تحميل رواية «و قبل أن تبصر عيناكِ» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة. اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا...
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم محمد
أخيرًا .... إنه يوم الزفاف.. بعد طول انتظار.. وترقب... وأجواء من القلق والاضطراب على مدار أسبوع كامل! اليوم تضع اللبنة الأخيرة... اليوم ينال كلٌ مآربه فيرضى أو يشقى!
لا يزال السرادق الضخم مقامًا منذ ليلة الحناء، فقط تم إضافة زوج من الآرائك لأجل العرائس، وبدأت تجهيزات أخرى حتى يتسنى للرجال والنساء معًا الحضور بنفس المكان ولكن بشكل منفصل.
في جهة أخرى، داخل منزل العائلة وبشقة الجدة "دلال" لم يكف المرح والفرح منذ بكرة الصباح. تجلس الجدة متربعة فوق أريكتها الوثيرة، تضع الدف بحجرها وتدق عليه بإيقاع يطرب ويجبر خصور الفتيات على الرقص بلا هوادة.
كانت البهجة على أشدها هنا، ونساء العائلة يشرفن على ضيافة الأهالي سواء هنا أو بالخارج. وحدها "هانم" التي بقيت إلى جوار "دلال" لتعتني بها. فإذا بـ"عبير" زوجة "عبد الله الجزار" تأتي وتطلق زغرودة قرب أذنها في باردة مازحة.
"لولولولولولولولولولولولولولولي. مبروك يا أم العريس!" هتفت "عبير" وهي تنحني لتحتضن "هانم" وتقبلها على خديها.
ابتسمت "هانم" وهي تبادلها العناق الودي قائلة بغبطة حقيقية:
"الله يبارك فيكي يا عبير. ما هو مصطفى ابنك برضه. مبروك ليكي انتي كمان يا أختي يا حبيبتي."
رمقتها "عبير" بنظرة ممتنة وقالت:
"تسلمي يا غالية. عقبال ما نشوف عوضهم. الليلة الجزارين كلهم بيفرحوا.. ربنا يتمها على خير يا رب."
"ما سمعتكيش بتبركيلي على رزق يعني يا عبير؟!" قالت "دلال" هذه العبارة بلهجة مقتضبة تكنف تحذيرًا ضمنيًا.
نظرت إليها "عبير" وقالت في الحال:
"يلهوي ياما بتقولي إيه بس. ده كله إلا رزق. ده الغالي يا ست الكل. اصبري عليا النهاردة حالفة ما حد يبخره على الزفة غيري. ده أنا هارقصله لوش الصبح وهفرق الشربات بإيدي. كلهم عيالي يا ما أنا ماشوفتش غيرهم. حتى ليلة كأنها حتة مني!"
تراجعت "دلال" في هذه اللحظة عن موقفها المتحفظ تجاه زوجة ابنها وقالت بلطف:
"إن شاء الله يفرحنا كلنا بيهم يا عبير."
"ويخليكي لينا يا ما!" وأمسكت "عبير" بيدها لتقبلها.
ثم ذهبت لتقضي حوائج المنزل وتباشر واجب الضيافة مع البقية.
"هما هايوصلوا إمتى يا هانم؟"
التفتت "هانم" نحو الأم الكبيرة وأجابت سؤالها بهدوء:
"لأ يا ما ده لسه بدري على العرايس. شغل الكوافيرات ده والحمامات والتكييس والأفران دي مواويل كبيرة أوي."
"طيب والبنتين يتسابوا كده إزاي لوحدهم. كان حق واحدة فيكم تروح معاهم. ما يصحش يا هانم."
"ما تقلقيش يا ما سالم بعت وراهم حراسة بالزفة. انتي ناسيه إحنا مين يا حاجة.. أول ما يخلصوا رجالتهم هايروحوا يجيبوهم."
ضمّت "دلال" فمها قليلًا ولم تهضم الكلام، لكنها مررته في الأخير وتساءلت:
"اومال فين البت سلمى؟"
وهنا بالضبط انطلق صوت صراخ وعراك شديد. تبينت "هانم" في ثوانٍ وجود صوت ابنتها فيه. لم تكن ابنتها فحسب...
"أهي جاوبت عليكي بالسلامة!" تمتمت "هانم" وهي تنهض ساحبة وشاح رأسها حول وجهها استعدادًا للمغادرة نحو مصدر أصوات العراك.
"ده صوت سلمى ومصطفى!!" علقت "دلال" مشدوهة.
أومأت "هانم" وهي تقول بتبرم:
"ما يبقاش مصطفى لو ما نكدش على نفسه وعلى الكل."
"دلال بغضب: الله يجازيهم عيال. حتى في اليوم ده بيتخانقوا. اطلعي شوفيهم ولو ماسكتوش أنا بنفسي هاكلم أبوهم.. إيه هو ده. بقت سايبة خلاص!!!"
تركتها "هانم" قبل أن تنهي حديثها وانطلقت للطابق العلوي من فورها.
في شقتها، كان الباب مفتوحًا، وكلما اقتربت اتضح صوت العراك أكثر.. حتى وصلت إلى غرفة ابنتها.
ورأت الآتي؛
نجلتها الصغيرة بين يدي أخيها الكبير وهي ترتدي ثوبها عاري الكتفين الذي فصلته خصيصًا من أجل الزفاف، وقد كان "مصطفى" يطبق عليها بيديه القاسيتين مبعثرًا إياها وهو يوبخها بشدة.
"لو مش مصدقني روح اسألها. أمي عارفة وشافته. سيبني بقااااااا منك ليها هي. سيبني والله هاقول لابوياااااااااااااعععع"
"وكمان بتناطحي فيا يا قليلة الرباية. وعايزة تقولي لابوكي؟ قوليله يا أختي. ابقي شوفي مين ها يسيبك تلبسي المسخرة دي تحت. قسمًا يمين بالله لاكون كاسر رجلك دي.. يا سافلة!!!"
وناولها بصفعة عنيفة انتزعت منها صرخة وبكاء أقوى بكثير.
"مصطفى!!!!"
جمدت زعقة "هانم" الأجواء لمدة ثانية، قبل أن تهرع نحو ابنها وابنتها لتخلص الفتاة من بين يديه مغمغمة بغضب مستطير:
"انت اتجننت. بتمد إيدك على أختك تاني وبالطريقة دي.. أبوك حذرك ترفع إيدك عليها. سيبها يا واد!"
وفلحت بعد مجهود مضنٍ بتحرير "سلمى" من أخيها، ثم وقفت بينهما موشكة على التحدث من جديد، لكن "مصطفى" يحبطها فيقول أولًا بصوته الخشن:
"البت دي ناقصة تربية. ولو بتهتيني بأبويا ف لما أشوفه. الكلام اللي ها يسمعه مني ها يعود عليكي انتي بالبطال يا ما."
"هانم بذهول: انت بتتكلم على مين كده يلا انت؟ وهي كانت أختك عملت إيه أصلًا لكل ده؟!"
ولم تنتظر جوابه واستدارت نحو ابنتها متسائلة:
"عملتي إيه يا سلمى انطقي؟؟؟"
مرة ثانية قاطعها باستهجان:
"وكمان هاتعملوا أفلام عليا. انتي تسأليها عملتي إيه وهي من شوية تقولي أمي عارفة!!"
"عارفة إيه يلا؟!!!" صرخت فيه وعاودت النظر بوجهه بقوة.
"مصطفى بتهكم نزق: الهباب اللي لبساه على جسمها ده. قال عايزة تلبسه في الفرح. ولما قولتلها عيب يا ماما انتي كبرتي وده عريان مش ها ينفع تقوم رادة عليا وببجاحة تقولي أمي هي اللي مفصلاه عشاني ومالكش دعوة انت."
وكأن سرد التفاصيل بمثابة البنزين الذي أوقد نيرانه من جديد، فتطلع إلى أخته وأراد مهاجمتها ثانية وهو يصيح بينما يعلو صراخ أخته وأمه التي تحول بينهما بتصميم:
"السافلة بتقولي أنا مالكش دعوة. وحياة أبوكي لأربيكي. هدغدغك يا سلمى.. هاكسر عضمك ده إنهارد آ ا ..."
"إيدك يا مصطفى!" جاءت هذه العبارة على حين غرة هكذا مطبقة بصمت ثقيل على الغرفة.
كان قائلها معروفًا دون الحاجة للنظر إليه، ولكن ما لبثت النظرات أن أحاطته.. وقد "رزق"... بالطبع "رزق".. أتى بالوقت المناسب ليقف فوق رأس أخيه الأصغر ويلتقط من الهواء يده قبل أن تصل إلى "سلمى" تمامًا.
وكأنها معجزة تحققت، وكأنه ملاكها الحارس، ابتهجت "سلمى" فور رؤية أخيها الكبير وازداد بكاؤها في آن وهي تترك أمها وتختبئ خلف ظهره متشبثة بكتفيه كما لو أنه درع حماية لها.
"مش عيب عليك تبهدل أختك الصغيرة بالشكل ده؟" نطق "رزق" بقتامة وهو يعتصر معصم أخيه بقبضته الفولاذية.
"المفروض الإيد دي تصد عنها أي حاجة ممكن تئذيها.. مش هي اللي تئذيها وتتمد عليها يا أخوها!"
يسحب "مصطفى" يده من قبضته بعنف صائحًا:
"وانت مالك انت أصلًا!!!!"
تتدخل "هانم" في الحال قبل أن يتفاقم الوضع بينهما وهي تقول بحزم موجهًا لـ"رزق":
"مصطفى بيأدب أخته يا رزق.. دي حاجة محدش يقدر يغلطه فيها."
رد عليها "رزق" بجمود دون أن يحيد بنظراته الحادة عن أخيه:
"أخته دي تبقى أختي برضه يا مرات أبويا. واللي أنا واثق منه إنها مؤدبة أصلًا. ثم لما توصل الأمور لكده هي ليها أب لسه عايش على وش الدنيا. وزي ما أنا فاكر أبويا حذر أي حد يرفع إيده على سلمى.. حتى انتي يا مرات أبويا!"
رفعت "هانم" أحد حاجبيها قائلة بغل دفين:
"لأ يا رزق يا حبيبي أبوك لو واقف هنا دلوقتي مش ها يعجبه كلامك. البت لما تغلط غلط صريح يبقى تتربى في ساعتها مش تتساب زي قوالتك!!"
"رزق عابسًا: طيب أعرف كده هي غلطت في إيه. جايز أنا مش بفهم فعلًا!"
"العفو يا حبيبي انت فهمان وزي الفل!" ثم أشارت خلفه إلى ابنتها وما ترتديه مكملة:
"بص كده هي لابسة إيه.. أنا طبعًا بعترف إنها غلطتي. لما وافقت على الفستان ده كنت فاكرة هايطلع حاجة تانية عليها. بس زي ما انت شايف والبنات بتفُور بسرعة. ما شاء الله عليها."
"وريني كده يا سلمى!" قالها "رزق" وهو يضم يديه أمامه ويلتفت قليلًا لينظر إلى ما ترتديه أخته.
كان مجرد فستان سماوي اللون، محتشم وطويل، لكنه عاري الكتفين بقصة الفراشة ليعطيه طابع الأميرات اللاتي هي مولعة بهن منذ نعومة أظافرها.
"ماله بقى الفستان مش فاهم؟" علق "رزق" بهدوء أثار استفزاز "مصطفى" فورًا.
لينفجر به بفجاجة:
"انت كمان أعمى ومش شايف؟ ولا طلعتلك قرون ولا إيه حكايتك بالظبط؟؟؟؟"
"رزق بحدة: احترم نفسك يلا. أنا أخوك الكبير. ماتنساش نفسك.. ولا نفسك تتروق يوم فرحك. أؤمر!"
وقرقع أصابع كفيه في إشارة تحذيرية خطيرة.
فإذا بـ"هانم" تحل بالوسط مهدئة ابنها أولًا:
"خلاص يا مصطفى. إحنا نسيب الموضوع لابوك وهو يتصرف. انت ورزق مالكوش دعوة فعلًا. وبعدين انت فرحك الليلة يا ابني مش معقول هانقضي اليوم خناق.. إحنا اتحسدنا والله..."
ثم التفتت نحو "رزق" مضيفة على مضض:
"مش هي أختك برضه؟ خدها بقى في إيدك لابوك بمنظرها ده وقوله اللي حصل. إن رضي تنزل من البيت كده كلنا راضيين!"
أومأ "رزق" وهو يقول ببرود:
"صح كده.. عداك العيب. يلا يا لوما تعالي معايا!"
واستدار مطوقًا كتفي أخته وسار بها للخارج تحت أنظار أمها وأخيها القادحة شرارًا ومقت عظيم.
"أخوك رزق ده عامل زي حباية الترامادول بالظبط!" قال "علي" هذه العبارة وهو يميل قليلًا صوب "حمزة".
"يقدر يسجد أي حد بكلمتين.. حتى لو كان كينج كونج زي أبوك كده."
كانا الشابين متأنقين كحال الجميع في هذه الساعة المبكرة من أمسية الزفاف.
لقد ذهب الأخوان ليحضرا العروستين، بينما ظل البقية هنا بالانتظار، حتى "سالم".. ها هو يخرج عبر باب المنزل مستقبلًا تنهيدات الضيوف.. بينما ابنته الوحيدة تتأبط ذراعه شخصيًا وقد كانت ترتدي ذات الثوب الذي نشب بسببه خلاف بين أخويها تم تصعيده للوالد.
وكالمتوقع.. ربح "رزق" بوجهة نظره.
"قصدك يعني عشان سلمى مشت اللي في دماغها؟" تساءل "حمزة" وهو ينظر تجاه أبيه وأخته الآن.
"مصطفى هو اللي كان محبكها وبيتلكك يا ميزو. أصل أنا مش شايف الفستان في حاجة الصراحة.. وبعدين سلمى لسه طفلة أصلًا مين ها يبصلها."
"طفلة!!!" هتف "حمزة" باستنكار وهو يلتفت إليه.
أكد "علي" قائلًا:
"أيوه يا ابني طفلة. دي يدوب 14 سنة. واللّيلة دي فرح إخواتها وبنات عمها.. ماتستاهلش تفرح شوية وتلبس فستان بسيط زي ده؟
وعلى فكرة برضه أبوك لو كان شايف الفستان في حاجة ما كانش وافق رزق على كلامه."
لوى "حمزة" فمه للجانب مفكرًا بكلماته للحظات، ثم نظر من جديد صوب أبيه وقال:
"والله يا علي أنا ساعات كتير بقف مبلم قصاد علاقة أبويا برزق.. بس عكس الكل مش بضايق. إنما بستعجب.. تحس كأن حوت طوّع قرش. الاثنين دماغهم واحدة وأنشف من بعض.. بس دائمًا يلاقوا طريقة ويتفقوا وعمر ما واحد فيهم ساب الثاني مهما حصل!"
ابتسم "علي" مبهورًا بإجادة الفتى الذي لم يبلغ العشرين بعد وصف العلاقة التي تربط بين أبيه وأخيه.
رفع يده وقال رابتًا على كتفه:
"هو ده رزق يا حمزة.. سر سالم الجزار اللي محدش ممكن يفهمه بالظبط حتى لو حاول طول عمره!"
وفجأة ساد الصمت لوهلة، لتسكت مكبرات الصوت وتحل بدلًا منها الطبول والمزامير معلنة وصول العرائس.
"دول وصلوا!" هتف "حمزة" وقد أشرق وجهه بلحظة متناسيًا كافة شيء الآن.
ترك ابن عمه وسبقه مهرولًا تجاه الموكب الذي برز في هذه اللحظة عند بداية السرادق على امتداد البصر.
صدرها يؤلمها، من شدة وعنف خفقان قلبها الذي ما برح يرفرف بين ضلوعها منذ بزغ أمامها كبدر التمام. اللعنة!
لقد اعتادت دومًا ألا تظهر أي أهمية لمظهره ووسامته التي لا غبار ولا جدال عليها، ماذا حدث الليلة؟ إذ رأته بعد أن تجهزت وصارت عروس في بهو مركز التجميل الشهير.
جاء وولج عبر الباب العملاق بحلته السوداء كليًا، وتسريحة شعره الناعمة، ولحيته التي خففها قليلًا لتبرز أدق تفاصيل جماله.. وكل هذا شأن... ونظرته لها شأن آخر.
لا تعلم ماذا صار لهما معًا، وكأن أحدهما يذوب بالآخر كلما التقت نظراتيهما، وعندما لامست أيديهم.. لحظة وصوله أمامها، حين مد لها يده التي حملت باقة الزهور البيضاء اليانعة لتتمم مظهرها كعروس، وقد كانت مذهلة بحق... مثالية كما يقال.
بثوبها الرقيق غير المتكلف، والذي احتضن قدها النحيل المثير بانسيابية رائعة، وشعرها البني المائل إلى السواد قد أطلق حرًا بنعومة حول وجهها، وأخيرًا زينتها الرقيقة... تكاد ترى بالعين... لم تساهم تلك الزينة بشيء سوى بإبراز ملامحها الشرقية الجذابة فقط.
رسميًا وبإجماع النظرات والهمسات المعجبة، فإن "ليلة" قد سرقت البساط من تحت قدمي "فاطمة".. مع إن الأخيرة كانت جميلة أيضًا.. ولكن بقى جمالها طفولي بالمقارنة بجمال "ليلة" الناضج.
ولكن في عالم موازٍ، بالنسبة إلى "ليلة" شخصيًا، كان "رزق" هو البطل.. البطل الأسطوري الذي قرأت عنه بالحكايات.
"وصلنا يا عروسة!"
أفاقت "ليلة" من أفكارها على صوته الرجولي العميق.
تطلعت إليه فورًا، كان قد ترك المقود ونزل عن مقعد السيارة بجوارها، فهو قد استأجر سيارة مكشوفة تتسع لفردين فقط، مما أتاح لهما مزيدًا من الأريحية والخصوصية أيضًا. رأته يقف أمامها بعد أن فتح باب السيارة من طرفها.
مد لها كفه فنظرت إلى الكف الضخم ذاك لبرهة، ثم أجبرت نفسها على عدم إعادة النظر إلى وجهه ثانية لئلا تضيع ببيداء عينيه الزرقاء مجددًا كما حدث بمركز التجميل ويفضح أمرها.
أودعت يدها بكفه، فأطبق عليه باحتواء لطيف واجتذبها برفق محاوطًا إياها بذراعيه كما لو أنه يحميها من الهواء، وما كادت "ليلة" تلقي نظرة حولها حتى.. إلا وفاجأها الحشد الذي صار قريبًا جدًا منهما الآن!
هما بالمنتصف وعلى الجانبين صفان، فرقة الزفة من جهة، وأهل الحي وأفراد العائلة من الجهة الأخرى. هما بالمقدمة، و"مصطفى" و"فاطمة" ورائهما تمامًا.
وبينما تبدأ مراسم الزفاف وفقرات الفرقة ذائعة الصيت، تقدم "سالم" بابنته نحو "رزق" أولًا.. وبدون أي كلمة مد ذراعيه وعانقه بقوة أمام الجميع. ثم انتقل إلى عروسه وابنة أخيه... عانقها هي الأخرى وهو يهمس بأذنها:
"أبوكي ماشافكيش.. ولا حتى كان يعرف جنسك إيه. بس وهو بيموت على إيدي وصاني على اللي شالته أمك في بطنها أيًا كان. يارب أكون قدرت أحافظ على الأمانة.. ولازم و كفاية تعرفي إني سلمتك لأغلى حاجة في حياتي يا ليلة. مبروك يا حبيبتي!"
وأمسك برأسها ليبقلها بين عينيها.. ثم تركها ومضى ناحية ابنه الثاني وعروسه ليفعل المثل.
أما هي فظلت متجمدة محلها، مأخوذة بما قاله للتو، لا ينبغي أن تتأثر بحديثه البسيط إلى هذا الحد، لكنه وبطريقة ما نكأ جزء من جرحها الذي لا يزال ينزف، وتعتقد بأنه لن يكف أبدًا عن النزف، إنما يمكن أن تسكنه لبضع لحظات.. لا أكثر!!!
"ليلة!"
للمرة الثانية أفاقت من أفكارها على صوته، لكنه كان به نبرة قلق هذه المرة عندما لاحظ شرودها العميق والذعر الذي افترش محياها الجميل فجأة.
نظرت إليه بسرعة وابتسمت ببلاهة قائلة:
"عمي ده دمه خفيف أوي!"
"رزق بانزعاج: قالك حاجة ضايقتك ولا إيه؟ اطمئني محدش ممكن يتكلم بلساني."
قطبت حاجبيها وهي تقول:
"بتقول كده ليه؟ ما قالش حاجة على فكرة!"
"فعلًا! تمام.. طمنتيني."
وعلق مرفقها على ذراعه وشق بها الممر المفروش بورقات الورود، بينما بقيت ترمقه بغرابة.. لا ينقصها ألغاز، فماذا تراه يقصد هذا أيضًا؟
"رزق!"
استدار "رزق" نحو هتاف أخته الصغيرة، كانوا الآن وسط حلقة من الضيوف، على الاستعداد للصعود إلى المنصة التي صممت خصيصًا لعرضهم أمام الجميع.
"لوما! إيه الحلاوة دي يا برنسيس!!" واستقبل "رزق" أخته بين أحضانه هكذا.
احتضنته "سلمى" بشدة متجاهلة وجود "ليلة" كليًا وهي تقول بامتنان:
"أنا بحبك أوووي يا رزق. انت أحلى أخ في الدنيا بجد.. أنا بحبك أكتر من أي حد على فكرة."
ورفعت رأسها بشدة لتستطيع النظر بوجهه، فابتسم لها بحب وقال وهو يقرص خدها بمودة:
"وأنا كمان بموت فيكي يا قلبي. أنا عندي كام سلمى في حياتي.. هي واحدة بس. البرنسيس بتاعتي. مين يقدر يزعلك وأنا موجود؟"
تلقائيًا ذهبت نظراتها إلى الجوار، حيث شقيقها "مصطفى" يتلقى المباركات تارة باسمًا، وتارة واجمًا وهو ينظر مباشرة إليها شزرًا.. وكأنه يتوعدها.
"مصطفى بيبص عليا!" تمتمت "سلمى" مرعوبة وهي تخبئ وجهها في صدر أخيها الكبير.
لتشعر بلمسة يده المهدئة وهو يهمس في أذنها بثقة:
"إن شاء الله يتفلق يا حبيبتي. ولا يهمك. وبعدين حتى وإنتي واقفة بين إيديا كده قدام الناس كلها بالمنظر ده.. محدش يقدر يرفع عينه فيكي. إوعي تخافي أو تقلقي طول ما أنا معاكي."
تبسمت برقة وهي ترفع رأسها متطلعة إلى وجهه البهي الجميل، وقالت:
"طيب انت وعدتني.. هاتغنيلي بالتركي صح؟"
"رزق بابتسامته الأكثر جاذبية: و أغنيلك بالياباني كمان.. انتي تأمري يا قطتي!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم محمد
بعد إتمام عقد القران وقيام المأذون عن المسرح الذي شهد إعلان الزواج رسميًا، ها هو "رزق" يفي بوعده لأخته غير الشقيقة.
على أنغام الكاريوكي للأغنية التركية الأشهر (Erik Dali)، مضى يغني على مرأى ومسمع الحضور وهو يراقص أخته فوق المسرح. فتبادله الأخيرة بلا خبرة تُذكر، لكنها كانت مستمتعة ومبتهجة بشدة في آن لأنه لم يشعرها بقلة خبرتها أبدًا.
إذ أنه تقريبًا كان يحملها وهو يطوق خصرها بذراعه هكذا، ويمسك برسغها الآخر بيده الأخرى، يدور بها باحتراف ومرونة استمالت لهما النظرات المعجبة رغم غرابة المشهد بالنسبة للضيوف والاستنكار المبطن الذي طمر بصدورهم.
ولكن من بعيد، حول طاولة جلس إليها أفراد عائلة "السويفي"، أنداد عائلة "الجزار" المعروفين بالوسط الإجرامي مثلهم تمامًا.
كان رجلًا شيخًا على قدر من المهاب يجلس في رأس الطاولة وأولاده الذكور الأربعة يطوقونه.
أكبرهم وذراع أبيه الأيمن يُدعى "عاصم السويفي". عيناه لم تجفلا لحظة واحدة منذ رأى تلك الحورية الصغيرة التي راحت ترقص برشاقة طفولية بين أحضان أخيها.
ربما هذا ليس منطقيًا، آدميًا، ولكنه حقًا كان منجذبًا إليها على نحو مرضي.
لم يحصل له مثل هذا من قبل، كان شيئًا عجيب.
إن هي إلا فتاة لم تبلغ كمالها بعد، يحسبها البعض طفلة، لكنها في الوقت ذاته... حورية!
لا يمكن أن يجد وصفًا مناسبًا أكثر من ذلك.
كما لا يمكن أن يبقى محدقًا بها هكذا كالأبله.
"اللعنة!" صدحت بداخله.
هذه الفتاة له، إنها له، له هو.
لم ينتظر "عاصم" ثانية أخرى ومال صوب أبيه هامسًا في أذنه بصوته الخشن:
"هي دي يابا!"
نظر له الأب، "رضوان السويفي"، باستغراب بادئ الأمر.
ثم نظر حيث أشار له ابنه بعينيه، اتسعت حدقتاه لوهلة، ليعاود النظر إليه مرة أخرى متمتمًا:
"دي سلمى بت سالم الجزار. عاوز منها إيه ياض؟!"
"عايزها... عايزها هي." قال عاصم بجدية تامة.
رفع "رضوان" حاجبيه وهو يردد مشدوهًا:
"انت اتهفيت في عقلك؟ دي عيّلة صغيرة!!!"
ناطحه "عاصم" بلهجة متصبة صارمة:
"عيّلة إيه مهي فايرة قدامك. انت مش كنت عمال تزن عليا أتجوز؟ أنا بقولك دلوقتي عايز أتجوز. وعايز البت دي. عايزها يابا اتصرف!"
عبس "رضوان" حائرًا وهو يمعن التفكير بالأمر مرارًا وتكرارًا دون يستثغ منه رشد يذكر.
نظر مجددًا إلى الفتاة، إنها ولا ريب حسنة الطلعة وشكلها يوحي بأنه في غضون عامين أو ثلاثة ستغدو أنثى فاتنة يتمناها أفضل الرجال والصفوة بعالمهم قاطبة.
ولكن الآن، لا يستطيع أن يراها سوى فتاة صغيرة.
حتى العقد عليها لن يكون رسميًا!
فإن وافقت هي، هل يوافق أبوها على ذلك؟
***
في نفس عالم موازٍ، وبينما كان "سالم" يجلس وسط عائلته ويشاهد في بغتة ورضا رقصة "رزق" و"سلمى"، لم يتخلل تلك الرؤية إلا صورتها وواحدة من أبرز ذكرياته معها.
قبل أكثر من عشرين عامًا، عندما كانت هنا، قريبة منه، من قلبه، لا تفارقه طرفة عين.
عندما كان أسعد رجل بالوجود.
**Flash Back**
كانت تعبث بقطعة من الشيفون بفستانها الأرجواني الأنيق والمغلق، إذعانًا لشرط زوجها أن يكون تصميمه محتشمًا لكي يسمح لها بارتدائه بهذه الأمسية المميزة.
لطالما كرهت المكث وحيدة، وقد نزل هو وتركها بالسيارة لغاية لم يفصح عنها، حتى طفلها لم يكن برفقتهما، إذ تركته بصحبة والدها الليلة لتنعم بلحظات خاصة وحميمية مع زوجها الحبيب.
ولكن أين هو؟ لقد أطال الغياب. أين عساه أن يكون كل هذا الوقت؟
"أنا جيت!"
أدارت "كاميليا" رأسها الأشقر جهة الصوت، لتجد زوجها وقد عاد أخيرًا واستقل خلف المقود خافيًا شيئًا وراء ظهره.
رمقته بنظرة معاتبة وقالت بصوتها الرقيق:
"إيه يا سالم ده كله؟ كنت فين وسايبني لوحدي كده يا باشا!!!"
أطلق "سالم" تنهيدة مقتضبة وهو يرد عليها بلطف:
"أكيد عمري ما أحب أبعد عنك بمزاجي. وعاوز أقولك إنك كنتي تحت عنيا من لحظة ما سيبتك. كنت ببص عليكي من هناك!"
وأشار لها برأسه لنقطة عبر النافذة بجوارها، لتنظر حيث أشار، كان عقارًا ذي واجهة زجاجية من طابق واحد، لم يكن هناك ما يميزه، من جهتها هي على الأقل.
"وإيه المكان ده بقى؟" تساءلت وهي تنظر له من جديد.
لكنه رفع يده فجأة ليرتب لها تلك الخصلة الكستنائية المتمردة فوق جبهتها، ثم قال مراوغًا:
"حزري كده!"
تأففت قائلة بضيق:
"يوه عليك يا سالم بقى خلص. إحنا هانلعب ولا إيه؟!"
ابتسم مغرمًا بتفاصيلها هذه المرة ورد عليها منصاعًا:
"طيب يا ستي. هارحم فضولك. عشان إنهاردة عيد جوازنا بس ومش عاوزك تضايقي ولا تكشري لحظة، عاوزك تضحكي وبس!"
وأظهر لها ما كان يخفيه عنه في هذه اللحظة.
شهقت "كاميليا" مكممة فاها بكفيها في الحال، حملقت فيه بذهول ما لبث أن استحال إلى سعادة شديدة لحظة تعرفها على تلك البطاقات التي لوح بها أمام ناظريها.
"سينما السيارات!!!" صرخت "كاميليا" بحماسة مفرطة الآن.
وفورًا انتزعت من يده البطاقات وهي تستطرد بابتهاج كبير:
"كنت هموت وأجرب الشيء الجديد ده بجد. وانت كنت معترض. إزاي كددددده!!!"
والتفتت نحوه، فأجابها بحزم:
"أوافق إزاي من غير أسأل عن شيء جديد زي ما قولتي؟ عشان خاطرك بس فهمت الليلة ماشية إزاي. وقلت أعملك مفاجأة مختلفة المرة دي بما إنك شارطة عليا ماجبش دهب ولا مجوهرات."
وأكمل بحب: "حبيت أعمل حاجة تبسطك. أنا بعرف لما بتكوني مبسوطة يا كاميليا. ما أحبش أبدًا أشوف السعادة عليكي بمجهود. بحب أشوفك مبسوطة من قلبك!"
اللمعت عيناها الزرقاوتان ببريق عشقه الكامن بأعماقها وقالت برقة آسرة:
"سالم. من غير أي مجهود. وجودك جنبي كفاية أوي. انت أحلى حاجة حصلت في حياتي كلها."
ابتسم وهو يمد يده ليلامس بأصابعه حافة فكها وشفاهها قائلًا بينما يتراقص ألق الخبث بعينيه الماكرتان:
"أحسن حاجة الخصوصية إللي في البرنامج بتاع السينما الجديدة دي. وأنا عامل حسابي وجايب العربية الفيميه. متهيألي نص الفيلم مش هانشوف!"
ضحكت بغنج تحت أصابعه وقالت مؤيدة بشدة:
"إذا كنا في السينما العادية بنختار آخر صف زي المراهقين وبنطلع مش فاكرين أي حاجة من الأفلام. انت مجنوووون بجد يا حبيبي."
"بيكي!" قالها وهو يميل نحوها، وغمغم بحرارة فوق شفتاها تمامًا:
"مجنون بيكي إنتي وبس يا كاميليا!"
والتحمت شفاههما في قبلة حارة وعميقة.
**Back**
لم يفق "سالم" من الذكرى الغالية سريعًا هذه المرة.
كان يكفيه رؤية ابنه، قطعة منها، دماؤها، ابتسامتها على وجهه، عيناها في عينيه، ملامحها فيه.
كان يكفي دومًا أن يراه، فكأنما رآها تمامًا.
إنه الآن يحبه أضعاف ذاك الحب بكثير، يحبه أكثر كيانه والحياة برمتها.
"مش كفاية كده يا معلم سالم؟!" كان هذا صوت "هانم".
عجبًا! وكأن معاناته العاطفية وأكبر مأساة بحياته ترتبط بها دائمًا.
أفسدت أنقى جانب به، ولكنها بدورها أفسدت حياتها كلها. أهذا انتقامًا؟
تطلع "سالم" إليها، كانت تقف في خضوع خلف ظهره مباشرة.
ألقى نظرة بساعة يده ليفاجأ حين تبين أن الوقت صار منتصف الليل.
"الوقت بيسرقنا ولا إيه رأيك؟"
وافقها "سالم" بإيماءة:
"لأ عندك حق يا أم مصطفى. كفاية أوي كده!"
وأشار لابنه الأصغر "حمزة" وابن أخيه "علي" هاتفًا:
"حمزة. علي. قوموا يلا نزلوا اخواتكوا من هناك. ساعة الدخلة وجبت!"
***
أوتار قلبها الخافق بصخب تصم بداخلها.
يمزق الدق المألوف الرتيب لطبول الزفاف التي لم تكف أبدًا حتى بعد أن وصل كل عريس بعروسه إلى عش الزوجية الذهبي.
كانت راحتيها تصبان عرقًا، رغم معرفتها بأن الليلة كما وعدها ستمر كأي ليلة مرت عليها، لن يجبرها، ولن تكون زوجته حقًا.
إذن لماذا كل هذا القلق والاضطراب؟
ارتعدت "ليلة" حين سمعت صوت إغلاق باب الشقة.
استدارت فورًا لتجد "رزق" ماثلًا أمامها بكامل هيئته الساحرة.
بذلته نصف المحلولة، ربطة عنقه المعووجة، شعره القصير الأشعث في كل اتجاه.
إنه تجسيد للغواية بحق.
"نورتي بيتك يا عروسة!" تمتم "رزق" بلهجة عميقة متكاسلة.
رمقته "ليلة" بنظرة حادة وقالت:
"منور بيك انت. أنا مش عروسة حد. إحنا هانبتديها كده ولا إيه؟"
علت زاوية فمه بابتسامة شقية وقال:
"لأ طبعًا. هي عمرها ما بتبدأ كده في العادة. لو تحبي أشرحلك!"
عبست ببلاهة، ليوضح لها وهو يسير ناحيتها بتوأدة:
"لو صالونات وما يعرفوش بعض. أول ما يتقفل عليهم باب دوغري بيطبقوا المسرحية الهفأ بتاعة أهالي زمان. إللي هو نظام فرهديه قبل ما تنوليه. ويفضلوا يلفوا الشقة تراك طول الليل لحد ما واحد فيهم يغلب."
ابتلعت أنفاسها فجأة حين قلص المسافة بينهما بخطوة واحدة وهو يكمل ممسكًا بيدها بين قبضته الضخمة القوية:
"أما لو اتنين بيحبوا بعض. لو في بينهم مشاعر من البداية وتعوّد. الموضوع بيبقى مختلف تمامًا!"
تشعر "ليلة" وعيناها معلقتان بعينيه اضطراب طفيف يسري على هيئة ذبذبات بطول عمودها الفقري، بينما يضيف "رزق" بصوت هامس أمام شفاهها المنفرجة مشعرًا إياها بطعم أنفاسه الدافئة:
"بيبقى في لهفة. شوق. كل واحد نفسه يدخل جوا حضن التاني. يندمج فيه. يحس بكل ذرة منه. يملا صدره بريحته. ويحفظ تفاصيله. ويـ آ ا..."
"خلااااااص!" هتفت "ليلة" وهي تنتزع نفسها انتزاعًا من أمامه.
تراجعت أربعة خطوات للخلف وهي تقول بغلظة:
"إنتي هاتديني دروس في العلاقة الزوجية؟ أنا فاهمة كل إللي انت بتقوله. مش عيلة صغيرة يعني قدامك."
تبدل تعبير وجهه، صار أكثر جدية وغموضًا.
ثم قال بعد برهة:
"لأ واضح إنك فاهمة كل حاجة فعلًا. وواضح جدًا إنك مش عيلة صغيرة!"
عبست "ليلة" لتخفي ارتباكها وقالت بجمود:
"طيب كويس إنك مدرك كل ده. ودلوقتي بقى كل واحد عارف حدوده. ياريت نحترم الحدود دي. عن إذنك!"
واستدارت بنية المضي صوب غرفة النوم.
"رايحة فين يا ماما؟" قالها "رزق" مستوقفًا إياها بنفس اللحظة.
أدارت رأسها تجاهه مجيبة باستهجان واضح:
"سؤال مش في مكانه أبدًا. بجد. هكون رايحة فين؟ رايحة الأوضة. أي أوضة مش هاتفرق المهم ماتكونش نفس أوضتك طبعًا!"
"تؤ!" هكذا عبر "رزق" عن اعتراضه وهو يخلع سترته ببطء متقدمًا منها.
فأخذت تتراجع تلقائيًا بينما يقول وهو يباشر خلع قميصه تاليًا بعد أن رمى بالسترة في طريقه:
"مش بالبساطة دي يا ليلة. ليلة الدخلة ليها هيبة واحترام بردو!"
"قصدك إيه؟!!" غمغمت بعدائية كبيرة وهي تحمل فستانها بيديها من الجانبين مواصلة التراجع بحرص.
ليتوقف "رزق" عن الاقتراب منها في هذه اللحظة قائلًا بهدوء واثق:
"ماتخافيش يا ليلة. أنا عمري ما هاجبرك على حاجة. عمري ما هلمسك طول ما إنتي مش عاوزة. اطمني خالص من النقطة دي. مافيش أي متعة في اغتصاب واحدة. حتى لو كانت زوجة. لو مش بارادتك يبقى اسمه اغتصاب. وأنا مش كده!"
عادت تتنفس بارتياح من جديد عندما شكلت كلماته حدود الأمان الملموس بينهما، لتسأله بلهجة أقل حدة الآن:
"طيب. المطلوب مني إيه دلوقتي؟"
"تعالي معايا وأنا أقولك!"
وأولاها ظهره ماضيًا نحو غرفة النوم الرئيسية والمعدة خصيصًا لهما.
لم يلتفت إليها مرة، لكنه كان يشعر بخطواته تتبعه، حتى صارا بمنتصف الغرفة.
حينها استدار ناحيتها وصارا وجهًا لوجه.
في ظل أضواء المصابيح الخافتة الموزعة بسقيفة الغرفة والشموع المضاءة بالآواني الحافظة.
أمام نظراتها غير الواثقة، خلع "رزق" قميصه الأبيض وألقاه فوق كتفه الأيمن.
وبدون أن يحيد بناظريه عن عينيها مشى تجاه الطاولة المحاذية للفراش ليجد بضعة من قطع المحارم البيضاء.
استل من جيبه مدية حادة النصل، وقبل أن تعي "ليلة" نيته جاء عند منتصف ذراعه وسحبها ناشبًا نصلها بين ثنايا جلده محدثًا جرحًا عميقًا نسبيًا.
حملقت فيه بذعر حين رأت الدماء تطفر غزيرة من جرحه، وصرخت:
"إيه ده يا مجنون؟ انت بتعمل إيه؟؟؟؟"
فح "رزق" متأوهًا بخفوت وهو يلقي بمديته فوق الطاولة، ثم يتناول إحدى المحارم البيضاء تلك ويمسح بها الجرح الغائر على كتفه.
وقد كان يعصر الشق مسيلًا من دماؤه باستفاضة ليحصل على أكبر قدر، ليضع فوقه آخر محرمة ويضغط، ثم يلتفت نحوها قائلًا بابتسامة خبيثة:
"بشرفك. أومال انتي مفكرة الجرمأ إللي تحت ده كله وأبويا إللي مستني تحت الشباك مستني ليه؟ كلهم مستنين ده!"
ولوح لها بالمحرمة الملطخة بالدماء!!!
حلت عليها حالة من الخرس التام.
بينما تجاهلها كليًا وفتح درج الطاولة متناولًا ضمادًا لاصق، فتحه بأسنانه ووضعه فورًا فوق جرحه.
نظف بقايا الدماء على ذراعه بالمحرمة التي بيده، ثم تركها للحظة كي ما يتمكن من ارتداء قميصه.
وبدون أن يغلق أزراره، حمل المحرمة واتجه نحو النافذة، فتحها على مصراعيها وأطل على الجمع الغفير بالأسفل.
ميّز والده من بينهم.
كان يقف بانتظاره كما توقع.
ابتسم بسخرية والتفت نحو "ليلة" أولًا ليقول:
"مع إني مش مؤمن بالعادات دي. ولا بالشيء ده كمان. بس للضرورة أحكام زي ما بيقولوا!"
وأشاح بوجهه عنها ملقيًا بالمحرمة في الهواء، لترسلها النسمات الهفهافة للأسفل مستقرة بقبضة أبيه.
***
"راجل!" قالها "سالم" بفخر وهو يحدق بالمحرمة ويقلبها بين كفيه.
كانت الزغاريد تملأ الحي الآن، بعد أن طافت المحرمة أمام أنظار الجميع.
توجه "سالم" رأسًا إلى أمه الجالسة في المقعد المتحرك عند بوابة المنزل.
ناولها إياها قائلًا بزهو:
"رزق ياما!"
وفي طقس شعبي عقيم ألقت العجوز الهرمة بالمحرمة فوق وجهها وهي تطلق الزغاريد بصوتها المتحشرج الضعيف.
ليضحك منها "سالم" من قلبه ويلتفت ناحية شقيقيه مغمغمًا:
"شايفين أمكوا ونبي. كنت متأكد إنها هاترمي المنديل على وشها وتزغرط."
رد "عبد الله" مغتبطًا:
"ده لازم. ماتبقاش أمي. دي بتستنى الليلة دي مخصوص عشان اللحظة دي!"
أضاف "إمام" داعمًا:
"هي دي الفرحة الحقيقية. عقبال مصطفى وبطة!"
ورفع رأسه تجاه نافذة ابنته، حيث غرفة نومها بشقتها الجديدة مع زوجها.
"يا مسهل!" قالها "سالم" متكئًا إلى إطار باب المنزل.
"أدينا مستنيين!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم محمد
كان "مصطفى" يذرع شقته الخاصة الآن مبلبل الأفكار.
بعد أن خلع سترته السوداء و بقى بقميصه الأبيض و ربطة عنقة المحلولة فقط.
لقد مل و نفذ صبره، ذلك لأنه يمكث بمفرده هنا بالصالة لأكثر من نصف ساعة.
ما أزاد الأجيج المستعر بصدره حين تسللت إلى مسامعه أصوات الزغاريد المكثفة و الهاتفات المباركة، جميعها تفيد بدلائل تفوّق أخيه الأكبر عليه مجددًا.
لم يعد يتحمل أكثر، خاصةً عندما كان بالقرب من النافذة و سمع حوار أبيه و أعمامه المعني هو به.
تصاعدت الدماء الملتهبة إلى وجهه فصار أشبه بالقِدر المغلي.
إنطلق كهبة إعصارٍ عاتٍ نحو غرفة النوم المغلقة، و بجماع قبضتاه ضرب لوح الباب ثلاثًا و هو يصيح بفجاجة:
- كل ده بتغيري الفستان ؟؟؟؟
إفتحي يا بطة !!!
و أمسك بمقبض الباب محاولًا فتحه عبثًا كما توقع، أغلقته من الداخل.
ليتفاقم غضبه و هو يضرب الباب بقوةٍ أكبر هادرًا:
- إفتحي الباب ده حالًا يا فاطمة أحسن و الله أكسره فوق دماغك سااااامعة !!!!
لم يسمع منها ردًا سوى النحيب الذي فاجئه و أثار جنونه في آنٍ إلى حد دفعه للصراخ الجهوري متجاوزًا بصوته جدار و جنابات الشقة الأربعة:
- و كمان بتعيطي ؟؟؟ يبقى إللي أنا ظانه فيكي صح. عشان كده قافلة على نفسك كمان.. و حياة أمي لتبقى بموتك الليلة دي. إفتحي يا بت. إفتحي و إلا و ديني لاكون قاتلك. إفتحــــــي !!!!
كان الباب يرتج تحت عنف ضرباته، بينما راح بكائها يزداد.
سمع "مصطفى" جرس باب الشقة يدق بإلحاحٍ، ما أنقذ الفتاة المسكينة من جنونه مؤقتًا.
إبتعد عن باب الغرفة و ذهب ليفتح هائج الأنفاس محمر الوجه كالشيطان الرجيم.
- إيه في إيه يا مصطفى ؟؟ !!!
كانت أمه.. السيدة "هانم" أول من قابله بهذا السؤال، تراجع للخلف ليكتشف حضور كافة العائلة في إثرها.
والديّ زوجته، "إمام" و "نجوى" و إبنهما "علي".
عمه "عبد الله" و زوجته "عبير".
و في الأخير ظهر أبيه من بعدهم يمشي إلى جواره ولده الأصغر.. الشاب "حمزة".
- إيه الحكاية يا مصطفى ؟ .. تساءل "سالم" بهدوئه المعهود.
- صوتك عالي و مسمع الحتة كلها.. أخوك رزق محدش سمعله حس. مالك إنت بقى ؟!
هذه المرة تمالك "مصطفى" نفسه بجهدٍ جهيد حتى لا يطلق لسانه سبابًا و ألفاظٌ يبرأ اللسان عن وصفها لأخيه و أبيه معًا.
و عوض ذلك مرر ناظريه على الوجوه ذات التعبير الواحد.. ألا و هو القلق.
أخذ نفسًا عميقًا ليهدئ أعصابه، ثم فرد ذراعه مشيرًا ناحية غرفة النوم و قال بصوتٍ غليظ:
- الست هانم. العروسة.. من ساعة ما طلعنا و هي قافلة باب الأوضة على روحها. قالت هاتغير فستانها. بقالها ساعة جوااااا.. و أخبط عليها اسألها من إيه التأخير. ماتردش.. أسمعها بتعيط بس !
يقفز صوت "علي" في هذه اللحظة قائلًا بجلافةٍ محتدة:
- ما ليها حق بطريقتك و منظرك ده تخاف و تعيط ورا الباب.. و بعدين متوقع إيه من أختي مثلًا ؟
تفتحلك الباب و تترمي في حضنك ؟!!!
إصحى للكلام يا ديشا. فاطمة ماتعرفش الفرخة بتبيض إزاي و لا شافت في حياتها رجالة غيرنا.
إبتسم "مصطفى" بتكهمٍ مغمغمًا:
- مهو باين و الله !
كست الدماء وجه "علي" بلحظةٍ و هو يقترب منه خطوة على سبيل التهديد.
- إنت بتقول إيه يالا ؟؟؟ .. صار صوت "علي" البارز الآن.
مدت "نجوى" ذراعها أمام إبنها مسرعة للقول بتلطيفٍ متوتر:
- بس بس يا ولاد. دي ساعة شيطان و الله. العين كلها علينا.. مصطفى مايقصدش يا علي. و إنت يا مصطفى يا حبيبي. كان حقك تاخدها بالراحة. الأمور دي تيجي بالهداوة يابني.. و لا إيه يا هانم ؟!!
وافقتها "هانم" دون ترددٍ:
- مرات عمك بتتكلم صح. إنت إيه إللي جرالك يا مصطفى ؟ إمسك نفسك شوية أومال !
أضافت "عبير" قسمًا من الهدوء بدورها:
- معلش يا جماعة. لازم نعذر الاتنين. و بعدين الحاجات دي بتحصل عادي ماهياش غريبة يا مصطفى. دلوقتي تروق بس لما تهديها بنفسك كده صدقني كله هايبقى عال و آ ا ...
- أنا مش عايز أسمع كلام حريم لو سمحتوا !!! .. صاح "مصطفى" منفعلًا بشدة.
ألجمت ألسنة النساء بالفعل تحت تأثير غضبته المفاجئة.
ليوجّه "مصطفى" نظرة مباشرة نحو عمه... و يقول بصوتٍ كحد السكين:
- إنت ساكت ليه يا عم إمام ؟ مش بنتك دي ؟؟
رد "إمام" بتعبيره المتجهم الغريب:
- عايزني أقول إيه مصطفى ؟
- عايزك تقول إيه ؟!!!
بقى كل إللي بيجرى الساعة دي بالذات. و مش لاقي حاجة تقولها ؟ إنت عاقل كلامك يا عمي ؟ ده شرفك ده !!!
كاد "علي" يهجم عليه هذه المرة، لولا يد أبيه التي إمتدت و أوقفته، ثم مضى "إمام" يقول بحدة مخاطبًا زوج إبنته:
- إنت إللي مش طبيعي. إنت مفكر نفسك أول راجل يتجوز. ما كلنا كنا شباب أدك و إتجوزنا.. أنا عمري ما شوفت عريس واخد الدنيا قفش بالشكل ده ليلة دخلته. فيك إيه بالظبط يا مصطفى قول ؟؟؟
- كمان عايز تشكك فيا أنا ؟ طاااااايب. معاكوا كلكوا للآخر. و هابقى هادي و زي الفل. بس حد فيكوا كده يقنع ست العرايس تفتح الباب ده و تسمحلي أتفاهم معاها بالطريقة إللي تعجبها. أنا موافق على شروطها كلها.. في أكتر من كده ؟
نظر له الجميع بعجزٍ و حيرة، كان صوت بكاء "فاطمة" مسموعًا من جهة، و وجهه هو المبّلغ عن سوء نواياه أمامهم بالجهة الأخرى.
كان مأزق حقيقي و لا أحد يعلم ما العلة تحديدًا و كيف يحلونها ؟!!!
فجأة ...
إستدار "إمام" ناحية الكبير.. أخيه... "سالم الجزار" و قال:
- القرار ليك ياخويا.. شوف هانحل الوضع ده إزاي. بصراحة مصطفى خيّب ظني على الآخر !
للمرة الثانية أمسك "مصطفى" لسانه حتى يرى مآل الأمر فقط.
إنتظر أفراد العائلة بإصغاءٍ و نظراتٍ مرهفة كلمة "سالم".. بينما كان الأخير على هدوئه، يحرك مسبحته بين أنامله و هو يصوّب نظراته الثاقبة إلى عينيّ إبنه، يدرسه و يكشف إنفعالاته و مشاعره العميقة بنجاحٍ منقطع النظير.
لينطق أخيرًا دون أن يرف له جفن عن عينا "مصطفى":
- الحريم يدخلوا لفاطمة.. تحاولوا تهدوها و تعقلوها كده. الحكاية مش هاتاخد خمس دقايق. عشان البيه يرتاح.. خلي الليلة دي تعدي على خير بقى !
كانت أول من نفذت الأمر "نجوى".
إنطلقت مسرعة تجاه غرفة النوم في إثرها بقية نساء العائلة، بينما كن يقرعن الباب على "فاطمة" غمغم "علي" بصوتٍ حانقٍ مسموع:
- أما نشوف أخرتها !!
و أولاهم ظهره مطبقًا على رأسه بكفيه بقوة.
في المقابل ينجحن النساء باقناع "فاطمة" أن تفتح لهن، و مر قليلٌ من الوقت، ما لبث صوتها أن إتضح و هي تهتف بصراخٍ مقهور:
- ياما ونبي ماتعملوا فيا كده.. أنا قولتلك مش عايزاه. أنا حاسة إني هموت لو إتجوزته.. مش قادرة يا مرات عمي. حسوا بيا أبوس إيديكوا.. إنتوا ليه كده.. ليه بتعموا فيا كده كلكوا لـيـــــه ؟؟؟؟؟
أكثرهم حرصًا على الاستماع جيدًا و إمعان التفكير بكلمات الفتاة كان "سالم"... إستطاع أن يدرك مدى فزعها.. و إن كان غير مبرر بالنسبة له.. كانت لديه القدرة ليتفهمها.
لكنه خشى ألا يوافقه البقية في ذلك، خاصةً إبنه الذي يقف متحفزًا هكذا.
لكنه و بالرغم من اللغط و القيل و القال المتوقع تداوله قريبًا بعد قراره هذا.. إلا أنه حسم الأمر و صار منتهيًا بيده.
- خلاص يا مصطفى ! .. هتف "سالم" بصرامةٍ و هو يضع يده فوق كتف إبنه.
- البت نفسيتها مش مساعداها. مش لازم الدخلة تتم الليلة. الدنيا مش هاتخرب.. فضولي الليلة دي يلا و مشوا الناس إللي تحت !
و استدار نحو بقية عائلته مصدرًا هذه الأوامر.
و لكن كان لإبنه رأيًا آخر.
- ماحصلش و لا هايحصل الكلام ده يابا !!! .. هكذا برز احتجاج "مصطفى" و هو ينتفض بقوة مبتعدًا عن أبيه.
يلتفت "سالم" إليه عابسًا.
- إنت بتعلي صوتك عليا. لأ و كمان بتعرضها معايا في الكلام.. إنت نسيت نفسك يالا ؟؟؟؟
و تفاقم غضبه و صار جليًا الآن و هو يضيف بخشونة:
- ألا تكون مفكر عشان وافقت تتجوز في المعاد إللي حدته تبقى كده الكلمة كلمتك. لاااا يا روح أمك. ده العقد إللي إنت لسا ماضي عليه ده ممكن أقطعهولك وقتي و تنسى إن الليلة دي حصلت أصلًا.. فوووق !
لم ينطق "مصطفى"... لكنه أتخذ خطوة جانبية جعلته يسد عتبة باب غرفة النوم تمامًا، حيث توجد زوجته بالداخل برفقة نساء العائلة، يملأ صوت نحيبها المكان كله.
مد يده خلف ظهره ساحبًا سلاحه الناري حديث الطراز، صوّب نحو والده نظرة كره صرف، ثم قال بصوتٍ أشبه بالزمحرة الخفيضة:
- يمين بالله.. إذا ماتمتش دخلتي عليها الليلة. هاتكون دخلتها هي على قبرها. الخاطيـــة !!!
و هنا يفقد "علي"السيطرة على نفسه كليًا.
- لأ إنت ماعادش يتسكت عليك و لازم تتربى !
و هجم عليه من فوره و إشتبكا الإثنان، ليوجّه له "علي" لكمة قوية طرحته أرضًا و أسقطت المسدس من يده.
- هي مين دي إللي خاطية يا و××× يا ××××× !!!!
و لكن "مصطفى" رد عليه القتال بنفس القدر من الشراسة مصوبًا إلى قدمه ركلة أفقدته توازنه، ليسقط "علي" فوق الأرض إلى جواره أيضًا.
قاما في نفس اللحظة و وقفا متواجهين مستعدان لنزالٍ آخر، إلا إن "سالم" حال بينهما هاتفًا بغضبٍ مستطير:
- إثبت منك لهعليا الـ×××× لو شوفت واحد فيكوا رفع إيده عالتاني لاقطعهاله. سامعين ؟؟؟؟
عض "علي" على شفته بقوةٍ كابحًا نفسه بصعوبةٍ، بينما "مصطفى" ينفض ملابسه المشعثة و هو يشعر بالضغينة تجاه شقيق زوجته و بألمٍ حاد في صدغه حيث موضع اللكمة.
مع ذلك و رغم تحذير "سالم" ظل الإثنان يحدقان ببعضهما بإجرامٍ تام.
- بلاها الجوازة دي ! .. خرجت العبارة الثائرة من فم "إمام" في هذه اللحظة.
و استطرد في فورة غضبه مخاطبًا أخيه:
- أنا مش عايزها و مش عايز إبنك لبنتي يا سالم. خلينا نفضها حالًا. أنا مش لاقي فاطمة في الشارع ياخويا دي بنتي و أنا واثق فيها. بس بكرة الصبح هاخدها بإيدي للضاكتور و أكشف عليها و هاحط صباعي في عين المحروس إبنك. و بسببه يا سالم دي قطيعة بيني و بينك !!!
- إهدا يا إمام ياخويا مش كده ! .. قالها "عبد الله" محاولًا تهدئة أخيه.
نفض "إمام" يد شقيقه عنه مصممًا على قراره بقوة:
- مافيش هداوة خلاص. الواد ده مش هايلمس شعرة واحدة من بنتي.. إنتهى. خش يا علي هات أختك !
لم يكد "علي" يتخذ تلك الخطوة إلا و شعر بقبضة "سالم" تصده في صدره.
- مكانك ياض ! .. حذره "سالم" بحدة.
ثم تجاوزه ماضيًا ناحية أخيه الأوسط، جمع مسبحته في يده، و بيده الأخرى ربت على ذراع "إمام" و هو يقول مشددًا على كلماته:
- إمام.. إمام ياخويا !
قطب الأخير بشدة.. عاجزًا عن رد كلماته، و لو بحرفٍ واحد.
ليبْتَسِم "سالم" مستطردًا بثقة:
- ماتقلقش يا إمام. فاطمة مش بنتك لوحدك.. و حط ثقتك في أخوك. مش هقولك أكتر من كده !!
بعد ذلك لم يجرؤ "إمام" على النبس بأيّ إعتراض، فباركه "سالم" بايماءة تعبر عن رضاه عليه و إمتنانه لاصغائه لأمره في آنٍ.
ثم إلتفت ثانيةً و عاد أدراجه أمام "مصطفى".
حيث كان يقف بينه و بين عتبة غرفة النوم، ساد وجهه تعبير مبهم و علا صوته باللحظة التالية آمرًا بحزم:
- كل الحريم تطلع من الأوضة دلوقتي.. ما عدا فاطمة !
لم تمر دقيقة إلا و كن جميعهن بالخارج أمامه.
مد "سالم" رأسه راصدًا وجود ولده الاصغر "حمزة".. فأمره هو الآخر:
- حمزة.. إطلع برا. و خد باب الشقة في إيدك !
إنصاع الصبي لأبيه و فعل ما أمر به.
و أخيرًا، أتى دوره هو، ذو النظرات المتبجحة.
نظر "سالم" إلى "مصطفى" و قال بهدوء مشيرًا له بيده:
- إتفضل.. خش لعروستك !
إبتسم "مصطفى" بظفرٍ مريض و حانت منه نظرة كيدٍ نحو "علي" المتميز غضبًا، ثم حث الخطى إلى الداخل.
و لكن يقبض "سالم" على ذراعه فجأة، ليميل صوب أذنه هامسًا بقتامةٍ مخيفة:
- في حالة ثبتت طهارة البت. حسابك معايا هايكون شديد أوي.. و في حالة جرالها أي حاجة بين إيديك. أنا إللي هاحطك بإيدي في قبرك الليلة.
و ربت على كتفه مكملًا:
- يلا.. خش يا عريس !
كانت "فاطمة" تجلس على طرف الفراش، ترتعش من الخوف، عندما أغلق عليها بابًا واحدًا برفقة "مصطفى".
مثل حيوانٍ مذعور أخذت تجيل حدقتيها بعينيها باحثة عن مفرٍ.
لكن مع علمها بأن عائلتها، والديها و أخيها، الجيمع هناك وراء هذا الباب، و قد تخلّوا عنها و تركوا مصيرها بيد ذاك المختل القاسي.
لم تفعل بها هذه الحقيقة شيئًا سوى أن جعلتها ساكنة كالصنم.
حتى صار قريبًا منها، بطرف عينها تبين لها أنه يهم بخلع ملابسه، لم تغامر للحظة بأن تنظر إليه.
إلى أن قرر هو الاقتراب منها، بل أنه إلتصق بها، و باشر بنزع الفستان المصنوع من التل عنها، كان فتحه سهلًا، و قد كانت بدون وشاح الحجاب و الطرحة البيضاء.
شعرها الكثيف و الغجري الفاحم غمر وجهه و ملأ عبيره المسكر رئتيه.
لعل خطته تغيّرت الآن حين أبدت الطاعة له على هذا النحو.
ما جعله أن يتصرف برقة.. لكن بجرآة أكثر و هو يجردها من بقايا ملابسها الآن معيثًا بجسمها فسادًا عظيم، مفقدًا و خادشًا لبراءتها البتول.
هذا الذي يعد بنظرها اعتداءً، لم تستطيع "فاطمة" عليه صبرًا، لتخرج عن استكانتها فجأة صارخة و محاولة دفعه عنها بكلتا ذراعيها.
مما دب فيه مشاعره السلبية ثانيةً و أيقظ الشك فيها بصدره.
لينقلب حاله بطرفة عينٍ، فيمسك بجسمها كدمية لا تزن شيئًا، يقلبها على وجهها و قبل أن تستوعب أيّ شيء شعرت بثقله فوق ظهرها.
صرخت حين ضغط بركبته على عمودها الفقري، بينما تشعر به يعبث بشيء من خلفها.
تبيّنت بعد لحظة بأنه كان يستلّ وشاح رأسها المصنوع من التل، ليقيّد به ذراعيها و هو يسحب أحدهما بعنفٍ للخلف جعلها تطلق صرخة أكثر ألمًا، قبل أن يقلبها على ظهرها مرةً أخرى، ليفعلها و هو ينظر هكذا بعينيه.
لا يمكن أن تتم بغير تلك الطريقة.
سالت دموع "فاطمة" بحرارةٍ من حواف عينيها الواسعتين و هي تنظر بتضرعٍ إلى عينيّ "مصطفى" القاسيتين، و كان آخر سلاحًا بيدها أن تهمس متوسلة أمام وجهه بأنفاسها المقهورة المنتحبة علّها تنال منه أيّ شفقة:
- مصطفى.. وحياة أغلى حاجة عندك... سيبني !
- إنتي أغلى حاجة عندي !! .. لم ينطقها بلسانه.
بل بقلبه.
و لكم أراد كثيرًا أن يقبّلها في هذه اللحظة.
لكنه علم جيدًا، إنه إن فعلها.. فإنها ستموت.
إذا تأكد شكه فيها.. و قد منحها و لو نفحةٍ صغيرة من مشاعر حبه لها.
فإن الموت وحده سيكون أقل ما سينزله بها.
لذلك لم يسمح "مصطفى" لنفسه بالانقياد خلف عواطفه، و هو ما لم يتطلب منه جهدًا كبيرًا بما أنه ما كان يرى أمامه سوى صورة لشخصٍ واحد... و هو "رزق".
حسم الأمر في هذه اللحظة، و بدأ اعتدائه الوحشي عليها فورًا، مغلقًا عينيه و صامًا أذنيه عن صراخاتها المستغيثة المتألمة.
ذلك الدولاب الأثري الذي يضعوا فيه مقتنيات العروس من الخزف و الأواني، لقد حطم "علي" نصف محتوياته بحلول الآن.
رغم أنه لم يمر على مكوث "مصطفى" بالداخل مع "فاطمة" سوى بضعة دقائق.
لكن لم تمضِ لحظات طويلة على دخوله إلا و مزق صراخ أخته الصمت، و كم من مرة أراد أن يقتحم هذه الغرفة و ينقذها من بين براثن ذاك الوغد الحقير، بل و يقتص لها منه و يقتله جزاء على كل كلمة قالها بحقها و ما يفعله بها الآن.
إنما كان أبيه و أعمامه يمنعونه في كل مرة يحاول فيها ذلك، فلم يجد شيئًا يفرغ عليه غضبه و عجزه سوى أن يحطم الأشياء و يلكم الجدار و أي غرض تلمسه يده.. يدمره تمامًا كلما سمع صرخة من أخته.
حتى ساد الصمت فجأة.
سكن "علي"... كذلك أمه التي جلست تبكي بين أحضان "هانم".. و أبيه الذي جلس مقابلها واضعًا رأسه بين كفيه متجاهلًا مواساة أخيه الأوسط.
جميعهم تنبهوا الآن لأقل حركة و سكنة تأتي من جهة الباب الذي وقف "سالم" عند عتبته منتظرًا.
لحظاتٍ قليلة جدًا و إنفتح الباب أخيرًا، ليطل من ورائه "مصطفى"... يبلغ العتبة منكس عاري الجزع، منكس الرأس.
لم يكن هناك فرصة لطرح الأسئلة، إذ قامت "نجوى" راكضة من فورها إلى عند إبنتها، بينما إنزوى "مصطفى" إلى جوار أبيه، جاء "إمام" من خلفه صائحًا بصلابةٍ:
- هاه يا دكر. يا راااااجل.. حصل إيه ؟ شوفت بعينك إيه ؟ بنتي طاهرة و شريفة و لا لأ ؟ ما تررردددد يااااااااض !!!
و إجتذبه من ذراعه بعنفٍ.
عبس "مصطفى" ليخفي خزيه من نفسه و من الجميع و لم يرد، ليملأ صراخ "نجوى" الأجواء باللحظة التالية:
- يا إمــــــام يا عــــلــي.. إلحقووووني فاطمة مابتنطقش !!!
كان هو أول من إنخلع لهذا، لكن هيهات !
لم يُسمح له بالدخول مجددًا، إذ منعه أبيه و جعل "إمام" و "علي" يمرا فقط، ثم قرب وجهه منه و قال بنظراتٍ و لهجة مستوحشة:
- خليك فاكر كلامي كويس.. لو البت جرالها حاجة. هاتحصلها يا مصطفى !
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم محمد
جلس "سالم" بين أخيه الأوسط و أمه محركًا مسبحته بين أنامله و هو يقول بثباتٍ:
- إنت خاطرك على راسي يا خويا. ماتتصوّرش لحظة إني ممكن أجي على كرامتك أو كرامة بنتك.. بس طالما إنت مش قادر تمشي مع أخوك للآخر و تحط ثقتك فيا و إنت مطمن زي ما قولتلك.. يبقى خلاص يا إمام إللي إنت عاوزه أنا هاعمله.. لو تحب مصطفى يطلق فاطمة حالًا هايحصل!
عكست أشعة شمس الظهيرة المتوهجة عبر نافذة الصالة ملامح أكثر إحتدامًا على وجه "إمام".. بينما يرد على أخيه الأكبر بعصبيةٍ مفرطة لأول مرة بحياته:
- و إنت جاي بعد ما حصل ده كله تقولي الكلام ده؟ بعد ما فتحت لابنك الباب و دخلّته على بنتي عافية جاي دلوقتي تقولي طلاق يا سالم؟ و بنتي خلاص كده حالها يقف طبعًا و تبقى جوازة و إتحسبت عليها!
تأفف "سالم" بضيقٍ واضح و صار لم يعد له من الطاقة ما يكفي لتهدئة شقيقه أكثر من ذلك، بعد أن قضى ليلةٍ عصيبة، لم ينم بها أحد حتى هو لم يغمض له جفن. حتى مخزون صبره قد نفذ الآن...
- أخوك بده يريحك يا إمام!
قالت السيدة "دلال" هذه الجملة بصوتها الخشن و أردفت متكئة بيديها للأمام على عصاها الصقيل:
- إللي حصل كان كبير أوي. و لو هاتاخد رأيي يابني هقولك الحق مصطفى غلطان و مش غلطان.. غلطان إنه إتهم بتك بالباطل و مراعاش حرمة أهله و لا سمعتنا كلنا. و في نفس الوقت مش غلطان عشان عمايل فاطمة إن ماكانتش دلع مرئ زي ما بيقولوا ف هي سوء تربية. إنت و أمها تتلاموا عليها. أي بت بتتجوز أمها بتقعد توعيها و تفهمها الليلة بتمشي إزاي و البت بتستوعب و تنفذ كلمة أهلها و تطاوع جوزها عشان نفسها قبل الكل.. إنما فاطمة يا إمام ماعجبتنيش. و مصطفى راجل إنه ماعداش الليلة منغير ما يدخل عليها زي ما كنتوا عايزين.. لو هالوم عليه ف هايبقى عشان الطريقة و الكلام إللي قاله بسلكن غير كده أقولها في عنيك و في ضهرك.. مصطفى راجل!
عند كل كلمة خرجت من فاه العجوز كان "إمام" يتلقّى ما يشبه اللكمة... ظل ينظر لأمه شاخصًا ببصره دون أن يرفرف له رمش.. ثم لم يلبث أن أشاح بوجهه دون أن ينبس بكلمة لشدة شعور القهر الذي ملأه.
في المقابل أحس "سالم" بذلك جيدًا، ليعود و يقول من جديد محاولًا التهوين على أخيه:
- إمام. إسمعني ياخويا.. أنا حاسس بيك كويس أوي. صدقني..
قطب "إمام" حاجبيه بشدة ممعن تفكيره بعبارة أخيه. أيمكن أن يكون كذلك حقًا؟ هل يشعر بما هو فيه الآن؟ هل لديه أدنى فكرة عن عمق شعوره بالعار! لم يكن ذاك العار المتوقع الذي مبعثه أحاديث أهالي الحي منذ ليلة أمس عن إبنته و الذي سمعه بأذنيه، بل كان عاره من نفسه هو.. بعد كل ما حاق بفتاته... فلذة كبده... على مرآى و مسمعٍ منه.
ما برح يسأل نفسه بعد وقوع تلك الفاجعة.. كيف أنه وافق على هذا الهزل؟ كيف رضخ لأوامر أخيه و إرتضى بالإهانة و القهر لإبنته؟ علمًا بأنه لم يشك للحظة بطهرها.. لم يصدق ما أدلى به "مصطفى" من إتهامات بشأن عفتها... مع ذلك تصرف بمنتهى الاستهانة و الضعف. أظهر عجزًا رغم أنه كان قد إتخذ القرار، لكن سرعان ما تراجع عنه و سمح بتنفيذ حكم الإعدام بابنته... يقر و يعترف بأنه كان أول جلاد إغتالها في تلك الليلة، خان ثقتها فيه، هدم بناء الحماية الذي نما معها منذ ولادتها فوق رأسها، قضى على إيمانها به!
إنه يدرك تمامًا بأنه مهما فعل لن يعوض عليها ما حدث، و لن يفلح بإستعادة مجرد نظرة الاحترام منها مجددًا.. لقد خسر إبنته بالفعل... فهل يشعر "سالم" حقًا به؟
قبل خمسة عشر ساعة ...
وقف أهالي الحي جميعهم أمام منزل عائلة "الجزار".. أغلبهم يقف أسفل نافذة شقة "مصطفى الجزار" بانتظار البشارة. كانت علائم الفزع و الذهول تسود وجوههم على حد سواء و هم يسمعون صراخ مصمّ أيقنوا بسهولة بأنه صراخ "فاطمة"!!!
في البداية ظنوا أن الأمور طبيعية بل و تضاحكوا و تهامسوا فيما بينهم، بأن العريس لا بد و أنه يعمد إلى بعض المناوشات الحميمية مع زوجته. يتعمد إستخراج هذه الأصوات منها كدليلٍ و إثباتٍ معلن و مسموعٍ عن رجولته، مثل بعض الرجال الذين يفتخرون بذلك... لكن الآن!
بعد أن إزداد الصراخ حدة، و في نفس الوقت المنزل و قد خيّم عليه جوًا مريب من الصمت و السكون، لم يعد أحد بالوسط.. العائلة قد إختفت... حينها تصاعد القلق بين الجميع. فلم يبارح أحد مكانه، فضولًا و ترقبًا، بقوا حتى النهاية.
إلى أن هدر زمور سيارة الإسعاف و إقتحمت الحي بتنسيقٍ مسبق مع رجال الأمن الموزعون عند الحدود الخارجية، أخيرًا ظهر فرد من العائلة، و قد كان أصغرهم.. "حمزة الجزار"... نزل راكضًا ليرشد طاقم الأطباء الكامل الذي بعث والده في طلبه بشكلٍ فوري و عاجل ...
- حمزة. ولا يا حمــــــزة!!!
هدر ذلك النداء من صدر الجدة "دلال" حيث كانت تجلس فوق مقعدها المتحرك أمام باب شقتها من الداخل، فاستوقفت حفيدها الذي شرع بالصعود خلف طاقم الأطباء ...
- أيوة يا ستي؟
دلال بقلقٍ عاصف:
- في إيه فوق يالا؟ مين إللي بيصوت كده؟
- ماعرفش يا ستي.. و الله ماعرفش أي حاجة.
- الإسعاف دي طالعة عند مين؟ أبوك جراله حاجة يا واد؟
طمأنها على الفور:
- مش أبويا يا ستي أبويا كويس. دي فاطمة!
ضربت "دلال" على صدرها صائحة بشحوبٍ:
- يلهوي فاطمة! مالها جرالها إيــه؟
- لأ كده مش هاينفع!!!
ندت هذه العبارة المختلطة بالصراخ الباكي عن السيدة "نجوى" و هي تجلس عند رأس إبنتها.
- بنتي لازم تروح المستشفى!
كانت "فاطمة" ترقد بمنتصف الفراش جامدة، متصلّبة، عينيها مفتوحتان و لكنها لا تتحرك و تكاد لا تتنفس، كما لو أن إغماء متيّبس قد أصابها. كانت تنزف بشدة أيضًا لدرجة أن الملاءة التي لفتها أمها حول جسمها لتستر عريها تلطخت نصفها بالدماء.. و الكارثة أن النزيف لا يكف أبدًا ...
- حرام عليكوا بنتي بتضيع مني!!!
أضافت "نجوى" بصراخٍ أشد محاولة تحريك شيء في الأصنام الذين يقفون حولها. و لكن جاء رد "سالم" قطعيًا:
- فاطمة مش هاتخرج من بيتها يا نجوى.. أحسن دكاترة بعت أجيبهم لحد هنا. خلاص وصلوا. مش عاوز أسمع كلمة زيادة بقى!
مجبرًا كان "مصطفى" يجلس وحيدًا بالصالة، يستمع بقلق و خوف شديدين إلى تعليقات عائلته حول حالة زوجته.. كان هلعه من أن يصيبها مكروهٍ يعتصر فؤاده... رغم أنه يعلم بأن أيّ شيء قليل بالنسبة لها بعد الذي فعله بها. لكن... لا يمكنه تحمل الفكرة.. فكرة خسارتها. لتعش و تغدو على ما يرام فقط، و هو لا يريد منها أيّ شيء آخر، حتى يرى كيف يمكنه أن يعوض عليها ما أنزله بها!!!
عندما حضر طاقم الأطباء و دخلوا إليها آمرين الجميع بالخروج عدا والدتها و امرأة عمها.. السيدة "عبير" التي أصرت على البقاء لمساندتها. لم يستطع "مصطفى" منع نفسه من الاقتراب قليلًا من باب الغرفة علّه يلتقط أيّ عبارة تطمئنه، لكن "علي" كان له بالمرصاد.. إذ وقف بوجهه محدقًا فيه بنظراتٍ ضارية صرف... منذرًا إياه بأنه إن فكر فقط بالاقتراب خطوة أخرى من شقيقته فأنه هالك هذه المرة لا محالة!
في المقابل لم يتوّسم "مصطفى" في نفسه الجرأة ذاتها التي كان يتحلّى بها قبل ساعة من الآن، بل كان الخزي يغمره من رأسه لأخمص قدميه، فما كان منه في الأخير إلا أن إنزوى بعيدًا في إنتظار خروج الأخبار مثله مثل بقية أفراد عائلته ...
- هاتبقى كويسة إن شاء الله!
قالها الطبيب الشاب مطمئنًا الوالدة المذعورة. بينما كان مساعده يعلّق لها محلولًا، و زميلته الأخرى تجري فحص نسائي أخير على الفتاة التي لا تزال مجمّدة كما هي ...
ردت "نجوى" مناطحة إياه بانفعالٍ:
- هاتبقى كويسة إزاي يا ضاكتور؟ إنت مش شايف البت؟ دي لا بتصد و لا بترد.. و النزيف ده ...
قاطعها الطبيب بهدوءٍ متمرس:
- يا حجة النزيف ده سببه ضغط نفسي. و إللي هي فيه ده كمان راجع لنفس السبب. آه النزيف شديد عشان كده الدورة الدموية بطيئة و مافيش دم كفاية واصل لمخها. عشان كده هي في حالة إغماء نصفي.. المحلول ده ...
و أشار لها بسبابته للكيس الشفاف المعلّق فوق رأس إبنتها و أردف:
- وظيفته إنه يوقف النزيف فبالتالي شوية و هاتفوق و تبقى تمام. بس نصيحتي تطلبوا إستشارة نفسية في أقرب وقت.. أنا مش ملم بالظروف لكن إللي حصل ده مش مؤشر خير!
و إنتهى الطبيب من عمله موصيًا ببعض الملاحظات، ثم خرج إلى بقية العائلة و كرر نفس الكلمات على مسامعهم، ثم رحل بعد أن تلقّى شكرًا و مبلغًا وفيرًا من "سالم الجزار" ...
و بالفعل تحققت تكهناته، بعد بضعة دقائق قليلة بدأ الوعي يعود تدريجيًا إلى حواس "فاطمة".. و دبت الروح فيها من جديد. فكان أول ردة فعل لها هي البكاء المرير و الرفض التام للجميع، حتى والدتها التي عرضت عليها حضنها، دفعتها بقواها الواهنة و هي تصرخ بضعفٍ:
- إوعــــــي.. إبعدي عني.. إبعدوا عني كلكوا.. مش عاوزاكوا.. مش عاوزة حد... إبعدوا عني.. أنا بكرهكوا.. بكرهكوا كلكوا.. بكرهكوا كلكوا ...
و تحت إصرارها و تجنبًا لإثارة أعصابها رضخت "نجوى" لإرادتها و ابتعدت عنها ... وحدها "عبير" التي سمحت لها "فاطمة" بالاقتراب منها و الارتماء بأحضانها، ثم أخيها "علي".. رغم أنها أبدت ترددًا بالبداية... لكنها لم تقاوم ذراعاه حين إمتدا نحوها ليحيط بها ضامًا إياها إلى صدره برفقٍ.
إنتحبت "فاطمة" بحرقةٍ بين طيات قميصه و غمغمت بصوت يكاد يسمع:
- طلعني من هنا يا علي.. عشان خاطري ماتسبنيش هنا.. ماتسبنيش معاه!
أومأ "علي" برأسه وذقنه مسنودًا فوق شعرها، و همس لها بحنوٍ:
- ماتخافيش يا بطة.. أنا مش هاسيبك تاني خلاص.. محدش يقدر يجي جمبك تاني و أنا موجود. على جتتي لو حد فكر يجي جمبك تاني!
و تركها لبرهةٍ رغم أنها لم تكن توده أن يتركها، أرادت أن تتشبث به، لكن لم يعد لديها أيّ قوة.. بينما قام "علي" لينزع كيس المحلول الفارغ من يدها. ما دفع "سالم" لسؤاله بهدوئه المعهود:
- بتعمل إيه يا علي؟
نظر له "علي" مجيبًا بحزمٍ يغلفه أدب:
- فاطمة مش هتقعد مع مصطفى تحت سقف واحد بعد إللي جرى يا عمي.. أنا هاخد أختي من هنا.
- هاتوديها على فين بقى بالشكل ده؟
- هاتوها عندي!
برز هذا الاقتراح المتلهف من فم "عبير". و أكملت مستجدية موافقة "سالم":
- أنا و عبد الله قاعدين لوحدنا.. و أنا مافيش عليا أي مسؤوليات. يعني هابقى فاضية لفاطمة و هاخلي بالي منها كويس.. لحد ما نفسيتها تتظبط و تتقبل الكل من تاني!
قالت جملتها الأخيرة مصوّبة نظرة عتاب شديد نحو "نجوى" التي أبقت رأسها منكسًا تبكي في صمت ...
- أنا موافق!
جاءت الموافقة بصوت "إمام" هذه المرة. إستقطب جميع النظرات و هو يضيف بصرامةٍ:
- هاتنزل عند عبدالله و عبير لحد ما نفسيتها تهدا.. يلا يا علي. شيل أختك و طلعهالي من هنا!!
لم ينتظر "علي" لحظة أخرى و إنحنى مدخلًا ذراع أسفل ركبيتيّ أخته، و الآخر حول كتفيها، ثم حملها بخفة و سهولةٍ كما هي ملفوفة بالملاءة المدماة. و أمام نظرات الجميع.. أمام نظرات "مصطفى" المتحسرة و العاجزة... خرج "علي" بأخته "فاطمة" من باب الشقة في إثره جميع العائلة. عدا "هانم" و "سالم" ... الإثنان بقيا يقفان أمامه وجهيهما يتخذان نفس التعبير الغاضب المسوّد!!!
الآن ...
- لأ!
نطق "إمام" منتفضًا بمكانه بغتةٍ بعد أن داهمته ذكريات الليلة الماضية كلها في ومضاتٍ قصيرة حفزت غضبه كله مرةً واحدة. أجفل "سالم" محملقًا به بغرابةٍ، ليستطرد "إمام" من أعماقه الممزقة و المرارة المنفعلة تكتسح لهجته و نظراته:
- عمرك ما هتقدر تحس بيا يا سالم. عمرك ما هاتعرف الإحساس ده.. أنا خذلت بنتي. كان بإيدي أثبت برائتها بطريقة تحفظ كرامتها و نفسيتها. لكن بدل كده كنت جبان. كنت جبان قدامك لأني ماتعودتش أردلك كلمة.. قولتلي حط ثقتك فيا. و كنت فاكرك هاتخاف على بنتي. بس إنت عملت إيه؟ نصرت إبنك عليها. إنت كمان خيبت أملي فيك. كنت متوقع لما تسمع إبنك بيقول كلام زي ده على بنت أخوك.. إنك تأدبه. تقتـــله إللي بيخوض في شرفنا كلنا. إنت أكتر واحد عارف فاطمة. إنت مربيها. معقولة تصدق عليها الكلام ده؟ فاطمة العيلة الصغيرة إللي مابتسيبش ضلي و لا ضل أمها. خاطية يا سالم؟ لو كانت سلمى بنتك دي. كنت وافقت يحصلها كده؟ كنت إستحملت تقعد ورا باب أوضة و تسمعها بتصرخ بالطريقة دي من واحد حتى لو كان جوزها؟ ردددد عليا يا سالم قولي ممكن تقبل على سلمى كده؟
بقى "سالم" صامتًا بعد سماع حديث أخيه هذا، بقى جامدًا بلا حراك و كل ما ملأ ذهنه هي الصورة التي وصف بها أخيه وضع "سلمى" لو أنها كانت بمكان "فاطمة" ... لا إراديًا إستحالت تعابير وجهه المنفرجة إلى خطوط متقلصة و مشدودة مع إستمرار التصوّر، ألهبت الدماء بشرته و أخيرًا دفعه الغضب الكامن بدواخله _ و الذي طفا الآن على سطح مشاعره _ للقيام فجأة و الصياح بغلظةٍ:
- حمــــــــــــزة!!!!
تطلع إليه "إمام" بوجومٍ، بينما أمه بريبةٍ... ليقول هو بحزمٍ جازم:
- ماكنتش محتاج تجيبها في سلمى يا إمام.. قولتلك فاطمة بنتي.. و دلوقتي هاتشوف حق بنتي هاخده إزاي. حتى لو من إبني!
________________
قضت الليل كله متكوّمة بين أحضان زوجة عمها، متشبثة بتلابيب جلبابها كطفلةٍ تستجدي ملجأٍ و أمان من العالم بأسره.. و للعجب... وجدت في حضن هذه السيدة ما لم تجده قط بحضن أمها. لم تستطع "فاطمة" خلال هذا الوقت كله سوى أن تتمنى لو إن "عبير" هي التي كانت أمها ... و لكنها للأسف لم تعد تؤمن بالأمنيات، لم تعد تؤمن حتى بالأحلام، بل هذا الكابوس فقط سيرافقها حتى قبرها.
إنتفضت "فاطمة" بقوة مرعوبة حين سمعت فجأة جرس الباب يدق، لتهدئها "عبير" فورًا رابتة على كتفها:
- إسم الله عليكي يا حبيبتي.. ماتخافيش يا بطة. ماتخافيش يا حبيبتي. ده الباب بيخبط.. أنا هاروح أشوف مين و جيالك بسرعة. ماتخافيش خالص يا قلبي!
و لكن "فاطمة" أبت أن تتركها، و عادوتها نفس الحالة البائسة العقيمة، فطفقت تبكي مجددًا و لا إراديًا ... لتبقى "عبير" مكانها حائرة و عاجزة عن التصرف.. فإذا بها تتفاجأ بدخول "حمزة" برفقة زوجها... دفعتها غريزتها لإحاطة "فاطمة" بذراعيه و هي تسأله بقلقٍ:
- في إيه حمزة؟ عايز حاجة يا حبيبي؟!!
كان عبوسًا متجهم يسود وجه الأخير و هو يرد عليها باقتضابٍ وجيز:
- أبويا باعتلك يا مرات عمي. بيقولك طلعي فاطمة على الشباك.. عاوزها تشوف حاجة!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم محمد
وسط الباحة الفسيحة لمنزل عائلة "الجزار"... وقفا كلًا من "سالم" و ولده "مصطفى" مقابل بعضهما.. بينما يطوقهما حشدٌ غفير من أهالي الحي.. تقريبًا جميع أهالي الحي قد حضروا بعد أن بعث "سالم" في إستدعائهم ليشهدوا الحدث الجلل.
كانت الشمس الآن متعامدة فوق رؤوسهم، كل شيء مكشوف و واضح.. تعبير الأب القاسٍ، و ملامح الوجوم التام على وجه الإبن.
و بقية العائلة رجالًا يقفون بالخلفية لا يّسمع لهم صوتًا، أما النساء فوقفن بالشرفة الرئيسية بالأعلى يشاهدن ما ينوي "سالم" على إنزاله بإبنه.. لا زال الأمر مبهمًا على أيَّة حال ...
و بالرغم أن الأجواء ساكنة تمامًا، و لكن الهمس لا ريب كان مسموعًا، لا زال القيل و القال على أشده منذ ليلة الأمس.. و بخاصة بين النسوة.
فمنهم مجموعةٍ تقول:
- محدش عارف بالظبط.. إحنا فجأة كلنا سمعنا صويت. و باينها البت فاطمة !
- ياختي هي فاطمة. ده كان من تحت شباك أوضة النوم و يخرق ودان البعيد.. شكلها عصلجت مع مصطفى ف دخلوها بلدي.
- لأ لأ ماتحصلش دي.. مش معقول.
- و هو إنتي كنتي معاهم عشان تقولي مش معقول ؟!!
- كان بان على رزق هو التاني. المعلم سالم مايسمحش بكده. ماعمرناش سمعنا حاجة زي دي عن عيلة الجزار. الدخلة البلدي بيعتبروها إهانة لرجالتهم. الراجل عندهم لازم يدخل بنفسه.. أكيد في حاجة تانية حصلت قلبت الدنيا بالشكل ده !
- تفتكري البت فاطمة ...
- لأ طبعًا إستحالة. يا عبيطة منك ليها.. ماكانوش جابولها الإسعاف إمبارح.. و لو كان فيها حاجة ماكانوش إستنوا عليها أصلًا إنتي بتقولي إيه !!
- أومال هايكون إيه إللي حصل يعني غير كده !!!
- ماعرفش.. قال يا خبر بفلوس. دلوقتي يبقى ببلاش. أدينا واقفين مستنيين !
لا يعلم فيمَ الإنتظار ؟
منذ أن طلب أبيه في حضوره، و قد كان يجلس وحيدًا في شقته الخاصة فوق كرسي الصالون كتمثالٍ، لم يتحرك من عليه طيلة الليل و حتى الصباح.. حتى جاء أخيه الأصغر و أبلغه برسالة الوالد العاجلة.
علم فورًا ما ينتظره.. لا يحتاج الأمر حذاقة... لا بد أنه العقاب.. العقاب الذي وعده به "سالم"... لكنه لم يكن يتوقع بأنه سيُعاقب ها هنا.. أمام الجميع.
مع ذلك لم يهمه كثيرًا، خاصةً حين إرتفع رأسه قليلًا نحو المنزل و إلتقت عيناه مصادفةً بعينيها.. إذ كانت تقف بالنافذة مستندة إلى ذراعيّ زوجة عمه السيدة "عبير" ...
أحس بثقلٍ رهيب فوق قلبه، و هو يراها من موضعه منهارة، جمسها يرتعش من البكاء بين أحضان "عبير" و دموعها تسيل على خديها.. ألقت عليه نظراتٍ مزقته !
و أدرك بسهولة أن مجرد رؤيته الآن تؤذيها بشدة.. هل يمكن ألا تفعل ؟
بعد ما جعلها تعيش اسوأ ليلة بعمرها، بحماقته و عصبيته و غيرته العمياء.. رغم أن حبها في قلبه عظيم... رغم أنها لطالما كانت السلوى و مكافئته التي ظل ينشدها و يحلم بها بعد أن لفظه العالم المحيط به و نبذه أقرب الناس إليه.. حطمها !
الآن هو خاويًا و مهزومًا، فاقد كل ثقةٍ بنفسه، و لكنه أبدًا لن يفقدها.. و إن وضع أبيه السيف على رقبته.
- أكيد كلكوا واقفين دلوقتي و بتسألوا أنا جامعكم هنا ليه !
هكذا طغت عبارة "سالم" فجأة و قضت على الهمس و التململ بلحظةٍ، ليبقى الجميع منتهبًا و مصغيًا إليه.. بينما يمضي مستطردًا و هو يمرر نظراته على الوجوه جيئة و ذهابًا :
- الإجابة على السؤال ده هاتعرفوها حالًا.. من مكاني شايف الكل هنا. بس في حالة نفر واحد كان هنا ليلة إمبارح و مش موجود دلوقتي.. يبقى إللي هايجرى هنا هايكون مسؤولية كل واحد فيكوا. و الحاضر يعلم الغايب.. بعديها لو بلغني أو سمعت كلمة واحدة إتقالت في الموضوع ده صاحبها هايتحاسب هنا قدامكوا. و على إيدي أنا أشد الحساب ...
أفلح إنذاره الهادئ ببث الرعب بقلوب و أعين رعاياه، فلم يطيل صمت الإستيعاب هذا و أردف ملتفتًا نحو إبنه :
- إمبارح كانت دخلة ولادي.. بقول ولادي لأن كلهم بلا استثناء ولادي فعلًا. رزق.. ليلة.. مصطفى.. فاطمة.
نحمد ربنا و نشكر فضله. بناتنا زي الفل و راسنا مرفوعة دايمًا.. بس في حاجة حصلت إمبارح و مسببة حوارات فارغة هنا و هناك. لولا إن الليلة كلها كانت مشهودة ماكنتش هابقى واقف هنا دلوقتي. لكن زي ما سمعتوا إهانة بنتي فاطمة و جرح كرامتها وسط أهلها و ناسها.. لازم تسمعوا و تشوفوا حالًا رد إعتبارها. و أخد حقها من إبني مصطفى !!!
قاطعته أصوات الجمع المشدوهة و الهمسات المذهولة من كلماته، فما لبث أن تابع بلهجة أكثر شدة :
- زي ما بقول ده إللي حصل.. طبعًا كلكوا عارفين فاطمة.. كلكوا تعرفوا أخلاقها و سنها و قلة خبرتها في أي حاجة.
البنت من فترة قريبة بس عرفت إنها هاتتجوز إبن عمها. و مالحقتش تتعود حتى على الخطوبة القصيرة جدًا. فجأة بين ليلة وصبح لاقت نفسها عروسة.. طبيعي خافت.
أول ما إتقفل عليها باب واحد مع راجل. حبست نفسها في الأوضة و ماكانتش قابلة أي قرب.. يعمل إيه بقى مصطفى إبني ؟
يشك في أخلاقها.. تخيلوا !
و يتهمها بالباطل كمان لمجرد إنها بريئة و لسا عيلة جاهلة بأمور الكبار.. حفظ لشرفها هي قدامه أنا سمحت للدخلة تتم و تمت و ظهرت براءتها قدامنا و قدامكوا الحمدلله.
بس الأمور إتعقدت و البنت تعبت و نفسيتها كمان لحد دلوقتي تعبانة.. لا هي و لا بقية العيلة مسامحين مصطفى على إللي عمله... عشان كده أنا قررت أخدلها حقها و حقنا كلنا منه و أردهاله قدام الكل زي ما عمل فيها !!!
و أدار "سالم" رأسه ناظرًا بعينيّ إبنه الآن ...
اقترب منه بضعة خطوات، و حين صار على مسافة تسمح بأن يسمعه هو فقط، قال بصوته الجليدي يساومه بلا رحمةٍ :
- تطلقها.. و لا تتهان قصاد الخلق يا مصطفى ؟
كانت محمرّتين الآن و قسمات وجهه متعبة، مع ذلك وجد ما يكفي من القوة و التصميم ليقول بشجاعة :
- أعمل إللي تعمله.. مش هاطلق فاطمة !
ظلا على هذه الحال لبرهةٍ طويلة، يحدق كلٌ منهما بالآخر، و يصمم كلٌ منهما على قراره... حتى إرتد "سالم" خطوةً للخلف و هو يهتف مناديًا :
- حــمــــــــــــزة !
لحظاتٍ و أتى "حمزة" ممتثلًا أمام أبيه، سلّم له كيسًا من القماش الداكن و و قف بالقرب منه كما أمره، بينما يحل "سالم" عقدة الكيس، فسرعان ما ظهر ما يحويه ...
كان سوطًا !!!
سوطًا من الجلد الطبيعي، ثمين، مصنوع يدويًا بالكامل و متين.. رؤياه فقط ترعب الناظرين... و لو أنهم خمنوا كيف سيُعاقب "مصطفى" بمجرد تلويح "سالم" به أمام وجه ولده.
قست تعابير "سالم" تمامًا الآن و هو يصيح حائمًا حول "مصطفى" بخطواتٍ تحاكي إسلوب الضواري بالافتراس :
- الله سبحانه و تعالى قال في كتابه : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".. صدق الله العظيم ...
و بما إن مصطفى إبني رمى بنت عمه الطاهرة الشريفة بالباطل. و بعد ما ثبتت براءتها و بطلت تهمته ليها.. فهو مية في المية يستحق العقاب و يقع عليه حد الله... و هو إللي هانفذه فيه بإيدي دلوقتي.
80 جلدة !
علت الشهقات المصدومة من كل مكان في هذه اللحظة، حتى أن "سالم" سمع بعض الغمغمات المعترضة، لكنه لم يحرك ساكنًا و هو يأمر إبنه بقساوةٍ :
- إقلع قميصك و أنزل على ركبك !!!
بدون أيّ تردد، و بدون أن يشعر "مصطفى" بذرة خوفٍ أو قهقهرة، رفع أنامله و حل أزرار قميصه و هو يرفع رأسه ملقيًا بنظراته الغائمة تجاه "فاطمة" التي لم يتبدل حالها مقدار شعرة حتى بعد أن سمعت العقوبة الواقعة عليه.
لعلها تسكن قليلًا عندما ترى بعينيها جديلة السوط و هي تنهال فوق جسمه مطهرةً إياه من إثمه الذي لا يغتفر ...
في جهة أخرى كان "سالم" يستعد، بأن خلع شال عباءته و خاتمه و ساعته الفاخرة و مسبحته مودعًا كل هذا في عهدة إبنه الأصغر "حمزة".
إلى حين ألقى "مصطفى" بقميصه أسفل قدميه، تقدم ثلاث خطواتٍ للأمام، ثم ركع فوق ركبيته رافعًا هامته أمام الجميع، بينما يشمر "سالم" عن ساعديه... أمسك بعصا السوط المكسوة بالجلد الغليظ.
و مع العد صاح و هو يهوى بضربةٍ عنيفة بطول ذراعه نحو ظهر "مصطفى" العاري :
- واحد !!!!
بالأعلى ...
كانت "ليلة" تفرك عينيها غير مصدقة و هي تطل على هذا المشهد المريع الفظيع عبر نافذة غرفتها، غرفة النوم الرئيسية التي تنازل عنها "رزق" لها بكرمٍ سخي.
تسارعت خفقات قلبها بوجلٍ حقيقي عندما شاهدت عمها بيده و كأنه يعذب ولده "مصطفى" بالسياط.. ليس و كأنه... بل أنه بالفعل يقوم بهذا.
فغرت فاها بصدمةٍ و هي تقفز مستديرة نحو باب الغرفة المغلق، أدارت المفتاح بالقفل و فتحته، ثم خرجت تبحث عن "رزق" ...
لم تجده بالصالة أو حجرة المعيشة أو المطبخ أو حتى الحمام، و كم كرهت أن تلجأ للبحث بالغرف، لكنها أضطرت لذلك.
و كان سهلًا أن تعرف بأنه قابعًا وراء تلك الغرفة الوحيدة المغلقة، و لولا أن الفزع وحده الذي يحركها الآن لما إنطلقت نحوها و دفعت بالباب هكذا، لتلج و تجده راقدًا على وجهه بمنتصف السرير الخاص بالأطفال و الذي لم يستوعب حجمه أبدًا.
حيث بلغت ساقيه حافته، و مالت رأسه قليلًا عند جهته الأخرى.. و بالطبع، لم يكن يرتدي الكثير من الملابس، فكان شبه عاريًا.
لكنها لم تآبه و إنقضت فوق الفراش بجواره صائحة و هي تلكم ظهره و كتفيه بحركات سريعة :
- رزق.. يا رزق.. إنت يا ررررررزق.. قوم يخربيت أبووووك !!!!
- نهارك إسود ! .. غمغم "رزق" بين اليقظة و النوم.
و ما لبث أن إنقلب على ظهره لينظر لها عبر نظراته الناعسة و هو يقول بغضبٍ :
- إنتي إتجننتي. بتغلطي في أبويا.. إحترمي نفسك و لا أقوم أقطع لسانك ده و الله !!
ليلة باستهجانٍ حانق :
- طيب قوم يا حبيب أبوك.. قوووم طل من الشباك و شوف أبوك بيهبب إيه تحت. يا عيلة مختلة يا معاتيه !
و كانت منفعلة بشدة بأواخر كلماتها، إلى حد دفعه للقيام أسرع مما ينبغي و لكن دون أن يتخلّى عن نظرة الغضب التي صوبها نحوها.
مشى مترنحًا من تأثير النوم و اصطدم بأغلب قطع الأثاث خلال طريقه للخارج، حيث لم تكن بالغرفة التي ينام بها أيّ نوافذ، إتجه مباشرةً نحو الشرفة الكبيرة و فتحها على مصراعيها ليطل على واجهة الحي ...
- ××× !!! .. كانت هذه السبة هي التعبير الوحيد المناسب الذي قفز على لسان "رزق" عندما صدمه المشهد الممتد أمامه بالأسفل.
لم يستطع تصديق ذلك، لكن هذا لا يفيد، عليه أن يهبط إلى الأسفل فورًا و يتحرّى الأحداث التي أدت لذلك و فوّتها هو.
بدون أن يضيع لحظة أخرى إستدار منطلقًا نحو غرفة النوم الرئيسية.. فتح الخزانة و أخذ أول ما وقعت عليه عيناه ...
- 42 !!!
هدر "سالم" بالعدد و هو يلهث من شدة المجهود المضنِ الذي يبذله.
بينما أمامه، لا يزال "مصطفى" بمكانه، يتمالك نفسه بصعوبةٍ و هو يرى نظرات الشفقة بأعين المحيطين به و يميز من بعيد بكاء أمه.
ربما كان متماسكًا بثقة وصولًا إلى الضربة العشرون ...
و لكن من بعدها، عندما بدأ يشعر بالتمزقات تزداد على جلده، و بالدماء تتدفق كالشلال من جروحه المفتوحه على ظهره، لم يستطع أن يبدو بالقوة نفسها على الأقل.
مع كل ضربة الآن يفقد درجة من درجات صموده، إلى أن إكتسحه ألمٍ عظيم فاق إحتماله، و جاءت تلك اللحظة التي أطلق فيها صرخة مصمّة لم تكن كافية للإيذان بنهاية عذابه ...
و واصل "سالم" متجاهلًا آلام إبنه بقلبٍ بارد :
- 50 !
لكنه لم يتمّها ...
لم ينال "مصطفى" هذه الضربة من والده، و السبب قبضة "رزق" التي إلتقطت ذراع "سالم" من الهواء قبل أن يحل أمامه مباشرةً و يواجهه رأسًا برأس !!!!
- عاوز تموته و لا إيه ؟! .. قالها "رزق" بلهجةٍ قاتمة محدقًا بعينيّ أبيه بغضبٍ شديد.
- إيه إللي بتعمله ده يابويا ؟؟؟
رد "سالم" ببرودٍ :
- إوعى من قدامي يا رزق.. لسا عليه شوية !
غمغم "رزق" من بين أسنانه و هو يشدد قبضته حول رسغه :
- إنت مش هاتلمسه تاني. سامع ؟ مش هاتلمس مصطفى !!!
و إنتبه "رزق" إلى صوت الارتطام المكتوم من خلفه، ليلتفت و يجد أخيه و قد فقد وعيه منقلبًا على وجهه، بينما تتصاعد الصيحات الهلعة من كل حدبٍ و صوب.
ترك "رزق" أبيه فورًا و جثى على ركبيته بجوار أخيه ...
- مصطفى ! .. هتف "رزق" بقلقٍ كبير و هو يمسك برأس الأخير بين كفيه.
لكنه كان مغشيًا بوضوح شديد ...
رفع "رزق" رأسه باحثًا عن دعم، وجد "علي" يقف قريبًا منه فناداه على الفور :
- علي.. علي تعالى ساعدني. لازم نشيله و نوديه المستشفى حالًا !
و لكن للدهشة !
رماه "علي" بأقسى نظرة ممكن أن يراها و أولاه ظهره ماضيًا بالاتجاه العكسي ...
حدق "رزق" في إثره بنظراتٍ شاخصة، ذاهلة، لكنه لم يستسلم للصدمة طويلًا و نظر نحو أخيه الأصغر آمرًا بانفعالٍ :
- حمزة.. روح هاتلي العربية بسرعة !!!
و إستلّ سلسلة مفاتيحه من جيبه بلحظةٍ و رماها لأخيه، إلتقطها الأخير بسهولةٍ.. و خلال دقيقة كان قد أحضر "حمزة" سيارة "رزق" مخترقًا الزحام بزامورها القوي.
بينما سارع "رزق" للقيام و هو يحمل أخيه على كتفه، وضعه بالمقعد الخلفي للسيارة و كانت أمه.. السيدة "هانم" قد جاءت و الدموع ملء عينيها ...
- إركبي يا مرات أبويا ! .. أذن لها "رزق" باقتضابٍ و هو يرسل بنظرة مقت عظيم صوب أبيه.
إستقلّ خلف المقود، و جاورت "هانم" إبنها بالخلف و "حمزة" قد حل بالمقعد الأمامي إلى جانب أخيه ...
فلم ينتظر "رزق" لحظة أخرى، أقلع بالسيارة إلى الوراء محدثًا صريرًا في عجلاتها و هو يطلق الزامور منبهًا الحشد للسرعة التي ما لبث أن إنطلق بها فورًا !
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم محمد
يجلس الآن بشقة أمه، صدره يخفق باللهاث، السوط الذي مزق به جسم إبنه لا يزال في قبضته، يقطر دماء "مصطفى" حتى هذه اللحظة فوق الأرض عند قدمه.
بينما قبضته الأخرى والملطخة أيضًا بنفس الدماء مفرودة أمام عينيه، لا تكف عن الارتعاش لا إراديًا. عجبًا! لما كل هذا الإنفعال الآن؟ أليس هو الذي صمم أن ينزل بولده هذا العقاب الشديد أمام أعين رعاياه قاطبةً؟ وهو بذاته الذي أراد إذلاله ثأرًا لشخصه هو بالمقام الأول.
إذ كثرت أخطاؤه أمامه بالآونة الأخيرة وصار يتبجح عليه بجرأة ملفتة للأنظار. بالنسبة إليه مئة بالمئة قد استحق "مصطفى" ما حاق به. ولكن... بعد كل ما جرى.. بعد محيئ "رزق" تحديدًا وإنقاذه لأخيه من قبضته.. لماذا هو مبعثر الفكر هكذا؟ لماذا يشعر بالارتباك وهو نادرًا ما يحدث له بحياته!!!
"ارتحت يا إمام إنت وبتك؟"
هدر صوت الجدة "دلال" بكل هذا القدر من الغضب والحسرة في آن. كانت الدموع بعينيها تترقرق مهددة بالسقوط في أي لحظة. بينما يقف إبنها الأوسط أمامها مطرق الرأس كتلميذ معاقب يستمع لتوبيخها المتواصل.
"بهدلة مصطفى قصاد الخلق بردت قلوبكوا؟ لو كان أبوه خلص عليه خالص كنتوا هاتتبسطوا أكتررررر؟"
حاول "عبد الله" الذي انضم إليهم حديثًا أن يتدخل وهو يغلق باب الشقة الآن حتى لا يصل الحديث إلى الخارج.
"ياما إهدي شوية. مش حلوة العصبية دي عليكي.. إللي حصل حصل بقى خلاص."
دلال بصراخ منفعل:
"لأاااااا. مش خلاااااااص.. أنا قلبي ده قايد ناااار. أول مرة تحصل. أول مرة أسمع وأشوف. الراجل يتجلد ويتقل منه عشان حرنان على شرفه؟ وبتك يا إمام إللي تستاهل كسر رقبتها. قسمًا يمين بالله أنا لو كنت بصحتي كنت طلعت أنا وجبتها من شعرها تحت رجلي. إللي تقفل على روحها باب الأوضة وقال إيه خايفة خااااايفة من إيه الـ××××× دي؟ إللي أصغر منها عنيهم بجحة وما يصدقوا يشوفوا راجل أصلًا وإنتوا تخيل عليكوا الحركات إللي عملتها السافلة قليلة الرباية. الله يرحمه أبوك لو كان عايشلها ماكنش طلع عليها صبح. إنتوا خيبتوا كلكوا خلاص. مابقتوش رجااااالة..."
"خلاص يامــــا!!!"
صاح "سالم" مقاطعًا إياها فجأة. رفع رأسه مصوبًا نحو أمه نظراته المحتقنة بمشاعره المتضاربة كلها، ثم قال بحدة رعناء:
"الموضوع ده إنتهى. محدش هايجيب سيرته تاني أصلًا وإن سمعت بيه هاقطع لسان وخبر أي حد ممكن ينطق بكلمة تانية.. حتى لو كان من أهل البيت ده!!"
وهب واقفًا بلحظة ساحبًا شال عباءته على كتفه، ثم مضى كعاصفة من بين أخويه، فتح باب الشقة وعبر خلاله قاصدًا شقته بالأعلى.
لكنه جمد فجأة حين رأى إبنته "سلمى" تجلس بمنتصف الدرج، تلتصق بهيكل الدرابزون الحديدي وتبكي كالأطفال. فما إن رأت أبيها حتى قامت فورًا وراحت تتخبّط بمكانها باضطراب وهي تبكي بحرقة أشد.
بينما يرمي "سالم" السوط المدمى من يده، ويهرع نحوها وهو يصيح متسائلًا:
"سلمى! مالك يا حبيبتي؟؟"
حاول أن يمسك بها بادئ الأمر، لكنه أقلع عن الفكرة حين شاهد الذعر منه بعينيها وشلّته الدموع الغزيرة التي أغرقت وجهها الجميل. فعوض ذلك قال بصوت هادئ لاستمالتها:
"سلمى. حبيبة أبوكي... إنتي خايفة مني؟"
لا إراديًا وجدت الفتاة نفسها تومئ له أن نعم، فوقع عليه جوابها كقبضة حديدية اعصرت قلبه. أغمض عينيه بشدة للحظة، ثم فتحهما ونظر لها مرة أخرى.
رسم ابتسامة خفيفة على ثغره وقال بلطف:
"ماتخافيش.. إنتي بالذات إوعي تخافي مني. إنتي ماتعرفيش غلاوتك في قلبي إزاي.. أنا عمري زعلتك؟ عمري مديت إيدي عليكي ولا زعقتلك حتى؟!"
هطلت دموع الفتاة على خديها أكثر وهي تهز رأسها للجانبين بقوة، فاتسعت ابتسامة "سالم" وهو يتقرب منها ببطء قائلًا:
"ولا عمري هاعمل كده. أوعدك.. معقول مش بتصدقي أبوكي!!!"
ردت "سلمى" بين شهقتين مريرتين:
"بصدقك!"
وارتمت بين ذراعيه.. محطمة ومقهورة بحزنها.
ضمها "سالم" بحنان إلى صدره وغمغم مقبلًا رأسها:
"حبيبة أبوكي إنتي.. حبيبتي وقلبي يا سلمى.. إوعي تخافي مني أبدًا. استحالة يطولك مني أذى.. إنتي بالذات!"
"مصطفى!!!"
نطقت "سلمى" بصعوبة وقد تضاعفت شهقاتها.
تنهد "سالم" بثقل وهو يربت على كتفها مواسيًا:
"هايرجع. ماتقلقيش عليه.. أخوكي رزق معاه. مش هايرجع غير بيه.. ماتخافيش بقى.. يلا تعالي معايا!"
ثم حملها وصعدا معًا إلى شقته.
***
في إحدى المستشفيات الخصوصي...
حيث نقل "رزق" أخيه ودفع بالكارت البنكي مبلغًا طائلًا قبل أن يسمحوا لهم بالدخول. جاء طاقم التمريض بسرعة وحملوا "مصطفى" المغشي تمامًا إلى قسم الطوارئ.
أرادت "هانم" أن ترافقه لكنهم لم يسمحوا لها مطلقًا، فأبقى عليها "رزق" بجواره متحدثًا إليها بلباقته المعهودة:
"سبيهم يشوفوا شغلهم يا مرات أبويا. أوضة الكشف متعقمة ماينفعش يدخلها إلا المصاب والدكاترة بس.. ماتقلقيش مصطفى هايبقى كويس!"
وبقي بمكانه أمام غرفة الفحص لم يتحرك أبدًا، بينما "هانم" تلقي برأسه فوق صدر إبنها الأصغر "حمزة" باكية. وإذ نجح الأخير في تهدئتها قليلًا.
أشار له "رزق" ليقترب، فترك أمه بوعد بالعودة إليها سريعًا. اقترب من أخيه أكثر، ليخاطبه "رزق" بصوت خفيض صارم:
"إحكيلي إللي حصل كله يا حمزة. قولي أبويا عمل في مصطفى كده ليه؟ وإزاي عمامي سابوه؟"
عض "حمزة" على شفته شاعرًا بالخجل مما هو على وشك البوح به، لكنه أمام تصميم أخيه الأكبر اضطر لسرد كافة الأحداث الأخيرة كلها عليه بإيفاء وإيجاز.
"كل ده حصل وأنا نايم في الخط؟!!!"
علّق "رزق" مذهولًا عقب أن فرغ "حمزة" من حديثه.
رد "حمزة" بتوتر جلي:
"القيامة قامت في بيتنا إمبارح.. مصطفى كان زي التور الهايج بالظبط. محدش كان قادر يسيطر عليه.. تصور أنه رفع السلاح في وش أبويا!!"
اسودت زرقة عينا "رزق" فجأة وهو يغمغم بغضب مضمر:
"أبوك غلطان.. محدش غلطان غيره!"
نظر له "حمزة" مدهوشًا ولم يتكلم.
ليسمعوا بعد لحظة باب غرفة الفحص ينفتح، ثم يظهر من خلفه كبير الأطباء. كانت "هانم" أول من طارت تجاهه.
بينما مشى كلًا من "رزق" و"حمزة" في إثرها.
"إبني في إيه يا دكتور؟؟"
هتفت "هانم" بصوت أقرب للصراخ وهي تمسك بكم بزّة الطبيب المعقمة.
"إبني كويس صح؟؟"
كانت دموعها تتساقط من عينيها بلا انقطاع.
في المقابل عمد الطبيب إلى تهدئتها قائلًا بلهجة متحفظة:
"ماتقلقيش يا مدام إبنك كويس أوي. مافيش أي حاجة تستدعي الخوف ده كله.. إحنا جوا كشفنا عليه مافيهوش أي إصابات غير آثار التعذيب الواضحة على ضهره. ودي تتعالج بكل سهولة وتشفي آثارها بسرعة كمان مع المواظبة على الأدوية إللي هانكتبهاله."
تداخل صوت "رزق" الرزين مع صوت الأخير:
"يعني هو يقدر يخرج معانا يا دكتور؟"
نظر له الطبيب وأجاب:
"طبعًا يقدر.. بعد المحاليل إللي علقناهاله ما تخلص يقدر يخرج طبعًا. بس أنا من رأيي يقعد إنهاردة تحت الملاحظة خصوصًا لو حابين تقدموا محضر بالواقعة.. إللي أنا شوفته إن دي آثار تعذيب واعتداء بالضرب المبرح أدى لفقدان الوعي!"
لوّح "رزق" بيده بالهواء قائلًا بنفي جازم:
"لالا مافيش محاضر هاتتقدم. أنا موافق يقعد إنهاردة تحت الملاحظة.. بس من غير محاضر ولا حاجة."
هز الطبيب كتفيه:
"إللي تشوفه حضرتك.. عن إذنكوا طيب عندي عملية كمان ربع ساعة. يدوب أجهز."
تمتم "رزق" مفسحًا له ليمر:
"إتفضل!"
بينما جاءت "هانم" لتمضي ناحية الغرفة، فقبض "رزق" على رسغها وقال بحزم لطيف:
"مش هاينفع تدخلي يا مرات أبويا. قولتلك أوضة الكشف مابيدخلهاش إلا الدكاترة.. هما شوية وهايطلعوه وينقلوه أوضة مخصوصة. إبقي شوفيه هناك براحتك."
ثم التفت صوب أخيه مستطردًا:
"حمزة.. تخليك جمب أمك ماتسيبهاش. أنا طالع وراجع تاني.. مش هتأخر."
"رايح فين يا رزق؟"
"رايح لابوك!"
قالها "رزق" بصوت أكثر خشونة.
وعبث في جيبه للحظة، ثم أمسك بكف أخيه ودس به بضعة من الأوراق النقدية قائلًا:
"خلي دول معاك لو إحتاجتوا أي حاجة تتصرف بيهم.. أنا مش هتأخر زي ما قولتلك..."
قاطعته نغمة هاتف "حمزة" المألوفة، إذ سمعها "رزق" لأكثر من عشرين مرة خلال مجيئهم إلى هنا.. وحتى هذه اللحظة.
"مين بيكلمك؟"
سأله "رزق" باقتضاب.
تأفف "حمزة" بنفاذ صبر وهو يستلّ هاتفه من جيب سرواله الخلفي مغمغمًا:
"كلهم.. كلهم بيكلموني. ستي و عمامي.. تخيل حتى عمي إمام بيكلمني. قال يعني عاوز يطمن على مصطفى!"
أمره "رزق" بصرامة حادة:
"ماتردش على حد.. إوعى ترد عليهم. أنا بنفسي رايحلهم."
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم محمد
مضى يغسل يديه جيدًا بالماء والصابون أمام عيني ابنته اللامعتين ببقايا دموعها. راقبت بقلبٍ واجف كيف أن دماء أخيها التي لطخت يدي أبيها راحت تختفي منهما شيئًا فشيئًا، متسربة مع دفقات المياه الدافئة. كانت لا تزال مأخوذة، ترهب والدها بعض الشيء.
فاستثرت انتباهه فورًا حين صدرت عنها شهقة من جراء البكاء الذي أقلعت عنه بصعوبةٍ تحت إلحاحٍ منه. ما لبث "سالم" أن أغلق صنبور المياه وسحب منشفة مجففًا بها يديه وهو يقول متنهدًا:
"من آمن العقاب أساء الأدب، ده إللي إحنا اتعلمناه لما كنا لسه عيال يا سلمى. وده عرفناه من الأزل. إنتي عارفة طبعًا إن عيلتنا قديمة جدًا. جدك الجزار الكبير، ده ما كانش لقبه، هو كان اسمه كده. وهو برضه اللي عمل حي الجزارين بتاعنا ده. لو كان عايش وأنا لو كنت مكان أخوكي مصطفى، كان هايعمل فيا نفس اللي عملته فيه."
وترك المنشفة جانبًا وأخذها إلى الخارج محيطًا كتفيها بذراعه.
"عمري ما شفتك عملت كده في حد يا بابا!" قالتها "سلمى" بلهجةٍ متأثرة وهي تسير في قدم أبيها.
اصطحبها "سالم" حتى غرفة المعيشة، جلس فوق مقعده الضخم المخصوص، قربها منه وأجلسها فوق قدمه مطوقًا خصرها بذراعيه. ثم قال بلطفٍ وهو يمسح بكفه على شعرها الحريري:
"أنا عمري ما افتريت على حد يا سلمى. طبيعي ما تشوفنيش بعمل كده في العادة، لكن ده مش معناه إنه ما بيحصلش أوقات. في ناس مجرد الكلام ما بيجيبش معاهم أي نتيجة. لازم يشوفوا تصرفات وأفعال تخوفهم، عشان محدش يتجرأ ويتطاول على الكبار، اللي هما إحنا طبعًا. أخوكي حط من كرامتنا كلنا قصاد الناس، ولو ما كانش اتعاقب هيبتنا كانت هاتسقط. وبالتالي سيطرتنا على الناس وقوتنا كلها كانت هتبقى في الأرض."
نظرت له غير مستوعبة لكل هذا. فابتسم لها ببساطةٍ وحنى رأسه قليلًا ليقبلها على خدها متمتمًا بحنانٍ:
"جايز ما تفهميش كلامي كله دلوقتي، بس أنا متأكد مع الأيام هاتستوعبي. سلمى أبوكي مش قليل. لازم تفهمي كويس إحنا مين. إحنا مش مجرد عيلة زي الناس، وحبايبنا أقل من أعدائنا. في قوانين بتحكمنا ما ينفعش نخرج عنها. لو خرجنا العقد يفرط وكل شيء ينتهي في لحظة."
وصمت هنيهة، ثم قال رابتًا على كتفها:
"بكرة تكبري وتفهمي قصدي كويس. وبكرة ده مش بعيد يا حبيبة أبوكي. إنتي ما شاء الله بقيتي عروسة زي القمر."
"لأ!!!" هتفت "سلمى" محتجة بنفس اللحظة وصارت كأنما روحٌ أخرى تلبستها.
عقد "سالم" حاجبيه مرددًا:
"لأ إيه يا سلمى؟!"
سلمى بجدية:
"لأ مش عايزة أبقى عروسة يا بابا. مش عايزة أبدًا.. أبدًا!"
ارتفع حاجباه هذه المرة دهشةً:
"ليه كده يا سلمى؟ ويهون عليكي أبوكي تحرميه من فرحة زي دي؟ أينعم أنا هكون حزين جدًا وغيران كمان من اللي هايجي ده وياخدك مني. بس برضه إنتي فرحتي الكبيرة يا عمري. ده ساعتها أعملك ليلة من ألف ليلة وليلة، ليلة محدش شافها ولا هايشوفها. ومش ليلة واحدة. وحياتك سبع ليالي ورا بعض. وقتها الدنيا ماتتسعنيش من فرحتي بيكي يا قلب أبوكي."
تقلصت قسماتها الخمرية الجميلة بتعبيراتٍ أليمة وهي ترد عليه بخوفٍ بيّن:
"أنا مش عايزة يجرالي زي بطة يا بابا."
مجرد طرح المقارنة وإمكانية حدوث ذلك لابنته. مجرد تخيلها مكان "فاطمة" في تلك الليلة ورؤية وجهها مذعورًا وسماع صراخها من خلف باب غرفة، وحدها مع رجل حتى ولو كان زوجها.
هذا التصور وحده الذي أُجبر على استعراضه بمخيلته مرتين حتى الآن، جعل النيران تتأجج من أعماقه متصاعدة، حتى طالت قمة رأسه وكادت تذهب بعقله كليًا، لولا أنه أدرك بأنها لا تزال بين يديه.
تمالك "سالم" أعصابه بجهد، ثم نظر لعينيها بعمق وخاطبها بهدوءٍ واثق:
"سلمى، عاوزك تبقي واثقة من حاجة واحدة بس في الدنيا دي كلها. لو حد فكر يمسك بسوء أنا أمحيه من على وش الأرض في ثانية. وقبل ما يجرب يخطي ناحيتك خطوة. إوعي تخافي أبدًا. اللي حصل لبطة كان غلطة عملها أخوكي واتحاسب عليها. بس عمرها ما تحصل معاكي طول ما أنا وإخواتك عايشين وبنتنفس. مصدقاني؟"
سلمى بقليلٍ من التردد:
"مصدقاك. بس أنا برضه خوفت أوي!"
رقت نظراته كثيرًا وهو يحتضن جانب وجهها بكفه الضخم متمتمًا:
"من إيه بس يا حبيبتي؟"
عضت "سلمى" على شفتها السفلى قبل أن تقول على استحياء:
"إمبارح، لما كنت واقف تحت شباك رزق، ورمى المنديل الصغير. ساعتها شفتك بتضحك ومبسوط أوي. وبعدين خدته وأديته لستي دلال وبرضه شفتها بتضحك وتحطه على وشها وبتزغرط. وأنت وعمامي واقفين كلكم بتضحكوا. أنا خوفت منكم كلكم يا بابا!"
أمعن "سالم" النظر بقسماتها الأنثوية الجميلة والشبيهة قليلًا بقسماته. ضايقه أن يرى حقًا تعابير الخوف تستبد بها بهذا الشكل. فسحب نفسًا عميقًا ثم قال دون يغير من وضعيته شيئًا:
"بصي يا حبيبتي. إنتي لسه سنك صغير عشان تفهمي اللي حصل ليلة امبارح ده. بس أنا هاختصر عليكي وأقولك إنها حاجة ضروري تحصل لأننا عايشين في وسط شعبي. لينا عادات وتقاليد. يمكن الحكاية قاسية شوية، بس لا بد منها. عشان الراجل والست الاثنين يقدروا يمشوا قدام الخلق راسهم مرفوعة. البني آدم يا سلمى ما يساويش حاجة لو فقد شرفه وكرامته. لما تكبري وتبقي عروسة إنتي أول واحدة هاتصمي على حاجة دي. وهاتبقي فخورة بنفسك. بس مش أكتر مني أنا يا قلبي."
وضمها إلى صدره الواسع بشدة حنونة مضيفًا:
"وعلى أي حال متخافيش. سلمى بنت سالم الجزار مش أي حد ياخدها. واللي هاياخدها هايحطها تاج على راسه. عمري ما أسمح لمخلوق يزعلك أو ينزل دمعة واحدة على خدك. آكل قلبه!"
أجفلت الفتاة بخوفٍ من ذاك الوصف الأخير، لكنها ما لبثت أن ابتسمت أخيرًا، عندما شعرت وتأكدت من صدق أقوال أبيها. إذ نعم وألف نعم. إنها "سلمى"... ابنة "سالم الجزار". وشتان بين "سالم الجزار" وبين الناس جميعًا، حتى لو إخوته، هو الأكبر قيمة ومقامًا. عليها أن تؤمن بأنها لن تضام أبدًا ما دام اسمها مقترنًا باسمه.
هكذا طوال حياتها ستظل تنعم بالحماية والأمان التام.
***
لا!
لم يبرد قلبها بعد، حتى بعد رؤيته وهو يتعذب ويُهان على مرأى من الجميع ومسمع. لا زال جرحها أشد عمقًا وألمًا من أن تداويه خمسون جلدة، أو حتى إذا أتم الثمانون.
طعناته لها كانت أقل، ولكنها تعادل مليارات من صنوف وأشكال الوجع والأذى الجسدي والمعنوي، فضلًا عن عدم تقبلها إياه. صارت تكرهه وهي التي لم تكن تحبه يومًا ولا حتى تبغضه.
اليوم، بل انطلاقًا من الأمس "مصطفى الجزار"... زوجها... أمسى ألد عدوًا لها. مهما حدث لن تعود إليه. لن تنظر في وجهه ما دامت حية!!!
كانت تجلس منذ الظهيرة، منذ أتى "رزق" وأمام عينيها أنقذ "مصطفى" من العقوبة الواقعة عليه. لم تبارح مكانها هنا عند النافذة.
جلست فوق كرسي مبطن بالإسفنج، تسند رأسها إلى إطار النافذة المزدوجة، تراقب المارة بالأسفل ودموعها تسيل في صمتٍ على خديها الشاحبين، رأسها متخمًا بالأفكار. لكنها لا تستطيع أن تنبش بها، فإذا فعلت حتمًا سيصاب عقلها بالشلل كما حدث لجسدها ليلة أمس، من شدة العذاب الذي نزل به لم يتحمل وتخشّب تخشيبًا.
"بطة!"
ارتعدت بذعرٍ حين سمعت النداء المبهم.
لكنها سرعان ما اطمأنت حين التفتت ورأت زوجة عمها تقف عند عتبة باب الغرفة. ابتسمت لها ابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت بعتبٍ واضح:
"أيوة يا أبلة عبير. نعم؟"
شملتها "عبير" بنظرات العطف المحبة وقالت:
"أمك وأبوكي قاعدين برا يا حبيبتي، عاوزين يدخلوا يشوفوكي!"
انسحبت الدماء المسحوبة أصلًا من وجه "فاطمة" وقامت من مكانها فورًا متحاملة على جميع آلامها.
"لأ يا أبلة عبير!!" هتفت "فاطمة" معترضة وهي تعرج على قدم وقدم وصولًا للجهة الأخرى من الغرفة.
"لأ مش عاوزة أشوفهم. لا أمي ولا أبويا. ماتخليهمش يخشوا هنا ونبي."
نظرت لها "عبير" بعجزٍ، ووقفت تلتفت خلفها مرارًا حائرة، هكذا لمدة دقيقة كاملة. إلى أن تفاجأت "فاطمة" برؤية أمها أولًا، ثم لمحت أباها في إثرها.
بإذعانٍ شديد أفسحت "عبير" لهما ليلجا، بينما تتراجع "فاطمة" للوراء حتى التصقت تقريبًا بالجدار. اكتنفتها نظرات أبويها المتلهفة فور وقوع عينيهما عليها.
وكانت "نجوى" أول من تحدثت بتلك اللهجة الكسيرة:
"فاطمة! يا بنتي يا حبيبتي.. عارفة إن دي كانت أطول ليلة تمر عليا؟ غيابك قاطع بأمك يا نور عيني. تعالي يا حبيبتي في حضن أمك."
"إوعي تقربي مني!!!" صرخت "فاطمة" بوجوههم جميعًا موسعة دائرة تحذيرها.
جمدت "نجوى" محلها مصدومة، لتستطرد "فاطمة" مصوبة نحوهم نظرات العداء الصريحة:
"أنا ما عدتش طايقة أشوفكم كلكم أساسًا. إزاي. وبأنهو وش جايين تشوفوني؟ رررردددوا عاوزة أعرف إزااااي؟؟؟؟؟"
"مش كده يا فاطمة!" قالتها "عبير" بتأثرٍ بالغ وهي تمضي نحو "فاطمة" مسرعة.
أمسكت بها وحاولت تهدئتها:
"ما تضغطييش على نفسك بالطريقة دي يا بنتي. إحنا مش ناقصين تتعبي تاني."
طغى صوت "إمام" القوي على الأجواء المتوترة في هذه اللحظة:
"سبيها يا عبير. سبيها تخرج كل اللي جواها. أحسن. عشان لما يرجع مصطفى وترجع هي كمان معاه تبقى هادية وراسية عن كده."
"أرجع مع مين؟؟؟؟!!!" تساءلت "فاطمة" مذهولة حد الجنون.
وما لبث أن تحول هذا الذهول إلى انفعالٍ هز كيانها هزًا وهي تصرخ من نواصيها:
"لأ.. لأااااااااااا. مستحيييل. إنت جاي تقولي أرجع لمصطفى بعد كل اللي عمله فيا؟؟؟ ده أنا أموت نفسي وما أرجعلوش!!!!"
تدخلت "نجوى" الآن وقد ظهرت عليها المفاجأة فعليًا:
"إيه اللي بتقوله ده يا إمام؟ إحنا ما جبناش سيرة الكلام ده قبل ما نطلع هنا. وحتى لو قلتلي قبلها. أنا مش موافقة. بنتي عندي أهم من أي حا آ ا..."
"اسكتي إنتي يا ولية!" قاطعها "إمام" مخشوشنًا.
"مافيش كلمة بعد كلمتي."
"أنا مش هارجع!!!" صرخت "فاطمة" ثانيةً مطرقة الرأس.
فاستشاط "إمام" غضبًا وصاح:
"وأنا قلت كلمة. أول ما يرجع مصطفى إنتي كمان هاترجعي بيتك معاه. مش هانفرج الناس علينا أكتر من كده. كفايانا فضايح."
رفعت "فاطمة" نحوه عينين مغرورقتين بالدموع، وانتحبت قائلة بمرارةٍ وهي تتشبث بذراع زوجة عمها:
"يا بابا حرام عليك. هاترجعني عنده تاني. ده اغتصبني قدامكم كلكم وأنتم ساكتين وسبتوه!"
انتفض "إمام" مغمغمًا عبر أسنانه:
"اخرسي يابت بلا قلة حيا على رأي ستك. مافيش راجل بيغتصب مراته. إنتي عايزة حد يفوقك!!!"
وجاء ليخطو خطوة نحوها وهو يرفع يده مهددًا، فاعترضت "نجوى" طريقه فورًا صائحة بهلعٍ:
"هاتعمل إيه يا إمام؟؟؟؟؟"
كوّر "إمام" قبضة يده، بينما تنطق "فاطمة" بأسى مزدري:
"سيبيه يا ماما. مش هاتفرق لو عايز يضربني. أنا كده كده ميتة. إنتوا كلكم دبحتوني ومعايا بقيتوا اسم على مسمى!!"
كلماتها مست أفئدة الجميع المجروحة حقًا لجرحها، وإن لم يبدوا ذلك كليًا. في المقابل أبوها يغمض عينيه ليخفي مدى تأثره باتهاماتها الصحيحة. وعوض ذلك وضع نظره بالأرض وهو يرفع نبرة صوته قائلًا بصرامةٍ:
"أول ما يرجع مصطفى من المستشفى هاتطلعي شقتك وتستقبليه بنفسك كمان. انتهى!"
وأولاهم ظهره ثلاثتهن وغادر ممزق الصدر مغمومًا.
***
الآن...
صوته هو الذي بلغ جنابات البيت إلى حد سمعه أهالي الحي القريبين وأمام الباحة. لم يسيطروا على فضولهم وهم يتطلعون لأعلى، حيث نافذة شقة الكبير. "سالم الجزار".
بالداخل... كان هناك "رزق". يقف في مواجهة أبيه أمام الشرفة المفتوحة. عيناه الزرقاوتين صارتا الآن أقرب إلى السواد وهو يحدق بعينيّ "سالم". سواد لا يختلف البتة عن قميصه الملتصق بجزعه القوي.
وقف "سالم" ضده هادئًا، باردًا كالعادة، وبأعصابٍ كالجليد استمر يستمع إلى صياحه الغاضب المصم:
"اللي إنت عملته وفاكر إنه من الحكمة وفرض سيطرة على الكل للأسف قدام ها يخيب ظنونك دي. مصطفى من غير حاجة سوداوي وأعصابه بتحكمه. ما فكرتش هيبقى إيه الوضع لما يرجع ويستوعب اللي جراله؟؟؟؟"
هز "سالم" رأسه نفيًا وقال بفتورٍ:
"لأ.. ما فكرتش. كل اللي فكرت فيه إنه كان لازم يتربى. مصطفى ما غلطش غلطة واحدة. مصطفى بقاله فترة سايق العوج ومعايا أنا بالذات. كان لازم يفوق."
رزق بغضب شديد:
"وأنت كده فوقته؟؟؟؟ إنت أهنته. كسرت عينه قصاد أهل المنطقة اللي المفروض بيحكمها زيه زينا. الناس تحترمه تاني إزاي؟ لما ضيعت هيبته وسطهم ترجع تاني إزاي؟!"
"أنا أبـــوه!" صاح "سالم" محتدًا وقد صارت نظراته أكثر قتامة الآن.
"محدش بيعاير عيل لما أبوه بيجي يأدبه أو حتى لو ضربه علقة موت. اللي مد إيده على مصطفى يبقى أبوه مش واحد من الشارع. محدش يقدر يقل منه. ولا إنت يا رزق هاتبقى أحن عليه أكتر مني. ده ابني أنا. وأنت بالنسبة له حيالله نص أخ. وما تنساش حقيقة إن مصطفى عمره ما حبك وأنا اللي دايمًا بجبره يحترمك. جاي تدافع عنه دلوقتي؟!!!"
أومأ "رزق" قائلًا بقوة:
"أيوة بدافع عنه. لأنه أخويا. حتى لو هو نفسه مش شايفني كده أصلًا. أنا عمري ما أجي ضد مصطفى أبدًا. بالعربي يعني لو بالنسبة له مش أخ فانا حليفه. فاهم المعنى يا معلم سالم؟"
ابتسم "سالم" بغموضٍ أمام ابنه، لكنه في قرارة نفسه كان قد أعجبه حديثه وأغاظه في نفس الوقت، أن يتفوق ولده عليه بالحكمة والدراية، بل ويجعله صغيرًا أمام نفسه حقًا بعد أن ظن أفعاله هي الصواب.
ما دفعه للقول متعمدًا النقصان منه:
"إنت عشان معاك سلاح التعليم والثقافة فاكر نفسك هاتعلي عليا. لكن لأ. الحقيقة غير كده. إنت بسنين علامك والكتب اللي حشيت راسك بيها ودماغك دي كلها ما تجيش حاجة جمب خبرتي. أنا بيتقالي المعلم. إنت بقى يا رزق بيقولولك إيه؟"
ردًا على ذلك، وإحباطًا للهجة الفخر في صوت أبيه قال "رزق" واضعًا النقاط على الحروف:
"طيب يا معلم سالم. يا كبير. لو حقيقي عندك حكمة وطول نظر. إزاي فكرت ولو لثانية تدخل مصطفى على فاطمة ويتقفل عليهم باب واحد وهو في الحالة دي؟ ما جاش في بالك أي حاجة ممكن تحصل أسوأ من اللي حصل؟ مثلًا البت ما تستحملش وتروح فيها وهي خايفة ومتوترة بالشكل ده! أو تكون حالتها مختلفة عن معظم البنات وما يتمش المراد اللي وقفتوا تستنوه ف مصطفى يشوف كده يتغابى عليها ويتجنن خالص فيموتها بإيده وهو لوحده معاها محدش يلحق يمنعه!! ما فكرتش خالص في احتمالات زي دي يا معلم؟!"
على عكس التوقع، صمت "سالم" في المقابل وقد آمن الآن بأن معادلة القوة قد انقلبت لصالح ابنه، وأن "رزق" قد نجح وببساطة في إثبات جدارته، وأنه بالفعل أنسب شخص لتولي زمام الأمور من بعد أبيه.
إنه حقًا ولي العهد. هو لا غيره.
"إنت الغلطان!" قالها "رزق" بغلظةٍ مفاجئة، وأردف مشددًا على كلماته ومشيرًا له بسبابته:
"محدش غيرك ولع نار الفتنة دي. ومحدش غيرك يقدر يطفيها. وصدقني. لو معملتش ده في أسرع وقت كلنا هانخسر. وهانخسر كتير أوي."
مثل مصارعٍ محاصر عند حواجز الحلبة، تلقى "سالم" كلمات ابنه دون أن يدفعها أو يردها عليه. فانتفض "رزق" عادلًا هندامه وهو يضيف مستعدًا للرحيل:
"بالإذن. راجع المستشفى لأخويا. ياريت تفكر في كلامي وتشوف ممكن تتصرف إزاي قبل ما أجيب مصطفى وأرجع!"
وأدار له ظهره ماضيًا صوب باب الشقة كهبة عاصفة.
بينما بقى "سالم" محله، يفكر جديًا بحل ما كما نصحه ابنه. والحقيقة أنه وجد حلًا بالفعل.
***
في دورة المياه المترفة كثيرًا، تشعر "نسمة" بساقيها تهاوى فتسقط بكل ثقلها فوق المرحاض المغطى. كانت تكمم فمها بكفها، بينما عيناها مثبتة على الأنبوب الطبي الصغير بيدها.
كان شعورًا متضاربًا يضج بأعماقها، إذ أنها فعلتها من باب الصدفة، لا أكثر. لم يخيل لها مطلقًا أنها ستحصل على أي نتيجة إيجابية.
ولكن ها هي...
"حامل!" غمغمت "نسمة" بصوتٍ هامس.
وكررت غير مصدقة:
"حامل! ابن رزق!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم محمد
_ أريدك أنتِ !
ترددت قليلًا قبل أن تحسم ذاك الصراع الهزلي بداخلها بين كبريائها الأخرق و رقة قلبها، ضربت بهذا الكبرياء عرض الحائط لتفوز رقة القلب بالطبع.. فور أن خفتت أصوات المشاجرة التي تنصتت على جزءً منها أغلقت باب شقتها.. الشقة الجديدة التي أمست تتقاسمها مع "رزق"... زوجها !
هبطت الدرج ثلاث طوابق وصولًا إلى شقة عمها "عبد الله".. كان الباب مفتوحًا، فقرعت عليه رغم ذلك و هي تمد رأسها عبره قليلًا، لترى كلًا من "عبير" و "نجوى" و أيضًا "فاطمة" معهما.. ثلاثتهن يجلسن بغرفة المعيشة المفتوحة أمامها... و كما ترى "فاطمة" المسكينة، في حالة يرثى لها كما توقعت، رغم أنها لا تزال جاهلة بالتفاصيل ...
- مساء الخير !
هتفت "ليلة" بصوتها الرقيق في بادرة لطلب إذن الدخول.
جاء رد "عبير" الأكثر حفاوةٍ فورًا :
- ليلة ! إدخلي يا حبيبتي. خطوة عزيزة. تعالي تعالي ماتقفيش على الباب كده ...
إبتسمت "ليلة" و هي تلج بخطوات متحفظة و قالت :
- أنا جاية أطمن على بطة. بصراحة سمعت صوتها من فوق بتصرخ.. خير يارب !
قامت "عبير" لتستقبلها بنفسها و هي تقول بتلطيف :
- بطة زي الفل أهيه يا حبيبتي. ماتقلقيش.. إنتي إيه إللي نزلك بس يا عروسة ؟ ده يصح بردو إحنا إللي حقنا كنا نطلع و نطمن عليكي. حقك علينا يابنتي و الله.
- و لا يهمك يا طنط عبير.. المهم بطة !
و أطلت على إبنة عمها التي جلست فوق الأريكة وحدها ضامة ساقيها إلى صدرها و تبكي في صمتٍ، ألمها قلبها حين رأت ذلك، و ما كادت تقترب منها أكثر.
إرتعدت بقوة عندما قفز صوت السيدة "نجوى" من خلفها فجأة شبه صارخًا ...
- يعني مصممة تتجاهلي أمك يا بطة ؟ بتعاقبيني بسكوتك و حتى مش قابلة تبصي في وشي ؟؟؟ أنا كنت عاملتلك إيه ؟ كان في إيدي إيه أعمله و ماعملتوش ؟؟؟ روحيو الله مش مسمحاكي.. مش مسمحاكي يا بطة. و أديني أهو غايرة من وشك !!!
و هرعت تجاه باب الشقة لتخرج، لتتبعها "عبير" راكضة في إثرها ...
- إستني يا نجوى.. يا نجوى مش كده.. بقولك إستني !!
أصدرت "ليلة" تنهيدة مرتاحة في هذه اللحظة، هكذا صارت الأجواء أفضل بكثير.. و قد خلا وجه المسكينة.. تطمئن عليها و تؤازرها جيدًا ...
- بطاطا !
إرتفع رأس "فاطمة" في الحال محملقة بقوة بوجه "ليلة" المبتسم في وداعة متناهية ...
كانت تلك الكنية المحببة لقلبها، الآن عندما سمعتها، خاصةً منها هي.. أحست و كأنها ملحًا يضاف فوق جروحها.
لكن مع ذلك لم تستطع رفض اليد التي مدتها "ليلة" نحوها، حين جلست إلى جوارها ماسحة على رأسها باليد الأخرى بحنانٍ يليق بها... أفلتت من بين شفاهها شهقة باكية.. و ما كانت هي إلا إذنًا داخليًا دفعها بالقاء نفسها بين أحضان الأخيرة، و من ثم الإنتحاب على صدرها بكل قهرٍ و مرارة.
و كم أحسنت الاختيار، التوقيت المناسب و الشخص المناسب، من المفترض أن تكرهها و تحقد عليها، لكنها لا تعلم كيف يحدث هذا !
لا يسع "فاطمة" بوجود "ليلة" المتخم بكافة مظاهر مد العون و كل هذا اللين و اللطف.. إلا أن تنسى الضغينة و الخصومة المبطنة بينهما.. كما يحدث الآن، و هي تضمها بحنوٍ هكذا و تهون عليها.
إنها مثل قوة جذب خفية.. علاقة ودّية لا تخضع لأيّ قانون أو ليس لها أيّ صفة ...
***
لم تستغرق رحلته بالعودة إلى الوعي وقتًا طويلًا ...
بل كما قال الطبيب، إن هي إلا ساعة أو أقل و سيفيق.. و رغم أنه قضى الليلة السابقة ساهرًا... إلا أنه كان أكثر حرصًا على اليقظة باكرًا.
لكنه لم يكن يتوقع أن يشعر بكل هذا الحجم الهائل من الألم.. بمجرد تحريك حدقتيه أسفل جفنيه المغمضين ...
- آاااااااااااااااه !
خرجت الآهة من أعماقه خافتة محمّلة بآلامه و معاناته التي إنبثقت من نقطةٍ ما بذاكرته الآن ...
فما لبث أن شعر بذراعيّ أمه تحيطان به، ثم سمع صوتها يهمس باكيًا بالقرب منه :
- مصطفى ! حمدلله على السلامة يابني يا حبيبي.. ماتخافش يا حبيبي. أنا أمك.. أنا أمك جمبك.. ماتخافش يا حبيبني إنت كويس يا مصطفى ...
كافح "مصطفى" بكل قواه الخائرة ليزيح أجفانه و يحرك أطرافه في آنٍ و هو يغمغم بصوتٍ متحشرج ألمًا :
- فـ.. فا طمة... فاطمة ....
و بعد عدة محاولات نجح في أن يبصر كليًا رغم قطرات العرق المنداحة فوق جبهته مبللة أهدابه.. كان يقاوم ذراعيّ أمه بجهدٍ ضئيل بغية النهوض، بينما تواصل الأخيرة تهدئته :
- على مهلك يا حبيبي. ماينفعش تقوم من السرير كده.. طيب إنت عايز إيه أجبهلك ؟!
لكنه لم ينصت لها ...
فاضطرت "هانم" إلى الإذعان له، فساندته حتى جلس معتدلًا فوق السرير الطبي، و هنا بدأ يعي الأمر تدريجيًا.
بدءً من النظر إلى الشاش العريض الذي يلف جزعه العلوي بالكامل، وصولًا إلى فحصٍ سريع لمحتويات الغرفة الطبيّة.. ثم أخيرًا حطت نظراته فوق محيا أمه الشاحب المخبر عن ساعاتٍ طوال قضتها في البكاء عليه.
بينما كان مستمرًا بالنظر إليها هكذا، أخذت الذكريات تنهال فوق رأسه كالمطر، ذكريات ليلة أمس كلها، و وصمة الخزي التي صنعها له و لزوجته.. و ذكريات ساعة الظهيرة... حيث أبيه يحط من شأنه و يجلده أمام قومه.. يعذبه و يهينه و يذله.. يفعل كل هذا دون أن يرف له جفن.
لا إراديًا... لا شعوريًا.. تجمعت الدموع بعينيّ "مصطفى" و هو ينظر إلى أمه مكسورًا مهزومًا... ثم يغمغم بين شهقتين باكيتين :
- أبويا... أبويا !!!!
لم تحتاج "هانم" أكثر أو أقل من هذا، لتجهش من جديد بالبكاء المرير و هي تضم رأس إبنها في صدرها، لتختلط أصوات بكائهما معًا، و تتضافر نفس المعاناة و القهرة لكليهما.
و السبب واحد.. "سالم الجزار" ...
***
مزاجُه لم يختلف عنهما شيئًا في هذه اللحظة، و هو يقف الآن أمام واجهة الغرفة الزجاجية ناظرًا نحوهما، كانت الدموع تترقرق بعينيه بالفعل.
خشى كثيرًا لو يتطور الوضع به دون داعٍ، إذ بطالما كان فياض المشاعر، لكن الشكر، كل الشكر له، الذي أتى و أنقذه قبل ذلك ...
- إيه الأخبار ؟
إنتفض "حمزة" بخفةٍ حين تسلل صوت "رزق" إلى مسامعه بهذه الطريقة المباغتة ...
أدار وجهه نحوه، فإذا به يقف إلى جانبه تمامًا، تنهد "حمزة" بثقلٍ و هو يفرك عينيه قائلًا بتعبٍ واضح :
- زي ما إنت شايف.. لسا مصطفى فايق مابقلوش كتير. بس حالته النفسية واضحة !
ربت "رزق" على كتف أخيه نصف الشقيق و هو يقول مطمئِنًا و ناظرًا بنفس الوقت عبر الواجهة الزجاجية نحو "مصطفى" و أمه :
- ماتقلقش.. أخوك مصطفى عنيد. حتى الحالة إللي هو فيها دي. هايعند فيها و هايقوم أشد من الأول.
- إن شالله !
تمتم "حمزة" قبل أن يتطلع إليه ثانيةً.
- عملت إيه مع أبويا ؟
- إللي كان لازم يتعمل.. قولتلك ماتقلقش.. كل حاجة هاتبقى تمام.
- أنا خايف بس لما مصطفى يرجع يــ آ ا ...
- حمزة !
قاطعه "رزق" بضيقٍ به نسبة إنفعال، و أردف بحزمٍ :
- أخوك أنا هاطلعه بنفسي بكرة. و هاخده بإيدي لحد البيت.. و أبوك يبقى أبوك. هو الكبير و لا نسيت ؟ الكبير عارف كويس تصرفاته.
أومأ "حمزة" له و غمغم منكس الرأس :
- ماشي يا رزق.. ماشي إللي تشوفه !
قاطعهما معًا الآن رنين هاتف "رزق" ...
نبش "رزق" بجيب سرواله و أستلّ الهاتف، ليلمح إسمها يتوسّط الشاشة المضاءة.. زفر بنفاذ صبرٍ... لكنه أدرك أنها المرة فوق العاشرة التي تتلفن له منذ البارحة و قد أهملها و لم يرد.
لذلك قرر أن يفعل هذه المرة خشية أن تكون في ضائقة ما أو أن شيئًا أصابها ...
- هارد على المكالمة دي و راجعلك !
خاطبه أخيه بذلك، ثم مضى بعيدًا على عجالة و أجاب الإتصال :
- آلو ! .. أيوة يا نسمة.
أتاه ردها نزقًا و حافلًا في الحال :
- أيوة يا نسمة !!! إنت بتهرج يا رزق ؟ و توك ما افتكرت ترد عليا ؟!! إنت جايبني هنا في الشقة دي و راميني زي الكلبة عشان يخلالك الجو مع عروستك صح ؟؟؟ وفوقيها مش بترد على مكالماتي. مافكرتش أبدًا إن ممكن يكون حصلي حاجة مثلا و لا وقعت فوق راسي أي مصيبة و إنت بعيد ؟؟؟؟ أنا نفسي أفهم إيه وضعي في حياتك. أنا مش بقيت مراتك ؟ و لا إنت لسا فاكرني الـ×××××× بتاعة زمان !!!!
- نسمــــــــــــة !
كان قد فر من داخل رواق الغرف و إنتقل إلى الشرفة العامة المفتوحة كي ما يستطع الصياح بحدةٍ هكذا.
ضغط بقبضته الفولاذية على الهاتف و هو يستطرد بخشونة لا تخلو الغضب :
- الكلمتين دول لما أشوفك هاتتحاسبي عليهم.. بس كفاية دلوقتي أقولك رزق الجزار مابيتجوزش ×××××× إنتي سامعة ؟ لو كنت أعرف إنك شايفة نفسك كده قبل ما أتجوزك ماكنتش عملتها. بس ملحوقة. كل حاجة ملحوقة. و جايلك و هاعملك إللي في نفسك حاضر.
توقع أن تتراجع عن موقفها و تعتذر عن أقوالها، لكنها عوض ذلك صرخت بضراوةٍ أشد :
- هو ده إللي ناقصك. دلوقتي بتذلني ؟؟؟ و أنا إللي كنت بسأل اتأخرت ليه !!! أقولك. أعمل إللي إنت عايزه. ياكش تيجي تو٠لع فيا عشان ترتاح ...
في هذه اللحظة أدرك جيدًا مدى سوء حالتها، فقرر هو أن يتراجع عن هجومه قليلًا و هو يقول بحنقٍ عبر أسنانه :
- إنتي مالك ؟ جرالك إيه بالظبط ؟ عمرك ما كنتي كده و ياما أنا اتأخرت عليكي أكتر من كده. إيه إللي حصل دلوقتي ؟؟؟؟
توقع ردًا ...
لكن بكاء !
هذا ما لم يخطر له الآن أبدًا ...
- و كمان بتعيطي ؟
غمغم بانفعالٍ، و تابع :
- في إيه يا نسمة إنطقي.. مالك ؟؟!!
إنتظر بفروغ الصبر جوابها، و هو ما لم تعطيه إياه إلا بعد نصف دقيقة.. إذ قالت بصوتٍ ممزق بالنحيب :
- حاول تجيلي من فضلك... أرجوك تعالى يا رزق. أرجوك !
و أغلقت الخط ...
أجفل "رزق" بشيءٍ من التوتر و هو يرفع الهاتف عن أذنه و يلقي نظرة بالشاشة المطفئة الآن... فكر بكلامها لبرهةٍ.. تعذر عليه رفض طلبها بعد أن حدثته بتلك النبرة و توسلته بهذه الطريقة.
إنها حقًا منفعلة، غضبى، مِما يا ترى !
شد "رزق" ياقة قميصه و تشممها، كانت هناك رائحة دماء بالفعل، ربما يخفي آثارها لون قميصه الأسود، لكنه يعرف مسبقًا.. فقد حمل أخيه على كتفيه و هو مضرجًا بدماؤه.
و الآن لا يستطيع أن يذهب لها على هذه الهيئة، يعلم أنها فرصة ذهبية، فوالده لن يرد إلى ذهنه في هذه الظروف بأنه يفكر مجرد التفكير بالذهاب إلى عشيقته التي أمست زوجته.
و لكن يتحتم أن يمر إلى البيت أولًا، يغتسل و يبدل ثيابه، ثم يتجه رأسًا إليها ....
***
مثلها مثل أيّ فتاة حديثة السن مهووسة بالحواسيب المصغرة و الهواتف الذكية ...
كانت "سلمى" معتادة بأن تمضي بوقتها كله بين تصفح التطبيقات الشهيرة Facebook, Instagram, Tik Tok, Snapshot.
و غير ذلك الكثير... كانت مولعة بتفقد العالم الخارجي، و تهوى أن المكوث هكذا أمام هاتفها الذي يشكل نافذة تطل منها على العوالم التي تحلم بزيارتها، رغم أنها تعرف بأن هذه الأحلام مستحيلة.. لكنها لم تكف أبدًا عن التأمل... فمن ذا يدري كا تخبئه الأيام ؟
في شقة جدتها "دلال".. حيث الهدوء التام و الخصوصية التي تنعم بها، بينما تجلس الجدة أمام التلفاز محاولة إلهاء نفسها عن الحزن الذي يعتصرها على حفيدها الراقد الآن بالمشفى.
جلست "سلمى" بالصالون المقابل وحدها، نصف ممدة فوق الأريكة الكبيرة، كانت تشاهد و هي تضع سماعات الرأس مقطعًا لفتاةٍ تضع مساحيق التجميل بحرفيةٍ باهرة على أنغام غنوة غربية.. عندما تلقت إتصالًا مجهولًا فجأة على تطبيق واتساب ...
إنتفضت جالسة بشكلٍ معتدل، توترت بشدة، فهي لا تعرف أحد.. بمعنى أصح لا تعرف سوى عدد من الفتيات هنا بالحي و بقية أفراد عائلتها.. و جميعهم مسجلون لديها بالقائمة.
فمن أين يا ترى جاء هذا الرقم الغريب ؟؟؟؟
حاولت "سلمى" أن تسترخي قليلًا و ترد المكالمة، لعلها إحدى صديقاتها ضيعت خطها و أرادت أن تعلمها بذلك.. و لكن بعد فوات الأوان.
قبل أن تضغط باصبعها إنقطع الخط ...
و قبل أن تستوعب جاء إتصالًا آخر، نفس الرقم، لكنه على الخط العادي.
ألقت "سلمى" نظرة نحو جدتها، بيّد أنها لم تنتبه عليها مطلقًا، لذا سارعت "سلمى" و قامت بخفةٍ ماشية نحو إحدى الغرف.. تخفت داخلها و فتحت الخط و قلبها يخفق بسرعة لا تدري لما ...
- آلو !
- كنت خايف ماترديش !!
جحظت عيناها بصدمة عندما سمعت ذلك الصوت الرجولي ...
ردت بصوتٍ أجش :
- مين معايا ؟!!
أجاب الطرف الآخر بلهجةٍ عذبة رخيمة :
- لو كنتي بتركزي مع الناس كنت قولتلك حزري. لكن إنتي إمبارح ماكنتيش شايفة حد خالص.. كنتي بس فراشة. زي الفراشة بالظبط و إنتي بترقصي في حضن أخوكي و بتضحكي و هو شايلك و إنتي بردو مش طايلة كتفه حتى.. قوليلي صحيح إنتي عندك كام سنة يا سلمى ؟
كانت أنفاسها مهتاجة و هي تستمع إلى كلامه و راسها يدور من فرط الارتباك و التوتر، لكنها وجدت القوة لتقول بحدة مهددة :
- بقولك إيه.. أنا ماعرفش إنت مين. بس أنا متأكدة إنك إنت تعرف أنا مين.. أقفل بالذوق كده و ماتتصلش على الرقم ده تاني. أحسن و الله أروح و أقول لابويا و اخواتي و هما هايجبوك من قفاك لو كنت فين !!
أجفلت باضطرابٍ حين سمعت ضحكته المجلجلة بانطلاقٍ، يعقبها صوته ذي اللهجة الكسولة :
- الله عليكي يابنت الجزارين. تعجبيني و الله.. أنا كنت متوقع ردك ده و مستنيه. عامةً إنتي استني.. لو عايزة تعرفي أنا مين.. الاجابة هاتعرفيها قريب جدًا.
تمتمت "سلمى" بانفاسٍ لاهثة :
- إنت عايز مني إيه ؟ جبت رقمي منين ؟ مين إدهاولك ؟؟؟؟
- كل ده هاتعرفيه قريب قولتلك.. بس ممكن دلوقتي أقولك أنا عايز منك إيه... أنا عايزك إنتي يا سلمى. عايزك إنتي !
و إنقطع الإتصال ...
لتبقى هي كما هي، تحدق في اللاشيء ببلاهةٍ و ى كلماته يرن بأذنيها بوقعٍ مخيف و مثير في آنٍ !!!
- يا سلمــــــى !
إرتعدت فرائصها لحظة سماعها نداء جدتها الجهوري، خلعت سماعة الرأس و رمت بالهاتف فوق السرير القريب، ثم إنطلقت إلى الخارجه مهرولة ...
- أيوة يا ستي !!
- كنتي فين يابت و أنا بندهلك ؟!!
قالتها "دلال" بنزقٍ غاضب.
بررت "سلمى" بمزيد من الاضطراب :
- الموبايل ياستي كان هايفصل شحن و مافيش كخربا في الصالون ف دخلت أحطه يشحن في الأوضة.. كنتي عايزاني في إيه طيب !!
إلتوى محيا السيدة العجوز بقرفٍ و هي تشير لها بتلويحة يد قائلة :
- خال ليلة بت عمك جه يباركلها. واقف برا قصاد باب الشقة.. حطي حاجة على راسك و إطلعي وياه لحد شقتها. وصليه و تنك نازلة على هنا.. يلا بسرعة يا بت !
***
لم تشاء أن تضغط عليها أكثر ...
و إكتفت بأن حملت معها و لو قليلًا من الأثقال التي كادت تزهق روحها، لولا وجودها إلى جوارها، لم تذكي نفسها، و لكنها سعيدة بتقديمها القليل من المساعدة المعنوية لتلك الفتاة المسكينة.
لا تزال لا تعرف ما هي المشكلة تحديدًا.. لكن بحدسها خمنت... و كم تتمنى لو يخطئ هذا التخمين.. فتاة مثل "فاطمة" لا ينبغي أن تصارع هذا النوع من البلايا.. إنها رقيقة للغاية و عديمة الخبرة !
الآن تتركها "ليلة" بشقة عمها "عبد الله" و زوجته، كان مكانٍ آمن و ملاذ يحتضنها، فلم تقلق بشأنها.
و بينما كان في طريقها للصعود إلى شقتها، إنتبهت لخطوات ضئيلة فوق الدرج من الأعلى، ثم لمحت "سلمى" تهرع نحوها ...
- سلمى !
هتفت "ليلة" متفاجئة.
- إنتي كنت طالعة عندي و لا إيه يا حبيبتي ؟!
إبتسمت "سلمى" لها فبانت غمازتها و هي تقول بصوتٍ متقطع بعض الشيء :
- آه كنت طالعة عندك.. خالك لسا جاي و ستي قالتلي أوصله لحد شقتك و أنزل علطول. بس طلعت مالقتكيش. ف سيبته قدام الباب و نزلت أدور عليكي.. أنا هانزل لستي بقى قبل ما صوتها يطلع و تزعقلي. يلا باي !
و تجاوزتها "سلمى" مسرعة للأسفل ...
أما "ليلة".. فقد نظل عليها الخبر كالصاعقة... ماذا يفعل ذاك الحقير هنا ؟
ما الذي جاء به ؟ لا تقسم... لكنها حتمًا نهايته اليوم !!!
- إنت إيه إللي جابك هنا ؟؟؟؟؟
كان رجلٌ ربما جاوز منتصف الخمسين نحو الستين من عمره، متوسط القامة، نحيل بغير نحافة، صاحب بشرة، أصلع الرأس، بلحية رمادية، و شاربٌ كث.
كانت يرتدي نظارة شفافة، و هندامه الذي يخبر عن مدى ثرائه و مستوى معيشته، لا يمكن أن يوحي للرائي كم هو في الحقيقة شخصٌ حقير و وضيع و سافل ...
- ليلة !
هتف "عزام الوديدي" و هو يلتفت نحوها حاملًا بين يديه علبة كبيرة ملفوفة بورق الهدايا.
- صباحية مباركة يا عروسة. يا حبيبة خالوا !
كانت إبتسامته السمجة آخر ما ينقصها لتحل أمام مباشرةً، لا يفصلهما سوى ثلاث خطواتٍ، توسعت عيناها و هي تفتح فاها كأفعى تبث كلماتها كالفحيح :
- إنت مستعجل على قضاك للدرجة دي. جايلي لحد هنا برجليك ؟ قولتلك أنا رجعالك.. إيه. نفسك تموت أوي كده يا عزام ؟؟؟!!
ابتسم لها بوقاحةٍ و قال :
- لأ الصراحة مش نفسي في الموت خالص دلوقتي.. بس في حاجة تانية نفسي فيها موووووت !
و إنحدر بنظراته إلى فتحة كنزتها ...
تمالكت "ليلة" نفسها بصعوبة، لكنها في الوقت ذاته رفعت طرف كنزتها بحركةٍ عصيبة لتظهر له سلاحها الخاص مغمغمة بخشونة تحاكي أصوات الرجال من شدة إنفعالها :
- قسمًا بربي.. لو مامشيتش من هنا حالًا لافجر راسك دي و استحمى في بركة دمك قصاد الكل !!!
من جديد، و تأثرًا بوصف تعبيراتها الدموية التي تثيره كثيرًا، إلتمعت في وجهه إبتسامة أخرى سادية و هو يقول بخبثٍ :
- إهدي. إهدي يا حبيبتي. أنا مش جاي أعكر مزاجك يا عروسة.. بالعكس. ده أنا جاي أباركلك و أشرفك قدام أهلك زي ما شرفتيني. أومال.. مش أنا خالك بردو ؟!
و أغتنم فرصة شلل الغضب الذي أصابها الآن بسبب كلماته، لينحني نحوها قليلًا و يهمس كما لو أنه يبوح لها بسر :
- بصراحة كنت قلقان و مارضتش أقرب منك خالص لحد ما يتم الفرح و أشوفك هاتتصرفي إزاي.. بس زي ما أنا شايف. طلعتي بت بصحيح و عملتي شو قصاد حي الجزارين كله مش بس قصاد جوزك.. فاجئتيني ...
و إرتد للخلف كما كان محركًا لسانه فوق شفاهه بايحائية فاحشة مغمغمًا :
- قوليلى بجد.. عملتيها إزاي يا ليلة ؟!
فقدت السيطرة على أعصابها في هذه اللحظة و سحبت السلاح الذي يعرفه تمامًا من غمده، حررت صمام الأمان بحركة محترفة من كعب حذاؤها، ثم أشهرته فورًا نحو رأس الأخير و هي تشهق و تزفر أنفاسها باهتياجٍ مستوحش.
مع ذلك، لم يرمش للمدعو "عزام" جفن و هو يقف أمام هذا التهديد.. بل ثبت بمكانه رامقًا إياها بتحدٍ سافر ...
- ليلة !
توقف المشهد للحظة، عندما غطى صوت "رزق" على الأجواء فجأة.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم محمد
أجفلت بارتباكٍ وهي تدير رأسها لتنظر نحو "رزق" الذي ظهر بالصورة فجأة.
والله وحده يعلم ماذا إلتقطت أذنيه بهذه اللحظات القليلة.
تعبيرات وجهه الواجمة مبهمة للغاية، لم تستطع فك شيفرتها الآن.
إلى جانب صدى كلمات وشكل ذاك الحقير الذي يقف مقابلها بالجهة الأخرى أمام باب الشقة.
إتقدت النار في كيانها من جديد عندما تذكرت هذا كله.
لم تتحمل حتى مع خطورة المغامرة بانكشاف كل شيء.
ومع إثارة إثبات خطأ ظنه بأنها لن تجرؤ على فضح نفسها من قبله هو.
تملكها جنونٍ تام وهي تلتفت ناحية "عزام" ثانيةً هاتفة بوحشيةٍ:
- منغير ما تتشاهد على روحك.. استمتع برحلة ذهاب بس لجهنم.
جهنم إللي تناسب أمثالك.
مكانك يا عزاااام يا وديـــدي ...
إنقلب وجه "عزام" خلال سماعه كلامها، إذ بدت على قدر كبير من الجدية، لا تمزح فعلًا.
وبالفعل صدق الآن بأنه هالك وظل جامدًا بمكانه حيال جنونها وسلاحها المعمّر الجاهز على الإطلاق فقط !!!
- إيه إللي بتعمليه ده يا مجنونة ؟؟؟
صاح "رزق" بهذه العبارة وهو يفاجئها من الخلف مطوقًا خصرها بذراع.
وبالآخر يمسك بيدها القابضة على السلاح.
صرخت "ليلة" عندما أعجزها هكذا وجردها من السلاح بسهولةٍ:
- إوعــــــى.. سيبــــــني.. هاقتلــــــه !!!
رزق باستنكارًا لا يخلو من الغضب:
- تقتلي مين ؟؟؟
و ليه ؟
مين ده أصلًا ؟؟؟؟
وصوّب نظراته الفتّاكة نحو الرجل الأصلع الشاحب وسأله بخشونةٍ وهو لا يزال يمسك بزوجته التي بدت كممسوسة:
- إنت مين يا راجل إنت.
إنطــــــق ؟؟؟؟؟؟
خرجت الكلمة الأخيرة من فمه بصيحةٍ فجّة تسببت في ذعر الأخير وهو يرد عليه بتوترٍ ملحوظ:
- آ أنا عزام الوديدي.
أنا أبقى خال ليلة.. أخو أمها.
آه و الله خالها !
رمقه "رزق" بنظرة مشككة وقال بلهجة هجومية محضة:
- و لما إنت خالها عاوزة تقتلك ليه و رافعة عليك السلاح ؟!!
تفاقم إرتباك "عزام" فقال مدعيًا ليخرج من المأزق بأيّ شكل وقد ندم على مجيئه فعليًا:
- أنا عارف !
دي أصلًا بت مجنونة.
عندها لطف من يوم أمها ما ماتت.
أي حد تشوفه تبقى عايزة تموته حتى خالها.
المجنونة !
- أنا مجنونة يابن الـ××× !!!
غمغمت "ليلة" وهي تتلوّى بعنفٍ بين ذراعيّ "رزق".
لكنها لم تفلح بالفكاك منه أبدًا.
صاحت بغضب شديد:
- سيبني يا رزق.. بقولك سيبني ...
لم يتركها ولم يجد حلًا أرجح وأكثر تعقلًا مِمّ خطر على باله الآن.
فإذا به يتخطو بها إلى الطرف الجانبي قليلًا وهو يأمر "عزام" بغلظةٍ:
- عدي.
عدي يلا إمشي.. إمشي وماشوفش وشك هنا تاني سامع ؟!
أومأ له "عزام" وهو يعدل نظارته الطبية فوق أنفه.
وأخذ يدور حول سور الدرج باحتراسٍ حتى وصل عند مقدمته.
فأطلق لساقيه الريح وهو يهبط بسرعة البرق.
بينما "ليلة" تراقب هذا حرفيًا كالمسعورة.
رغم ذلك، كان من السهل السيطرة عليها.
لكن الأمر الذي أزاده حيرة وذهولًا هو مدى إهتياجها حتى الآن بين ذراعيه ومصارعتها إياه بهذه الضراوة.
حتى هو يطبق عليها مكبلًا جزعها العلوي تمامًا.
لكنها لم تتوقف لحظة عن الركل بقدميها بكيفية عشوائية للأمام والخلف صارخة بهستريا:
- ماتسيبوش يمشي.. ماتسيبوش يمشي ونبي.
لازم يموت.. لازم أقتله.
خلاص مش قــادررررة.. لازم أقتـــــلـه !!!!!
أدرك "رزق" في هذه اللحظة أن أيّ سبيل للعنف أو السيطرة لن يجدي معها، بل و يمكن أن يأتي بنتيجة عكسية.
فبدل أن ينتزع منها أجوبة على أسئلته في التو.
وجد نفسه يضمها إليه أشد بحنانٍ أكثر منه قوة وهو يهمس لها مهدئًا:
- طيب طيب.. إهدي.
هاعملك إللي إنتي عاوزاه.
إللي إنتي عاوزاه أنا أعملهولك و الله.. بس إهدي.
كل إللي إنتي عاوزاه هايحصل.
لما تهدي و نتكلم.. أوعدك.. خلاص ؟
إتفقنا !
خلال ثوانٍ، لم تصدر عن "ليلة" أيّ ردة فعل سوى الانتحاب والأنين المتألم كطفلٍ يستجدي عطف أمه.
مع سماعها لكلماته.
والتي كانت مؤلمة ومهدئة في آنٍ.
تمامًا مثل المخدر.
إستطاع أن يروّضها بمنتهى البساطة.
لكنه لم يتركها من بين يديه.
حتى عندما لمح عمه "عبد الله" يصعد الدرج تجاههما.
أبقاها كما هي معلقة به هكذا.
دماها لا تلمسان الأرض.
- إيه إللي حصل يا رزق ؟
تساءل "عبد الله" بشحوبٍ وهو ينقل نظراته بين كلًا من "رزق" و "ليلة".
- الراجل إللي نزل جري على تحت كنا هانمسك فيه.
فكرناه عمل حاجة لليلة لولا أبوك زعق و قالنا ده عزام الوديدي خالها.
و أهو ماسك فيه تحت عشان يستنى و يفهم منه إيه إللي حصل.
ما تقولي يابني إنت إيه إللي حصل ؟!!!
كان "رزق" ينظر إليه بذات التعبير المبهم.
حتى أحس برأس "ليلة" يميل فوق صدر.
أخفض وجهه لينظر إلى عينيها الدامعتين.
تبيّن فيهما نظرة خوف غريبة.
لكنه فهم مفاد الرسالة التي حاوت إيصالها إليه.
- مافيش حاجة يا عمي !
هتف "رزق" مقدمًا الجواب الصارم لعمه.
ثم رفع عينيه نحوه وقال بنفس الاسلوب:
- مافيش حاجة !!
---
دفع "رزق" باب شقة أبيه و ولج كهبة إعصارٍ عاتٍ.
كان "سالم" يقف بمنتصف الصالون المقابل سادًا عليه رؤية الزائر المريب.
ما إن شعر بوجوده حتى إلتفت نحوه على الفور هاتفًا:
- هه.
تعالى يا رزق.. جيت في وقتك !
- مين الراجل ده يا بويا ؟؟؟
استوضح "رزق" بلهجة تكنف نبرة شرسة وهو يشير بسبابته نحو الرجل المذعور بالخلفية.
رفع "سالم" كفه ليضع حدودًا لإبنه قبل أن يفكر بتجاوزه ليصل إلى ضيفه.
ثم قال بحزمٍ:
- ده يبقى عزام الوديدي خال ليلة بنت آ ا ...
- عارف إنه زفت خال ليلة بنت عمي !
صاح "رزق" مقاطعًا بانفعالٍ.
وأردف وهو يوّجه نظرة نارية لشخص "عزام":
- اسئله إيه إللي يخلي بنت أخته ترفع عليه سلاح.. دي كانت هاتموته قدامي لولا لحقتها !!!!
إستدار إليه "سالم" في الحال عابسًا.
ليبرر الأخير من فوره وهو يلعن نفسه بداخله ألف مرة:
- زي ما قولتلك يا معلم سالم.
البت من يوم وفاة أمها و أنا عارضها على أكتر من دكتور نفسي.
هي رابطة موت المرحونة بيا.
دي الحالة بتاعتها.
بتخليها تتخيل حاجات ماحصلتش.
الأدوية إللي كانت بتاخدها و هي عي كانت بتخفف الأعراض دي.
بس واضح إنها بطلت تاخدها من ساعة ما جات عندكوا !
بدا "سالم" أكثر إقتناعًا بهذا الكلام.
فارتاح "عزام" قليلًا لنتائج مجهوداته المواتية.
حتى هب صوت "رزق" فظًا مستنكرًا في هذه اللحظة:
- و المفروض إني أصدقك الكلام الفارغ ده صح ؟!!!
تلعثم لسان "عزام" وهو ينظر بمهابة إلى ذلك الكيان الضخم الجذاب والمخيف في آنٍ.
لم يستطع عليه ردًا.
فالتفت إليه والده وقال بهدوءٍ صارم:
- رزق.. و بعدين !
مش طريقة حوار دي.
و قاطعتني في الأول.
مالك ؟
رزق باستهجانٍ:
- بصراحة مش داخل عليا الدور ده.
حالة نفسية إيه و دكاترة إيه.
إنت ماشوفتش إللي أنا شوفته يابويا !!!
سالم و هو يضرب كفًا بكف متعجبًا:
- هاتكون شوفت إيه يعني يابني ؟!
الراجل قالك إللي حصل في بيته.
إيه إللي يشكك في كلامه يعني.
و لا إنت مابتصدقش الطب.. عيب عليك يا رزق ده إنت دارس و مثقف !!
إنتابته العصبية وهو يرد عليه متشنجًا:
- ما هو عشان أنا دارس و مثقف بقولك الراجل ده كداب..
بصله كده.
بصله و شوف وقفته و رعشة إيديه.
حتى نظرته ...
- كل ده من هيبتك يا معلم رزق !
نطق "عزام" مبديًا حياله نظرة خضوعٍ.
وأكمل بابتسامة سمجة مثله:
- يعني مش عارف مين إللي يقدر يقف قدامك ومايهابكش..
ما شاء الله.
كأني واقف قصاد المعلم سالم الجزار في شبابه !
أطربت كلماته أذنيّ "سالم" فابتسم وهو يعاود النظر إليه من جديد قائلًا:
- جايز تقدر تاكلني بالكلمتين دول يا عزام.
بس رزق إبني مش بتاع كلام..
هو شكله واخد موقف منك من إللي شافه فوق.
ف معلش إنت مضطر تتحاشاه خالص هو و ليلة الفترة دي.
وبعدين لينا كلام تاني أكيد.
أومأ "عزام" مؤكدًا:
- يا كبير أنا تحت أمرك..
أنا جيت بس لاجل عضم التربة و عشان هي بنت أختي و الخال والد.
مهما تعمل فيا ليلة أنا بسامحها.
أنا شوفت منها و معها كتير و عارف إنها ماتقصدش.
ده أنا إللي مربيها !
وإنخرطا الرجلان في حديثٍ مقتضب أخير تحت أنظار "رزق" العابسة إلى حد الرعبة.
---
نفس التجمع و لكن أقل بكثير...
كان بشقة "رزق" و "ليلة" الآن.
كلًا من السيدة "عبير" و "نجوى"..
حتى "سلمى" الصغيرة.
جميعهن يقفن حول "ليلة" التي جلست كالمغماة فوق كرسي الصالون العصري لا تفه بكلمة.
فقط نظراته مثبتة بالفراغ أمامها.
تزامنًا مع دخول "رزق" إلى الشقة، وصل مسامعه بعضٌ من الحوار النسائي.
إذ قالت "عبير" وهي تمسح على رأس "ليلة":
- دي عين و صابتنا و الله.. مش معقول يا ربي كده.
إمبارح فاطمة.
و أنهاردة ليلة !!!
لترد "نجوى" بأسى واضح:
- بناتنا مش مكتبولهم الفرحة باين يا عبير..
يا ترى إيه إللي نابك يا ليلة إنتي كمان !!
- إحــم !
هكذا تنحنح "رزق" منبهًا لحضوره.
لتلتفت نحوه السيدتان وتهتف "عبير" فورًا:
- تعالى يا رزق.. خش يا حبيبي.
خطى "رزق" إلى الداخل أكثر وهو لا يرى سواها هي.
وهي كأنما صنم دبت الحياة به.
ما إن لاحظت حضوره، تنفست بعمق وأرسلت إليه نظراتٍ حيّة لامعة.
- إيه الأخبار يا أبلة عبير ؟
قالها "رزق" عندما صار أمام الكرسي الذي تجلس فوقه "ليلة" مباشرةً.
ردت "عبير" رابتة على خد الفتاة المسكينة:
- أهي يا حبيبي.
زي الفل قدامك..
إن شاء الله مافيهاش حاجة.
كفاية بس تفضل إنت جمبها.
مش شايف أول ما حست بيك روحها ردت فيها إزاي ؟!
هز "رزق" رأسه دون أن يحيد عن زوجته.
ثم إنحني صوبها قليلًا وأخذ يرتب بيده خصيلات شعرها المنسدله حول وجهها متمتمًا:
- إنتي كويسة ؟
أخدك للدكتور ؟!
بالنفي هزت "ليلة" رأسها.
ليقفز صوت "نجوى" الآن آمرًا:
- طيب يلا بقى يا عبير.
يلا يا سلمى إنتي كمان..
نسيبهم لبعض بقى.
و إنت يا رزق يا حبيبي لو احتاجت حاجة نادي صوت عليا أو على مرات عمك.
نطلعلك في ثانية.
شكرها "رزق" بصوته العميق:
- الله يخليكي يا مرات عمي..
إن شاء الله مايجبش حاجة وحشة.
- إن شالله يا حبيبي.
يلا بالإذن إحنا !
وخلال لحظاتٍ.
صارا بمفردهما تمامًا مرةً أخرى.
ولكن "ليلة" لم تكن تنظر إليه الآن.
وكأنها تعيد النظر بالكلمة التي أعطته له.
إلا إنه هو لم يكن ليسمح لها.
خاصةً بعد الذي حدث كله أمام عينيه.
- كنت عارف من بدري إن في حاجة !
غمغم "رزق" وهو يودع يديه بجيبي سرواله الداكن ناظرًا إليها من علو.
إستحسن عدم نظرها إليه في هذه اللحظة لئلا رأت تعبير وجهه القاس فامتنعت عن الكلام.
تنهد "رزق" بعمق وهو يرفع كفه ليفرك به وجهه محاولًا تبديل هذا القناع المخيف.
إلتفت خلفه وشد منضدة الصالون ليجلس قبالتها وجهًا لوجه.
جلس على طرف المنضدة ومد جسمه للأمام نحوها.
ثم قال بصوتٍ اجتهد ليبدو محايدًا:
- كنت عارف إنك مخبية حاجة.
بس إيه هي !
بصراحة غلب حماري..
مش جاية معايا خالص مهما حاولت ظني بيخيب.
وبالذات دلوقتي..
بقيت متأكد أكتر من الأول إن الاجابة الصح عندك إنتي بس.
بصيلي يا ليلة !!!
إرتعشت بوضوح عندما نطق إسمها بهذه الطريقة المنفعلة والمترفقة في آنٍ.
لكنها أطاعته في الأخير.
نظرت إليه.
فطالعها بريق أزرق متماوج من حدقتيه الواسعتين.
فتحت فمها بآلية وخرج صوتها مختلجًا بنشيجٍ محبوس بصدرها:
- عايز تعرف إيه يا رزق ؟
رزق بتصميمٍ قاسٍ:
- كل حاجة !
لا تعرف كيف بزغت الابتسامة فوق محياها في ظرفٍ كهذا.
لكنها بالواقع لم تكن ابتسامة بالمعنى المألوف.
بل ردة فعل ذاتية مبنية على السخرية من الذات والتحقير من شأنها كليًا.
لتفعلها قبل أن يفعلها هو.
سحبت "ليلة" نفسًا عميقًا وهي تمد جسمها بدورها نحوها.
ثم قالت باسلوبٍ بث الحماسة وكأنها بصدد سرد حكاية لطفلٍ شغوف:
- أوكي.. يبقى إسمعني كويس.. هاحكيلك قصة !
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم محمد
في طفولتها، لم تذكر أنها حُرمت من أي شيء. كانت طلباتها مجابة منذ أبصرت عيناها الحياة بمنزل خالها.
كان كل شيء على ما يرام. صحيح أمها حزينة ومريضة على الدوام، لكن كانت هناك زوجة خالها الحنونة تعتني بالجميع، فما كانت شديدة القلق، خاصةً بوجود ابن خالها الذي أضحى أخًا وصديقًا لها. حتى خالها، في هذا الوقت أظهر لها حبًا آنست به وأنسها حقيقة أنها طفلة يتيمة.
هكذا نشأت "ليلة" محاطة بالألفة والدفء الأسري، حتى بلغت الثانية عشر من عمرها. حرفيًا، حياتها تدمرت.
بدءً من وفاة زوجة خالها المفاجئة، والتي كانت كارثة حقيقية للجميع وزعزعة لشمل الأسرة الصغير، حيث قرر خالها الذي لاحظ بوادر اكتئاب على ولده بأن يرسله ليحصل مسيرة تعليمه بالخارج بإحدى المدارس الداخلية بالولايات المتحدة الأمريكية.
الأمر الذي جعل منها وحيدة وحزينة مثل أمها، التي اشتد عليها المرض بصورة متلاحقة للنوائب التي حلت فوق رؤوسهم، فصارت عجوزًا قبل أوانها، والتزمت الفراش مواظبة على أدوية القلب والسكري وقصور الكلى.
حينها أدركت "ليلة" أن أمها قد استسلمت وأن الحياة قد قهرتها وهزمتها بهذه البساطة. إن هي إلا مسألة وقت وستلتحق بأبيها، سوف تتركها هي أيضًا. أيقنت هذه الحقيقة وتصالحت معها. فقطعت وعدًا بينها وبين نفسها ألا تترك أمها أبدًا، وألا تحزنها أكثر أو حتى تجعلها تقلق بشأنها.
وفي سن مبكرة، حيث كان من المفترض أن تبتهج وتتلبس حياة المراهقين متقلبة المشاعر، وجدت نفسها وقد كبرت ضعف عمرها. فلم يشغلها شيء سوى الاعتناء بوالدتها وإدخال السرور على قلبها بأقل الأشياء.
وصولًا إلى تلك الليلة، ذكرى ميلادها وإتمامها الرابعة عشر. وكأن كل الكوارث بحياتها متعلقة بهذه الذكرى المشؤومة.
تتذكر أنها بعد أن فرغت إطعام أمها صحن الحساء الموصى به طبيًا.
عمدت متعمدة إلى تجاهل تعليمات خالها بضرورة تواجدها بالكابق السفلي كي ما تعرض الخدمات عليه وعلى أصدقاؤه بجلسة اللعب والمقامرة والشرب.
لقد فعلتها مرة، ولكنها لم ترتح لهؤلاء الرجال السفلة. لم تكن تفهم أي شيء، إنما بعض التصرفات المتمثلة بملامسات عابرة لمناطق معينة بجسمها أغضبتها بشدة، فقررت ألا تفوت إلى هذا المجلس أبدًا.
ولكن يا له من قرار جلب عليها سيل من الوقائع والذكريات الأليمة التي سوف تحملها طوال العمر حتى وصولها إلى القبر.
في نفس تلك الليلة، وبينما هي بغرفتها فوق سريرها تستعد للنوم، فزعت فجأة وهي تجد باب الغرفة يدفع بمنتهى العنف خالها يلج عبره منتشيًا بالكحول والمخدرات.
كان يمشي ناحيتها مترنحًا، لكنه واعيًا لتصرفاته جيدًا.
"بقى بتعصي أمري يا بنت الـ×××!" صاح "عزام" غاضبًا وهو يقتحم خصوصيتها لأول مرة.
"أنا هربيكي. وحياة أمك لأسحك خالص عشان ماتقدريش تمشي بجد ولا تطلعي ولا تنزلي."
أهوى عليها بقبضة حديدية ممسكًا بها بكتفيها، ورفعها بالهواء كما لو أنها لا تزن شيئًا، فسقط عنها الغطاء وظهر جسمها الذي لم يكن يغطيه شيئًا سوى قميص النوم المصنوع من القماش الرقيق.
منعت "ليلة" نفسها من الصراخ بصعوبة خشية أن تسمعها أمها وتسوء حالتها. في المقابل يحدق "عزام" في جسمها الفتي بنظرات مريبة كنظرات أصدقاؤه.
ما إن لاحظتها "ليلة" حتى تجدد غضبها ثانيةً، لكنها أجبرت نفسها على عدم إظهار أي دوافع عدائية أمام خالها لئلا تزيد انفعاله أكثر، فآثرت الخنوع بلهجة صوتها المختلجة وهي تقول دامعة العينين:
"أنا آسفة يا خالو. خلاص ما عدتش هاعملها تاني. والله وهاسمع كلامك المرة الجاية. هاعمل اللي تقول عليه بس ماتضربنيش وحياة حسن!"
ظنت المسكينة أن ذكر ابنه ربما يشفع لها هذه اللحظة.
لكنها قطعًا كانت مخطئة، إذ لا يمكن لأحد أن ينقذها من المصير المحتوم الذي قرره شيطان "عزام" بشأنها الآن. لا يوجد من يشهد ويسمع إلا الأثاث والجدران، فهل يهب الجماد لمساعدتها!
يهز "عزام" رأسه بقوة وهو يلقي بها مرة أخرى فوق السرير مغمغمًا بخشونة:
"لأ يا روح أمك. إنتي لازمك عقاب. ولازم تنضربي فعلًا. تعالي هنا."
جحظت عيناها بذعر وهي تراه يخلع الكنزة الداخلية ذات الحمالتين، ثم يفتح أزرار سرواله. لم تحتمل رؤية المزيد وانقلبت على وجهها تريد الفرار من الجهة الأخرى.
لكن يده سبقتها، فامسك بساقها وجرها للخلف مجددًا ممزقًا قميصها بحركة حادة. بدأت "ليلة" تصرخ رغمًا عنها مطبقة فمها حتى لا تسمعها أمها. ظلت تقاوم حتى شعرت بفتور مقاومتها أمام خالها.
وإلى أن حانت تلك اللحظة التي صارت فيها على شفير الانهيار وهي تشعر بأنها تعرت تمامًا من ثيابها.
لم تفق من الصدمة الأولى حتى وجدته يجثم فوقها مكممًا فاها بملابسها الداخلية، ثم يحبس معصميها النحيلين بقبضته الضخمة مغمغمًا بحيوانية تسري بدماؤه القذرة:
"الليلة دي هاتاخدي علقة عمرك ما هاتنسيها. عشان تبقي تفكري مليون مرة قبل ما تعصيني تاني!"
___________
في عالم موازٍ، تواصل "ليلة" سرد التفاصيل المفجعة على زوجها وابن عمها "رزق". وجسمها لم يكف لحظة عن الارتعاش وكأنها تُصعق كهربائيًا لدرجة أن الكرسي الذي جلست فوقه كان يهتز من حين لآخر.
بينما الأخير في حالة من الصدمة والإنكار، فكه يكاد يصل للأرض، عيناه تكادان تسقطان من محجريهما. عقله لا يستطيع ترجمة ما تقوله حتى، والوصف أفظع مليارات المرات.
"الحقير!!!" تمتمت "ليلة" وسط حديثها، واستطردت بلا تحفظ أكثر في البكاء والانتحاب أمامه:
"كان مفهومي إن ده عقاب. وإن ده نوع من أنواع الضرب. بعدها بقى يهددني. لو عملت حاجة غلط. لو في مرة ماسمعتش كلامه. ده هايكون عقابي. ولما بقيت أسمع الكلام عشان أتجنب العقاب. بقى بيتلكك. أي حاجة مش غلط بيخليها غلط عشان يعاقبني. عشت ساذجة وعبطة بالشكل لمدة سنتين. سنتين وأنا مش فاهمة أي حاجة وزي العامية. لحد ما وصلت للثانوية. وبدأت أدرس وأختلط بالبنات والأولاد. شوية شوية بدأت أستوعب. وفهمت اللي حصل معايا. فهمت كل حاجة. وروحت واجهته، الواطي. القذر. تخيل بمنتهى البجاحة والسفالة يقولي محدش هايصدقك. لو اتكلمتي الناس مش هاتصدقك. وأنا ساعتها اللي هفضحك وهقول إنك صايعة من ورا ضهري مع الشباب ومقضيها. وهطردك إنتي وأمك من بيتي وشوفي لو الكلام ده وصل لعمامك أصلًا هايعملوا فيكي إيه!"
تشنجت "ليلة" مكانها بقوة مع عمق النبش بذاكرتها والأحداث الأليمة، لكنها تمالكت البقية الباقية من تماسكها وأكملت بصوت أخرق:
"بعدها سكت. مش عشان خفت من تهديداته. بس عشان خفت على أمي. لو كانت عرفت حاجة زي دي كانت هاتروح فيها. وكنت هأنهي حياتها بذكرى فظيعة وفضيحة تخليها نايمة في قبرها مش مرتاحة. وأمي تستاهل تكون مرتاحة في نومتها. بعد سنين التعب والمرض اللي فضل ينهش فيها لحد آخر نفس."
كبتت بكفها شهقة باكية، ثم أضافت:
"من يوم ما واجهته حلفت إن على جثتي لو قرب مني تاني. بقيت كل ليلة أقفل باب أوضتي بالمفتاح. وخبيت تحت مخدتي سكينة. لحد ما اتعرفت على بنت في المدرسة بطلة رماية. خليتها تعلمني إزاي أمسك مسدس وأستعمله. لحد ما اتعلمت وتميت السن القانوني وقدرت أشتري مسدس وأرخصه. لما عرف كده غضب طبعًا وحبسني في البيت وبطلت أروح المدرسة. لحد ما ماتت أمي. وأبوك اتكلم بعد السنين دي كلها وقال عايزني أجي أعيش معاكوا. افتكرني. بعد إيه!"
"لأ!!!"
خرج الاحتجاج من فم "رزق" أجشًا صلبًا.
نظرت له "ليلة" بغرابة، ليكرر بحدة أكبر وهو يهب واقفًا فجأة:
"لأ أنا مش مصدقك. مش مصدق ولا كلمة من القصة دي!!!!"
أجل.
لم يكن تدمير ما تبقى داخلها من ثقة تمنحها للآخرين بحاجة لوقتٍ سوى ثانيتان، ثانيتان لاقتلاع الأمان من جذوره، ثانيتان لإدراك مدى خطأها وندمها لأنها فتحت صندوقها الأسود وأطلعته على أحلك أسرارها لظنها بأنها ربما. ربما. لا تستطيع حتى التفكير فيها خاصةً الآن.
"مش مصدقني؟!!!" نطقت "ليلة" مشدوهة والدموع تغطي عينيها كليًا وتحجبه عنها.
تحاملت على نفسها وقامت لتواجهه صائحة بجماع نفسها الواهنة:
"بقى بعد كل اللي حكيته وسمعته بتقول مش مصدقني؟
إنت متخيل إنه سهل عليا أنطق بكلام زي ده؟
متخيل إن حتى التفكير فيه بيخليني هاين عليا أقوم أخبط دماغي في الحيط لحد ما أموت؟
أو أمسك شعري ده أقطعه وأنزّل على جسمي تقطيع أو أرمي بنزين على هدومي وأولع في نفسي وأغور من وشكوا كلكوا في ستين داهية!!!!!!"
صرخت بأخر كلماتها ملء وجهه، فرد لها الصراخ فورًا بعنف مصمم:
"وإيه اللي يخليني أصدقك وأصدق القرف اللي حكيته ده؟!!!!
وإيه اللي يخليني أصدقك وأصدق القرف اللي حكيته ده؟!!!!"
أرادت أن تسد أذنيها لكي لا تسمعه، لكنها عوض ذلك بارزته باكية بآلامها وقهرتها على أمل أن يشعر:
"عشان القرف ده هو اللي أنا عيشته بجد في الوقت اللي كلكوا عشتوا حياتكوا عادي. أنا كنت بموت. محدش سأل فيا. كنت لوحدي. لحد ما جيت هنا وشوفتك وبدأت أحس إنك مختلف. وآخرها قعدت أحكيلك. تقوم تكدبني؟
تصدق كلامه وتقف ضدي؟
إنت شايفني إيه قدامك؟"
رد "رزق" بقساوة فجة دون أن يرتد له طرف:
"أنا بصراحة مش شايفك غير ××××××."
"أخــــــرس!!!!!!" صرخت بضراوة أكبر وهي تهوى على صدغه القاس بصفعة رنانة.
لم تهتز منه شعرة، لكن وجهه انقلب محتقنًا بالدماء وصار يزفر أنفاسه من فتحتي أنفه بتدافع كثور في بداية طور الهياج.
بينما لم تكتفِ "ليلة" بهذا وأنهالت على صدره وكتفيه باللكمات والضربات منهارة على الأخير:
"حقيــــــر... إنت زيــــه.. كلكوا زي بعض... كلكوا زي بــعــــض...."
رغم أنه لم يتأثر بضربة واحدة من قبضتها الضعيفة، لكنه ضاق ذرعًا، وشعر بالاختناق من الوقوف أمامها. فرفع يديه بلحظة وأمسك برسغيها بإحكام مبعدًا إياها عنه وهو يقول بصرامة مخيفة:
"مهما تعملي يا ليلة خلاص. أنا فهمتك على حقيقتك. لو كنتي من البداية صارحتيني بالحقيقة. والحقيقة بس. جايز موقفي كان اتغير. لكن دلوقتي. إنت ورطتي نفسك معايا. وهاتشوفي بعينيك نتيجة ده!"
ودفعها بعيدًا عنه متجهًا صوب باب الشقة.
صفقه خلفه وهبط الدرج في أقل من نصف دقيقة، وبينما يستعد للمغادرة بسيارته تمتم باقتناع تام:
"محدش يعمل كده. مافيش خال يعمل كده في بنت أخته. استحالة دي تحصل. استحالة!!!!"
______________
يصل "عزام" إلى منزله مسرعًا. يترك سيارته بمنتصف الباحة ويسارع بالصعود إلى غرفته.
يخرج حقيبة السفر الكبيرة من أسفل الفراش ثم يضعها فوقه، ويبدأ على الفور بنقل محتويات خزانته إليها وهو يستل هاتفه من جيب سترته مجريًا الاتصال بابنه.
إن هي إلا لحظات وسمع صوته الرائق على الطرف الآخر:
"أيوة يا بوب. بالسرعة دي وحشتك؟ ما كنا لسه قافلين مع بعض امبارح!"
يرد "عزام" بلهجة متصلبة وهو يتصبب عرقًا:
"اسمعني يا حسن. مافيش وقت. أنا عايزك تحجزلي من عندك تذكرة لنيويورك. بكرة عايز أكون هناك."
"إيه! بتقول إيه يا بابا. عايز تطلع على نيويورك؟ ليه؟!"
عزام بانفعال: "ده مش وقت تحقيقات خالص على فكرة. إنت تعمل اللي بقولك عليه. ظبطلي الدنيا بسرعة عشان أنا الكام ساعة دول هاتلخم في ترتيب الشغل وتأجيل مواعيد وبلا أزرق أد كده."
"طيب على الأقل فهمني إيه اللي حصل!!!"
"لما أجي هاشرحلك كل حاجة خلاص بقى يابني ماتتعبنيش."
أتى صوت "حسن" مستسلمًا:
"طيب. I hope إنك تكون كويس بس!"
أغلق "عزام" سحاب الحقيبة وارتمى فوق السرير مجيبًا بتوتر لم يفلح بمداراته:
"لما أشوفك هابقى كويس يا حسن. لما أشوفك هابقى كويس!"
______________
تجلس هكذا وحيدة بين أربعة جدران، وإن كانوا من ذهب وفضة. لا يعلم بحالها إلا الله.
وسط كل هذا الحزن الذي ألم بها، لم تخشَ على نفسها مطلقًا بقدر ما خشيت على الروح الذي أمست بداخلها الآن. لا تستطيع أن تشعر تجاهها سوى بالحماية والحب فقط.
ولكن أنَّى لها أن تعطي الحب بكفاءة في ظل حرمانها منه بهذا الشكل، وفي وقت تعلم جيدًا أنه يعطى لأخرى هي أحق به منها. بالطبع هي أحق به!!!
كانت تجلس إلى طاولة الطعام بالمطبخ الفسيح المستحدث، أمامها مل لذ وطاب، لكنها لا تشتهي شيئًا، ولا تشعر بالجوع أبدًا.
إلى أن سمعت صوت طرطقة بالخارج. في البداية، ظنت بأنها توهم. لكن عندما سمعت باب الشقة وكأنه يقفل قامت بسرعة وخرجت لترى بعينيها.
أخذ قلبها يتقافز في صدرها، حين رأته أخيرًا. يقف أمامها بالمدخل. هو بشحمه ولحمه. ليس حلمًا أو خيالًا.
بل هو. "رزق".
"رزق!" غمغمت "نسمة" بكسرة تجلت بصوتها وملامحها الشاحبة.
لتركض بعدها مباشرة تجاهه وتستقر بين أحضانه، طوّقته بكل قوتها وهي تشعر بذراعيه تحيطان بها بحنان. ثم تسمع صوته يتمتم فوق رأسها:
"نسمة. وحشتيني. وحشتيني أوي!"
رقت مشاعرها وزادت هشاشة أمام احتوائه لها والحنان الذي يغدقه عليها بالأوقات المناسبة تمامًا.
لكن هذا لم يمنعها. قبل أن تنخرط معه بنوع من المشاعر لا تستطيع معه النبس بكلمة. رفعت رأسها لتنظر إليه قائلة بصوت متحشرج قليلًا:
"أنا عايزة أقولك حاجة مهمة."
هز رأسه بالنفي وقال بارهاق واضح:
"لأ. أنا مش عاوز أتكلم. مش عاوز أسمع حاجة خالص. أنا تعبان يا نوسا. ومافيش غيرك بيريحني!"
قطبت حاجبيها مدققة النظر بوجهه. كانت عيناه محمرتين وقسماته الجميلة متعبة بالفعل. بدا مهمومًا وقلق.
احتضنت "نسمة" جانب وجهه بكفها الناعم الطري وهي تهمس بقلق عليه:
"مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟!"
لم يتكلم "رزق". لكنه قدم جوابًا أبلغ من الكلام. إذ طوق خصرها بشدة ورفعها إلى مستواه كي ما يتمكن من دفن وجهه بحضنها والبكاء في صمت مزقها هي وأنسها بؤسها وأي شيء ودت أن تقوله إليه.
الآن هي ليست آبهة لمطلق شيء بالعالم إلا به هو. وهو فقط!