عن وظيفة في جميع الصحف لتناسب مجال دراسته، ولكن أين له بدعم أو وساطة ليجد هكذا عملًا.
وقد منعته كرامته كرجل عاشق أن يطلب من وعد يد المساعدة، فوالدها في ذلك الحين لم ولن يصعب عليه شيئًا. فقد خشي أن تفسر مشاعره تجاهها طوال فترة دراستهم أنه يطمع بمركز وأموال أبيها وليس ما يكنه لها من حب خالص لذاتها.
أما سارة، بعد ما أدارت ظهرها لمن بالباب، اتسعت حدقة عينيها وتسمرت بأرضها. ففي أثناء استدارتها علمت أن الطارق ليست هناء، ولكنه محمد.
أخذ منها الأمر دقيقة حتى تستوعب ما عليها فعله. فبعد أن قضت ليلتها هي وهناء يتسامرون مع وعد وهمس والسيدة نجوى والسيدة تحية، والدة محمد، في الشقة التي استأجرتها الفتيات، وبعدما تبادل الفتيات أرقام الهواتف ليطمئن على بعضهن البعض.
عند الفجر قاموا بتوديعهم، وذهب محمد لتوصيلهم. عادت الفتاتان سارة وهناء، ومعهم السيدة تحية، إلى شقة السيدة تحية لينالوا قسطًا من النوم.
وعند دقات الساعة الحادية عشر، استيقظت السيدة تحية وذهبت إلى السوق لإحضار طعام الفطار والغداء. وقامت هناء بإيقاظ سارة وأعلمتها أنها ذاهبة إلى الفرن حتى تجلب الخبز.
وعندما دق الباب، خرجت سارة تفتح ظنًا منها أنها هي. فقد كانت سارة ترتدي إحدى مناماتها القصيرة التي كانت ترتديها أسفل فستانها المحتشم الذي حضرت به إلى منزل خالها رحمة الله عليه.
فبرغم كونها غير محجبة، فهي لازالت في عامها السادس عشر وقد تعدته ببعض الأشهر، فبعد شهرين ستتم السابعة عشر ربيعًا. هي تعلم أن عليها ارتداء الحجاب، وكانت ستقدم بالفعل على تلك الخطوة، ولكن الله لم يأذن بعد.
كانت منامتها القصيرة تكشف عن ساقيها البيضاء حتى ركبتيها، بدون أكمام وفتحة صدر واسعة بعض الشيء.
محمد وقد بلغ به الغضب منتهاه، كيف لها أن تفتح الباب بتلك الهيئة؟ ماذا لو كان محصل الكهرباء مثلاً أو أي رجل آخر؟ وحتى لو كان هو، فهو لا يحق له أن يراها بملابسها هذه.
وبرغم أنها توليه ظهرها، إلا أن الفكرة ذاتها جعلته في قمة الغضب، إلى جانب ما يعانيه بالفعل من آلام قلبه على فراق من أحب.
وكما يقول الشاعر اللي هو أنا طبعًا: ما قدرش على الحمار اتشطر على البردعة.
محمد بصوت جحيمي: أنت يا هانم، أنت إزاي تفتحي الباب وأنت كده؟ إيه؟ وصل بيك الاستهتار إن مابقاش فارق معاك إن حد يشوفك بالشكل ده؟ الظاهر إن عمتي ما عرفتش تربي. ده لو هناء اللي عملت كده كنت قطعت رقبتها.
لا، لن تسمح له أن يتهمها في أخلاقها. إلى هنا وستضع قلبها أسفل قدميها داعسة عليه بحذائها. فمن يظن نفسه لينعتها بقليلة الرباية.
التفت سارة إليه وقد نسيت ما ترتديه، أو لماذا نعتها وسبها في أخلاقها. وتقدمت منه خطوة كقطة شرسة ستهجم عليه بأظافرها.
وبرغم لمعة عينيها بالدموع، ولكن لا ضعف بعد الآن. فإذا كان مشغولًا بغيرها وحب أخرى منعه من رؤية من سواها، ولكن عند كرامتها وكبريائها لابد وأن تضع خطًا أحمر.
سارة: على فكرة أنا مش هأقول لك إني كنت فاكراك هناء اللي نزلت تجيب عيش من الفرن، واللي دايمًا بتنسى مفتاحها كل ما تنزل ويا أنا يا مرات خالي نفتح لها. وإني كمان عارفة ومتاكدة إنك بتروح الشغل الساعة تمانية وما بترجعش إلا الساعة خمسة. لأن حتى لو غلطت إني ما تأكدتش إن هناء هي اللي على الباب، فده مش معناه إني قليلة الرباية لإن إتربيت في بيتكم مع أختك. فلو كنت ما تربتش في التقصير منك أنت. وابتسمت بسخرية، يا اللي بتقول عليا إني زي اختك الصغيرة.
أوووووووبا قصف جبهة.
قالت ما قالته دفعة واحدة، ولم تستطع بعدها السيطرة على الدموع التي خانتها وفرت هاربة على خديها. وأقسمت بداخلها أنها لن تخطو إلى هذا المنزل ما حياتها. يكفيها ألم قلبها، فلم تجنِ من عشقه سوى الشقاء والحزن والضعف، وهذا ضد شخصيتها.
أما هو، فقد أحس بالغضب من نفسه. فمتى كان قاسيًا إلى هذا الحد؟ فهي مدللته الصغيرة التي كان يجلب لها الحلوى مثلها مثل هناء. فكان يهتم بهما الاثنتين، فهما عيناه وهو الجفن الحارس لهما. كان يكبرهما بخمس أو ست سنوات.
وكانت والدته وعمته يحملان بأحشائهما جنيتين صغيرتين. كأن والدته وأخت زوجها اتفقتا على أن يضيئا حياته بحوريتين من الجنة.
فهو يتذكر جيدًا عندما أتت والدته آلام المخاض. حملها والده إلى المشفى وأمره بالتوجه إلى عمته وزوجها، كونهم أقرب الأهل إليهم، فهم يسكنون معهم بنفس الحارة. وأوصاه أن يخبرهم بأن والده أخذ والدته لأقرب مشفى لتضع حملها.
ولكون أبيه لن يستطيع الاهتمام بوالدته وصحبته طفل صغير، وهي تصرخ من الألم الذي داهمها عند الفجر، فطمئنه والده وأخبره أن يوافيه إلى المشفى بصحبة عمته وزوجها، والتي قد حدد لها الطبيب هي الأخرى موعد الوضع بعد والدته تحية بأسبوع.
ولكن عندما حضرت بصحبتهما إلى المشفى الذي سبقه والده إليها، ورأت عمته ما تعانيه زوجة أخيه من ألم في الولادة، انتابتها حالة من الخوف والرهاب، أدت إلى نزول ماء الجنين. فإضطر الأطباء إلى توليد الاثنتين في نفس الوقت، والدته بغرفة الولادة الطبيعية، والأخرى في غرفة الولادة القيصرية.
وعندما خرج الطبيبان كل منهما من غرفة الأخرى بالطفلتين، اندفع الوالدان للاطمئنان على زوجتهما. وذهب هو ليرى المولودتين، فهو وقتها كان طفلًا صغيرًا وجل ما يريده هو رؤية الصغيرتين. فكما يقول إنهن ولدتا على يديه.
عندما رأى محمد حالة سارة جراء ما أسماعه إياه، آلمه قلبه عليها. فحتى لو أخطأت، فكان يجب عليه توجيهها برفق. فما ذنبها هي بما هو فيه؟ فبكل الأحوال هي صغيرته.
ماذا صغيرته؟ عن أي صغيرة يتحدث؟ نظر لها بهيئتها المهلكة تلك وتساءل متى أصبحت صغيرته أنثى مثيرة إلى هذا الحد؟ جسدها الملفوف وساقيها الممتلئتين ببياضهما الناصع، خصريها المياس ومنحنياتها الخطيرة المثيرة، وشعرها المموج الأشعث من أثر النوم وخدودها الوردية بجمال رباني.
مد يده يجفف دموعها وقد فطر قلبه نظرة الحزن والقهر التي شملته بها.
وبلحظة لم يعِ على حاله عندما تحولت اليدين التي كانت تواسي إلى يدين تداعب وجنتيها بحنان. وهي ما أحست بلمساته على خدها حتى تبخرت وعودها التي قطعتها على نفسها بالابتعاد ولملمة ما تحطم من قلبها على أمل أن يشعر بها يومًا.
أما هو، فقد صوابه بعد رؤيته لها بهذه الهيئة الساحرة. ولم يشعر بحاله إلا وهو يميل بوجهه مقتربًا من وجهها. وتلاقت العيون، عينيها العسليتين التي تحيطهما طاقة من اللون الأخضر كأنها طوق يجذب الناظر إليها.
وما زالت يديه على خدها وكأن جسده ينجذب إليها دون إرادة منه. فارتفعت يده الأخرى تهبط على خصرها بنعومة. وما زال رأسه يميل إليها ببطء قاتل، وعينيه تنتقلان إلى عينيها تارة وإلى شفتيها تارة أخرى. وكل منهما يتنفس أنفاس الآخر دون تلامس.
إلى أن استفاقت على حالها عندما سمعت وقع أقدام أحدهم على السلم وصوت قد بدا قادمًا من بعيد. فقد كان الاثنان وكأنهما في عالم آخر، بمكان آخر. وأيضًا ظروف أخرى. وكان الصوت ما هو إلا صراخ هناء عليها.
هناء: بت يا سارة أنت نسيت باب الشقة مفتوح، زمان القطط اللي على السلم دخلت بهدلت الدنيا جوه.
عند الباشا ريان ووعده، التي لم يعرف اسمها بعدما التقطها من فوق الشجرة.
ريان ببحة صوته الرجولية وما زادها سحر حشرجة صوته من فرط إثارته وفَيض مشاعره عندما غرق في بحر فيروزيتها.
ريان: Who are you? And, what brings you here?
من أنت؟ وماذا أتى بكي إلى هنا؟
وعد بهيام: جيت لقدري يا أخرة صبري.
ريان: What are you shaming?
بماذا تهزي؟
وعد: What, كمان يا وحش المجرة؟ ووالله العظيم هابوسك من بؤك إنت حر.
منع ريان حاله من الابتسام بسبب تغزلها الصريح به وتصنع الغضب صارخًا بوجهها.
ريان: I don't understand anything from you, pronounce, are you a thief? Or maybe someone sent you to kill me?
أنا لا أفهم منك شيئًا. ربما تكوني لصة، أو أرسلك أحد لقتلي.
شهقت وعد، فهذا الشيء لم تحسب حسابًا له. أين كان عقلها عندما فكرت في أن تخطو تلك الخطوة؟ فهي في خبر كان. فمن ذا الذي يمنعه من تسليمها إلى الشرطة الآن؟ فهي أوقعت نفسها في هذه المصيبة. يمكنه اتهامها بالسرقة أو ربما في محاولة لقتله. فرجال الأعمال دائمًا محاطون بمكائد ومخاطر من قبل أعدائهم.
ها قد اكتملت المصائب، فقد اتهم أبوها من قبل في سرقة مال عام وتهرب ضريبي واختلاسات. وهي ستزج في السجن بسبب غبائها بتهمة السرقة أو ربما محاولة القتل.
وعند هذه النقطة، فقد أحست بتباطؤ ضربات قلبها ورعشة في أوصالها وتعرق جبينها.
أما هو، فمن شهقتها وتعبيرات وجهها وجملتها الأولى التي نطقتها بلكنة إنجليزية جيدة، علم أنها تفهم عليه جيدًا. وفطن أنها لم تجب عليه مرة أخرى بالإنجليزية لأن ليس لديها رد على حماقاتها تلك، وأن وراء اندفاعها ودخولها بتلك الطريقة سببًا قوي. كما علم أيضًا أنها ليست سارقة، فلو كانت قدمت من أجل السرقة فماذا جعلها تصعد إلى الشجرة؟ لو كانت كذلك لحاولت الدخول إلى القصر وأخذت ما تطوله يديها.
وهي أيضًا ليست قاتلة، فلو كانت لما دخلت إلى قصره من الأساس. فهناك كاميرات مراقبة تحيط بسور القصر من جميع النواحي وتملأ الأرجاء داخل القصر وخارجه وفي الحديقة بكل مكان. وليست كاميرات خفية، بل إنها كاميرات ظاهرة للعيان.
إذًا، إنها ليست بقاتلة محترفة ولا حتى سارقة. وما يحيره ماذا أتى بها إلى هنا. وفي حين كانت هي له كالكتاب المفتوح يعلم ما بداخلها، كان هو لم يظهر على معالمه شيء. فهي إلى الآن لم تعِ أنه يفهم حديثها جيدًا.
حسنًا يا صغيرة، أتريدين اللعب؟ فلنتسلى قليلًا. ولما قليلًا؟ فالمهمة التي جاء من أجلها وهي البحث عن زوجة أخيه الراحل. وهذه السوسن هي الأخرى تجبره على المكوث بمصر فترة لا يعلم كم ستطول إلى الآن. اللعنة على تلك السوسن، ألم تجد شخصًا آخر تتزوجه سوى أخيه التي تلطخت يد عمه بقتل عمها، فقام أبوها بقتل عمه. إنها رحلة عجيبة وأي قدر غريب أتى به إلى مصر، ليقابل أحمق نسائها بل أحمق نساء العالم أجمع.
من جهة زوجة أخيه ومن جهة أخرى تلك التي لا يعلم عنها شيئًا.
في ثوانٍ، قرر إعطاء الحمقاء التي أمامه سببًا للسكوت وفي نفس الوقت يعطيها فرصة للكلام. فقد استمتع بمغازلتها له، لقد أطربت أذنيه وحركت مشاعر الرجل الذي بداخله. بالرغم أنها ليست أول امرأة وليست أول مرة يسمع بها عبارات الإطراء والغزل، ولكن هذه المرة لها مذاق مختلف.
فلقد رأى أجمل نساء العالم والأكثرهن إثارة وجرأة، ولكن لم يحركن بجسده شعرة، ولم تهفو روحه إليهن كما هو الآن.
انتظر ريان، أنت لا تعلم عنها شيئًا، وليكن، ولكني سأسعى لفتش كل أسرارها والغوص في أعماقها وربما أكثر من ذلك.
فقال ريان بصوت مسموع: Damn, that idiot looks like she doesn't know English.
اللعنة على تلك الحمقاء، يبدو أنها لا تعرف الإنجليزية.
أما تلك البلهاء فقد ابتلعت الطعم.
وعد بعد أن اطمأنت على أنه لا يفهم من لغتها العربية شيئًا.
وعد: الله ينور عليك يا حتة، هو كده، نو انجلش.
فقد قررت أن تدعي الغباء لتكسب بعض الوقت، ربما تستطيع الهرب.
أما هو، بماذا تهزي هذه الفتاة؟ وماذا تعني بـ "حتة"؟ أهي مدح أم ذم؟ ولكن، علم ما يدور بداخلها، فهي تهادنه لأمر في نفسها. وما هو سوى أنها تتحين الفرصة للهرب. فأراد إحباط محاولتها لمجرد التفكير في الابتعاد عن ناظريه دون إذن.
فرقع بإصابعه في إشارة منه للفت انتباهها. وبالفعل اتجهت أنظارها إليه، فأشار لها على كاميرات المراقبة، كأنه يقول لها: إياكِ، فلقد تورطتِ وانتهى الأمر. لقد التقطت لكِ تلك الكاميرات فيديو بمحاولة اقتحامك قصري دون إذن، أو بمعنى آخر، أنتِ أسيرتي، فنجاتكِ بيدي وهلاككِ بإشارة من إصبعي.
نعم، هذا ما كان يريد أن يوصله لها عندما أشار إليها. وهي فطنت لما يريد قوله دون أن ينطقه لسانه. فهو لم يقلها بالإنجليزية، إنما اكتفى بلغة الإشارة وهو يشير إلى الكاميرات حتى يوهمها بأنه اقتنع بعدم فهمها للإنجليزية. والتقطت هي الرسالة دون حديث.
صار أمامها بعد أن أعطاها إشارة أخرى بأن تتبعه، فصارت خلفه تتمتم.
وعد: يااالهوووي عليا، شوال نباها مقفول.
وهو بعد أن أولاها ظهره أخيرًا يستطيع الابتسام على ردود أفعالها وكلماتها، برغم الحزن الظاهر بعينيها، إلا أنها حقًا خفيفة الظل.
مهلًا، لقد عرف اسمها وعد. وعد، ما أجمله من اسم له نكهة خاصة كصاحبته.
أما وعد وهي تحاول مجاراة خطواته السريعة.
وعد: يا لهوي قطعت نفسي، وماشي فرحان لي بعضلاته دي، هو مش ناوي يستر نفسه؟ الإنسان منا ضعيف.
فعندما لاحظ ريان وجود أحد أعلى الشجرة، خرج من المسبح ولم يكلف نفسه عناء ارتداء شيئًا أعلاه. فكان همه الإمساك بمن يختبئ قبل فراره.
علقت جملتها الأخيرة برأسه يفسر مغزاها. مهلًا، عضلاته؟ إنها تتغزل به ثانية. ماذا! أتشعر بالضعف في حضرته؟ لذيذة، شهية، ومرحة تخطف القلوب.
وما إن وصلوا إلى داخل الفيلا، أصدرت معدتها صوتًا ينم عن الجوع. فقد أحست فجأة بالجوع، فهي لم تأكل شيئًا منذ أن استقلوا القطار فجرًا، وها قد اقتربت الساعة من السادسة مساءً.
وما كان منها أن…
رواية وعد ريان الفصل الثامن 8 - بقلم اسماء حميده
عند مصطفى وهمس.
كان مصطفى يحمل همس بين ذراعيه القويتين بثبات، كأنها لا تزن ريشة. رغم محاولاتها للافلات من قبضته، كان متمسكاً بها. وبسبب الفارق في القوة البدنية، لم تجد بداً من المقاومة. فهي بطبيعتها هادئة، مسالمة، رقيقة. وبسبب تدليل والدها لها، فهي لا تعرف في الحياة معاني كثيرة كالمسؤولية والمواجهة، عكس وعد. وعد قطة شرسة.
أما همس، فكتلة من البراءة والضعف. ليس ضعفاً في الشخصية، لكنها تعاني ضعفاً من نوع آخر، ضعفاً في فهم العديد من المشاعر الإنسانية. فالمشاعر الإنسانية ليس كلها نقية، فهناك مشاعر إنسانية دونية. فهي لا تعرف معنى الخبث، الحقد، الكراهية. لا تحيك المؤامرات، لا تعرف الاستغلال. يؤلمها قلبها لرؤية مشهد مأساوي، حتى لو كانت المأساة لحيوان أو عصفور. رقيقة وهشة، سريعة التأثر والانجذاب. ومع دلال والدها لها، من لا يعرفها يظنها سلبية، ضعيفة الشخصية، وعديمة المسؤولية. ولكن بداخلها طفلة مدللة، رقيقة، ناعمة. كما تقول وعد عنها دائماً: الليدي همس.
فوعد دائماً كانت درعها الحامي وملاكها الحارس.
همس، وقد بدأ صوتها يختنق وكأنها على وشك البكاء:
بليز يا أستاذ درش نزلني.
أشفق مصطفى على تلك الفراشة الرقيقة، فهو لم يقصد إخافتها، ولكنه أراد مشاكستها فقط. انحنى مصطفى بجزعه وهو يحملها حتى لامست بقدميها الأرض. وما أن استشعرت همس صلابة الأرض أسفلها، حتى أطلقت لساقيها العنان، صاعدة درجات السلم، وكأنما تطاردها الأشباح.
مصطفى لنفسه:
إيه ده، هو في كده، كنافة بالمانجا يا عالم.
وقف مصطفى قليلاً يستوعب ما حدث، ويتساءل: من هذه؟ وماذا أتى بها إلى هنا؟
مصطفى لنفسه:
انت لسه هتسأل، أما أطلع أشوف إيه الحكاية.
أما همس، فخرجت من باب البناية لتلحق بالسيدة نجوى وهي في حالة من الهلع، تتلفت خلفها. عندما رأتها نجوى بتلك الحالة. تساءلت بلهفة:
نجوى، إيه؟ في إيه؟ مالك يا همس يا بنتي؟
أخذت همس تتلفت خلفها تارة، وتنظر إلى نجوى تارة أخرى، خشية أن يلحقها.
همس:
الحقيني يا مامي نجوى، في.. في..
بطرت عبارتها. فهل تقول لها عن هذا الدرش؟ وماذا تقول؟ أنها كادت أن تسقط لولا ذلك الشخص الذي حال دون وقوعها. ولولا وجوده لكانت الآن ربما في تعداد الموتى، أو على سرير بإحدى المستشفيات بعظام مهشمة، كأقل تقدير، في موقف كهذا.
ولكن هذا الدرش تلقفها بين ذراعيه كالأب الذي يحمل طفلته بين يديه. ولتكن صادقة، أنها في ظروف أخرى ومع شخص آخر في موضعه، وأنقذها من ضرر حتمي، لكانت أمطرته بعبارات الشكر والامتنان وانتهى الأمر.
ولكن عندما قام هذا المدعو درش بالضغط على (لا مؤاخذة) خصرها، ومشاكستها بهذه الطريقة، وهذا التجاوز، أرادت صفعه. فهي أرادت، وطوال عمرها تريد، ولكنها لم تفعل أبداً ما تريد.
انتفض جسدها عندما استحضرت الموقف.
إنه وقح، وقح.
أسرعت قائلة وهي تشير إلى الداخل:
فار، فار، يا مامي نجوى.
ربطت نجوى على كتفها تقول:
اهدي يا همس، كل ده عشان فار. خلاص، اقفي انت هنا جنب الشنطة، وأنا هاخش أشوف مصطفى فين؟ وأخليه يجي ياخدها.
أسرعت نجوى إلى الداخل تبحث عن مصطفى، فوجدته يصعد مسرعاً على درج البدروم.
نجوى لمصطفى:
إيه يا مصطفى، طلعت السرير؟
مصطفى مستكملاً طريقه:
لسه يا أما، خمسة وراجع.
جذبته نجوى من ذراعه:
رايح فين؟ خلص اللي قلت لك عليه الأول، وبعدين ابقى روح اتسرح.
مصطفى وهو ينظر بعينيه من بوابة البناية على مرمى بصره، لعله يراها، ولكنها قد تبخرت. فهي كانت تقف بجانب البناية بعيداً عن مرماه، فلذلك لم يراها.
وعندما لم يجد مصطفى لها أثراً.
مصطفى بصوت وصل إلى مسامع أمه:
كان يعني لازم تقف زي الصنم تندهش، اهي طارت.
نجوى مستغربة من حاله ابنها:
هي إيه دي يا ولا اللي طارت؟
مصطفى بيأس:
دماغي يا أما، دماغي طارت. كنت عايزة إيه؟
نجوى بحدة:
يا خيبة أملي فيك، انت يا ولا ضارب حاجة.
مصطفى:
إيه يا أما، هو أنا بتاع الكلام ده؟ أنا أخري سيجارة وكوباية شاي.
نجوى:
طب روح يا معدول، حل السرير من تحت، واطلع انصبه فوق، على أما أشوف حد من العيال يطلع الشنطة اللي بره.
توجه مصطفى صاعداً لأعلى دون السؤال عن قصة السرير، ما كان يشغله يفصله عن ما حوله.
نجوى:
انت يا خايب الرجا رايح فين.
مصطفى:
جرى إيه يا أما، مالك سخنة عليا كده ليه؟ طالع أجيب مفتاح الشقة اللي تحت نسيته فوق.
نجوى:
استنى، أنا معايا المفتاح الثاني.
أخرجت نجوى المفتاح الآخر من جزدانها، وأعطته إياه، فأخذه بعقل شارد، واستمر في الصعود.
نجوى:
مالك يا ولا، انت حد خبطك على دماغك، المفتاح في إيدك طالع فوق تعمل إيه؟
نظر إليها مصطفى بتيه وهبط من أمامها دون كلمة واحدة، وهي تناظره باستغراب. أما هو، فتوجه للأسفل شارداً. هل ما عادته منذ قليل حقيقة، أم أنه يتوهم؟ وإذا كان حقيقة، فمن هي؟ وماذا أتى بها إلى هنا؟ هي ليست من تلك المنطقة، ولا من أحد المناطق المحيطة، فلو كانت، لابد وكان قد رآها مسبقاً. فهذا الوجه لم يره من قبل، فلو رآها مسبقاً، حتماً كان سيقع لها، بهيئتها الملائكية تلك.
عند هذه الخاطرة، أخذ يدور حول نفسه في مكان التقائها بالأسفل. أيمكن أن تكون جنية ممن يسكنون الأماكن المهجورة؟ وكان يسمع عنهم من أحاديث وحكاوي جدته. وماذا لو؟ فقط تظهر ثانية وسيغل لها نفسه بأغلال من نار، طائعاً، راضياً، محباً، قانعاً بمصيره معها. حتى لو نفته معها إلى سابع أرض، المهم أن يكون معها ولها.
أخذ يدور ويدور عله يلمح طيفها.
مصطفى:
انت، يا.. سمعاني؟ طب انت هنا؟ طب انت مين؟ أنسية؟ طب جنية؟
وعندما فقد الأمل في إجابة نداؤه، استند على الحائط خلفه وتداعت قدماه خائراً وهو يستند على الحائط. وصدره يعلو وكأنه يعدو في سباق للماراثون. وضع راحتيه على وجهه بيأس، فالتقط أنفه رائحتها التي علقت على كفيه. إذا لم يكن حلماً ولا هاجساً.
وهي ليست جنية، فهي وإن كانت، فما المانع عنده. ولكنها أنسية، إذا مهمته أصعب. إذا كانت جنية، فهي من ستأتيه ثانية، هي التي تقصده. أما إذا كانت أنسية، فهو الذي يقصدها. وهو بغبائه قد أخافها منه، فإن لمحته لفرت هاربة.
استقام مصطفى بجسده واقفاً وذهب صاعداً خارجاً من باب البناية.
قام بالنداء على أحد العمال الذين يعملون مع والده في محل بيع لوازم البناء.
مصطفى:
ولا يا جنش.
جنش، وهو شاب في العشرين من عمره:
إيه يا معلمي.
مصطفى باستعجال:
فإن كانت أنسية، فربما وجدها بالجوار، قد تكون أتت إلى هنا في هذه المنطقة بالخطأ، أو أنها جاءت لشراء شيء يلزمها من هذه الناحية.
مصطفى وهو يخرج المفتاح:
مين جابه، ويعطيه لجنش:
ده مفتاح شقة البدروم، تروح هوى تحل السرير اللي فيها تحت، وتطلعه عند خالتك أم مصطفى فوق. ولو سألتك عليا، قل لها جاتله مصلحة ضروري، ونصايه وراجع.
جنش:
حصل يا معلمي.
أسرع مصطفى يطوق المنطقة باحثاً عنها هنا وهناك، راصداً بعين صقر كل المحلات في الجوار، ربما كانت تشتري منها شيئاً، وتتطرق إلى المناطق المجاورة، ولكن دون جدوى. وعندما تعب، جلس على أحد المقاهي متربصاً، لعل الحظ خادمه، وتمر من هنا.
عامل المقهى:
أؤمر يا رياسة.
مصطفى:
هات واحد شي ميزة.
أخرج مصطفى لفافة سجائره والتقط أحدها يشعلها، عله يهدأ قليلاً، وعيناه كانت ترصد المارة عن بعد، وهو يتساءل: حتى لو وجدها، ماذا سيفعل؟ أتسال؟ فإن لم تكن جنية، فسيكون هو ماردها. سأخطفها وأتزوجها، حتى لو عنوة، وأن كان ذلك آخر شيء سأفعله بحياتي، فقط أجدها.
استراح وأخذ يكمل رحلة البحث، حتى اقترب المساء. حسناً، سيعود، ربما رآها في الجوار.
بينما كانت همس والسيدة نجوى في الشقة العلوية، وقد أتى لهما جنش بالسرير، وسألته نجوى عن مصطفى، فأجابها بما قال مصطفى له.
نجوى:
خش يا جنش، انصبه أنت.
ذهب على الفور ينفذ الأمر، فطالما كان مصطفى أخاً كبيراً له. فمصطفى مثال لابن البلد الجدع، فكل صبي في المنطقة يحتذي بحذوه، وكل رجل وكهل يكن له كل تقدير واحترام. الصغار يهابونه، والكبار يقدرونه، ليس بلطجي ولا فتوة، ولكنه كما يقولون: "ما بيعجبوش الحال بالمايل". شاب مكافح، متعلم، قوي البنية، ابن بلد، شديد، صارم مع من يخطئ معه أو يتجاوز الحد في حضرته. وفي نفس الوقت مشاكس ومرح. وإضافة لذلك، فهو مع الكل شيء، ومع والدته شيء آخر. يشاكسها، يجادلها، ولكن دون تجاوز. هي الوحيدة التي تستطيع تجاوز الحد معه، من حقها أي شيء وكل شيء، وليس لمن سواها. وهي ما دامت معه بمفردها، تعامله كطفل، ليس تقليلاً من شأنه، ولكن هي من تحتاج إلى هذا، وقد فقدت حقها في معايشة طفولته. تحد عليه، ولكن أمام الناس هو درش فخر العرب، قصدي (😂😂) المنطقة.
عندما دخل الصبي جنش إلى الغرفة التي سيقوم بتركيب السرير بها، وجد فتاة تجلس على كرسي بأحد الزوايا الموجودة بالغرفة. فتاة جميلة، لا بل رائعة، بعينين خضراوين تسلب العقل، رموش كثيفة، جسد ممشوق، ترفع شعرها الحريري في هيئة ذيل حصان. وجهها خالٍ من أي مساحيق تجميل، مما يعطيها جمالاً وبراءة، ونقاء بشرتها اللامعة، وخدودها وردية، شفاهها.. واه من شفاهها، كحبات الفراولة اللذيذة الشهية. باختصار، سنو وايت عصرها. هيئتها لا تنبئه بعمرها، ولكن حتماً هي في مثل سنه، وإن كانت تكبره؟ فماذا؟ سيطلبها للزواج.
جنش وهو مأخوذ بجمالها، ولا يزال تحت سطوة سحر تلك الجنية.
جنش:
اللهم صل على النبي، أنا عمري ما شفت كده قبل كده.
بطر ما في جوفه من عبارات الغزل، فالساحرة في حرم الديشة. وقف جنش يعمل على تركيب السرير، يده تعمل كالآلة، ولبه وعينه مع تلك الساحرة.
دخلت السيدة نجوى إلى الغرفة، وجدته على حالته تلك.
نجوى:
ولا يا جنش، مالك، في إيه؟
جنش:
مالي يا خالتي، ما إحنا 100 فل وعشرة.
نجوى:
مالك ساهي على نفسك كده ليه.
جنش بهيام:
ما فيش يا خالتي، أصلك وحشاني قوي.
نجوى:
طب خلص يا أخويا، قربنا على المغرب.
جنش وماله يا خالتي:
ده أنا أخدمك بعينيا، وقلبي.
نجوى موجهة حديثها إلى همس:
تعالي يا همس يا بنتي، غيري هدومك.
همس:
حاضر، مامي نجوى.
جنش بصوت هامس:
ده إيه الحلويات دي، لا أنا هاكلم الديشة، وأجي أنا وأمي نخطبها، اللي زي دي ما تقعدش. (ده الديشة هينفخك أنت وأمك 😂😂).
دخلت نجوى وهمس إلى غرفة أخرى. وأخرجت السيدة نجوى لهمس إحدى الجلاليب البيتية خاصتها، فعندما ذهبوا إلى الفيلا قبل سفرهم إلى الإسكندرية بيوم، وبعدما وضعت عليها الحكومة حراسة، لم يسمح لهم بأخذ شيء من هناك، سوى القليل من أغراضهم الضرورية بإذن كتابي من قائد الحراسة. وقامت وعد وهمس بالتوقيع عليه، فأخذت هي وأختها أحذيتهما وملابسهما الخارجية فقط.
قامت همس بارتداء الجلباب وخرجت هي ونجوى، ووجدوا جنش قد انتهى من تركيب السرير.
جنش:
عارفة يا خالتي.
نجوى:
قولي يا قلب خالتك.
جنش:
انت لو لابسة خيش، برضه مكنة. (الواد ده تربية الديشة فعلاً) 😂
نجوى:
طب اخف يا ولا، ولو شفت مصطفى ابعته لي.
خرج جنش قاصداً محل الريس ذكري، والد مصطفى، يستفسر عنها من هي، وهل هي مخطوبة، و.. و.. و.. وأثناء خروجه من البناية، كان قدوم مصطفى للخارج متسائلاً، والداخل باحثاً، والوجهة واحدة.
كانت تلك الساحرة في هذه الأثناء تقف مع السيدة نجوى في المطبخ. ففي وقت ما كان جنش يقوم بفك السرير من الأسفل وتركيبه في الأعلى. قد قامت السيدة نجوى بطهي وجبة خفيفة ليتناولوها، وقد انتهت بالفعل. مدت نجوى يدها لحوض الجلي لغسل الأواني التي كانت تستخدمها في طهي الطعام.
قالت همس:
ارتاحي انت بقى يا مامي نجوى، وأنا هاكمل. أنت عارفة إني كنت باحب أتفرج عليك وأنت بتعملي الأكل، وكده كده أنت already خلصت. أنا بس ها أتابع اللي على النار، وأنظف الـ plates دي.
نجوى:
ليه يا همس يا بنتي، ما يصحش.
همس:
ليه ما يصحش؟ الوضع اختلف now.
فهمت نجوى ما ترمي إليه همس، وماذا كان مقصدها. فهي تقصد أن نجوى لم تعد تعمل عندهم الآن، بل والأدهى أنها تستضيفهم في بيتها. هي من ربت همس، وتعرف ما تشعر به همس الآن. إنها تشعر أنها عالة عليها. فأرادت نجوى أن تشعرها أنها في بيتها. أجابتها نجوى ببسمة:
خلاص يا هموسة، اقفي انت كملي الأكل، وأنا هاطلع اطلع فرشة السرير اللي جنش جابها من تحت فوق على السطح شوية، لأن بقى لها فترة تحت في الشقة اللي في البدروم، وهاغير لها كسوتها.
همس، وقد عاد لها حماس الطفلة التي بداخلها، فهي هكذا يحزنها أقل شيء ويفرحها أقل شيء.
همس بحماس:
اوكي، مامي نجوى، روحي انت وأنا هأتصرف.
اتجهت نجوى إلى الخارج ثم عادت إليها مرة أخرى.
همس:
يا حبيبتي، مش أنا علمتك في المطبخ لما البنت توقف تطبخ الأكل لازم تربط شعرها عشان ما يقعش منه حاجة في الأكل.
أومأت لها همس وكأنها طفلة مذنب. فدخلت السيدة نجوى إلى الغرفة وأحضرت لها غطاء رأس لتلم به شعرها، وذهبت نجوى إلى السطح. وأدارت همس جسدها إلى حوض الجلي.
تركت نجوى باب الشقة مفتوح، فباب الشارع بالأسفل مغلق، عن أي باب مغلق تتحدث. درش معه كل المفاتيح.
صعد مصطفى إلى الشقة العلوية قاصداً والدته يراضيها عن تأخيره لطلبها وإرساله لجنش بدلاً منه. فقد كان مشغولاً بالبحث عن جنيته، ويا ليته أتى الأمر بثماره، لكنه عاد خالي الوفاض. سمع مصطفى صوتاً قادماً من المطبخ، فعلم أن والدته بالداخل. دخل على أطراف أصابعه إلى المطبخ يريد أن يشاكسها كعادته. اقترب دون أن يصدر صوتاً، وما أن اقترب منها، أحاط جسدها من الخلف بذراعيه، ساندًا برأسه على كتفها.
مصطفى:
مالك يا أما، أنت خاسة كده ليه؟
همس، وقد توقف قلبها من الرعب، فمن ذا الذي يقوم بهذه الفعلة؟ لم تستطع همس حتى رفع رأسها. وعندما لم تجبه، ظناً منه أنها أمه، فتأكد شكه أن أمه غاضبة عليه، فأراد أن يزيد من دلاله عليها، ربما تسامحه وتبادله الحديث. فضمها أكثر إلى صدره وهو يطبع قبلة على خدها.
مصطفى:
ما خلاص يا أما بقى، كان عندي مصلحة على السخان كده وخلصتها. وبعدين يعني، أنا ما نفضتش، ما أنا بعت لك الواد جنش، وأنت عارفة إنه كفاءة.
همس داخلها يرتجف، وخافقها تجمد، وعقلها توقف. ولكن لابد وأن توقفه عند حده، فمن يظن نفسه. لفت وجهها إليه، ولازالت ذراعيه قابضة على خصرها، فجحظت عيناها عندما...
رواية وعد ريان الفصل التاسع 9 - بقلم اسماء حميده
عند محمد وسارة.
عندما استفاقت سارة من الحالة التي استحوذت عليها، عندما اقترب منها محمد بهذا الشكل غير المعهود، وانتبهت على صوت هناء ووقع أقدامها على السلم وهي تصرخ.
هناء: بت يا سارة، انت نسيتي باب الشقة مقفول، زمان القطط اللي على السلم دخلت بهدلت الدنيا جوه.
كانت هي أول المنتبهين من الهالة التي أحاطتهما، وما كان منها إلا أنها أسرعت إلى غرفة هناء، وقامت بإغلاق باب الغرفة.
استندت بظهرها على الباب، واضعة راحة يدها على صدرها تهدئ من هدر خافقها الذي أصيب بحالة من النشاط غير المعهود يخفق بقوة، مما أدى إلى ارتفاع وتيرة تنفسها، واحتلت الحمرة وجنتيها.
رفعت يدها تلقائياً إلى خديها تستشعر حرارتهما.
ما حدث منذ قليل كان حلماً من أحلام اليقظة، أن تنعم بنظرة دافئة من عينيه.
أن يتمنى ذلك القاسي قربها، ويطلب ودها، وهي تتدلل عليه.
أي دلال بعد استلامها المخزي للمساته، كان يستوجب عليها صفعه.
وليس الاستسلام والخنوع لأول اقتراب بينهما دون رابط رسمي.
هو حتى لم يقلها (أحبك سارة).
سارة لنفسها بلوم: دلوقتي هيقول عليا إيه.
حمدت ربها أن هناء جاءت بالوقت المناسب، فلو استكمل محمد ما شرع به وهي في هذه الحالة من الضعف، لن تستطيع النظر إليه مرة أخرى.
ظلت على تلك الحالة تلوم نفسها وضعفها أمامه.
أما الذي كان في عالم آخر لم ينتبه على صوت أخته، ولا دخولها من باب الشقة، فهو ما زال على وضعيته في حالة من الهيام والنشوة، لم يتخيل أنه سيعيشها مع من يعتبرها أخته الصغرى، لقد كبرت وأصبحت دافئة أنثى مكتملة الأنوثة.
هناء وهي تنظر إلى محمد باستغراب وهو يقف في منتصف الصالة صامتاً شارداً كأن على رأسه الطير، عينيه مثبتة على باب غرفة هناء، كأنه يشاهد عرضاً لأحد أفلام الخيال العلمي.
هناء وهي تهزه: محمد مالك واقف كده ليه؟!!!
لم يجيبها وما زال على وضعيته.
هناء تهزه مرة أخرى: محمد في إيه مالك؟!! متسمر مكانك كده ليه؟!!
انتبه محمد أخيراً إلى حديث أخته، فتوجه بنظره إليها، ولا زال جسده متجمداً مكانه، وكأنه صعق بكابل كهرباء عمومي.
أخذت هناء تتلمسه باندهاش من حالته تلك وهي تحادثه مستفسرة عن ما أصابه.
كانت ردة فعله أنه أشاح بوجهه عنها، رامقاً باب الغرفة بنظرة مطولة.
استدار مغادراً إلى غرفته دون كلمة كأنه في عالم آخر غالقاً الباب خلفه.
تعجبت هناء من حالة أخيها، وتسمرت عيناه على باب الغرفة.
هناء وهي تحدث نفسها، وسارة خلف الباب تسترق السمع لما يحدث في الخارج.
هناء وهي تضرب على صدرها بكفيها: ياااا لهوي ليكون اتخانق مع البت سارة، وقالت له كلمتين من الدبش بتاعها، فورت دمه، قام قاتلها.
أما من بالباب فقد استدارت عيناها مما تسمعه من حديث هناء، وتحليلها للحالة التي كان عليها محمد.
قد كانت تلصق أذنيها بالباب تتلصص عليهما.
ما إن سمعت وقع أقدام هناء يقترب من الباب، حتى أسرعت على أطراف أصابعها تندس تحت الغطاء على السرير، واضعة إحدى الوسائد على رأسها، تتصنع النوم متهربة من سيل الأسئلة التي ستنهال عليها من هناء عن ما أصاب محمد إذا علمت أنها مستيقظة.
دخلت هناء غرفتها التي تتشاركها مع سارة، عندما تأتي الثانية للمبيت عندهم.
جلست هناء على حافة السرير وهي تنغز سارة في كتفها بعد ادعاء الثانية النوم.
هناء بإلحاح: سارة، أنت يا بت.
أزاحت سارة الوسادة، وهي تتمطى وتضع يدها على فمها بتثاؤب.
سارة: في إيه البيت بيولع؟!!!
هناء: أنت نايمة مع أهل الكهف، أنت شفتي محمد لما جه.
سارة وهي تدعي الجهل: إيه ده، هو جه.
هناء وقد يأست من الاستفادة بأي معلومة منها: طب قومي يا شملولة، عشان توحة زمانها جابت الفول والطعمية، وجاية ولو ما لقيناش حضرنا باقي الفطار مش هيعرفوا يلموا أشلائنا.
ارتبكت سارة من كونها ستلتقي محمد بعدما حدث.
ماذا سيقول عنها إذا كان منذ قليل نعتها أنها قليلة الترباية، فماذا بعد ما كان سيحدث، لولا قدوم هناء.
سارة: لا يختي أنا مليش نفس، هأقوم أروح أكمل نوم في بيتنا.
وأسرعت تلتقط فستانها ترتديه على استعجال.
هناء: كل ده عشان ما تحضريش معايا الفطار، واطية واطية يعني.
خرجت سارة مسرعة من غرفة هناء.
بعد ما قامت هناء بإلقائها بأحد الوسائد ولكنها أخطأت الهدف.
أما عنه بعد ما دخل غرفته، أوصد الباب خلفه، أخذ يلعن نفسه بسبب ما كان مقدماً عليه.
منذ متى وهو بهذا الطيش والاندفاع؟!!
دائماً ما كان مثالاً للشاب الملتزم هو وللأسف لا يداوم على الصلاة، ولكنه لم يجرأ على محادثة الفتيات والتقرب منهن.
حتى وعد التي أحبها منذ أن وقعت عينيه عليها أو هكذا كان يهيأ له لم يحاول لمجرد المحاولة أن يصارحها بمشاعره، ولم يخطر بباله أن يكون بهذا القرب منها كما كان منذ قليل مع سارة صغيرته المدللة، وعد كانت من وجهة نظره حباً طاهراً بريئاً، حتى ولم تبادله، فهو لا ينتظر منها شيئاً، وهي من الأساس لم توعده بشيء، وحينما يشعر بانجذاب رجل لامرأة يكون هذا الانجذاب لمن تربت في كنفه، وعاملها كأخته الصغيرة، لكن ما أحسه بقربها منذ قليل، لا يشعر به الأخ تجاه أخته.
إذًا ما هي بالنسبة له إن لم تكن أخته؟!!
أكان ينقصه تخبطاً يكفيه ما هو عليه من ضياع.
أقنع حاله أن ما حدث خطأ، لا بد وأن لا يتكرر هي أخته، وانتهى الأمر.
طرقت هناء باب غرفته فأذن لها بالدخول: هناء إيه يا محمد من ساعة ما كنت متخشب في الصالة، وأنت قافل على نفسك الباب.
محمد بغضب من حشريتها: وأنت مالك؟!! حشرة مناخيرك في اللي ليكي فيه واللي ما لكيش فيه.
هناء: أنا غلطانة إني بطمن عليك، ويلا قوم، قبل الطعمية ما تبرد.
كان سينهض، ولكن عندما تذكر أنه سيلتقيها خجل من حاله.
إذا كانت هي صغيرة فهو الأكبر والأرشد، هو الذي كان يضع نفسه بمكانة الأخ الأكبر المرشد والحامي، الآن ماذا ستقول عنه؟!.
استغل الحالة التي كانت عليها من الضعف والانهيار بسبب كلماته اللاذعة، لا، لن يخرج.
محمد: ما تغلطيش تاني، وإيه اطمن عليك دي؟ أنا مش عيل صغير، وامشي يلا وخذي الباب في إيدك.
ما إن تذكر محمد ما حدث بينهم منذ قليل انتابته قشعريرة لذيذة، وهو يتخيل كأنه يستشعرها وهي ذائبة بين يديه.
ماذا لو تأخرت هناء دقيقة واحدة، فقط واحدة.
عند ريان ووعد.
بعد ما أشار لها أن تتبعه إلى داخل الفيلا، وهي صارت خلفه مجبرة.
حتى لو هي محتجزة هنا دون إرادتها، فهي لا تنكر إنه وسيم، نعم وسيم وله هالة خاصة به مزيجاً من القوة والصرامة، والكثير من الوسامة والجاذبية، وتلك العينين التي اقتحمت أسوارها العالية.
فهي لم تكن يوماً بهذا الاندفاع، كان العديد من شباب الجامعة يسعون إليها، يرجون نظرة من عينيها، يريدون لفت انتباهها، ومحمد على رأس تلك القائمة.
لكنها أبت أن تبتذل مشاعرها في علاقات عابرة.
كما أن شباب الجامعة في نظرها مجرد صبية حتى من كان يسبقها ببضعة أعوام، عندما رأته علمت لما لم ترى غيره في السابق، فرجل يعني ريان.
ما إن وصلوا إلى داخل القصر، أصدرت معدتها صوتاً ينم عن الجوع وما كان منها إلا أن قالت بصوت وصل إليه: وبعدين بقى، أنا معدتي ابتدت تصوصو من قلة الأكل، طب أقول له جعانة، ولا هتفضح، ويفضل بقى سين وجيم.
عندما استمع إلى ما قالت آلمه قلبه على تلك الحمقاء، لمجرد إحساسها بالجوع، فماذا لو أرادت الابتعاد عنه.
ريان مستدعياً إحدى العاملات التي يعملن بقصره، وبالطبع يجيدن الإنجليزية.
ريان للخادمة: Get me lunch and ask her if she wants to eat.
وعد متمتمة: ينصر دينك يا شيخ.
أما الخادمة فلم تهتم بسؤالها، ستحضر الطعام، وإذا أرادت مشاركته فلتفعل، فهي على علم بسيدها من توجيهات مدير أعماله إنه يجيد عدة لغات والعربية واحدة منها، حتى لا تزلق لسانها أو لسان إحدى الخادمات بكلمة خاطئة تثير غضبه ظناً منهن أنه لا يتحدث العربية، فتصبح في خبر كان.
ريان لا يتهاون ولا يحب كثرة الحديث.
انصرفت الخادمة على عجالة تنفذ ما أمرها به، ولم تهتم بسؤالها فإذا كانت ضيفته فلا بد أنها تعرف الإنجليزية، وإن لم تجدها فلا بد أنه دعاها بالعربية لتناول الغذاء معه لذلك هي هنا، فالخادمة لم تعرف ما دار بينهما في الحديقة ولا تهتم لمعرفته.
أحضرت الخادمة الطعام ووضعته على المائدة الفاخرة بقصر سيدها، وبعد ما انتهت أخبرته باحترام: Lunch is ready mister rian.
أشار ريان للخادمة بالانصراف واستقام من مجلسه، وهي لازالت تقف في مكانها.
ابتعد عنها عدة خطوات.
وعد: يا دي النيلة، هو مش هيعزم عليا عزومة مراكبية حتى.
استدار برأسه لها وهو ما زال مولياً لها ظهره، وأشار إليها أن تتبعه.
وعد: يااااه يا حاج، أنا افتكرتك نسيتني، أصيل يا أبو رحاب، فحين نفخ هو بغضب، وراك أهو يا كبير.
هز رأسه يأساً من سليطة اللسان تلك ومن جنونها، ومن رحاب هذه، هو لم يتزوج لينجب.
حاج، كبير؟
تلك الكلمتين اللتان استرعتان انتباهه.
هي تبدو صغيرة بالفعل ولكن هل يبدو لها كهلاً، هرماً..؟!
إذا انتظري وعد سأريك ماذا سيفعله ذلك الهرم.
دخل ريان إلى غرفة الطعام وجلس على كرسيه بشموخ لا يليق إلا به.
ماذا؟ لم يدعوها هو الآخر فإن جلست في حين أن الخادمة لم تسألها عن رغبتها بتناول الطعام، وهو لم يأذن لها بذلك، سوف تنكشف أمرها.
هو رغم ألمه لإحساسها بالجوع إلا أنه أراد معاقبتها على كلماتها التي فسرها هو بأنها تراه كبير بالسن.
تناول الشوكة ودسها في طبق الاستيك يلتقط منه قطعة كبيرة، وضعها في الطبق الذي أمامه، وأخذ يقطعها قطعاً صغيرة.
وعندما وضع قطعة منها بفمه أصدر صوت همهمة ينم عن استمتاعه بمذاق الطعام، إلى جانب رائحته الشهية التي التقطتها أنفها، فسالت لعابها، وبدأت تلعق شفتيها بلسانها في حركة تلقائية تنم عن شدة جوعها.
أما هو يراقبها باستمتاع وما إن قامت بتلك الحركة حتى ألقى الشوكة التي ب
رواية وعد ريان الفصل العاشر 10 - بقلم اسماء حميده
كانت التي يظنها أمه توليه ظهرها تجلي ما في الحوض من أطباق. عندما لم تجيبه، ظن عدم ردها أنها غاضبة عليه، فأراد أن يزيد من تدليلها حتى تسامحه وتبادله الحديث. ضمها أكثر إلى صدره وهو يطبع قبلة على خدها.
مصطفى: ما خلاص يا أماّه بقى، كان عندي مصلحة على السخان كده بخلصها، وبعت لك الواد جنش.
همس وداخلها يرتجف، وخافقها تجمد، وعقلها توقف عن العمل. ولكن لا بد أن توقفه عند حده، فمن يظن نفسه.
لفت وجهها إليه ولازالت ذراعيه قابضة على خصرها. جحظت عيناها عندما كان يهم بطبع قبلة أخرى على خدها، فكادت شفتيه تلامس خاصتها عند استدارة وجهها إليه.
تيقظ عقلها سريعًا وابتعدت برأسها عنه قبل أن يلثم شفتيها.
أما هو، عندما ضمها إلى صدره بقوة، لم يكن يضمها هي. هو عندما دخل خلسة إلى المطبخ ورأى التي تعطيه ظهرها بملابس والدته، بل وبأحد أغطية الرأس التي اعتادت والدته على ارتدائها في البيت، فطوق خصرها بذراعيه. ولكنه تعجب من طراوتها ونحافة جسدها، فلم يعلق، ظنًا منه أنها تجهد نفسها في العمل. فلابد أن يتحدث معها مرة أخرى، فهي تأبى ترك أمانة صديقتها. كما أن الجلباب فضفاض لا يرسم منحنيات تلك الأميرة عكس ما رآه عليها صباحًا.
لم يخطر بباله ولو لثانية أن من جاب المنطقة بأكملها وضواحيها، في منزله تقف في مطبخهم تجلي الأطباق. أي هزي هذا؟!!
لابد وأن العامل بالمقهى وضع له شيئًا في الشاي، ربما حبوب هلوسة. ولكنه استبعد هذا، فهو لم يلتقيه من قبل، فلماذا عساه أن يقدم على فعلة كهذه؟!! إذا هو من كثرة انشغاله وتفكيره بها أصبح يراها في كل الوجوه، حتى وجه أمه.
أما التي كان قابضًا على خصرها، وبعد أن استدارت برأسها ورآها، خشي أن تتبخر من بين يديه كما كان في الصباح ولم يجدها، فأحكم قبضته عليها بعد أن أدارها إليه، فأصبح وجهه مقابلًا لوجهها يطالعها بحنين. كما وجد ضالته المنشودة، أو كعشق سلبت منه حبيبته فصال وجال حتى عادت إليه.
أيعقل أن يكون عشقها من أول نظرة. لا، هي جنيته التي عادت من أجل أن تأخذه إلى عالمها. إذًا، هي ليست أنسية كما اعتقد. وهو ظل يبحث عنها طيلة النهار والآن تشاكسه حتى يهيم بها، فمرة تظهر له في الظلام، ومرة تتشكل في زي أمه.
أفاق من شروده اللحظي بعينيها وهي تضع كفيها على صدره كسد حائل بينه وبينها، وتبتعد برأسها عن وجهه.
همس وهي بين يديه تدفعه بقوة:
همس: أنت لو ما بعدتش عني أنا هصوت.
لازالت تدفعه عنها، ولكن لصلابة جسده لم تزحزحه إنشًا واحدًا عن موضعه. ومن كثرة مقاومتها له وتهديدها بالصراخ، تدافعت الأفكار إلى رأسه. لو كانت جنية من الجن العاشق، لكانت أكثر من مرحبة من هيمناتها عليه، وانجذابه لها. وإن أغضبها فلن يستعصى عليها شيء، تستطيع إيذاءه بسهولة، ولم تبقى هكذا في أحضانه تنتفض دافعة له وتهدده بالصراخ.
إذا هي ليست جنية وهو لا يهلوس، وهي بالفعل بشر مثله، وهنا في بيته. لكن، من هي؟!!!
همت تفتح فمها لتصرخ، فدفعها للخلف، حتى ارتطمت بالحائط. فأصبح المشهد كالتالي: يد على فمها، ظهرها للحائط، ويده الأخرى يستند بها إلى جانب وجهها على الجدار محتجزًا إياها بينه وبين الحائط.
مصطفى: وعندما استشعر ملمس شفتيها على باطن يده، سرت بجسده رجفة كالماس كهربائي مصدره هي. اقترب منها حتى كادت شفتيه تلامس شحمة أذنها.
مصطفى: أنا هشيل إيدي بس لو صرختي، أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل.
أومأت هي رأسها برعب حتى يبعد يده عنها. بالرغم من أن السيدة نجوى هي من عمدت على رعايتها وتربيتها هي ووعد، إلا أنها لم تره من قبل. من حديثه علمت أن هذا هو مصطفى، ابن السيدة نجوى ومن تدعوها "مامي".
ولكن ألم تكن السيدة نجوى دائمًا ما تشدو بأخلاق ابنها وتربيته وشهامته واحترام الناس إليه. فعندما توفت والدتها، كانت وعد بالثانية عشر من عمرها، وهمس بالعاشرة من عمرها، وكان مصطفى يكبرهما بعشرة أعوام، أي كان في العشرين من عمره. فقد كانت نجوى تعمل في بيت جدها لأمها، وكانت تكبر أمها بعامين. كانتا صديقتين، فلم تكن علاقتهما كابنة رب عملها والخادمة، بل مثل شقيقتين. وعندما خطبت نجوى، كانت ليلى والدة همس ووعد لازالت لم تتزوج بعد. كانت ليلى تشتري لنجوى من مصروفها الخاص الكثير مما يلزمها للزواج، وعندما كانت تذهب لشراء أشياء خاصة بها كملابس أو غيرها، تحضر من كل شيء اثنين، واحدة لها والأخرى لنجوى. وعندما توفت ليلى وتركت بنتيها أمانة في عنق نجوى، وللحق كانت نجوى خير من يؤتمن.
وفي هذا الوقت، كان أشدها تأثرًا بوفاة الأم هي الرقيقة همس. قد كانت همس تخشى المبيت وحدها، فكانت تغفو كل ليلة في أحضان نجوى وهي تحكي لها عن مصطفى، وأخلاق مصطفى، وشهامة مصطفى، ومواقف مصطفى الكثيرة مع أهل منطقته منذ أن كان بالعشرين من عمره، حتى باتت همس تتخيله وترسم له صورة رائعة ليست كحبيب، ولكن كشخصية لأحد الأفلام الأسطورية. أما هذا الذي تراه أمامها لا يمت للصورة التي في خيالها بصلة.
سامحك الله يا مامي نجوى، هذا هو الشهم الجدع حامي الحمى، إنه وقح. ولكن حتى تكون منصفة، هو أوسم من الصورة بكثير، أطول قامة، أشد صلابة، وحسب.
استكمل مصطفى بعد أن ابتعد برأسه قليلًا عنها وما زال ناظرًا إلى وجهها يتشرب ملامحها.
مصطفى: أنت مين؟!! وإيه اللي جابك هنا؟!!
في هذه الأثناء جاءه صوت أمه وهي تقول:
نجوى: همس يا همس، خلصتي يا حبيبتي.
إذا هي همس ابنة السيدة ليلى رحمة الله عليها. ابتعد مصطفى عنها ببطء خارجًا من المطبخ متوجهًا إلى مصدر الصوت، وتركها تقف مكانها ولم تتحرك خطوة تستند إلى الحائط بوجه يكسوه حمرة الغضب من أفعاله، وكذب نجوى عليها.
عندما رأته نجوى، أشاحت بوجهها عنه، لا تريد محادثته.
مصطفى وقد تبدل حاله عن الصباح والبهجة تملأ مقلتيه:
مصطفى: أنت لسه زعلانة مني يا نوجا.
وأسرع يقبل رأسها ويديها.
مصطفى: خلاص بقى يا أماه، حقك على راسي، كان في مصلحة حلوة كانت هتطير مني، بس ربك رب قلوب. ادعي لي يا أماه يبقى ليا قسمة فيها.
لأن قلب نجوى لفلذة كبدها، ابتسمت في وجهه داعية له.
نجوى: ربنا ينولك اللي في بالك يا ابن بطني.
أمن مصطفى على دعائها بلهفة. جذبته نوال من ذراعه ساحبة له خلفها.
نجوى: تعالي أما أعرفك على همس، بنت إيه حكاية.
أجابها في داخله: ومين قال حكاية. زغرطي يا أماه، ابن جه على بوزه.
دخلا الاثنان إلى المطبخ.
نجوى لهمس: تعالي يا هموسة، هاعرفك على مصطفى.
مصطفى وهو يناظرها بابتسامة لعوب:
مصطفى: كده برده يا أماه مش تقولي إن عندنا ضيوف، عشان أعمل معهم الصح.
وغمز لها بعينه وهو يلاعب حاجبيه في غفلة من والدته. أما هي، بادلته الابتسامة اللعوب بأخرى ساخرة. "هيعمل معهم الصح". عن أي صح يتحدث، وهو الخطأ بعينه.
مدت يدها مرغمة تصافحه بأطراف أصابعها، فابتلع كف يدها في كفه العريض، يسلم عليها بحرارة كأنه التقاها للتو وكأنه يعرفها منذ زمن.
مصطفى: نورتينا يا آنسة همس.
همس وهي تجذب يدها من كفه بقوة:
همس: هاي.
نجوى لمصطفى وهي تلتفت خارجة من المطبخ:
نجوى: تعالي ورايا يا مصطفى، عشان تلم حاجاتك من الأوضة تنزلها الشقة اللي تحت.
مصطفى وهو يجز على أسنانه فقد أراد أن يجاور القمر، أما الآن، تحطمت كل أحلامه، فهو سيسكن شقة البدروم.
مصطفى: جاي وراك يا أماه.
واقترب منها، فأخذت تتلفت حولها تلتقط أحد السكاكين بيدها، فأسرع يقبض على معصمها مقربًا السكين نحو صدره من جهة اليسار في إشارة منه إلى قلبه.
مصطفى وهو يناظرها بنظرة هائمة:
مصطفى: اعتبريها غرزت هنا.
وعادت الابتسامة اللعوب على وجهه قائلًا:
مصطفى: وبعدين ما تخافيش، كفاية عليك حضنين النهارده.
وتركها تسبه في سرها، خرج من المطبخ، وما إن خرج حتى رمت السكين من يدها. وبصوت عالٍ نسبيًا:
همس: وقح.
قفز برأسه لها من خلف جدار المطبخ وهو يشير على خده غامزًا.
مصطفى: حضنين وبوسة، وبعدين لمي لسانك شوية.
دخل مصطفى إلى غرفته يلملم متعلقاته، فوجد ملابسها معلقة على مشجبه. أخذ قطعة منها يستنشق عطرها كأنه إكسير الحياة. وهبط بنظره لجوار السرير، وجد حذاءها على الأرض. جلس على عقبيه ينظر إلى فردتي الحذاء يحدثهما:
مصطفى: إمتى هتركني جنب جزمتي بالحلال، هاتها جمايل يا رب.
جمع أشياءه وهبط إلى شقة البدروم، بالرغم من حزنه لأنه لن يبيت في نفس الشقة. فهو سيد من يعرف الأصول.
بعد ما وضع أشياءه في الشقة بالأسفل، خرج من البناية مسرعًا ليغلق المحل مع والده الذي سيسكن معه شقة البدروم حتى يتركوا الفتيات على راحتهن. أراد أن يغلق معه المحل ويعودا للمنزل سويًا لتناول الطعام في الأعلى مع زوجة المستقبل. نعم، فسيجعلها تحبه، سيفعل المستحيل، هي له وحسم الأمر.
وأثناء توجهه إلى المحل، اقترب منه أحد جيرانه في المنطقة ويدعى عبد الرحمن.
عبد الرحمن: مسا مسايا درش.
مصطفى وهو يشع بهجة:
مصطفى: أحلى مساء يا عبود.
عبد الرحمن: بأقول لك يا زميلي، هي مين الحتة اللي كانت مع خالتي نوجه الصبح؟
مصطفى قد تبادلت ملامحه إلى الغضب وعيناه تحاكي الجحيم، قابضًا على عنقه من الخلف جاذبًا إياه إليه.
مصطفى: ماتحسن ملافظك يا زفت، وبعدين يخصك في إيه؟!!
عبد الرحمن: في إيه يا زعامة؟!!!! ما لك، أنا قصدي شريف.
مصطفى بغضب:
مصطفى: بلا شريف بلا خفيف، ومالكش دعوة بيها لأنها تخصني.
عبد الرحمن رافعًا يديه باستسلام:
عبد الرحمن: أسفين يا ديشة، وعلى العموم مبروك يا غالي.
انصرف مصطفى من أمامه متوجهًا إلى والده في المحل.
مصطفى: السلام عليكم يا حج.
الحاج زكري: وعليكم السلام يا ابني.
مصطفى: يلا بينا يا حاج عشان هنتغدوا مع أمي والضيوف.
الحاج زكري وهو يحك ذقنه بيده:
الحاج زكري: بأقول لك يا مصطفى، هو الولد جنش راح عندنا البيت النهارده.
مصطفى متذكرًا أنه هو من أرسله هناك لتركيب السرير. ماذا؟!! هل رآها هو الآخر؟
مصطفى مستفسرًا وهيئة والده تدل على أن هناك خطبًا ما ويعرف أن هذا الأمر يخصها.
مصطفى: أيوه يا حاج، ليه في حاجة.
الحاج زكري: أصلو جاي بيسألني عن الضيفة، وقال عايزني أكلم أمك عشان تجسس له النبض.
هو وقد هم خارجًا من المحل وغضب العالم يستحوذ عليه من كلام أبيه، عن كون جنش يريد خطبتها.
الحج ذكري: رايح فين يا مصطفى.
مصطفى: هاوقف له النبض اللي عاوز يجسه، وهاقطع له الحرارة.
خرج محادثًا نفسه: إحنا هنبتديها عبد الرحمن طلبها، وجنش عاوز يجس النبض، ده بينه هيبقى مرار طافح.
وعندما عاد مصطفى إلى المنزل، دون أن يرجع إلى والده للعودة سويًا. وبمجرد وصوله إلى المنزل كانت المفاجأة.