تحميل رواية «نزيف الجدران» PDF
بقلم سيد داود المطعنى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نهض سعد من فراشه بعد منتصف الليل، وهو يرتعد خوفًا من تلك الرؤية التي رآها. حاول أن ينادي على أحد أولاده ليستغيث به، كالذي يقاوم الغرق في بحر الظلمات ويبحث عن أي قارب نجاة. بدا وكأنه فقد النطق، وخارت قواه، وبدأ يتصبب العرق من جبينه. "يا إلهي! أي حلم هذا؟ وأي رؤية ليلية التي جعلت رجلاً قويًا مثل سعد يصرخ صامتًا هكذا؟" خرج من الغرفة متجهًا ناحية المطبخ ليشرب قليلاً من الماء، فقد أصاب ريقه جفافًا من هول ما قد رأى. عاد من المطبخ وهو ينظر ناحية باب الشقة يظن أن أحدًا ما سيهاجمه بالأسلحة، فجرى إلى فراش...
رواية نزيف الجدران الفصل الأول 1 - بقلم سيد داود المطعنى
نهض سعد من فراشه بعد منتصف الليل، وهو يرتعد خوفًا من تلك الرؤية التي رآها.
حاول أن ينادي على أحد أولاده ليستغيث به، كالذي يقاوم الغرق في بحر الظلمات ويبحث عن أي قارب نجاة.
بدا وكأنه فقد النطق، وخارت قواه، وبدأ يتصبب العرق من جبينه.
"يا إلهي! أي حلم هذا؟ وأي رؤية ليلية التي جعلت رجلاً قويًا مثل سعد يصرخ صامتًا هكذا؟"
خرج من الغرفة متجهًا ناحية المطبخ ليشرب قليلاً من الماء، فقد أصاب ريقه جفافًا من هول ما قد رأى.
عاد من المطبخ وهو ينظر ناحية باب الشقة يظن أن أحدًا ما سيهاجمه بالأسلحة، فجرى إلى فراشه.
"ما هذا الذعر الذي أصابه رغم قوة شخصيته وصلابة قلبه الذي لا يخشى شيئًا؟ هل ينتابه كل هذا الخوف بسبب رؤية ليلية قد تكون كابوسًا مثل الذي يتعرض له الملايين من البشر يوميًا فيوقظهم من نومهم مذعورين؟"
بدأ ينظر إلى الجدران ويدقق النظر في السقف، وينظر في ساعته يستعجل خروج الصباح ليروي تلك الرؤية على أولاده، أملًا في أن يستريح بعد ما يروي لهم عن تفاصيلها.
لم يكن خوفه من الرؤى والأحلام وليد اللحظة، ولكن رأى منذ سنين أن جدران بيته تتهدم، وفي الصباح ماتت زوجته، مما جعله يظن أن وفاته قد اقتربت وهي تفسير رؤيته تلك الليلة، وهذا ما يجعله خائفًا من تأويلها.
لم يستطع النوم حتى الصباح، وهو يتحرك كثيرًا بين غرفة نومه والصالة، حتى استيقظت ابنته راندا.
فرآها متجهة ناحية المطبخ لتحضر الإفطار لها ولأفراد الأسرة قبل نزولها الجامعة، فخرج مسرعًا إليها وكأنه وجد سفينة النجاة التي يفضفض لها ما رأى.
"صباح الخير يا راندا يا بنتي."
"صباح الخير يا بابا، معقولة جاي تحضر معايا الفطار؟"
"فطار إيه بس يا راندا، ده أنا صاحي من امبارح والله."
"ليه يا بابا؟ وإيه اللي مطير النوم من عينك كده؟"
"شفت حلم فظيع يا راندا، حلم مخوفني جدًا جدًا."
"يا ساتر يا رب! حلم إيه ده؟"
"شفت عصابة مسلحة بالسكاكين والمطاوي، وكلهم متلمتين، دخلوا البيت بتاعنا وأنا واقف باتفرج عليهم، وبدأوا ينحتوا حيطان البيت بتاعنا، والحيطان بتنزف دم، وأنا مذهول، إزاي حيطان من الطوب والإسمنت بتنزف الدم ده كله، والعصابة إيديها متلطخة بالدم، قمت مفزوع والله."
"أكيد كابوس يا بابا، حيطان إيه اللي هتجيب دم دي."
"خايف يا راندا خايف، أنا أحلامي مش بتنزل الأرض، هو انتي مش فاكرة الحلم اللي حكيته لك يوم وفاة أمك الله يرحمها؟"
"الله يرحمها."
"يومها شفت كل حيطان البيت بتوقع، وصحيت زي كده مفزوع، وسمعت صرختك وزعيق أخوكي عصام لما أمك ماتت."
"متشغلش بالك بس انت يا بابا بالأحلام والكلام ده، علشان ميخليش مزاجك يبقى متكدر اليوم كله."
"حاضر يا راندا."
ترك سعد لها المطبخ وخرج ينتظر الإفطار في الصالة وهو يراقب الجدران كالطفل الخائف من شبح الظلام.
ترك لها المطبخ وهو مشفق عليها، مشفق على حرمانها من طفولتها، مشفق على عدم تمتعها بما تتمتع به قريناتها من الفتيات اللاتي ينعمن بوجود الأم التي تحمل عنها كل ما تعانيه الآن.
خرجت راندا من مطبخها إلى غرف إخوتها تطرق عليهم الأبواب تباعًا لتوقظهم من نومهم، ليلحق كل ذي عمل عمله، وكل ذي مدرسة مدرسته.
كان يراقبها وبداخله خوف عليها من الأيام، خوف من الأسى الذي قد تلقاه لو مات أبوها.
خرج الرائد عصام الابن الأكبر من غرفته وهو يرتدي البدلة العسكرية، ويمسك حقيبته بيده، ووضعها على الأرض بجوار المائدة واتخذ مكانه عليها، فرآه سعد بالملابس العسكرية.
"إيه يا عصام يا ابني، هو انت مسافر ولا إيه؟"
"أيوه يا بابا، الإجازة خلصت، والتمام بتاعي النهاردة."
"خلصت إزاي ده انتي مكملتش 3 أيام."
"3 أيام إيه بس يا بابا، أنا ليا أكتر من أسبوع هنا."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، الأيام مفيهاش بركة خالص."
"آه والله يا بابا، الأسبوع بقى يمر في ساعة."
"ما تطلب نقلك في الهايكستب هنا يا عصام، خليك قريب مننا."
"ما الإسماعيلية مش بعيدة بردو يا بابا وفي النهاية كله جيش."
"والله ندمت ندم عمري إني دخلتك الكلية الحربية."
"والله أنا مش هنسالك الجميل ده أبداً يا بابا."
أحضرت راندا أطباق الطعام، وجلست سمر الطالبة بالثانوية العامة، وكذلك رائف الطالب بالإعدادية على المائدة.
"إيه يا سي رائف، مال عيونك حمرا كده؟"
"أصله صاحي الليل كله ع الفيسبوك يا بابا؟"
"الله يقطع الفيسبوك، ده اختراع زفت؟"
"وانتي مالك انتي أسهر ع الفيس ولا مش أسهر؟"
"عيب يا ولد، أختك عايزة مصلحتك."
"ما تركز هي في الثانوي بتاعتها وتطلعني من دماغها يا بابا."
"والله انتوا ما عندكوا دم كلكم، ربنا يبارك لي فيكي يا راندا."
"ويخليك لينا يا بابا."
"واحنا يا بابا، ملناش نصيب في الدعوة ولا إيه؟"
"بدعي لكوا كلكم يا سمر والله، بس راندا دي اللي شايلة البيت كله."
"فعلاً يا بابا، مش عارفين بعد ما تتجوز هنعمل إيه."
"ما انت هتتجوز قبلها يا سي عصام، ومراتك هتعيش معانا هنا."
"دي حاجة في علم الغيب يا والدي."
لم يتوقفوا عن تبادل الحديث كعادتهم، حتى خرجوا تباعًا، وانطلق سعد إلى المحكمة يراوده ذلك الحلم المخيف الذي يحتل جزءًا من تفكيره منذ ساعات.
حاول سعد كثيرًا أن يقنع راندا كي توافق على الاستعانة بخادمة في منزلهم، تساعدها في أمور البيت، كي تلتفت هي الأخرى لمذاكرتها، ولتأخذ قسطًا من الراحة باقي يومها، وأن تدخر لصحتها ذلك المجهود البدني الخارق الذي تقوم به.
لكن راندا كانت تأبى فكرة الخادمة، ترفض أن تعكف امرأة غريبة في بيتهم عند غياب الجميع وانشغالهم بأعمالهم أو مدارسهم.
كانت راندا قد تقمصت شخصية الزوجة لأبيها، والأم لأشقائها بما فيهم شقيقها الأكبر عصام، ولا تستطع أن تتراجع عن ذلك الدور أبدًا مهما تكبدت من مشاق.
وسرعان ما تراجع سعد عن ذلك الاقتراح الذي كان يطرحه دائمًا أمامها.
رواية نزيف الجدران الفصل الثاني 2 - بقلم سيد داود المطعنى
جلسة في المحكمة
لم تكن القضية الموكل بها سعد قضية عادية كغيرها، ولكنها قضية معقدة. ولولا ذلك لتركها لأي من المحامين الشباب بمكتبه ليطلب فيها التأجيل. ولكن خطورتها اضطرته للذهاب بنفسه إلى هناك، وجلس في الصف الأول بالقاعة ينتظر هيئة المحكمة.
أسند رأسه برفق على المقعد خلفه، وغرق في نوم عميق كان يتربص به، حتى تاه عن كل الحضور.
دخل رئيس الجلسة يرافقه عضو النيابة وعضوا اليمين واليسار، ونادى الحاجب: "محكمة". ووقف كل من بالقاعة إلا سعد الغارق في نومه، لم يلتفت إليهم.
"يا أستاذ سعد! يا متر! يا سعد بيه!"
الكل ينادي عليه، وسعد في عالم آخر، حتى طرق القاضي المنصة طرقات شديدة بالمطرقة، جعلته ينهض مفزوعًا يتلفت خلفه.
وكان قد رأى في نومه هجمات شرسة من العصابات الملثمة تخترق منزله ثانية، وتنحت الجدران، وكل جدار ينزف تحته بركة من الدماء تغرق المنزل، فأيقظته طرقات المنصة، وكأنها أصوات اقتحام العصابة المسلحة لمنزله.
"أنا آسف يا فندم. راحت عليا نومة."
"ولا يهمك يا أستاذ سعد، كان الله بالعون. اتفضلوا يا جماعة."
جلس القاضي، وجلس الحضور، ولم يأتِ سعد من مسرح الأحداث حتى الآن، فعقله يسترجع مشهد الرؤية بأكمله.
كان سعد على درجة عالية من الاستعداد لمناقشة المحكمة في القضية الموكل بها، ولكن حالته النفسية التي أرهقتها تلك الرؤية المخيفة، لم تجعل في نفسه القدرة على الاستمرار. وطلب التأجيل لسوء الظروف النفسية للمحامي، فاستجابت له المحكمة وأجلت الدعوى.
لم يكن سعد خائفًا من الرؤية نفسها، ولكنه يخشى ترجمتها على أرض الواقع. لا يدري ما الرسالة التي تحملها تلك الرؤية المخيفة.
فإذا كان سقوط الجدران من سنوات، كان تفسيره سريعًا وماتت على إثره زوجته وأم أولاده، التي كانت هي بالفعل جدران البيت بأكمله.
كانت جداره الذي يسنده، ويسكن بالركون إليه في المصائب والملمات.
كانت الجدار القوي لكل ابن من أبنائه، تقرأ الشكوى في عينيه وتجيبه قبل أن يتفوه بها، تخفف عنهم ما يلاقوه، وتسهر دوما على راحتهم، وترفع عن والدهم ما قد يثقل كاهله من مشكلاتهم اليومية.
وفي تلك الليلة التي رأى فيها جدران البيت تتهدم، أصبح على وفاة زوجته وصراخ أولاده.
خرج إلى المقهى الملاصق للمحكمة يبحث عن رفاقه، صادق وموسي، المحاميين الأقرب إليه، ليبعثر أمامهم ذلك الهم القابع في صدره لا يفارقه، ليبحثوا معه عن حل لذلك اللغز المحير.
التقى بهم وأخبرهم باقتحام بيته في أصعب رؤية ليلية رآها في منامه، وطعن الجدران ونزيفها ببحور من الدم أغرقت منزله.
أخبرهم بملاحقة عصابة ذلك الحلم الغامض له، حتى اتبعوه في المحكمة ليواصلوا طعناتهم لجدران البيت في غفوة عابرة، نام فيها داخل قاعة المحكمة.
لم يجد من رفاقه سوى السخرية من تلك الأمور.
"إيه اللي بتقوله ده يا سعد، يا عم انت محامي كبير، عيب كده والله."
"هو إيه اللي عيب يا صادق، والله أنا صادق في كل كلمة حكيتها."
"هو يقصد عيب إنك تخاف من مجرد عصابة جوة الحلم يا سعد."
"أنا غلطان اللي حكيت لكم، والله لأقوم أمشي."
"استنى بس، هتمشي وانت زعلان كده، إحنا بنكلمك بجد والله."
"يا جماعة انتوا مش متخيلين تفسير الحلم ده ممكن يكون إيه؟"
"هيكون تفسيره إيه يعني؟"
"مش بعيد يكون تفسيره إني هموت قريب، زي ما ماتت مراتي."
"ربنا يمتعك بالصحة وطولة العمر، متقولش كده، والموت والحياة بتوع ربنا."
"ونعم بالله، بس أنا حلمت إن حيطان بيتي وقعت، ومراتي ماتت يومها، يبقى مين تاني الحيطة اللي فاضلة في البيت غيري؟"
"وانت خايف من الموت يا سعد؟"
"والله ما خايف من الموت يا موسي، أنا خايف على ولادي يا جماعة، خايف على ولادي، انتوا مش متخيلين حياتنا عاملة إزاي."
بدأت عينا سعد تغرورق بالدموع وهو يحكي لهم عن مأساة أسرته بعد وفاة زوجته.
"انتوا مش متخيلين يا جماعة راندا بنتي ممكن يحصل لها إيه لو أنا مت، دي اتحرمت من أمها واتحرمت من طفولتها، واتحرمت من التمتع بأجمل فترة في حياتها، بقت لإخواتها أم وأخت وكل حاجة، وبالنسبة لي أنا بنتي ومراتي وروحي وكل حاجة، هتتدمر يا جماعة لو أنا مت، هتعمل إيه بعدي؟، هتعمل إيه؟، رائف هيعمل إيه؟، سمر هتعمل إيه؟، حتى عصام الكبير."
انفجر سعد في البكاء، وقام من جوارهم وأسرع ناحية سيارته داخل حرم المحكمة، وفتح الباب وركب حتى ينطلق، ولكن لحق به موسي وصادق، وركبا معه في سيارته، وأرغمه صادق على ترك محرك القيادة، وركب مكانه وقاد له سيارته.
لم يستطع سعد التوقف عن البكاء داخل السيارة، وبجواره موسي يربت على كتفه، يحاول تهدئته، وصادق يقود السيارة ببطء، ليستكمل معه الحوار.
"أنا عندي اقتراح يريحك يا سعد."
"اقتراح إيه ده؟"
"إحنا نروح للدكتور رفعت نصر إمام مسجد البراء بن مالك في الحتة بتاعتنا، ده راجل قوي في التفسير، ومعاه دكتوراه في علم النفس بجانب علومه الشرعية."
"نروح لأي حد يا صادق يا أخويا، نروح لأي حد."
كان الحظ حليفهم آنذاك، فقد كان الدكتور رفعت نصر لا يزال بالمسجد واستقبلهم وأنصت لرواية سعد عن الحلم الذي يلاحقه، فابتسم له الدكتور رفعت نصر قائلاً:
"والله يا متر مش عارف أقولك إيه، بس كل اللي أقدر أقوله لك، إنه مش شرط الحلم يعنيك انت، أو يقصدك انت، ممكن يكون الحلم يقصد البلد كلها، زي العمليات الإرهابية اللي بتتعرض لها كل فترة دي."
"يعني إيه يا دكتور رفعت؟!"
"يعني يا أستاذ صادق، إن البيت ده ممكن يشير للبلد كلها، يشير لمصر، والملثمين دول الإرهابيين، والجدران دي تشير للشعب اللي دمه بينزف كل يوم من العمليات الإرهابية."
"مش مقتنع يا دكتور رفعت، هو أنا حلمي يتفسر ليه بالبلد كلها ليه، هو أنا حاكم الدولة، ولا مسئول فيها، الحلم اللي فسره سيدنا يوسف إن البلد كلها هتمر بسنين عجاف، ده شافه الملك يومها، وأنا مش الملك، بيتي هو بيتي، وحيطان بيتي هي أنا، والنزيف ده معناه بيتي."
"متفسرش من خلال خوفك يا أستاذ سعد، وأنا متأكد من تأويلي."
"وأنا مع احترامي لتأويل حضرتك مش مقتنع غير باللي حاسه جوايا."
"أنا آسف يا دكتور رفعت، بس سعد تعبان شوية ومتوتر، ميقصدش حاجة."
"ولا يهمك يا أستاذ صادق، ربنا يكون في عونه."
انصرف الثلاثة عن المسجد، وعاد سعد إلى بيته، ودخل غرفته لينام قليلاً حتى عودة أولاده من مدارسهم والجامعة، وغرق في نوم عميق.
رواية نزيف الجدران الفصل الثالث 3 - بقلم سيد داود المطعنى
كان عصام قد وصل إلى وحدته العسكرية في التل الكبير بالإسماعيلية.
كانت الحركة مريبة في المكان، والضباط يغيبون عن المشهد تمامًا.
لم ير ضابطًا واحدًا في الوحدة منذ دخوله، ومروره على مكاتب زملائه ليصافحهم، لا أحد هناك، مما أثار فضوله.
من المستحيل أن يكون الجميع في إجازة في نفس الوقت.
لا يمكن أن يترك جميع الضباط أماكنهم وأعمالهم هكذا.
خرج عصام ينادي أحد ضباط الصف ليسأله:
"يا صول زكريا، صول زكريا."
"أفندم يا سيادة الرائد."
"هما الظباط راحوا فين كلهم كده؟"
"استدعاهم اللواء عبدالمجيد يا فندم، في ضيف مهم من القيادة العامة مجتمع بيهم."
"ضيف مهم؟ مين ده؟"
"معرفش والله يا سيادة الرائد، بس هو من القيادة العامة للقوات المسلحة."
"أنا هروح أشوفهم، شكرا يا صول زكريا."
مشي عصام في خطى ثابتة نحو مكتب اللواء عبدالمجيد ليتبين الأمر.
فوجد الفريق حسام عبدالنافع، القيادي بالمجلس العسكري، قد انتهى من محاضرة مهمة يحاضر فيها الضباط بمختلف الرتب العسكرية ليتخذوا كافة الاحتياطات اللازمة لحماية مواقعهم وحماية المنشآت المحيطة بهم.
نظراً لتوجه بعض العصابات الإرهابية لاستهداف الأكمنة والوحدات العسكرية لخلق حالة من عدم الاستقرار.
وبعد رحيل الفريق حسام عبدالنافع، جلس عصام مع اللواء عبدالمجيد ليعرف سر زيارة الفريق حسام، وما الذي يذكره بالتصدي للإرهاب الآن، وأي إرهاب ذلك الذي يهدد منطقة التل الكبير.
"الحالة في رفح والشيخ زويد مش ولا بد يا عصام، في تشكيلات عصابية بدأت تنتشر هناك."
"تقصد حضرتك علشان استهداف الكمين اللي في رفح من يومين؟"
"لو علي دي كان الموضوع بقي سهل جدا يا حسام، المصيبة أكبر من كده."
"أكبر من كده إزاي يا فندم؟"
"في عدد من الجماعات أعلنت ولاءها لتنظيم داعش، يعني الخطر اللي كنا مستعدين لصده ومنعه من دخول أراضينا في أي لحظة، بدأ ينشأ بالداخل، وعناصر غريبة مش معروفة لدينا، أطراف غير مسجلة أمنية."
"أوبااااااااا، طاب هما أعلنوا إزاي ولاءهم لداعش، عن طريق نشرات ولا فيديو عبر الإعلام ولا إيه."
"دول دشنوا موقع إلكتروني وصفحة على الفيسبوك، وبيتواصلوا مع العالم كله من خلالها."
"طاب كده سهلت يا فندم، لو القيادة راقبت مكان إدارة الموقع الإلكتروني، أو المنطقة اللي بيبثوا منها فيديوهاتهم على الفيس بوك، هنتوصل لهم بسهولة."
"يعني انت فكرك إنهم هيديروا الموقع الإلكتروني من الخنادق المتمركزين فيها؟ أكيد طبعاً دي في وادي ودي في وادي تاني خالص."
"ربنا يكون في عون زمايلنا في سيناء، ربنا يكون في عونهم."
"الفريق حسام بيقول احتمال يدعموهم بعناصر من عندنا."
"أنا عن نفسي أول ضابط مستعد أروح هناك تطوع وقبل ما يتم اختياري من القيادة."
"هنشوف القيادة هتقرر إيه، وأكيد أي حد هيوقع عليه الاختيار هيرحب جدا."
"وافرض حد مش حابب يروح، مستحيل يعترض."
"الحالة العامة بقت تقرف، كان من السهل جدا صد أي خطر خارجي، لكن يتولد الخطر معاك جوه بالشكل المفاجئ ده، حالة غريبة، زي اللهو الخفي."
كان اللواء عبدالمجيد في قمة التوتر، وهو يشرح لعصام مدى خطورة تفشي مثل تلك الآفة في البلاد، لا سيما أنهم مجهولون لاعتماد تلك الحركات على الشباب وهؤلاء يتم إنتاجهم بشكل سري واحترافي.
حتى عصام نفسه خرج من عند اللواء عبدالمجيد وهو يفكر في مصيره لو وافق على الذهاب إلى هناك بمحض إرادته أو حتى جبراً عنه، ما الذي قد يتم.
لم يهدأ عصام الليلة وهو يفكر في العدول عن قراره تارة، والإصرار عليه تارة أخرى.
كان يتحدث إلى نفسه كمن يأخذ برأيها.
"أنا لو رحت هناك هفقد حياتي بنسبة 90%، واحتمال العودة هيكون بنسبة 10%، لالا لالا إيه الحساب الغبي ده، إيه هفقد حياتي بنسبة 90% ده، على أساس إحنا الطرف الأضعف في المكان، ده إحنا القوات المسلحة، ولو مات حد بيكون ضابط أو اتنين من الفرقة، مقابل إبادة العناصر المجرمة كلها، يعني نسبة الموت هتكون 1% بس، أووووووف موت ولا حياة، هو الواحد لازمته إيه، ما لازم نواجه الخطر ده وخطر أصعب منه مليون مرة، إيه فيها الدنيا نبكي عليه!... لا فيها طبعاً، فيها أبويا، فيها اخواتي، فيها ساندي اللي قررت أخطبها خلاص، ومستني الإجازة اللي جاية دي علشان أقول لبابا ونروح نخطبها.. بس ده شغلي ده واجبي، دي الكلية الحربية اللي أنا دخلتها وأنا عارف إني هتعرض لموقف زي ده في يوم من الأيام، أيوة بس أقول لبابا إزاي إني هروح سيناء، وكمان رايح علشان أستعد لمواجهات مع عناصر إجرامية مجهولة منعرفهاش، يوووووووه أنا أسيبها لله أحسن واللي فيه الخير يقدمه ربنا."
رواية نزيف الجدران الفصل الرابع 4 - بقلم سيد داود المطعنى
في مسجد البراء بن مالك، فرغ الدكتور رفعت نصر من صلاة الظهر بالمصلين، فتقدم إليه الأستاذ صادق المحامي يصافحه ويربت على كتفه.
"حرمًا يا شيخ رفعت."
"جمعًا إن شاء الله يا أستاذ صادق، أخبار المحامي صاحبك إيه؟"
"صاحبي ده بيوقف حياته على الأحلام، وعامل لها هوس ولغوص وكل حاجة، ده خلانا نسيب قضايا نا في المحكمة ونرجع بدري بسببه."
"والله المبدأ ده غلط، أنا مستغرب إزاي محامي كبير واسمه لامع ويؤمن بالكلام ده."
"تقول إيه بقى يا مولانا، بس قول لي بالله عليك، إيه تفسيرك للحلم؟"
"هاهاهاهاهاها، حتى أنت يا أستاذ صادق."
"حلفتك بالله من غير ما تتهرب يا دكتور رفعت، إيه التفسير الحقيقي للحلم أو الواضح."
"بص يا متر، أنا شايفه فعلًا ممكن يكون المقصود به البلد والحاصل فيها، وممكن هو أو حد من أولاده يتعرض للقتل جراء هجوم إرهابي من اللي تفشى في بلادنا ده، وطبعًا كلامي ده مش مقياس، كذب المنجمون ولو صدقوا."
"تصدق إن معاه ولد ظابط في الجيش ورتبته رائد كمان؟"
"ربنا يبارك فيه ويحفظه، يا ريت ما نأولش تفسيراتنا على أشخاص، لأن ده هيبقى تدخل في علم الغيب وده خط أحمر."
"نعوذ بالله من التدخل في علم الغيب، لكن أنا بحاول أقرب لك التفسير."
"نسأل الله إن تكون دي مجرد شكوك، وربنا يحفظ له بيته وأولاده."
"اللهم آمين يا شيخ رفعت، اللهم آمين."
قام صادق من جوار الشيخ رفعت، وعاد إلى بيته مخطوف الذهن، وقد تغيرت ملامحه، وبدأ وجهه يميل إلى الاصفرار، واتخذت عيونه لونًا غير اللون البارق الذي يجملها، وأيقن أن سعد محق في تخوفاته كلها.
انصرف صادق وقد تولد لديه يقين أن تفسير الحلم يرمي إلى عصام وحروب الجيش ضد الإرهاب، بل كان يخشى أن يصاب عصام بأذى في حياته فيدمر ذلك الأمر حياة سعد، إن لم يقضِ عليها.
كانت الحياة الدراسية تسير بشكل منتظم في فصل سمر بالصف الثالث الثانوي، وكانت في قمة تركيزها مع معلمة التاريخ التي اقترحت عليهم الخروج في رحلة لجبل الطور ودير سانت كاترين في سيناء، لقضاء وقت ممتع، والاطلاع على الأماكن التاريخية عن قرب.
"قلتوا إيه يا ولاد، إيه رأيكم في الرحلة؟"
"أنا موافق."
"وااااو! يا ريت يا ميس مني."
"أنا موافقة."
"وأنا، وأنا، وأنا، وأنا."
"يبقى اتفقنا، كلنا موافقين، وأنا هجيب لكم موافقة إدارة المدرسة والإدارة التعليمية، وتبقى رحلة ترفيهية ثقافية."
كانت سمر من أكثر الطلاب سعادة بتلك الرحلة، فهي تعشق الحضارة المصرية، تحب أن ترى بعينيها وتلمس بيديها كل ذرة تراب أو رمل شاهدة على التاريخ العريق لتلك البلد العظيمة.
"بس يا ميس مني الإرهاب بيضرب في سيناء اليومين دول."
"الإرهاب في أماكن معينة في رفح، إيه اللي هيوديه جبل الطور ودير سانت كاترين."
"هي مش سيناء كلها واحد."
"أيوة.. بس سيناء دي مش قرية ولا مدينة صغيرة.. سيناء دي محافظتين شمال وجنوب."
"أنا نفسي أموت أروح معاكم يا ميس مني، بس يا ترى أهالينا هيرضوا لنا نروح هناك."
"يا ابني أنت وهو مالكم في إيه، انتوا ليه محسسيني إن الإرهاب منتشر كإنه جيش جرار بيحاربنا في سيناء، دي عصابات زي أي عصابات منتشرة في أي حتة، وكمان بعيد في الصحراء، لكن منطقة الطور أمان جدًا زي القاهرة والإسكندرية وباقي مصر."
"سيبك منه يا ميس مني احنا موافقين."
"أيوة موافقين."
"موافقين."
ابتسمت سمر وهي في قمة سعادتها، ونظرت لها الميس مني تتعجب من عدم تفاعلها بالفرحة مع الجميع، رغم أنها أبدت موافقتها.
"إيه يا سمر، مش فرحانة زيهم ولا إيه؟"
"لا طبعًا يا ميس منى، فرحانة جدًا، بس بفكر هقول لبابا إيه؟"
"بابا ده تسيبيه عليا لو رفض."
"هو مش هيرفض المبدأ نفسه، هو هيرفض سيناء وكده انتي فاهمة يا ميس."
"يا دي سيناء، طب أنا بسحب اقتراحي، وانتوا تفكروا مع نفسكم وتشوفوا الشغب ده فين في سيناء، وشوفوا جبل الطور جاي فين، وبعد كده قرروا."
"لا يا ميس ما تسحبيش الاقتراح، موافقين موافقين موافقين."
سمر تلك النسمة الغالية على قلب أبيها، والتي يخشى عليها من عثرة قدميها على الأرض، تلك الزهرة التي تذكره بزوجته التي أعطتها كل ملامحها فأضاءتها ببهجتها، تلك البهجة التي انطفأت بوفاة الأم، فأضحت ملامح سمر ذكرى خالدة، وابنة محببة، لا يستطيع أبوها البعد عنها للحظة واحدة، بل لا يتحمل إصابتها برشح الأنف عقب الإصابة بإنفلونزا الشتاء.
هل يا ترى يقبل سعد خروجها في رحلة إلى سيناء، رغم علمه بأن طور سيناء ودير سانت كاترين بعيدين كل البعد عن الأماكن المتوترة، هل يتحمل سفرها إلى هناك، هذا هو السؤال الذي يتردد في رأس سمر دون إجابة تصبر بها نفسها.
لم تكن الأجواء هادئة أو مطمئنة في مدرسة رائف، بعد حالة الذعر التي أصابتهم في الحصة الثالثة، الجميع كان خائفًا ينتظر الموت في أي لحظة.
كان العم إبراهيم عامل المدرسة، يتجول خلف المبنى ليجمع الأوراق التي يقذفها الطلبة المهملون من نوافذ الفصول، وهو كعادته يقوم بجمعها بعد الحصة الثالثة حتى يبدو الفناء نظيفًا كما بدأ نظيفًا مع بداية اليوم الدراسي.
فرأى جسمًا غريبًا خلف غرفة الموسيقى، كان مستدير الشكل، ومغلفًا بكيس أسود، انحنى إليه العم إبراهيم، وأمسك به، وضغط عليه بيديه، فشعر بألم من شيء مدبب فألقى به على الأرض من شدة ألم الوخزة، وجرى بعيدًا حيث مكتب مدير المدرسة.
"الحق يا حضرة المدير، يا مدير، يا مدير."
"في إيه يا إبراهيم، مالك بتنهج كده حصل إيه؟"
"في جسم غريب ورا أوضة الموسيقى، الإرهابيين حطوه عايزين يفجروها."
"إيه الكلام الفارغ اللي انت بتقوله ده، فين الجسم ده؟"
"ورا أوضة الموسيقى يا مدير، كان هينفجر في وشي لولا إني رميته والله."
"طب تعالي وريهولي."
رواية نزيف الجدران الفصل الخامس 5 - بقلم سيد داود المطعنى
ذهب المدير مع العم إبراهيم إلى مكان الجسم الغريب، ورفعه إليه ونظر فيه بدقة. عاد إلى المكتب مسرعًا واتصل بالشرطة وأخبرهم بالأمر، وناشدهم سرعة الحضور.
قام بإخلاء المبنى بشكل كامل من الطلاب والمعلمين. امتلأ الشارع بالناس، وحضرت سيارات الشرطة، وسيارات الإطفاء الضخمة والصغيرة، وسيارات الإسعاف. تم رفع حالة الطوارئ القصوى بحضور قيادات أمنية من مختلف الأجهزة بوزارة الداخلية.
ارتدى خبراء المفرقعات الملابس المخصصة للتعامل مع تلك الحالات. طلبوا من العم إبراهيم مرافقتهم للداخل، ولكنه أصر على الرفض.
"أنا مليش دعوي، هي ورا أوضة الموسيقى يا باشا."
"يعني هم هيعرفوا أوضة الموسيقى فين، ادخل معاهم يلا متضيعش وقت."
"يا باشا أنا مش هدخل، ولو عايزين تفصلوني افصلوني، عايزين تعتقلوني اعتقلوني، بس والله ما أروح للخطر، أهو المدير عارف المكان ويدخل معاكم."
"أنا عندي أولاد، مش هروح للموت برجلي، أنا كويس إنني واقف على رجليا، وقدرت أخلي المبنى من الطلاب حفاظًا على الأرواح."
"حد من الأساتذة يكون قلبه جامد يدخل يا جماعة، الوقت مش في صالحنا."
"أنا هدخل معاهم يا سيادة العقيد."
"حضرتك مدرس هنا؟"
"أنا مدرس اللغة العربية، هدخل أوريهم المكان وأخرج بسرعة."
"شاكرين تعاونك، اتفضلوا يا حضرات."
دخل المعلم وخلفه خبراء المفرقعات، حتى وصلوا بهم إلى مكان الجسم الغريب، وأشار لهم على الغرفة. رأوا تلك الكتلة الغريبة وانحنى أحدهم ليمسكها بيده. خرج معلم اللغة العربية مسرعًا إلى الخارج، فسأله العقيد:
"الخبراء شافوا الجسم المتبلغ عنه؟"
"شافوه، وبدأوا يتعاملوا معاه."
"ربنا يستر، ربنا يستر."
بدأ الخوف يرتسم على وجوه المحيطين، وبعض الناس يحاولون الابتعاد عن المكان قدر المستطاع. تراهم مترددين بين الخوف على الحياة، والفضول لمعرفة ما هذا الجسم الغريب. الكل يراقب بوابة المدرسة، ينتظرون خروج الخبراء سالمين، أو حتى يرتقبون صوت الانفجارات تدوي في سماء المكان، واشتعال النيران بالمبنى.
ما هي إلا خمس دقائق حتى خرج الخبراء يضحكون بصوت عالٍ، وهم يمسكون ذلك الجزء الغريب، والذي رأوا أنه مجموعة من المسامير الناعمة ملفوفة في عدة ورقات، ومحاطة بأكياس لاصقة حتى لا تتساقط، ومغلق عليها ذلك الكيس الأسود في شكل مستدير، مما جعل الكتلة مدببة توخز من يمسكها.
تعجب الجميع من ذلك الأمر الغريب، ولم يتعرفوا على صاحب تلك المسامير، من وضعها بهذا الشكل خلف غرفة الموسيقى بالمدرسة.
أنكر جميع الطلاب والمعلمون صلتهم بتلك المسامير، أو حتى رؤيتهم لأي شخص يلقي بها في الفناء.
لم يكن من رجال الشرطة سوى الانصراف. شعر مدير المدرسة بالحرج الشديد من ذلك الموقف، إلا أن جميع الحضور أشادوا بحسن تصرفه وسرعة إرساله استغاثة للشرطة لإنقاذ الموقف، فماذا لو كان ذلك الجسم الغريب قنبلة موقوتة أو شيء قابل للانفجار.
كان اليوم مريرًا على رائف وزملائه، فمن الصعب أن يتعرض الأطفال لذلك الموقف الذي لا تمحوه الحياة من ذاكرتهم مهما طالت.
اجتمعت الأسرة على المائدة عصرًا، وقد عادت سمر من المدرسة، وكذلك رائف وراندا، يتناولون وجبة الغداء، يتبادلون النظرات فيما بينهم.
كان سعد ينظر إليهم نظرات متألمة، كمن يودعهم بعينين خائفتين، تنظران إلى فلذات كبده، وعقله سارح في مصيرهم بعد وفاته تاركهم في دنياهم بمفردهم.
وراندا تنظر إليه نظرات مشفقة عليه، لا تحب أن ترى والدها كذلك دون أن يبتسم كعادته، كيف يستسلم بهذا الشكل لرؤية ليلية عابرة، والدنيا كلها ترى في نومها أحلامًا شرسة من مطاردات عفاريت لهم، أو صراعهم مع الكلاب المفترسة، أو فقدانهم في الغابة، أو رؤية جثث الموتى في الأحلام، ولكنها لا تتحقق على أرض الواقع، فماذا أصاب والدهم المحامي المخضرم ليتأثر بهذا الشكل.
وسمر تراقب شفتي والدها، لعله يتكلم أو يبتسم، أو ترسل أي إشارة لها تشجعها على فتح الموضوع، لتطلب منه الموافقة على ذهابها في رحلة إلى دير سانت كاترين وكذلك جبل الطور مع معلمة التاريخ ومشرف المدرسة، لكن سعد يجلس بينهم جسدًا، بلا روح.
رائف ينقل عينيه بين الوجوه، يود أن يكسر ذلك الصمت الذي أصاب المكان، فوجه كلامه إلى راندا:
"عارفة يا راندا النهاردة كان عندنا خبراء مفرقعات في المدرسة."
انتبه سعد لرائف، ونظر فيه بدهشة.
"مفرقعات! ليه؟ كانوا بيعملوا إيه عندكم؟"
"العامل والمدير شافوا حاجة زي القنبلة وأخلوا المبنى من الناس واتصلوا بالشرطة، وجات الإسعاف والمطافي ومصر كلها كانت في المدرسة."
"ها وبعدين؟"
"طلعت مسامير صغيرة جدًا، ملفوفة في الكيس."
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
"المدير كان فاكرها قنبلة."
"الحمد لله إنك بخير يا رائف."
"أنا بصراحة كان نفسي تكون قنبلة، بحب أتفرج على الحاجات دي."
"قنبلة إيه يا ولد، إياك تقول كده تاني، هي أي حاجة عندك فيلم أكشن."
"ده مخه على قده يا بابا، مش مستوعب اللي بيقوله."
"بابا!"
"إيه يا سمر، وإنتي كانت عندك مفرقعات؟"
"لا يا بابا، أنا عايز أستأذن حضرتك أروح الرحلة مع المدرسة."
"وماله يا بابا روحي الرحلة مع المدرسة، عايزة كام فلوس؟"
"المشكلة مش في الفلوس يا بابا."
"المشكلة فين يا سمر؟"
"المشكلة إن الرحلة في جبل الطور وفي دير سانت كاترين."
"في سيناء يعني؟"
"أيوة يا بابا في سيناء."
بدأ وجه سعد يميل للتغير وينظر في وجه سمر يراقب حركاتها، يخشى أن يرفض لها طلبًا يصيبها بحالة من الحزن، فبادرته هي بقولها:
"الفصل كله هيروح يا بابا، وطور سيناء بعيد خالص من المشاكل اللي حضرتك خايف منها."
"بس الطور بعيد جدًا يا سمر، وإنتي عارفة إني مقدرش على غيابك أكتر من يومين."
"بس هكون سعيدة جدًا يا بابا لو رحت، هكون سعيدة جدًا."
"طيب ممكن تسيبيني النهاردة أفكر وأرد عليكي."
"ما دمت هتفكر يبقى هتوافق يا بابا، هي الرحلة هتطلع الأسبوع الجاي لو الإدارة وافقت عليها."
"وأنا هرد عليكي بكرة الصبح على الفطار يا سمر، من عينيا حبيبة بابا."
"ربنا يخليك ليا يا بابا."
"وإنتي يا راندا مش عايزة تحكي لي على حاجة؟"
"حاجة زي إيه يا بابا؟"
"يومياتك في الجامعة."
تهربت راندا بعينيها من والدها ودققت النظر في طبق الأرز أمامها وهي في قمة الخجل.
"لا أبدًا يا بابا، ده حتى اليوم كان عادي جدًا."
"امممممممممم شكله مش عادي يا عيون بابا، عمومًا هعرف."
لم يكن رائف يعرف سر خجل راندا من سؤال والدها بهذا الشكل، حتى سمر تعجبت، كيف تتهرب راندا من نظرات والدها وهو يسألها عن يومياتها في الجامعة.
وكان سعد هو الأذكى فقد فهم أنها تذكرت شيئًا جعلها تخجل من ذلك السؤال، فلم يكرره عليها حتى لا يضعها في موقف محرج يضطرها للقيام.
رواية نزيف الجدران الفصل السادس 6 - بقلم سيد داود المطعنى
دخل سعد إلى مكتبه الخاص ببيته بعد المغرب.
طلب من راندا أن تصنع له كوبًا من الشاي وتلحق به في المكتب، ليتحدث إليها في أمر هام.
فهمت من طلبه أنه يود الحديث إليها بشأن ما تخفيه في صدرها.
أخبرها أنه لاحظ عليها حالة من التغير في الأيام القليلة الماضية، وكأنها تحولت من فتاة جادة إلى أخرى رومانسية تتمتع بالمرونة، وتفتح ذراعيها للحياة.
فقد شعر أنها تحتضن نسمات الهواء في كل صباح، وتستقبل يومها الجامعي بصدر منشرح ووجه مشرق، لم يسبق عليها أن استقبلت يومًا دراسيًا بذلك المرح من قبل.
هربت راندا منه ولم تستطع النظر في عينيه اللتين تسلطان على وجهها شعاعًا عموديًا يقرأ ملامحه.
"عادي يا بابا، مش متغيرة ولا حاجة."
"هنخبي على بابا يا راندا، ينفع كده؟"
"مش بخبي عليك يا بابا، حضرتك عارفني كويس."
"عارفك يا بابا مش بتخبي عليا، بس ممكن تكوني مكسوفة شوية."
"هتكسف من إيه بس."
"تتكسفي مثلاً إنك بتبادلي حد مشاعر معينة."
رفعت راندا وجهها ونظرت في عين والدها مندهشة وهي تتصبب عرقًا وتصطك أسنانها ارتعاشًا مما قاله والدها.
"حضرتك بتقول إيه يا بابا، مشاعر إزاي يعني."
"يا راندا، مشاعرنا مش ملكنا، وأحيانًا بنميل لأشخاص في حياتنا بشكل لا إرادي، يعني منتحاسبش عليها، ولا نسأل نفسنا إحنا ليه بنميل للشخص ده."
راندا تتلفت حولها تتمنى لو تجد سبيلاً للهروب من تلك الموقعة.
"يا بنتي هو إحنا مش أصدقاء؟ وأنا بحكيلك كل حاجة تخصني؟"
"طبعًا يا بابا، هو أنا ليا صديق أعز عليا منك."
"يبقى ليه تخبي عليا سر تغيرك المفاجئ ده؟ هو أنا هحاسبك؟ ولا الوجه الجديد في حياتك أغلى عندك مني عشان تحكي له عني، وترفضي تحكي لي عنه؟!"
"والله عمري ما حكيت له عنك يا بابا، ولا بنحكي أصلاً."
ضحك سعد ضحكات هادئة، ونظر لراندا يتداركها.
"يعني في وجه جديد في حياتنا أهو؟!!"
"مش بالشكل اللي في دماغ حضرتك يا بابا."
"طيب احكي لي عشان أبقى معاكي في الصورة، وأقولك الصح فين والغلط فين."
"مش عارفة أحكي إزاي أو أقول إيه يا بابا."
"هو مين، وابن مين، وفي سنة كام، وعرفتيه إزاي، وكده يعني!"
"هو طالب معانا في الدفعة في سنة رابعة، وشخص محترم جدًا، وأنا أعرفه من سنة أولى دايمًا معانا في الأنشطة، وبيجيب تقديرات كويسة كل سنة، ووالده معاه شركة استيراد وتصدير، وبيشتغل معاه في الإجازات، وقال لي من أسبوع إنه معجب بشخصيتي وهدوئي وبيسألني إن كنت مرتبطة بخطوبة أو حاجة زي كده، فأنا قلت له لأ، حسيت إنه فرح جدًا لما عرف إني مش مرتبطة، ويومين لقيته بيقول لي إنه بيتمنى يتقدم لي، بس منتظر التخرج عشان باباه ما يعترضش على الخطوة دي، بصراحة يا بابا أنا كنت طايرة من الفرح، هو حد كويس ومتربي، ولو شفته حضرتك هتحبه جدًا."
"طبعًا من يومها وانتوا بتنتظروا بعض في المحاضرات، وترجعوا مع بعض."
"مش هكذب على حضرتك يا بابا، إحنا فعلًا بنستنى بعض ونرجع مع بعض."
"امممممممممم."
"طيب ليه خبيتي عليا حاجة زي كده يا راندا."
"كان نفسي أحكي لك يا بابا والله، بس معرفتش أبدأ كلامي إزاي."
"يا بنتي ده أنا كل مرة أقولك اكسري الحواجز بيني وبينك، فضفضي لي."
"أهو اللي حصل يا بابا، بس وحياة رائف وسمر عندك ما تزعل."
"وبتحلفيني برائف وسمر ليه، وإنتي غالية زيهم يا بابا."
"معرفش يا بابا، أنا متلخبطة ومش عايزة حضرتك تزعل."
"أنا مش زعلان يا راندا، ولا عمري هزعل منك يا بابا، بس ليا عندك طلب."
"طلب إيه يا بابا."
"عايزك تحكمي على علاقتك بيه، دخول وخروج، متعرفيش الأيام مخبية إيه، مش يمكن والده يكون مخطط له على جوازة بيزنس، وينجح في إنه يقنعه بيها، هيبقى مين الطرف المتضرر ساعتها؟"
"هكون أنا طبعًا يا بابا."
"وإن كان هو عايزك بجد، يتكلم مع والده ويصارحه، ويتقدمولك رسمي، وبعد التخرج تكتبوا الكتاب وتتجوزوا."
"بس هو خايف يكلم باباه يعتبره مراهق ومش عارف يخطط لنفسه."
"يبقى هو مش واثق في طبيعة علاقته بوالده، أو مش واثق في نظرة والده ليه، ولا أنا غلطان يا راندا؟"
"حضرتك صح يا بابا."
"راندا، أنا عايزك تبقي دايمًا في الأمان، مش عايز مشاعرك النهاردة تخليكي تندمي بكرة."
"يعني أنا أعمل إيه دلوقتي يا بابا؟"
"قولي له يفضفض لوالده، وقولي له إنك حكيتي لي، واتفقي معاه على وضع حواجز بينكم لحين اتخاذ خطوة جدية، وإلا فالتعامل يكون في حدود الزمالة وبس."
"اللي تشوفه حضرتك يا بابا."
"لأ يا راندا، مش اللي أشوفه يا بابا، اللي تكوني إنتي مقتنعة بيه."
"أنا مقتنعة برأي حضرتك، ورد فعله هيثبت لي حقيقة مشاعره."
"الله ينور عليكي يا روح قلب بابا، دايمًا تخليني مطمئن عليكي بذكائك ده."
"تلميذتك يا متر."
نظر إليها سعد نظرات صامتة وضَمَّها إلى صدره يحتضنها.
رواية نزيف الجدران الفصل السابع 7 - بقلم سيد داود المطعنى
في منتصف الليل و نفس الرؤية تهاجم سعد، والعصابة الملثمة تقتحم الغرفة، وتطعن الجدران بالخناجر، وتتساقط الدماء فتغرق المكان.
سعد ينهض من مكانه يحاول منعهم، وهو يسمع أنين الجدران تتوجع من الألم. اللصوص لا زالوا ملثمين لا يعرفهم، لا يستطيع الاقتراب منهم. يحاول مسح الدماء من على الجدران بيده، لكنها تصرخ في وجهه، وهو أعجز من أن يمنع عنها ذلك الألم.
حتى قام من نومه مفزوعا، وصدره يعلو ويهبط.
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبعدين في الحلم ده. مستحيل يكون مجرد حلم، دي حقيقة، دي مصيبة هتيجي تصيبني، أيوة مصيبة. بس أنا سامع صوت حد بيتوجع، أكيد مش أنا اللي هموت. أيوة ده أكيد مش أنا اللي هموت، دول إرهابيين فعلاً، الإرهاب بيهدد أولادي، أيوة الإرهاب بيهدد أولادي. رائف في مدرسته قنبلة، وسمر عايزة تروح رحلة لجبل الطور في سيناء. أيوة دول رايحين للإرهاب بنفسهم. لا لا مش هيحصل أبداً، مفيش حد من ولادي هيروح للإرهاب برجله، مستحيل يحصل، مستحيل يروحوا، على جثتي، على جثتي."
كان الأمر قد بلغ أشده في فجر اليوم التالي، واستدعى اللواء عبدالمجيد كافة الضباط، وقرأ عليهم إشارة القيادة العامة. وقد وقع الاختيار على عدد من الضباط للانتقال إلى رفح للمشاركة في عمليات تمشيط المناطق هناك، وكان من بينهم الرائد عصام، والسفر في غضون ثلاثة أيام.
"أنا عن نفسي جاهز للسفر من هنا يا فندم."
"لا يا عصام لازم تاخدوا الكام يوم دول مع أهاليكم وتعرفوهم إنكم اتنقلتوا لأماكن تانية."
"تمام يا فندم اللي تشوفه حضرتك."
"معلش يا فندم ممكن سؤال؟"
"اتفضل يا ماجد اسأل."
"هي ليه القيادة العامة ما اعتمدتش على الضباط اللي في سيناء في محاربة الإرهاب اللي هناك، خصوصاً إنهم أدري بشعابها؟"
"العناصر الموجودة هناك مرتبطة بأعمال مختلفة، وظاهرة الإرهاب دي حاجة مفاجأة، والجيش في سيناء بيتعامل معاها بطريقة ممنهجة، لكن القرار الأخير بيعتمد على تشكيل فريق مكتمل تكون مهمته الأساسية مواجهة العناصر دي، وهيتم تدريبه في وقت قياسي، ويستلموا المهمة كاملة ويكونوا مسؤولين عنها بشكل رسمي."
"تمام يا فندم فهمت."
"حد ليه أسئلة تانية؟"
"شكراً يا فندم."
"بالتوفيق يا رجالة."
انصرف الجميع من أمام مكتب اللواء عبدالمجيد، وهم يفكرون في الأمر الذي تم إسناده عليهم. هل سينجحون؟ هل سيعودون للتل الكبير ثانية؟ هل سيدفنون في سيناء وهم في ريعان الشباب؟ يا ترى من سيعود منهم ليكلل حياته بالزواج، ومن سيرحل عن الحياة؟
لماذا أصر اللواء عبدالمجيد على بقائهم الأيام القليلة المقبلة بين أهاليهم قبل السفر إلى رفح؟ هل هي زيارة الوداع بالنسبة لهم؟ هل هو اللقاء الأخير؟ ماذا تخفي الأحداث يا ترى؟
موسي وصادق المحاميان يجلسان في ركن بعيد داخل النقابة، وأمامهما الشاي، وهما يتبادلان أطراف الحديث. وسعد قادم ناحيتهم وهو شاحب الوجه، فألقى بالحقيبة أمامهم وجلس دون أن يلقي السلام.
"جري إيه يا سعد، مالك على الصبح، خسرت القضية ولا إيه؟"
"قضية إيه يا موسي بس؟ هو الواحد فيه دماغ للقضايا أساساً."
"مفيكش دماغ إزاي، متهزرش ده انت واخد 5 مليون جنيه مقدم أتعاب في القضية دي."
"خايف يا صادق خايف، الحلم ده مش مفارقني، خايف يكون تفسيره في عيل من عيالي."
"يا دي النيلة عليك وعلى أحلامك، يا راجل حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده."
"يا جماعة افهموني أرجوكم، الحلم ده معايا في كل ليلة، وبقيت أشوفه في عيالي."
"تشوفه في عيالك إزاي يعني؟"
"مش الشيخ رفعت قال لي ممكن يكون مرتبط بعملية إرهابية في البلد."
"أيوة فعلاً قال لك كده."
"طب امبارح في مدرسة رائف ابني كان فيه اشتباه في جسم غريب، والبنت سمر بنتي عايزة تروح رحلة لسيناء، يعني واحد الإرهاب جاله لحد عنده، والتانية عايزة تروح للإرهاب برجليها."
"طب امنع البنت من رحلة سيناء يا س"
وجه صادق يتغير ويشحب قليلاً وينظر لسعد وهو يتصبب عرقاً. تذكر كلام الدكتور رفعت أن تفسير الرؤيا قد يتحقق في أحد أبناء سعد ويتعرض للقتل بأيادي الإرهاب.
"لازم تمنع البنت من الرحلة دي يا سعد، لازم تمنعها."
"مالك يا صادق حصل إيه؟!"
"إيه يا صادق بقيت كلك عرق كده ليه؟!"
"مفيش حاجة، بس الدنيا مشاكل في سيناء والبنت مينفعش تروح رحلة هناك دلوقتي."
"بس هي في جبل الطور وفي دير سانت كاترين، بعيد من الإرهاب يعني."
"والله لو هتروح شرم الشيخ، بلاش الرحلة دي."
"مالك يا صادق، حصل إيه فهمني، إيه قال لك الشيخ رفعت من ورايا؟"
"قال لي خليه ياخد باله من ولاده، يبعدهم من أماكن الخطر."
سعد يرفع حقيبته ويسرع الخطى ناحية سيارته وهو في قمة الانزعاج.
ركب السيارة وانطلق متجهاً إلى مدرسة رائف، قلبه ينبض بسرعة لم يعهدها من قبل، ووجهه يشحب خائفاً من المصير المجهول، وعيناه تدمعان لا تدري ما الذي ينتظرها.
لم يكن يتخيل يوماً أن يظل هكذا في مثل ذلك الموقف الذي يرى فيه الخطر قادماً صوب أولاده دون أن يعرف مصدره، ومن الهدف بين أولاده.
منذ أن ماتت زوجته، وهو يراها في راندا وعصام تارة، وفي سمر ورائف تارة أخرى. يرى فيهم الحياة التي تستحق أن يحياها، بل يرى فيه الرسالة التي يحيا لأجلها.
رواية نزيف الجدران الفصل الثامن 8 - بقلم سيد داود المطعنى
سعد ذلك الشخص الجسور الذي تهتز لصيحاته قاعات المحاكم، ويهابه الخصوم من زملائه، ويهوى العمل معه كل القضاة الذين يعرفونه أو سمعوا عنه.
سعد الذي لا يلين قلبه لإنسان مهما كانت درجة قرابته، أو صلابة شخصيته، أو حتى نفوذه.
سعد الذي لم يتجنب الحرام إلا خوفا على أولاده، ولم يحذر الظلم إلا خشية أن يصيبهم أذى.
كل تلك الصفات الصلبة تجعل من نفسها ثيابا يلبسه، وبالرغم من ذلك هو أضعف أهل الأرض أمام أولاده.
هو أكثر ولد آدم حنانا على راندا وأشقائها، وما جعل من قوته سوى سياج يستند عليه جميع أولاده، ومرآة تصور لهم الابتسامة فيروها فيبتسموا لها وتبتسم لهم الحياة.
لو عرف أن الخطر يقترب من رائف، لفتح صدره متلقيا سهامه حتى تبتعد الأخطار عن ولده، ثم يستدير إليه ضاحكا ليصنع له من بين أنياب المخاطر ابتسامة تبرز له جمال الدنيا بين أحضان أبيه.
وسمر..
سمر التي انكسر فؤادها بعد وفاة أمها، كانت الأم هي الأكثر حنانا عليها من أبيها الذي يقسو تارة، ويحن أخرى، وبين هذا وذاك كان يعاملها بدكتاتورية الأب الذي يغلب رأيه دائما حتى لو صاح في وجه سمر لتستجيب، بغض النظر عما تريد القيام به أو تحقيقه.
سمر التي جعلت سعد يبكي بشدة في الذكرى السنوية الأولى لوفاة أمها، يوم أن رأت الأمهات في المدرسة تحتضن بناتهن في حفلة تخرج المرحلة الإعدادية، ولم يكن بين الحضور سوى أبيها وأشقائها، ولا أم لها.
بكت سمر وقتذاك، حتى بكى سعد بين الحضور، ولم يستطع بكل ما أوتي من قوة أن يسيطر على دموعه، حتى اضطر لصعود منصة التتويج، ليوهم الناس أن دموعه هي دموع الفرح بابنته التي تخرجت الآن لتحقق له ذلك الحلم.
حتى أنه استغل براعته في المرافعات الشفوية، ليبث السرور على ابنته حينها، وأجلس سمر بين المسئولين على المنصة وكأنها قاضي المحكمة، وأخذ يتلو عليها مرافعة ساخرة، يطلب منها إصدار الحكم بحقه في احتضانها بين الناس، وأن يمسك بشهادة التقدير للحظات.
فضحكت سمر، وضحك الحضور وضحك المسئولون وهم يصفقون لسعد.
وعانقها سعد عناقا طويلا، لترتشف من دفء قلبه رشفات الحنان التي ظنت أنها فقدتها بوفاة أمها.
عانقها سعد ليبث له رسائل الطمأنينة أن الأب الذي كان قاسيا بالأمس لم يعد سوى إنسانا يملأ الحنان قلبه، وما قسى من قبل إلا اعتمادا على بئر الحنان التي كانت تخفف عن أولاده عواقب قسوته.
أما اليوم وقد ماتت زوجته، فلن يجدوا على تلك الأرض إنسانا أحن عليهن من أبيهن.
أسرع سعد بسيارته وكأنه شابا غير مسئول عن تصرفاته، كمن لا يبالي بآداب القيادة، وهو يتخذ من السرعة الجنونية وسيلة للحاق بمدرسة رائف.
وكأن الإرهاب يقف بالمرصاد خلف الفصل الذي يتلقى فيه رائف دروسه، ليطلق عليه وابلا من الرصاص الحي في صدره وحده.
هكذا حال الآباء حينما يستشعرون أن خطرا ما يهدد أبنائهم ..
ترى الأب يشك أن قطرات المطر التي تهبط من السماء تحمل الخير لكل الدنيا، وتحمل لولده الهلاك المبين، فيحيطه بذراعيه وينحني عليه بظهره حتى لا تبتل ثيابه بتلك القطرات.
وصل سعد إلى المدرسة، ودخل إلى مكتب المدير وهو ينصبب عرقا، وطلب منه التصريح بإجازة مفتوحة لابنه رائف، لا يطلب بعدها للحضور إلى المدرسة أبدا.
المدير: ايه سبب الإذن ده؟
سعد: سبب خاص بيا ويخص ابني.
المدير: بس احنا من حقنا نعرفه.
سعد: سبب فيه حرج شديد ومش هينفع أذكره.
المدير: بس ده مسئولية يا أستاذ سعد، ولازم أعرف السبب.
سعد: أنا مش بطلب إجازة مدفوعة الأجر لمدرس عندك يا حضرة المدير، أنا بطلب تصريح غياب مفتوح لإبني ميتعرضش للفصل بعده، وأنا هكتب تعهد إني مسئول عن أي تراجع في مستواه، لأني مش هتخلى عن تعليمه في البيت وتعويضه عن المدرسة.
المدير: بس انا مش هقدر أكتب لك تصريح زي ده.
سعد: يبقى هتضطرني أجرجر حضرتك للمحكمة ونعيش مع بعض شوية، وأخليك تستلم كل يوم إعلان من محكمة شكل، واتهامات عمرك ما كنت تتوقعها، وان سألت عني في المحاكم هتلاقي أي خصم ليا بيكون مدان، سواء الخصم ده مجني أو مجني عليه.
المدير: بس ده تهديد!
سعد: تهديد ايه يا مدير .. هو انا رفعت عليك السلاح .. أنا بقول لك هستخدم ضدك القانون، وعمر التهويش بالقانون ما كان تهديد.
المدير: أنا معنديش مانع أكتب تصريح لابنك يغيب زي ما هو عايز، و ده لسبب واحد هو إني متعاطف معاك، ومش عايز أكون سبب ضرر لابنك في حاجة مجهولة أنا مش عارفها.
سعد: يبقى شكرا لتواضعك وتعاطفك وتعاونك .. يا ريت تسلمني التصريح وكمان تسلمني رائف ابني.
شرع المدير في كتابة التصريح، واستدعى الطالب رائف سعد الدين، وسلمه لوالده الذي عاد به مسرعا في سيارته.
رائف: هو في ايه يا بابا, ليه أخدت لي اذن مفتوح من المدرسة؟
سعد: هجيب لك مدرسين يذاكرولك في البيت, مش هتروح المدرسة تاني.
رائف: ليه يا بابا؟
سعد: علشان القنبلة اللي لقيوها امبارح دي.
رائف: بس دي مطلعتش قنبلة يا بابا.
سعد: عارف , بس معرفوش مين اللي رماها.
رائف: ما هم عرفوا النهاردة يا بابا.
سعد: عرفوا ايه؟
رائف: ده كيس مسامير بتاع الناس اللي جات زينت المدرسة في الحفلة الأخيرة, وواحد منهم ركن الكيس ورا أوضة الموسيقي ونسي ياخده, راح قابل عم ابراهيم الفراش امبارح وقال له, ان الكيس بتاعهم.
سعد: مليش دعوي, بردو مش هتروح المدرسة لحد الامتحانات, لما نشوف الموضوع ده آخرته ايه.
رائف: مش مهم المدرسة, أنا كده كده مخنوق منها.
رواية نزيف الجدران الفصل التاسع 9 - بقلم سيد داود المطعنى
خرجت راندا من الجامعة و هي تبحث عن زياد لتخبره رأي والدها.
بعد الفضفضة، رأت زياد قادمًا من بعيد ناحيتها، يبحث عنها هو الآخر.
"زياد عايز أقولك على حاجة."
"وأنا عايز أقولك على حاجة كمان."
"بس أنا عايزة أقولك حاجة مهمة جدًا يا زياد."
"أنا جايب لك خبر هايل، ولازم أقوله لك."
"خبر إيه ده يا زياد؟!"
"أنا امبارح حكيت لبابا عن موضوعنا، وسألني هي بنت مين؟ قلت له إنك بنت المحامي الكبير سعد الباهي. راح فرح جدًا وأخدني بالحضن وقال لي: ده محامي العيلة من زمان."
كادت راندا أن تطير من السعادة وهي تسمع منه تلك الكلمات، وكأن العقبات قد أُزيلت من أمامها، وأن ما خاف منه والدها قد ذاب مع فضفضة زياد لوالده.
"وقلت له إيه بعدها يا زياد؟"
"قلت له عايز أخطبها في أقرب وقت، وبعد التخرج نتجوز."
"واتفق؟"
"ده رحب جدًا بالموضوع، وقال لي: أكيد سعد هيفرح جدًا جدًا بالموضوع ده."
"أنا حكيت لبابا امبارح عنك، بس معرفتش أقول له مين أو ابن مين."
"بابا هيكلمه وهتشوفي وهنيجي نزوركم إن شاء الله."
"أحلى خبر سمعته في حياتي، ده أنا كنت مترددة موت أكلمك في الموضوع ده إزاي. واضح إننا مكتوب لنا نمشي في طريق سهل مفيهوش كلاكيع من بتاعت السينما."
ضحكت راندا حتى بدت نواجزها، وابتسم قلبها قبل أن تنفرج الابتسامة على شفتيها.
راندا هي زوجة سعد وأخته وابنته وصاحبته التي كبرت فجأة لتحمل عنه كل همومه. هي تلك القطعة التي يخشى عليها غبار الحياة، يحبها لأسباب لا حصر لها، ولأنه رجل ذو خبرة بالحياة، يعرف جيدًا أنها رومانسية بالفطرة، تخضع لعاطفتها حتى ترفض السير وراء عقلها.
فاتفق معها على إخباره بحالتها العاطفية مرارًا وتكرارًا، ولأنها لم تكن أسيرة الحب وقتها، كانت تخاطب أباها بقوة عقلها وهي تنفي وجود العشق في حياتها.
وعندما شعرت بمتابعة زياد لها، لم تكن تحبه، ولا حاجة لأن تخبر أباها بأمر عابر مثل تلك المتابعة من شاب ذي خلق رفيع من بين شباب دفعتها.
وعندما اقترب منها سعد يعرض عليها المساعدة، لم تكن في حاجة لأن تخبر أباها بأن زميلًا لها ساعدها في أمر ما.
وعندما تطور الأمر ليصبح صداقة وطيدة، لم ترَ أن الصداقة شيئًا يخيف أباها فتخبره به.
حتى أشار لها بالحب، وأخبرها بوضع أسرته المالي، وعمله معهم وقدرته على الزواج بعد التخرج، ووجدت نفسها تستجيب لذلك الحب، بل تبادله نفس الشعور، لم تجد أنه من الأهمية بمكان أن تخبر أباها بما آلت إليه حياتها وقد سقطت في الحب دون أن تدري.
لم تكن تعلم راندا أن أباها يهتم بأدق التفاصيل في حياتها، حتى لو كانت تحمل بداخلها شعورًا لزياد من طرفها فقط، دون أن يدري هو الآخر بما تكن له.
ولولا خبرة أبيها وفراسته، لما قرأ في عينيها ذلك التغير العاطفي الذي طرأ عليها.
راندا التي كانت تظن أنها لن تحب رجلًا في حياتها كما تحب أباها، وجدت نفسها تخفي عن أبيها أن شابًا تربع في قلبها على حين غفلة من عقلها، فملك عليها روحها ونفسها، وأضحى الضيف الدائم على أحلامها.
وها هي الآن تعد الساعات المتبقية على انتهاء دراستها في الجامعة، كي ترتبط بالشاب الذي اختاره القلب، ورضي عنه العقل، ولن يرفضه أبوها بعد ما يعرف من هو ومن أسرته.
طارت سعد عائدة إلى البيت لتزف لأبيها البشرى التي أثلجت صدرها بعد أن وقعت على مسامعها، وتبين لها أن زياد صادق فيما يقول وقد أخبر والده قبل أن تطلب منه راندا.
دخل عصام البيت واستقبله سعد بالأحضان فرحًا وسرورًا بعودته، لا يعلم أنه قادم لإعداد نفسه للذهاب إلى هناك، إلى رفح، إلى مسرح الأحداث، إلى ما يترقبه سعد خائفًا، إلى مواجهة الإرهاب.
سعد الذي عاش السنين الماضية سعيدًا فخورًا بالتحاق ولده بالكلية الحربية، وعمله ضابطًا بالجيش المصري، بل يسعد بنجاحاته المتكررة ويحتفل بكل ترقية يحصل عليها من قياداتها.
لم يكن سعد ليخشى على عصام الذي أثبت جدارته في منطقة التل الكبير بالإسماعيلية، وأصبح قريبًا من القاهرة حيث أبيه وأشقائه.
سعد الذي ينتظر منذ سنين أن يعلن له عصام عن نيته بإتمام الزفاف من خطيبته، كي يرى بعينيه أحفاده من ولده الأكبر.
سعد الذي يخطط لمستقبل عصام، يرسم السبل إلى تأمينه ليرقى رقيا ليس لها مكان إلا في خيال أبيه.
سعد ينتظر الآن الخبر الذي لم يكن يتوقعه في حياته أبدًا، ومتى يتلقى ذلك الخبر المقلق؟ بعد ما رأى رؤيته بهلاك أحد أبنائه.
"حمد لله على السلامة يا عصام يا ابني نورت البيت."
"الله يسلمك يا بابا."
"إيه الإجازة المفاجأة دي؟"
"دي مش إجازة يا بابا."
"أومال إيه؟ زيارة ولا مأمورية؟!"
"أنا نزلت يومين كده قبل ما أسافر رفح."
"رفح!! انت رايح سيناء يا عصام؟"
"في إشارة جات من القيادة العامة بترشيح عدد من الظباط للالتحاق بعمليات مكافحة الإرهاب في رفح، فترة مؤقتة كده وهنرجع."
"وانت وافقت؟"
"مفيش حاجة اسمها وافقت يا بابا، دي أوامر لازم تتنفذ، وفي واجب لازم نقوم بيه."
"بس أنا مش موافق على نقلك رفح يا عصام."
"مش موافق إزاي يا بابا؟ ده مش بإرادتنا."
"لو هيجبروك على السفر لرفح يا عصام قدم استقالتك، وأنا أجيب لك شغل في أفخم مكان."
"أستقيل؟ أستقيل إزاي يا بابا؟ وليه؟"
"علشان تبقى في الأمان. انت مش عارف هيحصل لك إيه لو سافرت هناك؟"
"بس أنا عارف إني هتعرض لأي حادث في أي لحظة من يوم ما دخلت الجيش، وحضرتك عارف كده."
"يبقى تسيب الجيش وأنا هتصرف لك في الشغل ومتقلقش."
"مش حكاية شغل يا بابا، بس أنا مش هسامح نفسي طول حياتي لو هربت من المسؤولية في وقت عصيب زي ده."
"ده ما اسمهوش هروب من المسؤولية يا عصام، ده حفاظًا على الحياة، انت متعرفش إيه اللي مستخبي لك في رفح، الناس بتتهاجم في الأكمنة، وفي الوحدات."
"علشان كده لازم نروح نساند زمايلنا في تطهير سيناء من العناصر المجرمة دي يا بابا."
"وأنا قلت مش هتسافر رفح يا عصام."
نهض سعد من مكانه وهو يتوقد شررًا، وترك عصام حائرًا لا يعرف كيف يرضي والده ويدخل الطمأنينة إلى قلبه، دون أن يتخلى عن شرف مهنته، دون أن يهرب من المسؤولية التي أُلقيت على عاتقه، دون أن يترك واجبه المنوط.
رواية نزيف الجدران الفصل العاشر 10 - بقلم سيد داود المطعنى
نادى سعد على سمر، وانفرد بها في غرفة مكتبه ليخبرها بقراره الأخير حول الرحلة، وكانت تنتظره بشغف ولكنها تخشى الحديث إليه في ذلك الوقت وهي تراه خائفا يترقب الحادث المجهول.
سعد: أنا مش موافق ع الرحلة يا سمر.
سمر: ليه كده يا بابا؟
سعد: لأن سيناء منطقة محفوفة بالمخاطر يا سمر، انتي عارفة يا بابا إن الإرهاب شادد حيله هناك الفترة دي.
سمر: بس الإرهاب في رفح والعريش يا بابا، في شمال سيناء، مش في جنوب سيناء خالص.
سعد: سيناء كلها خطر يا سمر.
سمر: بس الفصل كله رايح يا بابا.
غضب سعد وثار، وأخذ يضرب بيده على المكتب وهو يرتعد ووجهه شاحب.
سعد: هو ده اللي أنا كنت خايف منه، أيوة هو.. هو ده تفسير الحلم.
سمر: حلم إيه يا بابا؟ مش فاهمة حاجة على فكرة.
سعد: الأحلام اللي بتجيني ليها كام يوم، إن حد في أولادي هيموت، أيوة ده تفسيره.
سمر: بجد مش فاهمة حضرتك.
سعد: أنا رحت لواحد شيخ يا سمر، وقال لي إن في حد في أولادك هيموت في عمل إرهابي، واهو الحلم بدأ يتفسر، لو رحتي جنوب سيناء هيحصل عمل إرهابي وهيصيبك مكروه يا سمر.
سمر تحزن لما تسمع.
سمر: وحضرتك تصدق إن الشيخ بيتدخل في علم ربنا.
سعد: الراجل مقالش الكلام ده بالظبط يا سمر، بس بجد يا بابا كل الأحلام دي معناها إن حد في ولادي هيتعرض لخطر شديد، وأنا مش هسمح لك تروحي للإرهاب برجلك، مستحيل يحصل مستحيل.
سمر: حرام عليك يا بابا، الفصل كله هيروح، كل صاحباتي فرحانين، وأهلهم سمحولهم بالرحلة، اشمعن أنا.. اشمعن أنا.
سعد: لأني شفت الخطر بعيني في الحلم يا سمر، مش هسيبك تضيعي مني.
سمر تنفجر في البكاء وتقف.
تستعد للخروج وهي تتكلم.
سمر: كنت حاسة إنك هترفض، من يوم ما ماتت ماما الله يرحمها، وحضرتك مش بتهتم غير براندا وبس، وكإني مش بنتك.
سعد: إيه يا بنت الكلام ده؟
سمر: دي الحقيقة يا بابا، لو راندا هي اللي عايزة تروح الرحلة كنت هتخليها تروح، بعد إذن حضرتك.
خرجت سمر من غرفة المكتب مسرعة تبكي، وخرج أبوها خلفها يحاول إيقافها.
سعد: سمر سمر سمر.. وقفي يا بابا.. يا سمر.
أغلقت سمر غرفتها، لتنفرد بأحزانها، تعيد ذكرى وفاة أمها، تبكي بحرقة لأنها الطالبة الوحيدة التي ستتخلف عن رحلة طور سيناء. هي تتمنى بداخلها أن تذهب إلى هناك، لتشارك الأصدقاء متعة السفر ومشاهدة تلك الأماكن التاريخية، لكن والدها يرفض بشدة.
لم يمنع الباب المغلق شيطانها من الدخول إليها، والجلوس يسار أذنها، يخبرها أن سعد يكرهها قبل وفاة أمها وبعد الوفاة.
يعرض عليها تلك المشاهد التي مرت عندما ضحك سعد لابنته راندا ولم يبتسم لسمر، واطرائه الدائم على راندا وتجاهله سمر.
عرض الشيطان في جلسته على سمر تلك اللحظة التي طلبت فيها راندا الإذن للخروج إلى حفل عيد ميلاد صديقتها، فرافقها بسيارتها لشراء الهدية، ثم عاد معها للمنزل لتنتظر ساعة حتى الخروج، وعاد يرافقها بسيارته حتى عيد ميلاد رغم انشغاله بمراجعة أعماله.
انتفخت أوداج سمر، وقررت الانتحار، فلا طاقة لها بالحياة مع أب يكرهها، يمنعها من كل ما تحب، ويفضل شقيقتها عليها.
ظل سعد يطرق الباب، وينادي على سمر، علها تفتح له حتى بكى.
ما تلك الرؤية الليلية التي قلبت حياة سعد رأسا على عقب؟ حتى وأصبح يخشي على أولاده الخروج من البيت، يخشي عليهم الخروج إلى المدارس والرحلات، حتى الابن الأكبر والذي فرح بتخرجه في الكلية الحربية منذ سنوات، يطلب منه الآن أن يرفض قرار نقله من التل الكبير بالإسماعيلية إلى رفح بسيناء.
ما تلك الرؤية التي جعلت ابنته على شفا حفرة من الانتحار؟ بل جعلته يبكي بكاء الرضيع على فقد أمه؟
فتحت سمر الباب بعد معاناة من المناداة.. ودخل سعد على ابنته رغم غضبه الشديد من مباغتة عصام له بقرار نقله إلى رفح، ورغم كل ما ألم به من هموم جراء ذلك الحلم المريب.. إلا أنه لا ينسى سمر الحزينة في غرفتها.
تقدم سعد ناحيتها بخطوات رقيقة ثابتة، ينظر إليها بعين ممتلئة بحنان الدنيا، وربت على كتفها بكفته اليمنى المحاطة بالرفق والعناية الأبوية المشفقة على الأقرب رحماً. وجلس بجوارها بالقرب من أذنها اليمنى، حتى فر الشيطان هارباً من الجهة اليسرى، وعادت سمر لاتزانها بعيداً عن كل تلك الهواجس الشيطانية التي كانت تخضع لها منذ قليل.
سعد: مالك حبيب بابا؟
سمر: مليش يا بابا.
سعد: انتي زعلانة مني؟
سمر: لا أبداً يا بابا، أنا عمري ما أزعل من حضرتك.
سعد: بس انتي زعلانة علشان أنا رفضت إنك تروحي جبل الطور.
سمر: حضرتك مش متخيل يا بابا أنا نفسي أروح هناك قد إيه.
سعد: بابا.. أنا هسألك سؤال وانتي صاحبة القرار.
سمر: سؤال إيه؟
سعد: لو في المدرسة اشترطوا عليكي إنك تحطي بابا جوة الفرن في البيت مقابل إنك تروحي الرحلة، وهيخلوكي تستمتعي أسبوع كامل في الرحلة، بس بشرط إن بابا يتلسوع على مدار الأسبوع ده في البيت، هل هتوافقي يا سمر تحطيني في الفرن؟
سمر: مستحيل طبعاً يا بابا، في داهية الرحلة، سلامتك عندي بالدنيا.
سعد: والله يا سمر لو رحتي طور سيناء، هتسيبيني هنا في نار لحد ما تيجي، لا هعرف أنام ولا أشتغل ولا آكل ولا أشرب، وهصحي على كوابيس، ومش بعيد تلاقيني هناك ماشي وراكي بعربيتي أحرسك.
سمر: يا لهوي يا بابا، وليه كل ده.
سعد: يا بنتي أنا شفت حلم من يومين هيموتني، تفسيره إن فينا حد هيتعرض للقتل في عملية إرهابية، وتاني يوم انتي طلبتي تروحي سيناء، وأخوكي الصغير شاف حالة اشتباه في قنبلة، وأخوكي الكبير دلوقتي جاي يقول لي إنه رايح رفح علشان مكافحة الإرهاب، يعني الخطر بيقرب مني يا سمر، نفسي أطمن عليكم يا بنتي، هموت من الرعب والله.
سمر: أطمن يا بابا، مش عايزاها رحلة سيناء دي.
سعد: لازم تقوليها عن رضا يا بابا وإنتي مقتنعة.
سمر: مقتنعة يا بابا، حضرتك عندي بالدنيا.
سعد: وأنا أوعدك إننا نروح رحلة مع بعض في الإجازة ولازم تكون أحسن من بتاعت المدرسة.
سمر: ربنا يخليك ليا يا بابا.
احتضن سعد ابنته بعينين دامعتين، ورأسه تفكر في زوجته، التي رحلت لتتركه وحيداً يعاني الخوف على الأولاد، يشعر بالعجز عن حمايتهم، تطارده الأحلام، وترهقه الحقائق، ويترقب المجهول، ويخشي مصيبة قادمة، ولا يعرف مصدرها حتى يعد لها عدتها.
خرج سعد هادئ النفس، تاركاً سمر أفضل مما كانت، تسأل نفسها عما جال بخاطرها منذ قليل، كيف استطاعت أن تتصور للحظة واحدة أن سعد يكرهها؟ ويفضل إخوتها عليها؟
لا بد أن نعي جيداً أن ما يجول بخاطرنا لحظات الغضب.. يتلاشى تماماً عند عودتنا للصواب، وما هو إلا هواجس، حتى لا نلقي بأرواحنا في حفر الهلاك ونحن مسلوبي الإدارة.