تحميل رواية «نزيف الجدران» PDF
بقلم سيد داود المطعنى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نهض سعد من فراشه بعد منتصف الليل، وهو يرتعد خوفًا من تلك الرؤية التي رآها. حاول أن ينادي على أحد أولاده ليستغيث به، كالذي يقاوم الغرق في بحر الظلمات ويبحث عن أي قارب نجاة. بدا وكأنه فقد النطق، وخارت قواه، وبدأ يتصبب العرق من جبينه. "يا إلهي! أي حلم هذا؟ وأي رؤية ليلية التي جعلت رجلاً قويًا مثل سعد يصرخ صامتًا هكذا؟" خرج من الغرفة متجهًا ناحية المطبخ ليشرب قليلاً من الماء، فقد أصاب ريقه جفافًا من هول ما قد رأى. عاد من المطبخ وهو ينظر ناحية باب الشقة يظن أن أحدًا ما سيهاجمه بالأسلحة، فجرى إلى فراش...
رواية نزيف الجدران الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيد داود المطعنى
عصام في غرفته يحمل هموم الدنيا فوق رأسه. يأبى إلا أن يرافق زملائه إلى رفح لأداء واجبه، ويخشى أن يتأثر والده بعصيانه، ليصبح بين نارين، لا يعرف كيف يهتدي إلى سبيل.
كيف يعتذر عن قرار النقل، وهو قرار من القيادة العامة لا يحتمل المناقشة، ولا يستطيع ضابط تقديم التماس في هذا الأمر ويضحي بسمعته في العسكرية حتى إحالته للتقاعد، ولا يستطيع أن يتحدى والده الذي لم يتأخر عنه يومًا حتى وصل به إلى تلك الدرجة، ولم يتخل عنه حتى بعد تعيينه ضابطًا بالقوات المسلحة، فقد جهز له شقته في وسط العاصمة ليتزوج بها، وخصص له مبلغًا ماليًا ضخمًا لنفقات زواجه ولتأمين مستقبله بعد الزواج.
كيف يخالفه الآن وهو الأب الحنون الذي يخشى على ولده السقوط في المهالك.
ينظر للسماء، ينتظر التدبير. هل يعصي قادته ويتخلى عن واجبه، أم يعصي والده ويتركه في نار القلق حتى انتهاء المهمة بالنجاح أو الرحيل عن الحياة.
يا لها من معادلة صعبة تلك التي وضعه فيها والده، ويا له من حلم قاسٍ ذلك الذي اقتحم حياتهم ليقلبها رأسًا على عقب، ويضع الأولاد مخيرين بين طمأنة والدهم بالتنازل عن أحلامهم وطموحاتهم أو الاستمتاع بحياتهم.
لم يخرج عصام لموعد زميله ماجد الذي وقع عليه الاختيار مثله للسفر إلى سيناء، بل أنه طلب ماجد ليزوره في البيت حتى يحكي له ما يريد، يطلب منه المشورة، يشاركه الرأي، قد يصل معه إلى حل يرتاح إليه.
ــ دبرني يا ماجد، أنا هتشل مش عارف أعمل إيه.
ــ اعمل اللي يمليه عليك ضميرك يا عصام، بس خليك عارف مخالفة قرار زي ده عاقبته إيه.
ــ وبابا يا ماجد! بابا ممكن تجراله حاجة لو أنا خالفت رأيه، خصوصًا الحلم المفزع ده اللي شافه وخلّاه خايف من كل حاجة.
ــ وانت هتبني مستقبلك على أحلام والدك، ده واجبك قبل ما يكون شغلك يا عصام.
ــ هو أنا ينفع أقدم التماس ع القرار ده.
ــ هتبقى مسخرة بين زمايلك مدى الحياة، وكل ضابط في مصر ليه أم وأب بيخافوا عليه، وفيه غيرك عندهم أولاد يا عصام، يعني موقفهم أصعب من موقفك، وأنا بصراحة مش هفيدك في موضوع زي ده.
لم يجد عصام عند صديقه ماجد حلاً لتلك المشكلة، فقرر هنا أن يقبل يد والده ويخبره أنه سيرفض قرار النقل وأنه قرر العودة لكتيبته في التل الكبير، ولن يذهب إلى رفح أبدًا.
كانت فكرة رائعة تجعله يرضي والده، ويلتحق بزملائه في رفح.
يا لها من فكرة جعلته أكثر هدوءًا وانشراحًا، فدخل إلى غرفته مسرعًا ليكتب تلك الرسالة قبل ذهابه إلى المعسكر حتى يسلمها يدًا بيد للواء عبدالمجيد، فلا وقت هناك لكتابتها.
أمسك بالقلم وفكر قليلاً في صيغة تلين عاطفة والده لو قرأها بعد رحيله، قال فيها: "والدي العزيز، وأستاذي في تلك الحياة، أنا لم أكتب إليك الآن لأعتذر لك عن مخالفتي لرأيك وتصميمي على اللحاق بزملائي في رفح، فقد تعلمت منك ألا أعتذر عن قرار صائب اتخذته أبدًا، ولكني يا أبي كنت أعلم مدى خوفك على حياتي، ولم تفكر لحظة واحدة أن موتي في سبيل الله أعظم من حياة ستنتهي لا محالة، وأنت لا تبخل عليَّ بتلك النهاية التي يتمناها كل مؤمن. كم كنت أتمنى أن أحتضنك وأودعك وأنت تعلم تمامًا أني ذاهب إلى مصيري، لأموت في أقاصي البلاد، لأفدي بلادي بروحي ودمائي، وأفديها بأجمل شيء لي في الوجود، وهي تلك اللحظات التي أقضيها معك. لا تعاتبني في حزنك يا والدي، وعش سعيدًا يا من قدمت للبلاد روحًا ترخص من نفسها فداءً لأمنها وسلامتها. ابنك وصديقك وأخيك الصغير عصام".
أطبق عصام تلك الرسالة ووضعها في جيب حقيبته، وترك الحقيبة بالغرفة وخرج إلى الصالة، فوجد والده سارحًا أمام التلفاز وهو يرتشف فنجانًا من القهوة، وكان التلفاز على إحدى القنوات الإخبارية المصرية تنقل الأحداث الجارية في رفح وتمشيط الجيش لبعض الأماكن هناك.
ــ أنا هخرج شوية يا بابا، وراجع.
ــ تعالي شوف كده الجيش بيعمل تمشيط لبعض المناطق الإرهابية في رفح.
ــ ربنا يعينهم يا بابا.
ــ تعالي شوف كده نتيجة العمليات دي إيه.
ــ ما أنا عارف يا بابا، هخرج ساعة كده وأرجع أدردش مع حضرتك.
ــ يا عصام!
ــ نعم يا بابا.
ــ تطلع فكرة رفح دي من دماغك، وتشوف لها أي تصرف.
ــ حاضر يا بابا حاضر، بعد إذن حضرتك.
خرج عصام، وعينا سعد تراقبه بخوف شديد، وارتشف رشفة من فنجانه ونظر في التلفاز.
راندا في غرفتها حائرة، تود أن تخبر والدها بذلك الخبر السار، الذي فاجأها به زياد بعد الخروج من الجامعة، حتى يستريح قلبه من ذلك الأمر، ويطرد قلقه على عصام من رأسه، لكنها لا تعرف كيف ستكون حالته الآن، قد تسمع منه ما تكره.
لو وازنت راندا بين السعادة التي قد تدخلها على قلب أبيها بخبر زياد، والحزن الذي يملأ قلبه بسبب عصام، لرجحت كفة الحزن والقلق والتوتر الذين يتحكمان فيه، ذلك الحزن الذي لا يجليه سوى خبر مضاد وهو إلغاء قرار نقل عصام إلى رفح.
يا لها من مسكينة، كانت تتمنى أن ترى من زياد ما يسعدها، حتى تأتي طائرة لأبيها تشاركه فرحتها، ولكن وشم الشقاء منقوشٌ على جبينها، لا يفارقها.
تأتي طائرة ليستوقفها غم أكبر من فرحها، لتعرقل فرحتها حالة من الحزن العام تخيم على أرجاء المنزل، وتصيب كل وجوه الأسرة.
ما الذي ينبغي أن تفعله تلك الفتاة التي تراقب والدها من ثقب باب الغرفة، وترى هموم الدنيا تتناثر أمام عينيه وحول أنفه وفوق رأسه، فترسم تلك الصورة الكئيبة على وجهه.
ما الذي ينبغي أن تفعله راندا الآن حتى تمرر ذلك الخبر على مسامع والدها من بين كل تلك الهموم.
فتحت هاتفها المحمول واتصلت بعصام وأخبرته بتلك التفاصيل، وعرفت منه أنه بالخارج الآن.
ــ يا عصام أنا نفسي أحكي لبابا، وهو مشغول بسببك ومتضايق جدًا، أرجوك تريحه.
ــ حاضر يا راندا، أنا ساعة بالظبط وهـرجع، اطلعي له انتي دلوقتي، وقولي له إنك كلمتيني وإني هعمل المستحيل عشان مسافرش رفح، واللواء عبدالمجيد وعدني إنه هيتصرف.
ــ بجد يا عصام الكلام ده؟
ــ أيوة بجد يا راندا، وبعد كده احكي له الحوار بتاعك ده وأنا هرجع أشارككم الفرحة.
ــ ربنا يخليك يا عصام، ده بابا هيفرح جدًا.
أغلقت راندا هاتفها وخرجت إلى الصالة حيث والدها السارح أمام التلفاز، وأسرعت ناحيته تقبله.
ــ عندي خبرين كل واحد فيهم بمليون جنيه يا بابا.
ــ يااااه للدرجة دي يا راندا؟
رواية نزيف الجدران الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيد داود المطعنى
أول خبر هو إن عصام هيرفض السفر لرفح مهما كانت العواقب، والقائد بتاعه وعده إنه هيتصرف.
نهض سعد من مكانه وهو مثار لا يعرف كيف يفرح أو يصدق، أو يسألها من أين لها بالمعلومة.
"وانتي عرفتي ازاي يا راندا؟"
"أنا اتصلت بيه علشان أحكي له الخبر التاني، وقال لي انه برة وطلب مني أقول لحضرتك انه خلاص هيرفض قرار النقل لرفح."
"دايما أخبارك بتريح قلبي يا راندا، حتي الأخبار الخاصة بأخواتك."
"مش هتسألني عن الخبر التاني يا بابا؟"
"بعد الخبر ده يا راندا أنا مستعد استقبل أي حاجة حتي لو مش حلوة."
"الخبر التاني إن زياد كلم باباه من نفسه امبارح، واتضح انه يعرفك، وهييجوا يطلبوني من حضرتك بشكل رسمي."
كانت الفرحة عارمة تهز كيان سعد الذي احتضن ابنته راندا ودار بها حول نفسه، فقد اطمأن عليها بعد ما صدقها ذلك الشخص الذي عرفته.
"انتي مش متخيلة أنا كنت خايف أد ايه من الشاب ده يكون بيلعب أوعايز يتسلي بيكي يا راندا، كنت خايف عليكي تعيشي قصة وهمية في عمرك الصغير ده."
"وأنا أخدت بنصيحتك يا بابا، وقبل ما أطلب منه أي حاجة، لقيته هو اللي بيبشرني بكده."
"قولي له يشرفونا في أي لحظة، وسيبي له رقم تليفوني."
لم يكمل سعد ساعة واحدة سعيدًا بخبر رفض عصام السفر لرفح إرضاءً لوالده، وفكر قليلًا بينه وبين نفسه بذكاء المحامي، وتساءل لمَ لا يكون عصام مضطرًا للكذب عليه، بل ما الذي جعله يطلب من راندا أن تخبره بقرار عدوله عن السفر إلى سيناء؟ هل كان عصام خائفًا من مواجهته حتى لا يظهر ذلك في عينيه فيكشفه سعد ويعرف أنه يكذب عليهم؟ أم أنه طلب من راندا حتى تذيل القلق من رأسه ثم يقدم هو على تنفيذ قرار النقل.
دخل سعد مسرعًا إلى غرفة عصام، ليبحث عن خطاب القيادة العامة للقوات المسلحة الآمر بنقله إلى رفح، هل هو اقتراح؟ أم قرار واجب التنفيذ؟
وجد سعد حقيبة عصام بالغرفة، ففتحها وقام بتفتيشها تفتيشًا دقيقًا، وكانت ملامحه تميل إلى الحدة، فوجد تلك الورقة المكتوبة بخط يده، وفيها اعتذار لوالده عن موقفه الذي اتخذه بينه وبين نفسه، يعتذر له عن إصراره على السفر إلى رفح، تلك الكلمات التي سطرها على لسان شهيد رحل عن الحياة.
بكى سعد بحرقة، وانفجر في البكاء وأخذ يصرخ وهو يردد كلمات بصوت جهوري.
"مش هتسافر يا عصام، مش هتسافر، والله ما هسيبك تروح مهما كلفني الموضوع ده."
فتح عصام الغرفة فوجد والده منكباً على الحقيبة وهو يمسك بين يديه الرسالة ويجثو على ركبتيه باكيًا، فانقبض صدره، وعلم أن والده قرأ الرسالة، فأراد أن يتكلم ولكن الكلمات لم تسعفه، وتلثم، وانعقد لسانه، وذابت منه الكلمات.
"بابا!"
"أهلاً أهلاً بسيادة الرائد الشهيد الكداب."
"حصل إيه يا بابا؟"
"انت بتخطط يا عصام، بتبعت لي أختك تقول لي انك هترفض النقل، وانت سايب لي رسالة لما بعد استشهادك، فاكرني راجل أهبل، فاكرني عبيط، فاكرني هحترم أوضتك ومش هدخلها علشان أدور على أمانك."
"كان نفسي أسيبك مطمن يا بابا."
"وأنا مش هطمن طول ما انت في الجيش يا عصام."
"تقصد ايه حضرتك؟"
"انت هتستقيل من الجيش، لو ليك معاش مبكر اطلع معاش، ملكش استقيل، ملكش استقالة اهرب، أي بديل عن وجودك في الجيش."
"بس انت يا بابا كده بتضيع مستقبلي."
"وجودك في الجيش هيضيع حياتنا، هيعيشنا في رعب، أقسم بالله ما هتفضل في الجيش لحظة."
"ازاي يعني يا بابا، حرام عليك والله، أنا مستحيل أتخلي عن واجبي."
"وأنا ممكن أعمل أي تصرف يحميك من نفسك يا عصام."
"أرجوك يا بابا، متخلنيش بين نارين، متخيرنيش بينك وبين واجبي، والله المفروض تفرح لي مش تعمل فيا اللي بتعمله ده."
"هو أنا عملت فيك ايه، أنا عايز أحميك، عايز أحمي اخواتك من الشعور لحظة أنهم هيفتقدوك، يا بني أنا شفت حلم فظيع، وتفسيره الوحيد إن حد من ولادي هيموت في عملية ارهابية، وانت رايح للارهاب برجليك علشان تخلي تفسيره حقيقة، عايز تموتني بحسرتي ليه يا ابني."
"بس ده واجبي يا بابا."
"طاب استني لحظة هنا وعايزك تتفرج ع المشهد ده، وتخيل انك مت لا قدر الله."
خرج سعد من الغرفة ينادي بصوت عالٍ على أولاده، ويخرج عصام خلفه.
"يا راندا، يا رائف، يا سمر، يا ولاد، يا راندا، سمر، لو سمحت يا عصام خليك في الأوضة، مش عايزهم يشوفوك هنا."
دخل عصام إلى الغرفة مغلوبًا على أمره، ووقف سعد في منتصف الصالة ينادي على أولاده باكيًا وهو يلوح بالورقة في يده حتى خرج إلى الصالة "راندا وسمر ورائف".
"حصل ايه يا بابا؟"
"خدي اقري الرسالة دي يا راندا، اقريها بصوت عالي علشان اخواتك يسمعوها."
فتحت راندا الرسالة، ووقف رائف وسمر ينظران إليها، وعصام يراقبهم من بعيد.
"والدي العزيز، وأستاذي في تلك الحياة، أنا لم أكتب إليك الآن لأعتذر لك عن مخالفتي لرأيك و تصميمي على اللحاق بزملائي في رفح، فقد تعلمت منك ألا أعتذر عن قرار صائب اتخذته أبدا، ولكني يا أبي كنت أعلم مدى خوفك على حياتي، ولم تفكر لحظة واحدة أن موتي في سبيل الله أعظم من حياة ستنتهي لا محالة، وأنت لا تبخل عليَّ بتلك النهاية التي يتمناها كل مؤمن، كم كنت أتمنى أن أحتضنك وأودعك وأنت تعلم تمامًا أني ذاهب إلى مصيري، لأموت في أقاصي البلاد، لأفدي بلادي بروحي ودمائي، وأفديها بأجمل شيء لي في الوجود، وهي تلك اللحظات التي أقضيها معك، لا تعاتبني في حزنك يا ولدي، وعش سعيدًا يا من قدمت للبلاد روحًا ترخص من نفسها فداءً لأمنها وسلامتها، ابنك و صديقك وأخيك الصغير عصام."
رواية نزيف الجدران الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيد داود المطعنى
كانت راندا تقرأ والدموع تنهمر على خديها، وسمر تفتح عينيها دون أن تبكي أو تصدر صوتًا، ورائف يصرخ، والبكاء والنحيب يعلو من صدور الجميع.
فألقت راندا الورقة من يدها وارتمت في حضن والدها صارخة.
"عصااااااااام، عصااااااااااااام، عصام فين يا بابا؟ أنا لسة مكلماه فون."
سعد ينظر للغرفة وتقع عيناه على عيني عصام، ويعيد النظر لأولاده، فيجد سمر تغيب عن الوعي وهي واقفة، وتسقط على الأرض مغشيًا عليها.
فيخرج عصام من الغرفة مسرعًا.
"ليه كده يا بابا، ليه؟ ليه؟ حرام عليك اللي بتعمله فيهم ده حرام حرام."
"آآآآء سمر، سمر، سمر."
قام عصام بمحاولة إفاقة سمر، فارتمت عليه راندا وارتمى عليه رائف يحتضنانه.
وانحنى سعد يدفعه عن سمر بقوة غاضبة.
"أوعى تشيل إيدك عن بنتي، أنت بتكرهنا؟ أنا هفوقها بنفسي، ابعد عنا يا آخي فارقنا."
راندا ورائف يمسكان في عصام، وسعد ينحني على الأرض ويرفع سمر بين يديه ويضعها على الأريكة ويضغط على عصب أنفها.
"سمر.. سمر.. قومي يا بابا، قومي يا سمر، عصام لسة موجود بيننا أهو، يا سمر."
فتحت سمر عينيها فوقعت على أبيها، فناداها عصام، فنظرت إليه دامعة ومدت يديها ناحيته تفتح ذراعيها، فبكى عصام بحرقة واندفع ناحيتها يحتضنها.
"خضتينا عليكي يا سمر."
"كنت هموت يا عصام، كنت هموت، الحمد لله إنك بخير."
"أخوكم عايز يروح يحارب الإرهاب في سيناء، وسايب لنا جواب نقراه بعد استشهاده، علشان يروح سيناء تنفجر فيه عبوة ناسفة وييجي لنا ملفوف في العلم."
"أرجوك يا بابا، بلاش الكلام ده قدامهم."
"بص يا ولد انت، أنا بعمل كل ده من باب الخوف عليك، أنا بشتاق لك بمجرد ما تمشي من هنا، وأنا عارفك في أمان في التل الكبير. أنت كتبت جواب نقراه بعد استشهادك، وشفت بعينك رد فعل أخواتك، تخيل لو أنت استشهدت فعلاً، كان هيبقى شكلنا إزاي؟ الحمد لله إنك موجود وأنقذت أختك، آدي إخواتك جنبك، وأنت وضميرك."
مشي سعد تاركًا المنزل لأولاده وهو ينظر لراندا بعينين تحدثانها أن تبذل كل طاقتها لمنعه من السفر إلى رفح.
"خليك فاكر يا عصام قبل ما تاخد قرار السفر، إن أختك داخلة على خطوبة، وطبعًا لو سعادتك سافرت وسبتنا في النار دي، لا هتتم خطوبة، ولا العيال هيعرفوا يذاكروا، ولا أي لحظة سعادة هنعرف نعيشها بعد النهاردة."
لم يشعر سعد بنفسه وهو يقود سيارته، لا يعرف إلى أين يذهب الآن، لمن يفضفض. قد نسي أنه اتصل بصديقيه موسى وصادق لينتظرانه في المقهى الذي يقضيان فيه سهراتهم اليومية. لم يدر أنه وصل إلى مقابر العائلة، ووقف على قبر زوجته يبكي متحسرًا، خائفًا، يكلمها وينتظرها ترد عليه.
"يا ريتني أنا اللي تحت يا وردة، وأنتي اللي معاهم، مش قادر أسيطر عليهم، مش قادر أطعمهم السعادة، حاسس إنهم افتقدوا الأم والأب بموتك. بتستعجلي الرحيل ليه يا وردة، ليه؟ ليه تسيبينا وإنتي عارفة إنك هتسيبي خمس يتامى، ولدين وبنتين وأنا الخامس. الواد الكبير اللي عملناه ظابط أد الدنيا، عايز يحسرنا عليه، واخداه الوطنية وهيموتني بحسرتي. زوريه يا وردة في المنام أرجوكي، ما كل الأمهات بتزور ولادها وتنصحهم، ليه تسيبي كل حاجة ومش عايزة تقدمي حاجة؟ تعالي له يا وردة أرجوكي، قوليله أبوك خايف عليك، فهميه يا وردة إني مش بصغره ولا بحب أفرض رأيي عليه، قوليله زي زمان إن كل آرائي في صالحه، يعني هو علشان ينفذ أوامر قياداته يعصي أمري أنا؟ علشان يريح نفسه يتعبني ويتعب أخواته؟ البنات كانوا هيموتوا بمجرد ما قرأوا الرسالة وهما عارفين إنه في إجازة، فما بالك يا وردة لو مات فعلاً؟ ما تردي عليا يا وردة، عمرك ما سبتيني أكلم نفسي بالشكل ده. ردي يا بنت الناس ردي، ردي يا وردة، ارحمني يا رب، ارحمني يا رب، يا رب ارحمني، ارحمني، ارحمني."
انفجر سعد في البكاء، وجثى على ركبتيه وتعفر بالتراب، حتى كاد أن يصاب بالجنون. لم ينقذه سوى اتصال موسى به، وترددت على مسامعه كلمات أنشودة "قمر قمر سيدنا النبي قمر" والتي خصصها نغمة لرنين هاتفه.
"أيوة يا موسى."
"إنت فين يا عم انت؟"
"أنا جاي لكم في الطريق يا موسى قربت عليكم اهو."
أغلق سعد هاتفه وخرج من المقابر وركب سيارته وانطلق إلى رفاقه وهو معفر بالتراب، وكان البؤس على وجهه كمن ضاقت به سبل الحياة. وجلس بينهم وهو مكفهر، لا يجيب على تساؤلاتهم عن سبب وصوله لتلك الحالة.
"ليا عندك طلب غريب يا صادق."
"طلب إيه ده إن شاء الله؟"
"عايز منك حتة حشيش بس تتسبب في دخول صاحبها السجن."
"حشيش! وسجن! ودي عايزها ليه دي؟"
"عايزها ضروري يا صادق، يا ريت تتصرف لي."
"وأنا هتصرف لك منين يا سعد؟"
"يعني إنت هتغلب في حتة حشيش يا صادق؟"
"طيب عايزها في إيه؟"
"عايزها في مسألة حياة أو موت."
"يا سلام! حتة حشيش في مسألة حياة أو موت؟"
"أيوة وما تسألش أكتر من كده."
بدأ الشيطان يعرض على سعد أفكاره التي لا تنفذ كي يمنع عصام من السفر لرفح، واقترح عليه أن يضع له قطعة من نبات الحشيش المخدر بين ملابسه، تعرضه للمحاكمة، فيكون مصيره الحبس لفترة قصيرة، أو حتى التجريد من الرتب العسكرية أو الوقف عن العمل، وكل هذا تضحية سهلة مقابل منعه من النقل إلى رفح.
إلى هذا الحد وصل الخوف بالرجل الرشيد، أن يلفق لابنه قضية كتلك القضية حتى يحميه من تنفيذ القرار.
عاد سعد إلى بيته وهو يسأل نفسه: ماذا لو لم يخترق ذلك الحلم حياته، ولم ير في منامه جدران بيته تنزف دماء إثر طعنات عصابة ملثمة؟ ماذا لو لم يكن تفسير تلك الرؤيا هو قتل أحد أبنائه في عملية إرهابية؟ هل كان سيعترض على ذهاب ولده إلى رفح؟ هل كان سيمنع سمر من الاشتراك في رحلة سانت كاترين؟ هل كان سيمنع رائف من الذهاب إلى المدرسة؟ هل كل هذا لا يهمه، والأمان هو الحل الأمثل لهم؟ وهل تلك القرارات التعسفية التي يتخذها في تعاملاته معهم قادرة على حمايتهم؟
رواية نزيف الجدران الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيد داود المطعنى
انطلق سعد بسيارته إلى صديقه المسيحي رفيق، في أحد محلاته بوسط البلد، وطلب منه مساعدته في أمر وضع قطع الحشيش في سيارة عصام بدلا من ملابسه.
سعد: عصام بيكسر كلمتي يا رفيق، بيكسر كلمتي.
رفيق: وانت ليه بتعتبر انه بيكسر كلمته، ليه متقولش بيتمسك بدوره وبيحافظ على واجبه.
سعد: ما تبطل الشعارات دي يا رفيق، بلا واجب بلا دور، الولد هيروح مني، وانت عارف كده كويس.
رفيق: جرى ايه يا سعد، انت عمرك ما كنت كده، ليه تخلي حتة حلم ولا كابوس يأثر على حياتك التأثير السلبي ده كله، ليه؟
سعد: انسى كل الكلام ده يا رفيق، وخليك معايا، علشان أنا قررت أمنع عصام من السفر، وامنعه من المشاركة في العمليات دي.
رفيق: وهتمنعه ازاي إن شاء الله، ما دام مصمم على موقفه؟
سعد: هقولك، علشان هتساعدني، ومفيش حد غيرك أثق فيه في اللي عايز اعمله.
رفيق: وكمان عايزني أساعدك.
سعد: يا سلام! أومال مين اللي هيساعدني.
رفيق: بس أنا مش هساعدك في حاجة زي دي يا سعد.
سعد: أقسم بالله لو سبتني وحدي في الورطة دي، ما تبقى صاحبي ولا اعرفك، ومش هسامحك طول عمري انك خليت بيا في أزمتي.
اند رفيق من حدة العبارات ونظر إليه.
رفيق: انت ايه اللي بتقوله ده؟ ليه بتحاول تربط حاجات ملهاش علاقة ببعض بصداقتنا.
سعد: قدرك تكون صاحب واحد معقد، ومليان مشاكل، ولازم توقف معايا.
رفيق: طيب قول لي ناوي تعمل إيه؟
سعد: أنا هاخد العربية بتاعت عصام ابني، وهوقفها عند المحل بتاعك اللي جنبنا هنا ده، اللي فيه كاميرات مراقبة، وهنخلي أي شاب من معارفنا يخفي وشه ويلبس أي حاجة كده، ويروح ناحية العربية قصاد الكاميرات، ويحط علبة بلح جوة العربية، وأنا هكون معاك جوة بنتفرج ع الكاميرات علشان محدش يشوفه غيرنا ويعمل له دوشة.
رفيق: وبعد كده؟
سعد: بعد كده هطلع أنا اركب العربية واشيل علبة البلح دي، واحط بداله كيلو حشيش.
رفيق: يا نهارك أسود، كيلو حشيش.
سعد: وهبلغ الشرطة عن خط سيري واخليهم يعترضوني، وفي القسم هقول انها عربية ابني، وهشوف هيتعاملوا معاه ازاي.
رفيق: وبعد كده يا مصيبة عمري؟
سعد: هيتعطل عن السفر لسيناء، وهيبقى تحته مليون خط، وهيكون مصدر شك ومش هيخلوه يسافر أصلا.
رفيق: ها وبعدين؟
سعد: بعد ما الموضوع ما يضيع، تيجي انت في عرض النيابة تقول اني كنت عندك في المحل يوم التلبس، وتراجع الكاميرات، وتلاقي الشاب اللي بيحط البلح وتعرض الفيديو ع النيابة، ويبان انه تلفيق ساعتها، لأن البلاغ تم وقتها تليفونيا للشرطة، واتلقت الحاجة في نفس المكان.
رفيق: وليه نخلي الشاب يحط بلح، ما نخليه يحط الحشيش على طول.
سعد: علشان لو حد شافه بيحط البلح ممكن يشتبه فيه علشان ملثم، ممكن يمسك في خناقه في الشارع، لكن لو شاف البلح، مفيش مشاكل.
رفيق: أقسم بالله انت مصيبة يا سعد.
سعد يتكيء للخلف وينفخ في الهواء.
سعد: بس يا رب ييجي بفايدة يا رفيق يا خويا.
رفيق: طيب عايزين ننجز في الموضوع ده بدري علشان فرح بنتي الخميس اللي بعد الجاي.
سعد: يااااااااااااه بالسرعة دي يا رفيق، ده يا دوب عشرة أيام.
رفيق: انت في دنيا تانية خالص يا عم سعد.
سعد: عارف يا رفيق، كان نفسي تربطنا صلة اجتماعية، كنت أتمنى ام عصام ابني يتجوز مريانا بنتك.
رفيق: انت ترضى ان بيتر يتجوز راندا ولا سمر مثلا.
سعد: لا طبعا .. أنا بقولك أمنية يا بني آدم، هو انا حظي ميجيش غير في صداقتك انت.
رفيق: احنا اخوات طبعا يا سعد بدون أي روابط عائلية.
سعد: طيب يا بتاع الروابط انت، تفضي لي نفسك يوم علشان ننفذ عند المحل بتاعكم ده.
رفيق: حاضر وربنا يستر إن شاء الله.
سعد: بإذن الله هيستر.
كانت حالة من الحزن تسود المنزل، وعصام يحتضن سمر، وحوله راندا ورائف، وهو يحاول اقناعهم أن هذا واجبه ولا بد من تأديته.
ــ يا سمر أنا هبقى ارتكبت جريمة في حق البلد لو تخاذلت عن أداء واجبي.
ــ وهتبقي ارتكبت جريمة في حقنا كلنا يا عصام لو رحت، هنموت هنموت.
ــ يا بابا افهميني أرجوكي، ما تأثريش عليَّ أكتر من كده.
وقفت راندا وهي تصيح، وكانت أكثر انفعالا لا تستطيع السيطرة على مشاعرها.
ــ انتي ايه يا آخي، حرام عليك، معندكش قلب، مفيش أي ذرة احساس ناحيتنا، نبوس ايدك علشان تتراجع، نبوس رجلك يا عصام، حرام عليك اللي بتعمله فينا ده، شوف بابا حالته بقت عاملة ازاي، شفت بعينك سمر جرالها ايه لما شافت رسالتك، ليه، روح ياعم سافر، روح للارهابيين خليهم يقتلوك، وانت ترتاح وتستقر، واحنا نعيش في جهنم الحمرا باقي حياتنا، روح يا عصام، احنا انكتب علينا نعيش في تعاسة طول حياتنا، كده كده من بعد ما ماما ماتت مفيش حد قلبه علينا غير بابا، سافر كده يا عصام خلي بابا هو راخر يتوه مننا ونبقى عايشين في نكد يقصر عمرنا، سافر يا عصام و في داهية احنا في ستين داهية مش داهية واحدة يا عصام، ياريتك ما كنت اخونا يا آخي، ياريتك ما كنت أخونا.
جرت راندا ناحية غرفتها وهي تبكي، وقام عصام يزفر، ورائف ينظر إليه بأسى، وعيون سمر تستعطفه.
ــ عصام!
ــ ايه يا سمر.
ــ أنا مرضيتش أروح رحلة طور سيناء علشان بابا ما يكونش خايف عليا، أرجوك تريحه.
ــ حاضر يا سمر، هدخل أشوف البنت دي، وهعمل اللي انتوا عايزينه.
دخل عصام الغرفة وراء راندا، وقام بتهدئتها ووعدها بأن يستقيل من عمله بالقوات المسلحة لظروف خاصة بالأسرة.
عاد سعد إلي البيت وهو معفر بالتراب، ووجد الجميع ينتظره، يسألونه عن سر عفاره، ولكنه لم يجب أحد.
ــ طمننا يا بابا، ايه التراب اللي علي هدومك ده.
ــ أنا رحت اشتكيتك لأمك يا عصام، رحت لأمك في قبرها وقلت لها كل حاجة، قلت لها انك عايز تدمر بيتنا، قلت لها اننا مش قادرين عليك بعد ما هي ماتت وسابتنا، رحت فضفضت للإنسانة الوحيدة اللي كانت تفهمني، وتعرفني بخاف من ايه ومش بتعمله.
ــ طاب يا ريت ترجع تقول لها ان عصام قرر يتنازل عن شغله كله مقابل رضاك يا بابا، قررت استقيل علشان أحافظ على ابتسامة اخواتي وما أكونش سبب حزنهم أبدا.
ــ وده قرار فعلا، ولا بتضحك علينا زي الرسالة اللي كنت سايبها في شنطتك دي؟
ــ لا المرة دي بصحيح يا بابا، ومنتظرك تصيغ لي نص الاستقالة وربنا يستر ومنتعرضش لمحاكمة عسكرية.
ــ مش هتوصل لمحاكمة عسكرية، لاني مجهزلك عذر قهري يخليك تستقيل بشرف.
ــ هو ايه العذر القهري ده يا بابا؟
ــ ملكش دعوي، أنا كنت محضرلك مصيبة تمنعك من السفر، بس طالما قررت تستقيل، أنا هجيب لك أوراق تخليك تستقيل و انت مثال للتضحية والفداء.
رواية نزيف الجدران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيد داود المطعنى
بات سعد ليلته و هو في قمة الفرح لضمانه العيش في أمان، وقد منع أولاده من الذهاب إلي أماكن الخطر. وما كان عليه إلا أن يبحث عن عذر قهري يقدمه عصام للقيادة العامة حتى تسمح له بالاستقالة دون اعتباره شخصًا متخاذلًا يحاول الهروب من مواجهة العناصر الإرهابية في سيناء.
وفي الصباح، ذهب سعد إلى صديقه استشاري المخ والأعصاب المشهور، وحصل منه على أشعة وتحاليل لشخص مصاب بالزهايمر، وحصل منه على شهادة وتشخيص يفيد بأنه مصاب بالزهايمر. ووضع كل تلك الأوراق في مظروف، وعرف من صديقه أعراض الإصابة بالزهايمر، وطريقة تعامل المصابين، وكيف يتعامل الأبناء مع الأب المصاب.
كانت ساعات الصباح عصيبة على عصام، لا يعرف كيف يواجه قادته وزملائه وهو يقدم استقالته في أهم مرحلة تمر عليه منذ التحاقه بالقوات المسلحة. كيف ينظر في أعينهم بالقوة التي اعتاد النظر بها، كيف يصافحهم مصافحة الوداع، ومنهم من يشد الأجزاء ويستعد للرحيل إلى أرض المعركة، يحملون أرواحهم على كفوفهم ليستقبلوا تلك اللحظات بصدورهم العارية.
حضر سعد إلى البيت يزف البشرى لعصام، وقدم له أوراقًا وشهادات من طبيب مشهور تفيد بأن والده مصاب بالزهايمر ولا بد من الاعتناء به. وبما أن عصام هو الابن الأكبر، وباقي الأبناء لازالوا طلابًا في المدارس والجامعات، فلا بد أن يتفرغ عصام لرعاية والده حتى يتماثل للشفاء، وتلك الحالة من حالات الزهايمر قد تستغرق أكثر من سنة حتى يتماثل المريض للشفاء.
«بعد الشر عنك يا بابا، ليه الفال ده بس؟»
«الفال ده أحسن من اللي انت رايح له يا عصام، دلوقتي هكتب لك صيغة للاستقالة تبرز أنك شخص ستضحي بمستقبلك وشغلك اللي بتحبه عشان تتفرغ لرعاية والدك، ومش هتعدي شهر بالظبط بعد الاستقالة وهتلاقي نفسك مدير أمن شركة بترول كبيرة وبمرتب ضخم كمان.»
«ربنا يستر يا بابا، ربنا يستر. هو حضرتك متوقع إني هفرح بالبترول بعد استقالتي من الجيش!»
«أنا عارفك زعلان، بس إن شاء الله مع الأيام هتنسى، هي الحياة كده يا بني.»
قابل عصام اللواء عبدالمجيد وهو في حالة نفسية يرثى لها، كان مرتبكًا من ذلك الموقف الذي اضطره والده للوقوع فيه. ولكن اللواء عبدالمجيد ظن أن حالة القلق التي تنتاب عصام الآن هي من الخوف والرعب على صحة والده التي شرحها في تقرير الاستقالة مرفقة بشهادات الطبيب الشهير. لم يكن يحلم عصام لحظة أن تكون الظروف مواتية بهذا الشكل لتجعله بالفعل بطلًا في نظر اللواء عبدالمجيد.
«تمالك نفسك يا عصام يا بني، الحمد لله إن المرض مش عضوي، وإن جسمه سليم وبيعتمد على نفسه.»
«إزاي بس يا سيادة اللواء، ده بابا مش عارف حد فينا، بابا تايه يا سيادة اللواء، أنا مش متخيل إن واحد من عظماء القانون في مصر يحصل له كده، ده بابا من العقليات المعدودة يا فندم.»
«قول الحمد لله يا بني إنكم حواليه وجنبه، وإن ربنا أكرمه بابن صالح زيك، هيضحي بمستقبله وشغله عشان يفضل جنبه ويكون سنده في مرضه، أنت مثال للتضحية والفداء يا عصام وأنا فخور بيك يا بني، عمر نظرتي فيك ما خابت أبدًا.»
نزلت تلك الكلمات على قلب عصام كالصاعقة، كادت أن تمزقه، جعلته يرتجف، يحتقر نفسه، كيف يصل إلى هذا المستوى من الأخلاق، كيف يكذب على قائده حتى يستعطفه وهو يرى فيه القدوة لزملائه. لم يستطع عصام تحمل الموقف، فانفجر في البكاء، وارتمى في حضن اللواء عبدالمجيد وكأنه يمسح في جسده ذلك الذنب الذي ارتكبه في حق قياداته وحق زملائه، بل في حق نفسه وواجبه في المقام الأول.
كان سعد يشعر بالفخر بينه وبين نفسه، لأنه استطاع أن يحمي ولده من ذلك الخطر المحقق، بل يشعر بالرضا لأنه كسب تلك المعركة وعرف أن مكانته في قلب عصام أكبر من واجبه الذي تعلق به طيلة الفترة الماضية منذ تخرجه وحتى تلك اللحظات.
ظن أنه قادر على النوم مطمئنًا، والعودة إلى عمله الذي تعطل عنه منذ اللحظة الأولى لتلك الرؤية المفزعة التي هددته.
نام ليلته وهو مبتسم لحياة جديدة لا خوف فيها، وأولاده حوله ينام كل واحد منهم في غرفته، وللوطن رجال يحمونه، يزودون عنه، يدفعون عنه ذلك الخطر المدقع، لكن ليس شرطًا أن يكون عصام من بينهم.
نام سعد لتخرج له الأحلام ألسنتها لتسخر منه وتزيده رعبًا على رعب، فكانت الرؤية تلك المرة أكثر رعبًا من ذي قبل.
رأى في نومه أنه قادم من عمله، وهو يتكلم في هاتفه المحمول، وقد حقق مبلغًا ماليًا ضخمًا من قضية قد ربحها اليوم في ساحات القضاء، وكانت ضحكاته عالية، فدخل البيت ولم يجد أحدًا من أولاده، والبيت مقلوب، لا شيء في مكانه، وكانت صيحات راندا في غرفتها عالية تستغيث، وصرخات رائف في غرفته ينادي على والده، وسمر تبكي بشدة في غرفتها وهي تقول: "أنقذني يا عصام".
جرى سعد إلى غرفة راندا، فوجدها تلتحف بطانيتها وتلتصق بالجدار المجاور لفراشها، وباقي جدران الغرفة تنزف الدماء فتغرق الغرفة.
«حصل إيه يا راندا، بتصرخي ليه يا بابا، وايه الدم ده كله؟»
«دول عصابة يا بابا عصابة، قتلوا كل الحيطان، الحيطان بتصرخ يا بابا.»
«حيطان إيه يا بابا اللي بتصرخ، دم مين ده، وفين العصابة دي؟»
«في أوضة رائف يا بابا، في أوضة رائف.»
جرى سعد ناحية غرفة رائف، فوجده معلقًا في سقف الغرفة، والدماء تملأ الفراش، وتغرق الأرضية، والجدران تنزف من كل ناحية، وتبدو آثار الطعنات في منتصفها.
«الحقني يا بابا، نزلني يا بابا، الحقني يا بابا، يا باباااااااااااا.»
«حصل إيه يا رائف، قول لي يا بني حصل إيه مالك بتصرخ كده.»
«الحقني يا بابا، ناس لابسين أقنعة بيدبحوا حيطان البيت.»
«فين دول يا رائف، فينهم يا بابا؟»
«مشيوا يا بابا، راحوا أوضة سمر.»
جرى سعد إلى غرفة سمر، واقتحم الغرفة، فوجد الملثمين يمسكون سمر بين أيديهم ويتقاذفونها بينهم، وهي تصرخ تنادي على عصام.
«يا عصام، الحقني يا عصام، أنا أختك حبيبتك يا عصام.»
«سيبوها يا مجرمين، سيبوها، سيبوها يا مجرمين، سيبوها.»
قام أحدهم بطرد سعد من الغرفة وأغلق الباب خلفه، فوجد سعد نفسه في الصالة، يتلفت حوله يبحث عن منقذ، وأخذ يصرخ ينادي على عصام.
نظر سعد إلى ركن الصالة فوجد عصام جالسًا يضع قدمًا فوق قدم أمام التلفاز، ويشاهد مسرحية "العيال كبرت"، ويتناول قطعًا من الكيك، وأمامه عصير البرتقال، وهو يضحك بصوت عال.
«إلحق يا عصام يا ابني، إلحق أختك سمر بين إيدين العصابة.»
«عارف يا بابا عارف، متخافش عليها هيسيبوها زي رائف وراندا.»
«يا ابني قوم انقذ أختك من إيديهم.»
«حاضر يا بابا هقوم هقوم، بس أخلص الكيك ده، وهشرب كوباية العصير، وهقوم أبهدلهم.»
«عصير إيه وكيك إيه يا عصام، يا بني أختك بتصرخ.»
نظر سعد خلفه ناحية الغرفة، فتهدمت جدران البيت وانهار على الجميع، وتعالت الصرخات، وسقط سعد مغشيًا عليه.
وما إن انتهت الرؤية حتى قام سعد من نومه صارخًا، وصدره يعلو ويهبط، وهو يتلفت حوله، ويردد كلمات بصوت عال.
«ولادي، ولادي، البيت، يا عصام، يا عصااام، يا رانداااا، ياولااااااااد.»
دخل عصام وإخوته إلى الغرفة وهم مفزوعون من صرخات أبيهم التي دوت في أركان البيت، واقتحموا عليه الغرفة ودخلوا عليه، واحتضنه عصام وهو يهدئه.
«مالك يا بابا مالك؟»
«انت فين، وفين اخواتك يا عصام؟»
«احنا أهو يا بابا، موجودين حواليك.»
طاف سعد ببصره في الغرفة، لينظر في وجوه أولاده، وهو يدمع، ففتح ذراعيه مشيرًا إليهم بالاقتراب منه ليحتضنهم وهو يبكي، ثم نظر إلى عصام.
«اخواتك أمانة في رقبتك ليوم الدين يا عصام، اياك تتخلي عنهم لحظة واحدة.»
«ليه بتقول كده بس يا بابا، ده أنا أفديهم بروحي.»
«يا خوفي تسيبهم يصرخوا وتتفرج على التلفزيون.»
«ياااااااااااه يا بابا، حضرتك بتشك في درجة حبي ليهم.»
«سامحني يا ابني، شفتك في الحلم سايق البرود واخواتك بيصرخوا.»
«يا بابا ده عصام استقال من شغله لما شافنا مخضوضين عليه.»
«أتمنى يا بنتي يكون خوفه عليكم قد خوفي بالظبط.»
«تخيل يا بابا، أنا كنت رافض استقيل من شغلي عشان أضحي بروحي ودمي وعمري فداء بلد بحالها وشعب بحاله، شعب فيه الكويس والوحش، فيه الصالح والطالح، فيه الملتزم والعربيد، فيه النشيط والكسول، فيه اللي قلبه ع البلد واللي مش فارقة معاه. تخيل كنت رايح أموت في سبيل كل الفصائل والأديان والألوان، وجاي دلوقتي تشك في مدى خوفي على اخواتي.»
كان عصام متألمًا من ذلك الشك الذي سكن قلب أبيه حول مدى حبه لأشقائه الصغار، تصديقًا لرؤية ليلية قد تكون أضغاث أحلام يهاجمه بها عقله الباطن.
رواية نزيف الجدران الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيد داود المطعنى
وصل زملاء عصام من الإسماعيلية إلى إحدى المناطق العسكرية برفح. كان من بينهم الرائد عبد الرحمن علام، الذي نزل من السيارة ليصافح الأفراد الواقفين بنقطة التفتيش القريبة من الوحدة العسكرية. أدى له الجنود التحية العسكرية.
كان أحد الجنود يمسك هاتفه المحمول ويدير ظهره لزملائه. لم يلتفت إلى الرائد عبد الرحمن الذي نظر إليه بحدة. كيف ينشغل عن كمين في منطقة غاية في الخطورة ويستخدم الهاتف المحمول أثناء الخدمة؟
تقدم نحوه ليوبخه على فعلته. وما إن وصل إليه حتى سمعه يبكي أثناء حواره الهاتفي قائلاً:
"يا أمي وأنا هعمل له إيه بس، هعمل له إيه. حرام والله أشيل كل هموم الدنيا فوق راسي، وإخواتي الكبار عندك ومش عايزين يتحركوا. حرام والله. أنا كلمت القائد بتاعي وقال لي هجيب إذن بيومين إجازة ولسه مردش عليا. والله صعبان عليا يا أمي، ونفسي أنزل وأوديه لدكتور واتنين وتلاتة وخمسة. نفسي أقعد جنبه في البيت، تحت رجليه، لكن الجيش يا أمي الجيش، هعمل إيه أنا. يا ريت إخواتي الكبار ماتوا من زمان كنت بقيت وحيد وما كنتش دخلت الجيش، لكن وجودهم ده خلاني أتجند، وهما سايبين أبوهم متمرمط في مرضه. إلهي يمرمطهم ربنا هما و حريمهم. حاضر يا أمي حاضر، والله هخلص الخدمة وأدخل له مكتبه تاني أفكره بالإجازة. حاضر، والله ما ليا بركة إلا انتوا، حاضر يا أمي حاضر، سلام أنا قبل ما حد يشوفني بتكلم في التليفون أدخل فيها الحبس، سلام."
أنهى المجند مكالمته الهاتفية، وأدار ظهره فرأى الرائد عبد الرحمن علام يقف ينظر إليه. تلعثم الشاب، ونظر نظرات للرائد يحاول أن يتماسك.
"مين حضرتك يا فندم؟"
"كمان ليك عين وبتسألني أنا مين؟"
"سيادتك غريب عن المنطقة، ومن حقي أسألك حضرتك مين."
"عارف يا ابني انت، أنا كنت جاي أقولك انتبه لخدمتك وسيب التليفون ده، لكن بعد اللي سمعته من المكالمة دي، أنا هدخل دلوقتي للمقدم علاء، وهكلمه ينزلك أسبوع إجازة."
"بتتكلم جد يا سيادة الرائد؟"
"تعالي معايا."
"تمام يا فندم."
ركب الرائد عبد الرحمن علام السيارة، ومعه المجند، واتجهوا ناحية مكتب المقدم علاء. عرف منه أنه من جنوب الصعيد، ووالده مريض، ولديه أخوين غير أشقاء أكبر منه، يتجاهلان مرض والدهم، وينشغلان بحياتهم مع زوجاتهم وأولادهم. وهو وأخته الوحيدين البارين بوالده، رغم أنه أصغر من إخوته بأكثر من عشرين سنة. وأخته طالبة بالفرقة الرابعة في كلية التجارة، وهي شقيقته وتعتني بوالدها أثناء وجودها بالبيت، ولكنها الآن في دراستها.
نجح الرائد عبد الرحمن في الحصول على إجازة أسبوع لذلك المجند الصعيدي، كي يستطيع عرض والده على طبيب لتوقيع الكشف الطبي عليه، والتخفيف عن والدته أسبوعًا من الأسي.
عاد المجند إلى خدمته ليقف بين زملائه وسهر معهم وهو في قمة سعادته، لحصوله على أسبوع إجازة، يبدأ من صباح الغد، يستطيع من خلاله إراحة والدته، والتخفيف عن والده، وسد العجز الذي أصابهم بعد سفر شقيقته إلى جامعتها.
اتصل بوالدته وأدخل السرور إلى قلبها وأخبرها بحصوله على إذن بإجازة أسبوع كامل، بعد ما أرسل الله له ذلك الرائد كهدية تنقذه من حيرته.
وفي الصباح، تحركت السيارة التي تنقله مع رفاقه الحاصلين على إجازة في نفس التوقيت، لتخرج بهم بعيدًا عن المنطقة العسكرية، حتى يصلوا إلى مواقف سيارات الأجرة ليبدأوا رحلة العودة إلى بلادهم.
كانوا يتبادلون الأغاني والضحكات، يضع كل واحد منهم حلمه في رأسه، منهم من يفكر في لحظة وصوله كيف سيحتضن والدته، ومنهم من يفكر في تلك الفتاة التي أخبرته أمه أنها اختارتها له ليتقدم لخطبتها قبل سفره. وآخر يفكر في الترتيب لفرح شقيقه الأكبر الذي صمم على تأجيل ليلة الزفاف حتى توافق أقرب إجازة له. وذلك المجند المسكين الذي يحلم بتلك اللحظة التي يحمل فيها والده بين يديه، ويضعه في سيارة الأجرة الواقفة أمام البيت، لتنطلق بهم إلى طبيب الباطنة، ليوقع الكشف الطبي عليه، ثم يعود فيجلب له الدواء من الصيدلية، ويقيم جواره، يساعده على الاستحمام كل صباح، ويطعمه الأكل في فمه في كل وجبة، ويعينه على أداء الصلاة وقت كل فريضة، ويسنده ليمشي في شوارع القرية فتجري الدماء الراكدة في عروقه. تلك هي كل أحلامه منذ حصوله على إذن الإجازة.
وبين كل تلك الضحكات والغمزات واللمزات، بين كل تلك الأغنيات، وفي عز تلك الأفكار والخواطر التي طرأت على أذهانهم، كانت الأقدار تنتظرهم هناك في أول مداخل المنطقة العسكرية، بانفجار عبوة ناسفة في السيارة، وإطلاق كثيف للنيران عليها من كل اتجاه، حتى اشتعلت فيها النيران، لتجعل من الضحكات صرخات، واللمزات اعوجاج وتشوهات، والأغنيات تأوهات، والأفكار المتواردة دماءً تنزف، وأجساد تتمدد، وأحشاء تخرج من البطون، ولحوم تتمزق، وعظام تتفحم، وطعنات في قلوب أهاليهم الذين ينتظرونهم.
أي أفراح تلك التي تنتظرهم، بل أي ثكالي هؤلاء اللاتي ينتظرن الحصول على ذلك اللقب.
إلى أي ألوان البشر تنتمي تلك القلوب المجرمة التي لا تعرف الرحمة إليها سبيلا، بل أي عقول تلك التي تفكر في إراقة دماء من يفكرون في إسعاد عوائلهم.
إلى هذا الحد من اللامبالاة بالدماء وصلت طبيعتنا البشرية، بل أي شياطين تلك التي استطاعت أن تغوي أولئك الشباب بارتكاب تلك الأفعال الإجرامية البشعة، التي تمزق أحشاء كل من يسمع عنها، لا من يراها، فمن يراها لا يري السعادة في حياته أبدًا.
فليرتدي العريس ثيابًا سوداء حزنًا على شقيقه المفقود، ولتحترق تلك الأم التي وعدت ابنها بأن تخطب في تلك الإجازة، ولتمت حسرة أم المجند المسكين ابن الزوج المريض.
كان الخبر قاسيًا على تلك العائلات التي قهرها الخبر، لتقتحم الأحزان حياتهم، ولتقيم في بيوتهم أبد الدهر، لا تفارقهم حتى يفارقوا الحياة خلف فلذات أكبادهم التي رحلت بدم بارد.
كان الخبر كالصاعقة على الرائد عبد الرحمن علام، الذي سقط مغشيًا عليه من الخبر، لم يتحمل الحزن على مجند قابله لأول مرة في حياته، وعرف حكايته، لم يتحمل التفكير في أسرته المكلومة التي تنتظره ليخلصها من الشقاء لأسبوع واحد فقط.
كاد أن يحمل سلاحه ويجري في صحراء سيناء يبحث عن أولئك المجرمين لينتقم لذلك المجند ورفاقه الثلاثة عشر الذين ماتوا بلا جرم اقترفته أيديهم.
على مائدة الإفطار، يجتمع سعد بأسرته، يتناولون الطعام وهم في أحسن حالاتهم، إلا عصام الذي يبدو سارحًا، غير راضٍ عن الحالة التي وصل إليها بعد أن كان من الضباط المشهود لهم بالكفاءة، ويتنبأ له الجميع بمستقبل أفضل في الحياة العسكرية، لكنه الآن يكسب رضا والده على حساب واجبه، وعمله، ومستقبله.
كان سعد يراقبه، يحاول الوصول إلى حل يرضيه، يعوضه عن ما خسره، يحاول أن يلفت انتباهه دوما أنه يراقب صمته، لكن عصام في وادٍ آخر غير أوديتهم، حتى وصل به الأمر ليخرج تليفونه المحمول من جيبه ويتصفح حسابه على الفيسبوك، لعله يؤنسه بضعة دقائق في يومه الطويل كيوم العاطلين.
لم يكن يتخيل أن تقع عينه على ذلك المنشور المؤلم الذي نشره زميله الرائد عبد الرحمن علام، يحكي فيه عن واقعة استشهاد أربعة عشر جنديًا في رفح، بالقرب من وحدته العسكرية، التي وصل إليها بالأمس. كان عصام يقرأ ذلك المنشور وهو يبكي بصوت مسموع وشفتيه ترتعشان، وأعاد القراءة حتى يستطيع والده سماعه، فيعرف ما سبب بكائه.
"استشهاد أربعة عشر جنديًا من أبناء القوات المسلحة في رفح، على بعد أمتار من تلك الوحدة العسكرية التي وصلت إليها بالأمس، في حادثة مروعة يندي لها الجبين، فقد انفجرت عبوة ناسفة في السيارة التي تحملهم إلى موقف الأقاليم، وهم في طريق العودة إلى بلادهم، ليقضوا سبعة أيام إجازة بين أسرهم المشتاقة إليهم، ومن بينهم جندي من جنوب الصعيد، قد طلب تصريحًا بإجازة أسبوع حتى يعرض والده المريض على الطبيب، وقد هاجمته الأمراض ورقد على الفراش، رأيته بالأمس يبكي في اتصال هاتفي بوالدته حزنًا على والده، وقد ساعدته في الحصول على تلك الإجازة، ليحمل والده بين ذراعيه ويعين والدته على مداواته، ولكن المجرمين لا يعرفون سوى الدم، لا يهمهم سوى القتل، لا أدري ما الفائدة التي تعود عليهم بحرمان رجل مريض وسيدة مسنة من ولدهم العون المعين لهم بعد الله عز وجل، في جنة الخلد إخوتي الصغار، وأقسم برب العزة أني لن أترك ثأركم حتى ألحق بكم."
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، في حد يقرأ حاجة زي دي ع الصبح يا عصام؟"
"دول شباب ماتوا يا بابا، ماتوا في رفح، في نفس الوحدة اللي أنا كنت رايحها."
"أحمدك يا رب، أحمدك يا رب، يعني كنت أنا صح لما منعتك من السفر؟"
انفجر عصام في البكاء، وقام من مكانه وهو يصرخ في والده:
"حرمتني من واجبي، وشباب زي الورد بيموتوا، شفت المجند كان نازل إجازة ليه، ليه يموت، إيه ذنبه، إيه ذنبه، حراااااااااااام، حرام حرام، حرام أفضل جنبك زي الولاية هنا."
"قدرهم إنهم يموتوا يا عصام، وقدرك إنّي أنقذك من الموت، أنا أسعد واحد في الدنيا النهاردة."
"أسعد واحد عشان في 14 بريء اتقتلوا، عشان بلد بتضيع كل يوم."
"في ستين داهية الـ 14، في ستين ألف داهية البلد، أهم حاجة عندي انتوا، انتوا وبس."
ترك سعد مائدة الطعام، واتجه غاضبًا إلى مكتبه، وعصام واقف مكتوف الأيدي، ينظر لراندا وسمر الصامتتين تنظران إليه، ورائف الذي يبكي بدون أن يصدر صوتًا.
فتح عصام التلفزيون وشاهد كل المحطات الفضائية التي تعرض نتائج العملية الإرهابية.
فأخرج هاتفه المحمول واتصل بصديقه الرائد عبد الرحمن علام ليعرف منه تفاصيل الواقعة، فوجده في حالة من الغضب، يبكي ألمًا وحزنًا على ذلك الجندي الذي سافر لأجل والده، وكان عبد الرحمن يتمنى أن يرافق جنازته إلى بلده، ليقدم ما يستطيع تقديمه لتلك الأسرة، وإن كانت أموال الدنيا وشبابها لا تعوض أظافر فقيدهم.
لكن الواجب في رفح يحتم عليه عدم ترك موقعه حتى تنفيذ أول عملية لهم ضد أولئك المجرمين في أوكارهم.
"ممكن أطلب منك طلب يا عصام."
"اتفضل يا عبد الرحمن، أنا تحت أمرك طبعًا."
"تقدر تحضر جنازة المجند ده."
"طبعًا ابعت لي عنوانه بالكامل، وأنا هركب أول طيارة على الصعيد، وهتابع تشييع الجثمان."
"مش تشييع الجثمان وبس يا عصام، أنا أقصد إنك تفضل أطول فترة ممكنة مع أسرته."
"ولا تشغل بالك يا عبد الرحمن، أنا مستعد أفضل معاهم العمر كله، عشان أكفر عن الذنب اللي ارتكبته في حق نفسي واستقالتي في الوقت الحرج ده."
"انت ربنا يكون في عونك يا عصام ويشفي والدك يا رب، انت في واجب بردو."
بكى عصام من ذلك العذر الوهمي الذي ذكره عبد الرحمن له، فوالده يتمتع بصحة جيدة، والوطن العزيز هو الذي يعاني من وعكة صحية الآن، لكنه ضحى بواجبه تجاه الوطن المريض، ليظل بجوار والده الصحيح السليم.
سافر عصام إلى الصعيد، وحضر تشييع الجثمان في حضور الآلاف من الجماهير الغاضبة، يبكي بكاء من يشعر بالذنب، وكأنه هو المتسبب في موت ذلك الشاب، وكأنه شارك في قتله يوم أن تقدم باستقالته لقادته في تلك اللحظة الحاسمة التي تم استدعاؤه ليقوم بواجبه فيها.
كان المشهد مهيبًا، يتهافت الشباب على الصندوق لينالوا شرف حمله، يبكي الصغار والكبار، تردد الناس محاسنه.
ظن عصام أن الناس تبكي عليه لبشاعة قتله، أو لصغر سنه وقت رحيله، لم يكن يدري أنه ذو باع كبير بين الناس، كادت تصعقه تلك الكلمات التي تتردد على مختلف الألسنة.
"سلام يا عمار، مع السلامة يا غالي يا ولد الغالي، سلام يا زينة الشباب."
"في ذمة الله يا صاحبي، والله ما بضحك إلا في ونسك، ولا برتاح لحد غيرك."
"الأمر لله يا عمار، يا اللي عمرك ما تتأخر على مريض ولا محتاج مساعدة، مين يجيب الدقيق لعمك صلاح، ومين اللي يصلح ماسورة المية الرئيسية اللي دايما ضاربة، ومين اللي هيلم الشاب وينضفوا البلد في الأعياد، ويعمل للدنيا روح يا ولدي، ومين اللي هيشيل أبوك بعدك يا عمار، الأمر لله يا عمااااااااار."
بكى عصام، حتى ظن الناس أنه أحد زملاء الشهيد عمار، بكى وهو يردد في نفسه أن قرية بأكملها ماتت باستشهاد ذلك الشاب، كيف يقوم بكل تلك الأدوار، ويأتي شرذمة من المجرمين ويقتلوه بدون ذنب، ليت القاتلون يحضرون تشييع جثمانه الآن ليروا بأنفسهم من قتلوا، بل يأتوا ليروا ما اقترفت أيديهم.
رواية نزيف الجدران الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيد داود المطعنى
لم يأفل الليل حتي استطاع الرائد عبدالرحمن علام ومجموعته مداهمة أحد الأوكار الإرهابية ودمروها على من فيها وقتلوا أكثر من عشرين شخصا.
وقاموا بتمشيط مساحة تتجاوز الخمسين كيلومتر مربع للتأكد من طهارتها من تلك الآفات البشرية التي تفشت في سيناء.
كان عبدالرحمن يقاتل برغبة الانتقام، فقد تبدلت نيته التي أتى بها لمساعدة زملائه في تطهير سيناء من تلك العناصر الإرهابية.
وازدادت مهمته الأساسية برغبة الانتقام للشهيد عمار وزملائه، الانتقام من الأربعة عشر مجندا بريئا الذين طالتهم يد العابثين، لتقيم المأتم داخل بيوتهم، وتنشر الحزن في صدور أمهاتهم، وقلوب آبائهم، ووجوه أشقائهم، وحول المقربين منهم في تلك الحياة.
وبعد منتصف الليل، وصلت الإشارة إلى عبدالرحمن علام، أن حركة مثيرة تدور بالقرب من الأكمنة العسكرية، ولا بد من خروج دورية للتعامل معها.
فأصر على الخروج معها، فشاهدوا تبادلا لإطلاق النار بين المجندين في ذلك الكمين، وعدد من العناصر الإرهابية كانت تحاول زرع عبوات ناسفة في ذلك المكان، واندلعت المواجهات العنيفة بينهم وبين المجندين.
استطاع عبدالرحمن ورفاقه أن يقضوا على كافة العناصر المجرمة في محيط الكمين الأمني بعد تطويقهم وقنصهم باحترافية عالية، وأعادوا السيطرة على الكمين.
وكتب خطابا لقادته يطالبهم بدعم الأكمنة العسكرية ببعض العناصر القتالية القوية والعمل على زيادة عدد المجندين في تلك الأماكن.
وطلب من القوة المرافقة له العمل على تمشيط عدد كيلومترات من المنطقة لربما يكون لهؤلاء المجرمين معاونين ينتظرونهم بالقرب من المكان حتى ينتهوا من زرع العبوات الناسفة.
انطلقت سيارات الجيش في الاتجاه الغربي للمنطقة يستكشف المكان ويحقق تخوفه، فوجد بعض العناصر تقطع شوطا كبيرا في الصحراء وهي تستقل سيارة دفع رباعي.
وأسرع خلفها، وهو يناديهم بالتوقف، فأخرجوا أسلحتهم وتبادلوا إطلاق النار معهم حتى انفجرت سيارتهم، واشتعلت فيها النيران.
جري الرائد عبدالرحمن ناحيتهم حتى يوقف تلك النيران المشتعلة في سيارات الإرهابيين، يتمنى لو يلقي القبض على أي منهم حتى يعرف منه معلومات عن تلك العناصر ومموليها وقادتها في سيناء، ولكن الأمر كان قد احتدم.
نظر في مقدمة السيارة بجوار السائق فوجد حقيبة صغيرة، فأخرجها وابتعـد عن السيارة التي تتسابق النيران على الوصول لآخرها.
واستقل سيارة الجيش وعاد إلى وحدته العسكرية وأبلغ اللواء حنفي السليماني بما حدث، وسلمه الحقيبة.
***
مكث عصام في العزاء لمدة ثلاثة أيام، وهو في حالة من الحزن على ذلك الشاب الذي فارق الحياة، وعلى هذا الأب الذي يسند ظهره على الحائط وهو يندب حظه ويبكي فراق ولده.
يبكي أشد البكاء على إخوته الذين يتكلمون بطريقة جنونية أمام الحضور أنهم نادمون على تجاهلهم لوجوده في حياتهم مسبقا.
يحترق فؤاده على تلك الأم التي تلحفت السواد، وحملت فوق رأسها التراب، واكتست الطين، وكحلت عينيها الآلام، ولا زالت تلطم الخدود تتمنى لو أن تكون في حلم ليلي كأحلام أبيه.
تأتِ المصائب للأثرياء في أحلامهم، وتطارد المطحونون في واقعهم ليستكملوا بها مسيرة المعاناة.
عاد عصام إلى البيت وهو نادم أشد الندم على تنازله عن واجبه بتلك السهولة، أي جرم ارتكبه في حق نفسه حينما هرب من الموقعة التي راح ضحيتها فتى تلك الأسرة المكلومة، وأصبح بطلها صديقه ورفيق دربه عبدالرحمن علام.
لا يدري كيف يساعد ذلك الرجل المريض الذي تمزق قلبه على فقدان ولده الأكثر حنانا عليه، بل كيف يخفف عن تلك الأم التي حرمتها الأيدي العابثة من رؤية فلذة كبدها مدى الحياة، وتلك الأخت الشقيقة التي تتنسم أنفاسه في جامعتها، يرافقها صدي صوته في شوارع القرية ذهابا وإيابا، وتحرسها عينه في كل خطوة تخطوها، بل وتسند على وجوده في الحياة ظهرها وهي مطمئنة على ذاك الجدار الذي لا يخذلها أبدا.
***
على مائدة الإفطار في صباح اليوم التالي كان سعد ينظر إلى عصام الصامت يفكر من أين يبدأ معه الحديث.
"جهز نفسك يا عصام علشان تقابل المهندس عزت راضي رئيس مجلس إدارة شركة الذهب الأسود للبترول، الراجل منتظرك علشان يسلمك شغلك الجديد و بمرتب عمرك ما كنت تحلم بيه."
"حاضر يا بابا هقابله، بس أخلص عزاء المجند ده."
"مجند إيه تاني اللي هتخلص عزاه؟"
"هو نفسه يا بابا المجند الصعيدي اللي مات في رفح."
"مش خلاص يا بني العزاء خلص وانت اخدت تلات أيام في الصعيد؟"
"لا يا بابا، لسة أمه مجروحة وأبوه تايه عن الدنيا، لسة اخته مصدومة."
"يا ابني قدرهم كده، وفي 13 مجند غيره ماتوا هتعمل معاهم كده بردو؟"
"ده بالذات ظروفه صعبة جدا وظروف أهله صعبة، مش كفاية إن الشاب ده يموت، وأنا هربت من واجبي."
"يا دي واجبك اللي مش عايزة تنساه ده، ما انت عملت واجب لما رحت للولد، وهتقوم بواجبك بردو لما تروح شغل شركة البترول."
"مستحيل اللي هرب من الواجب الأكبر هيعمل واجب تاني في حياته يضاهيه يا بابا، وأنا بفكر أتجوز أخت المجند ده، حتى لو هستني سنة كاملة على استشهاده."
"تبقي اتجننت يا عصام وعايز تطلع عين أهلي معاك، حرام عليك يا ابني اللي بتعمله فيا ده."
انفعلت راندا ونظرت لوالدها، تتمنى أن يرفق قليلا حتى لا ينسى أمر خطبتها.
"بابا، ممكن نتكلم عن موضوعي النهاردة لو سمحت."
"حاضر يا راندا حاضر... أختك خطوبتها بعد بكرة يا عصام."
"ألف مبروك يا راندا."
"الله يبارك فيك يا عصام."
"طبعا لازم تكون موجود، علشان تكون مع أختك."
"حاضر يا بابا هكون موجود بإذن الله."
"والنهاردة هتروح هي وسمر ورايف يشتروا لوازم اليوم ده، يا ريت تروح معاهم."
"حاضر يا بابا."
"وبالليل توصلهم بيت زكريا شنودة."
"وليه ده كمان؟"
"علشان النهاردة الإكليل بتاع بنته مريانا، واخواتك عايزين يحضروا."
"بس الإكليل في الكنيسة مش في البيت."
"خليهم يطلعوا معاهم من البيت."
"حاضر يا بابا هوصلهم."
"والساعة 11 تتكرم وتروح تجيبهم."
"حاضر يا بابا."
"عارفك متضايق من جواك من كتر الطلبات دي، بس دول اخواتك."
"أنا معترضتش يا بابا، حاضر هعمل كل ده من عنيا."
خرج سعد إلى عمله، وقام عصام إلى غرفته ليستكمل نومه الذي فارقه منذ عودته من الصعيد.
***
طارت راندا إلى جامعتها كما تطير الفراشات بين زهور البساتين، تعد الدقائق والثواني على تلك اللحظة التي تنتظرها منذ أن التقت بزياد أول مرة.
لم تدخل إلى مدرجات الكلية، حتى لا يراقب زملاؤها فرحتها فيحسدونها عليها.
وعادت إلى البيت وهي تفتح ذراعيها كالطفلة تحتضن الحياة، وكأن تلك اللحظات القادمة هي الأسعد في حياتها منذ أن ماتت أمها لتتركها لوحدتها تعاني ألم اليتم وشرود الفكر، رغم كل ما يقدمه لها أبوها.
حتى عصام الحزين، ابتسم لأول مرة منذ أيام، بعد أن خرج مع إخوته للتسوق، انشرح صدره عندما رأى الفرحة تملأ عيون راندا وهي تختار كل ما يحتاجه حفل الخطوبة، وسمر ورايف يبادلانها الرأي بل ويفرضان اقتراحاتهما في بعض الأشياء.
عصام يضع يده اليمنى فوق اليسرى على صدره، وهو يراقبهم بابتسامته العريضة في كل محل يدخله معهم.
"والله كنت خايف انك تكون متضايق يا عصام من خروجك معانا."
"عيب يا راندا تقولي كده، انتي روحي يا بنت."
"تسلم لي يا أغلى حد ليا في الدنيا دي كلها."
"أغلى حد في الدنيا دي كلها، طاب عيني في عينك كده."
هربت راندا خجلا من نظرة عصام التي تعني أن زياد هو الأغلى عندها الآن.
"ده لازم تخليه أغلى حد عندك في الحياة يا راندا، لازم تحافظي عليه."
"أكيد طبعاً يا عصام."
ابتسم لها عصام واحتضنها يربت على كتفها لتلمس في قلبه تلك الفرحة التي تكسوه لخطبتها.
وفي المساء رافقهم إلى منزل زكريا شنودة المحامي صديق والده، وأخبرهم بأنه سيعود إليهم بسيارته في الحادية عشرة حتى يكونوا على استعداد بالقرب من مدخل الكنيسة.
***
كانت السعادة هي حليف سعد تلك الليلة، كان فرحا بقدرته على حماية ولده من خطورة الذهاب إلى رفح، وكان أكثر سرورا باستطاعته إخراجه من حالة الحزن عندما خطط لوضعه وجها لوجه مع أخته يشاركها فرحتها في كل خطوتها تخطوها.
كان يشعر بنشوة النصر وهو يجلس جوار عصام يتناولان القهوة سويا أمام التلفاز.
"والله يا عصام يا ابني وجودك بين إخواتك ده بالدنيا وما فيها، تخيل لو حصل لك حاجة لا قدر الله في رفح، كانت أختك المسكينة دي هتفرح في حياتها."
"لكل أجل كتاب يا بابا."
"بس انت شفت فرحتها عاملة إزاي النهاردة، حرام تنحرم من أمها السنين دي كلها، وتروح انت تخليها تعيش في كآبة باقي حياتها وهي داخلة على مرحلة منتظراها من طفولتها."
"ربنا يسعدها في حياتها يا رب، وأنا أفدي ضحكتها بروحي."
التفت عصام إلى هاتفه المحمول فوجد اتصالا من صديقه الرائد عبدالرحمن علام.
"ألو .. ازيك يا عبدالرحمن، عامل إيه؟"
"تمام يا عصام، بقولك إيه!"
"خير!"
"مسمعتش أي أخبار عن جماعات مسلحة في المنطقة بتاعتكم أو المناطق المحيطة بيكم؟"
"إطلاقا يا عبدالرحمن، هو في حاجة ولا إيه؟"
"امبارح اشتبكنا مع عناصر إرهابية وقتلناهم كلهم، ولقينا معاهم شنطة فيها فلوس وفيها ورق بأسماء ناس مرشحة للقيام بأعمال تخريبية في عواصم المحافظات الكبرى، والتحريات أثبتت من شوية إن من ضمن الأسماء المرشحة في الورق شباب من منطقتكم، دلوقتي حالا وعرفنا إن أبرز مكان عندكم هو الكنيسة الكبيرة."
"الكنيسة؟!"
تغير وجه عصام واصطكت أسنانه، وانتبه له والده عندما سمع كلمة الكنيسة.
"دي في الاحتمالات، وإحنا بلغنا القيادة دلوقتي، والداخلية هتقوم باللازم."
"أنا اخواتي التلاتة في الكنيسة يا عبدالرحمن، معلش هستأذنك."
عصام يسرع ناحية باب الخروج من المنزل.
"حصل إيه يا عصام يا ابني؟"
"في احتمالية لتفجير الكنيسة اللي ورا شارع زكريا شنودة يا بابا."
"ولادي!!!"
خرج الاثنان وهما في قمة التوتر، وقاد عصام السيارة بجواره وسعد يلطم كالنساء المكلومات، وهو يتصل على تليفون راندا، ولكنها لا تجيب.
"دوس بنزين يا عصام، دوس بنزين، ولادي هيروحوا مني يا عصام."
"الشوارع زحمة يا بابا، اتصل بيها تاني الغبية دي يمكن ترد."
"دوس أي حد قدامك يا عصام.، ولادي هيروحوا مني، دوس يا عصااام."
اخترق عصام كافة الأكمنة المرورية، وكسر إشارات المرور، وبالغ في السرعة بطريقة جنونية.
سعد يبكي وهو يرى يشعر بالعجز عن الطيران فوق كل تلك السيارات، يعجز عن إجبار الهاتف على إحضار راندا وإخوتها.
هل حقا ما تشعر به يا سعد؟
هل تكاد تفقد كل فلذات أكبادك في لحظة واحدة هكذا؟
راندا هناك.. راندا الأم والابنة والأخت الزوجة هناك يا سعد.
راندا تحت ركام الكنيسة.. ستموت بعد قليل يا سعد.. هل ينقذها طمعك في احتكار الرفاهية لك ولأولادك؟
راندا الابتسامة التي يطمئن لها قلبك، وتركن إليها روحك هناك.. على بعد أمتار من العبوة الناسفة التي وضعها الإرهابيون يا سعد.
أين دهاؤك الذي أثرت به على قرار سمر فتراجعت عن رحلة جبل الطور؟
أين قوتك التي هددت بها مدير مدرسة رائف ليمنحه تصريحا بالغياب حتى نهاية العام؟
أين القوة التي امتزجت بالمكر التي سخرتها في إخضاع عصام لسلطتك لينفذ رغبتك فيستقيل من عمله؟ ليتراجع عن أداء واجبه؟
أين أنت يا سعد؟
هل تسمع طرقات القدر؟
سمر هناك بين ألسنة النيران، وصراخ المحاصرين، ومشاهد المستغيثين ومحاولات المسعفين.
سمر هناك يا سعد.. قد تموت.. قد تلقى بين أصوات الانفجارات أشد ألوان العذاب.
سمر التي حرمتها الحنان في حياة أمها.. والآن تحرمها الحماية.. بل يحرمها جشعك وأنانتك من الحياة.
أين أنت يا سعد من أولادك؟
أراك لا تخبرني.. ألا تعلم أني صوت ضميرك؟ فهل تجيبني؟
لم يكن همك في الحياة سوى جمع المال وحماية النفس والأولاد، ولو على حساب دماء المعذبين من ذلك الشعب المكلوم.
لم يكن يهمك للحظة واحدة موت ذلك المجند الصعيدي الفقير، وقلت أنه ذهب لمصيره، أما أنت كانت لديك القوة لتحمي ولدك من لقاء هذا المصير.
لم يكن الوطن بالنسبة لك سوى ذلك المرتع الذي تفرح فيه وتمرح أنت وأولادك، تحاول أن تشتري فيه السعادة بالمال، والقوة، ولو على حساب الآخرين.
لم يشكل لك الوطن أمرا هاما، كي تدفع بنفسك أو أحد أولادك لحمايته، بل كان لسان حالك دوما أن يذهب الوطن إلى الجميع.
هل تسمعني يا سعد؟ هل تعرف أن رائف هو الآخر هناك؟
نعم.. رائف تحت سقف الكنيسة، وبين جدرانها، وتحت وطأة تلك العصابات المجرمة التي تنشر الفساد في الأرض.
هل تدري من تلك العصابات يا سعد؟
هي أنت.. نعم أنت.. أنت الذي تمد يدك بالغدر لكل مؤسسات هذا البلد، تقتل فيه الفقير والصالح، لتحمي نفسك، وتتمتع بالنعيم وحدك بين أولادك.
عندما تقسو عليك الحياة، تسرع إلى قبر وردة تستغيث بها، وقد أضحت رفاتا، ماذا تنتظر أن تقدم لك زوجتك وقد فارقت الحياة؟
هل ستسمع لها تلك المرة إن أسدت إليك النصيحة؟
هل تنفذ ما تأمرك بها؟
أم أنك كعادتك معها تجعلها تفضي إليك بأعظم الحلول، فتنأى عنها، ولا تسمع سوى صوت عقلك، وإن أخطأ عشرات المرات؟
عجبت لك يا سعد.. عجبت لك وقد عهدتك دائما متخاذلا في حقوق من حولك.. إلا حق نفسك الذي تهلك لاقتناصه كل من حولك.
فلتسرع به يا عصام.. أسرع به يا ولدي.. فأنا أراك أحد ضحاياه.
أنت ضحيته الثانية بعد زوجته وردة التي قتلها عشرات المرات بجشعه وهو يظن أنه يحبها، ولم يكن يحبها، بل كانت سندا له، ومن منا لا يهوى خلود السند؟
أسرع يا عصام لتنقذ جيرانك من فلذات كبد أمك.. ولتغفر لأبيك عن تلك الطعنات التي تركها في صدرك بعد أن استغل عشقهم لك، وخوفهم عليك، ليكونوا ورقة الضغط على ضميرك، فتخالفه لأول مرة في حياتك.
نعم يا عصام.. أنا ضمير أبيك وألتمس لك ألف عذر.. لكني أنا الشاهد الوحيد على خضوعك لتأثير قوة أعظم من تلك الحجة التي قدمتها لقادتك حتى يقبلوا استقالتك.
أسرع يا عصام.. سأتركك الآن لأبيك وللطريق المفتوح أمامك.. أما أنا فلا يهمني إن كانت راندا على قيد الحياة أم فارقته، ولا تهمني حياة سمر، ولا بقاء رائف من عدمه.
وصل سعد وعصام إلى الشارع المستهدف، وتوقفت السيارة لشدة الزحام، فقد تكدس الشارع بسيارات الإطفاء والإسعاف والشرطة.
نزل سعد وهو يتصل على راندا ولكن أصوات الناس في الكنيسة أعلى من صوت رنات هاتفها.
تقدم سعد يمسك بيد عصام ناحية الكنيسة ولكنها انفجرت في تلك اللحظة، واشتعلت فيها النيران، وعلا صوت الصراخ.
حمل عصام والده وجرى به بعيدا عن موقع الانفجار حتى وصلا إلى مكان السيارة.
نظر سعد إلى الانفجار وحاول أن يجري ناحية الكنيسة وهو يصرخ، وعصام يمسك به وهو يبكي:
"يا راندا، يا سمر، يا رااااائف."
"استني هنا رايح فين، سيبني أتصرف أنا."
"ولادي راحوا يا عصام، ولادي راحوووووووووا."
"خليك جنب العربية هنا وأنا هدخل لهم يا بابا، أرجوك متتحركش."
اجتمع الأهالي المحيطين بالكنيسة، واخترق عصام الكنيسة رغم اشتعال النيران، والأهالي يحاولون إثنائه عن الدخول، ولكنه صرخ في وجوههم واقتحم الكنيسة وهو يصرخ.
"يا راندا، يا رااااائف، راندا."
صيحات الموجودين بالداخل تتعالى، وكانت النيران تحاصر غرفة الإكليل، وسمع أصوات من دائرة النيران تناديه.
"إلحقنا يا عصام، يا عصاااااااااام."
"في صندوق مطافي على شمالك يا أستاذ عصام، أرجوك اكسره واعمل أي حاجة."
التفت عصام حوله، وكسر صندوق الإطفاء وفتح المياه التي اندفعت صوب النيران المشتعلة وكأنها تتزايد مع كل قطرة ماء تنزل عليها، فجعل عصام هدفه السيطرة على متر واحد من النيران حتى يستطيع المحاصرون الخروج من خلاله، وبالفعل نجح عصام في إخماده، فانطلق المحاصرون منه يخرجون، ودخل عصام بين النيران، فوجد راندا في حالة إغماء تغيب عن الوعي، وحوله سمر ورايف يصرخان، فحملها عصام وخرج بها مسرعا إلى الشارع وخلفه إخوته، وحوله نساء ورجال الكنيسة يسرعون الخطى نحو باب الخروج.
وصلوا جميعا إلى الخارج، وكانت سيارات الإطفاء والإسعاف تملأ المكان، فوضع عصام أخته راندا داخل الإسعاف، للإسراع بها إلى المستشفى، وركب معها، وتبعه سعد ومعه سمر ورايف.
وقبل أن تصل الإسعاف إلى المستشفى كانت راندا قد فارقت الحياة، والطبيب الشاب ينظر لعصام وهو في حالة من التردد.
"اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
"في إيه يا دكتور؟"
"الآنسة في ذمة الله."
"انت بتقول إيه؟"
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
"انت تخرس خالص متتكلمش، دوس بنزين يا اسطااااااااااااااا."
أخذ عصام يربت على خدها يحاول إفاقتها.
"راندا، يا راندا، قومي يا راندا، أنا عصام، قومي يا بابا متموتيش دلوقتي، يا راندا، راندا."
"استهدي بالله يا أستاذ."
صرخ عصام صرخة مدوية واعتصر أخته في حضنه وهو يبكي بنحيب.
"متموتيش يا راندااااااااااااا، يا بنتيييييييي، والله بنتي مش أختي، يا بنتي، يا رانداااا."
وصلت الإسعاف إلى المستشفى، وفتح الباب ونزل عصام يبكي ويحمل الناقلة مع المسعفين، ونزل سعد من سيارته يرى تغير ملامح وجه عصام.
"بنتي مالها يا عصام؟ أختك مالها؟"
"راندا ماتت يا بابا، راندا ماتت، انت قتلت راندا يا بابا، قتلتها ليه يا بابا."
فقدت سمر الوعي وسقطت على الأرض مغشيا عليها، وجرى سعد إلى المستشفى خلف ناقلة راندا، وعصام يحمل أخته الصغرى ويجري بها إلى الداخل، ورائف يتبعهم صامتا بلا بكاء، بلا دموع، بلا التفاتة، دون أن تتغير ملامح وجهه؟
ماتت راندا بسكتة قلبية، وأصيب سعد بصدمة عصبية، وجاءت سيارات الإسعاف من محيط الكنيسة وهي تحمل ماريانا عروس الليلة وهي جثة هامدة قد خطفها الموت لتلحق بصديقتها راندا، وعشرات الجرحى يملأون غرف المستشفى.
صرخ عصام في وجه والده وهو في حالة من الغضب:
"فضلت تحبس فيهم وتخليهم جنبك علشان حلم، وحرمتني من واجبي علشان حلم، فاكرنا هنبقى في الأمان لما نتخلي عن واجبنا، فاكرنا هنبقى في الأمان جنبك، آدي الإرهابيين قتلوا المجندين في سيناء، وجوم لحد عندك علشان يخطفوا زهرة بيتنا، لو أنا في رفح يا بابا كنت منعت العناصر دي تيجي لحد هنا، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بابا، حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
لم يستطع سعد الكلام، ولم يتمالك عصام نفسه وهو يصرخ في وجه والده.
بدا واجما ينظر في وجوه من حوله كالمجنون، يبحث في الوجوه عن راندا، يتمنى لو كان هو المصاب بين جدران الكنيسة، وما كانت راندا.
ليته مات قبل أن يدمر كل شيء، ماتت راندا قبل أن تسعد بذلك الحب الذي وهبتها له الحياة.. قبل أن تزف بفستانها الأبيض الذي طالما حلمت به.. قبل ان ترى والد زياد الذي رحب بها قبل أن يراها.
ماتت راندا وهي تحمل بين يديها أباريق السعادة التي كانت تصب منها كل صباح، كأسا لأبيها قبل أن يخرج إلى عمله، وكؤوسا لسمر ورايف في كل لحظة تجلس إليهم.
ماتت راندا التي ورثت الأمومة عن أمها التي تركتها طفلة في رداء أم حنون، توزع العطف على كل من حولها.
ذبلت تلك الزهرة بين ألسنة النيران، ولم يتحمل ذلك القلب اللين أصوات الانفجار، بل تتحمل أن ترى إخوتها في هذا المشهد المخيف.
ماتت راندا التي حاكت بأصابعها ثياب الأمان لكل أبنائها.
ابنها الأكبر سعد تجاوز الخمسين من عمره، يرتدي ملابسه من ذلك النسيج الذي أخرجته راندا.
وابنها الأصغر منه قليلا عصام، الذي كان أشدهم احتياجا لأمه رغم شدة سواعده، فرأى في راندا كل ما يتمناه.
أما الأيتام الصغار، سمر ورايف، لم يمكثا طويلا في مرحلة الشعور باليتم، فسرعان ما تلقفتهم أكف الحنان راندا لتحملهم بعيدا عن هذا الكيان المظلم.
ماتت راندا ضحية ذلك الضمير الغائب عن أبيها.. ماتت راندا تلك البلد الآمنة المطمئنة التي طالما حاولت أن تبعث الطمأنينة في نفوس أبنائها.
ماتت راندا.. ضحية إمبراطور الجشع من أبنائها.
ماتت راندا.. لتصدأ بعدها كؤوس الأمان.. ولتثقب لرحيلها أواني الحنان.. وليبلى مثل عظامها عمود المجد في الأركان.
تبا لتلك الأيادي الآثمة التي تقتل منا أعز ما فينا.. تبا لتلك النفوس الطامعة والمستفيدة من هذا الخراب.. تبا لكل من تآمر علينا لتذوق ألسنتنا كل ألوان الهوان.
خرجت راندا من المستشفى إلى المشرحة وسط تهليل المتكدسين أمامها.. ولم يسمحوا لأحد بالدخول عليها سوى أبيها.
ظنت المكفنات أن سعد هو أخلص الناس لها.. لم يدر أحد أن سعد هو قاتلها.
ضم عصام إليه سمر التي فاقت منذ قليل، ورائف الذي اسودت الدنيا أمام عينيه.
ودخل سعد إلى المشرحة، ليجد راندا تنام على ظهرها، مغمضة العينين لا تنظر إليه.
تعرض عنه لأول مرة في حياتها.. يستنير وجهها بنور البراءة، وتتلحف كفن البؤس الذي عاشته في كنف أبيها.. ذلك الكفن الذي طالما ظن سعد أنه كفن الأمان الذي يكفلها لها.
وقف يخاطبها باكيا.
"سامحيني يا راندا.. كان لازم أمنعك انك تحضري الفرح ده يا بنتي.. كان لازم أمنعك انك تروحي الكنيسة.. أيوة يا بابا سامحيني.. مش عارف إزاي نسيت إن الكنيسة هدف من أهداف الإرهاب.. إزاي نسيت إنك حيطان بيتي.
كنت مغفل يا راندا.. كنت مغفل.
حيطان بتنزف جوة بيت في الحلم يبقى انتي.. لأنك زي أمك بالظبط يا راندا.
ليه يا راندا ما قلتليش إنك هتموتي النهاردة.. كنت منعتك بالقوة من الفرح ده؟
ليه يا بنتي.. ما انتي المفروض عارفة إنك هتموتي.
أيوة يا راندا! كل الطيبين بيعرفوا إنهم هيموتوا يا بابا.
ينفع كده يا راندا؟ ينفع كده يا بنتي تسيبيني أبكي البكا دي وانتي عارفة إني راجل كبير وليا هيبة؟
إزاي أبكي قدامك وانتي مصممة إنك تكملي في اللي انتي عايزاه.. يلا يا بابا كفاية كده.. قومي يا راندا... قومي يا بابا.. أنا عارف إنك بتحبي بابا وهتسمعي الكلام.. قومي يا راندا."
نظر سعد لإحدى المكفنات الواقفة بعيدا يكلمها بكل هدوء.
"لو سمحتي."
"أيوة يا فندم."
"بعد إذنك تروحي تجيبي لي الهدوم بتاعنها.. أنا هلبسها هدومها وهي هترجع معايا البيت."
"أفندم!"
"اسمعي اللي بقولك عليه.. هاتي لي هدومها."
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. استهدى بالله يا فندم وشد حيلك."
"استهدى بالله؟ هو انتي شايفة إني متعصب.. دي بنتي.. أنا هغير لها هدومها وهي هترجع البيت.. دي مش هتعرف تعيش دقيقة بعيد عني."
بكت المكفنة وهي تطلب من الأمن إخراجه من المشرحة.
"انتوا بتعملوا إيه؟ دي بنتي.. دي راندا.. لما أبكي لها بتسمع كلامي.. بتفتح لي باب أوضتها.. وبتنفذ أوامري.. سيبوني أكلمها.. أكيد هترجع زي عادتها."
خرج سعد من المشرحة وخر مغشيا عليه.
حضرت كاميرات التلفزيون لتغطية الإصابات بالمستشفى، وأصر أحد مراسلي القنوات أن يسأله عن رأيه في الحادثة، ليصرخ عصام في وجهه مرارا وتكرارا حتى لا يؤثر على إخوته.
ولكنه سمع الناس يتخبطون في حديثهم عن الإرهاب، يدلي كل ذي رأي برأيه ولم يصب أحدهم كبد الحقيقة، فنادى عصام على مراسل القناة، وصرخ في وجهه، وصرخ في وجوه كل المحيطين به يقول لهم:
"إحنا اللي صنعنا الإرهاب ده بخوفنا، بتخاذلنا عن أداء واجباتنا كاملة، كل واحد فينا بيقول يا رب روحي وفي ستين داهية البلد واللي فيها، كل واحد همه على بيته وولاده بس وكأننا مش في مركب واحد، كلنا مقصرين وأنا أجرمت في حق البلد، وبابا أجرم في حق البلد، علشان يحميني ويحمي إخواتي، بابا منعني أروح للإرهاب في سيناء، راح الإرهاب جه لحد عندنا وخطف زهرة حياتنا وسندنا، قتلوا أختي اللي هي بنتي وأمي وكل حاجة ليا في الحياة."
لم يستطع عصام استكمال حديثه وانفجر في البكاء، لم يصدق أنه استطاع أن يقف تلك الدقيقة يتكلم أمام الكاميرات رغم حالته العصيبة.
تأثر مراسل القناة بكلماته وذرفت عينه دموعا لم يستطع السيطرة عليها، وتحدث لجمهور القناة قائلا:
"لو تحلينا بالتضحية سنكون أول من ينجو، ولو فكرنا في ذاتنا فقط سنغرق جميعا."
"الأجهزة الأمنية بعنصريها الجيش والشرطة قادرة على التصدي لكافة الأخطار التي تهدد البلاد من خارجها، ولكن تلك العناصر المجهولة التي تنشأ بشكل مفاجئ وبدون سابق إنذار، وفي مناطق متفرقة، يصعب على الدولة مواجهتها بمفردها، فلا بد أن تتكاتف كل العناصر الشعبية بالدولة لمقاومتها، لا بد أن يقوم الجميع بالدور الذي يستطيع تقديمه للتصدي لتلك الظاهرة، رجال الأعمال قادرون على تقديم العون للدولة بإنشاء المشروعات العملاقة في أماكن تمركز العناصر الإجرامية، والدعاة قادرون على القيام بدورهم بين أهالي تلك المناطق، لا بد من تحويل تلك المساحات إلى أماكن عمرانية، زراعية وصناعية، تجارية."
"الذباب يعشق المستنقعات، والعقارب تسكن الجحور، والثعابين تتراكم في الكهوف، والإرهابيون يعشقون الأوكار والمناطق الخربة، ويكرهون العمران، ليتنا نحاربهم بالبناء والتعمير، لا ندع لهم مستنقعا ولا بؤرة مهجورة يستوطنوهاكالجن والشياطين، فسلاح العمران أقوى من سلاح القذائف والصواريخ، وهذا لن يتحقق إلا بتكاتف جميع الأطياف مع أجهزة الدولة للقضاء على تلك الشراذم المجرمة."