تحميل رواية «نوح و الامانة» PDF
بقلم وردة وسط اشواك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء المتوسطة بالقاهرة، وفي العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم، والذي يفرض جوًا من الروحانيات الجميلة، كانت هناك فتاة منتقبة تسير باتجاه منزلها باعتدال، وهي منكّسة رأسها وكأنها تحصي خطواتها، حتى وصلت إلى بنايتها وصعدت حتى وصلت إلى إحدى الشقق وأخرجت مفتاحها ودلفت إلى الداخل وهي تقول: "السلام عليكم، أنا جيت يا مراة عمي." لكنها لم تسمع سوى صوت خرفشة يصدر من صالة الشقة، وعندما تقدمت للداخل وجدت زوجة عمها، التي تعدت الخمسين من عمرها، تنحني أرضًا وهي تمسك بفرشاة وتقوم بحك سجادة ضخمة مليئة بال...
رواية نوح و الامانة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم وردة وسط اشواك
بعد انتهاء الحفل اصطحب كل عريس عروسه إلى سهرة خاصة.
عند خديجة وأسامة
أسامة: مبروك يا ديجا، أخيراً بقيتي بتاعتي.
خديجة بخجل: الله يبارك فيك.
أسامة: مش عاوزة تقوليلي حاجة؟
خديجة: حاجة زي إيه؟
أسامة: أي حاجة تبلي بيها ريقي يا حبيبتي، يعني مثلاً بحبك، بعشقك، إنت عمري… كده يعني.
خديجة بخجل: إنت عارف إني مش هعرف أقول الكلام ده.
أسامة: ليه يا حبيبتي؟ ده أنا حتى زي جوزك.
خديجة: أديك قلتها... زي جوزي، لما تبقى جوزي بجد، ابقى أقولك اللي إنت عاوزه كله.
أسامة بصدمة: يا سنة سوخة يا أولاد، أومال إحنا إيه يا حبيبتي؟
خديجة: بس بقى يا أسامة، ماتكسفنيش، وبعدين مش إنت عازمني على العشا؟ فين بقى العشا ده؟
أسامة وهو يرفع يديه للسماء: أشكو إليك.
خديجة بشهقة: إنت بتدعي عليا ليلة كتب كتابنا يا أسامة؟
أسامة بقلة حيلة: أبداً يا حبيبتي، وأنا أقدر، ده أنا بشتكي إن الأكل اتأخر.
عند حاتم ونيللي
حاتم: مبسوطة؟
تومئ نيللي رأسها بابتسامة خجولة.
حاتم: تعرفي، حاسس إن قلبي هيطلع من جوه صدري.
نيللي: اشمعنى؟
حاتم: من السعادة، أنا لحد دلوقتي مش قادر أستوعب إننا فعلاً كتبنا الكتاب.
نيللي: أومال أنا بقى أقول إيه، حاسة إني بحلم.
حاتم: صدقتيني يا نيللي؟
نيللي بفضول: صدقتك في إيه؟
حاتم: إني بجد بحبك.
لتتورد نيللي خجلاً وهي تومئ برأسها.
حاتم: طب وإنتي؟
نيللي: أنا إيه؟
حاتم: ياترى بتحبيني زي ما بحبك؟
نيللي: عاوزة أقولك على حاجة بس مكسوفة.
ليمد حاتم كفه ليضغط على كف يدها قائلاً: حبيبتي، أنا بقيت جوزك، يعني المفروض ماتخجليش مني أبداً، قولي كل اللي إنتي عايزاه.
نيللي: كل اللي أقدر أقوله لك دلوقتي إني أتمنى يكون حبك ليا قد حبي ليك.
حاتم بدهشة: إنتي معتقدة إن حبي ليكي أقل من حبك ليا؟ طب إزاي؟ ده أنا من ساعة ما شفتك وأنا هتجنن عليك.
نيللي بابتسامة: من إمتى يا حاتم؟ شهر مثلاً.
حاتم: تقريباً.
نيللي: بس أنا من زمان أوي.
حاتم باستغراب: إزاي يعني مش فاهم؟
نيللي: أنا عمري ما حبيت ولا اتمنيت غيرك، بس كنت دايماً بستخبى منك عشان كنت دايماً بتتريق على شكلي وقت ما كنت بتعالج، وده كان بيجرحني وبيوجعني أوي. كنت برفض أجتمع معاك في أي مكان، لكن كنت بـ أراقبك من بعيد من غير ما تشوفني، كنت بخاف أسمع منك كلمة تجرحني.
حاتم وهو يتذكر ما كان منه في صغرهما: سامحيني، بس ما كنتش ببقى قاصد أضايقك، كنت عيل. ثم قال بمرح: ثم هو في حد ياخد على كلام العيال؟ أوعدك إني أعوضك عن كل ده وإني عمري ما أجرحك أبداً ولا أزعلك.
عند نوح وأمانة
نوح: أنا جبتك المطعم ده عشان الخصوصية اللي فيه، وطلبت منهم يقدموا لنا الأكل بنت مش ولد عشان تقعدي براحتك وترفعي النقاب.
أمانة والخجل يطغى على نبرة صوتها: بس أنا كده مستريحة أكتر.
نوح: بس أنا مش مستريح، أنا عاوز أشوفك يا أمانة… ارفعي النقاب.
لترفع أمانة النقاب من على وجهها بخجل شديد. وما أن نزعته عن وجهها حتى قال نوح: بسم الله ما شاء الله تبارك الله، ما أبهاكي يا أمانة.
لتخفض أمانة وجهها في حياء، ولكن نوح لم يتح لها الفرصة، فمد أنامله ليرفع وجهها إليه مرة أخرى قائلاً: ماتحرمنيش من عينيكي بسرعة كده.
لتزدرد أمانة لعابها بصعوبة شديدة وهي تقول متلعثمة لتغيير الحديث: ماما قالتلي إني ماينفعش أقعد في شقتي تاني.
نوح باستغراب: وليه بقى؟
أمانة بلجلجة: يعني… قالتلي إن الوضع مش هيبقى مناسب بما إن كل واحد فينا عايش لوحده، فقالت لي إني أروح أقعد معاهم لغاية ما نحدد معاد للجواز.
نوح باستياء: بس أنا اتعودت إنك جنبي، تقومِ لما تبقي مراتي تبعدي عني؟
أمانة: معلش يا نوح، إنت عارف العادات والتقاليد، والصراحة أنا مقتنعة بوجهة نظر ماما، وبعدين هما كام يوم ومسافرين.
نوح باستسلام: عندك حق، بس هتوحشيني.
أمانة بخجل: إحنا هنبقى مع بعض طول اليوم في الشغل.
نوح: برضه هتوحشيني.
لتبتسم أمانة وتقول بخفوت: وإنت كمان.
نوح بخفوت مماثل: أنا كمان إيه؟
لتصمت أمانة وهي تحاول التلفت بعيداً عن عينيه.
ليقول نوح: لو كانت موجودة معانا كان زمانها هتبقى مبسوطة، مش كده؟
لتنظر له أمانة وقد داعبت الدموع عينيها عند تذكرها لنعمة، وقالت: أكيد روحها حاسة بينا.
نوح: كانت بتحبك ومتعلقة بيكي.
أمانة: وكنت بحبها وروحي فيها.
نوح: وصتني عليكي قبل ما أسافر.
أمانة برعشة بكاء في صوتها: ووصتني عليك قبل ما تموت.
نوح: وصتك عليا، قالتلك إيه؟
أمانة: وصتني أفضل جنبك وما أسيبكش، وإنت… وصيتك عليا، قالتلك إيه؟
نوح: وصتني على أمانة أبويا وعمي وأمانتها من بعدهم.
أمانة: طول عمري كنت أمانته.
نوح: وبقيتي أمانتي أنا، أمانة نوح وبس.
في فيلا عامر
بعد انصراف الجميع، كان عامر متجهاً بصحبة زوجته إلى الأعلى حين سمعا أيمن ينادي عليهم قائلاً: إنتو هتناموا ولا إيه؟
هدى: آه يا ابني، أنا تعبت جداً النهاردة ومحتاجة أستريح شوية.
عامر: عقبالك يا أيمن.
أيمن: ربنا يباركلي فيكم يا رب، بس كنت محتاج أتكلم معاكم في موضوع.
هدى: والموضوع ده ما يتأجلش لبكرة يا أيمن؟
أيمن: خلاص يا ماما، مش مشكلة، اتفضلوا اطلعوا استريحوا ونتكلم في أي وقت تاني.
ليتبادل عامر النظرات مع هدى، ثم سحبها من يدها ليجلسها على الأريكة وجلس بجوارها وقال: لا يا حبيبي، إحنا أهو سامعينك، قول عاوز تتكلم في إيه.
ليجلس أيمن قبالتهم ثم قال: أنا عارف إني لسه قدامي سنة على ما أتخرج، بس إنتو عارفين إني هاخد الشهادة لمجرد الشكل الاجتماعي. أنا المشروع بتاعي الحمد لله بيكسب كويس جداً، وطبعاً إنتو عارفين إني غيرت عربيتي السنة اللي فاتت على حسابي الشخصي، وماباخدش مصروف من حضرتك ومابسحبش فلوس من الفيزا اللي حضرتك عاملهالي، ورغم ذلك معايا مية ألف جنيه في حسابي الشخصي.
عامر: أنا دايماً بقول إني فخور بيك يا أيمن وعارف إنك راجل ويعتمد عليك، رغم إني نفسي تشتغل معايا وتشيل عني لأن عارف إنك قدها وقدود، بس سايبك إنت تاخد القرار ده بنفسك وقت ما تحب.
أيمن: طب الحمد لله إن ده رأي حضرتك فيا، لأني عاوز أطلب منكم طلب.
هدى: أنا برضه قلت المقدمة دي كلها وراها إن…
عامر بابتسامة: اطلب يا حبيبي، عاوز إيه؟
أيمن: عاوز أتجوز.
عامر: ده يوم المنى يا ابني.
هدى: وحاطط عينك على مين؟
أيمن بهدوء شديد وهو ينتظر رد فعلهم: نيرة بنت عمتي.
لتنتفض هدى من مكانها قائلة: نيرة! دي أكبر منك بخمس سنين!
أيمن بهدوء: أكيد، أنا عارف الكلام ده يا ماما، بس أنا بحبها وجداً كمان ومتمسك بيها لآخر نفس في عمري.
هدى: يا ابني، في حاجة اسمها تناسب بين الزوجين، ماينفعش الست تبقى أكبر من جوزها.
أيمن: وليه ماينفعش؟
هدى: هو كده، العادات والتقاليد والناس.
أيمن: أنا ماليش دعوة بكل دول يا ماما، أنا مش هتجوز العادات والتقاليد ولا هتجوز الناس، أنا هتجوز الإنسانة اللي عمري ما حبيت ولا قلبي دق لغيره.
لتنظر هدى إلى عامر الذي يلتزم الصمت التام، فتقول: ماتتكلم يا عامر، إنت ساكت ليه؟
عامر: هقول إيه؟
هدى: تقول إيه! تقول رأيك.
عامر بتنهيدة: اسمع يا أيمن، نيرة إنسانة ممتازة، متدينة ومهذبة ومحترمة، وفوق ده كله بنت أختي، يعني بنتي. وكل اللي أقدر أقوله لك إن لو حبك ليها مش كفاية إنه يتغاضى عن فرق السن ده، ابعد عنها عشانها وعشانك وعشان أختك.
أيمن: ومالها أختي بالموضوع ده يا بابا؟
عامر: جوزها يبقى أخو نيرة، اللي لو جرحتها في يوم بسبب فرق السن ده، ممكن علاقة أختك بجوزها تتأثر.
أيمن: ولو قلت لحضرتك إن ده عمره ما هيحصل لأني بحبها من زمان أوي، واللي خلاني ما أفتحكمش قبل كده إني طول السنين دي وأنا بحاول أقنعها وما كنتش عارف.
هدى بسخرية: وإيه بقى؟ اقتنعت دلوقتي؟
أيمن: النهاردة بس أخدت موافقتها، وأحب أقول لكم إنها كمان بتبادلني نفس مشاعري، بس خوفها من ردود أفعال الكبار هو اللي كان مانعها إنها تجربني من زمان.
هدى بغضب: يعني إيه؟ وافقت إنك تتقدملها رسمي؟
أيمن: أيوة.
هدى: ولو قلتلك إني مش موافقة، هتعمل إيه؟
ليقف أيمن أمام هدى ثم احتضنها وقبل رأسها ثم قال: لو حضرتك اعترضتي، هقدم طلب في الجامعة إني أكمل دراستي في أمريكا وهطلب من نيرة إنها تسافر معايا ونتجوز هناك. ولو ما وافقتش عشان ماحدش يزعل منها وده شيء متوقع بنسبة كبيرة، هسافر لوحدي بس عمري ما هرجع هنا تاني.
هدى بغضب: إنت بتهددنا، بتلوي دراعنا.
عامر بحزم: بس يا هدى، الأمور دي ما بتتاخدش بالشكل ده.
هدى: أومال بتتاخد إزاي يا عامر؟
أيمن وهو مازال محافظاً على هدوئه: يا ماما لو سمحتي، أنا لا بهددكم ولا بلوي دراعكم، أنا كل الحكاية إني بوضح لكم البدائل اللي قدامي في حالة رفضكم.
ثم اتجه مرة أخرى لاحتضان هدى وتقبيل رأسها وقام بالمثل مع عامر ثم قال: أنا هسيبكم تفكروا لغاية يوم الأحد إن شاء الله وتردوا عليا. لو وافقتوا زي ما بتمنى... حضرتك يا بابا تكلم جوز عمتي وتحدد معاه معاد الخطوبة وكتب الكتاب. ولو ماما صممت على رأيها، هبتدي إجراءات السفر من تاني يوم على طول. تصبحوا على خير.
ليتركهم أيمن متجهاً إلى الأعلى وهو متأكد من نتيجة حواره أنها ستكون لصالحه دون أدنى شك.
هدى: هنعمل إيه يا عامر؟ أيمن عندي، ولما بيصمم على حاجة مابيتنازلش عنها أبداً.
عامر: إنتي إيه اعتراضك على نيرة غير سنها؟
هدى: وهو فرق السن ده شوية؟
عامر: بغض النظر دلوقتي عن إنه شوية أو كتير، إنتي ليكي أي ملاحظات على نيرة تخليكي تعترضي على جوازها غير السنة؟
هدى: بصراحة لا.. نيرة متربية مع ولادي، وطول عمري بحبها وتفكيرها بيعجبني.
عامر: طب يبقى إيه المانع بقى طالما بيحبوا بعض؟
هدى: وفرق السن.
عامر: أنا مش شايف إنها قصة، ثم إن السيدة خديجة كانت أكبر من الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا متفقين جداً وبيحبوا بعض جداً.
هدى: عليه أفضل الصلاة والسلام.
عامر: عاوزك تشيلي موضوع السن ده من دماغك وتفكري في البنت بعيداً عن سنها، وادعي ربنا يقدم لهم الخير سواء كانوا من نصيب بعض أو لا.
بغرفة أيمن
كان قد غير ملابسه استعداداً للنوم عندما سمع طرقاً على الباب.
أيمن: اتفضل.
لتدخل هدى وهي مازالت بملابس الحفل وقالت: إنت هتنام على طول كده؟
أيمن: الحقيقة هلكان، ما إنتي عارفة ولادك سحلوني معاهم النهاردة.
هدى: قبل ما تنام اتوضى وصلي ركعتين استخارة في موضوعك، والكلام ده يتكرر تاني بكرة وبعد بكرة إن شاء الله. وبعد تلات أيام إن شاء الله نبقى نشوف نتيجة صلاتك إيه.
ليقول أيمن بابتسامة: أفهم من كده إنك موافقة مبدئياً؟
هدى: اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
رواية نوح و الامانة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم وردة وسط اشواك
فى أحد النوادى الاجتماعية الشهيرة يجلس كل من أيمن ونيرة متقابلين. يبدو على نيرة التوتر الشديد وهى تقول:
"انت بتتكلم جد يا أيمن؟ انت فاتحت خالو وطنط هدى فى الموضوع؟"
أيمن بهدوء شديد:
"انتى مالك قلقانة وخايفة كده ليه، هو احنا عاملين عاملة... اتنين بيحبوا بعض وعاوزين يتجوزوا فى الحلال... ايه المشكلة؟"
نيرة بذهول:
"انت ازاى واخد الموضوع بالبساطة دى؟"
أيمن:
"انا اللى مش فاهم انتى ليه متوترة كده."
نيرة:
"انت ازاى مستهون كده برد فعله؟"
أيمن:
"اسمعى يانيرة... احنا مش صغيرين ودى حياتنا احنا، واحنا بس اللى نقرر نقضى عمرنا مع مين وازاى."
نيرة:
"بس دول أهلنا يا أيمن ومن حقهم برضة إنهم يقولوا رأيهم ووجهة نظرهم."
أيمن:
"وانا مش بمنع حد إنه يقول رأيه، لكن مجرد رأى وبس، لكن القرارات والتنفيذ دى لينا لوحدنا، احنا اللى هنعيش مش حد تانى."
نيرة:
"لكن هما بيبقى ليهم وجهة نظر ناتجة عن تجارب سابقة اديتلهم خبرة مش عندنا."
أيمن:
"مش هنكر ده، لكن برضة هما مايعرفوش اللى جوة قلوبنا ولا لمسوه، يمكن يحسوا بحبنا لبعض، لكن ممكن يشوفوا إنه مش كفاية، فهل انتى ممكن تنقادى برأيهم ده لمجرد إن يمكن يكون عندهم خبرة اكتر منى؟"
تصمت نيرة وهى فى حيرة من أمرها. ليقترب أيمن وهو يستند بذراعه على المنضدة وهو يقول:
"لازم يبقى عندك ثقة فى قلبك يانيرة عشان يبقى عندك الشجاعة للمواجهة."
نيرة:
"وانت عندك الثقة دى؟"
أيمن:
"اكيد، والا ماكانش يبقى عندى الشجاعة الكافية إنى أكلم بابا وماما وكمان إنى أطلبك من حاتم."
نيرة بشهقة عالية وهى تضع كف يدها على فمها بذعر:
"انت قلت لحاتم؟"
أيمن ببساطة شديدة:
"وقلت للدنيا كلها."
نيرة برهبة:
"قلت إيه لحاتم؟"
أيمن ببساطة شديدة:
"قلتله إنى بحبك من زمان وإنى ما اتكلمتش غير لما اتأكدت إنك بتبادلينى نفس مشاعرى."
لتنهض نيرة من مكانها وهى تجمع حاجياتها بحقيبة يدها وهى تقول:
"انت أكيد اتجننت، وكان المفروض إنك تقوللى على حاجة زى كده من قبل ما تعملها."
وعندما همت للمغادرة، وقف أيمن أمامها وهو ينظر لها بشبه غضب قائلاً:
"ممكن أعرف انتى إيه اللى مخليكى مش عاوزانى أتقدم وأطلبك... إيه بقى، رجعتى فى كلامك مثلاً؟"
نيرة:
"كلام إيه اللى رجعت فيه... هو أنا كنت اتفقت معاك على حاجة عشان أرجع فيها؟"
أيمن:
"أنا اكتفيت إنى أخيراً اتأكدت إنك بتبادلينى مشاعرى، هعوز إيه تانى؟ وهستنى إيه تانى؟ هخاف ليه؟ أنا مش فاهم إيه الرعب اللى راكبك ده، قلتلك مليون مرة شيلى فرق السن ده من دماغك، ما تفكريش غير إنى ابن خالك وبس."
ثم صمت ليلتقط أنفاسه قليلاً ليقول:
"يانيرة أنا بحبك، وانتى بتحبينى، يبقى ليه نضيع عمرنا وإحنا خايفين كأننا عملنا عملة."
نيرة:
"انت عاوز تفهمنى إن خالو ومامتك هيوافقوا؟"
أيمن بابتسامة:
"طب لو قلتلك إنهم فعلاً موافقين؟"
نيرة وهى تعود للجلوس مرة أخرى:
"احلف."
أيمن:
"طب وأحلف ليه واحنا جايينلكم النهاردة بالليل عشان نخطبك رسمى."
نيرة عدم استيعاب:
"تخطبوا مين؟"
أيمن بضحكة صاخبة:
"احنا هنبتديها عبط ولا إيه، أنا قلت تعرفى منى قبل ما تعرفى من عمتو."
وعندما صمتت نيرة وهى تحاول استيعاب ما هى مقدمة عليه، قال أيمن:
"يانيرة ياحبيبتى كل اللى مطلوب منك إنك لما يسألوكى على رأيك تبقي مؤمنة من جواكى إن عمر ماحد فى الدنيا دى ممكن يعشقك عشقى ليكى."
لتتبسم نيرة وتقول:
"وانا مش هتنازل عن عشقك ده."
فى شركة عبد الراضى، كان فريق المهندسين يرتبون أدواتهم وتصميماتهم استعداداً لإرسالها إلى الموقع.
نوح:
"ماتنسيش يا أمانة سيديهات التصوير."
أمانة:
"أخدتها، ماتقلقش."
أسامة:
"ياترى فيه هناك شبكة انترنت ولا مافيش؟"
أمانة:
"دى أول حاجة طلبتها من المهندس حاتم."
أسامة بسعادة:
"يعنى فيه؟"
أمانة:
"أيوة، بس إيه السعادة دى كلها؟"
أسامة:
"يعنى بالليل نقدر نرغى على النت."
خديجة:
"وهترغى مع مين بالليل؟"
أسامة:
"مع المدام."
خديجة بغضب:
"مدام مين؟"
أسامة بقلة صبر:
" هيبقى أنهى مدام يعنى، هو أنا متجوز كام واحدة؟"
خديجة:
"طب ما إحنا هنبقى مع بعض طول النهار، هنرغى كمان بالليل، الليل ده عشان نستريح ونشحن لتانى يوم."
لتضحك أمانة بشدة على ملامح أسامة التى يعلوها الإحباط الشديد وتقول:
"لأ... أوعى تيأس بسرعة كده، اصبر واديها فرصة إنها تعبر عن نفسها وبعدين ابقى عبر عن نفسك انت كمان."
أسامة وهو يدعي البكاء:
"أنا عملت إيه بس فى دنيتى عشان يحصلى كده؟"
نوح:
"طب ياريت تعيط بعيد شوية عشان نعرف نشوف شغلنا."
لتدخل عليهم نيللى قائلة بمرح:
"ها حضرتوا شنطكم ولا لسه؟"
أمانة:
"آه ولمينا هدومنا كله."
نيللى:
"هتروحوا مع أيمن الليلة دى ولا هتستندلوا؟"
أمانة:
"أنا عن نفسي راشقة طبعاً، دى صاحبة عمرى."
نوح بتساؤل:
"تروحوا فين؟"
أمانة:
"رايحين نخطب نيرة لأيمن النهاردة."
نوح بعدم اهتمام:
"مبروك."
أسامة:
"والله أنا خايف من رد فعل عمتو."
نيللى:
"الصراحة أنا كمان."
خديجة:
"المفروض طالما بيحبوا بعض ماحدش يقف قدامهم."
أمانة والسعادة تبدو على صوتها:
"اللى حسيته من أيمن وهو بيحكيلى إنه بيعشقها مش بيحبها بس."
نوح:
"مش دايماً الحب بيبقى كفاية، فرق السن ده برضه ممكن يعمل مشكلة بعد كده."
أسامة:
"أنا مش معاك يانوح، أنا شايف إن الحب أهم حاجة فى العلاقة وأى حاجة تيجى بعد كده."
نوح:
"أنا ماقلتش إن الحب مش مهم، أنا أقصد إن أحياناً بيبقى فيه حاجات أهم من الحب."
خديجة:
"حاجات زى إيه؟"
نوح:
"العشرة، التفاهم، الجذور."
نيللى باستفهام:
"جذور إيه؟ مش فاهمة قصدك."
نوح:
"أقصد الامتداد، البقاء... النسل يعنى."
ليدخل عليهم حاتم قائلاً:
"ها يا جماعة، جهزتوا ولا لسه؟"
نوح:
"معظم المعدات اتحملت على العربيات، وما فاضلش غير حاجات بسيطة."
حاتم:
"تمام، وبعد إذنك يا باشمهندسة أمانة عاوز نسخة من الرسومات كلها عندى قبل السفر."
وعندما لم يتلقى أى رد من أمانة، أعاد عليها ما قاله مرة أخرى ولكنه أيضاً لم يتلقى منها رداً.
حاتم:
"باشمهندسة أمانة."
أمانة وكأنها لم تكن معهم من البداية:
"أيوة."
حاتم:
"انتى مش معانا خالص."
أمانة بارتباك:
"معلش ياباشمهندس، بس كنت برتب شوية حاجات فى دماغى."
ليعيد عليها حاتم ما طلبه مرة أخرى لتومئ برأسها قائلة:
"أنا سلمت عند حضرتك فى السكرتارية نسخة من نص ساعة."
حاتم:
"تمام، أشوف وشكم جميعاً على خير وإن شاء الله بالتوفيق وهكون عندكم كل أسبوع وهنفضل دايماً على تواصل."
ليتركهم حاتم عائداً إلى مكتبه، لينهمك الجميع مرة أخرى لمراجعة ما تم تحضيره.
فى منزل عبد الراضى، كان يجلس عامر وهدى وجميع أبنائهم بصحبة عبد الراضى وجميلة شقيقة عامر ووالدة حاتم ونيرة.
عبد الراضى:
"نورتونا ياعامر، بقى ينفع كده، مانتقابلش غير فى المناسبات."
عامر:
"ما انت عارف ياعبده المشاغل، وربنا يخلي الولاد اللى هيفضلوا دايماً مجمعيننا دايماً مع بعض."
عبد الراضى:
"يارب دايماً على خير."
أمانة:
"لو تسمحيلى يا طنط جميلة... أطلع لنيرة."
جميلة:
"انتى بتستأذنى يا أمانة، ده بيتك ياحبيبتى اتفضلى."
وبعد صعود أمانة للأعلى، يقول عامر:
"أنا طبعاً فتحت عبده فى الموضوع لكن أنا بعيدها تانى فى حضورك يا جميلة: أنا يشرفنى أطلب إيد بنتى نيرة لابنى أيمن."
جميلة:
"إحنا طبعاً يشرفنا ياعامر، بس أنا مش موافقة."
وعندما هم عامر بالحديث، أشار له أيمن قائلاً:
"اسمحلى يابابا إنى أتكلم."
عامر:
"اتفضل يا ابنى."
أيمن:
"أنا عارف عمتو بتفكر فى إيه، إن نيرة أكبر منى، واللى عاوز عمتو تعرفه إن نيرة كبيرة فى قيمتها عندى مش فى سنها، أنا بحب نيرة ياعمتو، وعمرى ما حبيت بنت قبلها ولا هحب بعدها، وأظن إنى مش لسه مراهق عشان ما أكونش عارف مشاعرى أو متأكد منها، ومستعد أقدملك كل الضمانات اللى تشوفى إنها ممكن تطمنك إنى عمرى ما أجرحها ولا أقلل من قيمتها عندى، ولو عشان لسه ما كملتش تعليمى، فكلكم عارفين إنى هكمل وإنى برغم إنى لسه ما كملتش إلا إنى عندى شغلى وشركتى مع زمايلى من خمس سنين فاتوا، وإنى منفصل مادياً عن بابا من زمان، واللى ماحدش يعرفه إنى لما عملت المشروع ده عملته عشان أبقى جدير بنيرة، وإنها مش بالسن أبداً."
جميلة:
"أخاف على بنتى لا تعايرها فى يوم من الأيام بسنها."
أيمن:
"ما أبقاش راجل يوم ما أجرح أى ست، ما بالك لما تبقى الست دى مراتى ياعمتو."
حاتم:
"أنا بعد إذنك يابابا انت وماما، أنا موافق، أنا برغم إن أيمن ما فتحنيش فى الموضوع غير من يومين بس إلا إنى طول عمرى وأنا حاسس بمشاعره ناحية نيرة وحاسس قد إيه بيحبها وبيقدرها."
جميلة:
"وانتى موافقة على الكلام ده يا هدى؟"
هدى بابتسامة:
"بصراحة يا جميلة كنت زيك فى الأول كده لكن برضة أيمن أقنعنى زى ما أقنعك دلوقتى كده."
جميلة بدعابة:
"ومين قال إننى اقتنعت، أنا لسه ما اقتنعتش."
أيمن:
"وهتقتنعى إمتى ياعمتو؟"
جميلة:
"لما نيرة تنزل وتقول رأيها."
عند نيرة، تجلس نيرة وعينيها مليئة بالدموع وهى بأحضان أمانة.
أمانة:
"فى عروسة فى الدنيا تنكد على نفسها كده."
نيرة:
"عروسة إيه بقى، ماما مش موافقة."
أمانة:
"وانتى فكرك أيمن هيسيبها غير لما يقنعها؟"
نيرة:
"تفتكرى هيقدر؟"
أمانة:
"وانتى بقى عاوزة تقومى بدور المشاهد وبس؟"
نيرة:
"عاوزانى أعمل إيه؟"
أمانة:
"تحاربى عشانه زى ما هو كمان بيحارب عشانك، من قبل ما أعرف إن أيمن أخويا وأنا كنت معجبة بإصراره عليكى لما كنتى بتحكيلى عن ابن خالك المتيم، وكنت دايماً بقولك وافقى يانيرة طالما إنك فعلاً حاسة بحبه ليكى، انزلى دلوقتي وقوليلهم إن انتى كمان بتحبيه وعاوزاه، اتمسكى بيه زى ما هو متمسك بيكى."
نيرة:
"خايفة يا أمانة."
أمانة:
"الخوف مش هيفرح قلبك يا نيرة، ياللا قومى اغسلى وشك عشان ننزللهم، كلهم مستنيينك تحت."
عندما وصلت إليهم نيرة بصحبة أمانة، اتجهت كلا منهما للجلوس بجوار والدتها، بعد أن حيت نيرة الجميع.
عبد الراضى:
"خالك جاى النهاردة يانيرة عشان يطلبك لأيمن، وإحنا كلنا مستنيين رأيك."
لتقول نيرة بخفوت:
"اللي حضرتك تشوفه يابابا."
أيمن:
"بعد إذنك يا عمي ممكن أقول حاجة لنيرة قدامكم."
عبد الراضى:
"اتفضل يا ابنى."
أيمن:
"نيرة... ممكن تبصيلي."
لترفع نيرة عينيها لتنظر إلى أيمن الذى ابتسم إليها بحب وقال:
"أنا عاوز اتجوزك لإنى بحبك وأعلنت حبى ليكي قدام الكل وعاوز أسمع رأيك انتى دلوقتي برضه قدام الكل، كلنا عارفين إن القرار قرار عمي وعمتو لكن أنا عاوز أسمعك وانتى بتقولى رأيك قدام الكل."
نيرة بخجل:
"أنا موافقة."
رواية نوح و الامانة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم وردة وسط اشواك
أمام شركة عبد الراضي يقف نوح مع أمانة وأسامة بانتظار خديجة.
تأتي خديجة من داخل الشركة وهي تحمل حقيبة حاسوبها المحمول.
"نيللي بتقول لكم خمس دقايق بس وجاية."
"وانتي كنتي بتعملي إيه كل ده؟" يسأل أسامة.
"كنت بتأكد إنّي مش ناسية حاجة."
"طب ما إحنا شيكنا واتاكدنا ستين مرة."
"ما فيهاش حاجة لما يبقوا واحد وستين. وبعدين الحمد لله إني شيكت تاني، كنت هنسى القلم بتاع الرسم بتاعي اللي بتفائل بيه."
"قلم الرسم... ماشي يا خديجة." يقول أسامة بغيظ.
تأتي نيللي ممسكة بيد حاتم الذي يحمل حقيبة حاسوبها.
"ها يا جماعة... جاهزين؟"
"كله تمام إن شاء الله... نقدر نتحرك دلوقتي." يقول نوح.
"إن شاء الله هجيلكم قبل فرح أيمن بتلات أيام عشان أجيبكم بنفسي."
"ربنا يتمم بالف خير."
"يارب، وعقبالنا كلنا." يقول حاتم بابتسامة واسعة وهو ينظر لنيللي.
"إحنا لازم نتجوز سوا زي كتب الكتاب، كان نفسي أعمل زي النمس أيمن... بس ماجاتش في بالي."
"إشمعنى يعني؟"
"ابن اللعيبة... صمم يعمل كله مع بعضه."
"إيه ده؟ يعني الفرح اللي بعد تلات أسابيع ده كتب كتاب ودخلة؟"
"آه ياحبيبي، عيل دماغه سم."
"طب ما تيجوا نرخم عليه ونتجوز معاه."
"طب والله فكرة... أنا موافق."
"موافق على إيه ياعم الرايق؟ إنت ناسي إن فيه التزامات وحاجات كتير محتاجة تتعمل وإحنا ادينا مسافرين أهو." تعترض خديجة.
"كل حاجة ممكن تتعمل وتجهز وإحنا مسافرين عادي."
"لأ ياعم، أنا مابحبش الطسلقة."
"الـ إيه؟" يسأل أسامة باستفسار.
"الطسلقة ياعم الأجنبي، يعني اللهاوجة والسريعة، وبالإنجليزي... عدم الدقة في العمل."
يضحك الجميع على مشاغبات أسامة وخديجة التي لا تنتهي.
"ما تسيبك من الناس دي وتعالى إحنا نتجوز مع أيمن ونيرة." يقول حاتم وهو يلتفت لنيللي.
"إيه يا نبراس الندالة، نعيش عيشة فل نَموت إحنا الكل، اللي هيتجوز قبلي هعمل معاه الجلاشة." يقول أسامة بغيظ.
"إيه يا أسامة الكلام ده؟ طب بذمتك إنت تعرف يعني إيه الجلاشة؟"
"هي بتتقال كده، أي نعم ماعرفش هي إيه بالظبط بس هعمله." يقول أسامة بكبرياء.
"طب يلا يا حلوين عشان مانتأخرش."
ليصعد الجميع إلى السيارة بعد أن قاموا بتحية حاتم، والذي كانت عيناه تسافر مع محبوبته اشتياقًا من قبل سفرها.
في السيارة، تجلس خديجة بجانب أسامة. وتجلس نيللي بجوار أمانة وباقي المهندسين كل في مكانه. أما نوح فيجلس بجوار السائق في الأمام.
تميل نيللي على أمانة.
"رخمة أنا صح؟"
"ليه بتقولي كده؟"
"يعني، أعتقد إن نوح أكيد كان حابب يقعد جنبك."
"وأنا ما أعتقدش إن الموضوع ممكن يبقى فارق معاه." تقول أمانة بهدوء.
"ليه بتقولي كده؟"
"مافيش حاجة ياحبيبتي، أنا أقصد إنه عادي يعني، ثم أنا شوية كده وهتلاقيني نمت، أنا على طول بنام في المواصلات طالما إن مش أنا اللي سايقة."
"إنتي بتتكلمي جد؟ يعني مش متضايقة إني قعدت جنبك؟"
"لأ ياحبيبتي مش متضايقة."
"طب أوعي تنامي قبل ما نفطر، ماما بعتة لنا أكل وسندوتشات تكفي قبيلة."
"أنا مش جعانة دلوقتي يانيللي، افطروا إنتو ياحبيبتي."
"افطري معانا عشان نوح ما ينكسفش مننا."
"ماشي."
لتنادي نيللي على أسامة وتطلب منه إحضار الإفطار وتوزيع الطعام على الجميع.
ليتناوب الجميع على شكر أسامة مع تعليقات مرحة عن فائدة السفر مع أصحاب الشركة وماله من مميزات، والكثير من النكات والقفشات التي لم تشترك فيها أمانة.
حتى وجدت أسامة يجلس بجوارها بعد أن جلست نيللي بجانب خديجة.
"مالك يا أمانة ساكتة ليه؟ مش عوايدك."
"أبدا ياحبيبي، بس بحب أتفرج على الطريق طالما مش سايقة."
"بس أنا ملاحظ إنك ماسكة السندوتش في إيدك من غير ولا قطمة حتى، كلي يلا عشان أجيب لك حاجة تشربيها، ماما باعتالك تورم نسكافيه بلاك مخصوص عشانك وقالت لي ده بتاع أختك."
"تصدق إني فعلاً محتاجة أشرب فنجان نسكافيه يمكن أروق شوية." تقول أمانة بابتسامة.
"ما تشربيش نسكافيه من غير فطار يا أمانة." يلتفت إليها نوح قائلاً.
"خدني مكانك يانوح عشان عاوز أدخن سيجارة وتعالى إنت جنب مراتك وافطروا سوا يلا عشان نشوف المشاريب بعد كده."
ليتبادل نوح وأسامة الأماكن، ليستقر نوح بجوار أمانة.
"يلا كلي لو عاوزة تشربي النسكافيه."
"ما عنديش نفس، بس مصدعة ومحتاجة فعلاً أشرب نسكافيه."
"خلاص كلي السندوتش اللي في إيدك بقاله تلت ساعة ده وأنا هصب لك النسكافيه."
"وإنت؟"
"أنا إيه؟"
"إنت كمان ما أكلتش."
"ما إنتي عارفاني، لازم آكل في البيت قبل ما أنزل عشان القهوة والسجاير."
"طب كل معايا سندوتش."
ليمد نوح يده ليلتقط الساندوتش من يدها ويقربه من فمه ليقطم منه قطمة متوسطة ثم يعيده إليها مرة أخرى وهو يقول بمرح: "على الله ما تكونيش بتقرفي إنك تاكلي ورا حد."
تمد أمانة يدها بالساندوتش إلى فمها من تحت النقاب لتأخذ منه هي الأخرى قطمة. وعندما أعادت يدها على قدميها، تفاجئت بنوح وهو يسحب يدها بالساندوتش ويقربها من فمه ليأخذ قطمة أخرى. وظلوا هكذا إلى أن كان آخر جزء من الساندوتش أخذه نوح. وبعد أن تناوله من يدها، تفاجئت به يقبل أطراف أصابعها لتشعر وكأن ماس كهربائي قد ضرب جسدها بأكمله.
وعندما نظرت لنوح، وجدته يغمز لها بإحدى عينيه بمشاكسة لم تعتدها منه. ووجدته يصب لها فنجانًا من النسكافيه وتتناوله معه بنفس طريقة الطعام. وظل هكذا معها طوال الطريق، فكان يتبادل المكان مع أسامة ونيللي. وكم كانت سعادة أمانة، فكم كانت تتمنى أن تعيش وتجرب تلك الأحاسيس التي جعلتها تجدف فوق سحابة عالية تطفو فوق بحر من الأحلام والأمنيات. مما جعلها لا تشعر بطول الطريق أو قصره.
فكل ما تيقنت منه أنهم قد وصلوا بالفعل إلى الموقع، والذي كان عبارة عن أرض فسيحة شاسعة المساحة على شاطئ البحر، حولها سياج من الأسياخ الحديدية العالية، ومبنى واحد مكون من طابقين، والذي كان معدًا لفريق المهندسين والعاملين بالمشروع.
وقد اتجه نوح بصحبة أسامة إلى المبنى لتقسيم الغرف. وقد اختار حجرة كبيرة بالطابق العلوي تضم ثلاثة أسرة ولها حمامها الخاص، وخصصها لأمانة ونيللي وخديجة. واحتل مع أسامة الغرفة المجاورة والتي تشترك معها في نفس الشرفة، وهي أيضًا تضم ثلاثة أسرة تحسبًا لزيارة حاتم في أي وقت. ثم قام بتوزيع باقي فريق العمل. ثم قسم الطابق الأرضي إلى مكاتب العمل مع تخصيص مكان لصنع الطعام ومكان آخر للاستراحة والطعام.
وما أن انتهوا من تلك الترتيبات إلا وجمعهم أسامة ونيللي في الاستراحة لتناول ما تبقى معهم من طعام مجهز، قبل أن يذهب الجميع إلى النوم استعدادًا لبدء العمل بالمشروع.
كان أيمن يجلس بحجرته وهو يتحدث في الهاتف مع نيرة.
"يعني إنتي عاوزة الفرح يتعمل فين؟"
"مش عارفة يا أيمن، محتارة."
"طب إيه رأيك، احنا ممكن نأجر باخرة، أو نحجز في أي أوتيل أو نادي."
"طب ماهو الكلام ده محتاج إننا ننزل نلف ونتفرج، وإنت زنقتنا قوي ومافيش وقت."
"أنا ما أعرفش إيه اللي سحبني من لساني وقلت تلات أسابيع، فيها إيه لو كانوا تلات أيام؟"
"لأ وليه يا حبيبي تلات أيام؟ كتير تلات أيام، ما تخليهم تلات ساعات."
"يا ريتهم تلات ثواني وأبص ألاقيكي في حضني وما حدش أبدًا يقدر يفرق بيننا."
"وبعدين بقى في كلامك الحلو ده، ما بعرفش أرد عليها."
"كفاية عليا إنك سامعاه يا نبض قلبي."
وعندما طال الصمت بينهم، قال أيمن فجأة: "طب إيه رأيك يا نيرونيرة."
"رأيي في إيه؟"
"إننا نعمل فرحنا بالنهار."
"تقصد زي ما بيعملوا بره؟"
"بالظبط، نعمله في جنينة الفيلا عندكم أو عندنا. إيه رأيك؟ أنا ممكن أجيب منظم حفلات يظبط لنا الدنيا وتبقى حاجة جديدة وجميلة."
"تصدق فكرة حلوة، أنا موافقة، بس خليها في الجنينة بتاعتنا عشان أكبر."
"خلاص، ننزل بكرة نروح للمتعهد عشان ييجي يتفرج على الجنينة عندك وعندي. هما بيبقى ليهم وجهة نظر في المكان ولو قال الاتنين عادي نعمله عندك... ها؟ إيه رأيك؟"
"قشطة، موافقة طبعًا."
"يبقى نتقابل بكرة إن شاء الله بعد الضهر."
كانت أمانة تقف مع بعض المهندسين وهي تسند إليهم بعض المهام، ليتولى كل مهندس الإشراف على جزء من المشروع.
وبعد أن انصرف كل مهندس متوجهًا إلى مكان عمله، قال أسامة: "أومال نوح فين؟"
"مع مقاول الأنفار بيحدد معاه أوقات الورادي بتاعة العمال وتوزيع الحراسة."
"ونيللي فين؟"
"نيللي اختارت الكرفان ده عشان تشتغل فيه واحتلته وحطت أدواتها كلها جواه." تشير أمانة بيدها على بقعة معينة من المشروع.
"أحسن برضه، نيللي ما بتحبش حد يقتحم خلوتها وهي بتشتغل."
يأتي عليهم نوح ملقيًا السلام.
"وزعتي الناس يا أمانة؟"
"آه كله تمام والكل راح على مكانه، بس محتاجين وسيلة انتقال تبقى سريعة وسهلة."
"ممكن نجيب عربيتين تلاتة زي عربيات الجولف."
"فكرة هايلة."
"خلاص هكلم حاتم يتصرف."
"والأوفيس محتاج تجهيز ومحتاجين حد يبقى مسؤول عن عمل الأكل والنظافة."
"ممكن تطلب كل الحاجات دي وحاتم يبعتهالنا مع أحمد وهو جاي."
"هو أحمد جاي؟"
"آه أحمد انضم للشئون القانونية في الشركة وهيجيلنا بعد بكرة عشان التعاقدات بتاعة المقاولين والعقود والتأمينات بتاعة العمال."
"أنا كتبت هنا كل اللي إحنا محتاجينه، بصوا عليها كده وشوفوا لو محتاجين حاجة زيادة قبل ما أبعتها لحاتم." يقول أسامة وهو يناول ورقة إلى نوح.
بعد أن قرأها نوح، أعطاها لأمانة لتلقي عليها هي الأخرى نظرة لتعيدها لأسامة قائلة: "كده تمام أوي."
"خلاص هصورهاله على الواتس وأبعتهاله على ما أعرف أبعتهاله بالفاكس."
وبعد انتهاء العمل باليوم الأول والذي كان شاقًا على الجميع، قرر الجميع إقامة حفل سمر احتفالاً ببدء المشروع. لتقرر أمانة الصعود لغرفتها للصلاة ثم العودة إليهم مرة أخرى. وعندما بحثت بعينيها عن نوح لم تجده، فأخبرت نيللي بوجهتها وتركتهم وذهبت إلى الغرفة المخصصة لهن.
وبعد أن دخلت الغرفة واتجهت للحمام وتوضأت، وقبل أن تشرع في صلاتها، سمعت صوت نوح آتيًا من الشرفة وهو يتحدث في هاتفه قائلاً:
"يعني جهزت حاجتك كلها والعقود وكله؟"
"طب تمام تيجي بالسلامة إن شاء الله."
"وحشتني والله، هاتها أكلمها."
"إزيك يا غادة عاملة إيه؟"
"الجو هنا وهم، مش عاوز أقولك."
"كويسة."
"مانا بقولك كويسة، عاوزاني أقولك إيه تاني؟"
"يا ستي والله بعاملها كويس وكويس جدًا كمان."
"بقولك إيه يا غادة، إنتي عارفة إن لولا وصية ماما أنا ما كنتش فكرت في الجواز تاني من أصله، لكن أدينا اتجوزنا، أهدي عليا شوية بقى."
"أنا ما بكرههاش يا غادة، بس ما بحسش ناحيتها بحاجة مميزة."
"لأ ما تقلقيش، أنا بعاملها كويس جدًا معاملة العاشقين، وما تنسيش إنها بقت شايلة اسمي قدام كل الناس، يعني لازم أعاملها كويس جدًا حتى لو غصب عني."
"لما نتجوز يبقى يحلها ربنا."
"يا بنتي هو أنا قلتلك إنها وحشة، أنا عارف إنها حلوة وزي القمر كمان، بس لسه يا غادة، لسه مش قادر أنسى اللي حصل لي في جوازتي اللي فاتت، ادوني فرصة أشم نفسي."
"كان لازم أستعجل وأطلبها طبعًا، إنتي ناسيه إن حاتم كان حاطط عينه عليها ولا إيه؟"
"ربنا يسهل يا غادة، ادعي لي إن ربنا يوفق القلوب على بعضها."
"لأ يا ستي شكرًا، إنتي بس ابقي حطي لأحمد في شنطته جاكت تقيل عشان الدنيا هنا بالليل بتبقى برد."
"ماشي الله يسلمك، مع السلامة."
لتسقط أمانة جالسة أرضًا وسط دموعها وهي لا تصدق ما سمعته بأذنيها.
رواية نوح و الامانة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم وردة وسط اشواك
عندما هبط نوح إلى حفلة السمر التى أقامها زملائه جلس معهم وهم يتناوبون الضحكات والقفشات ولكنه بعد فترة عندما أدار بصره لاحظ عدم وجود أمانة مع نيللى وخديجة وعندما سأل عنها إجابته نيللى بأنها صعدت غرفتهم منذ أكثر من ساعة لصلاة العشاء ولم تعد منذ صعودها.
خديجة: شكلها نامت، اتأخرت أوي.
أسامة: طب أنا هطلع أشوفها كده وأيجي.
يذهب أسامة للاطمئنان على أخته ولكنه عندما صعد لغرفة أمانة ظل يدق الباب ولكنه لم يتلقى أي إجابة وعندما فتح باب الغرفة وجدها فارغة فبحث عنها في الشرفة فوجدها أيضا فارغة فعاد إلى الحفل يبحث عنها بعينيه وعندما لم يجدها أيضا استبد به القلق واتجه إلى نوح قائلا: أنا مش لاقي أمانة ولا في أوضة البنات ولا هنا، تبقى راحت فين.
نوح ببعض القلق: يعني إيه مش لاقيها، هتكون راحت فين يعني.
أسامة: بقول لك مالقيتهاش فوق، واهوه…مش موجودة كمان هنا.
نيللي بقلق: يمكن كانت في الحمام يا أسامة.
أسامة: بصيت فيه وفي البلكونة كمان وقعدت أنده عليها مالهاش أثر.
خديجة: طب بصيت في الأوفيس، يمكن حبت تعمل حاجة تشربها.
ليتركهم نوح متجها إلى المطبخ باحثا عنها ولكنه عاد سريعا وهو مخطوف الوجه قائلا ببهوت: مش موجودة.
ليتجه أسامة مسرعا إلى وسط القاعة ليمد يده ويغلق التلفاز وهو يقول: معلش ياباشمهندسين بس احنا مش لاقيين أمانة عاوزين ننتشر وندور عليها.
ليهرع الجميع وهم يقتسمون أماكن البحث فيما بينهم.
وبعد حوالي عشر دقائق قضاها الجميع في رعب قاتل سمعوا صوت أحد المهندسين وهو ينادي بصوت جمهوري: لقيتها ياباشمهندس… قاعدة على البحر… بخير ماتقلقش.
ليهرع إليها نوح وأسامة وتلحق بهم نيللي وخديجة وعندما وصلوا إليها.
أسامة بقلق بالغ: كده برضه يا أمانة تخضّينا عليكي، مش تقولي ياحبيبتي أنك جاية تقعدي هنا عشان مانقلقش عليكي.
وقبل أن تجيبه أمانة بأي كلمة كان صوت نوح الغاضب يغطي على صوت أمواج البحر وهو يزبد ويقول: انتي إيه الاستهتار وعدم المسئولية اللي فيكي دا، خلاص للدرجة دي ماعندكيش عقل تفكري بيه، فاكرة نفسك في سان استيفانو ولا ميامي عشان تروحي تقعدي على البحر بكل بساطة من غير ما تدّي خبر لحد.
ناسية أننا في مكان لسه شبه مقطوع والله أعلم ممكن يبقى فيه إيه، ولا لو وقعتي في الماية وغرقتي من غير ماحد يحس بيكي وتجيبي لنا مصيبة.
بعد أن انتهى نوح من تفريغ شحنة غضبه ساد الصمت فجأة إلا من صوت أمواج البحر.
ترفع أمانة رأسها إلى نوح وتقول بهدوء عكس ما يعتمل بداخلها من غضب: ماتقلقش لو حصل لي حاجة ماحدش هيشيل مصيبتي غيري.
وعندما تنبه نوح إلى ما تفوه به قال ومازال صوته يحمل بعض الغضب: وهو انتي لاقدر الله لو حصل لك حاجة دي مش هتبقى مصيبة لنا كلنا، انتي رعبتينا من القلق عليكي واحنا مش عارفين حصل لك إيه.
لتستدير أمانة بهدوء متجهة إلى السكن بعد أن قالت لنوح بصوت شبه هامس: اللي مغصوب على حد مش المفروض يقلق عليه.
ثم قالت بصوت عالٍ: يلا تصبحوا على خير.
يقف نوح مصدوما مما سمعه وكأن دلوا من الماء المثلج قد انسكب فوق رأسه جمده بمكانه دون حراك أو أي رد فعل وقد علم أنها سمعت لحديثه مع غادة.
نيللي بعتاب: احنا كلنا كنا هنموت من القلق عليها، بس برضه يانوح انت قسيت عليها أوي، كان حتى تتطمن عليها الأول وبعدين تعاتبها، ربنا معاك بقى وترضى تصالحك.
خديجة: طب يلا بينا يانيللي نطلع لها نتطمن عليها ونطيب خاطرها بكلمتين.
يذهب أسامة مع نيللي وخديجة وهو يحرك رأسه بغير رضا عما حدث دون أن يعقب بأي كلمة ليتركوا نوح مكانه وهو ينظر إلى تتابع أمواج البحر وتلاطمها وهو لا يدري ما العمل لإصلاح ما اقترفت يداه.
عندما دلفت نيللي وخديجة إلى الغرفة بصحبة أسامة وجدوا أمانة متجهمة على فراشها ولكنها بدلت ملابسها استعدادا للنوم.
أسامة: أمانة… أنا عارف أنك زعلتي من أسلوب نوح معاكي، بس لازم تعذريه.
خديجة وهي تحاول التشويش على ما حدث: الصراحة يا أمانة لو كنتي شفتيه وهو عمال يدور عليكي كنتي قلتي أنه اتجنن، ده كان شوية وهيموت من الرعب عليكي.
لتجلس نيللي بجوار أمانة وهي تقبل رأسها بحنان قائلة: سيبكم من كل ده، انتي ليه رحتي قعدتي لوحدك على البحر ياحبيبتي، كان في حاجة مضايقاكي.
لتنظر أمانة لأختها وقالت بخفوت: أنا كويسة يا نيللي ماتقلقيش، أنا بس حسيت أني محتاجة أقعد مع نفسي شوية، ويمكن عندكم حق، كان لازم أدّيكم خبر قبلها عشان ماحدش يقلق عليا، وأوعدكم أني ما أكررهاش تاني.
ينهض أسامة وهو يقبل أمانة قائلا: طب ياحبيبتي أنا هسيبكم بقى عشان تناموا وأروح أنا كمان عشان أنام… يلا تصبحوا على خير.
يجلس نوح في نفس الموضع الذي كانت تجلس فيه أمانة وهو يلعن غباءه، فهو يعلم جيدا أن الشرفة مشتركة بين الغرفتين، كيف تاه عن باله أن مكالمته في هذا المكان معرضة لأن يسمعها أي من كان، كيف وضع نفسه في هذا المأزق وما هي طريقة الخروج منه.
وظل على جلسته وهو غارق في التفكير حتى تفاجئ بأحد الغفراء وهو ينادي عليه بفضول قائلا: هو انت هتفضل قاعد كده كتير ياباشمهندس، إحنا بقينا نص الليل والقعدة كده غلط عليك.
لينظر نوح إلى ساعة يده ليجد أن الوقت قد تخطى الواحدة ليقف مادا يديه وهو ينظف ملابسه واتجه إلى السكن قائلا: تصبح على خير.
وعندما وصل إلى مبنى السكن وجد أن الجميع قد دخلوا إلى غرفهم، ليتجه هو الآخر إلى غرفته ليجد أن أسامة قد استغرق في النوم، ليقوم بتغيير ملابسه ولكنه بدلا من الدخول بفراشه قام بالدلوف إلى الشرفة وإشعال سيجارته وهو ينقل عينيه بين سيجارته وبين باب شرفة أمانة والتي تجاور باب شرفته دون أي فواصل ليلعن غباءه للمرة التي لا يعلم عددها ثم عاد للغرفة وأندس في فراشه وهو ينادي نعمة في سريرته قائلا: شكلها خربت يانعمة وأنا اللي خربتها بإيدي.
في اليوم التالي عندما هبط الجميع إلى الاستراحة لتناول إفطارهم قبل بداية العمل، لم تكن أمانة وسط الموجودين وعندما بحث عنها بعينيه وجد أسامة يربت على كتفه قائلا: فطرت من بدري وخدت النسكافيه بتاعها وراحت على موقع ج.
بتهكم: واشمعنى موقع ج يعني.
أسامة: قالت إن حاتم طالب منها يصور له حاجات هناك وبعت له.
ليشعر نوح بشيء من الإحباط ولكنه أومأ برأسه واتجه هو الآخر للعمل.
أسامة: مش هتفطر.
نوح دون أن يستدير له: ماليش نفس.
تجه هو الآخر إلى المكان الذي علم بوجودها هناك، ووجدها تقوم بمسح الموقع وتصويره بمساعدة أحد المهندسين.
نوح بصوت عالٍ: السلام عليكم.
ليرد الجميع السلام لكن دون أن تتوقف أمانة عن عملها أو حتى تنظر إليه.
نوح: خلصتوا قياس ولا لسه.
أمانة دون الالتفات له أيضا: لسه فاضل ضلع.
نوح: طب سيبي محمود يخلصه هو وتعالى عشان عاوزك.
أمانة بلا مبالاة: مش هينفع، قربنا خلاص نخلص، عشان حاتم مستعجل على الحاجات دي.
وما أن سمعها تتلفظ باسم حاتم مجردا دون أي ألقاب حتى شعر بالغيظ منها ومن نفسه فقال: طب أنا هساعدك عشان تخلصي بسرعة.
وما أن وصل إليها وهو يساعدها في ضبط زوايا الاتها حتى التفتت إيه قائلة: انت كده مش هتتعطل.
نوح: لا.
أمانة وهي تتركه وتتناول بعض اللوحات من الأرض: طب تمام، كمل انت بقى مع محمود وأنا رايحة لنيللي أسلمها شوية حاجات.
ليشتم نوح تحت أنفاسه فقد تخلصت من وجوده معها بحنكة دون أن تلفت الأنظار وتركتهم وذهبت دون أن تزيد كلمة واحدة ليشتد غضب نوح ولكن قد أسقط في يده وعجز عن اتخاذ أي رد فعل.
ظل الحال على ما هو عليه لمدة خمسة أيام كلما حاول نوح الاجتماع مع أمانة في أي مكان أو الاختلاء بها للحديث معها إلا وكأنها تتفنن في الطريقة التي تبتعد بها دون أن يلحظ أحد، ولكن بالطبع كان إخوتها يراقبون ما يحدث في صمت دون تعليق أو تدخل حتى فاض الكيل بنوح، على الرغم من أنه غير متأكد مما سيقوله لها ولكنه في كل مرة ينسى ارتباكه ليحل محله الغضب من فشله في التحدث معها.
حتى ذات يوم، كان نوح يراقب أمانة وهي تشرح لأحد المهندسين العمل المراد تنفيذه في أحد البنايات وعندما استدارت وهي تشير له على أحد الأركان حتى اختل توازنها ووجدت نفسها تترنح وهي تعد نفسها للسقوط لا محالة على بعض أسياخ المسلح لتجد نوح يجذبها بسرعة ليختل توازنه ليسقط بدلا منها، لتجد أمانة أن قميص نوح قد تلوث بالدماء نتيجة اختراق أحد الأسياخ لأحد جانبيه.
لتصرخ أمانة وهي تستدعي الموجودين بالمكان لحمل نوح الذي غاب عن الوعي لإسعافه.
في المشفى تجلس أمانة بجوار فراش نوح الغائب عن الوعي بعد خروجه من غرفة العمليات وتقطيب جرحه وهي تمسك بالمصحف الشريف وتتلو آيات الذكر الحكيم في خشوع وهي تمسك بيدها على رأس نوح، وصوتها يتهدج من أثر البكاء.
أسامة: وبعدها لك يا أمانة، ما الدكتور طمنا وقال إنه هيبقى كويس إن شاء الله.
أمانة: اتصاب بسببى يا أسامة، أنا السبب.
أسامة: ياحبيبتي ماتقوليش كده، ده نصيبه، بيكي من غيرك كان هيحصل له كده.
أمانة: بس ربنا جعلني سبب في ده، الدكتور بيقول أن الكلى كانت هتتهتك لو لا قدر الله السيخ كان فرق سم واحد.
أسامة: والحمد لله إن السيخ ما فرقش السم ده، خلاص بقى… يلا قومي عشان تروحي تستريحي وأنا هفضل معاه.
أمانة: لا… مش هسيبه، روح انت، كفاية أنا ولو عاوزت حاجة هكلمك.
أسامة: مش معقول هسيبك لوحدك يا أمانة وفي مدينة غريبة ماتعرفيش فيها حد.
أمانة: أنا مش هخرج من المستشفى يا أسامة، ومش هروح في حتة، بس مش هقدر أسيبه لوحده، ابقى تعالى بكرة وخلي نيللي تبعت لي معاك هدوم ليا وانت ابقى هات غيارين معاك لنوح من حاجته.
أسامة: ماشي… حاضر وهجيب لك الغيارات الليلة دي، أكيد مش هتفضلي كده للصبح.
أمانة: معلش ياحبيبي هتعبك.
أسامة: ولا تعب ولا حاجة، يلا مش هتأخر عليكي، ولو احتاجتي أي حاجة تانية كلميني اجيبها لك.
ليتركها أسامة عائدا إلى الموقع، لتنظر إلى نوح لتجده مازال غائبا عن الوعي لتحدثه قائلة: ليه يانوح… ليه عملت كده، ليه طوقتني من رقبتي.. ما كنت خدت قرار البعد.. ليه.
وليه خدعتني من البداية، هو ظلمك ليا ده مالوش آخر، وأنا اللي صدقتك وسلمتك عصمة أمري، طب أعمل إيه وأقول لهم إيه لما يسألوني ليه عاوزة أسيبك.
ليأتيها صوت نوح وهو بين النوم والاستيقاظ: حاسبي… حاسبي يا أمانة.
لندنو منه واضعة كفها على رأسه وهي تنادي باسمه بهمس، ليفتح عينيه بضعف شديد وعندما تلاقت أعينهم وجدته يبتسم لها قائلا: سامحيني.
ويغمض عينيه ذاهبا إلى نوم عميق مرة أخرى.
رواية نوح و الامانة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم وردة وسط اشواك
قضى نوح ليلته مع الحمى والهذيان وسط دموع أمانة وابتهالاتها إلى الله لينجيه.
وكان هذيانه ماهو إلا نداءات لأمانة وطلبه العفو والسماح.
وكلما سمعته أمانة طالبًا العفو، كلما تذكرت ما فعله وقال عنها، حتى غلبها النعاس.
لتشعر بيد تهزها بحنو وهي تنادي عليها بحنان.
لتفتح عينيها لتجد نعمة تقف على رأسها وعلى وجهها ابتسامة حنان.
لتهب أمانة من مكانها قائلة بلهفة:
"مرات عمي… وحشتيني."
نعمة بابتسامة مشاكسة:
"بس انتي ما وحشتينيش لأنك على طول قدامي."
ثم تمد يدها لتربت على قلب أمانة قائلة بحب:
"ريحيه يا أمانة."
أمانة:
"مش بإيدي، الظاهر أنه انكتب عليّ الشقى."
نعمة:
"الصبر يا أمانة… الصبر."
لتفتح أمانة عينيها وهي تبحث عن نعمة، ولكنها لا تجد غير عيني نوح وهي تنظر إليها.
لتنهض قائلة:
"حمد الله على السلامة، عامل إيه دلوقتي؟"
نوح بلوم هادئ:
"انتي إزاي قاعدة كده من غير النقاب، مش خايفة حد يدخل فجأة ويشوفك؟"
أمانة:
"أنا قافلة الباب بالترباس، ولسه بدري أوي على أن حد يمر دلوقتي."
نوح:
"انتي كويسة؟"
أمانة:
"أنا كويسة، المهم انت."
نوح:
"سامحيني."
أمانة بارتباك:
"سيبك من أي حاجة دلوقتي، انت كويس؟"
نوح:
"عمري ما هبقى كويس غير لما تسامحيني، أنا تعبان يا أمانة."
أمانة بلهفة:
"أنده لك الدكتور؟"
نوح:
"مش محتاج دكاترة، محتاج لك تسامحيني."
أمانة:
"من فضلك يا نوح، بلاش نتكلم في الموضوع ده."
نوح:
"لازم تفهمي."
أمانة بسخرية:
"أفهم إيه تاني أكتر من اللي فهمته؟"
نوح:
"في حاجات كتير أوي انتي ماتعرفيهاش."
أمانة:
"مابقيتش تفرق صدقيني."
نوح وهو يحاول الاعتدال:
"تفرق صدقيني… ااااه."
لتسرع إليه أمانة وهي تعيده لمكانه قائلة:
"الجرح لسه جديد والحركة مش كويسة عليك دلوقتي."
قبل ما الدكتور يشوفك.
نوح وهو يتحسس ضماداته:
"هو الجرح كبير أوي؟"
أمانة بأسف:
"اتناشر غرزة، ما كانش المفروض تعمل كده."
ليفهم عليها نوح ويقول:
"المرة اللي فاتت سبتك تنجرحي وأنا مش شايفك، ما كانش ينفع أسيبك تنجرحي تاني قدام عيني وأسكت."
أمانة:
"طب انت دلوقتي أكيد جعان ومحتاج تغير هدومك، أنا هروح أشوف الدكتور ييجي يبص عليك عشان نشوف هيسمح لك بإيه."
***
أسامة:
"بعد الشغل هروح أبص على أمانة ونوح وأشوف إيه الأخبار."
نيللي:
"حاتم قالي إنه هييجي النهاردة وهيروحله، يبقى نقابله في المستشفى."
أسامة:
"هو جاب سيرة الموضوع قدام ماما أو بابا؟"
نيللي:
"لا، بس أيمن اللي عرف وهييجي معاه هو ونيرة."
أسامة:
"ماشي."
خديجة:
"يبقى نعدي على البلد الأول نشتري أكل عشان أمانة."
أسامة:
"أنا وديتلها امبارح، بس نواشف كلها عشان ما كانش في وقت."
نيللي:
"ماتشغلوش بالكم بموضوع الأكل، أنا ممكن أخلي حاتم يتصرف ويجيب معاه."
أسامة:
"من هنا لوقت ما نيجي نروح ربنا يسهل."
***
كان الطبيب قد عاين نوح وأمر بالطعام.
وجلست أمانة تعاونه على تناول الطعام، ونوح ينتهز كل فرصة قد تأتي إليه ليحاول مداعبتها، ولكنه لم يجد منها غير الصد.
نوح باستياء:
"هتفضلي تتعاملي معايا كده كتير؟"
أمانة:
"وأنا بتعامل معاك إزاي؟"
نوح:
"من غير نفس يا أمانة، أداء واجب وبس، مش من قلبك."
أمانة:
"خلي القلوب لربها.. هو أعلم بحالها."
نوح:
"صدقيني يا أمانة انتي ليكي عندي معزة خاصة في قلبي."
أمانة وهي تنهض من مكانها لتزيل بقايا الطعام:
"كتر خيرك."
ليمسك نوح يدها وهو يعيدها مرة أخرى إلى جواره قائلاً:
"ممكن تسمعيني وبعد كده اعملي كل اللي يريحك."
أمانة بعتاب:
"إيه.. هتألف كدبة جديدة عشان تقولهالي؟"
نوح:
"أنا ماكدبتش عليكي يا أمانة، أنا فعلاً كنت بجهز نفسي إني أنزل أتجوزك لولا موضوع سهر اللي انتي عرفتي كل تفاصيله."
أمانة:
"إزاي وانت قلت إنك هتنفذ وصية نعمة؟"
نوح بتنهيدة:
"لأن دي وصية نعمة من قبل ما أسافر أصلاً."
أمانة:
"انت بتقول إيه؟"
نوح:
"بقولك إني لما سافرت دبي كنت مسافر وأنا متفق مع نعمة إني هجهز نفسي ولما أرجع هتجوزك."
أمانة:
"إزاي الكلام ده وأنا ما أعرفش وازاي وانت ما بتحبنيش ومش عاوزني؟"
نوح:
"أنا طلبت من نعمة ما تقوليش وماتسألينيش ليه لأن أنا نفسي ما أعرفش."
أمانة:
"مش محتاجة ذكاء، عشان لو جالك أي فرصة إني أبعد عنك ما تبقاش متكتف."
نوح:
"يمكن عندك حق، لكن ده ما يمنعش إني كنت بعتبر نفسي مرتبط بيكي طول السنين دي."
أمانة:
"مابقيتش تفرق يا نوح، في كل الحالات إحنا ماينفعش نكمل مع بعض."
نوح:
"أنا لسه ما خلصتش كلامي."
أمانة:
"كلام إيه تاني؟"
نوح:
"ماما لما طلبت مني إني أتزوجك، قالت لي إن دي وصية بابا الله يرحمه وإنه مأمنها توصل لي الأمانة، كانت دايما تقولي الأمانة يا نوح، أمانة أبوك وعمك."
أمانة:
"بس الأمانة دي بني آدمة من روح ولحم ودم، وأديك نفذت وعدك واتجوزتني، وأنا مش حابة إن التمثيلية دي تفضل كتير."
نوح:
"يا أمانة صدقيني أنا ما كنتش أقصد حرفيًا اللي قلته لغادة، أنا بس لسه متأثر من اللي حصل لي من سهر، انتي ما تعرفيش إحساس الراجل لما ينضحك عليه بيبقى إزاي، أنا سهر انتهكت شرفي وعرضي، أنا بس محتاج أفوق، محتاج فترة نقاهة مش أكتر. واللي عاوزك تعرفيه وتتأكدي منه إني لما ماما طلبت مني أتزوجك ما اعترضتش. يمكن لما رجعت المرة دي كنت بحاول أنتقدك قدامها لمجرد إنها تنسالي إني خلفت وعدي ليها. حتى لما حسيت إني نزلت من نظرك بسبب موضوع سهر ما استحملتش ده وفهمتك الموضوع لمجرد إنك ما تشوفينيش وحش أو إني مش راجل. ما سألتيش نفسك أنا ليه شاركتك معايا في التفاصيل دي حتى من قبل ما تعرفي أنا هعمل إيه أو إني أطلبك للجواز؟ ده لأني كنت بتعامل على إن ارتباطنا شيء مفروغ منه، بس صدقيني حسيت إني لسه ما خفيتش وإني كده بظلمك معايا. حتى حاتم وأسامة لما قالوا إنهم عاوزين يتجوزوا مع أيمن، ما اشتركتش في الحوار، لأني عارف إني لو عملت كده أبقى فعلاً بخدعك. لكن أنا ما خدعتكيش في ولا كلمة قلتهالك لما طلبت منك إننا نتجوز."
أمانة بدموع:
"ولما قلت لي إنك كنت بتغير عليا مش مني، ولما قلت لي يوم كتب كتابنا إنك…."
لتبكي أمانة ولا تكمل حديثه.
نوح بحزن:
"أقسم لك إني ما كذبتش عليكي لما قلت لك إني كنت بغير عليكي لأني فعلاً كنت بغير عليكي ومن زمان. حتى لما رجعت وعرفت إن حاتم طلبك للجواز كنت مقهور من جوايا بس كنت مكتف ومش عارف أعمل إيه، بس اللي كان مصبرني إني عرفت من ماما إنك رفضتيه أكتر من مرة. لكن أنا مش فاكر قلت لك إيه يوم كتب الكتاب، فكريني."
أمانة بخجل:
"لما قلت لي إنك لما تقعد عند أمي إنك مش هتقدر تتعود على بعدي وإني هوحشك."
نوح بابتسامة:
"طب أحلف لك بإيه إن من يوم ما شفت وشك الحلو ده يوم طنط هدى ما جت لك أول مرة وانتي على طول واحشاني، وكنتي لما تتكلمي أتخيل ملامح وشك قدامي. ولو سمحت لي كمان أعترف لك إنك فعلاً بتمثلي حاجة مهمة أوي عندي، يمكن مش حب لكن أنا ما أعرفش أسمي إحساسي بيكي إيه أو أوصفه بإيه بالظبط، لكن كل اللي أقدر أقوله لك إني دايما حاسس إني ماليش غيرك في الدنيا دي، إني بنتمي لك وبتنتمي لي، إني مسئول عنك…. فاهماني يا أمانة."
لتومئ أمانة رأسها وتقول:
"بحاول أفهمك يا نوح."
نوح:
"اديني وادي نفسك فرصة إننا نقرب من بعض أكتر من كده."
ليستمعوا دقا على باب الغرفة.
لتسدل أمانة نقابها وتتجه لتفتح الباب.
لتجد أيمن أمامها.
لترتمي باحضانه مهللة لرؤيته.
لتجد من خلفه نيرة لتبادلها التحية والإحضان هي الأخرى.
ليدخل من بعدهم حاتم ملقيًا السلام متجها إلى نوح ليبادله التحية.
حاتم:
"ألف سلامة يا نوح."
نوح ببعض الألم وهو يحاول الاعتدال:
"الله يسلمك، تعبتوا نفسكم ليه."
حاتم وهو يعيد نوح لمكانه:
"خليك مستريح، مش هنتعب لأعز منك."
أيمن:
"ألف سلامة يا نوح، إيه اللي حصل؟"
نوح:
"حادثة بسيطة، الحمد لله إنها جت على قد كده."
نيرة بتعجب:
"اتناشر غرزة وتقول بسيطة، اومال عشان تبقى كبيسة المفروض تبقى إزاي."
حاتم:
"ألف سلامة، وطبعاً مش محتاج أقول لك إن دي إصابة عمل والشركة متكفلة بكل حاجة."
نوح بإيماءة بسيطة من رأسه:
"متشكر أوي."
لتناول نيرة حقيبة حافظة للطعام لأمانة وهي تقول:
"إحنا جبنالكم معانا أكل من القاهرة واحنا جايين، مشويات وحركات بالف هنا."
أمانة:
"ليه تعبتوا نفسكم."
نيرة:
"ولا تعب ولا حاجة، نيللي قالت لحاتم إنهم ما يعرفوش لسه هنا إيه الأماكن اللي ممكن يجيبوا منها أكل كويس، فحاتم جابلكم الأكل ده من أحلى حاتي فيكي يا مصر، وأنا جبت الحافظة دي عشان الأكل ما يبردش."
لينظر نوح لأمانة ببعض الامتعاض لمعرفته إن حاتم هو من قام بشراء الطعام.
لتقول أمانة:
"تعبتوا نفسكم، تسلم إيديكم."
أيمن وهو يجذب أمانة تحت جناحه:
"قولي لي انتي عاملة إيه، بصراحة وماتزعليش مني يا نوح، أنا اتخضيت على أمانة أكتر منك."
نيرة بقلق:
"ليه يا أيمن، هو انتي حصل لك حاجة يا أمانة؟"
وقبل أن تجيب أمانة:
"أنا قلقت عليها عشان عارف هي بتحب نوح وروحها فيه قد إيه، ده الحمد لله إني لقيتها واقفة على رجله."
لينظر نوح إلى أمانة يجدها تنكس رأسها ووجهها مختبئ بنقابها.
ولم يعلم أن كانت تنكس رأسها خجلًا أم حزنًا.
ولكنه شعر بأن قبضة قوية قد اعتصرت قلبه.
وقبل أن يتحدث أحد سمعوا طرقًا آخر على الباب.
ليطل عليهم أسامة بصحبة نيللي وخديجة.
ليتبادل الجميع السلام والأحاديث المرحة والقفشات الضاحكة.
عندما لاحظوا اختفاء حاتم ونيللي من الغرفة.
***
نيللي وحاتم يقوم بسحب يديها ويهرع بها إلى خارج المشفى:
"انت موديني فين بس يا حاتم."
حاتم وهو يصعد إلى سيارته ويقودها مسرعًا:
"أنا خاطفك لمدة ساعة زمن وهرجعك تاني."
نيللي:
"وخاطفني فين بقى؟"
حاتم:
"تصدقي مش عارف، بس المهم إنك تبقي معايا لوحدي."
نيللي:
"طب البحر قريب من هنا، تعالى نقعد على البحر شوية."
وما هي إلا دقائق معدودة حتى صف حاتم عربته أمام البحر والتفت لنيللي قائلاً:
"وحشتيني."
نيللي:
"ده هم كام يوم بس."
حاتم:
"18 يوم بحالهم، إيه ما وحشتيش؟"
نيللي بخجل:
"عاوزني أقول لك إيه."
حاتم:
"تقولي لي الصراحة، وحشتك واللا لأ."
نيللي:
"وحشتني."
حاتم بحب:
"وحشتك قد إيه؟"
نيللي بخجل:
"مش هقدر أوصف لك، بس كل اللي أقدر أقوله إني لما شفتك النهاردة اترد لي روحي اللي كانت مفارقاني من يوم ما جينا هنا."
ليجذبها حاتم إلى ضلوعه قائلاً:
"ارجعي معايا وخلينا نتمم جوازنا مع أيمن ونيرة."
نيللي:
"إزاي بس يا حاتم، المواضيع دي مابتجيش كده، ولازم بابا وماما يبقوا مستعدين للكلام ده."
ليرفع حاتم وجهها إليه بأنامله قائلاً:
"ولو قلت لك إنهم موافقين وجدا كمان وإني طلبت منهم ده ووافقوا على شرط إني أقنعك، ولو كمان قلت لك إن كل حاجة جاهزة مش ناقص غيرك… هتقولي إيه."
نيللي بدهشة وهي لازالت بين أحضانه:
"انت بتتكلم جد."
حاتم وهو يهيم بين عينيها وشفتاها:
"وجد الجد كمان."
ثم يميل على شفتيها بقبلة رقيقة تحولت إلى قبلة شغوفة عندما وجدها تبادله قبلته.
وعندما انفصلت الشفاه تحدث حاتم أمام شفتيها ببحة رجولية قائلاً:
"يبقى فرحنا بعد خمس أيام بالضبط."
لتختبئ نيللي بين أحضانه بعد أن أومأت برأسها علامة الموافقة.
ليضمها إلى صدره قائلاً:
"يبقى نرجع لهم دلوقتي عشان يا دوب آخدك تجيبي حاجتك من الموقع وترجعي معانا."
لتخرج نيللي من أحضانه قائلة:
"يا خبر، واسيب أمانة لوحدها في الظروف دي."
حاتم:
"أصلًا نوح هيخرج من المستشفى على الفرح بتاعنا وأمانة لو حابة تفضل معاه براحتها، تيجي معانا من دلوقتي برضه براحتها."
نيللي:
"ما أعتقدش أمانة ممكن توافق إنها تسيب نوح في ظرف زي ده."
حاتم:
"يبقى خلاص…. نخليهم هم اللي يقرروا."
رواية نوح و الامانة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم وردة وسط اشواك
الف مبروك يانيللي، يعني هتنزلي القاهرة النهاردة.
حقك عليا يا أمانة، أنا عارفة إن التوقيت هيبقى صعب أوي عليكي.
مبروك يانيللي، مبروك يا حاتم، ربنا يتمم بخير.
أنا بجد مبسوطة أوي إننا هنتجوز سوا.
عاجبك كده؟ نبقى أول ناس فتحنا الباب وهم يتجوزوا قبلنا، ده ظلم على فكرة.
طب وتستنوا ليه؟ ما كل حاجة جاهزة، إيه اللي يأخركم؟
ما تكبروهاش في دماغه الله يخليكم.
صحيح يا خديجة، كل حاجة جاهزة يبقى ليه التأجيل؟
يا جماعة، إنتوا ناسيين إن المفروض الكلام ده بيبقى اتفاق كبار، ولا إيه؟
يعني لو أبوكي وافق، إنتي هتوافقي؟
طب أنا هكلم بابا يكلم أبوكي ويقنعه.
بابا هيكلم أبوكي دلوقتي ويرد علينا.
طب وإنتوا، إيه النظام؟
لاااا، مالكمش دعوة بينا، إحنا لا... مافيش حاجة جهزت ولا ظروف نوح الصحية تسمح ولا كمان الشغل، ماهو مش معقول كلنا هنسيب الشغل كده مرة واحدة.
وإنت يا قيس، مالكش رأي في الموضوع ده؟
والله أنا نفسي أبقى معاكم، بس أمانة عندها حق.
لو حابين تشاوروا عقلكم، أنا ممكن أخلص لكم كل حاجة محتاجينها قبل ميعاد الفرح.
إيه رأيك؟
رأيي في إيه؟ إنت معاد خروجك من هنا بعد أربع أيام، وبعدين إنتوا ناسيين المشروع ولا إيه؟ ولا ناويين توقفوه على ما الكل يتجوز؟
يا ستي، الموقع مليان مهندسين.
أنا ما بتحججش، أنا بقول واقع.
أنا مع أمانة، إحنا ممكن نعمل فرحنا بعد ما تخلصوا شهر العسل، على الأقل ناخد إجازتنا بمزاج ومن غير سربعة، أنا إجازتي هتبقى شهر بالكامل والتمام، ماينقصش ساعة زمن.
يا ابن اللعيبة، الراجل ده ما طلعش سهل على فكرة.
تقصد إننا اتهورنا وهنتكرو؟
أنا ماليش في يا معلمين، أنا الهاني مون بتاعي ممكن يبقى تلات أربع شهور مش شهر واحد وبراحتي، أنا ماحدش له عندي حاجة.
الواد ده يخصك؟
ولا أعرف.
صدق اللي قال يا ولاد... اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه.
بعد انصراف الجميع من المشفى، تسأل أمانة نوح بعد أن رفعت نقابها قائلة:
جعان... أجيب لك أكل من اللي جابه حاتم؟
هتاكلي معايا؟
لو هتاكل.
طب هات الأكل يلا وتعالى ناكل سوا.
بسم الله ما شاء الله، إيه كل الأكل ده؟
ها، أحط لك إيه؟
وده سؤال برضه، إنتي أكيد عارفة.
تسلم إيديكي، أنا كنت متأكد إنك هتعرفي تختاري الأكل اللي بحبه، بس تعرفي... أكلك وحشني.
كل يلا بالف هنا.
طب فين طبقي؟
للأسف، ما فيش غير طبق واحد.
يبقى ناكل سوا.
لا... هناكل سوا، يلا مدي إيدك.
مرت أربعة أيام على نوح وأمانة حتى سمح له الطبيب بمغادرة المشفى، ليأتي أيمن مصطحباً إياهم إلى القاهرة لحضور الزفاف الجماعي الذي تقرر عمله في حديقة فيلا عبد الراضي لكبر مساحتها لتستوعب الثلاث زيجات.
في سيارة أيمن:
حماتك صممت إنك هتقعد معانا على ما ترجعوا الموقع تاني.
لا يا أيمن، الله يبارك لك، سيبوني على راحتي.
وإيه اللي هيقلل راحتك؟ إنت في بيت أخواتك وبيت مراتك.
اتعدل يا نوح لو سمحت وانت قاعد عشان الجرح ما يشدش عليك.
الحب ولع في الدرة يا جدعان، أهو ده الحب ولا بلاش، شفت خايفة عليك إزاي، طب وعهد الله أنا من يوم ما شفتكم وأنا شفت حبك في عينيها، رغم إنك كنت مع البائسة التانية لسه وقتها، بس أهو الحمد لله، ربنا نجاك.
وبعدين يا أيمن، بلاش السيرة دي من فضلك.
سيبيه يا أمانة، أنا فعلاً عاوز أعرف.
عاوز تعرف إيه يا جوز أختي؟
عاوز تعرف إيه يا جوز أختي؟
عاوز تعرف إيه يا جوز أختي؟
هقول لك على سر عشان تتكلم براحتك، أنا جوازي من سهر ما كانش جواز بالمعنى المفهوم، وكنت متجوزها مجبر، وأول ما لقيت طريقة أني أخلص منها استغليتها وطلقتها، وعشان كده اتكلم براحتك، أنا مش هتضايق لأنها عمرها ما كانت تخصني في يوم من الأيام.
الحقيقة يا نوح، أنا أعرف سهر من ييجي سبع سنين.
سبع سنين؟
أيوه... كانت مرافقة واحد صاحبنا أبوه مليونير.
استغفر الله العظيم، بس دي سنها كبير أوي عنك إنت وأصحابك يا أيمن.
لا... ما النوعيات دي ما يفرقش معاها السن، وبعدين ماهياش عجوزة برضه.
إنت؟
أنا إيه؟
ما كان لكش علاقات من النوعية دي؟
هتصدقني لو قلت لك؟
أكيد هصدقك، بس يعني طبيعة دراستك والجامعة الأمريكية والحياة بتبقى أوبن شوية تلاتة.
بس لما أكون بحب وبحب بجد أوي كمان، عمري ما أخون.
لما كانت نيرة بتحكي لي عنك، كنت ببقى نفسي أشوف الشاب اللي ما بيزهقش أبداً طول السنين دي من إنه يحاول يقنع حبيبته بحبه ليها.
أنا بحب نيرة من وأنا عمري أقل من 15 سنة، كنت الأول بتعامل معاها على إنها بنت عمتي اللي أكبر مني وصاحبتي في نفس الوقت، بس كنت كل ما أكبر سنة أتأكد من حبي ليها أكتر.
لما فكرت أعمل مشروع ليا لوحدي بعيد عن بابا كان عشان أكبر في عينيها، عشان تشوفني بنظرة تانية، ولما كان ييجي عيد ميلادها... ما كنتش بجيب لها تورتة عليها عدد سنين عمرها، كنت بجيب لها تورتة عليهم شمع بعدد سنين حبي ليها اللي كان بيزيد سنة بعد التانية.
لما كانت تسافر مع عمتي وتبعد عني، كنت أخترع أي حجة عشان أروح وراهم وأشوفها.
الحب بهدلة يا جدعان.
وإنت يا نوح، كنت قادر إزاي تبعد عن أمانة السنين دي كله؟
كان لازم أبعد عشان أبقى نوح اللي إنت شايفه دلوقتي ده.
أومال يعني إزاي اتجوزت اللي ما تتسماش دي؟
تقدر تقول إني اتنصب عليا، اتنصب لي فخ، حاجة زي كده.
ياريت كفاية كلام بقى في الحكاية دي.
عندك حق.
في منزل عامر:
نورتنا يا نوح يا ابني.
البيت منور بأصحابه يا عمي.
يا ريت يا أولاد تفضلوا معانا على طول، ده البيت هيفضى علينا بعد جواز الولاد.
فعلاً والله، على قد فرحتي إني هفرح بيهم وأطمن عليهم كلهم في يوم واحد، على قد ما أنا شايل هم وحدتنا بعد ما كل واحد فيهم يروح بيتها.
طب بدل ما تشيل الهم تقدر تشيل الست هدى بين دراعاتك وتسافروا في أي حتة روشة كده تجددوا الماضي وتعملوا شهر عسل من أول وجديد.
والله فكرة يا بابا، إنتوا من زمان ما سافرتوش لوحدكم في أي مكان.
إنتوا عاوزيننا نسيب الفيلا لوحدها؟
الفيلا مش صغيرة وتقدر تعتمد على نفسها، جرى إيه يا ماما، دول شوية حيطان.
والله فكرة يا هدى، إيه رأيك، وإن كان على الفيلا ممكن أكلم شركة حراسة محترمة تحرسها على ما نرجع.
مش عارفة يا عامر، عمرنا ما عملناها.
أدينا هنجرب.
نرجع لموضوعنا تاني: إيه رأيك يا نوح إنت وأمانة... لو تتجوزوا معانا هنا في الفيلا، هتونسونا وهنبقى مبسوطين بيكم والله.
طبعاً يا طنط، أنا ما أقدرش أبعد أمانة عنكم أبداً، يوم ما أمانة تطلب مني إننا نيجي نقضي معاكم يومين تلاتة عمري ما أرفض أبداً ولا أعترض، لكن سامحيني... أنا ما أقدرش أعيش معاكم هنا على طول.
ليه يا نوح، إنت ابننا زي أمانة ماهي بنتنا بالظبط.
الله يبارك لك يا عمي، بس أنا ما أقدرش أسيب بيتي، البيت اللي اتربيت فيه طول عمري أنا وأمانة.
أنا رأيي من رأي نوح يا بابا.
وأنا بقول إن إنتي اللي هتقنعيه يا أمانة.
سيبهم براحتهم يا ماما، أكيد محتاجين خصوصية في حياتهم زينا بالظبط، كل واحد فينا أخد شقة لوحده رغم إن الفيلا كبيرة وتساع من الحبايب ألف، بس برضه ده ما يمنعش إن كل واحد فينا عاوز يحس إنه ابتدى يعتمد على نفسه وبقالو مملكته الخاصة.
بس ده ما يمنعش إننا اتفقنا إن كل واحد فينا هيقضي هنا أسبوع معاكم وإننا لازم نتجمع سوا في الويك اند.
ربنا يجعل لنا دايماً متجمعين على خير.
طب يلا خلصوا ولا ناسيين إن النهاردة الحنة.
و دي حاجة تتنسي برضه؟
طب إيه، مين هنا ومين هناك؟
كلكم هنا وكل البنات هناك.
بس أنا عاوز أتفرج.
هصور كل حاجة وهدي كل واحد فيكم الصور اللي تخصه، بس بعد الفرح.
إنتي بتغيظينا.
اصبر تاخد حاجة نضيفة.
الصبر من عندك يا ربي.
رواية نوح و الامانة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم وردة وسط اشواك
كانت أمانة تستعد للمغادرة مع نيللي ووالدتهما وسط الكثير من المرح والسعادة والغناء، ليستوقفها نوح وينتحي بها جانباً وهو يقول:
"هترجعي امتى؟"
"مش راجعة."
"يعني إيه مش راجعة؟"
"يعني البنات كلهم هيباتوا هناك لأن الميك أب أرتيست هيجيلهم هناك من بدري."
"طب مش المفروض كنتي تفهميني حاجة زي كده؟"
"معلش، ما جاش في بالي."
"طب وإنتي مش محتاجة حاجة ولا عاوزة تشتري حاجة؟"
"لا الحمد لله مش محتاجة حاجة."
"يعني مش محتاجة فستان تحضري بيه الفرح؟"
"لقيت ماما جابتلي."
"طب مش المفروض إن أنا اللي كنت جبتلك الحاجات دي؟"
"الوقت كان ضيق وهي كتر خيرها وفرت عليا الوقت والتعب واختارتهولي هي ونيللي."
ليصمت نوح وهو يحاول الوصول إلى عيني أمانة من خلف نقابها ثم قال:
"ارفعي النقاب من على وشك يا أمانة… عايز أشوفك وأنا بتكلم معاكي."
لترفع أمانة النقاب عن وجهها الذي يبدو عليه بعض الجمود ليقول نوح:
"عايز أسأل سؤال وتجاوبيني بصراحة."
"من غير ما تطلب ده، أنا على طول صريحة."
"لما أيمن قال إننا نتجوز معاهم وإنتي اعترضتي، كان عشان الشغل بصحيح؟"
"لأ."
"طب ليه؟"
"إنت طلبت وقت، وأنا حبيت أديهولك… وأديه لنفسي كمان."
"يعني…"
"كلامي واضح يا نوح."
"مش كله يا أمانة، فهمت إنك بتلبّيلي رغبتي، لكن فرصة لنفسك لإيه؟"
"إني أصدقك يا نوح."
"هو إنتي مش مصدقاني؟ أنا ما كدبتش عليكي يا أمانة."
"أنا ما قلتش إنك كدبت عليا، لكن محتاجة أحس بصدقك يا نوح، في حاجات ما ينفعش فيها الكلام، بتبقى لازم تتحس، وأنا محتاجة ده يا نوح، وبشدة."
"بس لما كنا في المستشفى…"
"لما كنا في المستشفى إنت كنت تعبان، وموجوع، وناس داخلة وناس خارجة، لا كان وقته ولا مكانه، وعشان كده أنا سمعت وبس."
"ولو ما كنتش سألتك دلوقتي، ما كنتيش هتقوليلي الكلام ده."
لتنظر أمانة إلى الأسفل لبرهة ثم ترفع رأسها وتنظر لنوح ببعض التركيز وتقول:
"اسمع يا نوح، أنا طول عمري ما بحبش المهاترات ولا المناقشات الكتير، لكن بحب آخد وأدي مع نفسي بما فيه الكفاية إني أطلع بقرار ما اندمش عليه بعد كده مهما حصل."
"تقصدي إيه بكلامك ده؟"
"أقصد إننا في كل الأحوال ولاد عم، سواء اتجوزنا أو ما اتجوزناش، وإنت أصلاً عمرك ما حبيبتني، يعني لو جه وقت وسيبنا بعض مافيش حاجة هتنكسر بينا، وهنفضل برضه ولاد عم."
"إنتي بتفكري إننا ممكن ننفصل؟"
"كل شيء وارد."
ليمسكها نوح من معصمها ببعض القسوة قائلاً:
"إنتي شيلي الموضوع ده من دماغك نهائي."
"عشان الوصية؟"
"وعشاني وعشانك."
ليصمت نوح وهو يتجول في معالم وجهها باستغراب ثم قال:
"حبك ليا راح فينه؟"
"حب إيه اللي بتتكلم عنه؟"
"حبك ليا اللي كان في عيونك وتصرفاتك من وإنتي لسه في ثانوي، حبك ليا اللي حتى أيمن أخوكي اللي لسه يا دوب بيعرفك لاحظه واتكلم عنه، لدرجة إنه قلق عليكي لما عرف إني اتصبت ودخلت المستشفى زي ما قالي قدامك."
"سبحانه مغير الأحوال."
"يعني إيه، لحق قلبك يتغير من ناحيتي كده بكل سهولة؟"
"مش بسهولة أبداً يا نوح، ومش هنكر كل الكلام اللي إنت قلته، لكن هفكرك بكل اللي إنت عملته، وهسيبك إنت بنفسك تحكم على نفسك، وياريت كفاية كلام لحد كده. ماما ونيللي مستنياني."
لتتركه أمانة وتنصرف بعد أن أسدلت نقابها على وجهها واتجهت إلى السيارة لتنطلق مع هدى ونيللي إلى وجهتهما.
***
كانت الحديقة بفيللا عبد الراضي مزينة بالورود والزينات وكان يحتلها الكثير من المدعوين، وكانت الشمس ساطعة والجو مليء بالبهجة وسط الأغاني والفرح والسعادة من الجميع بأجواء الحفل الذي اعتبره الجميع مميزاً لكونه مقام في الصباح.
وبعد عقد قران أيمن ونيرة، بدأت مراسم الاحتفال بالزفاف الثلاثي الذي كان يقوده أيمن بجدارة، فكان أيمن يبدو عليه السعادة الشديدة وكأنه فاز بجائزة اليانصيب، وقد أمضى معظم الحفل وهو يراقص نيرة محتضناً إياها بصدره.
أما حاتم فقد راقص نيللي الكثير من الوقت هو الآخر ولكنه لبى نداء أصدقائه للاحتفال به كما يفعل الشبان في تلك المناسبات وترك نيللي بصحبة صديقاتها.
أما أسامة فكان يجلس بجوار خديجة التي رفضت رفضاً تاماً القيام من مكانها بعد رقصة السلو الافتتاحية، فبعد الانتهاء منها والعودة لأماكنهم، عندما طلب منها أسامة الرقص مرة أخرى رفضت تماماً متعللة بأنها خجلة من كل هذا التجمع، ليجلس أسامة بجانبها وهو متبرم.
أما أمانة فكانت تتنقل بين أخوتها تهنئ هنا وتشارك الفرح هنا وتسأل هذا وتساعد ذاك تحت نظرات نوح التي كانت تتابعها في كل خطوة وحركة وهو يتذكر عندما رفضت طلبه مراقصتها بحجة أنها لا تجيد الرقص ولكنه أحس بأن أمانة تفلت من بين يديه دون أن يستطيع السيطرة على ذلك.
وعندما حانت لحظة انصراف العرائس والعرسان ودعهم الجميع بسعادة، ثم استعد المدعوون للمغادرة ليذهب نوح إلى أمانة طالباً منها اصطحابها للمغادرة معا ليجد هدى تقول:
"اصبر يا نوح، ده والد حاتم ونيرة عازمنا على العشاء."
"معلش يا طنط، ممكن تعذريني أنا، إنتي عارفة إن لسه الجرح بتاعي بيشد عليا من المجهود، فمحتاج أروح أستريح، وكمان عشان السفر بكرة."
"هو لازم بكرة يعني، ما كنتوا أجلتوها يومين ولا حاجة وإنت كمان لسه ما استردتش صحتك."
"مانتي عارفة يا طنط، الموقع حالياً يعتبر ما فيهوش إشراف وعشان كده لازم نرجع أنا وأمانة، على ما العرسان يرجعوا بالسلامة."
"طب ممكن تستريح هنا."
"معلش اعذريني، وسيبيني براحتي."
"خلاص يا حبيبي اللي يريحك، روحي مع جوزك يا أمانة."
"هو انت جاي بعربيتك ولا مع حد؟"
"بعربيتي."
"يبقى هنمشي ورا بعض."
"طب ما تيجي معايا ونبقى نجيب عربيتك بعدين."
"لا، ما بحبش أسيبها في مكان غريب عني."
"طب تحبي نروح أي مكان نتعشى سوا الأول."
"خلينا نروح نتعشى في البيت، أنا كمان تعبت وما نمتش من امبارح، وعندنا سفر بكرة إن شاء الله، العربية اللي هتوصلنا الموقع هتعدي علينا بكرة إن شاء الله على الساعة ٨ الصبح."
"خلاص، يلا بينا، بس سوقي على مهلك."
***
على طائرة متجهة إلى فيينا يجلس أيمن بجوار نيرة وهو يحتضنها إلى صدره بحب وفرحة شديدة ويقول:
"أنا مش مصدق إنك بقيتي بتاعتي."
"ولا أنا كمان مصدقة، حاسة إني بحلم ولما أفوّق هلاقيني نايمة في أوضتي وإن كل اللي فات ده حلم."
"لو كان ده حلم ياريت يطول علشان نفضل نحلم كده على طول."
لتضحك نيرة ثم تسأله:
"اشمعنى فيينا؟"
"كنت دايماً بتخيل نفسي معاكي واحنا راكبين مركب ونتفسح سوا، وفيها كتير أماكن حلوة هتعجبك، ثم تغني قائلاً… دي ليالي الأنس في فيينا… دي فيينا روضة من الجنة، نغم في الجو له رنة… سمعها الطير شدا وغنى."
"ده إنت مستمع جيد للطرب القديم."
"لأن حبي ليكي على الطراز القديم."
"هو الحب في منه طراز قديم وطراز جديد؟"
"طبعاً، أنا حبي ليكي، زي حب عنتر لـ عبلة، قيس لـ ليلى، أحمد لـ منى."
"مين أحمد ومنى دول؟"
"معرفش، بس كل الأفلام الأبيض والأسود لما كان يبقى فيه قصة حب صعبة كان يبقى الأبطال اسمهم أحمد ومنى."
"وإحنا بقى حكايتنا كانت صعبة؟"
"كانت مزروعة بالألغام ومحاطة بالأسلاك الشائكة."
"بس عديتها."
"ده لأنني حلفت إني لا يمكن أسيبك أبداً."
ليلتقط شفتيها في قبلة طويلة ليستند برأسه بعدها على رأسها وهو يهمس:
"بحبك يا أحلى حاجة حصلت في حياتي."
***
في طائرة شرم الشيخ يجلس أسامة وهو ممسك بيد خديجة والتي تغمض عينيها في سبات عميق وسط غيظ أسامة الشديد وعندما أتت المضيفة لتسأله أن كان يرغب بطلب شيء ما.
"ياريت لو نسكافيه بلاك من فضلك."
"طب أجيب حاجة للعروسة ولا هتسيبيها نايمة؟"
"لا هسيبها نايمة أحسن عشان بتخاف من الطيران."
بعد أن احتسى أسامة النسكافية سمع أسامة الطيار وهو ينبه إلى أنهم على وشك الهبوط ليتمم أسامة على حزام الأمان الخاص به وبخديجة وبعد أن هبطت الطائرة بسلام ينادي أسامة على خديجة بحب قائلاً:
"ديجا.. حبيبتي.. وصلنا."
لتفتح خديجة عينيها وهي تتلفت حولها قائلة:
"أنا فين؟"
"في الطيارة يا روحي.. وصلنا شرم خلاص، حمد لله على السلامة."
"إيه ده هو أنا نمت طول الطريق؟"
"آه يا حبيبتي وسيبتيني لوحدي، حتى المضيفة كانت عايزة تحتفل بينا وأنا مارضيتش أصحيكي وقلت أسيبك تنامي."
"آه واحتفلت إنت بقى لوحدك مع المضيفة."
"لا يا حبيبتي ما احتفلتش، قلت استنى أحتفل مع مراتي حبيبتي في جناحنا في الأوتيل براحتنا."
"اخشى يا أسامة."
"ده أنا هختشي خشي ما اختشاهوش مختشي قبل كده في المختشيين."
***
دخل حاتم فيلته الخاصة بأرقى أحياء القاهرة وهو يحمل نيللي بين يديه ثم أنزلها في البهو بعد أن أغلق الباب ورائهما وقام بتشغيل الإضاءة وقال:
"نورتي بيتك يا حبيبتي."
"ميرسي يا حاتم، البيت باين عليه يجنن."
ليقع بصرها على صورة معلقة في أحد الأركان، لتكتشف أنها اللوحة التي رسمتها للعائلة في العيد عندما اجتمعت معهم أمانة لأول مرة، لتسأل حاتم باستغراب:
"إنت جبت اللوحة دي إزاي؟"
"طلبتها من طنط هدى وهي اللي جابتهالي وأنا برزتها وعلقته."
"واشمعنى؟"
"لأني وقعت فيكي بسبب اللوحة دي."
"إزاي بقى؟"
"كان تاني مرة أشوفك لما كبرتي، لما بصيتلك وإنتي مركزة في اللوحة ما قدرتش أشيل عيني من عليكي واتفاجئت بمدى مهارتك وإنتي بترسمي ودقتك رغم السرعة في التوصيف، ولفت نظري توصيفك لنفسك في اللوحة."
"إزاي؟"
"وصفتي نفسك بالوش اللي جوه الصندوق الإزاز، مش كده؟"
"تعرف إنك تاني حد فهم ده من لوحاتي."
"ومين أول حد ياترى؟"
"بابا، بابا الوحيد اللي كان دايماً فاهم ده."
"وليه كنتي حاجزّة نفسك بعيد عن اللي حواليكي؟"
"لما بتحس بالغربة وسط الناس اللي بتحبهم بتلاقي نفسك غصب عنك عملت كده."
ليرفع حاتم رأسها بأنامله وهو يميل عليها خاطفاً شفتيها في قبلة شغوفة ثم حملها بين يديه متجهاً إلى الأعلى وهو يقول:
"ما بقاش فيه غربة، بقى فيه نيللي وحاتم وبس، ومن بكرة إن شاء الله أول محطة… باريس… مدينة العشاق."
***
في اليوم التالي يعود نوح بصحبة أمانة إلى الموقع لتنقضي أيامهما بين محاولات نوح المستمرة لاستمالتها إليه مرة أخرى وهي تارة يجدها غير مهتمة بالمرة وتارة مهتمة وتارة أخرى لا يستطيع قراءة ما يدور بذهنها أو فهم ما يدور بداخلها.
رواية نوح و الامانة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم وردة وسط اشواك
فى فيينا
كانت نيرة تنام نوماً عميقاً وهى متلحفة بغطائها، فالطقس بارد بشدة. كانت تدفن رأسها تحت الغطاء، ولا يظهر من وجهها سوى طرف أنفها وشفتيها.
كان أيمن آتياً لتوه من الخارج، فقد ذهب منذ فترة ليحضر بعض الاحتياجات. وما أن دلف إلى الغرفة حتى وضع مكواة الملابس في القابس الكهربائي، وقام بتغيير ملابسه بسرعة. ثم مرر المكواة على قطعة ملابس تخص نيرة، ثم أخذ قطعة الملابس واندس بها تحت الفراش بجوار نيرة.
قام بوضعها على كتف نيرة المكشوف، لتبتسم نيرة تلقائياً وهي لا تزال نائمة. ليقترب منها أيمن ليقبلها قبلة رقيقة بجوار فمها قائلاً بعشق:
"اصحي بقى وحشتيني."
نيرة وهي ما بين النوم واليقظة:
"بردانة وعايزة أكمل نوم."
أيمن:
"أنا سخنتلك الروب بتاعك بالمكواة.. قومي يلا البسيه عشان تفضلي دفيانة، ويلا عشان جايبلك معايا الإسبريسو بتاعك قبل ما يبرد."
لتفتح نيرة عيناها بابتسامة عشق قائلة:
"حبيبي اللي على طول مهنيني ومدلعني."
أيمن:
"وأنا ليا غير اللي ساكنة قلبي، يلا يا حبيبتي اتعدلي."
ليساعدها أيمن على الاعتدال وهو يضع فوقها الروب ويساعدها على ارتدائه، وسط تقبيله لها بين كل حركة والأخرى.
نيرة ضاحكة:
"قال وأنا اللي كنت عاملة أتريق عليك لما لقيتك جايب معاك المكواة، ما كنتش أعرف إنك جايبها لاستخدامات أخرى."
أيمن ضاحكاً:
"دراسات الجدوى برضه ليها فايدتها."
نيرة وهي تندّس بين أحضانه:
"وأنت بقى كل حاجة بتعملها.. بتبقى عامل لها دراسة جدوى؟"
أيمن بعشق:
"إلا حبي ليكي، انفرض عليا من غير ما أعمل حساب لأي حاجة."
نيرة:
"هتفضل تحبني كده لأمتى؟ خايفة ييجي يوم وحبك ليا يقل أو يخلص."
أيمن:
"عمرك سمعتي إن موج البحر خلص أو قل؟"
نيرة:
"لأ، بس ممكن يهدى."
أيمن:
"حتى لو هدى بيرجع من تاني لجنونه وهيجانه، أهو حبي ليكي زي موج البحر.. لا بيهدى ولا عمره في يوم هينام."
***
فى شرم الشيخ
كان أسامة وخديجة يسيران على شاطئ البحر وهما متشابكا الأصابع.
أسامة بابتسامة وهو ينظر لخديجة:
"مبسوطة يا خديجة؟"
لتنظر له خديجة بحب، ثم ابتسمت وقالت:
"عمري ما كنت مبسوطة زي وأنا معاك."
أسامة وهو يضمها تحت جناحه وهما يواصلان سيرهما:
"ربنا يقدرني وأسعدك."
خديجة:
"وأنت يا أسامة.. مبسوط؟"
أسامة:
"أنا مبسوط، انتي مش عارفة أنا بحبك قد إيه يا خديجة."
خديجة بسعادة:
"لو تعرفي سعادتي بتبقى قد إيه لما بتنده لي باسمي."
أسامة باستغراب:
"طب ما أنا على طول بنده لك باسمك."
خديجة:
"لأ مش كده، أقصد لما بتقول لي يا خديجة، لأنك ساعات كتير بتقول لي يا ديجا، بس بحب خديجة منك أكتر.. أكتر من أي حد تاني."
أسامة بابتسامة:
"اشمعنى؟"
خديجة وهي تدخل نفسها بين ضلوع جنبه:
"بحس فيها بحبك أوي، بحسها كأنها حضن دافي بياخد قلبي بالحضن في ليلة شتا."
ليقف أسامة ويدير خديجة لينظر بعينيها، ثم يقول بمرح:
"إيه ده، طب ما إحنا بنعرف نقول كلام زي الفل أهو، امال إيه؟"
خديجة بمناغشة:
"أيها سامة؟"
أسامة:
"طب بقولك إيه، بمناسبة إننا في الشتا.. والنهار قرب يروح، ما تيجي في حضني أدفييكي ونطلع أوضتنا."
لتفلت خديجة نفسها من بين يديه وتقول:
"بقولك إيه يا أسامة."
أسامة:
"قولي يا قلب أسامة."
خديجة:
"أنا مش طالعة أوضتنا غير لما تغديني، أنا جعانة، وأنت كل يوم تنصب عليا وتاكل عليا الغدا."
أسامة بقلة حيلة وهو يرفع يديه للسماء:
"أشكو إليك."
ثم ينظر إليها وهو يعض على نواجذه ويقول:
"اتفضلي يا حبيبتي على المطعم عشان نتغدى ونتعشى بالمرة."
***
فى باريس
كانت نيللي تجلس بشرفة حجرتهما بالفندق، والذي يطل على برج إيفل، وهي تمسك لوحة وفرشاة وتقوم برسم البرج وساحته. ورسمت نفسها بأحضان حاتم أمام البرج.
ليقول لها حاتم من خلفها:
"انتي بجد فنانة."
نيللي بابتسامة:
"ميرسي يا حبيبي."
حاتم:
"مش هترسميلي لوحة؟"
نيللي:
"عايزني أرسمك؟"
حاتم:
"آه، بس مش وش."
نيللي باستغراب:
"امال إيه؟"
حاتم وهو يقترب من وجهها ويلتقط قبلة سريعة ثم يقول:
"وشك انتي."
نيللي:
"انت عايز لوحة ليك ولا ليا؟"
حاتم وقد جذبها إليه لتقف بين أحضانه:
"لوحة لقلبي اللي لو دخلتي جواه مش هتلاقي غير ملامحك انتي."
نيللي بابتسامة خجل:
"وبسن."
حاتم:
"هو أنا عملت حاجة؟"
نيللي:
"دايماً بتتعمد تكسفني بكلامك."
حاتم:
"أنا فعلاً عايزك ترسميلي لوحة لوشك، عشان أحط الأصل في بيتنا، وهصغرها على الكمبيوتر نسختين، هحط نسخة على مكتبي ونسخة في عربيتي."
نيللي:
"طب ما تحط صورة طبيعية وخلاص."
حاتم:
"لأ لأ.. عايز ريحتك تبقى فيهم، لمستك وإحساسك."
نيللي:
"طب افرض رسمتها وما عجبتكش."
حاتم:
"مستحيل، الأيدين دي، قالها وهو يرفع كف يديها إلى فمه ليقبلهما، اللي علقوا قلبي بصاحبتهم عمرهم ما يعملوا حاجة ما تعجبنيش أبداً."
***
فى الموقع
كانت أمانة لا تزال تضع كل تركيزها في العمل وتتجاهل نوح تماماً فيما بينهما، وتكاد لا تتحدث معه إلا أمام زملائهم أو العاملين بالموقع.
إلى أن جاء لنوح مهاتفة تليفونية من عبد الراضي، والذي كان يشرف بنفسه على أعمال الشركة حتى عودة حاتم من شهر العسل.
عبد الراضي:
"عايزك انت وأمانة تعملوا لي مع بعض مذكرة بالجزء اللي تم انجازه في القرية يا نوح، وتبعتهالي على بكرة بالكتير، ولو أمكن يكون بالإنجليزي."
نوح:
"سهلة يا فندم، بس خير."
عبد الراضي:
"في شركة إسبانية عايزة تعمل سلسلة قرى سياحية بشراكة مصرية عندنا في مصر، وكلمتنا بالكلام ده، وفي وفد من عندهم نازل مصر الأسبوع اللي جاي، وعايزين يشوفوا كام موقع من عندنا، ولما كلمت حاتم رشح لي القرية عندكم من ضمن المواقع اللي أخليهم يزوروها، بما إنها تحت إشرافك انت وأمانة."
نوح بابتسامة:
"تمام يا فندم، تحت أمرك، بكرة قبل الضهر إن شاء الله التقرير هيبقى على مكتبك."
عبد الراضي:
"ماشي يا ابني، وبلغ سلامي لأمانة."
وبعد أن أغلق نوح الهاتف، اتسعت ابتسامته قائلاً:
"هتقعدي معايا يا أمانة وهتتكلمي، حتى لو في الشغل بس مش مشكلة.. أهي بداية على الأقل."
ليستدعي نوح أمانة على جهاز اللاسلكي الخاص بها لتذهب إليه في المكتب لأمر طارئ.
وعندما تأتي إليه، يتعمد نوح التعامل معها بجدية شديدة، فيقص عليها على الفور ما طلبه منه عبد الراضي، طالباً منها الجلوس معه على الفور لإعداد ذلك التقرير.
أمانة:
"وليه نعمل التقرير بالإنجليزي، ما نعمله بالإسباني على طول."
نوح بدهشة:
"وانتي تعرفي إسباني؟"
أمانة:
"أيوه، والمهندس محمود كمان بيتقن الإسباني."
نوح وبعينيه لمعة فخر بها:
"برافو يا أمانة، بس اتعلمتيها إمتى؟"
أمانة:
"أنا ونيرة واخدين فيها كورسات مع بعض من أيام الجامعة."
نوح:
"واشمعنى الإسباني يعني؟"
أمانة:
"دي مش أول شركة إسبانية نتعامل معاها، دي يمكن سادس أو سابع شركة."
نوح:
"طب ليه عبد الراضي بيه طلبها بالإنجليزي؟"
أمانة:
"لأن مش هو اللي متابع كل الكلام ده، الكلام ده من زمان مع حاتم، هو اللي ماسك الشغل ده، أنا أصلاً من يوم ما اشتغلت في الشركة ما شفتش عبد الراضي بيه غير يمكن واحنا بنخطب نيرة لأيمن."
نوح:
"طب أكلمه أسأله تاني ولا إيه؟"
أمانة:
"مالوش لازوم، إحنا بكل بساطة نعمل التقرير نسختين، نسخة بالإنجليزي، ونسخة بالإسباني."
نوح وهو يومئ برأسه موافقة على حديثها:
"ماشي.. يلا نبتدي."
ليظل منكبين على إعداد التقرير بقية اليوم، حتى أن زملاءهم قد أوصلا لهما غداءهما وعشاءهما أيضاً إلى المكتب.
وبعد انتهائهما من إعداد التقرير باللغتين ومراجعتهما جيداً، وأرفقا به تصويراً لكل ما تم العمل به، نظر نوح إلى ساعة يده ليجد أن الساعة قد قاربت من منتصف الليل، ليقول:
"يا هادي الوقت سرقنا على الآخر، الساعة داخلة على اتناشر، تفتكري أبعت التقرير دلوقتي ولا أستنى لبكرة."
أمانة:
"أنا رأيي تبعتهوله دلوقتي على الفاكس والإيميل كمان، بحيث إنه لو عايز يعدل حاجة يلحق يطلبه."
نوح:
"عندك حق، خلاص اطلعي انتي بقى نامي وارتاحي، وأنا هبعتهم وأروح أنام أنا كمان."
أمانة وهي تنهض من مكانها:
"ماشي.. تصبحي على خير."
نوح بدعابة:
"إيه الندالة دي، ده بدل ما تقولي لي لأ، هستنى معاك ونطلع سوا بعد ما تخلص."
أمانة:
"بس إحنا خلصنا، أنت يا دوب هتبعت الميل والفاكس وخلاص."
نوح:
"يعني هانت.. طب ما تقولي لنفسك."
أمانة:
"لو عايزني أستناك هستنا."
نوح ببعض الضيق من عدم اهتمامها:
"لأ يا أمانة.. روحي انتي، أنا كنت بهزر معاكي، يلا انتي تصبحي على خير."
لتشعر أمانة بأنها قد أحرجته، ولكنها لم تستطع التراجع عن موقفها، فقالت وهي تتجه إلى الخارج:
"عموماً لو احتجت حاجة كلمني."
نوح وهو يهز رأسه بالنفى:
"لأ إن شاء الله مش هحتاج حاجة، يلا روحي انتي."
لتخرج أمانة من المكتب وهي تلتفت إلى اليمين جهة السلم المؤدي إلى الأعلى، لتتفاجئ أمامها بكلب ضخم أسود اللون واقفاً متحفزاً للهجوم عليها.
وبسرعة بديهة رجعت مسرعة إلى المكتب محاولة إغلاق الباب بسرعة، وكادت أن تنجح، ولكن مخالب الكلب كانت قد اشتبكت بخمارها من الخلف، لترتد بظهرها على باب المكتب الذي ارتد بقوة لينغلق على أقدام الكلب. والذي تنبه له نوح على صوت نباحه المفاجئ مع صوت حركة أمانة في عدوها.
حدث كل شيء في دقائق معدودة وكأنه شريط لفيلم تسجيلى. فعندما التفت نوح على صوت الحركة المفاجئة من خلفه ووجد أمانة وهي تعدو محاولة إغلاق الباب، اندفع باتجاهها ليستطلع الأمر، وقد ظن أنها رأت لصاً ما بالمكان، ولكنه لمح جسد الكلب الضخم.
ومن حسن حظهم أن الباب قد أصاب الكلب في قدمه، ولكنه قد مزق خمار أمانة تماماً، مما تسبب في اصطدام ظهرها بيدها اليسرى، والتي كانت تصرخ ألماً بسببهم.
ليحتضنها نوح وهو يهدئ من روعها، وهو يحاول أن يثبت الباب الذي لم ينغلق تماماً، فما زالت قدم الكلب بين الباب والحائط. ليمد نوح يديه ليجذب مقعداً ضخماً من مقاعد المكتب ليضعه خلف الباب ويجلس عليه، وهو يأخذ أمانة بأحضانه وهو يتفقدها ويحاول طمأنتها.
ثم تناول جهاز اللاسلكي الخاص بالعمل من جيبه، وقام باستدعاء الغفراء القريبين من مبنى السكن، وهو يخبرهم بما حدث ويحذرهم من أن يصاب أي شخص بأي مكروه. ثم عاد للحديث مع أمانة قائلاً:
"أمانة.. حبيبتي انتي كويسة، ما تخافيش ياحبيبتي ما حصلش حاجة، بس قوليلي إيه اللي واجعك."
أمانة ببكاء شديد:
"كتفي ودراعي يا نوح بيوجعوني أوي مش قادرة."
نوح وقد بدأ صوت الغفراء يقترب منهم:
"ما تقلقيش ياحبيبتي، أول ما الغفراء يتصرفوا هاخدك على المستشفى عشان أطمن عليكي."
أمانة:
"عايزة أطلع أوضتي الأول أغير الخمار.. اتقطع."
نوح:
"حاضر، نطمن بس إنهم موتوه، وهعملك كل اللي انتي عايزاه."
ليسمعوا صوت صراخ الكلب بعد صوت طلقة نارية، لتصرخ أمانة منتفضة بين أحضان نوح، ليضمها نوح محاولاً طمأنتها وسط عراك قلبه الذي لم يهدأ من خوفه عليها، فقال لها:
"ششششش بس ياحبيبتي ماتخافيش."
أمانة ببكاء:
"موتوه يا نوح."
نوح:
"يا حبيبتي ده كلب سُعران وخطر على أي حد، الموقع مليان كلاب كلها كلاب مستأنسة عمرها ما هاجمت حد، بالعكس حارسانى كلنا، لكن ده كان لازم يموت."
أمانة ببكاء:
"مش عايزة أشوفه."
نوح:
"ماتخافيش، لينادي وهو مازال في مكانه أحد الغفراء قائلاً: يا سعيد."
سعيد:
"خلاص ياباشمهندس.. مات. تقدر تفتح الباب."
نوح:
"طب عايزكم تشيلوه من الطريق حالاً، وعلى ما أطلع الباشمهندسة وأوديها المستشفى أطمن عليها، ألاقي المكان اتنضف كويس."
سعيد:
"أوامرك يا بيه."
وما إن شعر بهم وهم يسحبون جسد الكلب حتى وقف، وهو ما زال حاملاً أمانة قائلاً:
"غمضي عينك لحد ما أقول لك تفتحي."
لتغمض أمانة عينيها بالفعل وهي تدفن رأسها بكتف نوح، ليتجه بها إلى الخارج، ليجد أن العديد من زملائهم قد هبطوا من غرفهم على صوت الطلق الناري. ولكنه طمأنهم واتجه بأمانة إلى غرفتها، وساعدها في خلع نقابها وخمارها الممزق، ثم ساعدها في ارتداء آخرين بدلاً منهما.
ثم حملها مرة أخرى إلى السيارة، حيث أن جسدها كان يرتعد بشدة بسبب رعبها مما حدث، وذهب بها إلى المشفى للاطمئنان عليها.
رواية نوح و الامانة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم وردة وسط اشواك
كان نوح يحمل أمانة ويجرى مهرولاً في طرقات المشفى وهو يتوسل من يساعده وسط بكاء أمانة وتأوهاتها التي لم تتوقف.
حتى وضعوها على حامل الأشعة، وقاموا بعمل أكثر من أشعة لكتفها وذراعها الأيسر من أكثر من جهة.
وبعد أن فرغوا، ساعد نوح أمانة على الاعتدال، ثم تركها واتجه خارجاً ليتحدث مع الطبيب المختص.
وما إن وجده حتى سأله بلهفة عما يوجد بالأشعة، والذي أجابه بعملية شديدة قائلاً:
"كتفها اتعرض للخلع ومحتاجة إني أعمل لها رد لكتفها، ولازم تعرفي إنها هتتوجع بشدة من الإجراء ده."
"أرجوك اعمل أي حاجة وبسرعة، واديها حاجة تسكنها، كفاية اللي شافته."
"هو اللي حصل لها ده إزاي؟"
ليقص نوح ما حدث بالتفصيل للطبيب.
"طب حد كشف على ظهرها؟"
"لا، إحنا جينا على الأشعة على طول."
"بعد ما أردلها كتفها، لازم حد من الجراحة يبص على ضهرها عشان يتأكد إن مخالب الكلب ما أذيتهاش، لأن ممكن تكون اتجرحت بس ألم كتفها مغطي على ألم الجروح."
"طب ممكن أبقى موجود وأنت بتردلها كتفها؟"
"إنت تقربلها إيه؟"
"أنا جوزها."
"مافيش مشكلة، هما حالياً ودّوها على الأوضة اللي هعمل لها فيه الرد، تقدر تيجي معايا."
وعندما وصلوا إلى هناك، وجدوا أمانة تبكي بشدة وهي تنادي نوح.
ليهرع إليها ما إن سمع صوتها وهو يضمها إليه قائلاً بحنان شديد:
"حبيبتي ماتخافيش، أنا معاكي أهو، أنا بس كنت بأوري الأشعة للدكتور."
"موجوعة أوي يا نوح."
"حبيبتي، إنت كتفك اتخلع وعشان كده الوجع جامد، فالدكتور دلوقتي هيرد لك كتفك ويديكِ مسكن، وكلها كام يوم إن شاء الله وهتبقى زي الفل."
"لا مش عاوزة... مش عاوزة، لا... هتوجع زيادة، مش قادرة أتوجع أكتر من كده."
"والله لو كان ينفع كنت خدت منك كل الوجع ده واتوجعته مكانك، حقك عليا، سامحيني."
ليشعر بأن أمانة، وكأن كلماته جعلتها تسهو قليلاً عن آلامها.
لينظر للطبيب بأن ينتهي من عمله بسرعة.
وما إن أشار نوح للطبيب وقام الطبيب بإمساك كتفها وقام برده في خطوة واحدة لم تتخطى نصف الدقيقة، حتى صرخت أمانة صرخة عالية انخلع لها قلب نوح.
فما كان منه إلا أن كتم صرختها بشفتيه، ضاماً وجهها بيديه.
كان النقاب حاجزاً بين شفتيهما، ولكن نوح عندما رفع شفتيه بحث عن عينيها من خلف نقابها.
ولكنه وجدها مغمضة العين، مأخوذة الأنفاس، وما زالت أنفاسها تتهدج من أثر نحيبها.
ليضمها نوح إلى صدره وسط غمزات وهمسات التمريض، ولكنه لم يأبه لأحد.
أخذ يردد بعض آيات الذكر الحكيم بصوت هادئ محبب إلى النفس حتى هدأت أمانة.
لتسمع صوت الطبيب قائلاً:
"هنحتاج نديها حقنة مسكنة."
"لا، اديها أقراص، بتخاف من الحقن."
لترفع أمانة عينيها وهي تنظر إليه محدثة نفسها:
"لسه فاكر."
"وكمان الحقن بتفضل معلمة في جسمها وبتوجعها فترة."
"خلاص تمام، يبقى تجيبي لها الأقراص دي. أنا كتبتلها على دهانات لازم تستعملهم بانتظام، وهتحتاج لعلاج طبيعي بعدها بس لازم أشوفها الأول كمان مرة بعد عشر أيام ونعمل لها أشعة تاني عشان نتأكد إن الرد كان مظبوط."
"أنا متشكر جداً يا دكتور."
"لا شكر على واجب، وما تنساش تعدوا على الجراحة زي ما قلت لك."
"الجراحة... ليه؟"
"ما تخافيش يا حبيبتي، أنا بس لما حكيت للدكتور على اللي حصل قال لي إن لازم دكتور جراحة يبص على ضهرك لا يكون الكلب جرحك بمخالبه وإنتي لسه مش حاسة بيه بسبب وجع كتفك."
"طب خلي واحدة من الممرضات تبص لي عليه، بلاش دكتور."
ليقبلها نوح من رأسها قائلاً:
"حاضر."
ليجلسها على أحد المقاعد ويذهب ليدبر أمر تلك الممرضة.
ليعود إليها ومعه الممرضتان اللتان كانتا بصحبتها مع طبيب العظام.
واصطحباها إلى غرفة أخرى ليطمئنا على ظهرها.
وسألها نوح إن كانت تحتاج إليه معهما، لتسرع بالرفض وسط اندهاش الممرضتين.
وعند إغلاق الباب، بدأت الممرضتان في الكشف عليها.
"هو إيه إنتي اسمك إيه؟"
"اسمي أمانة."
"أمانة... اسمك حلو أوي وجديد."
"هو اللي معاكي ده يبقالك إيه؟"
"خطِيبي."
"كل ده ولسه خطيبك؟ اومال نقاب إيه ده بقى؟"
"هو كاتب كتابي على فكرة، وابن عمي ومتربيين طول عمرنا سوا من صغرنا."
"بس باين عليه بيموت فيكي، ده الود وده يشيل عنك الوجع، ربنا يخليكم لبعض."
لتشعر أمانة بلسعة برودة على ظهرها، لتنكمش على نفسها وهي تقول:
"إيه ده؟"
"ما تخافيش، دي خراشيش بسيطة وأنا هتطهرها لك بس وهحط لك عليها بلاستر وهتحتاجي تغيري عليه مرة أو اتنين وخلاص."
وبعد أن خرجوا من الغرفة، ذهبت الممرضة الأولى إلى نوح وشرحت له ما عليه فعله.
ليقترب نوح من أمانة وهو يعطيها قرص مسكن ويناولها زجاجة مياه قائلاً:
"خدي يا أمانة القرص ده، المسكن هيسكن لك الألم إن شاء الله."
لتلتقطه أمانة من يده وتتناوله من فورها وهي تقول:
"أنا عاوزة أمشي بقى، حاسة إني عاوزة أنام."
"يالا يا حبيبتي..."
وصل نوح وأمانة إلى الموقع ليجد الهدوء التام، ولم يجدا غير الغفر وهم مجتمعين حول بعض النيران يلتمسون الدفء.
ليساعد أمانة على الصعود إلى غرفتها وأنار لها الغرفة ثم قال:
"ها يا حبيبتي، عاوزاني أعمل لك إيه؟"
"ولا حاجة، أنا هنام."
"طب أطلع لك حاجة تلبسيها؟"
"أنا مش هقدر أغير حاجة، أنا هنام زي ما أنا كده."
"تحبي أفضل معاكي على ما تنامي؟"
"لا يا نوح، أنا هشغل القرآن جنبي وإن شاء الله هنام على طول."
ليتجه نوح إليها ليقوم بخلع نقابها عنها وسط اعتراضها، ولكنه استمر فيما يفعله قائلاً:
"بلاش مقاوحة يا أمانة لو سمحتي، مش هتعرفي تقلعيه لوحدك، لا النقاب ولا الخمار، سيبيني أساعدك لو سمحتي، وبعدين ما أنا اللي غيرته لك قبل ما نروح المستشفى."
"أنا ماكنتش مركزة مع حاجة من الوجع."
"طب يا ستي معلش، تمي جميلك وخليكي مش مركزة، والحمد لله إنها جت على كده."
ثم نظر إليها لبرهة وهو يركز بعينيها دون أن يتحدث.
لتعلُ الحمرة وجنتي أمانة لتتنحنح قائلة:
"فيه إيه، بتبص لي كده ليه؟"
"لو قلت لك هتصدقيني؟"
"جرب."
"أنا مش عارف أجيبهالك إزاي، بس... لما حصل اللي حصل وشوفتك قدامي وإنتي موجوعة وأنا مش قادر أشيل منك الوجع ده، حسيت بالعجز، ولاول مرة في عمري ده كله أكتشف إني..."
وعندما طال صمته قالت أمانة وهي تحثه أن يكمل حديثه:
"إنك إيه؟"
ويمسك بكف أمانة غير المصاب بيسراه، وأخذ يخط كلمة ما على باطن كفها بيمناه.
وعندما تاهت أمانة مع ما خطه نوح، رفع وجهه إليها وهو يلثم باطن كفها برقة قائلاً:
"بحبك."
ليسود الصمت بينهم لمدة من الزمن لم يحتسباها أو يعلما عنها.
ولكن فجأة انتفضت أمانة من مكانها وهي تغمض عينيها وتسحب كفها من بين كفي نوح لتقول:
"أنا تعبانة أوي يا نوح ومحتاجة أنام."
"عندك حق، نامي إنتي يا حبيبتي وأنا هخبط عليكِ وقت الدواء بتاعك."
"ماتتعبش نفسك أنا..."
"يا ريت تسيبيني أتعب... ممكن؟"
"اللي يريحك."
"طب يالا اتعدلي عشان أغطيكِ."
"روح يا نوح لو سمحت وأنا هتعدل وأنام."
"اتعدلي بالراحة... أيوه كده، يالا عشان أغطيكِ."
وظل يعدل من وضع نومها حتى لا تتألم أثناء نومها، حتى استقرت على وضع مريح بالنسبة لها.
فقام بتدثيرها وهو يداعبها قائلاً:
"شفتي إنك لمضة على الفاضي، ولا كنتي هتعرفي تعملي حاجة من غيري."
"تعبتك معايا... متشكرة."
ليجلس نوح بجوارها وهو يقول بقلق:
"متأكدة إنك مش هتحتاجيني جنبك الليلة دي على الأقل؟"
"لا ما تقلقش، إن شاء الله هنام على طول."
ليقوم نوح بوضع هاتفها في مرمى يدها قائلاً:
"طب خلي تليفونك جنبك لو حسيتي بأي وجع أو احتاجتي أي حاجة كلميني على طول."
"ماشي."
لتتفاجأ أمانة بنوح وهو يميل عليها ليقبل جبينها ثم يعتدل قائلاً:
"تصبحى على أحسن حال إن شاء الله."
"وإنت من أهله."
ليذهب نوح مغلقاً الباب من خلفه.
ليفتح باباً آخر في نفس أمانة، وظلت تسأل نفسها:
"حبك بجد يا أمانة، ولا بس بيقول لك كلمتين ينسيكِ بيهم الكلام اللي سمعتيه؟ بس أنا كنت حاسة إنه خايف عليا بجد، شفت دموعه اللي عمري ما شفتها قبل كده غير وقت موت نعمة، حتى ماشفتهاش في موت عمي. معقول عشان صعبت عليه بس؟ لا نوح مشاعره عمرها ما كانت لحظية. طب هصدقه ولا لأ؟ هسلم له ولا لأ... يارب دلني على الصح واللي فيه الخير."
لتغفو أمانة وتذهب في نوم متقطع، فكانت تصحو على ألم كتفها كلما حاولت التقلب أثناء نومها، ثم تعود للنوم مرة أخرى.
وظلت هكذا حتى الصباح.
أما نوح، فبعدما ذهب إلى غرفته، ذهب إلى الشرفة ليدخن سيجارته وهو لا يشيح نظره عن باب شرفة أمانة.
وهو يحاول فهم ما حدث منه تلك الليلة وهو يحادث نفسه:
"إمتى يا نوح... فجأة كده حبتها!! ده إنت كنت هتموت من قلقك عليها. اللي حسيته ده حب أكيد مش حاجة تانية، حاجة عمرك ما حسيتها ولا دقتها. إزاي افتكرت إنها بتخاف من الحقن، دي حاجة عدت عليها سنين طويلة أوي، وإزاي افتكرت إنها بتعلم في جسمها وبتوجعها، دي كانت لسه في ثانوي لما تعبت وحصل الكلام ده، بس فاكرة ومخزنه جوه دماغك، يعني تهمك يا نوح ومن زمان. طب كنت بتكابر المكابرة دي كلها ليه؟ ليه كنت بتتعمد تضايقها، وتوجعها رغم إنك طول عمرك عارف إنها بتحبك وبتعشقك كمان، ونعمة أكدت لك ده يوم ما طلبت منك تتجوزها. طب لما إنت كمان كنت بتحبها ليه ما اعترفتش حتى لنفسك بده؟ كنت هتوفر على نفسك كتير أوي، يمكن حتى ما كنتش سافرت. كنت بتهرب منها ليه يا نوح؟ مش كان زمانك نفذت الوصية وصنت الأمانة من زمان. طب هتصدقني وتسامحني ولا هتفضل فاكرة اللي سمعته بس؟"
لينظر إلى السماء داعياً الله أن يلهمه الصواب وأن تتآلف القلوب.
ثم يذهب إلى الداخل مغلقاً الشرفة ليضع نفسه بالفراش بملابسه كما أمانة، ليتدثر وهو ممسك بهاتفه حتى يجيب أمانة سريعاً إذا حدثته.
وذهب في نوم عميق لم يصحو منه إلا في التاسعة صباحاً على صوت الهاتف.
رواية نوح و الامانة الفصل الثلاثون 30 - بقلم وردة وسط اشواك
قام نوح فزعا من نومه على صوت رنين هاتفه ليضعه على أذنه على الفور قائلاً: "مالك يا أمانة؟"
ولكن رنين الهاتف لم يتوقف، لينظر للهاتف باستغراب ليجد أنه صوت تنبيه الساعة. ليتذكر أنه قد قام بضبط الوقت على موعد دواء أمانة. ليغلق التنبيه ويقوم مسرعاً إلى الحمام ليقوم بطقوسه الصباحية سريعاً. ويقوم بتغيير ملابسه والاتجاه للخارج.
ليدق الباب على أمانة وعندما لم يأتيه رد قام بفتح الباب بهدوء ليجد أمانة نائمة ويبدو الألم على ملامحها وهي مستغرقة في النوم. ليغلق الباب بهدوء ويتجه إلى الأسفل ليحضر لها إفطاراً كي تتناوله قبل تناولها للدواء.
وعندما هبط لأسفل كان كل من يقابله يستفسر منه عن ماهية ما حدث بالأمس وهو يجاوبهم أثناء إحضاره لإفطار أمانة. ثم نظر إلى محمود كبير المهندسين قائلاً: "هغيب عنكم نص ساعة بس أفطرها وأديها العلاج بتاعها وأرجع لكم. أي حاجة كلموني أنا معايا الجهاز بتاعي."
محمود: "تمام ياباشمهندس، ماتقلقش، وألف سلامة عليها."
ليصعد نوح مرة أخرى إلى غرفة أمانة، ليدق على بابها مرة أخرى ولكنه هذه المرة يسمع صوتها وهي تقول بألم: "مين؟"
ليفتح نوح الغرفة ويدلف إليها مسرعاً ليجدها تبكي بصمت من الألم. ليجلس أمامها قائلاً: "عديت عليكِ من شوية لقيتك نايمة، فروحت جبتلك حاجة تاكليها عشان تاخدي العلاج."
أمانة: "مش عاوزة آكل حاجة. عاوزة مسكن، الوجع فوق احتمالي."
يقوم نوح باحتضانها من خصرها ليعدل من وضعها دون أي مقدمات. لتشهق أمانة قائلة: "فيه إيه؟ بتعمل إيه؟"
نوح بحزم: "فيه إنك هتاكلي قبل المسكن عشان مش هينفع يتاخد على معدة فاضية. وفيه إنك لازم تنفذي تعليمات الدكتور بالحرف الواحد. وفيه إني هضطر أسيبك كمان نص ساعة بالظبط عشان أروح أبعت الشغل اللي طلبه والد حاتم واللي ما لحقتش أبعته لما حصل اللي حصل. فانتي لازم تسمعي الكلام على طول عشان ماتتعبينيش معاكي وتوجعي قلبي على الصبح."
كان نوح يتحدث ويناولها الطعام بفمها إجباراً دون أن يعطيها أي فرصة للحديث حتى وصل لجملته الأخيرة فقالت أمانة باعتراض وتمرد: "أنا هعتمد على نفسي عشان ولا أتعبك ولا أوجع قلبك."
لينظر لها نوح بابتسامة جانبية وهو لا يزال يناولها الطعام بفمها: "هو أنا ما قلتلكيش إن كون إني قلقان عليكي هتوجعي قلبي، وإن أي آه بتطلع منك كأنها طالعة من قلبي، وإني كل ما افتكر الوجع اللي اتوجعتيه امبارح وأنا عاجز إني أداويكي بيوجع قلبي."
لتتورّد وجنتا أمانة بشدة وهي لا تدري أين تتجه ببصرها وتوترت لدرجة أنها لا تستطيع ابتلاع الطعام الذي بفمها. وما إن رآها نوح على تلك الحالة حتى ضحك بشدة على مظهرها. ثم ناولها كوباً من اللبن قائلاً: "اشربي اللبن ده عشان تعرفي تبلعي. حطيت لك فيه معلقة عسل أبيض زي ما بتحبي وسميت الله وأنا بحطه وبقلبه."
لتنظر له أمانة باستغراب ليكمل قائلاً: "امبارح بس اكتشفت إني حافظ عنك كل عوايدك وكل اللي بتحبيه واللي ما بتحبيهموش. مش قلتلك إني اكتشفت إني بحبك؟"
أمانة بفضول: "وأمتى حصل الكلام ده؟"
ليرفع نوح كتفيه مع حركة من شفتيه التي رفعها عالياً تدل على عدم المعرفة ثم قال بابتسامة: "يمكن لو أكلت وشربت قهوة أعرف أقدح زناد فكري وأركز وأقدر أعرف إجابة السؤال ده."
أمانة وهي تلعق شفتيها بلسانها لتزيل أثر اللبن: "أنا خلاص شبعت، اديني بقى المسكن من فضلك."
ليسرح نوح مع حركة شفتيها لبرهة ثم قال ببحة رجولية: "ماتبقاش تعملي الحركة دي تاني وخصوصاً قدام حد."
أمانة بتساؤل: "حركة إيه؟"
نوح: "الحركة اللي انتي لسه عاملاها بلسانك دي."
أمانة باستغراب: "وفيه إيه، ده عشان اللبن، إيه المشكلة؟"
ليزفر نوح وهو ينهض من مكانه ليحضر الدواء وهو يقول: "هبقى أقول لك إيه مشكلتها بعدين، لكن المهم إنك تسمعي الكلام."
أمانة بغيظ: "أنا مابعملش حاجة من غير ما أفهم."
ل يجلس نوح أمامها وهو يضحك بخبث قائلاً: "مانا لو فهمتك دلوقتي يا حبيبتي هتزعلي."
أمانة بنوع من الغضب: "نوح... أنا ما بحبش الألغاز، ماتتكلم على طول، إيه، بيبقى شكلي وحش أوي كده؟"
ليقول نوح هو ينظر لشفتيها: "بالعكس، بس خليتيني عاوز أعمل رد فعل ممكن يزعلك."
أمانة بعدم فهم: "ماتقول على طول رد فعل إيه ده اللي يزعلني؟"
ليقوم نوح بجذب رأسها إليه ويقبلها على جبينها قائلاً: "هو ده رد الفعل بس مش بالضبط."
لتنظر له أمانة بشيء من الغباء لبرهة ثم فجأة تشهق وهي تحدق في نوح. وما هي إلا ثوانٍ إلا واخفضت عينيها وهي تتمتم بشيء ما لم يصل لأذن نوح ولكنه خمن أنها تسبه أو تعنفه. فما كان منه إلا أن ضحك بشدة. ثم ناولها الدواء والماء. وبعد أن اطمئن أنها تناولت أدويتها وقف أمامها وهو يحك رأسه ثم قال: "طب دلوقتي انتي محتاجة تدهني المراهم بتاعتك مرة الصبح ومرة بالليل. عاوزك تقومي عشان تتعدلي وأدهنلك وأغير هدومك اللي انتي بيها من امبارح دي."
أمانة شاهقة: "لأ طبعاً مش هينفع."
نوح بهدوء: "يا حبيبتي الموقع كله حالياً ما فيهوش ولا بنات ولا ستات غيرك، وأنا جوزك يا ماما، ماتتكسفيش مني، وأوعدك إني مش هتطاول ولا عيني هتروح في أي حتة غير المكان اللي هدهنهولك. وده كتفك يعني يا حبيبتي."
أمانة بخجل شديد: "لأ طبعاً، أنا هدهن لنفسي على قد ما أطول وخلاص."
نوح بنوع من الغضب: "يبقى مش هتخفي، لأنك مش هتطولي المكان اللي محتاج يندهن كله."
ثم زفر بأنفاسه بعنف وهو يضع يده بخصره ثم قال بحزن: "لو ما وافقتيش إني أدهنلك وأساعدك يا أمانة هتتعبي، وفي الحالة دي هضطر أتصل بطنط هدى وأوديكي عندها على ما تخفي." وأكمل بشيء من الحزن: "بس أنا هبقى تعبان أوي وأنتي بعيد عني ومش قدامي."
لتصمت أمانة وهي لا تدري ماذا تفعل، ولكنها وجدت نوح يتجه إلى باب غرفتها مسرعاً وهو يقول: "استنى."
ثم خرج من الغرفة وعاد بعدها ببعض دقائق وهو يمسك بيده قطعة من الثياب وقال: "بصي التيشرت ده سهل جداً إنك تلبسيه وتقلعيه وأدهنلك عادي وأنتي لابساها."
لتنظر أمانة لتجده قد أحضر تيشيرت خاص به وقد أزال بالمقص إحدى كتفيه ليصلح أن ترتديه دون أن تعاني من تحريك كتفها المصاب.
أمانة وقد أسعدها ما قام بعمله من أجلها ولكنها لم تظهر له ذلك فقالت: "أمرى لله، بس ده أنا على كده محتاجة دستة تيشرتات."
نوح وقد أسعده أنه حصل على إقناعها: "مش مشكلة، هخلي أي حد من المقاولين اللي بيجيبولنا المعدات يجيبلي معاه دستتين مش دستة واحدة، بس قومي يلا أساعدك تغيري هدومك الأول عشان أدهنلك وألحق أروح أبعت الشغل."
أمانة: "طب روح أنت ابعت الشغل على ما أنا أفوّق وأغسل وشي حتى، ده أنا فطرت من غير ما أغسل وشي، وأول ما أخلص هرن عليك ووقت مانت تفضى ابقى اطلع ادهنلي وأرجع تاني. معلش أنا عارفة إني هتعبك."
نوح وهو يمد يده إليها ليساعدها على النهوض: "طب وإنتي هتعرفي تتعاملي بإيد واحدة؟"
أمانة بابتسامة: "الحمد لله إن اليمين هي اللي سليمة، ماتقلقش، اديني هحاول وإن شاء الله خير."
……………………
ليذهب نوح إلى المكتب ليرسل العمل المطلوب بالفاكس والإيميل ويقوم بعمل بعض التوزيعات على العمل وبعض الاتصالات الخاصة بالعمل. وبعدها يقوم بالاتصال على هدى والدة أمانة ليقول: "إزيك يا طنط هدى أخبارك إيه؟"
هدى: "إزيك يا نوح عامل إيه يابني وإزي أمانة تليفونها مقفول من الصبح."
ليعقد نوح حاجبيه باستغراب وهو يتجه إلى الأعلى على مهل وهو ما زال يتحدث مع هدى فقال: "تلاقي الشبكة أو الفون فصل شحنه."
هدى: "يعني انتوا كويسين وبخير؟"
نوح: "الحمد لله تمام، بس كنت عاوز أقول لك على حاجة بس من غير ما تنخضي."
هدى بقلق: "مالها أمانة، أنا حالمة بيها امبارح، إيه اللي حصلها؟ أوعى تكدب عليا يا نوح."
نوح: "يا طنط اهدى، مانتي بكلمك عادي أهو، كل الحكاية إن..." وقص عليها ما حدث باختصار شديد.
هدى بفزع: "يا حبيبتي يا بنتي: كتفها، لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا جايالها حالاً."
نوح بلهفة: "لأ، بالله عليكي يا طنط ماتجيش."
هدى: "إزاي يعني أسيبها كده، خلاص هبعتلها عربية مجهزة تجيبها."
نوح: "ولا دي كمان، الله يبارك لك."
هدى بلوعة على ابنتها: "اومال أعمل إيه بس؟"
نوح: "بصي يا طنط، أنا بعزك جداً وإنتي عارفة ده وهعتبرك أمي أنا كمان مش أم أمانة لوحدها. كل اللي هقدر أقولهولك إن كان فيه سوء تفاهم بيني أنا وأمانة ولسه يا دوب بحاول أحله وأصالحها. ولو بعدت عني دلوقتي بالذات يمكن ما أعرفش أحله تاني. ولولا إن أسامة في شهر العسل كان زماني أخدت إجازة وأخدتها ورجعت على القاهرة، بس للأسف مش هينفع أسيب الموقع دلوقتي نهائي."
هدى وقد بدأت تستوعب الموقف: "بس إنت يا بني مش هتعرف تاخد بالك منها وطول اليوم هتنشغل عنها."
نوح بابتسامة: "من الناحية دي أوعي تشيلي هم، أنا هتصرف وقدها بإذن الله. بس كل اللي عاوزه منك إنك تفهمي أمانة إنك طلعتي الرحلة اللي قالوا لكم عليها أبوها وأسامة، وما تعرفيهاش إني قلت لك حاجة. أنا بس كلمتك عشان عارف إنه ماينفعش أخبي عليكي وإنك أكيد كنتي هتحسي من صوتها ويا هتجيلك يا هتاخديها وأنا مش عاوز ده."
هدى بتنهيدة: "هحاول أدوس على قلبي وأوافقك يا نوح، بس بالله عليك لو في أي لحظة حسيت إنها تعبانة ومحتاجاني جنبها أوعى تفضل مصلحتك على صحتها."
نوح: "اكيد يا طنط، أوعدك."
وما إن أغلق نوح الهاتف إلا واتجه إلى غرفة أمانة ليقف أمامها وهو يستمع إلى صوت أمانة وهي تعافر مع شيء ما. ليطرق الباب ليأتيه صوتها بشبه بكاء: "ماتدخلش يا نوح."
نوح بابتسامة: "كنت عارف إنك مش هتقدري. لو سمحتي يا أمانة اقعدي في السرير وحطي الغطا عليكي وأنا هدخل أساعدك من غير ما أضايقك."
أمانة ببكاء: "أنا هروح لماما، مش هينفع."
نوح: "أرجوكي يا أمانة اسمعي الكلام."
أمانة وقد علا نحيبها: "طب المرة دي بس لأني بردانة جداً بس هروح لماما."
نوح: "خلاص، بس اعملي اللي قلت لك عليه، أنا واقف أهو مستنيكي."
وبعد عدة دقائق سمع صوتها وهي تخبره بأنها فعلت ما قاله لها. ليفتح الباب ويدخل بسرعة مغلقاً الباب ليتجه إليها قائلاً: "فين الهدوم اللي هتلبسيه؟"
لتشير له على كومة من الملابس ليتجه إليها بعملية شديدة حتى يزيل عنها خجلها. فيتجه إلى مكان الدهان ليتناوله ويتجه إليها قائلاً: "خليني أدهنلك الأول."
أمانة ببكاء: "يا نوح مش لازم أدهن."
نوح بحزم: "لأ لازم، مش هتخفي من غيره."
ليجلس جوارها ويمد يده بالدهان ليبدأ في فرده على المكان المراد علاجه. ليبدأ بتمرير يده بحذر شديد وهو يقول: "الكدْمة باينة يا أمانة في حرف كتفك أهيه ومن ورا كمان، واضح إن الخبطة كانت جامدة."
أمانة وهي تعلم أنه يحاول إزالة خجلها: "الحمد لله إنها جت على قد كده."
لينهض نوح متجهاً إلى الحمام لغسل يده وتجفيفها. ثم عاد ليلتقط التيشيرت الذي قام بقص كتفه ليلبسها إياه. ثم وجدها تريد أن تلبس جلبابها فقال لها: "الجلباب هيتعبك وإنتي بتلبسيه. إيه رأيك أجيب لك جاكتة تريننج من عندي تدفيكي وتبقى سهلة في لبسها وقلعها."
أمانة بدعابة: "أنا كده هستولي على هدومك كلها."
نوح بحب: "يا ستي كلي ليكي، ها أجيبهولك؟"
أمانة: "هيبقى كبير أوي عليا."
نوح: "معلش مؤقتاً بس لحد بكرة."
أمانة: "وأشمعنى بكرة؟"
نوح: "هروح أجيب لك بس الترنج الأول عشان ماتبرديش وبعدين أقول لك."
ليذهب مسرعاً ثم عاد وبيده جاكت الترنج ليلبسها إياه. وما إن أغلقه عليها وأنهضها من الفراش وكانت ترتدي بنطالاً عليه رسومات كرتونية لميمي وميكي ماوس. وما إن نظر إليها حتى ضحك بشدة فكانت كطفلة ترتدي ملابس أبيها. لتمتعض أمانة في البداية ولكنها ما إن رأت شكلها في المرآة إلا ورفعت حاجبيها بشهقة طفولية ثم ضحكت هي الأخرى بشدة. ليركز نوح مع ضحكتها ليضمها إلى صدره ويقبل جبينها قائلاً: "على قد ما أصابتك دي وجعت قلبي... على قد ما هي اللي عرفتني إن قلبي لسه عايش وإنك ساكنة فيه من سنين بس كنت قافل شبابيكه. لكن فجأة كل البيبان والشبابيك اتفتحت وصرخت باسمك بلهفة خلتني مش مصدق إني أخيراً استطعمت حبك."